الآية ٢٢٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٢٣ من سورة البقرة

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 213 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( نساؤكم حرث لكم ) قال ابن عباس : الحرث موضع الولد ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) أي : كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد ، كما ثبتت بذلك الأحاديث .

قال البخاري : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان عن ابن المنكدر قال : سمعت جابرا قال : كانت اليهود تقول : إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول ، فنزلت : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) ورواه داود من حديث سفيان الثوري به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني مالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن سعيد الثوري : أن محمد بن المنكدر حدثهم : أن جابر بن عبد الله أخبره : أن اليهود قالوا للمسلمين : من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول ، فأنزل الله عز وجل : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) قال ابن جريج في الحديث : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مقبلة ومدبرة ، إذا كان ذلك في الفرج " .

وفي حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري ، عن أبيه ، عن جده أنه قال : يا رسول الله ، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر ؟

قال : " حرثك ، ائت حرثك أنى شئت ، غير ألا تضرب الوجه ، ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في المبيت .

الحديث ، رواه أحمد ، وأهل السنن .

حديث آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عامر بن يحيى ، عن حنش بن عبد الله ، عن عبد الله بن عباس قال : أتى ناس من حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألوه عن أشياء ، فقال له رجل : إني أجبي النساء ، فكيف ترى في ذلك ، فأنزل الله : ( نساؤكم حرث لكم ) .

حديث آخر : قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه " مشكل الحديث " : حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، حدثنا يعقوب بن كاسب ، حدثنا عبد الله بن نافع ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري : أن رجلا أصاب امرأة في دبرها ، فأنكر الناس عليه ذلك ، فأنزل الله : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) ورواه ابن جرير عن يونس وعن يعقوب ، به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط قال : دخلت على حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر فقلت : إني سائلك عن أمر ، وإنى أستحيي أن أسألك .

قالت : فلا تستحيي يا ابن أخي .

قال : عن إتيان النساء في أدبارهن ؟

قالت : حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا لا يجبون النساء ، وكانت اليهود تقول : إنه من جبى امرأته كان الولد أحول ، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار ، فجبوهن ، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت : لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك ، فقالت : اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم استحيت الأنصارية أن تسأله ، فخرجت ، فحدثت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ادعي الأنصارية " : فدعيت ، فتلا عليها هذه الآية : " ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) صماما واحدا " .

ورواه الترمذي ، عن بندار ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن ابن خثيم به .

وقال : حسن .

قلت : وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة ، عن أبيه ، عن ابن خثيم عن يوسف بن ماهك ، عن حفصة أم المؤمنين : أن امرأة أتتها فقالت : إن زوجي يأتيني محيية ومستقبلة فكرهته ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " لا بأس إذا كان في صمام واحد " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا يعقوب يعني القمي عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هلكت !

قال : " ما الذي أهلكك ؟

" قال : حولت رحلي البارحة !

قال : فلم يرد عليه شيئا .

قال : فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) أقبل وأدبر ، واتق الدبر والحيضة " .

رواه الترمذي ، عن عبد بن حميد ، عن حسن بن موسى الأشيب ، به .

وقال : حسن غريب .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا رشدين ، حدثني الحسن بن ثوبان ، عن عامر بن يحيى المعافري ، عن حنش ، عن ابن عباس قال : أنزلت هذه الآية : ( نساؤكم حرث لكم ) في أناس من الأنصار ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألوه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " آتها على كل حال ، إذا كان في الفرج " .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا الحارث بن سريج حدثنا عبد الله بن نافع ، حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد قال : أثفر رجل امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أثفر فلان امرأته ، فأنزل الله عز وجل : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) .

وقال أبو داود : حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ ، قال : حدثني محمد يعني ابن سلمة عن محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : إن ابن عمر والله يغفر له أوهم ، إنما كان أهل هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع أهل هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم ، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف ، وذلك أستر ما تكون المرأة ، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم ، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات .

فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار ، فذهب يصنع بها ذلك ، فأنكرته عليه ، وقالت : إنما كنا نؤتى على حرف .

فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني ، فسرى أمرهما ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) أي : مقبلات ، ومدبرات ، ومستلقيات يعني بذلك موضع الولد .

تفرد به أبو داود ، ويشهد له بالصحة ما تقدم من الأحاديث ، ولا سيما رواية أم سلمة ، فإنها مشابهة لهذا السياق .

وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني من طريق محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد قال : عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته ، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها ، حتى انتهيت إلى هذه الآية : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) فقال ابن عباس : إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ، ويتلذذون بهن .

.

فذكر القصة بتمام سياقها .

وقول ابن عباس : " إن ابن عمر والله يغفر له أوهم " .

كأنه يشير إلى ما رواه البخاري : حدثنا إسحاق ، حدثنا النضر بن شميل ، أخبرنا ابن عون عن نافع قال : كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه ، فأخذت عليه يوما فقرأ سورة البقرة ، حتى انتهى إلى مكان قال : أتدري فيم أنزلت ؟

قلت : لا .

قال : أنزلت في كذا وكذا .

ثم مضى .

وعن عبد الصمد قال : حدثني أبي ، حدثني أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) قال : يأتيها في .

.

.

هكذا رواه البخاري ، وقد تفرد به من هذه الوجوه .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا ابن عون ، عن نافع قال : قرأت ذات يوم : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) فقال ابن عمر : أتدري فيم نزلت ؟

قلت : لا .

قال : نزلت في إتيان النساء في أدبارهن .

وحدثني أبو قلابة ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثني أبي ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) قال : في الدبر .

وروي من حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ولا يصح .

وروى النسائي ، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن أبي بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر : أن رجلا أتى امرأته في دبرها ، فوجد في نفسه من ذلك وجدا شديدا ، فأنزل الله : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) .

قال أبو حاتم الرازي : لو كان هذا عند زيد بن أسلم ، عن ابن عمر لما أولع الناس بنافع .

وهذا تعليل منه لهذا الحديث .

وقد رواه عبد الله بن نافع ، عن داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عمر فذكره .

وهذا محمول على ما تقدم ، وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها ، لما رواه النسائي أيضا عن علي بن عثمان النفيلي ، عن سعيد بن عيسى ، عن المفضل بن فضالة عن عبد الله بن سليمان الطويل ، عن كعب بن علقمة ، عن أبي النضر : أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر : إنه قد أكثر عليك القول : إنك تقول عن ابن عمر إنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن قال : كذبوا علي ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر : إن ابن عمر عرض المصحف يوما وأنا عنده ، حتى بلغ : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) فقال : يا نافع ، هل تعلم من أمر هذه الآية ؟

قلت : لا .

قال : إنا كنا معشر قريش نجبي النساء ، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار ، أردنا منهن مثل ما كنا نريد فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه ، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود ، إنما يؤتين على جنوبهن ، فأنزل الله : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) .

وهذا إسناد صحيح ، وقد رواه ابن مردويه ، عن الطبراني ، عن الحسين بن إسحاق ، عن زكريا بن يحيى الكاتب العمري ، عن مفضل بن فضالة ، عن عبد الله بن عياش عن كعب بن علقمة ، فذكره .

وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحا ، وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي ، وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم ، وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب السر وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك ، رحمه الله .

وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه ; فقال الحسن بن عرفة : حدثنا إسماعيل بن عياش عن سهيل بن أبي صالح ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استحيوا ، إن الله لا يستحيي من الحق ، لا يحل مأتى النساء في حشوشهن " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن عبد بن شداد عن رجل عن خزيمة بن ثابت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها .

طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا يعقوب ، سمعت أبي يحدث ، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة ابن الهاد : أن عبيد الله بن الحصين الوالبي حدثه أن هرمي بن عبد الله الواقفي حدثه : أن خزيمة بن ثابت الخطمي حدثه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يستحيي الله من الحق ، لا يستحيي الله من الحق ثلاثا لا تأتوا النساء في أعجازهن " .

ورواه النسائي ، وابن ماجه من طرق ، عن خزيمة بن ثابت .

وفي إسناده اختلاف كثير .

حديث آخر : قال أبو عيسى الترمذي ، والنسائي : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن الضحاك بن عثمان ، عن مخرمة بن سليمان ، عن كريب ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر " .

ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب .

وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه .

وصححه ابن حزم أيضا .

ولكن رواه النسائي ، عن هناد ، عن وكيع ، عن الضحاك ، به موقوفا .

وقال عبد : أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن ابن طاوس ، عن أبيه : أن رجلا سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها ، قال : تسألني عن الكفر !

[ إسناد صحيح ] .

وكذا رواه النسائي ، من طريق ابن المبارك ، عن معمر به نحوه .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى " .

وقال عبد الله بن أحمد : حدثني هدبة ، حدثنا همام ، قال : سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها .

فقال قتادة : حدثنا عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " هي اللوطية الصغرى " .

قال قتادة : وحدثني عقبة بن وساج ، عن أبي الدرداء قال : وهل يفعل ذلك إلا كافر ؟

.

وقد روى هذا الحديث يحيى بن سعيد القطان ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي أيوب ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قوله .

وهذا أصح ، والله أعلم .

وكذلك رواه عبد بن حميد ، عن يزيد بن هارون ، عن حميد الأعرج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، موقوفا من قوله .

طريق أخرى : قال جعفر الفريابي : حدثنا قتيبة ، حدثنا ابن لهيعة ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ، ويقول : ادخلوا النار مع الداخلين : الفاعل والمفعول به ، والناكح يده ، وناكح البهيمة ، وناكح المرأة في دبرها ، وجامع بين المرأة وابنتها ، والزاني بحليلة جاره ، والمؤذي جاره حتى يلعنه " .

ابن لهيعة وشيخه ضعيفان .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا سفيان ، عن عاصم ، عن عيسى بن حطان ، عن مسلم بن سلام ، عن علي بن طلق ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤتى النساء في أدبارهن ; فإن الله لا يستحيي من الحق .

وأخرجه أحمد أيضا ، عن أبي معاوية ، وأبو عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضا ، عن عاصم الأحول [ به ] وفيه زيادة ، وقال : هو حديث حسن .

ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب ، كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل والصحيح أنه علي بن طلق .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن الحارث بن مخلد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه " .

وحدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا سهيل ، عن الحارث بن مخلد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها " .

وكذا رواه ابن ماجه من طريق سهيل .

وحدثنا وكيع ، حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح ، عن الحارث بن مخلد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ملعون من أتى امرأة في دبرها " .

وهكذا رواه أبو داود ، والنسائي من طريق وكيع ، به .

طريق أخرى : قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : أخبرنا أحمد بن القاسم بن الريان ، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي ، حدثنا هناد ، ومحمد بن إسماعيل واللفظ له قالا : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ملعون من أتى امرأة في دبرها " .

ليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي ، وإنما الذي فيه عن سهيل ، عن الحارث بن مخلد ، كما تقدم .

قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي : ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند ، وهم منه ، وقد ضعفوه .

طريق أخرى : رواها مسلم بن خالد الزنجي ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى عليه وسلم قال : " ملعون من أتى النساء في أدبارهن " .

ومسلم بن خالد فيه كلام ، والله أعلم .

طريق أخرى : رواها الإمام أحمد ، وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة ، عن حكيم الأثرم ، عن أبي تميمة الهجيمي ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها ، أو كاهنا فصدقه ، فقد كفر بما أنزل على محمد " .

وقال الترمذي : ضعف البخاري هذا الحديث .

والذي قاله البخاري في حديث حكيم [ الأثرم ] عن أبي تميمة : لا يتابع في حديثه .

طريق أخرى : قال النسائي : حدثنا عثمان بن عبد الله ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه ، عن عبد الملك بن محمد الصنعاني ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " استحيوا من الله حق الحياء ، لا تأتوا النساء في أدبارهن " .

تفرد به النسائي من هذا الوجه .

قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ : هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري ، ومن حديث أبي سلمة ومن حديث سعيد ; فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد ، فإنما سمعه بعد الاختلاط ، وقد رواه الزهري عن أبي سلمة أنه كان ينهى عن ذلك ، فأما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا .

انتهى كلامه .

وقد أجاد وأحسن الانتقاد ; إلا أن عبد الملك [ بن محمد ] الصنعاني لا يعرف أنه اختلط ، ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة الكناني ، وهو ثقة ، ولكن تكلم فيه دحيم ، وأبو حاتم ، وابن حبان ، وقال : لا يجوز الاحتجاج به ، فالله أعلم .

وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد ، عن سعيد بن عبد العزيز .

وروي من طريقين آخرين ، عن أبي سلمة .

ولا يصح منها شيء .

طريق أخرى : قال النسائي : حدثنا إسحاق بن منصور ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة قال : إتيان الرجال النساء في أدبارهن كفر .

ثم رواه ، عن بندار ، عن عبد الرحمن ، به .

قال : من أتى امرأة في دبرها ملك كفره .

هكذا رواه النسائي ، من طريق الثوري ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة موقوفا .

وكذا رواه من طريق علي ابن بذيمة ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة موقوفا .

ورواه بكر بن خنيس ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى شيئا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر " والموقوف أصح ، وبكر بن خنيس ضعفه غير واحد من الأئمة ، وتركه آخرون .

حديث آخر : قال محمد بن أبان البلخي : حدثنا وكيع ، حدثنا زمعة بن صالح ، عن ابن طاوس ، عن أبيه وعن عمرو بن دينار ، عن عبد الله بن يزيد بن الهاد قالا قال عمر بن الخطاب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يستحيي من الحق ، لا تأتوا النساء في أدبارهن " .

وقد رواه النسائي : حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني ، عن عثمان بن اليمان ، عن زمعة بن صالح ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن الهاد ، عن عمر قال : " لا تأتوا النساء في أدبارهن " .

وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا يزيد بن أبي حكيم ، عن زمعة بن صالح ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن عبد الله بن الهاد الليثي قال : قال عمر رضي الله عنه : استحيوا من الله ، فإن الله لا يستحيي من الحق ، لا تأتوا النساء في أدبارهن .

الموقوف أصح .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا غندر ومعاذ بن معاذ قالا : حدثنا شعبة عن عاصم الأحول ، عن عيسى بن حطان ، عن مسلم بن سلام ، عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله لا يستحيي من الحق ، لا تأتوا النساء في أستاههن " .

وكذا رواه غير واحد ، عن شعبة .

ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عاصم الأحول ، عن عيسى بن حطان ، عن مسلم بن سلام ، عن طلق بن علي ، والأشبه أنه علي بن طلق ، كما تقدم ، والله أعلم .

حديث آخر : قال أبو بكر الأثرم في سننه : حدثنا أبو مسلم الحرمي ، حدثنا أخي أنيس بن إبراهيم أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره ، عن أبيه أبي القعقاع ، عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " محاش النساء حرام " .

وقد رواه إسماعيل بن علية ، وسفيان الثوري ، وشعبة ، وغيرهم ، عن أبي عبد الله الشقري واسمه سلمة بن تمام : ثقة عن أبي القعقاع ، عن ابن مسعود موقوفا .

وهو أصح .

طريق أخرى : قال ابن عدي : حدثنا أبو عبد الله المحاملي ، حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثنا محمد بن حمزة ، عن زيد بن رفيع عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تأتوا النساء في أعجازهن " محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه ، فيهما مقال .

وقد روي من حديث أبي بن كعب والبراء بن عازب ، وعقبة بن عامر وأبي ذر ، وغيرهم .

وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث ، والله أعلم .

وقال الثوري ، عن الصلت بن بهرام ، عن أبي المعتمر ، عن أبي جويرية قال : سأل رجل عليا عن إتيان امرأة في دبرها ، فقال : سفلت ، سفل الله بك !

ألم تسمع إلى قول الله عز وجل : ( أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) [ الأعراف : 80 ] .

وقد تقدم قول ابن مسعود ، وأبي الدرداء ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك ، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، أنه يحرمه .

قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الدارمي في مسنده : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا الليث ، عن الحارث بن يعقوب ، عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجواري ، أنحمض لهن ؟

قال : وما التحميض ؟

فذكر الدبر .

فقال : وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين ؟

وكذا رواه ابن وهب وقتيبة ، عن الليث ، به .

وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك ، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم .

وقال ابن جرير : حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر حدثني عبد الرحمن بن القاسم ، عن مالك بن أنس أنه قيل له : يا أبا عبد الله ، إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال : كذب العبد ، أو العلج ، على أبي [ عبد الله ] فقال مالك : أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني ، عن سالم بن عبد الله ، عن ابن عمر مثل ما قال نافع .

فقيل له : فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار : أنه سأل ابن عمر فقال له : يا أبا عبد الرحمن ، إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن ؟

فقال : وما التحميض ؟

فذكر له الدبر .

فقال ابن عمر : أف !

أف !

أيفعل ذلك مؤمن أو قال : مسلم .

فقال مالك : أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب ، عن ابن عمر ، مثل ما قال نافع .

وروى النسائي ، عن الربيع بن سليمان ، عن أصبغ بن الفرج الفقيه ، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال : قلت لمالك : إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب ، عن سعيد بن يسار ، قال : قلت لابن عمر : إنا نشتري الجواري ، فنحمض لهن ؟

قال : وما التحميض ؟

قلت : نأتيهن في أدبارهن .

فقال : أف !

أف !

أو يعمل هذا مسلم ؟

فقال لي مالك : فأشهد على ربيعة لحدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر ، فقال : لا بأس به .

وروى النسائي أيضا من طريق يزيد بن رومان ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن ابن عمر كان لا يرى بأسا أن يأتي الرجل المرأة في دبرها .

وروى معن بن عيسى ، عن مالك : أن ذلك حرام .

وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري : حدثني إسماعيل بن حصين ، حدثني إسماعيل بن روح : سألت مالك بن أنس : ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن : قال : ما أنتم قوم عرب .

هل يكون الحرث إلا موضع الزرع ، لا تعدو الفرج .

قلت : يا أبا عبد الله ، إنهم يقولون : إنك تقول ذلك ؟

!

قال : يكذبون علي ، يكذبون علي .

فهذا هو الثابت عنه ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة .

وهو قول سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة ، وعكرمة ، وطاوس ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وعروة بن الزبير ، ومجاهد بن جبر والحسن وغيرهم من السلف : أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار ، ومنهم من يطلق على فاعله الكفر ، وهو مذهب جمهور العلماء .

وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة ، حتى حكوه عن الإمام مالك ، وفي صحته عنه نظر .

[ وقد روى ابن جرير في كتاب النكاح له وجمعه عن يونس بن عبد الأحوص بن وهب إباحته ] .

قال الطحاوي : روى أصبغ بن الفرج ، عن عبد الرحمن بن القاسم قال : ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال .

يعني وطء المرأة في دبرها ، ثم قرأ : ( نساؤكم حرث لكم ) ثم قال : فأي شيء أبين من هذا ؟

هذه حكاية الطحاوي .

وقد روى الحاكم ، والدارقطني ، والخطيب البغدادي ، عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك .

ولكن في الأسانيد ضعف شديد ، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك ، فالله أعلم .

وقال الطحاوي : حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول : ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء .

والقياس أنه حلال .

وقد روى ذلكأبو بكر الخطيب ، عن أبي سعيد الصيرفي ، عن أبي العباس الأصم ، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، سمعت الشافعي يقول .

.

.

فذكر .

قال أبو نصر الصباغ : كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو : لقد كذب يعني ابن عبد الحكم على الشافعي في ذلك فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه ، والله أعلم .

وقال القرطبي في تفسيره : وممن ينسب إليه هذا القول وهو إباحة وطء المرأة في دبرها سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون .

وهذا القول في العتبية .

وحكى ذلك عن مالك في كتاب له أسماه كتاب السر ، وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب ، ومالك أجل من أن يكون له كتاب السر ووقع هذا القول في العتبية ، وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من رواية كثيرة من كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن هذا لفظه قال : وحكى الكيا الهراسي الطبري عن محمد بن كعب القرظي أنه استدل على جواز ذلك بقوله : ( أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون ) الشعراء : [ 165 ، 166 ] .

يعني مثله من المباح ثم رده بأن المراد بذلك من خلق الله لهم من فروج النساء لا أدبارهن .

قلت : وهذا هو الصواب وما قاله القرظي إن كان صحيحا إليه فخطأ .

وقد صنف الناس في هذه المسألة مصنفات منهم أبو العباس القرطبي وسمى كتابه إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار .

وقوله تعالى : ( وقدموا لأنفسكم ) أي : من فعل الطاعات ، مع امتثال ما نهاكم عنه من ترك المحرمات ; ولهذا قال : ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) أي : فيحاسبكم على أعمالكم جميعا .

( وبشر المؤمنين ) أي : المطيعين لله فيما أمرهم ، التاركين ما عنه زجرهم .

وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا حسين ، حدثني محمد بن كثير ، عن عبد الله بن واقد ، عن عطاء قال : أراه عن ابن عباس : ( وقدموا لأنفسكم ) قال : يقول : " باسم الله " ، التسمية عند الجماع .

وقد ثبت في صحيح البخاري ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال : باسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

نساؤكم حرث لكم القول في تأويل قوله تعالى : { نساؤكم حرث لكم } يعني تعالى ذكره بذلك : نساؤكم مزدرع أولادكم , فأتوا مزدرعكم كيف شئتم , وأين شئتم .

وإنما عنى بالحرث المزدرع , والحرث هو الزرع , ولكنهن لما كن من أسباب الحرث جعلن حرثا , إذ كان مفهوما معنى الكلام .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 3446 - حدثنا محمد بن عبيد المحاربي , قال : ثنا ابن المبارك , عن يونس , عن عكرمة , عن ابن عباس : { فأتوا حرثكم } قال : منبت الولد .

3447 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { نساؤكم حرث لكم } أما الحرث فهي مزرعة يحرث فيها .فأتوا حرثكم أنى شئتم القول في تأويل قوله تعالى : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } يعني تعالى ذكره بذلك : فانكحوا مزدرع أولادكم من حيث شئتم من وجوه المأتى .

والإتيان في هذا الموضع كناية عن اسم الجماع .

واختلف أهل التأويل في معنى قوله : { أنى شئتم } فقال بعضهم : معنى أنى : كيف .

ذكر من قال ذلك : 3448 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن عطية , قال : ثنا شريك , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : يأتيها كيف شاء ما لم يكن يأتيها في دبرها أو في الحيض .

* - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا شريك , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قوله : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : ائتها أنى شئت مقبلة ومدبرة , ما لم تأتها في الدبر والمحيض .

3449 - حدثنا علي بن داود قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس قوله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } يعني بالحرث : الفرج , يقول : تأتيه كيف شئت مستقبلة ومستدبرة وعلى أي ذلك أردت بعد أن لا تجاوز الفرج إلى غيره , وهو قوله : { فأتوهن من حيث أمركم الله } .

3450 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا شريك , عن عبد الكريم , عن عكرمة : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : يأتيها كيف شاء ما لم يعمل عمل قوم لوط .

3451 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا الحسن بن صالح , عن ليث , عن مجاهد : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : يأتيها كيف شاء , واتق الدبر والحيض .

3452 - حدثني عبيد الله بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , قال : ثني يزيد أن ابن كعب كان يقول : إنما قوله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقول : ائتها مضطجعة وقائمة ومنحرفة ومقبلة ومدبرة كيف شئت إذا كان في قبلها .

3453 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن مرة الهمداني , قال : سمعته يحدث : أن رجلا من اليهود لقي رجلا من المسلمين , فقال له : أيأتي أحدكم أهله باركا ؟

قال : نعم , قال : فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : فنزلت هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقول : كيف شاء بعد أن يكون في الفرج .

3454 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } إن شئت قائما أو قاعدا أو على جنب إذا كان يأتيها من الوجه الذي يأتي منه المحيض , ولا يتعدى ذلك إلى غيره .

3455 - حدثنا موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } ائت حرثك كيف شئت من قبلها , ولا تأتيها في دبرها , { أنى شئتم } قال : كيف شئتم .

3456 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا عمرو بن الحارث , عن سعيد بن أبي هلال أن عبد الله بن علي حدثه : أنه بلغه أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا يوما ورجل من اليهود قريب منهم , فجعل بعضهم يقول : إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة , ويقول الآخر : إني لآتيها وهي قائمة , ويقول الآخر : إني لآتيها على جنبها وباركة فقال اليهودي : ما أنتم إلا أمثال البهائم , ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة , فأنزل الله تعالى ذكره : { نساؤكم حرث لكم } فهو القبل .

وقال آخرون : معنى : { أنى شئتم } من حيث شئتم , وأي وجه أحببتم .

ذكر من قال ذلك : 3457 - حدثنا سهل بن موسى الرازي , قال : ثنا ابن أبي فديك , عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي , عن داود بن الحصين , عن عكرمة , عن ابن عباس : أنه كان يكره أن تؤتى المرأة في دبرها ويقول : إنما الحرث من القبل الذي يكون منه النسل والحيض .

وينهى عن إتيان المرأة في دبرها ويقول : إنما نزلت هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقول : من أي وجه شئتم .

3458 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا ابن واضح , قال : ثنا العتكي , عن عكرمة : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : ظهرها لبطنها غير معاجزة , يعني الدبر .

3459 - حدثنا عبيد الله بن سعد , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن يزيد , عن الحارث بن كعب , عن محمد بن كعب , قال : إن ابن عباس كان يقول : اسق نباتك من حيث نباته .

3460 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقول : من أين شئتم .

ذكر لنا والله أعلم أن اليهود قالوا : إن العرب يأتون النساء من قبل أعجازهن , فإذا فعلوا ذلك جاء الولد أحول ; فأكذب الله أحدوثتهم , فقال : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } .

3461 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد قال : يقول : ائتوا النساء في [ غير ] أدبارهن على كل نحو , قال ابن جريج : سمعت عطاء بن أبي رباح قال : تذاكرنا هذا عند ابن عباس , فقال ابن عباس : ائتوهن من حيث شئتم مقبلة ومدبرة فقال رجل : كأن هذا حلال .

فأنكر عطاء أن يكون هذا هكذا , وأنكره , كأنه إنما يريد الفرج مقبلة ومدبرة في الفرج .

وقال آخرون : معنى قوله : { أنى شئتم } متى شئتم .

ذكر من قال ذلك : 3462 - حدثنا عن حسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : أخبرنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقول : متى شئتم .

3463 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثنا أبو صخر , عن أبي معاوية البجلي , وهو عمار الدهني , عن سعيد بن جبير أنه قال : بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس , أتاه رجل فوقف على رأسه , فقال : يا أبا العباس - أو يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض ؟

فقال : بلى !

فقرأ : { ويسألونك عن المحيض } حتى بلغ آخر الآية , فقال ابن عباس : من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي , فقال له الرجل : يا أبا الفضل كيف بالآية التي تتبعها { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ؟

فقال : إي ويحك وفي الدبر من حرث ؟

لو كان ما تقول حقا لكان المحيض منسوخا إذا اشتغل من ههنا جئت من ههنا !

ولكن أنى شئتم من الليل والنهار .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : أين شئتم , وحيث شئتم .

ذكر من قال ذلك : 3464 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا ابن عون , عن نافع , قال : كان ابن عمر إذا قرئ القرآن لم يتكلم , قال : فقرأت ذات يوم هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } فقال : أتدري فيمن نزلت هذه الآية ؟

قلت : لا , قال : نزلت في إتيان النساء في أدبارهن .

* - حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم , قال : ثنا أبو عمر الضرير , قال : ثنا إسماعيل بن إبراهيم , صاحب الكرابيسي , عن ابن عون , عن نافع , قال : كنت أمسك على ابن عمر المصحف , إذ تلا هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } فقال : أن يأتيها في دبرها .

3465 - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا عبد الملك بن مسلمة , قال : ثنا الدراوردي , قال : قيل لزيد بن أسلم : إن محمد بن المنكدر ينهى عن إتيان النساء في أدبارهن فقال زيد : أشهد على محمد لأخبرني أنه يفعله .

3466 - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر , قال : ثني عبد الرحمن بن القاسم , عن مالك بن أنس , أنه قيل له : يا أبا عبد الله إن الناس يروون عن سالم : " وكذب العبد أو العلج على أبي " , فقال مالك : أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني , عن سالم بن عبد الله , عن ابن عمر مثل ما قال نافع .

فقيل له : إن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر , فقال له : يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري , فنحمض لهن ؟

فقال : وما التحميض ؟

قال : الدبر فقال ابن عمر : أف أف , يفعل ذلك مؤمن ؟

أو قال مسلم .

فقال مالك : أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع .

3467 - حدثني محمد بن إسحاق , قال : أخبرنا عمرو بن طارق , قال : أخبرنا يحيى بن أيوب , عن موسى بن أيوب الغافقي , قال : قلت لأبي ماجد الزيادي : إن نافعا يحدث عن ابن عمر : في دبر المرأة فقال : كذب نافع , صحبت ابن عمر ونافع مملوك , فسمعته يقول : ما نظرت إلى فرج امرأتي منذ كذا وكذا .

3468 - حدثني أبو قلابة قال : ثنا عبد الصمد , قال : ثني أبي , عن أيوب , عن نافع , عن ابن عمر : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : في الدبر .

3469 - حدثني أبو مسلم , قال : ثنا أبو عمر الضرير , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال ثنا روح بن القاسم , عن قتادة قال : سئل أبو الدرداء عن إتيان النساء في أدبارهن , فقال : هل يفعل ذلك إلا كافر قال روح : فشهدت ابن أبي مليكة يسأل عن ذلك , فقال : قد أردته من جارية لي البارحة فاعتاص علي , فاستعنت بدهن أو بشحم , قال : فقلت له : سبحان الله أخبرنا قتادة أن أبا الدرداء قال : هل يفعل ذلك إلا كافر !

فقال : لعنك الله ولعن قتادة !

فقلت : لا أحدث عنك شيئا أبدا , ثم ندمت بعد ذلك .

واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم بما : 3470 - حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : أخبرنا أبو بكر بن أبي أويس الأعشى , عن سليمان بن بلال , عن زيد بن أسلم , عن ابن عمر : أن رجلا أتى امرأته في دبرها , فوجد في نفسه من ذلك , فأنزل الله : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } .

3471 - حدثني يونس , قال : أخبرني ابن نافع , عن هشام بن سعد , عن زيد بن أسلم , عن عطاء بن يسار : أن رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنكر الناس ذلك وقالوا : أثفرها فأنزل الله تعالى ذكره : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } .

وقال آخرون : معنى ذلك : ائتوا حرثكم كيف شئتم , إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا .

ذكر من قال ذلك : 3472 - حدثني أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا الحسن بن صالح , عن ليث , عن عيسى بن سنان , عن سعيد بن المسيب : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } إن شئتم فاعزلوا , وإن شئتم فلا تعزلوا .

3473 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن يونس , عن أبي إسحاق , عن زائدة بن عمير , عن ابن عباس قال : إن شئت فاعزل , وإن شئت فلا تعزل .

وأما الذين قالوا : معنى قوله : { أنى شئتم } كيف شئتم مقبلة ومدبرة في الفرج والقبل , فإنهم قالوا : إن الآية إنما نزلت في استنكار قوم من اليهود استنكروا إتيان النساء في أقبالهن من قبل أدبارهن , قالوا : وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من أن معنى ذلك على ما قلنا .

واعتلوا لقيلهم ذلك بما : 3474 - حدثني به أبو كريب , قال : ثنا المحاربي , قال : ثنا محمد بن إسحاق , عن أبان بن صالح , عن مجاهد , قال : عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عنها , حتى انتهى إلى هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } فقال ابن عباس : إن هذا الحي من قريش , كانوا يشرحون النساء بمكة , ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات .

فلما قدموا المدينة تزوجوا في الأنصار , فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة , فأنكرن ذلك وقلن : هذا شيء لم نكن نؤتى عليه فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } إن شئت فمقبلة وإن شئت فمدبرة وإن شئت فباركة وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث , يقول : ائت الحرث من حيث شئت .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يونس بن بكير , عن محمد بن إسحاق بإسناده نحوه .

3475 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا ابن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن محمد بن المنكدر , قال : سمعت جابرا يقول : إن اليهود كانوا يقولون : إذا جامع الرجل أهله في فرجها من ورائها كان ولده أحول , فأنزل الله تعالى ذكره : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } .

* - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا الثوري , عن محمد بن المنكدر , عن جابر بن عبد الله قال : قالت اليهود : إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من دبرها وكان بينهما ولد كان أحول , فأنزل الله تعالى ذكره : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } .

3476 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبد الرحيم بن سليمان , عن عبد الله بن عثمان ابن خثيم , عن عبد الرحمن بن سابط , عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر , عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم , قالت : تزوج رجل امرأة , فأراد أن يجبيها , فأبت عليه وقالت : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم , قالت أم سلمة : فذكرت ذلك لي .

فذكرت أم سلمة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : " أرسلي إليها !

" فلما جاءت قرأ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } " صماما واحدا , صماما واحدا " .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية بن هشام , عن سفيان بن عبد الله بن عثمان , عن ابن سابط , عن حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر , عن أم سلمة , قالت : قدم المهاجرون فتزوجوا في الأنصار , وكانوا يجبون , وكانت الأنصار لا تفعل ذلك , فقالت امرأة لزوجها : حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله عن ذلك .

فأتت النبي صلى الله عليه وسلم , فاستحيت أن تسأله , فسألت أنا .

فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقرأ عليها : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم .

أنى شئتم } " صماما واحدا صماما واحدا " .

* - حدثني أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن عبد الله بن عثمان , عن عبد الرحمن بن سابط , عن حفصة بنت عبد الرحمن , عن أم سلمة , عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .

* - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا ابن مهدي , قال : ثنا سفيان الثوري , عن عبد الله بن عثمان بن خثيم , عن عبد الرحمن بن سابط , عن حفصة ابنة عبد الرحمن , عن أم سلمة , عن النبي صلى الله عليه وسلم : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } قال : " صماما واحدا , صماما واحدا " .

* - حدثني محمد بن معمر البحراني , قال : ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي , قال : ثني وهيب , قال : ثني عبد الله بن عثمان , عن عبد الرحمن بن سابط قال : قلت لحفصة : إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي منك أن أسألك , قالت : سل يا بني عما بدا لك !

قلت : أسألك عن غشيان النساء في أدبارهن ؟

قالت : حدثتني أم سلمة , قالت : كانت الأنصار لا تجبي , وكان المهاجرون يجبون , فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار .

ثم ذكر نحو حديث أبي كريب , عن معاوية بن هشام .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن ابن المنكدر : قال : سمعت جابر بن عبد الله , يقول : إن اليهود كانوا يقولون : إذا أتى الرجل امرأته باركة جاء الولد أحول , فنزلت { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } .

3477 - حدثني محمد بن أحمد بن عبد الله الطوسي , قال : ثنا الحسن بن موسى , قال : ثنا يعقوب القمي , عن جعفر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت !

قال : " وما الذي أهلكك ؟

" قال : حولت رحلي الليلة , قال : فلم يرد عليه شيئا , قال : فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } " أقبل وأدبر , واتق الدبر والحيضة " .

3478 - حدثنا زكريا بن يحيى المصري , قال : ثنا أبو صالح الحراني , قال : ثنا ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب أن عامر بن يحيى أخبره عن حنش الصنعاني , عن ابن عباس : أن ناسا من حمير أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أشياء , فقال رجل منهم : يا رسول الله إني رجل أحب النساء , فكيف ترى في ذلك ؟

فأنزل الله تعالى ذكره في سورة البقرة بيان ما سألوا عنه , وأنزل فيما سأل عنه الرجل : { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وائتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج " .

والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : معنى قوله { أنى شئتم } من أي وجه شئتم , وذلك أن أنى في كلام العرب كلمة تدل إذا ابتدئ بها في الكلام على المسألة عن الوجوه والمذاهب , فكأن القائل إذا قال لرجل : أنى لك هذا المال ؟

يريد من أي الوجوه لك , لذلك يجيب المجيب فيه بأن يقول : من كذا وكذا , كما قال تعالى ذكره مخبرا عن زكريا وفي مسألته مريم : { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } 3 37 وهي مقاربة أين وكيف في المعنى , ولذلك تداخلت معانيها , فأشكلت " أنى " على سامعها ومتأولها حتى تأولها بعضهم بمعنى أين , وبعضهم بمعنى كيف , وآخرون بمعنى متى , وهي مخالفة جميع ذلك في معناها وهن لها مخالفات .

وذلك أن " أين " إنما هي حرف استفهام عن الأماكن والمحال , وإنما يستدل على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها .

ألا ترى أن سائلا لو سأل آخر فقال : أين مالك ؟

لقال بمكان كذا , ولو قال له : أين أخوك ؟

لكان الجواب أن يقول : ببلدة كذا , أو بموضع كذا , فيجيبه بالخبر عن محل ما سأله عن محله , فيعلم أن أين مسألة عن المحل .

ولو قال قائل لآخر : كيف أنت ؟

لقال : صالح أو بخير أو في عافية , وأخبره عن حاله التي هو فيها , فيعلم حينئذ أن كيف مسألة عن حال المسئول عن حاله .

ولو قال له : أنى يحيي الله هذا الميت ؟

لكان الجواب أن يقال : من وجه كذا ووجه كذا , فيصف قولا نظير ما وصف الله تعالى ذكره للذي قال : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } 2 259 فعلا حين بعثه من بعد مماته .

وقد فرقت الشعراء بين ذلك في أشعارها , فقال الكميت بن زيد : تذكر من أنى ومن أين شربه يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل وقال أيضا : أنى ومن أين نابك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريب فيجاء ب " أنى " للمسألة عن الوجه و " أين " للمسألة عن المكان , فكأنه قال : من أي وجه ومن أي موضع رجعك الطرب .

والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } كيف شئتم , أو تأوله بمعنى حيث شئتم , أو بمعنى متى شئتم , أو بمعنى أين شئتم ; أن قائلا لو قال لآخر : أنى تأتي أهلك ؟

لكان الجواب أن يقول : من قبلها أو من دبرها , كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذ سئلت : { أنى لك هذا } أنها قالت : { هو من عند الله } 3 37 .

وإذ كان ذلك هو الجواب , فمعلوم أن معنى قول الله تعالى ذكره : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } إنما هو : فأتوا حرثكم من حيث شئتم من وجوه المأتى , وأن ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل .

وإذ كان ذلك هو الصحيح , فبين خطأ قول من زعم أن قوله : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } دليل على إباحة إتيان النساء في الأدبار , لأن الدبر لا يحترث فيه , وإنما قال تعالى ذكره : { حرث لكم } فأتوا الحرث من أي وجوهه شئتم , وأي محترث في الدبر فيقال ائته من وجهه .

وتبين بما بينا صحة معنى ما روي عن جابر وابن عباس من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين إذا أتى الرجل المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول .وقدموا لأنفسكم القول في تأويل قوله تعالى : { وقدموا لأنفسكم } اختلف أهل التأويل في معنى ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك : قدموا لأنفسكم الخير .

ذكر من قال ذلك : 3479 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , أما قوله : { وقدموا لأنفسكم } فالخير .

وقال آخرون : بل معنى ذلك { وقدموا لأنفسكم } ذكر الله عند الجماع وإتيان الحرث قبل إتيانه ذكر من قال ذلك : 3480 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني محمد بن كثير , عن عبد الله بن واقد , عن عطاء , قال : أراه عن ابن عباس : { وقدموا لأنفسكم } قال : التسمية عند الجماع يقول بسم الله .

والذي هو أولى بتأويل الآية , ما روينا عن السدي , وهو أن قوله : { وقدموا لأنفسكم } أمر من الله تعالى ذكره عباده بتقديم الخير , والصالح من الأعمال ليوم معادهم إلى ربهم , عدة منهم ذلك لأنفسهم عند لقائه في موقف الحساب , فإنه قال : تعالى ذكره : { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } 2 110 وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية , لأن الله تعالى ذكره عقب قوله : { وقدموا لأنفسكم } بالأمر باتقائه في ركوب معاصيه , فكان الذي هو أولى بأن يكون الذي قبل التهديد على المعصية عاما الأمر بالطاعة عاما .

فإن قال لنا قائل : وما وجه الأمر بالطاعة بقوله : { وقدموا لأنفسكم } من قوله : { نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ؟

قيل : إن ذلك لم يقصد به ما توهمته , وإنما عنى به وقدموا لأنفسكم من الخيرات التي ندبناكم إليها بقولنا : { يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين } وما بعده من سائر ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأجيبوا عنه مما ذكره الله تعالى ذكره في هذه الآيات , ثم قال تعالى ذكره : قد بينا لكم ما فيه رشدكم وهدايتكم إلى ما يرضي ربكم عنكم , فقدموا لأنفسكم الخير الذي أمركم به , واتخذوا عنده به عهدا لتجدوه لديه إذا لقيتموه في معادكم , واتقوه في معاصيه أن تقربوها وفي حدوده أن تضيعوها , واعلموا أنكم لا محالة ملاقوه في معادكم , فمجاز المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته .واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين القول في تأويل قوله تعالى : { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين } وهذا تحذير من الله تعالى ذكره عباده أن يأتوا شيئا مما نهاهم عنه من معاصيه , وتخويف لهم عقابه عند لقائه , كما قد بينا قبل , وأمر لنبيه محمد أن يبشر من عباده بالفوز يوم القيامة , وبكرامة الآخرة , وبالخلود في الجنة من كان منهم محسنا مؤمنا بكتبه ورسله وبلقائه , مصدقا إيمانه قولا بعمله ما أمره به ربه , وافترض عليه من فرائضه فيما ألزمه ومن حقوقه , وبتجنبه ما أمره بتجنبه من معاصيه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنينفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : نساؤكم حرث لكم روى الأئمة واللفظ لمسلم عن جابر بن [ ص: 87 ] عبد الله قال : ( كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول ) ، فنزلت الآية نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم زاد في رواية عن الزهري : إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير إن ذلك في صمام واحد .

ويروى : في سمام واحد بالسين ، قاله الترمذي .

وروى البخاري عن نافع قال : كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه ، فأخذت عليه يوما ، فقرأ سورة " البقرة " حتى انتهى إلى مكان قال : أتدري فيم أنزلت ؟

قلت : لا ، قال : نزلت في كذا وكذا ، ثم مضى .

وعن عبد الصمد قال : حدثني أبي قال حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر : فأتوا حرثكم أنى شئتم قال : يأتيها في .

قال الحميدي : يعني الفرج .

وروى أبو داود عن ابن عباس قال : ( إن ابن عمر - والله يغفر له - وهم ، إنما كان هذا الحي من الأنصار ، وهم أهل وثن ، مع هذا الحي من يهود ، وهم أهل كتاب : وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم ، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف ، وذلك أستر ما تكون المرأة ، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم ، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار ، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه ، وقالت : إنما كنا نؤتى على حرف!

فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني ، حتى شري أمرهما ؟

فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : فأتوا حرثكم أنى شئتم ، أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، يعني بذلك موضع الولد .

وروى الترمذي عن ابن عباس قال : جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هلكت!

قال : ( وما أهلكك ؟

) قال : حولت رحلي الليلة ، قال : فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، قال : فأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة قال : هذا حديث حسن صحيح .

وروى النسائي عن أبي النضر [ ص: 88 ] أنه قال لنافع مولى ابن عمر : قد أكثر عليك القول .

إنك تقول عن ابن عمر : ( أنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن ) .

قال نافع : لقد كذبوا علي!

ولكن سأخبرك كيف كان الأمر : إن ابن عمر عرض علي المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ : نساؤكم حرث لكم ، قال نافع : هل تدري ما أمر هذه الآية ؟

إنا كنا معشر قريش نجبي النساء ، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا ، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه ، وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن ، فأنزل الله سبحانه : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم .الثانية : هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث ، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة ، فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا ، ولا يباح!

وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم .

و " حرث " تشبيه ؛ لأنهن مزدرع الذرية ، فلفظ " الحرث " يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع .

وأنشد ثعلب :إنما الأرحام أرضو ن لنا محترثات فعلينا الزرع فيهاوعلى الله النباتففرج المرأة كالأرض ، والنطفة كالبذر ، والولد كالنبات ، فالحرث بمعنى المحترث .

ووحد الحرث لأنه مصدر ، كما يقال : رجل صوم ، وقوم صوم .الثالثة : قوله تعالى : أنى شئتم معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى : من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة ، كما ذكرنا آنفا .

و " أنى " تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات ، فهو أعم في اللغة من " كيف " ومن " أين " ومن " متى " ، هذا هو الاستعمال العربي في " أنى " .

وقد فسر الناس " أنى " في هذه الآية بهذه الألفاظ .

وفسرها سيبويه ب " كيف " ومن " أين " باجتماعهما .

وذهبت فرقة ممن فسرها ب " أين " إلى أن الوطء في الدبر مباح ، وممن نسب إليه هذا القول : سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون ، وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى " كتاب السر " .

وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب ، ومالك أجل من أن يكون له " كتاب سر " .

ووقع هذا القول في العتبية .

وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين ، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب " جماع النسوان وأحكام [ ص: 89 ] القرآن " .

وقال الكيا الطبري : وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا ، ويتأول فيه قول الله عز وجل : أتأتون الذكران من العالمين .

وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم .

وقال : فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم ، ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك ، وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له ، حتى يقال : تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح .

قال الكيا : وهذا فيه نظر ، إذ معناه : وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتكم ، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا ، فيجوز التوبيخ على هذا المعنى .

وفي قوله تعالى : فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله مع قوله : فأتوا حرثكم ما يدل على أن في المأتى اختصاصا ، وأنه مقصور على موضع الولد .قلت : هذا هو الحق في المسألة .

وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به ، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوي أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها ، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك ؛ لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح ، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء ، ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج .

وفي إجماعهم أيضا على أن العقيم التي لا تلد لا ترد .

والصحيح في هذه المسألة ما بيناه .

وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرءون من ذلك ؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث ، لقوله تعالى : فأتوا حرثكم ، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل ، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح ، وهذا هو الحق .

وقد قال أصحاب أبي حنيفة : إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم ، ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض ، فكان أشنع .

وأما صمام البول فغير صمام الرحم .

وقال ابن العربي في قبسه : قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه : الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين ، وأخرج يده عاقدا بها .

وقال : مسلك البول ما تحت الثلاثين ، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة ، وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة .

فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة .

وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك ، فنفر من ذلك ، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال : كذبوا علي ، كذبوا علي ، كذبوا علي!

ثم قال : ألستم قوما عربا ؟

ألم يقل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت!

وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل : أنى شئتم [ ص: 90 ] شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها ، إذ هي مخصصة بما ذكرناه ، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة ، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار ، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده ، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم .

وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه " تحريم المحل المكروه " .

ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه ( إظهار إدبار ، من أجاز الوطء في الأدبار ) .

قلت : وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة ، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه .

وقد حذرنا من زلة العالم .

وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا ، وتكفير من فعله ، وهذا هو اللائق به رضي الله عنه .

وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك ، كما ذكر النسائي ، وقد تقدم .

وأنكر ذلك مالك واستعظمه ، وكذب من نسب ذلك إليه .

وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجواري حين أحمض بهن ؟

قال : وما التحميض ؟

فذكرت له الدبر ، فقال : هل يفعل ذلك أحد من المسلمين!

وأسند عن خزيمة بن ثابت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن .

ومثله عن علي بن طلق .

وأسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تلك اللوطية الصغرى يعني إتيان المرأة في دبرها .

وروي عن طاوس أنه قال : كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن .

قال ابن المنذر : وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغني به عما سواه .الرابعة : قوله تعالى : وقدموا لأنفسكم أي قدموا ما ينفعكم غدا ، فحذف المفعول ، وقد صرح به في قوله تعالى : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله .

فالمعنى قدموا لأنفسكم الطاعة والعمل الصالح .

وقيل ابتغاء الولد والنسل ؛ لأن الولد خير [ ص: 91 ] الدنيا والآخرة ، فقد يكون شفيعا وجنة .

وقيل : هو التزوج بالعفائف ، ليكون الولد صالحا طاهرا .

وقيل : هو تقدم الأفراط ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم الحديث .

وسيأتي في " مريم " إن شاء الله تعالى .

وقال ابن عباس وعطاء : أي قدموا ذكر الله عند الجماع ، كما قال عليه السلام : لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره شيطان أبدا .

أخرجه مسلم .الخامسة : قوله تعالى : واتقوا الله تحذير .

واعلموا أنكم ملاقوه خبر يقتضي المبالغة في التحذير ، أي فهو مجازيكم على البر والإثم .

وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال : سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول : إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه .

أخرجه مسلم بمعناه .السادسة : قوله تعالى : وبشر المؤمنين تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } مقبلة ومدبرة غير أنه لا يكون إلا في القبل, لكونه موضع الحرث, وهو الموضع الذي يكون منه الولد.

وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر, لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث، وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم ذلك, ولعن فاعله.

{ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ } أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات, ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته, ويجامعها على وجه القربة والاحتساب, وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم.

{ وَاتَّقُوا اللَّهَ } أي: في جميع أحوالكم, كونوا ملازمين لتقوى الله, مستعينين بذلك لعلمكم، { أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ } ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها.

ثم قال: { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } لم يذكر المبشر به ليدل على العموم, وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير, رتب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة.

وفيها محبة الله للمؤمنين, ومحبة ما يسرهم, واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني أخبرنا محمد بن يعقوب أنا ابن المنادي أنا يونس أنا يعقوب القمي عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا رسول الله هلكت قال وما الذي أهلكك؟

قال : حولت رحلي البارحة فلم يرد عليه شيئا وأوحى الله إليه ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) يقول : أدبر وأقبل واتق الدبر والحيضة .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحيم بن منيب أنا ابن عيينة عن ابن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : كانت اليهود تقول في الذي يأتي امرأته من دبرها في قبلها : إن الولد يكون أحول فنزلت ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) .

وروى مجاهد عن ابن عباس قال كان من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم وكان هذا الحي من قريش يتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرت عليه وقالت : إنا كنا نؤتى على حرف فإن شئت فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى سرى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ( نساؤكم حرث لكم ) الآية يعني موضع الولد ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) مقبلات ومدبرات ومستلقيات وأنى حرف استفهام يكون سؤالا عن الحال والمحل معناه : كيف شئتم وحيث شئتم بعد أن يكون في صمام واحد وقال عكرمة ( أنى شئتم ) إنما هو الفرج ومثله عن الحسن وقيل ( حرث لكم ) أي مزرع لكم ومنبت للولد بمنزلة الأرض التي تزرع وفيه دليل على تحريم الأدبار لأن محل الحرث والزرع هو القبل لا الدبر .

وقال سعيد بن المسيب : هذا في العزل يعني إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا وسئل ابن عباس عن العزل فقال : حرثك إن شئت فأعطش وإن شئت فارو وروي عنه أنه قال : تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الجارية وبه قال أحمد وكره جماعة العزل وقالوا : هو الوأد الخفي وروى عن مالك عن نافع قال كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذه الآية ( نساؤكم حرث لكم ) فقال أتدري فيم نزلت هذه الآية؟

قلت : لا قال : نزلت في رجل أتى امرأته في دبرها ، فشق ذلك عليه فنزلت هذه الآية .

ويحكى عن مالك إباحة ذلك وأنكر ذلك أصحابه ، وروي عن عبد الله بن الحسن أنه لقي سالم بن عبد الله فقال له يا أبا عمر ما حديث يحدث نافع عن عبد الله أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء في أدبارهن فقال : كذب العبد وأخطأ إنما قال عبد الله : يؤتون في فروجهن من أدبارهن والدليل على تحريم الأدبار ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أخبرنا الشافعي أنا عمر محمد بن علي بن شافع أخبرني عبد الله بن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح عن خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم : في أي الخرمتين؟

أو في أي الخرزتين؟

أو في أي الخصفتين؟

أمن دبرها في قبلها فنعم أو من دبرها في دبرها فلا فإن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا عبد الله الحسين بن محمد الحافظ أنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي أخبرنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي أنا عبد الله بن أبان أنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن مسلم بن خالد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ملعون من أتى امرأته في دبرها " .

قوله تعالى : ( وقدموا لأنفسكم ) قال عطاء : التسمية عند الجماع قال مجاهد ( وقدموا لأنفسكم ) يعني إذا أتى أهله فليدع .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن إسماعيل أنا عثمان بن أبي شيبة أنا جرير عن منصور عن سالم عن كريب عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا " .

وقيل قدموا لأنفسكم يعني طلب الولد .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " وقيل : هو التزوج بالعفاف ليكون الولد صالحا .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن عبيد الله حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " وقيل معنى الآية تقديم الأفراط .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم " وقال الكلبي والسدي : وقدموا لأنفسكم يعني الخير والعمل الصالح بدليل سياق الآية ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) صائرون إليه فيجزيكم بأعمالكم ( وبشر المؤمنين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«نساؤكم حرث لكم» أي محل زرعكم الولد «فأتوا حرثكم» أي محله وهو القبل «أنَّى» كيف «شئتم» من قيام وقعود واضطجاع وإقبال وإدبار، نزل ردا لقول اليهود: من أتى امرأته في قبلها أي من جهة دبرها جاء الولد أحول «وقدموا لأنفسكم» العمل الصالح كالتسمية عند الجماع «واتقوا الله» في أمره ونهيه «واعلموا أنكم ملاقوه» بالبعث فيجازيكم بأعمالكم «وبشر المؤمنين» الذين اتقوه بالجنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

نساؤكم موضع زرع لكم، تضعون النطفة في أرحامهن، فَيَخْرج منها الأولاد بمشيئة الله، فجامعوهن في محل الجماع فقط، وهو القبل بأي كيفية شئتم، وقَدِّموا لأنفسكم أعمالا صالحة بمراعاة أوامر الله، وخافوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه للحساب يوم القيامة.

