الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٠٦ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 124 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ) أي : إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله ، وقيل له : اتق الله ، وانزع عن قولك وفعلك ، وارجع إلى الحق امتنع وأبى ، وأخذته الحمية والغضب بالإثم ، أي : بسبب ما اشتمل عليه من الآثام ، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير ) [ الحج : 72 ] ، ولهذا قال في هذه الآية : ( فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) أي : هي كافيته عقوبة في ذلك .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذا قيل = لهذا المنافق الذي نعَتَ نعتَه لنبيه عليه الصلاة والسلام، وأخبره أنه يُعجبه قوله في الحياة الدنيا=: اتق الله وخَفْهُ في إفسادك في أرْض الله، وسعيكَ فيها بما حرَّم الله عليك من معاصيه، وإهلاكك حروث المسلمين ونسلهم- استكبر ودخلته عِزة وحَمية بما حرّم الله عليه، وتمادى في غيِّه وضلاله.
قال الله جل ثناؤه: فكفاه عقوبة من غيه وضلاله، صِلِيُّ نارِ جهنم، ولبئس المهاد لصاليها.
* * * واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها كل فاسق ومنافق.
* ذكر من قال ذلك: 3998 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا بسطام بن مسلم، قال: حدثنا أبو رجاء العطارديّ قال: سمعت عليًّا في هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إلى: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ، قال علي: " اقتَتَلا وربِّ الكعبة ".
&; 4-245 &; 3999 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " وإذا قيلَ له اتق الله أخذته العزة بالإثم " إلى قوله: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ، قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السُّبْحة وفرغ، دخل مربدًا له، (44) فأرسل إلى فتيان قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة، (45) قال: فيأتون فيقرأون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف.
قال فمرُّوا بهذه الآية: " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم "، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ = قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله= فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان؟
فسمع عمر ما قال، فقال: وأيّ شيء قلت ؟
قال: لا شيء يا أمير المؤمنين!
قال: ماذا قلت ؟
اقتَتل الرجلان ؟
قال فلما رأى ذلك ابن عباس قال: أرى ههنا مَنْ إذا أُمِر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يَشري نفسه ابتغاءَ مرضاة الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي !
فقاتله، فاقتتل الرجلان!
فقال عمر: لله بلادك يا ابن عباس.
(46) * * * وقال آخرون: بل عنى به الأخنس بن شريق، وقد ذكرنا من قال ذلك فيما مضى.
(47) * * * &; 4-246 &; وأما قوله: " ولبئس المهاد "، فإنه يعني: ولبئس الفراشُ والوِطاء جهنمُ التي أوعدَ بها جل ثناؤه هذا المنافق، ووطَّأها لنفسه بنفاقه وفجوره وتمرُّده على ربه.
قوله تعالى : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا ، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا .
وقال عبد الله : كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه : اتق الله ، فيقول : عليك بنفسك ، مثلك يوصيني!
والعزة : القوة والغلبة ، من عزه يعزه إذا غلبه .
ومنه : وعزني في الخطاب وقيل : العزة هنا الحمية ، ومنه قول الشاعر : [ ص: 20 ]أخذته عزة من جهله فتولى مغضبا فعل الضجروقيل : العزة هنا المنعة وشدة النفس ، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه .
وقال قتادة : المعنى إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على المعصية ، والمعنى حملته العزة على الإثم .
وقيل : أخذته العزة بما يؤثمه ، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية .
ونظيره : بل الذين كفروا في عزة وشقاق وقيل : الباء في بالإثم بمعنى اللام ، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه ، وهو النفاق ، ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة :وكأن ربا أو كحيلا معقدا حش الوقود به جوانب قمقمأي حش الوقود له وقيل : الباء بمعنى مع ، أي أخذته العزة مع الإثم ، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلات .
وذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد ، فاختلف إلى بابه سنة ، فلم يقض حاجته ، فوقف يوما على الباب ، فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال : اتق الله يا أمير المؤمنين!
فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا ، فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت ، فلما رجع قيل له : يا أمير المؤمنين ، نزلت عن دابتك لقول يهودي!
قال : لا ، ولكن تذكرت قول الله تعالى : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد .
حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء ، كما تقول للرجل : كفاك ما حل بك!
وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل .
والمهاد جمع المهد ، وهو الموضع المهيأ للنوم ، ومنه مهد الصبي .
وسمى جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار .
وقيل : لأنها بدل لهم من المهاد ، كقوله : فبشرهم بعذاب أليم ونظيره من الكلام قولهم : للشاعر معدي كربوخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع
ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله, إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف، و { أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ } فيجمع بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين.
{ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } التي هي دار العاصين والمتكبرين، { وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } أي: المستقر والمسكن, عذاب دائم, وهم لا ينقطع, ويأس مستمر, لا يخفف عنهم العذاب, ولا يرجون الثواب, جزاء لجناياتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذا بالله من أحوالهم.
قوله ( وإذا قيل له اتق الله ) أي خف الله ( أخذته العزة بالإثم ) أي حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم أي بالظلم والعزة التكبر والمنعة وقيل معناه ( أخذته العزة ) للإثم الذي في قلبه فأقام الباء مقام اللام .
قوله ( فحسبه جهنم ) أي كافيه ( ولبئس المهاد ) أي الفراش ، قال عبد الله بن مسعود : إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال : للعبد اتق الله فيقول : عليك بنفسك .
وروي أنه قيل لعمر بن الخطاب : اتق الله فوضع خده على الأرض تواضعا لله عز وجل .
«وإذا قيل له اتق الله» في فعلك «أخذته العزة» حملته الأنفة والحمية على العمل «بالإثم» الذي أُمر باتقائه «فحسبه» كافيه «جهنم ولبئس المهاد» الفراش هي.
وإذا نُصِح ذلك المنافق المفسد، وقيل له: اتق الله واحذر عقابه، وكُفَّ عن الفساد في الأرض، لم يقبل النصيحة، بل يحمله الكبر وحميَّة الجاهلية على مزيد من الآثام، فَحَسْبُه جهنم وكافيته عذابًا، ولبئس الفراش هي.
أما الصفة الخامسة لهذا النوع من الناس فهي قوله - تعالى - : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم ) أي : وإذا قيل لهذا المنافق على سبيل النصح والإِرشاد اتق الله واترك ما أنت فيه من نفاق وخداع وخروج عن طاعة الله ، استولت عليه العزة - أي حمية الجاهلية - مقترنة بالإِثم ومصاحبة له ، فهي ليست العزة المحمودة ولكنها الكبرياء المبغوضة .
والباء على هذا المعنى للمصاحبة والاقتران .قال الجمل .
والباء على هذا تكون في محل نصب على الحال وفيها حينئذ وجهان :أحدهما : أن تكون حالا من العزة أي ملتبسة بالإِثم .والثاني : أن تكون حالا من المفعول .
أي : أخذته كال كونه ملتبسا بالإِثم ، وفي قوله العزة بالإِثم التتميم وهو نوع من علم البديع ، وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ترفع عنها للبس وتقربها من الفهم ، وذلك أن العزة تكون محمودة ومذمومة فمن مجيئها محمودة قوله - تعالى ( وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) فلو أطلقت لتوهم فيها بضع من لا دراية له أنها محمودة ، فقثيل بالإِثم توضيحاً للمراد فرفع اللبس ، ويجوز أن تكون الباء للتعدية - وهو قول الزمخشري - فإنه قال : أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه .
أي : حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على الإِثم الذي ينهى عنه وألزمته ارتكابه ، ويجوز أن تكون للسببية بمعنى أن إِثمه كان سبباً لأخذ العزة له " .أي : استولت عليه حمية الجاهلية بسبب الإِثم الذي استحوذ على قلبه فأنساه كل ما يوصل إلى الصلاح والاستقامة .و " ال " في العزة للعهد .
أي : العزة المعهودة المعروفة عند أهل الجاهلية التي تمنع صاحبها من قبول النصيحة .قال الأستاذ الإِمام محمد عبده مرجحاً ما ذهب إليه من أن " تولى " بمعنى الولاية والإِمارة : " وهذا الوصف ظاهر جداً في تفسير التولى بالولاية والسلطة ، فإن الحاكم الظالم المستبد يكبر عليه أن يرشد إلى مصلحة ، أو يحذر من مفسدة ، لأنه يرى أن هذا المقام الذي ركبه وعلاه يجلعه أعلى الناس رأيا وأرجحهم عقلا ، بل الحاكم المستبد الذي لا يخاف الله - تعالى - يرى نفسه فوق الحق كما أنه فوق أهله في السلطة ، فيجب أن يكون أفن رأيه خيراً من جودة آرائهم ، وإفساده نافذاً مقبولا دون إصلاحهم ، فكيف يجوز لأحد منهم أن يقول له : اتق الله في كذا .
.
.
" .ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من هذه صفاته فقال : ( فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد ) .الفاء هنا للإِفصاح ، لأنها تفصح عن شرط محذوف تقديره : إذا كانت هذه حالة المعرض عن النصح أنفة وتكبراً ( فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ) أي : كافية جهنم جزاء له ( وَلَبِئْسَ المهاد ) أي : كافية جهنم جزاء له ( وَلَبِئْسَ المهاد ) أي : ولبئس الفراش الذي يستقر عليه بسبب غروره وفجوره .وقوله : ( فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ) جملة من مبتدأ وخبر ، وقوله ( وَلَبِئْسَ المهاد ) جواب قسم مقدر .أي : والله والمخصوص بالذم محذوف لظهوره وتعينه وهو جهنم .
والمهاد جمع مهد وهو المكان المهيأ للنوم ، والتعبير عن جهنم بالهاد من باب التهم والاستهزاء بهذا النوع المغرور المفسد من الناس .هذا وقد أورد بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآيات منها أنها نزلت في الأخنس ابن شريق الثقفي أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإِسلام وزعم أنه يحبه وأقسم بالله على ذلك ، غير أنه كان منافقاً خبيث الباطن ، فخرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل بعض الماشية فنزلت .قال الإِمام الرازي ما ملخصه بعد أن ساق هذه الرواية وغيرها : واختيار أكثر المحققين من المفسرين أن هذه الآيات عامة في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفات المذكورة .
.
.
ولا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان موصوفاً بتلك الصفات ، ونزولها على السبب الذي حكيناه لا يمنع من العموم ، وهو من وجوه .أحدها : أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ، فلما ذم الله - تعالى - قوماً وصفهم بصفات توجب استحقاق الذم ، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات ، فيلزم أن كل من كان موصوفاً بتلك الصفات أن يكون مستوجباً للذم .وثانيها : أن الحمل على العموم أكثر فائدة ، وذلك لأنه يكون زجراً لكل المكلفين عن تلك الطريقة المذمومة .وثالثها : أن هذا أقرب إلى الاحتياط ، لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص ، وِإما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره ، فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى " .هذا ، وفي هذه الآيات الكريمة زجر شديد ووعيد أليم للمنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ويفسدون في الأرض ولا يصلحون ، ويكادون يسطون بالذين ينصحونهم ويتلون عليهم آيات الله لأن المنافقين ما كثروا في أمة إلا وجعلوا بأسها بينها شديدا ، روى ابن جرير عن نوف البكالي قال : إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل : قوم يحتالون على الدنيا بالدين ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمر من الصبر ، يلبسون للناس مسوك - أي جلود - الضأن وقلوبهم الذئاب يقول الله - تعالى - فعلى يجترثون وبي يغترون ، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم حيران " .قال ابن كثير : قال القرظي الذي روى هذا القول عن نوف : تدبرت هذه الصفات في القرآن فإذا هي في المنافقين ووجدتها في قوله - تعالى ( وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا ) .والحق أنه ما ابتليت أمة بتفشي هذا النوع من الناس فيها إلا فسد حالها وهان شأنها وكانت عاقبة أمرها خسرا .
اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان: كافر وهو الذي يقول: ﴿ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا ﴾ ومسلم وهو الذي يقول: ﴿ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً ﴾ بقي المنافق فذكره في هذه الآية، وشرح صفاته وأفعاله، فهذا ما يتعلق بنظم الآية، والغرض بكل ذلك أن يبعث العباد على الطريقة الحسنة فيما يتصل بأفعال القلوب والجوارح، وأن يعلموا أن المعبود لا يمكن إخفاء الأمور عنه ثم اختلف المفسرون على قولين منهم من قال: هذه الآية مختصة بأقوام معينين ومنهم من قال: إنها عامة في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفة المذكورة في هذه الآية، أما الأولون فقد اختلفوا على وجوه: فالرواية الأولى: أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، وهو حليف لبني زهرة أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام، وزعم أنه يحبه ويحلف بالله على ذلك، وهذا هو المراد بقوله: ﴿ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ غير أنه كان منافقاً حسن العلانية خبيث الباطن، ثم خرج من عند النبي عليه السلام فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر، وهو المراد بقوله: ﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ وقال آخرون المراد بقوله تعالى: ﴿ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ﴾ هو أن الأخنس أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمداً ابن أختكم، فإن يك كاذباً كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به قالوا: نعم الرأي ما رأيت، قال: فإذا نودي في الناس بالرحيل فإني أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمي لهذا السبب أخنس، وكان اسمه: أبي بن شريق، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه، وعندي أن هذا القول ضعيف وذلك لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ مذكور في معرض الذم فلا يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح.
والرواية الثانية: في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع، ووصل الخبر إلى الكفار، فركب منهم سبعون راكباً وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم، ففيهم نزلت هذه الآية، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله منبهاً بذلك على حال هؤلاء الشهداء.
القول الثاني: في الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين، أن هذه الآية عامة في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفات المذكورة، ونقل عن محمد بن كعب القرظي، أنه جرى بينه وبين غيره كلام في هذه الآية، فقال إنها وإن نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان موصوفاً بتلك الصفات، والتحقيق في المسألة أن قوله: ﴿ وَمِنَ الناس ﴾ إشارة إلى بعضهم، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع، وقوله: ﴿ وَيُشْهِدُ الله ﴾ لا يدل على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى وهو جمع وأما نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم، بل نقول: فيها ما يدل على العموم، وهو من وجوه: أحدها: أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، فلما ذم الله تعالى قوماً ووصفهم بصفات توجب استحقاق الذم، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات، فيلزم أن كل من كان موصوفاً بتلك الصفات أن يكون مستوجباً للذم.
وثانيها: أن الحمل على العموم أكثر فائدة، وذلك لأنه يكون زجراً لكل المكلفين عن تلك الطريق المذمومة.
وثالثها: أن هذا أقرب إلى الإحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى، إذا عرفت هذا فنقول: اختلفوا في أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه الصفات منافق أم لا، والصحيح أنها لا تدل على ذلك، لأن الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة، وشيء منها لا يدل على النفاق فأولها قوله: ﴿ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا ﴾ وهذا لا دلالة فيه على صفة مذمومة إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ لأن الإنسان إذا قيل: إنه حلو الكلام فيما يتعلق بالدنيا أوهم نوعاً من المذمة.
وثانيها: قوله: ﴿ وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ وهذ لا دلالة فيه على حالة منكرة، فإن أضمرنا فيه أن يشهد الله على ما في قلبه مع أن قلبه بخلاف ذلك فالكلام مع هذا الإضمار لا يدل على النفاق، لأنه ليس في الآية أن الذي يظهره للرسول من أمر الإسلام والتوحيد، فإنه يضمر خلافه حتى يلزم أن يكون منافقاً، بل لعل المراد أنه يضمر الفساد ويظهر ضده حتى يكون مرائياً.
وثالثها: قوله: ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الخصام ﴾ وهذا أيضاً لا يوجب النفاق.
ورابعها: قوله: ﴿ وَإِذْ تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾ والمسلم الذي يكون مفسداً قد يكون كذلك.
وخامسها: قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم ﴾ فهذا أيضاً لا يقتضي النفاق، فعلمنا أن كل هذه الصفات المذكورة في الآية كما يمكن ثبوتها في المنافق يمكن ثبوتها في المرائي، فإذن ليس في الآية دلالة على أن هذا المذكور يجب أن يكون منافقاً إلا أن المنافق داخل في الآية، وذلك لأن كل منافق فإنه يكون موصوفاً بهذه الصفات الخمسة بل قد يكون الموصوف بهذه الصفات الخمسة غير منافق فثبت أنا متى حملنا الآية على الموصوف بهذه الصفات الخمسة دخل فيها المنافق والمرائي، وإذا عرفت هذه الجملة فنقول: الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة.
الصفة الأولى: قوله: ﴿ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا ﴾ والمعنى: يروقك ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس.
أما في قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ ففيه وجوه أحدهما: أنه نظير قول القائل: يعجبني كلام فلان في هذه المسألة والمعنى: يعجبك قوله وكلامه عندما يتكلم لطلب مصالح الدنيا والثاني: أن يكون التقدير: يعجبك قوله وكلامه في الحياة الدنيا وإن كان لا يعجبك قوله وكلامه في الآخرة لأنه ما دام في الدنيا يكون جريء اللسان حلو الكلام، وأما في الآخرة فإنه تعتريه اللكنة والإحتباس خوفاً من هيبة الله وقهر كبريائه.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ فالمعنى أنه يقرر صدقة في كلامه ودعواه بالاستشهاد بالله، ثم يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف واليمين، ويحتمل أن يكون ذلك بأن يقول: الله يشهد بأن الأمر كما قلت، فهذا يكون استشهاداً بالله ولا يكون يميناً، وعامة القراء يقرؤن ﴿ وَيُشْهِدُ الله ﴾ بضم الياء، أي هذا القائل يشهد الله على ما في ضميره، وقرأ ابن محيصن ﴿ يَشْهَدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ بفتح الياء، والمعنى: أن الله يعلم من قلبه خلاف ما أظهره.
فالقراءة الأولى: تدل على كونه مرائياً وعلى أنه يشهد الله باطلاً على نفاقه وريائه.
وأما القراءة الثانية: فلا تدل إلا على كونه كاذباً، فأما على كونه مستشهداً بالله على سبيل الكذب فلا، فعلى هذا القراءة الأولى أدلى على الذم.
الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الخصام ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الألد: الشديد الخصومة، يقال: رجل ألد، وقوم لد، وقال الله تعالى: ﴿ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ﴾ وهو كقوله: ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ يقال: منه لد يلد، بفتح اللام في يفعل منه، فهو ألد، إذا كان خصماً، ولددت الرجل ألده بضم اللام، إذا غلبته بالخصومة، قال الزجاج اشتقاقه من لديدتي العنق وهما صفحتاه، ولديدي الوادي، وهما جانباه، وتأويله أنه في أي وجه أخذه خصمه من يمين وشمال في أبواب الخصومة غلب من خاصمه.
وأما ﴿ الخصام ﴾ ففيه قولان أحدهما: وهو قول خليل: إنه مصدر بمعنى المخاصمة، كالقتال والطعام بمعنى المقاتلة والمطاعنة، فيكون المعنى: وهو شديد المخاصمة، ثم في هذه الإضافة وجهان: أحدهما: أنه بمعنى ﴿ فِى ﴾ والتقدير: ألد في الخصام والثاني: أنه جعل الخصام ألد على سبيل المبالغة.
والقول الثاني: أن الخصام جمع خصم، كصعاب وصعب، وضخام وضخم، والمعنى: وهو أشد الخصوم خصومة، وهذا قول الزجاج، قال المفسرون: هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق على ما شرحناه: وفيه نزل أيضاً قوله: ﴿ وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍۭ بِنَمِيمٍ ﴾ ثم للمفسرين عبارات في تفسير هذه اللفظة، قال مجاهد ﴿ أَلَدُّ الخصام ﴾ معناه: طالب لا يستقيم، وقال السدي: أعوج الخصام وقال قتادة ألد الخصام معناه أنه جدل بالباطل، شديد القصوة في معصية الله، عالم اللسان جاهل العمل.
المسألة الثانية: تمسك المنكرون للنظر والجدل بهذه الآية، قالوا إنه تعالى ذم ذلك الإنسان بكونه شديداً في الجدل، ولولا أن هذه الصفة من صفات الذم، وإلا لما جاز ذلك وجوابه ما تقدم في قوله: ﴿ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ .
الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل والله لاَ يُحِبُّ الفساد ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين من حال ذلك الإنسان أنه حلو الكلام، وأنه يقرر صدق قوله بالاستشهاد بالله وأنه ألد الخصام، بين بعد ذلك أن كل ما ذكره باللسان فقلبه منطو على ضد ذلك فقال: ﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾ ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تولى ﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه وإذا انصرف من عندك سعى في الأرض بالفساد، ثم هذا الفساد يحتمل وجهين: أحدهما: ما كان من اتلاف الأموال بالتخريب والتحريق والنهب، وعلى هذا الوجه ذكروا روايات منها ما قدمنا أن الأخنس لما أظهر للرسول عليه السلام أنه يحبه وأنه على عزم أن يؤمن فلما خرج من عنده مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر، ومنها أنه لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زرعهم.
والوجه الثاني في تفسير الفساد: أنه كان بعد الإنصراف من حضرة النبي عليه السلام يشتغل بإدخال الشبه في قلوب المسلمين، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر، وهذا المعنى يسمى فساداً، قال تعالى: حكاية عن قوم فرعون حيث قالوا له: ﴿ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ أي يردوا قومك عن دينهم، ويفسدوا عليهم شريعتهم، وقال أيضاً: ﴿ إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد ﴾ وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ ما يقرب من هذا الوجه، وإنا سمي هذا المعنى فساداً في الأرض لأنه يوقع الإختلاف بين الناس ويفرق كلمتهم ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض، فتنقطع الأرحام وينسفك الدماء، قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ فأخبر أنهم أن تولوا عن دينه لم يحصلوا إلا على الفساد في الأرض، وقطع الارحام، وذلك من حيث قلنا وهو كثير في القرآن، واعلم أن حمل الفساد على هذا أولى من حمله على التخريب والنهب، لأنه تعالى قال: ﴿ وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ والمعطوف مغاير للمعطوف عليه لا محالة.
القول الثاني: في تفسير قوله: ﴿ وَإِذَا تولى ﴾ وإذا صار والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل، والقول الأول أقرب إلى نظم الآية، لأن المقصود بيان نفاقه، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ سعى فِي الأرض ﴾ أي اجتهد في إيقاع القتال، وأصل السعي هو المشي بسرعة ولكنه مستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس، ومنه يقال: فلان يسعى بالنميمة قال الله تعالى: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خلالكم يَبْغُونَكُمُ الفتنة ﴾ .
المسألة الثالثة: من فسر الفساد بالتخريب قال: إنه تعالى ذكره أولاً على سبيل الإجمال، وهو قوله: ﴿ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾ ثم ذكره ثانياً على سبيل التفصيل فقال: ﴿ وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ ومن فسر الإفساد بإلقاء الشبهة قال: كما أن الدين الحق أمر أن أولهما العلم، وثانيهما العمل، فكذا الدين الباطل أمران أولهما الشهبات، وثانيهما فعل المنكرات، فهاهنا ذكر تعالى أولاً من ذلك الإنسان اشتغاله بالشبهات، وهو المراد بقوله: ﴿ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾ ثم ذكر ثانياً إقدامه على المنكرات، وهو المراد بقوله: ﴿ وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ ولا شك في أن هذا التفسير أولى ثم من قال سبب نزول الآية أن الأخنس مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر قال: المراد بالحرث الزرع، وبالنسل تلك الحمر، والحرث هو ما يكون منه الزرع، قال تعالى: ﴿ أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أأنتم تَزْرَعُونَهُ ﴾ وهو يقع على كل ما يحرث ويرزع من أصناف النبات، وقيل: إن الحرث هو شق الأرض، ويقال لما يشق به: محرث، وأما النسل فهو على هذا التفسير نسل الدواب، والنسل في اللغة: الولد، واشتقاقه يحتمل أن يكون من قولهم: نسل ينسله إذا خرج فسقط، ومنه نسل ريش الطائر، ووبر البعير، وشعر الحمار، إذا خرج فسقط، والقطعة منها إذا سقطت نسالة، ومنه قوله تعالى: ﴿ إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ أي يسرعون، لأنه أسرع الخروج بحدة، والنسل الولد لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه، والناس نسل آدم، وأصل الحرف من النسول وهو الخروج، وأما من قال: إن سبب نزول الآية: أن الأخنس بيت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعاً، فالمراد بالحرث: إما النسوان لقوله تعالى: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ أو الرجال وهو قول قوم من المفسرين الذين فسروا الحرث بشق الأرض، إذ الرجال هم الذين يشقون أرض التوليد، وأما النسل فالمراد منه الصبيان.
واعلم أنه على جميع الوجوه فالمراد بيان أن ذلك الفساد فساد عظيم لا أعظم منه لأن المراد منها على التفسير الأول.
إهلاك النبات والحيوان، وعلى التفسير الثاني: إهلاك الحيوان بأصله وفرعه، وعلى الوجهين فلا فساد أعظم منه، فإذن قوله: ﴿ وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ من الألفاظ الفصيحة جداً الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة ونظيره في الاختصار ما قاله في صفة الجنة ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين ﴾ وقال: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا ومرعاها ﴾ .
فإن قيل: أفتدل الآية على أنه يهلك الحرث والنسل، أو تدل على أنه أراد ذلك؟.
قلنا: إن قوله: ﴿ سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾ دل على أن غرضه أن يسعى في ذلك، ثم قوله: ﴿ وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ إن عطفناه على الأول لم تدل الآية على وقوع ذلك، فإن تقدير الآية هكذا: سعى في الأرض ليفسد فيها، وسعى ليهلك الحرث والنسل، وإن جعلناه كلاماً مبتدأ منقطعاً عن الأول، دل على وقوع ذلك، والأول أولى، وإن كانت الأخبار المذكورة في سبب نزول الآية دلت على أن هذه الأشياء قد وقعت ودخلت في الوجود.
المسألة الرابعة: قرأ بعضهم ﴿ وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ على أن الفعل للحرث والنسل، وقرأ الحسن بفتح اللام من يهلك وهي لغة نحو: أبى يأبى، وروي عنه ﴿ وَيُهْلِكَ ﴾ على البناء للمفعول.
المسألة الخامسة: استدلت المعتزلة على أن الله تعالى لا يريد القبائح بقوله تعالى: ﴿ والله لاَ يُحِبُّ الفساد ﴾ قالوا: والمحبة عبارة عن الإرادة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة ﴾ والمراد بذلك أنهم يريدون، وأيضاً نقل عن الرسول عليه السلام أنه قال: «إن الله أحب لكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً، أحب لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تناصحوا من ولاة أمركم وكره لكم القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال» فجعل الكراهة ضد المحبة، ولولا أن المحبة عبارة عن الإرادة وإلا لكانت الكراهة ضداً للإرادة، وأيضاً لو كانت المحبة غير الإرادة لصح أن يحب الفعل وإن كرهه، لأن الكراهة على هذا القول إنما تضاد الإرادة دون المحبة، قالوا: وإذا ثبت أن المحبة نفس الإرادة فقوله: ﴿ والله لاَ يُحِبُّ الفساد ﴾ جار مجرى قوله والله لا يريد الفساد كقوله: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ ﴾ بل دلالة هذه الآية أقوى لأنه تعالى ذكر ما وقع من الفساد من هذا المنافق ثم قال: ﴿ والله لاَ يُحِبُّ الفساد ﴾ إشارة إليه فدل على أن ذلك الواقع وقع لا بإرادة الله تعالى وإذا ثبت أنه تعالى لا يريد الفساد وجب أن لا يكون خالقاً له لأن الخلق لا يمكن إلا مع الإرادة فصارت هذه الآية دالة على مسألة الإرادة ومسألة خلق الأفعال والأصحاب أجابوا عنه بوجهين: الأول: أن المحبة غير الإرادة بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكر تعظيمه والثاني: إن سلمنا أن المحبة نفس الإرادة، ولكن قوله: ﴿ والله لاَ يُحِبُّ الفساد ﴾ لا يفيد العموم لأن الألف واللام الداخلين في اللفظ لا يفيدان العموم ثم الذي يهدم قوة هذا الكلام وجهان الأول: أن قدرة العبد وداعيته صالحة للصلاح والفساد فترجح الفساد على الصلاح، إن وقع لا لعلة لزم نفي الصانع، وإن وقع لمرجح فذلك المرجح لابد وأن يكون من الله وإلا لزم التسلسل، فثبت أن الله سبحانه هو المرجح لجانب الفساد على جانب الصلاح فكيف يعقل أن يقال: إنه لا يريده والثاني: أنه عالم بوقوع الفساد فإن أراد أن لا يقع الفساد لزم أن يقال: إنه أراد أن يقلب علم نفسه جهلاً وذلك محال.
الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة ﴾ معناه أن رسول الله دعاه إلى ترك هذه الأفعال فدعاه الكبر والأنفة إلى الظلم.
واعلم أن هذا التفسير ضعيف، لأن قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة ﴾ ليس فيه دلالة إلا على أنه متى قيل له هذا القول أخذته العزة، فإما أن هذا القول قيل أو ما قيل فليس في الآية دلالة عليه فإن ثبت ذلك برواية وجب المصير إليه وإن كنا نعلم أنه عليه السلام كان يدعوا الكل إلى التقوى من غير تخصيص.
المسألة الثانية: أنه تعالى حكى عن هذا المنافق جملة من الأفعال المذمومة أولها: اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدنيا.
وثانيها: استشهاده بالله كذباً وبهتاناً.
وثالثها: لجاجه في إبطال الحق وإثبات الباطل.
ورابعها: سعيه في الفساد.
وخامسها: سعيه في إهلاك الحرث والنسل وكل ذلك فعل منكر قبيح وظاهر قوله: ﴿ إِذَا قِيلَ لَه اتق الله ﴾ فليس بأن ينصرف إلى بعض هذه الأمور أولى من بعض، فوجب أن يحمل على الكل فكأنه قيل: اتق الله في إهلاك الحرث والنسل وفي السعي بالفساد، وفي اللجاج الباطل، وفي الإستشهاد بالله كذلك، وفي الحرص على طلب الدنيا فإنه ليس رجوع النهي إلى البعض أولى من بعض.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَخَذَتْهُ العزة بالإثم ﴾ فيه وجوه: أحدها: أن هذا مأخوذ من قولهم أخذت فلاناً بأن يعمل كذا، أي ألزمته ذلك وحكمت به عليه، فتقدير الآية: أخذته العزة بأن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ترك الإلتفات إلى هذا الواعظ وعدم الإصغاء إليه.
وثانيها: ﴿ أَخَذَتْهُ العزة ﴾ أي لزمته يقال: أخذته الحمى أي لزمته، وأخذه الكبر، أي اعتراه ذلك، فمعنى الآية إذا قيل له اتق الله لزمته العزة الحاصلة بالإثم الذي في قلبه، فإن تلك العزة إنما حصلت بسبب ما في قلبه من الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ والباء هاهنا في معنى اللام، يقول الرجل: فعلت هذا بسببك ولسببك، وعاقبته بجنايته ولجنايته.
أما قوله تعالى: ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ قال المفسرون: كافيه جهنم جزاء له وعذاباً يقال: حسبك درهم أي كفاك وحسبنا الله، أي كافينا الله، وأما جهنم فقال يونس وأكثر النحويين: هي اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وقال آخرون.
جهنم اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، حكى عن رؤبة أنه قال: ركية جهنام بريد بعيدة القعر.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلَبِئْسَ المهاد ﴾ ففيه وجهان الأول: أن المهاد والتمهيد: التوطئة، وأصله من المهد، قال تعالى: ﴿ والأرض فرشناها فَنِعْمَ الماهدون ﴾ أي الموطئون الممكنون، أي جعلناها ساكنة مستقرة لا تميد بأهلها ولا تنبو عنهم وقال تعالى: ﴿ فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ أي يفرشون ويمكنون والثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَلَبِئْسَ المهاد ﴾ أي لبئس المستقر كقوله: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار ﴾ وقال بعض العلماء: المهاد الفراش للنوم، فلما كان المعذب في النار يلقى على نار جهنم جعل ذلك مهاداً له وفراشاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ﴾ أي يروقك ويعظم في قلبك.
ومنه: الشيء العجيب الذي يعظم في النفس.
وهو الأخنس بن شريق كان رجلاً حلو المنطق، إذا لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألان له القول وادعى أنه يحبه وأنه مسلم وقال: يعلم الله أني صادق.
وقيل: هو عامّ في المنافقين، كانت تحلو لي ألسنتهم، وقلوبهم أمرّ من الصَّبِرِ، فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿ فىلحيوة الدنيا ﴾ ؟
قلت: بالقول، أي يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا؛ لأن ادّعاءه المحبة بالباطل يطلب به حظاً من حظوظ الدنيا ولا يريد به الآخرة، كما تراد بالإيمان الحقيقي والمحبة الصادقة للرسول؛ فكلامه إذاً في الدنيا لا في الآخرة.
ويجوز أن يتعلق بيعجبك، أي قوله حلو فصيح في الدنيا فهو يعجبك، ولا يعجبك في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الحبسة واللكنة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه ﴿ وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ أي يحلف ويقول: الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام.
وقرئ: ﴿ ويشهد الله ﴾ .
وفي مصحف أبيّ: ﴿ ويستشهد الله ﴾ : ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الخصام ﴾ وهو شديد الجدال والعداوة للمسلمين.
وقيل: كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلاً وأهلك ومواشيهم وأحرق زروعهم.
والخصام: المخاصمة.
وإضافة الألدّ بمعنى في، كقولهم: ثبت الغدر.
أو جعل الخصام ألدّ على المبالغة.
وقيل الخصام: جمع خصم، كصعب وصعاب، بمعنى وهو أشدّ الخصوم خصومة ﴿ وَإِذَا تولى ﴾ عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق ﴿ سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾ كما فعل بثقيف.
وقيل: ﴿ وَإِذَا تولى ﴾ وإذا كان والياً فعل ما يفعل ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل.
وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل.
وقرئ: (ويهلكُ الحرث والنسلُ)، على أن الفعل للحرث والنسل، والرفع للعطف على سعى.
وقرأ الحسن بفتح اللام، وهي لغة.
نحو: أبى يأبى.
وروى عنه: ﴿ ويهلك ﴾ ، على البناء للمفعول ﴿ أَخَذَتْهُ العزة بالإثم ﴾ من قولك: أخذته بكذا، إذا حملته عليه وألزمته إياه، أي حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأن لا يخلي عنه ضراراً ولجاجاً.
أو على ردّ قول الواعظ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا تَوَلّى ﴾ أدْبَرَ وانْصَرَفَ عَنْكَ.
وقِيلَ: إذا غَلَبَ وصارَ والِيًا.
﴿ سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ ﴾ كَما فَعَلَهُ الأخْنَسُ بِثَقِيفَ إذْ بَيَّتَهم وأحْرَقَ زُرُوعَهم وأهْلَكَ مَواشِيَهُمْ، أوْ كَما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ بِالقَتْلِ والإتْلافِ، أوْ بِالظُّلْمِ حَتّى يَمْنَعَ اللَّهُ بِشُؤْمِهِ القَطْرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ.
﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ﴾ لا يَرْتَضِيهِ فاحْذَرُوا غَضَبَهُ عَلَيْهِ.
﴿ وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ ﴾ حَمَلَتْهُ الأنَفَةُ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الإثْمِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِإتْقانِهِ لَجاجًا، مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا إذا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتَهُ إيّاهُ.
﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ كَفَتْهُ جَزاءً وعَذابًا، وجَهَنَّمُ عَلَمٌ لِدارِ العِقابِ وهو في الأصْلِ مُرادِفٌ لِلنّارِ.
وقِيلَ مُعْرَبٌ.
﴿ وَلَبِئْسَ المِهادُ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، والمِهادُ الفِراشُ.
