الآية ٢٢١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٢١ من سورة البقرة

وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 225 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان .

ثم إن كان عمومها مرادا ، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية ، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله : ( والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين [ ولا متخذي أخدان ] ) [ المائدة : 5 ] .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب .

وهكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، والحسن ، والضحاك ، وزيد بن أسلم ، والربيع بن أنس ، وغيرهم .

وقيل : بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان ، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية ، والمعنى قريب من الأول ، والله أعلم .

فأما ما رواه ابن جرير : حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني ، حدثنا أبي ، حدثنا عبد الحميد بن بهرام الفزاري ، حدثنا شهر بن حوشب قال : سمعت عبد الله بن عباس يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء ، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات ، وحرم كل ذات دين غير الإسلام ، قال الله عز وجل : ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) [ المائدة : 5 ] .

وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية ، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية ، فغضب عمر بن الخطاب غضبا شديدا ، حتى هم أن يسطو عليهما .

فقالا : نحن نطلق يا أمير المؤمنين ، ولا تغضب !

فقال : لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن ، ولكني أنتزعهن منكم صغرة قمأة فهو حديث غريب جدا .

وهذا الأثر عن عمر غريب أيضا .

قال أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله ، بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات : وإنما كره عمر ذلك ، لئلا يزهد الناس في المسلمات ، أو لغير ذلك من المعاني ، كما حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن إدريس ، حدثنا الصلت بن بهرام ، عن شقيق قال : تزوج حذيفة يهودية ، فكتب إليه عمر : خل سبيلها ، فكتب إليه : أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها ؟

فقال : لا أزعم أنها حرام ، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن .

وهذا إسناد صحيح ، وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل ، عن وكيع ، عن الصلت نحوه .

وقال ابن جرير : حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا سفيان بن سعيد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن زيد بن وهب قال : قال [ لي ] عمر بن الخطاب : المسلم يتزوج النصرانية ، ولا يتزوج النصراني المسلمة .

قال : وهذا أصح إسنادا من الأول .

ثم قال : وقد حدثنا تميم بن المنتصر ، أخبرنا إسحاق الأزرق عن شريك ، عن أشعث بن سوار ، عن الحسن ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا " .

ثم قال : وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه فالقول به لإجماع الجميع من الأمة على صحة القول به .

كذا قال ابن جرير ، رحمه الله .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا وكيع ، عن جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عمر : أنه كره نكاح أهل الكتاب ، وتأول ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) وقال البخاري : وقال ابن عمر : لا أعلم شركا أعظم من أن تقول : ربها عيسى .

وقال أبو بكر الخلال الحنبلي : حدثنا محمد بن هارون حدثنا إسحاق بن إبراهيم ( ح ) وأخبرني محمد بن علي ، حدثنا صالح بن أحمد : أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل ، عن قول الله : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) قال : مشركات العرب الذين يعبدون الأوثان .

وقوله : ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) قال السدي : نزلت في عبد الله بن رواحة ، كانت له أمة سوداء ، فغضب عليها فلطمها ، ثم فزع ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره خبرها .

فقال له : " ما هي ؟

" قال : تصوم ، وتصلي ، وتحسن الوضوء ، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله .

فقال : " يا أبا عبد الله ، هذه مؤمنة " .

فقال : والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها .

ففعل ، فطعن عليه ناس من المسلمين ، وقالوا : نكح أمة .

وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين ، وينكحوهم رغبة في أحسابهم ، فأنزل الله : ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) ( ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) وقال عبد بن حميد : حدثنا جعفر بن عون ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تنكحوا النساء لحسنهن ، فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ، وانكحوهن على الدين ، فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل " .

والإفريقي ضعيف .

وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ولجمالها ، ولدينها ; فاظفر بذات الدين تربت يداك " .

ولمسلم عن جابر مثله .

وله ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الدنيا متاع ، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة " .

وقوله : ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) أي : لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات ، كما قال تعالى : ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) [ الممتحنة : 10 ] .

ثم قال تعالى : ( ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) أي : ولرجل مؤمن ولو كان عبدا حبشيا خير من مشرك ، وإن كان رئيسا سريا ( أولئك يدعون إلى النار ) أي : معاشرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة ، وعاقبة ذلك وخيمة ( والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ) أي : بشرعه وما أمر به وما نهى عنه ( ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في هذه الآية: هل نـزلت مرادًا بها كل مشركة، أم مراد بحكمها بعض المشركات دون بعض؟

(28) وهل نسخ منها بعد وجوب الحكم بها شيء أم لا؟

فقال بعضهم: نـزلت مرادًا بها تحريم نكاح كل مشركة على كلّ مسلم من أيّ أجناس الشِّرك كانت، عابدةَ وثن كانت (29) أو كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك، ثم نسخ تحريم نكاح أهل الكتاب بقوله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ إلى وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ سورة المائدة: 4-5 ] * ذكر من قال ذلك: 4212 - حدثني علي بن واقد قال، حدثني عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ"، ثم استثنى نساءَ أهل الكتاب فقال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لكم إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ .

(30) 4213 - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين &; 4-363 &; بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ"، فنُسخ من ذلك نساء أهل الكتاب، أحلّهُن للمسلمين.

4214 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن "، قال: نساءُ أهل مكة ومن سواهنّ من المشركين، ثم أحل منهن نساء أهل الكتاب.

4215 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.

4216 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ولا تنكحوا المشركات " إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، قال: حرم الله المشركات في هذه الآية، ثم أنـزل في" سورة المائدة "، فاستثنى نساء أهل الكتاب فقال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ .

* * * وقال آخرون: بل أنـزلت هذه الآية مرادًا بحكمها مشركات العرب، لم ينسخ منها شيء ولم يُستثن، وإنما هي آية عامٌّ ظاهرُها، خاصٌّ تأويلها.

(31) * ذكر من قال ذلك: 4217 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن "، يعني : مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه.

(32) 4218 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا &; 4-364 &; معمر، عن قتادة قوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ"، قال: المشركات، مَنْ ليس من أهل الكتاب، وقد تزوج حذيفة يهودية أو نصرانية.

(33) 4219 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة في قوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ"، يعني مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتابٌ يقرأنه.

4220 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير قوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ"، قال: مشركات أهل الأوثان.

* * * وقال آخرون: بل أنـزلت هذه الآية مرادًا بها كل مشركة من أيّ أصناف الشرك كانت، غير مخصوص منها مشركةٌ دون مشركة، وثنيةً كانت أو مجوسية أو كتابيةً، ولا نُسخ منها شيء.

* ذكر من قال ذلك: 4221 - حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عبد الحميد بن بهرام الفزاري قال، حدثنا شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرَّم كل ذات دين غير الإسلام، وقال الله تعالى ذكره: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [ سورة المائدة: 5 ]، وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب رضي الله عنه غضبًا شديدًا، حتى همّ بأن يسطُو عليهما.

فقالا نحن نطلِّق يا أمير المؤمنين، &; 4-365 &; ولا تغضب!

فقال: لئن حل طلاقُهن لقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم صَغَرة قِماءً.

(34) * * * قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله قتادة : من أن الله تعالى ذكره عنى بقوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ" من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات = وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها، لم ينسخ منها شيء = وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها.

وذلك أنّ الله تعالى ذكره أحل بقوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ - للمؤمنين من نكاح محصناتهن، مثلَ الذي أباح لهم من نساء المؤمنات.

وقد بينا في غير هذا الموضع من كتابنا هذا، وفي كتابنا( كتاب اللطيف من البيان ) : (35) أن كل آيتين أو خبرين كان أحدهما نافيًا حكم الآخر في فطرة العقل، فغير جائز أن يقضَى على أحدهما بأنه ناسخ حكم الآخر، إلا بحجة من خبر قاطع للعذر مَجيئُه.

وذلك غير موجود، أن قوله: (36) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ناسخٌ ما كان قد وجبَ تحريمه من النساء بقوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ" .

فإذ لم يكن ذلك موجودًا كذلك، (37) فقول القائل: " هذه ناسخة هذه "، دعوى لا برهان له عليها، والمدعي دعوَى &; 4-366 &; لا برهان له عليها متحكم، والتحكم لا يعجز عنه أحدٌ.

(38) * * * وأما القول الذي روي عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه : من تفريقه بين طلحة وحذيفة وامرأتيهما اللتين كانتا كتابيتين، فقولٌ لا معنى له - لخلافه ما الأمة مجتمعة على تحليله بكتاب الله تعالى ذكره، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم .

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من القول خلاف ذلك، بإسناد هو أصح منه، وهو ما:- 4222 - حدثني به موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا سفيان بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب قال، قال عمر: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة.

(39) * * * وإنما ذكره عمر لطلحة وحذيفة رحمة الله عليهم نكاحَ اليهودية والنصرانية، حذارًا من أن يقتدي بهما الناس في ذلك، فيزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما.

كما: 4223 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: " خلِّ سبيلها " ، فكتب إليه: " أتزعُمُ أنها حرامٌ فأخلي سبيلها؟" ، فقال: " لا أزعم &; 4-367 &; أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن " .

(40) وقد :- 4224 - حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوَّجون نساءَنا.

(41) * * * فهذا الخبر - وإن كان في إسناده ما فيه - فالقول به، لإجماع الجميع على صحة القول به، أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب.

* * * فمعنى الكلام إذًا: ولا تنكحوا أيها المؤمنون مشركاتٍ، غير أهل الكتاب، حتى يؤمنَّ فيصدِّقن بالله ورسوله وما أنـزل عليه.

* * * &; 4-368 &; القول في تأويل قوله تعالى : وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " ولأمة مؤمنة " بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خيرٌ عند الله وأفضل من حرة مشركة كافرة، وإن شرُف نسبها وكرُم أصلها.

يقول: ولا تبتغوا المناكح في ذوات الشرف من أهل الشرك بالله، فإنّ الإماء المسلمات عند الله خير مَنكحًا منهن.

* * * وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في رجل نكح أمة، فعُذل في ذلك، وعُرضت عليه حرة مشركة.

* ذكر من قال ذلك: 4225 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم "، قال: نـزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداءُ، وأنه غضب عليها فلطمها.

ثم فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبرها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما هي يا عبد الله؟

قال: يا رسول الله، هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوءَ وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

فقال: &; 4-369 &; هذه مؤمنة!

فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتِقنَّها ولأتزوجنَّها!

ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا: تزوج أمة!!

وكانوا يريدون أن يَنكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنـزل الله فيهم: " ولأمةٌ مؤمنة خيرٌ من مشركة " و " عبدٌ مؤمن خيرٌ من مشرك " .

4226 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني الحجاج قال، قال ابن جريج في قوله: " ولا تنكحوا إلى المشركات حتى يؤمنَّ"، قال: المشركات - لشرفهن - حتى يؤمن.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: وإن أعجبتكم المشركة من غير أهل الكتاب في الجمال والحسب والمال، فلا تنكحوها، فإن الأمة المؤمنة خيرٌ عند الله منها.

* * * وإنما وضعت " لو " موضع " إن " لتقارب مخرجيهما، ومعنييهما، ولذلك تجاب كل واحدة منهما بجواب صَاحبتها، على ما قد بينا فيما مضى قبْل.

(42) * * * &; 4-370 &; القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك، أن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركًا كائنًا من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منهم، فإنّ ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه.

* * * وكان أبو جعفر محمد بن عليّ يقول: هذا القولُ من الله تعالى ذكره، دلالةٌ على أن أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة.

4227 - حدثنا محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي قال، أخبرنا حفص بن غياث، عن شيخ لم يسمه، قال أبو جعفر: النكاح بوليّ في كتاب الله، ثم قرأ: " ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا " برفع التاء.

4228 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والزهري في قوله: " ولا تنكحوا المشركين "، قال: لا يحل لك أن تنكح يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشركًا من غير أهل دينك.

4229 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج: " ولا تنكحوا المشركين " - لشرفهم -" حتى يؤمنوا " .

4230 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري: " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا "، قال: حرَّم المسلمات على رجالهم - يعني رجال المشركين.

* * * &; 4-371 &; القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك "، هؤلاء الذين حرمت عليكم أيها المؤمنون مناكحتهم من رجال أهل الشرك ونسائهم، يدعونكم إلى النار = يعني: يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون من الكفر بالله ورسوله.

يقول: ولا تقبلوا منهم ما يقولون، ولا تستنصحوهم، ولا تنكحوهم ولا تنكحوا إليهم، فإنهم لا يألونكم خبالا ولكن اقبلوا من الله ما أمركم به فاعملوا به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإنه يدعوكم إلى الجنة = يعني بذلك يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم، فيعفو عنها ويسترها عليكم.

* * * وأما قوله: " بإذنه "، (43) فإنه يعني : أنه يدعوكم إلى ذلك بإعلامه إياكم سبيلَه وطريقَه الذي به الوصول إلى الجنة والمغفرة.

* * * ثم قال تعالى ذكره: " ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون "، يقول: ويوضح حججه وأدلته في كتابه الذي أنـزله على لسان رسوله لعباده، ليتذكروا فيعتبروا، ويميزوا بين الأمرين اللذين أحدهما دَعَّاءٌ إلى النار والخلود فيها، والآخر دَعَّاءٌ إلى الجنة وغفران الذنوب، فيختاروا خيرهما لهم.

ولم يجهل التمييز بين هاتين إلا غبيّ [ غَبين ] الرأي مدخول العقل.

------------ (28) في المطبوعة : "أم مرادًا بحكمها" ، بالنصب ، وأثبت ما في المخطوطة .

(29) في المطبوعة : "عابدة وثن أو كانت يهودية .

.

.

" ، وفي المخطوطة : "عابدة وثن كانت يهودية .

.

.

" ، وكلاهما مضطرب ، والصواب ما أثبت بزيادة"كانت" .

(30) الأثر : 4212- في المخطوطة والمطبوعة"حدثني علي بن واقد ، قال حدثني عبد الله ابن صالح" ، والصواب ما أثبت .

وهذا إسناد كثير الدوران فيما مضى وفيما سيأتي ، وأقربه رقم : 4204 .

والآية في المطبوعة والمخطوطة كما أثبتها ، بين جزئي الآية بقوله : "حل لكم" ، وإسقاط قوله تعالى"من قبلكم" ، وأخشى أن يكون ناسخ قد تصحف عليه فجعل هذه هذه .

ولكني أثبت ما اتفقت عليه النسخ .

(31) في المخطوطة ، والمطبوعة : "بل هي آية عامة ظاهرها .

.

.

" ، والصواب ما أثبت .

(32) في المخطوطة ، "يقرأ به" وتلك أجود .

(33) يعني : حذيفة بن اليمان ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو صاحب سره صلى الله عليه وسلم في المنافقين .

لم يعلمهم أحد إلا حذفة ، أعلمه بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وانظر الأثر الآتي برقم : 4221 .

(34) الأثر : 4221-"عبد الحميد بن برهام الفزاري" ، مترجم في التهذيب ، وثقه أبو داود وابن معين وغيرهما ، وقال شعبة : صدوق إلا أنه يروي عن شهر بن حوشب ، وعابوا عليه كثرة روايته عن شهر ، وشهر ضعيف .

وقد سلف كلام أخي في توثيق شهر رقم : 1389 ، وفي عبد الله بن بهرام : 1605 .

وقال ابن كثير في التفسير 1 : 507 بعد روايته الخبر : "هو حديث غريب جدًا ، وهذا الأثر غريب عن عمر" .

وكلام الطبري الآتي بعد قاض بضعفه .

والصغرة جمع صاغر : هو الراضي بالذل .

وقماء جمع قميء : وهو الذليل الصاغر وإن لم يكن قصيرًا .

والقميء : القصير .

وفي المخطوطة وابن كثير"قمأة" ، وليس جمعًا قياسيا ، ولا هو وارد في كتب اللغة ، ولكن إن صح الخبر ، فهو إتباع لقوله : "صغرة" ومثله كثير في كلامهم .

(35) انظر ما سلف 2 : 534- 535/ ثم 3 : 385 ، 563 .

(36) في المطبوعة : "بأن قوله" : وأثبت ما في المخطوطة ، وهو أعرق في العربية .

(37) في المخطوطة والمطبوعة : "فإن لم يكن ذلك" ، وهو خطأ صرف ، والصواب ما أثبت .

وإلا تناقض كلام أبي جعفر .

(38) حجج أبي جعفر في استدلاله ، قاضية له على كل خصم خالفه ، وهي حجج بصير بالمعاني ، مؤيد بالعقل ، قادر على البيان عن المعاني الخفية ، والفصل بين المعاني المتداخلة .

(39) الحديث : 4222- هذا إسناد صحيح متصل إلى عمر .

محمد بن بشر بن الفرافصة بن المختار العبدي الحافظ : ثقة باتفاقهم .

سفيان بن سعيد : هو الثوري .

زيد بن وهب الجهني .

تابعي كبير مخضرم ، رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقبض وهو في الطريق .

وهو ثقة كثير الحديث .

له ترجمة في تاريخ بغداد 8 : 440- 442 ، والإصابة 3 : 46- 47 .

وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى 7 : 172 ، من طريق سفيان -وهو الثوري- بهذا الإسناد .

وذكره ابن كثير 1 : 507- 508 ، عن رواية الطبري ، وصحح إسناده .

(40) الخبر : 4223- الصلت بن بهرام التيمي الكوفي : ثقة ، وثقه أحمد ، وابن معين ، وغيرهما .

وقد فصلنا القول في شأنه في صحيح ابن حبان ، رقم : 81 بتحقيقنا .

شقيق : هو ابن سلمة الأسدي ، التابعي الكبير المشهور .

مضى في : 177 .

والخبر رواه البيهقي أيضًا 7 : 172 ، من طريق سفيان ، بهذا الإسناد .

وذكره ابن كثير 1 : 507 ، عن رواية الطبري ، وقال : "وهذا إسناد صحيح .

وروى الخلال ، عن محمد بن إسماعيل ، عن وكيع ، عن الصلت ، نحوه" .

وذكره السيوطي 1 : 256 ، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق .

وذكره الجصاص في أحكام القرآن 1 : 333 ، والقرطبي في تفسيره : 3 : 68 ، بدون إسناد .

ووقع في المطبوعة هنا ، وفي ابن كثير ، والسيوطي"المؤمنات"!!

بدل"المومسات" .

وهو تحريف غريب ، في ثلاثة كتب .

وصوابه وتصححه من البيهقي والجصاص والقرطبي .

(41) الحديث : 4224- إسحق الأزرق : هو إسحق بن يوسف ، مضى في : 332 .

شريك : هو ابن عبد الله النخعي القاضي ، مضى في : 2527 .

الحسن : هو البصري .

وهذا الحديث لم أجده في شيء من دواوين الحديث ، غير هذا الموضع .

ونقله عنه ابن كثير 1 : 508 ثم نقل كلام الطبري الذي عقبه ، ثم قال : "كذا قال ابن جرير رحمه الله" .

وتعقيب ابن جرير بأنه"وإن كان في إسناده ما فيه" - لعله يشير رحمه الله إلى القول بأن الحسن البصري لم يسمع من جابر .

ففي المراسيل لابن أبي حاتم ، ص : 13"حدثنا محمد بن أحمد بن البراء ، قال : قال علي بن المديني : الحسن لم يسمع من جابر بن عبد الله شيئًا .

سئل أبو زرعة : الحسن لقي جابر بن عبد الله؟

قال : لا .

حدثنا محمد بن سعيد بن بلج ، قال : سمعت عبد الرحمن بن الحكم يقول سمعت جريرًا يسأل بهزًا عن الحسن : من لقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال : لم يسمع من جابر بن عبد الله .

سألت أبي : سمع الحسن من جابر؟

قال : ما أرى ، ولكن هشام بن حسان يقول : عن الحسن ، حدثنا جابر بن عبد الله ، وأنا أنكر هذا ، إنما الحسن عن جابر كتاب ، مع أنه أدرك جابرًا" .

وأنا أرى أن رواية هشام بن حسان كافية في إثبات سماع الحسن من جابر .

فقد قال ابن عيينة : "كان هشام أعلم الناس بحديث الحسن" .

ومعنى هذا الحديث ثابت عن جابر ، موقوفا عليه من كلامه .

رواه الشافعي في الأم ج 5 ص 6 ، من رواية أبي الزبير ، عن جابر ، وكذلك رواه البيهقي 7 : 172 ، من طريق الشافعي .

والموقوف -عندنا- لا يعلل به المرفوع ، بل هو يؤيده ويثبته ، كما بينا ذلك في غير موضع من كتبنا .

والحمد لله .

(42) انظر ما سلف 2 : 458 ومعاني القرآن للفراء 1 : 143 .

(43) انظر معنى"الإذن" فيما سلف 2 : 449/ ثم هذا الجزء 4 : 286

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون [ ص: 63 ]قوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم فيه سبع مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولا تنكحوا قراءة الجمهور بفتح التاء .

وقرئت في الشاذ بالضم ، كأن المعنى أن المتزوج لها أنكحها من نفسه .

ونكح أصله الجماع ، ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .الثانية : لما أذن الله سبحانه وتعالى في مخالطة الأيتام ، وفي مخالطة النكاح بين أن مناكحة المشركين لا تصح .

وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي ، وقيل : في مرثد بن أبي مرثد ، واسمه كناز بن حصين الغنوي ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة سرا ليخرج رجلا من أصحابه ، وكانت له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية يقال لها " عناق " فجاءته ، فقال لها : إن الإسلام حرم ما كان في الجاهلية ، قالت : فتزوجني ، قال : حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها ؛ لأنه كان مسلما وهي مشركة .

وسيأتي في " النور " بيانه إن شاء الله تعالى .الثالثة : واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقالت طائفة : حرم الله نكاح المشركات في سورة " البقرة " ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل الكتاب ، فأحلهن في سورة " المائدة " .

وروي هذا القول عن ابن عباس ، وبه قال مالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثوري ، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي .

وقال قتادة وسعيد بن جبير : لفظ الآية العموم في كل كافرة ، والمراد بها الخصوص في الكتابيات ، وبينت الخصوص آية " المائدة " ولم يتناول العموم قط الكتابيات .

وهذا أحد قولي الشافعي ، وعلى القول الأول يتناولهن العموم ، ثم نسخت آية " المائدة " بعض العموم .

وهذا مذهب مالك رحمه الله ، ذكره ابن حبيب ، وقال : ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم .

وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي : ذهب قوم فجعلوا الآية التي في " البقرة " هي الناسخة ، والتي في " المائدة " هي [ ص: 64 ] المنسوخة ، فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية .

قال النحاس : ومن الحجة لقائل هذا مما صح سنده ما حدثناه محمد بن ريان ، قال : حدثنا محمد بن رمح ، قال : حدثنا الليث عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال : حرم الله المشركات على المؤمنين ، ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى ، أو عبد من عباد الله!

.

قال النحاس : وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة ؛ لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة ، منهم عثمان وطلحة وابن عباس وجابر وحذيفة .

ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وطاوس وعكرمة والشعبي والضحاك ، وفقهاء الأمصار عليه .

وأيضا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة " البقرة " ناسخة للآية التي في سورة " المائدة " لأن " البقرة " من أول ما نزل بالمدينة ، و " المائدة " من آخر ما نزل .

وإنما الآخر ينسخ الأول ، وأما حديث ابن عمر فلا حجة فيه ؛ لأن ابن عمر رحمه الله كان رجلا متوقفا ، فلما سمع الآيتين ، في واحدة التحليل ، وفي أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف ، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تؤول عليه ، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل .

وذكر ابن عطية : وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه : ( إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات ، وكل من على غير الإسلام حرام ) ، فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في " المائدة " وينظر إلى هذا قول ابن عمر في الموطأ : ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى .

وروي عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب ، فقال : لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما!

ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة .

قال ابن عطية : وهذا لا يستند جيدا ، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة : أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين ؟

فقال : لا أزعم أنها حرام ، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن .

وروي عن ابن عباس نحو هذا .

وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر بن الخطاب ، ومن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس .

وقال في آخر كلامه : ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك .

وقال بعض العلماء : وأما الآيتان فلا تعارض بينهما ، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب ، لقوله تعالى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ، وقال : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ، ففرق بينهم في اللفظ ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف [ ص: 65 ] والمعطوف عليه ، وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص ، وقوله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب بعد قوله والمحصنات من المؤمنات نص ، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل .

فإن قيل : أراد بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا ، كقوله وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله الآية .

وقوله : من أهل الكتاب أمة قائمة الآية .

قيل له : هذا خلاف نص الآية في قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وخلاف ما قاله الجمهور ، فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن أسلم وصار من أعيان المسلمين .

فإن قالوا : فقد قال الله تعالى : أولئك يدعون إلى النار فجعل العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار .

والجواب أن ذلك علة لقوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة لأن المشرك يدعو إلى النار ، وهذه العلة مطردة في جميع الكفار ، فالمسلم خير من الكافر مطلقا ، وهذا بين .الرابعة : وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا فلا يحل ، وسئل ابن عباس عن ذلك فقال : لا يحل ، وتلا قول الله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله صاغرون .

قال المحدث : حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه .

وكره مالك تزوج الحربيات ، لعلة ترك الولد في دار الحرب ، ولتصرفها في الخمر والخنزير .الخامسة : قوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة إخبار بأن المؤمنة المملوكة خير من المشركة ، وإن كانت ذات الحسب والمال .

ولو أعجبتكم في الحسن وغير ذلك ، هذا قول الطبري وغيره .

ونزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان ، فقال لها حذيفة : يا خنساء ، قد ذكرت في الملإ الأعلى مع سوادك ودمامتك ، وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه ، فأعتقها حذيفة وتزوجها .

وقال السدي : نزلت في عبد الله بن رواحة ، كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب ثم ندم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : ( ما هي يا عبد الله ) قال : تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه مؤمنة .

فقال ابن [ ص: 66 ] رواحة : لأعتقنها ولأتزوجنها ، ففعل ، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : نكح أمة ، وكانوا يرون أن ينكحوا إلى المشركين ، وكانوا ينكحونهم رغبة في أحسابهم ، فنزلت هذه الآية .

والله أعلم .السادسة : واختلف العلماء في نكاح إماء أهل الكتاب ، فقال مالك : لا يجوز نكاح الأمة الكتابية .

وقال أشهب في كتاب محمد ، فيمن أسلم وتحته أمة كتابية : إنه لا يفرق بينهما .

وقال أبو حنيفة وأصحابه ، يجوز نكاح إماء أهل الكتاب .

قال ابن العربي : درسنا الشيخ أبو بكر الشاشي بمدينة السلام قال : احتج أصحاب أبي حنيفة على جواز نكاح الأمة الكتابية بقوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة .

ووجه الدليل من الآية أن الله سبحانه خاير بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة ، فلولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لما خاير الله تعالى بينهما ؛ لأن المخايرة إنما هي بين الجائزين لا بين جائز وممتنع ، ولا بين متضادين .

والجواب أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآنا : لأن الله سبحانه قال : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا .

وقال عمر في رسالته لأبي موسى : " الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل " .

جواب آخر : قوله تعالى : ولأمة لم يرد به الرق المملوك وإنما أراد به الآدمية ، والآدميات والآدميون بأجمعهم عبيد الله وإماؤه ، قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجاني .السابعة : واختلفوا في نكاح نساء المجوس ، فمنع مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق من ذلك .

وقال ابن حنبل : لا يعجبني .

وروي أن حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية ، وأن عمر قال له : طلقها .

وقال ابن القصار : قال بعض أصحابنا : يجب على أحد القولين أن لهم كتابا أن تجوز مناكحتهم .

وروى ابن وهب عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين ، وكذلك الوثنيات وغيرهن من الكافرات ، وعلى هذا جماعة العلماء ، إلا ما رواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عطاء وعمرو بن دينار أنهما سئلا عن نكاح الإماء المجوسيات ، فقالا : لا بأس بذلك .

وتأولا قول الله عز وجل : ولا تنكحوا المشركات .

فهذا عندهما على عقد النكاح لا على الأمة المشتراة ، واحتجا بسبي أوطاس ، وأن الصحابة نكحوا الإماء منهن بملك اليمين .

قال النحاس : وهذا قول شاذ ، أما سبي أوطاس فقد يجوز أن يكون الإماء أسلمن فجاز نكاحهن وأما الاحتجاج بقوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن فغلط ؛ لأنهم حملوا النكاح على العقد ، والنكاح في اللغة [ ص: 67 ] يقع على العقد وعلى الوطء ، فلما قال : ولا تنكحوا المشركات حرم كل نكاح يقع على المشركات من نكاح ووطء .

وقال أبو عمر بن عبد البر : وقال الأوزاعي : سألت الزهري عن الرجل يشتري المجوسية أيطؤها ؟

فقال : إذا شهدت أن لا إله إلا الله وطئها .

وعن يونس عن ابن شهاب قال : لا يحل له أن يطأها حتى تسلم .

قال أبو عمر : قول ابن شهاب لا يحل له أن يطأها حتى تسلم هذا - وهو أعلم الناس بالمغازي والسير - دليل على فساد قول من زعم أن سبي أوطاس وطئن ولم يسلمن .

روي ذلك عن طائفة منهم عطاء وعمرو بن دينار قالا : لا بأس بوطء المجوسية ، وهذا لم يلتفت إليه أحد من الفقهاء بالأمصار .

وقد جاء عن الحسن البصري - وهو ممن لم يكن غزوه ولا غزو أهل ناحيته إلا الفرس وما وراءهم من خراسان ، وليس منهم أحد أهل كتاب - ما يبين لك كيف كانت السيرة في نسائهم إذا سبين ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس ، قال : حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أبو عبيد ، قال : حدثنا هشام عن يونس عن الحسن ، قال : قال رجل له : يا أبا سعيد كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهن ؟

قال : كنا نوجهها إلى القبلة ونأمرها أن تسلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ثم نأمرها أن تغتسل ، وإذا أراد صاحبها أن يصيبها لم يصبها حتى يستبرئها .

وعلى هذا تأويل جماعة العلماء في قول الله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن .

أنهن الوثنيات والمجوسيات ؛ لأن الله تعالى قد أحل الكتابيات بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعني العفائف ، لا من شهر زناها من المسلمات .

ومنهم من كره نكاحها ووطأها بملك اليمين ما لم يكن منهن توبة ، لما في ذلك من إفساد النسب .قوله تعالى : ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم فيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : ولا تنكحوا أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك .

وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه ، لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام .

والقراء على ضم التاء من تنكحوا .الثانية : في هذه الآية دليل بالنص على أن لا نكاح إلا بولي .

قال محمد بن علي بن الحسين : " النكاح بولي في كتاب الله " ، ثم قرأ ولا تنكحوا المشركين .

قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نكاح إلا بولي وقد اختلف أهل العلم في النكاح بغير [ ص: 68 ] ولي ، فقال كثير من أهل العلم : لا نكاح إلا بولي ، روي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم ، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك والشافعي وعبيد الله بن الحسن وأحمد وإسحاق وأبو عبيد .قلت : وهو قول مالك رضي الله عنهم أجمعين وأبي ثور والطبري .

قال أبو عمر : حجة من قال : ( لا نكاح إلا بولي ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال : لا نكاح إلا بولي .

روى هذا الحديث شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله ، وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضا ؛ لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ والثقة .

وممن وصله إسرائيل وأبو عوانة كلاهما عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وإسرائيل ومن تابعه حفاظ ، والحافظ تقبل زيادته ، وهذه الزيادة يعضدها أصول ، قال الله عز وجل : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن .

وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار إذ عضل أخته عن مراجعة زوجها ، قاله البخاري .

ولولا أن له حقا في الإنكاح ما نهي عن العضل .قلت : ومما يدل على هذا أيضا من الكتاب قوله : فانكحوهن بإذن أهلهن ، وقوله : وأنكحوا الأيامى منكم فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال ، ولو كان إلى النساء لذكرهن .

وسيأتي بيان هذا في " النور " وقال تعالى حكاية عن شعيب في قصة موسى عليهما السلام : إني أريد أن أنكحك على ما يأتي بيانه في سورة " القصص " .

وقال تعالى : الرجال قوامون على النساء ، فقد تعاضد الكتاب والسنة على أن لا نكاح إلا بولي .

قال الطبري : في حديث حفصة حين تأيمت وعقد عمر عليها النكاح ولم تعقده هي إبطال قول من قال : إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها وعقد النكاح دون وليها ، ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع خطبة حفصة لنفسها إذا كانت أولى بنفسها من أبيها ، وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها ، وفيه بيان قوله عليه السلام : الأيم أحق بنفسها من [ ص: 69 ] وليها أن معنى ذلك أنها أحق بنفسها في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها ، لا أنها أحق بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون وليها .

وروى الدارقطني عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها .

قال : حديث صحيح .

وروى أبو داود من حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل - ثلاث مرات - فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له وهذا الحديث صحيح .

ولا اعتبار بقول ابن علية عن ابن جريج أنه قال : سألت عنه الزهري فلم يعرفه ، ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج غير ابن علية ، وقد رواه جماعة عن الزهري لم يذكروا ذلك ، ولو ثبت هذا عن الزهري لم يكن في ذلك حجة ؛ لأنه قد نقله عنه ثقات ، منهم سليمان بن موسى وهو ثقة إمام وجعفر بن ربيعة ، فلو نسيه الزهري لم يضره ذلك ؛ لأن النسيان لا يعصم منه ابن آدم ، قال صلى الله عليه وسلم : نسي آدم فنسيت ذريته .

وكان صلى الله عليه وسلم ينسى ، فمن سواه أحرى أن ينسى ، ومن حفظ فهو حجة على من نسي ، فإذا روى الخبر ثقة فلا يضره نسيان من نسيه ، هذا لو صح ما حكى ابن علية عن ابن جريج ، فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته ولم يعرجوا عليها[ ص: 70 ] .

قلت : وقد أخرج هذا الحديث أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستي في المسند الصحيح له - على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ، ولا ثبوت جرح في ناقلها - عن حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له .

قال أبو حاتم : لم يقل أحد في خبر ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري هذا : ( وشاهدي عدل ) إلا ثلاثة أنفس : سويد بن يحيى الأموي عن حفص بن غياث وعبد الله بن عبد الوهاب الجمحي عن خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن يونس الرقي عن عيسى بن يونس ، ولا يصح في الشاهدين غير هذا الخبر ، وإذا ثبت هذا الخبر فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولي ، فلا معنى لما خالفهما .

وقد كان الزهري والشعبي يقولان : " إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح جائز " .

وكذلك كان أبو حنيفة يقول : إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح جائز ، وهو قول زفر .

وإن زوجت نفسها غير كفء فالنكاح جائز ، وللأولياء أن يفرقوا بينهما .

قال ابن المنذر : وأما ما قاله النعمان فمخالف للسنة ، خارج عن قول أكثر أهل العلم .

وبالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول .

وقال أبو يوسف : لا يجوز النكاح إلا بولي ، فإن سلم الولي جاز ، وإن أبى أن يسلم والزوج كفء أجازه القاضي .

وإنما يتم النكاح في قوله حين يجيزه القاضي ، وهو قول محمد بن الحسن ، وقد كان محمد بن الحسن يقول : يأمر القاضي الولي بإجازته ، فإن لم يفعل استأنف عقدا .

ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه أنه إذا أذن لها وليها فعقدت النكاح بنفسها جاز .

وقال الأوزاعي : " إذا ولت أمرها رجلا فزوجها كفؤا فالنكاح جائز ، وليس للولي أن يفرق بينهما ، إلا أن تكون عربية تزوجت مولى " ، وهذا نحو مذهب مالك على ما يأتي .

وحمل القائلون بمذهب الزهري وأبي حنيفة والشعبي قوله عليه السلام : لا نكاح إلا بولي على الكمال لا على الوجوب ، كما قال عليه السلام : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد [ ص: 71 ] و لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة .

واستدلوا على هذا بقوله تعالى : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ، وقوله تعالى : فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ، وبما روى الدارقطني عن سماك بن حرب قال : جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال : امرأة أنا وليها تزوجت بغير إذني ؟

فقال علي : ينظر فيما صنعت ، فإن كانت تزوجت كفؤا أجزنا ذلك لها ، وإن كانت تزوجت من ليس لها بكفء جعلنا ذلك إليك .

وفي الموطأ أن عائشة رضي الله عنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب ، الحديث .

وقد رواه ابن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أنها أنكحت رجلا هو المنذر بن الزبير امرأة من بني أخيها فضربت بينهم بستر ، ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا فأنكح ، ثم قالت : ليس على النساء إنكاح .

فالوجه في حديث مالك أن عائشة قررت المهر وأحوال النكاح ، وتولى العقد أحد عصبتها ، ونسب العقد إلى عائشة لما كان تقريره إليها .الثالثة : ذكر ابن خويزمنداد : واختلفت الرواية عن مالك في الأولياء ، من هم ؟

فقال مرة : كل من وضع المرأة في منصب حسن فهو وليها ، سواء كان من العصبة أو من ذوي الأرحام أو الأجانب أو الإمام أو الوصي .

وقال مرة : الأولياء من العصبة ، فمن وضعها منهم في منصب حسن فهو ولي .

وقال أبو عمر : قال مالك فيما ذكر ابن القاسم عنه : إن المرأة إذا زوجها غير وليها بإذنها فإن كانت شريفة لها في الناس حال كان وليها بالخيار في فسخ النكاح وإقراره ، وإن كانت دنيئة كالمعتقة والسوداء والسعاية والمسلمانية ، ومن لا حال لها جاز نكاحها ، ولا [ ص: 72 ] خيار لوليها لأن كل واحد كفء لها ، وقد روي عن مالك أن الشريفة والدنيئة لا يزوجها إلا وليها أو السلطان ، وهذا القول اختاره ابن المنذر ، قال : وأما تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر فغير جائز ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سوى بين أحكامهم في الدماء فقال : المسلمون تتكافأ دماؤهم .

وإذا كانوا في الدماء سواء فهم في غير ذلك شيء واحد .

وقال إسماعيل بن إسحاق : لما أمر الله سبحانه بالنكاح جعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض فقال تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ، والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضا ، فلو أن رجلا مات ولا وارث له لكان ميراثه لجماعة المسلمين ، ولو جنى جناية لعقل عنه المسلمون ، ثم تكون ولاية أقرب من ولاية ، وقرابة أقرب من قرابة .

وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه ولا ولي لها فإنها تصير أمرها إلى من يوثق به من جيرانها ، فيزوجها ويكون هو وليها في هذه الحال ؛ لأن الناس لابد لهم من التزويج ، وإنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن ، وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال : إنه يزوجها من تسند أمرها إليه ؛ لأنها ممن تضعف عن السلطان فأشبهت من لا سلطان بحضرتها ، فرجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها ، فأما إذا صيرت أمرها إلى رجل وتركت أولياءها فإنها أخذت الأمر من غير وجهه ، وفعلت ما ينكره الحاكم عليها والمسلمون ، فيفسخ ذلك النكاح من غير أن يعلم أن حقيقته حرام ، لما وصفنا من أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، ولما في ذلك من الاختلاف ، ولكن يفسخ لتناول الأمر من غير وجهه ، ولأنه أحوط للفروج ولتحصينها ، فإذا وقع الدخول وتطاول الأمر وولدت الأولاد وكان صوابا لم يجز الفسخ ؛ لأن الأمور إذا تفاوتت لم يرد منها إلا الحرام الذي لا يشك فيه ، ويشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا حكم بحكم لم يفسخ إلا أن يكون خطأ لا شك فيه .

وأما الشافعي وأصحابه فالنكاح عندهم بغير ولي مفسوخ أبدا قبل الدخول [ ص: 73 ] وبعده ، ولا يتوارثان إن مات أحدهما .

والولي عندهم من فرائض النكاح ، لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة : قال الله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم كما قال : فانكحوهن بإذن أهلهن ، وقال مخاطبا للأولياء : فلا تعضلوهن .

وقال عليه السلام : لا نكاح إلا بولي .

ولم يفرقوا بين دنية الحال وبين الشريفة ، لإجماع العلماء على أن لا فرق بينهم في الدماء ، لقوله عليه السلام : المسلمون تتكافأ دماؤهم .

وسائر الأحكام كذلك .

وليس في شيء من ذلك فرق بين الرفيع والوضيع في كتاب ولا سنة .الرابعة : واختلفوا في النكاح يقع على غير ولي ثم يجيزه الولي قبل الدخول ، فقال مالك وأصحابه إلا عبد الملك : ذلك جائز ، إذا كانت إجازته لذلك بالقرب ، وسواء دخل أو لم يدخل .

هذا إذا عقد النكاح غير ولي ولم تعقده المرأة بنفسها ، فإن زوجت المرأة نفسها وعقدت عقدة النكاح من غير ولي قريب ولا بعيد من المسلمين فإن هذا النكاح لا يقر أبدا على حال وإن تطاول وولدت الأولاد ، ولكنه يلحق الولد إن دخل ، ويسقط الحد ، ولابد من فسخ ذلك النكاح على كل حال .

وقال ابن نافع عن مالك : الفسخ فيه بغير طلاق .الخامسة : واختلف العلماء في منازل الأولياء وترتيبهم ، فكان مالك يقول : أولهم البنون وإن سفلوا ، ثم الآباء ، ثم الإخوة للأب والأم ، ثم للأب ، ثم بنو الإخوة للأب والأم ، ثم بنو الإخوة للأب ، ثم الأجداد للأب وإن علوا ، ثم العمومة على ترتيب الإخوة ، ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة وإن سفلوا ، ثم المولى ثم السلطان أو قاضيه .

والوصي مقدم في إنكاح الأيتام على الأولياء ، وهو خليفة الأب ووكيله ، فأشبه حاله لو كان الأب حيا .

وقال الشافعي : لا ولاية لأحد مع الأب ، فإن مات فالجد ، ثم أب أب الجد ؛ لأنهم كلهم آباء .

والولاية بعد الجد للإخوة ، ثم الأقرب .

وقال المزني : قال في الجديد : من انفرد بأم كان أولى بالنكاح ، كالميراث .

وقال في القديم : هما سواء .قلت : وروى المدنيون عن مالك مثل قول الشافعي ، وأن الأب أولى من الابن ، وهو أحد قولي أبي حنيفة ، حكاه الباجي .

وروي عن المغيرة أنه قال : " الجد أولى من الإخوة " ، والمشهور من المذهب ما قدمناه .

وقال أحمد : أحقهم بالمرأة أن يزوجها أبوها ، ثم الابن ، ثم [ ص: 74 ] الأخ ، ثم ابنه ، ثم العم .

وقال إسحاق : الابن أولى من الأب ، كما قاله مالك ، واختاره ابن المنذر ؛ لأن عمر ابن أم سلمة زوجها بإذنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قلت : أخرجه النسائي عن أم سلمة وترجم له ( إنكاح الابن أمه ) .قلت : وكثيرا ما يستدل بهذا علماؤنا وليس بشيء ، والدليل على ذلك ما ثبت في الصحاح أن عمر بن أبي سلمة قال : كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال : يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك .

وقال أبو عمر في كتاب الاستيعاب : عمر بن أبي سلمة يكنى أبا حفص ، ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة .

وقيل : إنه كان يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن تسع سنين .قلت : ومن كان سنه هذا لا يصلح أن يكون وليا ، ولكن ذكر أبو عمر أن لأبي سلمة من أم سلمة ابنا آخر اسمه سلمة ، وهو الذي عقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أمه أم سلمة ، وكان سلمة أسن من أخيه عمر بن أبي سلمة ، ولا أحفظ له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد روى عنه عمر أخوه .السادسة : واختلفوا في الرجل يزوج المرأة الأبعد من الأولياء - كذا وقع ، والأقرب عبارة أن يقال : اختلف في المرأة يزوجها من أوليائها الأبعد والأقعد حاضر ، فقال الشافعي : النكاح باطل .

وقال مالك : النكاح جائز .

قال ابن عبد البر : إن لم ينكر الأقعد شيئا من ذلك ولا رده نفذ ، وإن أنكره وهي ثيب أو بكر بالغ يتيمة ولا وصي لها فقد اختلف قول مالك وأصحابه وجماعة من أهل المدينة في ذلك ، فقال منهم قائلون : لا يرد ذلك وينفذ ؛ لأنه نكاح انعقد بإذن ولي من الفخذ والعشيرة .

ومن قال هذا منهم لا ينفذ قال : إنما جاءت الرتبة في الأولياء على الأفضل والأولى ، وذلك مستحب وليس بواجب .

وهذا تحصيل مذهب مالك عند أكثر [ ص: 75 ] أصحابه ، وإياه اختار إسماعيل بن إسحاق وأتباعه .

وقيل : ينظر السلطان في ذلك ويسأل الولي الأقرب على ما ينكره ، ثم إن رأى إمضاءه أمضاه ، وإن رأى أن يرده رده .

وقيل : بل للأقعد رده على كل حال ؛ لأنه حق له .

وقيل : له رده وإجازته ما لم يطل مكثها وتلد الأولاد ، وهذه كلها أقاويل أهل المدينة .السابعة : فلو كان الولي الأقرب محبوسا أو سفيها زوجها من يليه من أوليائها ، وعد كالميت منهم ، وكذلك إذا غاب الأقرب من أوليائها غيبة بعيدة أو غيبة لا يرجى لها أوبة سريعة زوجها من يليه من الأولياء .

وقد قيل : إذا غاب أقرب أوليائها لم يكن للذي يليه تزويجها ، ويزوجها الحاكم ، والأول قول مالك .الثامنة : وإذا كان الوليان قد استويا في القعدد وغاب أحدهما وفوضت المرأة عقد نكاحها إلى الحاضر لم يكن للغائب إن قدم نكرته .

وإن كانا حاضرين ففوضت أمرها إلى أحدهما لم يزوجها إلا بإذن صاحبه ، فإن اختلفا نظر الحاكم في ذلك ، وأجاز عليها رأي أحسنهما نظرا لها ، رواه ابن وهب عن مالك .التاسعة : وأما الشهادة على النكاح فليست بركن عند مالك وأصحابه ، ويكفي من ذلك شهرته والإعلان به ، وخرج عن أن يكون نكاح سر .

قال ابن القاسم عن مالك : لو زوج ببينة ، وأمرهم أن يكتموا ذلك لم يجز النكاح ؛ لأنه نكاح سر .

وإن تزوج بغير بينة على غير استسرار جاز ، وأشهدا فيما يستقبلان .

وروى ابن وهب عن مالك في الرجل يتزوج المرأة بشهادة رجلين ويستكتمهما قال : يفرق بينهما بتطليقة ولا يجوز النكاح ، ولها صداقها إن كان أصابها ، ولا يعاقب الشاهدان .

وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما : إذا تزوجها بشاهدين وقال لهما : اكتما جاز النكاح .

قال أبو عمر : وهذا قول يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي صاحبنا ، قال : كل نكاح شهد عليه رجلان فقد خرج من حد السر ، وأظنه حكاه عن الليث بن سعد .

والسر عند الشافعي والكوفيين ومن تابعهم : كل نكاح لم يشهد عليه رجلان فصاعدا ، ويفسخ على كل حال .قلت : قول الشافعي أصح للحديث الذي ذكرناه .

وروي عن ابن عباس أنه قال : ( لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد ) ، ولا مخالف له من الصحابة فيما علمته .

واحتج مالك لمذهبه أن البيوع التي ذكرها الله تعالى فيها الإشهاد عند العقد ، وقد قامت الدلالة بأن ذلك [ ص: 76 ] ليس من فرائض البيوع .

والنكاح الذي لم يذكر الله تعالى فيه الأشهاد أحرى بألا يكون الإشهاد فيه من شروطه وفرائضه ، وإنما الغرض الإعلان والظهور لحفظ الأنساب .

والإشهاد يصلح بعد العقد للتداعي والاختلاف فيما ينعقد بين المتناكحين ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أعلنوا النكاح .

وقول مالك هذا قول ابن شهاب وأكثر أهل المدينة .العاشرة : قوله تعالى : ولعبد مؤمن أي مملوك خير من مشرك أي حسيب .

ولو أعجبكم أي حسبه وماله ، حسب ما تقدم .

وقيل المعنى : ولرجل مؤمن ، وكذا ولأمة مؤمنة ، أي ولامرأة مؤمنة ، كما بيناه .

قال صلى الله عليه وسلم : كل رجالكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله وقال : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وقال تعالى : نعم العبد إنه أواب .

وهذا أحسن ما حمل عليه القول في هذه الآية ، وبه يرتفع النزاع ويزول الخلاف ، والله الموفق .الحادية عشرة : قوله تعالى : أولئك إشارة للمشركين والمشركات .

يدعون إلى النار أي إلى الأعمال الموجبة للنار ، فإن صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل .

والله يدعو إلى الجنة أي إلى عمل أهل الجنة .

بإذنه أي بأمره ، قاله الزجاج .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { وَلَا تَنْكِحُوا } النساء { الْمُشْرِكَاتِ } ما دمن على شركهن { حَتَّى يُؤْمِنَّ } لأن المؤمنة ولو بلغت من الدمامة ما بلغت خير من المشركة, ولو بلغت من الحسن ما بلغت, وهذه عامة في جميع النساء المشركات، وخصصتها آية المائدة, في إباحة نساء أهل الكتاب كما قال تعالى: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } { وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا } وهذا عام لا تخصيص فيه.

ثم ذكر تعالى, الحكمة في تحريم نكاح المسلم أو المسلمة, لمن خالفهما في الدين فقال: { أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ } أي: في أقوالهم أو أفعالهم وأحوالهم, فمخالطتهم على خطر منهم, والخطر ليس من الأخطار الدنيوية, إنما هو الشقاء الأبدي.

ويستفاد من تعليل الآية, النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع, لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة فالخلطة المجردة من باب أولى, وخصوصا, الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم, كالخدمة ونحوها.

وفي قوله: { وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ } دليل على اعتبار الولي في النكاح { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ } أي: يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة, التي من آثارها, دفع العقوبات وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة, والتوبة النصوح, والعلم النافع, والعمل الصالح.

{ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ } أي: أحكامه وحكمها { لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فيوجب لهم ذلك التذكر لما نسوه, وعلم ما جهلوه, والامتثال لما ضيعوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) سبب نزول هذه الآية أن أبا مرثد الغنوي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق وكانت خليلته في الجاهلية فأتته وقالت : يا أبا مرثد ألا تخلو؟

فقال لها ويحك يا عناق إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك قالت : فهل لك أن تتزوج بي؟

قال نعم ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره فقالت أبي تتبرم؟

ثم استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلوا سبيله فلما قضى حاجته بمكة وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بالذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها وقال : يا رسول الله أيحل لي أن أتزوجها؟

فأنزل الله تعالى ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) وقيل : الآية منسوخة في حق الكتابيات بقوله تعالى " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " ( 5 - المائدة ) فإن قيل : كيف أطلقتم اسم الشرك على من لا ينكر إلا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟

قال أبو الحسن بن فارس : لأن من يقول : القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله غيره وقال قتادة وسعيد بن جبير : أراد بالمشركات الوثنيات فإن عثمان رضي الله عنه تزوج نائلة بنت فرافصة وكانت نصرانية فأسلمت تحته وتزوج طلحة بن عبد الله نصرانية وتزوج حذيفة يهودية [ فكتب إليه عمر رضي الله عنه خل سبيلها .

فكتب إليه أتزعم أنها حرام؟

فقال : لا أزعم أنها حرام ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن ] .

قوله تعالى : ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) بجمالها ومالها نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان قال حذيفة : يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك فأعتقها وتزوجها وقال السدي : نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فغضب عليها ولطمها ثم فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال له صلى الله عليه وسلم : وما هي يا عبد الله؟

قال : هي تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن الوضوء وتصلي فقال : " هذه مؤمنة قال عبد الله : فوالذي بعثك بالحق نبيا لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل ذلك فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : أتنكح أمة؟

وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله تعالى هذه الآية .

قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) هذا إجماع : لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك ( ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك ) يعني المشركين ( يدعون إلى النار ) أي إلى الأعمال الموجبة للنار ( والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ) أي بقضائه وإرادته ( ويبين آياته للناس ) أي أوامره ونواهيه ( لعلهم يتذكرون ) يتعظون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تنكحوا» تتزوجوا أيها المسلمون «المشركات» أي الكافرات «حتى يؤمنّ ولأمة مؤمنة خير من مشركة» حرة لأن سبب نزولها العيب على من تزوج أمة وترغيبه في نكاح حرة مشركة «ولو أعجبتكم» لجمالها ومالها وهذا مخصوص بغير الكتابيات بآية (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) «ولا تُنكحوا» تُزوجوا «المشركين» أي الكفار المؤمنات «حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم» لماله وجماله «أولئك» أي أهل الشرك «يدعون إلى النار» بدعائهم إلى العمل الموجب لها فلا تليق مناكحهم «والله يدعو» على لسان رسله «إلى الجنة والمغفرة» أي العمل الموجب لهما «بإذنه» بإرادته فتجب إجابته بتزويج أوليائه «ويبن آياته للناس لعلهم يتذكرون» يتعظون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تتزوجوا -أيها المسلمون- المشركات عابدات الأوثان، حتى يدخلن في الإسلام.

واعلموا أن امرأة مملوكة لا مال لها ولا حسب، مؤمنةً بالله، خير من امرأة مشركة، وإن أعجبتكم المشركة الحرة.

ولا تُزَوِّجوا نساءكم المؤمنات -إماء أو حرائر- للمشركين حتى يؤمنوا بالله ورسوله.

واعلموا أن عبدًا مؤمنًا مع فقره، خير من مشرك، وإن أعجبكم المشرك.

أولئك المتصفون بالشرك رجالا ونساءً يدعون كل مَن يعاشرهم إلى ما يؤدي به إلى النار، والله سبحانه يدعو عباده إلى دينه الحق المؤدي بهم إلى الجنة ومغفرة ذنوبهم بإذنه، ويبين آياته وأحكامه للناس؛ لكي يتذكروا، فيعتبروا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى : ( وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ) النكاح في اللغة الضم وتداخل أجزاء الشيء بعضها في بعض .

ثم أطلق على العقد الذي به تكون العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة مشروعة .والمشرك في لسان الشرع : من يدين بتعدد الآلهة مع الله - تعالى - وأصله من الإِشراك بمعنى أن تجعل الشيء بينك وبين غيرك شركة ، فمن يعبد مع الله - تعالى - إلها آخر يعد مشركاً ، وهو في الآخرة من الخاسرين .ويرى كثير من العلماء أن إطلاق كلمة : مشرك ، ومشركين ، ومشركات في القرآن الكريم تعني عبدة الأوثان ، وأنها صارت في استعمال القرآن حقيقة عرفية فيهم ، ولم يطلقها القرآن على اليهود والنصارى وإنما عبر عنهم بهذا الاسم أو بأهل الكتاب ، أو بوصف الفكر دون الشرك كما في قوله - تعالى - : ( لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بني إِسْرَائِيلَ ) وعليه فالمراد بالمشركات والمشركين في الآية عبدة الأوثان .وذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يشمل بمقتضى عمومه المرأة الوثنية ، واليهودية ، والنصرانية .وقد ترتب على هذا الخلاف في إطلاق كلمة " مشرك " أن أصحاب الرأي الأول قالوا : إن النهي في الآية إنما هو عن زواج المشركات اللائي يعبدون الأوثان ولا كتاب لهن ، وأنه يجوز - مع الكراهية - أن يتزوج المسلم الكتابية ، لأن القرآن يقول : ( اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ) الآية .

ولأنه قد جاءت الروايات بأن بعض الصحابة قد تزوج بكتابيات .

فعثمان بن عفان تزوج نصرانية ثم أسلمت ، وطلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان تزوجا يهوديتين .أمامن قال بالرأي الثاني فيرى حرمة الزواج بالوثنية واليهودية والنصرانية لأن لفظ المشركات يشملهن جميعا .

وأصحاب هذا الرأي - كما يقول الآلوسي - يجعلون آية المائدة وهي قوله - تعالى - ( والمحصنات مِنَ المؤمنات ) منسوخة بالآية التي معنا نسخ الخاص بالعام .

.

وإلى هذا الرأي ذهب الإِمامية وبعض الزيدية .وروى عن عمر وعبد الله ابنه - رضي الله عنهما - أنهما حرما ذلك وفي رواية أنها كرهاه وهي الأصح .قال القرطبي : وروى عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب .

فقال : لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما ولكن أفرق بينمكا صغرة قمأة .

قال ابن عطية وهذا لا يستند جيداً ، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة : أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها يا أمير المؤمنين؟

فقال : لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن .ثم قال القرطبي : وكان ابن عمر إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية .قال حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئاً من الإِشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله .

قال النحاس : وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة ، لأنه قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة منهخم عثمان وطلحة وابن عباس .

.

ومن التباعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد .

.

وفقهاء الأمصار عليه ، وأيضاً فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة البقرة ناسخة للآية التي في سورة المائدة ، لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل ، وإنما الآخر ينسخ الأول - أو يخصصه - وأما قول ابن عمر فلا حجة فيه ، لأن ابن عمر - رضي الله عنه - كان متوقفا ، فلما سمع الآيتين في واحدة التحليل وفي أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف ، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تؤول عليه ، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل .والذي نراه أن زواج المسلم بالكتابية جائز لأن القرآن صريح في ذلك ، ولأن عمر - رضي الله عنه - أقر بأنه ليس بحرام ، فتكون آية المائدة مخصصة لآية البقرة على فرض عمومها ، ومبينة لحكم جديد خاص بالكتابيات ، وهو الجواز ولكن هذا الجواز لا ينمع كراهته ، لأن الزواج بالكتابية كثيراً ما يؤثر في إضعاف العاطفة الدينية عند المسلم ، وعد الأطفال الذين يكونون ثمرة لهذا الزواج ، لأنهم يخرجون إلى الحياة وقد رضعوا الميل إلى دين أمهم ، ولأن المرأة الكتابية التي تقبيل الزواج بالمسلم كثيراً ما تكون منحرفة في سلوكها وأن الدافع لها إلى هذا الزواج إنما هو المال أو الجمال أو الجاه وليس الدين أو الخلق ، لأنه لو كان الدافع ذلك لرضيت بالإِسلام دينا ، وبآدابه خلقاً لها ، وما أحكم قول عمر لحذيفة : " لا أعزم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن " .هذه خلاصة لاراء العلماء في هذه المسألة ومن أراد المزيد فليرجع إلى أقوالهم في مظانها .والمعنى : أنها كم أيها المؤمنون أن تتزوجوا بالنساء المشركات حتى يؤمن بالله - تعالى - ويذعن لتعاليم الإِسلام وآدابه .وقوله : ( وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ) تعليل للنهى ، وبيان لفضل المؤمنات على المشركات ، ولفضل طهارة النفس على جمال الجسم ، والمراد بالامة هنا الأنثى المملوكة من الرقيق ، وبالمشركة الحرة الجميلة بقرينة المقابلة .أي : ولأنثى رقيقة مؤمنة مع ما بها من الرق وقلة الجاه والجمال خير في التزوج بها من ارمأة حرة مشركة ولو أعجبتكم بجمالها ونسبها وغير ذلك من منافع دنيوية ، لأن ما يتعلق بالمنافع الدينية يجب أن يقدم على المنافع الدينوية ، ولأن الزواج ارتباط روحي بين قلبين ، ومن العسير أن يتم هذا الترابط بين قلب يخلص لله في عبادته ، وقلب لا يدين بذلك .وصدرت الجملة بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة في الحمل على الانزجار ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه أن يجعلوا الدين أساس رغبتهم في الزواج ، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين ترتب يداك " .وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تتزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تتزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ، ولكن تزوجوهن على الدين ، ولأمة سوداء ذات دين أفضل " .والأحاديث النبوية في هذا المعنى كثيرة .ثم قال - تعالى - : ( وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ) أي : لا تزوجوا أيها المؤمنون النساء المؤمنات للرجال المشركني حتى يتركوا عليه من شرك ويدخلوا في دين الإِسلام ، فإذا فعلوا ذلك حل لكم أن تزوجوهم النساء المسلمات ، لأنهم بدخولهم في الإِسلام قد أصبحوا إخوانا لكم .والنهي هنا يتناول المشرك الذي يعبد الأوثان ويتناول غيره ممن لا يدين بالإِسلام كأهل الكتاب ، لأن القرآن قد جعل الإِيمن غاية للنهي ، فإذا لم يكن هناك إيمان من الرجل لم يكن له أن يتزوج من المرأة المؤمنة ، لأن الله - تعالى - يقول في آية أخرى : ( ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ المؤمنات مُهَاجِرَاتٍ فامتحنوهن الله أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر ) فهذه الآية صريحة في أن زواج المسلمة بالكافر لا يجوز ، وكلمة كافر تشمل أهل الكتاب بدليل قوله - تعالى - : ( لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بني إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ ) وقوله تعالى ( مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) قال الفخر الرازي : لا خلاف ها هنا في أن المراد به - أي بلفظ المشركين - الكل ، وأن المؤمنة لا يحل تزوجيها من الكافر ألبته على اختلاف أنواع الكفرة .وقوله : ( وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ) بيان لفضل الإِيمان على الشرك ، كما في قوله - تعالى - ( وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ ) إذ نسبة المؤمن أو المؤمنة إلى هذا الدين الذي ارتضاه الله لعباده أفضل وأجل من الانتساب إلى أي شيء آخر .ثم بين - سبحانه - علة النهي عن الزواج بالمشركين والمشركات فقال - تعالى - : ( أولئك يَدْعُونَ إِلَى النار والله يدعوا إِلَى الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ ) .أي : أولئك المذكورون من المشركين والمشركات يدعون من يقارنهم ويعاشرهم إلى الأقوال والأفعال والعقائد التي تفضي بصاحبها إلى دخول النار في الآخرة والله - تعالى - يدعو عباده على ألسنة رسهل إلى الأقوال والأعمال والعقائد التي توصل إلى جنته ومغفرته .فالمراد بالدعاء إلى النار الدعاء إلى أسبابها وإلى ما يوصل إليها ، وكان الاقتران بهؤلاء المشركين والمشركات سببا في الوصول إليها ، لأن الزواج من شأنه الألفة والمودة والمحبة وشدة الاتصال ، وكل ذلك يجعل المسلم أو المسلمة يتقبلان ما عليه المشرك والمشركة من فسوق وعصيان لله - تعالى - بل ربما بمرور الأيام لا يكتفيان بالتقبل بل يستحسنان فعلهما ، وبذلك تنحل عرا الإِسلام من نفس المسلم والمسلمة عروة فعروة ، حتى لا يبقى منه سوى الاسم ، كما نشاهد ذكل في كثير من المسلمين الذين تزوجوا بغير مسلمات .والمقصود من قوله - تعالى - : ( والله يدعوا إِلَى الجنة ) إغراء المؤمنين بالتمسك بتعاليم دينهم ، وتنفيرهم من الاقتران بغير من يكون على شاكلتهم في الدين ، لأن من يخالفهم في عقيدتهم طريقة يغاير طريقهم ، وهدفه يخالف هدفهم ، وعاقبته تباين عاقبتهم .والدعاء إلى الجنة والمغفرة المراد به الدعاء إلى أسبابهما كما في الجملة السابقة المقابلة وقيد - سبحانه - الدعاء إلى الجنة والمغفرة بقوله ( بِإِذْنِهِ ) أي بأمره وإرادته وعلمه ، لأنه - سبحانه - هو المالك لكل شيء ، ولا يقع في ملكه إلا ما يريده ويقدره .قال بعض العلماء ما ملخصه : وقد يقول قائل : هذه الدعوة إلى النار قد تكون أيضاً في زواج المسلم بالكتابية ، كما هي زواج المسلم بالمشركة ، وكان مقتضى هذا أن يحرم زواج المسلم بغير المسلمة مطلقاً ، كما حرم زواج المسلمة بغير المسلم مطلقاً ، وإن لذلك الكلام موضعه ، ولذلك أجمع الفقهاء على كراهة زواج المسلم بالكتابية ، بل زعم بعض العلماء أن زواج المسلم من الكتابية محرم كزواجه من المشركة .ولكن الجمهور لا يقطعون بالتحريم أمام النص القاطع بالحل ، ولا يعملون العلة ليهمل النص ، بل يرون علة التحريم لا تتوافر في الكتابية توافرها في المشركة ، فإن المشركة لا ترتبط بأي قانون خلقي يعصمها من الزلل .

.

أما الكتابية فإن مجموع الفضائل الإِنسانية .

.

لا تزال باقية في تعاليم دينها فيمكن الاحتكام إليها .والقرآن في جدله مع أهل الكتاب كان يلاحظ إمكان التفاهم معهم على قواعد يمكن حملهم على الإِقرار بها كما في قوله - تعالى - : ( قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ) الآية .وأمرنا أن نجادلهم بالتي هي أحسن فقال : ( وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ) الآية .فكان من اطراد تلك المعاملة الحسنة المقربة غير المبعدة ، أن أباح الإِسلام الزواج من الكتابيات .بيد أنه يلاحظ في إباحة الزواج من الكتابيات أمران :أولهما : أن النص القرآني المبيح خاص بالمحصنات منهن ، إذ قال - سبحانه ( الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ) والمحصنات - في أظهر التفسير - هن العفيفات ، فأولئك الذين يعمدون إلى المنحرفات منهم في أخلاقهن وعقولهن ولا يتخيرون ، خارجون عن موضع الإِباحة فيما أحسب ، لأن الله أحل المحصنات وهم استحلوا المنحرفات .ثانيهما : أن ولي الأمر إذا رأى خطرا على الدولة الإِسلامية أو على المجتمع الإِسلامي له ن يمنع الناس من ذلك الزواج بوضع عقوبات لمن يقدم عليه سدا للذريعة ومنعا للشر ، وذلك من باب السياسة الشرعية ، لا من باب تحريم ما أحل الله ، لأن الحل قائم على أصله ، والمنع وارد على الضرر الذي يحلق المسلمين ، إذ في ذلك من الاعتداء على جماعتهم ما فيه ، كما أن أصل الأكل حلال ، ولكن اغتصاب أموال الناس لنأكلها حرام ، ولذلك سارت الدولة على منع بعض رجالها من الزواج بالأجنبيات .وقوله - تعالى - في ختام الآية : ( وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) معطوف على يدعو إلى الجنة .

أي أنه - سبحانه - يدعو الناس إلى ما يوصلهم إلى جنته ومغفرته ويبين لهم آياته وأوامره ونواهيه في شئون الزواج وفي غير ذلك من الأحكام لكي يتعظوا ويعتبروا ويتذكروا ما أمرهم الله به فيعملوه ، وما نهاهم عنه فيتركوه .وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد رسمت الناس أقوم السبل ، لكي يعيشوا في ظل أسرة فاضلة ، تظلها السعادة ، ويسودها الأمان والاطمئنان ويتعاون أفرادها على البر والتقوى لا على الإِثم والعدوان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم السادس: فيما يتعلق بالنكاح: اعلم أن هذه الآية نظير قوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر  ﴾ وقرئ بضم التاء، أي لا تزوجوهن وعلى هذه القراءة لا يزوجونهن.

واعلم أن المفسرين اختلفوا في أن هذه الآية ابتداء حكم وشرع، أو هو متعلق بما تقدم، فالأكثرون على أنه ابتداء شرع في بيان ما يحل ويحرم، وقال أبو مسلم: بل هو متعلق بقصة اليتامى، فإنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم  ﴾ وأراد مخالطة النكاح عطف عليه ما يبعث على الرغبة في اليتامى، وأن ذلك أولى مما كانوا يتعاطون من الرغبة في المشركات، وبين أن أمة مؤمنة خير من مشركة وإن بلغت النهاية فيما يقتضي الرغبة فيها، ليدل بذلك على ما يبعث على التزوج باليتامى، وعلى تزويج الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعية لما أمر به من النظر في صلاحهم وصلاح أموالهم، وعلى الوجهين فحكم الآية لا يختلف، ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: روي عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام بعث مرثد بن أبي مرثد حليفاً لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناساً من المسلمين بها سراً، فعند قدومه جاءته امرأته يقال لها عناق خليلة له في الجاهلية، أعرضت عنه عند الإسلام، فالتمست الخلوة، فعرفها أن الإسلام يمنع من ذلك، ثم وعدها أن يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يتزوج بها، فلما انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه ما جرى في أمر عناق، وسأله هل يحل له التزوج بها فأنزل الله تعالى هذه الآية.

المسألة الثانية: اختلف الناس في لفظ النكاح، فقال أكثر أصحاب الشافعي رحمه الله: إنه حقيقة في العقد، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي وشهود» وقف النكاح على الولي والشهود، والمتوقف على الولي والشهود هو العقد لا الوطء، والثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: «ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح» دل الحديث على أن النكاح كالمقابل للسفاح، ومعلوم أن السفاح مشتمل على الوطء، فلو كان النكاح اسماً للوطء لامتنع كون النكاح مقابلاً للسفاح.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  ﴾ ولا شك أن لفظ (أنكحوا) لا يمكن حمله إلا على العقد.

ورابعها: قول الأعشى، أنشده الواحدي في البسيط: فلا تقربن من جارة إن سرها *** عليك حرام فانكحن أو تأيما وقوله: ﴿ فانكحن ﴾ لا يحتمل إلا الأمر بالعقد، لأنه قال: لا تقربن جارة يعني مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج وإلا فتأيم وتجنب النساء، وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة: أنه حقيقة في الوطء، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ نفي الحل ممتد إلى غاية النكاح، والنكاح الذي تنتهي به هذه الحرمة ليس هو العقد بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك فوجب أن يكون المراد منه هو الوطء.

وثانيها: قوله عليه الصلاة والسلام: «ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون» أثبت النكاح مع عدم العقد.

وثالثها: أن النكاح في اللغة عبارة عن الضم والوطء، يقال: نكح المطر الأرض إذا وصل إليها، ونكح النعاس عينه، وفي المثل أنكحنا الفرا فسترى، وقال الشاعر: التاركين على طهر نساءهم *** والناكحين بشطي دجلة البقرا وقال المتنبي: أنكحت صم حصاها خف يعملة *** تعثرت بي إليك السهل والجبلا ومعلوم أن معنى الضم والوطء في المباشرة أتم منه في العقد، فوجب حمله عليه، ومن الناس من قال: النكاح عبارة عن الضم، ومعنى الضم حاصل في العقد وفي الوطء، فيحسن استعمال هذا اللفظ فيهما جميعاً، قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم: نكح المرأة، فقال: فرقت العرب في الاستعمال فرقاً لطيفاً حتى لا يحصل الالتباس، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة: أرادوا أنه تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته، لم يريدوا غير المجامعة، لأنه إذا ذكر أنه نكح امرأته أو زوجته فقد استغنى عن ذكر العقد، فلم تحتمل الكلمة غير المجامعة، فهذا تمام ما في هذا اللفظ من البحث، وأجمع المفسرون على أن المراد من قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ﴾ في هذه الآية أي لا تعقدوا عليهن عقد النكاح.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب، فأنكر بعضهم ذلك، والأكثرون من العلماء على أن لفظ المشرك يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب وهو المختار، ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله  ﴾ ثم قال في آخر الآية: ﴿ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ وهذه الآية صريحة في أن اليهودي والنصراني مشرك.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ دلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى في الجملة فلو كان كفر اليهودي والنصراني ليس بشرك لوجب بمقتضى هذه الآية أن يغفر الله تعالى في الجملة، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن كفرهما شرك.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة  ﴾ فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة، أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة، والأول باطل، لأن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه قادراً ومن كونه حياً، وإذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لابد من الاعتراف بها، كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام، فكيف يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك، ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذواتاً ثلاثة قديمة مستقلة، ولذلك فإنهم جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى، وجوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم ولولا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة بأنفسها، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية وهذا شرك، وقول بإثبات الآلهة، فكانوا مشركين، وإذا ثبت دخولهم تحت اسم المشرك؛ وجب أن يكون اليهودي كذلك ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

ورابعها: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر أميراً وقال: إذا لقيت عدداً من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، سمى من يقبل منه الجزية وعقد الذمة بالمشرك، فدل على أن الذمي يسمى بالمشرك.

وخامسها: ما احتج به أبو بكر الأصم فقال: كل من جحد رسالته فهو مشرك، من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن قدرة البشر، وكانوا منكرين صدورها عن الله تعالى، بل كانوا يضيفونها إلى الجن والشياطين، لأنهم كانوا يقولون فيها: إنها سحر وحصلت من الجن والشياطين، فالقوم قد أثبتوا شريكاً لله سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر، فوجب القطع بكونهم مشركين لأنه لا معنى للإله إلا من كان قادراً على خلق هذه الأشياء، واعترض القاضي فقال: إنما يلزم هذا إذا سلم اليهودي أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم من الأمور الخارجة عن قدرة البشر، فعند ذلك إذا أضافه إلى غير الله تعالى كان مشركاً، أما إذا أنكر ذلك وزعم أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم من جنس ما يقدر العباد عليه لم يلزم أن يكون مشركاً بسبب ذلك إلى غير الله تعالى.

والجواب: أنه لا اعتبار بإقراره أن تلك المعجزات خارجة عن مقدور البشر أم لا، إنما الاعتبار يدل على أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن نسب ذلك إلى غير الله تعالى كان مشركاً، كما أن إنساناً لو قال: إن خلق الجسم والحياة من جنس مقدور البشر ثم أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب كان مشركاً فكذا هاهنا، فهذا مجموع ما يدل على أن اليهودي والنصراني يدخلان تحت اسم المشرك، واحتج من أباه بأن الله تعالى فصل بين أهل الكتاب وبين المشركين في الذكر، وذلك يدل على أن أهل الكتاب لا يدخلون تحت اسم المشرك، وإنما قلنا أنه تعالى فصل لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أَشْرَكُواْ  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين  ﴾ وقال: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين  ﴾ ففي هذه الآيات فصل بين القسمين وعطف أحدهما على الآخر، وذلك يوجب التغاير.

والجواب: أن هذا مشكل بقوله تعالى: ﴿ وإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ  ﴾ وبقوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ فإن قالوا إنما خص بالذكر تنبيهاً على كمال الدرجة في ذلك الوصف المذكور، قلنا: فهاهنا أيضاً إنما خص عبدة الأوثان في هذه الآيات بهذا الإسم تنبيهاً على كمال درجتهم في هذا الكفر، فهذا جملة ما في هذه المسألة ثم اعلم أن القائلين بأن اليهود والنصارى يندرجون تحت اسم المشرك اختلفوا على قولين فقال قوم: وقوع هذا الإسم عليهم من حيث اللغة لما بينا أن اليهود والنصارى قائلون بالشرك، وقال الجبائي والقاضي هذا الإسم من جملة الأسماء الشرعية، واحتجا على ذلك بأنه قد تواتر النقل عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يسمى كل من كان كافراً بالمشرك، ومن كان في الكفار من لا يثبت إلهاً أصلاً أو كان شاكاً في وجوده، أو كان شاكاً في وجود الشريك، وقد كان فيهم من كان عند البعثة منكراً للبعث والقيامة، فلا جرم كان منكراً للبعثة والتكليف، وما كان يعبد شيئاً من الأوثان، والذين كانوا يعبدون الأوثان فيهم من كانوا يقولون: إنها شركاء الله في الخلق وتدبير العالم، بل كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله فثبت أن الأكثرين منهم كانوا مقرين بأن إله العالم واحد وأنه ليس له في الإلهية معين في خلق العالم وتدبيره وشريك ونظير إذا ثبت هذا ظهر أن وقوع اسم المشرك على الكافر ليس من الأسماء اللغوية، بل من الأسماء الشرعية، كالصلاة والزكاة وغيرهما، وإذا كان كذلك وجب اندراج كل كافر تحت هذا الإسم، فهذا جملة الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق.

المسألة الرابعة: الذين قالوا: إن اسم المشرك لا يتناول إلا عبدة الأوثان قالوا: إن قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات ﴾ نهى عن نكاح الوثنية، أما الذين قالوا: إن اسم المشرك يتناول جميع الكفار قالوا: ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات ﴾ يدل على أنه لا يجوز نكاح الكافرة أصلاً، سواء كانت من أهل الكتاب أو لا، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون من الأئمة قالوا إنه يجوز للرجل أن يتزوج بالكتابية، وعن ابن عمر ومحمد بن الحنفية والهادي وهو أحد الأئمة الزيدية أن ذلك حرام، حجة الجمهور قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب  ﴾ وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد منه: من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب؟.

قلنا: هذا لا يصح من قبل أنه تعالى أو لا أحل المحصنات من المؤمنات، وهذا يدخل فيه من آمن منهن بعد الكفر، ومن كن على الإيمان من أول الأمر، ولأن قوله: ﴿ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب  ﴾ يفيد حصول هذا الوصف في حالة الإباحة، ومما يدل على جواز ذلك ما روي أن الصحابة كانوا يتزوجون بالكتابيات، وما ظهر من أحد منهم إنكار على ذلك، فكان هذا إجماعاً على الجواز.

نقل أن حذيفة تزوج بيهودية أو نصرانية، فكتب إليه عمر أن خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام؟

فقال: لا ولكنني أخاف.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» ويدل عليه أيضاً الخبر المشهور، وهو ما روى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً لكان هذا الإستثناء عبثاً، واحتج القائلون بأنه لا يجوز بأمور أولها: أن لفظ المشرك يتناول الكتابية على ما بيناه فقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ﴾ صريح في تحريم نكاح الكتابية، والتخصيص والنسخ خلاف الظاهر، فوجب المصير إليه، ثم قالوا: وفي الآية ما يدل على تأكيد ما ذكرناه وذلك لأنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿ أولئك يَدْعُونَ إِلَى النار ﴾ والوصف إذا ذكر عقيب الحكم، وكان الوصف مناسباً للحكم فالظاهر أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم فكأنه تعالى قال: حرمت عليكم نكاح المشركات لأنهن يدعون إلى النار وهذه العلة قائمة في الكتابية، فوجب القطع بكونها محرمة.

والحجة الثانية: لهم: أن ابن عمر سئل عن هذه المسألة فتلا آية التحريم وآية التحليل، ووجه الاستدلال أن الأصل في الإبضاع الحرمة، فلما تعارض دليل الحرمة تساقطا، فوجب بقاء، حكم الأصل، وبهذا الطريق لما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين، فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فحكمتم عند ذلك بالتحريم للسبب الذي ذكرناه فكذا هاهنا.

الحجة الثالثة: لهم: حكى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس تحريم أصناف النساء إلا المؤمنات، واحتج بقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ  ﴾ وإذا كان كذلك كانت كالمرتدة في أنه لا يجوز إيراد العقد عليها.

الحجة الرابعة: التمسك بأثر عمر: حكي أن طلحة نكح يهودية، وحذيفة نصرانية، فغضب عمر رضي الله عنه عليهما غضباً شديداً، فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين فلا تغضب، فقال: إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم.

أجاب الأولون عن الحجة الأولى بأن من قال: اليهودي والنصراني لا يدخل تحت اسم المشرك فالإشكال عنه ساقط، ومن سلم ذلك قال: إن قوله تعالى: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب  ﴾ أخص من هذه الآية، فإن صحت الرواية أن هذه الحرمة ثبتت ثم زالت جعلنا قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ ناسخاً، وإن لم تثبت جعلناه مخصصاً، أقصى ما في الباب أن النسخ والتخصيص خلاف الأصل، إلا أنه لما كان لا سبيل إلا التوفيق بين الآيتين إلا بهذا الطريق وجب المصير إليه، أما قوله ثانياً أن تحريم نكاح الوثنية إنما كان لأنها تدعو إلى النار، وهذا المعنى قائم في الكتابية، قلنا: الفرق بينهما أن المشركة متظاهرة بالمخالفة والمناصبة، فلعل الزوج يحبها، ثم أنها تحمله على المقاتلة مع المسلمين، وهذا المعنى غير موجود في الذمية، لأنها مقهورة راضية بالذلة والمسكنة، فلا يفضي حصول ذلك النكاح إلى المقاتلة، أما قوله ثالثاً إن آية التحريم والتحليل قد تعارضتا، فنقول: لكن آية التحليل خاصة ومتأخرة بالإجماع، فوجب أن تكون متقدمة على آية التحريم وهذا بخلاف الآيتين في الجمع بين الأختين في ملك اليمين، لأن كل واحدة من تينك الآيتين أخص من الأخرى من وجه وأعم من وجه آخر، فلم يحصل سبب الترجيح فيه.

أما قوله هاهنا: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب  ﴾ أخص من قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ﴾ مطلقاً، فوجب حصول الترجيح.

وأما التمسك بقوله تعالى: ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ  ﴾ .

فجوابه: أنا لما فرقنا بين الكتابية وبين المرتدة في أحكام كثيرة، فلم لا يجوز الفرق بينهما أيضاً في هذا الحكم؟.

وأما التمسك بأثر عمر فقد نقلنا عنه أنه قال: ليس بحرام، وإذا حصل التعارض سقط الاستدلال والله أعلم.

المسألة الخامسة: اتفق الكل على أن المراد من قوله: ﴿ حتى يُؤْمِنَّ ﴾ الإقرار بالشهادة والتزام أحكام الإسلام، وعند هذا احتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار وقالوا إن الله تعالى جعل الإيمان هاهنا غاية التحريم والذي هو غاية التحريم هاهنا الإقرار، فثبت أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار، واحتج أصحابنا على فساد هذا المذهب بوجوه: أحدها: أنا بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب  ﴾ أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بالله وباليوم الأخر وَمَا هُم  ﴾ ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإفراد لكان قوله تعالى: ﴿ مَّا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ كذباً.

وثالثها: قوله: ﴿ قَالَتِ الأعراب ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ  ﴾ ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار لكان قوله: ﴿ قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ﴾ كذباً، ثم أجابوا عن تمسكهم بهذه الآية بأن التصديق الذي في القلب لا يمكن الإطلاع عليه فأقيم الإقرار باللسان مقام التصديق بالقلب.

المسألة السادسة: نقل عن الحسن أنه قال: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من تزويج المشركات قال القاضي: كونهم قبل نزول هذه الآية مقدمين على نكاح المشركات إن كان على سبيل العادة لا من قبل الشرع امتنع وصف هذه الآية بأنها ناسخة، لأنه ثبت في أصول الفقه أن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكون حكمين شرعيين، أما إن كان جواز نكاح المشركة قبل نزول هذه الآية ثابتاً من قبل الشرع كانت هذه الآية ناسخة.

أما قوله تعالى: ﴿ ولأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو مسلم: اللام في قوله: ﴿ وَلامَةٌ ﴾ في إفادة التوكيد تشبه لام القسم.

المسألة الثانية: الخير هو النفع الحسن: والمعنى: أن المشركة لو كانت ثابتة في المال والجمال والنسب، فالأمة المؤمنة خير منها لأن الإيمان متعلق بالدين والمال والجمال والنسب متعلق بالدنيا والدين خير من الدنيا ولأن الدين أشرف الأشياء عند كل أحد فعند التوافق في الدين تكمل المحبة فتكمل منافع الدنيا من الصحة والطاعة وحفظ الأموال والأولاد وعند الاختلاف في الدين لا تحصل المحبة، فلا يحصل شيء من منافع الدنيا من تلك المرأة، وقال بعضهم المراد ولأمة مؤمنة خير من حرة مشركة، واعلم أنه لا حاجة إلى هذا التقدير لوجهين: أحدهما: أن اللفظ مطلق والثاني: أن قوله: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ يدل على صفة الحرية، لأن التقدير: ولو أعجبتكم بحسنها أو مالها أو حريتها أو نسبها، فكل ذلك داخل تحت قوله: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ .

المسألة الثالثة: قال الجبائي: إن الآية دالة على أن القادر على طول الحرة يجوز له التزوج بالأمة على ما هو مذهب أبي حنيفة، وذلك لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يجوز له التزوج بالأمة لكن الواجد لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجداً لطول الحرة المسلمة لأن سبب التفاوت في الكفر والإيمان لا يتفاوت بقدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح، فيلزم قطعاً أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة، وهذا استدلال لطيف في هذه المسألة.

المسألة الرابعة: في الآية إشكال وهو أن قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات ﴾ يقتضي حرمة نكاح المشركة، ثم قوله: ﴿ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ ﴾ يقتضي جواز التزوج بالمشركة لأن لفظة أفعل تقتضي المشاركة في الصفة ولأحدهما مزية.

قلنا: نكاح المشركة مشتمل على منافع الدنيا، ونكاح المؤمنة مشتمل على منافع الآخرة، والنفعان يشتركان في أصل كونهما نفعاً، إلا أن نفع الآخرة له المزية العظمى، فاندفع السؤال، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ ﴾ فلا خلاف هاهنا أن المراد به الكل وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر ألبتة على اختلاف أنواع الكفرة.

وقوله: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ ﴾ فالكلام فيه على نحو ما تقدم.

أما قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية نظير قوله: ﴿ مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وَتَدْعُونَنِى إِلَى النار  ﴾ .

فإن قيل: فكيف يدعون إلى النار وربما لم يؤمنوا بالنار أصلاً، فكيف يدعون إليها.

وجوابه: أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً أحدها: أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى النار، فإن الظاهر أن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة، وكل ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض، وربما يؤدي ذلك إلى انتقال المسلم عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه.

فإن قيل: احتمال المحبة حاصل من الجانبين، فكما يحتمل أن يصير المسلم كافراً بسبب الألفة والمحبة، يحتمل أيضاً أن يصير الكافر مسلماً بسبب الألفة والمحبة، وإذا تعارض الإحتمالان وجب أن يتساقطا، فيبقى أصل الجواز.

قلنا: إن الرجحان لهذا الجانب لأن بتقدير أن ينتقل الكافر عن كفره يستوجب المسلم به مزيد ثواب ودرجة، وبتقدير أن ينتقل المسلم عن إسلامه يستوجب العقوبة العظيمة، والإقدام على هذا العمل دائر بين أن يلحقه مزيد نفع، وبين أن يلحقه ضرر عظيم، وفي مثل هذه الصورة يجب الإحتراز عن الضرر، فلهذا السبب رجح الله تعالى جانب المنع على جانب الإطلاق.

التأويل الثاني: أن في الناس من حمل قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار ﴾ أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال، وفي تركهما وجوب استحقاق النار والعذاب وغرض هذا القائل من هذا التأويل أن يجعل هذا فرقاً بين الذمية وبين غيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على المقاتلة فظهر الفرق.

التأويل الثالث: أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار، فهذا هو الدعوة إلى النار ﴿ والله يَدْعُو إلى الجنة ﴾ حيث أمرنا بتزويج المسلمة حتى يكون الولد مسلماً من أهل الجنة.

أما قوله تعالى: ﴿ والله يَدْعُو إلى الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ ﴾ ففيه قولان: القول الأول: أن المعنى وأولياء الله يدعون إلى الجنة، فكأنه قيل: أعداء الله يدعون إلى النار وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة فلا جرم يجب على العاقل أن لا يدور حول المشركات اللواتي هن أعداء الله تعالى، وأن ينكح المؤمنات فإنهن يدعون إلى الجنة والمغفرة والثاني: أنه سبحانه لما بين هذه الأحكام وأباح بعضها وحرم بعضها، قال: ﴿ والله يَدْعُواْ إِلَى الجنة والمغفرة ﴾ لأن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة.

أما قوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ فالمعنى بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة، ونظيره قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله  ﴾ وقرأ الحسن ﴿ والمغفرة بِإِذْنِهِ ﴾ بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسيره.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيُبَيِنُ آياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ فمعناه ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ﴾ وقرئ بضم التاء، أي لا تتزوّجوهنّ أو لا تزوّجوهن.

و ﴿ المشركات ﴾ الحربيات، والآية ثابتة.

وقيل المشركات الحربيات والكتابيات جميعاً، لأن أهل الكتاب من أهل الشرك، لقوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 31] ، وهي منسوخة بقوله تعالى: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة: 5] .

وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط.

وهو قول ابن عباس والأوزاعي وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق، فأتته وقالت: ألا نخلو؟

فقال: ويحكا إن الإسلام قد حال بيننا.

فقالت: فهل لك أن تتزوّج بي؟

قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره، فاستأمره فنزلت ﴿ وَلامَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ ﴾ ولامرأة مؤمنة حرّة كانت أو مملوكة، وكذلك ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ ﴾ لأنّ الناس كلهم عبيد الله وإماؤه ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ ولو كان الحال أنّ المشركة تعجبكم وتحبونها، فإنّ المؤمنة خير منها مع ذلك ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى المشركات والمشركين، أي يدعون إلى الكفر فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال ﴿ والله يَدْعُو إلى الجنة ﴾ يعني وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة ﴿ والمغفرة ﴾ وما يوصل إليهما فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم، وأن يؤثروا على غيرهم ﴿ بِإِذْنِهِ َ ﴾ بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي تستحق به الجنة والمغفرة.

وقرأ الحسن: ﴿ والمغفرةُ بإذنه ﴾ - بالرفع- أي والمغفرة حاصلة بتيسيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ﴾ أيْ ولا تَتَزَوَّجُوهُنَّ.

وقُرِئَ بِالضَّمِّ أيْ ولا تُزَوِّجُوهُنَّ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمُشْرِكاتُ تَعُمُّ الكِتابِيّاتِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ولَكِنَّها خُصَّتْ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ «رُوِيَ (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ مَرْثَدًا الغَنَوِيَّ إلى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ مِنها أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأتَتْهُ عَناقُ وكانَ يَهْواها في الجاهِلِيَّةِ فَقالَتْ: ألا تَخْلُوا.

فَقالَ: إنَّ الإسْلامَ حالَ بَيْنَنا فَقالَتْ: هَلْ لَكَ أنْ تَتَزَوَّجَ بِي فَقالَ: نَعَمْ ولَكِنِ أسْتَأْمِرُ رَسُولَ اللَّهِ  فاسْتَأْمَرَهُ) فَنَزَلَتْ ﴿ وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ﴾ » أيْ ولامْرَأةٌ مُؤْمِنَةٌ حُرَّةً كانَتْ أوْ مَمْلُوكَةً، فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم عَبِيدُ اللَّهِ وإماؤُهُ.

﴿ وَلَوْ أعْجَبَتْكُمْ ﴾ بِحُسْنِها وشَمائِلِها، والواوُ لِلْحالِ ولَوْ بِمَعْنى إنْ وهو كَثِيرٌ.

﴿ وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ﴾ ولا تُزَوِّجُوا مِنهُمُ المُؤْمِناتِ حَتّى يُؤْمِنُوا، وهو عَلى عُمُومِهِ.

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مُواصَلَتِهِمْ، وتَرْغِيبٌ في مُواصَلَةِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ.

﴿ يَدْعُونَ إلى النّارِ ﴾ أيِ الكُفْرِ المُؤَدِّي إلى النّارِ فَلا يَلِيقُ مُوالاتُهم ومُصاهَرَتُهم.

﴿ واللَّهُ ﴾ أيْ وأوْلِياؤُهُ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ.

﴿ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ ﴾ أيْ إلى الِاعْتِقادِ والعَمَلِ المُوَصِّلِينَ إلَيْهِما فَهُمُ الأحِقّاءُ بِالمُواصَلَةِ.

﴿ بِإذْنِهِ ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، أوْ بِقَضائِهِ وإرادَتِهِ.

﴿ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ لِكَيْ يَتَذَكَّرُوا، أوْ لِيَكُونُوا بِحَيْثُ يُرْجى مِنهُمُ التَّذَكُّرُ لِما رَكَزَ في العُقُولِ مِن مَيْلِ الخَيْرِ ومُخالَفَةِ الهَوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما سأل مرثد النبى صلى الله عليه وسلم عن أن يتزوج عناق وكانت مشركة نزل {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ} أي لا تتزوجوهن يقال نكح إذا تزوج وأنكح غيره زوجه {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} ولو كان الحال أن المشركة تعجبكم وتحبونها {وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين} ولا تزوجوهم بمسلمة كدا قاله الزجاج وقال جامع العلوم حذف أحد المفعولين والتقدير ولا تنكحوهن المشركين {حتى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} ثم بين علة ذلك فقال {أولئك} وهو إشارة إلى المشركات والمشركين {يَدْعُونَ إِلَى النار} إلى الكفر الذي هو عمل أهل النار فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا {والله يدعو إِلَى الجنة والمغفرة} أي وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة وما يوصل إليهما فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم {بِإِذْنِهِ} بعلمه أو بأمره {وَيُبَيِنُ آياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يتذكرون} يتعظون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ﴾ رَوى الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعَثَ رَجُلًا مِن غِنى، يُقالُ لَهُ: مَرْثَدُ بْنُ أبِي مَرْثَدٍ حَلِيفًا لِبَنِي هاشِمٍ إلى مَكَّةَ؛ لِيُخْرِجَ أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِها أسْرى، فَلَمّا قَدِمَها سَمِعَتْ بِهِ امِرْأةٌ يُقالُ لَها: عَناقٌ، وكانَتْ خَلِيلَةً لَهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسْلَّمَ أعْرَضَ عَنْها، فَأتَتْهُ فَقالَتْ: ويَحُكَ يا مَرْثَدُ، ألا تَخْلُو؟

فَقالَ لَها: إنَّ الإسْلامَ قَدْ حالَ بَيْنِي وبَيْنَكِ وحَرَّمَهُ عَلَيْنا، ولَكِنْ إنْ شِئْتِ تَزَوَّجْتُكِ؟

فَقالَتْ: نَعَمْ، فَقالَ: إذا رَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - اسْتَأْذَنْتُهُ في ذَلِكَ ثُمَّ تَزَوَّجْتُكِ، فَقالَتْ لَهُ: أبِي تَتَبَرَّمُ؟

ثُمَّ اسْتَعانَتْ عَلَيْهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْبًا وجِيعًا، ثُمَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمّا قَضى حاجَتَهُ بِمَكَّةَ انْصَرَفَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - راجِعًا، وأعْلَمَهُ الَّذِي كانَ مِن أمْرِهِ وأمْرِ عَناقٍ، وما لَقِيَ بِسَبَبِها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَحِلُّ أنْ أتَزَوَّجَها ؟

- وفي رِوايَةٍ: أنَّها تُعْجِبُنِي - فَنَزَلَتْ”،» وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ بِأنَّ هَذا لَيْسَ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما هو سَبَبٌ في نُزُولِ آيَةِ النُّورِ ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً ﴾ ورَوى السُّدِّيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ، وكانَتْ لَهُ أمَةً سَوْداءَ، وأنَّهُ غَضِبَ عَلَيْها، فَلَطَمَها، ثُمَّ أنَّهُ فَزِعَ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَأخْبَرَهُ خَبَرَها، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -:“ما هي يا عَبْدَ اللهِ؟

فَقالَ: هي - يا رَسُولَ اللَّهِ - تَصُومُ وتُصَلِّي وتُحْسِنُ الوُضُوءَ وتَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُهُ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللهِ، هي مُؤْمِنَةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ: فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا لَأُعْتِقَنَّها ولَأتَزَوَّجَنَّها، فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: أنَكَحَ أمَةً؟

وكانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَنْكِحُوا إلى المُشْرِكِينَ ويَنْكِحُوهم رَغْبَةً في أنْسابِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا تَنْكِحُوا ﴾ الآيَةَ”».

وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ وبِضَمِّها، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الأعْمَشِ؛ أيْ: لا تَتَزَوَّجُوهُنَّ أوْ لا تُزَوِّجُوهُنَّ مِنَ المُسْلِمِينَ، وحَمَلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ (المُشْرِكاتِ) عَلى ما عَدا الكِتابِيّاتِ، فَيَجُوزُ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ عِنْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ ﴾ و ﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ ﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ؛ وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: المُرادُ بِالمُشْرِكاتِ مُشْرِكاتِ العَرَبِ الَّتِي لَيْسَ لَهُنَّ كِتابٌ، وعَنْ حَمّادٍ قالَ: سَألْتُ إبْراهِيمَ عَنْ تَزْوِيجِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ، فَقُلْتُ: ألَيْسَ اللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿ ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ ﴾ ؟

فَقالَ: إنَّما ذَلِكَ المَجُوسِيّاتُ وأهْلُ الأوْثانِ، وذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّها تَعُمُّ الكِتابِيّاتِ، قِيلَ: لِأنَّ مَن جَحَدَ نُبُوَّةَ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقَدْ أنْكَرَ مُعْجِزَتَهُ وأضافَها إلى غَيْرِهِ - تَعالى -، وهَذا هو الشِّرْكُ بِعَيْنِهِ، ولِأنَّ الشِّرْكَ وقَعَ في مُقابَلَةِ الإيمانِ فِيما بَعْدُ، ولِأنَّهُ - تَعالى - أطْلَقَ الشِّرْكَ عَلى أهْلِ الكِتابِ لِقَوْلِهِ: ﴿ وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، كانَ إذا سُئِلَ عَنْ نِكاحِ الرِّجْلِ النَّصْرانِيَّةَ أوِ اليَهُودِيَّةَ؟

قالَ: حَرَّمَ اللَّهُ - تَعالى - المُشْرِكاتِ عَلى المُسْلِمِينَ، ولا أعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ أعْظَمَ مِن أنْ تَقُولَ المَرْأةُ: رَبُّها عِيسى أوْ عَبَدٌ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى، وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامِيَّةُ وبَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ، وجَعَلُوا آيَةَ المائِدَةِ: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ مَنسُوخَةً بِهَذِهِ الآيَةِ نَسْخَ الخاصِّ بِالعامِّ، وتِلْكَ وإنْ تَأخَّرَتْ تِلاوَةً مُقَدَّمَةٌ نُزُولًا، والإطْباقُ عَلى أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ لَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ مَمْنُوعٌ، فَفي الإتْقانِ: ومِنَ المائِدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ﴾ مَنسُوخٌ بِإباحَةِ القِتالِ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ والمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ العَمَلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ نُسِخَتْ بِما في المائِدَةِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، أنَّهُ قالَ في ﴿ ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ ﴾ نَسَخَ مِن ذَلِكَ نِكاحَ نِساءِ أهْلِ الكِتابِ، أحَلَّهُنَّ لِلْمُسْلِمِينَ وحَرَّمَ المُسْلِماتِ عَلى رِجالِهِمْ، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَنَفِيَّةُ والشّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ بِالتَّخْصِيصِ دُونَ النَّسْخِ، ومَبْنى الخِلافِ أنَّ قَصْرَ العامِّ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ تَخْصِيصٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - ونُسِخَ عِنْدَنا.

﴿ ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَرْغِيبٌ في مُواصَلَةِ المُؤْمِناتِ، صُدِّرَ بِلامِ الِابْتِداءِ الشَّبِيهَةِ بِلامِ القَسَمِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ، مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الِانْزِجارِ، وأصْلُ (أمَةٍ) (أمُوَ) حُذِفَتْ لامُها عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعُوِّضَ عَنْها هاءُ التَّأْنِيثِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ لامَها واوٌ رُجُوعُها في الجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ: أمّا الإماءُ فَلا يَدْعُونَنِي ولَدا إذا تَداعى بَنُو الأمْوانِ بِالعارِوَظُهُورُها في المَصْدَرِ يُقالُ: هي أمَةٌ بَيِّنَةُ الأُمُوَّةِ وأقَرَّتْ لَهُ بِالأُمُوَّةِ، وهَلْ وزَنُها فُعْلَةُ - بِسُكُونِ العَيْنِ - أوْ فُعَلَةُ - بِفَتْحِها -؟

قَوْلانِ، اخْتارَ الأكْثَرُونَ ثانِيهِما، وتُجْمَعُ عَلى (آمَّ)، وهو في الِاسْتِعْمالِ دُونَ إماءٍ، وأصْلُهُ (أأمُو) - بِهَمْزَتَيْنِ - الأُولى مَفْتُوحَةٌ زائِدَةٌ، والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ هي فاءُ الكَلِمَةِ، فَوَقَعَتِ الواوُ طَرَفًا مَضْمُومًا ما قَبْلَها في اسْمٍ مُعْرَبٍ، ولا نَظِيرَ لَهُ، فَقُلِبَتْ ياءً والضَّمَّةُ قَبْلَها كَسْرَةٌ لِتَصِحَّ الياءُ، فَصارَ الِاسْمُ مِن قَبِيلِ (غازٍ وقاضٍ) ثُمَّ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ألِفًا لِسُكُونِها بَعْدَ هَمْزَةٍ أُخْرى مَفْتُوحَةٍ، فَصارا (آمَّ) وإعْرابُهُ كَقاضٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالأمَةِ ما تُقابِلُ الحُرَّةَ، وسَبَبُ النُّزُولِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ العَيْبُ عَلى مَن تَزَوَّجَ الأمَةَ والتَّرْغِيبُ في نِكاحِ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ، فَفي الآيَةِ تَفْضِيلُ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى المُشْرِكَةِ مُطْلَقًا - ولَوْ حُرَّةً - ويُعْلَمُ مِنهُ تَفْضِيلُ الحُرَّةِ عَلَيْها بِالطَّرِيقِ الأُولى، ثُمَّ إنَّ التَّفْضِيلَ يَقْتَضِي أنَّ في الشَّرِكَةِ خَيْرًا، فَإمّا أنْ يُرادَ بِالخَيْرِ الِانْتِفاعُ الدُّنْيَوِيُّ، وهو مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُما، أوْ يَكُونُ عَلى حَدِّ ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِـ(الأمَةِ) المَرْأةَ حُرَّةً كانَتْ أوْ مَمْلُوكَةً، فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم عَبِيدُ اللهِ - تَعالى - وإماؤُهُ، ولا تُحْمَلُ عَلى الرَّقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المَوْصُوفِ في مُشْرِكَةٍ فَإنْ قَدَّرَ (أمَةً) بِقَرِينَةِ السِّياقِ لَمْ يَفِدْ خَيْرِيَّةُ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ، وإنْ قَدَّرَ (حُرَّةً) أوِ (امِرْأةً) كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، والمَذْكُورُ في سَبَبِ النُّزُولِ التَّزَوُّجُ (بِالأمَةِ) بَعْدَ عِتْقِها.

و(الأمَةُ) بَعْدَ العِتْقِ حُرَّةٌ، ولا يُطْلَقُ عَلَيْها (أمَةً) بِاعْتِبارِ مَجازِ الكَوْنِ، والحَقُّ أنَّ (الأمَةَ) بِمَعْنى (الرَّقِيقَةِ) كَما هو المُتَبادَرُ، وأنَّ المَوْصُوفَ المُقَدَّرَ لِـ مُشْرِكَةٍ عامٌّ، وكَوْنُهُ خِلافُ الظّاهِرِ خِلافَ الظّاهِرِ.

وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ هو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ، ولَعَلَّ ارْتِكابَ ذَلِكَ آخِرًا أهْوَنُ مِنَ ارْتِكابِهِ أوَّلَ وهْلَةٍ؛ إذْ هو مِن قَبِيلِ نَزْعِ الخُفِّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ- وما في سَبَبِ النُّزُولِ مُؤَيَّدٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ - وقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّ عَبْدَ اللهِ نَكَحَ أمَةً - إنْ حَقًّا وإنْ كَذِبًا - فالمَعْنى ﴿ ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ ﴾ مَعَ ما فِيها مِن خَساسَةِ الرِّقِّ وقِلَّةِ الخَطَرِ ﴿ خَيْرٌ ﴾ مِمّا اتَّصَفَتْ بِالشِّرْكِ مَعَ مالِها مِن شَرَفِ الحُرِّيَّةِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ ﴿ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ ﴾ لِجَمالِها ومالِها وسائِرِ ما يُوجِبُ الرَّغْبَةَ فِيها، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“لا تَنْكِحُوا النِّساءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسى حُسْنُهُنَّ أنْ يُرْدِيهِنَّ، ولا تَنْكِحُوهُنَّ عَلى أمْوالِهِنَّ، فَعَسى أمْوالُهُنَّ أنْ تُطْغِيهِنَّ، وانْكِحُوهُنَّ عَلى الدِّينِ، فَلَأمَةٌ سَوْداءُ خَرْماءُ ذاتُ دِينٍ أفْضَلُ”،» وأخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“تُنْكَحُ المَرْأةُ لِأرْبَعٍ؛ لِمالِها ولِحَسَبِها ولِجَمالِها ولِدِينِها، فاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ» والواوُ لِلْحالِ - ولَوْ لِمُجَرَّدِ الفَرْضِ - مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذا لا تَحْتاجُ إلى الجَزاءِ والتَّقْدِيرِ مَفْرُوضًا إعْجابُها لَكِنْ بِالحُسْنِ ونَحْوِهِ، وقالَ الجِرْمِيُّ: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ تُعْجِبْكُمْ، ﴿ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ ﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ، وقالَ الرِّضى: إنَّها اعْتِراضِيَّةٌ تَقَعُ في وسَطِ الكَلامِ وآخِرِهِ، وعَلى التَّقادِيرِ إثْباتُ الحُكْمِ في نَقِيضِ الشَّرْطِ بِطَرِيقِ الأوْلى لِيَثْبُتَ في جَمِيعِ التَّقادِيرِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى جَوازِ نِكاحِ (الأمَةِ المُؤْمِنَةِ) مَعَ وُجُودِ طُولِ الحُرَّةِ، واعْتَرَضَهُ الكِيا بِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ نِكاحُ الإماءِ، وإنَّما ذَلِكَ لِلتَّنْفِيرِ عَنْ نِكاحِ الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا بِطِباعِهِمْ نافِرِينَ عَنْ نِكاحِ (الأمَةِ) فَقِيلَ لَهُمْ: إذا نَفَرْتُمْ عَنِ الأمَةِ فالمُشْرِكَةُ أوْلى - وفِيهِ تَأمُّلٌ - وفي البَحْرِ: أنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ نِكاحُ (الأمَةِ) الكافِرَةِ كِتابِيَّةً أوْ غَيْرَها؛ وأمّا وطْؤُها بِمِلْكِ اليَمِينِ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا.

﴿ ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: لا تُزَوِّجُوا الكُفّارَ مِنَ المُؤْمِناتِ، سَواءٌ كانَ الكافِرُ كِتابِيًّا أوْ غَيْرَهُ، وسَواءٌ كانَتِ المُؤْمِنَةُ أمَةً أوْ حُرَّةً، فَـ تُنْكِحُوا بِضَمِّ التّاءِ لا غَيْرَ، ولا يُمْكِنُ الفَتْحُ وإلّا لَوَجَبَ: ولا يَنْكِحْنَ المُشْرِكِينَ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى اعْتِبارِ الوَلِيِّ في النِّكاحِ مُطْلَقًا، وهو خِلافُ مَذْهَبِنا، وفي دَلالَةِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ خَفاءٌ؛ لِأنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنْ إيقاعِ هَذا الفِعْلِ والتَّمْكِينُ مِنهُ، وكُلُّ المُسْلِمِينَ أوْلِياءٌ في ذَلِكَ.

﴿ ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِن ذُلِّ المَمْلُوكِيَّةِ ﴿ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ﴾ مَعَ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن عِزِّ المالِكِيَّةِ ﴿ ولَوْ أعْجَبَكُمْ ﴾ بِما فِيهِ مِن دَواعِي الرَّغْبَةِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ: المَذْكُورِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴿ يَدْعُونَ إلى النّارِ ﴾ أيِ: الكُفْرِ المُؤَدِّي إلَيْها إمّا بِالقَوْلِ أوْ بِالمَحَبَّةِ والمُخالَطَةِ فَلا تَلِيقُ مُناكَحَتُهُمْ، فَإنْ قِيلَ: كَما أنَّ الكُفّارَ يَدْعُونَ المُؤْمِنِينَ إلى النّارِ كَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ يَدْعُونَهم إلى الجَنَّةِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، أُجِيبُ بَأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَذِرًا عَمّا يَضُرُّهُ في الآخِرَةِ، وأنْ لا يَحُومَ حَوْلَ حِمى ذَلِكَ ويَتَجَنَّبُ عَمّا فِيهِ الِاحْتِمالُ، مَعَ أنَّ النَّفْسَ والشَّيْطانَ يُعاوِنانِ عَلى ما يُؤَدِّي إلى النّارِ، وقَدْ ألِفَتِ الطِّباعُ في الجاهِلِيَّةِ ذَلِكَ - قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - والجُمْلَةُ ..

إلَخْ مُعَلِّلَةٌ لِخَيْرِيَّةِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴿ واللَّهُ يَدْعُو ﴾ بِواسِطَةِ المُؤْمِنِينَ مَن يُقارِبُهم ﴿ إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ ﴾ أيْ: إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ والعَمَلِ الصّالِحِ المُوَصِّلِينَ إلَيْهِما، وتَقْدِيمُ الجَنَّةِ عَلى المَغْفِرَةِ مَعَ قَوْلِهِمُ: التَّخْلِيَةُ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ عَلى التَّحْلِيَةِ لِرِعايَةِ مُقابَلَةِ النّارِ ابْتِداءً ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَدْعُو أيْ: يَدْعُو إلى ذَلِكَ مُتَلَبِّسًا بِتَوْفِيقِهِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ إرْشادُ المُؤْمِنِينَ لِمُقارِبِيهِمْ إلى الخَيْرِ، فَهم أحِقّاءُ بِالمُواصَلَةِ.

﴿ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ 221﴾ لِكَيْ يَتَّعِظُوا أوْ يَسْتَحْضِرُوا مَعْلُوماتِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ - تَعالى - مَرْكُوزَةٌ في العُقُولِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلنُّصْحِ والإرْشادِ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ عاطِفَةٌ، وفُصِلَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ بِـ يَتَفَكَّرُونَ؛ لِأنَّها كانَتْ لِبَيانِ الأحْكامِ والمَصالِحِ والمَنافِعِ والرَّغْبَةِ فِيها الَّتِي هي مَحِلُّ تَصَرُّفِ العَقْلِ والتَّبْيِينِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَناسَبَ التَّفَكُّرَ، وهَذِهِ الآيَةُ بِـ يَتَذَكَّرُونَ؛ لِأنَّها تَذْيِيلٌ لِلْإخْبارِ بِالدَّعْوَةِ إلى الجَنَّةِ والنّارَ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها إلّا النَّقْلُ والتَّبْيِينُ لِجَمِيعِ النّاسِ فَناسَبَ التَّذَكُّرَ.

ومِنَ النّاسِ مَن قَدَّرَ في الآيَةِ مُضافًا؛ أيْ فَرِيقُ اللَّهِ أوْ أوْلِياؤُهُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ تَشْرِيفًا لَهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الضَّمِيرَ في المَعْطُوفِ عَلى الخَبَرِ لِلَّهِ - تَعالى - فَيَلْزَمُ التَّفْكِيكُ مَعَ عَدَمِ الدّاعِي لِذَلِكَ، وأُجِيبُ بِأنَّ الدّاعِيَ كَوَّنَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُعَلِّلَةً لِلْخَيْرِيَّةِ السّابِقَةِ ولا يَظْهَرُ التَّعْلِيلُ بِدُونِ التَّقْدِيرِ، وكَذا لا تَظْهَرُ المُلاءَمَةُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: بِإذْنِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإنَّ تَقْيِيدَ دَعَوْتِهِ - تَعالى - بِإذْنِهِ لَيْسَ فِيهِ حِينَئِذٍ كَثِيرُ فائِدَةٍ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فُسِّرَ (الإذْنُ) وأمْرُ التَّفْكِيكِ سَهْلٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ إقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ لِلتَّشْرِيفِ بِجَعْلِ فِعْلِ الأوَّلِ فِعْلًا لِلثّانِي صُورَةً فَتَتَناسَبُ الضَّمائِرُ - كُما في الكَشْفِ ولا يَخْفى ما فِيهِ - وعَلى العِلّاتِ هو أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المُرادَ ( واللَّهُ يَدْعُو ) عَلى لِسانِ رَسُولِهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى ذَلِكَ فَتَجِبُ إجابَتُهُ بِتَزْوِيجِ أوْلِيائِهِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ مُسْتَدْعِيًا لِاتِّحادِ المَرْجِعِ في الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ خَبَرًا، لَكِنْ يَفُوتُ التَّعْلِيلُ وحُسْنُ المُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ﴿ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ ﴾ وكَذا لَطافَةُ التَّقْيِيدِ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ.

نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وكان يأتي مكة ويخرج منها أناساً من المسلمين كانوا بها سراً من أهل مكة فلما قدم مكة، جاءته امرأة يقال لها عناق، كانت بينهما خلة في الجاهلية، فقالت له: هل لك أن تخلو بي؟

فقال لها: يا عناق إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك، وقد حرمت علينا.

ولكني أسأل رسول الله  ، ثم أتزوجك إن شئت.

فلما رجع إلى رسول الله  سأله عن ذلك، فنزلت هذه الآية: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ، يقول: نكاح أمة مؤمنة خَيْرٌ مِنْ نكاح حرة مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ، أي أعجبكم نكاحها.

وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ، يقول: لا تنكحوا نساءكم المشركين، حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ تزويج مُشْرِكٍ حر.

وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، يعني إلى عمل أهل النار.

وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ، يعني إلى التوحيد والتوبة بِإِذْنِهِ، أي بأمره ويقال: يدعوكم إلى مخالطة المؤمنين، لأن ذلك أوصل إلى الجنة والمغفرة بإذنه، أي بعلمه الذي يعلم أنه أوصل لكم إليها وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ، أي أمره ونهيه في أمر التزويج.

لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، ينتهون عن المعاصي والنكاح الحرام.

ويقال: إن رجلا من الأنصار أعتق جارية له، فأراد رجل من قريش أن يتزوجها فعيّروه بذلك، فنزلت هذه الآية وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الغَزَّالِيُّ- رحمه اللَّه- تَعَالَى: العَاقِل لا يغفُلُ عن ذكْر الآخرةِ في لَحْظة فإِنها مصيره ومستقرُّه، فيكون لَهُ في كلِّ ما يراه من ماءٍ، أو نارٍ، أو غيرهما عبرةٌ فإن نظر إلى سوادٍ، ذكر ظلمة اللَّحْد، وإِن نَظَر إِلى صورة مروِّعة، تذكَّر مُنْكَراً ونكيراً والزبانيةَ، وإِن سمع صوتاً هائلاً، تذكَّر نفخة الصُّور، وإِنْ رأى شيئاً حسَناً، تذكَّر نعيم الجنَّة، وإِن سمع كلمةَ ردٍّ أو قَبُولٍ، تذكَّر ما ينكشفُ لَهُ من آخر أمره بعد الحسَابِ من ردٍّ أو قبول، ما أجدر أن يكون هذا هو الغالِبَ على قَلْبِ العاقِلِ، لا يصرفُهُ عنه إِلاَّ مُهِمَّاتُ الدنيا، فإِذا نسب مدةَ مُقَامه في الدُّنْيا إِلى مدة مُقَامه في الآخِرة، استحقر الدنيا إِنْ لم يكُنْ أغفل قلبه، وأعميتْ بصيرته.

انتهى من «الإِحياء» .

وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ: قال ابن عبَّاس، وسعيد بن المسيَّب: سبب الآية أن المسلمين لما نزلَتْ: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ...

[الأنعام: ١٥٢] و [الإسراء: ٣٤] الآية، ونزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: ١٠] ، تجنبوا اليتامى وأموالَهم، وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ...

الآية، وأمر اللَّه سبحانه نبيَّه أن يجيب بأن من قصد الإِصلاح في مال اليتيمِ، فهو خيْرٌ، فرفع تعالى المشقَّة، وأباح الخُلْطة في ذلك إِذا قُصِدَ الإِصلاح، ورفْقُ اليتيم «١» .

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ: تحذيرٌ.

وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ، أي: لأتعبكم في تجنُّب أمر اليتامَى، والعَنَتُ: المشقَّة، ومنه عَقَبَةٌ عنوت ومنه: عنت العزبة، وعَزِيزٌ: مقتضاه لا يرد أمره، وحَكِيمٌ: أي: محكم ما ينفذه.

وقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ونَكَح: أصله في الجمَاع، ويستعمل في العَقْد تجوُّزاً.

قالت طائفة: المشركاتُ هنا: من يُشْرِكُ مع اللَّه «١» إِلهاً آخرْ.

وقال قتادة وابْنُ جُبَيْر: الآية عامَّة في كل كَافِرة، وخصَّصتها آية المائدة، ولم يتناوَلِ العمومُ قطُّ الكتابيَّاتِ «٢» ، وقال ابنُ عبَّاس، والحسن: تناولهن العمومُ، ثم نَسَخَتْ آيةُ المائدة بَعْضَ العمومِ في الكتابيَّات «٣» ، وهو مذهب مالكٍ- رحمه اللَّه- ذكره ابن حَبِيبٍ.

وقوله تعالى: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ...

الآية.

هذا إِخبار من اللَّه سبحانَه ٥٤ ب أن المؤمنة المَمْلُوكة خَيْرٌ من المشركة، وإِن كانت ذاتَ الحَسَب والمَالِ، ولو أعجبتْكم/ في الحُسْن وغير ذلك، هذا قول الطَّبَرِيِّ وغيره.

وقوله سبحانه: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ...

الآية: أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجْهٍ لما في ذلك من الغَضَاضَةِ على دين الإِسلام.

قال بعض العلماء: إِن الولايةَ في النكاحِ نصٌّ في هذه الآية، قلت: ويعني ببعض العلماءِ محمَّدَ بْنَ عليِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قاله ابنُ العَرَبِيِّ «٤» .

انتهى.

ولَعَبْدٌ مُؤمنٌ مملوكٌ خَيْرٌ من مشركٍ حسيبٍ، ولو أعجبكم حُسْنُه ومالُهُ حسبما تقدَّم.

قال ع «٥» : وتحتمل الآية عنْدي أن يكون ذكْر العَبْدِ والأمةِ عبارةً عن جميع الناسِ حُرِّهم ومملوكِهِم إِذْ هم كلُّهم عبيده سُبْحَانه.

وقوله تعالى: أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، أي: بصحبتهم، ومعاشرتهم، والاِنحطاطُ في كثيرٍ من أهوائهم، واللَّه عزَّ وجلَّ مُمِنٌّ بالهداية، ويبيِّنُ الآياتِ، ويحضُّ على الطاعات

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: مِرْثَدُ بْنُ أبِي مِرْثَدٍ بَعَثَهُ النَّبِيُّ،  ، إلى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِها أسْرى، فَلَمّا قَدِمَها سَمِعَتْ بِهِ امْرَأةٌ يُقالُ لَها: عِناقُ، وكانَتْ خَلِيلَةً لَهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسْلَمَ أعْرَضَ عَنْها، فَأتَتْهُ فَقالَتْ: ويْحَكَ يا مِرْثَدُ: ألا تَخْلُو؟

فَقالَ: إنَّ الإسْلامَ قَدْ حالَ بَيْنِي وبَيْنَكَ، ولَكِنْ إنْ شِئْتَ تَزَوَّجْتُكَ، إذا رَجَعْتَ إلى رَسُولِ اللَّهِ،  ، اسْتَأْذَنْتَهُ في ذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُ: أبِي تَتَبَرَّمُ؟!

واسْتَغاثَتْ عَلَيْهِ، فَضَرَبُوهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، ثُمَّ خَلُّوا سَبِيلَهُ، فَلَمّا قَضى حاجَتَهُ بِمَكَّةَ رَجَعَ إلى النَّبِيِّ،  ، فَسَألَهُ: أتُحِلُّ لِي أنْ أتَزَوَّجَها؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وذَكَرَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّهُ أبُو مِرْثَدٍ الغَنَوِيُّ.

والثّانِي: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ كانَتْ لَهُ أمَةٌ سَوْداءُ، وأنَّهُ غَضِبَ عَلَيْها فَلَطَمَها، ثُمَّ فَزِعَ، فَأتى النَّبِيَّ،  ، فَأُخْبَرَهُ خَبَرَها؛ [فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : "ما هي يا عَبْدَ اللَّهِ" ] فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: هي تَصُومُ وتُصَلِّي وتُحْسِنُ الوُضُوءَ، وتَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: "يا عَبْدَ اللَّهِ: هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ" .

فَقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأُعْتِقَنَّها ولَأتَزَوَّجَنَّها فَفَعَلَ، فَعابَهُ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقالُوا: أنَكَحَ أمَةً، وكانُوا يَرْغَبُونَ في نِكاحِ المُشْرِكاتِ رَغْبَةً في أحْسابِهِنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قِصَّةَ عِناقٍ وأبا مِرْثَدٍ كانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ﴾ وقِصَّةُ ابْنِ رَواحَةَ كانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ﴾ .

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ المُفَضَّلُ: أصْلُ النِّكاحِ: الجِماعُ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ لِلْعَقْدِ: نِكاحٌ.

وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نِكاحَ المُشْرِكاتِ عَقْدًا ووَطْءً.

وَفِي "المُشْرِكاتِ" هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُمُّ الكِتابِيّاتِ وغَيْرِهِنَّ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الوَثَنِيّاتِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ.

وَفِي المُرادِ بِالأمَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها المَمْلُوكَةُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولَنِكاحُ أمَةٍ مُؤْمِنَةٍ خَيْرٌ مِن نِكاحِ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ.

والثّانِي: أنَّها المَرْأةُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً، كَما يُقالُ: هَذِهِ أمَةُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، والأوَّلُ أصَحُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أعْجَبَتْكُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِجَمالِها وحُسْنِها.

والثّانِي: بِحَسَبِها ونَسَبِها.

* فَصْلٌ اخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ القائِلُونَ بِأنَّ المُشْرِكاتِ الوَثَنِيّاتِ: هي مُحْكَمَةٌ، وزَعَمَ بَعْضُ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، وإنَّ جَحَدُوا بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنا.

قالَ شَيْخُنا: وهو قَوْلٌ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ حَقِيقَةَ الشِّرْكِ ثابِتَةٌ في حَقِّهِمْ حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّ كُفْرَهم بِمُحَمَّدٍ  ، يُوجِبُ أنْ يَقُولُوا: إنَّ ما جاءَ بِهِ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإضافَةُ ذَلِكَ إلى غَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ.

فَأمّا القائِلُونَ بِأنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكاتِ، فَلَهم في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ بَعْضَ حُكْمِها مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ  ﴾ وبَقِيَ الحُكْمُ في غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ مُحْكَمًا.

والثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ مَنسُوخَةً، ولا ناسِخَةً، بَلْ هي عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكاتِ، وما أُخْرِجَ عَنْ عُمُومِها مِن إباحَةِ كافِرَةٍ؛ فَلِدَلِيلٍ خاصٍّ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ  ﴾ ؛ فَهَذِهِ خَصَّصَتْ عُمُومَ تِلْكَ مِن غَيْرِ نَسْخٍ، وعَلى هَذا عامَّةُ الفُقَهاءِ.

وقَدْ رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهم عُثْمانُ، وطَلْحَةُ، وحُذَيْفَةُ، وجابِرٌ، وابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ: لا تُزَوِّجُوهم بِمُسْلِمَةٍ حَتّى يُؤْمِنُوا؛ والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أعْجَبَكُمْ ﴾ مِثْلُ الكَلامِ في أوَّلِ الآَيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ﴾ ؛ قَرَأ الجُمْهُورُ بِخَفْضِ "المَغْفِرَةِ" وقَرَأ الحَسَنُ، والقَزّازُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، بِرَفْعِها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِي الدُنْيا والآخِرَةِ ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللهُ لأعْنَتَكم إنَّ اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النارِ واللهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ قَوْلُهُ قَبْلُ: "فِي الدُنْيا" ابْتِداءُ آيَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَعَلُّقُهُ، وكَوْنُ "تَتَفَكَّرُونَ" مَوْقِفًا يُقَوِّي تَعَلُّقَ "فِي الدُنْيا" بِـ "الآياتِ".

وقَرَأ طاوُسٌ: "قُلْ أصْلَحُ لَهم خَيْرٌ".

وسَبَبُ الآيَةِ فِيما قالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ، أنَّ العَرَبَ كانَتْ عادَتُهم أنْ يَتَجَنَّبُوا مالَ اليَتِيمِ، ولا يُخالِطُوهُ في مَأْكَلٍ ولا مَشْرَبٍ ولا شَيْءٍ، فَكانَتْ تِلْكَ مَشَقَّةً عَلَيْهِمْ، فَسَألُوا عنهُ رَسُولَ اللهِ  .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: سَبَبُها أنَّ المُسْلِمِينَ؛ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ  ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا  ﴾ تَجَنَّبُوا اليَتامى وأمْوالَهُمْ، وعَزَلُوهم عن أنْفُسِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ ﴾ الآيَةُ.

وقِيلَ: إنَّ السائِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ، وأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ مَن قَصَدَ الإصْلاحَ في مالِ اليَتِيمِ فَهو خَيْرٌ، وما فُعِلَ بَعْدَ هَذا المَقْصِدِ مِن مُخالَطَةٍ وانْبِساطٍ بِعِوَضٍ مِنهُ فَلا حَرَجَ، ورَفَعَ تَعالى المَشَقَّةَ في تَجَنُّبِ اليَتِيمِ ومَأْكَلِهِ ومَشْرَبِهِ، وأباحَ الخُلْطَةَ في ذَلِكَ، إذا قَصَدَ الإصْلاحَ ورُفْقَ اليَتِيمِ.

مِثالُ ذَلِكَ أنْ يَكْتَفِيَ اليَتِيمُ -دُونَ خُلْطَةٍ- بِقَدْرِ ما في الشَهْرِ، فَإنْ دَعَتْ خُلْطَةُ الوَلِيِّ إلى أنْ يُزادَ في ذَلِكَ القَدْرِ فَهي مُخالَطَةُ فَسادٍ، وإنْ دَعَتْ إلى الحَطِّ مِن ذَلِكَ القَدْرِ فَهي مُخالَطَةُ إصْلاحٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإخْوانُكُمْ ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ.

وقَوْلُهُ ﴿ واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ﴾ تَحْذِيرٌ.

والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، مِنهُ عَنَتُ العَزَبَةِ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ.

أيْ: شاقَّةٌ، وعَنَتَ البَعِيرُ إذا انْكَسَرَ بَعْدَ جَبْرٍ.

فالمَعْنى: لِأُتْعِبَكم في تَجَنُّبِ أمْرِ اليَتامى، ولَكِنَّهُ خَفَّفَ عنكم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى لِأُوبِقَكم بِما سَلَفَ مِن نَيْلِكم مِن أمْوالِ اليَتامى.

و"عَزِيزٌ": مُقْتَضاهُ لا يُرَدُّ أمْرُهُ، و"حَكِيمٌ" أيْ مُحْكَمٌ ما يُنَفِّذُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَنْكِحُوا" بِفَتْحِ التاءِ، وقُرِئَتْ في الشاذِّ بِالضَمِّ كَأنَّ المُتَزَوِّجَ لَها أنْكَحَها مِن نَفْسِهِ.

ونَكَحَ أصْلُهُ الجِماعُ، ويُسْتَعْمَلُ في التَزَوُّجِ تَجُوُّزًا واتِّساعًا.

وَقالَتْ طائِفَةٌ: "المُشْرِكاتِ" هُنا مَن يُشْرِكُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ، فَلَمْ تَدْخُلِ اليَهُودِيّاتُ ولا النَصْرانِيّاتُ في لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ ولا في مَعْناها.

وسَبَبُها قِصَّةُ أبِي مَرْثَدٍ كِنازِ بْنِ حَصِينٍ مَعَ عِناقِ الَّتِي كانَتْ بِمَكَّةَ.

وقالَ قَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَفْظُ الآيَةِ العُمُومُ في كُلِّ كافِرَةٍ، والمُرادُ بِها الخُصُوصُ أيْ غَيْرُ الكِتابِيّاتِ، وبَيَّنَتِ الخُصُوصَ آيَةُ المائِدَةِ، ولَمْ يَتَناوَلْ قَطُّ الكِتابِيّاتِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ: تَناوَلَهُنَّ العُمُومُ ثُمَّ نَسَخَتْ آيَةُ سُورَةِ المائِدَةِ بَعْضَ العُمُومِ في الكِتابِيّاتِ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.

ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.

وقالَ: ونِكاحُ اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ، وإنْ كانَ قَدْ أحَلَّهُ اللهُ؛ مُسْتَثْقَلٌ مَذْمُومٌ، وكَرِهَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَزَوُّجَ الحَرْبِيّاتِ لِعِلَّةِ تِرْكِ الوَلَدِ في دارِ الحَرْبِ، ولِتَصْرِفَها في الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وأباحَ نِكاحَ الكِتابِيّاتِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وطَلْحَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وابْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ، وطاوُوسٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والزُهْرِيُّ، والشافِعِيُّ، وعَوامُّ أهْلِ المَدِينَةِ والكُوفَةِ.

ومِنهُ مالِكٌ، والشافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ، والأوزاعِيُّ، وإسْحاقُ، نِكاحُ المَجُوسِيَّةِ.

وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لا يُعْجِبُنِي.

ورُوِيَ أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً.

وقالَ ابْنُ الفَصّارِ.

قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: يَجِبُ -عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ أنَّ لَهم كِتابًا- أنْ تَجُوزَ مُناكَحَتُهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: إنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في الوَثَنِيّاتِ والمَجُوسِيّاتِ والكِتابِيّاتِ، وكُلُّ مَن كانَ عَلى غَيْرِ الإسْلامِ حَرامٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا هي ناسِخَةٌ لِلْآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ المائِدَةِ، ويَنْظُرُ إلى هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ في المُوَطَّأِ "وَلا أعْلَمُ إشْراكًا أعْظَمَ مِن أنْ تَقُولَ المَرْأةُ رَبَّها عِيسى.

وَرُوِيَ عن عُمَرَ أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وبَيْنَ كِتابِيَّتَيْنِ وقالا: نُطَلِّقُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ولا تَغْضَبُ، فَقالَ: لَوْ جازَ طَلاقُكُما لَجازَ نِكاحُكُما، ولَكِنْ أفَرَّقَ بَيْنَكُما صِغْرَةُ قَمْأةٍ، وهَذا لا يَسْتَنِدُ جَيِّدًا، وأسْنَدَ مِنهُ أنَّ عُمَرَ أرادَ التَفْرِيقَ بَيْنَهُما فَقالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أتَزْعُمُ أنَّها حَرامٌ فَأُخْلِي سَبِيلَها يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟

فَقالَ: لا أزْعُمُ أنَّها حَرامٌ، ولَكِنِّي أخافُ أنْ تَعاطَوُا المُومِساتِ مِنهُنَّ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ ﴾ إخْبارٌ أنَّ المُؤْمِنَةَ المَمْلُوكَةَ خَيْرٌ مِنَ المُشْرِكَةِ، وإنْ كانَتْ ذاتَ الحَسَبِ والمالِ، ولَوْ أعْجَبَتْكم في الحُسْنِ وغَيْرِ ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ وغَيْرِهِ.

وقالَ السُدِّيُّ: «نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ ؛ كانَتْ لَهُ أمَةً سَوْداءَ فَلَطَمَها في غَضَبٍ، ثُمَّ نَدِمَ فَأتى النَبِيَّ  فَأخْبَرَهُ وقالَ: هي تَصُومُ وتُصَلِّي وتَشْهَدُ الشَهادَتَيْنِ.

فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ" فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ لَأُعْتِقَنَّها ولَأتَزَوَّجَنَّها، فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ ناسٌ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ».

ومالكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- لا يَجُوزُ عِنْدَهُ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ.

وقالَ أشْهَبُ في كِتابِ مُحَمَّدٍ فِيمَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ أمَةٌ كِتابِيَّةٌ: إنَّهُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُما.

ورَوى ابْنُ وهْبٍ وغَيْرُهُ عن مالِكٍ أنَّ الأمَةَ المَجُوسِيَّةَ لا يَجُوزُ أنْ تُوطَأ بِمِلْكِ اليَمِينِ.

وَأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ يُجِيزُونَ نِكاحَ الإماءِ الكِتابِيّاتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ﴾ الآيَةُ.

أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ لا يَطَأُ المُؤْمِنَةَ بِوَجْهٍ، لِما في ذَلِكَ مِنَ الغَضاضَةِ عَلى دِينِ الإسْلامِ، والقُرّاءُ عَلى ضَمِّ التاءِ مِن "تَنْكِحُوا".

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الوِلايَةَ في النِكاحِ نَصٌّ في لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ مَمْلُوكٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ حَسِيبٌ، ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُ ومالُهُ حَسْبَما تَقَدَّمَ.

ولَيْسَ التَفْضِيلُ هُنا بِلَفْظَةِ "خَيْرٌ" مِن جِهَةِ الإيمانِ فَقَطْ لِأنَّهُ لا اشْتِراكَ مِن جِهَةِ الإيمانِ، لَكِنَّ الِاشْتِراكَ مَوْجُودٌ في المُعاشَرَةِ والصُحْبَةِ ومِلْكِ العِصْمَةِ وغَيْرِ شَيْءٍ.

وهَذا النَظَرُ هو عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في أنَّ لَفْظَةَ أفْعَلَ الَّتِي هي لِلتَّفْضِيلِ لا تَصِحُّ حَيْثُ لا اشْتِراكَ.

كَقَوْلِكَ: الثَلْجُ أبْرَدُ مِنَ النارِ، والنُورُ أضْوَأُ مِنَ الظُلْمَةِ.

وقالَ الفَرّاءُ، وجَماعَةٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ: تَصِحُّ لَفْظَةُ أفْعَلَ حَيْثُ الِاشْتِراكُ، وحَيْثُ لا اشْتِراكَ.

وحَكى مَكِّيُّ عن نِفْطَوَيْهِ أنَّ لَفْظَةَ التَفْضِيلِ تَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ إيجابًا لِلْأوَّلِ ونَفْيًا عَنِ الثانِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذِكْرُ العَبْدِ والأمَةِ عِبارَةً عن جَمِيعِ الناسِ حُرِّهِمْ ومَمْلُوكِهِمْ، كَما قالَ  : «لا تَمْنَعُوا إماءَ اللهِ مَساجِدَ اللهِ»، وكَما نَعْتَقِدُ أنَّ الكُلَّ عَبِيدُ اللهِ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ  ﴾ فَكَأنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ "وَلامْرَأةٍ ولِرَجُلٍ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" الإشارَةُ إلى المُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ، أيْ أنَّ صُحْبَتَهم ومُعاشَرَتَهم تُوجِبُ الِانْحِطاطَ في كَثِيرٍ مِن هَواهم مَعَ تَرْبِيَتِهِمُ النَسْلَ، فَهَذا كُلُّهُ دُعاءٌ إلى النارِ، مَعَ السَلامَةِ مِن أنْ يَدْعُوَ إلى دِينِهِ نَصًّا مِن لَفْظِهِ، واللهُ تَعالى يَمُنُّ بِالهِدايَةِ ويُبَيِّنُ الآياتِ، ويَحُضُّ عَلى الطاعاتِ الَّتِي هي كُلُّها دَواعٍ إلى الجَنَّةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمَغْفِرَةُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

والإذْنُ: العِلْمُ والتَمْكِينُ فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ أمْرٌ فَهو أقْوى مِنَ الإذْنِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أذِنْتُ كَذا، فَلَيْسَ يَلْزَمُكَ أنَّكَ أمَرْتَ.

و"لَعَلَّهُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، ومَن تَذَكَّرَ؛ عَمِلَ حَسَبَ التَذَكُّرِ فَنَجا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كان المسلمون أيام نزول هذه السورة ما زالوا مختلطين مع المشركين بالمدينة وما هم ببعيد عن أقربائهم من أهل مكة فربما رغب بعضهم في تزوج المشركات أو رغب بعض المشركين في تزوج نساء مسلمات فبين الله الحكم في هذه الأحوال، وقد أوقع هذا البيان بحكمته في أرشق موقعه وأسعده به وهو موقع تعقيب حكم مخالطة اليتامى، فإن للمسلمين يومئذٍ أقاربَ وموالي لم يزالوا مشركين ومنهم يتامى فقَدوا آباءهم في يوم بدر وما بعده فلما ذكر الله بيان مخالطة اليتامى، وكانت المصاهرة من أعظم أحوال المخالطة تطلعت النفوس إلى حكم هاته المصاهرة بالنسبة للمشركات والمشركين، فعطف حكم ذلك على حكم اليتامى لهاته المناسبة.

روى الواحدي وغيره من المفسرين أن سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا مَرْثَد الغَنَوي ويقال مَرْثدا بن أبي مَرْثد واسمه كنَّاز بن حُصَين وكان حليفاً لبني هاشم فبعثه إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من المسلمين فسمعت بقدومه امرأة يقال لها عَنَاق وكانت خليلة له في الجاهلية فأتتْه فقالت: ويحك يا مَرثد ألا تخلو؟

فقال: إن الإسلام حَرَّم ما كان في الجاهلية فقالت: فتزوجني قال: حتى أستأذن رسول الله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها، لأنها مشركة فنزلت هذه الآية بسببه.

والنكاح في كلام العرب حقيقة في العقد على المرأة، ولذلك يقولون نكح فلان فلانة ويقولون نكحت فلانة فلاناً فهو حقيقة في العقد، لأن الكثرة من أمارات الحقيقة وأما استعماله في الوطء فكناية، وقيل هو حقيقة في الوطء مجاز في العقد.

واختاره فقهاء الشافعية وهو قول ضعيف في اللغة، وقيل حقيقة فيهما فهو مشترك وهو أضعف.

قالوا ولم يرد في القرآن إلاّ بمعنى العقد فقيل إلاّ في قوله تعالى: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ [البقرة: 230]، لأنه لا يكفي العقد في تحليل المبتوتة حتى يبني بها زوجها كما في حديث زوجة رفاعة ولكن الأصوبُ أن تلك الآية بمعنى العقد وإنما بينت السنة أنه لا بد مع العقد من الوطء وهذا هو الظاهر، والمنع في هذه الآية متعلق بالعقد بالاتفاق.

والمشرك في لسان الشرع من يدين بتعدد آلهة مع الله سبحانه، والمراد به في مواضعه من القرآن مشركو العرب الذين عبدوا آلهة أخرى مع الله تعالى ويقابلهم في تقسيم الكفار أهلُ الكتاب وهم الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه ولكنهم أنكروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونص هذه الآية تحريم تزوج المسلم المرأةَ المشركة وتحريم تزويج المسلمة الرجلَ المشركَ فهي صريحة في ذلك، وأما تزوج المسلم المرأة الكتابية وتزويج المسلمة الرجلَ الكتابي فالآية ساكتة عنه، لأن لفظ المشرك لقب لا مفهوم له إلاّ إذا جَرى على موصوف كما سنبينه عند قوله تعالى: ﴿ خير من مشرك ﴾ ، وقد أذن القرآن بجواز تزوج المسلم الكتابية في قوله: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ [المائدة: 5] في سورة العقود فلذلك قال جمهور العلماء بجواز تزوج المسلم الكتابية دون المشركة والمجوسية وعلى هذا الأئمة الأربعة والأوزاعي والثوري، فبقي تزويج المسلمة من الكتابي لا نص عليه ومنعه جميع المسلمين إما استناداً منهم إلى الاقتصار في مقام بيان التشريع وإما إلى أدلة من السنة ومن القياس وسنشير إليه أو من الإجماع وهو أظهر.

وذهبت طوائف من أهل العلم إلى الاستدلال لفقه هذه المسألة بطريقة أخرى فقالوا أهل الكتاب صاروا مشركين لقول اليهود عزير ابن الله ولقول النصارى المسيح ابن الله وأبوة الإله تقتضي ألوهية الابن، وإلى هذا المعنى جنح عبد الله بن عمر ففي «الموطأ» عنه «لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى» ولكن هذا مسلك ضعيف جداً، لأن إدخال أهل الكتاب في معنى المشركين بعيد عن الاصطلاح الشرعي، ونزلت هذه الآية وأمثالها وهو معلوم فاش، ولأنه إذا تم في النصارى باطراد فهو لا يتم في اليهود، لأن الذين قالوا عزير ابن الله إنما هم طائفة قليلة من اليهود وهم أتباع (فنحاص) كما حكاه الفخر فإذا كانت هذه الآية تمنع أن يتزوج المسلم امرأة يهودية أو نصرانية وأن يزوج أحد من اليهود والنصارى مسلمة فإن آية سورة العقود خصصت عموم المنع بصريح قوله: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ [المائدة: 5]، وقد علم الله قولهم المسيح ابن الله وقول الآخرين عزير ابن الله فبقي تزويج المسلمة إياهم مشمولاً لعموم آية البقرة، وهذا مسلك سلكه بعض الشافعية.

ومن علماء الإسلام من كره تزوج الكتابية وهو قول مالك في رواية ابن حبيب وهو رواية عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى حذيفة بن اليمان وقد بلغه أنه تزوج يهودية أو نصرانية أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة أتزعم أنها حرام؟

فقال عمر: لا ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن.

وقال شذوذ من العلماء بمنع تزوج المسلم الكتابية، وزعموا أن آية سورة العقود نسختها آية سورة البقرة، ونقل ذلك عن ابن عمر وابن عباس وفي رواية ضعيفة عن عمر بن الخطاب أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية تزوجها وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية تزوجها، فقالا له نُطلِّق يا أمير المؤمنين ولا تَغْضَبْ فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما، ولكنْ أفرق بينكما صُغْرَةً وقَماءَةً، قال ابن عطية وهذا لا يسند جيداً والأثر الآخر عن عمر أسندُ منه، وقال الطبري هو مخالف لما أجمعت عليه الأمة وقد روي عن عمر بن الخطاب من القول بخلاف ذلك ما هو أصح منه وإنما كره عمر لهما تزوجهما حذراً من أن يقتدي بهما الناس فيزهدوا في المسلمات.

و ﴿ حتى يؤمن ﴾ غاية للنهي فإذا آمنَّ زال النهي ولذلك إذا أسلم المشرك ولم تسلم زوجته تبين منه إلاّ إذا أسلمت عقب إسلامه بدون تأخير.

وقوله: ﴿ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ﴾ تنبيه على دناءة المشركات وتحذير من تزوجهن ومن الاغترار بما يكون للمشركة من حسب أو جمال أو مال وهذه طرائق الإعجاب في المرأة المبالغ عليه بقوله: ﴿ ولو أعجبكم ﴾ وأن من لم يستطع تزوج حرة مؤمنة فليتزوج أمة مؤمنة خير له من أن يتزوج حرة مشركة، فالأمة هنا هي المملوكة، والمشركة الحرة بقرينة المقابلة بقوله: ﴿ ولأمة مؤمنة ﴾ فالكلام وارد مورد التناهي في تفضيل أقل أفراد هذا الصنف على أتم أفراد الصنف الآخر، فإذا كانت الأمة المؤمنة خيراً من كل مشركة فالحرة المؤمنة خير من المشركة بدلالة فحوى الخطاب التي يقتضيها السياق، ولظهور أنه لا معنى لتفضيل الأمة المؤمنة على الأمة المشركة فإنه حاصل بدلالة فحوى الخطاب لا يشك فيه المخاطبون المؤمنون ولقوله: ﴿ ولو أعجبكم ﴾ فإن الإعجاب بالحرائر دون الإماء.

والمقصود من التفضيل في قوله: ﴿ خير ﴾ التفضيل في المنافع الحاصلة من المرأتين؛ فإن في تزوج الأمة المؤمنة منافع دينية وفي الحرة المشركة منافع دنيوية ومعاني الدين خير من أعراض الدنيا المنافية للدين فالمقصود منه بيان حكمة التحريم استئناساً للمسلمين.

ووقع في «الكشاف» حمل الأمة على مطلق المرأة، لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده وأصله منقول عن القاضي أبي الحسن الجرجاني كما في القرطبي وهذا باطل من جهة المعنى ومن جهة اللفظ، أما المعنى فلأنه يصير تكراراً مع قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة، ويُفيت المقصود من التنبيه على شرففِ أقلِّ أَفرادِ أحد الصنفين على أشرَف أفراد الصنف الآخر، وأما من جهة اللفظ فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة، ولا إطلاق العبد على الرجل إلاّ مقيَّدين بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم يا عبدَ الله ويا أمةَ الله، وكونُ الناس إماءَ الله وعبيدَه إنما هو نظر للحقائق لا للاستعمال، فكيف يخرَّج القرآن عليه.

وضمير ﴿ ولو أعجبتكم ﴾ يعود إلى المشركة، و(لو) وصلية للتنبيه على أقصى الأحوال التي هي مظنة تفضيل المشركة، فالأمة المؤمنة أفضل منها حتى في تلك الحالة وقد مضى القول في موقع لو الوصلية والواو التي قبلها والجملة التي بعدها عند قوله تعالى: ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ﴾ [البقرة: 170].

وقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ﴾ تحريم لتزويج المسلمة من المشرك، فإن كان المشرك محمولاً على ظاهره في لسان الشرع فالآية لم تتعرض لحكم تزويج المسلمة من الكافر الكتابي فيكون دليل تحريم ذلك الإجماعَ وهو إما مستند إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر بينهم، وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية كقوله تعالى: ﴿ فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ﴾ [الممتحنة: 10] فعلق النهي بالكفر وهو أعم من الشرك وإن كان المراد حينئذٍ المشركين، وكقوله تعالى هنا: ﴿ أولئك يدعون إلى النار ﴾ كما سنبينه.

وقوله: ﴿ حتى يؤمنوا ﴾ غاية للنهي، وأخذ منه أن الكافر إذا أسلمت زوجته يفسخ النكاح بينهما ثم إذا أسلم هو كان أحق بها ما دامت في العدة.

وقوله: ﴿ ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ﴾ هو كقوله: ﴿ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ﴾ وأن المراد به المملوك وليس المراد الحر المشرك وقد تقدم ذلك.

وقوله: ﴿ أولئك يدعون إلى النار ﴾ الإشارة إلى المشركات والمشركين، إذ لا وجه لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلوحيته للعود إلى الجميع، والواو في ﴿ يدعون ﴾ واو جماعة الرجال ووزنه يفعون، وغُلِّب فيه المذكر على المؤنث كما هو الشائع، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتعليل النهي عن نكاح المشركات وإنكاح المشركين، ومعنى الدعاء إلى النار الدعاء إلى أسبابها فإسناد الدعاء إليهم حقيقة عقلية، ولفظ النار مجاز مرسل أطلق على أسباب الدخول إلى النار فإن ما هم عليه يجر إلى النار من غير علم، ولما كانت رابطة النكاح رابطة اتصال ومعاشرة نهي عن وقوعها مع من يدعون إلى النار خشية أن تؤثر تلك الدعوة في النفس، فإن بين الزوجين مودة وإلفاً يبعثان على إرضاء أحدهما الآخر ولما كانت هذه الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون الله ولا يؤمنون بالرسل، كان البون بينهم وبين المسلمين في الدين بعيداً جداً لا يجمعهم شيء يتفقون عليه، فلم يبح الله مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين.

أما أهل الكتاب فيجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله وانفراده بالخلق والإيمان بالأنبياء ويفرق بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويفرق بيننا وبين اليهود الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديق عيسى، فأباح الله تعالى للمسلم أن يتزوج الكتابية ولم يبح تزوج المسلمة من الكتابي اعتداداً بقوة تأثير الرجل على امرأته، فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية وبصحة دينها قبل النسخ فيوشك أن يكون ذلك جالباً إياها إلى الإسلام، لأنها أضعف منه جانباً وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يجرها إلى دينه، لذلك السبب وهذا كان يجيب به شيخنا الأستاذ سالم أبو حاجب عن وجه إباحة تزوج الكتابية ومنع تزوج الكتابي المسلمة.

وقوله: ﴿ والله يدعوا إلى الجنة ﴾ الآية أي إن الله يدعو بهذا الدين إلى الجنة فلذلك كانت دعوة المشركين مضادة لدعوة الله تعالى، والمقصود من هذا تفظيع دعوتهم وأنها خلاف دعوة الله، والدعاء إلى الجنة والمغفرة دعاء لأسبابهما كما تقدم في قوله: ﴿ يدعون إلى النار ﴾ .

والمغفرة هنا مغفرة ما كانوا عليه من الشرك.

وقوله: ﴿ بإذنه ﴾ الإذن فيه إما بمعنى الأمر كما هو الشائع فيكون بإذنه ظرفاً مستقراً حالاً من (الجنة) والمغفرة أي حاصلتين بإذنه أي إرادته وتقديره بما بين من طريقهما.

ومن المفسرين من حمل الإذن على التيسير والقضاء والباء على أنها ظرف لغو فرأى هذا القيد غير جزيل الفائدة فتأوَّل قوله: ﴿ والله يدعوا ﴾ بمعنى وأولياء الله يدعون وهم المؤمنون.

وجملة ﴿ ويبين ﴾ معطوفة على ﴿ يدعو ﴾ يعني يدعو إلى الخير مع بيانه وإيضاحه حتى تتلقاه النفوس بمزيد القبول وتمام البصيرة فهذا كقوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ [البقرة: 219] ففيها معنى التذييل وإن كانت واردة بغير صيغته.

ولعل مستعملة في مثله مجاز في الحصول القريب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها في جَمِيعِ المُشْرِكاتِ الكِتابِيّاتِ وغَيْرِ الكِتابِيّاتِ، وأنَّ حُكْمَها غَيْرُ مَنسُوخٍ، فَلا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أنْ يَنْكِحَ مُشْرِكَةً أبَدًا، وذُكِرَ أنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ نَكَحَ يَهُودِيَّةً، ونَكَحَ حُذَيْفَةُ نَصْرانِيَّةً، فَغَضِبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتّى كادَ يَبْطِشُ بِهِما، فَقالا: نَحْنُ نُطَلِّقُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ولا تَغْضَبْ، فَقالَ: لَئِنْ حَلَّ طَلاقُهُنَّ لَقَدْ حَلَّ نِكاحُهُنَّ، ولَكِنْ يَنْزِعْنَ مِنكم صَغَرَةً قَمْأةً.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ مُرادًا بِها مُشْرِكاتُ العَرَبِ، ومَن دانَ دِينَ أهْلِ الكِتابِ، وأنَّها ثابِتَةٌ لَمْ يُنْسَخْ شَيْءٌ مِنها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكاتِ، وقَدْ نُسِخَ مِنهُنَّ الكِتابِيّاتُ، بِقَوْلِهِ تَعالى في المائِدَةِ: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وقَدْ رَوى الصَّلْتُ بْنُ بَهْرامَ، عَنْ سُفْيانَ قالَ: تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَهُودِيَّةً، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، خَلِّ سَبِيلَها، فَكَتَبَ إلَيْهِ: أتَزْعُمُ أنَّها حَرامٌ فَأُخْلِيَ سَبِيلَها؟

فَقالَ: لا أزْعُمُ أنَّها حَرامٌ، ولَكِنِّي أخافُ أنْ تُقاطِعُوا المُؤْمِناتِ مِنهُنَّ، والمُرادُ بِالنِّكاحِ التَّزْوِيجُ، وهو حَقِيقَةٌ في اللُّغَةِ، وإنْ كانَ مَجازًا في الوَطْءِ، قالَ الأعْشى: ولا تَقْرَبَنَّ جارَةً إنَّ سِرَّها عَلَيْكَ حَرامٌ فانْكِحَنَّ أوْ تَأبَّدا أيْ فَتَزَوَّجْ أوْ تَعَفَّفْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ﴾ يَعْنِي: ولَنِكاحُ أمَةٍ مُؤْمِنَةٍ، خَيْرٌ مِن نِكاحِ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ مِن غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ وإنْ شَرُفَ نَسَبُها وكَرُمَ أصْلُها، قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، كانَتْ لَهُ أمَةٌ سَوْداءُ، فَلَطَمَها في غَضَبٍ، ثُمَّ نَدِمَ، فَأتى النَّبِيَّ  فَأخْبَرَهُ فَقالَ: (ما هي يا عَبْدَ اللَّهِ؟) قالَ: تَصُومُ، وتُصَلِّي، وتُحْسِنُ الوُضُوءَ، وتَشْهَدُ الشَّهادَتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: (هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ) .

فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: لَأعْتِقَنَّها ولَأتَزَوَّجُها، فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذا.

» ﴿ وَلَوْ أعْجَبَتْكُمْ ﴾ يَعْنِي جَمالَ المُشْرِكَةَ وحَسَبَها ومالَها.

﴿ وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ﴾ هَذا عَلى عُمُومِهِ إجْماعًا، لا يَجُوزُ لِمُسْلِمَةٍ أنْ تَنْكِحَ مُشْرِكًا أبَدًا.

رَوى الحَسَنُ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (نَتَزَوَّجُ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ ولا يَتَزَوَّجُونَ نِساءَنا)» وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أوْلِياءَ المَرْأةِ أحَقُّ بِتَزْوِيجِها مِنَ المَرْأةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن مقاتل بن حبان قال: «نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في عناق أن يتزوجها وكانت ذا حظ من جمال، وهي مشركة وأبو مرثد يومئذ مسلم.

فقال: يا رسول الله إنها تعجبني.

فأنزل الله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ قال: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب، فقال: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ [ المائدة: 5] .

وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ قال: نسخ من ذلك نكاح نساء أهل الكتاب أحلهن للمسلمين وحرم المسلمات على رجالهم.

وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ قال: نسخت وأحل من المشركات نساء أهل الكتاب.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ [ المائدة: 5] فنكح الناس نساء أهل الكتاب.

وأخرج وكيع وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ قال: يعني أهل الأوثان.

وأخرج آدم وعبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ قال: نساء أهل مكة من المشركين، ثم أحل منهم نساء أهل الكتاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ قال: مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب.

وأخرج عبد بن حميد عن حماد قال: سألت إبراهيم عن تزويج اليهودية والنصرانية، فقال: لا بأس به.

فقلت: أليس الله يقول ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ ؟

قال: إنما ذاك المجوسيات وأهل الأوثان.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي عن شقيق قال: تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر خل سبيلها، فكتب إليه أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها؟

فقال: لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه كره نكاح نساء أهل الكتاب، وتأوّل ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ .

وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه عن نافع عن عبد الله بن عمر كان إذا سأل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئاً من الإِشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى أو عبد من عباد الله.

وأما قوله تعالى: ﴿ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ﴾ .

أخرج الواحدي وابن عباس من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الآية ﴿ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ﴾ قال: «نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هي يا عبد الله؟

قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله.

فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة.

فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقها ولأتزوّجها ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم ﴿ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي مثله سواء معضلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ ولأمة مؤمنة ﴾ قال: بلغنا أنها كانت أمة لحذيفة سوداء، فأعتقها وتزوّجها حذيفة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد في مسنده وابن ماجة والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكحوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وانكحوهن على الدين، فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي في سننه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» .

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «إن المرأة تنكح على دينها، ومالها، وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك» .

وأخرج أحمد والبزار وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة على إحدى خصال: لجمالها، ومالها، ودينها، فعليك بذات الدين والخلق تربت يمينك» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تزوّج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلاَّ دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه» .

وأخرج البزار عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عودوا المريض، واتبعوا الجنازة، ولا عليكم أن تأتوا العرس، ولا عليكم أن لا تنكحوا المرأة من أجل حسنها فعل أن لا يأتي بخير، ولا عليكم أن لا تنكحوا المرأة لكثرة مالها فعل مالها أن لا يأتي بخير، ولكن ذوات الدين والأمانة» .

وأما قوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ﴾ .

أخرج ابن جرير عن أبي جعفر محمد بن علي قال: النكاح بوليّ في كتاب الله، ثم قرأ ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ﴾ .

وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي موسى «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا نكاح إلا بوليّ» .

وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن عائشة وابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بوليّ، وفي حديث عائشة: والسلطان ولي من لا ولي له» .

وأخرج الشافعي وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثاً، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن استجرأوا فالسلطان ولي من لا ولي له» .

وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزوّج المرأة المرأة ولا تزوّج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها» .

وأخرج البيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بوليّ وشاهدي عدل» .

وأخرج البيهقي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجوز نكاح إلا بوليّ وشاهدي عدل» .

وأخرج مالك والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان.

وأخرج الشافعي والبيهقي عن ابن عباس قال: لا نكاح إلا بوليّ مرشد وشاهدي عدل.

وأما قوله تعالى: ﴿ ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ﴾ .

أخرج البخاري وابن ماجة عن سهل بن سعد قال: «مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في هذا؟

قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع.

قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: ما تقولون في هذا؟

قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال لا يُستمع.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» .

وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» .

وأخرج الترمذي والبيهقي في سننه عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.

قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟

قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه ثلاث مرات» .

وأخرج الحاكم وصححه عن معاذ الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل إيمانه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ ﴾ الآية، قال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب: الوطء، وقيل للتزُّوج: نِكَاح، لأنه سبب الوطء (١) (٢) (٣) وقال أبو القاسم الزجاجي: النِّكَاح لفظةٌ جاريةٌ في كلام العرب بمعنى الوطء والعَقْدِ جميعًا، وموضوع (ن ك ح) على هذا الترتيب في كلامهم للزوم الشيء الشيء وإكبابه عليه، من ذلك قولهم: نكحَ المطرُ الأرضَ ينكحها نكحًا، إذا واظب عليها ولزمها، ذكر ذلك أبو زيد وابن الأعرابي فيما حكى عنه ثعلب في "الأمالي" (٤) (٥) وقال أبو عمرو الشيباني: نكح النعاس عينه، إذا غَلَبَ ولزم، هذا كلام العرب الصحيح فإذا قالوا: نكح الرجلُ فلانةً، ينكِحُها نَكْحُا ونِكَاحُا، أرادوا: تزوج بها، كما قال الأعشى: فلا تَقَربَنَّ جَارَةً إنَّ سِرَّها ...

عَلَيْكَ حَرَامٌ فانكِحَنْ أو تَأَبَّدا (٦) وهذا الموضح لا يحتمل انكحن إلا الأمر بالعقد والتزوج؛ لأنه قال: لا تقربن جارة، يعني: مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج، وإلا فتأبد في (٧) قال عثمان بن جني (٨) (٩) (١٠) وروى سلم (١١) (١٢) (١٣) التارِكِينَ على طُهْرٍ نِسَاءَهُم ...

والناكحينَ بِشَطَّيْ دِجْلةَ البَقَرَا (١٤) (١٥) (١٦)  ، وقال: يا رسول الله أيحل لي أن أتَزَوجَهَا، فأنزل الله هذه الآية [[ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 190 وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 398، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 906، والواحدي في "أسباب النزول" ص 74، والرازي في "تفسيره" 6/ 58، والحافظ ابن حجر في "الحجاب" 1/ 551، والسيوطي في "لباب النقول" ص 42، وغيرهمِ، وقد ورد عن عبد الله بن عمرو قصة مرثد هذه فنزل قول الله: ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً  ﴾ رواها أبو داود في النكاح، باب: قول الله تعالى: ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ 2/ 227 برقم2051، والترمذي (3177) كتاب التفسير، باب: ومن سورة النور وقال: حسن غريب، والنسائي 6/ 66 كتاب النكاح، باب: تزويج الزانية، والحاكم 1/ 180 وصححه، قال الزيلعي: فظهر أن هذا الحديث ليس في هذه الآية التي في البقرة، إنما هو في الآية التي في النور [تخريج أحاديث "الكشاف"1/ 236]، وقال الحافظ في "الكشاف" 1/ 264 عن آية البقرة.

ونزولها في هذه القصة ليس بصحيح.]].

ومعنى المشركات هاهنا: كل من كفر بالنبي  ، وإن قال: إن الله واحد، وذلك أن من كفر بالنبي (١٧)  فقد زعم أن ما أتى به النبي  من القرآن (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ  ﴾ ثم قال في آخر الآية الثانية: ﴿ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ .

فحرم الله تعالى بهذه الآية نكاح المشركات، ثم استثنى الحرائر الكتابيات بالآية التي في المائدة، وهي قوله: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ فهذه الآية مخصوصة بتلك في قول ابن عباس (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال قتادة (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  ﴾ ، فلا يحل نكاح الأمة الكتابية بحال (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ﴾ الأمة: المملوكة.

ومصدرها: الأمُوَّة، وتأميتُ أَمَةً، أي: اتخَذْتُ أمة، وجمع الأمة: إماء وآم (٣٠) يا صاحِبيَّ ألا لا حَيَّ بالوادي ...

إلا عَبِيدٌ وآمٍ بَيْنَ أذْوادِ (٣١) ووزن أمة فَعَلَة، بدلالة الجمع، نحو: أكَمَة وآكَام.

وقال الليث: يقال لجمع الأمة: إماء وإمَوَان وثلاث آم، وأنشد: تَمْشِي بها رُبْدُ (٣٢) (٣٣) (٣٤) وقال أبو الهيثم: الآم جمع الأَمَة، كالنَّخْلَة والنَّخْل، والبَقْلَة والبَقْل.

قال: وأصل الأَمَةِ أَمْوَة (٣٥) (٣٦) (٣٧) قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة (٣٨)  وأخبره بذلك، فقال له: "وما هي يا عبد الله"، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، وتصوم رمضان، وتحسن الوضوء وتصلي، فقال: "هذه مؤمنة"، قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، وطعن عليه ناس من المسلمين وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله هذه الآية (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ أي: المشركة بمالها وجمالها (٤٠) (٤١) وقوله تعالى ﴿ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾ لا يجوز تزويج المسلمة من المشرك (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ يعني: المشركين ﴿ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾ أي: الأعمال الموجبة للنار (٤٣) فإن قيل: أليست الكتابية تدعو أيضًا إلى النار، فلم جاز نكاحها؟

قيل: الوثنية تدعو بما هي عليه إلى التقصير في الجهاد، والكتابية الذمية من جملة من سقط فيهم فرض القتال فلا تدعو إلى التقصير في الجهاد (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ ﴾ يقول: إلى التوبة والتوحيد والعمل الموجب للجنة، ﴿ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾ أي: بأمره، يعني: أنه بأوامره يدعوكم.

وقيل: إن (٤٥) ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  ﴾ فدعاء الله الخلق على العموم، وتوفيقه على الخصوص، ويؤيد هذا المعنى: ما روي عن الحسن أنه كان يقرأ: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾ رفعاً (٤٦) (١) في "تهذيب اللغة" 4/ 3659 (نكح)، سبب الوطء المباح.

(٢) هو غزوان الغفاري الكوفي، مشهور بكنيته أبي مالك، ثقة قال ابن حجر من الثالثة.

انظر "الجرح والتعديل" 7/ 55، "التقريب" ص 442 (5354).

(٣) حكاه في "تهذيب اللغة" 4/ 3659 (نكح).

(٤) في (ي) و (ش): (فيما حُكَي عنه في "الأمالي").

(٥) نقله في "البحر المحيط" 2/ 155، ونسبه للتبريزي، فلعله الزجاجي.

(٦) البيت للأعشى في "ديوانه" ص 46، "تهذيب اللغة" 4/ 3659 (نكح)، "اللسان" 8/ 4537 "نكح" وروايتها ولا تقربن.

(٧) في (ي) و (ش) (أي تجنب).

(٨) في (ي) و (ش) (أن حسين).

(٩) هو أبو "الفتح" عثمان بن جني الموصلي النحوي، صاحب التصانيف البديعة في النحو والأدب، سكن بغداد، وتوفي سنة 372 هـ.

انظر "إنباه الرواة" 2/ 235، "وفيات الأعيان" 3/ 246.

(١٠) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 155، "عمدة الحفاظ" 4/ 251 قال: قلت: وهذا غير صحيح لظهوره بالقرينة.

وقال الراغب في "المفردات" ص 506: أصل النكاح للعقد، ثم استعير للجماع، ومحال أن يكون في الأصل للجماع، ثم استعير للعقد؛ لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه، قال تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى  ﴾ .

(١١) في (م): (مسلم)، وفي (ي): (سالم).

(١٢) لعله سلمة بن عاصم النحوي من تلاميذ الفراء.

(١٣) الفراء، نقله في "البحر المحيط" 2/ 155.

(١٤) البيت للربيع بن ضبع الفزاري.

ورد البيت في: "عمدة الحفاظ" 4/ 251 بلفظ: النازلين على ظهور متونهم ...

والناكحين بشاطي دجْلة البقرا ولم ينسبه، وورد في "البحر المحيط" 2/ 155، وروايته: الباركين على ظهور نسوتهم ...

والناكحين بشاطي دجلة البقرا (١٥) ينظر في (نكح): "تهذيب اللغة" 4/ 3659، "المفردات" 506 - 507، "عمدة الحفاظ" 4/ 250 - 251، "اللسان" 8/ 4537 - 4538.

(١٦) هو: كناز بن حصين بن يربوع بن طريف بن خرشة، آخى النبي  بينه وبين عبادة بن الصامت وكان حليف حمزة بن عبد المطلب، وهو تربه، شهد هو وابنه مرثد بدرا، مات في خلافة أبي بكر  سنة 12 هـ.

انظر: "الطبقات الكبرى" 3/ 47، "أسد الغابة" 6/ 282، "الأعلام" 5/ 234.

(١٧) ساقط من (ي).

(١٨) ساقط من (ي).

(١٩) في (م) (إنه من عند).

(٢٠) من قوله: والقرآن ..

ساقط من (ي).

(٢١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 295.

(٢٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 376، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 397، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 4، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 458 إلى ابن المنذر.

(٢٣) ساقطة من (ش).

(٢٤) ينظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد 84، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 4، "تفسير الثعلبي" 2/ 909، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص 171، وقال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" 241: قوله: "ولا تنكحوا المشركات" لفظ عام، خص منه الكتابيات بآية المائدة، وهذا تخصيص لا نسخ، وعلى هذا الفقهاء وهو الصحيح، وينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 67، "النسخ في القرآن الكريم" لمصطفى زيد 2/ 604.

(٢٥) رواه عنه الطبري 2/ 377، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 458 إلى عبد الرزاق وعبد ابن حميد.

(٢٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 377، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 397.

(٢٧) قدم المؤلف أن آية المائدة مخصصة لآية البقرة على الصحيح، وعليه فإن مراده بالنسخ هنا التخصيص على العادة المعروفة عند المتقدمين.

(٢٨) في (م): (ومحكم).

(٢٩) انظر: "تفسير القرطبي" 3/ 70.

(٣٠) وتجمع أيضا على أَمَوَات، وإِمْوان، وأُمْوان، وأَمَات.

ينظر: "اللسان" 1/ 121 (أما).

(٣١) القائل: السليك بن السلكة، في "ديوانه" ص 51، "لسان العرب" 1/ 121 (أما).

(٣٢) في (ي): (رند).

(٣٣) البيت للكميت في "ديوانه" 1/ 231، "تهذيب اللغة" 1/ 194، "لسان العرب" 1/ 121 (أما).

(٣٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 194 (أما).

(٣٥) ضبطت في الأصل: أمَوَة، وما أثبتناه من "تهذيب اللغة"، "اللسان".

(٣٦) نقله عنه في "تهذيب اللغة" (أما) بتصرف يسير، وفي الأصل قال ابن الهيثم، والتصويب من "التهذيب"، "اللسان".

(٣٧) ينظر في إماء: "تهذيب اللغة"، "البحر المحيط" 2/ 155، "اللسان" 1/ 121.

(٣٨) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة، وهو أحد النقباء، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من الشعراء، واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان.

ينظر: "معرفة الصحابة" 3/ 1638، "الاستيعاب" 3/ 33.

(٣٩) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 387 - 389، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 398، والواحدي في "أسباب النزول" ص 75، وينظر: "العجاب" 1/ 551، "لباب النقول" 42.

(٤٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 910.

(٤١) ينظر: "مغني اللبيب" 337.

(٤٢) ينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 72 قال: وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام.

(٤٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 913.

(٤٤) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 65 - 66.

(٤٥) ساقطة من (ش).

(٤٦) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 261، "التفسير الكبير" 6/ 66، "البحر المحيط" 2/ 166.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ﴾ أي لا تتزوجوا، والنكاح مشترك بين الوطء والعقد ﴿ المشركات ﴾ عُبَّاد الأوثان من العرب، فلا تتناول اليهود ولا النصارى المباح نكاحهن في المائدة، فلا تعارض بين الموضعين، ولا نسخ، خلافاً لمن قال: آية المائدة نسخت هذه، ولمن قال: هذه نسخت آية المائدة فمنع نكاح الكتابيات، ونزول الآية بسبب مرثد الغنوي مملوكة خير من حرّة مشركة ﴿ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ ﴾ أي أمة لله، حرّة كانت أو مملوكة وقيل: أمة مملوكة خير من حرة مشركة ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ في الجمال والمال وغير ذلك ﴿ وَلاَ تُنْكِحُواْ المشركين ﴾ أي لا تزوّجوهم نساءكم.

وانعقد الإجماع على أن الكافر لا يتزوّج مسلمة، سواء كان كتابياً أو غيره، واستدل المالكيةعلى وجوب الولاية في النكاح بقوله: ولا تنكحوا المشركين لأنه أسند نكاح النساء إلى الرجال ﴿ وَلَعَبْدٌ ﴾ أي عبدٌ لله، وقيل: مملوك ﴿ أولئك ﴾ المشركات والمشركون ﴿ يَدْعُونَ إِلَى النار ﴾ إلى الكفر لموجب إلى النار ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ أي بإرادته أو علمه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إثم كبير ﴾ بالثاء المثلثة: حمزة وعلي.

الباقون: بالباء.

﴿ قل العفو ﴾ بالرفع أبو عمرو.

الباقون: بالنصب.

﴿ لأعنتكم ﴾ بغير همز: روى أبو ربيعة عن أصحابه.

وعن حمزة وجهان في الوقف ترك الهمزة لبيان المذهب، والهمز ليدل على أصل الكلمة.

الوقوف: ﴿ والميسر ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ز قد يجوز مع اتفاق الجملتين تنبيهاً على أن بيان الثانية أهم من الأولى ﴿ من نفعهما ﴾ ط ﴿ ينفقون ﴾ ط ﴿ العفو ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ لا لتعلق الجار.

﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ اليتامى ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ فإخوانكم ﴾ ط ﴿ المصلح ﴾ ط ﴿ لأعنتكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يؤمنّ ﴾ ط لأجل لام الابتداء بعده ﴿ أعجبتكم ﴾ ج لوقوع العارض وإن اتفقت الجملتان ﴿ يؤمنوا ﴾ ط ﴿ أعجبكم ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ج والوصل أجوز لأن مقصود الكلام بيان تفاوت الدعوتين مع اتفاق الجملتين، ومن وقف أراد الفصل بين ذكر الحق والباطل ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن جملة "والله يدعو" تقابل الجملة الأولى فلم يكن قوله "ويبين آياته" من تمامها إذ ليس في الجملة الأولى ذكر بيان، ومن وصل فلعطف المستقبل على المستقبل ﴿ يتذكرون ﴾ (ه).

التفسير: الحكم الثالث: بيان حرمة الخمر والميسر.

قالوا: نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً  ﴾ فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من أصحابه قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون.

ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم فشربوا وسكروا، فأمّ بعضهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون.

فنزلت ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون  ﴾ فقلّ من يشربها.

ثم دعا عتبان بن مالك قوماً فيهم سعد ابن أبي وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار، فضربه أعرابي بلحي بعير فشجه موضحة، فشكا إلى رسول الله  فقال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً.

فنزلت ﴿ إنما الخمر والميسر  ﴾ إلى قوله ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ فقال عمر: انتهينا يا رب.

والحكمة في وقوع التحريم على هذا الوجه أن القوم قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيراً، فلو منعوا دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فإن الفطام عن المألوف شديد، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج والرفق.

واختلف العلماء في مفهوم الخمر فقال الشافعي: كل شراب مسكر فهو خمر.

وقال أبو حنيفة: الخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب.

احتج الشافعي بما روى أبو داود في سننه عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير.

وهذا دليل على أن الخمر عندهم كل ما خامر العقل أي خالطه.

والتركيب يدل على الستر والتغطية، ومنه خمار المرأة.

وكذا ما روي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله  : "إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البر خمراً وإن من الشعير خمراً" ، قال الخطابي: إنما جرى ذكر هذه الأشياء خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان، وكل ما في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجر فحكمها حكم هذه الخمسة.

كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها.

وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله  قال: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" فمراد الشارع أن كل مسكر فهو خمر لغة أو شرعاً فيكون حقيقة لغوية أو شرعية كالصلاة، ولئن منع ذلك فلا أقل من أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة وهو المراد.

وعن عائشة قالت: سئل رسول الله  عن البتع - وهو شراب يتخذ من العسل - فقال  "كل شراب مسكر فهو حرام" وعن أم سلمة قالت: نهى رسول الله  عن كل مسكر ومفتر.

قال: الخطابي: والمفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء.

وأيضاً الآيات الواردة في الخمر منها اثنتان بلفظ الخمر وغيرهما بلفظ المسكر مثل ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى  ﴾ وفيه دليل على أن المراد بالخمر هو المسكر.

وكذا في قول عمر ومعاذ "الخمر مذهبة للعقل".

فإنه يوجب أن كل ما كان مساوياً للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمراً وإما أن يكون مساوياً للخمر في علة التحريم.

وأيضاً قال  ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة  ﴾ ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر فيعلم منه أن حرمة الخمر معللة بالإسكار.

فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإما أن يلزم الحكم بالحرمة في كل مسكر.

حجة أبي حنيفة قوله  ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً  ﴾ منّ الله علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، والنبيذ سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحاً لأن المنة لا تكون إلا بالمباح، وأيضاً ما روي في الصحيحين عن جابر "أن رسول الله  استسقى فقال رجل: يا رسول الله، ألا أسقيك نبيذاً؟

قال: بلى.

فخرج يسعى فجاء بقدح فيه نبيذ فشرب" .

واعلم أن المسكر حرام جنسه قل أم كثر نيئاً أو مطبوخاً لقوله  "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله  يقول "كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" قال الخطابي: الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلاً.

وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب.

وعن ابن عباس أنه جاء رجل فسأله عن العصير فقال: اشربه ما كان طرياً.

قال: إني أطبخه وفي نفسي منه شيء.

قال: أكنت شاربه قبل أن تطبخه؟

قال: لا، قال: إن النار لا تحل شيئاً وقد حرم.

وقال أبو حنيفة: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثيه فهو حرام لكن لا حد على شاربه إلا إذا سكر، وإن ذهب ثلثاه فهو حلال إلا القدر المسكر فيحرم ويتعلق بشربه الحد.

يروى أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله "أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكن واحداً".

ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد فهو حرام ولكن لا حد فيه ما لم يسكر، فإن طبخ فهو حلال إلا المقدار الذي يسكر فإن ذلك حرام ويحد به، ولا يعتبر في النقيع ذهاب الثلثين.

ونبيذ الحنطة والشعير والعسل وغيرها حلال نيئاً كان أو مطبوخاً، ولا يحرم منه إلا القدر المسكر.

وذكروا في حد السكران عبارات فعن الشافعي: أنه الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم.

وقيل: الذي لا يفرق بين السماء والأرض وقيل: الذي يتمايل في مشيه ويهذي في كلامه.

والأقرب أن الرجوع فيه إلى العادة.

ثم إن قوله  ﴿ يسئلونك عن الخمر والميسر ﴾ ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فيحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع وحرمته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه  لما أجاب بذكر الحرمة بل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان واقعاً عن الحل والحرمة أي يسألونك عما في تعاطيهما.

وأما كيفية دلالة الآية على الحرمة فهي أنها مشتملة على أن في الخمر إثماً والإثم حرام لقوله  ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم  ﴾ ومما يؤكد هذا أن السؤال كان واقعاً عن مطلق الخمر وقد جعل الله  الإثم لازماً لهذه الماهية فيلزمها الإثم على جميع التقادير من الشرب وغير ذلك من وجوه الانتفاع والاستعمال.

وصرح أيضاً بأن الإثم الحاصل منها أكبر من النفع المتوهم فيها عاجلاً، وإنما لم يقنع كبار الصحابة بهذه الآية طلباً لما هو آكد في التحريم ثقة واطمئناناً كما التمس إبراهيم  مشاهدة إحياء الموتى طلباً لمزيد الإيقان وركوناً إلى سكون النفس بالعيان.

فإن قيل: لما كان الإثم لازماً لماهية الخمر من حيث هي، فلم لم تكن محرمة في سائر الشرائع؟

قلت: كم من نقص في الأديان السالفة تممه شرع خاتم النبيين!

وأيضاً هذا لزوم شرعي، ويمكن أن تختلف الشرائع بحسب اختلاف الأزمان ولا سيما إذا اعتبرت مصالح الإنسان.

والميسر القمار مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعليهما.

يقال: يسرته أي قمرته مشتق من اليسار لأنه يسلب يساره.

عن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله.

أو من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير ما كدّ وتعب.

وقال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة والاقتسام يقال: يسروا الشيء إذا اقتسموه.

فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء والياسر الجازر.

ثم يقال للقامر: ياسر لأنه بسبب ذلك الفعل يجزئ لحم الجزور.

وقال الواحدي: يسر الشيء أي وجب، والياسر الواجب بسبب القداح.

وأما صفة الميسر على ما في الكشاف فهي: إنه كانت لهم عشرة أقداح - وهي الأزلام والأقلام - أساميها: الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد.

لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء.

وقيل: ثمانية وعشرين.

لا نصيب لثلاثة وهي المنيح والسفيح والوغد، وللفذ سهم، والتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة.

يجعلونها في الربابة - وهي خريطة - ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها.

فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم.

قال العلماء: وفي حكم الميسر سائر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما.

روي عن النبي  "إياكم وهاتين الكعبتين المشؤمتين فإنهما من ميسر العجم" وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز.

وروي أن علياً  مر بقوم وهم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟.

إلا أن الشافعي رخص في الشطرنج إذا خلا عن الرهان، وكف اللسان عن الطغيان، وحفظ الصلاة عن النسيان.

فإن الميسر ما يوجب دفع مال وأخذ مال وهذا ليس كذلك.

ويحكى اللعب به عن ابن الزبير وأبي هريرة وكثير من السلف.

وأما السبق في النصل والخف والحافر فجائز بالاتفاق لقوله  "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" وذلك لما فيها من التأهب للجهاد، والكلام في تفاصيلها وشروطها مذكور في كتب الفقه.

﴿ قل فيهما إثم كبير ﴾ أي إنهما من الكبائر.

ومن قرأ بالثاء فمعنى الكثرة أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة.

أما في الخمر فلأنها عدوّ العقل الذي هو عقال الطبع وأشرف خصائص الإنسان ومقابل الأشرف يكون أخس الأشياء.

حكى بعض الأدباء أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً.

وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جرأتك؟

فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم، ومن خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر كان الميل إليها أتم، وقوة النفس عليها أقوى.

بخلاف سائر المعاصي كالزنا وغيره، وكفى بقوله ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر الميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة  ﴾ وبقوله  "الخمر أم الخبائث" ذماً لها وتقريراً لإثم شاربها.

وقد لعن رسول الله  بسبب الخمر عشرة.

وقال  : "كل مسكر حرام" "وإن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال؟

قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار" وكذا الكلام في الميسر مع أن فيه أكل الأموال بالباطل.

وأما المنافع المذكورة فهي أنهم كانوا يغالون بها إذا جلبوها من النواحي، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن يعدّ ذلك فضيلة ومكرمة، وكان يكثر أرباحهم بذلك السبب قال أبو محجن: أقومها زقاً يحق بذا كم يساق إلينا تجرها ونسوقها.

قال أبقراط: في الخمر عشر منافع.

خمس جسمانية وخمس نفسانية.

فالجسمانية أنها تجوّد الهضم وتدرّ البول وتحسن البشرة وتطيب النكهة وتزيد في الباه.

والنفسانية أنها تسر النفس وتقرب الأمل وتشجع النفس وتحسن الخلق وتزيل البخل.

ومن منافع الميسر التوسعة على ذوي الحاجات لأنهم كانوا يفرقونه على المساكين فيكتسبون به الثناء والمدح.

ولا ريب أن منافع الخمر والميسر لكونها مظنونة عاجلة أقل من إثمهما لكونه متيقن.

الحساب الدائم العذاب، والعاقل لا يختار النفع القليل الزائل بعقاب أبدي لا نهاية له.

الحكم الرابع: ﴿ ويسئلونك ماذا ينفقون ﴾ وقد تقدم ذكر هذا السؤال وأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد هنا فأجيب بذكر الكمية.

وذلك أن الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق وينبهان على عظم ثوابه، سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه؟

ومعنى العفو ما تيسر وسهل مما يكون فاضلاً عن الكفاية.

ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعاً إلى التيسير والتسهيل.

ويقال للأرض السهلة: العفو.

ومن قال إن العفو هو الزيادة، فهو أن الغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله.

وحاصل الأمر يرجع إلى التوسط في الإنفاق والنهي عن التبذير والتقتير وعن النبي  أنه كان يحبس لأهله قوت سنة.

وقال  : "خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف" وللعلماء في هذا الإنفاق خلاف.

فعن أبي مسلم: أنه يجوز أن يكون العفو هو الزكوات، ذكرها ههنا مجملة وتفصيلها في السنة، وقيل: إنه تطوع ولو كان مفروضاً لبين مقداره ولم يفوّض إلى رأي المكلف.

وقيل: إن هذا كان قبل نزول آية الصدقات، وكانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم وينفقون ما فضل ثم نسخ بالزكاة.

﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ أي كما بين لكم وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا يبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون إليه.

﴿ لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ﴾ فتأخذون بما هو أصلح لكم من سلوك سبيل العدالة للإنفاق وغيره، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع.

ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله ﴿ وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ أي لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا الأدنى على الأعلى.

ويجوز أن يتعلق بـ "يبين" أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون.

الحكم الخامس: ﴿ ويسئلونك عن اليتامى ﴾ عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً  ﴾ عزلوا أموالهم عن أموالهم فنزلت.

وعنه عن ابن عباس قال: لما أنزل الله  ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون  ﴾ نطلق من كان عنده مال اليتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، وجعل يحبس له ما يفضل من طعامه حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله  فنزلت.

﴿ قل إصلاح لهم خير ﴾ وهو كلام جامع لمصالح اليتيم والولي.

أما لليتيم فلأنه يتضمن صلاح نفسه بالتقويم والتأديب، وصلاح ماله بالتبقية والتثمير لئلا تأكله النفقة عليه والزكاة منه.

وأما الولي فلأن إحراز الثواب خير له من التحرز عن مال اليتيم حتى تختل مصالحه وتفسد معيشته، وقيل: الخبر عائد إلى الولي يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجراً، وقيل: عائد إلى اليتيم أي مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن أمورهم، والأصوب هو القول الأول، فإن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة فينبغي أن يكون نظر المتكفل لأمور اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا و الآخرة لنفسه ولليتيم في ماله ونفسه.

﴿ وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم في الإسلام، والمخالطة جمع يتعذر فيه التمييز.

قيل: المراد وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز كما يفعله المرء بمال ولده ومع إخوانه في الدين، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة.

وقيل: المراد بهذه المخالطة أخذ مقدار أجرة المثل في ذلك العمل، وسنشرح المذاهب في ذلك إن شاء الله  إذا انتهينا إلى تفسير قوله  ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف  ﴾ وقيل: المراد أن يخالطوا أموال اليتامى بأموالهم وأنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي وحمل بعضهم المخالطة على المصاهرة واختاره أبو مسلم، لأن هذا خلط اليتيم نفسه والشركة خلط لماله.

وأيضاً الشركة داخلة في قوله ﴿ قل إصلاح لهم خير ﴾ والخلط من جهة النكاح وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب.

وأيضاً إنه  قال بعد هذه الآية ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ ﴾ فكان المعنى إن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان في الإسلام لتتأكد الألفة بالمناكحة، فإن كان اليتيم من المشركين فلا تفعلوا ذلك ﴿ والله يعلم المفسد ﴾ لأمورهم ﴿ من المصلح ﴾ لها، أو يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح فيجاوزيه على حسب غرضه ومقصده، فأحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح، وفيه تهديد عظيم فكأنه قال: أنا المتكفل بالحقيقة لأمر اليتيم، وأنا المطالب لوليه إن قصر.

﴿ ولو شاء الله لأعنتكم ﴾ لحملكم على العنت وهو المشقة بأن ضيق عليكم طريق المخالطة معهم.

وعن ابن عباس: لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً.

وذلك أنهم كانوا في الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعاً في مالها، أو يزوجها من ابن له كيلا يخرج مالها من يده.

وقد يستدل بالآية على أنه  لا يكلف العبد ما لا يقدر عليه وعلى أنه تعالى قادر على خلاف العدل لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعانات ما جاز أن يقول "ولو شاء لأعنت" ولهذا قال: ﴿ إن الله عزيز ﴾ غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه ﴿ حكيم ﴾ لا يكلف إلا ما يتسع فيه طاقتهم.

الحكم السادس: ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ أكثر المفسرين على أن هذه الآية ابتداء شرع وحكم آخر في بيان ما يحل ويحرم.

وعن أبي مسلم: أنه متعلق بقصة اليتامى ترغيباً في مخالطتهنّ دون مخالطة المشركات.

عن ابن عباس: أن رسول الله  بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي - وكان حليفاً لبني هاشم - إلى مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين، وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق.

فأتته وقالت: ألا نخلو؟

فقال: ويحك إن الإسلام حال بيننا.

فقالت: فهل لك أن تتزوّج بي؟

قال: نعم.

ولكن أرجع إلى رسول الله  فاستأمره فنزلت هذه الآية.

ثم العلماء اختلفوا في الآية في موضعين: الأوّل في لفظ النكاح فقال أكثر أصحاب الشافعي: إنه حقيقة في العقد لقوله  "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ولا شك أن المتوقف على الولي والشاهد هو العقد لا الوطء.

ولقوله  أيضاً "ولدت من نكاح لا من سفاح" ولقوله  ﴿ وأنكحوا الأيامى  ﴾ وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة: إنه حقيقة في الوطء لقوله  ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ والنكاح الذي ينتهي إليه الحرمة ليس هو العقد بل هو الوطء بدليل قوله  " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" وقال  "ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون" ومن الناس من قال: النكاح عبارة عن الضم.

يقال: نكح المطر الأرض إذا وصل إليها، ونكح النعاس عينيه.

والضم حاصل في العقد وفي الوطء، فيحسن استعمال اللفظ فيهما جميعاً.

قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم "نكح المرأة" فقال: فرقت العرب بالاستعمال فرقاً لطيفاً.

فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا أنه تزوّجها وعقد عليها.

وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته.

لم يريدوا غير المجامعة.

إلا أن المفسرين أجمعوا على أن المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد أي لا تعقدوا على المشركات.

الثاني لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب أم لا؟

قال الأكثرون: نعم لقوله  ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله  ﴾ إلى قوله  ﴿ عما يشركون  ﴾ ولقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ فلو كان كفر اليهود والنصارى غير الشرك لاحتمل أن يغفر الله لهم وذلك باطل بالاتفاق.

وأيضاً النصارى قائلون بالتثليث وليس ذلك في الصفات، فإن أكثر المسلمين أيضاً يثبتون لله  صفات قديمة، فإذن هو في الذات وهذا شرك محض.

وروي "أن النبي  أمّر أميراً وقال: إذا لقيت عدوّاً من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، سمى من يقبل الجزية وعقد الذمة بالمشرك" .

وقال أبو بكر الأصم: كل من جحد رسالته فهو مشرك من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن حدّ البشر، وهم أنكروها وأضافوها إلى الجن والشياطين، فقد أثبتوا شريكاً لله  في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر.

واعترض عليه بأن اليهودي حيث لا يسلم أن ما ظهر على يد محمد  هو من جنس ما لا يقدر العباد عليه، لم يلزم أن يكون مشركاً بسبب إضافة ذلك إلى غير الله.

والجواب أنه لا اعتبار بإقراره، وإنما الاعتبار بالدليل، فإذا ثبت بالدليل أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن أضاف ذلك إلى غير الله كان مشركاً كما لو أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب.

احتج المخالف بأنه  فصل بين أهل الكتاب والمشركين في الذكر حيث قال ﴿ ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين  ﴾ ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين  ﴾ والعطف يقتضي التغاير.

وأجيب بأن كفر الوثني أغلظ وهذا القدر يكفي في العطف، أو لعله خص أوّلاً ثم عمم.

هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً  ﴾ أن أكثر عبدة الأوثان مقرون بأن إله العالم واحد، وأنه ليس له في الإلاهية بمعنى خلق العالم وتدبيره شريك ونظير، فظهر أن وقوع اسم المشرك عليهم ليس بحسب اللغة بل بالشرع كالصلاة والزكاة.

وإذا كان كذلك فلا يبعد بل يجب اندراج كل كافر تحت هذا الاسم، لا سيما وقد تواتر النقل عن النبي  بأنه يسم كل من كان كافراً بأنه مشرك.

التفريع إن قيل: المشركات تشمل الحربيات والكتابيات جميعاً فالآية منسوخة أو مخصصة بقوله ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم  ﴾ لأن سورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ شيء منها قط وهو قول ابن عباس والأوزاعي.

لا يقال: لعل المراد من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب لأن قوله ﴿ والمحصنات من المؤمنات  ﴾ يشمل من آمن منهنّ فيبقى قوله ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب  ﴾ ضائعاً ولإجماع الصحابة على جواز نكاح الكتابيات نقل أن حذيفة تزوّج بيهودية أو نصرانية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها.

فكتب إليه: أتزعم أنها حرام؟

فقال: لا، ولكني أخاف.

وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله  أنه قال: "نتزوّج نساء أهل الكتاب ولا يتزوّجون نساءنا" وعن عبد الرحمن بن عوف أن النبي  قال في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم" ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً لكان هذا الاستثناء خالياً عن الفائدة.

وإن قيل: إن المشركات تختص بالحربيات، فالآية ثابتة وباقية على عمومها.

ومن الناس من زعم أن هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التزوج بالمشركات.

روي هذا عن الحسن وزيف بأن رفع مباح الأصل ليس بنسخ لأن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكونا حكمين شرعيين إلا أن يقال: إن تجويز نكاح المشركة قبل نزول الآية كان ثابتاً من قبل الشرع.

قوله ﴿ حتى يؤمن ﴾ اتفق الكل على أن المراد منه الإقرار بالشهادة والتزام أحكام الإسلام، ولكن لا يدل هذا على أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار فقط لما مر في تفسير قوله ﴿ الذين يؤمنون بالغيب  ﴾ أنه لا بد في الإيمان الحقيقي من التصديق القلبي، إلا أنه اكتفي ههنا بالإقرار اللساني لأنه هو أمارة الإيمان بالنسبة إلينا، فلا اطلاع لنا على صميم القلب، والسرير موكولة إلى علام الخفيات.

فإن وافق سره العلن كان مؤمناً حقاً وإلا كان منافقاً جداً ﴿ ولأمة مؤمنة ﴾ هذه اللام في إفادة التوكيد تشبه لام القسم.

والمراد بالأمة وكذا بالعبد في قوله ﴿ ولعبد مؤمن ﴾ أمة الله وعبده لأن الناس كلهم عبيداً لله وإماؤه أي ولا مرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة ﴿ خير من مشركة ولو أعجبتكم ﴾ للمبالغة والجواب محذوف أي ولو كانت المشركة تعجبكم بمالها وجمالها ونسبها، فالمؤمنة خير منها لأن الإيمان يتعلق بالدين والمال، والجمال والنسب يتعلق بالدنيا، ورعاية الدين أولى من رعاية الدنيا إن لم يتيسر الجمع بينهما.

وقد تحصل المحبة والتآلف عند التوافق في الدين فتكمل منافع الدنيا أيضاً من حسن الصحبة والعشرة وحفظ الغيب وضبط الأموال والأولاد، وأما عند اختلاف الدين فتنعكس هذه القضايا.

وقد يرى أضداد ما توقع منها ولهذا قال رسول الله  "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسنها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" وقد ظن بعضهم أن المراد بالأمة ضد الحرة فقال: التقدير: ولأمة مؤمنة خير من حرة مشركة.

ولهذا ذهب بعض آخر إلى أن في الآية دلالة على أن القادر على طول الحرة يجوز له التزوّج بالأمة على ما هو مذهب أبي حنيفة، لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجداً لطول الحرة المسلمة، لأنه بسبب التفاوت في الإيمان والكفر لا يتفاوت قدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح، فيلزم قطعاً أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ﴾ لا خلاف ههنا في أن المراد به الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر على اختلاف أقسام الكفر ﴿ أولئك ﴾ المشركات والمشركون ﴿ يدعون إلى النار ﴾ أي إلى ما يؤدي إليها، فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة في الظاهر، وقد تحمل المودة على الاتفاق في الدين فلعل المؤمن يوافق الكافر، والاحتراز عن مظنة الارتداد أهم من الطموح إلى إسلام المشرك.

فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال.

وقيل: المراد أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والجهاد، وفي ترك الجهاد استحقاق النار والعذاب.

وغرض هذا القائل أن يجعل هذا فرقاً بين الذمية وغيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على ترك الجهاد.

وقيل: إن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار فهذا هو الدعوة إلى النار.

﴿ والله يدعو إلى الجنة ﴾ حيث أمر بالتزوج بالمسلمة حتى يكون الولد مسلماً من أهل الجنة، أو المراد أن أولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة المغفرة وما يؤدي إليهما، فهم الذين تحب موالاتهم و مصاهرتهم وأن يؤثروا على غيرهم ﴿ بإذن ﴾ بتوفيق الله وتيسيره للعمل الذي يستحق به الجنة والغفران وقرى الحسن ﴿ والمغفرة ﴾ بالرفع على الابتداء أي المغفرة كائنة بتيسيره ﴿ ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ﴾ معناه واضح.

وقد عرفت فيما مر أن التذكر محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، فكان الآيات تليه على ما هو مركوز في العقول من حقيقة دين الإسلام ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون  ﴾ .

التأويل: إن خمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغيرها، فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها.

وهذه تسكر النفوس والعقول الإنسانية التي هي مناط التكليف فلهذا حرمت في عالم التكليف، وأما ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار فهو شراب الواردات في أقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات إذا دارت الكؤوس انخمدت شهوات النفوس، فتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بمطالعة الجمال من ملاحظة الكمال، وهذا شراب حلال لأنه فوق عالم التكليف، وإنه يمزج الكثيف باللطيف فيه ﴿ ومنافع للناس ﴾ وملاذ لأهل القرب والاستئناس.

فصحوك من لفظي هو الوصل كله *** وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا فمـا مـل سـاقيهـا ومـا مـل شـارب *** عقـار لحــاظ كـأســه يسـكـر اللبــا قوم أسكرهم وجود الشراب وقوم أسكرهم شهود الساقي.

فــأســكـــر القـــــوم دور كـــأس *** وكــان سـكــري مــن المـــديـــــر الكأس والشراب والساقي و المسقي ههنا واحد كما قيل: رق الــزجــاج وراقــت الخمـــر *** فتشـــابهـــا وتشــاكـــل الأمــــــر فكـــأنمـــا خمـــر ولا قــــــــدح *** وكـــأنمـــــا قـــــدح ولا خمـــــر وإثم الإعراض عن كؤوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية.

أما الميسر فإثمه كبير عند ا لأخيار وإنه بعيد عن خصال الأبرار، ولكن نفعه عدم الالتفات إلى الكونين، وبذل نفوس العالمين في فردانية نقش الكعبتين.

﴿ وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص، والعوام أكثر من الخواص.

وبعبارة أخرى الإثم في الخمر الظاهر والميسر الظاهر، والنفع في الخمر الباطن والميسر الباطن، وأهل الظاهر أكثر من أهل الباطن والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية.

فقال قائلون: الحظر على كل مشرك ومشركة - كتابيّاً كان أو غير كتابي - ثم نسخ بقوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ .

فالإماء على الحصر؛ لأنه إنما استثنى الحرائر دون الإماء بقوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ  ﴾ .

وقال آخرون: هو على المشركات خاصة دون الكتابيات، والكتابيات مستثنيات، فدخلت كل كتابية - حرة كانت أو أمة - [تحت الاستثناء]؛ لأن الاستثناء إذا كان عن جملة الأديان سوى دين الكتابيات لم يحتمل دخول بعض أهل ذلك الدين دون بعض، والذي يدل عليه قوله  : ﴿ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ ، فجعل الأمة المؤمنة خيراً بالنكاح من المشركة، ومن قوله إنه بالقدرة على طول الحرة الكافرة لا يباح له نكاح الأمة المؤمنة.

فبان أن موقع الآية ليس على التناسخ على ما يقوله على أن الإماء يدخلن تحت قوله عز وجل: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ  ﴾ ، دليله قوله  : ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ .

فثبت أنهن قد يتعففن فيستوجبن اسم الإحصان، وقد جعل شرط الحل هو ذكر الإحصان.

وقوله أيضاً: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ  ﴾ , مستثنياً الإماء من جملة المحصنات؛ دل أنهن دخلن في الخطاب.

وقد أجمع على أنهن تحل لنا بالسبي، وكل مذكور في الكتاب يستوي الحل فيه إلا من جهة العدو.

فإذا أبيح لنا تزويج المسبيات منهن كالحرائر، ثبت أنه محكوم بحكمهن في النكاح، فبطل قول من أبطل نكاح الإماء؛ إذ ثبت أن الآية بخلاف ما قال.

وبالله التوفيق.

ثم الآية تضمنت أحكاماً: منها: أن من قول أصحابنا - رحمهم الله  أجمعين -: أن المناهي بحيث النهي لا توجب الحرمة.

والثاني: أن الآية كيف كان حملها على الخصوص في بعض أحق والعموم في بعض ومخرج الخطابين واحد.

والثالث: أن في الآية ذكر المنع، لعلة وهي الدعوة إلى النار، فكيف لم يلزم حفظ ما لأجله وجب الحرمة على وجوده؟

وهذا هو الأصل: أن تحفظ الأحكام المعللة بالعلل ما دامت توجد العلل.

والرابع: البيان في تولي النكاح؛ إذ للأولياء خرج الخطاب بقوله: ﴿ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ ﴾ .

وأما قولنا في النهي: فإن النهي يوجب الانتهاء، ولكن لا يوجب الحرمة إلا بدليل يقوم على مراد الحرمة في النهي، لما رأينا من المناهي كثيرة لم توجب الحرمة، فلو كان نفس النهي موجباً ذلك لوجب أن يوجب في كل ذلك، فلما لم يوجب ذلك، دل أن نفسه لا توجب الحرمة، ولكن الدليل هو الموجب للحرمة.

وأما قولهم وسؤالهم عن الخصوص والعموم: فذلك جائز عندنا، خروج الآية على العموم يعقل بها الخصوص.

وهو كثير في القرآن مما لا يحتاج إلى ذكره وشرحه، ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ  ﴾ ، عقل إيجاب تعظيم الرسل [والأنبياء والإيمان لهم على العموم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة في حق البعض دون البعض]، وكذا قوله: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ  ﴾ ، فالتخلف غير موجود في بعض الأحيان، وإنَّ حق النهي عن الرغبة عن نفسه أخذ الجميع، فعلى ذلك هاهنا يجوز خروجه عامّاً يخص بالعقول.

وأما قولهم: وجوب الحكم لعلة، وهو الدعاء إلى النار، فله وجهان: أحدهما: أن الكتابي أقر بكتاب، يقدر على إلزام الدين بالدعاء إليه، ففيه رجاء الإسلام، وغيرهم من أهل الشرك لا يطمع [فيهم] بمثله.

والثاني: أن علة الحظر قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ ، والزوجات لا يدعون أزواجهن إلى ذلك، بل الأزواج هم الأصل في الدعاء، وهم الأمراء على الزوجات، والزوجات بين الأتباع للأزواج والمذللات في أيديهم؛ لذلك أبيح.

ثم الأصل: أن النكاح جعل لأمرين: إما لإبقاء النسل، وإما للتحصن والتعفف عن السفاح.

ثم قد ينكح من لا نسل فيه، فما بقي إلا وجه المنع عن السفاح.

ثم الدعاء إلى النار أعظم من السفاح، بهذا لم يبح النكاح.

ثم الدلالة على تخصيصها على وجهين: أحدهما: قول الخصوم بالنسخ: أنه ورد على بعض دون بعض، وما ذلك إلا الخصوص.

والثاني: أن ذكر ذلك في الكتابيات لم يجر بحيث إظهار ما يحل وما يحرم، إذ شرط نكاحهن إنما هو عند العجز عن الحرائر، فجرى الذكر فيهن، إذ هن الأصل في عقود النكاح، وأن الإماء دخيلات في حق النكاح، وإنما جرى الذكر في حلهن بملك اليمين؛ لذلك ترك ذكرهن مع ما يجوز دخول الإماء في قوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ  ﴾ ؛ لما أوجب لهن العفة والتحصن بقوله: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ وبقوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ  ﴾ .

وأما قولهم: خاطب الأولياء في النهي بقوله: ﴿ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ ﴾ ، وخاطب الأولياء أيضاً في الأمر بإنكاح الأيامى بقوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  ﴾ ، فدل أن الولي شرط في جواز النكاح.

فجوابنا: أنه إنما خاطب الأولياء في النهي عن النكاح، وفي الأمر بالنكاح، لما العرف في الأمة ألاّ يتولى النساء [النكاح] بأنفسهن، بل الأولياء هم الذين يتولون عليهن النكاح برضائهن وأمرهن وتدبيرهن؛ لذلك خرج الخطاب للأولياء مع ما ليس في تخصيص [الأولياء] بالخطاب دليل إخراج النساء عن ولاية النكاح.

ألا ترى أنه ذكر في الآية (الصلاح) بقوله: ﴿ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  ﴾ ، لم يصر ذلك شرطاً في الجواز، فعلى ذلك الأولى.

وهذا يدل أيضاً على أن ليس في تخصيص المحصنات من الكتابيات حظر نكاح الإماء منهن.

والثاني: أن قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ ﴾ ، يحتمل أن يكون في الصغار خاصة، نهى الأولياء عن تزويج الصغار من المسلمين المشركات من غير الكتابيات.

فإذا كان محتملاً ما ذكرنا، لم يكن لمخالفنا الاحتجاج به علينا في إبطال نكاح المرأة نفسها دون وليها.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ﴾ .

اختلف في تأويله: قال قوم: هو في غير الكتابيات، يبين ذلك قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ ، فنسق الكتابيات بالإحلال على ما لم يختلف فيه أحوال الحل من أول الإسلام إلى الأبد ولا من قبل ذلك نحو الطيبات من الطعام - من طعام المؤمنين وأهل الكتاب ونحو المحصنات من المؤمنات، فمثله الكتابيات، إذ نَسَقَ نكاحهن على من ذكر.

ولو كان التأويل هذا، كانت الآية نطقت بألا تنكحوا المشركات غير الكتابيات؛ فلا يكون في الآية تحريم الإماء من أهل الكتاب، ولا النهي عن ذلك، وإنما يعرف إن كان يجوز أو لا، بدليل آخرو سوى هذه الآية.

فإن قيل: على ذلك لِمَ لا كانت آية الإحلال في التخصيص بذكر المحصنات دليلاً على حرمة نكاح الإماء؟

قيل: يكون الجواب لأوجه: أحدها: أن ذكر الحل في حال لا يدل على الحرمة في غيرها.

كذلك ذكر الحل في صنف لا يدل على حرمة في غيره.

ولو كان ذا يدل، لكان يجيء أن يكون حكم ما لا يرد فيه السمع مخالفاً لما يرد فيه.

وذلك فاسد؛ إذ السمع هو دليل الحكم فيما لا سمع فيه بالمعنى الذي ضمن فيه.

والله أعلم.

وأيد ذلك قوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ ، ثم هن يحللن وإن لم يؤتين أجورهن؛ فمثله الأول.

والثاني: أنه منسوق على مثله في المؤمنات.

ثم لم يكن ذلك في المؤمنات على تحريم الإماء؛ فمثله في الكتابيات.

فإن قيل: لما بين في إماء المؤمنات؟

قيل لهم: لم يزعم أحد أن ذلك على نسخ هذه الآية؛ فثبت أنه ليس في الذكر في المحصنات تحريم الغير؛ فكذلك في المنسوق على ذلك مع ما لو كان في مثل هذا الاستدلال على الحرمة، لكان في قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ ﴾ ؛ إذ وقع على غير الكتابيات - دليل على الإحلال، فيكون ذكر الحرمة في نوع دليل الحل في غيره على مثل ذكر الحل في نوع.

وفي ذلك تناقض الأدلة.

والله أعلم.

ووجه آخر: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ ﴾ ، يحتمل أن يريد به العفائف، وأهل الصلاح، والإماء قد يستحققن هذا الاسم، كقوله  : ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ  ﴾ وإذا استحققن الاسم فهن في الآية حتى يظهر الإخراج.

والله أعلم.

وبعد، فإنا نقول: أكثر ما في ذلك أن يكون في ذلك النهي عن تزوج الإماء من أهل الكتاب، فإن النهي في ذلك لا يدل على الحرمة؛ لأنه معلوم المعنى الذي له يقع النهي عن نكاح الإماء - أنه لمكان رق الأولاد، ولمكان مخالطة الإماء الرجال وخلوتهن بالموالي - وذلك مما ينفر عنه الطباع، ثم كان النساء الزانيات جميع ذلك فهين موجود، والنهي قائم، وقد يحلق أولادهن أعظم الشين الذي يضعف على الرق، ثم لم يمنع النهي جواز نكاحهن بما هو نهي نفاع الطباع، لا معنى في ذلك له بكون الحرمة؛ فمثله أمر الإماء.

والله الموفق.

ثم دليل حلهن: أن كل امرأة حرمت لنفسها، فسواء وجه الحل بها في ملك اليمين والنكاح، وكل امرأة كانت حرمتها بالحق فيختلف فيها المكان، فإذا كانت هذه محللة بملك اليمين ثبت أنها لم تحرم لنفسها، فهي تحل بالنكاح كما تحل بملك اليمين.

على هذا الأصل أمر المجوسيات والمحارم ونحوها.

والله أعلم.

وقال قوم: الآية في جميع الشركات والكتابيات، ثم نسخت الكتابيات بالآية التي في سورة المائدة، وكان النسخ بشرط الإحصان، فبقيت الإماء على الحرمة.

دليل ذلك وجهان: أحدهما: قوله  : ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ ﴾ ، أنه يدخل في ذلك الكتابي وغيره؛ فكذا في الأول.

والثاني: قوله  : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ...

﴾ الآية.

[والثالث]: أن الكتابي مشرك في الحقيقة، إذ هو بما لا يغفر له، والكتابي في الدعاء إليها وغيره سواء؛ فلذلك كان على ما ذكرت.

فنحن نقول في ذلك - وبالله التوفيق -: ليس فيما ذكر دليل على ما ادعى؛ لأنه جائز خروج آية واحدة في أمرين يختلف موقعهما من الخصوص والعموم بالدليل [نحو قوله]: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ...

 ﴾ ، أنه قد يجوز التخلف عنه لعذر، ولا يجوز الرغبة عنه بحال، وقال في قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...

﴾ الآية [المائدة: 12]، أن ليس كل ذلك مما يقتضي عموم الخلق وإن كان الظاهر في الكل بالمخرج واحد، ثم ما ذكرت من الآية دليل الفصل.

والثاني: أنه يجوز أن تكون الآية في غير أهل الكتاب.

دليل ذلك الأمر بالمعروف من التفرقة في التسمية، وإن كانوا في الشرك مجتمعين؛ قال الله  : ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ  ﴾ ، وغير ذلك ما قد فصل الله بينهم في النسبة وإن كانوا في حقيقة الشرك مجتمعين، فجائز أن تكون الآية على ذلك، ثم حرم تزويج المسلمات من أهل الكتاب لا بهذه الآية، لكن بغيرها من الأدلة.

ألا ترى أنا لا نترك مماليك أهل الإسلام تحت أيديهم لا بهذه الآية؟!

فمثله أمر الإنكاح.

والله أعلم.

ثم في الآية دليل ذلك، وهو قوله  : ﴿ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ...

﴾ الآية، وكل يجمع ألا يحل نكاح الأمة المؤمنة على الحرة الكتابية، فلو كانت هي مرادة في هذه الآية لكان نكاح من هو خير منها في النكاح لا يحرم عليه، حتى إن الذي يقول بهذا التأويل يحرم لطول الكتابية فضلا عن نكاحها.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ ، دليل أن الإماء غير داخلات في الخطاب؛ لأنهن لا يدعون بل الغالب عليهن أن يتبعن ويجبن لمن هن تحتهم فيما دعين إليه، لا أن يدعون.

هذا الأمر المتعارف.

والله أعلم.

ثم نقول: جعل كأن الآية نزلت في الكتابيات، فقال: "ولا تنكحوا الكتابيات"، فإن الكتاب في جميع ما جرى به الذكر في حقوق النكاح والطلاق والأحكام تضمن خطاب الأحرار، خاصة فيما أبهم، وعرف أمر الحرمة في الإماء والعبيد بالأدلة العقلية مما دلت عليه أحكام السمع؛ فكذا هكذا.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ﴾ ، محمول على التحريم باتفاق الأمة وإن احتمل ما هو بهذا المخرج على غير التحريم، وعلى أن الله  قد بين بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ ، أن النكاح قد انفسخ حيث أباح لغير الأزواج التزوج.

وفي قوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ  ﴾ ، أنه الاستمتاع بذوات الأزواج إذا سبين، وقال: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ  ﴾ ، ذكر جملة النساء ونهى الرجل عن التمسك بعصمتهن.

واسم الشرك اسم لفريق بالإطلاق، واسم الكفر للجملة، على ما قال: ﴿ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً  ﴾ الآية، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ...

﴾ الآية [البينة: 6]، وغير ذلك مما جمع في اسم الكفر وعرف بأسماء المذاهب، وجعل اسم (الشرك) في التفريق.

فدلت هذه الآيات على الحرمة في قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ﴾ الآية، ويدل قوله في آخر الآية: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ على ذلك، ومعلوم أن أول دعائهم إلى النكاح، فصير ذلك سبباً للنار، وما يوجبها حرام.

ثم فيها دلالة عموم الآية في الذكور؛ لأنه في تعارف الخلق: أن الرجال هم الذين يدعون، لا النساء، والنساء تتبعهم.

وذلك المعنى في رجال أهل الكتاب وغيرهم سواء، فتكون الحرمة فيهم سواء.

وعلى ذلك المروي من الخبر: أن رجلاً أسلم وتحته ثماني نسوة وأختان ونحو ذلك فأسلمن.

دل أنهن يتبعن الرجال، لا أنهن يدعون إلى ما يخترن من الدين.

والله أعلم.

ثم الدليل على أن النهي أيضاً نهي تحريم في قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ﴾ ، أنه لولا خبث فيهن في الحقيقة يوجب حرمة الاستمتاع لكان لا ينهى عن التناكح، وذلك من أبلغ أسباب دعوتهن إلى الإسلام بما ذكرت من الفرق في طاعتهن الأزواج فيما يختارون من الدين في المتعارف بمن رويت فيهن الخبر، وخاصة ذلك في المشركات أحق في الحل منه في الكتابيات؛ إذ هن إنما أخذن دينهن عن آبائهن بالاعتياد والتقليد، ومعلوم اعتيادهن ما فيه رضاء الأزواج وإيثار ذلك على ما فيه رضاء الآباء حتى يؤثرنهم عليهم بما جعل الله بينهم مودة ورحمة.

والكتابيات أخذن دينهن بما علمن أنه دين الرسل وأنهن أمرن بالتمسك به.

فإذا نهوا عن نكاح المشركات وأبيحوا نكاح الكتابيات - والإسلام فيهن بالنكاح أرجى - ثبت أن ذلك كان لخبث نهوا، وقد حرم الله الخبائث.

والله أعلم.

ثم الله -  وتعالى - أخبر أنه حرم الخبائث وأحل الطيبات، فلولا أن فيما حرم خبثاً، يحتمل الوقوف عليه، وفيما أحل طيباً لسوى الحرمة والحل له - كان كذلك لم يحتمل التسمية في وصف التحريم والتحليل هو لاغير.

وهذا كما وصف المؤمن بالحياة والسمع والبصر، والكافر بضد ذلك بما في كل معنى ذلك، لا أنه اسم لقب دون أن يكون له حقيقة له يسمى.

فمثله الذي ذكرت.

ثم كان (الخبث) يكون من وجهين: من خبث الأحوال، ومن خبث الأفعال، وله سمي الكفر (رجساً)، وكذا الخمر والميسر، وذلك كله بخبث الأفعال.

وعلى ذلك يجوز أن يكون تحريم تزويج المسلمات المشركين لخبث الفعل: وهو خوف وقوع الكفر؛ إذ هن يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدونهم الدين، فيكون التحريم لهذا الخوف؛ إذ هو الوجه الذي عليه جرى حرمات النكاح من ذلك نحو نكاح ما كثر عددهن بقوله: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ  ﴾ ، فمنع عن الخمس، وأكثر الخوف وقوع الجور الذي هو في العقل خبيث، ونكاح الأمة بعد الحرة؛ إذ الطبع ينفر عن مناكحة من يخالط الرجال ويخلوا بهم، لا يؤمن عليه السفاح، فما يؤثر مثلها عند الغناء بالحرة عنده عنها إلا لأمر حدث بينهما مما يبعث ذلك على الجور، فنهوا عن ذلك.

وكذلك نكاح المحارم بما قد يجري من الأمور في النكاح مما يحمل على تضييع الحدود وأنواع النشوز الذي يمنع ذلك القيام بحق النسب وصلته، فيكون في ذلك تضييع الفرض.

وكذلك محارم المرأة، وعلى هذا يجب تحريم المسلمة على الكتابي وغيره لخوف وقوع فعل الخبث بينهما، وهو الكفر.

ولم يقع النهي عن نكاح الزانية والزاني على ذلك؛ لأنه ليس في الطباع احتمال اتباع أحدهما الآخر في ذلك الوجه بل ينفر عن ذلك أشد النفار، فلا يخاف فيه هذا، فهو على الأدب بما يلحق الولد الطعن وصاحبه يشتم به، لا أن يلحقه وصفه موافقة ما ثم إلا لمكن الآخر يكون النهي نهي تحريم؛ بل كان على الإرشاد بما يلحق من الطعن دون ما أن يحدث من تعدي حد أو جور في الفعل.

وعلى ذلك أمر نكاح الأمة.

والله أعلم.

ثم وجه التفصيل بين الكتابية والمشركة - والله أعلم - في إباحة التناكح: أن المشركة آثرت فعل البهيمي في الدين على فعل البشري، والكتابية آثرت فعل البشري، وهو ما يدعو إليه العقل لا الطباع؛ لأنهن يرجعن في الاختيار إلى الإيمان بالرسل لكن أنهى اليهن أنهم نهوا عن الإيمان بمن يدعوهن إليه، فاعتقدن على ذلك بالآثار عندهن من الحجج، كما اعتقدنا نحن بأن لا نبي بعد نبينا محمد  ، لكن خبرنا صحيح وخبرهم فاسد.

وإلا فوجه الاعتقاد على ما في العقل ذلك.

وأما المشركة لم تختر ذلك بحجة أنما كان لوجود الآباء على ذلك من غير الإنهاء إلى من في العقل اتباعه؛ كما قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 22]، فحرم علينا نكاحها لخبث اختيارها واتباع فعل البهيمي، وإيثاره على فعل البشري.

والله أعلم.

وعلى ذلك لو أسلمت لم يعظم درجة إسلامها، لولا أنا نرجو من رحمة الله أن الله - إذا قبلت هي الإسلام - بالاختيار لينير قلبها حتى ينشرح صدرها للحق لكان لا يكون لإسلامها فضل حمد.

والله الموفق.

ووجه آخر: أن الكتابية لما آمنت بكتب الأنبياء، عليهم الصلوات والسلام، في الجملة، فقد آمنت بذلك بالرسل جميعاً، لكنها كذبت [- من كذبت -] لما وقع الخبر عندها بخلاف الحقيقة، فأمكن أن تنبه عن حقيقة ذلك بالكتاب الذي آمنت به؛ ليكون إيمانها في الحقيقة إيماناً بمن كذبته بما ظنت أن في ذلك الكتاب تصديقاً.

والمشركة احتيج فيها إلى ابتداء الإلزام، لا أن كان معها ما به اللزوم مما قد وجد إيمانها به.

والله أعلم.

وعلى هذا لا يسلم للمرتد حق الكتاب إذا اختاره؛ لأنا نعلم أنه يظهر ذلك، لا أنه في الحقيقة مختار؛ إذ كتابنا مصدق كتابهم، فلم يجز أن تظهر له بما به التصديق التكذيب ليرجع إلى رد هذا بقبول الآخر.

فلذلك لم تحل ذبائحهم.

والله أعلم.

ودليل النهي عن النكاح والإنكاح حتى يكون الإيمان، [أن الإيمان] معروف عندهم، يعلمون به حقيقة الشرط.

والله أعلم.

ومخاطبات الأولياء في قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ﴾ ، يخرج على الأمر المعروف من التولي، أو على الوقت الذي إليهم حق التولية، أو على أن الحق لهن عليهم في التزويج إذا أردن، فنهوا عن ذلك؛ ليعلم أن لا حق يجب لهم في ذلك.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: الخبر عما يدعو بعضهم بعضاً إلى عبادة غير الله، وذلك دعاء إلى النار، كما قال الله  : ﴿ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، بما يوجب الفعل الذي دعوا إليه ذلك فكأنما دعوا إلى ذلك، إذ هو المقصود من الثاني.

وعلى ذلك تسمية الجزاء باسم العمل الذي له الجزاء.

والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ يَدْعُونَ ﴾ في التناكح للهو واستكثار الأتباع في معاداة الله  ومعاداة أوليائه بالتناكح، والله يدعو إلى التعفف واستكثار الأتباع على ما ينال به مغفرته ورحمته.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ ، يعني: يدعون إلى العمل الذي يستوجب به النار.

﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾ ، يعني يدعو إلى العمل الذي يوجب لهم الجنة والمغفرة والله أعلم، وقوله: ﴿ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تتزوجوا -أيها المؤمنون- المشركات بالله حتَّى يؤمنّ بالله وحده، ويدخلن في دين الإسلام، وإنَّ امرأة مملوكة مؤمنة بالله ورسوله خير من امرأة حرة تعبد الأوثان، ولو أعجبتكم بجمالها ومالها، ولا تزوِّجوا المسلمات رجالًا مشركين، ولعبد مملوك مؤمن بالله ورسوله خير من حر مشرك، ولو أعجبكم، أولئك المتصفون بالشرك -رجالًا ونساءً- يدعون بأقوالهم وأفعالهم إلى ما يقود إلى دخول النار، والله يدعو إلى الأعمال الصالحة التي تقود إلى دخول الجنّة والمغفرة من الذنوب بإذنه وفضله، ويبين آياته للناس لعلهم يعتبرون بما دلت عليه فيعملون بها.

<div class="verse-tafsir" id="91.6eQOv"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الآيات في سرد الأحكام كما تقدم فلا حاجة لربط كل آية بما قبلها، والربط ظاهر على القول بأن المراد بالمخالطة في الآية السابقة نكاح اليتامى.

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن مقاتل قال نزلت هذه الآية في ابن أبي مرثد الغنوي استأذن النبي  في "عناق" أن يتزوجها وهي مشركة وكانت ذات حظ من جمال فنزلت: يعني ﴿ وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ  ﴾ ذكر ذلك السيوطي في أسباب النزول، ثم قال: وقوله تعالى ﴿ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ  ﴾ الآية أخرج الواحدي من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع فأتى النبي  فأخبره وقال: لأعتقنها ولأتزوجنها: ففعل فطعن عليه ناس وقالوا ينكح أمة فأنزل الله هذه الآية.

وأخرجه ابن جرير عن السدي منقطعًا.

وظاهره أن قوله تعالى ﴿ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ  ﴾ إلى ﴿ أَعْجَبَتْكُمْ  ﴾ آية مستقلة نزلت في حادثة غير الحادثة التي نزل فيها قوله تعالى ﴿ وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ  ﴾ وهذا الظاهر من صنيعه، خفي في نفسه، بل هو باطل البتة.

ولا شك أن الآية واحدة نزلت مرة واحدة عن حاجة الناس إلى بيان أحكامها، ولا مانع أن يكون ذلك بعد حدوث ما روي عن ابن أبي مرثد وعن عبد الله بن رواحة.

وفي (روح المعاني) ما نصه: روى الواحدي وغيره عن ابن عباس  أن رسول الله  بعث رجلًا من غنى يقال له مرثد بن أبي مرثد حليفًا لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناسًا من المسلمين بها أسرى فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فلما أسلم أعرض عنها فأتته فقالت ويحك يا مرثد ألا تخلو؟

فقال لها إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا، ولكن إن شئت تزوجتك فقالت نعم، فقال إذا رجعت إلى رسول الله  استأذنته في ذلك ثم تزوجتك، فقالت له أبى تتبرم؟

ثم استعانت عليه فضربوه ضربًا وجيعًا ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله  راجعًا وأعلمه الذي كان من أمره وأمر "عناق" وما لقي بسببها، فقال يا رسول الله أيحل لي أن أتزوجها؟

وفي رواية: إنها تعجبني فنزلت.

وتعقب ذلك السيوطي بأن هذا ليس سببًا لنزول هذه الآية وإنما هو سبب في نزول آية النور ﴿ الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً  ﴾ وروى السدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع فأتى النبي  فأخبره خبرها.

فقال له النبي  "ما هي يا عبد الله؟" "قال هي يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله"، فقال "يا عبد الله هي مؤمنة" قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم، فأنزل الله ﴿ وَلا تَنكِحُوا  ﴾ الآية.

انتهى سياق الألوسي وهو أحسن من سياق السيوطي الذي قدمناه لأنه مفصل وذلك مختصر اختصارًا أوهم أن الذي نزل في عبد الله بن رواحة هو قوله تعالى ﴿ وَلأَمَةٌ  ﴾ إلخ..

على أن السيوطي قال في مقدمة كتابه في أسباب النزول: إن الصحابة يذكرون أن الآية نزلت في كذا ولا يريدون به إلا تفسيرها أي أن معناها يتناول ذلك، وإذا ذكروا أسبابًا فقد يعنون أنها نزلت عقبها.

والألوسي يقول إن السيوطي تعقب الواحدي في السبب الأول وليس في كتابه هذا شيء من هذا التعقب، على أنه حوى كتاب الواحدي وزيادات.

وأما آية ﴿ الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً  ﴾ فقد ذكر لها السيوطي سببين: أحدهما: أن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة يقال لها "أم مهزول" كانت تسافح، رواه النسائي.

والثاني: أن رجلًا يقال له "مزيد" أراد أن يتزوج امرأة بمكة صديقة له يقال لها عناق، رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (وفي حديثه عنهما مقال)، وقد روى الأول غير من ذكر، وقوله هنا "مزيد" مصحف والصواب "مرثد".

ونكاح البغايا كان فاشيًا، والمشهورات منهن في الجاهلية كثيرات وقد نزلت الآية في الجميع.

وجملة القول أن ما روي في الآية التي نفسرها الآن متفق على أن المراد بالمشركات فيها غير الكتابيات من نساء العرب، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمشركين والمشركات عام يشتمل أهل الكتاب، لأن بعض ما هم عليه شرك، وقد قال تعالى بعد ذكر بعض عقائدهم: ﴿ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ واستدلوا على شركهم أيضًا بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ  ﴾ ولو لم يكونوا مشركين لجاز أن يغفر الله لهم.

وذهب الأكثرون إلى أن المراد بالمشركات مشركات العرب اللاتي لا كتاب لهن لأن هذا هو عرف القرآن في لقب المشرك قال تعالى: ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ  ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ  ﴾ والعطف يقتضي المغايرة.

وهذا القول هو الذي يتفق مع قوله تعالى في بيان من يحل من النساء: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ وهي في سورة المائدة وقد نزلت بعد سورة البقرة ولذلك ذهب من قال بأن لفظ المشركات شامل للكتابيات إلى أن آية المائدة نسخت آية البقرة، وقال بعضهم ومنهم (الجلال) إنها خصصتها بغير الكتابيات، والمقصود واحد.

وزعم بعض المفسرين أن آية البقرة هي الناسخة لآية المائدة، وهذا لا وجه له مع الاتفاق على أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولًا.

وذهب بعض آخر إلى التأويل بأن آية المائدة مقيدة بما إذا أسلمن، وهذا ليس بشيء إذ لا دليل على القيد المحذوف، ولأن المشركات إذا أسلمن يحل نكاحهن أيضًا بالإجماع، وجرى عليه العمل في عصر التنزيل قبل نزول الآية فما فائدة ذكره؟.

وقد اختلف في المجوس فقيل يدخلون في المشركين لأنهم لا كتاب لهم وقيل بل كان لهم كتاب، وبعض الفقهاء يقول لهم شبهة كتاب، وقد يشعر بأنهم أهل كتاب قوله تعالى في سورة الحج: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ فالعطف يقتضي المغايرة، وقد فرق الفقهاء بين المشركين والمجوس في الجزية ولا حاجة للبحث في ذلك هنا.

أما ما استدل به الآخرون على شرك أهل الكتاب من قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ وقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ  ﴾ الآية فقد أجابوهم عن الأول بأن قوله ﴿ يُشْرِكُونَ  ﴾ لا يقتضي أن من حكى عنهم ذلك الفعل يشتق لهم منه وصف يكون عنوانًا لهم فيدخلوا في صنف من يسميهم القرآن بالمشركين والذين أشركوا، فإن الأوصاف كثيرًا ما يراد بها عند أهل التخاطب صنف مخصوص لا يدخل فيه كل من يتلبس بالفعل الذي اشتق منه الوصف.

مثال ذلك لفظ (العلماء) يطلق الآن عند المسلمين على صنف من الناس لا يدخل فيه كل من يتعلم علمًا أو علومًا، ولو تعلم ما يتعلمون وفاقهم فيه ما لم يكن على زيهم ومشاركًا لهم في مجموع المزايا التي كانوا بها صنفًا مستقلًا، ويطلق هذا اللفظ عند قوم آخرين على صنف آخر، وأجابوا عن الثاني بأنه مسوق لبيان فظاعة الشرك والتغليظ فيه وكونه غاية البعد عن الله تعالى بحيث قضى بأن لا تتعلق مشيئته بغفرانه، على أنه لو شاء أن يغفر كل ذنب سواه لفعل، إذ لا مرد لمشيئته، فلا يدخل هذا فيما نحن فيه، إذ لا يدل على أن كل من ليس مشركًا يغفر الله له، فيقال إن نفي الشرك عن أهل الكتاب يستلزم مغفرة الله تعالى لهم مع قيام الأدلة على أنه لا يغفر لمن تبلغه دعوة الحق الذي جاء به الإسلام فيجحدها عنادًا واستكبارًا.

﴿ وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ  ﴾ هذا معطوف على مفهوم ما قبله من الأمر بالإصلاح والنهي عن الإفساد، ومعناه لا تتزوجوا النساء المشركات ما دمن على شركهن ﴿ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ  ﴾ أي والله إن أمة أي مملوكة مؤمنة بالله ورسوله خير من مشركة حرة ولو أعجبتكم المشركة بجمالها وبغيره.

وأصل الأمة أموة بالتحريك يقال أمت الجارية: صارت أمة، وأميتها بالتشديد جعلتها أمة وتأمت صارت أمة.

﴿ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ  ﴾ أي لا تزوجوهم المؤمنات ﴿ حَتَّى يُؤْمِنُوا  ﴾ فيصيروا أكفاء لهن ﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ  ﴾ أي ولمملوك مؤمن خير من مشرك حر ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ  ﴾ المشرك بنسبه أو قوته أو ماله.

وجملة القول أن هؤلاء الذين أشركوا وهم الذين بينكم وبينهم غاية الخلاف والتباين في الاعتقاد لا يجوز لكم أن تتصلوا بهم برابطة الصهر لا بتزويجهم ولا بالتزوج منهم، وأما الكتابيات فقد جاء في سورة المائدة أنهن حل لنا، وسكت هناك عن تزويج الكتابي بالمسلمة وقالوا إنه على أصل المنع وأيدوه بالنسبة والإجماع وهو القول الذي أرضاه.

ولكن قد يقال إن الأصل الإباحة في الجميع فجاء النص بتحريم المشركين والمشركات تغليظًا لأمر الشرك ويحل الكتابيات تألفًا لأهل الكتاب ليروا حسن معاملتنا وسهولة شريعتنا، وهذا إنما يظهر بالتزوج منهم لأن الرجل هو صاحب الولاية والسلطة على المرأة، فإذا هو أحسن معاملتها كان ذلك دليلًا على أن ما هو عليه من الدين القويم، يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم، والعدل بين المسلمين وغير المسلمين، وسعة الصدر في معاملة المخالفين، وأما تزويجهم بالمؤمنات فلا تظهر منه مثل هذه الفائدة لأن المرأة أسيرة الرجل لا سيما في ملل ليس للنساء فيها من الحقوق ما أعطاهن الإسلام -وأهل الكتاب وسائر الملل كذلك- فقد يصح أن يكون هذا هو المراد من النصين في السورتين، وإذا قامت بعد ذلك أدلة من السنة أو الإجماع أو من التعليل الآتي لمنع مناكحة أهل الشرك على تحريم تزويج الكتابي بالمسلمة فلها حكمها لا عملًا بالأصل أو نص الكتاب، بل عملًا بهذه الأدلة، والتعبير بتنكحوا وتنكحوا (بفتح التاء وضمها) يشعر بأن الرجال هم الذين يزوجون أنفسهم ويزوجون النساء اللواتي يتولون أمرهن، وأن المرأة لا تزوج نفسها بالاستقلال بل لا بد من الولي، إذ الزواج تجديد قرابة ومودة رحمية بين أسرتين وعشيرتين لا يتم وتحصل فائدته إلا بتولي أولياء المرأة له مع اشتراط رضاها وإذنها به صراحة في الثيب وسكوتًا إقراريًا في البكر التي يغلب عليها الحياء.

وقد فسر الجمهور الأمة والعبد في الآية بالرقيق أي أن الأمة المملوكة المؤمنة خير من الحرة المشركة ولو أعجبكم جمالها، وكذلك القن المؤمن خير من الحر المشرك وإن كان معجبًا، وتعلم منه خيرية الحر المؤمن والحرة المؤمنة بالأولى، وقال آخرون إن المراد أمة الله وعبد الله أي أن المؤمنة والمؤمن كل منهما عبد الله يطيعه ويخشاه ولذلك كان خيرًا ممن يشرك به، فكان في التعبير بالأمة والعبد إشعار بعلة الخيرية.

بيان ذلك أن ليس المراد بالزوجية قضاء الشهوة الحسية فقط وإنما المراد بها تعاقد الزوجين على المشاركة في شؤون الحياة والاتحاد في كل شيء، وإنما يكون ذلك بكون المرأة محل ثقة الرجل يأمنها على نفسه وولده ومتاعه، عالمًا أن حرصها على ذلك كحرصه، لأن حظها منه كحظه، وما كان الجمال الذي يروق الطرف، ليحقق في المرأة هذا الوصف، ولكن قد يمنعه التباين في الاعتقاد، الذي يتعذر معه الركون والاتحاد، والمشركة ليس لها دين يحرم الخيانة، ويوجب عليها الأمانة، ويأمرها بالخير، وينهاها عن الشر، فهي موكولة إلى طبيعتها، وما تربت عليه في عشيرتها، وهو خرافات الوثنية وأوهامها وأماني الشياطين وأحلامها، فقد تخون زوجها، وتفسد عقيدة ولدها، فإن ظل الرجل على إعجابه بجمالها، كان ذلك عونًا لها على التوغل في ضلالها وإضلالها، وإن نبا طرفه عن حسن الصورة، وغلب على قلبه استقباح تلك السريرة، فقد ينغص عليه التمتع بالجمال ما هو عليه من سوء الحال.

وأما الكتابية فليس بينها وبين المؤمن كبير مباينة فإنها تؤمن بالله وتعبده، وتؤمن بالأنبياء وبالحياة الأخرى وما فيها من الجزاء، وتدين بوجوب عمل الخير وتحريم الشر، والفرق الجوهري العظيم بينهما هو الإيمان بنبوة النبي  ومزاياها في التوحيد، والتعبد والتهذيب، والذي يؤمن بالنبوة العامة لا يمنعه من الإيمان بنبوة خاتم النبيين إلا الجهل بما جاء به وكونه قد جاء بمثل ما جاء به النبيون وزيادة اقتضتها حال الزمان في ترقيه، واستعداده لأكثر مما هو فيه، أو المعاندة والجحود في الظاهر، مع الاعتقاد في الباطن، وهذا قليل والكثير هو الأول، ويوشك أن يظهر للمرأة من معاشرة الرجل حقية دينه وحسن شريعته والوقوف على سيرة من جاء بها وما أيده الله تعالى به من الآيات البينات فيكمل إيمانها، ويصح إسلامها، وتؤتي أجرها مرتين، إن كانت في المحسنات في الحالين، ومثل هذه الحكمة لا تظهر في تزويج الكتابي بالمؤمنة، فإنه بما له من السلطان عليها، وبما يغلب عليها من الجهل والضعف في بيان ما تعلم، لا يسهل عليها أن تقنعه بحقيقة ما هي عليه، بل يخشى أن يزيغها عن عقيدتها ويفسد منها دون أن تصلح منه، وهذا المعنى يفهم من تعليل النهي عن مناكحة المشركين في قوله  : ﴿ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ  ﴾ أشار بأولئك إلى المذكورين من المشركين والمشركات أي من شأنهم الدعوة إلى أسباب دخول النار بأقوالهم وأفعالهم، وصلة الزواج أقوى مساعد على تأثير الدعوة، لأن من شأنها أن يتسامح معها في شؤون كثيرة، وكل تساهل وتسامح مع المشرك أو المشركة محظور محذور الشر، بما يخشى منه أن يسرى شيء من عقائد الشرك للمؤمن أو المؤمنة بضروب الشبه والتضليل التي جرى عليها المشركون، كقوله فيمن يتخذونهم وسطاء بينهم وبين الخالق: ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ وقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى  ﴾ فهذه الشبهة هي التي فتن بها أكثر البشر، ولم يسلم منها أهل شريعة سماوية خالطوا المشركين وعاشروهم، فقد دخلوا في الشرك من حيث لا يشعرون، لأنهم لم يتخذوا معبودات المشركين أنفسها شفعاء ووسطاء، بل اتخذوا أنبياءهم ورؤساءهم، وظنوا أن هذا تعظيم لهم لا ينافي التوحيد الذي أمروا به وجعل أصل دينهم، وأساس ارتقاء أرواحهم وعقولهم، وقد اغتروا بظواهر الألفاظ وجعلوا تسمية الشيء بغير اسمه إخراجًا له عن حقيقته، فهم قد عبدوا غير الله ولكنهم لم يسموا عملهم عبادة، بل أطلقوا عليه لفظًا آخر كالاستشفاع والتوسل، واتخذوا غير الله إلهًا وربًا، ومنهم من لم يسمه بذلك، بل سموه شفيعًا ووسيلة وتوهموا أن اتخاذه إلهًا أو ربًا هو تسميته بذلك أو اعتقاد أنه هو الخالق والرازق والمحيي والمميت استقلالًا، ولو رجعوا إلى عقائد الذين اتبعوا سننهم من المشركين لوجدوهم كما قال تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ مع قوله: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  ﴾ فإذا كانت مساكنة المشركين ومعاشرتهم مع الكراهة والنفور قد أفسدت جميع الأديان السماوية الأولى، فما بالك بتأثير اتخاذهم أزواجًا، وهو يدعو إلى كمال السكون إليهم والمودة لهم والرحمة بهم؟

ألا يكون ذلك دعوة إلى الناء، وسببًا للشقاء والبوار.

هذه دعوة الزوج المشرك بطبيعة دينه ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ  ﴾ بما اشتمل عليه دينه الذي أرسل به رسله من التوحيد الخالص الذي ينقذ العقول من أوهام الوثنية، ومنها إعطاء بعض المخلوقين شعبًا من خصائص الألوهية، وبإفراد الله سبحانه بالعبادة والسلطة الغيبية، وهذا هو السبب الأول في دخول الجنة واستحقاق المغفرة منه تعالى للمؤمن الموحد إذا ألم بمعصية أو كسب خطيئة، لأن خطيئته لا تحيط بروحه ولا ترين على قلبه فتجعله شريرًا، لأن الله غالب على أمره ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ  ﴾ فحاصل معنى ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ  ﴾ هو أن دعوة الله التي عليها المؤمنون هي الموصلة إلى الجنة والمغفرة بإذن الله وإرادته وهدايته وتوفيقه، فهي مناقضة لدعوة المشركين وهي ما هم عليه من الشرك الموصل إلى النار يسوء اختيار أصحابه له، ففيه المقابلة بين المشركين والمؤمنين وهي أنهما على غاية التباين، وفيه أن ما عليه المشركون هو من سوء اختيارهم وقبح تصريفهم في كسبهم، وأن ما عليه المؤمنون لم يكن بوضعهم وعملهم وإنما هو الدين الذي هو وضع الله بلغه عنه رسله بإذنه وهدى إليه خلقه.

وهنا وجه آخر وهو أن المراد باسم الجلالة (الله) هو ما يعتقده فيه سبحانه المؤمنون به من كونه واحدًا أحدًا صمدًا لا كفؤ له ولا مساعد ولا وزير، ولا واسطة بينه وبين خلقه يحمله على نفعهم أو ضرهم، وإنما هو فاعل بإرادته القديمة على حسب علمه القديم، ولا تأثير للحوادث فيهما ولا في غيرهما من صفاته تعالى.

فهذا الاعتقاد بالله هو الأصل الذي يدعوهم إلى الجنة، لأنه ينبوع الأعمال الحسنة النافعة، ومصدر الأخلاق الفاضلة، التي يستحق صاحبها الجنة على ما يحسن فيه، والمغفرة على ما أساء فيه، ومنعه إيمانه من الإصرار عليه، والاسترسال فيه حتى يحيط به، وإنما كان أصلًا في ذلك لأنه متى صح إيمانه صحت عزيمته في اتباع الشريعة والاهتداء بالدين القويم، وهذا التعبير مأنوس به في اللغة، يعبر بالشيء عن المصرف له والغالب على أمره، على حد الحديث القدسي "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" إلخ..

وذلك أن اعتقاده يملك شعوره ومشاعره فيكون أصل كل عمل نفسي وبدني فيه.

وقد يقال إن هذه العلة في تحريم مناكحة المشركين متحققة في نكاح الكتابيات فالكتابية تدعو بسيرتها وعملها وقولها إلى ما هي عليه من العقيدة الفاسدة، وما يتبعها من الأعمال التي لم تكن من أصل دينها الصحيح المتفق مع الإسلام، فهي إن وافقت زوجها المسلم فيما هو إيمان صحيح كالإيمان بالله والإيمان بالأنبياء وباليوم الآخر في الجملة، فهي تخالفه بما تصف به الله أو تتخذ له من الأبناء والأنداد، وذلك من الدعوة إلى النار، وقد تغلب المرأة على أمر زوجها أو ولدها فتقوده إلى دعوتها، ولهذا ذهب بعض الشيعة إلى تحريم نكاح الكتابية.

ونقول في الجواب لو اتحدت العلة لما صرح الكتاب بجواز الزواج بالكتابية المحصنة، ولما اتفق سلف الأمة وخلفها على ذلك ما عدا هذه الشرذمة من الشيعة، وكيف يستوي الفريقان -أهل الكتاب والمشركون- وقد فرق الكتاب والسنة بينهما في كثير من المزايا والأحكام، ولم يجمع القرآن بين المشركين والمؤمنين في حكم كما جمع بين المؤمنين وأهل الكتاب في مثل قوله في سورة البقرة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ ، وقوله في سورة آل عمران: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ الآية وقوله في البقرة ومثله في آل عمران: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  ﴾ وقوله فيها: ﴿ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ  ﴾ وقوله ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  ﴾ وأمثال هذه الآيات كثير جدًا وهي تصرح بأن إله المسلمين وأهل الكتاب واحد وربهم واحد والذي أنزل عليهم هو شيء واحد أي في جوهره والمراد منه وهو الإيمان بالله وتوحيده والبعث والعمل الصالح ولكنها في أواخرها تبين محل الدعوة والفرق وهو أننا مسلمون مخلصون، وأنه طرأ عليهم الانحراف فاتخذوا من أنفسهم أربابًا يحلون ويحرمون ويشرعون لهم ما لم يأذن به الله، وأنهم غير مخلصين ولا مسلمين في أعمالهم، وهذا شيء لا ينكره أهل العلم الحقيقي والتاريخ منهم، بل يقولون لولا الانحراف والشرائع التي زادوها وسموها بالطقوس وبأسماء أخرى لما ضعفت أخلاقهم، ومرضت قلوبهم، وانحلت جامعتهم، حتى كان من أمر الإسلام فيها ما كان، وقد طرأ شيء من ذلك على من اتبعوا سنتهم منا شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، مع أن أصل الدين عندنا قد حفظ بعناية لم يكن لها مثلها، وصرنا في حاجة إلى من يدعونا إلى إقامة الأصل كما دعاهم داعي الإسلامي، لا فرق في ذلك إلا أن الأصل الذي يجب أن يدعى إليه الجميع موجود محفوظ كما هو لا ينقص الجميع إلا إقامته والعمل به، وهو القرآن الذي اتخذه المسلمون في عصرنا آلة لهو وسلعة تجارة، ولكنهم لا يدعون إلى إقامته والعمل به، بل منهم من يصرح بتحريم العمل به، ويسمي ذلك اجتهادًا والاجتهاد عندهم ممنوع، فقد منعوا القرآن بشبهة سخيفة وهي منع العلم الاستدلالي، ومنعه منع لحقيقة الإسلام وانصراف عن ينبوعه، وتفضيل أخذ عقائد الإسلام من كتب الكلام المبتدعة على أخذها من كتاب الله المعصوم وتفضيل أخذ أحكامه حتى التعبدية من كتب الفقهاء على أخذها منه ومن سنة الرسول  ويبقى ما في الكتاب والسنة من الآداب والفضائل والحكم والمواعظ، والسياسة العليا وسنن الاجتماع المثلى مما لا يوجد في كتبهم، وقد استغنوا عنها بالتبع لاستغنائهم عن غيرها، كأنه لم يبق لهم أدنى حاجة في علوم القرآن ومعارفه، والعياذ بالله من الخذلان!.

فإذا كان الفرق بيننا وبين أهل الكتاب يشبه الفرق بين الموحدين المخلصين العاملين بالكتاب والسنة، وبين المبتدعة الذين انحرفوا عن هذين الثقلين اللذين تركهما رسول الله  فينا، وأخبرنا أننا لا نضل ما تمسكنا بهما -كما في حديث الموطأ- فكيف يكون أهل الكتاب كالمشركين في حكم الله تعالى؟

والجملة أن ما عليه الكتابية من الباطل هو مخالف لأصل دينها وقد عرض لها ولقومها بشبه ضعيفة يسهل على المؤمن العالم بالحق أن يكشف لها عن وجه الحق في شبهتها، ويرجعها إلى الصواب ويعسر عليها هي أن تنتصر بالشبهة على الحجة، وتزيل السنة الأولى بما عرض من الشبهة، وأما ما نراه من التباين بين المسلمين وأهل الكتاب الآن فسببه سياسة الملوك والرؤساء، ولو أقمنا الكتاب وأقاموه لتقاربنا ورجعنا جميعًا إلى الأصل الذي أرشدنا إليه القرآن العزيز.

ولا يخفى أن هذا الأمر يختلف باختلاف الأشخاص فرب مسلم مقلد يتزوج بكتابية عالمة فتفسد عليه تقاليده ولا عوض له عنها، فينبغي أن يعرف هذا.

ثم قال تعالى ﴿ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ  ﴾ أي يوضح الدلائل على أحكام شريعته للناس فلا يذكر لهم حكمًا إلا ويبين لهم حكمته وفائدته بما يظهر لهم به أن المصلحة والسعادة فيما شرعه لهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  ﴾ يتعظون فيستقيمون فإن الحكم إذا لم تعرف فائدته للعامل لا يلبث أن يمل العمل به فيتركه وينساه، وإذا عرف علته ودليله وانطباقه على مصلحته ومصلحة من يعيش معهم فأجدر به أن يحفظه ويقيمه على وجهه ويستقيم عليه، لا يكتفي بالعمل بصورته وإن لم تؤد إلى المراد منه.

ومن هنا قال الفقهاء إن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا وإن ما يشارك المنصوص في العلة يعطى حكمه، وليتنا عملنا بهذه القواعد ولم نرجع إلى التمسك بالظواهر من غير عقل، ويا ليتها ظواهر الكتاب والسنة، إن هي إلا ظواهر أقوال أقوام من المؤلفين، منهم المعروف تاريخه، ومنهم المجهول أمره، وإلى الله المشتكى، فاللهم ذكرنا ما نسينا واهدنا إلى الاعتبار بكتابك والعمل به لنكون من المفلحين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر