الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٢٦ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 180 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
الإيلاء : الحلف ، فإذا حلف الرجل ألا يجامع زوجته مدة ، فلا يخلو : إما أن يكون أقل من أربعة أشهر ، أو أكثر منها ، فإن كانت أقل ، فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته ، وعليها أن تصبر ، وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة ، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة : أن رسول الله آلى من نسائه شهرا ، فنزل لتسع وعشرين ، وقال : " الشهر تسع وعشرون " ولهما عن عمر بن الخطاب نحوه .
فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر ، فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر : إما أن يفيء أي : يجامع وإما أن يطلق ، فيجبره الحاكم على هذا أو هذا لئلا يضر بها .
ولهذا قال تعالى : ( للذين يؤلون أي : يحلفون على ترك الجماع من نسائهم ، فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور .
تربص أربعة أشهر أي : ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف ، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق .
ولهذا قال : فإن فاءوا أي : رجعوا إلى ما كانوا عليه ، وهو كناية عن الجماع ، قاله ابن عباس ، ومسروق والشعبي ، وسعيد بن جبير ، وغير واحد ، ومنهم ابن جرير رحمه الله فإن الله غفور رحيم أي : لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين .
وقوله : ( فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم فيه دلالة لأحد قولي العلماء وهو القديم عن الشافعي : أن المولي إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه .
ويعتضد بما تقدم في الآية التي قبلها ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فتركها كفارتها " كما رواه أحمد وأبو داود والذي عليه الجمهور وهو الجديد من مذهب الشافعي أن عليه الكفارة لعموم وجوب التكفير على كل حالف ، كما تقدم أيضا في الأحاديث الصحاح .
والله أعلم .
وقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس ، رحمه الله ، في الموطأ ، عن عمرو بن دينار قال : خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول : تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني ألا خليل ألاعبه فوالله لولا الله أني أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه فسأل عمر ابنته حفصة ، رضي الله عنها : كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها ؟
فقالت : ستة أشهر أو أربعة أشهر .
فقال عمر : لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك .
وقال : محمد بن إسحاق ، عن السائب بن جبير ، مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة ، وكان يفعل ذلك كثيرا ; إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها [ وهي ] تقول .
تطاول هذا الليل وازور جانبه وأرقني ألا ضجيع ألاعبه ألاعبه طورا وطورا كأنما بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه يسر به من كان يلهو بقربه لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه فوالله لولا الله لا شيء غيره لنقض من هذا السرير جوانبه ولكنني أخشى رقيبا موكلا ا بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه ثم ذكر بقية ذلك كما تقدم ، أو نحوه .
وقد روى هذا من طرق ، وهو من المشهورات .
القول في تأويل قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: " للذين يؤلون "، للذين يقسمون أليَّة،" والألية " الحلف، كما:- 4478 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا مسلمة بن علقمة قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب في قوله: " للذين يؤلون "، يحلفون.
* * * يقال: "آلى فلان يُؤْلي إيلاء وأليَّة "، كما قال الشاعر: كَفَيْنَــا مَــنْ تَغَيَّـبَ فـي تُـرَابٍ وَأَحْنَثْنَــــا أَليَّـــةَ مُقْسِـــمِينَا (56) ويقال: " أَلْوة وأُلْوة " ، كما قال الراجز: * يَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَتِي * (57) وقد حكي عنهم أيضًا أنهم يقولون: " إلوة " مكسورة الألف.
* * * " والتربص ": النظر والتوقف.
* * * ومعنى الكلام: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم تربص أربعة أشهر، فترك ذكر " أن يعتزلوا "، اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه.
* * * واختلف أهل التأويل في صفة اليمين التي يكون بها الرجل موليًا من امرأته.
&; 4-457 &; فقال بعضهم: اليمين التي يكون بها الرجل موليًا من امرأته: أن يحلف عليها في - حال غضب على وجه الضِّرار - أن لا يجامعها في فرجها، (58) فأما إن حلف على غير وجه الإضرار، وعلى غير غضب، فليس هو موليًا منها.
* ذكر من قال ذلك: 4479 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن حريث بن عميرة، عن أم عطية قالت، قال جبير: أرضعي ابن أخي مع ابنك!
فقالت: ما أستطيع أن أرضع اثنين!
فحلف أن لا يقرَبها حتى تفطِمه.
فلما فطمته مرّ به على المجلس، فقال له القوم: حسنًا ما غَذَوْتموه!
قال جبير: إنيّ حلفت ألا أقربها حتى تفطمه!
فقال له القوم: هذا إيلاءٌ!!
فأتى عليًا فاستفتاه، فقال: إن كنتَ فعلت ذلك غضبًا فلا تصلح لك امرأتك، وإلا فهي امرأتك.
(59) 4480 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك، أنه سمع عطية بن جبير قال: توفيت أمُّ صبيٍّ نسيبةٌ لي، &; 4-458 &; فكانت امرأة أبي تُرضعه، فحلف أن لا يقربها حتى تفطمه.
فلما مضت أربعة أشهر قيل له: قد بانت منك!
- وأحسب، شك أبو جعفر، قال -: فأتى عليًا يستفتيه فقال: إن كنت قلت ذلك غضبًا فلا امرأة لك، وإلا فهي امرأتك.
4481 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني سماك قال، سمعت عطية بن جبير - يذكر نحوه عن علي.
4482 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا داود، عن سماك، عن رجل من بني عجل، عن أبي عطية: أنه توفي أخوه وترك ابنًا له صغيرًا، فقال أبو عطية لامرأته: أرضعيه!
فقالت: إنى أخشى أن تُغِيلهما، (60) فحلف أن لا يقربها حتى تفطمهما، ففعل حتى فطمتهما.
فخرج ابن أخي أبي عطية إلى المجلس، فقالوا: لَحُسْنَ ما غذا أبو عطية ابن أخيه!
(61) قال: كلا!
زعمت أم عطية أنيّ أغيلهما، فحلفتُ أن لا أقربها حتى تفطمهما.
فقالوا له: قد حرُمت عليك امرأتك!
فذكرت ذلك لعلي رضي الله عنه، فقال علي: إنما أردتَ الخيرَ، وإنما الإيلاء في الغضب.
4483 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن سماك، عن أبي عطية: أن أخاه توفي - فذكر نحوه.
4484 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب: أن رجلا هلك أخوه فقال لامرأته: أرضعي &; 4-459 &; ابن أخي.
فقالت: أخاف أن تقع عليّ!
فحلف أن لا يمسَّها حتى تفطِم.
فأمسك عنها، حتى إذا فطمته أخرج الغلامَ إلى قومه، فقالوا: لقد أحسنت غذاءه!
فذكر لهم شأنه، فذكروا امرأته، قال: فذهب إلى علي - فاستحلفه بالله: " ما أردت بذلك؟" ، يعني إيلاءً، قال: فردَّها عليه.
4485 - حدثنا علي بن عبد الأعلى قال، (62) حدثنا المحاربي، عن أشعث بن سوار، عن سماك، عن عطية بن أبي عطية قال، توفي أخ لي وترك يتيما له رضيعًا، وكنت رجلا معسرًا، لم يكن بيدي ما أسترضع له.
قال: فقالت لي امرأتي، وكان لي منها ابن ترضعه - إن كفيتني نفسَك كفيتكهما!
فقلت: وكيف أكفيك نفسي؟
قالت: لا تقربني.
فقلت: والله لا أقربك حتى تفطميهما.
قال: ففطمتهما وخرجا على القوم، فقالوا: ما نراك إلا قد أحسنت ولايتهما!
قال: فقصصت عليهم القصة، فقالوا: ما نراك إلا آليت منها وبانت منك!
قال: فأتيت عليًا فقصصت عليه القصة، فقال: إنما الإيلاء ما أريد به الإيلاء.
4486 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر البرساني قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: لا إيلاء إلا بغضب.
4487 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لا إيلاء إلا بغضب.
4488 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا ابن وكيع، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: لا إيلاء إلا بغضب.
(63) &; 4-460 &; 4489 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن سماك بن حرب، عن أبي عطية، عن عليّ قال: لا إيلاء إلا بغضب.
(64) 4490 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، أن عليا قال: إذا قال الرجل لامرأته وهي تُرضع: " والله لا قرَبتُك حتى تفطمي ولدي"، يريد به صلاحَ ولده، قال: ليس عليه إيلاء.
4491 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحاق بن منصور السلولي، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى عليّ فقال: إني قلت لامرأتي لا أقرَبُها سنتين.
قال: قد آليت منها.
قال: إنما قلت لأنها ترضع!
قال: فلا إذًا.
4492 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن أبي عطية، عن علي أنه كان يقول: إنما الإيلاء ما كان في غضب، يقول الرجل: " والله لا أقربك، والله لا أمسُّك!" .
فأما ما كان في إصلاح من أمر الرضاع وغيره، فإنه لا يكون إيلاء، ولا تَبِين منه.
(65) 4493 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - قال، حدثنا حماد بن زيد، عن حفص، عن الحسن: أنه سئل عنها فقال: لا والله، ما هو بإيلاء.
&; 4-461 &; 4494 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا بشر بن منصور، عن ابن جريج، عن عطاء قال: إذا حلف من أجل الرَّضاع فليس بإيلاء.
4495 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس قال: سألت ابن شهاب عن الرجل يقول: والله لا أقرب امرأتي حتى تفطم ولدي!
قال: لا أعلم الإيلاء يكون إلا بحلف بالله، فيما يريد المرء أن يضارَّ به امرأتَه من اعتزالها، ولا نعلم فريضةَ الإيلاء إلا على أولئك، فلا ترى أنّ هذا الذي أقسم بالاعتزال لامرأته حتى تفطم ولده، أقسم إلا على أمر يتحرَّى به فيه الخير، فلا نرى وَجبَ على هذا ما وجب على المولي الذي يُولِي في الغضب.
* * * وقال آخرون : سواءٌ إذا حلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها في فرجها، كان حلفه في غضب أو غير غضب، كلّ ذلك إيلاء.
* ذكر من قال ذلك: 4496 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم - في رجل قال لامرأته: " إن غَشِيتُك حتى تفطمي ولدَك فأنت طالق "، فتركها أربعة أشهر.
قال: هو إيلاء.
4497 - حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي قال: كل شيء يحول بينه وبين غشيانها، فتركها حتى تمضي أربعة أشهر، فهو داخلٌ عليه.
4498 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، حدثنا ابن المبارك قال، أخبرنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن القعقاع قال: سألت الحسن عن رجل ترضع امرأته صبيًا، فحلف أن لا يطأها حتى تفطم ولدها، فقال: ما أرى هذا بغضب، وإنما الإيلاء في الغضب = قال: وقال ابن سيرين: ما أدري ما هذا &; 4-462 &; الذي يحدِّثون؟!
إنما قال الله: " للذين يؤلون من نسائهم " إلى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، إذا مضت أربعة أشهر، فليخطبها إن رغب فيها.
(66) 4499 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم - في رجل حلفَ أن لا يكلم امرأته - قال: كانوا يرون الإيلاء في الجماع.
4500 - حدثنا أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال، قال: كل يمين منعت جماعًا حتى تمضي أربعه أشهر، فهي إيلاء.
4501 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت إسماعيل وأشعث، عن الشعبي مثله.
4502 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي قالا كل يمين منعت جماعًا فهي إيلاء.
* * * وقال آخرون: كل يمين حلف بها الرجل في مَسَاءة امرأته، فهي إيلاء منه منها، على الجماع حلف أو غيره، في رضًا حلف أو سخط.
* ذكر من قال ذلك: 4503 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن خصيف، عن الشعبي قال: كل يمين حالت بين الرجل وبين امرأته فهي إيلاء، إذا قال: " والله لأغضبنَّك، والله لأسوأنَّك، والله لأضربنَّك "، وأشباه هذا.
&; 4-463 &; 4504 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثني أبي وشعيب، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن أبي ذئب العامريّ: أن رجلا من أهله قال لامرأته: " إن كلمتك سنة فأنت طالق "، واستفتى القاسم وسالمًا فقالا إن كلمتها قبل سنة فهي طالق، وإن لم تكلمها فهي طالقٌ إذا مضت أربعة أشهر.
4505 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان قال، سمعت حمادًا قال، قلت لإبراهيم: الإيلاء: أن يحلفَ أن لا يجامعها ولا يكلمها ولا يجمع رأسه برأسها، أو ليغضبنَّها، أو ليحرِمنَّها، أو ليسوأنَّها؟
قال: نعم.
4506 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال: سألت الحكم عن رجل قال لامرأته: " والله لأغيظنك "!
فتركها أربعة أشهر، قال: هو إيلاء.
4507 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، سمعت شعبة قال: سألت، الحكم فذكر مثله.
4508 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثنا يونس قال، قال ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب: (67) أنه إن حلف رجل أن لا يكلم امرأته يومًا أو شهرًا، قال: فإنا نرى ذلك يكون إيلاءً.
وقال: إلا أن يكون حلف أن لا يكلمها، فكان يمسُّها فلا نرى ذلك يكون من الإيلاء.
والفَيْءُ، أن يفيء إلى امرأته فيكلمها أو يمسها.
فمن فعل ذلك، قبل أن تمضي الأربعة أشهر، (68) فقد فاء.
ومن فاء بعد أربعة أشهر وهي في عِدَّتها، فقد فاء وملك امرأته، غير أنه مضت لها تطليقة.
* * * &; 4-464 &; قال أبو جعفر : وعلة من قال: " إنما الإيلاء في الغضب والضَرار " : أنّ الله تعالى ذكره إنما جعل الأجلَ الذي أجَّل في الإيلاء مخرجًا للمرأة من عَضْل الرجل وضراره إياها، (69) فيما لها عليه من حُسن الصحبة والعِشرة بالمعروف.
وإذا لم يكن الرجل لها عاضلا ولا مُضارًا بيمينه وحلفه على ترك جماعها، بل كان طالبًا بذلك رضاها، وقاضيًا بذلك حاجتها، لم يكن بيمينه تلك مُوليًا، لأنه لا معنى هنالك لَحِق المرأةَ به من قِبَل بعلها مساءةٌ وسوء عشرة، (70) فيجعل الأجل - الذي جُعل للمولي - لها مخرجًا منه.
(71) * * * وأما علة من قال: " الإيلاء في حال الغضب والرضا سواء "، عموم الآية، وأن الله تعالى ذكره لم يخصص من قوله: " للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر " بعضًا دون بعض، بل عمّ به كلَّ مُولٍ ومُقسِم.
فكل مقسِم على امرأته أن لا يغشاها مدةً هي أكثر من الأجل الذي جَعل الله له تربُّصه، فمُولٍ من امرأته عند بعضهم.
وعند بعضهم: هو مُولٍ، وإن كانت مدة يمينه الأجل الذي جُعل له تربُّصه.
* * * وأما علة من قال بقول الشعبي والقاسم وسالم: أن الله تعالى ذكره جعل الأجل الذي حدَّه للمُولي مخرجًا للمرأة مِن سوء عشرتها بعلها إياها وضراره بها.
وليست اليمين عليها بأن لا يجامعها ولا يقرَبها، بأولى بأن تكون من معاني سوء العشرة والضِّرار، من الحلف عليها أن لا يكلمها أو يسوءَها أو يغيظها.
لأن كل ذلك ضررٌ عليها وسوء عشرة لها.
* * * &; 4-465 &; قال أبو جعفر : وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك بالصواب، قولُ من قال: كل يمين منَعت المقسم الجماعَ أكثر من المدة التي جعل الله للمولي تربُّصَها، قائلا في غضب كان ذلك أو رضًا.
وذلك للعلة التي ذكرناها قبل لقائلي ذلك.
وقد أتينا على فساد قول من خالف ذلك في كتابنا( كتاب اللطيف ) بما فيه الكفاية، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: فإن رجعوا إلى ترك ما حلَفوا عليه أن يفعلوه بهن من ترك جماعهن، فجامعوهن وحنِثوا في أيمانهم =" فإن الله غفورٌ"، لما كان منهم من الكذب في أيمانهم بأن لا يأتوهن ثم أتوهُن، ولما سلف منهم إليهن، (72) من اليمين على ما لم يكن لهم أن يحلفوا عليه فحلفوا عليه =" رحيم " بهم وبغيرهم من عباده المؤمنين.
* * * وأصل " الفيء "، الرجوع من حال إلى حال، ومنه قوله تعالى ذكره: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا إلى قوله حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [ سورة الحجرات: 9 ]، يعني: حتى ترجع إلى أمر الله.
ومنه قول الشاعر: (73) فَفـاءَتْ وَلَـمْ تَقْـضِ الَّـذِي أَقْبَلَتْ لَهُ وَمِـنْ حَاجَـةِ الإنْسَـانِ مَا لَيْسَ قَاضِيَا (74) &; 4-466 &; يقال منه: " فاء فلان يفيء فَيْئة " - مثل " الجيئة " و " فَيْأ ".
و " الفَيْئة " المرة.
(75) فأما في الظلّ فإنه يقال: " فاء الظلّ يفيء فُيُوءًا وفَيْأ "، وقد يقال: " فيوءًا " أيضًا في المعنى الأول، (76) لأن " الفيء " في كل الأشياء بمعنى الرجوع.
* * * وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا فيما يكون به المولي فائيًا.
فقال بعضهم: لا يكون فائيًا إلا بالجماع.
* ذكر من قال ذلك: 4509 - حدثنا علي بن سهل الرملي قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: الفيء الجماع.
4510 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: الفيء الجماع.
(77) 4511 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس مثله.
4512 - حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن صاحب له، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس مثله.
&; 4-467 &; 4513 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حصين، عن الشعبي، عن مسروق قال: الفيءُ الجماع.
4514 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن حصين، عن الشعبي، عن مسروق مثله.
4515 - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل قال: كان عامر لا يرى الفيء إلا الجماع.
4516 - حدثنا تميم بن المنتصر قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا إسماعيل، عن عامر بمثله.
4517 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير قال: الفيء الجماع.
4518 - حدثنا أبو عبد الله النشائي قال، حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير مثله.
(78) 4519 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن سعيد بن جبير قال: الفيءُ الجماع، لا عذرَ له إلا أن يجامع وإن كان في سجن أو سفر - سعيدٌ القائل.
4520 - حدثني محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن جبير أنه قال: لا عذرَ له حتى يغشى.
4521 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن حماد وإياس، عن الشعبي = قال أحدهما: عن مسروق = قال: الفيء الجماع = وقال الآخر: عن الشعبي: الفيء الجماع.
&; 4-468 &; 4522 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب - في رجل آلى من امرأته، ثم شغله مرض - قال: لا عذر له حتى يغشى.
4523 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير - في الرجل يولي من امرأته قبل أن يدخل بها أو بعد ما دخل بها، فيعرض له عارضٌ يحبسه، أو لا يجد ما يَسُوق: أنه إذا مضت أربعة أشهر، أنها أحق بنفسها.
4524 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم والشعبي قالا إذا آلى الرجل من امرأته، ثم أراد أن يفيء، فلا فيء إلا الجماع.
* * * وقال آخرون: " الفيء ": المراجعة باللسان أو القلب في حال العذر، وفي غير حال العذر الجماع.
* ذكر من قال ذلك: 4525 - حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن وعكرمة أنهما قالا إذا كان له عذرٌ فأشهد، فذاك له = يعني في رجل آلى من امرأته فشغله مرضٌ أو طريق، فأشهد على مراجعة امرأته.
4526 - حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن صاحب له، عن الحكم قال: تذاكرنا أنا والنخعي ذاك، (79) فقال النخعي: إذا كان له عذر فأشهد، فقد فاء.
وقلت أنا: لا عذر له حتى يغشى.
فانطلقنا إلى أبي وائل، فقال: إني أرجو إذا كان له عذر فأشهد، جاز.
(80) &; 4-469 &; 4527 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن قال: إنْ آلى، ثم مرض أو سُجن أو سافر فراجع، فإنّ له عذرًا أن لا يجامع = قال: وسمعت الزهري يقول مثل ذلك.
4528 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم - في النفساء يُولي منها زوجها - قال: هذه في مُحارِب، سئل عنها أصحاب عبد الله فقالوا: إذا لم يستطع كفَّر عن يمينه، وأشهد على الفيء.
(81) 4529 - حدثنا أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي الشعثاء قال: نـزل به ضيفٌ فآلى من امرأته فنفست، (82) فأراد أن يفيء، فلم يستطع أن يقرَبها من أجل نفاسها، فأتى علقمة فذكر ذلك له، فقال: أليس قد فئتَ بقلبك ورَضيت؟
قال: بلى!
قال: فقد فئت!
هي امرأتك!
4530 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم: أن رجلا آلى من امرأته فولدت قبل أن تمضي أربعة أشهر، أراد الفيئة فلم يستطع من أجل الدم حتى مضت أربعة أشهر، فسأل عنها علقمة بن قيس فقال: أليس قد راجعتها في نفسك؟
قال: بلى!
قال: فهي امرأتك.
4531 - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، أخبرنا عامر، &; 4-470 &; عن الحسن قال: إذا آلى من امرأته ثم لم يقدر أن يغشاها من عذر، قال: يُشهد أنه قد فاء، وهي امرأته.
4532 - حدثنا عمران قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا عامر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة بمثله.
4533 - حدثنا ابن بشار = قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنى أبي، عن قتادة، عن عكرمة قال: وحدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة قال: إذا آلى من امرأته فجهد أن يغشاها فلم يستطع، فله أن يُشهد على رَجْعتها.
4534 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن وعكرمة: أنهما سئلا عن رجل آلى من امرأته، فشغله أمر، فأشهد على مراجعة امرأته، قالا إذا كان له عذرٌ فذاك له.
4535 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: انطلقت أنا وإبراهيم إلى أبي الشعثاء، فحدَّث أن رجلا من بني سعد بن همّام آلى من امرأته فنُفِست، فلم يستطع أن يقرَبها، فسأل الأسود - أو بعض أصحاب عبد الله - فقال: إذا أشهد فهي امرأته.
4536 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم أنه قال: إن كان له عذرٌ فأشهد، فذلك له - يعني المُولي من امرأته.
4537 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم: أنه كان يحدث عن أبي الشعثاء، عن علقمة وأصحاب عبد الله أنهم قالوا - في الرجل إذا آلى من امرأته فنُفِست - قالوا: إذا أشهد فهي امرأته.
4538 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد قال: &; 4-471 &; إذا آلى الرجل من امرأته ثم فاء، فليشهد على فَيْئه.
وإذا آلى الرجل من امرأته وهو في أرض غير الأرض التي فيها امرأته، فليشهد على فيئه.
فإن أشهدَ وهو لا يعلم أن ذلك لا يجزيه من وقوعه عليها، فمضت أربعة أشهر قبل أن يجامعها، فهي امرأته.
وإن علم أنه لا فيء إلا في الجماع في هذا الباب، ففاء وأشهد على فيئه ولم يقع عليها حتى مضت أربعة أشهر، فقد بانتْ منه.
4539 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس قال: قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب: أنه إذا آلى الرجل من امرأته، قال: فإن كان به مرضٌ ولا يستطيع أن يمسَّها، أو كان مسافرًا فحبس، قال: فإذا فاء وكفَّر عن يمينه، فأشهد على فيئه قبل أن تمضي أربعة أشهر، فلا نراه إلا قد صلح له أن يُمسك امرأته، ولم يذهب من طلاقها شيء.
قال، وقال ابن شهاب - في رجل يُولي من امرأته، ولم يبق لها عليه إلا تطليقة، فيريد أن يفيء في آخر ذلك وهو مريض أو مسافر، أو هي مريضة أو طامث أو غائبة لا يقدر على أن يبلغها، حتى تمضي أربعة أشهر - أله في شيء من ذلك رخصة، أن يكفر عن يمينه ولم يقدر على أن يطأ امرأته؟
قال: نرى، والله أعلم، إن فاء قبل الأربعة الأشهر فهي امرأته، بعد أن يشهد على ذلك، ويكفِّر عن يمينه، وإن لم يبلغها ذلك من فيئته، فإنه قد فاء قبل أن يكون طلاقًا.
4540 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: الفيء الجماع.
فإن هو لم يقدر على المجامعة وكانت به علة مرض أو كان غائبًا أو كان محرمًا أو شيء له فيه عذر، ففاء بلسانه وأشهد على الرضا، فإنّ ذلك له فيءٌ إن شاء الله.
* * * وقال آخرون: " الفيء " المراجعة باللسان بكلّ حال.
* ذكر من قال ذلك: &; 4-472 &; 4541 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا الضحاك بن مخلد، عن سفيان، عن منصور وحماد، عن إبراهيم قال: الفيء أن يفيء بلسانه.
4542 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن زياد الأعلم، عن الحسن قال: الفيء الإشهاد.
(83) 4543 - حدثنا المثنى قال، حدثني الحجاج قال، حدثنا حماد، عن زياد الأعلم، عن الحسن مثله.
4544 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: إن فاء في نفسه أجزأه، يقول: قد فاء.
4545 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن رجاء قال: ذكروا الإيلاء عند إبراهيم فقال: أرأيت إن لم ينتشر ذكره؟
إذا أشهدَ فهي امرأته.
* * * قال أبو جعفر: وإنما اختلف المختلفون في تأويل " الفيء " على قدر اختلافهم في معنى اليمين التي تكون " إيلاءً".
فمن كان من قوله: إن الرجل لا يكون موليًا من امرأته الإيلاءَ الذي ذكره الله في كتابه إلا بالحلف عليها أن لا يجامعها، جعل الفيءَ الرجوعَ إلى فعل ما حلف عليه أن لا يفعله من جماعها، وذلك الجماعُ في الفرج إذا قدر على ذلك وأمكنه = وإذا لم يقدر عليه ولم يمكنه، فإحداثَ النية أن يفعله إذا قدر عليه وأمكنه، (84) &; 4-473 &; وإبداء ما نوى من ذلك بلسانه ليعلمه المسلمون، (85) في قول من قال ذلك.
* * * وأما قولُ من رأى أنّ الفيء هو الجماع دون غيره، فإنه لم يجعل العائقَ له عذرًا، ولم يجعل له مخرجًا من يمينه غيرَ الرجوع إلى ما حلف على تركه، وهو الجماع.
* * * وأما من كان من قوله أنه قد يكون موليًا منها بالحلف على ترك كلامها، أو على أن يسوءَها أو يغيظها أو ما أشبه ذلك من الأيمان، فإن الفيء عنده الرجوعُ إلى ترك ما حلف عليه أن يفعله - مما فيه من مساءتها - بالعزم على الرجوع عنه، وإبداء ذلك بلسانه (86) في كل حال عزم فيها على الفيء.
* * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصحة في ذلك عندنا، قولُ من قال: " الفيء هو الجماع "، لأن الرجل لا يكون موليًا عندنا من امرأته إلا بالحلف على ترك جماعها المدةَ التي ذكرنا، للعلل التي وصفنا قبلُ.
فإذ كان ذلك هو الإيلاء، (87) فالفيء الذي يبطل حكم الإيلاء عنه، لا شك أنه غير جائز أن يكون إلا ما كان للذي آلى عليه خلافًا.
(88) لأنه لما جعل حكمه إن لم يفئ إلى ما آلى على تركه، الحكمَ الذي بينه الله لهم في كتابه، كان الفيء إلى ذلك، معلومٌ أنه فعلُ ما آلى على تركه إن أطاقه، (89) وذلك هو الجماع.
غير أنه إذا حيل بينه وبين الفيء - الذي &; 4-474 &; هو جماعٌ - (90) بعذر، فغير جائز أن يكون تاركًا جماعها على الحقيقة (91) .
لأن المرء إنما يكون تاركًا = ما له إلى فعله وتركه سبيل.
فأما من لم يكن له إلى فعل أمر سبيل، فغير كائنٍ تاركَهُ.
وإذ كان ذلك كذلك، فإحداث العزم في نفسه على جماعها، مجزئ عنه في حال العذر، حتى يجد السبيل إلى جماعها.
وإن أبدى ذلك بلسانه وأشهدَ على نفسه في تلك الحال بالأوبة والفيء، كان أعجبَ إليّ.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: " فإن الله غفورٌ" لكم فيما اجترمتم بفيئكم إليهنّ، من الحِنْث في اليمين التي حلفتم عليهن بالله أن لا تَغْشَوْهنّ =" رحيم " بكم في تخفيفه عنكم كفَّارةَ أيمانكم التي حلفتم عليهن، ثم حنِثتم فيه.
* ذكر من قال ذلك: 4546 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: " فإن فاءوا فإن الله غفور رحيمٌ"، قال: لا كفارة عليه.
4547 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن قال: إذا فاء فلا كفَّارة عليه.
4548 - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، حدثنا &; 4-475 &; أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: كانوا يرون في قول الله: " فإن فاءوا فإنّ الله غفور رحيم " : أن كفارته فيؤه.
(92) * * * قال أبو جعفر : وهذا التأويل الذي ذكرنا هو التأويل الواجبُ على قول من زعم أنّ كل حانث في يمين هو في المُقام عليها حَرِجٌ، (93) فلا كفارة عليه في حنثه فيها، وأن كفارته الحنث فيها.
* * * وأما على قول من أوجب على الحانث في كل يمين حلف بها [كفارة]، (94) برًّا كان الحنِث فيها أو غير بِرّ، فإن تأويله: " فإن الله غفور " للمُولين من نسائهم فيما حنِثوا فيه من إيلائهم، فإن فاؤوا فكفّروا أيمانهم، بما ألزم الله الحانثين في أيمانهم من الكفارة =" رحيم " بهم، بإسقاطه عنهم العقوبة في العاجل والآجل على ذلك، بتكفيره إياه بما فرض عليهم من الجزاء والكفارة، وبما جعل لهم من المَهَل الأشهرَ الأربعة، (95) فلم يجعل فيها للمرأة التي آلى منها زوجها ما جعل لها بعد الأشهر الأربعة، كما:- 4549 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان قال، أخبرنا ابن المبارك قال، حدثنا يحيى بن بشر، أنه سمع عكرمة يقول: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ - قال: وتلك رحمة الله!
مَلَّكه أمرَها الأربعة الأشهر إلا من معذرة.
لأن الله قال: وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [ سورة النساء: 34 ].
(96) * * * * ذكر بعض من قال: إذا فاء المولي فعليه الكفارة.
&; 4-476 &; 4550 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وهو الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها، فيتربَّص أربعة أشهر، فإن هو نكحها كفَّر يمينه بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
4551 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال: حدثني يونس قال، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب بنحوه.
4552 - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم قال: إذا آلى فغشيها قبل الأربعة الأشهر، كفَّر عن يمينه.
4553 - حدثني المثنى قال، حدثنا حبان قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم - في النُّفَساء يولي منها زوجها - قال: هذه في مُحارب، سئل عنها أصحاب عبد الله، فقالوا: إذا لم يستطع كفر عن يمينه وأشهد على الفيء.
(97) 4554 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: إن فاء فيها كفَّر يمينه، وهي امرأته.
4555 - حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
4556 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام، عن الأعمش، عن إبراهيم &; 4-477 &; في الإيلاء قال: يوقَف قبل أن تمضي الأربعة الأشهر، فإن راجعها فهي امرأته، وعليه يمين: يكفِّرها إذا حنِث.
* * * قال أبو جعفر: وهذا التأويل الثاني هو الصحيح عندنا في ذلك، لما قد بينا من العلل في كتابنا( كتاب الأيمان)، من أن الحنث موجبٌ الكفارةَ في كل ما ابتدئ فيه الحنث من الأيمان بعد الحلف، على معصية كانت اليمين أو على طاعة.
------------------ الهوامش : (56) لم أجد البيت ولم أعرف قائله .
وكان في المخطوطة والمطبوعة : "من تراب" وصواب معناه يقتضي ما أثبت .
(57) لم أجد هذا الرجز .
وفي المطبوعة : "ما ألوى" والصواب من المخطوطة .
(58) في المطبوعة : "على وجه الإضرار لها" .
والضرار : إلحاق الضرر بها ، وفي الموضع التالي : "الإضرار" في المطبوعة والمخطوطة .
(59) الآثار : 4479- 4485- خبر سماك ذكره البخاري في الكبير 4/1/12"عطية بن جبير العنزي قاله شعبة عن سماك .
وقال سفيان عن سماك عن أبي عطية بن جبير .
وقال أبو الأحوص عن حريث بن عميرة عن أم عطية : أن جبيرا حلف فأتى عليًا" .
وفي الجرح والتعديل 1/2/262 : "حريث بن عميرة روى عن أم عطية .
روى عنه سماك بن حرب في رواية أبي الأحوص عن سماك عنه .
وروى إبراهيم بن طهمان عن سماك عن حريث عن عطية بن جبير عن أبيه قال : قلت لعلي - سمعت أبي يقول ذلك" .
وذكره ابن أبي حاتم أيضًا في الجرح والتعديل 3/1381- 382 : "عطية بن جبير العنزي" واختلف فيه الرواة من سماك بن حرب .
فقال شعبة عن سماك عن عطية بن جبير ، قال قلت لعلي رضي الله عنه .
وروى أبو الأحوص عن سماك عن حريث بن عمير عن عطية عن علي .
وروى حماد بن سلمة عن سماك ، عن أم عطية عن علي .
وروى سفيان الثوري عن سماك عن أبي عطية بن جبير ، عن علي - سمعت أبي يقول بعض ذلك وبعضه من قبلي" ورواه البيهقي في السنن 7 : 381- 382 من طريق داود بن أبي هند عن سماك عن رجل من بني عجل ، عن أبي عطية أنه تزوج امرأة أخيه وهي ترضع بابن أخيه" ورواه من طريق عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه عن شعبة عن سماك عن عطية بن جبير قال : كانت أمي ترضع صبيًا .
.
.
" (60) أغالت المرأة ولدها ، وأغال فلان ولده : إذ غشى أمه وهو ترضعه .
واسم لبنها ذاك"الغيل" كانوا يقولون : إذا شربه الولد ضوى واعتل منه ، واسم الفعل"الغيلة" (بكسر الغين) وفي سني البيهقي : "إني أخشى أن تغتاله" وهي اشتقاق منها ، لم يرد في كتب اللغة .
(61) في المطبوعة : "غذي" وما في المخطوطة أجود وقوله : "لحسن" أصلها"حسن" فعل (بفتح الحاء وضم السين) فنقل إلى معنى المدح فخففت السين وسكنت ونقلت حركتها إلى الحاء قال سهم بن حنظلة الغنوي : لـم يمْنِـعْ النَّـاسُ مِنِّـي مَا أَرَدْتُ وَمَا أُعْطِيهِــمُ مَـا أَرَادُوا حُسْـنَ ذَا أَدَبَـا فهي بمنزلة"نعم وبئس" .
(62) هكذا في المخطوطة والمطبوعة .
وأظن الصواب"محمد بن عبد الأعلى الصنعاني" شيخ الطبري .
ولم أجد في شيوخه : "علي بن عبد الأعلى" .
وانظر ما سيأتي رقم : 4669 .
(63) الأثر : 4488-"عبد الرحمن" هو عبد الرحمن بن مهدي .
"أبو وكيع" هو : الجراح ابن مليح الرؤاسي .
قال أبو داود : ثقة .
وقال النسائي : ليس به بأس .
وسئل الدارقطني عنه فقال : ليس بشيء هو كثير الوهم .
قيل : يعتبر به؟
قال : لا .
وفي المخطوطة والمطبوعة : "ابن وكيع" وهو خطأ .
وانظر المحل لابن حزم 10 : 45 و"أبو فزارة" هو : راشد بن كيسان العبسي .
قال ابن معين : ثقة .
وقال ابن حبان : مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة .
وله عند مسلم حديث واحد .
(64) الأثر : 4489- مختصر رقم : 4482 من طريق آخر ، وانظر التعليق السالف على الأثر رقم : 4479 .
(65) الأثر : 4492- طريق آخر لحديث أبي عطية السالف رقم : 4482 وانظر التعليق على الأثر : 4479 .
(66) الأثر : 4489- حبان بن موسى بن سوار السلمي ، أبو محمد المرزوي روى عن ابن المبارك وأبي حمزة السكري وغيرهما ، وعنه البخاري ومسلم .
ذكره ابن حبان في الثقات ، مات سنة 233 .
مترجم في التهذيب .
وفي المخطوطة والمطبوعة : "حسان بن موسى" وقد مضى على الصواب في رقم : 2914 وسيأتي على الصواب في رقم : 4528 .
و"أبو عوانة" هو : الوضاح بن عبد الله اليشكري ثقة .
وسئل ابن المبارك : من أروى الناس -أو أصح الناس- حديثًا عن مغيرة؟
قال : أبو عوانة .
مترجم في التهذيب .
(67) في المطبوعة : "حدثني سعيد بن المسيب أنه قال إن حلف .
.
.
" والصواب من المخطوطة بحذف"قال" .
(68) في المطبوعة : "الأربعة الأشهر" والذي في المخطوطة صواب في العربية لا بأس به .
(69) العضل من الزوج لامرأته : أن يضارها ولا يحسن عشرتها ، فهو لا يعاملها معاملة الأزواج ولا يتركها تتصرف في نفسها .
(70) في المطبوعة : "يلحق المرأة" والصواب من المخطوطة .
(71) في المخطوطة والمطبوعة : "الذي جعل المولى" وصواب السياق يقتضي ما أثبت .
والضمير في"منه" راجع إلى"لا معنى هنالك" .
(72) في المخطوطة والمطبوعة : "وبما سلف" والسياق يتطلب ما أثبت .
(73) هو سحيم عبد بني الحسحاس .
(74) ديوانه : 19 وحماسة ابن الشجري : 160 وغيرهما من قصيدته الغراء العجيبة وقد مضى منها بيت فيما سلف 1 : 106ن 447 .
والضمير في قوله : "ففاءت" إلى صاحبته التي ذكرها وذكر ما بينه وبينها .
ورواية الطبري وابن الشجري أحب إي من رواية الديوان : "ولم تقض الذي هو أهله" .
يقول : عادت إلى أهلها وقد أضاعت ما كانت مزمعة أن تفعله ، أنساها حبه وغزله ما كانت نوته وإرادته .
فيعزيها بأن المرء ربما طلب قضاء شيء ويشاء الله غيره فإذا هو لا يقتضيه .
(75) يريد أنه بناء المرة الواحدة إلا أنه وضع موضع المصدر مثل : "الرجفة والرحمة" والاسم من ذلك"الفيئة والجئة" (بكسر الفاء والجيم منهما) .
(76) أكثر كتب اللغة تجعل"الفيوء" مصدرًا في المعنى الأول ولا تجعله مصدرًا في معنى الظل .
وما قاله الطبري حسن وثيق .
(77) الأثر : 4510- يزيد بن زياد بن أبي الجعد الأشجعي الغطفاني مولى لهم ، روى عن الحكم بن عتيبة وعاصم الجحدري وعمه عبيد بن أبي الجعد ، وأخيه سلمة بن زياد وغيرهم .
وعنه وكيع وابن نمير وأبو نعيم وغيرهم .
ذكره ابن حبان في الثقات .
وكان في المطبوعة"يزيد بن أبي زياد عن أبي الجعد" والصواب من المخطوطة .
(78) الأثر : 4518-"أبو عبد الله النشائي" هو محمد بن حرب بن حرمان النشائي ، ويقال النشاستجي ، أبو عبد الله الواسطي .
روى عن إسماعيل بن علية ومحمد بن يزيد الواسطي وإسحاق بن يوسف الأزرق وغيرهم .
مات سنة 255 .
مترجم في التهذيب .
(79) في المطبوعة : "ذلك" وأثبت ما في المخطوطة وهما سواء .
(80) الأثر : 4526-"أبو وائل" وهو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره .
وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وغيرهم من الصحابة والتابعين .
قال الأعمش قال لي أبو وائل : يا سليمان لو رأيتني ونحن هراب من خالد بن الوليد فوقعت من البعير فكادت تندق عنقي!
فلو مت يومئذ كانت النار!
قال : وكنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة .
ومات بعد الجماجم سنة 83 .
مترجم في التهذيب .
(81) الأثر : 4528- انظر"حبان بن موسى" فيما سلف الأثر رقم : 4498 .
وقوله : "هذه في محارب" يعني قبيلة محارب الذين منهم أبو الشعثاء المحاربي : "سليم بن أسود بن حنظلة المحاربي" سيظهر في الآثار التالية ، ولا سيما الأثر رقم : 4535 فقد ذكر صاحب الإيلاء هناك .
(82) نفست المرأة (بالبناء للمجهول) ونفست (بفتح فكسر) نفسًا (بفتحتين) ونفاسًا : ولدت .
وأصله من"النفس" (بفتح فسكون) وهو : الدم وسميت بذلك لما يكون مع الولد وبعده من الدم .
(83) الأثر : 4542-"زياد الأعلم" هو زياد بن حسان بن قرة الباهلي روى عن أنس والحسن وابن سيرين .
وعنه عون والحمادان .
وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم .
وقال أحمد : "ثقة ثقة" قال أبو حاتم : "هو من قدماء أصحاب الحسن" .
وقال الدارقطني : "هو قليل الحديث" .
مترجم في التهذيب .
(84) في المطبوعة : "بإحداث النية" وهو خطأ صرف صوابه من المخطوطة .
وقوله"فإحداث" منصوب عطفًا على قوله : "جعل الفيء الرجوع .
.
.
" بمعنى أنه إذا لم يقد عليه ولم يمكنه ، جعل الفيء إحداث النية .
(85) في المطبوعة : "وأبدى" وهو خطأ مخل بالكلام ، لم يحسن قراءة الخط القديم ، وهو"وابدا" وظنه فعلا كالذي سبقه قوله : "وإبداء" منصوب عطفًا على قوله : "فإحداث" كما بينته في التعليق الآنف .
(86) في المطبوعة : "وأبدى ذلك بلسانه" خطأ فاسد ، وانظر التعليق السالف .
وقوله : "وإبداء مرفوع معطوف على"الرجوع" في قوله : "فإن الفيء عنده الرجوع .
.
.
" (87) في المطبوعة : "فإذا كان ذلك" خطأ وضعف والصواب الجيد من المخطوطة .
(88) في المطبوعة : "إلا ما كان الذي آلى .
.
.
" وهو فساد والصواب من المخطوطة وقوله : "خلافًا" أي مخالفًا ، كما سلف مئات من المرات .
(89) في المطبوعة : "معلومًا أنه .
.
.
" والذي في المخطوطة جيد صحيح .
(90) في المطبوعة : "هو الجماع" والصواب من المخطوطة .
(91) في المخطوطة : "فغير جائز تاركًا جماعها" ثم غير في المطبوعة إلى : "فغير كائن تاركًا جماعها" والجيد الذي يدل عليه السياق ، زيادة"أن يكون" كما فعلت .
وإن كان آخر كلام أبي جعفر قد حسن هذا التغيير الذي جاء في المطبوعة .
(92) الأثر : 4548-"حبان بن موسى" سلف في هذا الإسناد برقم : 4528 ، وانظر أيضًا رقم : 4498 والتعليق عليه ، وقد كان في المطبوعة والمخطوطة هنا : "حماد بن موسى" وهو خطأ وتحريف .
وانظر ما سيأتي رقم : 4549 .
(93) "حرج" : آثم .
وقد أسلفنا قول أهل اللغة في هذا الحرف ، في الجزء 2 : 423 تعليق : 1 ، ثم في هذا الجزء 4 : 224 ، تعليق : 1 (94) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، ويدل عليها سياق التفسير الآتي .
(95) المهل (بفتح فسكون ، وبفتحتين) مصدر"مهلته" وهي كأمهلته : أي أنظرته ولم أعاجله .
(96) الأثر : 4549- انظر التعليق على الأثر السالف رقم : 4548 .
و"يحيى بن بشر الخراساني أبو وهب روى عن عكرمة وروى عنه ابن المبارك .
قال ابن المبارك : "إذا حدثك يحيى ابن بشر عن إنسان فلا تبالي أن لا تسمعه منه" .
مترجم في الكبير 4/2/263 والجرح والتعديل 4/12/13 .
وقد سلف في إسناد الطبري رقم : 3619 ، 3652 ويأتي في رقم : 4749 .
(97) الأثر : 4553- انظر الأثر السالف 4528 ، ثم الآثار التي تليه والتعليق عليها .
قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيمفيه احدى وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى : للذين يؤلون " يؤلون " معناه يحلفون ، والمصدر إيلاء وألية وألوة وإلوة .
وقرأ أبي وابن عباس " للذين يقسمون " .
ومعلوم أن " يقسمون " تفسير " يؤلون " .
وقرئ " للذين آلوا " يقال : آلى يؤلي إيلاء ، وتألى تأليا ، وائتلى ائتلاء ، أي حلف ، ومنه ولا يأتل أولو الفضل منكم ، وقال الشاعر :فآليت لا أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعديوقال آخر :قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برتوقال ابن دريد :ألية باليعملات يرتمي بها النجاء بين أجواز الفلاقال عبد الله بن عباس : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك ، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة ، فوقت لهم أربعة أشهر ، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي .قلت : وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلق ، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده ، كذا في صحيح مسلم .
وقيل : لأن زينب ردت عليه هديته ، فغضب صلى الله عليه وسلم فآلى منهن ، ذكره ابن ماجه .[ ص: 98 ] الثانية : ويلزم الإيلاء كل من يلزمه الطلاق ، فالحر والعبد والسكران يلزمه الإيلاء .
وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون ، وكذلك الخصي إذا لم يكن مجبوبا ، والشيخ إذا كان فيه بقية رمق ونشاط .
واختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى ، ففي قول : لا إيلاء له .
وفي قول : يصح إيلاؤه ، والأول أصح وأقرب إلى الكتاب والسنة ، فإن الفيء هو الذي يسقط اليمين ، والفيء بالقول لا يسقطها ، فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقي حكم الإيلاء .
وإيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة لازم له ، وكذلك الأعجمي إذا آلى من نسائه .الثالثة : واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين ، فقال قوم : لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام : من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت .
وبه قال الشافعي في الجديد .
وقال ابن عباس : ( كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء ) ، وبه قال الشعبي والنخعي ومالك وأهل الحجاز وسفيان الثوري وأهل العراق ، والشافعي في القول الآخر ، وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر والقاضي أبو بكر بن العربي .
قال ابن عبد البر : وكل يمين لا يقدر صاحبها على جماع امرأته من أجلها إلا بأن يحنث فهو بها مول ، إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر ، فكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال : أقسم بالله ، أو أشهد بالله ، أو علي عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته فإنه يلزمه الإيلاء .
فإن قال : أقسم أو أعزم ولم يذكر ب " الله " فقيل : لا يدخل عليه الإيلاء ، إلا أن يكون أراد ب " الله " ونواه .
ومن قال إنه يمين يدخل عليه ، وسيأتي بيانه في " المائدة " إن شاء الله تعالى .
فإن حلف بالصيام ألا يطأ امرأته فقال : إن وطئتك فعلي صيام شهر أو سنة فهو مول .
وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو صدقة .
والأصل في هذه الجملة عموم قوله تعالى : للذين يؤلون ولم يفرق ، فإذا آلى بصدقة أو عتق عبد معين أو غير معين لزم الإيلاء .الرابعة : حلف بالله ألا يطأ واستثنى فقال : إن شاء الله فإنه يكون موليا ، فإن وطئها فلا كفارة عليه في رواية ابن القاسم عن مالك .
وقال ابن الماجشون في المبسوط : ليس بمول ، وهو أصح لأن الاستثناء يحل اليمين ويجعل الحالف كأنه لم يحلف ، وهو مذهب فقهاء الأمصار ؛ لأنه بين بالاستثناء أنه غير عازم على الفعل .
ووجه ما رواه ابن القاسم مبني على أن الاستثناء لا يحل اليمين ، ولكنه يؤثر في إسقاط الكفارة ، على ما يأتي بيانه في " المائدة " فلما كانت يمينه باقية منعقدة لزمه حكم الإيلاء وإن لم تجب عليه كفارة .[ ص: 99 ] الخامسة : فإن حلف بالنبي أو الملائكة أو الكعبة ألا يطأها ، أو قال هو يهودي أو نصراني أو زان إن وطئها ، فهذا ليس بمول ، قاله مالك وغيره .
قال الباجي : ومعنى ذلك عندي أنه أورده على غير وجه القسم ، وأما لو أورده على أنه مول بما قاله من ذلك أو غيره ، ففي المبسوط : أن ابن القاسم سئل عن الرجل يقول لامرأته : لا مرحبا ، يريد بذلك الإيلاء يكون موليا ، قال : قال مالك : كل كلام نوي به الطلاق فهو طلاق ، وهذا والطلاق سواء .السادسة : واختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن ، فقال ابن عباس : ( لا يكون موليا حتى يحلف ألا يمسها أبدا ) .
وقال طائفة : إذا حلف ألا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء ، روي هذا عن ابن مسعود والنخعي وابن أبي ليلى والحكم وحماد بن أبي سليمان وقتادة ، وبه قال إسحاق .
قال ابن المنذر : وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم .
وقال الجمهور : الإيلاء هو أن يحلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر ، فإن حلف على أربعة فما دونها لا يكون موليا ، وكانت عندهم يمينا محضا ، لو وطئ في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان ، هذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور .
وقال الثوري والكوفيون : الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا ، وهو قول عطاء .
قال الكوفيون : جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر كما جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا ، وفي العدة ثلاثة قروء ، فلا تربص بعد .
قالوا : فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء ، ولا يسقط إلا بالفيء وهو الجماع في داخل المدة ، والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر .
واحتج مالك والشافعي فقالا : جعل الله للمولي أربعة أشهر ، فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها ، كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل .
ووجه قول إسحاق - في قليل الأمد يكون صاحبه به موليا إذا لم يطأ - القياس على من حلف على أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون موليا ؛ لأنه قصد الإضرار باليمين ، وهذا المعنى موجود في المدة القصيرة .السابعة : واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر فانقضت الأربعة الأشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه ، لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة .
ومن علمائنا من يقول : يلزمه بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية .
ومنهم ومن غيرهم من يقول : يلزمه طلقة بائنة بانقضاء الأربعة الأشهر .
والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه ، وذلك أن المولي لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفيء فيراجع امرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق ، ولا يتركه حتى يفيء أو يطلق .
والفيء : الجماع فيمن [ ص: 100 ] يمكن مجامعتها .
قال سليمان بن يسار : كان تسعة رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء ، قال مالك : وذلك الأمر عندنا ، وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واختاره ابن المنذر .الثامنة : وأجل المولي من يوم حلف لا من يوم تخاصمه امرأته ، وترفعه إلى الحاكم ، فإن خاصمته ولم ترض بامتناعه من الوطء ضرب له السلطان أجل أربعة أشهر من يوم حلف ، فإن وطئ فقد فاء إلى حق الزوجة وكفر عن يمينه ، وإن لم يفئ طلق عليه طلقة رجعية .
قال مالك : فإن راجع لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة .
قال الأبهري : وذلك أن الطلاق إنما وقع لدفع الضرر ، فمتى لم يطأ فالضرر باق ، فلا معنى للرجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته ؛ لأن الضرر قد زال ، وامتناعه من الوطء ليس من أجل الضرر وإنما هو من أجل العذر .التاسعة : واختلف العلماء في الإيلاء في غير حال الغضب ، فقال ابن عباس : ( لا إيلاء إلا بغضب ) ، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المشهور عنه ، وقاله الليث والشعبي والحسن وعطاء ، كلهم يقولون : ( الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشادة وحرجة ومناكدة ألا يجامعها في فرجها إضرارا بها ، وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أم لم يكن ، فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء ) .
وقال ابن سيرين : سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء ، وقاله ابن مسعود والثوري ومالك وأهل العراق والشافعي وأصحابه وأحمد ، إلا أن مالكا قال : ما لم يرد إصلاح ولد .
قال ابن المنذر : وهذا أصح ؛ لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء في حال الغضب والرضا كان الإيلاء كذلك .
قلت : ويدل عليه عموم القرآن ، وتخصيص حالة الغضب يحتاج إلى دليل ولا يؤخذ من وجه يلزم .
والله أعلم .العاشرة : قال علماؤنا : ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حلفها إضرارا بها أمر بوطئها ، فإن أبى وأقام على امتناعه مضرا بها فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل .
وقد قيل : يضرب أجل الإيلاء .
وقد قيل : لا يدخل على الرجل الإيلاء في هجرته من زوجته وإن أقام سنين لا يغشاها ، ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى الله تعالى في ألا يمسكها ضرارا .الحادية عشرة : واختلفوا فيمن حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا يمغل ولدها ؛ [ ص: 101 ] ولم يرد إضرارا بها حتى ينقضي أمد الرضاع لم يكن لزوجته عند مالك مطالبة لقصد إصلاح الولد .
قال مالك : وقد بلغني أن علي بن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء ، وبه قال الشافعي في أحد قوليه ، والقول الآخر يكون موليا ، ولا اعتبار برضاع الولد ، وبه قال أبو حنيفة .الثانية عشرة : وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يكون موليا من حلف ألا يطأ زوجته في هذا البيت أو في هذه الدار لأنه يجد السبيل إلى وطئها في غير ذلك المكان .
قال ابن أبي ليلى وإسحاق : إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء ، ألا ترى أنه يوقف عند الأشهر الأربعة ، فإن حلف ألا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك ، وهذا إنما يكون في سفر يتكلف المئونة والكلفة دون جنته أو مزرعته القريبة .الثالثة عشرة : قوله تعالى : من نسائهم يدخل فيه الحرائر والذميات والإماء إذا تزوجن .
والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته .
قال الشافعي وأحمد وأبو ثور : إيلاؤه مثل إيلاء الحر ، وحجتهم ظاهر قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم فكان ذلك لجميع الأزواج .
قال ابن المنذر : وبه أقول .
وقال مالك والزهري وعطاء بن أبي رباح وإسحاق : أجله شهران .
وقال الحسن والنخعي : إيلاؤه من زوجته الأمة شهران ، ومن الحرة أربعة أشهر ، وبه قال أبو حنيفة .
وقال الشعبي : إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة .الرابعة عشرة : قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والنخعي وغيرهم : المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيهما .
وقال الزهري وعطاء والثوري : لا إيلاء إلا بعد الدخول .
وقال مالك : ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ ، فإن آلى منها فبلغت لزم الإيلاء من يوم بلوغها .الخامسة عشرة : : وأما الذمي فلا يصح إيلاؤه ، كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه ، وذلك أن نكاح أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح ، وإنما لهم شبهة يد ، ولأنهم لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان ، فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء لم ينبغ لحاكمنا أن يحكم بينهم ، ويذهبون إلى حكامهم ، فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم حكم بحكم الإسلام ، كما لو ترك المسلم وطء زوجته ضرارا من غير يمين .السادسة عشرة : قوله تعالى : تربص أربعة أشهر التربص : التأني والتأخر ، مقلوب التصبر ، قال الشاعر :تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها[ ص: 102 ] وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدم ، فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر ، لقوله تعالى : واهجروهن في المضاجع وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهرا تأديبا لهن .
وقد قيل : الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها ، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد :ألا طال هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا حبيب ألاعبهفوالله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبهمخافة ربي والحياء يكفني وإكرام بعلي أن تنال مراكبهفلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها : أين زوجك ؟
فقالت : بعثت به إلى العراق !
فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر عن زوجها ؟
فقلن : شهرين ، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر ، وينفد صبرها في أربعة أشهر ، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر ، فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين ، وهذا والله أعلم يقوي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر .السابعة عشرة : قوله تعالى : فإن فاءوا معناه رجعوا ، ومنه حتى تفيء إلى أمر الله ومنه قيل للظل بعد الزوال : فيء ؛ لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب ، يقال : فاء يفيء فيئة وفيوءا .
وإنه لسريع الفيئة ، يعني الرجوع .
قال :ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضياالثامنة عشرة : قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له ، فإن كان له عذر مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ارتجاعه صحيح وهي امرأته ، فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إفاقته من مرضه ، أو انطلاقه من سجنه فأبى الوطء فرق بينهما إن كانت المدة قد انقضت ، قال مالك في المدونة والمبسوط .
وقال عبد الملك : وتكون بائنا منه يوم انقضت المدة ، فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنته حكم بصدقه فيما مضى ، فإن أكذب ما ادعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها ، حمل أمره على الكذب فيها واللدد ، وأمضيت الأحكام على ما كانت تجب في ذلك الوقت .
وقالت طائفة : إذا شهدت بينة بفيئته في حال العذر أجزأه ، قاله الحسن وعكرمة والنخعي : وبه قال الأوزاعي .
وقال النخعي أيضا : [ ص: 103 ] يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط ، ويسقط حكم الإيلاء ، أرأيت إن لم ينتشر للوطء ، قال ابن عطية : ويرجع هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر .
وقال أحمد بن حنبل : إذا كان له عذر يفيء بقلبه ، وبه قال أبو قلابة .
وقال أبو حنيفة : إن لم يقدر على الجماع فيقول : قد فئت إليها .
قال الكيا الطبري : أبو حنيفة يقول فيمن آلى وهو مريض وبينه وبينها مدة أربعة أشهر ، وهي رتقاء أو صغيرة أو هو مجبوب : إنه إذا فاء إليها بلسانه ومضت المدة والعذر قائم فذلك فيء صحيح ، والشافعي يخالفه على أحد مذهبيه .
وقالت طائفة : لا يكون الفيء إلا بالجماع في حال العذر وغيره ، وكذلك قال سعيد بن جبير ، قال : وكذلك إن كان في سفر أو سجن .التاسعة عشرة : أوجب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور العلماء الكفارة على المولي إذا فاء بجماع امرأته .
وقال الحسن : لا كفارة عليه ، وبه قال النخعي ، قال النخعي : كانوا يقولون إذا فاء لا كفارة عليه .
وقال إسحاق : قال بعض أهل التأويل في قوله تعالى : فإن فاءوا يعني لليمين التي حنثوا فيها ، وهو مذهب في الأيمان لبعض التابعين فيمن حلف على بر أو تقوى أو باب من الخير ألا يفعله فإنه يفعله ولا كفارة عليه ، والحجة له قوله تعالى : فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ، ولم يذكر كفارة ، وأيضا فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية ، وترك وطء الزوجة معصية .قلت : وقد يستدل لهذا القول من السنة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها خرجه ابن ماجه في سننه .
وسيأتي لها مزيد بيان في آية الأيمان إن شاء الله تعالى .
وحجة الجمهور قوله عليه السلام : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه .الموفية عشرين : إذا كفر عن يمينه سقط عنه الإيلاء ، قاله علماؤنا .
وفي ذلك دليل على تقديم الكفارة على الحنث في المذهب ، وذلك إجماع في مسألة الإيلاء ، ودليل على أبي حنيفة في مسألة الأيمان ، إذ لا يرى جواز تقديم الكفارة على الحنث ، قاله ابن العربي .الحادية والعشرون : قلت : بهذه الآية استدل محمد بن الحسن على امتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال : لما حكم الله تعالى للمولي بأحد الحكمين من فيء أو عزيمة الطلاق ، فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء أو عزيمة الطلاق ؛ لأنه إن [ ص: 104 ] حنث لا يلزمه بالحنث شيء ، ومتى لم يلزم الحانث بالحنث شيء لم يكن موليا .
وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله ، وذلك خلاف الكتاب .
وهذا من الأيمان الخاصة بالزوجة, في أمر خاص وهو حلف الزوج على ترك وطء زوجته مطلقا، أو مقيدا، بأقل من أربعة أشهر أو أكثر.
فمن آلى من زوجته خاصة، فإن كان لدون أربعة أشهر, فهذا مثل سائر الأيمان, إن حنث كَفَّرَ, وإن أتم يمينه, فلا شيء عليه, وليس لزوجته عليه سبيل, لأنه ملكه أربعة أشهر.
وإن كان أبدا, أو مدة تزيد على أربعة أشهر, ضربت له مدة أربعة أشهر من يمينه, إذا طلبت زوجته ذلك, لأنه حق لها، فإذا تمت أمر بالفيئة وهو الوطء، فإن وطئ, فلا شيء عليه إلا كفارة اليمين، وإن امتنع, أجبر على الطلاق, فإن امتنع, طلق عليه الحاكم.
ولكن الفيئة والرجوع إلى زوجته, أحب إلى الله تعالى, ولهذا قال: { فَإِنْ فَاءُوا } أي: رجعوا إلى ما حلفوا على تركه, وهو الوطء.
{ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } يغفر لهم ما حصل منهم من الحلف, بسبب رجوعهم.
{ رَحِيمٌ } حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة, ولم يجعلها لازمة لهم غير قابلة للانفكاك, ورحيم بهم أيضا, حيث فاءوا إلى زوجاتهم, وحنوا عليهن ورحموهن.
قوله تعالى : ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ) يؤلون أي يحلفون والألية : اليمين والمراد من الآية : اليمين على ترك وطء المرأة قال قتادة : كان الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية وقال سعيد بن المسيب : كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية كان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها أبدا فيتركها لا أيما ولا ذات بعل وكانوا عليه في ابتداء الإسلام فضرب الله له أجلا في الإسلام واختلف أهل العلم فيه : فذهب أكثرهم إلى أنه إن حلف أن لا يقرب زوجته أبدا أو سمى مدة أكثر من أربعة أشهر يكون موليا فلا يتعرض لها قبل مضي أربعة أشهر وبعد مضيها يوقف ويؤمر بالفيء أو بالطلاق بعد مطالبة المرأة والفيء هو الرجوع عما قاله بالوطء إن قدر عليه وإن لم يقدر فبالقول فإن لم يفئ ولم يطلق طلق عليه السلطان واحدة وذهب إلى الوقوف بعد مضي المدة عمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وابن عمر قال سليمان بن يسار : أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يقول بوقف المولي .
وإليه ذهب سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم : إذا مضت أربعة أشهر تقع عليها طلقة بائنة وهو قول ابن عباس وابن مسعود وبه قال سفيان الثوري وأصحاب الرأي .
وقال سعيد بن المسيب والزهري : تقع طلقة رجعية ولو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا يكون موليا بل هو حالف فإذا وطئها قبل مضي تلك المدة تجب عليه كفارة اليمين ولو حلف أن لا يطأها أربعة أشهر لا يكون موليا عند من يقول بالوقف بعد مضي المدة لأن بقاء المدة شرط للوقف وثبوت المطالبة بالفيء أو الطلاق وقد مضت المدة .
وعند من لا يقول بالوقف يكون موليا ويقع الطلاق بمضي المدة .
ومدة الإيلاء : أربعة أشهر في حق الحر والعبد جميعا عند الشافعي رحمه الله لأنها ضربت لمعنى يرجع إلى الطبع وهو قلة صبر المرأة عن الزوج فيستوي فيه الحر والعبد كمدة العنة .
وعند مالك رحمه الله وأبي حنيفة رحمه الله تتنصف مدة العنة بالرق غير أن عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة وعند مالك برق الزوج كما قالا في الطلاق .
قوله تعالى : ( تربص أربعة أشهر ) أي انتظار أربعة أشهر والتربص : التثبت والتوقف ( فإن فاءوا ) رجعوا عن اليمين بالوطء ( فإن الله غفور رحيم ) وإذا وطئ خرج عن الإيلاء وتجب عليه كفارة اليمين عند أكثر أهل العلم وقال الحسن وإبراهيم النخعي وقتادة : لا كفارة عليه لأن الله تعالى وعد بالمغفرة فقال ( فإن الله غفور رحيم ) وذلك عند الأكثرين في إسقاط العقوبة لا في الكفارة ولو قال لزوجته : إن قربتك فعبدي حر أو صرت طالقا أو لله علي عتق رقبة أو صوم أو صلاة فهو مول لأن المولي من يلزمه أمر بالوطء ويوقف بعد مضي المدة فإن فاء يقع الطلاق أو العتق المعلق به وإن التزم في الذمة تلزمه كفارة اليمين في قول وفي قول يلزمه ما التزم في ذمته من الإعتاق والصلاة والصوم
«للذين يؤلون من نسائهم» أي يحلفون أن لا يجامعوهن «تربص» انتظار «أربعة أشهر فإن فاءُوا» رجعوا فيها أو بعدها عن اليمين إلى الوطء «فإن الله غفور» لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف «رحيم» بهم.
للذين يحلفون بالله أن لا يجامعوا نساءهم، انتظار أربعة أشهر، فإن رجعوا قبل فوات الأشهر الأربعة، فإن الله غفور لما وقع منهم من الحلف بسبب رجوعهم، رحيم بهم.
وبعد بيان هذه الأحكام في الأيمان العامة ، عقب - سبحانه - ذلك ببيان حكم اليمين الخاصة فقال : ( لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ .
وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
و ( يُؤْلُونَ ) : من الإِيلاء مصدر آلى يؤالي ويؤلى إيلاء بمعنى حلف .
قال الشاعر :قليل الألايا حافظ ليمينه ...
وإن سبقت منه الألية برتوقد خص الإِيلاء في الشرع بالحلف على ترك مباشرة الزوجة .
وكانوا في الجاهلية يحلفون ألايقربوا نساءهم السنة والأكثر إضراراً بهن .و ( التربص ) التلبث والانتظار والترقب .
قال الشاعر :تربص بها ريب المنون لعلها ...
تطلق يوما أو يموت حليلهاو ( فَآءُو ) معناه رجعوا .
والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل ، ولذها قيل لما تزيله الشمس من الظل ثم يعود فيء .
وقيل لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه لهم فرجع إليهم .ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له ...
ومن حاجة الإِنسان ما ليس قاضياو ( عَزَمُواْ ) من العزم وهو عقد القلب على الشيء ، والتصميم عليه .
يقال عزم على الشيء يعزم عزما وعزيمة .
.
إذا عقد نيته عليه .و ( الطلاق ) هو حل عقد النكاح الذي بين الرجل والمرأة ، وأصله من الانطلاق ، وهو الذهاب .
يقال : طلقت المرأة تطلق - من باب نصر - طلاقاً ، إذا أصبحت مخلاة بدون رجل بعد أن كانت في عصمة رجل معين .قال الفخر الرازي : كان الرجل في الجاهلية لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره ، فيحلف أن لا يقربها ، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات يعل والغرض منه مضارة المرأة .
ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك - أيضاً - فأزال الله ، تعالى - ذلك ، وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها ، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها " .ومعنى الآيتين الكريمتين : أن الله - تعالى - جعل للذين يحلفون على ترك مباشرة أزواجهم مدة يرادجعون فيها أنفسهم ، وينتظرون فيها ما يستقر عليه أمرهم ، وهذه المدة هي أربعة أشهر ، فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك مباشرة الزوجة ، ورأوا أن المصلحة في الرجوع فإن الله - تعالى - يغفر لهم ما فرط منهم .
وإن استمروا على ترك مباشرة نسائهم ، وأصروا على ذلك بعد انقضائها فإن شرع الله - تعالى يحكم بالتفريق بينهما ، لأن الحياة الزوجية لا تقوم على البغض والكراهية والهجران ، وإنما تقوم على المحبة والمودة والرحمة وقوله : ( لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ ) متعلق بمحذوف خبر مقدم .
وتربص مبتدأ مؤخر ، وقدم الخبر على المبتدأ للاهتمام بهذه التوسعة التي وسع الله بها عليهم ، فهي مدة كافية لأن يراجع المرء فيها نفسه ، ويعود إلى معاشرة زوجه خلالها .وعدى فعل الإِيلاء بمن مع أن حقه أن يتعدى بعلى ، لأنه تضمن هنا معنى البعد كأنه قال : للذين يؤلون متباعدين من نسائهم .وأضيف التربص إلى الظرف ( أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) على الاتساع إذ الأصل تربصهن في أربعة أشهر .
وقوله : ( فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) دليل الجواب .
أي فإن فاؤا إلى زوجاتهم وحنثوا في أيمانهم التي حلفوها بالابتعاد عنهن ، بأن كفروا عنها وتابوا إلى ربهم فحنثهم مغفور لهم لأنه - سبحانه - غفور لمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ، رحيم بعباده في كل أوامره وتكاليفه .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: آلى يؤالي إيلاء، وتألى يتألى تألياً، وائتلى يأتلي ائتلاء، والإسم منه ألية وألوة، كلاهما بالتشديد، وحكى أبو عبيدة الوة والوة والوة ثلاثة لغات، وبالجملة فالألية والقسم واليمين، والحلف، كلها عبارات عن معنى واحد، وفي الحديث حكاية عن الله تعالى: آليت أفعل خلاف المقدرين وقال كثير: قليل الألايا حافظ ليمينه *** فإن سبقت منه الألية برت هذا هو معنى اللفظ بحسب أصل اللغة، أما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك الوطء، كما إذا قال: والله لا أجامعك، ولا أباضعك، ولا أقربك، ومن المفسرين من قال: في الآية حذف تقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، إلا أنه حذف لدلالة الباقي عليه، وأنا أقول: هذا الإضمار إنما يحتاج إليه إذا حملنا لفظ الإيلاء على المعهود اللغوي، أما إذا حملناه على المتعارف في الشرع استغنينا عن هذا الإضمار.
المسألة الثانية: روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقاً قال سعيد بن المسيب: كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً، فأزال الله تعالى ذلك وأمهل للزوج مدة حتى يتروى ويتأمل، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها.
المسألة الثالثة: قرأ عبد الله ﴿ آلوا مِن نّسَائِهِمْ ﴾ وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يَقْسِمُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ .
أما قوله: ﴿ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ ففيه سؤال، وهو أنه يقال: المتعارف أن يقال: حلف فلان على كذا أو آلى على كذا، فلم أبدلت لفظة على هاهنا بلفظة ﴿ مِنْ ﴾ ؟.
والجواب من وجهين: الأول: أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر، كما يقال: لي منك كذا والثاني: أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين.
أما قوله تعالى: ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال: تربصت الشيء تربصاً، ويقال: ما لي على هذا الأمر ربصة، أي تلبث، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله: بينهما مسيرة يوم، أي مسيرة في يوم ومثله كثير.
أما قوله: ﴿ فَإِن فَآءوا ﴾ فمعناه فإن رجعوا، والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود: فيء، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل، فقالوا: الفيء ما كان بالعشي، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي الجنة ظل وليس فيها فيء، لأنه لا شمس فيها، قال الله تعالى: ﴿ وَظِلّ مَّمْدُودٍ ﴾ وأنشدوا: فلا الظل من برد الضحى يستطيعه *** ولا الفيء من برد العشي يذوق وقيل: فلان سريع الفيء والفيئة حكاهما الفراء عن العرب، أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة وقيل: لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم فقوله: ﴿ فَإِن فَآءوا ﴾ معناه فإن فرجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته كما أنه غفور رحيم لكل التائبين.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ فاعلم أن العزم عقد القلب على الشيء يقال عزم على الشيء يعزم عزماً وعزيمة، وعزمت عليك لتفعلن، أي أقسمت، والطلاق مصدر طلقت المرأة أطلق طلاقاً، وقال الليث: طلقت بضم اللام، وقال ابن الأعرابي: طلقت بضم اللام من الطلاق أجود، ومعنى الطلاق هو حل عقد النكاح بما يكون حلالاً في الشرع، وأصله من الإنطلاق، وهو الذهاب، فالطلاق عبارة عن انطلاق المرأة، فهذا ما يتعلق بتفسير لفظ الآية.
أما الأحكام فكثيرة ونذكر هاهنا بعض ما دلت الآية عليه في مسائل: المسألة الأولى: كل زوج يتصور منه الوقاع، وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فإنه يصح منه الإيلاء، وهذا القيد معتبر طرداً وعكساً.
أما الطرد فهو أن كل من كان كذلك صح إيلاؤه، ويتفرع عليه أحكام الأول: يصح إيلاء الذمي، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق لنا قوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ وهذا العموم يتناول الكافر والمسلم.
الحكم الثاني: قال الشافعي رضي الله عنه: مدة الإيلاء لا تختلف بالرق والحرية فهي أربعة أشهر سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين، أو أحدهما كان حراً والآخر رقيقاً، وعند أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما تتنصف بالرق، إلا أن عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل، كما قالا في الطلاق لنا إن ظاهر قوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ يتناول الكل، والتخصيص خلاف الظاهر، لأن تقدير هذه المدة إنما كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع، وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج، فيستوي فيه الحر والرقيق، كالحيض، ومدة الرضاع ومدة العنة.
الحكم الثالث: يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب، وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب لنا ظاهر هذه الآية.
الحكم الرابع: يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح، أو كانت مطلقة طلقة رجعية، بدليل أن الرجعية يصدق عليها أنها من نسائه، بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق، وقع الطلاق عليها، وإذا ثبت أنها من نسائه دخلت تحت الآية لظاهر قوله: ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ .
أما عكس هذه القضية.
وهو أن من لا يتصور منه الوقاع لا يصح إيلاؤه، ففيه حكمان: الحكم الأول: إيلاء الخصي صحيح، لأنه يجامع كما يجامع الفحل، إنما المفقود في حقه الإنزال وذلك لا أثر له: ولأنه داخل تحت عموم الآية.
الحكم الثاني: المجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يجامع به صح إيلاؤه وإن لم يبق ففيه قولان أحدهما: أنه لا يصح إيلاؤه وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه والثاني: أنه يصح لعموم هذه الآية، لأن قصد المضارة باليمين قد حصل منه.
القيد الثاني: أن يكون زوجاً، فلو قال لأجنبية: والله لا أجامعك ثم نكحها لم يكن مؤلياً لأن قوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ يفيد أن هذا الحكم لهم لا لغيرهم، كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ﴾ أي لكم لا لغيركم.
المسألة الثانية: المحلوف به والحلف إما أن يكون بالله أو بغيره، فإن كان بالله كان مولياً ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء، وهل تجب كفارة اليمين فيه قولان: الجديد وهو الأصح، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تجب كفارة اليمين، والقديم أنه إذا فاء بعد مضي المدة أو في خلال المدة فلا كفارة عليه، حجة القول: والله لا أقربك ثم يقربها، وبين أن يقول: والله لا أكلمك ثم يكلمها وحجة القول القديم قوله تعالى: ﴿ فَإِن فَآءوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أن الكفارة لو كانت واجبة لذكرها الله هاهنا، لأن الحاجة هاهنا داعية إلى معرفتها، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والثاني: أنه تعالى كما لم يذكر وجوب الكفارة نبه على سقوطها بقوله: ﴿ فَإِن فَآءوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ والغفران يوجب ترك المؤاخذة وللأولين أن يجيبوا فيقولوا: إنما ترك الكفارة هاهنا لأنه تعالى بينها في القرآن وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر المواضع.
أما قوله: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فهو يدل على عدم العقاب، لكن عدم العقاب لا ينافي وجوب الفعل، كما أن التائب عن الزنا والقتل لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص، وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فعبدي حر، أو أنت طالق، أو ضرتك طالق، أو ألزم أمراً في الذمة، فقال: إن وطئتك فلله علي عتق رقبة، أو صدقة، أو صوم، أو حج، أو صلاة، فهل يكون مولياً للشافعي رضي الله عنه فيه قولان: قال في القديم: لا يكون مولياً، وبه قال أحمد في ظاهر الرواية دليله أن الإيلاء معهود في الجاهلية، ثم قد ثبت أن معهود الجاهلية في هذا الباب هو الحلف بالله، وأيضاً روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف فليحلف بالله»، فمطلق الحلف يفهم منه الحلف بالله، وقال في الجديد، وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة العلماء رحمهم الله أنه يكون مولياً لأن لفظ الإيلاء يتناول الكل، وعلق القولين فيمينه منعقدة فإن كان قد علق به عتقاً أو طلاقاً، فإذا وطئها يقع ذلك المتعلق، وإن كان المعلق به التزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج، وفيه أقوال أصحها: أن عليه كفارة اليمين والثاني: عليه الوفاء بما سمى، والثالث: أنه يتخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بما سمى، وفائدة هذين القولين أنا إن قلنا إنه يكون مولياً فبعد مضي أربعة أشهر يضيق الأمر عليه حتى يفيء أو يطلق وإن قلنا: لا يكون مولياً لا يضيق عليه الأمر.
المسألة الثالثة: اختلفوا في مقدار مدة الإيلاء على أقوال فالأول: قول ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أبداً والثاني: قول الحسن البصري وإسحاق: إن أي مدة حلف عليها كان مولياً وإن كانت يوماً، وهذان المذهبان في غاية التباعد والثالث: قول أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أنه لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد والرابع: قول الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم: إنه لا يكون موالياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة، وهذه المدة تكون حقاً للزوج، فإذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه، وعن أبي حنيفة: إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي من وجوه: الحجة الأولى: أن الفاء في قوله: ﴿ فَإن فَآءوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ تقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخياً عن انقضاء الأربعة أشهر.
فإن قيل: ما ذكرتموه ممنوع لأن قوله: ﴿ فَإن فاؤا...
وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ تفصيل لقوله: ﴿ للَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: أنا أنزل عندكم هذا الشهر فإن أكرمتموني بقيت معكم وإلا ترحلت عنكم.
قلنا: هذا ضعيف لأن قوله: ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ ﴾ هذه المدة يدل على الأمرين والفاء في قوله: ﴿ فَان فاءوا ﴾ ورد عقيب ذكرهما، فيكون هذا الحكم مشروعاً عقيب الإيلاء، وعقيب حصول التربص في هذه المدة بخلاف المثال الذي ذكره وهو قوله: أنا أنزل عندكم فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت، لأن هناك الفاء متأخرة عن ذلك النزول، أما هاهنا فالفاء مذكورة عقيب ذكر الإيلاء وذكر التربص، فلابد وأن يكون ما دخل الفاء عليه واقعاً عقيب هذين الأمرين، وهذا كلام ظاهر.
الحجة الثانية: للشافعي رضي الله عنه أن قوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج، وعلى قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يقع الطلاق بمضي المدة لا بإيقاع الزوج.
فإن قيل: الإيلاء الطلاق في نفسه.
فالمراد من قوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ الإيلاء المتقدم.
قلنا: هذا بعيد لأن قوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ لابد وأن يكون معناه: وإن عزم الذين يؤلون الطلاق، فجعل المؤلى عازماً، وهذا يقتضي أن يكون الإيلاء والعزم قد اجتمعا، وأما الطلاق فهو متعلق العزم، ومتعلق العزم متأخر عن العزم، فإذاً الطلاق متأخر عن العزم لا محالة، والإيلاء إما أن يكون مقارناً للعزم أو متقدماً، وهذا يفيد القطع بأن الطلاق في هذه الآية مغاير لذلك الإيلاء وهذا كلام ظاهر.
الحجة الثالثة: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يقتضي أن يصدر من الزوج شيء يكون مسموعاً، وما ذاك إلا أن نقول تقدير الآية فإن عزموا الطلاق وطلقوا فإن الله سميع لكلامهم، عليم بما في قلوبهم.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد إن الله سميع لذلك الإيلاء.
قلنا: هذا يبعد لأن هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء، بل إنما حصل على شيء حصل بعد الإيلاء، وهو كلام غيره حتى يكون ﴿ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ تهديداً عليه.
الحجة الرابعة: أن قوله تعالى: ﴿ فَان فاءوا وَإِنْ عَزَمُواْ ﴾ ظاهره التخيير بين الأمرين، وذلك يقتضي أن يكون وقت ثبوتهما واحداً، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك.
الحجة الخامسة: أن الإيلاء في نفسه ليس بطلاق، بل هو حلف على الامتناع من الجماع مدة مخصوصة إلا أن الشرع ضرب مقداراً معلوماً من الزمان، وذلك لأن الرجل قد يترك جماع المرأة مدة من الزمان لا بسبب المضارة، وهذا إنما يكون إذا كان الزمان قصيراً، فأما ترك الجماع زماناً طويلاً فلا يكون إلا عند قصد المضارة، ولما كان الطول والقصر في هذا الباب أمراً غير مضبوط، بين تعالى حداً فاصلاً بين القصير والطويل، فعند حصول هذه تبين قصد المضارة، وذلك لا يوجب ألبتة وقوع الطلاق، بل اللائق بحكمة الشرع عند ظهور قصد المضارة أنه يؤمر إما بترك المضارة أو بتخليصها من قيد الإيلاء، وهذا المعنى معتبر في الشرع كما قلنا في ضرب الأجل في مدة العنين وغيره حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن عبد الله بن مسعود قرأ، فإن فاؤا فيهن.
والجواب الصحيح: أن القراءة الشاذة مردودة لأن كل ما كان قرآناً وجب أن يثبت بالتواتر فحيث لم يثبت بالتواتر قطعنا أنه ليس بقرآن وأولى الناس بهذا أبو حنيفة، فإنه بهذا الحرف تمسك في أن التسمية ليست من القرآن، وأيضاً فقد بينا أن الآية مشتملة على أمور ثلاثة دلت على أن هذه الفيئة لا تكون في المدة، فالقراءة الشاذة لما كانت مخالفة لها وجب القطع بفسادها.
<div class="verse-tafsir"
قرأ عبد الله: ﴿ آلوا من نسائهم ﴾ .
وقرأ ابن عباس: ﴿ يقسمون من نسائهم ﴾ : فإن قلت: كيف عدي بمن، وهو معدى بعلى؟
قلت: قد ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مؤلين أو مقسمين.
ويجوز أن يراد لهم ﴿ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ كقوله: لي منك كذا.
والإيلاء من المرأة أن يقول: والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعداً على التقييد بالأشهر.
أو لا أقربك على الإطلاق.
ولا يكون في ما دون أربعة أشهر، إلا ما يحكى عن إبراهيم النخعي.
وحكم ذلك: أنه إذا فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكنه أو بالقول إن عجز: صح الفيء، وحنث القادر، ولزمته كفارة اليمين، ولا كفارة على العاجز.
وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة عند أبي حنيفة.
وعند الشافعي: لا يصح الإيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر ثم يوقف المولى، فإما أن يفيء وإما أن يطلق وإن أبى طلق عليه الحاكم.
ومعنى قوله: ﴿ فَإِن فَآءُوا ﴾ فإن فاؤا في الأشهر، بدليل قراءة عبد الله: ﴿ فإن فاؤا فيهن ﴾ ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان يجوز أن يكون على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من الغيل، أو لبعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ فتربصوا إلى مُضيِّ المدة ﴿ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة، وعلى قول الشافعي رحمه الله معناه ﴿ فَإِن فَآءُوا ﴾ ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ﴾ بعد مضي المدة.
فإن قلت: كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدّة التربص؟
قلت: موقع صحيح لأن قوله ﴿ فَإِن فَآءُوا ﴾ ، ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ﴾ تفصيل لقوله ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر، فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره، وإلا لم أقم إلا ريثما أتحوّل.
فإن قلت: ما تقول في قوله: ﴿ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعزمهم الطلاق بما يعلم ولا يسمع؟
قلت: الغالب أن العازم للطلاق وترك الفيئة والضرار، لا يخلو من مقاولة ودمدمة ولا بد له من أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك، وذلك حديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان ﴿ والمطلقات ﴾ أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء.
فإن قلت: كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ يقتضي العموم؟
قلت: بل اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك.
فإن قلت: فما معنى الإخبار عنهن بالتربص؟
قلت: هو خبر في معنى الأمر.
وأصل الكلام: وليتربص المطلقات.
وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص.
فهو يخبر عنه موجوداً.
ونحوه قولهم في الدعاء: رحمك الله، أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة، كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها، وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد.
ولو قيل: ويتربص المطلقات، لم يكن بتلك الوكادة.
فإن قلت: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء، كما قيل ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ وما معنى ذكر الأنفس؟
قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص.
والقروء: جمع قرء أو قرء، وهو الحيض، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «دعي الصلاة أيام أقرائك» وقوله: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» ولم يقل طهران.
وقوله تعالى ﴿ واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ ﴾ [الطلاق: 4] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار.
ولأن الغرض الأصيل في العدة استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر، ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة.
ويقال أقرأت المرأة، إذا حاضت.
وامرأة مقرئ.
وقال أبو عمرو بن العلاء: دفع فلان جاريته إلى فلانة تقرئها، أي تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء.
فإن قلت: فما تقول: في قوله تعالى: ﴿ فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق: 1] والطلاق الشرعي، إنما هو في الطهر؟
قلت: معناه مستقبلات لعدتهن، كما تقول: لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبلاً لثلاث، وعدتهنّ الحيض الثلاث.
فإن قلت: فما تقول في قول الأعشى: لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكا قلت: أراد: لما ضاع فيها من عدّة نسائك، لشهرة القروء عندهم في الاعتداد بهن، أي من مدّة طويلة كالمدة التي تعتد فيها النساء، استطال مدة غيبته عن أهله كل عام لاقتحامه في الحروب والغارات.
وأنه تمرّ على نسائه مدة كمدة العدة ضائعة لا يضاجعن فيها، أو أراد من أوقات نسائك، فإنّ القرء والقارئ جاء في معنى الوقت، ولم يرد لا حيضاً ولا طهراً.
فإن قلت: فعلام انتصب ﴿ ثلاثة قُرُوء ﴾ ؟
قلت: على أنه مفعول به كقولك: المحتكر يتربص الغلاء، أي يتربصن مضيّ ثلاثة قروء، أو على أنه ظرف، أي: يتربصن مدة ثلاثة قروء فإن قلت: لم جاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء؟
قلت: يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ وما هي إلا نفوس كثيرة، ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء، فأوثر عليه تنزيلاً لقليل الاستعمال منزلة المهمل، فيكون مثل قولهم: ثلاثة شسوع.
وقرأ الزهري: ﴿ ثلاثة قرو ﴾ ، بغير همزة ﴿ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ من الولد أو من دم الحيض.
وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع، ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض: قد طهرت، استعجالاً للطلاق.
ويجوز أن يراد اللاتي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه ﴿ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الاخر ﴾ تعظيم لفعلهن، وأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم.
والبعولة: جمع بعل، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة.
ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قولك: بعل حسن البعولة، يعني: وأهل بعولتهن ﴿ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ ﴾ برجعتهن.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ بردّتهن ﴾ ﴿ وَفِي ذلكم ﴾ في مدة ذلك التربص.
فإن قلت: كيف جُعلوا أحق بالرجعة، كأن للنساء حقاً فيها؟
قلت: المعنى أنّ الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها وكان هو أحق منها، إلا أن لها حقاً في الرجعة ﴿ إِنْ أَرَادُواْ ﴾ بالرجعة ﴿ إصلاحا ﴾ لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارّتهنّ ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ ﴾ ويجب لهنّ من الحق على الرجال مثل الذي يجب لهم عليهنّ ﴿ بالمعروف ﴾ بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهنّ ولا يكلفونهنّ ما ليس لهم ولا يعنف أحد الزوجين صاحبه.
والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب الواجب في كونه حسنة، لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال ﴿ دَرَجَةً ﴾ زيادة في الحق وفضيلة.
قيل: المرأة تنال من اللذة ما ينال الرجل، وله الفضيلة بقيامه عليها وإنفاقه في مصالحها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ ﴾ أيْ يَحْلِفُونَ عَلى أنْ لا يُجامِعُوهُنَّ.
والإيلاءُ: الحَلِفُ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى ولَكِنْ لَمّا ضَمِنَ هَذا القَسَمُ مَعْنى البُعْدِ عُدِّيَ بِمِن.
﴿ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ وما قَبْلَهُ خَبَرُهُ، أوْ فاعِلُ الظَّرْفِ عَلى خِلافِ سَبْقٍ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ والتَّوَقُّفُ أُضِيفَ إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ، أيْ لِلْمَوْلى حَقُّ التَّلَبُّثِ في هَذِهِ المُدَّةِ فَلا يُطالَبُ بِفَيْءٍ، ولا طَلاقٍ، ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ: لا إيلاءَ إلّا في أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ويُؤَيِّدُهُ ﴿ فَإنْ فاءُوا ﴾ رَجَعُوا في اليَمِينِ بِالحِنْثِ، ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِلْمَوْلى إثْمَ حِنْثِهِ إذا كَفَرَ، أوْ ما تَوَخّى بِالإيلاءِ مِن ضِرارِ المَرْأةِ ونَحْوِهِ بِالفَيْئَةِ الَّتِي هي كالتَّوْبَةِ.
﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾ وإنْ صَمَّمُوا قَصْدَهُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِطَلاقِهِمْ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِغَرَضِهِمْ فِيهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الإيلاءُ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَما فَوْقَها، وحُكْمُهُ أنَّ المَوْلى إنْ فاءَ في المُدَّةِ بِالوَطْءِ إنْ قَدَرَ، وبِالوَعْدِ إنْ عَجَزَ، صَحَّ الفَيْءُ ولَزِمَ الواطِئَ أنْ يُكَفِّرَ وإلّا بانَتْ بَعْدَها بِطَلْقَةٍ.
وعِنْدَنا يُطالَبُ بَعْدَ المُدَّةِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ فَإنْ أبى عَنْهُما طَلَّقَ عَلَيْهِ الحاكِمُ.
<div class="verse-tafsir"
{للذين يؤلون} يقسمون وهى
البقرة (٢٢٦ _ ٢٢٨)
قراءة ابن عباس رضى الله عنه ومن في {مِن نّسَائِهِمْ} يتعلق بالجار والمجرور أي للذين كما تقول لك متى نصرة ولك مني معونة أي للمؤلين من نسائهم {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} أي استقر للمؤلين ترقب أربعة أشهر لا بيؤلون لأن آلى بعدى بعلى يقال آلى فلان على امرأته وقول القائل آلى فلان من امرأته وهم توهمه من هذه الآية ولك أن تقول عدى بمن لما فى هذا القسم من معنى فكأنه قيل يبعدون من نسائهم مؤلين {فإن فاؤوا} في الأشهر لقراءة عبد الله فإن فاءوا فيهن أي رجعوا إلى الوطء عن الإصرار بتركه {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} حيث شرع الكفارة
﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ ﴾ الإيلاءُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - الحَلِفُ الَّذِي يَقْتَضِي النَّقِيصَةَ في الأمْرِ الَّذِي يَحْلِفُ فِيهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ أيْ: باطِلًا ﴿ ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ وصارَ في الشَّرْعِ عِبارَةً عَنِ الحَلِفِ المانِعِ عَنْ جِماعِ المَرْأةِ، فَـ يُؤْلُونَ أيْ: يَحْلِفُونَ، و مِن نِسائِهِمْ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ مِن إقامَةِ العَيْنِ مَقامَ الفِعْلِ المَقْصُودِ مِنهُ لِلْمُبالَغَةِ، وعُدِّيَ القَسَمُ عَلى المُجامَعَةِ بِـ مِن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى البُعْدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُبْعِدُونَ مِن نِسائِهِمْ مُولِينَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الفِعْلَ يَتَعَدّى بِـ (مِن) و(عَلى)، ونَقَلَ أبُو البَقاءِ عَنْ بَعْضِهِمْ مِن أهْلِ اللُّغَةِ تَعْدِيَتَهُ بِـ (مِن) وقِيلَ بِها بِمَعْنى (عَلى)، وقِيلَ: بِمَعْنى (فِي)، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وجُوِّزَ جَعْلُ الجارِّ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا؛ أيِ: اسْتَقَرَّ لَهم مِن نِسائِهِمْ ﴿ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ﴾ وقُرِئَ (ألْوًا مِن نِسائِهِمْ) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (لِلَّذِينِ يُقْسِمُونَ) وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ والتَّوَقُّفُ، وأُضِيفَ إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ، وإجْراءُ المَفْعُولِ فِيهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، والمَعْنى عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو مُبْتَدَأٌ ما قَبْلَهُ خَبَرُهُ أوْ فاعِلٌ لِلظَّرْفِ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ مِن جَوازِ عَمَلِهِ وإنْ لَمْ يُعْتَمَدْ، والجُمْلَةُ - عَلى التَّقْدِيرَيْنِ - بِمَنزِلَةِ الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ فَإنَّ (الإيلاءَ) لِكَوْنِ أحَدِ الأمْرَيْنِ لازِمًا لَهُ الكَفّارَةُ عَلى تَقْدِيرِ الحِنْثِ مِن غَيْرِ إثْمٍ، والطَّلاقُ عَلى تَقْدِيرِ البِرِّ مُخالِفٌ لِسائِرِ الأيْمانِ المَكْتُوبَةِ؛ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ فِيها (المُؤاخَذَةُ) بِهِما أوْ بِأحَدِهِما عِنْدَ الشّافِعِيِّ، (والمُؤاخَذَةُ) الأُخْرَوِيَّةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا الإيلاءَ، فَإنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ ما ذَكَرَ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلِها، وبَعْدَ أنْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى: (إنَّ لِلْمُوَلِينَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ) بَيَّنَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَإنْ فاءُوا ﴾ أيْ: رَجَعُوا في المُدَّةِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 226﴾ لِما حَدَثَ مِنهم مَنَ اليَمِينِ عَلى الظُّلْمِ وعَقْدِ القَلْبِ عَلى ذَلِكَ الحِنْثِ، أوْ بِسَبَبِ الفَيْئَةِ والكَفّارَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَإنْ فاءُوا فِيهِنَّ).
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، أي علة.
وأصل العرضة في اللغة: هو الاعتراض، فكأنه يعترض باليمين في كل وقت، فيكون كناية عن العلة.
وقيل: العرضة أن يحلف الرجل في كل شيء، فمُنِعوا من ذلك.
أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا، يعني لكي تبروا وتتقوا، لأنهم إذا أكثروا اليمين لم يبروا.
وبهذا أمر أهل الإيمان.
وقال الفراء: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً.
الحلف بالله متعرضاً، أي مانعاً لكم دون البر.
والمعترض بين الشيئين: المانع.
وقال القتبي: لا تجعلوا الله بالحلف مانعاً لكم أن تبروا وتتقوا، ولكن إذا حلفتم على أن لا تصلوا رحماً، ولا تتصدقوا، ولا تصلحوا، أو على شبه ذلك من أبواب البر، فكفِّروا اليمين.
وقال الكلبي: هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة الأنصاري.
حين حلف أن لا يدخل على ختنه بشير بن النعمان ولا يكلمه، فجعل يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحل لي أن لا أبر في يميني.
فنزل قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ.
يقول: علة لأيمانكم أَنْ تَبَرُّوا، يعني تصلوا قرابتكم، وتتقوا اليمين في المعصية، وترجعوا إلى ما هو خير لكم منها وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ، أي بين إخوانكم.
وروي عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: لا تحلفوا أن لا تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فمن حلف على شيء منه، فعلى الذي حلف عليه أن يفعل ويكفِّر عن يمينه.
وقال الزجاج: معنى الآية بأنهم كانوا يقبلون في البر بأنهم قد حلفوا، فأعلم الله تعالى أن الإثم إنما هو في الإقامة في ترك البر، واليمين إذا كفَّرت، فالذنب فيها مغفور.
ثم قال: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ أي بالإثم في الحلف إذا كفرتم، وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ بعزمكم على أن لا تبروا ولا تتقوا.
قال ابن عباس: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، وهو أن يحلف الرجل بالله في شيء يرى أنه فيه صادق، ويرى أنه كذلك، وليس كذلك، فيكذب فيها.
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ يعني هو أن يحلف على شيء ويعلم أنه فيها كاذب.
ويقال: لا يؤاخذكم الله باللغو في اليمين، إذا حلفتم وكفرتم، إذا كان الحنث خيراً ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، أي أثمتم بغير كفارة.
وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن حنث وكفر بيمينه.
حَلِيمٌ حيث رخص لكم في ذلك ولم يعاقبكم.
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ، يعني الذين يحلفون أن لا يجامعوا نساءهم، تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، يعني لهم أجل أربعة أشهر بعد اليمين، فَإِنْ فاؤُ، يعني إن رجعوا عن اليمين وجامعوا نساءهم من قبل أن تمضي أربعة أشهر بعد اليمين، وكفَّروا عن أيمانهم ولا تبين المرأة عن الزوج فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
<div class="verse-tafsir"
وبعقوبة الدنيا في إِلزام الكفَّارة، فيضعَّف القول بأنها اليمين المكفَّرة لأن المؤاخذة قد وَقَعَتْ فيها، وتخصيصُ المؤاخذة بأنها في الآخرة فقَطْ تحكُّم.
ت: والقولُ الأوَّل أرجح، وعليه عَوَّل اللَّخْميُّ وغيره.
وقوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ.
قال ابن عبَّاس وغيره: ما كسب القلْبُ هي اليمينُ الكاذبة الغموسُ «١» ، فهذه فيها المؤاخذة في الآخرةِ، أي: ولا تكفّر.
ع «٢» : وسمِّيت الغَمُوسَ لأنها غَمَسَتْ صاحِبَها في الإثم، وغَفُورٌ حَلِيمٌ:
صفتان لائقتان بما ذكر من طَرْح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة.
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)
وقوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ...
الآية: يُؤْلُونَ: معناه يَحْلِفُون، والإِيلاءُ: اليمين.
واختلف مَنِ المرادُ بلزومِ حكمِ الإِيلاء «٣» .
فقال مالكٌ: هو الرجل يغاضب امرأته،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا طَلَبَ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأتِهِ شَيْئًا، فَأبَتْ أنْ تُعْطِيَهُ؛ حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها السَّنَةَ، والسَّنَتَيْنِ، والثَّلاثَ، فَيَدَعُها لا أيِّمًا، ولا ذاتَ بَعْلٍ، فَلَمّا كانَ الإسْلامُ، جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ أرْبَعَةَ أشْهَرٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآَيَةَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَ الإيلاءُ ضِرارَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وكانَ الرَّجُلُ لا يُرِيدُ المَرْأةَ، ولا يُحِبُّ أنْ يَتَزَوَّجَها غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ أنْ لا يُقْرَبَها أبَدًا، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى الأجَلَ الَّذِي يَعْلَمُ بِهِ ما عِنْدَ الرَّجُلِ في المَرْأةِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُؤْلُونَ، أيْ: يَحْلِفُونَ.
يُقالُ: آَلَيْتُ مِنِ امْرَأتِي، أُولِي إيلاءً: إذا حَلَفَ لا يُجامِعُها.
والِاسْمُ: الألْيَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ مِنَ الإيلاءِ: آَلَيْتُ أُولِي إيلاءً وألِيَّةً وأُلْوَةً وألْوَةً وإلْوَةً، وهي بِالكَسْرِ أقَلُّ اللُّغاتِ، قالَ كَثِيرٌ: قِيلَ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ وإنْ بَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ وَحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ قالَ: "مَن" بِمَعْنى: "فِي" أوْ: "عَلى" والتَّقْدِيرُ: يَحْلِفُونَ عَلى وطْءِ نِسائِهِمْ، فَحَذَفَ الوَطْءَ، وأقامَ النِّساءَ مَقامَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ .
أيْ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: يُؤْلُونَ، يَعْتَزِلُونَ مِن نِسائِهِمْ.
والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ.
ولا يَكُونُ مُؤْلِيًا إلّا إذا حَلَفَ بِاللَّهِ أنْ لا يُصِيبَ زَوْجَتَهُ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإنَّ حَلَفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَما دُونُ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا.
وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، وأحْمَدَ، والشّافِعِيِّ.
وفاؤُوا: رَجَعُوا، ومَعْناهُ: رَجَعُوا إلى الجِماعِ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ.
وإذا كانَ لِلْمُؤْلِي عُذْرٌ لا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلى الجِماعِ، فَإنَّهُ يَقُولُ: مَتى قَدَرْتَ جامَعْتَها، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ فَيْئَةً؛ فَمَتى قَدِرَ فَلَمْ يَفْعَلْ، أُمِرَ بِالطَّلاقِ، فَإنْ لَمْ يُطَلِّقْ، طَلَّقَ الحاكِمُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قالَ عَلَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: غَفُورٌ لِإثْمِ اليَمِينِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمُ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَلاقَ فَإنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ "اللَغْوِ": سَقَطَ الكَلامُ الَّذِي لا حُكْمَ لَهُ، ويُسْتَعْمَلُ في الهَجْرِ والرَفَثِ وما لا حُكْمَ لَهُ مِنَ الأيْمانِ تَشْبِيهًا بِالسَقْطِ مِنَ القَوْلِ، يُقالُ مِنهُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا، ولَغِيَ يَلْغِي لَغْيًا، ولُغَةُ القُرْآنِ بِالواوِ.
والمُؤاخَذَةُ: هي التَناوُلُ بِالعُقُوبَةِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في اليَمِينِ الَّتِي هي لَغْوٌ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وعامِرُ الشَعْبِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ: لَغْوُ اليَمِينِ: قَوْلُ الرَجُلِ في دُرْجِ كَلامِهِ واسْتِعْجالُهُ في المُحاوَرَةِ: لا واللهِ، وبَلى واللهِ دُونَ قَصْدٍ لِلْيَمِينِ.
ورُوِيَ «أنَّ قَوْمًا تَراجَعُوا القَوْلَ بَيْنَهم وهم يَرْمُونَ بِحَضْرَةِ النَبِيَّ ، فَحَلَفَ أحَدُهم لَقَدْ أصَبْتُ وأخْطَأْتَ يا فُلانُ، فَإذا الأمْرُ بِخِلافِهِ، فَقالَ رَجُلٌ: حَنِثَ يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ النَبِيُّ : أيْمانُ الرُماةِ لَغْوٌ، لا إثْمَ فِيها ولا كَفّارَةَ».
وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لَغْوُ اليَمِينِ ما حَلَفَ بِهِ الرَجُلُ عَلى يَقِينِهِ، فَكَشْفُ الغَيْبِ خِلافُ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اليَقِينُ هو غَلَبَةُ ظَنٍّ، أطْلَقَ الفُقَهاءُ عَلَيْهِ لِفْظَةَ اليَقِينِ تَجُوُّزًا.
قالَ مالِكٌ: مِثْلُهُ أنْ يَرى الرَجُلَ عَلى بُعْدٍ فَيَعْتَقِدُ أنَّهُ فُلانٌ، لا يَشُكُّ، فَيَحْلِفُ ثُمَّ يَجِيءُ غَيْرُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعَبْدُ اللهِ وعُرْوَةُ ابْنا الزُبَيْرِ: لَغْوُ اليَمِينِ: الحَلِفُ في المَعاصِي كالَّذِي يَحْلِفُ لَيَشْرَبَنَّ الخَمْرَ، أو لَيَقْطَعَنَّ الرَحِمَ، فَبَرَّهُ تَرْكُ ذَلِكَ الفِعْلِ، ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِثْلُهُ، إلّا أنَّهُ قالَ: يَكْفُرُ، فَأشْبَهَ قَوْلُهُ بِالكَفّارَةِ قَوْلَ مَن لا يَراها لَغْوًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وطاوُوسٌ: لَغْوُ اليَمِينِ: الحِلْفُ في حالِ الغَضَبِ.
ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «لا يَمِينَ في غَضَبٍ».
وقالَ مَكْحُولُ الدِمَشْقِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لَغْوُ اليَمِينِ: أنْ يُحَرِّمَ الرَجُلُ عَلى نَفْسِهِ ما أحَلَّ اللهُ، فَيَقُولُ: مالِي عَلَيَّ حَرامٌ إنْ فَعَلْتُ كَذا، أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ.
وقالَ بِهَذا القَوْلِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، إلّا في الزَوْجَةِ، فَإنَّهُ ألْزَمَ فِيها التَحْرِيمَ إلّا أنْ يُخْرِجَها الحالِفُ بِقَلْبِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ: لَغْوُ اليَمِينِ: دُعاءُ الرَجُلِ عَلى نَفْسِهِ: أعْمى اللهِ بَصَرَهُ، أذْهَبُ اللهُ مالَهُ، هو يَهُودِيٌّ، هو مُشْرِكٌ، هو لُغَيَّةٌ إنْ فَعْلَ كَذا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: لَغْوُ اليَمِينِ: هو المُكَفِّرَةُ، أيْ إذا كَفَّرْتَ اليَمِينَ فَحِينَئِذٍ سَقَطَتْ وصارَتْ لَغْوًا، ولا يُؤاخِذُ اللهُ بِتَكْفِيرِها والرُجُوعِ إلى الَّذِي هو خَيْرٌ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: لَغْوُ اليَمِينِ: ما حَنِثَ فِيهِ الرَجُلُ ناسِيًا.
وحَكى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ قَوْلًا: إنَّ اللَغْوَ أيْمانُ المُكْرَهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وطَرِيقَةُ النَظَرِ أنْ تَتَأمَّلَ لَفْظَةَ اللَغْوِ ولَفْظَةَ الكَسْبِ، ويَحْكُمَ مَوْقِعَهُما في اللُغَةِ، فَكَسْبُ المَرْءِ ما قَصَدَهُ ونَواهُ، واللَغْوُ ما لَمْ يَتَعَمَّدْهُ أو ما حَقُّهُ لِهَجَنَتِهِ أنْ يَسْقُطَ، فَيَقْوى عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ بَعْضُ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ ويَضْعُفُ بَعْضُها.
وقَدْ رَفَعَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ المُؤاخَذَةَ بِالإطْلاقِ في اللَغْوِ، فَحَقِيقَتُهُ ما لا إثْمَ فِيهِ ولا كَفّارَةَ.
والمُؤاخَذَةُ في الأيْمانِ هي بِعُقُوبَةِ الآخِرَةِ في الغَمُوسِ المَصْبُورَةِ -وَفِيما تَرَكَ تَكْفِيرُهُ مِمّا فِيهِ كَفّارَةٌ- وبِعُقُوبَةِ الدُنْيا في إلْزامِ الكَفّارَةِ فَيَضْعُفُ القَوْلُ بِأنَّها اليَمِينُ المُكَفِّرَةُ لِأنَّ المُؤاخَذَةَ قَدْ وقَعَتْ فِيها وتَخْصِيصُ المُؤاخَذَةِ بِأنَّها في الآخِرَةِ فَقَطْ تَحْكُمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَخْعِيُّ وَغَيْرُهُما: ما كَسَبَ القَلْبُ: هي اليَمِينُ الكاذِبَةُ الغَمُوسُ، فَهَذِهِ فِيها المُؤاخَذَةُ في الآخِرَةِ، والكَفّارَةُ إنَّما هي فِيما يَكُونُ لَغْوًا إذا كَفَرَ.
وقالَ مالِكٌ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الغَمُوسُ لا تَكْفُرُ، هي أعْظَمُ ذَنْبًا مِن ذَلِكَ.
وقالَ الشافِعِيُّ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، والرَبِيعُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ تُكَفَّرُ، والكَفّارَةُ مُؤاخَذَةٌ، والغَمُوسُ: ما قَصَدَ الرَجُلُ في الحَلِفِ بِهِ الكَذِبَ، وكَذَلِكَ اليَمِينُ المَصْبُورَةُ، المَعْنى فِيهِما واحِدٌ، ولَكِنَّ الغَمُوسَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها غَمَسَتْ صاحِبَها في الإثْمِ، والمَصْبُورَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها صَبْرُها مُغالَبَةٌ وقُوَّةٌ عَلَيْها، كَما يَصْبِرُ الحَيَوانُ لِلْقَتْلِ والرَمْيِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ هو في الرَجُلِ يَقُولُ: هو مُشْرِكٌ إنْ فَعَلَ، أيْ هَذا لَغْوٌ إلّا أنْ يَعْقِدَ الإشْراكُ بِقَلْبِهِ ويَكْسِبُهُ.
و ﴿ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِما ذَكَرَ مِن طَرْحِ المُؤاخَذَةِ، إذْ هو بابُ رِفْقٍ وتَوْسِعَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ ﴾ الآيَةُ.
قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "لِلَّذِينِ يُقْسِمُونَ"، و"يُؤْلُونَ": مَعْناهُ: يَحْلِفُونَ، يُقالُ: آلى الرَجُلُ يُولِي إيلاءً، والألْيَةُ اليَمِينُ، ويُقالُ فِيها أيْضًا: ألْوَةٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وبِضَمِّها وبِكَسْرِها.
والتَرَبُّصُ: التَأنِّي والتَأخُّرُ، وكانَ مِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَحْلِفَ الرَجُلُ ألّا يَطَأ امْرَأتَهُ، يَقْصِدُ بِذَلِكَ الأذى عِنْدَ المُشارَّةِ ونَحْوِها، فَجَعَلَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ هَذا الحَدَّ لِئَلّا يَضُرُّ الرِجالُ بِالنِساءِ، وبَقِيَ لِلْحالِفِ عَلى هَذا المَعْنى فُسْحَةٌ فِيما دُونَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ.
واخْتُلِفَ، مَنِ المُرادُ أنْ يَلْزَمَهُ حُكْمُ الإيلاءِ؟
فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: هو الرَجُلُ يُغاضِبُ امْرَأتَهُ فَيَحْلِفُ بِيَمِينٍ -يَلْحَقُ عَنِ الحِنْثِ فِيها حُكْمٌ- ألّا يَطَأها -ضَرَرًا مِنهُ- أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ إصْلاحَ ولَدٍ رَضِيعٍ ونَحْوِهِ.
وقالَ بِهِ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هو الرَجُلُ يَحْلِفُ ألّا يَطَأ امْرَأتَهُ عَلى وجْهِ مُغاضَبَةٍ ومُشارَّةٍ، وسَواءٌ كانَ في ضِمْنِ ذَلِكَ إصْلاحُ ولَدٍ أو لَمَ يَكُنْ.
فَإنْ لَمْ يَكُنْ عن غَضَبٍ فَلَيْسَ بِإيلاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا إيلاءَ إلّا بِغَضَبٍ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَواءٌ كانَتِ اليَمِينُ في غَضَبٍ أو غَيْرِ غَضَبٍ هو إيلاءٌ.
وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والثَوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأهْلُ العِراقِ.
إلّا أنَّ مالِكًا قالَ: ما لَمْ يُرِدْ إصْلاحَ ولَدٍ.
وقالَ الشَعْبِيُّ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ المُسَيِّبِ: كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَها الرَجُلُ، ألّا يَطَأ امْرَأتَهُ، أو ألّا يُكَلِّمَها، أو أنْ يُضارَّها، أو أنْ يُغاضِبَها، فَذَلِكَ كُلُّهُ إيلاءٌ.
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ مِنهُمْ- إلّا أنَّهُ إنْ حَلَفَ ألّا يُكَلِّمَ وكانَ يَطَأُ فَلَيْسَ بِإيلاءٍ، وإنَّما تَكُونُ اليَمِينُ عَلى غَيْرِ الوَطْءِ إيلاءً إذا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ الِامْتِناعِ مِنَ الوَطْءِ.
وأقْوالٌ مِن ذَكَرْناهُ -مَعَ سَعِيدٍ - مُسَجَّلَةٌ مُحْتَمَلَةٌ ما قالَ سَعِيدٌ، ومُحْتَمَلَةٌ أنَّ فَسادَ العِشْرَةِ إيلاءٌ، وذَهَبَ إلى هَذا الِاحْتِمالِ الأخِيرِ الطَبَرِيُّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لا يُسَمّى مُوَلِيًا إلّا الَّذِي يَحْلِفُ ألّا يَطَأ أبَدًا، حَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ.
وقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو ثَوْرٍ: لا يَكُونُ مُولِيًا إلّا إنْ زادَ عَلى الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ.
وقالَ عَطاءٌ، والثَوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَأْيِ: الإيلاءُ أنْ يَحْلِفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَصاعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ، والنَخْعِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وإسْحاقُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: مَن حَلَفَ عَلى قَلِيلٍ مِنَ الوَقْتِ أو كَثِيرٍ فَتَرَكَها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَهو مُوَلٍّ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نِسائِهِمْ ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الحَرائِرُ والإماءُ إذا تَزَوَّجْنَ.
والعَبْدُ يَلْزَمُهُ الإيلاءُ مِن زَوْجَتِهِ.
وقالَ الشافِعِيُّ، وأحْمَدُ وأبُو ثَوْرٍ: أجْلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وقالَ مالِكٌ، والزُهْرِيُّ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وإسْحاقُ: أجَلُهُ شَهْرانِ.
وقالَ الحَسَنُ: أجَلُهُ مِن حُرَّةٍ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، ومِن أمَةٍ زَوْجَةٍ شَهْرانِ، وقالَهُ النَخْعِيُّ.
وقالَ الشَعْبِيُّ: الإيلاءُ مِنَ الأُمَّةِ نِصْفُ الإيلاءِ مِنَ الحُرَّةِ.
وقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَأْيِ، والأوزاعِيُّ، والنَخْعِيُّ، وغَيْرُهُمْ: المَدْخُولُ بِها وغَيْرُ المَدْخُولِ بِها سَواءٌ في لُزُومِ الإيلاءِ فِيهِما.
وقالَ الزُهْرِيُّ، وعَطاءٌ، والثَوْرِيُّ: لا إيلاءَ إلّا بَعْدَ الدُخُولِ.
وقالَ مالِكٌ: ولا إيلاءَ مِن صَغِيرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ، فَإنْ آلى مِنها فَبَلَغَتْ لَزِمَهُ الإيلاءُ مِن يَوْمِ بُلُوغِها.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٌ، وطاوُوسٌ، ومالكٌ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ: إذا انْقَضَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ وقَفَ، فَإمّا فاءَ وإمّا طَلَّقَ، وإلّا طَلَّقَ عَلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ: بِانْقِضاءِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَلاقُ دُونَ تَوْقِيفٍ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الطَلاقِ الداخِلِ عَلى المُولِي؛ فَقالَ عُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، والنَخْعِيُّ، والأوزاعِيُّ، وغَيْرُهُمْ: هي طَلْقَةٌ بائِنَةٌ لا رَجْعَةَ لَهُ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، ومَكْحُولٌ، والزُهْرِيُّ، ومالِكٌ: هي رَجْعِيَّةٌ.
و"فاءُوا" مَعْناهُ: رَجَعُوا، ومِنهُ: ﴿ حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ ﴾ "والفَيْءُ": الظِلُّ الراجِعُ عَشِيًّا.
وَقالَ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ.
إذا فاءَ المُولِي ووَطِئَ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ في يَمِينِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ ما حَلَفَ في مَعْصِيَةٍ، وتَرْكُ وطْءِ الزَوْجَةِ مَعْصِيَةٌ.
وقالَ الجُمْهُورُ: إذا فاءَ كَفَرَ، والفَيْءُ عِنْدَ ابْنِ المُسَيِّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ إلّا بِالجِماعِ.
وإنْ كانَ مَسْجُونًا أو في سَفَرٍ مَضى عَلَيْهِ حُكْمُ الإيلاءِ إلّا أنْ يَطَأ، ولا عُذْرَ لَهُ ولا فَيْءَ بِقَوْلٍ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لا يَكُونُ الفَيْءُ إلّا بِالوَطْءِ أو بِالتَكْفِيرِ في حالِ العُذْرِ كالغائِبِ والمَسْجُونِ.
قالَ ابْنُ القاسِمِ في المُدَوَّنَةِ: إلّا أنْ تَكُونَ يَمِينُهُ مِمّا لا يُكَفِّرُها لِأنَّها لا تَقَعُ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ الحِنْثِ، فَإنَّ القَوْلَ يَكْفِيهِ ما دامَ مَعْذُورًا.
واخْتَلَفَ القَوْلُ في المُدَوَّنَةِ في اليَمِينِ بِاللهِ تَعالى؛ هَلْ يُكْتَفى فِيهِ بِالفَيْءِ بِالقَوْلِ والعَزْمِ عَلى التَكْفِيرِ أمْ لا بُدَّ مِنَ التَكْفِيرِ، وإلّا فَلا فَيْءَ؟
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والنَخْعِيُّ وغَيْرُهُمْ: الفَيْءُ مِن غَيْرِ المَعْذُورِ الجِماعُ، ولا بُدَّ ومِنَ المَعْذُورِ أنْ يَشْهَدَ أنَّهُ قَدْ فاءَ بِقَلْبِهِ.
وقالَ النَخْعِيُّ أيْضًا: يَصِحُّ الفَيْءُ بِالقَوْلِ والإشْهادِ فَقَطْ، ويَسْقُطُ حُكْمُ الإيلاءِ، أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَنْتَشِرْ لِلْوَطْءِ؟
وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَرْجِعُ في هَذا القَوْلِ إنْ لَمْ يَطَأْ إلى بابِ الضَرَرِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَإنَّ فاؤُوا فِيهِنَّ".
ورُوِيَ عنهُ: "فَإنَّ فاؤُوا فِيها".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَلاقَ ﴾ الآيَةُ.
قالَ القائِلُونَ: إنَّ بِمُضِيِّ الأرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَدْخُلُ الطَلاقُ، عَزِيمَةُ الطَلاقِ هي تَرْكُ الفَيْءِ، حَتّى تَنْصَرِمَ الأشْهُرُ.
وقالَ القائِلُونَ: لا بُدَّ مِنَ التَوْقِيفِ بَعْدَ تَمامِ الأشْهُرِ، والعَزِيمَةُ: هي التَطْلِيقُ أوِ الإبانَةُ وقْتَ التَوْقِيفِ حَتّى يُطَلِّقَ الحاكِمُ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِالتَوْقِيفِ بِقَوْلِهِ: "سَمِيعٌ"، لِأنَّ هَذا الإدْراكَ إنَّما هو في المَقُولاتِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَإنْ عَزَمُوا السَراحَ".
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي للانتقال إلى تشريع في عمل كان يغلب على الرجال أن يعملوه في الجاهلية، والإسلام.
كان من أشهر الأيمان الحائلة بين البر والتقوى والإصلاح، أيمان الرجال على مهاجرة نسائهم، فإنها تجمع الثلاثة؛ لأن حسن المعاشرة من البر بين المتعاشرين، وقد أمر الله به في قوله: ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ [النساء: 19] فامتثاله من التقوى، ولأن دوامه من دوام الإصلاح، ويحدث بفقده الشقاق، وهو مناف للتقوى.
وقد كان الرجل في الجاهلية يولي من امرأته السنة والسنتين، ولا تنحل يمينه إلاّ بعد مضي تلك المدة، ولا كلام للمرأة في ذلك.
وعن سعيد بن المسيب: «كان الرجل في الجاهلية لا يريد المرأة، ولا يحب أن يطلقها، لئلا يتزوجها غيره، فكان يحلف ألاّ يقربها مضارة للمرأة» أي ويقسم على ذلك لكيلا يعود إليها إذا حصل له شيء من الندم.
قال: «ثم كان أهل الإسلام يفعلون ذلك، فأزال الله ذلك، وأمهل للزوج مدة حتى يتروى» فكان هذا الحكم من أهم المقاصد في أحكام الأيمان، التي مهد لها بقوله: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة ﴾ [البقرة: 224].
والإيلاء: الحلف، وظاهر كلام أهل اللغة أنه الحلف مطلقاً يقال آلى يولي إيلاء، وتألى يتألى تألياً، وائتلى يأتلي ائتلاء، والاسم الألوَّة والألية، كلاهما بالتشديد، وهو واوي فالألوة فعولة والألية فعيلة.
وقال الراغب: «الإيلاء حلف يقتضي التقصير في المحلوف عليه مشتق من الألو وهو التقصير قال تعالى: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ [آل عمران: 118] ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ﴾ [النور: 22] وصار في الشرع الحلف المخصوص» فيؤخذ من كلام الراغب أن الإيلاء حلف على الامتناع والترك؛ لأن التقصير لا يتحقق بغير معنى الترك؛ وهو الذي يشهد به أصل الاشتقاق من الألو، وتشهد به موارد الاستعمال، لأنا نجدهم لا يذكرون حرف النفي بعد فعل آلى ونحوه كثيراً، ويذكرونه كثيراً، قال المتلمس: آلَيْتُ حبَّ العِرَاققِ الدَّهْرَ أَطْعَمُه *** وقال تعالى: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ﴾ [النور: 22] أي على أن يؤتوا وقال تعالى هنا: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ فَعدَّاه بمِنْ، ولا حاجة إلى دعوى الحذف والتضمين.
وأيَّاً مَّا كان فالإيلاء بعد نزول هذه الآية، صار حقيقة شرعية في هذا الحَلِف على الوصف المخصوص.
ومجيء اللام في ﴿ للذين يؤلون ﴾ لبيان أن التربص جعل توسعة عليهم، فاللام للأَجْل مثل هَذا لَكَ ويعلم منه معنى التخيير فيه، أي ليس التربص بواجب، فللمولى أَن يفئ في أقل من الأشهر الأربعة.
وعدى فعل الإيلاء بمِن، مع أن حقه أن يعدَّى بعلى؛ لأنه ضمن هنا معنى البُعد، فعدي بالحرف المناسب لفعل البُعد، كأنه قال: للذين يؤلون متباعدين من نسائهم، فمِنْ للابتداء المجازي.
والنساء: الزوجات كما تقدم في قوله: ﴿ فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ [البقرة: 222] وتعليق الإيلاء باسم النساء من باب إضافة التحليل والتحريم ونحوهما إلى الأعيان، مثل ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ [النساء: 23] وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ [البقرة: 173].
والتربص: انتظار حصول شيء لغير المنتظِر، وسيأتي الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228]، وإضافة تربص إلى أربعة أشهر إضافة على معنى «في» كقوله تعالى: ﴿ بل مكر الليل ﴾ [سبأ: 33].
وتقديم ﴿ للذين يؤلون ﴾ على المبتدأ المسند إليه، وهو تربص، للاهتمام بهذه التوسعة التي وسع الله على الأزواج، وتشويق لذِكْر المسند إليه.
و ﴿ فاءوا ﴾ رجعوا أي رجعوا إلى قربان النساء، وحذف متعلق ﴿ فاءوا ﴾ بالظهور المقصود.
والفَيْئة تكون بالتكفير عن اليمين المذكورة في سورة العقود.
وقوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ دليل الجواب، أي فحنثهم في يمين الإيلاء مغفور لهم؛ لأن الله غفور رحيم.
وفيه إيذان بأن الإيلاء حرام، لأن شأن إيلائهم الوارد فيه القرآن، قصدُ الإضرار بالمرأة.
وقد يكون الإيلاء مباحاً إذا لم يقصد به الإضرار ولم تطل مدته كالذي يكون لقصد التأديب، أو لقصد آخر معتبر شرعاً، غير قصد الإضرار المذموم شرعاً.
وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شَهْراً، قيل: لمرض كان برجله، وقيل: لأجل تأديبهن؛ لأنهن قد لقين من سعة حلمه ورفقه ما حدا ببعضهن إلى الإفراط في الإدلال، وحمَل البقية على الاقتداء بالأخريات، أو على استحسان ذلك.
والله ورسوله أعلم ببواطن الأمور.
وأما جواز الإيلاء للمصلحة كالخوف على الولد من الغَيْل، وكالحُمْية من بعض الأمراض في الرجل والمَرأة، فإباحته حاصلة من أدلة المصلحة ونفي المضرة، وإنما يحصل ذلك بالحلف عند بعض الناس، لما فيهم من ضعف العزم واتهام أنفسهم بالفلتة في الأمرِ، إن لم يقيدوها بالحلف.
وعَزم الطلاق: التصميم عليه، واستقرار الرأي فيه بعد التأمل وهو شيء لا يحصل لكل مُوللٍ من تلقاء نفسه، وخاصة إذا كان غالب القصد من الإيلاء المغاضبة والمضارة، فقوله: ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ دليل على شرط محذوف، دل عليه قوله: ﴿ فإن فاءو ﴾ فالتقدير: وإن لم يفيئوا فقد وجب عليهم الطلاق، فهم بخير النظرين بين أن يفيئوا أو يطلقوا فإن عزموا الطلاق فقد وقع طلاقهم.
وقوله ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ دليل الجواب، أي فقد لزمهم وأمضى طلاقهم، فقد حد الله للرجال في الإيلاء أجلاً محدوداً، لا يتجاوزونه، فإما أن يعودوا إلى مضاجعة أزواجهم، وإما أن يطلقوا، ولا نمدوحة لهم غير هذين.
وقد جعل الله للمولي أجلاً وغاية، أما الأجل فاتفق عليه علماء الإسلام، واختلفوا في الحالف على أقل من أربعة أشهر، فالأئمة الأربعة على أنه ليس بإيلاء، وبعض العلماء: كإسحاق بن راهويه وحماد يقول: هو إيلاء، ولا ثمرة لهذا الخلاف فيما يظهر، إلاّ ما يترتب على الحلف بقصد الضرِّ من تأديب القاضي إياه إذا رفعت زوجه أمرها إلى القاضي ومِن أمرِه إياه بالفَيْئَة.
وأما الغاية فاختلفوا أيضاً في الحاصل بعد مضي الأجل، فقال مالك والشافعي: إن رفعته امرأته بعد ذلك يوقف لدى الحاكم، فإما أن يفئ أو يطلق بنفسه، أو يطلق الحاكم عليه، وروي ذلك عن اثنى عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة: إن مضت المدة ولم يفيءْ فقد بانت منه، واتفق الجميع على أن غير القادر يكفي أن يفيء بالعزم، والنية، وبالتصريح لدى الحاكم، كالمريض والمسجون والمسافر.
واحتج المالكية بأن الله تعالى قال: ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ فدل على أن هنالك مسموعاً؛ لأن وصف الله بالسميع معناه العليم بالمسموعات، على قول المحققين من المتكلمين، لا سيما وقد قرن بعليم، فلم يبق مجال لاحتمال قول القائلين من المتكلمين بأن السميع مرادف للعليم وليس المسموع إلاّ لفظ المولي، أو لفظ الحاكم، دون البينونة الاعتبارية.
وقوله ﴿ عليم ﴾ يرجع للنية والقصد.
وقال الحنفية ﴿ سميع ﴾ لإيلائه، الذي صار طلاقاً بمضي أجله، كأنهم يريدون أن صيغة الإيلاء جعلها الشرع سبب طلاق، بشرط مضي الأمد ﴿ عليم ﴾ بنية العازم على ترك الفَيئة.
وقول المالكية أصح؛ لأن قوله: ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ جُعل مفرعاً عن عزم الطلاق لا عن أصل الإيلاء؛ ولأن تحديد الآجال وتنهيتها موكول للحكام.
وقد خفي على الناس وجه التأجيل بأربعة أشهر، وهو أجل حدده الله تعالى، ولم نطلع على حكمته، وتلك المدة ثلث العام، فلعلها ترجع إلى أن مثلها يعتبر زمناً طويلاً، فإن الثلث اعتبر معظم الشيء المقسوم، مثل ثلث المال في الوصية، وأشار به النبي عليه الصلاة والسلام على عبد الله بن عمرو بن العاص في صوم الدهر.
وحاول بعض العلماء توجيهه بما وقع في قصة مأثورة عن عمر بن الخطاب، وعزا ابن كثير في «تفسيره» روايتها لمالك في «الموطأ» عن عبد الله بن دينار.
ولا يوجد هذا في الروايات الموجودة لدينا: وهي رواية يحيى بن يحيى الليثي، ولا رواية ابن القاسم والقعنبي وسويد بن سعيد ومحمد بن الحسن الشيباني، ولا رواية يحيى بن يحيى بن بكير التميمي التي يرويها المهدي بن تومرت، فهذه الروايات التي لدينا فلعلها مذكورة في رواية أخرى لم نقف عليها.
وقد ذكر هذه القصة أبو الوليد الباجي في شرحه على الموطأ المسمى «بالمنتقى»، ولم يعزها إلى شيء من روايات «الموطأ»: أن عمر خرج ليلة يطوف بالمدينة يتعرف أحوال الناس فمر بدار سمع امرأة بها تنشد: أَلاَ طَالَ هذا الليلُ واسَود جانبه *** وأَرَّقني أَن لا خليلَ أُلاَعِبُه فلولا حذار الله لا شيء غيره *** لَزعزعَ من هذا السرير جوانبه فاستدعاها من الغد فأخبرته أن زوجها أرسل في بعث العراق، فاستدعى عمر نساء فسألهن عن المدة التي تستطيع المرأة فيها الصبر على زوجها قلن شهران ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد في أربعة أشهر وقيل إنه سأل ابنته حفصة فأمر عمر قواد الأجناد ألا يمسكوا الرجل في الغزو أكثر من أربعة أشهر، فإذا مضت استردَّ الغازين ووجه قوماً آخرين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُؤْلُونَ ﴾ أيْ يُقْسِمُونَ، والألْيَةُ: اليَمِينُ، قالَ الشّاعِرُ: كُفِينا مِن تَعَنُّتٍ مِن نِزارٍ وأحْلَلْنا إلَيْهِ مُقْسِمِينا وَفِي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِينِ يُؤْلُونَ أنْ يَعْتَزِلُوا مِن نِسائِهِمْ لَكِنَّهُ إنَّما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ.
واخْتَلَفُوا في اليَمِينِ الَّتِي يَصِيرُ بِها مُولِيًا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي اليَمِينُ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
والثّانِي: هي كُلُّ عَيْنٍ لَزِمَ الحَلِفُ في الحِنْثِ بِها ما لَمْ يَكُنْ لازِمًا لَهُ وكِلا القَوْلَيْنِ عَنِ الشّافِعِيِّ.
واخْتَلَفُوا في الَّذِي إذا حَلَفَ عَلَيْهِ صارَ مُولِيًا عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى امْرَأتِهِ في حالِ الغَضَبِ عَلى وجْهِ الإضْرارِ بِها، أنْ لا يُجامِعَها في فَرْجِها، وأمّا إنْ حَلَفَ عَلى غَيْرِ وجْهِ الإضْرارِ، وعَلى غَيْرِ الغَضَبِ فَلَيْسَ بِمُولٍ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ.
والثّانِي: هو أنْ يَحْلِفَ أنْ لا يُجامِعَها في فَرْجِها، سَواءٌ كانَ في غَضَبٍ أوْ غَيْرِ غَضَبٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، والشّافِعِيِّ.
والثّالِثُ: هو كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ بِها في مَساءَةِ امْرَأتِهِ عَلى جِماعٍ أوْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: واللَّهِ لَأسُوءَنَّكِ أوْ لَأغِيظَنَّكِ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ فاءُوا ﴾ يَعْنِي رَجَعُوا، والفَيْءُ والرُّجُوعُ مِن حالٍ إلى حالٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ تَرْجِعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَفاءَتْ ولَمْ تَقْضِ الَّذِي أقْبَلَتْ لَهُ ∗∗∗ ومِن حاجَةِ الإنْسانِ ما لَيْسَ قاضِيا وَفِي الفَيْءِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الجِماعُ لا غَيْرَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَن قالَ: إنَّ المُولِيَ هو الحالِفُ عَلى الجِماعِ دُونَ غَيْرِهِ.
والثّانِي: الجِماعُ لِغَيْرِ المَعْذُورِ، والنِّيَّةُ بِالقَلْبِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ.
والثّالِثُ: هو المُراجَعَةُ بِاللِّسانِ بِكُلِّ غالِبٍ أنَّهُ الرِّضا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن قالَ: إنَّ المُولِيَ هو الحالِفُ عَلى مَساءَةِ زَوْجَتِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أرادَ غُفْرانَ الإثْمِ وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
والثّانِي: غَفُورٌ بِتَخْفِيفِ الكَفّارَةِ وإسْقاطِها، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الكَفّارَةَ لا تَلْزَمُ فِيما كانَ الحِنْثُ بِرًّا، قالَهُ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ.
والثّالِثُ: غَفُورٌ لِمَأْثَمِ اليَمِينِ، رَحِيمٌ في تَرْخِيصِ المَخْرَجِ مِنها بِالتَّكْفِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾ الآيَةَ.
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (وَإنْ عَزَمُوا السَّراحَ)، وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ عَزِيمَةَ الَّذِي لا يَفِيءُ حَتّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَتُطَلَّقَ بِذَلِكَ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في الطَّلاقِ الَّذِي يَلْحَقُها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: طَلْقَةٌ بائِنَةٌ، وهو قَوْلُ عُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ زَيْدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ، وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنِ شُبْرُمَةَ.
الثّانِي: أنْ تَمْضِيَ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ، يَسْتَحِقُّ عَلَيْها أنْ يَفِيءَ، أوْ يُطَلِّقَ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ في رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ، وابْنِ أبِي لَيْلى عَنْهُ، وعُثْمانَ في رِوايَةِ طاوُسٍ عَنْهُ، وأبِي الدَّرْداءِ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ نافِعٍ عَنْهُ.
رَوى سُهَيْلُ بْنُ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: (سَألْتُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ عَنِ الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأتِهِ فَكُلُّهم يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَيُوقِفَ، فَإنْ فاءَ وإلّا طَلَّقَ) وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأهْلِ المَدِينَةِ.
والثّالِثُ: لَيْسَ الإيلاءُ بِشَيْءٍ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، في رِوايَةِ عَمْرٍو بْنِ دِينارٍ عَنْهُ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَسْمَعُ إيلاءَهُ.
والثّانِي: يَسْمَعُ طَلاقَهُ.
وَفي ( عَلِيمٌ ) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُ نِيَّتَهُ.
والثّانِي: يَعْلَمُ صَبْرَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأها «للذين يقسمون من نسائهم» ويقول: الإِيلاء القسم، والقسم الإِيلاء.
وأخرج ابن المنذر عن أبي بن كعب.
مثله.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن حماد قال: قرأت في مصحف أبي ﴿ للذين يقسمون ﴾ .
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: الايلاء أن يحلف بالله أن لا يجامعها أبداً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ قال: هو الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها فيتربص أربعة أشهر فإن هو نكحها كفر يمينه، فإن مضت أربعة أشهر قبل أن ينكحها خيره السلطان إما أن يفيء فيراجع، وإما أن يعزم فيطلق، كما قال الله سبحانه وتعالى.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عباس قال: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك فوقت الله أربعة أشهر، فإن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ﴾ قال: هذا في الرجل يؤلي من امرأته يقول: والله لا يجتمع رأسي ورأسك ولا أقربك ولا أغشاك.
قال: وكان أهل الجاهلية يعدونه طلاقاً فحدَّ لهم أربعة أشهر، فإن فاء فيها كفر عن يمينه وكانت امرأته، وإن مضت الأربعة أشهر ولم يفئ فيها فهي طالقة، وهي أحق بنفسها وهو أحد الخطاب ويخطبها زوجها في عدتها ولا يخطبها غيره في عدتها، فإن تزوّجها فهي عنده على تطليقتين.
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن ابن عباس قال: كل يمين منعت جماعاً فهي إيلاء.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم والشعبي.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: لا إيلاء إلا بحلف.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن خالد بن سعيد بن العاص هجر امرأته سنة ولم يكن حلف، فقالت له عائشة: أما تقرأ آية الإِيلاء؟
إنه لا ينبغي أن تهجر أكثر من أربعة أشهر.
وأخرج عبد بن حميد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر.
أنه سمع عائشة وهي تعظ خالد بن العاص المخزومي في طول الهجرة لامرأته، تقول: يا خالد إياك وطول الهجرة، فإنك قد سمعت ما جعل الله للموتى من الأجل، إنما جعل الله له تربص أربعة أشهر فأخذ طول الهجرة.
قال محمد بن مسلم: ولم يبلغنا أنه مضى في طول الهجرة طلاق لأحد ولكن عائشة حذرته ذلك، فأرادت أن تعطفه على امرأته، وحذرت عليه أن تشبهه بالإِيلاء.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لا إيلاء إلا بغضب.
وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: الإِيلاء إيلاءان: إيلاء الغضب، وإيلاء في الرضا، أما الإِيلاء في الغضب فإذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه، وأما ما كان في الرضى فلا يؤخذ به.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن عطية بن جبير قال: ماتت أم صبي بيني وبينه قرابة، فحلف أبي أن لا يطأ أمي حتى تفطمه، فمضى أربعة أشهر فقالوا: قد بانت منك.
فاتى علياً فقال: إن كنت إنما حلفت على تضرة فقد بانت منك وإلا فلا.
وأخرج عبد بن حميد عن أم عطية قالت: ولد لنا غلام فكان أجدر شيء وأسمنه.
فقال القوم لأبيه: إنكم لتحسنون غذاء هذا الغلام.
فقال: إني حلفت أن لا أقرب أمه حتى تفطمه.
فقال القوم: قد- والله- ذهبت عنك امرأتك.
فاترفعا إلى علي فقال علي: أنت أمن نفسك أم من غضب غضبته عليها فحلفت؟
قال: لا، بل أريد أن أصلح إلى ولدي.
قال: فإنه ليس في الإِصلاح إيلاء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: أتى رجل علياً فقال: إني حلفت أن لا آتي امرأتي سنتين.
فقال: ما أراك إلا قد آليت.
قال: إنما حلفت من أجل أنها ترضع ولدي؟
قال: فلا إذن.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن.
أنه سأل عن رجل قال لامرأته: والله لا أقربك حتى تفطمي ولدك.
قال: والله ما هذا بإيلاء.
وأخرج عبد بن حميد عن حماد قال: سألت إبراهيم عن الرجل يحلف أن لا يقرب امرأته وهي ترضع شفقة على ولدها؟
فقال إبراهيم: ما أعلم الإِيلاء إلا في الغضب، قال الله: ﴿ فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم ﴾ فإنما الفيء من الغضب.
وقال إبراهيم: لا أقول فيها شيئاً.
وقال حماد لا أقول فيها شيئاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن يزيد بن الأصم قال: تزوجت امرأة، فلقيت ابن عباس فقلت: تزوجت بهلل بنت يزيد، وقد بلغني أن في حلقها شيئاً، ثم قال: والله لقد خرجت وما أكلمها.
قال: عليك بها قبل أن تنقضي أربعة أشهر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن منصور قال: سألت إبراهيم عن رجل حلف لا يكلم امرأته، فمضت أربعة أشهر قبل أن يجامعها، قال: إنما كان الإِيلاء في الجماع، وأنا أخشى أن يكون إيلاء.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: إذا آلى على شهر أو شهرين أو ثلاثة دون الحد برّت يمينه لا يدخل عليه إيلاء.
وأخرج الشافعي وعبد بن حميد والبيهقي عن طاوس قال: كل شيء دون الأربعة فليس بإيلاء.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: لو آلى منها شهراً كان إيلاء.
وأخرج عبد بن حميد عن الحكم.
أن رجلاً آلى من امرأته شهراً، فتركها حتى مضت أربعة أشهر قال النخعي: هو إيلاء وقد بانت منه.
وأخرج عبد بن حميد عن وبرة.
أن رجلاً آلى عشرة أيام فمضت أربعة أشهر، فجاء إلى عبدالله فجعله إيلاء.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي ليلى قال: إن آلى منها يوماً أو ليلة فهو إيلاء.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الرجل يقول لامرأته: والله لا اطأك الليلة فتركها من أجل ذلك قال: إن تركها حتى تمضي أربعة أشهر فهو إيلاء.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ فإن فاؤُوا فيهن فإن الله غفور رحيم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: الفيء الجماع.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال: الفيء الجماع.
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: الفيء الجماع.
وأخرج ابن المنذر عن علي قال: الفيء الرضا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: الفيء الرضا.
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: قال مسروق: الفيء الجماع.
قيل: ألا سألته عمن رواه؟
قال: كان الرجل في عيني من ذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: الفيء الإِشهاد.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن الحسن قال: الفيء الجماع، فإن كان له عذر من مرض أو سجن أجزأه أن يفيء بلسانه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إذا حال بينه وبينها مرض، أو سفر، أو حبس، أو شيء يعذر به، فإشهاده فيء.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الشعثاء.
أنه سأل علقمة عن الرجل يولي من امرأته، فيكون بها نفاس أو شيء فلا يستطيع أن يطأها قال: إذا فاء بقلبه ولسانه ورضي بذلك فهو فيء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أبي الشعثاء قال: يجزئه حتى يتكلم بلسانه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أبي قلابة قال: إذا فاء في نفسه أجزأه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن قال: إذا آلى الرجل من امرأته ثم وقع عليها قبل الأربعة أشهر فليس عليه كفارة، لأن الله تعالى قال: ﴿ فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم ﴾ أي لتلك اليمين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم قال: كانوا يرجون في قول الله: ﴿ فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم ﴾ أن كفارته فيئه.
وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت قال: عليه كفارة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: إن فاء كفر وإن لم يفعل فهي واحدة، وهي أحق بنفسها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾ قال سعيد بن المسيب: كان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدًا، فكان يتركها بذلك لا أَيَّمًا ولا ذاتَ بعلٍ، يُضَارُّها، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية وفي الإسلام، فجعل الله تعالى الأجل الذي يُعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1038، والواحدي في "أسباب النزول" ص 80، 81، وابن حجر في "العجاب" 1/ 579.
وذكره بنصه بلا نسبة الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 300 - 301، وروى سعيد بن منصور 2/ 51 [ط.
حبيب الرحمن] والطبراني == في "المعجم الكبير" 11/ 127، والواحدي في "أسباب النزول" ص 80، 81 عن ابن عباس قال: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، وأكثر من ذلك، فوقت الله أربعة أشهر.]].
ويقال: آلى يُولي إِيلاء، وتألّي يَتَألَّى تألِّيًا وائتلى يَأتلي ائتلاءً، قالت الخنساء: فآليْتُ آسَى عَلَى هَالِكِ ...
وأسْألُ نَائِحَةً مَالَهَا (١) وقال زيد الفوارس (٢) تالى ابنُ أوسٍ حَلْفةً ليَرُدَّني ...
إلى نِسوَةٍ كأنَّهُنَّ مقائد (٣) ومن هذا قراءة من قرأ: ﴿ ولا يتأل أولوا الفضل منكم ﴾ وقراءة العامة (ولا يأتلِ) (٤) (٥) (٦) (٧) قال كثيّر: قَلِيلُ الأَلايَا حَافِظٌ ليمينه ...
فإن سَبَقَتْ منه الأَلِيَّةُ بَرَّتِ (٨) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾ قال أهل المعاني: الآية مختصرة، وما وقع عليه الإيلاء محذوف، وهو اعتزال النساء، كأنه قيل: للذين يؤلون أن يعتزلوا نسائهم تربص أربعة أشهرٍ، فحذف ما حذف لبيان معناه، وذلك أنه معلوم أن الحلف لا يكون إلّا على شيء يؤكّدُ ويحقق (٩) (١٠) و (مِنْ) في (١١) ﴿ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾ عند بعضهم من صلة التربص، كأنه قيل: للذين يؤلون تربص أربعة أشهر من نسائهم، أي: يتربصون عنهن هذه المدة.
وحكى ابن الأنباري عن بعض أهل اللغة أن (من) هاهنا بمعنى على، وحروف الصفات متعاقبة، والتقدير عنده: للذين يحلفون على وطء أو في وطء نسائهم، فأقام الصفة مقام الصفة، وحذف المضاف، وأقام النساء مقامه (١٢) والتربص: التَّلَبُّثُ والانتظار، تَرَبَّصْتُ بالشيء تَرَبُّصًا، ويقال: ما لي على هذا الأمر رُبْصَةٌ، أي: تلبث (١٣) وإضافة التربص إلى الأربعة أشهر أضافة المصدر، كقولك: بينهما مسيرة يوم، أو مسيرة في يوم، ومثله كثير.
وأما تفسير الإيلاء الشرعي وحكمه، فكل (١٤) (١٥) (١٦) ثم إن جامع قبل مضي أربعة أشهر لزمته (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) ﴿ فَإِن فَاَءُو فَإِنَّ اَللهَ غَفُوُرٌ ﴾ رَحِيمٌ، وإن لم يجامع حتى انقضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة عند أبي حنيفة (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وعند الشافعي (٢٦) وهذا قول عُمَر (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) وأبي ثور (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ فَاءُوا ﴾ أي: رجعوا، والفَيْءْ في اللغة: الرجوعُ.
قال الفراء: يقال: فاء يفيء فيئًا (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) وقال قوم: الفيء باللسان، وهو مذهب النخعي (٤٦) وقد ذكرنا أنه إذا فاء لزمته الكفّارة إلا عندَ الحسن وقتادة (٤٧) ﴿ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ والذين يوجبون الكفارة يقولون: هذا في إسقاط العقوبة لا في الكفارة (٤٨) (١) البيت للخنساء في رثاء أخيها صخر، ينظر ديوانها ص120.
تقول: لا أبكي على هالك بعده فقد شغلني عن غيره.
(٢) هو زيد بن حصين بن ضرار الضبي، فارس شاعر جاهلي، أورد البغدادي قليلًا من أخباره وأبياتاً له، واختار أبو تمام في "الحماسة" أبياتاً أخرى من شعره.
ينظر "خزانة الأدب" للبغدادي 1/ 516، 517، "الأعلام" 3/ 58.
(٣) البيت ذكره في "الدر المصون" 8/ 394.
(٤) قرأ أبو جعفر: (يتأل) بهمزة مفتوحة بين التاء واللام مع تشديد اللام مفتوحة، وهي قراءة عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة مولاه، وزيد بن أسلم، وقرأ الباقون بهمزة ساكنة بين الياء والتاء وكسر اللام خفيفة، قال في النشر 2/ 331: وذكر الإمام المحقق أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم القراب، في كتابه: "علل القراءات": أنه كتب في المصاحف (يتل) قال: فلذلك ساغ الاختلاف فيه على الوجهين.
ينظر النشر2/ 331، و"البدور الزاهرة" ص271.
(٥) ساقطة من (ش) و (ي).
(٦) ساقطة من (ي).
(٧) ينظر في آلى: "تفسير الطبري" 2/ 417، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 301، "تهذيب اللغة" 15/ 178 - 180، "المفردات" 32، "عمدة الحفاظ" 1/ 120 - 122، "اللسان" 1/ 117 - 120.
قال الراغب: وحقيقة الإيلاء والألية: الحلف المقتضي لتقصير في الأمر الذي يحلف عليه.
وجعل الإيلاء في الشرع للحلف المانع من جماع المرأة.
أي: مدة أربعة أشهر فأكثر.
(٨) البيت لكثير عزة في "ديوانه" 2/ 220.
وفي "البحر المحيط" 2/ 176، "التفسير الكبير" 6/ 86، وذكره في "اللسان" 1/ 117 بغير نسبة قال: ورواه ابن خالويه: قليل الإلاء.
وفيه: وإن سبقت.
(٩) في (ي) و (ش) (تحقق).
(١٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 1040.
(١١) ساقطة من (ي).
(١٢) ينظر في معنى (من): التبيان ص 136، "تفسير الرازي" 6/ 86، "البحر المحيط" 1/ 181 وقال: (من) يتعلق بقوله: يؤلون، وآلى لا يتعدى بمن، فقيل: (من) بمعنى على، وقيل بمعنى في، ويكون ذلك على حذف مضاف، أي: على ترك وطء نسائهم، أو في ترك وطء نسائهم، وقيل: (من) زائدة، والتقدير: يؤلون أن يعتزلوا نساءهم، وقيل يتعلق بمحذوف، والتقدير: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فتتعلق بما تتعلق به لهم المحذوف، قاله الزمخشري، وهذا كله ضعيف ينزه القرآن عنه، وإنما يتعلق بـ يؤلون على أحد وجهين: إما أن يكون (من) للسبب، أي: من يحلفون بسبب نسائهم، وإما أن يضمن الإيلاء معنى الامتناع فيعدى بمن، فكأنه قيل: للذين يمتنعون بالإيلاء من نسائهم.
(١٣) ينظر في تربص: "تهذيب اللغة" 2/ 1344 مادة "ربص"، "تفسير الثعلبي" 2/ 1041، "المفردات" 192، "عمدة الحفاظ" 2/ 68.
(١٤) في (ي) و (ش) (وكل).
(١٥) ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 208، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 360.
(١٦) رواه عبد الرزاق في "المصنف" / 451، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 141، والطبري في "تفسيره" 2/ 417 - 418، وعزاه في "الدر" 1/ 482 إلى عبد بن حميد.
(١٧) في (م): (لزمه).
(١٨) في (ي): (أبو الحسن).
(١٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 426.
(٢٠) المصدر السابق.
(٢١) ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 208، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 360.
(٢٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 454، وسعيد بن منصور 2/ 51، والطبري في "تفسيره" 2/ 428.
(٢٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 453، والطبري في "تفسيره" 2/ 428.
(٢٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 428.
(٢٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1043.
(٢٦) ينظر: "الأم" 5/ 287، و"الرسالة" ص 576.
(٢٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 433.
(٢٨) رواه البخاري (5291) كتاب: الطلاق، باب: قول الله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾ معلقا على قول عثمان، ورواه الشافعي في "الأم" 5/ 282 موصولا، والطبري في "تفسيره" 2/ 433.
(٢٩) رواه البخاري في الموضع السابق معلقا؛ ورواه موصولا: الشافعي في الأم 5/ 282، والطبري في "تفسيره" 2/ 434.
(٣٠) رواه البخاري في الموضع السابق معلقا، ورواه موصولا عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 457، والطبري 2/ 434.
(٣١) رواه البخاري في الموضع السابق، والطبري في "تفسيره" 2/ 434.
(٣٢) رواه البخاري في الموضع السابق معلقا، ورواه موصولا الشافعي في الأم 5/ 282، والطبري في "تفسيره" 2/ 343.
(٣٣) ينظر "الموطأ" 2/ 556، "والكافي" لابن عبد البر 2/ 599.
(٣٤) هو: إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي البغدادي، الفقيه مفتي العراق، أحد الحفاظ المجتهدين، حجة رغم جرح أبي حاتم الخفيف بسبب أخذه بالرأي، توفي سنة 240 هـ.
ينظر "الجرح والتعديل" 2/ 372، "تاريخ بغداد" 6/ 65، و"السير" 12/ 72.
(٣٥) ينظر: "اختلاف العلماء" للمروزي ص 183، و"الإشراف" لابن المنذر 1/ 228.
(٣٦) ينظر المرجعين السابقين.
(٣٧) ينظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله 3/ 1119.
(٣٨) "سنن الترمذي" (1201) كتاب: الطلاق واللعان، باب: ما جاء في الايلاء، والإشراف 1/ 228.
(٣٩) في (ش): (فئيًا).
(٤٠) في (ش): (فُؤَرًا).
(٤١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 145 بمعناه (٤٢) في (أ) و (م): (المرأة).
(٤٣) ينظر في معنى الفيء: "تهذيب اللغة" 3/ 2711، "المفردات" ص 390، وقال: الفيء والفيئة: الرجوع إلى حالة محمودة، "اللسان" 6/ 3495، وذكر الأزهري: أن الفيء في القرآن على ثلاثة معان، مرجعها إلى أصل واحد هو الرجوع، ثم ذكر أولها وهي الفيء في هذه الآية، والثاني: قوله تعالى: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ﴾ ، فالفيء الظل بعد العشي، والثالث: قوله: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ ، فالفي: ما رد الله تعالى على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال.
(٤٤) في (م): (تغيب).
(٤٥) ينظر: "الإشراف" 1/ 288، "والأم" 5/ 287، "تفسير الثعلبي" 2/ 1047.
(٤٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 423، وعبد الرزاق في "المصنف" 6/ 462.
(٤٧) سبق تخريجه عنهما.
(٤٨) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1047.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ﴾ يحلفون على ترك وطئهن وإنما تعدى بمن.
لأنه تضمن معنى البعد منهن، ويدخل في عموم قوله: ﴿ الذين ﴾ : كل حالف حراً كان أو عبداً، إلا أن مالك جعل مدة إيلاء العبد شهرين، خلافاً للشافعي، ويدخل في إطلاق الإيلاء اليمين الشرعية، ولا يكون مولياً عند مالك والشافعي، إلاّ إذا حلف على مدّة أكثر من أربعة أشهر، وعند أبي حنيفة أربعة أشهر فصاعداً، فإذا انقضت الأربعة الأشهر: وقف المولي عند مالك والشافعي، فإما فاءَ وإلا طلَّق، فإن أبى الطلاق: طلق عليه الحاكم، وقال أبو حنيفة: إذا انقضت الأربعة الأشهر: وقع الطلاق دون توقيف، ولفظ الآية يحتمل القولين ﴿ فَإِنْ فَآءُو ﴾ رجعوا إلى الوطء وكفَّروا عن اليمين ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي يغفر ما في الأيمان من إضرار المرأة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حتى يطهرن ﴾ بالتشديد والأصل "يتطهرن" فأدغم التاء في الطاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.
الباقون ﴿ يطهرن ﴾ بالتخفيف من الطهارة.
﴿ أنى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف.
وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن.
الباقون بالتفخيم ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل ﴿ يؤخر ﴾ و ﴿ يؤده ﴾ وأشباه ذلك بغير همز: يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ عن المحيض ﴾ ط ﴿ أذى ﴾ ط لأن لكونه أذى تأثيراً بليغاً في وجوب الاعتزال ﴿ في المحيض ﴾ لا للعطف.
﴿ حتى يطهرن ﴾ ج لأن "إذا" متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها ﴿ أمركم الله ﴾ ط ﴿ المتطهرين ﴾ ه ﴿ حرث لكم ﴾ ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثاً فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان ﴿ شئتم ﴾ ز قد يجوز لوقوع العارض.
﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ ملاقوه ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.
التفسير: الحكم السابع: ﴿ ويسئلونك عن المحيض ﴾ قيل: إنه جمع في هذا الموضع بين ستة أسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو والباقية بالواو.
والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الوقائع الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن كذا وعن كذا.
روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وكان أهل الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت.
فقال ناس من الأعراب يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة.
فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فنزلت الآية، فقال : "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت" يعني أن المراد من قوله ﴿ فاعتزلوا النساء ﴾ فاعتزلوا مجامعتهن.
واتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمان الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فيما دون السرة وفوق الركبة.
فالشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف قالوا: يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار بناء على أن المحيض مصدر كالمجيء والمبيت، والتقدير: فاعتزلوا تمتع النساء في زمان الحيض.
ترك العمل بالآية فيما فوق السرة وتحت الركبة للإجماع فبقي الباقي على الحرمة.
وعن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل النبي ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟
قال: " لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها" ، وقيل: ما سوى الفرج حلال، لأن المراد بالمحيض موضع الحيض فالمعنى فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، نعم المحيض الأول مصدر فيصلح عود الضمير إليه في قوله ﴿ قل هو أذى ﴾ أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة وكراهة على أنه يحتمل أن يكون بمعنى المكان والتقدير هو ذو أذى، وإنما قدم قوله ﴿ هو أذى ﴾ لترتب الحكم وهو وجوب الاعتزال عليه.
وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، حتى لو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة.
فذلك الدم جار مجرى البول والغائط فكان أذى وقذراً.
ولا يرد عليه دم الاستحاضة حيث لا يوجب الاعتزال، لأن ذاك دم صالح يسيل من عرق يتفجر في عنق الرحم، ويؤيده ما روي في الصحيحين عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟
فقال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" .
ومعنى العرق أنه علة حدثت بها من تصدع العروق.
وأصل الحيض في اللغة السيل.
يقال: حاض السيل وفاض.
قال الأزهري: منه قيل الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل.
والواو والياء من حيز واحد.
وقد ورد في الحديث لدم الحيض صفات منها السواد ويراد به أنه يعلوه حمرة متراكبة فيضرب من ذلك إلى السواد، ومنها الثخانة، ومنها المحتدم وهو المحرق من شدة حرارته، ومنها أنه ذو دفعات أي يخرج برفق ولا يسيل سيلاً، ومنها أن له رائحة كريهة، ومنها أنه بحراني وهو الشديد الحمرة.
وقيل: ما يحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر.
فمن الناس من قال: إن كان الدم موصوفاً بهذه الصفات فهو الحيض وإلا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف، وزوالها إنما كان بعارض الحيض.
فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف الواجبة على ما كانت.
ومنهم من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء.
أما السن المحتمل للحيض فأصح الوجوه أنها تسع سنين فإن رأت الصبية دماً قبل استكمال التسع فهو دم فساد.
قال الشافعي: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين.
وقيل: إن أول وقت الإمكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة.
وقيل: بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة.
والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية تقريباً على الأظهر لا تحديداً، حتى لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع على الوجه الأصح ما لا يسع حيضاً وطهراً، كان ذلك الدم حيضاً وإلا فلا، وأقل مدة الحيض عند الشافعي يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وعن مالك لا حد لأقله.
وأما أكثر الحيض فهو خمسة عشر يوماً وليلة لقول علي وكرم الله وجهه: ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة.
وعن عطاء: رأيت من تحيض يوماً ومن تحيض خمسة عشر يوماً.
وأما الطهر فأكثره لا حد له.
فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واحدة، وأقله خمسة عشر يوماً، وقال أحمد أقله ثلاثة عشر.
وقال مالك: ما أعلم بين الحيضتين وقتاً يعتمد عليه لنا الرجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النساء، وروي أنه قال: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" أشعر ذلك بأقل الطهر وأكثر الحيض.
وغالب عادات النساء في الحيض ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر.
"قال لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء ويطهرن" .
ومعنى: "في علم الله"، أي مما علمك الله من عادتك أو من غالب عادات النساء.
ويحرم في الحيض عشرة أشياء: الصلاة والصوم والاعتكاف والمكث في المسجد و الطواف ومس المصحف وقراءة القرآن والسجود والغشيان بنص القرآن والطلاق في حق بعضهن ثم إن أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل مجامعتها إلا بعد أن تغتسل عن الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري.
والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها حتى تغتسل ويمضي عليها وقت صلاة، وإن رأته عشرة أيام جاز له أن يقربها قبل الاغتسال.
حجة الشافعي أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان وجب الجمع بينهما ما أمكن.
فمن قرأ "يطهرن" بالتخفيف فانتهاء الحرمة عنده انقطاع الدم، ومن قرأ "يطهرن" بالتثقيل فالنهاية تطهرها بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن بأن يكون النهاية حصول الشيئين.
ومعنى قوله ﴿ ولا تقربوهن ﴾ أي لا تجامعوهن وهذا كالتأكيد لقوله ﴿ فاعتزلوا ﴾ ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن المباشرة في موضع الدم وهذا نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.
وأيضاً قوله ﴿ فإذا تطهرن فأتوهن ﴾ تعليق للإتيان على التطهر بكلمة "إذا"، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر.
والمراد بالتطهر الاغتسال؛ لأن هذا الحكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها.
وعن عطاء وطاوس هو أن تغسل الموضع وتتوضأ.
وقال بعضهم: غسل الموضع.
ثم القائلون بوجوب الاغتسال أجمعوا على أن التيمم يقوم مقامه عند إعواز الماء ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ أي من المأتى الذي أمركم به وحلله لكم وهو القبل.
عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة.
وقال الأصم والزجاج: فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات.
وعن محمد ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور.
﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ مما عسى أن يبدر عنهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك بمجامعة الحائض والطاهرة قبل الغسل وإتيان الدبر ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ المتنزهين عن تلك الفواحش.
فالتائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه لأن الذنب كأنه نجاسة روحانية حكمية ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ أو يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار والأوزار.
الحكم الثامن ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ وإنه جار مجرى البيان والتوضيح لقوله ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فينبغي أن يؤتى المأتي الذي هو مكان الحرث، وعن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت هذه الآية.
وعن ابن عباس: "جاء عمر إلى رسول الله فقال: يا رسول الله هلكت.
قال: وما أهلكك؟
قال: حوّلت رحلي الليلة.
قال: فلم يرد عليَّ شيئاً.
فأوحى إلى رسول الله هذه الآية" .
وتحويل الرحل قيل: ظاهره الكناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد.
وقيل: إنه الإتيان في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها.
وعنه كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة مجبية أي في قبلها من دبرها وكانوا أخذوا ذلك من اليهود وكانت قريش تفعل ذلك ولما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ذلك رسول الله فنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي مقبلات ومدبرات ومستكفيات بعد أن يتقى الدبر والحيضة، وذلك أن قوله ﴿ حرث لكم ﴾ أي مزرع ومنبت للولد وهذا على سبيل التشبيه.
ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، وإنما وحد الحرث لأنه مصدر أقيم مقام المضاف أي هن مواضع حرث فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث أعني القبل دون الدبر، هذا ما عليه أكثر العلماء ويؤيده قوله عز من قائل ﴿ قل هو أذى فاعتزلوا ﴾ جعل ثبوت الأذى علة للاعتزال ولا معنى للأذى، إلا ما يتأذى الإنسان منه بنتن وتلوث وتنفر طبع، والأذى في الدبر حاصل أبداً فالاعتزال عنه أولى بالوجوب.
فمعنى ﴿ أنى شئتم ﴾ كيف شئتم من قبلها قائمة أو باركة أو مضطجعة.
وقيل: "أنى" بمعنى "متى" أي فأتوا حرثكم أي وقت شئتم من أوقات الحل يعني إذا لم تكن أجنبية أو محرمة أو صائمة أو حائضاً.
وعن ابن عباس: المعنى إن شاء عزل وإن شاء لم يعزل.
وقيل: متى شئتم من ليل أو نهار والأصح الأول وعن مالك والشيعة تجويز إتيان النساء في أدبارهن ويحكى أن نافعاً نقل عن ابن عمر مثل ذلك واحتجوا بأن الحرث اسم المرأة لا الموضع المعين وبأن قوله ﴿ أنى شئتم ﴾ معناه من أين شئتم كقوله ﴿ أنى لك هذا ﴾ أي من أين.
وكلمة "أين" تدل على تعدد الأمكنة فيلزم أن يكون المأتي بها متعدداً.
وبقوله ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] ترك العمل بعمومه في حق الذكور لدلالة الإجماع فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإناث.
ولا يخفى ضعف هذه الحجج ولو سلم مساواتها دلائل الحرمة في القوة فالاجتناب أحوط، وكيف لا وقد روي عن رسول الله "ملعون من أتى امرأة في دبرها" ولو لم يكن فيه إلا فوات غرض التوالد والتناسل الذي به بقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف أنواع الكائنات لكفى به منقصة وذماً، وإذا كان لزنا لكونه مزيلاً للنسب محرماً، وكذا الخمر لكونها رافعة للعقل، والقتل لكونه مفنياً للشخص، فلأن يحرم هذا الفعل لكونه متضمناً لفناء النوع أولى كاللواط وإتيان البهيمة والاستمناء ولهذا عقبه بقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ أي افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة كقول الرجل لغيره "قدم لنفسك عملاً صالحاً" وذلك أن الآية اشتملت على الإذن في أحد الموضعين والمنع عن الموضع الآخر فكأنه قيل: لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وإنما يجب أن تكونوا في ربقة الإخلاص وتقديم الطاعة، ثم إنه أكد ذلك بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا تحسن إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن مشتهي.
فقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ تحريض على فعل الطاعات ويندرج فيه ابتغاء لولد والتسمية عند الوقاع وغير ذلك من بآداب الخلوة، وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ زجر عن المحظورات والمنكرات، وقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ تذكير ليوم البعث والحساب الذي لولاه لضاع فعل الطاعات وترك المنهيات وما أحسن هذا الترتيب!
ثم قال ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ كيلا يخلو الوعيد من الوعد.
ولم يذكر المبشر به وهو الثواب والكرامة ونحوهما إما لأنه كالمعلوم من نحو قوله ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ﴾ ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ﴾ وإما لأن الغرض نفس البشارة مثل "فلان يعطى".
الحكم التاسع: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضاً له قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم.
وقد ذم الله من أكثر الحلف بقوله ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة.
وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية.
وقوله ﴿ أن تبروا ﴾ علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصّلحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون براً متقياً، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه براً متخذاً من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم.
ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة "فعلة" بمعنى "مفعول" كالقبضة والغرفة فيكون اسماً للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه "عرض العود على الإناء" وتقول "فلان عرضة دون الخير".
وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني.
فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه.
وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين كما "قال النبي لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" أي على شيء مما يحلف عليه.
فيكون قوله ﴿ أن تبروا ﴾ عطف بيان ﴿ لأيمانكم ﴾ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في ﴿ لأيمانكم ﴾ إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحاجزاً، وإما أن تعلق بـ ﴿ عرضة ﴾ لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئاً يعترض البر.
ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق ﴿ أن تبروا ﴾ بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا ﴿ والله سميع ﴾ إن حلفتم به ﴿ عليم ﴾ بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالاً لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث.
اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولهذا قيل: لما لا يعتد به ولا يخطر من أولاد الإبل في الدية "لغو" وهو في الأصل مصدر لغا يلغو.
قال "من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا" واختلف الفقهاء في اللغو من اليمين فذهب الشافعي - وهو قول عائشة والشعبي وعكرمة - أنه قول العرب "لا والله" و "بلى والله" مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف.
فلو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لا ننكر ذلك ولعله قال: لا والله ألف مرة.
ومذهب أبي حنيفة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة والسدي ومكحول - أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن.
وفائدة الخلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل "لا والله" و "بلى والله" ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك.
حجة الشافعي أن الآية تدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، لكن المراد من قوله ﴿ بما كسبت قلوبكم ﴾ هو الذي يقصده الإنسان على سبيل الجد ويربط به قلبه فيكون اللغو ما تعوّده الناس في الكلام "لا والله" و "بلى والله" فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلاً جداً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغواً ألبتة، وأيضاً إنه ذكر قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد إلى الحلف، وبيّن أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرنا هو المناسب ويؤده ما روت عائشة عن النبي أنه قال: "لغو اليمين قول الرجل بين كلامه لا والله وبلى والله" وروي "أنه مر بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله ثم أخطأ فقال الذي مع النبي : حنث الرجل يا رسول الله، فقال : كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب.
وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة.
وقال أبو حنيفة: اليمين معنى لا يلحقه الفسخ فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق.
وأيضاً إنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه" أوجب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل.
وقيل: إن يمين اللغو هو الحلف على ترك طاعة أو فعل معصية، فبين الله أنه لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية وعن الضحاك أن اللغو هي اليمين المكفرة كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله بإثم الحلف إذا كفرتم.
وقيل: هي ما يقع سهواً، والمراد بما كسبت قلوبكم هو العمد، واختاره القاضي أبو بكر.
ثم إن الشافعي قال: معنى لا يؤاخذكم لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده.
وقال أبو حنيفة: معناه لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد أي الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس.
وقال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة.
قال: والذي يحلف على شيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحداً أو يعتذر لمخلوق أو بقتطع به مالاً فهذا لا أعلم أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح الذي له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل: أن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيع بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه.
﴿ والله غفور رحيم ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم وأخر عقوبتكم بما كسبت قلوبكم لعلكم تتفكرون أو تتوبون عنها.
الحكم العاشر: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ يقال في اللغة: آلى يؤلي إيلاء وأئتلى ائتلاء وتألى تألياً.
والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد.
وفي الحديث القدسي "آليت أن أفعل" خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة مطلقاً أو مدة تزيد على أربعة أشهر.
وكان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية فغيّر الشرع حكمه.
قال سعيد بن المسيب.
كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها وكان يتركها بذلك لا أيماً ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة.
ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً فأزال الله ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل.
فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها.
ثم المتعارف أن يقال: آليت على كذا وإنما عدي ههنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما يقال: "لي منك كذا" أو ضمن في هذا القسم المصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين.
والتربص التلبث والانتظار وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله "بينهما يوم" أي مسيرة في يوم ﴿ فإن فاؤا ﴾ فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من القتل أو لغير ذلك من الأسباب ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ بان عقدوا القلب على حل رابطة النكاح ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي مثل التوبة.
واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة.
الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة هي ظرف المحلوف عليه.
الركن الأول: الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله ﴿ للذين يؤلون ﴾ وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله ويصح بالطلاق والعتاق، وأيضاً لا فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد.
وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر، ولأن تقدير هذه المدة إن كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة.
ويصح الإيلاء في حالتي الرضا و الغضب بعموم الآية.
وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب.
وأيضاً يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية، لأن الرجعية يصدق عليه أنها من نسائه بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق.
وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر قوله ﴿ يؤلون من نسائهم ﴾ ولهذا لو قال لأجنبية: والله لا أجامعك لم يكن مولياً.
وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل.
ومن جُبّ جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع الأمر في نفسه.
وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة.
فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال.
الركن الثاني: المحلوف به وهو إما الله وصفاته أو غيره.
فإن حلف بالله كان مولياً، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء.
وهل يجب عليه كفارة اليمين؟
الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين، لأن الدلائل الدالة على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة، وأي فرق بين أو يقول: والله لا أقربك" ثم يقربها وبين أن يقول: "والله لا أكلمك" ثم يكلمها.
وإنما ترك ذكر الكفارة في الآية لأنها مبنية في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول.
وقوله ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص.
وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فللَّه علي عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة.
فهل يكون مولياً؟
الجديد وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون مولياً لأن العتق والطلاق المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعاً له من الوطء، ويكون هو بتعليقه بالوطء مضراً بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق.
ولا يخفى أنه لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج.
وفيه أقوال أصحها أن عليه كفارة اليمين، والثاني عليه الوفاء بما سمى، والثالث التخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء.
الركن الثالث: المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه، وكذا النيك والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا بالنية.
الركن الرابع: المدة.
فعن ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يطأها أبداً، وعن الحسن وإسحاق أنه مول وإن حلف يوماً.
وهذان المذهبان في غاية البعد.
وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد.
وعن مالك وأحمد و الشافعي أنه لا يكون مولياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر.
فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر.
وهذه المدة تكون حقاً للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه.
وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي أن الفاء في قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تقتضي كون ما بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعاً متراخياً عن انقضاء الأشهر الأربعة.
وأيضاً قوله ﴿ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ﴾ صريح في أن وقوع الطلاق وإنما يكون بإيقاع الزوج، وفي أن الزوج لا بد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعاً وما ذاك إلا إيقاع الطلاق.
أجاب أبو حنيفة بأن قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تفصيل للحكم المتقدم كما تقول: "أنا نزيلكم هذا الشهر.
فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم وأتحول" وأيضاً الإيلاء طلاق في نفسه، فالطلاق إشارة إليه.
وأيضاً الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ودمدمة وحديث نفس، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان.
واستدل على صحة مذهبه في أن الفيئة لا بد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن مسعود فإن ﴿ فاؤا فيهن ﴾ ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى الله حسبي.
التأويل: كما أن النساء محيضاً في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس.
وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى.
وقد قيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا.
ولذلك نودي من سرادقات الجلال: يا قلوب الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى ﴿ حتى يطهرن ﴾ يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح ﴿ فإذا تطهرن ﴾ بماء التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ عن أوصاف الوجود ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين ببقاء الشهود ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحقّ فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه.
فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله ﴾ فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته ﴿ لا يؤاخذكم الله ﴾ القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر.
فالبذر ما لم يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة.
أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما يجري عليه في الظاهر شراً فإن لم يكن له أثر في القلب كان لغواً ولا يؤاخذه، وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره.
﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح بالجنين كما جاء في الحديث "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك" إلى آخره ﴿ فإن فاءوا ﴾ الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى لاحظوه بعين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ لعزمه على طلاق منكوحة المواصلة ﴿ فإن الله سميع ﴾ لمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالتهم وهو حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
قيل: كان الرجل يحلف ألا يصنع المعروف، ولا يبر، ولا يصلح بين الناس، فإذا أمر بذلك، قال: إني حلفت على ذلك، فنهوا عن ذلك، يقول: لا تحلفوا على أمر هو لي معصية ألا تصلوا القرابة، وألا تبروا، وألا تصلحوا بين الناس، وصلة القرابة خير لكم من الوفاء باليمين في معصية الله .
و"العرضة" العلة، يقول: لا تعللوا، أي: لا يمنعكم أن تبروا أو ما ذكر.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
حرفان يخرجان على الوعيد: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ بمقالتكم وأيمانكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بإرادتكم في حلفكم.
وقوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ : إن كسب القلوب لا يكون عقداً ولا حنثاً، إنما هو تعمد الكذب.
كقوله: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ فعلى ذلك أمر يمين اللغو والتعمد.
وهذا يبين أن اليمين يكون في موجود، لا فيما يوجد؛ إذ فيه وصف المآثم، وفيما يكون لم يكسب قلبه ما يأثم فيه.
فعلى ذلك أمر اللغو؛ فهو في الماضي، ولا يأثم بالخطأ، ويأثم في غير اللغو بالتعمد.
ثم قال الله : ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ ، وبين أن المؤاخذة تكون في هذا بالكفارة وفي الأول بالمأثم، وفي اللغو لا يؤاخذ بهما، فلزم تسليم البيان لما جاء في كل ذلك، ثم جميع المؤاخذات في كسب القلب بالمأثم ولزوم التوبة؛ فكذا في هذا.
وقد روي عن رسول الله في أمر اللعان، أنه قال: "إن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟" ومعلوم كذب أحدهما ولوزم التوبة، مع ما في تركه الوعيد الشديد من الغضب أو اللعن.
ولو كانت فيه كفارة لكان لا سبيل إلى العلم بها إلا بالبيان؛ فهي أحق أن يبين لو كانت واجبة، دل ما لم يبين أنها غير واجبة على أنها تجب للحنث، والحنث عقيب العقد يدفعه، وكان هاهنا ملاقيا له، فهو يمنعه على نحو جميع الحرمات التي تفسخ الأشياء، فهي عند الابتداء تمنع.
وليس ذلك كالطلاق ونحوه؛ لما قد يكون بلا شرط، واليمين لا يصح إلا به ولم يكن فأنفذ.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ ﴾ .
وقد يخرج مخرج الاستخفاف الحلف بالله كاذباً والجرأة على الله، فيجيء أن يكون كفراً، لولا أن المؤمن يخطر بباله ما يحمله على ذلك دون قصد الاستخفاف به.
وعلى ذلك أمر اللعان، أن رسول الله لم يقل: أحدكما كافر، فهل منكما من مؤمن؟
لأنهما لم يقصدا ذلك القصد.
فكذا كل حالف على تعمد الكذب.
والله الموفق.
وقوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، قال سعيد بن جبير: هذا محمول على قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ﴾ ، أي: لا يؤاخذكم الله بنقض أيمانكم التي حلفتم بها؛ لأنها معصية لله، ولكن يؤاخذكم بحفظها والمضي عليها.
ثم اختلفوا في اللغو ما هو؟
قال بعضهم: هو الإثم.
وقيل: هو الغلط.
ثم اللغو المذكور الذي أخبر أن لا مؤاخذة على صاحبه يحتمل ألا يؤاخذه بالإثم، ويحتمل ألا يؤاخذه بالكفارة، بل إنما يؤاخذ بالكفارة بما يعقد.
ثم ذكر في الآية الثانية: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ ﴾ ، ولو حمل على أنه لا يؤاخذ في هذا أيضاً بالإثم وقع الكلام - بحيث لا يفيد - في حد التكرار.
والأصل عندهم: بأن حمله على ما يفيد أحق من حمله على ما لا يفيد؛ فثبت أن الأول في نفي الإثم، والثاني في نفي الكفارة.
وعلى هذا القول في الغموس: إنه لعظم الوزر والإثم لم يلزم أن يكفر، فليس فيه الكفارة.
وله وجه آخر: وهو أن سبب الحنث في اللغو والغموس تلاقي العقد، فلم يصح به اليمين؛ لأن الحنث نفسه يسقط اليمين، فإذا لاقى الحنث اليمين منع صحتها ووجوبها.
فإذا كانت هذه اليمين غير صحيحة في العقد، لم يلزم الكفارة؛ لخروجها عن الشرط.
ثم لم يزل عنه - في الغموس - الإثم؛ لتعمده الكذب.
وقال الفقيه أبو منصور - رحمه الله -: والقياس عندي في التعمد بالحلف على الكذب أن يكفر؛ ولهذا ما لحقه الوزر لما أن الأيمان جعلت للتعظيم لله - - بالحلف فيها، والحالف بالغموس مجترئ على الله - - مستخف به؛ ولهذا نهى رسول الله عن الحلف بالآباء والطواغيت؛ لأن في ذلك تعظيماً لهم وتبجيلاً.
فالحالف بالغموس كالذي هو مجترئ ومستخف، فالوزر له بالجرأة لازم، ثم المتعمد متجرئ مستخف بالله - - على المعرفة؛ لأنه لا يسع، فسبيله سبيل أهل النفاق - إظهارهم الإيمان بما فيه استخفاف، وإن كان سبباً للتعظيم، للاستخفاف لزمهم العقوبة بذلك، كذا الأول، ولكنه بالحلف خرج فعله على الجرأة للوصول إلى مناه وشهوته، لا للقصد إليه.
وعلى ذلك يخرج قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - في سؤال السائل: إن العاصي مطيع للشيطان، ومن أطاع الشيطان كفر، كيف لا كفَّر العاصي؟
فقال: لأنه خرج فعله في الظاهر مخرج الطاعة له، لا أن القصد يكون طاعته، وإنما يكفر بالقصد لا بما يخرج فعله فعل معصية؛ فكذا الأول.
والله أعلم.
وعلى ذلك جاء في أمر اللعان من القول بأن "أحدكما كاذب فهل منكما من تائب"، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لم يأمر بالإيمان، ولا قال: أحدكما كافر؛ فثبت أنه لا يكفر به.
والثاني: أنه أمر بالتوبة، وقد يعلم من كذب أن عليه ذلك مع ما في القرآن من اللعن والغضب، ولم يأمر بالكفارة - وهي لا تعلم إلا بالبيان - فهي أحق أن تبين لو كانت واجبة.
والله أعلم.
والأصل عندنا في اليمين الغموس: أنه آثم، وعليه التوبة، والتوبة كفارة.
وهكذا في كل يمين في عقدها معصية أن تلزمه الكافرة وهي التوبة.
وأما الكفارة التي تلزم في المال، فهي لا تلزم بالحنث؛ لأنه بالحنث يأثم، والحنث نفسه إثم؛ لذلك لم يجز إلا بالحنث.
وما رويت من الأخبار من قوله - عليه الصلوات والسلام -: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير" : أنه إذا كان يمينه بمعصية يصير باليمين آثماً، فيكلف بالتوبة.
فإن قيل: الحلف بالطلاق، والعتاق، والحج بالماضي يلزم، كيف لا لزمته الكفارة؟
قيل: لأن الطلاق، والعتاق، والحج يلزم دون ذكر ما ذكر، إذا قال: (على حجة)، أو (أنت طالق)، أو (هو حر).
ولو قال: (والله) ألف مرة، دون ذكر الفعل لا يكون يميناً، ولا يلزمه شيء؛ لذلك افترقا.
الله أعلم.
وقوله: ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله -: الإيلاء معلوم في اللغة أنه اليمين.
وكذلك كان ابن عباس - - يقرأ: (للذين يُقْسِمُون من نسائهم).
وما هو لليمين من الحكم، لا يجب لغيرها نحو الكفارة التي تجب للحنث فيها، ثم يجب له على كل حال، على أي وصف كانت اليمين.
فكذلك حكم الإيلاء.
وهو قول عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، رضي الله عنهما.
وروي عن علي - رضى الله عنه - التفريق بين الغضب والرضا.
ثم أوجب التربص للمُولِي.
فمن كانت يمينه بدون أربعة أشهر فهو بعد المدة ليس بِمُولٍ، فلم يلزمه الحكم الذي جعل الله للإيلاء؛ ألا ترى أنه في المدة ذكر (الفيء)، وهو لو وجد منه لم يجب عليه ما في الفيء من الكفارة؟!
فكذا بمضي المدة لا يلزمه الطلاق.
وبه يقول علي وابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنهم - فيقول ابن مسعود: يلزمه حكم يمين يوم، وابن عباس يقول: الإيلاء يمين الأبد.
وذلك عندنا على إرادة الإتمام، ولو جعله شرطاً لكان الحكم يلزمه بمضي الأربعة الأشهر؛ فلا وجه للزيادة عليه، وهو قول عبد الله بن مسعود: يلزمه بدونه.
ثم اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في الوقف بعد الأربعة الأشهر، على اتفاقهم على حق لزوم الطلاق أو حقه بمضي المدة، ثم لا يجوز أن يحلف بحق الطلاق فيلزم، ويجوز أن يحلف بالطلاق فيلزم؛ لذلك كان الطلاق أحق مع ما ذلك زيادة في المدة للتربص.
وجميع المدد التي جعلت بين الزوجين لم تحتمل الزيادة عليها لما جعلت له المدة، فمثله مدة الطلاق.
وهذا على أن الله - - حذر نقض اليمين بقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ ، وأطلق في هذا أربعة أشهر، بما روي في قراءة أبي بن كعب، أنه قرأ: "فإن فاءوا فيهن"، يعني في الأربعة الأشهر، ففي غير ذلك حكم النهي له آخذ.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ ﴾ .
كقوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ ﴾ .
وليس ذلك على إحداثه بعد مضي المدة، كذلك الأول.
والله أعلم.
ثم اختلف فيه على وجوه: قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: الإيلاء على يوم فقط، وأما التربص بأربعة أشهر؛ لأنه لم يذكر في الكتاب للإيلاء مدة، وإنما ذكر المدة للتربص.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: الإيلاء على الأبد، ذهب في ذلك إلى أن الإيلاء كان طلاق القوم، والطلاق يقع إلى الأبد.
وقال آخرون: من ترك القربان في حال الغضب فهو مولٍ، وإن لم يحلف.
لكن هذا ليس بشيء؛ لأن الله ذكر الإيلاء، والإيلاء هي اليمين.
دليله ما ذكرنا [من حرف ابن مسعود وابن عباس: (للذين يقسمون)؛ فدل هذا أن حكم الإيلاء لا يلزم إلا باليمين على ترك القربان].
وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أن رجلا سأله - أنه حلف ألا يقرب امرأته سنتين.
فقال: هو إيلاء، وأنها تبين إذا مضت أربعة أشهر.
فقال: إنما حلفت ذلك لمكان ولدي.
فقال: لا يكون إيلاء.
فرأى في ذلك إيلاء إذا كان عاصياً وإذا كان إيلاؤه هو ترك قربانه إياها بمكان الولد لم ير ذلك إيلاء.
ثم لا يجوز أن يحمل ما حمل هؤلاء.
أما ما حمل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، واعتباره بالعصيان وغير العصيان، فالإيلاء هو اليمين، والأيمان لا يختلف وجوبها ووجوب أحكامها في حال العصيان وفي حال الطاعة.
فعلى ذلك حكم الإيلاء.
ولو حمل على ما حمل ابن مسعود، رضي الله عنه، لكان لا يبقى الإيلاء بعد مضي اليوم، فإذا لم يكن يمين بعد اليوم لم يبق حكمها.
ولو حمل على ما قال ابن عباس، رضي الله عنه، لكان لا فائدة لذكر التربص.
فإذا بطل ما ذكرنا ثبت قولنا: إن مدة الإيلاء إذا قصرت عن أربعة أشهر لم يلزمه حكم الإيلاء.
ولو كان على الأبد لكان لا فائدة في ذكر المدة، وألا يعتبر العصيان ولا الطاعة ولا الغضب ولا الرضاء على ما ذكرنا.
وروي في بعض الأخبار، أنه قال: الإيلاء ليس بشيء.
معناه ما قيل: إن الإيلاء كان طلاق القوم، فقوله: "ليس بشيء" يقع للحال دون مضي المدة [ثم اختلفوا أيضاً بعد مضي المدة] قبل أن يفيء إليها في المدة.
قال أصحابنا - رحمهم الله -: إذا مضت أربعة أشهر وقع الطلاق.
وقال قوم: إنه يوقف بعد مضي المدة، [فإما أن يفيء إليها، وإما أن يطلقها].
واحتجوا في ذلك إلى أن الله ذكر الفيء بعد [تربص] أربعة أشهر بقوله: ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو ﴾ ؛ لذلك كان الفيء بعد مضي الأربعة الأشهر، وروي فى بعض الأخبار الوقف فيه، وروي عن عمر وعلي عثمان وعائشة وابن عمر - رضي الله عنهم - في المُولِي: إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يفيء وإما أن يطلق.
إلى هذا يذهبون.
لكن هذا يحتمل أن يكون من الراوي دون أن يكون ما قالت الصحابة.
وأما عندنا: إن قولهم: ذكر الفيء بعد تربض أربعة أشهر، فذلك لا يوجب الفيء بعد مضيها؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ليس أنه يمسكها بعد مضي الأجل، ولكن معناه: إذا قرب انقضاء أجلهن فأمسكوهن.
فعلى ذلك جعل لهم الفيء، إذا قرب انقضاء أربعة أشهر.
وأما ما وري من (الوقف)، فليس فيه الوقف بعد مضي أربعة أشهر، يحتمل الوقف في الأربعة الأشهر.
وأما عندنا: فإنها تَبِينُ إذا مضت أربعة أشهر؛ لما روي عن سبعة من أصحاب رسول الله ، أو ثمانية، أنهم قالوا: إذا مضت أربعة أشهر بانت منه، من نحو: عمر علي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وجابر وزيد بن ثابت، رضوان الله عليهم أجمعين، فاتبعناهم.
ثم اختلف في الطلاق إذا وقع: قال قوم: هو رجعي.
وهو قول أهل المدينة.
فهو على قولهم؛ تعنُّت؛ لأن الزوج يقدم إلى الحاكم، فيطلق عليه الحاكم، ثم كان له حق المراجعة، فيكلف الحاكم العنت.
وأما عندنا: فهو بائن.
وعلى ذلك جاءت الأخبار، روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: إذا مضت أربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - مثله.وروي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - في قوله: "فإن فاءوا" أي فيهن يعني في الأربعة الأشهر، ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فثبت أنه جعل الرحمة والمغفرة فيها.
والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ ، ولو لم يجعل له القربان والنقض في المدة لكان لا سبيل له إلى نقضها بعد مضي المدة؛ إذ هي تتأكد؛ فثبت أنه لا بما اعتبروا يلزم.
ثم قوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: بما جعل له الخروج مما ضيق على نفسه؛ لأنه لا تطول عليه المدة.
ويحتمل: أن المغفرة كانت بما ارتكب ما إذا مضى عليه وجد ذاته مستحقّاً للعقوبة، فغفر له صنيعه، ورحمه بأن يجاوز عنه ما فعل.
وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ ﴾ .
روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: عزيمة الطلاق مضيُّ أربعة أشهر.
وقد ذكرنا قول الصحابة - رضي الله عنهم -: إن عزيمة الطلاق [انقضاء] أربعة أشهر.
وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
سميع: بإيلائهم، عليم: بترك الفيء وتحقيق حكمه، أو عليم بما أراد بالإيلاء، كأنه قال: إنه عن علم بما يكون من خلقه وبما به صلاحهم وما إليه مرجعهم، خلقهم، وهو السميع بجميع ما به تناجوا وأسروا وجهروا.
والله الموفق.
والفيء: الجماع، وهو الرجوع في الحاصل؛ لأنه حلف ألا يقربها، فإذا قربها رجع عن ذلك.
وهكذا روي عن ابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا: الفيء: الجماع.
للذين يحلفون على ترك جماع نسائهم انتظار مدة لا تزيد عن أربعة أشهر، ابتداء من حلفهم، وهو ما يُعرف بالإيلاء، فإن رجعوا إلى جماع نسائهم بعد حلفهم على تركه في مدة أربعة أشهر فما دون؛ فإن الله غفور يغفر لهم ما حصل منهم، ورحيم بهم حيث شرع الكفارة مخرجًا من هذا اليمين.
<div class="verse-tafsir" id="91.v173R"
هذه الآيات في أحكام الأيمان وهي عامة وخاصة، والثاني هو حلف الرجل أن لا يقرب امرأته، وخص باسم الإيلاء في عرف الشرع كما سيأتي، فبين الآيات وما قبلها وما بعدها تناسب بهذا الاعتبار.
﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ﴾ العرضة بالضم كالغرفة لها معان أظهرها هنا اثنان: أحدهما: أن تكون بمعنى المانع المعترض دون الشيء، أي لا تجعلوا الله تعالى مانعًا بينكم وبين عمل الخير بأن تحلفوا به على تركه فتتركوه تعظيمًا لاسمه، ويؤيد هذا المعنى ما رواه ابن جرير في سبب نزول الآية وهو حلف أبي بكر على ترك الإنفاق على "مسطح" بعد أن خاض في قصة الإفك وفيه نزل ﴿ وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى ﴾ الآية.
ويؤيده أيضًا أحاديث في الصحيحين وغيرهما منها قوله : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وقوله :"والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" وفي حديث عائشة عند ابن ماجة وابن جرير قالت قال رسول الله :"من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية فَبِرُّه أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" وفي هذا المعنى أحاديث أخرى.
ذلك أن الإنسان يسرع إلى لسانه الحلف أنه لا يفعل كذا وقد يكون خيرًا وليفعلن كذا وقد يكون شرًا، والله تعالى لا يرضى بأن يكون اسمه حجابًا دون الخير أو محضاء للشر، فنهى عن ذلك وأمر نبيه بوجوب تحري الخير والأحسن، وإن حلف على غيره فليكفر عن يمينه بما هو منصوص في سورة المائدة.
والمعنى الثاني: للعُرْضة ما يعرض للشيء أي ما ينصب ليعرض له الشيء كالهدف للسهام، يقال فلان عرضة للناس إذا كانوا يقعون فيه ويعرضون له بالمكروه، قال الشاعر: وإن تتركوا رهط الفدوكس عصبة يتامى أيامى عرضة للقبائل ويقال جعلته عرضة لكذا أي نصبته له فكان معروضًا له يكثر وروده عليه، وقال الشاعر: طلقتهن وما الطلاق بسبة إن النساء لعرضة التطليق والمعنى على هذا الوجه لا تكثروا الحلف بالله تعالى فالذي يجعل الله عرضة لأيمانه هو كالحلاف في قوله تعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ ﴾ فكثير الحلف حليف المهانة وقرينها، وقد ذكر تعالى في هذه الآيات صفات أخرى ذميمة نهى عن أهلها وبدأها بالحلاف فقال بعد ما تقدم ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ فالحلاف يعد في مقدمة هؤلاء الأشرار.
ومن أكثر الحلف قلت مهابته وكثر حنثه واتهم بالكذب، ولا يكون الحلاف إلا كذابًا فهو على إهانته لاسم الله تعالى يفوته ما يريد من قبول قوله وتصديقه، فالآية الكريمة ترشدنا إلى ترك الحلف بالله تعالى إلا عند الحاجة إلى ذلك.
وهذا الوجه أظهر من الذي سبقه، والعرضة بهذا المعنى أكثر استعمالًا وكانت العرب تمتدح بقلة الحلف وحفظ الأيمان قال الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت و "الألايا" جمع ألية وهي اليمين كقضية وقضايا، وإنك لتجد كثيرًا من أهل الدين لا يحفظون من أيمانهم ما كان يحفظ أهل الشرك في الجاهلية فأين هم من قول الإمام الشافعي: ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا؟
ومن مذام كثرة الحلف أنه يقلل ثقة الإنسان بنفسه وثقة الناس به، فهو يشعر بأنه لا يصدق فيحلف، ولهذا وصفه الله تعالى بالمهين، وكثيرًا ما يعرض نفسه للخطأ إذا حلف على المستقبل، ثم إنه لا يكون إلا قليل الخشية والتعظيم لله تعالى لا يهمه إلا أن يرضي الناس ويكون موثوقًا به عندهم، فتعريض اسم الله تعالى للحلف بدون ضرورة ولا حاجة ينشأ عن فقد هيبة الله وإجلاله من النفس فإن الناس يتعلمون كثرة الحلف من أمهاتهم ومن الولدان الذين يتربون معهم وهم صغار فيتعودون عدم احترام اسم الله تعالى وقد نجد هذا الحلف فاشيًا حتى في المشتغلين بعلم الدين، ذلك أن علم الدين أصبح صناعة لفظين لا أثر لها في القلوب ولا في الأعمال، وقد حدثني بعضهم حديثًا أربع مرات وفي كل مرة كان يحلف عليه ويكذب فيه بما يزيد فيه وينقص منه.
وقوله تعالى ﴿ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ على الوجه الأول بيان الأيمان لأنه بمعنى المحلوف عليه، أي لا تجعلوه مانعًا لما حلفتم على تركه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، بل إذا حلف أحدكم على ترك البر أو التقوى أو الإصلاح فليكفر عن يمينه وليفعل البر والتقوى والإصلاح، فلا عذر لأحد في ترك ذلك، ولا يرضى الله تعالى أن يكون اسمه مانعًا منه، وأما على الوجه الثاني فهو لتعليل النهي أي لا تجعلوه تعالى معرضًا لأيمانكم لأجل البر والتقوى والإصلاح فإن كثير الحلف لا يكون أهلًا لذلك لما تقدم من كونه يكون مهينًا، غير معظم لله تعالى، وعرضة للكذب والحنث، وغير موثوق بقوله، فأنَّى يرضاه الناس مصلحًا بينهم، والمصلح مرب ومؤدب وحاكم مطاع بالاختيار.
ثم قال ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي سميع لما تلفظون به من الحلف وغيره عليم بما يترتب على كثرة الحلف وبغيره من أعمالكم فعليكم أن تراقبوه وتتذكروا عند داعية كل قول وعمل أنه سميع لأقوالكم عليه بأفعالكم، لعلكم تقفون عند حدود هدايته لكم فتكونون من المفلحين، وإلا كنتم من الخاسرين.
هذا الختم للآية يتضمن الوعيد على كثرة الحلف، فإذا دخل فيه ما يجري في الكلام من قصد وروية كقول الإنسان: أي والله، لا والله: وعد هذا مما يؤاخذ عليه ويجري فيه الحكم السابق كان الحرج عظيمًا، وقد رفع الله هذا الحرج بقوله ﴿ لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ فاللغو أن يقع الكلام حشوًا غير مقصود به معناه، فهو يقول إن هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان عادة ولا يقصد بها عقد اليمين لغو من القول لا تعد إيمانًا حقيقية، فلا يؤاخذكم الله تعالى بها بفرض الكفارة عليها ولا بالعقاب ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ بأن تقصدوا جعل اسمه الكريم عرضة للابتذال، أو مانعًا لصالح الأعمال، فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فالقول الحشو الذي لا أثر له في القلب، ولا شأن له في العمل، مما يعفو عنه، ولا يعاقب عليه، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ يغفر لعبده ما يلم به مما لا يفسد أخلاقه وأعماله، ولا يتعجل بالعقوبة على هذا اللمم الذي يضعف العبد عن التوقي منه، ولذلك لم يكلف عباده ما يشق عليهم فيما لم تقصده قلوبهم ولم تتعمده نفوسهم، لأنه مما لا يدخل تحت سلطة الاختيار.
وقد ذكر بعض الفقهاء لليمين اللغو غير هذا المعنى المتبادر ووضعوا لذلك أحكامًا ذكرها المفسرون ولا حاجة إليها، وما قلناه هو المتبادر المأثور عن جمهور السلف.
بعد بيان هذه الأحكام في الأيمان العامة انتقل إلى حكم اليمين الخاصة فقال ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ إلخ فالإيلاء من المرأة أن يحلف الرجل أنه لا يقربها، وهو مما يكون من الرجال عند المغاضبة والغيظ، وفيه امتهان للمرأة وهضم لحقها وإظهار لعدم المبالاة بها، فترك المقاربة الخاصة المعلومة ضرارًا معصية، والحلف عليها حلف على ما لا يرضى الله تعالى به لما فيه من ترك التواد والتراحم بين الزوجين وما يترتب على ذلك من المفاسد في أنفسهما وفي عيالهما وأقاربهما، والظاهر أن حكم هذا الإيلاء "الحلف" يدخل في معنى الآية السابقة على الوجه الأول من الوجهين اللذين أوردناهما، وهو أنه يجب على المؤلي أن يحنث ويكفر عن يمينه، ولكنه إذا لم يفعل هذا الواجب لم يكن آثمًا في نفسه فقط فيقال حسبه ما يلقى من جزاء إثمه، بل يكون بإثمه هاضمًا لحق امرأته، ولا يبيح له العدل هذا الهضم والظلم، ولذلك أنزل الله فيه هذا الحكم، وهو التربص مدة أربعة أشهر، وقد قيل إن هذه هي المدة التي لا يشق على المرأة البعد فيها عن الرجل وهي كافية لتروي الرجل في أمره ورجوعه إلى رشده ﴿ فَإِنْ فَاءُوا ﴾ أي رجعوا إلى نسائهم بأن حنثوا في اليمين وقاربوهن في أثناء هذه المدة أو آخرها ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يغفر لهم منا سلف برحمته الواسعة، لأن الفيئة توبة في حقهم ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾ أي صمموا على أن لا يعودوا إلى ملامسة نسائهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي فليراقبوا الله تعالى عالمين أنه سميع لإيلائهم وطلاقهم عليم بنيتهم فيه، فإن كانوا يريدون به إيذاء النساء ومضارتهن فهو يتولى عقابهم، وإن كان لهم عذر شرعي بأن كان الباعث على الإيلاء تربية النساء لأجل إقامة حدود الله، وعلى الطلاق اليأس من إمكان المعاشرة بالمعروف، فهو يغفر لهم، والمعنى أن من حلف على ترك غشيان امرأته فلا يجوز له أن يتربص أكثر من أربعة أشهر فإن تاب وعاد قبل انقضائها لم يكن عليه إثم، وإن أتمها تعين عليه أحد الأمرين الفيئة والرجوع إلى المعاشرة الزوجية أو الطلاق، وعليه أن يراقب الله تعالى فيما يختاره منهما.
فإن لم يطلق هو بالقول كان مطلقًا بالفعل، أي أنها تطلق منه بعد انتهاء المدة رغم أنفه منعًا للضرار، وقيل ترفع أمرها إلى الحاكم فيطلق عليه، والمسألة خلافية في هذا ولكن لا خلاف في عدم جواز بقائها على عصمته وعدم إباحة مضارتها.
وقد فضل الله تعالى الفيئة على الطلاق إذ جعل جزاء الفيئة المغفرة والرحمة، وهدى إلى مراقبته في العزم على الطلاق، وذَكَّر المؤلي بسمعه تعالى لما يقول وعلمه بما يسره في نفسه ويقصده من علمه.
هذا حكم الإيلاء من المرأة إذا أطلقه الزوج فلم يذكر زمنًا أو قال لا أقربك مدة كذا وذكر أكثر من أربعة أشهر، فإن ذكر مدة دون أربعة أشهر فلا يلزمه شيء إذا أتمها وفي الأربعة خلف.
وقد عَدَّى الإيلاء هنا "بمن" لما فيه من معنى المفارقة والانفصال، وهو من البلاغة والإيجاز بمكان.
وقال في غيره ألى وآلى وائتلى أن يفعل كذا أي حلف، وصار الإيلاء حقيقة شرعية في الحلف لمذكور.