وقِيلَ ما يُوطَأُ لِلْجَنْبِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ} للأخنس {اتق الله} في الإفساد والإهلاك {أخذته العزة بالإثم} حملته الخوة وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه وألزمته ارتكابه أو الباء للسبب أي أخذته العزة من أجل الإثم الذي في
قلبه وهو الكفر {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} أي كافيه {وَلَبِئْسَ المهاد} أي الفراش جهنم ونزل في صهيب حين أراده المشركون على ترك الإسلام وقتلوا نفرا كانوا معه فاشترى نفسه بما له منهم وأتى المدينة أو فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل
﴿ وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ في فِعْلِكَ ﴿ أخَذَتْهُ العِزَّةُ ﴾ أيِ: احْتَوَتْ عَلَيْهِ وأحاطَتْ بِهِ، وصارَ كالمَأْخُوذِ بِها، والعِزَّة في الأصْلِ خِلافُ الذُّلِّ، وأُرِيدَ بِها الأنَفَةُ والحَمِيَّةُ مَجازًا، ﴿ بِالإثْمِ ﴾ أيْ: مَصْحُوبًا أوْ مَصْحُوبَةً بِهِ، أوْ بِسَبَبِ إثْمِهِ السّابِقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أخَذَ ) مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى الأسْرِ، ومِنهُ الأخِيذُ لِلْأسِيرِ؛ أيْ: جَعَلَتْهُ ( العِزَّةُ ) وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ أسِيرًا بِقَيْدِ الإثْمِ لا يَتَخَلَّصُ مِنهُ، ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ أيْ: كافِيهِ جَهَنَّمُ، وقِيلَ: جَهَنَّمُ فاعِلٌ لِـ حَسِبَهُ سادَّ مَسَدَّ خَبَرِهِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ وقَوِيَ لِاعْتِمادِهِ عَلى ( الفاءِ ) الرّابِطَةِ لِلْجُمْلَةِ بِما قَبْلَها، وقِيلَ: ( حَسْبُ ) اسْمُ فِعْلٍ ماضٍ بِمَعْنى ( كَفى ) وفِيهِ نَظَرٌ، وجَهَنَّم عَلَمٌ لِدارِ العِقابِ أوْ لِطَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِها مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وهي مِنَ المُلْحَقِ بِالخُماسِيِّ بِزِيادَةِ الحَرْفِ الثّالِثِ ووَزْنُهُ فَعَنْلَلُ، وفي البَحْرِ إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ: رَكِيَّةٌ جِهْنامٌ - إذا كانَتْ بَعِيدَةَ القَعْرِ - وكِلاهُما مِنَ الجَهْمِ، وهي الكَراهِيَةُ والغِلَظُ، ووَزْنُها فَعَنْلُ، ولا يُلْتَفَتُ لِمَن قالَ: وزَنُها فَعَنْلَلُ كَعَرَنْدَسِ، وأنَّ فَعَنْلا مَفْقُودٌ لِوُجُودِ فَعَنْلٍ نَحْوَ دُونَكَ وخِفْنَكَ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: إنَّها فارِسِيٌّ، وأصْلُها كَهِنامَ فَعُرِّبَتْ - بِإبْدالِ الكافِ جِيمًا وإسْقاطِ الألِفِ - والمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ حِينَئِذٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ 206﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ وتَعَيُّنِهِ، والمِهاد الفِراشُ، وقِيلَ: ما يُوطِئُ لِلْجَنْبِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلتَّهَكُّمِ، وفي الآيَةِ ذَمٌّ لِمَن يَغْضَبُ إذا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ ولِهَذا قالَ العُلَماءُ: إذا قالَ الخَصْمُ لِلْقاضِيَ: اعْدِلْ ونَحْوَهُ لَهُ أنْ يُعَزِّرَهُ، وإذا قالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ لا يُعَزِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ”إنَّ مِن أكْبَرِ الذَّنْبِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأخِيهِ: اتَّقِ اللَّهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ“.
<div class="verse-tafsir"
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ، يعني كلامه وحديثه، وهو أخنس بن شريق، كان حلو الكلام، حلو المنظر، فاجر السريرة.
وروى أسباط عن السدي قال: أقبل أخنس بن شريق إلى رسول الله بالمدينة فقال: إنما جئت أريد الإسلام وقال: الله يعلم أني صادق، فأعجب النبيّ بقوله ثم خرج من عنده، فمر بزرع للمسلمين فأحرقه، ومر بحمار للمسلمين فعقره، فنزلت هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، أي يعجبك كلامه وحديثه.
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ من الضمير أنه يحبه وهو يريد الإسلام وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ، أي شديد الخصومة.
قال القتبي: أي أشدهم خصومة.
يقال: رجل ألد بين اللّد واللدد، وقوم لد.
كما قال في آية أخرى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا [مريم: 97] .
ثم قال: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ، يقول: إذا فارقك رجع عنك، سعى في الأرض، أي مضى في الأرض بالمعاصي.
لِيُفْسِدَ فِيها، أي يعصي الله في الأرض وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، أي يحرق الكدس ويعقر الدواب.
وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسادَ، أي لا يرضى بعمل المعاصي.
وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ في صنعك، أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ، أي الحمية بِالْإِثْمِ، يعني الحمية في الإثم، يعني تكبراً.
يقول الله تعالى: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ، أي ولبئس الفراش ولبئس القرار.
فهذه الآية نزلت في شأن أخنس بن شريق، ولكنها صارت عامة لجميع الناس فمن عمل مثل عمله، استوجب تلك العقوبة.
وقال بعض الحكماء، إن من يقتل حماراً ويحرق كدساً، استوجب الملامة ولحقه الشين إلى يوم القيامة فالذي يسعى بقتل مسلم كيف يكون حاله؟
وذكر أن يهودياً كانت له حاجة إلى هارون الرشيد، فاختلف إلى بابه سنة، فلم تنقض حاجته فوقف يوماً على الباب، فلما خرج هارون الرشيد سعى ووقف بين يديه وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين.
فنزل هارون عن دابته وخرّ ساجداً لله تعالى، فلما رفع رأسه أمر به، فقضيت حاجته.
فلما رجع قيل: يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك بقول يهودي؟
قال: لا ولكن تذكرت قول الله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ إلى آخره.
وقال قتادة: ذكر لنا أن النبيّ قال: «إِذَا دُعِيْتُمْ إلى الله فَأَجِيبُوا، وإِذَا سُئِلْتُم بالله فَأَعْطُوا فإِنَّ المُؤْمِنِينَ كانوا كذلك» .
<div class="verse-tafsir"
لما حسن من جميع جهاته.
وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)
وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ...
الآية: هذه صفة الكَافِرِ والمنافقِ الذاهِبِ بنَفْسِهِ زَهْواً، ويحذر المؤمن أن يوقعه الحَرَجُ في نحو هذا، وقد قال بعْضُ العلماءِ: كفى بالمرء إِثماً أنّ يقول له أخُوهُ: اتق اللَّهَ، فيقول له: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، مِثْلُكَ يُوصِينِي.
قلت:
قال أحمد بن نصر الداوديّ: عن ابن مسعودٍ: من أكبر/ الذنبِ أنْ يقال للرجل: اتق ٥٢ أالله، فيقول: عليك نفسك، أنت تأمرني «١» .
انتهى.
والْعِزَّةُ هنا: المنعة، وشدَّة النفْس، أي: اعتز في نفسه، فأوقعته تلك العزةُ في الإِثم، ويحتمل المعنى: أخذته العزّة مع الإثم.
وفَحَسْبُهُ، أي: كافيه، والْمِهادُ: ما مهد الرجلُ لنفسه كأنه الفراشُ.
وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ...
الآية: تتناول كلَّ مجاهدٍ في سبيل اللَّهِ، أو مستشهدٍ في ذاته، أو مغيِّر منْكَرٍ، وقيل: هذه الآية في شهداء غزوة الرَّجِيعِ «٢» :
عاصمِ بْنِ ثَابِتٍ «٣» ، وخُبَيْب «٤» ، وأصحابِهِمَا، وقال عكرمةُ وغيره: هي في طائفة من
المهاجرين، وذكروا حديث صهيب «١» .
ويَشْرِي: معناه يبيعُ ومنه وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: ٢٠] ، وحكى قوم أنه يقالُ: شرى بمعنى اشترى، ويحتاجُ إِلى هذا من تأوَّل الآية في صُهَيْبٍ لأنه اشترى نفْسَه بمالِهِ.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ترجيةٌ تقتضي الحضَّ على امتثال ما وقع به المدْحُ في الآية كما أن قوله سبحانه: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ تخويفٌ يقتضي التحذيرَ ممَّا وقع به الذمُّ في الآية، ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخولِ في السِّلْم، وهو الإِسلام، والمُسَالمة، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في أهل الكتابِ، والألف واللام في الشيطانِ للجنْسِ» .
وعَدُوٌّ: يقع للواحدِ، والاثنينِ، والجمعِ، وقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ...
الآية: أصل الزلل في القدم، ثم يستعمل في الاعتقادات، والآراء، وغير ذلك، والمعنى: ضللتم، والْبَيِّناتُ محمّد صلّى الله عليه وسلم وآياته، ومعجزاته، إِذا كان الخطابُ أوَّلاً لجماعةِ المؤمنين، وإِذا كان الخطابُ لأهل الكتاب، فالبيناتُ ما ورد في شرائعهم من الإِعلام بمحمَّد صلّى الله عليه وسلم، والتعريف به.
وعَزِيزٌ: صفة مقتضيةٌ أنَّه قادرٌ عليكم لا تعجزونَهُ، ولا تمتنعون منه، وحَكِيمٌ، أي: مُحْكِمٌ فيما يعاقبكم به لِزَلَلِكُمْ.
وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ، أيْ: ينتظرون، والمراد هؤلاء الذين يزلُّون، والظُّلَلُ:
جمع ظُلَّة، وهي ما أظَلَّ من فوق، والمعنى: يأتيهم حكم اللَّه، وأمره، ونهيه، وعقابه إِياهم.
وذهب ابن جُرَيْج وغيره إِلى أن هذا التوعُّد هو مما يقع في الدنيا «٣» ، وقال قومٌ:
بل هو توعُّد بيوم القيامة «٤» ، وقال قوم: إِلا أن يأتيهم الله وعيد بيوم القيامة «٥» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أخَذَتْهُ العِزَّةُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الحَمِيَّةُ.
وأنْشَدُوا: أخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِن جَهْلِهِ فَتَوَلّى مُغْضَبًا فِعْلَ الضَّجِرِ وَمَعْنى الكَلامِ: حَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ عَلى الفِعْلِ بِالإثْمِ.
وفي "جَهَنَّمَ" قَوْلانِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ، أحَدُهُما: أنَّها أعْجَمِيَّةٌ لا تُجَرُّ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ.
والثّانِي: أنَّها اسْمٌ عَرَبِيٌّ، ولَمْ يَجْرِ لِلتَّأْنِيثِ والتَّعْرِيفِ.
قالَ رُؤْبَةُ: رَكِيَّةُ جِهْنامٍ: بَعِيدَةُ القَعْرِ.
وَقالَ الأعْشى: دَعَوْتُ خَلِيلَيَّ مُسَحَّلًا ودَعَوْا لَهُ ∗∗∗ جِهْنامَ جَدْعًا لِلْهَجِينِ المُذَمَّمِ فَتَرْكُ صَرْفِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُها: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ جَزاءً عَنْ إثْمِهِ.
والثّانِي: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ذُلًّا مِن عِزَّةٍ.
والمِهادُ: الفِراشُ، ومَهَّدْتُ لِفُلانٍ: إذا وطَّأْتُ لَهُ، ومِنهُ: مَهْدُ الصَّبِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُنْيا ويُشْهِدُ اللهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ ﴾ ﴿ وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَسْلَ واللهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ قالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، واسْمُهُ أُبَيٌّ، والأخْنَسُ لُقِّبَ، وذَلِكَ «أنَّهُ جاءَ إلى النَبِيِّ فَأظْهَرَ إسْلامَهُ، وقالَ: اللهُ يَعْلَمُ أنِّي صادِقٌ، ثُمَّ هَرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأحْرَقَ لَهم زَرْعًا، وقَتَلَ حُمْرًا، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآياتُ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ما ثَبَتَ قَطُّ أنَّ الأخْنَسَ أسْلَمَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَكَلَّمُوا في الَّذِينَ قُتِلُوا في غَزْوَةِ الرَجِيعِ: عاصِمُ بْنُ ثابِتٍ، وخَبِيبٌ، وابْنُ الدُثَنَةِ، وغَيْرُهُمْ، وقالُوا: ويْحُ هَؤُلاءِ القَوْمِ، لا هم قَعَدُوا في بُيُوتِهِمْ، ولا أدُّوا رِسالَةَ صاحِبِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في صِفاتِ المُنافِقِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ المُسْتَشْهِدِينَ في غَزْوَةِ الرَجِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ﴾ الآيَةُ.
وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في كُلِّ مُبْطِنِ كُفْرٍ أو نِفاقٍ، أو كَذِبٍ، أو إضْرارٍ، وهو يُظْهِرُ بِلِسانِهِ خِلافَ ذَلِكَ.
فَهي عامَّةٌ، وهي تُشْبِهُ ما وَرَدَ في التِرْمِذِيِّ «أنَّ في بَعْضِ كُتُبِ اللهِ تَعالى: "أنَّ مِن عِبادِ اللهِ قَوْمًا ألْسِنَتُهم أحْلى مِنَ العَسَلِ، وقُلُوبُهم أمَرُّ مِنَ الصَبْرِ، يَلْبَسُونَ لِلنّاسِ جُلُودَ الضَأْنِ مِنَ اللِينِ، يَجْتَرُّونَ الدُنْيا بِالدِينِ، يَقُولُ اللهُ تَعالى: أبِي يَغْتَرُّونَ؟
وعَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟
حَلَفْتُ لَأسُلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَلِيمَ مِنهم حَيْرانَ».
ومَعْنى: "وَيُشْهِدُ اللهَ" أيْ يَقُولُ: اللهُ يَعْلَمُ أنِّي أقُولُ حَقًّا.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَيَشْهَدُ اللهُ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ.
المَعْنى: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ واللهُ يَعْلَمُ مِنهُ خِلافَ ما قالَ.
والقِراءَةُ الَّتِي لِلْجَماعَةِ أبْلَغُ في ذَمِّهِ لِأنَّهُ قَوّى عَلى نَفْسِهِ التِزامَ الكَلامِ الحَسَنِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِن باطِنِهِ خِلافُهُ، وما في قَلْبِهِ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ القِراءَتَيْنِ، فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: هو الخَيْرُ الَّذِي يَظْهَرُ، أيْ هو في قَلْبِهِ بِزَعْمِهِ.
وعَلى قِراءَةِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، هو الشَرُّ الباطِنُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "واللهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ".
وقَرَأ أبِي وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَيَسْتَشْهِدُ اللهُ عَلى ما في قَلْبِهِ".
والألَدُّ: الشَدِيدُ الخُصُومَةِ، الصَعْبُ الشَكِيمَةِ، الَّذِي يَلْوِي الحُجَجَ في كُلِّ جانِبٍ، فَيُشْبِهُ انْحِرافُهُ المَشْيَ في لَدِيدَيِ الوادِي، ومِنهُ: لَدِيدُ الفَمِ، واللَدُودُ.
ويُقالُ: مِنهُ لَدِدْتُ "بِكَسْرِ العَيْنِ" ألَدُّ.
وهو ذَمٌّ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : «أبْغَضُ الرِجالِ إلى اللهِ الألَدُّ الخَصْمِ» ويُقالُ: لَدَدْتُهُ بِفَتْحِ العَيْنِ، ألُدُّهُ بِضَمِّها إذا غَلَبْتُهُ في الخِصامِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ تَحْتَ الأحْجارِ حَزْمًا وعَزْمًا وخَصِيمًا ألَدَّ ذا مِعْلاقِ وَ"الخِصامُ" -فِي الآيَةِ- مَصْدَرُ خاصَمَ، وقِيلَ: جَمْعُ خَصْمٍ كَكَلْبٍ وكِلابٍ، فَكانَ الكَلامُ: وهو أشَدُّ الخُصَماءِ والِدُهم.
و"تَوَلّى" و"سَعى" تَحْتَمِلُ جَمِيعًا مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ فِعْلَ قَلْبٍ، فَيَجِيءُ "تَوَلّى" بِمَعْنى ضَلَّ، وغَضِبَ، وأنِفَ في نَفْسِهِ، فَسَعى بِحِيَلِهِ وإرادَتِهِ الدَوائِرَ عَلى الإسْلامِ، ومِن هَذا السَعْيِ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ ومِنهُ: ﴿ وَسَعى لَها سَعْيَها ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أسْعى عَلى حَيِّ بَنِي مالِكٍ ؎ كُلُّ امْرِئٍ في شَأْنِهِ ساعٍ ونَحا هَذا المَنحى في مَعْنى الآيَةِ ابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُ.
والمَعْنى الثانِي: أنْ تَكُونا فِعْلَ شَخْصٍ فَيَجِيءُ "تَوَلّى" بِمَعْنى أدْبَرَ ونَهَضَ عنكَ يا مُحَمَّدُ، و"سَعى" يَجِيءُ مَعْناها بِقَدَمَيْهِ، فَقَطَعَ الطَرِيقَ وأفْسَدَها.
نَحا هَذا المَنحى ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ.
وكِلا السَعْيَيْنِ فَسادٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَسْلَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: المُرادُ الأخْنَسُ في إحْراقِهِ الزَرْعَ، وقَتْلِهِ الحُمْرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ أنَّ الظالِمَ يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُمْسِكُ اللهُ المَطَرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَسْلُ.
وقِيلَ: المُرادُ أنَّ المُفْسِدَ يَقْتُلُ الناسَ فَيَنْقَطِعُ عُمّارُ الزَرْعُ والمُنْسَلُّونَ.
وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالحَرْثِ النِساءُ وبِالنَسْلِ نَسْلُهُنَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ الآيَةَ عِبارَةٌ عن مُبالَغَةٍ في الإفْسادِ إذْ كَلُّ فَسادٍ في أُمُورِ الدُنْيا فَعَلى هَذَيْنِ الفَصْلَيْنِ يَدُورُ.
وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى أنْ "يُهْلِكَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللامِ وفَتْحِ الكافِ عَطْفًا عَلى: "لِيُفْسِدَ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَلِيَهْلِكَ".
وقَرَأ قَوْمٌ: "وَيَهْلَكُ" بِضَمِّ الكافِ، إمّا عَطْفًا عَلى "يُعْجِبُكَ" وإمّا عَلى "سَعى" لِأنَّها بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وإمّا عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَيَهْلِكُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللامِ وضَمِّ الكافِ ورَفْعِ "الحَرْثِ والنَسْلِ".
وكَذَلِكَ رَواهُ ابْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وعَبْدُ الوارِثِ عن أبِي عَمْرٍو.
وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ الَّذِي رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إنَّما هُوَ: "وَيُهْلَكُ" بِضَمِّ الياءِ والكافِ "الحَرْثَ" بِالنَصْبِ.
وقَرَأ قَوْمٌ "وَيَهْلَكُ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ ورَفْعُ "الحَرْثِ"، وهي لُغَةُ هَلَكَ يَهْلَكُ تَلْحَقُ بِالشَواذِّ، كَرَكَنَ يَرْكَنُ.
و"الحَرْثُ" -فِي اللُغَةِ- شَقُّ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، ويُسَمّى الزَرْعُ حَرْثًا لِلْمُجاوَرَةِ والتَناسُبِ، ويَدْخُلُ سائِرَ الشَجَرِ والغِراساتِ في ذَلِكَ حَمْلًا عَلى الزَرْعِ، ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ ﴾ وهو كَرَمٌ عَلى ما ورَدَ في التَفاسِيرِ.
وسُمِّيَ النِساءُ حَرْثًا عَلى التَشْبِيهِ.
و"النَسْلَ": مَأْخُوذٌ مِن نَسَلَ يَنْسِلُ إذا خَرَجَ مُتَتابِعًا، ومِنهُ نَسالُ الطائِرِ؛ ما تَتابَعَ سُقُوطُهُ مِن رِيشِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴾ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: .........
∗∗∗ فَسَلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسِلُ و"لا يُحِبُّ" مَعْناهُ: لا يُحِبُّهُ مِن أهْلِ الصَلاحِ، أيْ لا يُحِبُّهُ دِينًا، وإلّا فَلا يَقَعُ إلّا ما يُحِبُّ اللهُ تَعالى وُقُوعَهُ، والفَسادُ واقِعٌ، وهَذا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ الحُبَّ بِمَعْنى الإرادَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والحُبُّ لَهُ عَلى الإرادَةِ مَزِيَّةُ إيثارٍ، فَلَوْ قالَ أحَدٌ: إنَّ الفَسادَ المُرادَ تَنْقُصُهُ مَزِيَّةُ الإيثارِ لَصَحَّ ذَلِكَ، إذِ الحُبُّ مِنَ اللهِ تَعالى إنَّما هو لَمّا حَسُنَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ ﴾ الآيَةُ.
هَذِهِ صِفَةُ الكافِرِ أوِ المُنافِقِ الذاهِبِ بِنَفْسِهِ زَهْوًا.
ويَكْرَهُ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُوقِعَهُ الحَرَجُ في نَحْوِ هَذا.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يَقُولَ لَهُ أخُوهُ: اتَّقِ اللهَ، فَيَقُولُ لَهُ: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، مِثْلُكَ يُوصِينِي؟
والعِزَّةُ هُنا: المَنَعْةُ وشِدَّةُ النَفْسِ، أيِ اعْتَزَّ في نَفْسِهِ وانْتَخى فَأوقَعَتْهُ تِلْكَ العِزَّةُ في الإثْمِ حِينَ أخَذَتْهُ بِهِ، وألْزَمَتْهُ أباهُ.
ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ تَكُونَ: "أخَذَتْهُ العِزَّةُ" مَعَ الإثْمِ فَمَعْنى الباءِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبَ التَأْوِيلَيْنِ.
و"حَسْبُهُ": أيْ كافِيهِ مُعاقَبَةً وجَزاءً، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كَفاكَ ما حَلَّ بِكَ، وأنْتَ تَسْتَعْظِمُ وتُعَظِّمُ عَلَيْهِ ما حَلَّ بِهِ.
و"المِهادُ" ما مَهَّدَ الرَجُلُ لِنَفْسِهِ كَأنَّهُ الفِراشُ.
وَمِن هَذا البابِ قَوْلُ الشاعِرِ: .........
∗∗∗ تَحِيَّةٌ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ﴾ الآيَةُ تَتَناوَلُ كُلَّ مُجاهِدٍ في سَبِيلِ اللهِ، أو مُسْتَشْهِدٍ في ذاتِهِ، أو مُغَيِّرِ مُنْكَرٍ.
والظاهِرُ مِن هَذا التَقْسِيمِ أنَّ تَكُونَ الآياتُ قَبْلَ هَذِهِ عَلى العُمُومِ في الكافِرِ، بِدَلِيلِ الوَعِيدِ بِالنارِ، ويَأْخُذُ العُصاةَ الَّذِينَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن هَذا الخُلُقِ بِحَظِّهِمْ مِن وعِيدِ الآيَةِ.
ومَن قالَ إنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ هي في مُنافِقِينَ تَكَلَّمُوا في غَزْوَةِ الرَجِيعِ؛ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في شُهَداءِ غَزْوَةِ الرَجِيعِ.
ومِن قالَ: تِلْكَ في الأخْنَسِ قالَ: هَذِهِ في الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ المُبادِرِينَ إلى الإيمانِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وغَيْرُهُ: هَذِهِ في طائِفَةٍ مِنَ المُهاجِرِينَ، وذَكَرُوا «حَدِيثَ صُهَيْبٍ أنَّهُ خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى النَبِيِّ فاتَّبَعَتْهُ قُرَيْشٌ لِتَرُدَّهُ.
فَنَثَرَ كِنانَتَهُ وقالَ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ واللهِ إنِّي لَمِن أرْماكم رَجُلًا، واللهِ لَأرْمِيَنَّكم ما بَقِيَ لِي سَهْمٌ، ثُمَّ لَأضْرِبَنَّ بِسَيْفِي ما بَقِيَ في يَدِي مِنهُ شَيْءٌ.
فَقالُوا لَهُ: لا نَتْرُكُكَ تَذْهَبُ عَنّا غَنِيًّا، وقَدْ جِئْتِنا صُعْلُوكًا، ولَكِنْ دُلَّنا عَلى مالِكَ ونَتْرُكُكَ، فَدَلَّهم عَلى مالِهِ وتَرَكُوهُ، فَهاجَرَ إلى النَبِيِّ فَلَمّا رَآهُ قالَ لَهُ: رَبِحَ البَيْعُ أبا يَحْيى.
فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ».
ومَن قالَ: قَصَدَ بِالأوَّلِ العُمُومَ قالَ في هَذِهِ كَذَلِكَ بِالعُمُومِ.
و"يَشْرِي" مَعْناهُ يَبِيعُ، ومِنهُ: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ مُفَرَّغٍ الحَمِيرِي: وشَرَيْتُ بَرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ مِن بَعْدِ بَرْدٍ كُنْتُ هامَّهُ وقالَ الآخَرُ: يُعْطى بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها ∗∗∗ ويَقُولُ صاحِبُهُ: ألّا تَشْرِيَ ومِن هَذا تُسَمّى الشُراةُ كَأنَّهُمُ الَّذِينَ باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللهِ تَعالى.
وحَكى قَوْمٌ أنَّهُ يُقالُ: شَرى بِمَعْنى اشْتَرى، ويَحْتاجُ إلى هَذا مَن تَأوَّلَ الآيَةَ في صُهَيْبٍ لِأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ بِمالِهِ ولَمْ يَبِعْها، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ عَزْمَ صُهَيْبٍ عَلى قِتالِهِمْ بَيْعٌ لِنَفْسِهِ مِنَ اللهِ تَعالى فَتَسْتَقِيمُ اللَفْظَةُ عَلى مَعْنى باعَ.
وتَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم في مُغَيِّرِي المُنْكَرِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: اقْتَتَلَ الرَجُلانِ، أيْ قالَ المُغَيِّرُ لِلْمُفْسِدِ: اتَّقِ اللهَ، فَأبى المُفْسِدُ، وأخَذَتْهُ العِزَّةُ فَشَرى المُغَيِّرُ نَفْسَهُ مِنَ اللهِ تَعالى وقاتَلَهُ فاقْتَتَلا.
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ يَجْمَعُ في يَوْمِ الجُمْعَةَ شَبابًا مِنَ القِراءَةِ، فِيهِمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَرُّ بْنُ قَيْسٍ، وغَيْرُهُما: فَيَقْرَءُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ ومَعَهُ، فَسَمِعَ عُمَرُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: اقْتَتَلَ الرَجُلانِ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَسَألَهُ عَمّا قالَ: فَفَسَّرَ لَهُ هَذا التَفْسِيرَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: لِلَّهِ تَلادُكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ.
وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو أيُّوبٍ حِينَ حَمَلَ هِشامُ بْنُ عامِرٍ عَلى الصَفِّ في القُسْطَنْطِينِيَّةِ فَقالَ قَوْمٌ: ألْقى بِيَدِهِ إلى التَهْلُكَةِ لَيْسَ كَما قالُوا: بَلْ هَذا قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ﴾ الآيَةُ.
و"ابْتِغاءَ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ووَقَفَ حَمْزَةُ عَلى: "مَرْضاتِ" بِالتاءِ، والباقُونَ بِالهاءِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ وقْفِ حَمْزَةَ بِالتاءِ إمّا أنَّهُ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: طَلَحَتْ وعَلْقَمَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .........
∗∗∗ بَلْ جَوْزُ تَيْهاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ وإمّا أنَّهُ لَمّا كانَ المُضافُ إلَيْهِ في ضِمْنِ اللَفْظَةِ ولا بُدَّ، أثْبَتَ التاءَ كَما تَثْبُتُ في الوَصْلِ، لِيَعْلَمَ أنَّ المُضافَ إلَيْهِ مُرادٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ تَرْجِيَةٌ تَقْتَضِي الحَضَّ عَلى امْتِثالِ ما وقَعَ بِهِ المَدْحُ في الآيَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ تَخْوِيفٌ يَقْتَضِي التَحْذِيرَ مِمّا وقَعَ بِهِ الذَمُّ في الآيَةِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالدُخُولِ في السِلْمِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "السَلْمِ" بِفَتْحِ السِينِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها في هَذا المَوْضِعِ فَقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ يَقَعانِ لِلْإسْلامِ ولِلْمُسالَمَةِ.
وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: السِلْمُ بِكَسْرِ السِينِ: الإسْلامُ، وبِالفَتْحِ المُسالَمَةُ، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ هَذِهِ التَفْرِقَةَ.
ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ حَمَلَ اللَفْظَةِ عَلى مَعْنى الإسْلامِ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا قَطُّ بِالِانْتِدابِ إلى الدُخُولِ في المُسالَمَةِ، وإنَّما قِيلَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْنَحَ لِلسِّلْمِ إذا جَنَحُوا لَها، وأمّا أنْ يَبْتَدِئَ بِها فَلا.
واخْتَلَفَ -بَعْدَ حَمْلِ اللَفْظِ عَلى الإسْلامِ- مَنِ المُخاطَبُ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ، والمَعْنى: أمَرَهم بِالثُبُوتِ فِيهِ والزِيادَةِ مِنَ التِزامِ حُدُودِهِ، ويَسْتَغْرِقُ "كافَّةً" حِينَئِذٍ المُؤْمِنِينَ، وجَمِيعَ أجْزاءِ الشَرْعِ، فَتَكُونُ الحالُ مِن شَيْئَيْنِ وذَلِكَ جائِزٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: بَلِ المُخاطَبُ مَن آمَنَ بِالنَبِيِّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى تَعْظِيمِ يَوْمِ السَبْتَ وكَرِهُوا لَحْمَ الجَمَلِ، وأرادُوا اسْتِعْمالَ شَيْءٍ مِن أحْكامِ التَوْراةِ وخَلْطِ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، فـَ "كافَّةً" -عَلى هَذا- لِإجْزاءِ الشَرْعِ فَقَطْ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ.
والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِمُحَمَّدٍ كافَّةً، فَـ "كافَّةً" -عَلى هَذا- لِإجْزاءِ الشَرْعِ، ولِلْمُخاطَبِينَ.
عَلى مَن يَرى السِلْمَ الإسْلامَ.
ومَن يَراها المُسالَمَةَ يَقُولُ: أمْرَهم بِالدُخُولِ في أنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ.
و"كافَّةً" مَعْناهُ جَمِيعًا، والمُرادُ بِالكافَّةِ الجَماعَةُ الَّتِي تَكُفُّ مُخالِفَها.
وقِيلَ: إنَّ "كافَّةً" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّ الكَلامَ، دَخَلَهُ كافَّةً فَلَمّا حُذِفَ المَنعُوتُ بَقِيَ النَعْتُ حالًا.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "خُطُواتِ" والألِفَ واللامُ في "الشَيْطانِ" لِلْجِنْسِ.
و"عَدُوٌّ" يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ.
و"مُبِينٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى أبانَ عَداوَتَهُ وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى بانَ في نَفْسِهِ أنَّهُ عَدُوٌّ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بانَ الأمْرُ وأبانَ بِمَعْنًى واحِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا ﴾ [البقرة: 200] الخ، لأنه ذكر هنالك حال المشركين الصرحاء الذين لاحظ لهم في الآخرة، وقابل ذكرهم بذكر المؤمنين الذين لهم رغبة في الحسنة في الدنيا والآخرة، فانتقل هنا إلى حال فريق آخرين ممن لاحظ لهم في الآخرة وهم متظاهرون بأنهم راغبون فيها، مع مقابلة حالهم بحال المؤمنين الخالصين الذين يؤثرون الآخرة والحياة الأبدية على الحياة في الدنيا، وهم المذكورون في قوله: ﴿ ومن الناس من يشءي نفسه ابتغاء مرضات الله ﴾ [البقرة: 207].
و (من) بمعنى بعض كما في قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ [البقرة: 8] فهي صالحة للصدق على فريق أو على شخص معين (ومن) الموصولة كذلك صالحة لفريق وشخص.
والإعجاب إيجاد العجب في النفس والعجب: انفعال يعرض للنفس عند مشاهدة أمر غير مألوف خفي سببه.
ولما كان شأن ما يخفى سببه أن ترغب فيه النفس، صار العجب مستلزماً للاستحسان فيقال أعجبني الشيء بمعنى أوجب لى استحسانه، قال الكواشي يقال في الاستحسان: أعجبني كذا، وفي الإنكار: عجبت من كذا، فقوله: ﴿ يعجبك ﴾ أي يحسن عندك قوله.
والمراد من القول هنا ما فيه من دلالته على حاله في الإيمان والنصح للمسلمين، لأن ذلك هو الذي يهم الرسول ويعجبه، وليس المراد صفة قوله في فصاحة وبلاغة؛ إذ لا غرض في ذلك هنا لأن المقصود ما يضاد قوله: وهو ألد الخصام إلى آخره.
والخطاب إما للنبيء صلى الله عليه وسلم أي ومن الناس من يظهر لك ما يعجبك من القول وهو الإيمان وحب الخير والإعراض عن الكفار، فيكون المراد بِ«مَن» المنافقين ومعظمهم من اليهود، وفيهم من المشركين أهل يثرب وهذا هو الأظهر عندي، أو طائفة معينة من المنافقين، وقيل: أريد به الأخنس بن شريف الثقفي واسمه أبي وكان مولى لبني زهرة من قريش وهم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم وكان يظهر المودة للنبيء صلى الله عليه وسلم ولم ينضم إلى المشركين في واقعة بدر بل خنس أي تأخر عن الخروج معهم إلى بدر وكان له ثلاثمائة من بني زهرة أحلافه فصدهم عن الانضمام إلى المشركين فقيل: إنه كان يظهر الإسلام وهو منافق، وقال ابن عطية: لم يثبت أنه أسلم قط، ولكن كان يظهر الود للرسول فلما انقضت وقعة بدر قيل: إنه حرق زرعاً للمسلمين وقتل حميراً لهم فنزلت فيه هاته الآية ونزلت فيه أيضاً ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ﴾ [القلم: 10، 11] ونزلت فيه ﴿ ويل لكل همزة لمزة ﴾ [الهمزة: 1]، وقيل بل كانت بينه وبين قومه ثقيف عداوة فبيتهم ليلاً فأحرق زرعهم وقتل مواشيهم فنزلت فيه الآية وعلى هذا فتقريعه لأنه غدرهم وأفسد.
ويجوز أن الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب تحذيراً للمسلمين من أن تروج عليهم حيل المنافقين وتنبيه لهم إلى استطلاع أحوال الناس وذلك لا بد منه والظرف من قوله ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ يجوز أن يتعلق بيعجبك فيراد بهذا الفريق من الناس المنافقون الذين يظهرون كلمة الإسلام والرغبة فيه على حد قوله تعالى: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ [البقرة: 14] أي إعجابك بقولهم لا يتجاوز الحصول في الحياة الدنيا فإنك في الآخرة تجدهم بحالة لا تعجبك فهو تمهيد لقوله في آخر الآية ﴿ فحسبه جهنم ﴾ والظرفية المستفادة من (في) ظرفيةٌ حقيقية.
ويجوز أن يتعلق بكلمة ﴿ قوله ﴾ أي كلامه عن شؤون الدنيا من محامد الوفاء في الحلف مع المسلمين والود للنبيء ولا يقول شيئاً في أمور الدين، فهذا تنبيه على أنه لا يتظاهر بالإسلام فيراد بهذا الأخنس بن شريق.
وحرف (في) على هذا الوجه للظرفية المجازية بمعنى عن والتقدير قوله: عن الحياة الدنيا.
ومعنى ﴿ يشهد الله على ما في قلبه ﴾ أنه يقرن حسن قوله وظاهر تودده بإشهاد الله تعالى على أن ما في قلبه مطابق لما في لفظه، ومعنى إشهاد الله حلفه بأن الله يعلم إنه لصادق.
وإنما أفاد ما في قلبه معنى المطابقة لقوله لأنه لما أشهد الله حين قال كلاماً حلواً تعين أن يكون مدعياً أن قلبه كلسانه قال تعالى: ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضونكم ﴾ [التوبة: 62].
ومعنى ﴿ وهو ألد الخصام ﴾ أنه شديد الخصومة أي العداوة مشتق من لده يلده بفتح اللام لأنه من فعل، تقول: لددت يا زيد بكسر الدال إذا خاصم، فهو لاد ولدود فاللدد شدة الخصومة والألد الشديد الخصومة قال الحماسي ربيعة بن مقروم: وأَلَدَّ ذِي حَنَققٍ عليَّ كَأَنَّما *** تَغْلِي حَرَارَةُ صَدْرِه في مِرْجَلِ فألد صفة مشبهة وليس اسم تفضيل، ألا ترى أن مؤنثه جاء على فعلاء فقالوا: لداء وجمعه جاء على فُعْل قال تعالى: ﴿ وتنذر به قوماً لداً ﴾ [مريم: 97] وحينئذٍ ففي إضافته للخصام إشكال؛ لأنه يصير معناه شديد الخصام من جهة الخصام فقال في «الكشاف»: إما أن تكون الإضافة على المبالغة فجعل الخصام أَلَد أي نُزِّل خصامه منزلة شخص له خصام فصارا شيئين فصحت الإضافة على طريقة المجاز العقلي، كأنه قيل: خصامه شديد الخصام كما قالوا: جُنَّ جُنُونُه وقالوا: جَدَّ جَدُّه، أو الإضافة على معنى في أي وهو شديد الخصام في الخصام أي في حال الخصام، وقال بعضهم يقدر مبتدأ محذوف بعد ﴿ وهو ﴾ تقديره: وهو خصامه ألد الخصام وهذا التقدير لا يصح لأن الخصام لا يوصف بالألد فتعيَّن أن يُؤَوَّل بأنه جعل بمنزلة الخصم وحينئذٍ فالتأويل مع عدم التقدير أولى، وقيل الخصام هنا جمع خَصم كصَعْب وصِعاب وليس هو مصدراً وحينئذٍ تظهر الإضافة أي وهو ألد الناس المخاصمين.
وقوله تعالى: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ﴾ إذا ظرف تضمن معنى الشرط.
و ﴿ تولى ﴾ إما مشتق من التولية وهي الإدبار والانصراف يقال ولى وتولى وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم ﴾ [البقرة: 142] أي وإذا فارقك سعى في الأرض ليفسد.
ومتعلق ﴿ تولى ﴾ محذوف تقديره تولى عنك، والخطاب المقدر يجري على الوجهين المتقدمين وإما مشتق من الوَلاية: يقال وَلِيَ البلد وتولاه، أي وإذا صار والياً أي إذا تزعم ورأس الناس سعى في الأرض بالفساد، وقد كان الأخنس زعيم مواليه وهم بنو زهرة.
وقوله: ﴿ سعى في الأرض ليفسد فيها ﴾ السعي حقيقته المشي الحثيث قال تعالى: ﴿ وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى ﴾ [القصص: 20] ويطلق السعي على العمل والكسب، قال تعالى: ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ﴾ [الإسراء: 19] وقال امرؤ القيس: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة *** البيتين ويطلق على التوسط بين الناس لإصلاح ذات البين أو لتخفيف الإضرار قال عمرو بن كلثوم: ومِنَّا قَبْلَه السَّاعِي كُلَيْبٌ *** فأيُّ الفضل إلاّ قَدْ ولِينَا وقال لبيد: وهم السُّعاة إذا العشيرة أفظعت *** البيت.
ويطلق على الحرص وبذل العزم لتحصيل شيء كما قال تعالى في شأن فرعون ﴿ ثم أدبر يسعى ﴾ [النازعات: 22] فيجوز أن يكون هنا بالمعنيين الأول والرابع أي ذهب يسير في الأرض غازياً ومغيراً ليفسد فيها.
فيكون إشارة إلى ما فعله الأخنس بزرع بعض المسلمين، لأن ذلك مؤذن بكفره وكذبه في مودة النبي صلى الله عليه وسلم إذ لو كان وده صادقاً لما آذى أتباعه.
أو إلى ما صنعه بزرع ثقيف على قول من قال من المفسرين إن الأخنس بيت ثقيفا وكانت بينه وبينهم عداوة وهم قومه فأغار عليهم بمن معه من بني زهرة فأحرق زروعهم وقتل مواشيهم.
لأنَّ صنيعه هذا بقوم وإن كانوا يومئذٍ كفاراً لا يهم المسلمين ضُرهم، ولأنه لم يفعله انتصاراً للإسلام ولم يكن في حالة حرب معهم فكان فعله ينم عن خبث طوية لا تتطابق مع ما يظهره من الخير ولين القول؛ إذ من شأن أخلاق المرء أن تتماثل وتتظاهر فالله لا يرضى بإضرار عبيده ولو كفاراً ضراً لا يجر إلى نفعهم؛ لأنهم لم يغزهم حملاً لهم على الإيمان بل إفساداً وإتلافاً ولذلك قال تعالى: ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ .
وقوله: ﴿ في الأرض ﴾ تأكيد لمدلول ﴿ سعى ﴾ لرفع توهم المجاز من أن يراد بالسعي العمل والاكتساب فأريد التنصيص على أن هذا السعي هو السير في الأرض للفساد وهو الغارة والتلصص لغير إعلاء كلمة الله، ولذلك قال بعده ﴿ ليفسد فيها ﴾ فاللام للتعليل، لأن الإفساد مقصود لهذا الساعي.
ويجوز أن يكون ﴿ سعى ﴾ مجازاً في الإرادة والتدبير أي دبر الكيد لأن ابتكار الفساد وإعمالَ الحيلة لتحصيله مع إظهار النصح بالقَول كَيْدٌ ويكون ليفسد مفعولاً به لفعل ﴿ سعى ﴾ والتقدير أراد الفساد في الأرض ودبَّره، وتكون اللام لام التبليغ كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر إلى قوله ولتكملوا العدة ﴾ [البقرة: 185] فاللام شبيه بالزائد وما بعد اللام من الفعل المقدَّرَةِ معه (أَنْ) مفعول به كما في قوله تعالى: ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ [التوبة: 32] وقول جَزْءِ بننِ كُلَيْببٍ الفَقْعسي: تبغَّى ابن كوز والسفاهة كاسمها *** ليستادَ منّا أَنْ شَتَوْنَا لَيَالِيَا إذ التقدير تبغَّى الاستيادَ منا، قال المرزوقي: أتى بالفعل واللام لأنّ تبغى مثل أراد فكما قال الله عز وجل: ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوههم ﴾ [التوبة: 32] والمعنى يريدون إطفاء نور الله كذلك قال تبغى ليستاد أي تبغى الاستياد منا اه.
وأقول: إن هذا الاستعمال يتأتى في كل موضع يقع فيه مفعول الفعل علةً للفعل مع كونه مفعولاً به، فالبليغ يأتي به مقترناً بلام العلة اعتماداً على أن كونه مفعولاً به يعلم من تقدير (أَن) المصدرية.
ويكون قوله: ﴿ في الأرض ﴾ متعلقاً بسعى لإفادة أن سعيه في أمر من أمور أهل أرضكم، وبذلك تكون إعادة ﴿ فيها ﴾ من قوله: ﴿ ليفسد فيها ﴾ بياناً لإجمال قوله: ﴿ في الأرض ﴾ مع إفادة التأكيد.
وقوله: ﴿ ويهلك الحرث والنسل ﴾ بضم الياء أي يتلفه.
والحرث هنا مراد منه الزرع، والنسل أطفال الحيوان مشتق من نسل الصوف نسولاً إذا سقط وانفصل، وعندي أن إهلاك الحرث والنسل كناية عن اختلال ما به قوام أحوال الناس، وكانوا أهل حرث وماشية فليس المراد خصوص هذين بل المراد ضياع ما به قوام الناس، وهذا جار مجرى المثل، وقيل الحرث والنسل هنا إشارة إلى ما صنع الأخنس بن شريق، وأياً ما كان فالآية دالة على أن من ينتسب في مثل ذلك صريحاً أو كناية مستحق للعقاب في الآخرة ولذلك عقب بجملة التذييل وهي ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ تحذيراً وتوبيخاً.
ومعنى نفي المحبة نفي الرضا بالفساد، وإلاّ فالمحبة وهي انفعال النفس وتوجه طبيعي يحصل نحو استحسان ناشئ مستحيلة على الله تعالى فلا يصح نفيها فالمراد لازمها وهو الرضا عندنا وعند المعتزلة: الإرادة والمسألة مبنية على مسألة خلق الأفعال.
ولا شك أن القدير إذا لم يرض بشيء يعاقب فاعله، إذ لا يعوقه عن ذلك عائق وقد سمى الله ذلك فساداً وإن كان الزرع والحرث للمشركين: لأن إتلاف خيرات الأرض رزء على الناس كلهم وإنما يكون القتال بإتلاف الأشياء التي هي آلات الإتلاف وأسباب الاعتداء.
والفساد ضد الصلاح، ومعنى الفساد: إتلاف ما هو نافع للناس نفعاً محضاً أو راجحاً، فإتلاف الألبان مثلاً إتلاف نفع محض، وإتلاف الحطب بعلة الخوف من الاحتراق إتلاف نفع راجح والمراد بالرجحان رجحان استعماله عند الناسي لا رجحان كمية النفع على كمية الضر، فإتلاف الأدوية السامة فساد، وإن كان التداوي بها نادراً لكن الإهلاك بها كالمعدوم لما في عقول الناس من الوازع عن الإهلاك بها فيتفادى عن ضرها بالاحتياط رواجها وبأمانة من تسلم إليه، وأما إتلاف المنافع المرجوحة فليس من الفساد كإتلاف الخمور بَلْه إتلاف ما لا نفع فيه بالمرة كإتلاف الحيَّات والعقارب والفيران والكِلاب الكَلِبَةِ، وإنما كان الفساد غير محبوب عند الله لأن في الفساد بالتفسير الذي ذكرناه تعطيلاً لما خلقه الله في هذا العالم لحكمة صلاح الناس فإن الحكيم لا يحب تعطيل ما تقتضيه الحكمة، فقتال العدوِّ إتلاف للضر الراجح ولذلك يقتصر في القتال على ما يحصل به إتلاف الضر بدون زيادة، ومن أجل ذلك نهي عن إحراق الديار في الحرب وعن قطع الأشجار إلاّ إذا رجح في نظر أمير الجيش أن بقاء شيء من ذلك يزيد قوة العدو ويطيل مدة القتال ويخاف منه على جيش المسلمين أن ينقلب إلى هزيمة وذلك يرجع إلى قاعدة: الضرورةُ تقدر بقدرها.
وقوله: ﴿ وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ﴾ أي وإذا وعظه واعظ بما يقتضي تذكيره بتقوى الله تعالى غضب لذلك، والأخذ أصله تناول الشيء باليد، واستُعمل مجازاً مشهوراً في الاستيلاء قال تعالى: ﴿ وخذوهم واحصروهم ﴾ [التوبة: 5] وفي القهر نحو ﴿ فأخذناهم بالباساء ﴾ [الأنعام: 42].
وفي التلقي مثل ﴿ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ [آل عمران: 81] ومنه أخذ فلان بكلام فلان، وفي الاحتواء والإحاطة يقال أخذته الحمى وأخذتهم الصيحة، ومنه قوله هنا ﴿ أخذته العزة ﴾ أي احتوت عليه عزة الجاهلية.
والعزة صفة يرى صاحبها أنه لا يقدر عليه غيره ولا يُعارض في كلامه لأجل مكانته في قومه واعتزازه بقوتهم قال السموأل: وننكر إن شئنا على الناس قولهم *** ولا ينكرون القول حين نقول ومنه العزة بمعنى القوة والغلبة وإنما تكون غالباً في العرب بسبب كثرة القبيلة، وقد تغني الشجاعة عن الكثرة ومن أمثالهم: وإنما العزة للكاثر، وقالوا: لن نغلب من قلة وقال السموأل وما ضَرَّنَا أَنا قليل وجَارُنا *** عَزِيز وجَارُ الأَكْثَرِينَ ذَليل ومنها جاء الوصف بالعزيز كما سيأتي في قوله: ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ [البقرة: 209].
ف (أَل) في (العزة) للعهد أي العزة المعروفة لأهل الجاهلية التي تمنع صاحبها من قبول اللوم أو التغيير عليه، لأن العزة تقتضي معنى المنعة فأخذ العزة له كناية عن عدم إصغائه لنصح الناصحين.
وقوله: ﴿ بالإثم ﴾ الباء فيه للمصاحبة أي أخذته العزة الملابسة للإثم والظلم وهو احتراس لأن من العزة ما هو محمود قال تعالى: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ [المنافقين: 8] أي فمنعته من قبول الموعظة وأبقته حليف الإثم الذي اعتاده لا يرعوي عنه وهما قرينان.
وقوله ﴿ فحسبه جهنم ﴾ تفريع على هاته الحالة، وأصل الحسب هو الكافي كما سيجيء عند قوله تعالى ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ في آل عمران (173).
ولما كان كافي الشيء من شأنه أن يكون على قدره ومما يرضيه كما قال أبو الطيب: على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** أطلق الحسب على الجزاء كما هنا.
وجهنم علم على دار العقاب الموقدة ناراً، وهو اسم ممنوع من الصرف قال بعض النحاة للعلمية والتأنيث، لأن العرب اعتبرته كأسماء الأماكن وقال بعضهم للعلمية والعُجمة وهو قول الأكثر: جاء من لغة غير عربية، ولذلك لا حاجة إلى البحث عن اشتقاقه، ومن جعله عربياً زعم أنه مشتق من الجَهْم وهو الكراهية فزعم بعضهم أن وزنه فُعَنَّل بزيادة نونين أصله فعنل بنون واحدة ضعفت وقيل وزنه فعلل بتكرير لامه الأولى وهي النون إلحاقاً له بالخُماسي ومن قال: أصلها بالفارسية كَهَنَّام فعربت جهنم.
وقيل أصلها عبرانية كِهِنَّام بكسر الكاف وكسر الهاء فعربت وأن من قال إن وزن فعنل لا وجود له لا يلتفت لقوله لوجود دَوْنَك اسم واد بالعالية وحَفَنْكَى اسم للضعيف وهو بحاء مهملة وفاء مفتوحتين ونون ساكنة وكاف وألف وهما نادران، فيكون جهنم نادراً، وأما قول العرب رَكِيَّةٌ جهنم أي بعيدة القَعر فلا حجة فيه، لأنه ناشئ عن تشبيه الركية بجهنم، لأنهم يصفون جهنم أنها كالبئر العميقة الممتلئة ناراً قال ورقة بن نوفل أو أميَّة بن أبي الصَّلْت يرثي زيداً بن عمرو بن نُفَيْل وكانا معاً ممن ترك عبادة الأوثان في الجاهلية: رَشَدْتَ وأنعمت ابنَ عمرو وإنَّما *** تَجَنَّبْتَ تَنُّوراً من النَّار مُظْلِما وقد جاء وصف جهنم في الحديث بمثل ذلك وسماها الله في كتابه في مواضع كثيرة ناراً وجعل وقودها الناس والحجارة وقد تقدم القول في ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ﴾ [البقرة: 24].
وقوله: ﴿ ولبئس المهاد ﴾ أي جهنم، والمهاد ما يُمْهد أي يُهَيَّأ لمن ينام، وإنما سمى جهنَم مهاداً تهكماً، لأن العُصاة يُلْقَون فيها فتصادف جنوبهم وظهورهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ الجَمِيلِ والخَيْرِ.
والثّانِي: مِن حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ، والرَّغْبَةِ في دِينِهِ.
﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيَّ فِيهِ، وضَمِيرُهُ بِخِلافِهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ: وفي قَلْبِهِ ما يَشْهَدُ اللَّهُ أنَّهُ بِخِلافِهِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ: ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى صِحَّةِ ما في قَلْبِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ بِخِلافِهِ.
وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ ﴾ ﴿ وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ ﴾ والألَدُّ مِنَ الرِّجالِ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، وفي الخِصامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ خَصِيمٍ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وَفي تَأْوِيلِ: ﴿ ألَدُّ الخِصامِ ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ذُو جِدالٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمِ الخُصُومَةِ، لَكِنَّهُ مُعْوَجُّها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: يَعْنِي أنَّهُ كاذِبٌ، في قَوْلِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ شَدِيدُ القَسْوَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
وَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ تَعالى الألَدُّ الخَصِمُ)» .
وَفِيمَن قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ ﴾ في قَوْلِهِ (تَوَلّى) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي غَضِبَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
والثّانِي: انْصَرَفَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيُفْسِدَ فِيها ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُفْسِدُ فِيها بِالصَّدِّ.
والثّانِي: بِالكُفْرِ.
﴿ وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالسَّبْيِ والقَتْلِ.
والثّانِي: بِالضَّلالِ الَّذِي يَؤُولُ إلى السَّبْيِ والقَتْلِ.
﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ﴾ مَعْناهُ لا يُحِبُّ أهْلَ الفَسادِ.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَمْدَحُ الفَسادَ، ولا يُثْنِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: أنَّهُ لا يُحِبُّ كَوْنَهُ دِينًا وشَرْعًا، ويَحْتَمِلُ: لا يُحِبُّ العَمَلَ بِالفَسادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ دَعَتْهُ العِزَّةُ إلى فِعْلِ الإثْمِ.
والثّانِي: مَعْناهُ إذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، عَزَّتْ نَفْسُهُ أنْ يَقْبَلَها، لِلْإثْمِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ﴾ يَشْرِي نَفْسَهُ أيْ يَبِيعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أيْ باعُوهُ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: العَمَلُ الَّذِي باعَ بِهِ نَفْسَهُ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ.
واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: نَزَلَتْ في رَجُلٍ أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنْ مُنْكَرٍ، وقُتِلَ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وعُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمالِهِ كُلِّهِ، ولَحِقَ بِالمُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج وكيع وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله.
فيقول: عليك بنفسك، أنت تأمرني؟!.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عن سفيان قال: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله فقط، فوضع خده على الأرض تواضعاً لله.
وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن.
أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: اتق الله، فذهب الرجل فقال عمر: وما فينا خير إن لم يقل لنا، وما فيهم خير إن لم يقولوها لنا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولبئس المهاد ﴾ قال: بئس ما مهدوا لأنفسهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ ، وذلك أن رسول الله دعاه إلى إجابةِ اللهِ في ظاهره وباطنه، فدعاه الأَنَفَةُ والكِبْر إلى الإثم والظلم، وهو قوله: ﴿ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ﴾ (١) (٢) قال قتادة: إذا قيل له: مَهْلًا مَهْلَا ازداد إقدامًا على المعصية (٣) قال أهل المعانى: معنى (أخذته العزة بالإثم) حملته عليه، وجَرّأته عليه، وزينت له ذلك، يقال: أخذت فلانًا بكذا وكذا، أي: أردته عليه، وحملته على ذلك، وكلفته.
وتأويل الآية: حَمَلَتْه العِزّةُ وحَمِيَّةُ الجاهلية على الفعل بالإثم (٤) والجَارّ في قوله تعالى: ﴿ بِالْإِثْمِ ﴾ يجوزُ تَعَلُّقُه بالأخذ وبالعزة، فإن علقته بالأخذ، كان المعنى: أخذته بما يؤثمه، أي: أخذته بما كسبه ذلك، والمعنى: للعزة يرتكب ما لا ينبغي أن يرتكب، فكأن العزة حملته على ذلك وقلة الخشوع.
وإن علقته بالعزة كان المعنى الاعتزاز بالإثم، أي: اعتز بما يؤثمه فيبعده مما يرضاه الله (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ قال المفسرون: كافيه الجحيمُ جزاءً له وعذابًا (٦) قال امرؤ القيس: وحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيّ (٧) (٨) وأما جهنم، فقال يونس وأكثر النحويين: هي اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية لا تُجْرَى للتعريف والعجمة (٩) وقال آخرون: جهنم اسم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، ولم تُجْر (١٠) قال قطرب: حكي لنا عن رؤبة [[هو: أبو الجحاف رؤبة بن العجاج بن عبد الله التميمي، تقدمت ترجمته [البقرة: 9].]] أنه قال: رَكِيَّةٌ جَهَنَّام، يريد: بعيدةَ القَعْر (١١) والمهاد: جمع المهد.
والمهد: الموضعُ المُهَيَّأُ للنَّوم، ومنه: مَهْدُ الصبي.
وأصله: من التوطية، يقال: مَهَدْتُ الشَّيءَ والأرض مهادًا؛ لأنه موطاة للعباد (١٢) وسَمَّى جهنمَ هاهنا مِهادًا على معنى أنها قرار، والقرار كالوطاء في الثبوت عليه، وقيل: لأنها بدل من المهاد لهم، فصار كقوله: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، على جِهَةِ البَدَلْ (١٣) (١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 652.
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 319، "تفسير الثعلبي" 2/ 652، "الوسيط" 1/ 311، "التفسير الكبير" 5/ 219، "البحر المحيط" 2/ 117.
(٣) ذكره الواحدي عن قتادة في "الوسيط" 1/ 311، والقرطبي 3/ 19.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 319، "تفسير الثعلبي" 2/ 652، "المحرر الوجيز" 2/ 192، "الوسيط" 1/ 311، "زاد المسير" 2/ 222، "التفسير الكبير" 5/ 220.
(٥) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 236، "البحر المحيط" 2/ 117، "الدر المصون" 2/ 354، وذكر أبو حيان أن الباء يحتمل أن تكون للتعدية، كأن المعنى: ألزمته العزة الإثم، ولحتمل أن تكون للمصاحبة، أي: أخذته مصحوبا بالإثم، أو مصحوبة بالإثم، فيكون للحال من المفعول، أي: أخذته متلبسا بالإثم أو من الفاعل أي: حال من العزة، أي متلبسة بالإثم.
ويحتمل أن تكون سببية، والمعنى: أن إثمه السابق كان سببا لإخذ العزة له حتى لا يقبل ممن يأمره بتقوى الله.
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 319، "تفسير الثعلبي" 2/ 653، "التفسير الكبير" 5/ 220، "البحر المحيط" 2/ 117.
(٧) صدر البيت: فَتُوسِعَ أَهْلَها أَقِطًا وسَمْنًا والبيت في "ديوان امرئ القيس" ص 171، وينظر: "الزاهر" 1/ 96، "الوسيط" للواحدي 1/ 311.
(٨) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 231، "تهذيب اللغة" 1/ 810، "المفردات" ص 124، "تفسير الرازي" 5/ 220، "البحر المحيط" 2/ 109، "لسان العرب" 2/ 863 - 865 "حسب".
(٩) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 681، وفي "لسان العرب" 2/ 715 "جهن"، وقوله: لا تجرى، أي: لا تصرف وتنون.
(١٠) قوله: لم تجر، أي: لم تصرف وتنون.
(١١) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 681، "المفردات" 109، "التفسير الكبير" 5/ 220، "البحر المحيط" 2/ 108، "لسان العرب" 2/ 715 "جهن".
(١٢) بنظر: "مجاز القرآن" 1/ 71، "تفسير الطبري" 2/ 320، "تهذيب اللغة" 4/ 3461، "المفردات" ص 479، "اللسان" 7/ 4286 "مهد".
(١٣) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 220، "البحر المحيط" 2/ 118.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن يُعْجِبُكَ ﴾ الآية؛ قيل نزلت في الأخنس بن شريق، فإنه أظهر الإسلام، ثم خرج فقتل دواب المسلمين وأحرق لهم زرعاً، وقيل: في المنافقين، وقيل: عامة في كل من كان على هذه الصفة ﴿ فِي الحياوة ﴾ متعلق بقوله: يعجبك: أي يعجبك ما يقول أي يعجبك ما يقول في أمر الدنيا ويحتمل أن يتعلق بيعجبك ﴿ وَيُشْهِدُ الله ﴾ أي يقول: الله أعلم أنّه لصادق.
﴿ أَلَدُّ الخصام ﴾ شديد الخصومة ﴿ تولى ﴾ أدبر بجسده أو أعرض بقلبه، وقيل: صار والياً ﴿ وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ على القول بأنها في الأخنس، فإهلاك الحرث حرقه الزرع، وإهلاك النسل قتله الدواب، وعلى القول بالعموم: فالمعنى مبالغته في الفساد، وعبَّر عن ذلك من النبات، والنسل هو الإبل والبقر والغنم وغير ذلك مما يتناسل ﴿ أَخَذَتْهُ العزة بالإثم ﴾ المعنى: أنه لا يطيع من أمره بالتقوى وتكبراً والباء يحتمل أن تكون سببية أو بمعنى مع.
وقال الزمخشري: هي كقولك: أخذ الأمير الناس بكذا أي ألزمهم إياه، فالمعنى حملته العزة على الإثم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مرضاة ﴾ بالإمالة والوقف بالهاء: علي.
وكذلك يقف على ﴿ هيهات ﴾ هيهاه وعلى ﴿ حدائق ذات ﴾ ذاه وعلى ﴿ أفرأيتم اللات ﴾ اللاه وعلى ﴿ ولات حين ﴾ ولاه، وعلى ﴿ مريم ابنة ﴾ ابنه.
وافق أبو عمر وفي ﴿ ولات حين ﴾ بالهاء ﴿ لسلم ﴾ بفتح السين.
أبو جعفر ونافع وابن كثير وعلي.
الباقون: بالكسر.
﴿ والملائكة ﴾ بالجر: يزيد عطفاً على "ظلل" أو على "الغمام" أو للجوار وإن كان فاعل "يأتهم".
الباقون: بالرفع ﴿ ترجع الأمور ﴾ حيث كان بفتح التاء وكسر الجيم: حمزة وعلي وخلف وابن عامر وسهل ويعقوب.
الباقون: بضم التاء وفتح الجيم.
الوقوف: ﴿ قلبه ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ الخصام ﴾ ه ﴿ والنسل ﴾ ط ﴿ الفساد ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ مرضات الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الشيطان ﴾ ط مع احتمال الجواز ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وقضى الأمر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.
التفسير: لما آل أمر بيان الحج إلى تعديد فرق الناس بحسب أغراضهم في الدعاء، ناسب أن يعطف على ذلك تقسيم آخر يعرف منه مطامح أنظار الناس على الإطلاق ليعرف أرباب النفاق.
من أصحاب الوفاق.
عن السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وهو حليف بني زهرة.
أقبل إلى النبي بالمدينة فأظهر له الإسلام وزعم أنه يحبه وقال: والله يعلم أني لصادق.
فلما خرج من عند النبي مر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر.
وقيل: إنه أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمداً ابن أختكم فإن يك كاذباً كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به.
فقالوا: نعم الرأي ما رأيت.
ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله فسمى بهذا السبب أخنس - وكان اسمه أبي بن شريق - فبلغ ذلك رسول الله فأعجبه.
وعن ابن عباس والضحاك: أن كفار قريش بعثوا إلى النبي أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك فبعث إليهم جماعة، فلما كانوا ببعض الطريق ركب من الكفار سبعون راكباً فأحاطوا بهم فقتلوهم وصلبوهم ففيهم نزلت.
وقوله بعد ذلك ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ إشارة إلى هؤلاء الشهداء.
واختيار المحققين من المفسرين أنه لا يمتنع أن تكون الآية نازلة في الرجل ثم تكون عامة في أمثاله.
فهذه الآية عامة في المنافقين، فإن ألسنتهم تحلو لي وقلوبهم أمر من الصبر.
والضمير في ﴿ يعجبك قوله ﴾ يعود إلى "من" ويحتمل أن يكون جمعاً ولكنه أفرد نظراً إلى اللفظ.
ومعنى يعجبك يروقك ويعظم في قلبك و ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ إما أن يتعلق بقوله أي يعجبك ما يقوله في باب الدنيا طلباً للمصالح العاجلة فقط كالأمان من القتل والأخذ من المغانم، و إما أن يتعلق بيعجبك لأن قوله وحلو كلامه إنما يعجب السامع في الدنيا ولا يعجبه في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الهيبة والحيرة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام.
والخطاب إما للنبي ، أو لكل سامع.
﴿ ويشهد الله على ما في قلبه ﴾ يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف، وأن يكون بقوله "شهد الله على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام".
﴿ وهو ألد الخصام ﴾ الألد الشديد الخصومة، واللديدان جانبا الوادي.
كأن كلاً من المتخاصمين في جانب.
ومنه اللدود وهو ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم.
وإضافة الألد بمعنى "في" كقولهم "ثبت الغدر" و "قتيل الصف" أو جعل الخصام ألد على المبالغة نحو "جد جده".
والخصام جمع خصم كصعاب في صعب.
والمعنى: هو أشد الخصوم خصومة.
والحاصل إنه جدل بالباطل شديد الفسوق في معصية الله عالم اللسان جاهل العمل، وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق سعى في الأرض ليفسد فيها كما فعل بأولئك المسلمين من إحراق الزروع وعقر المواشي.
وأصل السعي المشي بسرعة، وقد يستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس.
وقيل: لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم، وعلى هذا فيقع قوله ﴿ ويهلك الحرث والنسل ﴾ تفصيلاً لما أجمله قوله ﴿ ليفسد ﴾ وقيل: إفساده هو إلقاء الشبه في عقائد المسلمين، وعلى هذا فيكون إهلاك الحرث والنسل بمعنى آخر.
وهذا تفسير مناسب لأن كمال الإنسان بالعلم والعمل ونقصه بضدهما، فيكون الإفساد إشارة إلى نقص قوّته النظرية والإهلاك عبارة عن فعل المنكرات و فيه نقصان قوّته العملية.
وقيل: ﴿ وإذا توّلى ﴾ أي إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل.
وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل.
فالحرث الزرع، والنسل الولد.
ونسلت الناقة بولد كثير، والتركيب يدل على الخروج.
وقيل: إهلاك الحرث قتل النسوان ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ وإهلاك النسل إفناء الصبيان ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ قالت المعتزلة: معناه لا يريد الفساد.
وفيه دليل على أنه يريد القبائح وإذا لم يردها لم يخلقها لأن الخلق لا يمكن إلا بالإرادة.
ومنع من أن المحبة نفس الإرادة، بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكره بالتعظيم.
ثم الدليل الدال على أن لا مرجح لأحد جانبي كل ممكن على الآخر إلا الله وإلا انسد باب إثبات الصانع يدل على أن الكل بإرادته ومشيئته، وقد مر تحقيق ذلك فيما سلف.
واعلم أنه حكى عن المنافق جملة من الأفعال الذميمة.
أولها حسن كلامه في طلب الدنيا، وثانيها استشهاده بالله كذباً وبهتاناً، وثالثها لحاجة في إبطال الحق وإثبات الباطل، ورابعها سعيه في الأرض للإفساد، وخامسها سعيه في إهلاك الحرث والنسل.
فوقع قوله ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ جمله معترضة.
ثم ذكر خصلة سادسة أشنع من الكل دالة على جهله المركب وخروجه عن أن يرجى منه خير وذلك قوله ﴿ وإذا قيل له اتق الله ﴾ في ارتكاب شيء من هذه المنهيات.
والقائل إما الرسول قولاً خاصاً أو عاماً لجميع المكلفين فيدخل المنافق فيه، وإما كل واعظ وناصح ﴿ أخذته العزة بالإثم ﴾ من قولهم "أخذت فلاناً بأن يفعل كذا" أي ألزمته ذلك وحملته عليه أي أخذته الغلبة والاستيلاء والأنفة وحمية الجاهلية أن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ترك الالتفات إلى هذا الوعظ وعدم الإصغاء إليه، أو من قوله "أخذته الحمى" أي لزمته، و "أخذه الكبر" أي اعتراه ذلك والمعنى لزمته العزة الحاصلة بسبب الإثم الذي في قلبه، وذلك الإثم هو الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل ﴿ فحسبه جهنم ﴾ كافية هي جزاء له يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث لأنه مصدر.
ورفعه على الخبرية أو على الابتداء إذا كان ما بعده معرفة، أو على الابتداء فقط إن كان نكرة مثل "حسبك درهم".
وعلى هذا تكون الإضافة معنوية ألبتة، وعلى تقدير كونه خبر الوقوع المعرفة بعده تكون الإضافة لفظية أي فحسب وكافٍ له.
قال يونس وأكثر النحويين: جهنم اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وفيها العلمية والتأنيث.
وقال آخرون: إنه اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها.
حكي عن رؤبة أنه قال: ركية جهنام بكسر الجيم والهاء أي بعيدة القعر.
وقيل: اشتقاقها من الجهومة وهي الغلظ.
ومنه رجل جهم الوجه أي غليظه.
سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب والعقاب.
﴿ ولبئس المهاد ﴾ أي ما يمهد لأجله فإن المعذب في النار يلقى على النار كما يوضع الشخص على الفراش.
ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى التمهيد والتوطئة.
قوله : ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ الآية.
قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: والله لا تصلون إليّ أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي.
وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي ففعلوا.
فلما قدم على رسول الله نزلت، فقال رسول الله : " "ربح البيع أبا يحيى" وتلا الآية.
وقيل: أخذ المشركون صهيباً فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم، أمنكم كنت أم من غيركم.
فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟
ففعلوا ذلك.
وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى.
قال صهيب: وبيعك.
أفلا تخبرني ما ذاك؟
فقال: نزلت فيك كذا قرأ الآية.
عن الحسن: نزلت في أن المسلم أتى الكافر فقاتل حتى قتل.
وقيل: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
سمع عمر بن الخطاب إنساناً يقرأ هذه الآية فقال عمر: إنا لله قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.
وقيل: نزلت في علي بات على فراش رسول الله ليلة خروجه إلى الغار.
ويروى أنه لما نام على فراشة قام جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخ بخ.
من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية.
ثم إن الآية تدل على أن ههنا مبايعة، فأكثر المفسرين على أن العامل هو البائع.
ومعنى يشري يبيع ﴿ وشروه بثمن بخس ﴾ والله هو المشتري ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ وعمل المكلف وهو بذل نفسه في طاعة الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد هو الثمن والجنة هي المثمن.
وقيل: يحتمل أن يراد بالشراء ههنا الاشتراء وذلك أن من أقدم على الكفر والمعاصي.
فكأن نفسه خرجت عن ملكه وصارت حقاً للنار، وإذا أقدم على الطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دراهم معدودة ويشتري بها نفسه، والمؤمن يبذل أنفاساً معدودة ويشتري بها نفسه، لكن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم.
فكذا المكلف لا ينجو عن ربقة العبودية ما دام بقي له نفس واحد في الدنيا، وهذا كقول عيسى ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ﴾ وقوله عز من قائل لنبيه ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ و ﴿ ابتغاء مرضات الله ﴾ أي طلب رضوانه نصب على العلة الغائية.
وفيه دليل على أن كل مشقة يتحملها الإنسان يجب أن تكون على وفق الشرع ومطلوباً بها جانب الحق وإلا كان عمله ضلالاً وكده وبالاً.
﴿ والله رؤف بالعباد ﴾ فمن رأفته جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل، وجوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ ومن رأفته أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ومن رأفته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط عقابه وأعطاه ثوابه، ومن رأفته أن النفس له والمال له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه وامتناناً ورحمة وإحساناً.
قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ أصل السلم بالكسر، والفتح الاستسلام والطاعة.
ويطلق أيضاً على الصلح وترك الحرب والمنازعة.
وهو أيضاً راجع إلى هذا و إنه يذكر ويؤنث.
واختلف في المخاطبين فقيل: أمر للمسلمين بما يضاد حال المنافقين أي يا أيها الذين آمنوا بالألسنة والقلوب دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من أيامكم ولا تخرجوا منه ولا من شيء من شرائعه.
﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أهل الغواية، والكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجاً منها لا يمتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالاً بعد حال.
ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال، فلا يبعد أن يأمرهم الله بالدخول في الإسلام فيما يستأنف من الزمان.
أو أمرهم بأن يكونوا مجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه.
ولا تتبعوا آثار الشيطان بالإقبال على الدنيا والجبن والخور في أمر الدين مثل ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا ﴾ أو يكون المراد بالدخول في السلم ترك الذنوب والمعاصي، فإن من مذهبنا أن الإيمان باقٍ مع الذنب والعصيان، أو يكون المراد الرضا بالقضاء والتلقي لجميع المكاره بالبشر والطلاقة كما ورد في الخبر "الرضا بالقضاء باب الله الأعظم" أو يكون المراد ترك الانتقام وسلوك طريق العفو والإغماض ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ وقوله: ﴿ كافة ﴾ يصلح أن يكون حالاً من المأمورين أي ادخلوا بأجمعكم في السلم ولا تتفرقوا ولا تختلفوا وأن يكون حالاً من السلم على أنها مؤنث كالحرب أي ادخلوا في شرائع الإسلام كلها وأصل الكف المنع فسمي الجميع كافة لأن الاجتماع بمنع التفرق والشذوذ.
ورجل مكفوف أي كف بصره من أن ينظر.
وكفة القميص لأنها تمنع الثوب من الانتشار.
والكف طرف اليد لأنه يكف بها عن سائر البدن.
وقيل: الخطاب للمنافقين والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ولا تتبعوا آثار تزيين الشيطان وتسويله بالإقامة على النفاق.
وقيل: نزلت في مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه حين أرادوا أن يقيموا على بعض شرائع موسى كتعظيم السبت وقراءة التوراة واستأذنوا رسول الله في ذلك، فأمروا أن يدخلوا في شرائع الإسلام كافة ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة لثبوت نسخها بالكلية، فإن التمسك بها بعد تبين نسخها من اتباع آثار الشيطان، وقيل: السلم الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالكتاب المتقدم كملوا طاعتكم بالإيمان بجميع أنبيائه وكتبه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بالشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ عن أبي مسلم أن المبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، ولا يخفى أنه أعرب عن عداوته لآدم ونسله.
وقيل: مبين من الإبانة القطع وذلك أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه.
قوله ﴿ فإن زللتم ﴾ المخاطبون ههنا هم المخاطبون في قوله ﴿ ادخلوا ﴾ فيجيء الخلاف ههنا بحسب الخلاف هناك.
والمعنى العام: فإن دحضت أقدامكم وانحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به ﴿ من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ الدلائل العقلية والسمعية على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق ﴿ فاعلموا أن الله عزيز ﴾ غالب لا يعجزه الانتقام منكم وهذه نهاية في الوعيد كما لو قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وبشدّة سطوتي.
كان أبلغ في الزجر من التصريح بضرب من ضروب العذاب.
وكما أن قوله ﴿ عزيز ﴾ يشتمل على الوعيد البليغ فقوله ﴿ حكيم ﴾ يشتمل على الوعد الحسن.
فإن اللائق بالحكمة تمييز المحسن من المسيء وأن لا يسّوي بينهما في الثواب والعقاب.
روي أن قارئاً قرأ غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا.
الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه يكون إغراء عليه.
قوله ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ﴾ الآية معنى النظر ههنا الانتظار.
وأما إتيان الله فقد أجمع المفسرون على أنه منزه عن المجيء والذهاب لأن هذا من شأن المحدثات والمركبات وأنه أزلي فرد في ذاته وصفاته فذكروا في الآية وجهين: الأول: وهو مذهب السلف الصالح السكوت في مثل هذه الألفاظ عن التأويل وتفويضه إلى مراد الله كما يروى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعذر أحد بجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه، ووجه يعرف من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله.
الثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لا بد من التأويل على سبيل التفصيل.
فقيل: جعل مجيء الآيات مجيئاً له تفخيماً لها كما يقال "جاء الملك" إذا جاء جيش عظيم من جهته.
وقيل: المراد إتيان أمره وبأسه فحذف المضاف بدليل قوله في موضع آخر ﴿ أو يأتي أمر ربك ﴾ ﴿ فجاءهم بأسنا ﴾ وأيضاً اللام في قوله ﴿ وقضى الأمر ﴾ تدل على معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه.
لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه.
لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها محال.
وعند المعتزلة أصوات فتكون أعراضاً.
فالإتيان عليها أيضاً محال لأنا نقول: الأمر قد يطلق على الفعل ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ وحينئذ فالمراد ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المهيبة.
وإن حملنا الأمر على ضد النهي فلا يبعد أن منادياً ينادي يوم القيامة ألا إن الله يأمركم بكذا.
ومعنى كونه في ظلل من الغمام أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في آن واحد، أو يكون المراد حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله على أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو أنه يخلق نقوشاً منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها.
وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد، وتكون فائدة الظلل أنه جعلها أمارة لما يريد إنزاله بالقوم ليعلموا أن الأمر قد حضر.
وقيل: المأتي به محذوف والمعنى إلا أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته الدالة عليه بقوله ﴿ عزيز ﴾ .
وفائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد لانقسام خواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه.
وقيل: إن "في" بمعنى الباء أي يأتيهم الله بظلل من الغمام، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة.
وقيل: الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع كقوله ﴿ والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ﴾ ولا قبض ولا طي ولا يمين وإنما الغرض تصوير عظمة شأنه.
وقيل: بناء على أن الخطاب في ادخلوا وزللتم لليهود المراد أنهم لا يقبلون دين الحق إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وذلك أن اليهود كانوا على اعتقاد التشبيه ويجوّزون المجيء والذهاب على الله ويقولون: إنه تجلى لموسى على الطور في ظلل من الغمام، فطلبوا مثل ذلك في زمن محمد .
فعلى هذا يكون الكلام حكاية عن معتقد اليهود ولا يبقى إشكال فإن الآية لا تدل إلا على أن قوماً ينتظرون إتيان الله وليس فيها دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أم مبطلون.
والظلل جمع ظلة وهي ما أظلك والغمام لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعاً ومتراكماً.
فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة، كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة والجمع ظلل.
والاستفهام ههنا في معنى النفي أي ما ينتظرون إلا أن يأتيهم عذاب الله في ظلل من الغمام، وفيه تفظيع شأن العذاب وتهويله لأن الغمام مظنة الرحمة، وإذا نزل منه العذاب كان أشنع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يتوقع الخير؟
أو نزول الغمام علامة لظهور الأهوال في القيامة قال: ﴿ يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً ﴾ واستعير لتتالي العذاب تتابع القطر وإتيان الملائكة ليقوموا بما أمروا به من تعذيب وتخريب ولا حاجة إلى التأويل لأن إتيانهم ممكن.
﴿ وقضي الأمر ﴾ فرغ من أمر إهلاكهم وتدميرهم أو عما كانوا يوعدون به، فلا تقال لهم عثرة ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة.
والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر، فوضع الماضي موضع المستقبل.
إما للتنبيه في قرب العذاب أو الساعة "كل ما هو آت قريب"، وإما لأن إخبار الله كالواقع المقطوع به وقيل: الأمر المذكور ههنا هو فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزله من الجنة والنار.
وعن معاذ بن جبل وقضاء الأمر مصدر مرفوع عطفاً على لفظي الله والملائكة.
﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ وذلك أنه ملك في الدنيا عباده كثيراً من أمور خلقه، أما إذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم بين العباد سواه وهذا كقولهم "رجع أمرنا إلى الأمير" إذا كان هو يختص بالنظر فيه.
فعلى المكلف أن يدخل في السلم كما أمر ويحترز عن اتباع آثار الشيطان كما نهى.
ثم إن الأمور ترجع إليه ، وهو يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة.
فهذا معنى القراءتين في ﴿ ترجع ﴾ وأيضاً قراءة ضم التاء وفتح الجيم على مذهب العرب في قولهم "فلان معجب بنفسه" ويقول الرجل لغيره: إلى أين ذهب بك؟
وإن لم يكن أحد يذهب به.
أو المراد أن العباد يردّون أمورهم إلى خالقهم ويعترفون برجوعها إليه.
أما المؤمنون فبالمقال، وأما الكافرون فبشهادة الحال ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال ﴾ .
التأويل: النفس الأمارة تظهر الأشياء المموهة والأقوال المزخرفة وترى أنها أولى الأولياء، ولكنها أعدى الأعداء وتسعى في تخريب أرض القلب وإبطال حرث الصدق في طلب السعادة إهلاك نسل ما يتولد من الأخلاق الحميدة وتشمخ بأنفها عن قبول الحق فحسبه جهنم الميعاد ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ هذا شأن الأولياء باعوا أنفسهم خالصاً لوجه الله لا لأجل الجنة ﴿ ادخلوا في السلم كافة ﴾ أي بجميع الأجزاء والأعضاء الظاهرة والباطنة.
ودخول القلب في الإسلام يكون بدخول الإيمان في القلب، ودخول الروح في الإسلام يكون بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الأحكام والأقضية لله، ودخول السر في الإسلام بفنائه في الله وبقائه بالله، وهذا مقام يضيق عن إعلانه نطاق النطق ولا يسع إظهاره ظروف الحروف.
وإن قميصاً خيط من نسج تسعة *** وعشرين حرفاً من معانيه قاصر الله ولي التوفيق وهو حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ .
قيل: إن رجلاً من الكفار كان يأتي رسول الله فيخبره أنه يحبه وكان يعد له الإيمان والمتابعة له في دينه، ويحلف على ذلك، وكان النبي يعجبه ذلك ويدنيه في المجلس، وفي قلبه خلاف ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ...
﴾ الآية.
وقيل: إنها نزلت في المنافقين؛ لأنهم كانوا يرون من أنفسهم الموافقة له في الدين، ويظهرون أنهم على دينه ومذهبه، ويضمرون الخلاف له في السر والعداوة، ويحلفون على ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ...
﴾ الآية.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ ﴾ .
قيل: أشد الخصام.
وقيل: أجدل بالباطل.
وقيل: أظلم في الخصومة، لا يستقيم أبداً.
وقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ ﴾ ، أي يقتل النساء، وهن حرث، كقوله : ﴿ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ ، وفي أهلاك النساء إهلاك [النسل].
وقيل: أراد بالحرث: الحرث نفسه - وهو الزرع، والنسل والدواب - يحرق الحرث، ويعقر الدواب وكل حيوان.
وقيل: إنهم كانوا يسعون بالفساد ويعملون بالمعاصي، فيمسك الله عنهم المطر، فيهلك كل شيء من الناس وغيرهم.
ويحتمل: ﴿ وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ ﴾ ، قتل ولد آدم، وفي أهلاكهم إهلاك كل حرث؛ لأنهم هم الذين يحرثون ويتناسلون.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ ﴾ ، ظاهر.
وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ .
﴿ قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ .
عن صنيعك، وهو السعي في الأرض بالفساد، حملته الحمية على الإثم تكبراً منه.
قال الله لرسوله : ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: أعرض عنه، واتركه وصنيعه، فإن جهنم مصيره ومأواه.
وروي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال: "إن أبغض الناس من يقال له: اتق الله، فيقول: عليك نفسك".
وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: ﴿ يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ ﴾ ، أي يهلك نفسه، أي يبيع نفسه في عبادة الله وطاعته.
فذلك شراؤه إياها.
ويحتمل: ﴿ يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ ﴾ ، أي يبذل نفسه للجهاد في سبيل الله، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ ، فهؤلاء بذلوا أنفسهم لذلك بتفضيل الله عز وجل ببذل الجنة لهم، فهو الشراء.
والله أعلم.
وهو ما روي أن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، ألقى نفسه على رسول الله عندما هم المشركون بقتله.
وفيه دلالة أن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، كان أشجع الصحابة وأصلبهم، وإن كان ضعيفاً في نفسه، لما لم يتجاسر أحد من الصحابة على مثله.
وما روي أيضاً أنه خرج لمقاتلة أهل الردة وحده.
فدل هذا كله أنه كان أشجعهم وأصلبهم في الدين.
وقيل: إن هذه الآية نزلت في صهيب، ابتاع دينه بأهله وماله على ذلك والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾ .
يحتمل: أن أراد كل العباد، وهو أن الكافر إذا أسلم وأخلص دينه لله يتغمده في رحمته ويقبل منه ذلك، ويتجاوز عنه عما كان منه في الشرك والكفر.
الله أعلم.
ويحتمل: أن أراد بالعباد: المؤمنين خاصة، رحيم بهم.
<div class="verse-tafsir"
وإذا قيل لذلك المفسد -على سبيل النصح-: اتق الله بتعظيم حدوده واجتناب نواهيه، منعته الأَنَفَةُ والكِبْر عن الرجوع إلى الحق، وتمادى في الإثم، فجزاؤه الَّذي يكفيه دخول جهنم، ولبئس المستقر والمقام لأهلها.
<div class="verse-tafsir" id="91.Baj31"
أرشدتنا آيات المناسك السابقة إلى أن المراد منها ومن كل العبادات هو تقوى الله تعالى بإصلاح القلوب، وإنارة الأرواح بنور ذكر الله تعالى واستشعار عظمته وفضله.
وإلى أن طلب الدنيا من الوجوه الحسنة لا ينافي التقوى بل يعين عليها، بل هو مما يهدي إليه الدين، خلافًا لأهل الملل السابقة الذين ذهبوا إلى أن تعذيب الأجساد وحرمانها من طيبات الدنيا هو أصل الدين وأساسه.
وإلى أن من يطلب الدنيا بكل وجه ويجعل لذاتها أكبر همه ليس له في الآخرة من خلاق، لأنه مُخْلِد إلى حضيض البهيمية لم تستنر روحه بنور الإيمان، ولم يرتق عقله في معارج العرفان.
ولما كان محل التقوى ومنزلها القلوب دون الألسنة، وكان الشاهد والدليل على ما في القلوب والأعمال، دون مجرد الأقوال، ذكر في هذه الآيات أن الناس في دلالة أعمالهم على حقائق أحوالهم ومكنونات قلوبهم قسمان، فكانت هذه متصلة بتلك في بيان مقصد القرآن العزيز وهو إصلاح القلوب، واختلاف أحوال الناس فيها، وما ينبغي أن يعلموه منها، ولذلك عطفها عليها فقال: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ يقال أعجبه الشيء إذا راقه واستحسنه ورآه عجبًا أي طريفًا غير مبتذل، والخطاب عام وفي قوله ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ وجهان: (أحدهما): أن من الناس فريقًا يعجبك قوله وأنت في هذه الحياة، لأنك تأخذ بالظواهر، وهو منافق اللسان يظهر خلاف ما يضمر، ويقول ما لا يفعل، فهو يعتمد على خلابة لسانه، في غش معاشريه وأقرانه، يوهمهم أنه مؤمن صادق، نصير للحق والفضيلة، خاذل للباطل والرذيلة، متق لله في السر والعلن متجنب للفواحش ما ظهر منها وبطن، لا يريد للناس إلا الخير، ولا يسعى إلا في سبيل النفع ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ أي يحلف بالله أن ما في قلبه موافق لما يقول ويدعي.
﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ أي وهو في نفسه أشد الناس مخاصمة وعداوة لمن يتودد إليهم، أو هو أشد خصمائهم على أن الخصام جمع خصم ككعاب جمع كعب وهو المختار، واللدد هو شدة الخصومة ولد (كتعب) الرجل لازم ولد خصمه (كنصر) شدد خصومته ولاده للمشاركة.
وفيه وجه آخر قاله بعضهم وهو أن الخصام بمعنى الجدال أي وهو قوي العارضة في الجدل لا يعجزه أن يختلب الناس ويغشهم بما يظهر من الميل إليهم وإسعادهم في شؤونهم ومصالحهم.
قال صاحب هذا القول فالأوصاف المحمودة التي يعتمد عليها ثلاثة: حسن القول بحيث يعجب السامع، وإشهاد الله تعالى على صدقه وحسن قصده، وفي معناه ما هو دونه من ضروب التأكيد الذي يقبله خالي الذهن، وقوة العارضة في الجدل التي يحاج بها المنكر أو المعارض وأما بيان سوء حاله، وفساد أعماله، فهو في الآيتين التاليتين وقد مهد لهما بقوله تعالى ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ والتمهيد في بداية الكلام للمراد منه في غاية من ضروب البلاغة وأفنانها.
هذا الفريق من الناس يوجد في كل أمة وتختلف الخلابة اللسانية في الأمم باختلاف الأعصار، ففي بعض الأزمنة لا يتيسر للواحد أن يغش بزخرف القول إلا الفرد أو الأفراد المعدودين، وفي بعضها يتيسر له أن يغش الأمة في مجموعها حتى ينكل بها تنكيلًا، وإن الجرائد في عصرنا هذا قد تكون طريقًا للغش العام، كما تكون طريقًا للنصح العام وإنما يكون تلبيسها سهلًا على من يعجب العامة قولهم في الأمم التي يغلب فيها الجهل ولا سيما في طور الانتقال من حال إذ تختلف ضروب الدعوة وطرق الإرشاد.
وفي الآية: (وجه آخر): ذهب إليه بعض المفسرين وهو أن الظرف ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ متعلق بالقول قبله، أي يعجبك قوله إذا تكلم في شؤون الحياة الدنيا وأحوالها، وطرق جمع المال وإحراز الجاه فيها، لأن حبها قد ملك عليه أمره، والميل إلى لذاتها وشهواتها قد استحوذ في قلبه، وصار هو المصرف لشعوره ولبه، فينطلق لسانه -ومثله قلمه- في كل ما يستهوي أصحاب الجاه والمال، ويستميل أهل السيادة والسلطان، ولكنه إذا تكلم في أمر الدين جاء بالخطل والحشو، ووقع في العسلطة واللغو، فلا يحسن وقع قوله في السمع، ولا يكون له تأثير في النفس وذلك أن روح المتكلم تتجلى في قوله، وضميره المكنون يظهر في لحنه ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُم ﴾ وفي الحكم: كل كلام يبرز وعليه كسوة من القلب الذي عنه صدر، ولهذا كان إرشاد المخلصين نافعًا، وخداع المنافقين صادعًا.
وعلى هذا الوجه في التفسير تكون جملة ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ ﴾ وصفًا مستقلًا غير حال مما قبله، أي إنه لا يحسن إلا الكلام في الدنيا ليعجب السامع ويخدعه، ولكنه يزعم أن قلبه مع الله، وأنه حسن السريرة، وإنك لترى هذا في سيرة المجرمين ظاهرًا جليًا كما وصف الله تعالى.
يتركون الصلاة، ويمنعون الزكاة، ويشربون الخمور، ويتسابقون إلى الفجور، ويأكلون أموال الناس بالباطل ثم يفضلون أنفسهم في الدين على أهل النزاهة والتقوى، زاعمين أن هؤلاء المتقين قد عمرت ظواهرهم بالعمل والإرشاد، ولكن بواطنهم خربة بسوء الاعتقاد، ويقولون نعم نحن نأكل الربا أو القمار ولكنا نحرمه، ونأتي في نادينا وخلوتنا المنكر ولكنا لا نستحسنه، وإن ما نبتزه من جيوب الأغنياء بخلابتنا ليس المقصود به ترفيه معيشتنا، وإنما هو أجر على السعي في إعلاء شأنهم ومكافأة على خدمة أوطانهم.
فهم بهذه الدعاوي ألد الخصماء، ألا إنهم هم السفهاء، فقد جرت سنة الله تعالى في خلقه، ودلت هدايته في كتابه، على أن سلامة الاعتقاد وإخلاص السريرة هما ينبوع الأعمال الصالحة، والأقوال النافعة ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا ﴾ .
وانظر ما قاله عز شأنه في وصف فريق هذه الدعاوي العريضة، والقلوب المريضة، قال: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾ في تفسير التولي هنا قولان: (أحدهما): أن صاحب الدعوى القولية إذا أعرض عن مخاطبه وذهب إلى شأنه فإن سعيه يكون على ضد ما قال.
يدعي الصلاح والإصلاح وحب الخير، ثم هو يسعى في الأرض بالفساد، ذلك أنه لا هم له إلا في الشهوات واللذات والحظوظ الخسيسة.
فهو يعادي لأجلها أهل الحق والفضيلة ويؤذيهم، لأنه ألد خصم لهم للتناقض والتضاد في الغرائز والسجايا، ويعادي أيضًا المزاحمين له فيها من أمثاله المفسدين، فلا يكون له هم وراء التمتع وأسبابه إلا الكيد للناس ومحاولة الإيقاع بهم فهو يفسد باعتدائه على الأموال والأعراض ﴿ وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾ بما يكون من آثر إفساده في اعتدائه وهو ذهاب ثمرات الحرث وهو الزرع، والنسل وهو ما تناسل من الحيوان، وكأنه إشارة إلى مكاسب أهل الحضارة وأهل البادية، وفي هذا عبرة كبرى للذين يقطعون الزرع ويقتلون البهائم بالسم وغيره انتقامًا ممن يكرهونهم وهي جرائم فاشية في أرياف مصر لهذا العهد، فأين الإسلام وأين هداية القرآن؟
إن إهلاك الحرث والنسل عبارة عن الإيذاء الشديد، وقد صار التعبير عن ذلك من قبيل المثل، فالمعنى أنه يؤذي مسترسلًا في إفساده ولو أدى إلى هلاك الحرث والنسل، وكذلك شأن المفسدين يؤذون إرضاء لشهواتهم ولو خرب الملك بإرضائها.
(والقول الآخر): إن المراد بتولى صار واليًا له حكم ينفذ وعمل يستبد به، وإفساده حينئذٍ يكون بالظلم مخرب العمران وآفة البلاد والعباد، وإهلاكه الحرث والنسل يكون إما بسفك الدماء والمصادرة في الأموال، وإما بقطع آمال العاملين من ثمرات أعمالهم، وفوائد مكاسبهم، ومن انقطع أمله انقطع عمله إلا الضروري الذي به حفظ الدماء، ولا حرث ولا نسل إلا بالعمل، وقد شرحت لنا حوادث الزمان وسير الظالمين هذه الآية فقرأنا وشاهدنا أن البلاد التي يفشو فيها الظلم تهلك زراعتها، وتتبعها ماشيتها، وتقل ذريتها، وهذا هو الفساد والهلاك الصوريان.
ويفشو فيها الجهل.
وتفسد الأخلاق، وتسوء الأعمال حتى لا يثق الأخ بأخيه، ولا يثق الابن بأبيه فيكون بأس الأمة بينها شديدًا ولكنها تذل وتخنع للمستعبدين لها.
وهذا هو الفساد والهلاك المعنويان.
وفي التاريخ الغابر والحاضر من الآيات والعبر، ما فيه ذكرى ومزدجر.
ولما كان هذا المفسد يُشْهِد الله على هداية قلبه، عند من يظن أنه يجهل حقيقة أمره، قال تعالى بعد بيان عمله في الإفساد ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ أي أن إفساد هذا المنافق ظاهر في الوجود، والظاهر عنوان الباطن، فإفساده في عمله دليل على فساد قلبه وكذبه في إشهاد الله عليه ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ لأنه لا يحب الفساد.
وفي الآية دليل على أن تلك الصفات الظاهرة المحمودة لا تكون محمودة مرضية عند الله تعالى إلا إذا أصلح صاحبها عمله، فإن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، وهي ترشدنا إلى التمييز بين الناس بأعمالهم وسيرتهم وعدم الاغترار بزخرف القول، فإن الناس إذا انصرفوا من مجالس القول لم يكن لهم بد من سعي وعمل، والعمل إما خير وإصلاح، وإما شر وإفساد، وكل إناء ينضح بما فيه.
ولما كان الإفساد يصدر تارةً عن الجهل وسوء الفهم، وأحيانًا عن فساد الفطرة وسوء القصد، وكان من يعمل السوء بجهالة سريع التوبة، مبادرًا إلى قبول النصيحة، وكان شأن الآخر الإصرار على ذنبه، كالمستهزئ بربه، ذكر من صفة المفسد ما يميز بينه وبين المخطئ فقال ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ ﴾ أي أنه إذا أُمر بمعروف أو نُهي عن منكر يسرع إليه الغضب، ويعظم عليه الأمر، فتأخذه الكبرياء والأنفة، وتخطفه الحمية وطيش السفه، فيكون كالمأخوذ بالسحر، لا يستقيم له فكر، لأنه مصر على إفساده لا يبغي عنه حولًا، وعبر عن الكبرياء والحمية بالعزة، للإشعار بوجه الشبهة للنفس الأمارة بالسوء وهو تخيلها النصح والإرشاد ذلة تنافي العزة المطلوبة.
وهذا الوصف ظاهر جدًا في تفسير التولي بالولاية والسلطة، فإن الحاكم الظالم المستبد يكبر عليه أن يُرْشَد إلى مصلحة، أو يُحَذَّر من مفسدة، لأنه يرى أن هذا المقام الذي ركبه وعلاه يجعله أعلى الناس رأيًا وأرجحهم عقلًا، بل الحاكم المستبد الذي لا يخاف الله تعالى يرى نفسه فوق الحق كما أنه فوق أهله في السلطة، فيجب أن يكون أفن رأيه خيرًا من جودة آرائهم، وإفساده نافذًا مقبولًا دون إصلاحهم، فكيف يجوز لأحد منهم أن يقول له: اتق الله في كذا؟
وإن الأمير منهم ليأتي أمرًا فيظهر له ضرره في شخصه أو في ملكه، ويود لو يهتدي السبيل إلى الخروج منه، فيعرض له ناصح يشرع له السبيل فيأبى سلوكها، وهو يعلم أن فيها النجاة والفوز، إلا أن يحتال الناصح في إشراعها فيجعله بصيغة لا تشعر بالإرشاد والتعليم، ولا بأن السيد المطاع في حاجة إليه.
وقد عُرِضَتْ نصيحة على بعضهم، مع ذكر لفظ النصيحة، بعد تمهيد له بالحديث: "الدين النصيحة لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "وبيان معناه، فعظم عليه أن يقول أحد إنني أنصح إليك لأنك إمامي، وكان ذلك آخر عهد الناصح به.
فانظر كيف لم يرض حاكم مسلم بأن ما يبذل له ما يجب أن يبذله لله ورسوله وللأئمة؟!، وقد كان العلماء ينصحون للخلفاء والملوك المسلمين، فيأخذون بالنصح بحسب مكانهم من الدين، وأما الطغاة البغاة الذين ليس لهم من الإسلام إلا ما يخدعون به العامة من إتيان المساجد في الجمع والأعياد والمواسم المبتدعة، فإنهم يؤذون من يشير إشارة ما إلى أنهم في حاجة إلى تقوى الله في أنفسهم، أو في عيال الله الذين سلطوا عليهم، وإن لم يبق لهم من السلطان والحكم ما يمكنهم من كل ما يهوون من الإفساد والظلم، وإذا كان هذا شأن أكثر الملوك والأمراء الذين ينسبون إلى الدين ويدعون اتباعه فهل تجد دعوى فرعون الألوهية غريبًا عجيبًا؟
وحمل التولي على الوجه الآخر لا يتنافى مع أخذ العزة بالإثم من جراء الأمر بالتقوى، فإن في طبع كل مفسد النفور ممن يأمره بالصلاح والاحتماء عليه، لأنه يرى أمره بالتقوى والخير تشهيرًا به، وصرفًا لعيون الناس إلى مفاسده التي يسترها بزخرف القول وخلابته، ولكن التعبير أظهر في إرادة الولاة والسلاطين.
وقد يبلغ نفور المفسدين في الأرض من الحق والداعين إلى الخير إلى حد استثقالهم والحقد عليهم، والسعي في إيذائهم وإن لم يأمروهم بذلك، إذ يرون أن الدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر على إطلاقها كافيان في فضيحتهم، وذاهبان بخلابتهم، فلا يطيقون رؤية دعاة الخير ولا يرتاحون إلى ذكرهم، بل يتتبعون عوراتهم وعثراتهم ليوقعوا بهم وينفروا الناس عن دعوتهم، فإن لم يظفروا بزلة ظاهرة التمسوها بالتحريف والتأول، أو الاختراع والتقول، ولذلك تجد طعن المفسدين في الأئمة المصلحين من قبيل طعن الكافرين في الأنبياء والمرسلين: إن فلانًا مغرور، لا يعجبه أحد، خَطَّأ جميع الناس، وصفهم بالضلال، سفه أحلامهم، شنع على أعمالهم، فرق بينهم، وما أشبه هذا.
هذه آثار المفسدين في الأرض عند العجز عن الإيقاع بالأمر بالتقوى، وإن قدروا حبسوا وضربوا، ونفوا وقتلوا، ولذلك قال فيمن يأنف من الأمر بالتقوى ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ أي هي مصيره وكفاه عذابها جزاء على كبريائه وحميته الجاهلية.
ثم وصف جهنم وهي دار العذاب في الآخرة بقوله ﴿ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ المهاد الفراش يأوي إليه المرء للراحة، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، فالله تعالى يقسم تأكيدًا للوعيد بأن الذي يرى عزته مانعة له عن الإذعان للأمر بتقوى الله سيكون مهاده ومأواه النار، وهي بئس المهاد وشره، لا راحة فيها، ولا اطمئنان لأهلها.
وقال بعض المفسرين إنه عبر بالمهاد الذي هو مظنة الراحة للتهكم.
وأنت ترى من هذا التقرير ومن كون التقسيم حقيقيًا في نفسه شارحًا لما عليه البشر في حياتهم متصلًا بما قبله ملتئمًا معه في السياق أن الكلام عام، وما روي من أن له سببًا خاصًا لا ينافي عمومه.
وقد اختلفوا في السبب للآيات فروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد أو عكرمة ابن عباس أنها نزلت في رجلين من المنافقين قالا لما هلكت سرية للمسلمين: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم.
وروى ابن جرير عن السدي أنها نزلت في الأخنس بن شريق أقبل إلى النبي وأظهر له الإسلام فأعجبه ذلك منه ثم خرج فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر.
فإن صحت الروايتان فالظاهر أن من جعلهما سببًا حمل الآيات عليهما في الجملة، وإلا فأنت ترى أن الآيات ليست مطابقة للحادثتين، اللتين إن صحتا كانتا في وقتين متباعدين، فإن الأخنس من مشركي مكة.
ثم ذكر الفريق الآخر المقابل لمن تأخذه العزة إذا ذُكر بالله تعالى فقال ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّه ﴾ وكان مقتضى المقابلة أن يوصف هذا الفريق بالعمل الصالح مع عدم الدعوى والتبجح بالقول، أو مع مطابقة قوله لعمله، وموافقة لسانه لما في قلبه، والآية تضمنت هذا الوصف وإن لم تنطق به، فإن من يشري أي يبيع نفسه الله لا يبغي ثمنًا لها غير مرضاته، لا يتحرى إلا العمل الصالح وقول الحق، مع الإخلاص في القلب، فلا يتكلم بلسانين، ولا يقابل الناس بوجهين، ولا يؤثر على ما عند الله عرض الحياة الدنيا وما عند كبرائها ومترفيها من القصور، ومتاع الزينة والغرور، وهذا هو المؤمن الذي يعتد القرآن بإيمانه.
وأما الإيمان القولي الذي يظهر على الألسنة ولا يمس سواد القلوب، ولا تظهر آثاره في الأعمال، ولا يحمل صاحبه شيئًا من الحقوق لدينه وملته، ولا لقومه وأمته، فلا قيمة له في كتاب الله، ولا يقام لصاحبه وزن في يوم الله، بل يخشى أن يقال لذويه يومئذٍ: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ .
ذكر الله تعالى هذا الشراء في آيات أخرى تشرح هذه الآية وتفسرها وتبين أن المؤمنين باعوا وأن اله قد اشترى كقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ ﴾ إلى قوله ﴿ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ ﴾ وقد وصف هؤلاء المؤمنين في الآية التي بعدها بما يجب على المؤمن أن يجعله معها ميزانًا للإيمان وأهله.
فنفس المؤمن لله لا للشهوة واللذة البهيمية والمكر الشيطاني، فمن آثر شهوته على مرضاة ربه، والتزام حدوده، والمحافظة على هدى دينه، فلا وزن له في سوق هذا البيع ولا قيمة.
ولقد نعلم أنه ليكبر هذا القول على المفتونين بزينة الحياة الدنيا، ولذاتها وقصورها، وخمورها وحورها، وإن كانوا يزعمون أنهم من زعماء الدين، وخدمته المخلصين لأن الحق مر في مذاق المبطلين.
والآية لا تنافي ما دلت عليه آية الدعاء من أن الإسلام شرع لنا طلب الدنيا من الوجوه الحسنة كما شرع لنا طلب الآخرة، بل هي مؤيدة لها، فإن طلبها من الطرق الحسنة أي المشروعة النافعة لا ينافي مرضاة الله تعالى ببيع النفس له، ولذلك لم يُحْرِّم سبحانه علينا إلا ما هو ضار بفاعله أو غيره، فلنا أن نتمتع بها حلالًا ونكون مثابين مرضيين عند الله تعالى: قال بعض الصحابة لما قال :"وفي بضع أحدكم صدقة".
يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟
قال "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟" قالوا نعم، قال" فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
ولكن الذي ينافي مرضاة الله تعالى وينافي سعادة الدنيا قبل الآخرة هو أن يسترسل المرء في سبيل حظوظه وشهواته خارج الحدود المشروعة فيفسد في الأرض، ولا يبالي أن يهلك بإفساده الحرث والنسل.
ثم إن هذا البيع لا يتحقق إلا إذا كان المؤمن يجود بنفسه وماله في سبيل الله إذا مست الحاجة لذلك، فكيف إذا ألجأت إليه الضرورة كجهاد أعداء الملة والأمة عند الاعتداء عليهما أو الاستيلاء على شيء من دار الإسلام، وحينئذٍ يكون فرضًا عينيًا على جميع الأفراد، فمن قدر على الجهاد بنفسه وجب عليه، ومن قدر عليه بماله وجب عليه، ومن قدر عليه بهما معًا وجب عليه، وسبيل الله هي الطريق الموصلة إلى مرضاته، وهي التي يحفظ بها دينه ويصلح بها حال عباده.
ومعنى هذا أنه لا يكتفي من المؤمن أن يكتسب بالحلال، ويتمتع بالحلال وينفع نفسه ولا يضر غيره، وأن يصلي ويصوم، لأن كل هذا يعمله لنفسه خاصة، بل يجب أن يكون وجوده أوسع، وعمله أشمل وأنفع، فيساعد على نفع الناس ودرء الضرر عنهم، بحفظ الشريعة وتعزيز الأمة بالمال والأعمال، والدعوة إلى الخير، ومقاومة الشر، ولو أفضى ذلك إلى بذل روحه، فإن قصر في واجب يتعلق بحفظ الملة وعزة الأمة من غير عذر شرعي فقد آثر نفسه على مرضاة الله تعالى، وخرج من زمرة كملة المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله تعالى، وكان أكبر إجرامًا ممن يقصر في واجب لا يضر تقصيره فيه إلا بنفسه، ذلك أن الحكمة في تربية النفس بالأعمال الحسنة والأخلاق الفاضلة، هي أن ترتقي ويتسع وجودها في الدنيا فيعظم خيرها وينفع الناس بها.
وتكون في الآخرة أهلًا لجوار الله تعالى مع النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم وجعلوا أكثر أعمالهم خدمة للناس وسعيًا في خيرهم.
فإن الله تعالى لم يشتر أنفس المؤمنين من الحظوظ والشهوات الشخصية الخسيسة لأجل نفعه سبحانه أو دفع الضرر عنه جل شأنه، فهو غني عن العالمين، وإنما شرع هذا ليكون المؤمن باتساع وجوده وعموم نفعه سيد الناس.
فليعرض مدعو الإيمان أنفسهم على الآية وأمثالها، فمن ادعى أنه من الذين باعوا أنفسهم لله، وآثروا مرضاته على ما سواه، فليعرضه غيره من المنصفين عليها، ولا سيما إذا ادعى أنه واسع الجود خادم للأمة والملة، لا جرم أن كثيرًا منهم لا يصدق عليهم شيء من ذلك، ولا قوله تعالى: ﴿ قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ فإن معنى أسلمنا انقدنا لأحكام الدين الظاهرة وأخذنا بأعماله البدنية.
وكثير ممن تعجبك أقوالهم من صنف المسلمين لا يصلون ولا يصومون، ولا يزكون ولا يحجون، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون، ويأتون كثيرًا من الكبائر جهارًا، ويصرون عليها إصرارًا.
ذكر تعالى أن من الناس من يشري أي يبيع نفسه، وهم المؤمنون الخلص كما في الآيات الأخرى، والإخبار بذلك أقوى في طلبه من الأمر به وأدل على تقريره، لأن الأمر به لا يدل على امتثال المأمورين، والإخبار هو الذي يدل على الوقوع، فالقرآن يصور المؤمنين عاملين بمقتضى الإيمان.
ثم بيّن أن ما شرع هذا إلا رأفة بعباده فقال ﴿ والله رَؤوفٌ بِالعِبَاد ﴾ إذ يرفع همم بعضهم، ويعلي نفوسهم، حتى يبذلوها في سبيله لدفع الشر والفساد عن عباده، وتقرير الحق والعدل والخير فيهم، ولولا ذلك لغلب شر أولئك المفسدين في الأرض حتى لا يبقى فيها صلاح ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ ﴾ وإن هذا يؤيد ما قلناه في إزالة وهم من يتوهم أن بيع النفس يؤذن بترك الدنيا، وأن لا يمتع المؤمن نفسه بلذاتها، ولو كان كذلك، وهو من تكليف ما لا يطاق، لما قرنه الله تعالى باسمه الرؤوف الدال على سعة رحمته بعباده، فيا لله ما أعجب بلاغة كلام الله، وما أعظم خذلان المعرضين عن هداه.
ومن الدقة الغريبة في هذا التعبير الموجز بيان حقيقة عظيمة وهي أن وجود هذه الأمة في الناس رحمة عامة للعباد لا خاصة بهم، والأمر كذلك، بل كثيرًا ما ينتفع الناس بعمل المصلحين من دونهم، إذ تظهر ثمرات إصلاحهم من بعدهم.
وإن على من يبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى في نفع عباده أن لا يتهور ويلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن يكون حيكمًا يقدر الأمور بقدرها، إذ ليس المقصود بهذا الشراء إهانة النفس ولا إذلالها، وإنما المراد دفع الشر وتقرير الخير العام رأفة بالعباد، وإيثارًا للمصلحة العامة.
وإن أمة يتصف جميع أفرادها أو أكثرهم بهذا الوصف لجديرة بأن تسود العالمين، وكذلك ساد سلفنا الصالحون، وإن أمة تحرم من هذا الصنف لخليقة بأن تكون مستعبدة لجميع المتغلبين، وكذلك استعبد خلفنا الطالحون، فهل نحن معتبرون؟
<div class="verse-tafsir"