وبشِّر المؤمنين -أيها النبي- بما يفرحهم ويسرُّهم من حسن الجزاء في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - تعالى - : ( نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ) .روى الشيخان عن جابر قال : كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها ثم حملت كان ولدها أحول .

فأنزل الله - تعالى - قوله : ( نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ) الآية .والحرث في الأصل : تهيئة الأرض بالحراثة لإِلقايء البذر فيها .

وقد تطلق كلمة الحرث على الأرض المزروعة كما في قوله - تعالى - ( أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ ) أي على حديقتكم لجمع ما فيها من ثمار .وشبهت المرأة بالأرض لأن كليهما يمد الوجود الإِنساني بقائه ، فالزوجة تمده بعناصر تكوينه ، والأرض تمده بأسباب حياته .و ( أنى شِئْتُمْ ) بمعنى كيف شئتم ، أو متى شئتم في غير وقت الحيض .والمعنى : نساؤكم هن مزرع لكم ومنبت للولد ، أعدهن الله لذلك كما أعد الأرض للزراعة والإِنبات ، فأتوهن إذا تطهرن من الحيض في موضع الحرث كيف شئتم مستلقيات على ظهورهن أو غير ذلك ما دمتم تؤدون شهوتكم في صمام واحد وهو الفرج .وفي هذه الجملة الكريمة إشعار بأن المقصد الأول من الزواج إنما هو النسل ، ويشير إلى ذلك قوله ( نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ) إذ من شأن الحرث الصالح الانتاج وإشعار كذلك بما شرعه الله للزوجين من مؤانسة ومباسطة ويشير إلى ذلك قوله - تعالى - ( فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ) .ويرى صاحب الكشاف ن التشيبه بين ما يلقى في الأرحام من النطفة وبين البذر الذي يلقى في الأرض من حيث إن كلا منهما ينمو في مستودعه ويكون به البقاء والتوالد ، فقد قال - رحمه الله - :( نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ) مواضع الحرث لكم .

وهذا مجاز شبهن بالمحارث تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور ، وقوله : ( فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ) تمثيل ، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تحرثونها من أي جهة شئتم ، لا تحظر عليكم جهة دون جهة .

والمعنى : جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث .ثم قال : وقوله - تعالى - : ( هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء ) وقوله ( مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ) وقوله ( فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ) من الكنايات اللطيفة والتعريضات الحسنة .

وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدبوا بها ويتكلفوا مثلها في محاروتهم ومكاتبتهم .فإن قلت : ما موقع قوله ( نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ) مما قبله؟

قلت : موقعه موقع البيان والتوضيح لقوله : ( فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ) يعني أن المأتي الذي أمركم الله به هو مكان الحرث ترجمة له وتفسيرا ، أو إزالة للشبهة ودلالة على أن الغرض الأصيل في الإِتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتى الذي يتعلق به هذا الغرض " .ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله : ( وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ واتقوا الله واعلموا أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ المؤمنين ) .أي : عليكم أيها المؤمنون أن تقدموا في حاضركم لمستقبلكم من الأعمال الصالحة ما ينفعكم في دنياكم وآخرتكم ، بأن تختاروا في زواجكم ذات الدين ، وأن تسيروا في حياتكم الزوجية على الطريقة التي رسمها لكم خالقكم وعليكم كذلك أن تتقوه بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما نهاكم عنه ، وأن تعلموا علم اليقين أنكم ستلقونه فيحاسبكم على أعمالكم ويجازيكهم عليها بما تستحقون .وقوله : ( وَبَشِّرِ المؤمنين ) بشارة طيبة لمن آمن وعمل صالحا ، وتلقى ما كلفه الله - تعالى - بالطاعة والامتثال .وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد أرشدتا المسلم إلى أفضل الوسائل ، وأقوى الدعائم التي يقوم عليها صرح الحياة الزوجية والسعيدة ، والتي عن طريقها تأتي الذرية الصالحة الرشيدة ، وأن الإِسلام في تعاليمه لا يحاول أن ينكر أو يحطم غرائز الإِنسان وضرورياته ، وإنما الإِسلام يعترف بغرائز الإنسان وضرورياته ثم يعمل على تهذيبها وتقويمها بالطرق التي من شأنه إذا ما اتبعها أن يظفر بالسعادة والطمأنينة في دنياه وأخراه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الثامن: في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجوهاً أحدها: روي أن اليهود قالوا: من جامع امرأته في قبلها من دبرها كان ولدها أحول مخبلاً، وزعموا أن ذلك في التوراة، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت اليهود ونزلت هذه الآية.

وثانيها: روي عن ابن عباس أن عمر جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت، وحكى وقوع ذلك منه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وثالثها: كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة من دبرها في قبلها، وكانوا أخذوا ذلك من اليهود، وكانت قريش تفعل ذلك فأنكرت الأنصار ذلك عليهم، فنزلت الآية.

المسألة الثانية: ﴿ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ أي مزرع ومنبت للولد، وهذا على سبيل التشبيه، ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج، والحرث مصدر، ولهذا وحد الحرث فكان المعنى نساؤكم ذوات حرث لكم فيهن تحرثون للولد، فحذف المضاف، وأيضاً قد يسمى موضع الشيء باسم الشيء على سبيل المبالغة كقوله: فإنما هي إقبالي وإدبار *** ويقال: هذا أمر الله، أي مأموره، وهذا شهوة فلان، أي مشتهاه، فكذلك حرث الرجل محرثة.

المسألة الثالثة: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الآية أن الرجل مخير بين أن يأتيها من قبلها في قبلها، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها، فقوله: ﴿ أنى شِئْتُمْ ﴾ محمول على ذلك، ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهن، وسائر الناس كذبوا نافعاً في هذه الرواية، وهذا قول مالك، واختيار السيد المرتضى من الشيعة، والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه، وحجة من قال: إنه لا يجوز إتيان النساء في أدبارهن من وجوه: الحجة الأولى: أن الله تعالى قال في آية المحيض: ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء فِي المحيض  ﴾ جعل قيام الأذى علة لحرمة إتيان موضع الأذى، ولا معنى للأذى إلا ما يتأذى الإنسان منه وهاهنا يتأذى الإنسان بنتن روائح ذلك الدم وحصول هذه العلة في محل النزاع أظهر فإذا كانت تلك العلة قائمة هاهنا وجب حصول الحرمة.

الحجة الثانية: قوله تعالى: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله  ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولا يمكن أن يقال: إنه يفيد وجوب إتيانهن لأن ذلك غير واجب، فوجب حمله على أن المراد منه أن من أتى المرأة وجب أن يأتيها في ذلك الموضع الذي أمر الله تعالى به ثم هذا غير محمول على الدبر، لأن ذلك بالإجماع غير واجب فتعين أن يكون محمولاً على القبل، وذلك هو المطلوب.

الحجة الثالثة: روى خزيمة بن ثابت أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حلال، فلما ولى الرجل دعاه فقال: كيف قلت في أي الخربتين، أو في أي الخرزتين، أو في أي الخصفتين، أو من قبلها في قبلها فنعم، أمن دبرها في قبلها فنعم، أمن دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحي من الحق: لا تؤتوا النساء في أدبارهن» وأراد بخربتها مسلكها، وأصل الخربة عروة المزادة شبه الثقب بها، والخرزة هي التي يثقبها الخراز، كنى به عن المأتي، وكذلك الخصفة من قولهم: خصفت الجلد إذا خرزته، حجة من قال بالجواز وجوه: الحجة الأولى: التمسك بهذه الآية من وجهين: الأول: أنه تعالى جعل الحرث اسماً للمرأة فقال: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة لا للموضع المعين، فلما قال بعده: ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ﴾ كان المراد فأتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقاً في إتيانهن على جميع الوجوه، فيدخل فيه محل النزاع.

الوجه الثاني: أن كلمة ﴿ أَنّى ﴾ معناها أين، قال الله تعالى: ﴿ أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله  ﴾ والتقدير: من أين لك هذا فصار تقدير الآية: فأتوا حرثكم أين شئتم وكلمة: أين شئتم، تدل على تعدد الأمكنة: اجلس أين شئت ويكون هذا تخييراً بين الأمكنة.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه لا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها في قبلها، أو من دبرها في قبلها لأن على هذا التقدير المكان واحد، والتعداد إنما وقع في طريق الإتيان، واللفظ اللائق به أن يقال: اذهبوا إليه كيف شئتم فلما لم يكن المذكور هاهنا لفظة: كيف، بل لفظة ﴿ أَنّى ﴾ ويثبت أن لفظة ﴿ أَنّى ﴾ مشعرة بالتخيير بين الأمكنة، ثبت أنه ليس المراد ما ذكرتم بل ما ذكرناه.

الحجة الثانية: لهم: التمسك بعموم قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم  ﴾ ترك العمل به في حق الذكور لدلالة الإجماع، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق النسوان.

الحجة الثالثة: توافقنا على أنه لو قال للمرأة: دبرك على حرام ونوى الطلاق أنه يكون طلاقاً، وهذا يقتضي كون دبرها حلالاً له، هذا مجموع كلام القوم في هذا الباب.

أجاب الأولون فقالوا: الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية إتيان النساء في غير المأتي وجوه: الأول: أن الحرث اسم لموضع الحراثة، ومعلوم أن المراد بجميع أجزائها ليست موضعاً للحراثة، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة، ويقتضي هذا الدليل أن لايطلق لفظ الحرث على ذات المرأة إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ لأن الله تعالى صرح هاهنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة، فحملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية كل الشيء باسم جزئه، وهذه الصورة مفقودة في قوله: ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ ﴾ فوجب حمل الحرث هاهنا على موضع الحراثة على التعيين، فثبت أن الآية لا دلالة فيها إلا على إتيان النساء في المأتي.

الوجه الثاني: في بيان أن هذه الآية لا يمكن أن تكون دالة على ما ذكروه لما بينا أن ما قبل هذه الآية يدل على المنع مما ذكروه من وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى  ﴾ والثاني: قوله: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ فلو دلت هذه الآية على التجويز لكان ذلك جمعاً بين ما يدل على التحريم وبين ما يدل على التحليل في موضع واحد، والأصل أنه لا يجوز.

الوجه الثالث: الروايات المشهورة في أن سبب نزول هذه الآية اختلافهم في أنه هل يجوز إتيانها من دبرها في قبلها، وسبب نزول الآية لا يكون خارجاً عن الآية فوجب كون الآية متناولة لهذه الصورة، ومتى حملناها على هذه الصورة لم يكن بنا حاجة إلى حملها على الصورة الأخرى فثبت بهذه الوجوه أن المراد من الآية ليس ما ذكروه، وعند هذا نبحث عن الوجوه التي تمسكوا بها على التفصيل.

أما الوجه الأول: فقد بينا أن قوله: ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ ﴾ معناه: فأتوه موضع الحرث.

وأما الثاني: فإنه لما كان المراد بالحرث في قوله: ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ ﴾ ذلك الموضع المعين لم يكن حمل ﴿ أنى شِئْتُمْ ﴾ على التخيير في مكان، وعند هذا يضمر فيه زيادة، وهي أن يكون المراد من ﴿ أنى شِئْتُمْ ﴾ فيضمر لفظة: من، لا يقال ليس حمل لفظ الحرث على حقيقته، والتزام هذا الإضمار أولى من حمل لفظ الحرث على المرأة على سبيل المجاز، حتى لا يلزمنا هذا الإضمار لأن نقول: بل هذا أولى، لأن الأصل في الإبضاع الحرمة.

وأما الثالث: فجوابه: أن قوله: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم  ﴾ عام، ودلائلنا خاصة، والخاص مقدم على العام.

وأما الرابع: فجوابه: أن قوله: دبرك على حرام، إنما صلح أن يكون كناية عن الطلاق، لأنه محل لحل الملابسة والمضاجعة، فصار ذلك كقوله: يدك طالق، والله أعلم.

المسألة الرابعة: اختلف المفسرون في تفسير قوله: ﴿ أنى شِئْتُمْ ﴾ والمشهور ما ذكرناه أنه يجوز للزوج أن يأتيها من قبلها في قبلها، ومن دبرها في قبلها والثاني: أن المعنى: أي وقت شئتم من أوقات الحل: يعنى إذا لم تكن أجنبية، أو محرمة، أو صائمة، أو حائضاً والثالث: أنه يجوز للرجل أن ينكحها قائمة أو باركة، أو مضطجعة، بعد أن يكون في الفرج الرابع: قال ابن عباس: المعنى إن شاء، وإن شاء لم يعزل، وهو منقول عن سعيد بن المسيب الخامس: متى شئتم من ليل أو نهار.

فإن قيل: فما المختار من هذه الأقاويل؟.

قلنا: قد ظهر عن المفسرين أن سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود كانوا يقولون: من أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى هذا لتكذيب قولهم، فكان الأولى حمل اللفظ عليه، وأما الأوقات فلا مدخل لها في هذا الباب، لأن ﴿ أَنّى ﴾ يكون بمعنى ﴿ متى ﴾ ويكون بمعنى ﴿ كَيْفَ ﴾ وأما العزل وخلافه فلا يدخل تحت ﴿ أنّى ﴾ لأن حال الجماع لا يختلف بذلك، فلا وجه لحمل الكلام إلا على ما قلنا.

أما قوله: ﴿ وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ ﴾ فمعناه: افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة ونظيره أن يقول الرجل لغيره: قدم لنفسك عملاً صالحاً، وهو كقوله: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى  ﴾ ونظير لفظ التقديم ما حكى الله تعالى عن فريق من أهل النار وهو قوله: ﴿ قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ القرار  ﴾ .

فإن قيل: كيف تعلق هذا الكلام بما قبله؟.

قلنا: نقل عن ابن عباس أنه قال: معناه التسمية عند الجماع وهو في غاية البعد، والذي عندي فيه أن قوله: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ جار مجرى التنبيه على سبب إباحة الوطء، كأنه قيل: هؤلاء النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن لكم لأجل أنهن حرث لكم أي بسبب أنه يتولد الولد منها ثم قال بعده: ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ﴾ أي لما كان السبب في إباحة وطئها لكم حصول الحرث، فأتوا حرثكم، ولاتأتوا غير موضع الحرث، فكان قوله: ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ ﴾ دليلاً على الإذن في ذلك الموضع، والمنع من غير ذلك الموضع، فلما اشتملت الآية عل الإذن في أحد الموضعين، والمنع عن الموضع الآخر، لا جرم قال: ﴿ وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ ﴾ أي لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيد تقديم الطاعة، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ ثم أكده ثالثاً بقوله: ﴿ واعلموا أَنَّكُم ملاقوه ﴾ وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا يليق ذكرها إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى، فثبت أن ما قبل هذه الآية دال على تحريم هذا العمل، وما بعدها أيضاً دال على تحريمه، فظهر أن المذهب الصحيح في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المجتهدين.

أما قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله واعلموا أَنَّكُم ملاقوه ﴾ فاعلم أن الكلام في التقوى قد تقدم، والكلام في تفسير لقاء الله تعالى قد تقدم في قوله: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ  ﴾ واعلم أنه تعالى ذكر هذه الأمور الثلاثة أولها: ﴿ وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ ﴾ والمراد منه فعل الطاعات.

وثانيها: قوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ والمراد منه ترك المحظورات.

وثالثها: قوله: ﴿ واعلموا أَنَّكُم ملاقوه ﴾ وفيه إشارة إلى أني إنما كلفتكم بتحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات لأجل يوم البعث والنشور والحساب، فلولا ذلك اليوم لكان تحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات عبثاً وما أحسن هذا الترتيب، ثم قال: ﴿ وَبَشّرِ المؤمنين ﴾ والمراد منه رعاية الترتيب المعتبر في القرآن وهو أن يجعل مع كل وعيد وعداً والمعنى وبشر المؤمنين خاصة بالثواب والكرامة فحذف ذكرهما لما أنهم كالمعلوم، فصار كقوله: ﴿ وَبَشّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ المحيض ﴾ مصدر.

يقال: حاضت محيضاً، كقولك: جاء مجيئاً وبات مبيتاً ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة منه وكراهة له ﴿ فاعتزلوا النساء ﴾ فاجتنبوهنّ؛ يعني فاجتنبوا مجامعتهنّ.

روي: أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس، فلما نزلت أخذ المسلمون بظاهر اعتزالهنّ فأخرجوهنّ من بيوتهن، فقال ناس من الأعراب: يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت؛ وإن استأثرنا بها هلكت الحِيَّضُ: فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم» وقيل: إنّ النصارى كانوا يجامعونهنّ ولا يبالون بالحيض، واليهود كانوا يعتزلونهنّ في كل شيء، فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين، وبين الفقهاء خلاف في الاعتزال، فأبو حنيفة وأبو يوسف: يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإزار، ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفرج، وروى محمد حديث عائشة رضي الله عنها: أنّ عبد الله بن عمر سألها: هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟

فقالت: تشدّ إزارها على سفلتها، ثم ليباشرها إن شاء.

وما روى زيد بن أسلم: أنّ رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟

قال: «لتشدّ عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها» ، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة.

وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك وقرئ ﴿ يطهرن ﴾ بالتشديد، أي يتطهرن، بدليل قوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ وقرأ عبد الله: ﴿ حتى يتطهرن ﴾ .

و ﴿ يطهرن ﴾ بالتخفيف.

والتطهر: الاغتسال.

والطهر: انقطاع دم الحيض.

وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل، وفي أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة.

وذهب الشافعي إلى أنه لا يقربها حتى تطهر وتُطَهَّر، فتجمع بين الأمرين، وهو قول واضح.

ويعضده قوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ .

﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ من المأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ التوبين ﴾ مما عسى يندر منهم من ارتكاب مانهوا عنه من ذلك ﴿ وَيُحِبُّ المتطهرين ﴾ المتنزهين عن الفواحش.

أو إنّ الله يحبّ التوّابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار: كمجامعة الحائض والطاهر قبل الغسل، وإتيان ما ليس بمباح، وغير ذلك ﴿ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ مواضع الحرث لكم.

وهذا مجاز، شبهن بالمحارث تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور.

وقوله: ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ﴾ تمثيل، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم.

لا تحظر عليكم جهة دون جهة، والمعنى: جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتى واحداً وهو موضع الحرث.

وقوله: ﴿ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء ﴾ ، ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ ، ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ﴾ من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة.

وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدّبوا بها ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم.

وروي: أن اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته وهي مجبية من دبرها في قبلها كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال كذبت اليهود ونزلت.

﴿ وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ ﴾ ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو خلاف ما نهيتكم عنه.

وقيل: هو طلب الولد، وقيل: التسمية على الوطء ﴿ واتقوا الله ﴾ فلا تجترئوا على المناهي ﴿ واعلموا أَنَّكُم ملاقوه ﴾ فتزوّدوا ما لا تفتضحون به ﴿ وَبَشّرِ المؤمنين ﴾ المستوجبين للمدح والتعظيم بترك القبائح وفعل الحسنات فإن قلت: ما موقع قوله: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ مما قبله؟

قلت: موقعه موقع البيان والتوضيح لقوله: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ يعني أنّ المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث، ترجمة له وتفسيراً، أو إزالة للشبهة، ودلالة على أنّ الغرض الأصيل في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهنّ إلا من المأتي الذي يتعلق به هذا الغرض.

فإن قلت: ما بال ﴿ يَسْألُونَكَ ﴾ جاء بغير واو ثلاث مرات، ثم مع الواو ثلاثاً؟

قلت: كان سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرّقة، فلم يؤت بحرف العطف لأنّ كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ.

وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع لذلك، كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن الإنفاق، والسؤال عن كذا وكذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ مَواضِعُ حَرْثٍ لَكم.

شَبَّهُّنَ بِها تَشْبِيهًا لِما يُلْقى في أرْحامِهِنَّ مِنَ النُّطَفِ بِالبُذُورِ ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ﴾ أيْ فَأْتُوهُنَّ كَما تَأْتُونَ المَحارِثَ، وهو كالبَيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ ﴿ أنّى شِئْتُمْ ﴾ مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ، «رُوِيَ (أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: مَن جامَعَ امْرَأتَهُ مِن دُبُرِها في قُبُلِها كانَ ولَدُها أحْوَلُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ) فَنَزَلَتْ.» ﴿ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ﴾ ما يُدَّخَرُ لَكم مِنَ الثَّوابِ.

وقِيلَ هو طَلَبُ الوَلَدِ.

وقِيلَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الوَطْءِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بِالِاجْتِنابِ عَنْ مَعاصِيهِ.

﴿ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ ﴾ فَتَزَوَّدُوا ما لا تَفْتَضِحُونَ بِهِ.

﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ الكامِلِينَ في الإيمانِ بِالكَرامَةِ والنَّعِيمِ الدّائِمِ.

أُمِرَ الرَّسُولُ  أنْ يَنْصَحَهم ويُبَشِّرَ مَن صَدَّقَهُ وامْتَثَلَ أمْرَهُ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

كان اليهود يقولون إذا أتى الرجل أهله باركة أتى الولد أحول فنزل {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} مواضع حرث لكم وهذا مجاز شبهن بالمحاريث تشبيهاً لما يلقى في أرحامهن من النطف التى منها النسل بالبذور والولد

بالبنات ووقع قوله {نساؤكم حرث لكم} بياناً وتوضيحاً لقوله {فأتوهن من حيث أمركم الله} أي إن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث لا مكان الفرث تنبيهاً على أن المطلوب الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لإقضاء الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتي الذي نيط به هذا المطلوب {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ} جامعوهن متى شئتم أو كيف شئتم باركة أو مستلقية أو مضطجعة بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث وهو تمثيل أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم لا يحظر عليكم جهة دون جهة وقوله هو أذى فاعتزلوا النساء من حيث أمركم الله فأتوا حرثكم أنى شئتم من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة فعلى كل مسلم أن يتأدب بها ويتكلف مثلها في المحاورات والمكاتبات {وَقَدّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ} ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو خلاف ما نهيتم عنه أو هو طلب

البقرة (٢٢٣ _ ٢٢٦)

الولد أو والتسمية على الوطء {واتقوا الله} فلا تجترءوا على المناهي {واعلموا أَنَّكُم ملاقوه} صائرون إليه فاستعدوا للقائه {وَبَشِّرِ المؤمنين} بالثواب يا محمد وإنما جاء يسئلونك ثلاث مرات بلا واو ثم مع واو ثلاثا لأن سؤالهم عن تلك الحوادث الأول كأنه وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف لأن كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ وسألوا عن الحوادث الأخر فى وقت واحد فجئ بحرف الجمع لذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ أخْرَجَ البُخارِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ جابِرٍ قالَ: ”كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ إذا أتى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ مِن خَلْفِها في قُبُلِها ثُمَّ حَمَلَتْ جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَنَزَلَتْ“ والحَرْثُ إلْقاءُ البِذْرِ في الأرْضِ، وهو غَيْرُ الزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ إنْباتُهُ يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ﴾ ﴿ أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ ﴾ وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الحَرْثُ الزَّرْعُ والحارِثُ الزّارِعُ، وعَلى كُلٍّ تَقْدِيرٌ هو خَبَرٌ عَمّا قَبْلَهُ، إمّا بِحَذْفِ المُضافِ أيْ مَواضِعِ حَرْثٍ، أوِ التَّجَوُّزِ والتَّشْبِيهِ البَلِيغِ؛ أيْ كَمَواضِعَ ذَلِكَ، وتَشْبِيهُهُنَّ بِتِلْكَ المَواضِعِ مُتَفَرِّعٌ عَلى تَشْبِيهِ النُّطَفِ بِالبُذُورِ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما مادَّةٌ لِما يَحْصُلُ مِنهُ ولا يَحْسُنُ بِدُونِهِ، فَهو تَشْبِيهٌ يُكَنّى بِهِ عَنْ تَشْبِيهٍ آخَرَ ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ﴾ أيْ: ما هو كالحَرْثِ، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَبْقى الحَرْثُ عَلى حَقِيقَتِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ، شَبَّهَ حالَ إتْيانِهِمُ النِّساءَ في المَأْتِيِّ بِحالِ إتْيانِهِمُ المَحارِثَ في عَدَمِ الِاخْتِصاصِ بِجِهَةٍ دُونَ جِهَةٍ، ثُمَّ أطْلَقَ لَفْظَ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْفَقُ لِتَفْرِيعِ حُكْمِ الإتْيانِ عَلى تَشْبِيهِهِنَّ بِالحَرْثِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ مِن حَيْثُ المُتَعَلِّقِ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ، وما قَبْلَها عِلَّةٌ لِما بَعْدَها، وقُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ العِلَّةِ، ولِيَحْصُلَ الحُكْمُ مُعَلَّلًا فَيَكُونَ أوْقَعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجْمُوعُ كالبَيانِ لِما تَقَدَّمَ، والفاءَ لِلْعَطْفِ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جائِزٌ بِعاطِفٍ سِوى الواوِ.

﴿ أنّى شِئْتُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ: مِن أيْنَ شِئْتُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَيْفَ شِئْتُمْ، وقالَ الضَّحّاكُ: مَتى شِئْتُمْ، ومَجِيءُ أنّى بِمَعْنى أيْنَ وكَيْفَ ومَتى مِمّا أثْبَتَهُ الجَمُّ الغَفِيرُ، وتَلْزَمُها عَلى الأوَّلِ (مَن) ظاهِرَةٌ أوْ مُقَدَّرَةٌ، وهي شَرْطِيَّةٌ حُذِفَ جَوابُها لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَها هُنا بِمَعْزِلٍ بِمَعْنى مِن أيْنَ، أيْ: مِن أيِّ جِهَةٍ لِيَدْخُلَ فِيهِ بَيانُ النُّزُولِ، والقَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ دَلِيلًا عَلى جَوازِ الإتْيانِ مِنَ الإدْبارِ ناشِئٌ مِن عَدَمِ التَّدَبُّرِ في أنَّ (مَن) لازِمَةٌ إذْ ذاكَ، فَيَصِيرُ المَعْنى مِن أيِّ مَكانٍ لا في أيِّ مَكانٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْتَفادُ حِينَئِذٍ تَعْمِيمَ الجِهاتِ مِنَ القُدّامِ والخَلْفِ والفَوْقِ والتَّحْتِ واليَمِينِ والشَّمالِ لا تَعْمِيمَ مَواضِعِ الإتْيانِ، فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن جَوَّزَ إتْيانَ المَرْأةِ في دُبُرِها كابْنِ عُمَرَ، والأخْبارُ عَنْهُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ، والرِّواياتُ عَنْهُ بِخِلافِها عَلى خِلافِها، وكابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ وعَبْدِ اللهِ بْنِ القاسِمِ حَتّى قالَ فِيما أخْرَجَهُ الطَّحاوِيُّ عَنْهُ: ما أدْرَكْتُ أحَدًا أُفْتَدى بِهِ في دِينِي يَشُكُّ في أنَّهُ حَلالٌ، وكَمالِكِ بْنِ أنَسٍ، حَتّى أخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أبِي سُلَيْمانَ الجَوْزَجانِيِّ، أنَّهُ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ: السّاعَةَ غَسَلْتُ رَأْسَ ذَكَرِي مِنهُ، وكَبَعْضِ الإمامِيَّةِ: لا كُلُّهم كَما يَظُنُّهُ بَعْضُ النّاسِ مِمَّنْ لا خِبْرَةَ لَهُ بِمَذْهَبِهِمْ، وكَسُحْنُونٍ: مِنَ المالِكِيَّةِ، والباقِي مِن أصْحابِ مالِكٍ يُنْكِرُونَ رِوايَةَ الحِلِّ عَنْهُ ولا يَقُولُونَ بِهِ، ويا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى الجَوازِ مَعَ ما ذَكَرْناهُ فِيها، ومَعَ قِيامِ الِاحْتِمالِ كَيْفَ يَنْتَهِضُ الِاسْتِدْلالُ لا سِيَّما، وقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ وُجُوبِ الِاعْتِزالِ في المَحِيضِ، وعَلَّلَ بِأنَّهُ أذًى مُسْتَقْذَرٌ تَنْفُرُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ عَنْهُ، وهو يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاعْتِزالِ عَنِ الإتْيانِ في الإدْبارِ لِاشْتِراكِ العِلَّةِ، ولا يُقاسُ ما في المَحاشِ مِنَ الفُضْلَةِ بِدَمِ الِاسْتِحاضَةِ، ومَن قاسَ فَقَدْ أخْطَأتِ اسْتُهُ الحُفْرَةَ لِظُهُورٍ الِاسْتِقْذارِ، والنَّفْرَةُ مِمّا في المَحاشِ دُونَ دَمِ الِاسْتِحاضَةِ، وهو دَمُ انْفِجارِ العِرْقِ كَدَمِ الجُرْحِ، وعَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّ أنّى تَدُلُّ عَلى تَعْمِيمِ مَواضِعِ الإتْيانِ - كَما هو الشّائِعُ - يُجابُ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِمَواضِعِ الحَرْثِ يَدْفَعُ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: بَيْنا أنا ومُجاهِدٌ جالِسانِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -؛ إذْ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: ألا تَشْفِيَنِي مِن آيَةِ المَحِيضِ؟

قالَ: بَلى، فَقَرَأ ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ ﴾ إلى ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن حَيْثُ جاءَ الدَّمُ مِن ثَمَّ أُمِرْتَ أنْ تَأْتِيَ، فَقالَ: كَيْفَ بِالآيَةِ ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ ﴾ فَقالَ: ويْحُكَ، وفي الدُّبُرِ مِن حَرْثٍ؟

لَوْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا لَكانَ المَحِيضُ مَنسُوخًا إذا شُغِلَ مِن هَهُنا جِئْتَ مِن هَهُنا، ولَكِنْ أنّى شِئْتُمْ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وما قِيلَ: مِن أنَّهُ لَوْ كانَ في الآيَةِ تَعْيِينُ الفَرَجِ لِكَوْنِهِ مَوْضِعَ الحَرْثِ لَلَزِمَ تَحْرِيمُ الوَطْءِ بَيْنَ السّاقَيْنِ وفي الأعْكانِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مَوْضِعَ حَرْثٍ كالمَحاشِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ الأُمَناءَ فِيما عَدا الضِّمامَيْنِ لا يُعَدُّ في العُرْفِ جِماعًا ووَطْئًا، واللَّهُ - تَعالى - قَدْ حَرَّمَ الوَطْءَ والجِماعَ في غَيْرِ مَوْضِعِ الحَرْثِ لا الِاسْتِمْناءَ، فَحُرْمَةُ الِاسْتِمْناءِ بَيْنَ السّاقَيْنِ وفي الأعْكانِ لَمْ تُعْلَمْ مِنَ الآيَةِ إلّا أنْ يُعَدَّ ذَلِكَ إيتاءً وجِماعًا وأنّى بِهِ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن هَذا، وبِهِ يُعْلَمُ ما في مُناظَرَةِ الإمامِ الشّافِعِيِّ والإمامِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عَبْدِ الحَكَمِ: أنَّ الشّافِعِيَّ ناظَرَ مُحَمَّدًا في هَذِهِ المَسْألَةِ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِ ابْنُ الحَسَنِ بِأنَّ الحَرْثَ إنَّما يَكُونُ في الفَرْجِ، فَقالَ لَهُ: أفَيَكُونُ ما سِوى الفَرَجِ مُحَرَّمًا فَألْتَزِمُهُ؟

فَقالَ: أرَأيْتَ لَوْ وطِئَها بَيْنَ ساقَيْها أوْ في أعْكانِها أوَفِي ذَلِكَ حَرْثٌ؟

قالَ: لا، قالَ: أفَيَحْرُمُ؟

قالَ: لا، قالَ: فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِما لا تَقُولُ بِهِ، وكَأنَّهُ مِن هُنا قالَ الشّافِعِيُّ، فِيما حَكاهُ عَنْهُ الطَّحاوِيُّ والحاكِمُ والخَطِيبُ، لَمّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تَحْلِيلِهِ ولا تَحْرِيمِهِ شَيْءٌ، والقِياسُ أنَّهُ حَلالٌ، وهَذا خِلافُ ما نَعْرِفُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، فَإنَّ رِوايَةَ التَّحْرِيمِ عَنْهُ مَشْهُورَةٌ، فَلَعَلَّهُ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ في القَدِيمِ، ورَجَعَ عَنْهُ في الجَدِيدِ لِما صَحَّ عِنْدَهُ مِنَ الإخْبارِ أوْ ظَهَرَ لَهُ مِنَ الآيَةِ ﴿ وقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ﴾ ما يَصْلُحُ لِلتَّقْدِيمِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، ومِنهُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الجِماعِ وطَلَبِ الوَلَدِ المُؤْمِنِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”لَوْ أنَّ أحَدَكم إذا أتى أهْلَهُ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنا الشَّيْطانَ وجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما رَزَقَتْنا، فَقَضى بَيْنَهُما ولَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطانُ أبَدًا“،» وصَحَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”إذا ماتَ الإنْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ؛ صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، وعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، ووَلَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ“،» وعَنْ عَطاءٍ: تَخْصِيصُ المَفْعُولِ بِالتَّسْمِيَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: بِالدُّعاءِ عِنْدَ الجِماعِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: بِطَلَبِ الوَلَدِ، وعَنْ آخَرِينَ: بِتَزَوُّجِ العَفائِفِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ.

﴿ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ ﴾ بِالبَعْثِ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم فَتَزَوَّدُوا ما يَنْفَعُكُمْ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِحَذْفِ مُضافٍ أوْ بِدُونِهِ ورُجُوعُهُ إلى ما قَدَّمْتُمْ أوْ إلى الجَزاءِ المَفْهُومِ مِنهُ بَعِيدٌ، والأوامِرُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ﴾ وفائِدَتُها الإرْشادُ العامُّ بَعْدَ الإرْشادِ الخاصِّ، وكَوْنُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مَبْنِيَّةً لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلَيْها كَذَلِكَ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ 223﴾ الَّذِينَ تَلَقَّوْا ما خُوطِبُوا بِهِ بِالقَبُولِ والِامْتِثالِ بِما لا تُحِيطُ بِهِ عِبارَةٌ مِنَ الكَرامَةِ والنَّعِيمِ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكامِلِينَ في الإيمانِ بِناءً عَلى أنَّ الخِطاباتِ السّابِقَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ لَهم كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ (وبَشِّرْهُمْ)، فَلَمّا وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ عُلِمَ أنَّ المُرادَ غَيْرُ السّابِقِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الكامِلُونَ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُدُولُ إلى الظّاهِرِ لِلدَّلالَةِ عَلى العِلْيَةِ، ولِكَوْنِهِ فاصِلَةً، فَلا يَتِمُّ ما ذَكَرَهُ، والواوُ لِلْعَطْفِ، وبَشِّرِ عَطْفٌ عَلى (قُلْ) المَذْكُورُ سابِقًا أوْ عَلى ( قُلْ ) مُقَدَّرَةً قَبْلَ (قَدِّمُوا) وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى المَذْكُورَةِ.

ومِن بابِ الإشارَةِ: يَسْألُونَكَ عَنْ خَمْرِ الهَوى وحُبِّ الدُّنْيا ومَيْسِرِ احْتِيالِ النَّفْسِ بِواسِطَةِ قِداحِها الَّتِي هي حَواسُّها العَشَرَةُ المُودَعَةُ في رَبابَةِ البَدَنِ لِنَيْلِ شَيْءٍ مِن جَزُورِ اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، قُلْ فِيهِما إثْمُ الحِجابِ والبُعْدُ عَنِ الحَضْرَةِ ومَنافِعُ لِلنّاسِ في بابِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ اللَّذَّةِ النَّفْسانِيَّةِ والفَرَحِ بِالذُّهُولِ عَنِ المَعايِبِ والخَطَراتِ المُشَوَّشَةِ والهُمُومِ المُكَدِّرَةِ، وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما؛ لِأنَّ فَواتَ الوِصالِ في حَضائِرِ الجَمالِ لا يُقابِلُهُ شَيْءٌ، ولا يَقُومُ مَقامَهُ ( وِصالُ سُعْدى ولا مَيٌّ ) ولَفَرْقٌ عِنْدَ الأبْرارِ بَيْنَ السُّكْرِ مِنَ المُدِيرِ والسُّكْرِ مِنَ المُدارِ: وأسْكَرَ القَوْمَ وُرُودُ كَأْسٍ وكانَ سَكْرى مِنَ المُدِيرِ وهَذا هو السُّكْرُ الحَلالُ لَكِنَّهُ فَوْقَ عالَمِ التَّكْلِيفِ، ووَراءَ هَذا العالَمِ الكَثِيفِ وهو سُكْرُ أرْواحٍ لا أشْباحٍ، وسُكْرُ رِضْوانٍ لا حَمِيّا دِنانٍ: وما مَلَّ ساقِيها ولا مَلَّ شارِبٌ عَقارَ لِحاظٍ كَأْسُها يُسْكِرُ اللُّبّا ﴿ ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ ﴾ وهو ما سِوى الحَقِّ مِنَ الكَوْنَيْنِ ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ المُنَزَّلَةِ مِن سَماءِ الأرْواحِ ﴿ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَقْطَعُونَ بِوادِيهِما بِأجْنِحَةِ السَّيْرِ والسُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ ﴾ وهو غَلَبَةُ دَواعِي الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ والحاجاتِ الإنْسانِيَّةِ ﴿ قُلْ هو أذًى ﴾ تَنْفُرُ القُلُوبُ الصّافِيَةُ عَنْهُ، فاعْتَزِلُوا بِقُلُوبِكم نِساءَ النُّفُوسِ في مَحِيضِ غَلَباتِ الهَوى حَتّى يَطْهُرْنَ ويَفْرُغْنَ مِن قَضاءِ الحَوائِجِ الضَّرُورِيَّةِ، فَإذا تَطَهَّرْنَ بِماءِ الإنابَةِ ورَجَعْنَ إلى الحَضْرَةِ في طَلَبِ القُرْبَةِ، فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ؛ أيْ عِنْدَ ظُهُورِ شَواهِدِ الحَقِّ لِزَهُوقِ باطِلِ النَّفْسِ واضْمِحْلالِ هَواها، ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ﴾ عَنْ أوْصافِ الوُجُودِ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ بِنُورِ المَعْرِفَةِ عَنْ غُبارِ الكائِناتِ، أوْ يُحِبُّ التَّوّابِينَ مِن سُؤالاتِهِمْ، ﴿ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ مِن إرادَتِهِمْ نِساءَكُمْ، وهي النُّفُوسُ الَّتِي غَدَتْ لِباسًا لَكم وغَدَوْتُمْ لِباسًا لَهُنَّ مَوْضِعَ حَرْثِكم لِلْآخِرَةِ، ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ﴾ مَتى شِئْتُمُ الحِراثَةَ لِمَعادِكُمْ، ﴿ وقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ﴾ ما يَنْفَعُها ويُكْمِلُ نَشْأتَها، ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ مِنَ النَّظَرِ إلى ما سِواهُ، ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ ﴾ بِالفَناءِ فِيهِ إذا اتَّقَيْتُمْ، ﴿ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ بِما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ.

قال ابن عباس: نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له: عمرو بن الدحداح، سأل رسول الله  فقال: يا رسول الله، كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟

أنقربهن أم لا؟

فنزل قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ يقول عن النساء إذا حضن.

ويقال: ويسألونك عن مجامعة النساء في المحيض.

قُلْ هُوَ أَذىً، يعني الدم هو قذر نجس.

فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ، أي لا تجامعوهن في حال الحيض.

وَلا تَقْرَبُوهُنَّ، يعني لا تجامعوهن وهن حيض، حَتَّى يَطْهُرْنَ.

قرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية أبي بكر: حَتَّى يَطْهُرْنَ بتشديد الطاء والهاء والنصب، والباقون بالتخفيف أي يغتسلن وأصله يتطهرون، فأدغمت التاء في الطاء فصار يَطْهُرْنَ.

فمن قرأ يَطْهُرْنَ أي يغتسلن، ومن قرأ يَطْهُرْنَ أي حتى يطهرن من الحيض.

قال الفقيه الزاهد نعمل بالقراءتين جميعاً فإن كانت المرأة أيام حيضها أقل من عشرة أيام فلا يجوز أن يقربها ما لم تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة وإن كانت أيام حيضها عشرة، فإذا انقطع عنها الدم وتمت العشرة، جاز له أن يقربها بغير غسل.

ثم قال تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ، يعني أي اغتسلن من الحيض، فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، أي جامعوهن من حيث رخص لكم الله في موضع الجماع.

ويقال: لما نزلت هذه الآية فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ، اعتزلوا النساء في أيام الحيض وأخرجوهن من البيوت فقدم أناس من الأعراب وقالوا: يا رسول الله البرد شديد وقد اعتزلنا النساء، وليس كلنا يجد سعة لذلك فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله  : «إنَّمَا أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوا النِّسَاءَ عَنْ مُجَامَعَتِهِنَّ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تُخْرِجُوهُنَّ مِنَ البُيُوتِ كَمَا تَفْعَلُ الأعَاجِمُ» .

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، يعني التوابين من الشرك والذنوب.

وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، أي من الجنابة والأحداث.

ويقال: ويحب المتطهرين من إتيانهن في المحيض، في أدبارهن يتنزهون عن ذلك.

ويقال: ويحب التّوابين من الذنوب والمتطهرين الذين لم يذنبوا.

فإن قيل: كيف قدَّم بالذكر الذي تاب من الذنوب على الذي لم يذنب؟

قيل له: إنما قدمهم لكيلا يقنط التائب من الرحمة، ولا يعجب المتطهر بنفسه كما ذكر في آية أخرى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فاطر: 32] .

ثم قال عز وجل: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ.

يقول: مزرعة لكم للولد، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ.

والحرث في اللغة هو الزرع، فسمى النساء حرثاً على وجه الكناية، أي هن للولد كالأرض للزراعة.

قوله: أَنَّى شِئْتُمْ، أي كيف شئتم إن شئتم مستقبلين، وإن شئتم مستدبرين، إذا كان في صمام واحد.

وذلك أن اليهود كانوا يقولون: لا يجوز إتيان النساء إلا مستلقياً، وكانوا يقولون: إذا أتاها من خلفها، يكون الولد أحول، فنزل قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.

قال النبيّ  : «لا يَنْظُرُ الله عَزَّ وَجَلَّ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلاً أوِ امْرَأةً فِي دبرها» .

وعن النبيّ  أنه قال: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبرِهَا» .

ثم قال تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من الولد الصالح.

ويقال قدموا لأنفسكم من العمل الصالح.

ويقال: سموا الله أي قولوا بسم الله الرحمن الرحيم عند ذلك.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ، أي اخشوا الله ولا تقربوهن في حال الحيض ولا في أدبارهن.

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ، أي تصيرون إليه يوم القيامة، فيجزيكم بأعمالكم.

وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ الذين يحافظون على حدود الله ويصدقون بوعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تعالى لا تقعُ إِلا على الوَجْه الأكمل، وفَأْتُوهُنَّ: أمر بعد الحَظْر يقتضي الإِباحة، والمعنى: من حيثُ أمركم اللَّه باعتزالهن، وهو الفَرْج، أو من السُّرَّة إِلى الرُّكْبة على الخلاف في ذلك، وقال ابن عبَّاس: المعنى: من قِبَلِ الطُّهْرِ، لا من قِبَلِ الحَيض «١» ، وقيل: المعنى مِنْ قِبَلِ حالِ الإِباحة، لا صائماتٍ ولا مُحْرِماتٍ، ولا غيرَ ذلك، والتَّوَّابُون:

الرجَّاعون، وعُرْفُهُ من الشَّرِّ إِلى الخير، والمُتَطَهِّرْونَ: قال عطاءٌ وغيره: المعنى: بالماء «٢» ، وقال مجاهد وغيره: المعنى: من الذنوب «٣» .

وقوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ...

الآية مبيحةٌ لهيئات الإتيان كلّها، إذا كان/ ٥٥ أالوطء في موضع الحرثِ، ولفظة «الحَرْث» تعطي أنَّ الإِباحة لم تقعْ إِلا في الفَرْجِ خاصَّة إِذ هو المُزْدَرَعُ.

قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٤» : وفي سبب نزولِ هذه الآية رواياتٌ:

الأولى: عن جابرٍ، قال: كانَتِ اليهودُ تقولُ: من أتَى امرأة فِي قُبُلِهَا منْ دُبُرِهَا، جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فنزلَتِ الآية، وهذا حديثٌ صحيح خرّجه الأئمّة «٥» .

الثانية: قالت أمّ سلمة «١» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم في قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ:

قال: «يَأْتِيَها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، إِذَا كَانَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ» خرَّجه مسْلم، وغيره «٢» .

الثالثة: ما رَوَى الترمذيّ أنّ عمر جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقَالَ لَهُ: هَلَكْتُ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟

قَالَ: حَوَّلْتُ البَارِحَةَ رَحْلِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم شَيْئاً، حتى نزلَتْ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أَقْبِلْ وأدبر، واتّق الدّبر» «٣» انتهى.

قال ع «١» : وأَنَّى شِئْتُمْ: معناه عند جمهور العلماء: من أيِّ وجهٍ شئتم مقبلةً، ومدبرةً، وعلى جَنْب.

قال ع «٢» : وقد ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مصنَّف النسائيِّ وفي غيره أنه قَالَ: «إِتْيَانُ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ حَرَامٌ» «٣» ، وورد عنْه فيه، أنَّه قال: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرَهَا» «٤» ، وورد عنه، أنَّه قال: «مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ على قَلْبِ مُحَمَّدٍ» «٥» ، وهذا هو الحقُّ المتَّبع، ولا ينبغي لمؤمنٍ باللَّه أن يعرج بهذه النازلة على زَلَّة عالِمٍ بعد أنْ تصحَّ عنْه، واللَّه المرشِدُ لا ربَّ غيره.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ أنْكَرَتْ جَوازَ إتْيانِ المَرْأةِ إلّا مِن بَيْنِ يَدَيْها، وعابَتْ مَن يَأْتِيها عَلى غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

رُوِيَ عَنْ جابِرٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: «أنَّ حَيًّا مِن قُرَيْشٍ كانُوا يَتَزَوَّجُونَ النِّساءَ بِمَكَّةَ، ويَتَلَذَّذُونَ بِهِنَّ مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ، فَلَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ، تَزَوَّجُوا مِنَ الأنْصارِ، فَذَهَبُوا لِيَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَأنْكَرْنَهُ، وانْتَهى الحَدِيثُ إلى النَّبِيِّ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ جاءَ إلى النَّبِيِّ  ، فَقالَ: هَلَكْتُ، حَوَّلْتُ رَحْلِيَ اللَّيْلَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والحَرْثُ: المُزْدَرَعُ، وكَنّى بِهِ هاهُنا عَنِ الجِماعِ، فَسَمّاهُنَّ حَرْثًا، لِأنَّهُنَّ مُزْدَرَعُ الأوْلادِ، كالأرْضِ لِلزَّرْعِ، فَإنْ قِيلَ: النِّساءُ جَمْعٌ، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: حَرُوثٌ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ، ذِكَرَها ابْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ النَّحْوِيِّ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ الحَرْثُ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الجَمْعِ، فَلَزِمَهُ التَّوْحِيدُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: إخْوَتُكَ صَوْمٌ، وأوْلادُكَ فِطْرٌ، يُرِيدُونَ: صائِمِينَ ومُفْطِرِينَ، فَيُؤَدِّي المَصْدَرُ بِتَوْحِيدِهِ عَنِ اللَّفْظِ المَجْمُوعِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ حَرُوثٌ لَكم، فاكْتَفى بِالواحِدِ مِنَ الجَمْعِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: كُلُوا في نِصْفِ بُطُونِكم تَعِيشُوا أيْ: في أنْصافِ بُطُونِكم.

والثّالِثُ: أنَّهُ إنَّما وحَّدَ الحَرْثَ، لِأنَّ النِّساءَ شُبِّهْنَ بِهِ، ولَسْنَ مِن جِنْسِهِ، والمَعْنى: نِساؤُكم مِثْلُ حَرُوثٍ لَكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّى شِئْتُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى: كَيْفَ شِئْتُمْ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: كَيْفَ شِئْتُمْ، مُقْبِلَةً أوْ مُدْبِرَةً، وعَلى كُلِّ حالٍ، إذا كانَ الإتْيانُ في الفَرَجِ.

وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطِيَّةَ، والسُّدِّيُّ، وابْنِ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في العَزْلِ.

قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنْ شِئْتُمْ فاعْزِلُوا، وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَعْزِلُوا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: إنْ شِئْتُمْ، ومَتى شِئْتُمْ وهو قَوْلُ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ والضَّحّاكِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى: حَيْثُ شِئْتُمْ، وهَذا مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ، وهو فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنَّ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ نافِعًا تَحَدَّثَ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: كَذَبَ العَبْدُ، إنَّما قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُؤْتُونَ في فُرُوجِهِنَّ مِن أدْبارِهِنَّ.

وأمّا أصْحابُ مالِكٍ، فَإنَّهم يُنْكِرُونَ صِحَّتَهُ عَنْ مالِكٍ، والثّانِي: أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَوى عَنِ النَّبِيِّ،  ، أنَّهُ قالَ: « "مَلْعُونٌ مَن أتى النِّساءَ في أدْبارِهِنَّ"» فَدَلَّ عَلى أنَّ الآَيَةَ لا يُرادُ بِها هَذا.

والثّالِثُ: أنَّ الآَيَةَ نَبَّهَتْ عَلى أنَّهُ مَحَلُّ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ﴾ ومَوْضِعُ الزَّرْعِ: هو مَكانُ الوَلَدِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا نَصَّ اللَّهُ عَلى ذِكْرِ الحَرْثِ، والحَرْثُ بِهِ يَكُونُ النَّباتَ، والوَلَدُ مُشَبَّهٌ بِالنَّباتِ، لَمْ يُجِزْ أنْ يَقَعَ الوَطْءُ في مَحَلٍّ لا يَكُونُ مِنهُ ولَدٌ.

.

والرّابِعُ: أنَّ تَحْرِيمَ إتْيانِ الحائِضِ كانَ لِعِلَّةِ الأذى، والأذى مُلازِمٌ لِهَذا المَحَلِّ لا يُفارِقُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وقَدِّمُوا التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الجِماعِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم في طَلَبِ الوَلَدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: وقَدِّمُوا طاعَةَ اللَّهِ واتِّباعَ أمْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ إنَّ اللهُ يُحِبُّ التَوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لأنْفُسِكم واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ الناسِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ، عَنِ السُدِّيِّ أنَّ السائِلَ ثابِتُ بْنُ الدَحْداحِ.

وقالَ قَتادَةُ، وغَيْرُهُ: إنَّما سَألُوا لِأنَّ العَرَبَ في المَدِينَةِ وما والاها، كانُوا قَدِ اسْتَنُّوا بِسُنَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في تَجَنُّبِ مُؤاكَلَةِ الحائِضِ ومُساكَنَتِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَجَنَّبُونَ النِساءَ في الحَيْضِ ويَأْتُونَهُنَّ في أدْبارِهِنَّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

و"المَحِيضُ": مَصْدَرٌ كالحَيْضِ، ومِثْلُهُ: المَقِيلُ، مِن قالَ يَقِيلُ.

قالَ الراعِي: بَنَيْتُ مَرافِقِهِنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ لا يَسْتَطِيعُ بِها القُرادُ مَقِيلًا وقالَ الطَبَرِيُّ: "المَحِيضُ": اسْمُ الحَيْضِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ في العَيْشِ: إلَيْكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ ∗∗∗ ومَرَّ أعْوامٍ نَتَفْنَ رِيشِي و"أذًى" لَفْظٌ جامِعٌ لِأشْياءَ تُؤْذِي: لِأنَّهُ دَمٌ وقَذَرٌ ومُنْتِنٌ، ومِن سَبِيلِ البَوْلِ: وهَذِهِ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ لِلَّفْظَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فاعْتَزِلُوا" يُرِيدُ: جِماعُهُنَّ بِما فَسَّرَ مِن ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  مِن أنْ يَشُدَّ الرَجُلُ إزارَ الحائِضِ ثُمَّ شَأْنُهُ بِأعْلاها، وهَذا أصَحُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الأمْرِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، وجَماعَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العُلَماءِ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الَّذِي يَجِبُ اعْتِزالُهُ مِنَ الحائِضِ الفَرْجُ وحْدَهُ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عن عائِشَةَ، والشَعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ.

ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةَ السَلْمانِيِّ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْتَزِلَ الرَجُلُ فِراشَ زَوْجَتِهِ إذا حاضَتْ، وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ.

وقَدْ وقَفَتْ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ عَلَيْهِ خالَتُهُ مَيْمُونَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما وقالَتْ لَهُ: أرَغِبَةٌ عن سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ  ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ: "يُطْهِرْنَ" بِسُكُونِ الطاءِ وضَمَّ الهاءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ عنهُ: "يَطَّهَّرْنَ" بِتَشْدِيدِ الطاءِ والهاءِ وفَتْحِها.

وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وعَبْدِ اللهِ: "حَتّى يَتَطَهَّرْنَ".

وفي مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: "وَلا تَقْرَبُوا النِساءَ في مَحِيضِهِنَّ واعْتَزِلُوهُنَّ حَتّى يَتَطَهَّرْنَ".

ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ قِراءَةَ تَشْدِيدِ الطاءِ وقالَ: هي بِمَعْنى يَغْتَسِلْنَ، لِإجْماعِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ حَرامًا عَلى الرَجُلِ أنْ يَقْرَبَ امْرَأتَهُ بَعْدَ انْقِطاعِ الدَمِ حَتّى تَطْهُرَ.

قالَ: وإنَّما الِاخْتِلافُ في الطُهْرِ، ما هُوَ؟

فَقالَ قَوْمٌ: هو الِاغْتِسالُ بِالماءِ، وقالَ قَوْمٌ: هو وُضُوءٌ كَوُضُوءِ الصَلاةِ، وقالَ قَوْمٌ: هو غَسْلُ الفَرْجِ، وذَلِكَ يَحِلُّها لِزَوْجِها وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الحَيْضَةِ.

ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ قِراءَةَ تَخْفِيفِ الطاءِ إذْ هو ثُلاثِيٌّ مُضادٌّ لِطَمَثَتْ وهو ثُلاثِيٌّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ القِراءَتَيْنِ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها الِاغْتِسالُ بِالماءِ، وأنْ يُرادَ بِها انْقِطاعُ الدَمِ وزَوالُ أذاهُ.

وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ مِن أنَّ قِراءَةَ شَدِّ الطاءِ مُضَمِّنُها الِاغْتِسالُ، وقِراءَةُ التَخْفِيفِ مُضَمِّنُها انْقِطاعُ الدَمِ، أمْرٌ غَيْرُ لازِمٍ، وكَذَلِكَ ادِّعاؤُهُ الإجْماعَ.

أمّا إنَّهُ لا خِلافَ في كَراهِيَةِ الوَطْءِ قَبْلَ الِاغْتِسالِ بِالماءِ.

وقالَ والأوزاعِيُّ: مَن فَعَلَهُ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ دِينارٍ، ومَن وطِئَ في الدَمِ تَصَدَّقَ بِدِينارٍ.

وأسْنَدَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «عَنِ النَبِيِّ  في الَّذِي يَأْتِي امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ قالَ: "يَتَصَدَّقُ بِدِينارٍ أو بِنِصْفِ دِينارٍ».

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِينارُ في الدَمِ، والنِصْفُ عِنْدِ انْقِطاعِهِ.

ووَرَدَتْ في الشِدَّةِ في هَذا الفِعْلِ آثارٌ.

وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ ذَنْبٌ عَظِيمٌ يُتابُ مِنهُ، ولا كَفّارَةَ فِيهِ بِمالٍ.

وذَهَبَ مالِكٌ -يَرْحَمُهُ اللهُ- وجُمْهُورُ العُلَماءِ، إلى أنَّ الطُهْرَ الَّذِي يَحِلُّ جِماعَ الحائِضِ الَّتِي يَذْهَبُ عنها الدَمُ، هو تَطَهُّرُها بِالماءِ كَطَهُورِ الجُنُبِ، ولا يَجْزِي مِن ذَلِكَ تَيَمُّمٌ ولا غَيْرُهُ.

وقالَ يَحْيى بْنُ بِكِيرٍ، وابْنُ القُرَظِيِّ: إذا طَهُرَتِ الحائِضُ وتَيَمَّمَتْ حَيْثُ لا ماءَ؛ حَلَّتْ لِزَوْجِها وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وطاوُوسٌ: انْقِطاعُ الدَمِ يُحِلُّها لِزَوْجِها، ولَكِنْ بِأنْ تَتَوَضَّأ.

وَ"حَتّى" غايَةٌ لا غَيْرَ، "وَتَقْرَبُوهُنَّ" يُرِيدُ بِجِماعٍ، وهَذا مِن سَدِّ الذَرائِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا تَطَهَّرْنَ ﴾ الآيَةُ.

القِراءَةُ "تَطَهَّرْنَ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وهاءٍ مُشَدَّدَةٍ، والخِلافُ في مَعْناهُ كَما تَقَدَّمَ مِنَ التَطْهِيرِ بِالماءِ أوِ انْقِطاعِ الدَمِ.

ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ يَقُولُونَ هُنا: إنَّهُ أُرِيدَ الغَسْلَ بِالماءِ، ولا بُدَّ، بِقَرِينَةِ الأمْرِ بِالإتْيانِ.

وإنْ كانَ قُرْبُهُنَّ قَبْلَ الغُسْلِ مُباحًا، لَكِنْ لا تَقَعُ صِيغَةً الأمْرِ مِنَ اللهِ تَعالى إلّا عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.

"فَأْتُوهُنَّ" إباحَةٌ، والمَعْنى: "مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ" بِاعْتِزالِهِنَّ وهو الفَرْجُ، أو مِنَ السُرَّةِ إلى الرُكْبَتَيْنِ، أو جَمِيعِ الجَسَدِ حَسَبَما تَقَدَّمَ.

هَذا كُلُّهُ قَوْلٌ واحِدٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ: المَعْنى مِن قَبْلِ الطُهْرِ لا مِن قَبْلِ الحَيْضِ، وقالَهُ الضَحّاكُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: المَعْنى مِن قَبْلِ الحَلالِ لا مِن قَبْلِ الزِنى، وقِيلَ: المَعْنى مِن قَبْلِ حالِ الإباحَةِ لا صائِماتٍ ولا مُحْرِماتٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.

والتَوّابُونَ: الراجِعُونَ، وعَرَفَهُ: مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ.

والمُتَطَهِّرُونَ: قالَ عَطاءٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى بِالماءِ وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: مِنَ الذُنُوبِ.

وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: المَعْنى: مِن إتْيانِ النِساءِ في أدْبارِهِنَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ نَظَرَ إلى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن قَوْمِ لُوطٍ: ﴿ أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ  ﴾ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "المُطَّهِّرِينَ" بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، والرَبِيعُ: سَبَبُها أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ الرَجُلَ إذا أتى المَرْأةَ مِن دُبُرِها في قُبُلِها جاءَ الوَلَدُ أحْوَلٌ وعابَتْ عَلى العَرَبِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ، وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وغَيْرُها: سَبَبُها أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَأْتُونَ النِساءَ في الفَرْجِ عَلى هَيْئاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ وتَزَوَّجُوا أنْصارِيّاتٍ أرادُوا ذَلِكَ فَلَمْ تُرِدْهُ نِساءُ المَدِينَةِ، إذْ لَمْ تَكُنْ عادَةُ رِجالِهِمْ إلّا الإتْيانَ عَلى هَيْئَةٍ واحِدَةٍ، وهي الِانْبِطاحُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ  ، وانْتَشَرَ كَلامُ الناسِ في ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً الهَيْئاتِ كُلِّها، إذا كانَ الوَطْءُ في مَوْضِعِ الحَرْثِ.

و"حَرْثٌ" تَشْبِيهٌ لِأنَّهُنَّ مُزْدَرَعُ الذُرِّيَّةِ، فَلَفْظَةُ "الحَرْثِ" تُعْطِي أنَّ الإباحَةَ لَمْ تَقَعْ إلّا في الفَرْجِ خاصَّةً إذْ هو المُزْدَرَعُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنّى شِئْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ -مِن صَحابَةٍ وتابِعِينَ وأئِمَّةٍ- أيُّ وجْهٍ شِئْتُمْ، مُقْبِلَةً ومُدَبِّرَةً وعَلى جُنُبٍ.

و"أنّى" إنَّما تَجِيءُ سُؤالًا أو إخْبارًا عن أمْرِ لَهُ جِهاتٌ، فَهي أعَمُّ في اللُغَةِ مِن "كَيْفَ" ومِن "أيْنَ" ومِن "مَتى"، هَذا هو الِاسْتِعْمالُ العَرَبِيُّ.

وقَدْ فَسَّرَ الناسُ "أنّى" في هَذِهِ الآيَةِ، بِهَذِهِ الألْفاظِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ بِـ (كَيْفَ ومِن أيْنَ) بِاجْتِماعِهِما.

وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ فَسَّرَها بِـ "أيْنَ" إلى أنَّ الوَطْءَ في الدُبُرِ جائِزٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ورُوِيَ عنهُ خِلافُهُ وتَكْفِيرٌ مِن فِعْلِهِ، وهَذا هو اللائِقُ بِهِ.

ورُوِيَتِ الإباحَةُ أيْضًا عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، ورَواها مالِكٌ عن يَزِيدَ بْنِ رُومانَ، عن سالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ عن مالِكٍ شَيْءٌ في نَحْوِهِ، وهو الَّذِي وقَعَ في العُتْبِيَّةِ، وقَدْ كَذَبَ ذَلِكَ عَلى مالِكٍ.

ورَوى بَعْضُهم أنَّ رَجُلًا فِعْلِ ذَلِكَ في عَهْدِ النَبِيِّ  فَتَكَلَّمَ الناسُ فِيهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ ورَدَ عن رَسُولِ اللهِ  في مُصَنَّفِ النِسائِيِّ، وفي غَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «إتْيانُ النِساءِ فِي أدْبارِهِنَّ حَرامٌ»، ووَرَدَ عنهُ فِيهِ أنَّهُ قالَ: «مَلْعُونٌ مَن أتى امْرَأةً في دُبُرِها».

ووَرَدَ عنهُ أنَّهُ قالَ: «مَن أتى امْرَأةً في دُبُرِها فَقَدْ كَفَرَ بِما أنْزَلَ عَلى قَلْبِ مُحَمَّدٍ  »، وهَذا هو الحَقُّ المُتَّبَعُ، ولا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُعَرِّجَ في هَذِهِ النازِلَةِ عَلى زَلَّةِ عالَمٍ بَعْدَ أنْ تَصِحَّ عنهُ، واللهُ المُرْشِدُ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ﴾ أيِ الأجْرَ في تَجَنُّبِ ما نُهِيتُمْ عنهُ، وامْتِثالِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي إشارَةٌ إلى ذِكْرِ اللهِ عَلى الجِماعِ، كَما قالَ النَبِيُّ  : «لَوْ أنَّ أحَدَكم إذا أتى امْرَأتَهُ قالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنا الشَيْطانَ، وجَنِّبِ الشَيْطانَ ما رَزَقَتْنا، فَقُضِيَ بَيْنَهُما ولَدٌ لَمْ يَضُرْهُ».

وقِيلَ: مَعْنى ( قَدِّمُوا لِأنْفُسِكم ) طَلَبَ الوَلَدِ، ﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ : تَحْذِيرٌ، ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ ﴾ خَبَرٌ يَقْتَضِي المُبالَغَةَ في التَحْذِيرِ، أيْ فَهو مُجازِيكم عَلى البِرِّ والإثْمِ ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ تَأْنِيسٌ لِفاعِلِي البِرِّ ومُتَّبِعِي سُنَنِ الهُدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً ﴾ الآيَةُ "عُرْضَةً" فُعْلَةً بِناءٍ لِلْمَفْعُولِ، أيْ كَثِيرًا ما يَتَعَرَّضُ بِما ذَكَرَ، تَقُولُ: جَمَلٌ عُرْضَةٌ لِلرُّكُوبِ، وفَرَسٌ عُرْضَةٌ لِلْجَرْيِ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفْرى إذا عَرِقَتْ ∗∗∗ عَرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ ومَقْصِدُ الآيَةِ: ولا تُعَرِّضُوا اسْمَ اللهِ تَعالى لِلْأيْمانِ بِهِ، ولا تُكْثِرُوا مِنَ الأيْمانِ، فَإنَّ الحِنْثَ مَعَ الإكْثارِ، وفِيهِ قِلَّةُ رَعْيٍ لِحَقِّ اللهِ تَعالى.

ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، ومُجاهِدٌ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمْ: المَعْنى: فِيما تُرِيدُونَ الشِدَّةَ فِيهِ، مَن تَرَكَ صِلَةَ الرَحِمِ والبَرَّ والإصْلاحَ.

قالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ: لِأنَّ لا تَبِرُّوا ولا تَتَّقُوا ولا تُصْلِحُوا.

وقَدَّرَهُ المَهْدَوِيُّ: كَراهَةَ أنْ تَبَرُّوا.

وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: ولا تَحْلِفُوا بِاللهِ كاذِبِينَ إذا أرَدْتُمُ البِرَّ والتَقْوى والإصْلاحَ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ "لا" بَعْدَ "أنَّ".

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَأْوِيلُ في الَّذِي يُرِيدُ الإصْلاحَ بَيْنَ الناسِ، فَيَحْلِفُ حانِثًا لِيُكْمِلَ غَرَضَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى ما رُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: نَزَلَتْ في تَكْثِيرِ اليَمِينِ بِاللهِ، نَهْيًا أنْ يَحْلِفَ الرَجُلُ بِهِ بَرًّا، فَكَيْفَ فاجِرًا"؟

فالمَعْنى: إذا أرَدْتُمْ لِأنْفُسِكُمُ البِرَّ.

وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: أنْ يَكُونَ الرَجُلُ إذا طُلِبَ مِنهُ فِعْلُ خَيْرٍ ونَحْوُهُ اعْتَلَ بِاللهِ تَعالى فَقالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ وهو لَمْ يَحْلِفْ.

و"أنْ تَبَرُّوا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والبِرُّ جَمِيعُ وُجُوهِ الخَيْرِ.

بِرُّ الرَجُلِ إذا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُها ونَسَبُها، كالحاجِّ والمُجاهِدِ والعالِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو مُضادٌّ لِلْإثْمِ إذْ هو الحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ المَعاصِي و"سَمِيعٌ" أيْ لِأقْوالِ العِبادِ، "عَلِيمٌ" بِنِيّاتِهِمْ، وهو مُجازٍ عَلى الجَمِيعِ.

وأمّا سَبَبُ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ إذْ حَلَفَ أنْ يَقْطَعَ إنْفاقَهُ عن مِسْطَحِ بْنِ أثاثَةَ حِينَ تَكَلَّمَ مِسْطَحٌ في حَدِيثِ الإفْكِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ مَعَ ابْنِهِ عَبْدِ الرَحْمَنِ في حَدِيثِ الضِيافَةِ حِينَ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ ألّا يَأْكُلَ الطَعامَ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ مَعَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ حِينَ حَلَفَ ألّا يُكَلِّمَهُ.

واليَمِينُ: الحِلْفُ، وأصْلُهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا تَحالَفَتْ أو تَعاهَدَتْ أخَذَ الرَجُلُ يَمِينَ صاحِبِهِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى سُمِّيَ الحَلِفُ والعَهْدُ نَفْسُهُ يَمِينًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة تذييل ثان لجملة: ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ﴾ [البقرة: 222] قصد به الارتفاق بالمخاطبين والتأنس لهم لإشعارهم بأن منعهم من قربان النساء في مدة المحيض منع مؤقت لفائدتهم وأن الله يعلم أن نساءهم محل تعهدهم وملابستهم ليس منعهم منهن في بعض الأحوال بأمر هين عليهم لولا إرادة حفظهم من الأذى، كقول عمر بن الخطاب لما حمي الحمى «لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً إنها لبلادُهم» وتعتبر جملة ﴿ نساؤكم حرث ﴾ مقدِّمة لجملة ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ وفيها معنى التعليل للإذن بإتيانهن أنّى شاءوا، والعلةُ قد تجعل مقدمة فلو أوثر معنى التعليل لأخرت عن جملة ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ ولكن أوثر أن تكون مقدمة للتي بعدها لأنه أحكم نسيج نظم ولتتأتى عقبه الفاء الفصيحة.

والحرث مصدر حرث الأرض إذا شقها بآلة تشق التراب ليزرع في شقوقه زريعة أو تغرس أشجار.

وهو هنا مطلق على معنى اسم المفعول.

وإطلاق الحرث على المحروث وأنواعه إطلاق متعدد فيطلق على الأرض المجعولة للزرع أو الغرس كما قال تعالى: ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ﴾ [الأنعام: 138] أي أرض زرع محجورة على الناس أن يزرعوها.

وقال: ﴿ والخيل المسومة والأنعام والحرث ﴾ [آل عمران: 14] أي الجنات والحوائط والحقول.

وقال: ﴿ كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ﴾ [»ل عمران: 117] أي فأهلكت زرعهم.

وقال: ﴿ فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ﴾ [القلم: 22] يعنون به جنتهم أي صارمين عراجين التمر.

والحرث في هذه الآية مراد به المحروث بقرينة كونه مفعولاً لفعل ﴿ فأتوا حرثكم ﴾ وليس المراد به المصدر لأن المقام ينبو عنه، وتشبيه النساء بالحرث تشبيه لطيف كما شبه النسل بالزرع في قول أبي طالب في خطبته خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم " الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل ".

والفاء في ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فاء فصيحة لابتناء ما بعدها على تقرر أن النساء حرث لهم، لا سيما إذا كانوا قد سألوا عن ذلك بلسان المقال أو بلسان الحال.

وكلمة (أنى) اسم لمكان مبهم تبينه جملة مضاف هو إليها، وقد كثر استعماله مجازاً في معنى كيف بتشبيه حال الشيء بمكانه، لأن كيف اسم للحال المبهمة يبينها عاملها نحو ﴿ كيف يشاء ﴾ [آل عمران: 6] وقال في «لسان العرب»: إن (أنى) تكون بمعنى (متى)، وقد أضيف (أنى) في هذه الآية إلى جملة (شئتم) والمشيئات شتى فتأوله كثير من المفسرين على حمل (أني) على المعنى المجازي وفسره بكيف شئتم وهو تأويل الجمهور الذي عضدوه بما رووه في سبب نزول الآية وفيها روايتان.

إحداهما عن جابر بن عبد الله والأخرى عن ابن عباس وتأوله الضحاك على معنى متى شئتم وتأوله جمع على معناه الحقيقي من كونه اسم مكان مبهم، فمنهم من جعلوه ظرفاً لأنه الأصل في أسماء المكان إذا لم يصرح فيها بما يصرف عن معنى الظرفية وفسروه بمعنى في أي مكان من المرأة شئتم وهو المروي في «صحيح البخاري» تفسيراً من ابن عمر، ومنهم من جعلوه اسم مكان غير ظرف وقدروا أنه مجرور ب (من) ففسروه من أي مكان أو جهة شئتم وهو يئول إلى تفسيره بمعنى كيف، ونسب القرطبي هذين التأويلين إلى سيبويه.

فالذي يتبادر من موقع الآية وتساعد عليه معاني ألفاظها أنها تذييل وارد بعد النهي عن قربان النساء في حال الحيض.

فتحمل (أني) على معنى متى ويكون المعنى فأتوا نساءكم متى شئتم إذا تطهرن فوزانها وزان قوله تعالى: ﴿ غير محلى الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 2].

ولا مناسبة تبعث لصرف الآية عن هذا المعنى إلا أن ما طار بين علماء السلف ومن بعدهم من الخوض في محامل أخرى لهذه الآية، وما رووه من آثار في أسباب النزول يضطّرنا إلى استفصال البيان في مختلف الأقوال والمحامل مقتنعين بذلك، لما فيه من إشارة إلى اختلاف الفقهاء في معاني الآية، وإنها لمسألة جديرة بالاهتمام، على ثقل في جريانها، على الألسنة والأقلام.

روى البخاري ومسلم في «صحيحهما» عن جابر بن عبد الله: أن اليهود قالوا إذا أتى الرجل امرأته مجبية جاء الولد أحول، فسأل المسلمون عن ذلك فنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ الآية وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً (أي يطأونهن وهن مستلقيات عن أقفيتهن) ومقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتَى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى شَرِي أمرُهما (أي تفاقم اللجاج) فبلغ ذلك النبي فأنزل الله: ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي مقبلات كن أو مدبرات أو مستلقيات يعني بذلك في موضع الولد، وروي مثله عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الترمذي، وما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكتُ قال وما أهلكك؟

قال: حوَّلْت رحلي الليلة (يريد أنه أتى امرأته وهي مستدبرة) فلم يردَّ عليه رسول الله شيئاً فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية: ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ الآية.

وروى البخاري عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه فأخذت عليه المصحف يوماً فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: تدري فيم أنزلت؟

قلت: لا قال: أنزلت في كذا وكذا وفي رواية عن نافع في البخاري «يأتيها في....» ولم يزد وهو يعني في كلتا الروايتين عنه إتيان النساء في أدبارهن كما صرح بذلك في رواية الطبري وإسحاق بن راهويه: أنزلت إتيان النساء في أدبارهن، وروى الدارقطني في «غرائب مالك» والطبري عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجلاً أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك فأنزل الله ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ وقد روى أن ذلك الرجل هو عبد الله بن عمر، وعن عطاء بن يسار أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكر الناس عليه وقالوا: أثفرها فأنزل الله تعالى ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ فعلى تأويل هؤلاء يكون قوله تعالى: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ ، تشبيهاً للمرأة بالحرث أي بأرض الحرث وأطلق ﴿ فأتوا حرثكم ﴾ على معنى: فاحرثوا في أي مكان شئتم.

أقول: قد أجمل كلام الله تعالى هنا، وأبهم وبين المبهمات بمبهمات من جهة أخرى لاحتمال ﴿ أمركم الله ﴾ معاني ليس معنى الإيجاب والتشريع منها، إذ لم يعهد سبق تشريع من الله في هذا كما قدمناه، ثم أتبع بقوله: ﴿ يحب التوابين ﴾ [البقرة: 222] فربما أشعر بأن فعلاً في هذا البيان كان يرتكب والله يدعو إلى الانكفاف عنه وأتبع بقوله: ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ فأشعر بأن فعلاً في هذا الشأن قد يلتبس بغيرِ التنزه والله يحب التنزه عنه، مع احتمال المحبة عنه لمعنى التفضيل والتكرمة مثل ﴿ يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين ﴾ [التوبة: 108]، واحتمالها لمعنى: ويبغض غير ذلك، ثم جاء ما هو كالدليل وهو قوله: ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ فجعلن حرثاً على احتمال وجوه في الشبه؛ فقد يقال: إنه وكل للمعروف، وقد يقال: إنه جعل شائعاً في المرأة، فلذلك نيط الحكم بذات النساء كلها، ثم قال: ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فجاء بأنى المحتملة للكيفيات وللأمكنة وهي أصل في الأمكنة ووردت في الكيفيات، وقد قيل: إنها ترد للأزمنة فاحتمل كونها أمكنة الوصول من هذا الإتيان، أو أمكنة الورود إلى مكان آخر مقصود فهي أمكنة ابتداء الإتيان أو أمكنة الاستقرار فأُجمِل في هذا كله إجمال بديع وأثنى ثناء حسن.

واختلاف محامل الآية في أنظار المفسرين والفقهاء طوعُ علم المتأمل، وفيها أقوال كثيرة ومذاهب مختلفة لفقهاء الأمصار في كتب أحكام القرآن وكتب السنة، وفي دواوين الفقه، وقد اقتصرنا على الآثار التي تمت إلى الآية بسبب نزول، وتركنا ما عداه إلى أفهام العقول.

﴿ وَقَدِّمُواْ لاَِنفُسِكُمْ واتقوا الله واعلموا أَنَّكُم ملاقوه وَبَشِّرِ المؤمنين ﴾ عطف على جملة ﴿ فأتوا حرثكم ﴾ أو على جملة ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ .

عطف الإنشاء على الخبر، على أن الجملة المعطوف عليها وإن كانت خبراً فالمقصود منها الأمر بالتوبة والتطهر؛ فكرر ذلك اهتماماً بالحرص على الأعمال الصالحة بعد الكلام على اللذائذ العاجلة.

وحذف مفعول ﴿ وقدموا ﴾ اختصاراً لظهوره؛ لأن التقديم هنا إعداد الحسنات فإنها بمنزلة الثَّقَل الذي يقدمه المسافر.

وقوله: ﴿ لأنفسكم ﴾ متعلق ب ﴿ قدموا ﴾ ، واللام للعلة أي لأجل أنفسكم أي لنفعها، وقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ تحريض على امتثال الشرع بتجنب المخالفة، فيدخل تحته التخلي عن السيئات والتحلي بالواجبات والقربات، فمضمونها أعم من مضمون جملة ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ فلذلك كانت هذه تذييلاً.

وقوله: ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ يجمع التحذير والترغيب، أي فلاقوه بما يرضى به عنكم كقوله: ﴿ ووجد الله عنده ﴾ [النور: 39] وهو عطف على قوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ .

والملاقاة: مفاعلة من اللقاء وهو الحضور لدى الغير بقصد أو مصادفة.

وأصل مادة لقي تقتضي الوقوع بين شيئين فكانت مفيدة معنى المفاعلة بمجردها، فلذلك كان لقي ولاقى بمعنى واحد، وإنما أمرهم الله بعلم أنهم ملاقوه مع أن المسلمين يعلمون ذلك تنزيلاً لعلمهم منزلة العدم في هذا الشأن، ليزاد من تعليمهم اهتماماً بهذا المعلوم وتنافساً فيه على أننا رأينا أن في افتتاح الجملة بكلمة: ﴿ اعلموا ﴾ اهتماماً بالخبر واستنصاتاً له وهي نقطة عظيمة سيأتي الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ في سورة الأنفال (24).

وقد رتبت الجمل الثلاث الأول على عكس ترتيب حصول مضامينها في الخارج؛ فإن الظاهر أن يكون الإعلام بملاقاة الله هو الحاصل أولاً ثم يعقبه الأمر بالتقوى ثم الأمر بأن يقدموا لأنفسهم، فخولف الظاهر للمبادرة بالأمر بالاستعداد ليوم الجزاء، وأعقب بالأمر بالتقوى إشعاراً بأنها هي الاستعداد ثم ذكِّروا بأنهم ملاقو الله فجاء ذلك بمنزلة التعليل.

وقوله: وبشر المؤمنين } تعقيب للتحذير بالبشارة، والمراد: المؤمنون الكاملون وهم الذين يسرون بلقاء الله كما جاء: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه» وذِكر هذه البشارة عقب ما تقدم إشارة إلى أن امتثال الأحكام المتقدمة من كمال الإيمان، وجملة: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ ، معطوفة على جملة: ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ ، على الأظهر من جعل جملة: ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ ، استئنافاً غير معمولة لقل هو أذى، وإذا جعلت جملة ﴿ نساؤكم ﴾ من معمول القول كانت جملة ﴿ قل هو أذى ﴾ [البقرة: 222] معطوفة على جملة: ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ ؛ إذ لا يصح وقوعها مقولا للقول كما اختاره التفتازاني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى ﴾ قالَ السُّدِّيِّ: السّائِلُ كانَ ثابِتَ بْنَ الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ، وكانَتِ العَرَبُ ومَن في صَدْرِ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِينَ يَجْتَنِبُونَ مُساكَنَةَ الحُيَّضِ ومُؤاكَلَتَهُنَّ ومُشارَبَتَهُنَّ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَعْتَزِلُونَ الحُيَّضَ في الفَرْجِ، ويَأْتُونَهُنَّ في أدْبارِهِنَّ مُدَّةَ حَيْضِهِنَّ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والأذى هو ما يُؤْذِي مِن نَتْنِ رِيحِهِ ووِزْرِهِ ونَجاسَتِهِ.

﴿ فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ﴾ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالِاعْتِزالِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: اعْتَزَلَ جَمِيعَ بَدَنِها أنْ يُباشِرَهُ بِشَيْءٍ مِن بَدَنِهِ، وهَذا قَوْلُ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ.

والثّانِي: ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وهَذا قَوْلُ شُرَيْحٍ.

والثّالِثُ: الفَرْجُ وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ ومَيْمُونَةَ وحَفْصَةَ وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: التَّخْفِيفُ وضَمُّ الهاءِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومَعْناهُ بِانْقِطاعِ الدَّمِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ.

والثّانِيَةُ: بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ الهاءِ، قَرَأ بِها حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وعاصِمٌ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، ومَعْناها حَتّى تَغْتَسِلَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا تَطَهَّرْنَ ﴾ يَعْنِي بِالماءِ، فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ إذا اغْتَسَلْنَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ.

والثّانِي: الوُضُوءُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وطاوُسٍ.

والثّالِثُ: غَسْلُ الفَرْجِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: القُبُلُ الَّذِي نَهى عَنْهُ في حالِ الحَيْضِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فَأْتُوهُنَّ مِن قِبَلِ طُهْرِهِنَّ، لا مِن قِبَلِ حَيْضِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: فَأْتُوا النِّساءَ مِن قِبَلِ النِّكاحِ لا مِن قِبَلِ الفُجُورِ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ.

والرّابِعُ: مِن حَيْثُ أُحِلَّ لَكم، فَلا تَقْرَبُوهُنَّ مُحْرِماتٍ، ولا صائِماتٍ ولا مُعْتَكِفاتٍ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

والثّانِي: يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ مِن أدْبارِ النِّساءِ أنْ يَأْتُوها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، أنْ لا يَعُودُوا فِيها بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنها، وهو مَحْكِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ أيْ مُزْدَرَعُ أوْلادِكم ومُحْتَرَثُ نَسْلِكم، وفي الحَرْثِ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ، ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ﴾ فانْكِحُوا مُزْدَرَعَ أوْلادِكم.

﴿ أنّى شِئْتُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي كَيْفَ شِئْتُمْ في الأحْوالِ، رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ أنَّ أُناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، جَلَسُوا يَوْمًا ويَهُودِيٌّ قَرِيبٌ مِنهم، فَجَعَلَ بَعْضُهم يَقُولُ: إنِّي لَآتِي امْرَأتِي وهي مُضْطَجِعَةٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي قائِمَةٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي عَلى جَنْبِها، ويَقُولُ الآخَرُ: إنِّي لَآتِيها وهي بارِكَةٌ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: ما أنْتُمْ إلّا أمْثالُ البَهائِمِ ولَكِنّا إنَّما نَأْتِيها عَلى هَيْئَةٍ واحِدَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّانِي: يَعْنِي مِن أيِّ وجْهٍ أحْبَبْتُمْ في قُبُلِها، أوْ مِن دُبُرِها في قُبُلِها.

رَوى جابِرٌ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنَّ العَرَبَ يَأْتُونَ النِّساءَ مِن أعْجازِهِنَّ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَأكْذَبَ اللَّهُ حَدِيثَهم وقالَ: ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ.

والثّالِثُ: يَعْنِي مِن أيْنَ شِئْتُمْ وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وغَيْرِهِ.

والرّابِعُ: كَيْفَ شِئْتُمْ أنْ تَعْزِلُوا أوْ لا تَعْزِلُوا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والخامِسُ: حَيْثُ شِئْتُمْ مِن قُبُلٍ، أوْ مِن دُبُرٍ، رَواهُ نافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ورَوى عَنْ غَيْرِهِ.

وَرَوى حُبَيْشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ناسًا مِن حِمْيَرَ أتَوُا النَّبِيَّ  يَسْألُونَهُ عَنْ أشْياءَ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي رَجُلٌ أُحِبُّ النِّساءَ، فَكَيْفَ تَرى في ذَلِكَ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما سَألُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ فِيما سَألَ عَنْهُ الرَّجُلُ: ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ ﴾ ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً إذا كانَ في الفَرْجِ)» .

﴿ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ﴾ الخَيْرَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ الجِماعِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها ثم حملت جاء الولد أحول.

فنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ إن محنية، وإن شاء غير محنية غير أن ذلك في صمام واحد.

وأخرج سعيد بن منصور والدارمي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن جابر.

أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأته وهي مدبرة جاء الولد أحول.

فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير عن مرة الهمذاني «أن بعض اليهود لقي بعض المسلمين فقال له: تأتون النساء وراءهن كأنه كره الإِبراك، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم...

﴾ الآية.

فرخص الله للمسلمين أن يأتوا النساء في الفروج كيف شاؤوا وأنى شاؤوا، من بين أيديهن ومن خلفهن» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مرة قال: كانت اليهود يسخرون من المسلمين في إتيانهم النساء، فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كانت الأنصار تأتي نساءها مضاجعة، وكانت قريش تشرح شرحاً كثيراً، فتزوّج رجل من قريش امرأة من الأنصار، فأراد أن يأتيها فقالت: لا، إلا كما يفعل.

فأخبر بذلك رسول الله، فأنزل ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي قائماً، وقاعداً، ومضطجعاً، بعد أن يكون في صمام واحد.

وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن أبي هلال «أن عبد الله بن علي حدثه: أنه بلغه أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلسوا يوماً ورجل من اليهود قريب منهم، فجعل بعضهم يقول: إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة.

ويقول الآخر: إني لآتيها وهي قائمة، ويقول الآخر: إني لآتيها وهي باركة فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم، ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة.

فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم...

﴾ الآية» .

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة والدارمي عن الحسن قال: كانت اليهود لا يألون ما شدد على المسلمين، كانوا يقولون: يا أصحاب محمد أنه- والله- ما يحل لكم أن تأتوا نساءكم إلا من وجه واحد، فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فخلى الله بين المؤمنين وبين حاجتهم.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن.

أن اليهود كانوا قوماً حسداً فقالوا: يا أصحاب محمد أنه- والله- ما لكم أن تأتوا النساء إلا من وجه واحد، فكذبهم الله، فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فخلى بين الرجال وبين نسائهم يتفكه الرجل من امرأته، يأتيها إن شاء من قبل قبلها وإن شاء من قبل دبرها، غير أن المسلك واحد.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قالت اليهود للمسلمين: إنكم تأتون نساءكم كما تأتي البهائم بعضها بعضاً يبركوهن، فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ ولا بأس أن يغشى الرجل المرأة كيف شاء إذا أتاها في الفرج.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: ذلك أن اليهود عرضوا بالمؤمنين في نسائهم وعيروهم، فأنزل الله في ذلك وأكذب اليهود، وخلى بين المؤمنين وبين حوائجهم في نسائهم.

وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: كان عبد الله بن عمر يحدثنا: أن النساء كن يؤتين في أقبالهن وهي موليات.

فقالت اليهود: من جاء امرأته وهي مولية جاء ولده أحول.

فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب من طريق صفية بنت شيبة عن أم سلمة قالت «لما قدم المهاجرون المدينة أرادوا أن يأتوا النساء من أدبارهن في فروجهن فأنكرن ذلك، فجئن إلى أم سلمة فذكرن ذلك لها، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ صماماً واحداً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد الدارمي وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عبد الرحمن بن سابط قال: «سألت حفصة بنت عبد الرحمن فقلت لها: إني أريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحي أن أسألك عنه.

قالت: سل ابن أخي عما بدا لك.

قال: أسألك عن إتيان النساء في أدبارهن؟

فقالت: حدثتني أم سلمة قالت: كانت الأنصار لا تجبي، وكانت المهاجرون تجبي، وكانت اليهود تقول: إنه من جبى امرأته كان الولد أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصاء فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت أم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم استحيت الأنصارية أن تسأله، فخرجت فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادعوها لي.

فدعيت، فتلا عليها هذه الآية ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ صماماً واحداً.

قال: والصمام السبيل الواحد» .

وأخرج في مسند أبي حنيفة عن حفصة أم المؤمنين «أن امرأة أتتها فقالت: إن زوجي يأتيني مجبأة ومستقبلة فكرهته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا بأس إذا كان في صمام واحد» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والخرائطي في مساوي الأخلاق والبيهقي في سننه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: «جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت.

قال: وما أهلكك؟

قال: حوّلت رحلي الليلة.

فلم يرد عليه شيئاً، فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ يقول: أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة» .

وأخرج أحمد عن ابن عباس قال: «نزلت هذه الآية ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ في أناس من الأنصار، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتها على كل حال إذا كان في الفرج» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والخرائطي عن ابن عباس قال: «أتى ناس من حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن أشياء فقال له رجل: إني أحب النساء وأحب أن آتي مجبأة فكيف ترى في ذلك؟

فأنزل الله في سورة البقرة بيان ما سألوا عنه، وأنزل فيما سأل عنه الرجل ﴿ نساؤكم حرث لكم...

﴾ الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج» .

وأخرج ابن راهويه والدارمي وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: «إن ابن عمر- والله يغفر له- أوهم إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود، وهم أهل كتاب كانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، فكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك استر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوّج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف واحد فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ يقول: مقبلات ومدبرات بعد أن يكون في الفرج، وإنما كانت من قبل دبرها في قبلها.

زاد الطبراني قال ابن عباس: قال ابن عمرو: في دبرها فأوهم ابن عمر- والله يغفر له- وإنما كان الحديث على هذا» .

وأخرج عبد بن حميد والدارمي عن مجاهد قال: كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ﴾ إلى قوله: ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ في الفرج، ولا تعدوه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس إذ أتاه رجل فقال: ألا تشفيني من آية المحيض؟

قال: بلى، فاقرأ ﴿ ويسألونك عن المحيض ﴾ إلى قوله: ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي فقال: كيف بالآية ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فقال: أي ويحك وفي الدبر من حرث...

!

لو كان ما تقول حقاً لكان المحيض منسوخاً إذا شغل من هاهنا جئت من ههنا، ولكن ﴿ أنى شئتم ﴾ من الليل والنهار.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: ظهر البطن كيف شئت إلا في دبر والحيض.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: إن شئت فأتها مستلقية، وإن شئت فمحرفة، وإن شئت فباركة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: يأتيها من بين يديها ومن خلفها ما لم يكن في الدبر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: ائتوا النساء في أقبالهن على كل نحو.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: كنت آتي أهلي في دبرها، وسمعت قول الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فظننت أن ذلك لي حلال.

فقال: يا لكع، إنما قوله: ﴿ أنى شئتم ﴾ قائمة، وقاعدة، ومقبلة، ومدبرة، في أقبالهن لا تعد ذلك إلى غيره.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فأتوا حرثكم ﴾ قال: منبت الولد.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: ائت حرثك من حيث نباته.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: يأتيها كيف شاء ما لم يكن يأتيها في دبرها، أو في الحيض.

وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ يعني بالحرث الفرج.

يقول: تأتيه كيف شئت مستقبلة، ومستدبرة، وعلى أي ذلك أردت بعد أن لا تجاوز الفرج إلى غيره، وهو قوله: ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يكره أن تؤتى المرأة في دبرها، ويقول: إنما الحرث من القبل الذي يكون منه النسل والحيض، ويقول: إنما أنزلت هذه الآية ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ يقول: من أي وجه شئتم.

وأخرج الدارمي والخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عباس ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: يأتيها قائمة، وقاعدة، ومن بين يديها، ومن خلفها، وكيف يشاء بعد أن يكون في المأتى.

وأخرج البيهقي في سننه عن مجاهد قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فقال: ائتها من حيث يكون الحيض والولد.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس في الآية قال: تؤتى مقبلة ومدبرة في الفرج.

وأخرج ابن أبي شيبة والخرائطي في مساوي الأخلاق عن عكرمة قال: يأتيها كيف شاء قائماً، وقاعداً، وعلى كل حال، ما لم يكن في دبرها.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والدارمي والبيهقي عن أبي القعقاع الحرمي قال: جاء رجل إلى عبدالله بن مسعود فقال: آتي امرأتي كيف شئت؟

قال: نعم.

قال: وحيث شئت؟

قال: نعم.

قال: وأنّى شئت؟

قال: نعم.

ففطن له رجل فقال: إنه يريد أن يأتيها في مقعدتها!

فقال: لا، محاش النساء عليكم حرام.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يا نبي الله نساؤنا ما نأتي منهن وما نذر؟

قال: حرثكم ائت حرثك أنى شئت، غير أن لا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت، واطعم إذا طعمت، واكس إذا اكتسيت، كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض إلا بما حل عليها.

وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والبيهقي في سننه من طرف عن خزيمة بن ثابت «أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتيان النساء في أدبارهن، فقال: حلال.

أو قال: لا بأس.

فلما ولى دعاه فقال: كيف قلت من دبرها في قبلها فنعم، وأما من دبرها في دبرها فلا إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» .

وأخرج الحسن بن عرفة في جزئه وابن عدي والدارقطني عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استحيوا إن الله لا يستحي من الحق، لا يحل مأتى النساء في حشوشهن» .

وأخرج ابن عدي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا محاشي النساء» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر» .

وأخرج أبو داود والطيالسي وأحمد والبيهقي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى» .

وأخرج النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استحيوا من الله حق الحياء، لا تأتوا النساء في أدبارهن» .

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» .

وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى شيئاً من الرجال أو النساء في الادبار فقد كفر» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: «اتيان الرجال والنساء في أدبارهن كفر.

قال الحافظ ابن كثير: هذا الموقوف أصح» .

وأخرج وكيع في مصنفه والبزار عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» .

وأخرج النسائي عن عمر بن الخطاب قال: استحيوا من الله، فإن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن.

قال الحافظ ابن كثير: هذا الموقوف أصح.

وأخرج ابن عدي في الكامل عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تأتوا النساء في أعجازهن» .

وأخرج ابن وهب وابن عدي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ملعون من أتى النساء في محاشهن» .

وأخرج أحمد عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههن» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤتى النساء في أعجازهن.

وقال: إن الله لا يستحي من الحق» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والبيهقي عن علي بن طلق، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تأتوا النساء في أستاههن، فإن الله لا يستحي من الحق» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه يوم القيامة» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي والبيهقي في الشعب عن طاوس قال: سئل ابن عباس عن الذي يأتي امرأته في دبرها فقال: هذا يسألني عن الكفر.

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في الشعب عن عكرمة: أن عمر بن الخطاب ضرب رجلاً في مثل ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن أبي الدرداء: أنه سئل عن إتيان النساء في أدبارهن فقال: وهل يفعل ذلك إلا كافر؟.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن عبدالله بن عمرو في الذي يأتي المرأة في دبرها قال: هي اللوطية الصغرى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن الزهري قال: سألت ابن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن عن ذلك، فكرهاه ونهياني عنه.

وأخرج عبدالله بن أحمد والبيهقي عن قتادة في الذي يأتي امرأته في دبرها قال: حدثني عقبة بن وشاح أن أبا الدرداء قال: لا يفعل ذلك إلا كافر.

قال: وحدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تلك اللوطية الصغرى» .

وأخرج البيهقي في الشعب وضعفه عن أبي بن كعب قال: أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة، فمنها نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، فذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة وذلك مما حرم الله ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحاً.

قال زر: قلت لأبي بن كعب وما التوبة النصوح؟

قال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هو الندم على الذنب حين يفرط منك، فتستغفر الله بندامتك عند الحافر، ثم لا تعود إليه أبداً» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: من أتى امرأته في دبرها فهو من المرأة مثله من الرجل، ثم تلا ﴿ ويسألونك عن المحيض ﴾ [ البقرة: 242] إلى قوله: ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ أن تعتزلوهن في المحيض في الفروج، ثم تلا ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: إن شئت قائمة، وقاعدة، ومقبلة، ومدبرة، في الفرج.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: سئل طاوس عن اتيان النساء في أدبارهن، فقال: ذلك كفر ما بدأ قوم لوط إلا ذاك، أتوا النساء في أدبارهن، وأتى الرجال الرجال.

وأخرج أبو بكر الأشرم في سننه، وأبو بشر الدولابي في الكنى، عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «محاشي النساء عليكم حرام» .

وأخرج ابن أبي شيبة والدارمي والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال: «محاشي النساء عليكم حرام.

قال ابن كثير: هذا الموقوف أصح.

قال الحفاظ: في جميع الأحاديث المرفوعة في هذا الباب وعدتها نحو عشرين حديثاً كلها ضعيفة لا يصح منها شيء، والموقوف منها هو الصحيح.

وقال الحافظ ابن حجر في ذلك: منكر لا يصح من وجه، كما صرح بذلك البخاري، والبزار، والنسائي، وغير واحد» .

وأخرج النسائي والطبراني وابن مردويه عن أبي النضر.

أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول إنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن يؤتى النساء في أدبارهن؟

قال: كذبوا علي، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يوماً وأنا عنده حتى بلغ ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فقال: يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية؟

قلت: لا.

قال: إنَّا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذت بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ .

وأخرج الدارمي عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري نحمض لهن؟

قال: وما التحميض؟

فذكر الدبر.

فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟

وأخرج البيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس.

أنه كان يعيب النكاح في الدبر عيباً شديداً.

وأخرج الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: «نزلت هذه الآية في المهاجرين لما قدموا المدينة، ذكروا إتيان النساء فيما بينهم وبين الأنصار، واليهود من بين أيديهن ومن خلفهن إذا كان المأتى واحداً في الفرج، فعابت اليهود ذلك إلا من بين أيديهن خاصة، وقالوا: إنا نجد في كتاب الله أن كل إتيان تؤتى النساء غير مستلقيات دنس عند الله، ومنه يكون الحول والخبل، فذكر المسلمون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا كنا في الجاهلية وبعدما أسلمنا نأتي النساء كيف شئنا، وإن اليهود عابت علينا، فأكذب الله اليهود ونزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ يقول: الفرج مزرعة الولد، فأتوا حرثكم أنى شئتم، من بين يديها ومن خلفها في الفرج» .

ذكر القول الثاني في الآية: أخرج اسحق بن راهويه في مسنده وتفسيره والبخاري وابن جرير عن نافع قال: قرأت ذات يوم ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: ابن عمر أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟

قلت: لا.

قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن.

وأخرج البخاري وابن جرير عن ابن عمر ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: في الدبر.

وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق النضر بن عبدالله الأزدي عن مالك عن نافع عن ابن عمر في قوله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: إن شاء في قبلها وإن شاء في دبرها.

وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والطبراني في الأوسط والحاكم وأبو نعيم في المستخرج بسند حسن عن ابن عمر قال: إنما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ نساؤكم حرث لكم...

﴾ الآية.

رخصة في إتيان الدبر.

وأخرج ابن جرير والطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن النجار بسند حسن عن ابن عمر «أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر ذلك الناس وقالوا: اثفروها.

فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم...

﴾ الآية» .

وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق أحمد بن الحكم العبدي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: «جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم...

﴾ الآية» .

وأخرج النسائي وابن جرير من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر.

أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ .

وأخرج الدارقطني في غرائب مالك من طريق أبي بشر الدولابي، نبأنا أبو الحرث أحمد بن سعيد، نبأنا أبو ثابت محمد بن عبيدالله المدني، حدثني عبد العزيز محمد الدراوردي، عن عبدالله بن عمر بن حفص، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، فرقهم كلهم عن نافع قال: قال لي ابن عمر: امسك على المصحف يا نافع، فقرأ حتى أتى على ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال لي: أتدري يا نافع فيم نزلت هذه الآية؟

قلت: لا.

قال: نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فاعظم الناس ذلك، فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم...

﴾ الآية.

قلت له: من دبرها في قبلها؟

قال: لا إلا في دبرها.

وقال الرفا في فوائده تخريج الدارقطني، نبأنا أبو أحمد بن عبدوس، نبأنا علي بن الجعد، نبأنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر قال: وقع رجل على امرأته في دبرها، فأنزل الله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: فقلت لابن أبي ذئب ما تقول أنت في هذا؟

قال: ما أقول فيه بعد هذا!.

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأحمد بن أسامة التجيبي في فوائده عن نافع قال: قرأ ابن عمر هذه السور، فمر بهذه الآية ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ الآية.

فقال: تدري فيم أنزلت هذه الآية؟

قال: لا.

قال: في رجال كانوا يأتون النساء في أدبارهن.

وأخرج الدارقطني ودعلج كلاهما في غرائب مالك من طريق أبي مصعب واسحق بن محمد القروي كلاهما عن نافع عن ابن عمر «أنه قال: يا نافع أمسك على المصحف، فقرأ حتى بلغ ﴿ نساؤكم حرث لكم...

﴾ الآية.

فقال: يا نافع أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟

قلت: لا.

قال: نزلت في رجل من الأنصار، أصاب امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآية، قال الدارقطني: هذا ثابت عن مالك، وقال ابن عبد البر: الرواية عن ابن عمر بهذا المعنى صحيحة معروفة عنه مشهورة» .

وأخرج ابن راهويه وأبو يعلى وابن جرير والطحاوي في مشكل الآثار وابن مردويه بسند حسن عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ .

وأخرج النسائي والطحاوي وابن جرير والدارقطني من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس.

أنه قيل له: يا أبا عبد الله إن الناس يروون عن سالم بن عبدالله أنه قال: كذب العبد أو العلج على أبي.

فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبدالله عن ابن عمر مثل ما قال نافع.

فقيل له: فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن؟

قال: وما التحميض؟

فذكر له الدبر.

فقال ابن عمر: أف أف أيفعل ذلك مؤمن؟!..

أو قال: مسلم.

فقال مالك: أشهد على ربيعة أخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع.

قال الدارقطني: هذا محفوظ عن مالك صحيح.

وأخرج النسائي من طريق يزيد بن رومان عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر.

أن عبدالله بن عمر كان لا يرى بأساً أن يأتي الرجل المرأة في دبرها.

وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن علي قال: كنت عند محمد بن كعب القرظي فجاءه رجل فقال: ما تقول في إتيان المرأة في دبرها؟

فقال: هذا شيخ من قريش فسله يعني عبدالله بن علي بن السائب.

فقال: قذر، ولو كان حلالاً.

وأخرج ابن جرير عن الدراوردي قال: قيل لزيد بن أسلم: إن محمد بن المنكدر نهى عن إتيان النساء في أدبارهن.

فقال زيد: أشهد على محمد لأخبرني أنه يفعله.

وأخرج ابن جرير عن ابن أبي مليكة.

أنه سأل عن إتيان المرأة في دبرها فقال: قد أردته من جارية لي البارحة، فاعتاصت علي فاستعنت بدهن.

وأخرج الخطيب في رواة مالك عن أبي سليمان الجرجاني قال: سألت مالك بن أنس عن وطء الحلائل في الدبر فقال لي: الساعة غسلت رأسي منه.

وأخرج ابن جرير في كتاب النكاح من طريق ابن وهب عن مالك: أنه مباح.

وأخرج الطحاوي من طريق أصبغ بن الفرج عن عبدالله بن القاسم قال: ما أدركت أحداً اقتدى به في ديني يشك في أنه حلال، يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا.

وأخرج الطحاوي والحاكم في مناقب الشافعي والخطيب عن محمد بن عبدالله بن عبد الحكم أن الشافعي سأل عنه فقال: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال.

وأخرج الحاكم عن ابن عبد الحكم.

أن الشافعي ناظر محمد بن الحسن في ذلك، فاحتج عليه ابن الحسن بأن الحرث إنما يكون في الفرج، فقال له فيكون ما سوى الفرج محرماً، فالتزمه فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها أفي ذلك حرث؟

قال: لا.

قال: أفيحرم؟

قال: لا.

قال: فكيف تحتج بما لا تقول به؟

قال الحاكم: لعل الشافعي كان يقول ذلك في القديم، وأما في الجديد فصرح بالتحريم.

ذكر القول الثالث في الآية: أخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والضياء في المختارة عن زائدة بن عمير قال: سألت ابن عباس عن العزل فقال: إنكم قد أكثرتم، فإن كان قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فهو كما قال، وإن لم يكن قال فيه شيئاً قال: أنا أقول ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ فإن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن أبي ذراع قال: سألت ابن عمر عن قول الله: ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: إن شاء عزل، وإن شاء غير العزل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: إن شئت فاعزل، وإن شئت فلا تعزل.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن جابر قال: كنا نعزل والقرآن ينزل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينهنا عنه.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والبيهقي عن جابر «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جارية وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: اعزل عنها إن شئت فإنها سيأتيها ما قدر لها، فذهب الرجل فلم يلبث يسيراً، ثم جاء فقال: يا رسول الله إن الجارية قد حملت.

فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها» .

وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي سعيد قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: أو تفعلون...؟

لا عليكم أن لا تفعلوا فإنما هو القدر، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» .

وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي سعيد قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل، فقال: ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء» .

وأخرج عبد الرزاق والترمذي وصححه والنسائي عن جابر قال: «قلنا يا رسول الله: إنا كنا نعزل، فزعمت اليهود أنها الموءودة الصغرى.

فقال: كذبت اليهود إن الله إذا أراد أن يخلقه لم يمنعه» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي عن أبي سعيد الخدري «أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي جارية، وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما أراد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل هو الموءودة الصغرى.

قال: كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه» .

وأخرج البزار والبيهقي عن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل، قال: إن اليهود تزعم أن العزل هي الموءودة الصغرى.

قال: كذبت اليهود» .

وأخرج مالك وعبد الرزاق والبيهقي عن زيد بن ثابت أنه سئل عن العزل فقال: هو حرثك ان شئت سقيته وإن شئت أعطشته.

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس.

أن سئل عن العزل فقال: ما كان ابن آدم ليقتل نفساً قضى الله خلقها، هو حرثك ان شئت عطشته وان شئت سقيته.

وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: تعزل عن الأمة، وتستأمر الحرة.

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال: تستأمر الحرة في العزل، ولا تستأمر الأمة.

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي عن ابن مسعود قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره عشر خلال: التختم بالذهب، وجر الإِزار، والصفرة يعني الخلوق، وتغيير الشيب، والرقى إلا بالمعوّذات، وعقد التمائم، والضرب بالكعاب، والتبرج بالزينة لغير محلها، وعزل الماء عن محله، وإفساد الصبي عشر محرمة» .

ذكر القول الرابع في الآية: أخرج عبد بن حميد عن ابن الحنفية في قوله: ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ قال: إذا شئتم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ قال: الولد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ قال: التسمية عند الجماع يقول: بسم الله.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً» .

وأخرج عبد الرزاق والعقيلي في الضعفاء عن سلمان قال: «أمرنا خليلي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن لا نتخذ من المتاع إلا أثاثاً كأثاث المسافر، ولا نتخذ من السباء إلا ما ينكح أو ينكح، وأمرنا إذا دخل أحدنا على أهله أن يصلي ويأمر أهله أن تصلي خلفه ويدعو، ويأمرها تؤمن» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبدالله بن مسعود فقال له: إني تزوجت جارية بكراً، وإني قد خشيت أن تعركني.

فقال عبدالله: إن الألف من الله، وإن العرك من الشيطان، ليكره إليه ما أحل الله له، فإذا أدخلت عليك فمرها أن تصلي خلفك ركعتين، وقل: اللهم بارك في أهلي وبارك لهم فيّ وارزقني منهم وارزقهم مني، واللهم اجمع بيننا ما جمعت، وفرق بيننا ما فرقت إلى خير.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي سعيد مولى بني أسد قال: «تزوجت امرأة، فدعوت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أبو ذر، وابن مسعود، فعلموني وقالوا: إذا دخل عليك أهلك فصل ركعتين ومرها فلتصل خلفك، وخذ بناصيتها وسل الله خيرها وتعوذ به من شرها، ثم شأنك وشأن أهلك» .

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: يقال إذا آتى الرجل أهله فليقل: بسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا ولا تجعل للشيطان نصيباً فيما رزقتنا.

قال: فكان يرجى إن حملت أن يكون ولداً صالحاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي وائل قال: اثنتان لا يذكر الله العبد فيهما.

إذا أتى الرجل أهله يبدأ فيسمي الله، وإذا كان في الخلاء.

وأخرج ابن أبي شيبة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن علقمة.

أن ابن مسعود كان إذا غشي امرأته، فأنزل قال: اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتنا نصيباً.

وأخرج الخرائطي عن عطاء في قوله: ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ قال: التسمية عند الجماع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ الآية، قال ابن عباس: جاء عمر  إلى رسول الله  ، فقال: يا رسول الله!

هلكت.

قال: "فما الذي أهلكك؟

" قال: حَوَّلْتُ رَحْلِيَ البارحة، فلم يرد عليه شيئًا، وأوحي إليه: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ (١) وقال الحسن (٢) (٣) (٤) (٥) (٦)  ، فأكذب الله عز وجل اليهود، وأنزل يرخص (٧) ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ .

أي: مَزْرَعٌ ومَنْبَتٌ للولد (٨) (٩) وقال أهل العربية: معناه: ذواتُ حرثٍ لكم، فيهن تحرثون الولد (١٠) ﴿ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا ﴾ (١١) أي: كنار (١٢) النَّشْرُ مِسْكٌ والوجوهُ دنا ...

نير وأطرافُ الأكفِّ عَنَم (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) إذا أكل الجَرادُ حُرُوثَ قومٍ ...

فَحَرْثِي هَمُّهُ أَكْلُ الجَرَادِ [[البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 775، "تفسير الثعلبي" 2/ 977، لكنه قال: قال المفضل بن سلمة أنشدني أبي "لسان العرب" 2/ 820، "تهذيب اللغة" 1/ 775، "تاج العروس" 3/ 194 [مادة حرث]، "أساس البلاغة"، [مادة: حرث] "البحر المحيط" 1/ 170.

"المعجم المفصل" 2/ 328.]] يعني: امرأته (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ أي: كيف شئتم (١٨) ﴿ أَنَّى ﴾ شِئْتُمْ معناه من أين، يدل عليه الجواب، نحو قوله تعالى: ﴿ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ (١٩) وقال الزجاج: أي ايتوا مواضع (٢٠) (٢١) والآية لا تدل على جواز (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ لِأَنْفُسِكُمْ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد العمل لله بما يحب ويرضى (٢٦) (٢٧) والكلبي (٢٨) (٢٩) وقال بعض المفسرين: يعني: ابتغاء الولد والنسل (٣٠) ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فيما حد لكم من الجماع وأمر الحيض.

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ﴾ قال عطاءُ: يريد: راجعون إليه (٣١) ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)  ﴾ .

وقال أصحاب المعاني: معناه: ملاقو جزائه، إن ثوابًا وإن عقابًا.

وقال بعضهم ﴿ مُلَاقُوهُ ﴾ أي: ملاقو ما قدمتم.

﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الذين خافوه (٣٢) (١) الحديث رواه الترمذي (2980) كتاب التفسير، باب: ومن سورة البقرة وقال: حسن غريب، والنسائي في "تفسيره" 1/ 256، وأحمد 1/ 297، والطبري في "تفسيره" 2/ 397، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 405، والبيهقي في "سننه" 7/ 198، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 962 وغيرهم.

(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 232، والدارمي في "سننه" 1/ 257.

(٣) عزاه الحافظ في "العجاب" 1/ 560، والسيوطي في "الدر المنثور" 1/ 467 - 468 إلى عبد بن حميد، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 971.

(٤) "تفسير مقاتل" 1/ 192، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 971.

(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 971، والواحدي في "أسباب النزول" ص80.

(٦) في (أ): (آيتان).

(٧) في (م) (ترخص).

(٨) في (م) (للوالد).

(٩) في (م) (ي) (ش) (وحد).

(١٠) في (م) زيادة (الولد والفدة وقال الأزهري) حرث الرجل امرأته وأنشد وهو تكرار.

(١١) (حتى) ساقطة من (ي).

(١٢) من "تفسير الثعلبي" 2/ 976 - 977، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 170، وذكر وجها ثالثا، قال: ويحتمل أن يكون حرث لكم بمعنى محروثة لكم، فيكون من باب إطلاق المصدر ويراد به اسم المفعول.

(١٣) في (ي)، (ش) (غنم).

(١٤) البيت للمرقش الأكبر في "ديوانه" ص 586، وفيه: وأطراف البنان.

"تفسير الثعلبي" 2/ 977 "تاج العروس" 7/ 524، "لسان العرب" 7/ 4422 "نشر"، ينظر: "المعجم المفصل في شواهد العربية" 7/ 30 - 31.

(١٥) "مجاز القرآن" 1/ 73.

(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298.

(١٧) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 775، والكلام فيه منقول عن ابن الأعرابي.

(١٨) ساقطة من (أ) و (م).

(١٩) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 144، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 311، "تفسير الثعلبي" 2/ 973، "البحر المحيط" 1/ 170.

(٢٠) في (ش) و (ي): (موضع).

(٢١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298.

(٢٢) في (ي): (جواب).

(٢٣) في (ش): (كل).

(٢٤) في (ي): (للنسل).

(٢٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 979 - 1000، " المحرر الوجيز" 2/ 256، "التفسير الكبير" 6/ 76، "تفسير القرطبي" 3/ 96، "البحر المحيط" 2/ 170 - 171.

(٢٦) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة.

وذكره في "زاد المسير" عنه 1/ 253 برواية أبى صالح، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 329.

(٢٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 399 بمعناه، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 406.

(٢٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1006، البغوي في "تفسيره" 1/ 262.

(٢٩) "معانى القرآن" للزجاج 1/ 298.

(٣٠) قال به عكرمة كما رواه ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 405، وقدمه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1001، وينظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 77، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 186.

(٣١) لم أجده.

(٣٢) في (م): (يخافوه)، وفي (ي) (خافوا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾ سأل عن ذلك عباد بن بشر وأسيد بن حضير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا نجامع النساء في المحيض، خلافاً لليهود ﴿ هُوَ أَذًى ﴾ اجتنبوا جماعهن وقد فسر ذلك الحديث بقوله؛ لتشدّ عليها إزارها، وشأنك بأعلاها ﴿ حتى يَطْهُرْنَ ﴾ أي ينقطع عنهن الدم ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ أي اغتسلن بالماء، وتعلق الحكم بالآية الأخيرة عند مالك والشافعي، فلا يجوز عندهما وطء حتى تغتسل، بالغاية الأولى عند أبي حنيفة فأجاز الوطء عند انقطاع الدم وقبل الغسل، وقرئ حتى يطهرن بالتشديد، ومعنى هذه الآية بالماء، فتكون الغايتان بمعنى واحد، وذلك حجة لمالك ﴿ مِنْ ﴾ قبل المرأة ﴿ التوابين ﴾ من الذنوب ﴿ المتطهرين ﴾ بالماء أو من الذنوب ﴿ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ أي موضع حرث، وذلك تشبيه للجماع في إلقاء النطفة وانتظار الولد: بالحرث في إلأقاء البذر وانتظار الزرع ﴿ أنى شِئْتُمْ ﴾ أي: كيف شئتم من الهيئات أو من شئتم، لنه يوهم الإتيان في الدبر، وقد افترى من نسب جوازه إلى مالك، وقد تبرأ هو من ذلك وقال: إنما الحرث في موضع الزرع ﴿ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ أي الأعمال الصالحة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حتى يطهرن ﴾ بالتشديد والأصل "يتطهرن" فأدغم التاء في الطاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون ﴿ يطهرن ﴾ بالتخفيف من الطهارة.

﴿ أنى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن.

الباقون بالتفخيم ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل ﴿ يؤخر ﴾ و ﴿ يؤده ﴾ وأشباه ذلك بغير همز: يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ عن المحيض ﴾ ط ﴿ أذى ﴾ ط لأن لكونه أذى تأثيراً بليغاً في وجوب الاعتزال ﴿ في المحيض ﴾ لا للعطف.

﴿ حتى يطهرن ﴾ ج لأن "إذا" متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها ﴿ أمركم الله ﴾ ط ﴿ المتطهرين ﴾ ه ﴿ حرث لكم ﴾ ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثاً فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان ﴿ شئتم ﴾ ز قد يجوز لوقوع العارض.

﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ ملاقوه ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: الحكم السابع: ﴿ ويسئلونك عن المحيض ﴾ قيل: إنه  جمع في هذا الموضع بين ستة أسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو والباقية بالواو.

والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الوقائع الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن كذا وعن كذا.

روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وكان أهل الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت.

فقال ناس من الأعراب يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة.

فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فنزلت الآية، فقال  : "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت" يعني أن المراد من قوله  ﴿ فاعتزلوا النساء ﴾ فاعتزلوا مجامعتهن.

واتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمان الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فيما دون السرة وفوق الركبة.

فالشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف قالوا: يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار بناء على أن المحيض مصدر كالمجيء والمبيت، والتقدير: فاعتزلوا تمتع النساء في زمان الحيض.

ترك العمل بالآية فيما فوق السرة وتحت الركبة للإجماع فبقي الباقي على الحرمة.

وعن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل النبي  ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

قال: " لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها" ، وقيل: ما سوى الفرج حلال، لأن المراد بالمحيض موضع الحيض فالمعنى فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، نعم المحيض الأول مصدر فيصلح عود الضمير إليه في قوله ﴿ قل هو أذى ﴾ أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة وكراهة على أنه يحتمل أن يكون بمعنى المكان والتقدير هو ذو أذى، وإنما قدم قوله ﴿ هو أذى ﴾ لترتب الحكم وهو وجوب الاعتزال عليه.

وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، حتى لو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة.

فذلك الدم جار مجرى البول والغائط فكان أذى وقذراً.

ولا يرد عليه دم الاستحاضة حيث لا يوجب الاعتزال، لأن ذاك دم صالح يسيل من عرق يتفجر في عنق الرحم، ويؤيده ما روي في الصحيحين عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟

فقال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" .

ومعنى العرق أنه علة حدثت بها من تصدع العروق.

وأصل الحيض في اللغة السيل.

يقال: حاض السيل وفاض.

قال الأزهري: منه قيل الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل.

والواو والياء من حيز واحد.

وقد ورد في الحديث لدم الحيض صفات منها السواد ويراد به أنه يعلوه حمرة متراكبة فيضرب من ذلك إلى السواد، ومنها الثخانة، ومنها المحتدم وهو المحرق من شدة حرارته، ومنها أنه ذو دفعات أي يخرج برفق ولا يسيل سيلاً، ومنها أن له رائحة كريهة، ومنها أنه بحراني وهو الشديد الحمرة.

وقيل: ما يحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر.

فمن الناس من قال: إن كان الدم موصوفاً بهذه الصفات فهو الحيض وإلا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف، وزوالها إنما كان بعارض الحيض.

فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف الواجبة على ما كانت.

ومنهم من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء.

أما السن المحتمل للحيض فأصح الوجوه أنها تسع سنين فإن رأت الصبية دماً قبل استكمال التسع فهو دم فساد.

قال الشافعي: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين.

وقيل: إن أول وقت الإمكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة.

وقيل: بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة.

والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية تقريباً على الأظهر لا تحديداً، حتى لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع على الوجه الأصح ما لا يسع حيضاً وطهراً، كان ذلك الدم حيضاً وإلا فلا، وأقل مدة الحيض عند الشافعي يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وعن مالك لا حد لأقله.

وأما أكثر الحيض فهو خمسة عشر يوماً وليلة لقول علي  وكرم الله وجهه: ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة.

وعن عطاء: رأيت من تحيض يوماً ومن تحيض خمسة عشر يوماً.

وأما الطهر فأكثره لا حد له.

فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واحدة، وأقله خمسة عشر يوماً، وقال أحمد أقله ثلاثة عشر.

وقال مالك: ما أعلم بين الحيضتين وقتاً يعتمد عليه لنا الرجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النساء، وروي أنه  قال: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" أشعر ذلك بأقل الطهر وأكثر الحيض.

وغالب عادات النساء في الحيض ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر.

"قال  لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء ويطهرن" .

ومعنى: "في علم الله"، أي مما علمك الله من عادتك أو من غالب عادات النساء.

ويحرم في الحيض عشرة أشياء: الصلاة والصوم والاعتكاف والمكث في المسجد و الطواف ومس المصحف وقراءة القرآن والسجود والغشيان بنص القرآن والطلاق في حق بعضهن ثم إن أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل مجامعتها إلا بعد أن تغتسل عن الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري.

والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها حتى تغتسل ويمضي عليها وقت صلاة، وإن رأته عشرة أيام جاز له أن يقربها قبل الاغتسال.

حجة الشافعي أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان وجب الجمع بينهما ما أمكن.

فمن قرأ "يطهرن" بالتخفيف فانتهاء الحرمة عنده انقطاع الدم، ومن قرأ "يطهرن" بالتثقيل فالنهاية تطهرها بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن بأن يكون النهاية حصول الشيئين.

ومعنى قوله ﴿ ولا تقربوهن ﴾ أي لا تجامعوهن وهذا كالتأكيد لقوله ﴿ فاعتزلوا ﴾ ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن المباشرة في موضع الدم وهذا نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.

وأيضاً قوله ﴿ فإذا تطهرن فأتوهن ﴾ تعليق للإتيان على التطهر بكلمة "إذا"، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر.

والمراد بالتطهر الاغتسال؛ لأن هذا الحكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها.

وعن عطاء وطاوس هو أن تغسل الموضع وتتوضأ.

وقال بعضهم: غسل الموضع.

ثم القائلون بوجوب الاغتسال أجمعوا على أن التيمم يقوم مقامه عند إعواز الماء ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ أي من المأتى الذي أمركم به وحلله لكم وهو القبل.

عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة.

وقال الأصم والزجاج: فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات.

وعن محمد ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور.

﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ مما عسى أن يبدر عنهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك بمجامعة الحائض والطاهرة قبل الغسل وإتيان الدبر ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ المتنزهين عن تلك الفواحش.

فالتائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه لأن الذنب كأنه نجاسة روحانية حكمية ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ أو يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار والأوزار.

الحكم الثامن ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ وإنه جار مجرى البيان والتوضيح لقوله ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فينبغي أن يؤتى المأتي الذي هو مكان الحرث، وعن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت هذه الآية.

وعن ابن عباس: "جاء عمر إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله هلكت.

قال: وما أهلكك؟

قال: حوّلت رحلي الليلة.

قال: فلم يرد عليَّ شيئاً.

فأوحى إلى رسول الله  هذه الآية" .

وتحويل الرحل قيل: ظاهره الكناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد.

وقيل: إنه الإتيان في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها.

وعنه كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة مجبية أي في قبلها من دبرها وكانوا أخذوا ذلك من اليهود وكانت قريش تفعل ذلك ولما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ذلك رسول الله  فنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي مقبلات ومدبرات ومستكفيات بعد أن يتقى الدبر والحيضة، وذلك أن قوله ﴿ حرث لكم ﴾ أي مزرع ومنبت للولد وهذا على سبيل التشبيه.

ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، وإنما وحد الحرث لأنه مصدر أقيم مقام المضاف أي هن مواضع حرث فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث أعني القبل دون الدبر، هذا ما عليه أكثر العلماء ويؤيده قوله عز من قائل ﴿ قل هو أذى فاعتزلوا ﴾ جعل ثبوت الأذى علة للاعتزال ولا معنى للأذى، إلا ما يتأذى الإنسان منه بنتن وتلوث وتنفر طبع، والأذى في الدبر حاصل أبداً فالاعتزال عنه أولى بالوجوب.

فمعنى ﴿ أنى شئتم ﴾ كيف شئتم من قبلها قائمة أو باركة أو مضطجعة.

وقيل: "أنى" بمعنى "متى" أي فأتوا حرثكم أي وقت شئتم من أوقات الحل يعني إذا لم تكن أجنبية أو محرمة أو صائمة أو حائضاً.

وعن ابن عباس: المعنى إن شاء عزل وإن شاء لم يعزل.

وقيل: متى شئتم من ليل أو نهار والأصح الأول وعن مالك والشيعة تجويز إتيان النساء في أدبارهن ويحكى أن نافعاً نقل عن ابن عمر مثل ذلك واحتجوا بأن الحرث اسم المرأة لا الموضع المعين وبأن قوله ﴿ أنى شئتم ﴾ معناه من أين شئتم كقوله ﴿ أنى لك هذا  ﴾ أي من أين.

وكلمة "أين" تدل على تعدد الأمكنة فيلزم أن يكون المأتي بها متعدداً.

وبقوله ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] ترك العمل بعمومه في حق الذكور لدلالة الإجماع فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإناث.

ولا يخفى ضعف هذه الحجج ولو سلم مساواتها دلائل الحرمة في القوة فالاجتناب أحوط، وكيف لا وقد روي عن رسول الله  "ملعون من أتى امرأة في دبرها" ولو لم يكن فيه إلا فوات غرض التوالد والتناسل الذي به بقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف أنواع الكائنات لكفى به منقصة وذماً، وإذا كان لزنا لكونه مزيلاً للنسب محرماً، وكذا الخمر لكونها رافعة للعقل، والقتل لكونه مفنياً للشخص، فلأن يحرم هذا الفعل لكونه متضمناً لفناء النوع أولى كاللواط وإتيان البهيمة والاستمناء ولهذا عقبه بقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ أي افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة كقول الرجل لغيره "قدم لنفسك عملاً صالحاً" وذلك أن الآية اشتملت على الإذن في أحد الموضعين والمنع عن الموضع الآخر فكأنه قيل: لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وإنما يجب أن تكونوا في ربقة الإخلاص وتقديم الطاعة، ثم إنه أكد ذلك بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا تحسن إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن مشتهي.

فقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ تحريض على فعل الطاعات ويندرج فيه ابتغاء لولد والتسمية عند الوقاع وغير ذلك من بآداب الخلوة، وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ زجر عن المحظورات والمنكرات، وقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ تذكير ليوم البعث والحساب الذي لولاه لضاع فعل الطاعات وترك المنهيات وما أحسن هذا الترتيب!

ثم قال ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ كيلا يخلو الوعيد من الوعد.

ولم يذكر المبشر به وهو الثواب والكرامة ونحوهما إما لأنه كالمعلوم من نحو قوله ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً  ﴾ ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ وإما لأن الغرض نفس البشارة مثل "فلان يعطى".

الحكم التاسع: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضاً له قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم.

وقد ذم الله  من أكثر الحلف بقوله ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين  ﴾ والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة.

وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله  أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية.

وقوله ﴿ أن تبروا ﴾ علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصّلحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون براً متقياً، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه براً متخذاً من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم.

ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة "فعلة" بمعنى "مفعول" كالقبضة والغرفة فيكون اسماً للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه "عرض العود على الإناء" وتقول "فلان عرضة دون الخير".

وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني.

فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه.

وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين كما "قال النبي  لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" أي على شيء مما يحلف عليه.

فيكون قوله ﴿ أن تبروا ﴾ عطف بيان ﴿ لأيمانكم ﴾ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في ﴿ لأيمانكم ﴾ إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحاجزاً، وإما أن تعلق بـ ﴿ عرضة ﴾ لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئاً يعترض البر.

ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق ﴿ أن تبروا ﴾ بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا ﴿ والله سميع ﴾ إن حلفتم به ﴿ عليم ﴾ بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالاً لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث.

اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولهذا قيل: لما لا يعتد به ولا يخطر من أولاد الإبل في الدية "لغو" وهو في الأصل مصدر لغا يلغو.

قال  "من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا" واختلف الفقهاء في اللغو من اليمين فذهب الشافعي - وهو قول عائشة والشعبي وعكرمة - أنه قول العرب "لا والله" و "بلى والله" مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف.

فلو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لا ننكر ذلك ولعله قال: لا والله ألف مرة.

ومذهب أبي حنيفة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة والسدي ومكحول - أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن.

وفائدة الخلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل "لا والله" و "بلى والله" ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك.

حجة الشافعي أن الآية تدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، لكن المراد من قوله ﴿ بما كسبت قلوبكم ﴾ هو الذي يقصده الإنسان على سبيل الجد ويربط به قلبه فيكون اللغو ما تعوّده الناس في الكلام "لا والله" و "بلى والله" فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلاً جداً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغواً ألبتة، وأيضاً إنه  ذكر قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد إلى الحلف، وبيّن أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرنا هو المناسب ويؤده ما روت عائشة عن النبي  أنه قال: "لغو اليمين قول الرجل بين كلامه لا والله وبلى والله" وروي "أنه  مر بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله ثم أخطأ فقال الذي مع النبي  : حنث الرجل يا رسول الله، فقال  : كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب.

وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة.

وقال أبو حنيفة: اليمين معنى لا يلحقه الفسخ فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق.

وأيضاً إنه  قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه" أوجب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل.

وقيل: إن يمين اللغو هو الحلف على ترك طاعة أو فعل معصية، فبين الله  أنه لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية وعن الضحاك أن اللغو هي اليمين المكفرة كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله بإثم الحلف إذا كفرتم.

وقيل: هي ما يقع سهواً، والمراد بما كسبت قلوبكم هو العمد، واختاره القاضي أبو بكر.

ثم إن الشافعي قال: معنى لا يؤاخذكم لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده.

وقال أبو حنيفة: معناه لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد أي الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس.

وقال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة.

قال: والذي يحلف على شيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحداً أو يعتذر لمخلوق أو بقتطع به مالاً فهذا لا أعلم أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح الذي له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل: أن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيع بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه.

﴿ والله غفور رحيم ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم وأخر عقوبتكم بما كسبت قلوبكم لعلكم تتفكرون أو تتوبون عنها.

الحكم العاشر: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ يقال في اللغة: آلى يؤلي إيلاء وأئتلى ائتلاء وتألى تألياً.

والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد.

وفي الحديث القدسي "آليت أن أفعل" خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة مطلقاً أو مدة تزيد على أربعة أشهر.

وكان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية فغيّر الشرع حكمه.

قال سعيد بن المسيب.

كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها وكان يتركها بذلك لا أيماً ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة.

ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً فأزال الله  ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل.

فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها.

ثم المتعارف أن يقال: آليت على كذا وإنما عدي ههنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما يقال: "لي منك كذا" أو ضمن في هذا القسم المصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين.

والتربص التلبث والانتظار وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله "بينهما يوم" أي مسيرة في يوم ﴿ فإن فاؤا ﴾ فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من القتل أو لغير ذلك من الأسباب ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ بان عقدوا القلب على حل رابطة النكاح ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي مثل التوبة.

واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة.

الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة هي ظرف المحلوف عليه.

الركن الأول: الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله ﴿ للذين يؤلون ﴾ وبه قال أبو حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله  ويصح بالطلاق والعتاق، وأيضاً لا فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد.

وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر، ولأن تقدير هذه المدة إن كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة.

ويصح الإيلاء في حالتي الرضا و الغضب بعموم الآية.

وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب.

وأيضاً يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية، لأن الرجعية يصدق عليه أنها من نسائه بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق.

وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر قوله ﴿ يؤلون من نسائهم ﴾ ولهذا لو قال لأجنبية: والله لا أجامعك لم يكن مولياً.

وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل.

ومن جُبّ جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع الأمر في نفسه.

وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة.

فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال.

الركن الثاني: المحلوف به وهو إما الله  وصفاته أو غيره.

فإن حلف بالله كان مولياً، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء.

وهل يجب عليه كفارة اليمين؟

الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين، لأن الدلائل الدالة على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة، وأي فرق بين أو يقول: والله لا أقربك" ثم يقربها وبين أن يقول: "والله لا أكلمك" ثم يكلمها.

وإنما ترك ذكر الكفارة في الآية لأنها مبنية في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول.

وقوله  ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص.

وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فللَّه علي عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة.

فهل يكون مولياً؟

الجديد وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون مولياً لأن العتق والطلاق المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعاً له من الوطء، ويكون هو بتعليقه بالوطء مضراً بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله  حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق.

ولا يخفى أنه لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج.

وفيه أقوال أصحها أن عليه كفارة اليمين، والثاني عليه الوفاء بما سمى، والثالث التخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء.

الركن الثالث: المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه، وكذا النيك والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا بالنية.

الركن الرابع: المدة.

فعن ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يطأها أبداً، وعن الحسن وإسحاق أنه مول وإن حلف يوماً.

وهذان المذهبان في غاية البعد.

وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد.

وعن مالك وأحمد و الشافعي أنه لا يكون مولياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر.

فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر.

وهذه المدة تكون حقاً للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه.

وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي أن الفاء في قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تقتضي كون ما بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعاً متراخياً عن انقضاء الأشهر الأربعة.

وأيضاً قوله ﴿ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ﴾ صريح في أن وقوع الطلاق وإنما يكون بإيقاع الزوج، وفي أن الزوج لا بد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعاً وما ذاك إلا إيقاع الطلاق.

أجاب أبو حنيفة بأن قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تفصيل للحكم المتقدم كما تقول: "أنا نزيلكم هذا الشهر.

فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم وأتحول" وأيضاً الإيلاء طلاق في نفسه، فالطلاق إشارة إليه.

وأيضاً الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ودمدمة وحديث نفس، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان.

واستدل على صحة مذهبه في أن الفيئة لا بد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن مسعود فإن ﴿ فاؤا فيهن ﴾ ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى الله حسبي.

التأويل: كما أن النساء محيضاً في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس.

وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى.

وقد قيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا.

ولذلك نودي من سرادقات الجلال: يا قلوب الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى ﴿ حتى يطهرن ﴾ يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح ﴿ فإذا تطهرن ﴾ بماء التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ عن أوصاف الوجود ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين ببقاء الشهود ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحقّ فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه.

فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله  ﴾ فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته  وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته ﴿ لا يؤاخذكم الله ﴾ القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر.

فالبذر ما لم يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة.

أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله  من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما يجري عليه في الظاهر شراً فإن لم يكن له أثر في القلب كان لغواً ولا يؤاخذه، وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره.

﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح بالجنين كما جاء في الحديث "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك" إلى آخره ﴿ فإن فاءوا ﴾ الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى لاحظوه بعين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ لعزمه على طلاق منكوحة المواصلة ﴿ فإن الله سميع ﴾ لمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالتهم وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

دل جوابه على أن السؤال كان عن قربان النساء في الحيض، أو كان عن موضع الحيض.

فأخبر.

- عز وجل - أنه ﴿ أَذًى ﴾ .

والعرب تفعل ذلك - ربما أن تفهم من الجواب مراد السؤال، وربما تبين المراد في السؤال - وإذا جاز أن يتبع غير وقت الأذى وقت الأذى بالاتصال [ومن بعد انقطاع الدم قبل أن تغستل يجوز أن تتبع غير مكان الأذى مكان الأذى بالاتصال]، والله أعلم، ولا يحتمل أن يكون الأمر بالاعتزال يقع على اعتزال الأبدان والأشخاص بالاتفاق؛ إذ كل يجمع أن له أن يمسها باليد وأن يقبلها وغير ذلك، إلا أنهم اختلفوا في موضع الاستمتاع: قال أ بو حنيفة - رضي الله  عنه -: يستمتع بها ما فوق السرة ما تحت الركبة، ويجتنب غير ذلك.

وقال محمد - رضي الله  عنه -: يجتنب شعار الدم، على ما جاء عن عائشة، رضي الله  عنها، أنها قالت: "يتقي شعار الدم، وله ما سوى ذلك".

ثم دل هذا الخبر على أن النهي في الموضع الذي فيه الأذى.

دليله: أول الآية: ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ .

وحجة أبي حنيفة، رضي الله  عنه، ما روي أنه قال: لها ما تحت السرة، وله ما فوقها، وما روي أن أزواج الرسول  إذا حضن أمرهن أن يتزرن ثم يضاجعهن.

وأما محمد، رحمه الله  ، فإنه ذهب إلى ما ذكرنا: أنه ينهى عن قربان ذلك الموضع للأذى، وأما الموضع الذي لا أذى فيه فلا بأس.

ويجوز أن ينهى عن قربان هذه الأعضاء من نحو الفخذ وغيرها؛ لاتصالها بالموضع الذي فيه الأذى.

ويحتمل أن يكون ذكر الإزار كناية عن الموضع الذي فيه الأذى؛ وعلى ذلك روي عن عائشة، رضى الله  عنها، أنها سئلت: عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟

فقالت: "يحل له كل شيء إلا النكاح".

وسئلت: عما يحل للمحرم من امرأته؟

فقالت: لا يحل له شيء إلا الكلام.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ أي: لا تجامعوهن.

﴿ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ﴾ فيه لغتان: في حرف بعضهم ﴿ يَطْهُرْنَ ﴾ بضم الهاء وتخفيفها، وفي حرف آخرين بتشديد الهاء وفتحها: فمن قرأ بالتخفيف فهو عبارة عن انقطاع الدم، ومن قرأ بالتشديد فإنه عبارة عن حل قربانها بعد الاغتسال.

ثم من قول أصحابنا - رحمهم الله  -: إن المرأة إذا كانت أيامها عشرا تحل لزوجها أن يقربها قبل أن تغتسل، وإذا كانت أيامها دون العشر لم يحل له أن يقربها إلا بعد الاغتسال.

ويحتمل: أن تكون الآية فيما كانت أيامها دون العشر في اللغتين؛ إذ الغالب كان على أن الحيض لا يحيط بكل وقت، على ما روي أنه صلى الله  عليه وسلم قال لحمنة بنت جحش: "تحيَّضِي في علم الله من الشهر ستا أو سبعاً" .

فعلى ذلك أنه إنما يحل قربانها بالاغتسال.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ﴾ : إنه على ما دون العشر من المدة [بما] الغالب كان على ألا يمتد إلى أكثر الوقت ولا يقصر عن الأقل، على ما روي عن رسول الله  ، أنه قال في النساء: "هن ناقصات عقل ودين" .

وصف نقصان دينهن: أن تحيض إحداهن في الشهر ستّاً أو سبعاً، ووصفهن جملة بنقصان دينهن، ثم ذكر ما بين في التفسير عن الجملة، ثبت أن ذلك كان الغالب في الجملة حتى خرج عليه الجواب أنه لا يمتد إلى الأكثر ولا يقصر عن الأقل.

والله أعلم.

وأيد هذا ما أخبر عن ابتداء الآية أنه الأذى، وأمر بالاعتزال، ثم جعل لها بعد الانقطاع قبل الاغتسال حكم الأذى؛ فلم يجز أن يجعل الحكم لما ليس بحقيقة حكم الأذى، فيجعل للطهر الذي هو ضده ذلك الحكم، والله أعلم، وبما [أنه] ليس لذلك حكم الأذى في العشر إن كان الوقت يضيق عنه في رفع الصلاة، فكذا في أمر القربان.

والله أعلم.

وعلى ما ذكرت من العرف ينصرف أمر الوقت: أنها لو أخرت الاغتسال عن وقت الصلاة فإن للزوج أن يقربها بما لزمها من قضاء الصلاة، وهذا النوع من الأذى لا يمنع لزوم القضاء.

وحصل الخطاب على الوقت بالعرف أنهن لا يتأخرن، وبما ذكرت عن لزوم القضاء الذي يمنعه حكم الأذى، وبذلك صار غسل الحيض كغسل غيره من الأحداث، وهو لا يمنع القربان.

والله أعلم.

وحرم إتيان الأدبار، بما عليه اتفاق الآثار، وبما خص المكان بالأمر بالقربان، وبما أمر بالاعتزال للحُيَّضِ، ولو كان يحل غِشْيانهن في الأدبار لم يكن للأمر بالاعتزال معنى؛ إذ قد بقي أحد الموضعين من المقصود بالغِشْيان لو احتمل.

والله أعلم.

والأصل في ذلك: أن الحل في الابتداء لم يتعلق بقضاء الشهوات، ولا كان هذا لها، وإنما القضاء للشهوات خاصة الجنة، فأما الدنيا فإنما جعلت لقضاء الحاجات؛ إذ بها يكون بقاء النسل والأبدان، وبها يكون قوام الأبدان ودوام الحياة إلى انقضاء الأعمار، وركبت فيهم الشهوات لتبعثهم على قضاء تلك الحاجات؛ إذ لولا الشهوات لكان كل أمر من ذلك على الطباع يكون كالأدوية الكريهة والمحنة الشديدة، فخلق الله  فيهم الشهوات ليدوم ما به جرى تدبيره في أمر العالم، ولا تتعلق الحاجات بإتيان الأدبار.

ولو أحلت لكان الحل لحق الشهوة خاصة، والدنيا لم يتخلق لها؛ فلذلك لم تجعل بها حل مع ما لو كان يحتمل ذلك لاحتمل التناكح في نوع؛ فإذا لم يحتمل بان أن ذلك إنما جعل للنسل.

والله الموفق.

وقال بشر: إذ حرم الغشيان للحُيَّضِ بما هو أذى، وهو يكون على ما يتقذر، فالذي مجراه الدبر والذي منه يخرج من الأذى أوحش وأخبث، وذلك قائم في كل الأوقات، كقيام الحيض في أوقاته، فالحرمة لذلك أشد، ذكر بوجه، أمكن أن يبسط ما قال على الذي وصفته.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: معنى قوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ : لا تأتوهن صائمات، ولا معتكفات، ولا مصليات.

ويحتمل: لا تأتوهن حُيَّضاً، ولكن ﴿ فَأْتُوهُنَّ ﴾ طهرا.

وقيل: ﴿ فَأْتُوهُنَّ ﴾ في الموضع الذي أباح لكم إتيانها، وهو القبل، ولا تأتوهن في أدبارهن.

ويشبه - إذ "حيث" يعبر به عن المكان - أن يكون ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ أن تبتغوا الولد، بقوله: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ ﴾ من الذنوب.

﴿ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ .

من الأحداث والأذى.

والثاني: ممن فعل هذا قبل النزول ﴿ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ أنفسهم بالتكفير، والتواب هو الرجاع عما ارتكب، والتارك عن العود إلى ذلك، غير مصر على الذنب.

ويحتمل: التواب: الذي لا يرتكب الذنب.

وقوله: ﴿ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾ .

الحرث: هو الزرع.

وفيه دليل النهي عن الاعتزال عنها؛ لأن الزرع إذا ترك سُدىً فيضيع ويخرب.

وفيه دليل أن الإباحة في إتيان النساء طلب التناسل والتوالد، لا قضاء الشهوة؛ لأنه سمى ذلك حرثاً، والحرث ما يحرث فيتولد من ذلك الولد.

وفيه دليل أن الإتيان في غير موضع الحرث يحرم منهن، وعلى ذلك جاءت الآثار أنها سميت اللوطية الصغرى، ما جاء أنه نهى عن إتيان النساء في محاشهن، يعني: في أدبارهن، وفي بعض الأخبار: إتيان النساء في أدبارهن كفر.

وقوله: ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾ .

يعني: على أي جهة شئتم بعد أن يكون ذلك في المزرع، ولا بأس بالاعتزال عنها إذا أذنت؛ لما ذكرنا أن الأمر بذلك أمر بطلب النسل، لا قضاء الشهوة.

فإذا كان كذلك فلها ألا تتحمل مشقة تربية الولد، وأما الزوج فإنما عليه المؤنة، وذلك مما ضمن الله لكل ذي روح بقوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا  ﴾ ؛ لذلك نُهِي هو عن الاعتزال دون إذنها، ولم تنه هي عن الإذن عن ذلك.

والله أعلم.

وأما الاعتزال عن الإماء وملك اليمين فإنه لا بأس؛ لأنه لا يطلب النسل من الإماء في المتعارف؛ لذلك لم يكره، ولأن في إحبالهن إتلافاً، وللرجل ألا يتلف ملكه؛ لذلك افترقا.

والله أعلم.

والأصل: أن الشهوات مجعولة لما بها إمكان قضاء الحاجات التي يقضي بها جرى تدبير العالم، وبه يكون دوام النسل، وبقاء الأبدان، والحاجة لا تحتمل الوقوع في الأدبار؛ لذلك لم يجعل فيها.

وقوله: ﴿ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ وَقَدِّمُواْ ﴾ العمل الصالح.

وقيل: ﴿ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ من الولد تحفظونه عند الزيغ عما لا يجب.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ ﴾ ، أي: ما قدمتم من العمل الصالح فتجزون على ذلك؛ كقوله: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ ﴾ ، أي: ملاقو ربكم بوعده ووعيده.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

زوجاتكم محل زرع لكم يلدن لكم الأولاد؛ كالأرض التي تخرج الثمار، فأتوا محل الزرع -وهو القُبل- من أي جهة شئتم وكيفما شئتم إذا كان في القُبل، وقدموا لأنفسكم بفعل الخيرات، ومنه أن يجامع الرجل امرأته بقصد التقريب إلى الله، ورجاء الذرية الصالحة، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومنها ما شرع لكم في شأن النساء، واعلموا أنكم ملاقوه يوم القيامة، واقفون بين يديه، ومجازيكم على أعمالكم، وبشّر -أيها النبي- المؤمنين بما يسرهم عند لقاء ربهم من النعيم المقيم، والنظر إلى وجهه الكريم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ow8zO"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا هو السؤال الثالث من الأسئلة التي وردت معطوفة بالواو وهو يتصل بما قبله وما بعده في أن ذلك من الأحكام المتعلقة بالنساء، وأما الأسئلة التي وردت قبلها مفصولة فلم تكن في موضوع واحد فيعطف بعضها على بعض فجاءت على الأصل في سرد التعدد.

وقد كانت هذه الأسئلة في المدينة حيث الاختلاط بين العرب واليهود، وهؤلاء يشددون في مسائل الحيض والدم كما هو مذكور في الفصل الخامس عشر من سفر اللاويين من الأسفار التي يسمون جملتها التوراة.

ومنها أن كل من مس الحائض في أيام طمثها يكون نجسًا، وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء، وكل من مس متاعًا تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء، وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسًا سبعة أيام، وكل فراش يضطجع عليه يكون نجسًا إلخ.

وللرجل الذي يسيل منه دم نحو هذه الأحكام عندهم.

وأما النصارى فقد نقل عنهم أنهم كانوا يتساهلون في أمر المحيض وكانوا مخالطين للعرب في مواطن كثيرة، وروي أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحيض ولا يؤاكلوهن كفعل اليهود والمجوس، ومن شأن الناس التساهل في أمور الدين التي تتعلق بالحظوظ والشهوات فلا يقفون عند الحدود المشروعة فيها لمنفعتهم ومصلحتهم، فكان اختلاف ما عرف المسلمون عن أهل الكتاب مما يحرك النفس للسؤال عن حكم المحيض في هذه الشريعة المُصْلِحة، فسألوا كما في حديث أنس الآتي قريبًا فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ  ﴾ أي عن حكمته والمحيض هو الحيض المعروف، وهو الدم الذي يخرج من الرحم على وصف مخصوص في زمن معلوم، لوظيفة حيوية صحية تعد الرحم للحمل بعده إذا حصل التلقيح المقصود من الزوجية لبقاء النوع.

فالمحيض كالحيض مصدر كالمجيء والمبيت ويطلق على زمان الحيض ومكانه، والمرأة حائض بدون تاء لأنه وصف خاص وجمعه حيض بتشديد الياء (كراكع وركع) وورد حائضة وجمعه حائضات.

ولا حاجة إلى تقدير محل المحيض فإنما يسأل الشارع عن الأحكام، ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ  ﴾ قدم العلة على الحكم ورتبه عليها ليؤخذ بالقبول من المتساهلين الذين يرون الحجر عليهم تحكمًا، ويعلم أنه حكم للمصلحة لا للتعبد كما عليه اليهود، والمراد من النهي عن القرب النهي عن لازمه الذي يقصد منه وهو الوقاع، والمعنى أنه يجب على الرجال ترك غشيان نسائهم زمن المحيض لأن غشيانهن سبب للأذى والضرر، وإذا سلم الرجل من هذا الأذى فلا تكاد تسلم منه المرأة لأن الغشيان يزعج أعضاء النسل فيها إلى ما ليست مستعدة له ولا قادرة عليه لاشتغالها بوظيفة طبيعية أخرى وهي إفراز الدم المعروف.

وقد فسر (الجلال) الأذى بالقذر تبعًا لغيره، على أن أخذه على ظاهره وهو الضرر مقرر في الطب فلا حاجة إلى العدول عنه.

وقد جاء هذا الحكم وسطًا بين إفراط الغلاة الذين يعدون المرأة الحائض وكل من يمسها أو يمس ثيابها أو فراشها من النجاسات، وتفريط المتساهلين الذين يستحلون ملابستها في الحيض على ما فيه من الأذى والدنس.

وقد أفادت عبارة الآية الكريمة تأكيد الحكم إذ أمرت باعتزال النساء في زمن المحيض، وهو كناية عن ترك غشيانهن فيه، ثم بينت مدة هذا الاعتزال بصيغة النهي.

والحكمة في التأكيد هي مقاومة الرغبة الطبيعية في ملابسة النساء وإيقافها دون حد الإيذاء.

وكان يظن بعض الناس أن الاعتزال وترك القرب حقيقة لا كناية، وأنه يجب الابتعاد عن النساء في المحيض وعدم القرب منهن بالمرة، ولكن النبي  بين لهم أن المحرم إنما هو الوقاع.

عن أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي  عن ذلك فأنزل الله  ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى  ﴾ إلى آخر الآية فقال رسول الله  :"اصنعوا كل شيء إلا الجماع".

وفي حديث حزم بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله  : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

قال:"لك ما فوق الإزار".

أي ما فوق السرة.

وقد حمل بعضهم النهي على من يخاف على نفسه الوقاع، وكأن السائل كان كذلك، وقال بعضهم إن هذا الحديث مخَصِّص للحديث الأول ولما في معناه فلا يجوز الاستمتاع إلا بما فوق السرة والركبة، وهو تخصيص بالمفهوم والخلاف فيه عند الأصوليين معلوم.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم (يطهرن) بتشديد الطاء وأصله يتطهرن والباقون بالتخفيف.

﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ  ﴾ الطهر في قوله تعالى ﴿ حَتَّى يَطْهُرْنَ  ﴾ انقطاع دم الحيض وهو ما لا يكون بفعل النساء، وأما التطهر فهو من عملهن وهو يكون عقب الطهر، واختلفوا في المراد منه فقال بعض العلماء هو غسل أثر الدم وقال مجاهد وعكرمة إن انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن تتوضأ، والجمهور على أن المراد به الاغتسال بالماء إن وجد، ولا مانع منه وإلا فالتيمم.

وقالت الحنفية إن طهرت لأقل من عشرة فلا تحل إلا إذا اغتسلت وإن لعشر حلت ولو لم تغتسل وهو تفصيل غريب.

والأمر بإتيانهن لرفع الحظر في النهي عن قربهن وبيان شرطه وقيده.

والظاهر أن المراد بلفظ الأمر في قوله ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ  ﴾ الأمر التكويني أي فأتوهن من المأتى الذي برأ الله تعالى الفطرة على الميل إليه ومضت سنته بحفظ النوع به وهو موضع النسل ويحتمل أن يكون المراد بالأمر ما قضت به شريعة الله تعالى من طلب التزوج وتحريم الرهبانية فليس للمسلم أن يترك الزواج على نية العبادة والتقرب إلى الله تعالى لأنه سبحانه قد امتن علينا بأن خلق لنا من أنفسنا أزواجًا لنسكن إليها وأرشدنا إلى أن ندعوه بقوله: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ  ﴾ ولا يتقرب إليه تعالى بترك ما شرعه وامتن به على عباده وجعله من نعمه عليهم، فإتيان النساء بالزواج الشرعي من الجهة التي يبتغي بها النسل من أعظم العبادات، وتركه مع القدرة عليه وعدم المانع مخالفة لسنة الله تعالى في خليقته، وسنته في شريعته، ولما قال  ."وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟

قال.

"أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر" الحديث.

وكأن السائلين كانوا توهموا أن الإسلام يكون كالأديان الأخرى يجعل العبادة في تعذيب النفس ومخالفة الفطرة، كلا إنه دين الفطرة يحمل الناس على إقامتها مع القصد وعدم البغي فيها.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ  ﴾ الذين إذا خالفوا سنة الفطرة بغلبة سلطان الشهوة فأتوا نساءهم في زمن المحيض أو في غير المأتى الذي أمر الله به يرجعون إليه تائبين ولا يصرون على فعلهم السيء، ﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ  ﴾ من الأحداث والأقذار، ومن إتيان المنكر، بل هؤلاء أحب إليه من الذين يقعون في الدنس ثم يتوبون منه.

ثم قال تعالى ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ  ﴾ بين في الآية السابقة حكم المحيض وأحل غشيان النساء بعده، وبين في هذه الآية حكمة هذا الغشيان التي شرع الزواج لأجلها وكان من مقتضى الفطرة، وهي الاستنتاج والاستيلاد، لأن الحرث هو الأرض التي تستنبت، والاستيلاد كالاستنبات، وهذا التعبير على لطفه ونزاهته وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من قوله  ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ  ﴾ أو بيان له، فهو يقول إنه لم يأمر بإتيان النساء الأمر التكويني بما أودع في فطرة كل من الزوجين من الميل إلى الآخر، والأمر التشريعي بما جعل الزواج من أمر الدين وأسباب المثوبة والقربة، إلا لأجل حفظ النوع البشري بالاستيلاد كما يحفظ النبات بالحرث والزرع، فلا تجعلوا استلذاذ المباشرة مقصودًا لذاته فتأتوا النساء في المحيض حيث لا استعداد لقبول زراعة الولد وعلى ما في ذلك من الأذى.

وهذا يتضمن النهي عن إتيانهن في غير المأتى الذي يتحقق به معنى الحرث، وقوله تعالى ﴿ أَنَّى شِئْتُمْ  ﴾ معناه كيف شئتم ﴿ وَأَنَّى  ﴾ تستعمل غالبًا بمعنى "كيف" وتستعمل بمعنى "أين" قليلًا، ولا يظهر هذا لأن الحرث له مكان واحد لا يتعداه، والأمر مقيد به، ولذلك أعاذ ذكر الحرث مظهرًا ولم يقل "فأتوهن أنى شئتم" فكأنه يقول: لا حرج عليكم في إتيان النساء بأي كيفية شئتم ما دمتم تقصدون بها الحرث في موضعه الطبيعي، لأن الشارع لا يقصد إلى إعناتكم ومنعكم من لذاتكم، ولكن يريد ليوقفكم عند حدود المصلحة والمنفعة كيلا تضعوا الأشياء في غير مواضعها فتفوت المنفعة وتحل محلها المفسدة.

وهذا التفسير الذي ظهر به أن الآية متممة لمعنى ما قبلها يغنينا في فهمها عما روي في أسباب النزول.

وقد ذهب بعض المفسرين والمحدثين إلى أن ﴿ أَنَّى  ﴾ في الآية بمعنى المكان لا بمعنى الكيفية والصفة، وقالوا إنها نزلت في إباحة الإتيان في غير المزدرع والحرث، فمعناها في أي النافذتين شئتم...

وإن جنون المسلمين بالرواية هو الذي حمل بعضهم على تفسير الآية بهذا المعنى الذي تتبرأ منه عبارتها العالية، ونزاهتها السامية، ولم يلتفتوا إلى ذوق التعبير ومراعاة الأدب في بيان هذه الأحكام كما رأوا في الآية، فقد فاتهم فهم حكمها، كما فاتهم فهم حكمتها ونزاهتها وأدبها.

وما روي في إباحة الخروج عن سنة الفطرة فلا يصح منه شيء، ولئن صح سندًا فهو لن يصح متنًا، ولا نخرج عن هدى القرآن ومحجته البيضاء لرواية أفراد قيل إنه لا يعرف عنهم ما يجرح روايتهم.

ويؤيد التفسير المختار قوله تعالى بعدما تقدم ﴿ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ إلخ.

فهذه أوامر تدل على أن هنا شيئًا يرغب فيه وشيئًا يرغب عنه ويحذر منه.

أما ما يرغب فيه فهو ما يقدم للنفس وهو ما ينفعها في المستقبل، ولا أنفع للإنسان في مستقبله من الولد الصالح، فهو ينفعه في دنياه كما هو ظاهر، وفي دينه من حيث إن الوالد سبب وجوده وصلاحه، وقد ورد في الحديث إن الولد الصالح من عمل المرء الذي ينفعه دعاؤه بعد موته، ولا يكون الولد صالحًا إلا إذا أحسن والداه تربيته، فالأمر بالتقديم للنفس، يتضمن الأمر باختيار المرأة الودود الولود التي تعين الرجل على تربية ولده بحسن خلقها وعملها، كما يختار الزراعة في الأرض الصالحة، التي يرجى نماء النبات فيها وإيتاؤه الغلة الجيدة، ويتضمن الأمر بحسن تربية الولد وتهذيبه.

وأما ما يحذر منه ويتقي الله فيه فهو إخراج النساء عن كونهن حرثًا بإضاعة مادة النسل في المحيض أو بوضعها في غير موضع الحرث، وكذلك اختيار المرأة الفاسدة التربية وإهمال تربية الولد.

فإن الأمر بالتقوى ورد بعد النهي عن إتيان النساء في المحيض والأمر بإتيانهن من حيث أمر الله تعالى وهو موضع الحرث والأمر بالتقديم لأنفسنا فوجب تفسير التقوى بتجنب مخالفة هذا الهدي الإلهي.

وقوله تعالى ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ  ﴾ إنذار للذين يخالفون عن أمره بأنهم يلاقون جزاء مخالفتهم في الآخرة كما يلاقونها في الدنيا، بفقد منافع الطاعة والامتثال، وتجرع مرارة عاقبة المخالفة والعصيان.

ثم قرن إنذار العاصين بتبشير المطيعين فقال ﴿ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ الذين يقفون عند الحدود ويتبعون هدى الله تعالى في أمر النساء والأولاد، وقد حذف ما به البشارة ليفيد أنه عام يشمل منافع الدنيا ونعيم الآخرة، ولا يعزب عن فكر العاقل أن من يختار لنفسه المرأة الصالحة ولا يخرج في شأن الزوجية عن سنة الفطرة والشريعة في ابتغاء الولد، ثم إنه يحسن تربية ما يرزقه الله من ولد، فإنه يكون في الدنيا قرير العين بحسن حاله وحال أهله وسعادة بيته.

وأما الذين تطغى بهم شهواتهم فتخرجهم عن الحدود والسنن فإنهم لا يسلمون من المنغصات والشقاء في حياتهم الدنيا، وهم في الآخرة أشقى وأضل سبيلًا، وإنما سعادة الدارين في تكميل النفس بالاعتقاد الصحيح والأخلاق المعتدلة، وتلك هي الفطرة السليمة.

والتعبير بالمؤمنين يشعر بأن العمل والامتثال والإذعان مما يتحقق به إيمان المؤمن وأن فائدة الإيمان بثمراته هذه، وإن شئت قلت بتمام أركانه وهي الاعتقاد والقول والفعل، كما ورد في الأحاديث الصحيحة المبينة للآيات الكريمة، الدامغة للذين يفصلون بين الاعتقاد والأعمال اللازمة له.

وإننا نعيد التنبيه للاقتداء بنزاهة القرآن في التعبير عن الأمور التي يستحيا من التصريح بها بالكنايات البعيدة التي يفهم منها المراد ولا تستحي من تلاوتها العذراء في خدرها، فإن الإتيان بمعنى المجيء فهو كناية لطيفة كقوله ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ  ﴾ وتشبيه النساء بالحرث لا يخفى حسنه.

فأين هذه النزاهة مما تراه لبعضهم في تفسيرها وتفسير أمثالها من الآيات المعجزة بنزاهتها كإعجازها ببلاغتها، ومما تراه في بعض كتب الدين الأخرى من العبارات المستهجنة التي قد يستغنى عنها في بيان المراد منها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله