الآية ٢٢٩ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٢٩ من سورة البقرة

ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَـٰنٍۢ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٢٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 354 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢٩ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام ، من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته ، وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة ، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله عز وجل إلى ثلاث طلقات ، وأباح الرجعة في المرة والثنتين ، وأبانها بالكلية في الثالثة ، فقال : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال أبو داود ، رحمه الله ، في سننه : " باب في نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث " : حدثنا أحمد بن محمد المروزي ، حدثني علي بن الحسين بن واقد ، عن أبيه ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن الآية : وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها ، وإن طلقها ثلاثا ، فنسخ ذلك فقال : الطلاق مرتان الآية .

ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن علي بن الحسين ، به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا هارون بن إسحاق ، حدثنا عبدة يعني ابن سليمان عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن رجلا قال لامرأته : لا أطلقك أبدا ولا آويك أبدا .

قالت : وكيف ذلك ؟

قال : أطلقك ، حتى إذا دنا أجلك راجعتك .

فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فأنزل الله عز وجل : ( الطلاق مرتان وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره من طريق جرير بن عبد الحميد ، وابن إدريس .

ورواه عبد بن حميد في تفسيره ، عن جعفر بن عون ، كلهم عن هشام ، عن أبيه .

قال : كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء ، ما دامت في العدة ، وإن رجلا من الأنصار غضب على امرأته فقال : والله لا آويك ولا أفارقك .

قالت : وكيف ذلك .

قال : أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك ، ثم أطلقك ، فإذا دنا أجلك راجعتك .

فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : ( الطلاق مرتان قال : فاستقبل الناس الطلاق ، من كان طلق ومن لم يكن طلق .

وقد رواه أبو بكر بن مردويه ، من طريق محمد بن سليمان ، عن يعلى بن شبيب مولى الزبير عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم .

ورواه الترمذي ، عن قتيبة ، عن يعلى بن شبيب به .

ثم رواه عن أبي كريب ، عن ابن إدريس ، عن هشام ، عن أبيه مرسلا .

قال : هذا أصح .

ورواه الحاكم في مستدركه ، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب ، عن يعلى بن شبيب به ، وقال صحيح الإسناد .

ثم قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لم يكن للطلاق وقت ، يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة ، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس فقال : والله لأتركنك لا أيما ولا ذات زوج ، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها ، ففعل ذلك مرارا ، فأنزل الله عز وجل فيه : ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فوقت الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة ، حتى تنكح زوجا غيره .

وهكذا روي عن قتادة مرسلا .

وذكره السدي ، وابن زيد ، وابن جرير كذلك ، واختار أن هذا تفسير هذه الآية .

وقوله : ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان أي : إذا طلقتها واحدة أو اثنتين ، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية ، بين أن تردها إليك ناويا الإصلاح بها والإحسان إليها ، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها ، فتبين منك ، وتطلق سراحها محسنا إليها ، لا تظلمها من حقها شيئا ، ولا تضار بها .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين ، فليتق الله في الثالثة ، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها أو يسرحها [ بإحسان ] فلا يظلمها من حقها شيئا .

وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني سفيان الثوري ، حدثني إسماعيل بن سميع ، قال : سمعت أبا رزين يقول : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أرأيت قول الله عز وجل : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان أين الثالثة ؟

قال : " التسريح بإحسان " .

ورواه عبد بن حميد في تفسيره ، ولفظه : أخبرنا يزيد بن أبي حكيم ، عن سفيان ، عن إسماعيل بن سميع ، أن أبا رزين الأسدي يقول : قال رجل : يا رسول الله ، أرأيت قول الله : " الطلاق مرتان " ، فأين الثالثة ؟

قال : " التسريح بإحسان الثالثة " .

ورواه الإمام أحمد أيضا .

وهكذا رواه سعيد بن منصور ، عن خالد بن عبد الله ، عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أبي رزين ، به .

وكذا رواه قيس بن الربيع ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أبي رزين به مرسلا .

ورواه ابن مردويه [ أيضا ] من طريق عبد الواحد بن زياد ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره .

ثم قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم ، حدثنا أحمد بن يحيى ، حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة حدثنا ابن عائشة حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ذكر الله الطلاق مرتين ، فأين الثالثة ؟

قال : " إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " .

وقوله : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا [ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ] أي : لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن ، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه ، كما قال تعالى : ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) [ النساء : 19 ] فأما إن وهبته المرأة شيئا عن طيب نفس منها .

فقد قال تعالى : ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) [ النساء : 4 ] وأما إذا تشاقق الزوجان ، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته ، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها ، ولا حرج عليها في بذلها ، ولا عليه في قبول ذلك منها ; ولهذا قال تعالى : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به الآية .

فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه ، فقد قال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية قالا جميعا : حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عمن حدثه ، عن ثوبان ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة " .

وهكذا رواه الترمذي ، عن بندار ، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به .

وقال حسن : قال : ويروى ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان .

ورواه بعضهم ، عن أيوب بهذا الإسناد .

ولم يرفعه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة قال : وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة " .

وهكذا رواه أبو داود ، وابن ماجه ، وابن جرير ، من حديث حماد بن زيد ، به .

طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن ليث ، عن أبي إدريس ، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس ، حرم الله عليها رائحة الجنة " .

وقال : " المختلعات هن المنافقات " .

ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعا ، عن أبي كريب ، عن مزاحم بن ذواد بن علبة ، عن أبيه ، عن ليث ، هو ابن أبي سليم عن أبي الخطاب ، عن أبي زرعة ، عن أبي إدريس ، عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المختلعات هن المنافقات " .

ثم قال الترمذي : غريب من هذا الوجه ، وليس إسناده بالقوي .

حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا حفص بن بشر ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن أشعث بن سوار ، عن الحسن عن ثابت بن يزيد ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات " غريب من هذا الوجه ضعيف .

حديث آخر : قال ابن ماجه : حدثنا بكر بن خلف أبو بشر ، حدثنا أبو عاصم ، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان ، عن عمه عمارة بن ثوبان ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا أيوب ، عن الحسن عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " المختلعات والمنتزعات هن المنافقات " .

ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف : إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة ، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية ، واحتجوا بقوله : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا [ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ] .

قالوا : فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة ، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل ، والأصل عدمه ، وممن ذهب إلى هذا ابن عباس ، وطاوس ، وإبراهيم ، وعطاء ، [ والحسن ] والجمهور ، حتى قال مالك والأوزاعي : لو أخذ منها شيئا وهو مضار لها وجب رده إليها ، وكان الطلاق رجعيا .

قال مالك : وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه .

وذهب الشافعي ، رحمه الله ، إلى أنه يجوز الخلع في حالة الشقاق ، وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى ، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة .

وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب " الاستذكار " له ، عن بكر بن عبد الله المزني ، أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله : ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) [ النساء : 20 ] .

ورواه ابن جرير عنه وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله .

وقد ذكر ابن جرير ، رحمه الله ، أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس وامرأته حبيبة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول .

ولنذكر طرق حديثها ، واختلاف ألفاظه : قال الإمام مالك في موطئه : عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ، أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية ، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من هذه ؟

" قالت : أنا حبيبة بنت سهل .

فقال : " ما شأنك ؟

" فقالت : لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر " .

فقالت حبيبة : يا رسول الله ، كل ما أعطاني عندي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذ منها " .

فأخذ منها وجلست في أهلها .

وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك بإسناده مثله .

ورواه أبو داود ، عن القعنبي ، عن مالك .

والنسائي ، عن محمد بن مسلمة ، عن ابن القاسم ، عن مالك به .

حديث آخر : عن عائشة : قال أبو داود وابن جرير : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا أبو عامر ، حدثنا أبو عمرو السدوسي ، عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة ، عن عائشة ، أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس ، فضربها فكسر نغضها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكته إليه ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال : " خذ بعض مالها وفارقها " .

قال : ويصلح ذلك يا رسول الله ؟

قال : " نعم " .

قال : فإني أصدقتها حديقتين ، فهما بيدها .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " خذهما وفارقها " .

ففعل .

وهذا لفظ ابن جرير .

وأبو عمرو السدوسي هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام .

حديث آخر فيه : عن ابن عباس رضي الله عنه : قال البخاري : حدثنا أزهر بن جميل ، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي ، حدثنا خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، ما أعتب عليه في خلق ولا دين ، ولكن أكره الكفر في الإسلام .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتردين عليه حديقته ؟

" قالت : نعم .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " .

وكذا رواه النسائي ، عن أزهر بن جميل بإسناده ، مثله .

ورواه البخاري أيضا ، عن إسحاق الواسطي ، عن خالد هو ابن عبد الله الطحان ، عن خالد ، هو ابن مهران الحذاء ، عن عكرمة به ، نحوه .

وهكذا رواه البخاري أيضا من طرق ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، به .

وفي بعضها أنها قالت : لا أطيقه ، تعني : بغضا .

وهذا الحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه .

ثم قال : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عكرمة ، أن جميلة رضي الله عنها .

كذا قال ، والمشهور أن اسمها حبيبة [ كما تقدم ] .

قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره : حدثنا موسى بن هارون ، حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : والله ما أعتب على ثابت بن قيس بن شماس في دين ولا خلق ، ولكنني أكره الكفر بعد الإسلام ، لا أطيقه بغضا .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " تردين عليه حديقته ؟

" قالت : نعم ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد .

وهكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان ، بإسناده مثله سواء ، وهو إسناد جيد مستقيم .

ورواه أيضا أبو القاسم البغوي ، عن عبيد الله القواريري ، عن عبد الأعلى ، مثله ، لكن قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا الحسين بن واقد ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح عن جميلة بنت أبي ابن سلول : أنها كانت تحت ثابت بن قيس ، فنشزت عليه ، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " يا جميلة ، ما كرهت من ثابت ؟

" قالت : والله ما كرهت منه دينا ولا خلقا ، إلا أني كرهت دمامته !

فقال لها : " أتردين الحديقة ؟

" قالت : نعم .

فردت الحديقة ، وفرق بينهما .

قال ابن جرير أيضا : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال : قرأت على فضيل ، عن أبي جرير أنه سأل عكرمة : هل كان للخلع أصل ؟

قال : كان ابن عباس يقول : إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبي ، أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا ، إني رفعت جانب الخباء ، فرأيته أقبل في عدة ، فإذا هو أشدهم سوادا ، وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها .

قال زوجها : يا رسول الله ، إني قد أعطيتها أفضل مالي ، حديقة لي ، فإن ردت علي حديقتي ؟

قال : " ما تقولين ؟

" قالت : نعم ، وإن شاء زدته .

قال : ففرق بينهما .

حديث آخر : قال ابن ماجه : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس ، وكان رجلا دميما ، فقالت : يا رسول الله ، والله لولا مخافة الله إذا دخل علي بصقت في وجهه !

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتردين عليه حديقته ؟

" قالت : نعم .

فردت عليه حديقته .

قال ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد اختلف الأئمة ، رحمهم الله ، في أنه : هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها ؟

فذهب الجمهور إلى جواز ذلك ، لعموم قوله تعالى : ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، أخبرنا أيوب ، عن كثير مولى سمرة : أن عمر أتي بامرأة ناشز ، فأمر بها إلى بيت كثير الزبل ، ثم دعا بها فقال : كيف وجدت ؟

فقالت : ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي حبستني .

فقال لزوجها : اخلعها ولو من قرطها ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن كثير مولى سمرة ، فذكر مثله ، وزاد : فحبسها فيه ثلاثة أيام .

قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن حميد بن عبد الرحمن : أن امرأة أتت عمر بن الخطاب ، فشكت زوجها ، فأباتها في بيت الزبل .

فلما أصبحت قال لها : كيف وجدت مكانك ؟

قالت : ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة .

فقال : خذ ولو عقاصها .

وقال البخاري : وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل : أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته قالت : كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني ، ويحرمني إذا غاب عني .

قالت : فكانت مني زلة يوما ، فقلت له : أختلع منك بكل شيء أملكه ؟

قال : نعم .

قالت : ففعلت .

قالت فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان ، فأجاز الخلع ، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه ، أو قالت : ما دون عقاص الرأس .

ومعنى هذا : أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير ، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها .

وبه يقولابن عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وإبراهيم النخعي ، وقبيصة بن ذؤيب ، والحسن بن صالح ، وعثمان البتي .

وهذا مذهب مالك ، والليث ، والشافعي ، وأبي ثور ، واختاره ابن جرير .

وقال أصحاب أبي حنيفة ، رحمهم الله : إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها ، ولا تجوز الزيادة عليه ، فإن ازداد جاز في القضاء : وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا ، فإن أخذ جاز في القضاء .

وقال الإمام أحمد ، وأبو عبيد ، وإسحاق ابن راهويه : لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

وهذا قول سعيد بن المسيب ، وعطاء ، وعمرو بن شعيب ، والزهري ، وطاوس ، والحسن ، والشعبي ، وحماد بن أبي سليمان ، والربيع بن أنس .

وقال معمر ، والحكم : كان علي يقول : لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها .

وقال الأوزاعي : القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها .

قلت : ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قصة ثابت بن قيس : فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد ، وبما روى عبد بن حميد حيث قال : أخبرنا قبيصة ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء : أن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها يعني المختلعة وحملوا معنى الآية على معنى فلا جناح عليهما فيما افتدت به أي : من الذي أعطاها ; لتقدم قوله : ( ولا [ يحل لكم أن ] تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به أي : من ذلك .

وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس : " فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه " رواه ابن جرير ; ولهذا قال بعده : ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فصل قال الشافعي : اختلف أصحابنا في الخلع ، فأخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد ، يتزوجها إن شاء لأن الله تعالى يقول : ( الطلاق مرتان قرأ إلى : ( أن يتراجعا قال الشافعي : وأخبرنا سفيان ، عن عمرو [ بن دينار ] عن عكرمة قال : كل شيء أجازه المال فليس بطلاق .

وروى غير الشافعي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس : أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله فقال : رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه ، أيتزوجها ؟

قال : نعم ، ليس الخلع بطلاق ، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها ، والخلع فيما بين ذلك ، فليس الخلع بشيء ، ثم قرأ : ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقرأ : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما من أن الخلع ليس بطلاق ، وإنما هو فسخ هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، وابن عمر .

وهو قول طاوس ، وعكرمة .

وبه يقول أحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه ، وأبو ثور ، وداود بن علي الظاهري .

وهو مذهب الشافعي في القديم ، وهو ظاهر الآية الكريمة .

والقول الثاني في الخلع : إنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك .

قال مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن جمهان مولى الأسلميين عن أم بكر الأسلمية : أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد ، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك ، فقال : تطليقة ; إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت .

قال الشافعي : ولا أعرف جمهان .

وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر ، والله أعلم .

وقد روي نحوه عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر .

وبه يقول سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، وشريح ، والشعبي ، وإبراهيم ، وجابر بن زيد .

وإليه ذهب مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي ، وعثمان البتي ، والشافعي في الجديد .

غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق فهو واحدة بائنة .

وإن نوى ثلاثا فثلاث .

وللشافعي قول آخر في الخلع ، وهو : أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق ، وعري عن النية فليس هو بشيء بالكلية .

مسألة : وذهب مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد وإسحاق في رواية عنهما ، وهي المشهورة ; إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء ، إن كانت ممن تحيض .

وروي ذلك عن عمر ، وعلي ، وابن عمر .

وبه يقول سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وعروة ، وسالم ، وأبو سلمة ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن شهاب ، والحسن ، والشعبي ، وإبراهيم النخعي ، وأبو عياض ، وجلاس بن عمرو ، وقتادة ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأبو عبيد .

قال الترمذي : وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم .

ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق ، فتعتد كسائر المطلقات .

والقول الثاني : أنها تعتد بحيضة واحدة تستبرئ بها رحمها .

قال ابن أبي شيبة : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع أن الربيع اختلعت من زوجها ، فأتى عمها عثمان ، رضي الله عنه ، فقال : تعتد حيضة .

قال : وكان ابن عمر يقول : تعتد ثلاث حيض ، حتى قال هذا عثمان ، فكان ابن عمر يفتي به ويقول : عثمان خيرنا وأعلمنا .

وحدثنا عبدة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : عدة المختلعة حيضة .

وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن ليث ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : عدتها حيضة .

وبه يقول عكرمة ، وأبان بن عثمان ، وكل من تقدم ذكره ممن يقول : إن الخلع فسخ يلزمه القول بهذا ، واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود ، والترمذي ، حيث قال كل واحد منهما : حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي ، حدثنا علي بن بحر ، حدثنا هشام بن يوسف ، عن معمر ، عن عمرو بن مسلم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة .

ثم قال الترمذي : حسن غريب .

وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عمرو بن مسلم ، عن عكرمة مرسلا .

حديث آخر : قال الترمذي : حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا الفضل بن موسى ، عن سفيان ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن وهو مولى آل طلحة ، عن سليمان بن يسار ، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء : أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرها النبي أو أمرت أن تعتد بحيضة .

قال الترمذي : الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة .

طريق أخرى : قال ابن ماجه : حدثنا علي بن سلمة النيسابوري ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، حدثنا أبي عن ابن إسحاق ، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قال : قلت لها : حدثيني حديثك .

قالت : اختلعت من زوجي ، ثم جئت عثمان ، فسألت : ماذا علي من العدة ؟

قال : لا عدة عليك ، إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة .

قالت : وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية ، وكانت تحت ثابت بن قيس ، فاختلعت منه .

وقد روى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن الربيع بنت معوذ قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة .

مسألة : وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء ; لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء .

وروي عن عبد الله بن أبي أوفى ، وماهان الحنفي ، وسعيد بن المسيب ، والزهري أنهم قالوا : إن رد إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها ، وهو اختيار أبي ثور ، رحمه الله .

وقال سفيان الثوري : إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها .

وإن كان سمى طلاقا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة .

وبه يقول داود بن علي الظاهري : واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة .

وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر ، عن فرقة أنه لا يجوز له ذلك ، كما لا يجوز لغيره ، وهو قول شاذ مردود .

مسألة : وهل له أن يوقع عليها طلاقا آخر في العدة ؟

فيه ثلاثة أقوال للعلماء : أحدهما : ليس له ذلك ; لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه .

وبه يقول ابن عباس ، وابن الزبير ، وعكرمة ، وجابر بن زيد ، والحسن البصري ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه ، وأبو ثور .

والثاني : قال مالك : إن أتبع الخلع طلاقا من غير سكوت بينهما وقع ، وإن سكت بينهما لم يقع .

قال ابن عبد البر : وهذا يشبه ما روي عن عثمان ، رضي الله عنه .

والثالث : أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي .

وبه يقول سعيد بن المسيب ، وشريح ، وطاوس ، وإبراهيم ، والزهري ، والحكم وحماد بن أبي سليمان .

وروي ذلك عن ابن مسعود ، وأبي الدرداء قال ابن عبد البر : وليس ذلك بثابت عنهما .

وقوله : ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون أي : هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده ، فلا تتجاوزوها .

كما ثبت في الحديث الصحيح : " إن الله حد حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تضيعوها ، وحرم محارم فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان ، فلا تسألوا عنها " .

وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام ، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم ، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة واحدة ، لقوله : ( الطلاق مرتان ثم قال : ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه حيث قال : حدثنا سليمان بن داود ، أخبرنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه ، عن محمود بن لبيد قال : أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ، ثم قال : " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟

!

" حتى قام رجل فقال يا رسول الله ، ألا أقتله ؟

فيه انقطاع .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان القول في تأويل قوله تعالى : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته , والعدد الذي تبين به زوجته منه .

ذكر من قال إن هذه الآية أنزلت لأن أهل الجاهلية وأهل الإسلام قبل نزولها لم يكن لطلاقهم نهاية تبين بالانتهاء إليها امرأته منه ما راجعها في عدتها منه , فجعل الله تعالى ذكره لذلك حدا حرم بانتهاء الطلاق إليه على الرجل امرأته المطلقة إلا بعد زوج , وجعلها حينئذ أملك بنفسها منه .

ذكر الأخبار الواردة بما قلنا في ذلك : 3775 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن هشام بن عروة , عن أبيه , قال : كان الرجل يطلق ما شاء ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت امرأته , فغضب رجل من الأنصار على امرأته , فقال لها : لا أقربك ولا تحلين مني !

قالت له : كيف ؟

قال : أطلقك , حتى إذا دنا أجلك راجعتك ثم أطلقك , فإذا دنا أجلك راجعتك .

قال : فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله تعالى ذكره : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف } .

.

الآية .

* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , عن هشام , عن أبيه , قال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : لا آويك , ولا أدعك تحلين !

فقالت له : كيف تصنع ؟

قال : أطلقك , فإذا دنا مضي عدتك راجعتك , فمتى تحلين ؟

فأتت النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فاستقبله الناس جديدا من كان طلق ومن لم يكن طلق .

3776 - حدثنا محمد بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : كان أهل الجاهلية كان الرجل يطلق الثلاث والعشر وأكثر من ذلك , ثم يراجع ما كانت في العدة , فجعل الله حد الطلاق ثلاث تطليقات .

* حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : كان أهل الجاهلية يطلق أحدهم امرأته ثم يراجعها لا حد في ذلك , هي امرأته ما راجعها في عدتها , فجعل الله حد ذلك يصير إلى ثلاثة قروء , وجعل حد الطلاق ثلاث تطليقات .

3777 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { الطلاق مرتان } قال كان الطلاق قبل أن يجعل الله الطلاق ثلاث ليس له أمد يطلق الرجل امرأته مائة , ثم إن أراد أن يراجعها قبل أن تحل كان ذلك له , وطلق رجل امرأته حتى إذا كادت أن تحل ارتجعها , ثم استأنف بها طلاقا بعد ذلك ليضارها بتركها , حتى إذا كان قبل انقضاء عدتها راجعها , وصنع ذلك مرارا .

فلما علم الله ذلك منه , جعل الطلاق ثلاثا , مرتين , ثم بعد المرتين إمساك بمعروف , أو تسريح بإحسان .

3778 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } أما قوله : { الطلاق مرتان } فهو الميقات الذي يكون عليها فيه الرجعة .

3779 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن سماك , عن عكرمة في قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال : إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فيطلقها تطليقتين , فإن أراد أن يراجعها كانت له عليها رجعة , فإن شاء طلقها أخرى , فلم تحل له حتى تنكح زوجا غيره .

فتأويل الآية على هذا الخبر الذي ذكرنا عدد الطلاق الذي لكم أيها الناس فيه على أزواجكم الرجعة إذا كن مدخولا بهن : تطليقتان , ثم الواجب على من راجع منكم بعد التطليقتين إمساك بمعروف , أو تسريح بإحسان , لأنه لا رجعة له بعد التطليقتين إن سرحها فطلقها الثالثة .

وقال آخرون إنما أنزلت هذه الآية على نبي الله صلى الله عليه وسلم تعريفا من الله تعالى ذكره عباده سنة طلاقهم نساءهم إذا أرادوا طلاقهن , لا دلالة على القدر الذي تبين به المرأة من زوجها .

ذكر من قال ذلك : 3780 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مطرف , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله في قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال : يطلقها بعد ما تطهر من قبل جماع , ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى , ثم يطلقها إن شاء , ثم إن أراد أن يراجعها راجعها , ثم إن شاء طلقها , وإلا تركها حتى تتم ثلاث حيض وتبين منه به .

3781 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال : إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين , فليتق الله في التطليقة الثالثة , فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها , أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا .

3782 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال : يطلق الرجل امرأته طاهرا من غير جماع , فإذا حاضت ثم طهرت فقد تم القرء , ثم يطلق الثانية كما يطلق الأولى , إن أحب أن يفعل , فإن طلق الثانية ثم حاضت الحيضة الثانية فهما تطليقتان وقرءان , ثم قال الله تعالى ذكره في الثالثة : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فيطلقها في ذلك القرء كله إن شاء حين تجمع عليها ثيابها .

* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحوه , إلا أنه قال : فحاضت الحيضة الثانية , كما طلق الأولى , فهذان تطليقتان وقرءان , ثم قال : الثالثة , وسائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو , عن أبي عاصم .

وتأويل الآية على قول هؤلاء : سنة الطلاق التي سننتها وأبحتها لكم إن أردتم طلاق نسائكم , أن تطلقوهن ثنتين في كل طهر واحدة , ثم الواجب بعد ذلك عليكم : إما أن تمسكوهن بمعروف , أو تسرحوهن بإحسان .

والذي هو أولى بظاهر التنزيل ما قاله عروة وقتادة ومن قال مثل قولهما من أن الآية إنما هي دليل على عدد الطلاق الذي يكون به التحريم , وبطول الرجعة فيه , والذي يكون فيه الرجعة منه .

وذلك أن الله تعالى ذكره قال في الآية التي تتلوها : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } فعرف عباده القدر الذي به تحرم المرأة على زوجها إلا بعد زوج , ولم يبين فيها الوقت الذي يجوز الطلاق فيه والوقت الذي لا يجوز ذلك فيه , فيكون موجها تأويل الآية إلى ما روي عن ابن مسعود ومجاهد ومن قال بمثل قولهما فيه .

وأما قوله : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فإن في تأويله وفيما عني به اختلافا بين أهل التأويل , فقال بعضهم : عنى الله تعالى ذكره بذلك الدلالة على اللازم للأزواج المطلقات اثنتين بعد مراجعتهم إياهن من التطليقة الثانية من عشرتهن بالمعروف , أو فراقهن بطلاق .

ذكر من قال ذلك : 3783 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : الطلاق مرتان ؟

قال : يقول عند الثالثة : إما أن يمسك بمعروف , وإما أن يسرح بإحسان .

وغيره قالها قال : وقال مجاهد : الرجل أملك بامرأته في تطليقتين من غيره , فإذا تكلم الثالثة فليست منه بسبيل , وتعتد لغيره .

3784 - حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن إسماعيل بن سميع , عن أبي رزين , قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله أرأيت قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فأين الثالثة ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إمساك بمعروف , أو تسريح بإحسان ; هي الثالثة " .

* حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد , وعبد الرحمن بن مهدي , قالا : ثنا سفيان , عن إسماعيل بن سميع , عن أبي رزين , قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله , الطلاق مرتان , فأين الثالثة ؟

قال : " إمساك بمعروف , أو تسريح بإحسان " * حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن إسماعيل , عن أبي رزين , قال : قال رجل : يا رسول الله , يقول الله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف } فأين الثالثة ؟

قال : " التسريح بإحسان " .

3785 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن ابن جريج , عن مجاهد : { أو تسريح بإحسان } قال في الثالثة .

3786 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرزاق , عن معمر , عن قتادة قال : كان الطلاق ليس له وقت حتى أنزل الله : { الطلاق مرتان } قال : الثالثة : { إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } .

وقال آخرون منهم : بل عنى الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعة بمعروف أو تسريح بإحسان , بترك رجعتهن حتى تنقضي عدتهن , فيصرن أملك لأنفسهن .

وأنكروا قول الأولين الذين قالوا : إنه دليل على التطليقة الثالثة .

ذكر من قال ذلك : 3787 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في قوله : ذلك : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } إذا طلق واحدة أو اثنتين , إما أن يمسك - ويمسك : يراجع بمعروف - وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها فتكون أحق بنفسها .

3788 - حدثنا علي بن عبد الأعلى , قال : ثنا المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك : { أو تسريح بإحسان } والتسريح : أن يدعها حتى تمضي عدتها .

3789 - حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تصريح بإحسان } قال : يعني تطليقتين بينهما مراجعة , فأمر أن يمسك أو يسرح بإحسان .

قال : فإن هو طلقها ثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره .

وكأن قائلي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلى أن معنى الكلام : الطلاق مرتان , فإمساك في كل واحدة منهما لهن بمعروف , أو تسريح لهن بإحسان .

وهذا مذهب مما يحتمله ظاهر التنزيل لولا الخبر الذي ذكرته عن النبي صلى الله عليه وسلم , الذي رواه إسماعيل بن سميع , عن أبي رزين ; فإن اتباع الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بنا من غيره .

فإذا كان ذلك هو الواجب , فبين أن تأويل الآية : الطلاق الذي لأزواج النساء على نسائهم فيه الرجعة مرتان , ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية , إما إمساك بمعروف , وإما تسريح منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة حتى تبين منهم , فتبطل ما كان لهن عليهن من الرجعة ويصرن أملك لأنفسهن منهن .

فإن قال قائل : وما ذلك الإمساك الذي هو بمعروف ؟

قيل : هو ما : 3790 - حدثنا به علي بن عبد الأعلى المحاربي , قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { فإمساك بمعروف } قال : المعروف : أن يحسن صحبتها .

3791 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { فإمساك بمعروف } قال : ليتق الله في التطليقة الثالثة , فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها .

فإن قال : فما التسريح بإحسان ؟

قيل : هو ما : 3792 - حدثني به المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { أو تسريح بإحسان } قيل : يسرحها , ولا يظلمها من حقها شيئا .

3793 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال : هو الميثاق الغليظ .

3794 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أو تسريح بإحسان } قال : الإحسان : أن يوفيها حقها , فلا يؤذيها , ولا يشتمها .

3795 - حدثنا علي بن عبد الأعلى , قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك : { أو تسريح بإحسان } قال : التسريح بإحسان : أن يدعها حتى تمضي عدتها , ويعطيها مهرا إن كان لها عليه إذا طلقها .

فذلك التسريح بإحسان , والمتعة على قدر الميسرة .

3796 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن ابن جريج , عن عطاء الخراساني , عن ابن عباس في قوله : { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } 4 21 قال قوله : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فإن قال : فما الرافع للإمساك والتسريح ؟

قيل : محذوف اكتفي بدلالة ما ظهر من الكلام من ذكره , ومعناه : الطلاق مرتان , فالأمر الواجب حينئذ به إمساك بمعروف , أو تسريح بإحسان .

وقد بينا ذلك مفسرا في قوله : { فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } 2 178 فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع .ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله القول في تأويل قوله تعالى : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا } يعني تعالى ذكره بقوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا } ولا يحل لكم أيها الرجال أن تأخذوا من نسائكم إذا أنتم أردتم طلاقهن بطلاقكم وفراقكم إياهن شيئا مما أعطيتموهن من الصداق , وسقتم إليهن , بل الواجب عليكم تسريحهن بإحسان , وذلك إيفادهن حقوقهن من الصداق والمتعة وغير ذلك مما يجب لهن عليكم إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله .

واختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأه بعضهم : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } وذلك قراءة عظم أهل الحجاز والبصرة بمعنى إلا أن يخاف الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله , وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب : " إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله " .

3797 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : أخبرني ثور , عن ميمون بن مهران , قال : في حرف أبي بن كعب إن الفداء تطليقة .

قال : فذكرت ذلك لأيوب , فأتينا رجلا عنده مصحف قديم لأبي خرج من ثقة , فقرأناه فإذا فيه : " إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله , فإن ظنا ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به " : لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره .

والعرب قد تضع الظن موضع الخوف والخوف موضع الظن في كلامها لتقارب معنييهما , كما قال الشاعر : أتاني كلام عن نصيب يقوله وما خفت يا سلام أنك عائبي بمعنى : ما ظننت .

وقرأه آخرون من أهل المدينة والكوفة : " إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله " فأما قارئ ذلك كذلك من أهل الكوفة , فإنه ذكر عنه أنه قرأه كذلك اعتبارا منه بقراءة ابن مسعود , وذكر أنه في قراءة ابن مسعود : " إلا أن تخافوا ألا يقيما حدود الله " وقراءة ذلك كذلك اعتبارا بقراءة ابن مسعود التي ذكرت عنه خطأ ; وذلك أن ابن مسعود إن كان قرأه كما ذكر عنه , فإنما أعمل الخوف في " أن " وحدها , وذلك غير مدفوعة صحته , كما قال الشاعر : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فأما قارئه إلا أن يخافا بذلك المعنى , فقد أعمل في متروكة تسميته وفي " أن " , فأعمله في ثلاثة أشياء : المتروك الذي هو اسم ما لم يسم فاعله , وفي أن التي تنوب عن شيئين , ولا تقول العرب في كلامها ظنا أن يقوما , لكن قراءة ذلك كذلك صحيحة على غير الوجه الذي قرأه من ذكرنا قراءته كذلك اعتبارا بقراءة عبد الله الذي وصفنا , ولكن على أن يكون مرادا به إذا قرئ كذلك .

إلا أن يخاف بأن لا يقيما حدود الله , أو على أن لا يقيما حدود الله , فيكون العامل في أن غير الخوف , ويكون الخوف عاملا فيما لم يسم فاعله .

وذلك هو الصواب عندنا في القراءة لدلالة ما بعده على صحته , وهو قوله : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } فكان بينا أن الأول بمعنى : إلا أن تخافوا أن لا يقيما حدود الله .

فإن قال قائل : وأية حال الحال التي يخاف عليهما أن لا يقيما حدود الله حتى يجوز للرجل أن يأخذ حينئذ منها ما آتاها ؟

قيل : حال نشوزها وإظهارها له بغضته , حتى يخاف عليها ترك طاعة الله فيما لزمها لزوجها من الحق , ويخاف على زوجها بتقصيرها في أداء حقوقه التي ألزمها الله له تركه أداء الواجب لها عليه , فذلك حين الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله فيطيعاه فيما ألزم كل واحد منهما لصاحبه , والحال التي أباح النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخذ ما كان أتى زوجته إذ نشزت عليه بغضا منها له .

كما : 3798 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : قرأت على فضيل , عن أبي جرير أنه سأل عكرمة , هل كان للخلع أصل ؟

قال : كان ابن عباس يقول : إن أول خلع كان في الإسلام أخت عبد الله بن أبي , أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا !

إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة , فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها .

قال زوجها : يا رسول الله إني أعطيتها أفضل مالي حديقة فلترد علي حديقتي !

قال : " ما تقولين ؟

" قالت : نعم , وإن شاء زدته قال : ففرق بينهما .

3799 - حدثني محمد بن معمر , قال : ثنا أبو عامر , قال : ثنا أبو عمرو السدوسي , عن عبد الله , يعني ابن أبي بكر , عن عمرة عن عائشة : أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس , فضربها فكسر بعضها , فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح , فاشتكته , فدعا رسول الله ثابتا , فقال : " خذ بعض مالها وفارقها !

" قال : ويصلح ذلك يا رسول الله ؟

قال : " نعم " , قال : فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " خذهما وفارقها !

" ففعل .

3800 - حدثنا أبو يسار , قال : ثنا روح , قال : ثنا مالك , عن يحيى , عن عمرة أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية : أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس , وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآها عند بابه بالغلس , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من هذه ؟

" قالت : أنا حبيبة بنت سهل , لا أنا ولا ثابت بن قيس !

لزوجها .

فلما جاء ثابت قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهذه حبيبة بنت سهل تذكر ما شاء الله أن تذكر " .

فقالت حبيبة : يا رسول الله كل ما أعطانيه عندي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذ منها !

" فأخذ منها وجلست في بيتها .

3801 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الحسن بن واقد , عن ثابت , عن عبد الله بن رباح , عن جميلة بنت أبي ابن سلول , أنها كانت عند ثابت بن قيس فنشزت عليه , فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم , فقال : " يا جميلة ما كرهت من ثابت ؟

" قالت : والله ما كرهت منه دينا ولا خلقا , إلا أني كرهت دمامته .

فقال لها : " أتردين الحديقة ؟

" قالت : نعم !

فردت الحديقة وفرق بينهما .

وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في شأنهما , أعني في شأن ثابت بن قيس وزوجته هذه .

3802 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , قال : نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس وفي حبيبة , قال : وكانت اشتكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتردين عليه حديقته ؟

" فقالت : نعم !

فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له , فقال : ويطيب لي ذلك ؟

قال : " نعم " , قال ثابت : وقد فعلت فنزلت : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها } .

وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في معنى الخوف منهما أن لا يقيما حدود الله , فقال بعضهم : ذلك هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة لزوجها , فإذا ظهر ذلك منها له , حل له أن يأخذ ما أعطته من فدية على فراقها .

ذكر من قال ذلك : 3803 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } إلا أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها , فتدعوك إلى أن تفتدي منك , فلا جناح عليك فيما افتدت به .

3804 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : قال ابن جريج : أخبرني هشام بن عروة أن عروة كان يقول : لا يحل الفداء حتى يكون الفساد من قبلها , ولم يكن يقول : لا يحل له حتى تقول : لا أبر لك قسما , ولا أغتسل لك من جنابة .

3805 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار , قال : قال جابر بن زيد : إذا كان النشز من قبلها حل الفداء .

- حدثنا الربيع بن سليمان , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني ابن أبي الزناد , عن هشام بن عروة أن أباه كان يقول إذا كان سوء الخلق وسوء العشرة من قبل المرأة فذاك يحل خلعها .

* حدثني علي بن سهل , قال : ثنا محمد بن كثير , عن حماد , عن هشام , عن أبيه أنه قال : لا يصلح الخلع , حتى يكون الفساد من قبل المرأة .

3806 - حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد , قال : ثنا محمد بن يزيد , عن إسماعيل , عن عامر في امرأة قالت لزوجها : لا أبر لك قسما , ولا أطيع لك أمرا , ولا أغتسل لك من جنابة .

قال : ما هذا ؟

وحرك يده , لا أبر لك قسما , ولا أطيع لك أمرا !

إذا كرهت المرأة زوجها فليأخذه وليتركها .

3807 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , عن سعيد بن جبير أنه قال في المختلعة : يعظها , فإن انتهت وإلا هجرها , فإن انتهت وإلا ضربها , فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان , فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها , فيقول الحكم الذي من أهلها : تفعل بها كذا وتفعل بها كذا , ويقول الحكم الذي من أهله : تفعل به كذا وتفعل به كذا , فأيهما كان أظلم رده السلطان وأخذ فوق يده , وإن كانت ناشزا أمره أن يخلع .

3808 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف } إلى قوله : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال : إذا كانت المرأة راضية مغتبطة مطيعة , فلا محل له أن يضربها , حتى تفتدي منه , فإن أخذ منها شيئا على ذلك , فما أخذ منها فهو حرام , وإذا كان النشوز والبغض والظلم من قبلها , فقد حل له أن يأخذ منها ما افتدت به .

3809 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري في قوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } قال : لا يحل للرجل أن يخلع امرأته إلا أن يرى ذلك منها , فأما أن يكون يضارها حتى تختلع , فإن ذلك لا يصلح , ولكن إذا نشزت فأظهرت له البغضاء , وأساءت عشرته , فقد حل له خلعها .

3810 - حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } قال : الصداق { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } وحدود الله أن تكون المرأة ناشزة , فإن الله أمر الزوج أن يعظها بكتاب الله , فإن قبلت وإلا هجرها , والهجران أن لا يجامعها ولا يضاجعها على فراش واحد ويوليها ظهره ولا يكلمها , فإن أبت غلظ عليها القول بالشتيمة لترجع إلى طاعته , فإن أبت فالضرب ضرب غير مبرح , فإن أبت إلا جماحا فقد حل له منها الفدية .

وقال آخرون : بل الخوف من ذلك أن لا تبر له قسما ولا تطيع له أمرا , وتقول : لا أغتسل لك من جنابة ولا أطيع لك أمرا , فحينئذ يحل له عندهم أخذ ما آتاها على فراقه إياها .

ذكر من قال ذلك : 3811 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , عن أبيه , قال : قال الحسن : إذا قالت : لا أغتسل لك من جنابة , ولا أبر لك قسما , ولا أطيع لك أمرا , فحينئذ حل الخلع .

* حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن , قال : إذا قالت المرأة لزوجها : لا أبر لك قسما , ولا أطيع لك أمرا , ولا أغتسل لك من جنابة , ولا أقيم حدا من حدود الله , فقد حل له مالها .

3812 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عنبسة , عن محمد بن سالم , قال : سألت الشعبي , قلت : متى يحل للرجل أن يأخذ من مال امرأته ؟

قال : إذا أظهرت بغضه وقالت : لا أبر لك قسما ولا أطيع لك أمرا .

3813 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي أنه كان يعجب من قول من يقول : لا تحل الفدية حتى تقول : لا أغتسل لك من جنابة .

وقال : إن الزاني يزني ثم يغتسل .

3814 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن حماد , عن إبراهيم في الناشز , قال : إن المرأة ربما عصت زوجها , ثم أطاعته , ولكن إذا عصته فلم تبر قسمه , فعند ذلك تحل الفدية .

3815 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } لا يحل له أن يأخذ من مهرها شيئا { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } فإذا لم يقيما حدود الله , فقد حل له الفداء , وذلك أن تقول : والله لا أبر لك قسما , ولا أطيع لك أمرا , ولا أكرم لك نفسا , ولا أغتسل لك من جنابة .

فهو حدود الله , فإذا قالت المرأة ذلك فقد حل الفداء للزوج أن يأخذه ويطلقها .

3816 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , قال : ثنا عنبسة , عن علي بن بذيمة , عن مقسم في قوله : { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } 4 19 يقول : " إلا أن يفحشن " في قراءة ابن مسعود , قال إذا عصتك وآذتك , فقد حل لك ما أخذت منها .

3817 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } قال : الخلع , قال : ولا يحل له إلا أن تقول المرأة لا أبر قسمه ولا أطيع أمره , فيقبله خيفة أن يسيء إليها إن أمسكها , ويتعدى الحق .

وقال آخرون : بل الخوف من ذلك أن تبتدئ له بلسانها قولا أنها له كارهة .

ذكر من قال ذلك : 3818 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري , قال : ثنا أبي وشعيب بن الليث , عن الليث , عن أيوب بن موسى , عن عطاء بن أبي رباح , قال : يحل الخلع أن تقول المرأة لزوجها : إني لأكرهك , وما أحبك , ولقد خشيت أن أنام في جنبك ولا أؤدي حقك .

وتطيب نفسك بالخلع .

وقال آخرون : بل الذي يبيح له أخذ الفدية أن يكون خوف أن لا يقيما حدود الله منهما جميعا لكراهة كل واحد منهما صحبة الآخر .

ذكر من قال ذلك : 3819 - حدثنا حميد بن مسعدة قال : ثنا بشر بن المفضل قال : ثنا داود , عن عامر , حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن داود , قال : قال عامر : أحل له مالها بنشوزه ونشوزها .

3820 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : قال ابن جريج , قال : طاوس : يحل له الفداء ما قال الله تعالى ذكره , ولم يكن يقول قول السفهاء : لا أبر لك قسما , ولكن يحل له الفداء ما قال الله تعالى ذكره : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة .

3821 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن محمد بن إسحاق , قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } قال : فيما افترض الله عليهما في العشرة والصحبة .

3822 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني ابن شهاب , قال : أخبرني سعيد بن المسيب , قال : لا يحل الخلع حتى يخافا أن لا يقيما حدود الله في العشرة التي بينهما .

وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال : لا يحل للرجل أخذ الفدية من امرأته على فراقه إياها , حتى يكون خوف معصية الله من كل واحد منهما على نفسه في تفريطه في الواجب عليه لصاحبه منهما جميعا , على ما ذكرناه عن طاوس والحسن ومن قال في ذلك قولهما ; لأن الله تعالى ذكره إنما أباح للزوج أخذ الفدية من امرأته عند خوف المسلمين عليهما أن لا يقيما حدود الله .

فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت فالواجب أن يكون حراما على الرجل قبول الفدية منها إذا كان النشوز منها دونه , حتى يكون منه من الكراهة لها مثل الذي يكون منها له ؟

قيل له : إن الأمر في ذلك بخلاف ما ظننت , وذلك أن في نشوزها عليه داعية له إلى التقصير في واجبها ومجازاتها بسوء فعلها به , وذلك هو المعنى الذي يوجب للمسلمين الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله .

فأما إذا كان التفريط من كل واحد منهما في واجب حق صاحبه قد وجد وسوء الصحبة والعشرة قد ظهر للمسلمين , فليس هناك للخوف موضع , إذ كان المخوف قد وجد , وإنما يخاف وقوع الشيء قبل حدوثه , فأما بعد حدوثه فلا وجه للخوف منه ولا الزيادة في مكروهه .فإن خفتم ألا يقيما حدود الله القول في تأويل قوله تعالى : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } التي إذا خيف من الزوج والمرأة أن لا يقيماها حلت له الفدية من أجل الخوف عليهما بصنيعها , فقال بعضهم : هو استخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه , وأذاها له بالكلام .

ذكر من قال ذلك : 3823 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال : هو تركها إقامة حدود الله , واستخفافها بحق زوجها , وسوء خلقها , فتقول له : والله لا أبر لك قسما , ولا أطأ لك مضجعا , ولا أطيع لك أمرا ; فإن فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية .

3824 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يحيى بن أبي زائدة , عن يزيد بن إبراهيم , عن الحسن في قوله : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال : إذا قالت : لا أغتسل لك من جنابة حل له أن يأخذ منها .

3825 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : ثنا يونس , عن الزهري قال : يحل الخلع حين يخافا أن لا يقيما حدود الله , وأداء حدود الله في العشرة التي بينهما .

وقال آخرون : معنى ذلك : فإن خفتم أن لا يطيعا الله .

ذكر من قال ذلك : 3826 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن عامر : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } قالا : أن لا يطيعا الله .

3827 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : الحدود : الطاعة .

والصواب من القول في ذلك : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ما أوجب الله عليهما من الفرائض فيما ألزم كل واحد منهما من الحق لصاحبه من العشرة بالمعروف , والصحبة بالجميل , فلا جناح عليهما فيما افتدت به .

وقد يدخل في ذلك ما رويناه عن ابن عباس والشعبي , وما رويناه عن الحسن والزهري , لأن من الواجب للزوج على المرأة إطاعته فيما أوجب الله طاعته فيه , وأن لا تؤذيه بقول , ولا تمتنع عليه إذا دعاها لحاجته , فإذا خالفت ما أمرها الله به من ذلك كانت قد ضيعت حدود الله التي أمرها بإقامتها .

وأما معنى إقامة حدود الله , فإنه العمل بها , والمحافظة عليها , وترك تضييعها , وقد بينا ذلك فيما مضى قبل من كتابنا هذا بما يدل على صحته .فلا جناح عليهما فيما افتدت به القول في تأويل قوله تعالى : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } يعني قوله تعالى ذكره بذلك : فإن خفتم أيها المؤمنون ألا يقيم الزوجان ما حد الله لكل واحد منهما على صاحبه من حق , وألزمه له من فرض , وخشيتم عليهما تضييع فرض الله وتعدي حدوده في ذلك فلا جناح حينئذ عليهما فيما افتدت به المرأة نفسها من زوجها , ولا حرج عليهما فيما أعطت هذه على فراق زوجها إياها ولا على هذا فيما أخذ منها من الجعل والعوض عليه .

فإن قال قائل : وهل كانت المرأة حرجة لو كان الضرار من الرجل بها فيما افتدت به نفسها , فيكون لا جناح عليهما فيما أعطته من الفدية على فراقها إذا كان النشوز من قبلها ؟

قيل : لو علمت في حال ضراره بها ليأخذ منها ما آتاها أن ضراره ذلك إنما هو ليأخذ منها ما حرم الله عليه أخذه على الوجه الذي نهاه الله عن أخذه منها , ثم قدرت أن تمتنع من إعطائه بما لا ضرر عليها في نفس , ولا دين , ولا حق عليها في ذهاب حق لها لما حل لها إعطاؤه ذلك , إلا على وجه طيب النفس منها بإعطائه إياه على ما يحل له أخذه منها لأنها متى أعطته ما لا يحل له أخذه منها وهي قادرة على منعه ذلك بما لا ضرر عليها في نفس , ولا دين , ولا في حق لها تخاف ذهابه , فقد شاركته في الإثم بإعطائه ما لا يحل له أخذه منها على الوجه الذي أعطته عليه , فلذلك وضع عنها الجناح إذا كان النشوز من قبلها , وأعطته ما أعطته من الفدية بطيب نفس , ابتغاء منها بذلك سلامتها وسلامة صاحبها من الوزر والمأثم , وهي إذا أعطته على هذا الوجه باستحقاق الأجر والثواب من الله تعالى أولى إن شاء الله من الجناح والحرج , ولذلك قال تعالى ذكره : { فلا جناح عليهما } فوضع الحرج عنها فيما أعطته على هذا الوجه من الفدية على فراقه إياها , وعنه فيما قبض منها إذا كانت معطية على المعنى الذي وصفنا , وكان قابضا منها ما أعطته من غير ضرار , بل طلب السلامة لنفسه ولها في أديانهما وحذار الأوزار والمأثم .

وقد يتجه قوله : { فلا جناح عليهما } وجها آخر من التأويل وهو أنها لو بذلت ما بذلت من الفدية على غير الوجه الذي أذن نبي الله صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس بن شماس , وذلك لكراهتها أخلاق زوجها أو دمامة خلقه , وما أشبه ذلك من الأمور التي يكرهها الناس بعضهم من بعض , ولكن على الانصراف منها بوجهها إلى آخر غيره على وجه الفساد وما لا يحل لها كان حراما عليها أن تعطي على مسألتها إياه فراقها على ذلك الوجه شيئا ; لأن مسألتها إياه الفرقة على ذلك الوجه معصية منها لله , وتلك هي المختلعة - إن خولعت على ذلك الوجه - التي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماها منافقة .

كما : 3828 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثني المعتمر بن سليمان , عن ليث , عن أبي إدريس , عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس حرم الله عليها رائحة الجنة " .

وقال : " المختلعات هن المنافقات " 3829 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مزاحم بن دواد بن علية , عن أبيه , عن ليث بن أبي سليم , عن أبي الخطاب عن أبي زرعة , عن أبي إدريس , عن ثوبان مولى رسول الله , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والمختلعات هن المنافقات " 3830 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا حفص بن بشر , قال : ثنا قيس بن الربيع , عن أشعث بن سوار , عن الحسن , عن ثابت بن يزيد , عن عقبة بن عامر الجهني , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات " * حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , وحدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قالا جميعا : ثنا أيوب , عن أبي قلابة , عمن حدثه , عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة " .

* حدثني المثنى , قال : ثنا عارم , قال : ثنا حماد بن زيد , عن أيوب , عن أبي قلابة , عن أبي أسماء الرحبي , عن ثوبان , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه .

فإذا كان من وجوه افتداء المرأة نفسها من زوجها ما تكون به حرجة , وعليها في افتدائها نفسها على ذلك الحرج والجناح , وكان من وجوهه ما يكون الحرج والجناح فيه على الرجل دون المرأة , ومنه ما يكون عليهما , ومنه ما لا يكون عليهما فيه حرج ولا جناح .

قيل في الوجه : الذي لا حرج عليهما فيه لا جناح إذ كان فيما حاولا وقصدا من افتراقهما بالجعل الذي بذلته المرأة لزوجها لا جناح عليهما فيما افتدت به من الوجه الذي أبيح لهما , وذلك أن يخافا أن لا يقيما حدود الله بمقام كل واحد منهما على صاحبه .

وقد زعم بعض أهل العربية أن في ذلك وجهين : أحدهما أن يكون مرادا له : فلا جناح على الرجل فيما افتدت به المرأة دون المرأة , وإن كانا قد ذكرا جميعا كما قال في سورة الرحمن : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } 55 22 وهما من الملح لا من العذب , قال : ومثله .

{ فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما } 18 61 وإنما الناسي صاحب موسى وحده ; قال : ومثله في الكلام أن تقول : عندي دابتان أركبهما وأسقي عليهما وإنما تركب إحداهما وتسقي على الأخرى , وهذا من سعة العربية التي يحتج بسعتها في الكلام .

قال : والوجه الآخر أن يشتركا جميعا في أن لا يكون عليهما جناح , إذ كانت تعطي ما قد نفي عن الزوج فيه الإثم .

اشتركت فيه , لأنها إذا أعطت ما يطرح فيه المأثم احتاجت إلى مثل ذلك .

قال أبو جعفر : فلم يصب الصواب في واحد من الوجهين , ولا في احتجاجه فيما احتج به قوله : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } 55 22 فأما قوله : { فلا جناح عليهما } فقد بينا وجه صوابه , وسنبين وجه قوله : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } 55 22 في موضعه إذا أتينا عليه إن شاء الله تعالى .

وإنما خطأنا قوله ذلك ; لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عن وضعه الحرج عن الزوجين إذا افتدت المرأة من زوجها على ما أذن , وأخبر عن البحرين أن منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان , فأضاف إلى اثنين , فلو جاز لقائل أن يقول : إنما أريد به الخبر عن أحدهما فيما لم يكن مستحيلا أن يكون عنهما جاز في كل خبر كان عن اثنين غير مستحيلة صحته أن يكون عنهما أن يقال : إنما هو خبر عن أحدهما , وذلك قلب المفهوم من كلام الناس والمعروف من استعمالهم في مخاطباتهم , وغير جائز حمل كتاب الله تعالى ووحيه جل ذكره على الشواذ من الكلام وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود .

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } أمعني به : أنهما موضوع عنهما الجناح في كل حد افتدت به المرأة نفسها من شيء أم في بعضه ؟

فقال بعضهم : عنى بذلك فلا جناح عليهما فيما افتدت به من صداقها الذي كان آتاها زوجها الذي تختلع منه واحتجوا في قولهم ذلك بأن آخر الآية مردود على أولها , وأن معنى الكلام : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } مما آتيتموهن .

قالوا : فالذي أحله الله لهما من ذلك عند الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله هو الذي كان حظر عليهما قبل حال الخوف عليهما من ذلك .

واحتجوا في ذلك بقصة ثابت بن قيس بن شماس , وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر امرأته إذ نشزت عليه أن ترد ما كان ثابت أصدقها , وأنها عرضت الزيادة فلم يقبلها النبي صلى الله عليه وسلم .

ذكر من قال ذلك : 3831 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع أنه كان يقول : لا يصلح له أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها , ويقول : إن الله يقول : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } منه , يقول : من المهر .

وكذلك كان يقرؤها : " فيما افتدت به منه " 3832 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا بشر بن بكر , عن الأوزاعي , قال : سمعت عمرو بن شعيب وعطاء بن أبي رباح والزهري يقولون في الناشز : لا يأخذ منها إلا ما ساق إليها .

3833 - حدثنا علي بن سهل , قال : ثنا الوليد , ثنا أبو عمرو , عن عطاء , قال : الناشز لا يأخذ منها إلا ما ساق إليها .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء أنه كره أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها .

3834 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا ابن إدريس , عن أشعث , عن الشعبي , قال : كان يكره أن يأخذ الرجل من المختلعة فوق ما أعطاها , وكان يرى أن يأخذ دون ذلك .

* حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أبي حصين , عن الشعبي , قال : لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

* حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم , عن الشعبي أنه كان يكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها , يعني المختلعة .

3835 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت ليثا عن الحكم بن عتيبة , قال : كان علي رضي الله عنه يقول : لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها .

3836 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا سعيد , عن الحكم أنه قال في المختلعة : أحب إلي أن لا يزداد .

3837 - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج , قال : ثنا حماد , عن حميد أن الحسن كان يكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

* حدثنا محمد بن يحيى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن مطر أنه سأل الحسن , أو أن الحسن سئل عن رجل تزوج امرأة على مائتي درهم , فأراد أن يخلعها , هل له أن يأخذ أربعمائة ؟

فقال : لا والله , ذاك أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : كان الحسن يقول : لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

قال معمر : وبلغني عن علي أنه كان يرى أن لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

3838 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن عبد الكريم الجزري , عن ابن المسيب , قال : ما أحب أن يأخذ منها كل ما أعطاها حتى يدع لها منه ما يعيشها .

3839 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن طاوس أن أباه كان يقول في المفتدية : لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

3840 - حدثنا الحسن , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , قال : لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته أكثر مما أعطاها .

وقال آخرون : بل عنى بذلك : فلا جناح عليهما فيما افتدت به من قليل ما تملكه وكثيره .

واحتجوا لقولهم ذلك بعموم الآية , وأنه غير جائز إحالة ظاهر عام إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لها قالوا : ولا حجة يجب التسليم لها بأن الآية مراد بها بعض الفدية .

دون بعض من أصل أو قياس , فهي على ظاهرها وعمومها .

ذكر من قال ذلك : 3841 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب عن كثير مولى سمرة : أن عمر أتي بامرأة ناشز , فأمر بها إلى بيت كثير الزبل ثلاثا , ثم دعا بها فقال : كيف وجدت ؟

قالت : ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليالي التي حبستني .

فقال لزوجها : اخلعها ولو من قرطها .

* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب , عن كثير مولى سمرة , قال : أخذ عمر بن الخطاب امرأة ناشزة فوعظها , فلم تقبل بخير , فحبسها في بيت كثير الزبل ثلاثة أيام وذكر نحو حديث ابن علية .

3842 - حدثنا ابن بشار ومحمد بن يحيى , قالا : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن حميد بن عبد الرحمن : أن امرأة أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه , فشكت زوجها , فقال : إنها ناشز .

فأباتها في بيت الزبل , فلما أصبح قال لها : كيف وجدت مكانك ؟

قالت : ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة .

فقال : خذ ولو عقاصها .

3843 - حدثنا نصر بن علي , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع : أن مولاة لصفية اختلعت من زوجها بكل شيء تملكه إلا من ثيابها , فلم يعب ذلك ابن عمر .

* حدثنا محمد بن عبد الأعلى ومحمد بن المثنى , قالا : ثنا معتمر , قال : سمعت عبيد الله يحدث , عن نافع , قال : ذكر لابن عمر مولاة له اختلعت من زوجها بكل مال لها , فلم يعب ذلك عليها ولم ينكره .

3844 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال : ثنا هشيم , عن حميد , عن رجاء بن حيوة , عن قبيصة بن ذؤيب : أنه كان لا يرى بأسا أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

ثم تلا هذه الآية : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } 3845 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن المغيرة , عن إبراهيم , قال في الخلع : خذ ما دون عقاص شعرها , وإن كانت المرأة لتفتدي ببعض مالها .

* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : الخلع بما دون عقاص الرأس .

* حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , عن إبراهيم أنه قال في المختلعة : خذ منها ولو عقاصها .

* حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم , قال : الخلع بما دون عقاص الرأس , وقد تفتدي المرأة ببعض مالها .

3846 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن الربيع ابنة معوذ بن عفراء حدثته قالت : كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني , ويحرمني إذا غاب .

قالت : فكانت مني زلة يوما , فقلت : أختلع منك بكل شيء أملكه !

قال : نعم !

قال : ففعلت قالت : فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان , فأجاز الخلع وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه .

أو قالت : ما دون عقاص الرأس .

3847 - حدثني ابن المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا الحسن بن يحيى , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : لا بأس بما خلعها به من قليل أو كثير , ولو عقصها .

3848 - حدثني المثنى , قال : ثنا حبان بن موسى , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا حجاج , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : إن شاء أخذ منها أكثر مما أعطاها .

3849 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول : قال ابن عباس : ليأخذ منها حتى قرطها .

يعني في الخلع .

3850 - حدثني المثنى , قال : ثنا مطرف بن عبد الله , قال : أخبرنا مالك بن أنس , عن نافع , عن مولاة لصفية ابنة أبي عبيد : أنها اختلعت من زوجها بكل شيء لها , فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر .

* حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا حميد , عن رجاء بن حيوة , عن قبيصة بن ذويب أنه تلا هذه الآية : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال : يأخذ أكثر مما أعطاها .

3851 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يزيد وسهل بن يوسف وابن أبي عدي , عن حميد , قال : قلت لرجاء بن حيوة : إن الحسن يقول في المختلعة : لا يأخذ أكثر مما أعطاها , ويتأول : { ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } قال رجاء : فإن قبيصة بن ذؤيب كان يرخص أن يأخذ أكثر مما أعطاها , ويتأول : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } وقال آخرون : هذه الآية منسوخة بقوله : { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } 4 20 ذكر من قال ذلك : 3852 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث , قال : ثنا عقبة بن أبي الصهباء قال : سألت بكرا عن المختلعة أيأخذ منها شيئا ؟

قال لا وقرأ : { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } 4 21 3853 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا عقبة بن أبي الصهباء , قال : سألت بكر بن عبد الله عن رجل تريد امرأته منه الخلع , قال : لا يحل له أن يأخذ منها شيئا .

قلت : يقول الله تعالى ذكره في كتابه : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال : هذه نسخت .

قلت : فإني حفظت ؟

قال : حفظت في سورة النساء قول الله تعالى ذكره : { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } 4 20 وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : إذا خيف من الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله على سبيل ما قدمنا البيان عنه , فلا حرج عليهما فيما افتدت به المرأة نفسها من زوجها من قليل ما تملكه وكثيره مما يجوز للمسلمين أن يملكوه ,

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمونقوله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فيه سبع مسائل : الأولى : قوله تعالى : الطلاق مرتان ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد ، وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة ، وكان هذا في أول الإسلام برهة ، يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق ، فإذا كادت تحل من طلاقه راجعها ما شاء ، فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : لا آويك ولا أدعك تحلين ، قالت : وكيف ؟

قال : أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك .

فشكت المرأة ذلك إلى عائشة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولي ، ونسخ ما كانوا عليه .

قال معناه عروة بن الزبير وقتادة وابن زيد وغيرهم .

وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم : ( المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق ، أي من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة ، فإما [ ص: 118 ] تركها غير مظلومة شيئا من حقها ، وإما أمسكها محسنا عشرتها ، والآية تتضمن هذين المعنيين ) .الثانية : الطلاق هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة .

والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها ، وبقوله عليه السلام في حديث ابن عمر : فإن شاء أمسك وإن شاء طلق وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها ، خرجه ابن ماجه .

وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته طاهرا في طهر لم يمسها فيه أنه مطلق للسنة ، وللعدة التي أمر الله تعالى بها ، وأن له الرجعة إذا كانت مدخولا بها قبل أن تنقضي عدتها ، فإذا انقضت فهو خاطب من الخطاب .

فدل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الطلاق مباح غير محظور .

قال ابن المنذر : وليس في المنع منه خبر يثبت .الثالثة : روى الدارقطني حدثني أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش بن حميد بن مالك اللخمي عن مكحول عن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه .

حدثنا محمد بن موسى بن علي حدثنا حميد بن الربيع حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه .

قال حميد قال لي يزيد بن هارون : وأي حديث لو كان حميد بن مالك اللخمي معروفا!

قلت : هو جدي!

قال يزيد : سررتني ، الآن صار حديثا!

.

قال ابن المنذر : وممن رأى الاستثناء في الطلاق طاوس وحماد والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي .

ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعي ، وهو قول الحسن وقتادة في الطلاق خاصة .

قال : وبالقول الأول أقول .الرابعة : قوله تعالى : فإمساك بمعروف ابتداء ، والخبر أمثل أو أحسن ، ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء محذوف ، أي فعليكم إمساك بمعروف ، أو فالواجب عليكم إمساك بما [ ص: 119 ] يعرف أنه الحق .

ويجوز في غير القرآن " فإمساكا " على المصدر .

ومعنى " بإحسان " أي لا يظلمها شيئا من حقها ، ولا يتعدى في قول .

والإمساك : خلاف الإطلاق .

والتسريح : إرسال الشيء ، ومنه تسريح الشعر ، ليخلص البعض من البعض .

وسرح الماشية : أرسلها .

والتسريح يحتمل لفظه معنيين : أحدهما : تركها حتى تتم العدة من الطلقة الثانية ، وتكون أملك لنفسها ، وهذا قول السدي والضحاك .

والمعنى الآخر أن يطلقها ثالثة فيسرحها ، هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما ، وهو أصح لوجوه ثلاثة :أحدها : ما رواه الدارقطني عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله ، قال الله تعالى : الطلاق مرتان فلم صار ثلاثا ؟

قال : " إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان - في رواية - هي الثالثة " .

ذكره ابن المنذر .الثاني : إن التسريح من ألفاظ الطلاق ، ألا ترى أنه قد قرئ " إن عزموا السراح " .الثالثة : أن فعل تفعيلا يعطي أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية ، وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل ، قال أبو عمر : وأجمع العلماء على أن قوله تعالى : أو تسريح بإحسان هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين ، وإياها عنى بقوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره .

وأجمعوا على أن من طلق امرأته طلقة أو طلقتين فله مراجعتها ، فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره ، وكان هذا من محكم القرآن الذي لم يختلف في تأويله .

وقد روي من أخبار العدول مثل ذلك أيضا : حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أرأيت قول الله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فأين الثالثة ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .

ورواه الثوري وغيره عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مثله .قلت : وذكر الكيا الطبري هذا الخبر وقال : إنه غير ثابت من جهة النقل ، ورجح قول الضحاك والسدي ، وأن الطلقة الثالثة إنما هي مذكورة في مساق الخطاب في قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره .

فالثالثة مذكورة في صلب هذا الخطاب ، مفيدة للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد زوج ، فوجب حمل قوله : أو تسريح بإحسان [ ص: 120 ] على فائدة مجددة ، وهو وقوع البينونة بالثنتين عند انقضاء العدة ، وعلى أن المقصود من الآية بيان عدد الطلاق الموجب للتحريم ، ونسخ ما كان جائزا من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور ، فلو كان قوله : أو تسريح بإحسان هو الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث ، إذ لو اقتصر عليه لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها إلا بعد زوج ، وإنما علم التحريم بقوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره .

فوجب ألا يكون معنى قوله : أو تسريح بإحسان الثالثة ، ولو كان قوله : أو تسريح بإحسان بمعنى الثالثة كان قوله عقيب ذلك : فإن طلقها الرابعة ؛ لأن الفاء للتعقيب ، وقد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره ، فثبت بذلك أن قوله تعالى : أو تسريح بإحسان هو تركها حتى تنقضي عدتها .الخامسة : ترجم البخاري على هذه الآية " باب من أجاز الطلاق الثلاث بقوله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وهذا إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم ، فمن ضيق على نفسه لزمه .

قال علماؤنا : واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة ، وهو قول جمهور السلف ، وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة ، ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطاة .

وقيل عنهما : لا يلزم منه شيء ، وهو قول مقاتل .

ويحكى عن داود أنه قال لا يقع .

والمشهور عن الحجاج بن أرطاة وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثا .

ولا فرق بين أن يوقع ثلاثا مجتمعة في كلمة أو متفرقة في كلمات ، فأما من ذهب إلى أنه لا يلزم منه شيء فاحتج بدليل قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء .

وهذا يعم كل مطلقة إلا ما خص منه ، وقد تقدم .

وقال : الطلاق مرتان والثالثة فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .

ومن طلق ثلاثا في كلمة فلا يلزم ، إذ هو غير مذكور في القرآن .

وأما من ذهب إلى أنه واقع واحدة فاستدل بأحاديث ثلاثة : أحدها : حديث ابن عباس من رواية طاوس وأبي الصهباء وعكرمة .

وثانيها : حديث ابن عمر على رواية من روى ( أنه طلق امرأته ثلاثا ، وأنه عليه السلام أمره برجعتها واحتسبت له واحدة ) .

وثالثها : ( أن ركانة طلق امرأته ثلاثا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها ، والرجعة تقتضي وقوع واحدة ) .

والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاوي أن سعيد بن جبير ومجاهدا وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحويرث ومحمد بن [ ص: 121 ] إياس بن البكير والنعمان بن أبي عياش رووا عن ابن عباس ( فيمن طلق امرأته ثلاثا أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته ، ولا ينكحها إلا بعد زوج ) ، وفيما رواه هؤلاء الأئمة عن ابن عباس مما يوافق الجماعة ما يدل على وهن رواية طاوس وغيره ، وما كان ابن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه .

قال ابن عبد البر : ورواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب ، وقد قيل : إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس .

قال القاضي أبو الوليد الباجي : " وعندي أن الرواية عن ابن طاوس بذلك صحيحة ، فقد روى عنه الأئمة : معمر وابن جريج وغيرهما ، وابن طاوس إمام .

والحديث الذي يشيرون إليه هو ما رواه ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : ( كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر رضي الله عنه : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم!

فأمضاه عليهم ) .

ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الآن ثلاث تطليقات ، ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر قال : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو كان حالهم ذلك في أول الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله ، ولا عاب عليهم أنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة .

ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن ابن عباس من غير طريق أنه ( أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة ) ، فإن كان هذا معنى حديث ابن طاوس فهو الذي قلناه ، وإن حمل حديث ابن عباس على ما يتأول فيه من لا يعبأ بقوله فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع ، ودليلنا من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من يملكه فوجب أن يلزمه ، أصل ذلك إذا أوقعه مفردا " .قلت : ما تأوله الباجي هو الذي ذكر معناه الكيا الطبري عن علماء الحديث ، أي إنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة هذا الذي يطلقون ثلاثا ، أي ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة ، وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن تبين وتنقضي العدة .

وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : معناه أن الناس كانوا يقتصرون على طلقة واحدة ، ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث .

قال القاضي : وهذا هو الأشبه بقول الراوي : إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعجل عليهم ، معناه ألزمهم حكمها .

وأما حديث ابن عمر فإن الدارقطني روى عن أحمد بن صبيح عن طريف بن ناصح عن معاوية بن عمار الدهني عن أبي الزبير قال : سألت ابن عمر [ ص: 122 ] عن رجل طلق امرأته ثلاثا وهي حائض ، فقال لي : أتعرف ابن عمر ؟

قلت : نعم ، قال : طلقت امرأتي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة .

فقال الدارقطني : كلهم من الشيعة ، والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض .

قال عبيد الله : وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة .

وكذلك قال صالح بن كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن سعد وابن أبي ذئب وابن جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع : أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة .

وكذا قال الزهري عن سالم عن أبيه ، ويونس بن جبير والشعبي والحسن .

وأما حديث ركانة فقيل : إنه حديث مضطرب منقطع ، لا يستند من وجه يحتج به ، رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع ، وليس فيهم من يحتج به ، عن عكرمة عن ابن عباس .

وقال فيه : إن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرجعها ) .

وقد رواه أيضا من طرق عن نافع بن عجير أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة فاستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد بها ؟

فحلف ما أراد إلا واحدة ، فردها إليه .

فهذا اضطراب في الاسم والفعل ، ولا يحتج بشيء من مثل هذا .قلت : قد أخرج هذا الحديث من طرق الدارقطني في سننه ، قال في بعضها : " حدثنا محمد بن يحيى بن مرداس حدثنا أبو داود السجستاني حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي وآخرون قالوا : حدثنا محمد بن إدريس الشافعي حدثني عمي محمد بن علي بن شافع عن عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير بن عبد يزيد : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : والله ما أردت إلا واحدة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله ما أردت إلا واحدة ) ؟

فقال ركانة : والله ما أردت بها إلا واحدة ، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب ، والثالثة في زمان عثمان .

قال أبو داود : هذا حديث صحيح .

فالذي صح من حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا ثلاثا ، وطلاق البتة قد اختلف فيه على ما يأتي بيانه فسقط الاحتجاج والحمد لله ، والله أعلم .

وقال أبو عمر : رواية الشافعي لحديث ركانة عن عمه أتم ، وقد زاد زيادة لا تردها [ ص: 123 ] الأصول ، فوجب قبولها لثقة ناقليها ، والشافعي وعمه وجده أهل بيت ركانة ، كلهم من بني عبد المطلب بن عبد مناف وهم أعلم بالقصة التي عرضت لهم .

فصلذكر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطلي هذه المسألة في وثائقه فقال : الطلاق ينقسم على ضربين : طلاق سنة ، وطلاق بدعة .

فطلاق السنة هو الواقع على الوجه الذي ندب الشرع إليه .

وطلاق البدعة نقيضه ، وهو أن يطلقها في حيض أو نفاس أو ثلاثا في كلمة واحدة ، فإن فعل لزمه الطلاق .

ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق ، كم يلزمه من الطلاق ، فقال علي بن أبي طالب وابن مسعود : ( يلزمه طلقة واحدة ) ، وقاله ابن عباس ، وقال : ( قوله ثلاثا لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات وإنما يجوز قوله في ثلاث إذا كان مخبرا عما مضى فيقول : طلقت ثلاثا فيكون مخبرا عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات ، كرجل قال : قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات فذلك يصح ، ولو قرأها مرة واحدة فقال : قرأتها ثلاث مرات كان كاذبا .

وكذلك لو حلف بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان ، وأما لو حلف فقال : أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة والطلاق مثله ) .

وقاله الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف .

وروينا ذلك كله عن ابن وضاح ، وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدي ومحمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الحسني فريد وقته وفقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم .

وكان من حجة ابن عباس أن الله تعالى فرق في كتابه لفظ الطلاق فقال عز اسمه : الطلاق مرتان يريد أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة في العدة .

ومعنى قوله : أو تسريح بإحسان يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضي عدتها ، وفي ذلك إحسان إليها إن وقع ندم بينهما ، قال الله تعالى : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ؛ يريد الندم على الفرقة والرغبة في الرجعة ، وموقع الثلاث غير حسن ؛ لأن فيه ترك المندوحة التي وسع الله بها ونبه عليها ، فذكر الله سبحانه الطلاق مفرقا يدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد ، وقد يخرج بقياس من غير ما مسألة من المدونة ما يدل على ذلك ، من ذلك قول الإنسان : مالي صدقة في المساكين أن الثلث يجزيه من ذلك .

وفي الإشراف لابن [ ص: 124 ] المنذر : وكان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار يقولون : من طلق البكر ثلاثا فهي واحدة .قلت : وربما اعتلوا فقالوا : غير المدخول بها لا عدة عليها ، فإذا قال : أنت طالق ثلاثا فقد بانت بنفس فراغه من قوله : أنت طالق ، فيرد " ثلاثا " عليها وهى بائن فلا يؤثر شيئا ، ولأن قوله : أنت طالق مستقل بنفسه ، فوجب ألا تقف البينونة في غير المدخول بها على ما يرد بعده ، أصله إذا قال : أنت طالق .السادسة : استدل الشافعي بقوله تعالى : أو تسريح بإحسان وقوله : ( وسرحوهن ) على أن هذا اللفظ من صريح الطلاق .

وقد اختلف العلماء في هذا المعنى ، فذهب القاضي أبو محمد إلى أن الصريح ما تضمن لفظ الطلاق على أي وجه ، مثل أن يقول : أنت طالق ، أو أنت مطلقة ، أو قد طلقتك ، أو الطلاق له لازم ، وما عدا ذلك من ألفاظ الطلاق مما يستعمل فيه فهو كناية ، وبهذا قال أبو حنيفة .

وقال القاضي أبو الحسن : صريح ألفاظ الطلاق كثيرة ، وبعضها أبين من بعض : الطلاق والسراح والفراق والحرام والخلية والبرية .

وقال الشافعي : الصريح ثلاثة ألفاظ ، وهو ما ورد به القرآن من لفظ الطلاق والسراح والفراق ، قال الله تعالى : أو فارقوهن بمعروف ، وقال : أو تسريح بإحسان وقال : فطلقوهن لعدتهن .قلت : ، وإذا تقرر هذا فالطلاق على ضربين : صريح وكناية ، فالصريح ما ذكرنا ، والكناية ما عداه ، والفرق بينهما أن الصريح لا يفتقر إلى نية ، بل بمجرد اللفظ يقع الطلاق ، والكناية تفتقر إلى نية ، والحجة لمن قال : إن الحرام والخلية والبرية من صريح الطلاق كثرة استعمالها في الطلاق حتى عرفت به ، فصارت بينة واضحة في إيقاع الطلاق ، كالغائط الذي وضع للمطمئن من الأرض ، ثم استعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة ، فكان فيه أبين وأظهر وأشهر منه فيما وضع له ، وكذلك في مسألتنا مثله .

ثم إن عمر بن عبد العزيز قد قال : " لو كان الطلاق ألفا ما أبقت " البتة " منه شيئا ، فمن قال : البتة ، فقد رمى الغاية القصوى " أخرجه مالك .

وقد روى الدارقطني عن علي قال : ( الخلية والبرية والبتة والبائن والحرام ثلاث ، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ) .

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن البتة ثلاث ، من طريق فيه لين ) ، خرجه [ ص: 125 ] الدارقطني .

وسيأتي عند قوله تعالى : " ولا تتخذوا آيات الله هزوا " إن شاء الله تعالى .السابعة : لم يختلف العلماء فيمن قال لامرأته : قد طلقتك ، إنه من صريح الطلاق في المدخول بها وغير المدخول بها ، فمن قال لامرأته : أنت طالق فهي واحدة إلا أن ينوي أكثر من ذلك .

فإن نوى اثنتين أو ثلاثا لزمه ما نواه ، فإن لم ينو شيئا فهي واحدة تملك الرجعة .

ولو قال : أنت طالق ، وقال : أردت من وثاق لم يقبل قوله ولزمه ، إلا أن يكون هناك ما يدل على صدقه .

ومن قال : ( أنت طالق واحدة ، لا رجعة لي عليك ) فقوله : " لا رجعة لي عليك " باطل ، وله الرجعة لقوله ( واحدة ) ؛ لأن الواحدة لا تكون ثلاثا ، فإن نوى بقوله : " لا رجعة لي عليك " ثلاثا فهي ثلاث عند مالك .واختلفوا فيمن قال لامرأته : قد فارقتك ، أو سرحتك ، أو أنت خلية ، أو برية ، أو بائن ، أو حبلك على غاربك ، أو أنت علي حرام ، أو الحقي بأهلك ، أو قد وهبتك لأهلك ، أو قد خليت سبيلك ، أو لا سبيل لي عليك ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : هو طلاق بائن ، وروي عن ابن مسعود وقال : ( إذا قال الرجل لامرأته استقلي بأمرك ، أو أمرك لك ، أو الحقي بأهلك فقبلوها فواحدة بائنة ) .

وروي عن مالك فيمن قال لامرأته : قد فارقتك ، أو سرحتك ، أنه من صريح الطلاق ، كقوله : أنت طالق .

وروي عنه أنه كناية يرجع فيها إلى نية قائلها ، ويسأل ما أراد من العدد ، مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها .

قال ابن المواز : وأصح قوليه في التي لم يدخل بها أنها واحدة ، إلا أن ينوي أكثر ، وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم .

وقال أبو يوسف : هي ثلاث ، ومثله خلعتك ، أو لا ملك لي عليك .

وأما سائر الكنايات فهي ثلاث عند مالك في كل من دخل بها لا ينوي فيها قائلها ، وينوي في غير المدخول بها .

فإن حلف وقال أردت واحدة كان خاطبا من الخطاب ؛ لأنه لا يخلي المرأة التي قد دخل بها زوجها ولا يبينها ولا يبريها إلا ثلاث تطليقات .

والتي لم يدخل بها يخليها ويبريها ويبينها الواحدة .

وقد روى مالك وطائفة من أصحابه ، وهو قول جماعة من أهل المدينة ، أنه ينوي في هذه الألفاظ كلها ويلزمه من الطلاق ما نوى .

وقد روي عنه في " البتة " خاصة من بين سائر الكنايات أنه لا ينوي فيها لا في المدخول بها ولا في غير المدخول بها .

وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : له نيته في ذلك كله ، فإن نوى ثلاثا فهي ثلاث ، وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة وهي أحق بنفسها .

وإن نوى اثنتين فهي واحدة .

وقال زفر : إن نوى اثنتين فهي اثنتان .

وقال الشافعي : هو في ذلك كله غير مطلق حتى يقول : أردت بمخرج الكلام مني طلاقا فيكون ما نوى .

فإن نوى دون الثلاث كان رجعيا ، ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية .

وقال إسحاق : كل كلام يشبه الطلاق فهو ما [ ص: 126 ] نوى من الطلاق .

وقال أبو ثور : هي تطليقة رجعية ولا يسأل عن نيته .

وروي عن ابن مسعود ( أنه كان لا يرى طلاقا بائنا إلا في خلع أو إيلاء ) وهو المحفوظ عنه ، قاله أبو عبيد .

وقد ترجم البخاري " باب إذا قال فارقتك أو سرحتك أو البرية أو الخلية أو ما عني به الطلاق فهو على نيته " .

وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعي وإسحاق في قوله : ( أو ما عني به من الطلاق ) والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقا أو غير طلاق فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلا أن يقول المتكلم : إنه أراد بها الطلاق فيلزمه ذلك بإقراره ، ولا يجوز إبطال النكاح لأنهم قد أجمعوا على صحته بيقين .

قال أبو عمر : واختلف قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته : اعتدي ، أو قد خليتك ، أو حبلك على غاربك ، فقال مرة : لا ينوي فيها وهي ثلاث .

وقال مرة : ينوي فيها كلها ، في المدخول بها وغير المدخول بها ، وبه أقول .قلت : ما ذهب إليه الجمهور ، وما روي عن مالك أنه ينوي في هذه الألفاظ ويحكم عليه بذلك هو الصحيح ، لما ذكرناه من الدليل ، وللحديث الصحيح الذي خرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني وغيرهم عن يزيد بن ركانة : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : ( آلله ما أردت إلا واحدة ) ؟

فقال ركانة : والله ما أردت إلا واحدة ، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ابن ماجه : سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول : ما أشرف هذا الحديث!

وقال مالك في الرجل يقول لامرأته : أنت علي كالميتة والدم ولحم الخنزير : أراها البتة وإن لم تكن له نية ، فلا تحل إلا بعد زوج .

وفي قول الشافعي : إن أراد طلاقا فهو طلاق ، وما أراد من عدد الطلاق ، وإن لم يرد طلاقا فليس بشيء بعد أن يحلف .

وقال أبو عمر : أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق ، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال - للتي تزوجها حين قالت : أعوذ بالله منك - : قد عذت بمعاذ الحقي بأهلك .

فكان ذلك طلاقا .

وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتزالها : الحقي بأهلك فلم يكن ذلك طلاقا ، فدل على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية ، وأنها لا يقضى فيها إلا بما ينوي اللافظ بها ، وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره .

والله أعلم .

وأما الألفاظ التي ليست من ألفاظ الطلاق ولا يكنى بها عن الفراق ، فأكثر العلماء لا يوقعون بشيء منها طلاقا وإن قصده [ ص: 127 ] القائل .

وقال مالك : كل من أراد الطلاق بأي لفظ كان لزمه الطلاق حتى بقوله كلي واشربي وقومي واقعدي ، ولم يتابع مالكا على ذلك إلا أصحابه .قوله تعالى : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمونفيه خمس عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " أن " في موضع رفع ب " يحل " .

والآية خطاب للأزواج ، نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئا على وجه المضارة ، وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بألا ينفرد الرجل بالضرر ، وخص بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم ؛ لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صداقا وجهازا ، فلذلك خص بالذكر .

وقد قيل : إن قوله " ولا يحل " فصل معترض بين قوله تعالى : الطلاق مرتان وبين قوله : فإن طلقها .الثانية : والجمهور على أن أخذ الفدية على الطلاق جائز .

وأجمعوا على تحظير أخذ ما لها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها .

وحكى ابن المنذر عن النعمان أنه قال : إذا جاء الظلم والنشوز من قبله وخالعته فهو جائز ماض وهو آثم ، لا يحل له ما صنع ، ولا يجبر على رد ما أخذه .

قال ابن المنذر : وهذا من قوله خلاف ظاهر كتاب الله ، وخلاف الخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلاف ما أجمع عليه عامة أهل العلم من ذلك ، ولا أحسب أن لو قيل لأحد : اجهد نفسك في طلب الخطإ ما وجد أمرا أعظم من أن ينطق الكتاب بتحريم شيء ثم يقابله مقابل بالخلاف نصا ، فيقول : بل يجوز ذلك : ولا يجبر على رد ما أخذ .

قال أبو الحسن بن بطال : وروى ابن القاسم عن مالك مثله .

وهذا القول خلاف ظاهر كتاب الله تعالى ، وخلاف حديث امرأة ثابت ، وسيأتي .الثالثة : قوله تعالى : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله حرم الله تعالى في هذه الآية ألا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله ، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد .

والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألا يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها ، فلا حرج على المرأة أن تفتدي ، ولا حرج على الزوج أن يأخذ .

والخطاب للزوجين .

والضمير في أن يخافا لهما ، و ألا يقيما مفعول به .

و " خفت " يتعدى إلى مفعول واحد .

[ ص: 128 ] ثم قيل : هذا الخوف هو بمعنى العلم ، أي أن يعلما ألا يقيما حدود الله ، وهو من الخوف الحقيقي ، وهو الإشفاق من وقوع المكروه ، وهو قريب من معنى الظن .

ثم قيل : إلا أن يخافا استثناء منقطع ، أي لكن إن كان منهن نشوز فلا جناح عليكم في أخذ الفدية .

وقرأ حمزة " إلا أن يخافا " بضم الياء على ما لم يسم فاعله ، والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام ، واختاره أبو عبيد .

قال : لقوله عز وجل فإن خفتم قال : فجعل الخوف لغير الزوجين ، ولو أراد الزوجين لقال : فإن خافا ، وفي هذا حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان .قلت : وهو قول سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين .

وقال شعبة : قلت لقتادة : عمن أخذ الحسن الخلع إلى السلطان ؟

قال : عن زياد ، وكان واليا لعمر وعلي .

قال النحاس : وهذا معروف عن زياد ، ولا معنى لهذا القول لأن الرجل إذا خالع امرأته فإنما هو على ما يتراضيان به ، ولا يجبره السلطان على ذلك ، ولا معنى لقول من قال : هذا إلى السلطان .

وقد أنكر اختيار أبي عبيد ورد ، وما علمت في اختياره شيئا أبعد من هذا الحرف ؛ لأنه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى .

أما الإعراب فإن عبد الله بن مسعود قرأ إلا أن ( يخافا ) تخافوا ، فهذا في العربية إذا رد إلى ما لم يسم فاعله قيل : إلا أن يخاف .

وأما اللفظ فإن كان على لفظ " يخافا " وجب أن يقال : فإن خيف .

وإن كان على لفظ " فإن خفتم " وجب أن يقال : إلا أن تخافوا .

وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال : لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ، إلا أن يخاف غيركم ولم يقل جل وعز : فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية ، فيكون الخلع إلى السلطان .

قال الطحاوي : وقد صح عن عمر وعثمان وابن عمر جوازه دون السلطان ، وكما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخلع ، وهو قول الجمهور من العلماء .الرابعة : قوله تعالى : فإن خفتم ألا يقيما أي على أن لا يقيما .

حدود الله أي فيما يجب عليهما من حسن الصحبة وجميل العشرة .

والمخاطبة للحكام والمتوسطين لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكما .

وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بحق زوجها ، وسوء طاعتها إياه ، قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء .

وقال الحسن بن أبي الحسن وقوم معه : إذا قالت المرأة لا أطيع لك أمرا ، ولا أغتسل لك من جنابة ، ولا أبر لك قسما ، حل الخلع .

وقالالشعبي : ألا يقيما حدود الله ألا يطيعا الله ، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة .

وقال عطاء بن أبي رباح : يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها : إني أكرهك ولا أحبك ، ونحو هذا فلا جناح عليهما فيما افتدت به روى البخاري من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، [ ص: 129 ] ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن لا أطيقه!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتردين عليه حديقته ) ؟

قالت : نعم .

وأخرجه ابن ماجه عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام ، لا أطيقه بغضا!

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتردين عليه حديقته ) ؟

قالت : نعم .

فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد .

فيقال : إنها كانت تبغضه أشد البغض ، وكان يحبها أشد الحب ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع ، فكان أول خلع في الإسلام .

روى عكرمة عن ابن عباس قال : أول من خالع في الإسلام أخت عبد الله بن أبي ، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا ، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة إذ هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة ، وأقبحهم وجها!

فقال : ( أتردين عليه حديقته ) ؟

قالت : نعم ، وإن شاء زدته ، ففرق بينهما .

وهذا الحديث أصل في الخلع ، وعليه جمهور الفقهاء .

قال مالك : لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم ، وهو الأمر المجتمع عليه عندنا ، وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ إليها ، ولم تؤت من قبله ، وأحبت فراقه فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس وإن كان النشوز من قبله بأن يضيق عليها ويضرها رد عليها ما أخذ منها .

وقال عقبة بن أبي الصهباء : سألت بكر بن عبد الله المزني عن الرجل تريد امرأته أن تخالعه فقال : لا يحل له أن يأخذ منها شيئا .

قلت : فأين قول الله عز وجل في كتابه : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ؟

قال : نسخت .

قلت : فأين جعلت ؟

قال : في سورة " النساء " : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا .

قال النحاس : هذا قول شاذ ، خارج عن الإجماع لشذوذه ، وليست إحدى الآيتين دافعة للأخرى فيقع النسخ ؛ لأن قوله فإن خفتم الآية ، ليست بمزالة بتلك الآية ؛ لأنهما إذا خافا هذا لم يدخل الزوج .

في وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج لأن هذا [ ص: 130 ] للرجال خاصة .

وقال الطبري : الآية محكمة ، ولا معنى لقول بكر : إن أرادت هي العطاء فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها كما تقدم .الخامسة : تمسك بهذه الآية من رأى اختصاص الخلع بحالة الشقاق والضرر ، وأنه شرط في الخلع ، وعضد هذا بما رواه أبو داود عن عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر نغضها ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكت إليه ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال : ( خذ بعض مالها وفارقها ) .

قال : ويصلح ذلك يا رسول الله ؟

قال : ( نعم ) .

قال : فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( خذهما وفارقها ) فأخذهما وفارقها .

والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر ، كما دل عليه حديث البخاري وغيره .

وأما الآية فلا حجة فيها ؛ لأن الله عز وجل لم يذكرها على جهة الشرط ، وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع ، فخرج القول على الغالب ، والذي يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالى : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا .السادسة : لما قال الله تعالى : فلا جناح عليهما فيما افتدت به دل على جواز الخلع بأكثر مما أعطاها .

وقد اختلف العلماء في هذا ، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأبو ثور : يجوز أن تفتدي منه بما تراضيا عليه ، كان أقل مما أعطاها أو أكثر منه .

وروي هذا عن عثمان بن عفان وابن عمر وقبيصة والنخعي .

واحتج قبيصة بقوله : فلا جناح عليهما فيما افتدت به .

وقال مالك : ليس من مكارم الأخلاق ، ولم أر أحدا من أهل العلم يكره ذلك .

وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أنه قال : كانت أختي تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة ، فكان بينهما كلام ، فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( تردين عليه حديقته ويطلقك ) ؟

قالت : نعم ، وأزيده .

قال : ( ردي عليه حديقته وزيديه ) .

وفي حديث ابن عباس : ( وإن شاء زدته ولم ينكر ) .

وقالت طائفة : لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها ، كذلك قال طاوس وعطاء والأوزاعي ، قال الأوزاعي : كان القضاة لا يجيزون أن يأخذ إلا ما ساق إليها ، وبه قال أحمد وإسحاق .

واحتجوا بما رواه ابن جريج : أخبرني أبو الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول ، وكان أصدقها حديقة فكرهته ، فقال [ ص: 131 ] النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما الزيادة فلا ولكن حديقته ) ، فقالت : نعم .

فأخذها له وخلى سبيلها ، فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال : قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعه أبو الزبير من غير واحد ، أخرجه الدارقطني .

وروي عن عطاء مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها .السابعة : الخلع عند مالك رضي الله عنه على ثمرة لم يبد صلاحها وعلى جمل شارد أو عبد آبق أو جنين في بطن أمه أو نحو ذلك من وجوه الغرر جائز ، بخلاف البيوع والنكاح .

وله المطالبة بذلك كله ، فإن سلم كان له ، وإن لم يسلم فلا شيء له ، والطلاق نافذ على حكمه .

وقال الشافعي : الخلع جائز وله مهر مثلها ، وحكاه ابن خويزمنداد عن مالك قال : لأن عقود المعاوضات إذا تضمنت بدلا فاسدا وفاتت رجع فيها إلى الواجب في أمثالها من البدل .

وقال أبو ثور : الخلع باطل .

وقال أصحاب الرأي : الخلع جائز ، وله ما في بطن الأمة ، وإن لم يكن فيه ولد فلا شيء له .

وقال في " المبسوط " عن ابن القاسم : يجوز بما يثمره نخله العام ، وما تلد غنمه العام خلافا لأبي حنيفة والشافعي ، والحجة لما ذهب إليه مالك وابن القاسم عموم قوله تعالى : فلا جناح عليهما فيما افتدت به .

ومن جهة القياس أنه مما يملك بالهبة والوصية ، فجاز أن يكون عوضا في الخلع كالمعلوم ، وأيضا فإن الخلع طلاق ، والطلاق يصح بغير عوض أصلا ، فإذا صح على غير شيء فلأن يصح بفاسد العوض أولى ؛ لأن أسوأ حال المبذول أن يكون كالمسكوت عنه .

ولما كان النكاح الذي هو عقد تحليل لا يفسده فاسد العوض فلأن لا يفسد الطلاق الذي هو إتلاف وحل عقد أولى .الثامنة : ولو اختلعت منه برضاع ابنها منه حولين جاز .

وفي الخلع بنفقتها على الابن بعد الحولين مدة معلومة قولان : أحدهما : يجوز ، وهو قول المخزومي ، واختاره سحنون .

والثاني : لا يجوز ، رواه ابن القاسم عن مالك ، وإن شرطه الزوج فهو باطل موضوع عن الزوجة .

قال أبو عمر : من أجاز الخلع على الجمل الشارد والعبد الآبق ونحو ذلك من الغرر لزمه أن يجوز هذا .

وقال غيره من القرويين : لم يمنع مالك الخلع بنفقة ما زاد على الحولين لأجل الغرر ، وإنما منعه لأنه حق يختص بالأب على كل حال فليس له أن ينقله إلى غيره ، والفرق بين هذا وبين نفقة الحولين أن تلك النفقة وهي الرضاع قد تجب على الأم حال الزوجية [ ص: 132 ] وبعد الطلاق إذا أعسر الأب ، فجاز أن تنقل هذه النفقة إلى الأم ؛ لأنها محل لها .

وقد احتج مالك في " المبسوط " على هذا بقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة .التاسعة : فإن وقع الخلع على الوجه المباح بنفقة الابن فمات الصبي قبل انقضاء المدة فهل للزوج الرجوع عليها ببقية النفقة ، فروى ابن المواز عن مالك : لا يتبعها بشيء ، وروى عنه أبو الفرج : يتبعها ؛ لأنه حق ثبت له في ذمة الزوجة بالخلع فلا يسقط بموت الصبي ، كما لو خالعها بمال متعلق بذمتها ، ووجه الأول أنه لم يشترط لنفسه مالا يتموله ، وإنما اشترط كفاية مئونة ولده ، فإذا مات الولد لم يكن له الرجوع عليها بشيء ، كما لو تطوع رجل بالإنفاق على صبي سنة فمات الصبي لم يرجع عليه بشيء ؛ لأنه إنما قصد بتطوعه تحمل مئونته ، والله أعلم .

قال مالك : لم أر أحدا يتبع بمثل هذا ، ولو اتبعه لكان له في ذلك قول .

واتفقوا على أنها إن ماتت فنفقة الولد في مالها ؛ لأنه حق ثبت فيه قبل موتها فلا يسقط بموتها .العاشرة : ومن اشترط على امرأته في الخلع نفقة حملها وهي لا شيء لها فعليه النفقة إذا لم يكن لها مال تنفق منه ، وإن أيسرت بعد ذلك اتبعها بما أنفق وأخذه منها .

قال مالك : ومن الحق أن يكلف الرجل نفقة ولده وإن اشترط على أمه نفقته إذا لم يكن لها ما تنفق عليه .الحادية عشرة : واختلف العلماء في الخلع هل هو طلاق أو فسخ ، فروي عن عثمان وعلي وابن مسعود وجماعة من التابعين : هو طلاق ، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه .

فمن نوى بالخلع تطليقتين أو ثلاثا لزمه ذلك عند مالك .

وقال أصحاب الرأي : إن نوى الزوج ثلاثا كان ثلاثا ، وإن نوى اثنتين فهو واحدة بائنة لأنها كلمة واحدة .

وقال الشافعي في أحد قوليه : إن نوى بالخلع طلاقا وسماه فهو طلاق ، وإن لم ينو طلاقا ولا سمى لم تقع فرقة ، قاله في القديم .

وقوله الأول أحب إلي .

المزني : وهو الأصح عندهم .

وقال أبو ثور : إذا لم يسم الطلاق فالخلع فرقة وليس بطلاق ، وإن سمى تطليقة فهي تطليقة ، والزوج أملك برجعتها ما دامت في العدة .

وممن قال : إن الخلع فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه ابن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأحمد .

واحتجوا بالحديث عن ابن عيينة عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس ( أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله : رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها ؟

قال : نعم لينكحها ، ليس الخلع بطلاق ، ذكر الله عز وجل الطلاق في أول الآية وآخرها ، والخلع فيما بين ذلك ، فليس الخلع بشيء ) ثم قال : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .

ثم قرأ [ ص: 133 ] فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره .

قالوا : ولأنه لو كان طلاقا لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثا ، وكان قوله : فإن طلقها بعد ذلك دالا على الطلاق الرابع ، فكان يكون التحريم متعلقا بأربع تطليقات .

واحتجوا أيضا بما رواه الترمذي وأبو داود والدارقطني عن ابن عباس : أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة .

قال الترمذي : حديث حسن غريب .

وعن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة .

قال الترمذي : حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة .

قالوا : فهذا يدل على أن الخلع فسخ لا طلاق ، وذلك أن الله تعالى قال : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، ولو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على قرء واحد .قلت : ( فمن طلق امرأته تطليقتين ثم خالعها ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك ) - كما قال ابن عباس - وإن لم تنكح زوجا غيره ؛ لأنه ليس له غير تطليقتين والخلع لغو .

ومن جعل الخلع طلاقا قال : لم يجز أن يرتجعها حتى تنكح زوجا غيره ؛ لأنه بالخلع كملت الثلاث ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى .

قال القاضي إسماعيل بن إسحاق : كيف يجوز القول في رجل قالت له امرأته : طلقني على مال فطلقها إنه لا يكون طلاقا ، وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيء فطلقت نفسها كان طلاقا!

.

قال وأما قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فهو معطوف على قوله تعالى : الطلاق مرتان ؛ لأن قوله : أو تسريح بإحسان إنما يعني به أو تطليق .

فلو كان الخلع معطوفا على التطليقتين لكان لا يجوز الخلع أصلا إلا بعد تطليقتين وهذا لا يقوله أحد .

وقال غيره : ما تأولوه في الآية غلط فإن قوله : الطلاق مرتان أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع ، وأثبت معهما الرجعة بقوله : فإمساك بمعروف ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع فعاد الخلع إلى الثنتين المتقدم ذكرهما ، إذ المراد بذلك بيان الطلاق المطلق والطلاق بعوض ، والطلاق الثالث بعوض كان أو بغير عوض فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج .قلت : هذا الجواب عن الآية ، وأما الحديث فقال أبو داود - لما ذكر حديث ابن عباس في [ ص: 134 ] الحيضة - : هذا الحديث رواه عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .

وحدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال : عدة المختلعة عدة المطلقة .

قال أبو داود : والعمل عندنا على هذا .قلت : وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأهل الكوفة .

قال الترمذي : وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم .قلت : وحديث ابن عباس في الحيضة مع غرابته كما ذكر الترمذي ، وإرساله كما ذكر أبو داود فقد قيل فيه : إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عدتها حيضة ونصفا ، أخرجه الدارقطني من حديث معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس : أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة ونصفا .

والراوي عن معمر هنا في الحيضة والنصف هو الراوي عنه في الحيضة الواحدة ، وهو هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني : خرج له البخاري وحده فالحديث مضطرب من جهة الإسناد والمتن ، فسقط الاحتجاج به في أن الخلع فسخ ، وفي أن عدة المطلقة حيضة ، وبقي قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء نصا في كل مطلقة مدخول بها إلا ما خص منها كما تقدم .

قال الترمذي : " وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : عدة المختلعة حيضة ، قال إسحاق : وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي " قال ابن المنذر : قال عثمان بن عفان وابن عمر : ( عدتها حيضة ) ، وبه قال أبان بن عثمان وإسحاق .

وقال علي بن أبي طالب : ( عدتها عدة المطلقة ) ، وبقول عثمان وابن عمر أقول ، ولا يثبت حديث علي .

قلت : قد ذكرنا عن ابن عمر أنه قال : ( عدة المختلعة عدة المطلقة ) ، وهو صحيح .الثانية عشرة : واختلف قول مالك فيمن قصد إيقاع الخلع على غير عوض ، فقال عبد الوهاب : هو خلع عند مالك ، وكان الطلاق بائنا .

وقيل عنه : لا يكون بائنا إلا بوجود [ ص: 135 ] العوض ، قاله أشهب والشافعي ؛ لأنه طلاق عري عن عوض واستيفاء عدد فكان رجعيا كما لو كان بلفظ الطلاق قال ابن عبد البر : وهذا أصح قوليه عندي وعند أهل العلم في النظر .

ووجه الأول أن عدم حصول العوض في الخلع لا يخرجه عن مقتضاه ، أصل ذلك إذا خالع بخمر أو خنزير .الثالثة عشرة : المختلعة هي التي تختلع من كل الذي لها .

والمفتدية أن تفتدي ببعضه وتأخذ بعضه .

والمبارئة هي التي بارأت زوجها من قبل أن يدخل بها فتقول : قد أبرأتك فبارئني ، هذا هو قول مالك .

وروى عيسى بن دينار عن مالك : المبارئة هي التي لا تأخذ شيئا ولا تعطي ، والمختلعة هي التي تعطي ما أعطاها وتزيد من مالها ، والمفتدية هي التي تفتدي ببعض ما أعطاها وتمسك بعضه ، وهذا كله يكون قبل الدخول وبعده ، فما كان قبل الدخول فلا عدة فيه ، والمصالحة مثل المبارئة .

قال القاضي أبو محمد وغيره : هذه الألفاظ الأربعة تعود إلى معنى واحد وإن اختلفت صفاتها من جهة الإيقاع ، وهي طلقة بائنة سماها أو لم يسمها ، لا رجعة له في العدة ، وله نكاحها في العدة وبعدها برضاها بولي وصداق وقبل زوج وبعده ، خلافا لأبي ثور ؛ لأنها إنما أعطته العوض لتملك نفسها ، ولو كان طلاق الخلع رجعيا لن تملك نفسها ، فكان يجتمع للزوج العوض والمعوض عنه .الرابعة عشرة : وهذا مع إطلاق العقد نافذ ، فلو بذلت له العوض وشرط الرجعة ، ففيها روايتان رواهما ابن وهب عن مالك : إحداهما ثبوتها ، وبها قال سحنون .

والأخرى نفيها .

قال سحنون : وجه الرواية الأولى أنهما قد اتفقا على أن يكون العوض في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق ، وهذا جائز .

ووجه الرواية الثانية أنه شرط في العقد ما يمنع المقصود منه فلم يثبت ذلك ، كما لو شرط في عقد النكاح : أني لا أطأها .الخامسة عشرة : : قوله تعالى : تلك حدود الله فلا تعتدوها لما بين تعالى أحكام النكاح والفراق قال : تلك حدود الله التي أمرت بامتثالها ، كما بين تحريمات الصوم في آية أخرى فقال : تلك حدود الله فلا تقربوها ، فقسم الحدود قسمين ، منها حدود الأمر بالامتثال ، وحدود النهي بالاجتناب ، ثم أخبر تعالى فقال : ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان الطلاق في الجاهلية, واستمر أول الإسلام, يطلق الرجل زوجته بلا نهاية، فكان إذا أراد مضارتها, طلقها, فإذا شارفت انقضاء عدتها, راجعها, ثم طلقها وصنع بها مثل ذلك أبدا, فيحصل عليها من الضرر ما الله به عليم، فأخبر تعالى أنَّ { الطَّلَاقَ } أي: الذي تحصل به الرجعة { مَرَّتَانِ } ليتمكن الزوج إن لم يرد المضارة من ارتجاعها, ويراجع رأيه في هذه المدة، وأما ما فوقها, فليس محلا لذلك, لأن من زاد على الثنتين, فإما متجرئ على المحرم, أو ليس له رغبة في إمساكها, بل قصده المضارة، فلهذا أمر تعالى الزوج, أن يمسك زوجته { بِمَعْرُوفٍ } أي: عشرة حسنة, ويجري مجرى أمثاله مع زوجاتهم, وهذا هو الأرجح, وإلا يسرحها ويفارقها { بِإِحْسَانٍ } ومن الإحسان, أن لا يأخذ على فراقه لها شيئا من مالها, لأنه ظلم, وأخذ للمال في غير مقابلة بشيء, فلهذا قال: { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } وهي المخالعة بالمعروف, بأن كرهت الزوجة زوجها, لخلقه أو خَلْقِهِ أو نقص دينه, وخافت أن لا تطيع الله فيه، { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } لأنه عوض لتحصيل مقصودها من الفرقة، وفي هذا مشروعية الخلع, إذا وجدت هذه الحكمة.

{ تِلْكَ } أي ما تقدم من الأحكام الشرعية { حُدُودُ اللَّهِ } أي: أحكامه التي شرعها لكم, وأمر بالوقوف معها، { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال, وتعدى منه إلى الحرام, فلم يسعه ما أحل الله؟

والظلم ثلاثة أقسام: ظلم العبد فيما بينه وبين الله, وظلم العبد الأكبر الذي هو الشرك, وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق، فالشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة, وحقوق العباد, لا يترك الله منها شيئا، والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك, تحت المشيئة والحكمة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( الطلاق مرتان ) روي عن عروة بن الزبير قال : كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد وكان الرجل يطلق امرأته فإذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها يقصد مضارتها فنزلت هذه الآية ( الطلاق مرتان ) يعني الطلاق الذي يملك الرجعة عقيبه مرتان فإذا طلق ثلاثا فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر .

قوله تعالى : ( فإمساك بمعروف ) قيل : أراد بالإمساك الرجعة بعد الثانية والصحيح أن المراد منه : الإمساك بعد الرجعة يعني إذا راجعها بعد الرجعة الثانية فعليه أن يمسكها بالمعروف والمعروف كل ما يعرف في الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة ( أو تسريح بإحسان ) أن يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها وقيل الطلقة الثالثة .

قوله تعالى : ( أو تسريح بإحسان ) وصريح اللفظ الذي يقع به الطلاق من غير نية ثلاثة : الطلاق والفراق والسراح وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق فحسب وجملة الحكم فيه أن الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها يجوز له مراجعتها بغير رضاها ما دامت في العدة وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها وإذن وليها فإن طلقها ثلاثا فلا تحل له ما لم تنكح زوجا غيره وأما العبد إذا كانت تحته امرأة فطلقها طلقتين فإنها لا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر .

واختلف أهل العلم فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقا فذهب أكثرهم إلى أنه يعتبر عدد الطلاق بالزوج فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث طلقات والعبد لا يملك على زوجته الحرة إلا طلقتين قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : الطلاق بالرجال والعدة بالنساء يعني يعتبر في عدد الطلاق حال الرجل وفي قدر العدة حال المرأة وهو قول عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس رضي الله عنهم وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وذهب قوم إلى أن الاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على زوجته الأمة إلا طلقتين وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي .

قوله تعالى ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ) أعطيتموهن ) ( شيئا ) المهور وغيرها ثم استثنى الخلع فقال ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى ويقال : حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها فكان بينهما كلام فأتت أباها فشكت إليه زوجها وقالت له : إنه يسيء إلي ويضربني فقال : ارجعي إلى زوجك فإني أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها قال : فرجعت إليه الثانية وبها أثر الضرب فقال لها : ارجعي إلى زوجك فلما رأت أن أباها لا يشكيها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه زوجها وأرته آثارا بها من ضربه وقالت : يا رسول الله لا أنا ولا هو فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال : " ما لك ولأهلك؟

" فقال : والذي بعثك بالحق نبيا ما على وجه الأرض أحب إلي منها غيرك فقال لها : ما تقولين؟

فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت : صدق يا رسول الله ولكن قد خشيت أن يهلكني فأخرجني منه وقالت : يا رسول الله ما كنت لأحدثك حديثا ينزل الله عليك خلافه ، هو من أكرم الناس محبة لزوجته ولكني أبغضه فلا أنا ولا هو قال ثابت : قد أعطيتها حديقة فلتردها علي وأخلي سبيلها فقال لها : " تردين عليه حديقته وتملكين أمرك " ؟

قالت : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها " ففعل .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا زاهر بن جميل أخبرنا عبد الوهاب الثقفي أنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن ثابتا ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر بعد الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أتردين عليه حديقته " ؟

قالت : نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقبل الحديقة وطلقها تطليقة .

قوله تعالى : ( إلا أن يخافا ) أي يعلما ( ألا يقيما حدود الله ) قرأ أبو جعفر وحمزة ويعقوب ( إلا أن يخافا ) بضم الياء أي يعلم ذلك منهما يعني : يعلم القاضي والولي ذلك من الزوجين بدليل قوله تعالى : ( فإن خفتم ) فجعل الخوف لغير الزوجين ولم يقل فإن خافا وقرأ الآخرون ) ( يخافا ) بفتح الياء أي يعلم الزوجان من أنفسهما ( ألا يقيما حدود الله ) تخاف المرأة أن تعصي الله في أمر زوجها ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها فنهى الله الرجل أن يأخذ من امرأته شيئا مما آتاها إلا أن يكون النشوز من قبلها فقالت : لا أطيع لك أمرا ولا أطأ لك مضجعا ونحو ذلك .

قال الله تعالى : ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) أي فيما افتدت به المرأة نفسها منه قال الفراء : أراد بقوله ) ( عليهما ) الزوج دون المرأة فذكرهما جميعا لاقترانهما كقوله تعالى " نسيا حوتهما " ( 61 - الكهف ، وإنما الناسي فتى موسى دون موسى وقيل : أراد أنه لا جناح عليهما جميعا لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك والمعصية ولا فيما افتدت به وأعطت به المال لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير الحق ولا على الزوج فيما أخذ منها من المال إذا أعطته طائعة وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الخلع جائزعلى أكثر مما أعطاها وقال الزهري : لا يجوز بأكثر مما أعطاها من المهر .

وقال سعيد بن المسيب : لا يأخذ منها جميع ما أعطاها بل يترك منه شيئا ويجوز الخلع على غير حال النشوز غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا سبب .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري أنا عبد الله بن محمد بن شيبة أنا أحمد بن جعفر المستملي أنا أبو محمد يحيى بن إسحاق بن شاكر بن أحمد بن خباب أنا عيسى بن يونس أنا عبد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق " أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه أنا ابن أبي أنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة أنا أبي أنا أسامة عن حماد بن زيد عن أبي أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة " .

وقال طاوس : الخلع يختص بحالة خوف النشوز لظاهر الآية والآية حرجت على وفق العادة أن الخلع لا يكون إلا في حال خوف النشوز غالبا وإذا طلق الرجل امرأته بلفظ الطلاق على مال فقبلت وقعت البينونة وانتقص به العدد .

واختلف أهل العلم في الخلع فذهب أكثرهم إلى أنه تطليقة بائنة ينتقص به عدد الطلاق وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي والنخعي وإليه ذهب مالك والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وهو أظهر قولي الشافعي وذهب قوم إلى أنه فسخ لا ينتقص به عدد الطلاق وهو قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم وبه قال عكرمة وطاوس وإليه ذهب أحمد وإسحاق واحتجوا بأن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين ثم ذكر بعده الخلع ثم ذكر بعده الطلقة الثالثة فقال ، ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) ولو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا ومن قال بالأول جعل الطلقة الثالثة : ( أو تسريح بإحسان ) .

قوله تعالى : ( تلك حدود الله ) أي هذه أوامر الله ونواهيه وحدود الله ما منع الشرع من المجاوزة عنه ( فلا تعتدوها ) فلا تجاوزوها ( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الطلاق» أي التطليق الذي يراجع بعده «مرتان» أي اثنتان «فإمساك» أي فعليكم إمساكهن بعده بأن تراجعوهن «بمعروف» من غير ضرار «أو تسريح» أي إرسالهن «بإحسان ولا يحل لكم» أيها الأزواج «أن تأخذوا مما آتيتموهن» من المهور «شيئا» إذا طلقتموهن «إلا أن يخافا» أي الزوجان «أ» ن «لا يقيما حدود الله» أي لا يأتيا بما حده لهما من الحقوق وفي قراءة يخافا بالبناء للمفعول فأن لا يقيما بدل اشتمال من الضمير فيه وقرئ بالفوقانية في الفعلين «فإن خفتم أ» ن «لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما» «فيما افتدت به» نفسها من المال ليطلقها أي لا حرج على الزوج في أخذه ولا الزوجة في بذله «تلك» الأحكام المذكورة «حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الطلاق الذي تحصل به الرجعة مرتان، واحدة بعد الأخرى، فحكم الله بعد كل طلقة هو إمساك المرأة بالمعروف، وحسن العشرة بعد مراجعتها، أو تخلية سبيلها مع حسن معاملتها بأداء حقوقها، وألا يذكرها مطلقها بسوء.

ولا يحل لكم- أيها الأزواج- أن تأخذوا شيئًا مما أعطيتموهن من المهر ونحوه، إلا أن يخاف الزوجان ألا يقوما بالحقوق الزوجية، فحينئذ يعرضان أمرهما على الأولياء، فإن خاف الأولياء عدم إقامة الزوجين حدود الله، فلا حرج على الزوجين فيما تدفعه المرأة للزوج مقابل طلاقها.

تلك الأحكام هي حدود الله الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تتجاوزوها، ومن يتجاوز حدود الله تعالى فأولئك هم الظالمون أنفسهم بتعريضها لعذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - في هذه الآية شرعية الطلاق ومداه إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها طلقة رجعية ، ووضع المهاج العادل الذي يجب أن يتبعه الرجال والنساء .

.

بعد أن بين ذلك أتبعه ببيان الحد الذي ينتهي عنده ما للرجل من حق المراجعة فقال - تعالى : ( الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) .قال الإِمام ابن كثير : هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام : من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة ، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات ، قصرهم الله - تعالى - على ثلاث طلقات ، وأباح الرجعة في المرة والثنتين ، وأبانها بالكلية في الثالثة فقال : الطلاق مرتان .

.

.

الآية .وروى ابن أبي حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه أن رجلا قال لامرأته : لا أطلقك أبداً ولا آويك أبداً .

قالت : وكيف ذلك؟

قال : أطلق حتى إذا دنا أجلك - أي قاربت عدتك أن تنتهي - راجعتك - فأتت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأنزل الله - تعالى - : ( الطلاق مَرَّتَانِ ) - الآية .والطلاق - كما يقول القرطبي - هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة .وآل في قوله : ( الطلاق مَرَّتَانِ ) للعهد الذكري .أي : الطلاق الرجعي المشار إليه في قوله - تعالى - : ( والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ ) مرتان ، وأمر الملطق بعد إحدى هاتين الطلقتين يدور بين حالتين إما إمساك بمعروف بمعنى أن يراجعها على نية الإِبقاء على العلاقة الزوجية ، والمعاملة الحسنة وإما تسريح بإحسان بمعنى أن يتركها حتى تنتهي عدتها ، ويطلق سراحها بدون ظلم أو إساءة إليها ، كما قال - تعالى - : ( وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ) قال القرطبي : والتسريح : إرسال الشيء ، ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض ، وسرح الماشية أرسلها .

.

"وعلى هذا التفسير يكون المراد بالطلاق في الآية الطلاق الرجعي وبالمرتين حقيقة التثنية ، ويكون وقت الإِمساك أو التسريح هو ما بعد الطلقة الأولى أو الثانية بصفة خاصة ، وفي كل الأوقات بصفة عامة .

وعلى هذا التفسير سار كثير من العلماء .ويرى بعضهم أن المراد بالطلاق في الطلاق الشرعي ، وبالمرتين التكرار لا العدد ، وأن المراد من التسريح بالإِحسان هو الطلقة الثالثة ، أي بعد الطلقتين الأوليين يتروى في الأمر فيمسك بالمعروف أو يطلق الطلقة الثالثة .وقد ذكر هذا الرأي صاحب الكشاف فقال :( الطلاق ) بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم ، أي التطليق الشرعي تطليقه بعد تطليقه على التفريق دون الجمع والإِرسال دفعة واحدة ، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير ، كقوله " ثم ارجع البصر كرتين " أي كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين ، ونحو ذلك من التثاني التي يراد بها التكرير كقولهم : لببك وسعديك .

.

وقوله : ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) تخيير لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذي علمهم إياه .

.

وروى أن سائلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول الله - تعالى - : ( الطلاق مَرَّتَانِ ) فأين الثالثة ، فقال صلى الله عليه وسلم " التسريح بإحسان " .والفاء في قوله - تعالى - : ( فَإِمْسَاكٌ .

.

.

) للتفريع ، وإمساك خبر لمبتدأ محذوف والتقدير : فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .قال الفخر الرازي : والحكمة في إثبات حق الرجعة : أن الإِنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشق عليه مفارقته أولا؟

فإذا فارقه فعتد ذلك يظهر ، فلو جعل الله - تعالى - الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإِنسان بتقدير أن يظهر المحبة بعد المفارقة ، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة ، فلا جرم أثبت - سبحانه - حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ، وعند ذلك يكون قد جرب الإِنسان نفسه في تلك المفارقة مرتين وعرف حال قلبه في ذلك الباب .

فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف ، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه ، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعباده " .هذا ، ويرى بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم أن الرجل إذا أوقع الطلاق دفعة واحدة بأن قال لزوجته أنت طالق ثلاث مرات ، فطلاقه لا يكون إلا طلقة واحدة ، لأن اقتران الطلاق بكلمة ثلاثا لا يجعله ثلاث مرات بل هو مرة واحدة كمن يقول : أحلف بالله ثلاثاً فهو يمين واحدة .ويرى الأئمة الأربعة أن طلاق هذا الرجل في مثل هذه الصورة يقع ثلاثاً ، لأنهم يرون أن الطلاق المقترن بالعدد لفظاً أو إشارة يكون ثلاثاً أو اثنين على حسب ما اقترن به .

ولأن عمر - رضي الله عنه - أفتى بذلك .

فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم عن ابن عباس قال : " كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر واحدة ، فقال عمر : إن الناس قد استجعلوا في أمر لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم " .فأمضاه .وهذه المسألة مبسوطة بأدلتها في كتب الفقه وبعض كتب التفسير .ثم قال - تعالى - : ( وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت ) .قال الراغب : الخوف : توقع مكروه عن إمارة مظنونة أو معلومة ، كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة .

ويضاد الخوف الأمن .

.

"والجناح : الإِثم من جنح بمعنى مال عن القصد - وسمى الآثم به للميل فيه من الحق إلى الباطل - .

يقال جنحت السفينة أي مالت إلى أحد جانبيها .

والافتداء : تخليص النفس بمال يبذل لتخليصها ودفع الأذى عنها .

وأصله من الفدى والفداء بمعى حفظ الإِنسان نفسه عن الشدة بما يبذله من أجل ذلك .والمعنى : ولا يجوز لكم أيها المطلقون أن تأخذوا من زوجاتكم في مقبالة الطلاق شيئاً مما أعطيتموهن من صدق أو من غيره من أموال ، لأن هذا الأخذ يكون من باب الظلم الذي نهى الله عنه ، وليس من باب العدل الذي أمر الله به .ثم استثنى - سبحانه - صورة يجوز فيها الأخذ فقال : ( إِلاَّ أَن يَخَافَآ ) إلخ أي : لا يجوز لكم أن تأخذوا في حالة من الأحوال إلا في حالة أن يخاف الزوجان كلاهما أو أحدهما ألا يقيما حدود الله ففي هذه الحالة يجوز الأخذ وحدود الله هي ما أوجبه - سبحانه للرجل على زوجته ولها عليه .ثم خاطب - سبحانه - الحكام وجماعة المؤمنين المتوسطين للإِصلاح بين الزوجين فقال : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا ) أي الزوجان ( حُدُودَ الله ) التي حدها لهم وأمرهم باتباعها في حياتهم الزوجية " فلا جناح عليهما فيما افتدت به " أي : فلا إثم على الزوج في أخذ ما أعطته له الزوجة من مال مقابل انفصالها عنه ، ولا إثم عليها كذلك في هذا الإعطاء ، لأنهما ما داما قد وصلا إلى هذه الحالة من التنافر ، وما دامت الزوجة قد أصبحت تفضل أن تعطيه من المال ما تفدى به نفسها من البقاء في عصمته ، ما داما قد أصبحا كذلك .

فوقوع الفراق بينهما أولى وأجدى ( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ) قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لمن الخطاب في قوله : ( وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ ) إن قلت : إنه للأزواج لم يطابقه قوله : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ) وإن قلت إنه للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهم ولا بمؤتيهن؟

قلت : يجوز الأمران جميعاً : أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره للأئمة والحكام ، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره .

ويجوز الخطاب كله للائمة والحكام ، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإِيتاء عند الترافع إليهم فكنهم الآخذون والمؤتون " .والمراد بقوله : ( مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ ) أي من المهور وتخصيصها بالذكر وإن شاركها في الحكم سائر أموالهن إما لرعاية العادة وإما للتنبيه على أنه إذا لم يحل لهم أن يأخذوا مما أعطوهن في مقابلة البضع عند خروجه عن ملكهم فلأن لا يحل لهم أن يأخذوا مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحرى .وقوله : ( شَيْئاً ) مفعول به لتأخذوا .

التنوين للتقليل أي : لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ولو كان المأخوذ شيئاً غاية في القلة ، لأن هذا الأخذ يجا في الإِحسان الذي أمرتم به .

وقريب من هذه الآية في النهي عن الأخذ قوله - تعالى - :( وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) وأن والفعل في قوله : ( إِلاَّ أَن يَخَافَآ ) في موضع نصب على الحال أي إلأا خائفين .وقوله : ( أَلاَّ يُقِيمَا ) في موضع نصب على المفعول به ليخافا والتقدير إلا أن يخافا ترك حدود الله .وهذه الآية قد اعتبرها العلماء أصلا في جواز الخلع .قال ابن كثير : وقد ذكر ابن جرير : أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس ، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس : " أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن زوجي ثابت بن قيس - ما أعيب عليه في خلق ولا دين ، ولكن أكره الكفر في الإِسلام - أي أكره عدم الوفاء بحقه لبغضي له- .

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته؟

- وهي المهر الذي أمهرها - قالت : نعم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت : اقبل الحديقة وطلقها تطليقه " .قالوا : ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع فكان أول خلع في الإِسلام .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فأولئك هُمُ الظالمون ) .أي : تلك الأحكام العظيمة الحكيمة المتقدمة التي بينتها لكم في شأن الطلاق والرجعة والخلع وغير ذلك حدود الله التي حدها ، فلا يجز لكم أن تخالفوها ، ومن يتعد هذه الحدود فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها لسخط الله وعقابه .وكنت الإِشارة للبعيد ( تِلْكَ ) لبيان سمو قدر هذه الأحكام ، وعظم منزلتها ، وجلال ما فيها من مصالح واضحة لأصحاب العقول السليمة .وسميت هذه الأحكام حدوداً للإِشارة إلى أنها فواصل بين الحق والباطل ، والظلم والعدل والمنفعة والمضرة .

إذ الحد هو الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر .

يقال : حددت كذا أي جعلت حداً يميزه .

وحد الدار ما تتميز به عن غيرها .وفي إضافة هذه الحدود إليه - سبحانه - إشعار بأن مخالفتها إنما هي مخالفة له - سبحانه - وأن هذه الحدود لا يتطرق إليها الريب لأنها صادرة من العليم الخبير الذي أحسن كل شيء خلقه .والفاء في قوله : ( فَلاَ تَعْتَدُوهَا ) للتفريع أي : إذا كانت هذه الأحكام حدود الله فلا يصح لكم أن تتجاوزوها لأن تجاوزها يؤدي إلى سوء العقبى .وعبر في قوله : ( فأولئك هُمُ الظالمون ) بفاء السببية وباسم الإِشارة وبضمير الفصل وبالجملة الاسمية لتأكيد معنى السببية وللإِشارة إلى أن الظلم شأن من شئونهم وصفة يتميزون بها عن غيرهم .وقد جاء - سبحانه - بكل هذه المؤكدات في تلك الجملة الكريمة لكبح جماح غرور الإِنسان ، وتحذيره من الانقياد لهواه وأوهامه ، فكثيراً ما يتوهم بعض الناس أن أحكام الله ليست ملائمة لمتقضى الزمان الذي يعيشون فيه ، ويحاولون إخضاع شرع الله - تعالى - لمصالحهم وشهواتهم ، أو يتركون ما شرعه الله بتلك الحجة الواهية الساقطة .

وأنت ترى هنا أن القرآن قال : ( تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا .

.

.

) بينما قال هناك في ختام آية الصوم ( تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) وذلك لأن الكلام هنا في شأن الأسرة وما يسودها أحياناً من خلافات ، واصطدامات ، واضطرابات .

.

والخشية هنا إنما هي من تعدى هذه الحدود التي حدها الله في أي مرة من مرات هذا الخلاف .

.

فجاء التحذير من التعدي لا من المقاربة ، بينما هناك كان الحديث عن محظورات مشتهاة مستلذة تريدها النفس لترضى شهوتي البطن والفرج ، فجاء التحذير من مجرد الاقتراب من هذه الحدود التي حدها الله إتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها .فسبحان من هذا كلامه ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ .

اعلم أن هذا هو الحكم الثالث من أحكام الطلاق، وهو الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له، فجاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها، فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة رضي الله عنها ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: ﴿ الطلاق مَرَّتَانِ ﴾ .

المسألة الثانية: اختلف المفسرون في أن هذا الكلام حكم مبتدأ وهو متعلق بما قبله، قال قوم: إنه حكم مبتدأ، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، وهذا التفسير هو قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام، وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار: أن هذا هو قول عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وعمران بن الحصين، وأبي موسى الأشعري، وأبي الدرداء وحذيفة.

والقول الأول: في تفسير الآية أن هذا ليس ابتداء كلام بل هو متعلق بما قبله، والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان، ولا رجعة بعد الثلاث، وهذا التفسير هو قول من جوز الجمع بين الثلاث، وهو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه.

حجة القائلين بالقول الأول: أن لفظ الطلاق يفيد الاستغراق، لأن الألف واللام إذا لم يكونا للمعهود أفادا الاستغراق، فصار تقدير الآية: كل الطلاق مرتان، ومرة ثالثة، ولو قال هكذا لأفاد أن الطلاق المشروع متفرق، لأن المرات لا تكون إلا بعد تفرق بالإجماع.

فإن قيل: هذه الآية وردت لبيان الطلاق المسنون، وعندي الجمع مباح لا مسنون.

قلنا: ليس في الآية بيان صفة السنة، بل كان تفسير الأصل الطلاق، ثم قال هذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الخبر، إلا أن معناه هو الأمر، أي طلقوا مرتين يعني دفعتين، وإنما وقع العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لما ذكرنا فيما تقدم أن التعبير عن الأمر بلفظ الخبر يفيد تأكيد معنى الأمر، فثبت أن هذه الآية دالة على الأمر بتفريق الطلقات، وعلى التشديد في ذلك الأمر والمبالغة فيه، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين الأول: وهو اختيار كثير من علماء الدين، أنه لو طلقها اثنين أو ثلاثاً لا يقع إلا الواحدة، وهذا القول هو الأقيس، لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعى في إدخال تلك المفسدة في الوجود وأنه غير جائز، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع.

والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه: أنه وإن كان محرماً إلا أنه يقع، وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد.

القول الثالث: في تفسير هذه الآية أن نقول: أنها ليست كلاماً مبتدأ، بل هي متعلقة بما قبلها، وذلك لأنه تعالى بين في الآية الأولى أن حق المراجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائماً أو إلى غاية معينة، فكان ذلك كالمجمل المفتقر إلى المبين، أو كالعام المفتقر إلى المخصص فبين في هذه الآية أن ذلك الطلاق الذي ثبت فيه للزوج حق الرجعة، هو أن يوجد طلقتان فقط وأما بعد الطلقتين فلا يثبت ألبتة حق الرجعة بالألف واللام في قوله: الطلاق للمعهود السابق، يعني ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة هو أن يوجد مرتين، فهذا تفسير حسن مطابق لنظم الآية والذي يدل على أن هذا التفسير أولى لوجوه: الأول: أن قوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ  ﴾ إن كان لكل الأحوال فهو مفتقر إلى المخصص، وإن لم يكن عاماً فهو مجمل، لأنه ليس فيه بيان الشرط الذي عنده يثبت حق الرجعة، فيكون مفتقراً إلى البيان، فإذا جعلنا الآية الثانية متعلقة بما قبلها كان المخصص حاصلاً مع العام المخصوص، أو كان البيان حاصلاً مع المجمل، وذلك أولى من أن لا يكون كذلك، لأن تأخير البيان عن وقت الخطاب وإن كان جائزاً إلا أن الأرجح أن لا يتأخر.

الحجة الثانية: إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ، كان قوله: ﴿ الطلاق مَرَّتَانِ ﴾ يقتضي حصر كل الطلاق في المرتين وهو باطل بالإجماع، لا يقال: إنه تعالى ذكر الطلقة الثالثة، وهو قوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ فصار تقدير الآية: الطلاق مرتان ومرة، لأنا نقول: إن قوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ متعلق بقوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ لا بقوله: ﴿ الطلاق مَرَّتَانِ ﴾ ولأن لفظ التسريح بالإحسان لا إشعار فيه بالطلاق، ولأنا لو جعلنا التسريح هو الطلقة الثالثة، لكان قوله فإن طلقها طلقة رابعة وإنه غير جائز.

الحجة الثالثة: ما روينا في سبب نزول هذه الآية، إنها إنما نزلت بسبب امرأة شكت إلى عائشة رضي الله عنها أن زوجها يطلقها ويراجعها كثيراً بسبب المضارة، وقد أجمعوا على أن سبب نزول الآية لا يجوز أن يكون خارجاً عن عموم الآية، فكان تنزيل هذه الآية على هذا المعنى أولى من تنزيلها على حكم آخر أجنبي عنه.

أما قوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الإمساك خلاف الإطلاق والمساك والمسكة اسمان منه، يقال: إنه لذو مسكة ومساكة إذا كان بخيلاً قال الفراء: يقال إنه ليس بمساك غلمانه، وفيه مساكة من جبر، أي قوة، وأما التسريح فهو الإرسال، وتسريح الشعر تخليصك بعضه من بعض، وسرح الماشية إذا أرسلها ترعى.

المسألة الثانية: تقدير الآية ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج، هو أن يوجد مرتان، ثم الواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة، بل على قصد الإصلاح والإنفاع، وفي معنى الآية وجهان: أحدهما: أن توقع عليها الطلقة الثالثة، روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ الطلاق مَرَّتَانِ ﴾ قيل له صلى الله عليه وسلم: فأين الثالثة؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «هو قوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ » والثاني: أن معناه أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة، وهو مروي عن الضحاك والسدي.

واعلم أن هذا الوجه هو الأقرب لوجوه: أحدها: أن الفاء في قوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا  ﴾ تقتضي وقوع الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح، فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة، لكان قوله: فإن طلقها طلقة رابعة وأنه لا يجوز.

وثانيها: أنا لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأحوال، لأنه بعد الطلقة الثانية، إما أن يراجعها وهو المراد بقوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة وهو المراد بقوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ أو يطلقها وهو المراد بقوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ فكانت الآية مشتملة على بيان كل الأقسام، أما لو جعلنا التسريح بالإحسان طلاقاً آخر لزم ترك أحد الأقسام الثلاث، ولزم التكرير في ذكر الطلاق وأنه غير جائز.

وثالثها: أن ظاهر التسريح هو الإرسال والإهمال فحمل اللفظ على ترك المراجعة أولى من حمله على التطليق.

ورابعها: أنه قال بعد ذكر التسريح ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ والمراد به الخلع، ومعلوم أنه لا يصح الخلع بعد أن طلقها الثالثة، فهذه الوجوه ظاهرة لو لم يثبت الخبر الذي رويناه في صحة ذلك القول، فإن صح ذلك الخبر فلا مزيد عليه.

واعلم أن المراد من الإحسان، هو أنه إذا تركها أدى إليها حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها.

المسألة الثالثة: الحكمة في إثبات حق الرجعة أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشق عليه مفارقته أو لا فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك الباب، فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده.

قوله تعالى: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ .

واعلم أن هذا هو الحكم الرابع من أحكام الطلاق وهو بيان الخلع، واعلم أنه تعالى لما أمر أن يكون التسريح مقروناً بالإحسان، بين في هذه الآية أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئاً من الذي أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، وذلك لأنه ملك بضعها، واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها، فلا يجوز أن يأخذ منها شيئاً، ويدل في هذا النهي أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء، كما قال في سورة النساء: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ  ﴾ وقوله هاهنا: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ هو كقوله هناك: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ ﴾ فثبت أن الإتيان بالفاحشة المبينة قد يكون بالبذاء وسوء الخلق، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ  ﴾ فقيل المراد من الفاحشة المبينة البذاء على أحمائها وقال أيضاً: ﴿ فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً  ﴾ فعظم في أخذ شيء من ذلك بعد الإفضاء.

فإن قيل: لمن الخطاب في قوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ ﴾ فإن كان للأزواج لم يطابقه قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء لا يأخذون منهن شيئاً.

قلنا: الأمران جائزان فيجوز أن يكون أول الآية خطاباً للأزواج وآخرها خطاباً للأئمة والحكام، وذلك غير غريب في القرآن، ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام، لأنهم هم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الآخذون والمؤتون.

أما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ فاعلم أنه تعالى لما منع الرجل أن يأخذ من امرأته عند الطلاق شيئاً استثنى هذه الصورة وهي مسألة الخلع وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشد الحب، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: فرق بيني وبينه فإني أبغضه، ولقد رفعت طرف الخباء فرأيته يجيء في أقوام فكان أقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً، وأشدهم سواداً، وإني أكره الكفر بعد الإسلام، فقال ثابتٍ: يا رسول الله مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: «ما تقولين؟» قالت: نعم وأزيده فقال صلى الله عليه وسلم: «لا حديقته فقط»، ثم قال لثابت: «خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها» ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام.

وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصارية.

المسألة الثانية: اختفلوا في أن قوله تعالى: ﴿ إلا أن يخافا ﴾ هو استثناء متصل أو منقطع، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهية، وهي أن أكثر المجتهدين قالوا: يجوز الخلع في غير حالة الخوف والغضب، وقال الأزهري والنخعي وداود: لا يباح الخلع إلا عند الغضب، والخوف من أن لا يقيما حدود الله، فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد وحجتهم أن هذه الآية صريحة في أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة عند طلاقها شيئاً، ثم استثنى الله حالة مخصوصة فقال: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ فكانت الآية صريحة في أنه لا يجوز الأخذ في غير حالة الخوف، وأما جمهور المجتهدين فقالوا: الخلع جائز في حالة الخوف وفي غير حالة الخوف والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً  ﴾ فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذل كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى، وأما كلمة ﴿ إِلا ﴾ فهي محمولة على الاستثناء المنقطع كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطئاً  ﴾ أي لكن إن كان خطأ ﴿ فتحريرُ رَقبةٍ مؤمنةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ  ﴾ .

المسألة الثالثة: الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف، وهو الإشفاق مما يكره وقوعه، ويمكن حمله على الظن، وذلك لأن الخوف حالة نفسانية مخصوصة، وسبب حصولها ظن أنه سيحدث مكروه في المستقبل وإطلاق اسم المعلول على العلة مجاز مشهور فلا جرم أطلق على هذا الظن اسم الخوف، وهذا مجاز مشهور فقد يقول الرجل لغيره: قد خرج غلامك بغير إذنك، فتقول: قد خفت ذلك على معنى ظننته وتوهمته، وأنشد الفراء: إذا متُّ فادفني إلى جنب كرمة *** تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في الفلاة فإنني *** أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها ثم الذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى فيما بعد هذه الآية: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله  ﴾ .

المسألة الرابعة: اعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشرط هو حصول الخوف للرجل وللمرأة، ولا بد هاهنا من مزيد بحث، فنقول: الأقسام الممكنة في هذا الباب أربعة لأنه إما أن يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل المرأة فقط، أو من قبل الزوج فقط، أو لا يحصل الخوف من قبل واحد منهما، أو يكون الخوف حاصلاً من قبلهما معاً.

أما القسم الأول: وهو أن يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل المرأة، وذلك بأن تكون المرأة ناشزة مبغضة للزوج، فهاهنا يحل للزوج أخذ المال منها والدليل عليه ما رويناه من حديث جميلة مع ثابت، لأنها أظهرت البغض فجوز رسول الله صلى الله عليه وسلم لها الخلع ولثابت الأخذ.

فإن قيل: فقد شرط تعالى في هذه الآية خوفهما معاً، فكيف قلتم: إنه يكفي حصول الخوف منها فقط.

قلنا: سبب هذا الخوف وإن كان أوله من جهة المرأة إلا أنه قد يترتب عليه الخوف الحاصل من قبل الزوج، لأن المرأة تخاف على نفسها من عصيان الله في أمر الزوج، وهو يخاف أنها إذا لم تطعه فإنه يضربها ويشتمها، وربما زاد على قدر الواجب فكان الخوف حاصلاً لهما جميعاً، فقد يكون ذلك السبب منها لأمر يتعلق بالزوج، ويجوز أن تكره المرأة مصاحبة ذلك الزوج لفقره أو لقبح وجهه، أو لمرض منفر منه، وعلى هذا التقدير تكون المرأة خائفة من معصية الله في أن لا تطيع الزوج، ويكون الزوج خائفاً من معصية الله تعالى من أن يقع منه تقصير في بعض حقوقها.

القسم الثاني: أن يكون الخوف من قبل الزوج فقط، بأن يضربها ويؤذيها، حتى تلتزم الفدية فهذا المال حرام بدليل أول هذه الآية، وبدليل سائر الآيات، كقوله: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ ﴾ إلى قوله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا ٱلنِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا  وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْـًٔا أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا  ﴾ وهذا مبالغة عظيمة في تحريم أخذ ذلك المال.

القسم الثالث: أن لا يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل الزوج، ولا من قبل الزوجة، وقد ذكرنا أن قول أكثر المجتهدين: أن هذا الخلع جائز، والمال المأخوذ حلال، وقال قوم إنه حرام.

القسم الرابع: أن يكون الخوف حاصلاً من قبلهما معاً، فهذا المال حرام أيضاً، لأن الآيات التي تلوناها تدل على حرمة أخذ ذلك المال إذا كان السبب حاصلاً من قبل الزوج، وليس فيه تقييد بقيد أن يكون من جانب المرأة سبب لذلك أم لا ولأن الله تعالى أفرد لهذا القسم آية أخرى وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا  ﴾ الآية، ولم يذكر فيه تعالى حل أخذ المال، فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة، واعلم أن هذا الذي قلناه من هذه الأقسام إنما هو فيما بين المكلفين وبين الله تعالى، فأما في الظاهر فهو جائز هذا هو قول الفقهاء.

المسألة الخامسة: قرأ حمزة: ﴿ إِلاَّ أَن يخافا ﴾ بضم الياء والباقون بفتحها، قال صاحب الكشاف وجه قراءة حمزة إبدال أن لا يقيما من ألف الضمير، وهو من بدل الاشتمال، كقولك: خيف زيد تركه إقامة حدود الله، وهذا المعنى متأكد بقراءة عبد الله ﴿ إِلا أَنْ يخافوا ﴾ وبقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ ولم يقل: خافا، فجعل الخوف لغيرهما، وجه قراءة العامة إضافة الخوف إليهما على ما بينا أن المرأة تخاف الفتنة على نفسها، والزوج يخاف أنها إن لم تطعه يعتدي عليها.

المسألة السادسة: اختلفوا في قدر ما يجوز وقوع الخلع به، فقال الشعبي والزهري والحسن البصري وعطاء وطاوس: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال سعيد بن المسيب: بل ما دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له، وأما سائر الفقهاء فإنهم جوزوا المخالعة بالأزيد والأقل والمساوي، واحتج الأولون بالقرآن والخبر والقياس، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ ﴾ فوجب أن يكون هذا راجعاً إلى ما آتاها: وإذا كان كذلك لم يدخل في إباحة الله تعالى إلا قدر ما آتاها من المهر، وأما الخبر روينا أن ثابتاً لما طلب من جميلة أن ترد عليه حديقته، فقالت جميلة وأزيده، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا حديقته فقط»، ولو كان الخلع بالزائد جائزاً لما جاز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يمنعها منه، وأما القياس فهو أنه استباح بعضها، فلو أخذ منها أزيد مما دفع إليها لكان ذلك إجحافاً بجانب المرأة وإلحاقاً للضرر بها، وأنه غير جائز، وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا الخلع عقد معاوضة، فوجب أن لا يتقيد بمقدار معين، فكما أن للمرأة أن لا ترضى عند النكاح إلا بالصداق الكثير، فكذا للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير، لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج، حيث أظهرت بغضه وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن عمر رضي الله عنه رفعت إليه امرأة ناشزة أمرها فأخذها عمر وحبسها في بيت الزبل ليلتين، ثم قال لها: كيف حالك؟

فقالت: ما بت أطيب من هاتين الليلتين، فقال عمر: اخلعها ولو بقرطها، والمراد اخلعها حتى بقرطها وعن ابن عمر أنه جاءته امرأة قد اختلعت من زوجها بكل شيء وبكل ثوب عليها إلا درعها، فلم ينكر عليها.

المسألة السابعة: الخلع تطليقة بائنة وهو قول علي وعثمان وابن مسعود والحسن والشعبي والنخعي وعطاء وابن المسيب وشريح ومجاهد ومكحول والزهري، وهو قول أبي حنيفة وسفيان، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنهم، وقال ابن عباس وطاوس وعكرمة رضي الله عنهم: إنه فسخ للعقد، وهو القول الثاني للشافعي، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور.

(حجة من قال إنه طلاق) أن الأمة مجمعة على أنه فسخ أو طلاق، فإذا بطل كونه فسخاً ثبت أنه طلاق وإنما قلنا: إنه ليس بفسخ لأنه لو كان فسخاً لما صح بالزيادة على المهر المسمى: كالإقالة في البيع، وأيضاً لو كان الخلع فسخاً فإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يجب عليها المهر، كالإقالة، فإن الثمن يجب رده، وإن لم يذكر ولما لم يكن كذلك ثبت أن الخلع ليس بفسخ، وإذا بطل ذلك ثبت أنه طلاق.

حجة من قال إنه ليس بطلاق وجوه: الحجة الأولى: أنه تعالى قال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ ﴾ ثم ذكر الطلاق فقال: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ  ﴾ فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً، وهذا الاستدلال نقله الخطابي في كتاب معالم السنن عن ابن عباس.

الحجة الثانية: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس بن شماس في مخالعة امرأته، مع أن الطلاق في زمان الحيض أو في طهر حصل الجماع فيه حرام، فلو كان الخلع طلاقاً لكان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يستكشف الحال في ذلك، فلما لم يستكشف بل أمره بالخلع مطلقاً دل على أن الخلع ليس بطلاق.

الحجة الثالثة: روى أبو داود في سننه عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة، قال الخطابي: وهذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، لأن الله تعالى قال: ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء  ﴾ فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد.

أما قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ فالمعنى أن ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع ﴿ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ أي فلا تتجاوزوا عنها، ثم بعد هذا النهي المؤكد أتبعه بالوعيد، فقال: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أنه تعالى ذكره في سائر الآيات ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين  ﴾ فذكر الظلم هاهنا تنبيهاً على حصول اللعن.

وثانيها: أن الظالم اسم ذم وتحقير، فوقوع هذا الاسم يكون جارياً مجرى الوعيد.

وثالثها: أنه أطلق لفظ الظلم تنبيهاً على أنه ظلم من الإنسان على نفسه، حيث أقدم على المعصية، وظلم أيضاً للغير بتقدير أن لا تتم المرأة عدتها، أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها، أو الرجل ترك الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة، ففي كل هذه المواضع يكون ظالماً للغير فلو أطلق لفظ الظالم دل على كونه ظالماً لنفسه، وظالماً لغيره، وفيه أعظم التهديدات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الطلاق ﴾ بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير، كقوله: ﴿ ثم ارجع البصر كرّتين ﴾ [الملك: 4] أي كرّة بعد كرّة، لا كرّتين اثنتين.

ونحو ذلك من التثاني التي يراد بها التكرير قولهم: لبيك وسعديك وحنانيك وهذاذيك ودواليك.

وقوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ تخيير لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون، بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بمواجبهنّ، وبين أن يسرحوهنّ السراح الجميل الذي علمهم.

وقيل: معناه الطلاق الرجعي مرّتان، لأنه لا رجعة بعد الثلاث، فإمساك بمعروف أي برجعة، أو تسريح بإحسان أي بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدّة، أو بأن لا يراجعها مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها.

وقيل: بأن يطلقها الثالثة في الطهر الثالث.

وروي: أنّ سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الثالثة؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «أو تسريح بإحسان» وعند أبي حنيفة وأصحابه: الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه، لما روي في حديث ابن عمر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة» وعند الشافعي.

لا بأس بإرسال الثلاث.

لحديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها ثلاثًا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه.

روي: أنّ جميلة بنت عبد الله بن أبيّ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها.

فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضاً، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً فنزلت، وكان قد أصدقها حديقة فاختلعت منه بها وهو أوّل خلع كان في الإسلام.

فإن قلت: لمن الخطاب في قوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ ﴾ ؟

إن قلت للأزواج لم يطابقه قوله ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن؟

قلت: يجوز الأمران جميعاً: أن يكون أوّل الخطاب للأزواج، وآخره للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره، وأن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون ﴿ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ مما أعطيتموهنّ من الصدقات ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية، لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت ﴿ فِيمَا افتدت بِهِ ﴾ فيما فدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر.

والخلع بالزيادة على المهر مكروه وهو جائز في الحكم.

وروي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر رضي الله عنه، فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟

قالت: ما بت منذ كنت عنده أقر لعيني منهن.

فقال لزوجها: اخلعها ولو بقرطها.

قال قتادة: يعني بمالها كله، هذا إذا كان النشوز منها، فإن كان منه كره له أن يأخذ منها شيئاً.

وقرئ (إلا) أن يخافا، على البناء للمفعول وإبدال أن لا يقيما من ألف الضمير، وهو من بدل الاشتمال كقولك: خيف زيد تركه إقامة حدود الله.

ونحوه: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ [الأنبياء: 3] ويعضده قراءة عبد الله ﴿ إلا أن تخافوا ﴾ وفي قراءة أبي: ﴿ إلا أن يظنا ﴾ .

ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن.

يقولون: أخاف أن يكون كذا، وأفرق أن يكون، يريدون أظن ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ الطلاق المذكور الموصوف بالتكرار في قوله تعالى: ﴿ الطلاق مَرَّتَانِ ﴾ واستوفى نصابه.

أو فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرّتين ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ ﴾ من بعد ذلك التطليق.

﴿ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ حتى تتزوّج غيره، والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كما التزوج.

ويقال: فلانة ناكح في بني فلان.

وقد تعلق من اقتصر على العقد في التحليل بظاهره وهو سعيد ابن المسيب.

والذي عليه الجمهور أنه لابد من الإصابة، لما روى عروة عن عائشة رضي الله عنها: أنّ امرأة رفاعة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوّجني، وإنما معه مثل هدبة الثوب وإنه طلقني قبل أن يمسني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟

لا، حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك» وروي: أنها لبثت ما شاء الله، ثم رجعت فقالت: إنه كان قد مسني، فقال لها: كذبت في قولك الأوّل، فلن أصدّقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر رضي الله عنه فقالت: أأرجع إلى زوجي الأوّل.

فقال: قد عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لك ما قال، فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه قالت مثله لعمر رضي الله عنه فقال: إن أتيتني بعد مرّتك هذه لأرجمنك، فمنعها.

فإن قلت فما تقول في النكاح المعقود بشرط التحليل؟

قلت: ذهب سفيان والأوزاعي وأبو عبيد ومالك وغيرهم إلى أنه غير جائز، وهو جائز عند أبي حنيفة مع الكراهة.

وعنه أنهما إن أضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه لعن المحلل والمحلل له» وعن عمر رضي الله عنه: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وعن عثمان رضي الله عنه: لا نكاح إلا نكاح رغبة غير مدالسة ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ الزوج الثاني.

﴿ أَن يَتَرَاجَعَا ﴾ أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج ﴿ إِن ظَنَّا ﴾ إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية.

ولم يقل: إن علماً أنهما يقيمان، لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله عز وجل.

ومن فسر الظن هاهنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى، لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن: علمت أنه يقوم، ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد، وإنما يظن ظناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ أيِ التَّطْلِيقُ الرَّجْعِيُّ اثْنانِ لِما رُوِيَ « (أنَّهُ  سُئِلَ أيْنَ الثّالِثَةُ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ )» .

وقِيلَ مَعْناهُ التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةً بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَّفْرِيقِ، ولِذَلِكَ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ: الجَمْعُ بَيْنَ الطَّلْقَتَيْنِ والثَّلاثِ بِدْعَةٌ.

﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ بِالمُراجَعَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، وهو يُؤَيِّدُ المَعْنى الأوَّلَ.

﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ بِالطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، أوْ بِأنْ لا يُراجِعَها حَتّى تَبِينَ، وعَلى المَعْنى الأخِيرِ حُكْمُ مُبْتَدَأٍ وتَخْيِيرٌ مُطْلَقٌ عَقَّبَ بِهِ تَعْلِيمَهم كَيْفِيَّةَ التَّطْلِيقِ.

﴿ وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ أيْ مِنَ الصَّدَقاتِ.

رُوِيَ « (أنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، كانَتْ تُبْغِضُ زَوْجَها ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَتْ: لا أنا ولا ثابِتٌ لا يَجْمَعُ رَأْسِي ورَأْسَهُ شَيْءٌ، واللَّهِ ما أعِيبُهُ في دِينٍ ولا خُلُقٍ ولَكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ، وما أُطِيقُهُ بَعْضًا إنِّي رَفَعْتُ جانِبَ الخِباءِ فَرَأيْتُهُ أقْبَلَ في جَماعَةٍ مِنَ الرِّجالِ، فَإذا هو أشُدُّهم سَوادًا وأقْصَرُهم قامَةً وأقْبَحَهم وجْهًا) .

فَنَزَلَتْ فاخْتَلَعَتْ مِنهُ بِحَدِيقَةٍ كانَ أصْدَقَها إيّاها.» والخِطابُ مَعَ الحُكّامِ وإسْنادُ الأخْذِ والإيتاءُ إلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ الآمِرُونَ بِهِما عِنْدَ التَّرافُعِ.

وقِيلَ إنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ وما بَعْدَهُ خِطابٌ لِلْحُكّامِ وهو يُشَوِّشُ النَّظْمَ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ.

إلّا أنْ يَخافا أيِ الزَّوْجانِ.

وقُرِئَ « يَظُنّا» وهو يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الخَوْفِ بِالظَّنِّ.

﴿ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ يَتْرُكُ إقامَةَ أحْكامِهِ مِن مَواجِبِ الزَّوْجِيَّةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ « يَخافا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وإبْدالِ أنْ بِصِلَتِهِ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلُ الِاشْتِمالِ.

وقُرِئَ « تَخافا» و « تُقِيما» بِتاءِ الخِطابِ.

فَإنْ خِفْتُمْ أيُّها الحُكّامُ.

﴿ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ عَلى الرَّجُلِ في أخْذِ ما افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَها واخْتَلَعَتْ، وعَلى المَرْأةِ في إعْطائِهِ.

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَدَّ مِنَ الأحْكامِ.

فَلا تَعْتَدُوها فَلا تَتَعَدَّوْها بِالمُخالَفَةِ.

﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ تَعْقِيبٌ لِلنَّهْيِ بِالوَعِيدِ مُبالَغَةً في التَّهْدِيدِ، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخُلْعَ لا يَجُوزُ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ وشِقاقٍ، ولا بِجَمِيعِ ما ساقَ الزَّوْجُ إلَيْها فَضْلًا عَنِ الزّائِدِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ  «أيُّما امْرَأةٍ سَألَتْ زَوْجَها طَلاقًا مِن غَيْرِ بَأْسٍ، فَحَرامٌ عَلَيْها رائِحَةُ الجَنَّةِ» .

وَما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِجَمِيلَةَ: « أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟

فَقالَتْ: أرُدُّها وأزِيدُ عَلَيْها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمّا الزّائِدُ فَلا» .

والجُمْهُورُ اسْتَكْرَهُوهُ ولَكِنْ نَفَّذُوهُ فَإنَّ المَنعَ عَنِ العَقْدِ لا يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ، وأنَّهُ يَصِحُّ بِلَفْظِ المُفاداةِ، فَإنَّهُ تَعالى سَمّاهُ افْتِداءً.

واخْتُلِفَ في أنَّهُ إذا جَرى بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلاقِ هَلْ هو فَسْخٌ أوْ طَلاقٌ، ومَن جَعَلَهُ فَسْخًا احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الطلاق مَرَّتَانِ} الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم أى التطيلق الشرعى تطيلقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله {ثم ارجع البصر كرتين} أي كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين وهو دليل لنا في أن الجمع بين الطلقتين والثلاثة بدعة في طهر واحد لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق لأنه وإن كان ظاهره الخبر فمعناه الأمر ولا يؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى لأن الطلاق على وجه الجمع قد يوجد وقيل قالت أنصارية إن زوجي قال لا أزال أطلقك ثم أراجعك فنزلت الطلاق مرتان أي الطلاق الرجعي مرتان لأنه لا رجعة بعد الثالث {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} برجعة

والمعنى فالواجب عليكم إمساك بمعروف {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدة وقيل بأن لا يطلقها الثالثة في الطهر الثالث ونزل في جميلة وزوجها ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها وقد أعطاها حديقة

البقرة (٢٢٩ _ ٢٣١)

فاختلعت منه بها وهو أول خلع كان في الإسلام {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ} أيها الأزواج أو الحكام لأنهم الآمرون الأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون {أن تَأخُذُواْ مِمَّآ آتَيتُمُوهُنَّ شَيْئاً} مما أعطيتموهن من المهور {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} إلا أن يعلم الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها {فَإِنْ خِفْتُمْ} أيها الولاة وجاز أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره للحكام {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت {فِيمَا افتدت بِهِ} فيما افتدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر إلا أن يخافا حمزة على البناء للمفعول وإبدال ألا يقيما من ألف الضمير وهو من بدل الاشتمال نحو خيف زيد تركه إقامة حدود الله {تِلْكَ حُدُودَ الله} أي ما حد من النكاح واليمين والإيلاء والطلاق والخلع وغير ذلك {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} فلا تجاوزوها بالمخالفة {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فأولئك هُمُ الظالمون} الضارون أنفسهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ إشارَةٌ إلى الطَّلاقِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ وهو الرَّجْعِيُّ، وهو بِمَعْنى التَّطْلِيقِ الَّذِي هو فِعْلُ الرَّجُلِ - كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ - لِأنَّهُ المَوْصُوفُ بِالوَحْدَةِ والتَّعَدُّدِ دُونَ ما هو وصْفُ المَرْأةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ذِكْرُ ما هو مِن فِعْلِ الرَّجُلِ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ أيْ: بِالرَّجْعَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ أيْ: إطْلاقٍ مُصاحِبٍ لَهُ مِن جَبْرِ الخاطِرِ وأداءِ الحُقُوقِ، وذَلِكَ إمّا بِأنْ لا يُراجِعَها حَتّى تَبِينَ، أوْ يُطَلِّقَها الثّالِثَةَ - وهو المَأْثُورُ - فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي رَزِينٍ الأسَدِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ فَأيْنَ الثّالِثَةُ؟

فَقالَ: ”التَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ هو الثّالِثَةُ“؛» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى (مَرَّتانِ) اثْنَتانِ، ويُؤَيِّدُ العَهْدَ (كالفاءِ) في الشِّقِّ الأوَّلِ، فَإنَّ ظاهِرَها التَّعْقِيبُ بِلا مُهْلَةٍ، وحُكْمُ الشَّيْءِ يَعْقُبُهُ بِلا فَصْلٍ، وهَذا هو الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ الآيَةَ، ولَعَلَّهُ ألْيَقُ بِالنَّظْمِ؛ حَيْثُ قَدْ أنْجَزَ ذِكْرَ اليَمِينِ إلى ذِكْرِ الإيلاءِ الَّذِي هو طَلاقٌ، ثُمَّ أنْجَزَ ذَلِكَ إلى ذَكَرِ حُكْمِ (المُطَلَّقاتِ) مِنَ العِدَّةِ والرَّجْعَةِ، ثُمَّ أنْجَرَ ذَلِكَ إلى ذِكْرِ أحْكامِ الطَّلاقِ المُعَقِّبِ لِلرَّجْعَةِ، ثُمَّ أنْجَرَ ذَلِكَ إلى بَيانِ الخُلْعِ والطَّلاقِ الثّالِثَةِ - وأوْفَقَ بِسَبَبِ النُّزُولِ - فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ والتِّرْمِذِيُّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - وغَيْرُهم عَنْ عُرْوَةَ، قالَ: ”كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَ ذَلِكَ لَهُ، وإنْ طَلَّقَها ألْفَ مَرَّةٍ، فَعَمَدَ رَجُلٌ إلى امْرَأتِهِ فَطَلَّقَها حَتّى إذا ما شارَفَتِ انْقِضاءَ عَدَّتِها ارْتَجَعَها ثُمَّ طَلَّقَها؛ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لا آوِيكِ إلَيَّ ولا تَخْلِينَ أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ“، والَّذِي دَعاهم إلى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّ جَمْعَ الطَّلَقاتِ الثَّلاثِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وأنَّهُ لا سُنَّةَ في التَّفْرِيقِ كَما في تُحْفَتِهِمْ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ «بِأنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ لَمّا لاعَنَ امْرَأتَهُ طَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِحُرْمَتِها عَلَيْهِ» رَواهُ الشَّيْخانِ، فَلَوْ حَرُمَ لَنَهاهُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ أوْقَعَهُ مُعْتَقِدًا بَقاءَ الزَّوْجِيَّةِ، ومَعَ اعْتِقادِها يَحْرُمُ الجَمْعُ عِنْدَ المُخالِفِ، ومَعَ الحُرْمَةِ يَجِبُ الإنْكارُ عَلى العالِمِ وتَعْلِيمُ الجاهِلِ، ولَمْ يُوجَدا، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا حُرْمَةَ، وبِأنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ وأفْتى بِهِ آخَرُونَ، وقالَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ: إنَّ الجَمْعَ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ والثَّلاثِ بِدْعَةٌ، وإنَّما السُّنَّةُ التَّفْرِيقُ؛ لِما رُوِيَ في حَدِيثِ «ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: ”إنَّما السُّنَّةُ أنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبالًا، فَتُطَلِّقُها لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً“،» فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ السُّنَّةِ أنَّهُ يَسْتَعْقِبُ الثَّوابَ لِكَوْنِهِ أمْرًا مُباحًا في نَفْسِهِ لا مَندُوبًا، بَلْ كَوْنِهِ مِنَ الطَّرِيقَةِ المَسْلُوكَةِ في الدِّينِ - أعْنِي ما لا يَسْتَوْجِبُ عِقابًا - وقَدْ حَصَرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى التَّفْرِيقِ، فَعُلِمَ أنَّ ما عَداهُ مِنَ الجَمْعِ، والطَّلاقِ في الحَيْضِ بِدْعَةٌ - أيْ مُوجِبِ لِاسْتِحْقاقِ العِقابِ - وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ: إنَّ الحَدِيثَ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمْعَ الطَّلْقَتَيْنِ أوِ الطَّلَقاتِ في طُهْرٍ واحِدٍ لَيْسَ سُنَّةً، وأمّا إنَّهُ بِدْعَةٌ فَلا لِثُبُوتِ الواسِطَةِ عِنْدَ المُخالِفِ، ووَجْهُ الدَّفْعِ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى.

وفي الهِدايَةِ: وقالَ الشّافِعِيُّ: كُلُّ الطَّلاقِ مُباحٌ؛ لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ مَشْرُوعٌ حَتّى يُسْتَفادَ بِهِ الحُكْمُ، المَشْرُوعِيَّةُ لا تُجامِعُ الحَظْرَ بِخِلافِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ؛ لِأنَّ المُحَرَّمَ تَطْوِيلُ العِدَّةِ عَلَيْها لا الطَّلاقُ، ولَنا أنَّ الأصْلَ في الطَّلاقِ هو الحَظْرُ لِما فِيهِ مِن قَطْعِ النِّكاحِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ المَصالِحُ الدِّينِيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ والإباحَةُ لِلْحاجَةِ إلى الخَلاصِ، ولا حاجَةَ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الثَّلاثِ، وهي في المَفْرِقِ عَلى (الأطْهارِ) ثابِتَةٌ نَظَرًا إلى دَلِيلِها، والحاجَةُ في نَفْسِها باقِيَةٌ، فَأمْكَنَ تَصْوِيرُ الدَّلِيلِ عَلَيْها، والمَشْرُوعِيَّةُ في ذاتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إزالَةُ الرِّقِّ لا يُنافِي الحَظْرَ لِمَعْنًى في غَيْرِهِ - وهو ما ذَكَرْناهُ - انْتَهى.

ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المُخالِفَ مُعَمِّمٌ - لا مُقَسِّمٌ - وإذا قُلْنا: إنَّهُ مُقَسِّمٌ بِناءً عَلى ما في كُتُبِ بَعْضِ مَذْهَبِهِ، فَغايَةُ ما أثْبَتَ أنَّ الجَمْعَ خِلافُ الأوْلى مِنَ التَّفْرِيقِ عَلى الأقْراءِ أوِ الأشْهَرِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ تَقْسِيمَ أبِي القاسِمِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - غَيْرُ تَقْسِيمِهِ، وأُجِيبُ عَمّا في خَبَرِ عُوَيْمِرٍ بِأنَّها واقِعَةٌ حالًا - فَلَعَلَّها مِنَ المُسْتَثْنَياتِ - لِما أنَّ مَقامَ اللِّعانِ ضَيِّقٌ فَيُغْتَفَرُ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُعْذَرُ فِيهِ الغَيُورُ؛ وإعْمالُ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إهْمالِ أحَدِهِما، وحَمَلُوا الآيَةَ عَلى أنَّ المُرادَ التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَّفْرِيقِ؛ لِما أنَّ وظِيفَةَ الشّارِعِ بَيانُ الأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، واللّامُ لَيْسَتْ نَصًّا في العَهْدِ، بَلِ الظّاهِرُ مِنها الجِنْسُ، وأيْضًا تَقْيِيدُ الطَّلاقِ بِالرَّجْعِيِّ يَدَعُ ذِكْرَ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ تَكْرارًا، إلّا أنْ يُقالَ المَطْلُوبُ هَهُنا الحُكْمُ المُرَدَّدُ بَيْنَ الإمْساكِ والتَّسْرِيحِ، وأيْضًا لا يُعْلَمُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ حُكْمُ الطَّلاقِ الواحِدِ إلّا بِدَلالَةِ النَّصِّ، وهَذا الوَجْهُ مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ عَنْ تَوَهُّمِ التَّكْرارِ ودَلالَتِهِ عَلى حُكْمِ الطَّلاقِ الواحِدِ بِالعِبارَةِ، يُفِيدُ حُكْمًا زائِدًا، وهو التَّفْرِيقُ، ودَلالَةُ الآيَةِ حِينَئِذٍ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ ظاهِرَةٌ، إذا كانَ مَعْنى (مَرَّتَيْنِ) مُجَرَّدَ التَّنَكُّرِ يَرُدُّونَ التَّثْنِيَةَ عَلى حَدِّ ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيْ: كَرَّةٍ بَعْدَ كَرَّةٍ، لا كَرَّتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إخْراجَ التَّثْنِيَةِ عَنْ مَعْناها الظّاهِرِ، وكَذا إخْراجُ (الفاءِ) أيْضًا، وجَعْلُ ما بَعْدَها حُكْمًا مُبْتَدَأً وتَخْيِيرًا مُطْلَقًا عُقَيْبَ تَعْلِيمِهِمْ كَيْفِيَّةَ التَّطْلِيقِ، ولَيْسَ مُرَتَّبًا عَلى الأوَّلِ ضَرُورَةً أنَّ التَّفْرِيقَ المُطْلَقَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أحَدُ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ بِالثَّلاثِ لا يَجُوزُ بَعْدَهُ الإمْساكُ ولا التَّسْرِيحُ، وتُحْمَلُ (الفاءُ) حِينَئِذٍ عَلى التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ؛ أيْ: إذا عَلِمْتُمْ كَيْفِيَّةَ الطَّلاقِ فاعْلَمُوا أنَّ حُكْمَهُ الإمْساكُ أوِ التَّسْرِيحُ فالإمْساكُ في الرَّجْعِيِّ والتَّسْرِيحُ في غَيْرِهِ، وإذا كانَ مَعْنى (مَرَّتَيْنِ) التَّفْرِيقَ مَعَ التَّثْنِيَةِ كَما قالَ بِهِ المُحَقِّقُونَ - بِناءً عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الثّانِي، ظاهِرٌ في الأوَّلِ؛ إذْ لا يُقالُ لِمَن دَفَعَ إلى آخَرَ دِرْهَمَيْنِ مَرَّةً واحِدَةً، أنَّهُ أعْطاهُ مَرَّتَيْنِ حَتّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُما، وكَذا لِمَن طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثِنْتَيْنِ دُفْعَةً أنَّهُ طَلَّقَ مَرَّتَيْنِ - انْدَفَعَ حَدِيثُ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ في التَّثْنِيَةِ كَما هو ظاهِرٌ، وفِيما بَعْدَها أيْضًا لِصِحَّةِ التَّرَتُّبِ، ويَكُونُ عَدَمُ جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ مُسْتَفادًا مِن (مَرَّتانِ) الدّالَّةِ عَلى التَّفْرِيقِ والتَّثْنِيَةِ، وعَدَمُ الجَمْعِ بَيْنَ الثّالِثَةِ مُسْتَفادًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ ﴾ حَيْثُ رُتِّبَ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ قِيلَ: إنَّهُ مُسْتَفادٌ مِن دَلالَةِ النَّصِّ هَذا، ثُمَّ مَن أوْجَبَ التَّفْرِيقَ ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَوْ طَلَّقَ غَيْرَ مُفَرِّقٍ وقَعَ طَلاقُهُ، وكانَ عاصِيًا، وخالَفَ في ذَلِكَ الإمامِيَّةُ وبَعْضٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ - كالشَّيْخِ أحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَةَ ومَنِ اتَّبَعَهُ - قالُوا: لَوْ طَلَّقَ ثَلاثًا بِلَفْظٍ واحِدٍ لا يَقَعُ إلّا واحِدَةً احْتِجاجًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقِياسًا عَلى شَهاداتِ اللِّعانِ ورَمْيِ الجَمَراتِ، فَإنَّهُ لَوْ أتى بِالأرْبَعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ لا تُعَدُّ لَهُ أرْبَعًا بِالإجْماعِ، وكَذا لَوْ رَمى بِسَبْعِ حَصَياتٍ دُفْعَةً واحِدَةً لَمْ يُجْزِهِ إجْماعًا، ومِثْلُ ذَلِكَ ما لَوْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ألْفَ مَرَّةٍ، فَقالَ: صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ، صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ألْفَ مَرَّةٍ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ بارًّا ما لَمْ يَأْتِ بِآحادِ الألْفِ، وتَمَسُّكًا بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، قالَ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ وسَنَتَيْنِ مِن خِلافَةِ عُمَرَ واحِدَةً، فَقالَ عُمَرُ: إنَّ النّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَتْ لَهم فِيهِ أناةٌ فَلَوْ أمْضَيْناهُ عَلَيْهِمْ، فَأمْضاهُ”».

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ ما لَوْ طَلَّقَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَقَعُ إلّا واحِدَةً أيْضًا؛ لِما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «“طَلَّقَ رُكانَةُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَحَزِنَ عَلَيْها حُزْنًا شَدِيدًا، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: كَيْفَ طَلَّقْتَها؟

قالَ: طَلَّقْتُها ثَلاثًا، قالَ: في مَجْلِسٍ واحِدٍ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَإنَّما تِلْكَ واحِدَةٌ فَأرْجِعْها إنْ شِئْتَ فَراجِعْها”،» والَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الحَقِّ اليَوْمَ خِلافُ ذَلِكَ كُلِّهِ.

والجَوابُ عَنْ الِاحْتِجاجِ بِالآيَةِ أنَّها كَما عَلِمْتَ لَيْسَتْ نَصًّا في المَقْصُودِ، وأمّا الحَدِيثُ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ جَماعَةٌ؛ قالَ السُّبْكِيُّ: وأحْسَنُ الأجْوِبَةِ إنَّهُ فِيمَن يَعْرِفُ اللَّفْظَ، فَكانُوا أوَّلًا يُصَدَّقُونَ في إرادَةِ التَّأْكِيدِ لِدِيانَتِهِمْ، فَلَمّا كَثُرَتِ الأخْلاطُ فِيهِمُ اقْتَضَتِ المَصْلَحَةُ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ وإيقاعَ الثَّلاثِ، واعْتَرَضَهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ قائِلًا: إنَّهُ عَجِيبٌ، فَإنَّ صَرِيحَ مَذْهَبِنا تَصْدِيقُ مُرِيدِ التَّأْكِيدِ بِشَرْطِهِ، وإنْ بَلَغَ في الفِسْقِ ما بَلَغَ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: أنَّ أحْسَنَها أنَّهم كانُوا يَعْتادُونَهُ طَلْقَةً، ثُمَّ في زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - اسْتَعْجَلُوا وصارُوا يُوقِعُونَهُ ثَلاثًا، فَعامَلَهم بِقَضِيَّتِهِ، وأوْقَعَ الثَّلاثَ عَلَيْهِمْ، فَهو إخْبارٌ عَنِ اخْتِلافِ عادَةِ النّاسِ لا عَنْ تَغْيِيرِ حُكْمٍ في مَسْألَةٍ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِلظّاهِرِ المُتَبادَرِ مِن كَلامِ عُمَرَ، لا سِيَّما مَعَ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: الثَّلاثُ إلَخْ، فَهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لا جَوابٌ حَسَنٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أحْسَنَ، ثُمَّ قالَ: والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يُجابَ بِأنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - لَمّا اسْتَشارَ النّاسَ عَلِمَ فِيهِ ناسِخًا لِما وقَعَ قَبْلُ، فَعَمِلَ بِقَضِيَّتِهِ، وذَلِكَ النّاسِخُ؛ إمّا خَبَرٌ بَلَغَهُ أوْ إجْماعٌ، وهو لا يَكُونُ إلّا عَنْ نَصٍّ، ومِن ثَمَّ أطْبَقَ عُلَماءُ الأُمَّةِ عَلَيْهِ، وإخْبارُ ابْنِ عَبّاسٍ لِبَيانِ أنَّ النّاسِخَ إنَّما عُرِفَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِن وفاتِهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - انْتَهى، وأنا أقُولُ الطَّلاقُ الثَّلاثُ في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى المُدَّعِي ظاهِرًا، ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ ظاهِرًا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنْهُ، إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا بِفَمٍ واحِدَةٍ، فَهي واحِدَةٌ، وحِينَئِذٍ يُجابُ بِالنَّسْخِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ في مَجْلِسٍ واحِدٍ مِثْلَ أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ، ويُحْمَلُ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَلى هَذا بِأنْ يَكُونَ ثَلاثًا مُتَعَلِّقًا (بِقالَ) لا صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: طَلاقًا ثَلاثًا، ولا تَمْيِيزَ لِلْإبْهامِ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، وبِفَمٍ واحِدَةٍ مَعْناهُ مُتَتابِعًا، وحِينَئِذٍ يُوافِقُ الخَبَرُ بِظاهِرِهِ أهْلَ القَوْلِ الأخِيرِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هَذا في الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإنَّهُ كَذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا واحِدَةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ -؛ لِأنَّ البَيْنُونَةَ وقَعَتْ بِالتَّطْلِيقَةِ الأُولى فَصادَفَتْها الثّانِيَةُ وهي مُبانَةٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ طاوُوسٍ، «أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: أبُو الصَّهْباءِ كانَ كَثِيرَ السُّؤالِ لابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن إمارَةِ عُمَرَ؟

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى، كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن إمارَةِ عُمَرَ، فَلَمّا رَأى النّاسَ قَدْ تَتايَعُوا فِيها قالَ: أجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ،» وهَذِهِ مَسْألَةٌ اجْتِهادِيَّةٌ كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يُرْوَ في الصَّحِيحِ أنَّها رُفِعَتْ إلَيْهِ، فَقالَ فِيها شَيْئًا، ولَعَلَّها كانَتْ تَقَعُ في المَواضِعِ النّائِيَةِ في آخِرِ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَيَجْتَهِدُ فِيها مَن أُوتِيَ عَلِمًا فَيَجْعَلُها واحِدَةً، ولَيْسَ في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - تَصْرِيحٌ بِأنَّ الجاعِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، بَلْ في قَوْلِهِ: (جَعَلُوها واحِدَةً) إشارَةٌ إلى ما قُلْنا، وعُمَرُ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - بَعْدَ مُضِيِّ أيّامٍ مِن خِلافَتِهِ ظَهَرَ لَهُ بِالِاجْتِهادِ أنَّ الأوْلى القَوْلُ بِوُقُوعٍ الثَّلاثِ، لَكِنَّهُ خِلافُ مَذْهَبِنا، وهو مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ حَتّى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي عَيّاشٍ، أنَّهُ كانَ جالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وعاصِمِ بْنِ عُمَرَ، فَجاءَهُما مُحَمَّدُ بْنُ أبِي إياسِ بْنِ البُكَيْرِ، فَقالَ: إنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ البادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، فَماذا تَرَيانِ؟

فَقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إنَّ هَذا الأمْرَ ما لَنا فِيهِ قَوْلٌ، اذْهَبْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، فَإنِّي تَرَكْتُهُما عِنْدَ عائِشَةَ، فاسْألْهُما، فَذَهَبَ فَسَألَهُما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِأبِي هُرَيْرَةَ: أفْتِهِ يا أبا هُرَيْرَةَ، فَقَدْ جاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: الواحِدَةُ تُبِينُها والثَّلاثَةُ تُحَرِّمُها حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وإنْ حَمَلْتَ الثَّلاثَ في هَذا الخَبَرِ عَلى ما كانَ بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ لِئَلّا يُخالِفَ مَذْهَبَ الإمامِ، فَإنَّ عِنْدَهُ إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ الغَيْرَ المَدْخُولِ بِها ثَلاثًا بِلَفْظٍ واحِدٍ وقَعْنَ عَلَيْها؛ لِأنَّ الواقِعَ مَصْدَرٌ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ طَلاقًا بائِنًا، فَلَمْ يَكُنْ أنْتِ طالِقٌ إيقاعًا عَلى حِدَةٍ، فَيَقَعْنَ جُمْلَةً، كانَ هَذا الخَبَرُ مُعارِضًا؛ لِما رَواهُ مُسْلِمٌ مُؤَيِّدًا لِلنَّسْخِ كالخَبَرِ الَّذِي أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ، قالَ: «كانَتْ عائِشَةُ الخَثْعَمِيَّةُ عِنْدَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - فَقالَ لَها: قُتِلَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - قالَتْ: لِتَهِنَكَ الخِلافَةُ، قالَ: يُقْتَلُ عَلِيٌّ وتُظْهِرِينَ الشَّماتَةَ، اذْهَبِي فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، قالَ: فَتَلَفَّعَتْ بِثِيابِها وقَعَدَتْ حَتّى قَضَتْ عِدَّتَها، فَبَعَثَ إلَيْها بِبَقِيَّةٍ بَقِيَتْ لَها مِن صَداقِها وعَشَرَةَ آلافٍ صَدَقَةً، فَلَمّا جاءَها الرَّسُولُ قالَتْ: مَتاعٌ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقٍ، فَلَمّا بَلَغَهُ قَوْلُها بَكى، ثُمَّ قالَ: لَوْلا أنِّي سَمِعْتُ جَدِّي أوْ حَدَّثَنِي أبِي، أنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ:“أيُّما رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا عِنْدَ الأقْراءِ أوْ ثَلاثًا مُبْهَمَةً لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لَراجَعْتُها”،» وما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: «قُلْتُ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: حَدِّثِينِي عَنْ طَلاقِكِ، قالَتْ:“طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلاثًا وهو خارِجٌ إلى اليَمَنِ، فَأجازَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -”،» وأمّا حَدِيثُ رُكانَةَ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَلى أنْحاءٍ، والَّذِي صَحَّ ما أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ: «“أنَّ رُكانَةَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ألْبَتَّةَ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وقالَ: واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا واحِدَةً، فَقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: واللَّهِ ما أرَدْتَ إلّا واحِدَةً؟

فَقالَ رَكانَةُ: واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا واحِدَةً، قالَ: هو ما أرَدْتَ، فَرَدَّها عَلَيْهِ”،» وهَذا لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِتِلْكَ الدَّعْوى؛ لِأنَّ الطَّلاقَ فِيهِ كِنايَةٌ ونِيَّةٌ العَدَدُ فِيها مُعْتَبَرَةٌ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْ أرادَ ما زادَ عَلى الواحِدَةِ وقَعَ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِحْلافِ فائِدَةٌ، والقِياسُ عَلى شَهاداتِ اللِّعانِ ورَمْيِ الجَمَراتِ قِياسٌ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُمْكِنُ الِاكْتِفاءُ بِبَعْضِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، ويُمْكِنُ الِاكْتِفاءُ بِبَعْضِ وحَداتِ الثَّلاثِ في الطَّلاقِ، وتَحْصُلُ بِهِ البَيْنُونَةُ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ، ويَتِمُّ الغَرَضُ إجْماعًا، ولِعِظَمِ أمْرِ اللِّعانِ لَمْ يُكْتَفَ فِيهِ إلّا بِالإتْيانِ بِالشَّهاداتِ واحِدَةً واحِدَةً مُؤَكَّداتٍ بِالأيْمانِ مَقْرُونَةٍ خامِسَتُها بِاللَّعْنِ في جانِبِ الرَّجُلِ لَوْ كانَ كاذِبًا وفي جانِبِها بِالغَضَبِ لَوْ كانَ صادِقًا، فَلَعَلَّ الرُّجُوعَ أوِ الإقْرارَ يَقَعُ في البَيْنِ، فَيَحْصُلُ السَّتْرُ أوْ يُقامُ الحَدُّ ويُكَفَّرُ الذَّنْبُ، وأيْضًا الشَّهاداتُ الأرْبَعُ مِنَ الرَّجُلِ مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ الشُّهُودِ الأرْبَعَةِ المَطْلُوبَةِ في رَمْيِ المُحْصَناتِ مَعَ زِيادَةٍ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَهُ: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴾ إلَخْ، فَكَما أنَّ شَهادَةَ الشُّهُودِ مُتَعَدِّدَةٌ لا يَكْفِي فِيها اللَّفْظُ الواحِدُ كَذَلِكَ المُنَزَّلُ مَنزِلِتَها، ورَمْيُ الجَمَراتِ وتَسْبِيعُها أمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ وسِرُّهُ خَفِيٌّ فَيُحْتاطُ لَهُ ويُتَّبَعُ المَأْثُورُ فِيهِ حَذْوَ القِذَةِ بِالقِذَةِ، وبابُ الطَّلاقِ لَيْسَ كَهَذَيْنِ البابَيْنِ عَلى أنَّ مِنَ الِاحْتِياطِ فِيهِ أنْ نُوقِعَهُ ثَلاثًا بِلَفْظٍ واحِدٍ، ومَجْلِسٍ واحِدٍ، ولا نُلْغِيَ فِيهِ لَفْظَ الثَّلاثِ الَّتِي لَمْ يَقْصِدْ بِها إلّا إيقاعَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وما ذُكِرَ في مَسْألَةِ الحَلِفَ عَلى أنْ لا يُصَلِّيَنَّ ألْفَ مَرَّةٍ مِن أنَّهُ لا يَبَرُّ ما لَمْ يَأْتِ بِآحادِ الألْفِ، فَأمْرٌ اقْتِضاهُ القَصْدُ والعُرْفُ، وذَلِكَ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ كَما لا يَخْفى، ولِهَذا ورَدَ عَنْ أهْلِ البَيْتِ ما يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ بَسّامٍ الصَّيْرَفِيِّ، قالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا بِجَهالَةٍ أوْ عِلْمٍ فَقَدْ بَرِئَتْ، وعَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الأحْمَسِ قالَ: قُلْتُ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - يَزْعُمُونَ أنَّ مَن طَلَّقَ ثَلاثًا بِجَهالَةٍ رُدَّ إلى السُّنَّةِ يَجْعَلُونَهُ واحِدَةً يَرْوُونَها عَنْكُمْ؟

قالَ: مَعاذَ اللَّهِ، ما هَذا مِن قَوْلِنا مَن طَلَّقَ ثَلاثًا فَهو كَما قالَ، وقَدْ سَمِعْتَ ما رُوِّيناهُ عَنِ الحَسَنِ، وما أخَذَ بِهِ الإمامِيَّةُ يَرْوُونَهُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِمّا لا ثَبَتَ لَهُ، والأمْرُ عَلى خِلافِهِ، وقَدِ افْتَراهُ عَلى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - شَيْخٌ بِالكُوفَةِ، وقَدْ أقَرَّ بِالِافْتِراءِ لَدى الأعْمَشِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - فَلْيَحْفَظْ ما تَلَوْناهُ، فَإنِّي لا أظُنُّكَ تَجِدُهُ مَسْطُورًا في كِتابٍ.

﴿ ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا ﴾ في مُقابَلَةِ الطَّلاقِ ﴿ مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ أيْ: مِنَ الصَّدَقاتِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُنافٍ لِلْإحْسانِ، ومِثْلُها في الحُكْمِ سائِرُ أمْوالِهِنَّ، إلّا أنَّ التَّخْصِيصَ إمّا لِرِعايَةِ العادَةِ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عَدَمَ حَلِّ الأخْذِ مِمّا عَدا ذَلِكَ مِن بابِ الأوْلى، والجارُّ والمَجْرُورُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ أوْ حالًا مِن شَيْئًا؛ لِأنَّهُ لَوْ أُخِّرَ عَنْهُ كانَ صِفَةً لَهُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ، والخِطابُ مَعَ الحُكّامِ، وإسْنادُ الأخْذِ والإيتاءِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الآمِرُونَ بِهِما عِنْدَ التَّرافُعِ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ فِيهِ تَشْوِيشًا لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَخافا ﴾ أيِ: الزَّوْجانِ كِلاهُما أوْ أحَدُهُما ﴿ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ بِتَرْكِ إقامَةِ مَواجِبِ الزَّوْجِيَّةِ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ مَعَهُ؛ لِأنَّ المُعَبَّرَ عَنْهُ في الخِطابِ الأزْواجُ فَقَطْ، وفي الغَيْبَةِ الأزْواجُ والزَّوْجاتُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الِالتِفاتِ؛ إذْ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ المُعَبِّرُ عَنْهُ في الطَّرِيقَيْنِ واحِدًا، وأيْنَ هَذا الشَّرْطُ؟

نَعَمْ لِهَذا القِيلِ وجْهُ صِحَّةٍ لَكِنَّها لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي، وهو أنَّ الِاسْتِثْناءَ لِما كانَ بَعْدَ مُضِيِّ جُمْلَةِ الخِطابِ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوِ الأوْقاتِ أوِ المَفْعُولِ لَهُ، عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الخَوْفِ جازَ تَغْيِيرُ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِنُكْتَةٍ، وهي أنْ لا يُخاطَبَ مُؤْمِنٌ بِالخَوْفِ مِن عَدَمِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، وقُرِئَ: (تَخافا) و(تُقِيما) بِتاءِ الخِطابِ وعَلَيْها يَهُونُ الأمْرُ، فَإنَّ في ذَلِكَ حِينَئِذٍ تَغْلِيبَ المُخاطَبِينَ عَلى الزَّوْجاتِ الغائِباتِ، والتَّعْبِيرُ بِالتَّثْنِيَةِ بِاعْتِبارِ الفَرِيقَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ: (يَخافا) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وإبْدالِ (أنْ) بِصِلَتِهِ مِن - ألِفِ الضَّمِيرِ - بَدَلَ اشْتِمالٍ كَقَوْلِكَ: خِيفَ زَيْدٌ تَرْكُهُ ( حُدُودُ اللَّهِ ) ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ: (إلّا أنْ يَخافُوا) وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَدّى (خافَ) إلى مَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ، والآخَرُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ فَمَوْضِعُ (أنْ) جُرِّ بِالجارِّ المُقَدَّرِ، أوْ نُصِبَ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ النَّحْوِيُّونَ حِينَ عَدُّوا ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وأصْلُ أحَدِهِما بِحَرْفِ الجَرِّ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: (إلّا أنْ يَظُنّا)، وهو يُؤَيِّدُ تَفْسِيرِ الظَّنِّ بِالخَوْفِ ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ﴾ خِطابٌ لِلْحُكّامِ لا غَيْرَ؛ لِئَلّا يَلْزَمَ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ قَبْلَ مُضِيِّ الجُمْلَةِ ﴿ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ الَّتِي حَدَّها لَهم.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ﴾ أيِ: الزَّوْجَيْنِ، وهَذا قائِمٌ مَقامَ الجَوابِ؛ أيْ: فَمُرُوهُما، فَإنَّهُ لا جُناحَ ﴿ فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ نَفْسَها واخْتَلَعَتْ لا عَلى الزَّوْجِ في أخْذِهِ ولا عَلَيْها في إعْطائِهِ إيّاهُ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ سُئِلَ، هَلْ كانَ لِلْخُلْعِ أصْلٌ؟

قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - يَقُولُ: إنَّ أوَّلَ خُلْعٍ كانَ في الإسْلامِ في أُخْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ امْرَأةِ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ“أنَّها أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا يَجْمَعُ رَأْسِي ورَأْسَهُ شَيْءٌ أبَدًا، إنِّي رَفَعْتُ جانِبَ الخِباءِ فَرَأيْتُهُ أقْبَلَ في عِدَّةٍ، فَإذا هو أشَدُّهم سَوادًا وأقْصَرُهم قامَةً وأقْبَحُهم وجْهًا، قالَ زَوْجُها: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أعْطَيْتُها أفْضَلَ مالِي حَدِيقَةً لِي، فَإنْ رَدَّتْ عَلَيَّ حَدِيقَتِي، قالَ: ما تَقُولِينَ؟

قالَتْ: نَعَمْ، وإنْ شاءَ زِدْتُهُ، قالَ: فَفَرَّقَ بَيْنَهُما”،» وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ:“أنَّ المَرْأةَ اسْمُها جَمِيلَةُ وأنَّها بِنْتُ عَبْدِ اللهِ المُنافِقِ”، وهو الَّذِي رَجَّحَهُ الحُفّاظُ، وكَوْنُ اسْمِها زَيْنَبَ جاءَ مِن طَرِيقٍ الدّارَقُطْنِيِّ، قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: فَلَعَلَّ لَها اسْمَيْنِ أوْ أحَدُهُما لَقَبٌ وإلّا فَجَمِيلَةُ أصَحُّ، وقَدْ وقَعَ في حَدِيثٍ آخَرَ أخْرَجَهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو داوُدَ، أنَّ اسْمَ امْرَأةِ ثابِتٍ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، قالَ الحافِظُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُما قَضِيَّتانِ وقَعَتا لَهُ في امْرَأتَيْنِ لِشُهْرَةِ الحَدِيثَيْنِ، وصِحَّةِ الطَّرِيقَيْنِ واخْتِلافِ السِّياقَيْنِ ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما حُدَّ مِنَ الأحْكامِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ إلى هُنا، فالجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِذَلِكَ أُورِدَتْ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلَيْها.

﴿ فَلا تَعْتَدُوها ﴾ بِالمُخالَفَةِ والرَّفْضِ ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ 229﴾ تَذْيِيلٌ لِلْمُبالِغَةِ في التَّهْدِيدِ والواوُ لِلِاعْتِراضِ، وفي إيقاعِ الظّاهِرِ مَوْقِعَ المُضْمَرِ ما لا يَخْفى مِن إدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخُلْعَ لا يَجُوزُ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ وشِقاقٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الحِلِّ الَّذِي هو حُكْمُ العَقْدِ في جَمِيعِ الأحْوالِ إلّا حالَ الشِّقاقِ يَدُلُّ عَلى فَسادِ العَقْدِ وعَدَمِ جَوازِهِ ظاهِرًا إلّا أنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، وعَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِجَمِيعِ ما ساقَ الزَّوْجُ إلَيْها فَضْلًا عَنِ الزّائِدِ؛ لِأنَّ (مَن) في ﴿ مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، فَيَكُونُ مَفادُ الِاسْتِثْناءِ حِلَّ أخْذِ شَيْءٍ مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ حِينَ الخَوْفِ، وأمّا كَلِمَةُ (ما) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فِيما افْتَدَتْ ﴾ فَلَيْسَتْ ظاهِرَةً في العُمُومِ حَتّى يُنافِيَ ظُهُورَ الآيَةِ في الحُكْمِ المَذْكُورِ، بَلْ فاءُ التَّفْسِيرِ في ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ﴾ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِلْحُكْمِ المَفْهُومِ بِطَرِيقِ المُخالَفَةِ عَنْ الِاسْتِثْناءِ، وفائِدَتُهُ التَّنْصِيصُ عَلى الحُكْمِ ونَفْيِ الجُناحِ في هَذا العَقْدِ، فَإنَّ ثُبُوتَ الحِلِّ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ قَدْ يُجامِعُ الجُناحَ بِأنْ يَكُونَ مَعَ الكَراهَةِ، نَعَمْ تَحْتَمِلُ العُمُومَ، فَلا تَكُونُ نَصًّا في عَدَمِ جَوازِ الخُلْعِ بِجَمِيعِ ما يُساقُ، ولِهَذا قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: اخْلَعْها ولَوْ بِقُرْطِها، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ ثَوْبانَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“أيُّما امْرَأةٍ سَألَتْ زَوْجَها الطَّلاقَ مِن غَيْرِ ما بَأْسٍ فَحَرامٌ عَلَيْها رائِحَةُ الجَنَّةِ”،» وقالَ: «“المُخْتَلِعاتُ هي المُنافِقاتُ» ويُؤَيِّدُ الثّانِي ما رُوِيَ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ «أنَّهُ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لِجَمِيلَةَ: ”أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟

فَقالَتْ: أرُدُّها وأزِيدُ عَلَيْها، فَقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أمّا الزّائِدُ فَلا“،» وهَذا وإنْ دَلَّ عَلى نَفْيِ الزِّيادَةِ دُونَ جَمِيعِ المَهْرِ إلّا أنَّهُ يُسْتَفادُ مِنهُ، أنَّ فِيما افْتَدَتْ بِهِ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ ما يُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ وهو البَعْضُ، وأكْثَرُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ الخُلْعَ بِلا شِقاقٍ وبِجَمِيعِ ما ساقَ مَكْرُوهٌ، ولَكِنَّهُ نافِذٌ؛ لِأنَّ أرْكانَ العَقْدِ مِنَ الإيجابِ والقَبُولِ وأهْلِيَّةِ العاقِدَيْنِ مَعَ التَّراضِي مُتَحَقِّقٌ، والنَّهْيُ لِأمْرٍ مُقارِنٍ كالبَيْعِ وقْتَ النِّداءِ، وهو لا يُنافِي الجَوازَ، وعَلى أنَّهُ يَصِحُّ بِلَفْظِ المَفاداتِ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - سَمّى الِاخْتِلاعَ افْتِداءً، واخْتُلِفَ في أنَّهُ إذا جَرى بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلاقِ فَسْخٌ أوْ طَلاقٌ، ومَن جَعَلَهُ فَسْخًا احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ فَإنَّ تَعْقِيبَهُ لِلْخُلْعِ بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلْقَتَيْنِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ طَلْقَةً رابِعَةً لَوْ كانَ الخُلْعُ طَلاقًا، والأظْهَرُ أنَّهُ طَلاقٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أصْحابُنا، وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيَّةِ؛ لِأنَّهُ فُرْقَةٌ بِاخْتِيارِ الزَّوْجِ فَهو كالطَّلاقِ بِالعِوَضِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، يعني أوجبوا الطلاق بترك الجماع، حتى مضت أربعة أشهر وقعت عليها تطليقة بمضي أربعة أشهر.

وقال بعضهم: لا يقع الطلاق، ولكن يؤمر الزوج بعد مضي أربعة أشهر أن يجامعها أو يطلقها.

وقال بعضهم يقع الطلاق بمضي أربعة.

أشهر وهو قول علمائنا.

وروي عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، أي أوجبوا الطلاق بترك الجماع فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بكلمة الإيلاء عَلِيمٌ بهم.

وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ، يعني وجب عليهن العدة ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، أي ثلاث حيض.

وقال بعضهم: ثلاثة أطهار.

وقال أكثر أهل العلم: المراد به الحيض.

وأصل القرء: الوقت.

وظاهر الآية عام في إيجاب العدة على جميع المطلقات، ولكن المراد به الخصوص، لأنه لم يدخل في الآية خمس من المطلقات: الأمة والصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخولة.

ثم قال: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ، يعني الحمل والحيض، لا يحل لها أن تقول: إني حامل وليست بحامل أو إني حائض وليست بحائض إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يقول إن كن يصدقن بالله واليوم الاخر.

وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً، يعني للنساء على الأزواج من الحقوق مثل ما للرجال على النساء، يعني في حال التربص إذا كان الطلاق رجعياً.

وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، يقول بما عرف شرعاً، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، أي فضيلة في النفقة والمهر.

وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فيما حكم من الرجعة في الطلاق الذي يملك فيه الرجعة.

ثم بيّن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة، فقال تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، يعني يقول: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة تطليقتان.

فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، يعني إذا راجعها، يمسكها بمعروف، ينفق عليها، ويكسوها، ولا يؤذيها، ويحسن معاشرتها أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني يؤدي حقها، ويخلي سبيلها.

ويقال: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني يطلقها التطليقة الثالثة ويعطي مهرها.

ويقال: يتركها حتى تنقضي عدتها.

ويقال يؤتي حقها ويخلي سبيلها ويقال: أو تسرح بإحسان.

قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلق تطليقة أو تطليقتين، كان الزوج أحق بها وإذا طلقها الثالثة، كانت المرأة أحق بنفسها واحتج بقول الأعشى وكانت امرأته من بني مروان، فأخذه بنو مروان حتى يطلق امرأته، فلما طلقها واحدة قالوا له: عد فطلقها الثانية، فلما طلقها الثانية قالوا له: عد فطلقها الثالثة، فعرف أنها بانت منه ولا تحل له، فقال عند ذلك: أَيَا جَارتِي بِينِي فإِنَّكِ طَالِقَه ...

كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَه وبَيِنِي فَإِنَّ البَيْنَ خَيْرٌ مِنَ العَصَا ...

وَأَنْ لاَ تَزَالُ فَوْقَ رَأْسِكِ بَارِقَه وَذُوقِي قَنَى الحَيِّ إنِّي ذَائِق ...

قَنَاة أُنَاسٍ مِثْلَ ما أنت ذائقة ثم قال تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً.

نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، وزوجها ثابت بن قيس وكانت تبغضه، فأتت رسول الله  فقالت: لا أنا ولا ثابت فقال لها: «أَتُرَدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» فقالت: نعم وزيادة.

فقال: «أَمَّا الزِّيَادَة، فلا» .

فدعا رسول الله  زوجها وخلعها من زوجها، فذلك قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً من المهر إِلَّا أَنْ يَخافا، يعني: يعلما أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي أمر الله فيما أمر ونهى.

قرأ حمزة يَخافا بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله، والباقون: بالنصب.

وقرأ ابن مسعود: إِلا أَنْ يخافوا.

ثم قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، يقول: إن علمتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، أي لا حرج على الزوج أن يأخذ ممَّا افتدت به المرأة، إن كان النشوز من قبل المرأة.

فأما إذا كان النشوز من قبل الزوج، فلا يحل له أن يأخذ، بدليل ما قاله في آية أخرى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: 20] .

ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي أحكامه وفرائضه فَلا تَعْتَدُوها، أي لا تجاوزوها.

وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ، أي يتجاوز أحكام الله وفرائضه بترك ما أمر الله تعالى أو بعمل ما نهاه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يقول: الضارون الشاقون بأنفسهم.

ويقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، يعني الطلاق مرتان، فلا تجاوزوهما إلى الثالثة.

وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله بالتطليقة الثالثة، فأولئك هم الظالمون فَإِنْ طَلَّقَها الثالثة، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الثالثة، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، أي تتزوج بزوج آخر ويدخل بها وإنما عرف الدخول بالسنة.

وهو ما روي عن ابن عباس أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثاً، وكانت تدعى تميمة بنت وهب، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، فأتت النبيّ  وقالت: إن رفاعة طلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن، ولم يكن عنده إلا كهدبة الثوب فقال لها: «أَتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟» فقالت: نعم.

قال: «لَيْسَ ذلك مَا لَمْ تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ» .

فذلك قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، يعني إذا طلقها الثالثة.

قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها، يعني واحدة أو اثنتين فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، يعني المرأة والزوج أَنْ يَتَراجَعا.

ويقال: فإن طلقها الزوج الثاني بعد ما دخل عليها، فلا جناح عليهما- يعني المرأة والزوج الأول- أن يتراجعا، يعني أن يتزوجها مرة أخرى.

إِنْ ظَنَّا، يعني إن علما أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي فرائض الله يقول إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني.

قوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي فرائض الله وأمره ونهيه وأحكامه، يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

ويقال: إنما قال: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، لأن الجاهل إذا بيّن له، فإنه لا يحفظ ولا يتعاهد والعالم يحفظ ويتعاهد.

فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال.

ثم وقوله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أي مضى عليهن ثلاث حيض قبل أن يغتسلن، وقبل أن يخرجن من العدة فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، يعني يراجعها ويمسكها بالإحسان.

قوله: أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو لا يراجعها ويتركها حتى تخرج من العدة.

وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً والضرار في ذلك أن يدعها حتى إذا حاضت ثلاث حيض، وأرادت أن تغتسل، راجعها ثم طلقها يريد بذلك أن يطول عليها عدتها.

فنهى الله عن ذلك فقال تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً.

لِتَعْتَدُوا، أي لتظلموهن.

وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الإضرار، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يقول: أضر بنفسه بمعصيته في الإضرار.

وقال الزجاج: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يعني عرَّض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه، تعرض لعذاب الله، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه.

ثم قال: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً، يعني القرآن لعباً.

ويقال إنهم كانوا يطلقون ولا يعدون ذلك طلاقاً، ويجعلونه لعباً، فنزل: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً.

قرأ عاصم في رواية حفص: هُزُواً بغير همز، وكذلك قوله: كُفُواً أَحَدٌ [الصمد: 4] والباقون: بالهمز.

وهما لغتان، ومعناهما واحد.

ثم قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، يقول: احفظوا نعمة الله عليكم بالإسلام.

وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ، يقول: احفظوا ما ينزل الله عليكم في القرآن من المواعظ وَالْحِكْمَةِ يعني الفقه في القرآن يَعِظُكُمْ بِهِ، يقول: ينهاكم عن الضرار.

وَاتَّقُوا اللَّهَ في الضرار، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أعمالكم فيجازيكم به.

وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، يقول: انقضت عدتهن فَلا تَعْضُلُوهُنَّ، يقول: لا تحبسوهن ولا تمنعوهن أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ بمهر ونكاح جديد وذلك أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي الدحداح، فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها له وقال لها: وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه.

فنزلت هذه الآية: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ، أي يؤمر به.

مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أي يصدق بالله واليوم الآخر ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ، يعني خير لكم ويقال: أصلح لكم، وَأَطْهَرُ من الريبة.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ من حب كل واحد منهما لصاحبه وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك.

ويقال: ذلكم أطهر لقلوبكم من العداوة، لأن المرأة تأتي الحاكم فيزوجها، فتدخل في قلوبهم العداوة والبغضاء.

وقال الضحاك: والله يعلم أن الخير في الوفاء والعدل، وأنتم لا تعلمون ما عليكم بالتفريق من العقوبة ومن العذاب.

وقال مقاتل: فدعا رسول الله  معقلاً، وقال: «إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنَاً فَلَا تَمْنَعْ أُخْتَكَ عَنْ أَبِي الدَّحْدَاحِ» ، فقال: آمنت بالله وزوجتها منه وفي هذه الآية دليل أن الولي إذا منع المرأة عن النكاح، كان للحاكم أن يزوجها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

العِشرة، والتوسُّع للنساء في المالِ والخُلُقِ «١» ، أي: أنَّ الأفضل ينبغِي أنْ يتحامَلَ على نفسه، وهو قول حسن بارع.

وقوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ...

الآية: قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره: نزلَتْ هذه الآية بياناً لِعَدَدِ الطلاقِ الذي للمرء فيه أنْ يرتجعَ دون تجديدِ مَهْرٍ ووليٍّ «٢» ، وقال ابن عبَّاس وغيره: المراد بالآية التعريفُ بسُنَّة الطلاقِ، وأنَّ من طلَّق اثنتَيْنِ، فليتَّق اللَّه في الثالثَةِ، فإِما تركَهَا غيْرَ مظلومةٍ شيئاً من حقِّها، وإِما أمسكها محسناً عشْرَتَها «٣» .

ع «٤» : والآية تتضمَّن هذين المعنيين.

٥٦ ب ص: الطلاقُ: مبتدأٌ على حذفِ مضافٍ، أي: عدد الطلاق، ومرَّتانِ: خبره.

انتهى.

والإِمساكُ بالمعروفِ: هو الاِرتجاعُ بعد الثانية إِلى حسن العِشْرةِ، والتسْريحُ: يحتمل لفظه معنَيَيْنِ:

أحدهما: تركها تتمُّ العدة من الثانية، وتكون أملكَ بنَفْسها، وهذا قولُ السُّدِّيِّ، والضَّحَّاك «٥» .

والمعنَى الآخر: أن يطلقها ثالثةً، فيسرِّحها بذلك، وهذا قولُ مجاهِدٍ، وعطاءٍ، وغيرهما، وإِمْسَاك: مرتفع بالاِبتداءِ والخبر أمثل أو أحسن.

وقوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ...

الآية: خطاب

للأزواجِ، نهاهم به أن يأخذوا من أزواجهم شيئًا على وجه المضارَّة، وهذا هو الخُلْع «١» الذي لا يصحُّ إِلاّ بأن لا ينفردَ الرجُلُ بالضَّرر، وخصَّ بالذكْر ما آتى الأَزْوَاجُ نساءَهم لأنه عرف الناس عند الشِّقَاق والفَسَاد أنْ يطلبوا ما خَرَجَ من أيديهم، وحرَّم اللَّه تعالى علَى الزَّوْجِ في هذه الآية أنْ يأخذ إِلا بعد الخوف ألاَّ يقيما حدودَ اللَّه، وأكَّد التحريم بالوعيدِ، وحدود اللَّه في هذا الموضعِ هي ما يلزمُ الزوجَيْنِ مِنْ حُسْنِ العشرة، وحقوقِ العِصْمَة.

وقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: المخاطبة للحُكَّام والمتوسِّطين لهذا الأمر، وإِن لم يكونوا حُكَّاماً، وتَرْكُ إِقامة حدود اللَّه: هو استخفاف المرأة بحقِّ زوجها، وسوءُ طاعتها إِياه قاله ابن عباس، ومالكٌ، وجمهور العلماء «٢» .

وقال الشَّعبيُّ: أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: معناه: ألاَّ يطيعَا اللَّه «٣» ، وذلك أنَّ المغاضبة تَدْعُو إِلى ترك الطاعة.

وقوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ إِباحة للفدْية، وشَرَّكَهَا/ في ارتفاع ٥٧ أالجناح لأنها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيثُ لا يجُوزُ له أخْذه، وهي تَقْدِرُ على المخاصَمَةِ.

قال ابن عَبَّاس، وابنُ عمر، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ، وغيرهم: مباحٌ للزَّوْج أن يأخذ من المرأةِ في الفدْيَة جميعَ ما تملكه وقضى بذلك عمر بن الخطّاب «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

فَأمّا التَّفْسِيرُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِسُنَّةِ الطَّلاقِ، وأنْ يُوقِعَ في كُلِّ قُرْءِ طَلْقَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ بَيانٌ لِلطَّلاقِ الَّذِي يَمْلِكُ مَعَهُ الرَّجْعَةَ، قالَهُ عُرْوَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ في آَخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ مَعْناهُ: فالواجِبُ عَلَيْكم إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، وهو ما يُعْرَفُ مِن إقامَةِ الحَقِّ في إمْساكِ المَرْأةِ.

وقالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ : الرَّجْعَةُ بَعْدَ الثّانِيَةِ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الإمْساكُ عَنْ رَجْعَتِها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَرّاءِ: وهَذا هو الصَّحِيحُ، أنَّهُ قالَ عُقَيْبَ الآَيَةِ: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ والمُرادُ بِهَذِهِ الطَّلْقَةِ: الثّالِثَةُ بِلا شَكٍّ، فَيَجِبُ إذَنْ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ عَلى تَرْكِها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، لِأنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلى الثّالِثَةِ، وجَبَ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ عَلى رابِعَةٍ، وهَذا لا يَجُوزُ.

* فَصْلٌ الطَّلاقُ عَلى أرْبَعَةِ أضْرُبٍ: واجِبٌ، ومَندُوبٌ إلَيْهِ، ومَحْظُورٌ، ومَكْرُوهٌ.

فالواجِبُ: طَلاقُ المُؤْلِي بَعْدَ التَّرَبُّصِ، إذا لَمْ يَفِئْ، وطَلاقُ الحُكْمَيْنِ في شِقاقِ الزَّوْجَيْنِ، إذا رَأيا الفُرْقَةَ.

والمَندُوبُ: إذا لَمْ يَتَّفِقا، واشْتَدَّ الشِّقاقُ بَيْنَهُما، لِيَتَخَلَّصا مِنَ الإثْمِ.

والمَحْظُورُ: في الحَيْضِ، إذا كانَتْ مَدْخُولًا بِها، وفي طُهْرِ جامِعِها فِيهِ قَبْلَ أنْ تَطْهُرَ.

والمَكْرُوهُ: إذا كانَتْ حالُهُما مُسْتَقِيمَةً، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما قَيِّمٌ بِحَقِّ صاحِبِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ نَزَلَتْ في «ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، أتَتْ زَوْجَتُهُ إلى النَّبِيِّ،  ، فَقالَتْ: واللَّهِ ما أعِيبُ عَلى ثابِتٍ في دِينٍ ولا خُلُقٍ، ولَكِنِّي [أكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ ] لا أُطِيقُهُ بُغْضًا.

فَقالَ لَها النَّبِيُّ  : "أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟" قالَتْ: نَعَمْ.

فَأمَرَهُ النَّبِيُّ  ، أنْ يَأْخُذَها، ولا يَزْدادَ.» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتَلَفُوا في اسْمِ زَوْجَتِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَمِيلَةٌ.

ونَسَبَها يَحْيى ابْنُ أبِي كَثِيرٍ، فَقالَ: جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وكَنّاها مُقاتِلٌ، فَقالَ: أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ.

وقالَ آَخَرُونَ.

إنَّما هي جَمِيلَةُ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ.

ورَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ رِوايَتَيْنِ.

إحْداهُما: أنَّها حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ.

والثّانِيَةُ: سَهْلَةُ بِنْتُ حَبِيبٍ.

وَهَذا الخُلْعُ أوَّلُ خَلْعٍ كانَ في الإسْلامِ.

والخَوْفُ في الآَيَةِ بِمَعْنى: العِلْمُ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى قَوْلِهِ: (ألّا يَخافا): يُوقِنا.

والحُدُودُ قَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْناها.

وَمَعْنى الآَيَةِ: أنَّ المَرْأةَ إذا خافَتْ أنْ تَعْصِيَ اللَّهَ في أمْرِ زَوْجِها لِبُغْضِها إيّاهُ، وخافَ الزَّوْجُ أنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْها لِامْتِناعِها عَنْ طاعَتِهِ؛ جازَ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها الفِدْيَةَ، إذا طَلَبَتْ ذَلِكَ.

هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ في فَتْحِ "ياءِ" (يَخافا) وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ: (يُخافا) بِضَمِّ الياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو خِطابٌ لِلْوُلاةِ ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ﴾ عَلى المَرْأةِ ﴿ فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ وعَلى الزَّوْجِ فِيما أخَذَ، لِأنَّهُ ثَمَنُ حَقِّهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ الزَّوْجُ وحْدُهُ، وإنْ كانا قَدْ ذُكِرا جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ  ﴾ .

وإنَّما يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما.

وقَوْلُهُ: ﴿ نَسِيا حُوتَهُما  ﴾ وإنَّما نَسِيَ أحَدُهُما.

* فَصْلٌ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها أكْثَرَ مِمّا أعْطاها؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَجُوزُ، وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعُثْمانُ، وعَلَيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ، والضَّحّاكُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ.

والثّانِي: لا يَجُوزُ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وطاوُوسٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيُّ، وأحَمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وقَدْ نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ، والحَسَنِ أيْضًا.

وهَلْ يَجُوزُ الخُلْعُ دُونَ السُّلْطانِ؟

قالَ عُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلَيٌّ، وابْنُ عُمَرَ، وطاوُوسٌ، وشُرَيْحٌ، والزُّهْرِيُّ: يَجُوزُ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ.

وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ: لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ السُّلْطانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الطَلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودَ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيانًا لِعَدَدِ الطَلاقِ الَّذِي لِلْمَرْءِ فِيهِ أنْ يَرْتَجِعَ، دُونَ تَجْدِيدِ مَهْرٍ ووَلِيٍّ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُونَ ويَرْتَجِعُونَ إلى غَيْرِ غايَةٍ، فَقالَ رَجُلٌ لِامْرَأتِهِ عَلى عَهْدِ النَبِيِّ  : لا أُؤْوِيكَ ولا أدَعُكَ تَحِلِّينَ.

فَقالَتْ: وكَيْفَ؟

قالَ: أُطَلِّقُكِ فَإذا دَنا مُضِيُّ عِدَّتُكِ راجَعْتُكِ، فَشَكَتْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ: المُرادُ بِالآيَةِ التَعْرِيفُ بِسُنَّةِ الطَلاقِ، أيْ مَن طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ فَلْيَتَّقِ اللهَ في الثالِثَةِ، فَإمّا تَرَكَها غَيْرَ مَظْلُومَةٍ شَيْئًا مِن حَقِّها، وإمّا أمْسَكَها مُحْسِنًا عِشْرَتَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَتَضَمَّنُ هَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ.

والإمْساكُ بِالمَعْرُوفِ: هو الِارْتِجاعُ بَعْدَ الثانِيَةِ إلى حُسْنِ العِشْرَةِ، والتِزامِ حُقُوقِ الزَوْجِيَّةِ.

والتَسْرِيحُ يُحْتَمَلُ لَفْظُهُ مَعْنَيَيْنِ أحَدُهُما: تَرَكَها تَتِمُّ العِدَّةَ مِنَ الثانِيَةِ، وتَكُونُ أمَلَكَ بِنَفْسِها، وهَذا قَوْلُ السُدِّيِّ، والضَحّاكِ، والمَعْنى الآخَرُ: أنْ يُطَلِّقَها ثالِثَةً فَيُسَرِّحَها بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وغَيْرِهِما، ويَقْوى عِنْدِي هَذا القَوْلُ مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ أوَّلِها: أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ  : يا رَسُولَ اللهِ: هَذا ذَكَرَ الطَلْقَتَيْنِ فَأيْنَ الثالِثَةُ؟

فَقالَ النَبِيُّ  : هي قَوْلُهُ: ﴿ أو تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ ».

والوَجْهُ الثانِي: أنَّ التَسْرِيحَ مِن ألْفاظِ الطَلاقِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ قُرِئَ: "وَإنْ عَزَمُوا السَراحَ".

والوَجْهُ الثالِثُ: أنْ فَعَّلَ تَفْعِيلًا بِهَذا التَضْعِيفِ يُعْطِي أنَّهُ أحْدَثَ فِعْلًا مُكَرَّرًا عَلى الطَلْقَةِ الثانِيَةِ، ولَيْسَ في التَرْكِ إحْداثُ فِعْلٍ يُعَبِّرُ عنهُ بِالتَفْعِيلِ، و"إمْساكٌ" مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: أمْثَلُ، أو أحْسَنُ، ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: فالواجِبُ إمْساكٌ، وقَوْلُهُ: "بِإحْسانٍ" مَعْناهُ ألّا يَظْلِمَها شَيْئًا مِن حَقِّها، ولا يَتَعَدّى في قَوْلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِلْأزْواجِ، نَهاهم بِهِ أنْ يَأْخُذُوا مِن أزْواجِهِمْ شَيْئًا عَلى وجْهِ المُضارَّةِ، وهَذا هو الخُلْعُ الَّذِي لا يَصِحُّ إلّا بِألّا يَنْفَرِدَ الرَجُلُ بِالضَرَرِ.

وخُصَّ بِالذِكْرِ ما آتى الأزْواجُ نِساءَهُمْ، لِأنَّ العُرْفَ مِنَ الناسِ أنْ يَطْلُبَ الرَجُلُ عِنْدَ الشِقاقِ والفَسادِ ما خَرَجَ عن يَدِهِ، هَذا وكَدُّهم في الأغْلَبِ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِالذِكْرِ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ -إلّا حَمْزَةُ- "يَخافا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، فَهَذا بابٌ "خافٍ" في التَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو "أنْ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ "يَخافا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، فَهَذا عَلى تَعْدِيَةِ "خافَ" إلى مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما أُسْنِدَ الفِعْلُ إلَيْهِ، والآخَرُ أنْ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ.

فَمَوْضِعُ "أنْ" خُفِضَ بِالجارِّ المُقَدَّرِ عنهُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ ونُصْبَ عِنْدَ غَيْرِهِما لِأنَّهُ لَمّا حُذِفَ الجارُّ، وصارَ الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ الثانِي مِثْلُ اسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا، وأمَرْتُكَ الخَيْرَ.

وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إلّا أنْ يَخافُوا" بِالياءِ وواوِ الجَمْعِ والضَمِيرِ عَلى هَذا لِلْحُكّامِ ومُتَوَسِّطِي أُمُورِ الناسِ.

وحَرَّمَ اللهُ تَعالى عَلى الزَوْجِ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- أنْ يَأْخُذَ إلّا بَعْدَ الخَوْفِ ألّا يُقِيما، وأكَّدَ التَحْرِيمَ بِالوَعِيدِ لِمَن تَعَدّى الحَدَّ.

وأجْمَعَ عَوّامُّ أهْلِ العِلْمِ عَلى تَحْظِيرِ أخْذِ مالِها، إلّا أنْ يَكُونَ النُشُوزُ وفَسادُ العَشْرَةِ مِن قِبَلِها.

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: رَوَيْنا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والنَخْعِيِّ، وابْنِ سِيرِينَ، والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وعُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ، والزُهْرِيِّ، وحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةَ، وسُفْيانَ الثَوْرِيِّ، ومالِكٍ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، والشَعْبِيُّ، وجَماعَةٌ مَعَهُما: فَإنْ كانَ مَعَ فَسادِ الزَوْجَةِ ونُشُوزِها فَسادٌ مِنَ الزَوْجِ.

وتَفاقَمَ ما بَيْنَهُما فالفِدْيَةُ جائِزَةٌ لِلزَّوْجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الزَوْجُ -لَوْ تَرَكَ فَسادَهُ- لَمْ يَزَلْ نُشُوزُها هي.

وأمّا إنِ انْفَرَدَ الزَوْجُ بِالفَسادِ فَلا أعْلَمُ أحَدًا يُجِيزُ لَهُ الفِدْيَةَ إلّا ما رُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: إذا جاءَ الظُلُمُ والنُشُوزُ مِن قِبَلِهِ فَخالَعَتْهُ.

فَهو جائِزٌ ماضٍ، وهو آثِمٌ لا يَحِلُّ ما صَنَعَ، ولا يَرُدُّ ما أخَذَ.

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وهَذا خِلافُ ظاهِرِ كِتابِ اللهِ، وخِلافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ  ، ولَوْ قِيلَ لِأحَدٍ: أجْهِدْ نَفْسَكَ في طَلَبِ الخَطَأِ ما وجَدَ أمْرًا أعْظَمَ مِن أنْ يَنْطِقَ القُرْآنُ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ فَيُحِلُّهُ هو ويُجِيزُهُ.

و"حُدُودَ اللهِ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- هي ما يَلْزَمُ الزَوْجَيْنِ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ وحُقُوقِ العِصْمَةِ.

وَنازِلَةُ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ، وقِيلَ: جَمِيلَةُ بِنْتُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ -والأوَّلُ أصَحُّ- مَعَ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ حِينَ أباحَ لَهُ النَبِيُّ  أخْذَ الفِدْيَةِ مِنها، إنَّما كانَ التَعَسُّفُ فِيها مِنَ المَرْأةِ لِأنَّها ذَكَرَتْ عنهُ كُلَّ خَيْرٍ وأنَّها لا تُحِبُّ البَقاءَ مَعَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ ﴾ المُخاطَبَةُ لِلْحُكّامِ والمُتَوَسِّطِينَ لِمِثْلِ هَذا الأمْرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حاكِمًا، وتَرْكُ إقامَةِ حُدُودِ اللهِ هو اسْتِخْفافُ المَرْأةِ بِحَقِّ زَوْجِها وسُوءِ طاعَتِها إيّاهُ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ، وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَوْمٌ مَعَهُ: إذا قالَتْ لَهُ لا أُطِيعُ لَكَ أمْرًا، ولا أغْتَسِلُ لَكَ مِن جَنابَةٍ، ولا أبَرُّ لَكَ قَسَمًا، حَلَّ الخُلْعُ.

وقالَ الشَعْبِيُّ: ﴿ ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: ألّا يُطِيعا اللهَ، وذَلِكَ أنَّ المُغاضَبَةَ تَدْعُو إلى تَرْكِ الطاعَةِ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: يَحِلُّ الخَلْعُ والأخْذُ أنْ تَقُولَ المَرْأةُ لِزَوْجِها إنِّي لَأكْرَهُكَ ولا أُحِبُّكَ، ونَحْوُ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ إباحَةٌ لِلْفِدْيَةِ، وشِرْكُهُما في ارْتِفاعِ الجَناحِ، لِأنَّها لا يَجُوزُ لَها أنْ تُعْطِيَهُ مالَها، حَيْثُ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، وهي تَقْدِرُ عَلى المُخاصَمَةِ، فَإذا كانَ الخَوْفُ المَذْكُورُ جازَ لَهُ أنْ يَأْخُذَ ولَها أنْ تُعْطِيَ، ومَتى لَمْ يَقَعِ الخَوْفُ فَلا يَجُوزُ لَها أنْ تُعْطِيَ عَلى طالِبِ الفِراقِ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وعِكْرِمَةُ، وقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وغَيْرُهُمْ: مُباحٌ لِلزَّوْجِ أنْ يَأْخُذَ مِنَ المَرْأةِ في الفِدْيَةِ جَمِيعُ ما تَمْلِكُهُ، وقَضى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.

وقالَ طاوُسٌ، والزُهْرِيُّ، وعَطاءٌ، وعُمَرُ بْنُ شُعَيْبٍ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادُ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ: لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَزِيدَ عَلى المَهْرِ الَّذِي أعْطاها، وبِهِ قالَ الرَبِيعُ، وكانَ يَقْرَأُ هو والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "فِيما افْتَدَتْ بِهِ مِنهُ" بِزِيادَةِ "مِنهُ" يَعْنِي: مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ، وهو المَهْرُ، وحَكى مَكِّيُّ هَذا القَوْلَ عن أبِي حَنِيفَةَ، وابْنِ المُنْذِرِ أثْبَتُ.

وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا أرى أنْ يَأْخُذَ مِنها كُلَّ مالِها، ولَكِنْ لِيَدَعَ لَها شَيْئًا، وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيُّ: لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْخُذَ مِن زَوْجِهِ شَيْئًا خُلْعًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى إجازَةِ الفِدْيَةِ، ولِأنَّ المَعْنى المُقْتَرَنَ بِآيَةِ الفِدْيَةِ غَيْرُ المَعْنى الَّذِي في آيَةِ إرادَةِ الِاسْتِبْدالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ ﴾ الآيَةُ، أيْ هَذِهِ الأوامِرُ والنَواهِي هي المَعالِمُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والطاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تَتَجاوَزُوها.

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى عَلى تَجاوُزِ الحَدِّ، ووَصْفِ المُتَعَدِّي بِالظُلْمِ، وهو وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والظُلْمُ مُعاقِبٌ صاحِبَهُ.

وهو كَما قالَ  : «الظُلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لذكر غاية الطلاق الذي يملكه الزوج من امرأته، نشأ عن قوله تعالى: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ [البقرة: 228] وعن بعض ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ [البقرة: 228] فإن الله تعالى أعلن أن للنساء حقاً كحق الرجال، وجعل للرجال درجة زائدة: منها أن لهم حق الطلاق، ولهم حق الرجعة لقوله: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ﴾ [البقرة: 228] ولما كان أمر العرب في الجاهلية جارياً على عدم تحديد نهاية الطلاق، كما سيأتي قريباً، ناسب أن يذكر عقب ذلك كله حكم تحديد الطلاق، إفادة للتشريع في هذا الباب ودفعاً لما قد يعلق أو علق بالأوهام في شأنه.

روى مالك في جامع الطلاق من «الموطأ»: «عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك وإن طلقها ألفَ مرة فعمَد رجلٌ إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها ثم قال والله لا آويك ولا تحلين أبداً فأنزل الله تعالى: ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذٍ من كان طلق منهم أو لم يطلق».

وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قريباً منه.

ورواه الحاكم في «مستدركه» إلى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس فقال: والله لا تركتك لا أَيماً ولا ذات زوج فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها ففعل ذلك مراراً فأنزل الله تعالى: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ ، وفي ذلك روايات كثيرة تقارب هذه، وفي «سنن أبي داود»: باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث وأخرج حديث ابن عباس أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً فنسخ ذلك ونزل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ ، فالآية على هذا إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية، وتحديد لحقوق البعولة في المراجعة.

والتعريف في قوله (الطلاق) تعريف الجنس على ما هو المتبادر في تعريف المصادر وفي مساق التشريع، فإن التشريع يقصد بيان الحقائق الشرعية، نحو قوله: ﴿ وأحل الله البيع ﴾ [البقرة: 275] وقوله: ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ [البقرة: 227] وهذا التعريف هو الذي أشار صاحب «الكشاف» إلى اختياره، فالمقصود هنا الطلاق الرجعي الذي سبق الكلام عليه آنفاً في قوله: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ﴾ [البقرة: 228] فإنه الطلاق الأصلي، وليس في أصل الشريعة طلاق بائن غير قابل للمراجعة لذاته، إلاّ الطلقة الواقعة ثالثة، بعد سبق طلقتين قبلها فإنها مبينة بعدُ وأما ما عداها من الطلاق البائن الثابت بالسنة، فبينونته لحق عارض كحق الزوجة فيما تعطيه من مالها في الخلع، ومثل الحق الشرعي في تطليق اللعان، لمظنة انتفاء حسن المعاشرة بعد أن تَلاعنا، ومثل حق المرأة في حكم الحاكم لها بالطلاق للإضرار بها، وحُذف وصف الطلاق، لأن السياق دال عليه، فصار التقدير: الطلاق الرجعي مرتان.

وقد أخبر عن الطلاق بأنه مرتان، فعلم أن التقدير: حق الزوج في إيقاع التطليق الرجعي مرتان، فأما الطلقة الثالثة فليست برجعيّة.

وقد دل على هذا قوله تعالى بعد ذِكر المرتين: ﴿ فإمساك بمعروف ﴾ وقوله بعدهُ: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ [البقرة: 230] الآية وقد روي مثل هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم روي أبو بكر بن أبي شيبة: " أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت قول الله تعالى: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ فأين الثالثة فقال رسول الله عليه السلام: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " وسؤال الرجل عن الثالثة، يقتضي أن نهاية الثلاث كانت حكماً معروفاً إِما من السنة وإِما من بقية الآية، وإنما سأل عن وجه قوله (مرتان) ولما كان المراد بيان حكم جنس الطلاق، باعتبار حصوله من فاعله، وهو إنما يحصل من الأزواج كان لفظ الطلاق آيلاً إلى معنى التطليق، كما يؤول السلام إلى معنى التسليم.

وقوله ﴿ مرتان ﴾ ، تثنية مرة، والمرة في كلامهم الفعلة الواحدة من موصوفها أو مضافها، فهي لا تقع إلا جارية على حدث، بوصف ونحوه، أو بإضافة ونحوها، وتقع مفردة، ومثناة، ومجموعة، فتدل على عدم تكرر الفعل، أو تكرر فعله تكرراً واحداً، أو تكرره تكرراً متعدداً، قال تعالى: ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ [التوبة: 101] وتقول العرب «نهيتك غير مرة فلم تنته» أي مراراً، وليس لفظ المرة بمعنى الواحدة من الأشياء الأعيان، ألا ترى أنك تقول: أعطيتك درهماً مرتين، إذا أعطيته درهماً ثم درهما، فلا يفهم أنك أعطيته درهمين مقترنين، بخلاف قولك أعطيتك درهمين.

فقوله تعالى: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ يفيد أن الطلاق الرجعي شرع فيه حق التكرير إلى حد مرتين، مرة عقب مرة أخرى لا غير، فلا يتوهم منه في فهم أهل اللسان أن المراد: الطلاق لا يقع إلا طلقتين مقترنتين لا أكثر ولا أقل، ومن توهم ذلك فاحتاج إلى تأويل لدفعه فقد أبعد عن مجاري الاستعمال العربي، ولقد أكثر جماعة من متعاطي التفسير الاحتمالات في هذه الآية والتفريع عليها، مدفوعين بأفهام مولدة، ثم طبقوها على طرائق جدلية في الاحتجاج لاختلاف المذاهب في إثبات الطلاق البدعي أو نفيه، وهم في إرخائهم طِوَل القول ناكبون عن معاني الاستعمال، ومن المحققين من لم يفته المعنى ولم تف به عبارته كما وقع في «الكشاف».

ويجوز أن يكون تعريف الطلاق تعريف العهد، والمعهود هو ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن إلى قوله وبعولتهن أحق بردهن ﴾ [البقرة: 228] فيكون كالعهد في تعريف الذَّكَر في قوله تعالى: ﴿ وليس الذكر كالأنثى ﴾ [آل عمران: 36] فإنه معهود مما استفيد من قوله: ﴿ إني نذرت لك ما في بطني ﴾ [آل عمران: 35].

وقوله: ﴿ فإمساك بمعروفٍ ﴾ جملة مفرعة على جملة ﴿ الطلاق مرتان ﴾ فيكون الفاء للتعقيب في مجرد الذكر، لا في وجود الحكم.

و(إمساك) خبر مبتدأ محذوف تقديره فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح على طريقة ﴿ فصبر جميل ﴾ [يوسف: 18] وإذ قد كان الإمساك والتسريح ممكنين عند كل مرة من مرتي الطلاق، كان المعنى فإمساك أو تسريح في كل مرة من المرتين، أي شأن الطلاق أن تكون كل مرة منه معقبة بإرجاع بمعروف أو ترك بإحسان، أي دون ضرار في كلتا الحالتين.

وعليه فإمساك وتسريح مصدران، مراد منهما الحقيقة والاسم، دون إرادة نيابة عن الفعل، والمعنى أن المطلق على رأس أمره فإن كان راغباً في امرأته فشأنه إمساكها أي مراجعتها، وإن لم يكن راغباً فيها فشأنه ترك مراجعتها فتسرح، والمقصود من هذه الجملة إدماج الوصاية بالإحسان في حال المراجعة، وفي حال تركها، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء، إبطالاً لأفعال أهل الجاهلية؛ إذ كانوا قد يراجعون المرأة بعد الطلاق ثم يطلقونها دَوَالَيْك، لتبقى زمناً طويلاً في حالة ترك إضراراً بها، إذ لم يكن الطلاق عندهم منتهياً إلى عدد لا يملك بعده المراجعة، وفي هذا تمهيد لما يرد بعده من قوله: ويجوز أن يكون إمساك وتسريح مصدرين جعلا بدلين من فعليهما، على طريقة المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله، وأصلهما النصب، ثم عدل عن النصب إلى الرفع لإفادة معنى الدوام، كما عدل عن النصب إلى الرفع في قوله تعالى: ﴿ قال سلامٌ ﴾ [هود: 69] وقد مضى أول سورة الفاتحة، فيكون مفيداً معنى الأمر بالنيابة عن فعله، ومفيداً الدوام بإيراد المصدرين مرفوعين، والتقدير فأمسكوا أو سرحوا.

فتبين أن الطلاق حدد بمرتين، قابلة كل منهما للإمساك بعدها، والتسريح بإحسان توسعة على الناس ليرتأوا بعد الطلاق ما يليق بحالهم وحال نسائهم، فلعلهم تعرض لهم ندامة بعد ذوق الفراق ويحسوا ما قد يغفلون عن عواقبه حين إنشاء الطلاق، عن غضب أو عن ملالة، كما قال تعالى: ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ [الطلاق: 1] وقوله: ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزواً ﴾ [البقرة: 231] وليس ذلك ليتخذوه ذريعة للإضرار بالنساء كما كانوا يفعلون قبل الإسلام.

وقد ظهر من هذا أن المقصود من الجملة هو الإمساك أو التسريح المطْلَقين وأما تقييد الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، فهو إدماج لوصية أخرى في كلتا الحالتين، إدماجاً للإرشاد في أثناء التشريع.

وقدم الإمساك على التسريح إيماء إلى أنه الأهم، المرغب فيه في نظر الشرع.

والإمساك حقيقته قبض اليد على شيء مخافة أن يسقط أو يتفلت، وهو هنا استعارة لدوام المعاشرة.

والتسريح ضد الإمساك في معنييه الحقيقي والمجازي، وهو مستعار هنا لإبطال سبب المعاشرة بعد الطلاق، وهو سبب الرجعة ثم استعارة ذلك الإبطال للمفارقة فهو مجاز بمرتبتين.

والمعروف هنا هو ما عرفه الناس في معاملاتهم من الحقوق التي قررها الإسلام أو قررتها العادات التي لا تنافي أحكام الإسلام.

وهو يناسب الإمساك لأنه يشتمل على أحكام العصمة كلها من إحسان معاشرة، وغير ذلك، فهو أعم من الإحسان.

وأما التسريح فهو فراق ومعروفه منحصر في الإحسان إلى المفارقة بالقول الحسن والبذل بالمتعة، كما قال تعالى: ﴿ فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً ﴾ [الأحزاب: 49] وقد كان الأزواج يظلمون المطلقات ويمنعونهن من حليهن ورياشهن، ويكثرون الطعن فيهن قال ابن عرفة في «تفسيره»: «فإن قلت هلا قيل فإمساك بإحسان أو تسريح بمعروف قلت عادتهم يجيبون بأن المعروف أخف من الإحسان إذ المعروف حسن العشرة وإعطاء حقوق الزوجية، والإحسان ألا يظلمها من حقها فيقتضي الإعطاء وبذل المال أشق على النفوس من حسن المعاشرة فجعل المعروف مع الإمساك المقتضي دوام العصمة، إذ لا يضر تكرره وجعل الإحسان الشاق مع التسريح الذي لا يتكرر».

وقد أخذ قوم من الآية منع الجمع بين الطلاق الثلاث في كلمة، بناء على أن المقصود من قوله ﴿ مرتان ﴾ التفريق وسنذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ [البقرة: 230] الآية.

﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ ﴾ .

يجوز أن تكون الواو اعتراضية، فهو اعتراض بين المتعاطفين، وهما قوله: ﴿ فإمساك ﴾ وقوله ﴿ فإن طلقها ﴾ ويجوز أن تكون معطوفة على ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ لأن من إحسان التسريح ألا يأخذ المسرح وهو المطلق عوضاً عن الطلاق، وهذه مناسبة مجئ هذا الاعتراض، وهو تفنن بديع في جمع التشريعات والخطاب للأمة، ليأخذ منه كل أفرادها ما يختص به، فالزوج يقف عن أخذ المال، وولي الأمر يحكم بعدم لزومه، وولي الزوجة أو كبير قبيلة الزوج يسعى ويأمر وينهى (وقد كان شأن العرب أن يلي هذه الأمور ذوو الرأي من قرابة الجانبين) وبقية الأمة تأمر بالامتثال لذلك، وهذا شأن خطابات القرآن في التشريع كقوله: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ إلى قوله: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ [النساء: 5] وإليه أشار صاحب «الكشاف».

وقال ابن عطية والقرطبي وصاحب «الكشاف»: الخطاب في قوله: ﴿ ولا يحل لكم ﴾ للأزواج بقرينة قوله ﴿ أن تأخذوا ﴾ وقوله: ﴿ أتيتموهن ﴾ والخطاب في قوله: ﴿ فإن خفتم ألا تقيما حدود الله ﴾ للحكام، لأنه لو كان للأزواج لقيل: فإن خفتم ألا تقيموا أو ألا تقيما، قال في «الكشاف»: «ونحو ذلك غير عزيز في القرآن» اه يعني لظهور مرجع كل ضمير من قرائن المقام ونظره في «الكشاف» بقوله تعالى في سورة الصف (13) ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ على رأي صاحب الكشاف } ، إذ جعله معطوفاً على ﴿ تؤمنون بالله ورسوله ﴾ إلخ لأنه في معنى آمنوا وجاهدوا أي فيكون معطوفاً على الخطابات العامة للأمة، وإن كان التبشير خاصاً به الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لا يتأتى إلا منه.

وأظهر من تنظير صاحب «الكشاف» أن تنظره بقوله تعالى فيما يأتي: ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ﴾ [البقرة: 232] إذ خوطب فيه المطلّق والعاضل، وهما متغايران.

والضمير المؤنث في ﴿ أتيتموهن ﴾ راجع إلى ﴿ المطلقات ﴾ ، المفهوم من قوله: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ لأن الجنس يقتضي عدداً من المطلقين والمطلقات، وجوز في «الكشاف» أن يكون الخطاب كله للحكام وتأول قوله: ﴿ أن تأخذوا ﴾ .

وقوله: ﴿ مما أتيتموهن ﴾ بأن إسناد الأخذ والإتيان للحكام، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإعطاء، ورجحه البيضاوي بسلامته من تشويش الضمائر بدون نكتة التفات ووهنه صاحب «الكشاف» وغيره بأن الخلع قد يقع بدون ترافع، فما آتاه الأزواج لأزواجهم من المهور لم يكن أخذه على يد الحكام فبطل هذا الوجه، ومعنى لا يحل لا يجوز ولا يسمح به، واستعمال الحل والحرمة في هذا المعنى وضده قديم في العربية، قال عنترة: يا شاة ما قنص لمن حلت له *** حرمت على وليتها لم تحرم وقال كعب: إذا يساور قرناً لا يحل له *** أن يترك القرن إلا وهو مجدول وجيء بقوله: ﴿ شيئاً ﴾ لأنه من النكرات المتوغلة في الإبهام، تحذيراً من أخذ أقل قليل بخلاف ما لو قال مالاً أو نحوه، وهذا الموقع من محاسن مواقع كلمة شيء التي أشار إليها الشيخ في «دلائل الإعجاز».

وقد تقدم بسط ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ [البقرة: 155].

وقوله: ﴿ إلا أن يخافا ﴾ قرأه الجمهور بفتح ياء الغيبة، فالفعل مسند للفاعل، والضمير عائد إلى المتخالعين المفهومين من قوله: ﴿ أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً ﴾ وكذلك ضمير ﴿ يخافا ألا يقيما ﴾ وضمير ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ ، وأسند هذا الفعل لهما دون بقية الأمة لأنهما اللذان يعلمان شأنهما.

وقرأ حمزة وأبو جعفر ويعقوب بضم ياء الغائب والفعل مبني للنائب والضمير للمتخالعين؛ والفاعل محذوف هو ضمير المخاطبين؛ والتقدير: إلا أن تخافوهما ألا يقيما حدود الله.

والخوف توقع حصول ما تكرهه النفس وهو ضد الأمن.

ويطلق على أثره وهو السعي في مرضاة المخوف منه، وامتثال أوامره كقوله: ﴿ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ [آل عمران: 175] وترادفه الخشية، لأن عدم إقامة حدود الله مما يخافه المؤمن، والخوف يتعدى إلى مفعول واحد، قال تعالى: يا حبتر لم أكلته لمه *** لو خافك اللَّه عليه حرمه وخرج ابن جني في شرح الحماسة عليه قول الأحوص فيها على أحد تأويلين: فإذا تزول تزول على متخمط *** تُخْشَى بوادره على الأقران وحذفت على في الآية لدخولها على أن المصدرية.

وقد قال بعض المفسرين: إن الخوف هنا بمعنى الظن، يريد ظن المكروه؛ إذ الخوف لا يطلق إلا على حصول ظن المكروه وهو خوف بمعناه الأصلي.

وإقامة حدود الله فسرها مالك رحمه الله بأنها حقوق الزوج وطاعته والبرِّ به، فإذا أضاعت المرأة تلك فقد خالفت حدود الله.

وقوله: ﴿ فلا جناح عليهما فيما أفتدت به ﴾ رفع الإثم عليهما، ويدل على أن باذل الحرام لآخذه مشارك له في الإثم، وفي حديث ربا الفضل «الآخذ والمعطي في ذلك سواء» وضمير ﴿ أفتدت به ﴾ لجنس المخالعة، وقد تمحض المقام لأن يعاد الضمير إليها خاصة؛ لأن دفع المال منها فقط.

وظاهر عموم قوله: ﴿ فيما أفتدت به ﴾ أنه يجوز حينئذ الخلع بما زاد على المهر وسيأتي الخلاف فيه.

ولم يختلف علماء الأمة أن المراد بالآية أخذ العوض على الفراق، وإنما اختلفوا في هذا الفراق هل هو طلاق أو فسخ؟

فذهب الجمهور إلى أنه طلاق ولا يكون إلا بائناً؛ إذ لو لم يكن بائناً لما ظهرت الفائدة في بذل العوض، وبه قال عثمان وعلي وابن مسعود والحسن وعطاء وابن المسيب والزهري ومالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشعبي والنخعي ومجاهد ومكحول.

وذهب فريق إلى أنه فسخ، وعليه ابن عباس وطاووس وعكرمة وإسحاق وأبو ثور وأحمد بن حنبل.

وكل من قال: إن الخلع لا يكون إلا بحكم الحاكم.

واختلف قول الشافعي في ذلك، فقال مرة هو طلاق؛ وقال مرة ليس بطلاق، وبعضهم يحكي عن الشافعي أن الخلع ليس بطلاق إلا أن ينوي بالمخالفة الطلاق والصواب أنه طلاق لتقرر عصمة صحيحة، فإن أرادوا بالفسخ ما فيه من إبطال العصمة الأولى فما الطلاق كله إلا راجعاً إلى الفسوخ، وتظهر فائدة هذا الخلاف في الخلع الواقع بينهما بعد أن طلق الرجل طلقتين، فعند الجمهور طلقة الخلع ثالثة فلا تحل لمخالعها إلا بعد زوج، وعند ابن عباس وأحمد بن حنبل وإسحاق ومن وافقهم: لا تعد طلقة، ولهما أن يعقدا نكاحاً مستأنفاً.

وقد تمسك بهذه الآية سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وزياد بن أبي سفيان، فقالوا: لا يكون الخلع إلا بحكم الحاكم لقوله تعالى: ﴿ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ﴾ .

والجمهور على جواز إجراء الخلع بدون تخاصم، لأن الخطاب ليس صريحاً للحكام وقد صح من عمر وعثمان وابن عمر أنهم رأوا جوازه بدون حكم حاكم.

والجمهور أيضاً على جواز أخذ العوض على الطلاق إن طابت به نفس المرأة، ولم يكن عن إضرار بها.

وأجمعوا على أنه إن كان عن إضرار بهن فهو حرام عليه، فقال مالك إذا ثبت الإضرار يمضي الطلاق، ويرد عليها مالها.

وقال أبو حنيفة: هو ماض ولكنه يأثم بناء على أصله في النهي، إذا كان لخارج عن ماهية المنهي عنه.

وقال الزهري والنخعي وداود: لا يجوز إلا عند النشوز والشقاق.

والحق أن الآية صريحة في تحريم أخذ العوض عن الطلاق إلا إذا خيف فساد المعاشرة بألا تحب المرأة زوجها، فإن الله أكد هذا الحكم إذ قال: ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ لأن مفهوم الاستثناء قريب من الصريح في أنهما إن لم يخافا ذلك لا يحل الخلع، وأكده بقوله: ﴿ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما أفتدت به ﴾ فإن مفهومه أنهما إن لم يخافا ذلك ثبت الجناح، ثم أكد ذلك كله بالنهي بقوله: تلك حدود الله فلا تعتدوها ثم بالوعيد بقوله: ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ وقد بين ذلك كله قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميلة بنت أو أخت عبد الله بن أبي بن سلول، وبين زوجها ثابت بن قيس بن شماس؛ إذ قالت له يا رسول الله لا أنا ولا ثابت، أو لا يجمع رأسي ورأس ثابت شيء، والله ما أعتب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضاً فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " أتردين عليه حديقته التي أصدقك " قالت «نعم وأزيده» زاد في رواية قال: " أما الزائد فلا " وأجاب الجمهور بأن الآية لم تذكر قوله: ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ على وجه الشرط بل لأنه الغالب من أحوال الخلع، ألا يُرى قوله تعالى: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ [النساء: 4] هكذا أجاب المالكية كما في «أحكام ابن العربي»، و«تفسير القرطبي».

وعندي أنه جواب باطل، ومتمسك بلا طائل، أما إنكار كون الوارد في هاته الآية شرطا، فهو تعسف وصرف للكلام عن وجهه، كيف وقد دل بثلاثة منطوقات وبمفهومين وذلك قوله: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً ﴾ فهذا نكرة في سياق النفي، أي لا يحل أخذ أقل شيء، وقوله: ﴿ إلا أن يخافا ﴾ ففيه منطوق ومفهوم، وقوله: ﴿ فإن خفتم ﴾ ففيه كذلك، ثم إن المفهوم الذي يجيء مجيء الغالب هو مفهوم القيود التوابع كالصفة والحال والغاية، دون ما لا يقع في الكلام إلا لقصد الاحتراز، كالاستثناء والشرط.

وأما الاحتجاج للجواز بقوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً ﴾ ، فمورده في عفو المرأة عن بعض الصداق، فإن ضمير ﴿ منه ﴾ عائد إلى الصدقات، لأن أول الآية ﴿ وأتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم ﴾ [النساء: 4] الآية فهو إرشاد لما يعرض في حال العصمة مما يزيد الألفة، فلا تعارض بين الآيتين ولو سلمنا التعارض لكان يجب على الناظر سلوك الجمع بين الآيتين أو الترجيح.

واختلفوا في جواز أخذ الزائد على ما أصدقها المفارق، فقال طاووس وعطاء والأوزاعي وإسحاق وأحمد: لا يجوز أخذ الزائد، لأن الله تعالى خصه هنا بقوله: ﴿ مما أتيتموهن ﴾ واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجميلة لما قالت له: أرد عليه حديقته وأزيده «أما الزائد فلا» أخرجه الدارقطني عن ابن جريج.

وقال الجمهور: يجوز أخذ الزائد لعموم قوله تعالى: ﴿ فلا جناح عليهما فيما أفتدت به ﴾ واحتجوا بما رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن أخته كانت تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة، فوقع بينهما كلام فترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها «أتردين عليه حديقته ويطلقك» قالت: نعم وأزيده، فقال لها «ردي عليه حديقته وزيديه» وبأن جميلة لما قالت له: وأزيده لم ينكر عليها.

وقال مالك: ليس من مكارم الأخلاق ولم أر أحداً من أهل العلم يكره ذلك أي يحرمه، ولم يصح عنده ما روي «أما الزائد فلا» والحق أن الآية ظاهرة في تعظيم أمر أخذ العوض على الطلاق، وإنما رخصه الله تعالى إذا كانت الكراهية والنفرة من المرأة من مبدأ المعاشرة، دفعاً للأضرار عن الزوج في خسارة ما دفعه من الصداق الذي لم ينتفع منه بمنفعة؛ لأن الغالب أن الكراهية تقع في مبدأ المعاشرة لا بعد التعاشر.

فقوله: ﴿ مما أتيتموهن ﴾ ظاهر في أن ذلك هو محل الرخصة، لكن الجمهور تأولوه بأنه هو الغالب فيما يجحف بالأزواج، وأنه لا يبطل عموم قوله: ﴿ فيما أفتدت ﴾ وقد أشار مالك بقوله: ليس من مكارم الأخلاق إلى أنه لا يراه موجباً للفساد والنهي؛ لأنه ليس مما يختل به ضروري أو حاجي، بل هو آيل إلى التحسينات، وقد مضى عمل المسلمين على جوازه.

واختلفوا في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة؟

فالجمهور على أنها محكمة، وقال فريق: منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء (20) {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ونسبه القرطبي لبكر بن عبد الله المزني، وهو قول شاذ، ومورد آية النساء في الرجل يريد فراق امرأته، فيحرم عليه أن يفارقها، ثم يزيد فيأخذ منها مالاً، بخلاف آية البقرة فهي في إرادة المرأة فراق زوجها عن كراهية.

تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فأولئك هُمُ الظالمون}.

جملة ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً ﴾ وما اتصل بها، وبين الجملة المفرعة عليها وهي ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ الآية.

ومناسبة الاعتراض ما جرى في الكلام الذي قبلها من منع أخذ العوض عن الطلاق، إلا في حالة الخوف من ألا يقيما حدود الله، وكانت حدود الله مبينة في الكتاب والسنة، فجيء بهذه الجملة المعترضة تبْيِيناً؛ لأن منع أخذ العوض على الطلاق هو من حدود الله.

وحدود الله استعارة للأوامر والنواهي الشرعية بقرينة الإشارة، شبهت بالحدود التي هي الفواصل المجعولة بين أملاك الناس، لأن الأحكام الشرعية، تفصل بين الحلال والحرام، والحق والباطل وتفصل بين ما كان عليه الناس قبل الإسلام، وما هم عليه بعده.

والإقامة في الحقيقة الإظهار والإيجاد، يقال: أقام حداً لأرضه، وهي هنا استعارة للعمل بالشرع تبعاً لاستعارة الحدود للأحكام الشرعية، وكذلك إطلاق الاعتداء الذي هو تجاوز الحد على مخالفة حكم الشرع، هو استعارة تابعة لتشبيه الحكم بالحد.

وجملة: ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ تذييل وأفادت جملة ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ حصراً وهو حصر حقيقي، إذ ما من ظالم إلا وهو متعد لحدود الله، فظهر حصر حال المتعدي حدود الله في أنه ظالم.

واسم الإشارة من قوله: ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ مقصود منه تمييز المشار إليه، أكمل تمييز، وهو من يتعدى حدود الله، اهتماماً بإيقاع وصف الظالمين عليهم.

وأطلق فعل ﴿ يتعد ﴾ على معنى يخالف حكم الله ترشيحاً لاستعارة الحدود لأحكام الله، وهو مع كونه ترشيحاً مستعار لمخالفة أحكام الله؛ لأن مخالفة الأمر والنهي تشبه مجاوزة الحد في الاعتداء على صاحب الشيء المحدود.

وفي الحديث: «ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه».

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِعَدَدِ الطَّلاقِ وتَقْدِيرُهُ: بِالثَّلاثِ، وأنَّهُ يَمْلِكُ في الِاثْنَيْنِ الرَّجْعَةَ ولا يَمْلِكُها في الثّالِثَةِ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ وقَتادَةَ، ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ ناسِيًا، إنْ راجَعَ امْرَأتَهُ قُبَيْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَتِ امْرَأتَهُ، فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ عَلى امْرَأتِهِ، فَقالَ لَها: لا أقْرَبُكِ ولا تَخْتَلِينَ مِنِّي، قالَتْ لَهُ كَيْفَ؟

أُطَلِّقُكِ فَإذا دَنا أجْلُكِ راجَعْتُكِ، فَشَكَتْ زَوْجَها إلى النَّبِيِّ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ الآيَةَ.

» والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ بَيانٌ لِسُنَّةِ الطَّلاقِ أنْ يُوقِعَ في كُلِّ قَوْلٍ طَلْقَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: الأوَّلُ: هَذا في الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، رَوى سُفْيانُ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ  فَقالَ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَأيْنَ الثّالِثَةُ؟

قالَ: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ »، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ الرَّجْعَةُ بَعْدَ الثّانِيَةِ ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ والإمْساكُ عَنْ رَجْعَتِها حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ.

الإحْسانُ هو تَأْدِيَةُ حَقِّها، والكَفُّ عَنْ أذاها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ يَعْنِي مِنَ الصَّداقِ ﴿ إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الياءِ مِن (يَخافا)، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والخَوْفُ هَهُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أتانِي كَلامٌ عَنْ نَصِيبٍ يَقُولُهُ وما خِفْتُ بِالإسْلامِ أنَّكَ عائِبِي يَعْنِي وما ظَنَنْتُ.

وَفي ﴿ أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَظْهَرَ مِنَ المَرْأةِ النُّشُوزُ وسُوءُ الخُلُقِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنْ لا تُطِيعَ لَهُ أمْرًا، ولا تَبَرَّ لَهُ قَسَمًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.

والثّالِثُ: هو أنْ يُبْدِيَ لِسانُها أنَّها لَهُ كارِهَةٌ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والرّابِعُ: أنْ يَكْرَهَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، فَلا يُقِيمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن حَقِّ صاحِبِهِ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، رَوى ثابِتُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  « (المُخْتَلِعاتُ والمُنْتَزِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ)» .

يَعْنِي الَّتِي تُخالِعُ زَوْجَها لِمَيْلِها إلى غَيْرِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَها مِنَ الصَّداقِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وابْنِ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ، والحَسَنِ.

والقَوْلُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تُخالِعَ زَوْجَها بِالصَّداقِ وبِأكْثَرَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، والشّافِعِيِّ.

رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ: أنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْراءَ حَدَّثَتْهُ قالَتْ: كانَ لِي زَوْجٌ يُقِلُّ عَلَيَّ الخُبْزَ إذا حَضَرَ، ويَحْرِمُنِي إذا غابَ، قالَتْ: وكانَتْ مِنِّي زَلَّةٌ يَوْمًا فَقُلْتُ: أنْخَلِعُ مِنكَ بِكُلِّ شَيْءٍ أمْلِكُهُ، قالَ: نَعَمْ، قالَتْ فَفَعَلْتُ، قالَتْ: فَخاصَمَ عَمِّي مُعاذَ بْنَ عَفْراءَ إلى عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، فَأجازَ الخُلْعَ، وأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ ما دُونُ عِقاصِ الرَّأْسِ.

واخْتَلَفُوا في نَسْخِها، فَحُكِيَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ الخُلْعَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا  ﴾ وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ في جَوازِ الخُلْعِ.

وَقَدْ رَوى أيُّوبُ، عَنْ كَثِيرٍ مَوْلى سَمُرَةَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِامْرَأةٍ ناشِزَةٍ، فَأمَرَ بِها إلى بَيْتِ كَثِيرٍ، فَحَبَسَها ثَلاثًا، ثُمَّ دَعاها فَقالَ: كَيْفَ وجَدْتِ مَكانَكِ؟

قالَتْ: ما وجَدْتُ راحَةً مُنْذُ كُنْتُ إلّا هَذِهِ اللَّيالِيَ الَّتِي حَبَسْتَنِي، فَقالَ لِزَوْجِها: اخْلَعْها ولَوْ مِن قُرْطِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ يَعْنِي أنَّها لا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ المُطَلِّقِ ثَلاثًا حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ نِكاحَ الثّانِي إذا طَلَّقَها مِنهُ أحَلَّها لِلْأوَّلِ سَواءٌ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والثّانِي: أنَّها لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ بِنِكاحِ الثّانِي، حَتّى يَدْخُلَ بِها فَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَها، لِلسُّنَّةِ المَرْوِيَّةِ فِيهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها، حتى إذا ما جاء وقت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها ثم قال: والله لا آويك ولا تحلين أبداً، فأنزل الله: ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذ، من كان منهم طلق ومن لم يطلق.

وأخرج الترمذي وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة قالت: «كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء الله أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك، فتبيني ولا آويك أبداً.

قالت: وكيف ذلك؟

قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك.

فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً من طلق ومن لم يطلق» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت: «لم يكن للطلاق وقت يطلق امرأته أم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك لا أيّماً ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها ففعل ذلك مراراً، فأنزل الله فيه ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ فوقت لهم الطلاق ثلاثاً يراجعها في الواحدة وفي الثنتين، وليس في الثالثة رجعة حتى تنكح زوجاً غيره» .

وأخرج ابن النجار عن عائشة «أنها أتتها امرأة فسألتها عن شيء من الطلاق، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ » .

وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي عن ابن عباس ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [ البقرة: 228] إلى قوله: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن ﴾ [ البقرة: 228] وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك فقال: ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن بعض الفقهاء قال: «كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ما شاء لا يكون عليها عدة فتزوج من مكانها إن شاءت، فجاء رجل من أشجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أنا طلقت امرأتي، وأنا أخشى أن تزوج فيكون الولد لغيري، فأنزل الله: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ فنسخت هذه كل طلاق في القرآن» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ قال: «لكل مرة قرء» ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها، فجعل الله حدَّ الطلاق ثلاثة، وجعله أحق برجعتها ما دامت في عدتها ما لم يطلق ثلاثاً.

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن أبي رزين الأسدي قال: «قال رجل: يا رسول الله، أرأيت قول الله عز وجل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ فأين الثالثة؟

قال: التسريح بإحسان الثالثة» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أنس قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أسمع الله يقول ﴿ الطلاق مرتان ﴾ فأين الثالثة؟

قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان هي الثالثة» .

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ هل كانت العرب تعرف الطلاق ثلاثاً في الجاهلية؟

قال: نعم، كانت العرب تعرف ثلاثاً باتاً، أما سمعت الأعشى وهو يقول وقد أخذه أختانه فقالوا: لا والله لا نرفع عنك العصا حتى تطلق أهلك، فقد أضررت بها، فقال: أيا جارتا بتي، فإنك طالقة ** كذاك أمور الناس غاد وطارقة فقالوا: والله لا نرفع عنك العصا أو تثلث لها الطلاق، فقال: بيني، فإن البين خير من العصا ** وإن لا يزال فوق رأسي بارقة فقالوا: والله لا نرفع عنك العصا أو تثلث لها الطلاق، فقال: بيني حصان الفرج غير ذميمة ** وموقوفة فينا كذاك روامقة وذوقي فتى حي فإني ذائق ** فتاة أناس مثل ما أنت ذائقة وأخرج النسائي وابن ماجة وابن جرير والدارقطني والبيهقي عن ابن مسعود في قوله: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ قال: يطلقها بعدما تطهر من قبل جماع، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم يدعها تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ الطلاق مرتان ﴾ قال: «يطلق الرجل امرأته طاهراً في غير جماع، فإذا حاضت ثم طهرت، فقد تم القرء، ثم يطلق الثانية كما يطلق الأولى إن أحب أن يفعل، فإذا طلق الثانية ثم حاضت الحيضة الثانية فهاتان تطليقتان وقرآن، ثم قال الله للثالثة ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ فيطلقها في ذلك القرء كله إن شاء» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد عن أبي حبيب قال: التسريح في كتاب الله الطلاق.

وأخرج البيهقي من طريق السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وأناس من الصحابة في قوله: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ قال: وهو الميقات الذي يكون عليها فيه الرجعة، فإذا طلق واحدة أو ثنتين، فإما يمسك ويراجع بمعروف، وإما يسكت عنها حتى تنقضي عدتها فتكون أحق بنفسها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئاً.

وأخرج الشافعي وعبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر.

أنه كان إذا نكح قال: أنكحتك على ما أمر الله على إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.

وأخرج أبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الحلال إلى الله عز وجل، الطلاق» .

وأخرج البزار عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطلق النساء إلا عن ريبة، إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات» .

وأخرج عبد الرزاق عن معاذ بن جبل قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «يا معاذ، ما خلق الله شيئاً على ظهر الأرض أحب إليه من عناق، وما خلق الله على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق» .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن زيد بن وهب.

أن بطالا كان بالمدينة فطلق امرأته ألفاً، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة، وقال: إن كان ليكفيك ثلاث.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها قال: هي ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وكان إذا أتي به أوجعه.

وأخرج البيهقي من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، فيمن طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره.

وأخرج البيهقي من طريق حبيب بن أبي ثابت عن بعض أصحابه قال: جاء رجل إلى علي فقال: طلقت امرأتي ألفاً.

قال: ثلاث تحرمها عليك، واقسم سائرها بين نسائك.

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن علقمة بن قيس قال: أتى رجل إلى ابن مسعود فقال: إن رجلاً طلق امرأته البارحة مائة.

قال: قلتها مرة واحدة؟

قال: نعم.

قال: تريد أن تبين منك امرأتك؟

قال: نعم.

قال: هو كما قلت.

قال: وأتاه رجل فقال: رجل طلق امرأته البارحة عدد النجوم.

قال: قلتها مرة واحدة؟

قال: نعم.

قال: تريد أن تبين منك امرأتك؟

قال: نعم.

قال: هو كما قلت، ثم قال: قد بين الله أمر الطلاق، فمن طلق كما أمره الله فقد بين له، ومن لبس على نفسه جعلنا به لبسته، والله لا تلبسون على أنفسكم ونتحمله عنكم هو كما تقولون.

وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: المطلقة ثلاثاً قبل أن يدخل بها، بمنزلة التي قد دخل بها.

وأخرج مالك والشافعي وأبو داود والبيهقي عن محمد بن إياس بن البكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي، فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وعبدالله بن عباس عن ذلك، فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجاً غيرك.

قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة!

قال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.

وأخرج مالك والشافعي وأبو داود والبيهقي عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري.

أنه كان جالساً مع عبدالله بن الزبير، وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن أبي إياس بن البكير فقال: إن رجلاً من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟

فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول: اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فاسألهما، فذهب فسألهما قال ابن عباس لأبي هريرة: افْتِهِ يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة.

فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره.

وقال ابن عباس مثل ذلك.

وأخرج مالك والشافعي والبيهقي عن عطاء بن يسار قال: جاء رجل يسأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يمسها، فقلت: إنما طلاق البكر واحدة.

فقال لي عبد الله بن عمرو: إنما أنت قاضٍ، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره.

وأخرج الشافعي والبيهقي عن مجاهد قال: جاء رجل لابن عباس قال: طلقت امرأتي مائة.

قال: نأخذ ثلاثاً وندع سبعاً وتسعين.

وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم قال: سأل رجل المغيرة بن شعبة وأنا شاهد عن رجل طلق امرأته مائة قال: ثلاث تحرم، وسبع وتسعون فضل.

وأخرج الطبراني والبيهقي عن سويد بن عفلة قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي رضي الله عنهما، فلما قتل علي رضي الله عنه قالت: لِتَهْنَكَ الخلافة!

قال: يقتل علي وتظهرين الشماتة؟!

اذهبي فأنت طالق ثلاثاً.

قال: فتلفعت ثيابها وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها بقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب مفارق!

فلما بلغه قولها بكى، ثم قال: لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي: أنه سمع جدي يقول: أيما رجل طلق امرأته ثلاثاً عند الاقراء، أو ثلاثاً مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لراجعتها.

وأخرج الشافعي وأبو داود والحاكم والبيهقي عن ركانة بن عبد يزيد.

أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقال: والله ما أردت إلا واحدة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ما أردت إلا واحدة؟

فقال: ركانة والله ما أردت إلا واحدة.

فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان» .

وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي من طريق عبد الله بن علي بن زيد بن ركانة عن أبيه عن جده ركانة «أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أردت بها؟

قال: واحدة.

قال: والله ما أردت بها إلا واحدة؟

قال: والله ما أردت بها إلا واحدة.

قال: هو ما أردت، فردها عليه» .

وأخرج عبد الرزاق ومسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو امضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.

وأخرج الشافعي وعبد الرزاق ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي عن طاوس.

أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وثلاثاً من امارة عمر؟

قال ابن عباس: نعم.

وأخرج أبو داود والبيهقي عن طاوس.

أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرا من امارة عمر؟

قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرا من امارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم.

وأخرج عبد الرزاق وأبو داود والبيهقي عن ابن عباس قال: «طلق عبد يزيد أبو ركانة أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه.

فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون فلاناً يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلاناً منه كذا وكذا؟

قالوا: نعم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد: طلقها.

ففعل.

قال: راجع امرأتك أم ركانة.

فقال: إني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله!

قال: قد علمت، ارجعها وتلا ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ [ الطلاق: 1] » .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: «طلق ركانة امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟

قال: طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد.

قال: نعم، فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت، فراجعها، فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر، فتلك السنة التي كان عليها الناس والتي أمر الله بها ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ » .

وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: إذا قال أنت طالق ثلاثاً بفم واحدة، فهي واحدة.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن أبي مليكة.

أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: أتعلم أن ثلاثاً كن يرددن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى واحدة؟

قال: نعم.

وأخرج البيهقي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلاق التي لم يدخل بها واحدة» .

وأخرج ابن عدي والبيهقي عن الأعمش قال: بان بالكوفة شيخ يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فإنه يرد إلى واحدة، والناس عنقاً واحداً إذ ذاك يأتونه ويسمعون منه.

قال: فأتيته فقرعت عليه الباب، فخرج إلي شيخ فقلت له: كيف سمعت علي بن أبي طالب يقول فيمن طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد؟

قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فإنه يرد إلى واحدة.

قال: فقلت له: أنى سمعت هذا من علي؟

قال: أخرج إليك كتاباً، فأخرج، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، قلت: ويحك هذا غير الذي تقول!

قال: الصحيح هو هذا، ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك.

وأخرج البيهقي عن مسلمة بن جعفر الأحمس قال: قلت لجعفر بن محمد: يزعمون أن من طلق ثلاثاً بجهالة رد إلى السنة يجعلونه واحدة يروونها عنكم.

قال: معاذ الله!

ما هذا من قولنا، من طلق ثلاثاً فهو كما قال.

وأخرج البيهقي عن بسام الصيرفي قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من طلق امرأته ثلاثاً بجهالة أو علم فقد برئت منه.

وأخرج ابن ماجة عن الشعبي قال: قلت لفاطمة بنت قيس: حدثيني عن طلاقك، قالت: طلقني زوجي ثلاثاً وهو خارج إلى اليمن، فأجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما قوله تعالى: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ الآية.

أخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الرجل يأكل من مال امرأته نحلته الذي نحلها وغيره لا يرى أن عليه جناحاً، فأنزل الله: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ فلم يصلح لهم بعد هذه الآية أخذ شيء من أموالهن إلا بحقها، ثم قال: ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله...

﴾ وقال: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ [ النساء: 4] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ قال: إلا أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها فتدعوك إلى أن تفتدي منك، فلا جناح عليك فيما افتدت به.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: «نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس، وفي حبيبة، وكانت اشتكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» تردين عليه حديقته؟

«قالت: نعم.

فدعاه فذكر له ذلك فقال: ويطيب لي ذلك؟

قال: نعم، قال ثابت: قد فعلت.

فنزلت ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله...

﴾ الآية» .

وأخرج مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي من طريق عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن حبيبة بنت سهل الأنصاري «أنها كانت تحت ثابت بن قيس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجدها عند بابه في الغلس، فقال: من هذه؟فقالت: أنا حبيبة بنت سهل.

فقال: ما شأنك؟!

قالت: لا أنا ولا ثابت، فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر.

فقالت حبيبة: يا رسول الله!

كل ما أعطاني عندي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ منها.

فأخذ منها وجلست في أهلها» .

وأخرج عبد الرزاق وأبو داود وابن جرير والبيهقي من طريق عمرة عن عائشة «أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر يدها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتاً فقال: خذ بعض مالها وفارقها.

قال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟

قال: نعم.

قال: فإني أصدقتها حديقتين فهما بيدها.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذهما وفارقها.

ففعل ثم تزوجها أبي بن كعب، فخرج بها إلى الشام فتوفيت هناك» .

وأخرج البخاري والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس أن جميلة بنت عبد الله بن سلول امرأة ثابت بن قيس قالت: ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني لا أطيقه بغضاً، وأكره الكفر في الإِسلام.

قال: أتردين عليه حديقته؟

قالت: نعم.

قال: اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة.

ولفظ ابن ماجة: فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة «أنه سئل هل كان للخلع أصل؟

قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإِسلام في أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا يجمع رأسي شيء أبداً، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سواداً، واقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً.

قال زوجها: يا رسول الله إني أعطيتها أفضل مالي: حديقة لي، فإن ردت علي حديقتي؟

قال: ما تقولين؟

قالت: نعم، وإن شاء زدته.

قال: ففرق بينهما» .

وأخرج أحمد عن سهل بن أبي حثمة قال «كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، فكرهته وكان رجلاً دميماً، فجاءت فقالت: يا رسول الله إني لا أراه، فلولا مخافة الله لبزقت في وجهه.

فقال لها: أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟

قالت: نعم.

فردت عليه حديقته وفرق بينهما، فكان ذلك أول خلع كان في الإِسلام» .

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن رباح عن جميلة بنت أبي بن سلول «أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا جميلة ما كرهت من ثابت؟

قالت: والله ما كرهت منه ديناً ولا خلقاً إلا أني كرهت دمامته.

فقال لها: أتردين الحديقة؟

قالت: نعم.

فردت الحديقة وفرق بينهما» .

وأخرج ابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال «كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شمس فكرهته، وكان رجلاً دميماً فقالت: يا رسول الله، والله لولا مخافة الله إذا دخل علي بسقت في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟

قالت: نعم.

فردت عليه حديقته، ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس «أن جميلة بنت أبي بن سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم تريد الخلع، فقال لها: ما أصدقك؟

قالت: حديقة.

قال: فردي عليه حديقته» .

وأخرج البيهقي عن عطاء قال «أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أبغض زوجي وأحب فراقه، فقال: أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟- وكان أصدقها حديقة- قالت: نعم.

وزيادة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: اما زيادة من مالك فلا، ولكن الحديقة؟

قالت: نعم.

فقضى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل، فأخبر بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرجه من وجه آخر عن عطاء عن ابن عباس موصولاً، وقال: المرسل هو الصحيح.

وأخرج البيهقي عن ابن الزبير «أن ثابت بن قيس شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وكان أصدقها حديقة فكرهته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟

قالت: نعم، وزيادة.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الزيادة فلا ولكن حديقته؟

قالت: نعم.

فأخذها له وخلى سبيلها، فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج البيهقي عن أبي سعيد قال: «أرادت أختي أن تختلع من زوجها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجها، فذكرت له ذلك، فقال لها: أتردين عليه حديقته ويطلقك؟

قالت: نعم، وأزيده.

فخلعها فردت عليه حديقته وزادته» .

وأخرج البزار عن أنس قال: «جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت كلاماً كأنها كرهته، فقال: أتردين عليه حديقته؟

قالت: نعم.

فأرسل إلى ثابت: خذ منها ذلك وطلقها» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ قال: هذا لهما ﴿ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ﴾ قال: هذا لولاة الأمر ﴿ فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ قال: إذا كان النشوز والظلم من قبل المرأة فقد أحل الله له منها الفدية ولا يجوز خلع إلا عند سلطان، فإما إذا كانت راضية مغتبطة بجناحه مطيعة لأمره فلا يحل له أن يأخذ مما آتاها شيئاً.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: إذا جاء الظلم من قبل المرأة حل له الفدية، وإذا جاء من قبل الرجل لم يحل له منها شيء.

وأخرج عبد بن حميد عن عروة قال: لا يصلح الخلع إلا أن يكون الفساد من قبل المرأة.

وأخرج عبد بن حميد عن الليث قال: قرأ مجاهد في البقرة ﴿ إلا أن يخافا ﴾ برفع الياء.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبد الله ﴿ إلا أن يخافوا ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ميمون بن مهران قال: في حرف أبي بن كعب أن الفداء تطليقة فيه إلا أن يظنا أن لا يقيما حدود الله، فإن ظنا أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخلع تطليقة بائنة» .

وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي عن أم بكر الأسلمية.

أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد، ثم أتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال: هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئاً فهو ما سميت.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والبيهقي عن طاوس.

أن إبراهيم بن سعيد بن أبي وقاص سأل ابن عباس عن امرأة طلقها زوجها طلقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها؟

قال ابن عباس: نعم، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها والخلع بين ذلك، فليس الخلع بطلاق ينكحها.

وأخرج عبد الرزاق عن طاوس قال: لولا أنه علم لا يحل لي كتمانه ما حدثته أحداً، كان ابن عباس لا يرى الفداء طلاقاً حتى يطلق، ثم يقول: ألا ترى أنه ذكر الطلاق من قبله ثم ذكر الفداء فلم يجعله طلاقاً، ثم قال في الثانية ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ [ البقرة: 230] ولم يجعل الفداء بينهما طلاقاً.

وأخرج الشافعي عن ابن عباس.

في رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه يتزوجها إن شاء، لأن الله يقول ﴿ الطلاق مرتان ﴾ قرأ إلى أن يتراجعا.

وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن عكرمة أحسبه عن ابن عباس قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق، يعني الخلع.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن عطاء «أن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها» .

وأخرج عبد بن حميد عن حميد الطويل قال: قلت لرجاء بن حيوة.

إن الحسن يكره أن يأخذ من المرأة فوق ما أعطاها في الخلع.

فقال: قال قبيصة بن ذؤيب: اقرأ الآية التي تليها ﴿ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن كثير مولى سمرة.

أن امرأة نشزت من زوجها في امارة عمر، فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، فمكثت ثلاثة أيام ثم أخرجها فقال: كيف رأيت؟

قالت: ما وجدت الراحة إلا في هذه الأيام.

فقال عمر: اخلعها ولو من قرطها.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن عبد الله بن رباح، أن عمر بن الخطاب قال في المختلعة: تختلع بما دون عقاص رأسها.

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن شهاب الخولاني.

أن امرأة طلقها زوجها على ألف درهم، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: باعك زوجك طلاقاً بيعاً وأجازه عمر.

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، فكانت مني زلة يوماً، فقلت له: اختلع منك بكل شيء أملكه.

قال نعم.

ففعلت فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخلع وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه.

وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والبيهقي عن نافع.

أن مولاة صفية بنت عبيد امرأة عبد الله بن عمر اختلعت من زوجها بكل شيء لها، فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر.

وأخرج مالك والبيهقي عن نافع، أن ربيع بنت معوذ جاءت هي وعمها إلى عبد الله بن عمر، فاخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان بن عفان، فبلغ ذلك عثمان بن عفان فلم ينكره، فقال عبد الله بن عمر: عدتها عدة المطلقة.

وأخرج البيهقي عن عروة بن الزبير.

أن رجلاً خلع امرأته في ولاية عثمان بن عفان عند غير سلطان، فأجازه عثمان.

وأخرج مالك عن سعيد بن المسيب وابن شهاب وسليمان بن يسار، أنهم كانوا يقولون: عدة المختلعة ثلاثة قروء.

وأخرج عبد الرزاق عن علي بن أبي طالب قال: عدة المختلعة مثل عدة المطلقة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن نافع.

أن الربيع اختلعت من زوجها، فأتى عمها عثمان فقال: تعتد حيضة.

قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا.

وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأبو داود عن ابن عمر قال: عدة المختلعة حيضة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: عدة المختلعة حيضة.

وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عباس «أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة» .

وأخرج الترمذي عن الربيع بنت معوذ بن عفراء «أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة» .

وأخرج النسائي وابن ماجة عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: قلت للربيع بنت معوذ بن عفراء: حدثيني حديثك قالت: اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان، فسألت ماذا علي من العدة؟

فقال: لا عدة عليك إلاَّ أن يكون حديث عهد بك فتمكثين حتى تحيضي حيضة.

قالت: إنما اتبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه.

وأخرج النسائي عن ربيع بنت معوذ بن عفراء «أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى ثابت فقال له: خذ الذي لها عليك وخل سبيلها.

قال: نعم.

فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة فتلحق بأهلها» .

وأخرج الشافعي والبيهقي عن ابن عباس وابن الزبير أنهما قالا: في المختلعة يطلقها زوجها قالا: لا يلزمها طلاق لأنه طلق ما لا يملك.

وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: إذا أراد النساء الخلع فلا تكفروهن.

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة،» وقال: «المختلعات هنَّ المنافقات» .

وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة، وأن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً» .

وأخرج أحمد والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المختلعات والمنتزعات هن المنافقات» .

وأخرج ابن جرير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات» .

وأما قوله تعالى: ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴾ .

أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال: «أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟

حتى قام رجل وقال: يا رسول الله ألا اقتله؟» وأخرج البيهقي عن رافع بن سحبان أن رجلاً أتى عمران بن حصين فقال: رجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس؟

قال: أثم بربه وحرمت عليه امرأته.

فانطلق الرجل فذكر ذلك لأبي موسى يريد بذلك عيبه فقال: ألا ترى أن عمران بن حصين قال: كذا وكذا؟

فقال أبو موسى: الله أكبر، فتيا مثل أبي نجيد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ قال أهل التفسير: أتت امرأةٌ عائشة، فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها، يضارُّها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة، فذكرت ذلك عائشة (١)  ، فنزلت: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ (٢) فحُصِرَ الطلاق، وجعل حدّه ثلاثة، فذكر في هذه الآية طلقتين، وذكر الثالثة في الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ ﴾ الآية (٣) والمرة من المرور والمرِّ أيضًا، يقال: المَرّةُ الأُولى، والمَرُّ (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكُ ﴾ الإِمْسَاكُ: خلاف الطلاق، والَمِسَاك والمَسَكَة اسمان منه، يقال: أنه لذو مَسَكَةٍ ومَسَاكَةٍ إذا كان بخيلا.

قال الفراء: يقال: إنه ليسيء (٦) (٧) (٨) (٩) وهو مرتفع بمحذوف يتقدمه، أي: فالواجب إذا راجعها بعد الطلقتين إمساك بمعروف، أو فعليه إمساك بمعروف (١٠) ومعنى (بمعروف) أي: ما يعرف من إقامة الحق (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ معنى التسريح في اللغة: الإِرسَال، وتَسْريحُ الشَّعْر، تخليصُك بعضَه من بعض، وسَرَحَ الماشيةَ سَرْحًا: إذا أرسلها ترعى، وناقة سُرُحٌ: سهلة السير لانطلاقها فيه (١٣) ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ فقال عطاء والسُدّي (١٤) (١٥) (١٦) وقيل: قوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ أراد به: الطلقة الثالثة، روي ذلك عن النبي  ، أن رجلًا قال له: أسمعُ الله يقول: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ فأين الثالثة؟

قال: قوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ ﴾ هو الثالثة (١٧) وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ إلى قوله: ﴿ بِإِحْسَانٍ ﴾ ظاهره يقتضي أنه خبر، وتأويله في الباطن شرط وجزاء، على نظم: من طلق امرأته مرتين فليمسك بعدهما بمعروف، أو ليسرحها بإحسان، ومثله مما جاء على لفظ الخبر ومعناه الشرط: قوله: ﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)  ﴾ معناه: إن كشفت آمنَّا، وقال في الجواب: ﴿ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ  ﴾ ظاهره خبر وتأويله: إن كشفنا تعودوا (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ لا يجوز للزوج أن يأخذ من امرأته شيئًا مما أعطاها من المهر وما نحلها وتفضل عليها ليطلقها؛ لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها، فلا بجوز أن يأخذ منها شيئًا إلا في الخلع (١٩) وهو قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبيّ (٢٠) (٢١) (٢٢)  وقالت: فرق بيني وبينه، فإني أبغضه، فقال ثابت: يا رسول الله مرها فلترد عليَّ الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: "ما تقولين"؟

قالت: نعم وأزيده، قال: "لا، حديقته فقط".

وقال لثابت: "خذ منها ما أعطَيتَها، وخَلِّ سَبِيلَها"، ففعل، فكان أول خلع في الإسلام (٢٣) ومعنى قوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا ﴾ أي: يَعْلَما، وإنما كان الخوف بمعنى العِلْم؛ لأن الخَوفَ مُضَارعٌ للظَّنِّ، وحكى الفراء: أن (٢٤) (٢٥) أتاني (٢٦) (٢٧) (٢٨) أراد: وما ظَنَنْتُ، والظَّنُّ بمعنى العِلْم صحيح، كذلك الخوف.

وحكى الزجاج عن أبي عبيدة، قال: ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا ﴾ إلا أن يوقنا (٢٩) (٣٠) ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بغضًا له، وخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي (٣١) (٣٢) (٣٣) ويكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، فإن أخذ أكثر من ذلك صح الخلع ولم ينقض (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) ومذهب علي (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) وقرأ حمزة ﴿ يُخَافَا ﴾ بضم اليَاءِ (٥٢) (٥٣) لو خَافَكَ اللهُ عَليه حَرَّمَهُ (٥٤) فحرف الجر في موضع المفعول الثاني.

وحمزة بنى الفعل للمفعول به وهو الزوجان، وقدر الجار ليتعدى إلى (٥٥) ﴿ أَن يُقِيمَا ﴾ ، فلابد من تقدير الجار في قراءة من (٥٦) ﴿ أن يقيما ﴾ على هذه القراءة في محل الجر بالجار المقدر، على مذهب الخليل والكسائي، وفي محل النصب، على قول غيرهما، لأنه لما حذف الجار وصل الفعل إلى المفعول الثاني، مثل: أستغفر الله ذنبًا [[تقدم تخريج البيت [البقرة: 115].]] ........

وأمرتك الخيرَ [[تقدم تخريج البيت [البقرة: 83].]] .........

وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿ أَنْ تَبَرُّوا  ﴾ ، وعلى قراءة العامة يكون في محل النصب لا غير؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقدير الجار، وعاب الفراء قراءةَ حمزة، فقال: أراد أن يعتبر قراءة عبد الله (إلا أن يخافوا) فلم يصبه؛ لأن الخوف في قراءة عبد الله واقع على أن، وفي قراءة حمزة على الرجل والمرأة (٥٧)  : لا تَحمِلْ فِعْلَ أخيك على القبيح ما وجدت له في الحَسَن مذهبًا (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ كان من حق النظم أن يكون فإن خافا (يعنى الزوجين، ليشاكل قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا ﴾ ، وفي قراءة حمزة (فإن خِيْفَا) ليشاكلَ قراءته (يُخَافا)، إلا أنه لا يلزم هذا، لأمرين: أحدهما: أن يكون انصرف من الغيبة إلى الخطاب كما قال: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ﴾ ثم قال: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)  ﴾ ونظائره كثيرة.

وخاطب في هذه الآية الجماعة بعد ما أخبر عن اثنين؛ لأنّ ضمير الاثنين في ﴿ يَخَافَاَ ﴾ ليس يراد به اثنان مخصوصان، إنما يراد به أن كل من هذا شأنه فهذا حكمه.

والآخرُ: أن قولَه: (فإن خفتم) خطابٌ (٥٩) ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ ﴾ ثم رجع إلى الزوجين فقال: ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا ﴾ ، ثم رجع إلى المخاطبين بالجمع بينهم وبين الزوجين (٦٠) ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا ﴾ (٦١) ومثل هذا النظم قد جاء في الشعر، قال: أبا واصلٍ (٦٢) (٦٣) نادى مفردًا ثم جمع بقوله: فاكسوهما، ثم ثنى (٦٤) ومعنى ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا ﴾ أي: عَلِمْتُم وغَلَب على ظنكم، (أن لا يقيما حدود الله) في حسن العشرة وجميل الصحبة ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ المرأةُ نفسَها من الزوج.

وإنما قال: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ والمقصودُ رفعُ الحرجِ عن الزوجِ في استرجاع المَهْرِ عند الخُلْع، لأنه لو خصَّ الرجلَ بالذكر لأوهم ذلك أنها عاصية بالنشوز والافتداء بالمال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، فأدخلت في الذِّكْر ليزول هذا الوهم، وفيه وجوه سوى هذا ذكرناها في قوله: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ الآية.

يريد: ما حده الله من شرائع الدين (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ﴾ إلى آخر الآية، قال عطاء: يريد: من يأخذ من أمرأته شيئًا وليست تريد أن تختلع منه، ويضارها ليأخذ منها شيئًا.

(١) في (ش): (عائشة ذلك).

(٢) رواه الترمذي (1192) كتاب: الطلاق، باب: 16، والحاكم 2/ 307، وصححه البيهقي 7/ 333، والواحدي في "أسباب النزول" 81 عن عائشة بنحوه، ورواه مالك في "الموطأ" في الطلاق، باب جامع الطلاق 2/ 588، وعنه الشافعي في "الأم" 5/ 258، والطبري 2/ 456، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 418 عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا، والمرسل أصح كما قال الترمذي 3/ 497، والبيهقي 7/ 333، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود برقم 2195، والنسائي 6/ 212.

(٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1083.

(٤) في (م) و (ش): (المرة).

(٥) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1084.

(٦) في (ش): (لشيء).

(٧) في (ي) و (ش): (لمسك).

(٨) في (ي) (الماسكة).

(٩) ينظر في مسك: "تهذيب اللغة" 4/ 3397، "المفردات" ص 471، "اللسان" 4202 - 4205.

(١٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 307، و"المحرر الوجيز" 2/ 277.

(١١) في (ي) (الحد).

(١٢) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 277.

(١٣) ينظر في سرح: "تهذيب اللغة" 1665 - 1668.

وذكر الراغب أن التسريح في الطلاق مستعار من تسريح الإبل، كالطلاق في كونه مستعارًا من إطلاق الإبل.

(١٤) رواه عنه الطبري 2/ 460 بمعناه، وذكره في "الدر المنثور" 1/ 495 - 496.

(١٥) رواه عنه الطبري 2/ 460.

(١٦) في (ي) و (ش) (شأنها).

(١٧) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 337، وأبو داود في "المراسيل" ص 189، وسعيد بن منصور 1/ 384، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 259، والطبري في "تفسيره" 2/ 458، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 419، والبيهقي 7/ 340 عن أبي رزين، وهذا مرسل؛ لأن أبا رزين تابعي، ورواه الدارقطني في "السنن" 4/ 4، والبيهقي 7/ 340 عن أنس، قال البيهقي: وروي عن قتادة عن أنس وليس بشيء؛ وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى 3/ 195: قد أسند هذا عن إسماعيل بن سميع عن أنس، وعن قتادة عن أنس، والمرسل أصح.

وقال ابن القطان كما في بيان الوهم والإيهام 2/ 316: وعندي أن هذين الحديثين صحيحان.

(١٨) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 195.

(١٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1085 - 1086.

(٢٠) جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجية، وقد وقع الخلاف هل المختلعة بنت عبد الله المنافق أو أخته؟

واسمها جميلة أيضا، فذهب ابن سعد وابن منده إلى أن المختلعة هي جميلة بنت عبد الله، وذهب أبو نعيم وابن عبد البر إلى أنهما واحدة، وأن المختلعة هي جميلة بنت أبي، وصوب الحافظ ابن حجر أنهما اثنتان، وأن ثابتا تزوج أخت عبد الله فاختلعت منه، ثم تزوج الثانية ففارقها.

ينظر "الطبقات الكبرى" 8/ 382، "فتح الباري" 6/ 398.

(٢١) في (ش) (سماس).

(٢٢) ثابت بن قيس بن شماس بن زهير الخزرجي الأنصاري، خطيب الأنصار، شهد أحدا وما بعدها، وبشره النبي  بالجنة في قصة معروفة، رواها البخاري (3613) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة، قتل يوم اليمامة شهيدا بعد أن أبلى بلاء حسنا.

ينظر "سنن الترمذي" 5/ 667، و"الاستيعاب" 1/ 276.

(٢٣) القصة رواها البخاري (5273) كتاب: الطلاق، باب: الخلع وكيف الطلاق فيه، والنسائي 6/ 169 كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، وأبو داود (2229) كتاب: الطلاق، باب: في الخلع، والترمذي (1185) كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، والطبري في "تفسيره" 2/ 461، "تفسير الثعلبي" 2/ 1086، ولفظ الواحدي مختصر منه، وقد روى أبو داود والنسائي في الموضعين السابقين == وغيرهما: أن المختلعة هي حبيبة بنت سهل، قال الحافظ في "الفتح" 6/ 399: والذي يظهر أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين؛ لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين.

(٢٤) في (م) (ساقطة).

(٢٥) ساقطة من (ي).

(٢٦) في (ي) (وأتاني).

(٢٧) البيت لأبي الغول علياء بن جوشن من بني قطن، ينظر "الشعر والشعراء" ص 278، "والنوادر في اللغة" لأبي زيد ص 46، وذكره الفراء والطبري دون نسبة 5/ 61.

(٢٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 146.

(٢٩) "مجاز القرآن" 1/ 74، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 307 - 308، وقال النحاس 1/ 315: وقول من قال: يخافا، بمعنى يوقنا، لا يعرف.

ولكن يقع النشوز فيقع الخوف من الزيادة.

(٣٠) ينظر في بيان أن الخوف يكون بمعنى الظن والعلم: "مشكل القرآن" لابن قتببة ص191، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308، "الحجة" 2/ 328، "تفسير الثعلبي" == 2/ 1090، "البحر المحيط" 1/ 197، وقال: والأولى بقاء الخوف على بابه، وهو أن يراد به الحذر من الشيء فيكون المعنى: إلا أن يعلم أو يظن أو يوقن أو يحذر كل واحد منهما بنفسه أن لا يقيم حقوق الزوجية لصاحبه حسبما يجب فيجوز الأخذ.

(٣١) في (ش): (يتعدى).

(٣٢) ساقطة من (أ) و (م).

(٣٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1092.

(٣٤) في (ي): (ينقص).

(٣٥) ينظر: "الموطأ" 2/ 565، و"الأم" 5/ 211، و"الإشراف" 3/ 213، و"الكافي" لابن عبد البر 2/ 593، "فتح الباري" 9/ 397.

(٣٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 471.

(٣٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 471، وعزاه في "الدر" 1/ 674 إلى مالك والشافعي وعبد بن حميد والبيهقي عن نافع.

(٣٨) هو: رجاء بن حيوة الكندي، أبو المقدام، ويقال: أبو نصر الفلسطيني، ثقة فقيه، شيخ أهل الشام في عصره، من الوعاظ الفصحاء العلماء، لازم عمر بن عبد العزيز، توفي سنة 112هـ.

ينظر: "تقريب التهذيب" ص208 (1920)، "الأعلام" 3/ 17.

(٣٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 471، وعزاه في "الدر" بمعناه 1/ 674 إلى عبد ابن حميد عن حميد الطويل.

(٤٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 469.

(٤١) في (ش): (الحسين).

(٤٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 470.

(٤٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 469، وعزاه في " الدر" 1/ 673 إلى عبد بن حميد والبيهقي.

(٤٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 470.

(٤٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 469.

(٤٦) ساقطة من (ش).

(٤٧) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 485 - 487، وسعيد بن منصور 1/ 384، وقال الإمام أحمد كما في "الإشراف" 3/ 214: ليس في الباب أصح من حديث ابن عباس.

(٤٨) ينظر: "مختصر المزني" 8/ 290، "تفسير الثعلبي" 2/ 1095، و"تكملة المجموع شرح المهذب" 17/ 14.

(٤٩) من قوله: بلا طلاق ..

ساقطة من (ي).

(٥٠) في (ش): (يقوي).

(٥١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 483، وسعيد بن منصور 1/ 482، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 109 من طريق جهمان عن عثمان.

وروى النسائي 6/ 186، كتاب: الطلاق، باب: عدة المختلعة، وابن ماجه (2058) كتاب: == الطلاق، باب: عدة المختلعة، عن الربيع بنت معوذ، قالت: اختلعت من زوجي فجئت عثمان فقال: تمكثي حتى تحيضي حيضة، وهذا يدل على أن عثمان يرى أن الخلع فسخ وليس بطلاق كما رجحه الخطابي في "معالم السنن" 2/ 256، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كما في "زاد المعاد" 5/ 198، ضعفوا الرواية الأولى عنه.

(٥٢) وقرأ الباقون (يُخافا) بفتح الياء.

ينظر "السبعة" 183، "الحجة" 2/ 328.

(٥٣) في (ي) و (ش) (و).

(٥٤) من رجز نسبه في "اللسان"، مادة: روح، لسالم بن دارة، وقبله: يا أسدي لم أكلته لِمَه.

وذكره في "الحجة" 2/ 229، وفي "الإنصاف" 257، والعيني 4/ 555، والأشموني 4/ 117.

(٥٥) ساقطة من (ي).

(٥٦) ساقطة من (ي).

(٥٧) ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 146.

(٥٨) ما تقدم كله ملخص من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 328 - 333.

(٥٩) ساقطة من (ي).

(٦٠) من قوله: فقال ..

ساقطة من (ش).

(٦١) من "الحجة" 2/ 331 - 332 بتصرف.

(٦٢) في (أ): (واصلى).

(٦٣) البيت لم أهتد لقائله ولا من ذكره.

(٦٤) في (أ) و (م): (كنى).

(٦٥) ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 147، "تفسير الطبري" 2/ 466 - 465، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 315، "تفسير الثعلبي" 2/ 1093 - 1094.

(٦٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308، "تفسير الثعلبي" 2/ 1096.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الطلاق مَرَّتَانِ ﴾ بيان لعدد الطلاق الذي يرتجع منه دون زوج آخر، وقيل: بيان لعدد الطلاق الذي يجوز إيقاعه، وهو طلاق السنة ﴿ فَإِمْسَاكٌ ﴾ ارتجاع، وهو مرفوع بالابتداء أو بالخبر ﴿ بِمَعْرُوفٍ ﴾ حسن المعاشرة وتوفية الحقوق ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ ﴾ هو تركها حتى تنقضي العدة فتبين منه ﴿ بإحسان ﴾ المتعة، وقيل: التسريح هنا الطلقة الثالثة بعد الاثنتين، وروي في ذلك حديث ضعيف وهو بعيد؛ لأن قوله تعالى بعد ذلك ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ هو الطلقة الثالثة، وعلى ذلك يكون تكراراً، والطلقة الرابعة لا معنى لها ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ ﴾ الآية: نزلت بسبب ثابت بن قيس: اشتكت منه امرأته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: أتردّين عليه حديقته، قالت: نعم فدعاه فطلقها على ذلك.

وحكمها على العموم.

وهو خطاب للأزواج في حكم الفدية، وهي الخلع، وظاهرها أنه: لا يجوز الخلع إلاّ إذا خاف الزوجان ﴿ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ وذلك إذا ساء ما بينهما وقبحت معاشرتهما.

ثم إن المخالعة على أربعة أحوال: الأول: أن تكون من غير ضرر من الزود ولا من الزوجة: فأجازه مالك وغيره لقوله تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ ﴾ الآية [النساء: 4] ومنعها قوم لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ ، والثاني: أن يكون الضرر منهما جميعاً فمنعه مالك في المشهور لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ [النساء: 19] وأجازه الشافعي لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ الثالث: أن يكون الضرر من الزوجة خاصة، فأجازه الجمهور لظاهر هذه الآية، والرابع: أن يكون الضرر من الزوج خاصة: فمنعه الجمهور لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ الآية [النساء: 20] وأجازه أبو حنيفة مطلقاً، وقوله في ذلك مخالف للكتاب والسنة ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ خطاب للحكام والمتوسطين في هذا الأمر ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ هذه هي الطقلة الثالثة بعد الطلقتين المذكورتين في قوله: الطلاق مرتان ﴿ حتى تَنْكِحَ ﴾ أجمعت الأئمة على أن النكاح هنا هو العقد مع الدخول والوطء، لقوله صلى الله عليه وسلم للمطلقة ثلاثاً حين أرادت الرجوع إلى مطلقها قبل أن يمسها الزوج الآخر: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد يحلها دون وطء، وهو قول مرفوض لمخالفته للحديث، وخرقه للإجماع، وإنما تحل عند مالك إذا كان النكاح صحيحاً لا شبهة فيه، والوطء مباحاً في غيرحيض ولا إحرام ولا اعتكاف ولا صيام، خلافاً لابن الماجشون في الوطء غير المباح، وأما نكاح المحلل فحرام، ولا يحل الزوجة لزوجها عند مالك، خلافاً لأبي حنيفة والمعتبر في ذلك نية المحلل لا نية المرأة، ولا المحلل له، وقال قوم: من نوى التحليل منهم أفسد ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ يعني هذا الزوج الثاني ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ ﴾ أي على الزوجة والزوج الأول ﴿ أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ أي أوامره فيما يجب من حقوق الزوجة ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ﴾ الآية خطاب للأزواج، وهي نهي عن أن يطول الرجل العدة على المرأة مضارة منه لها، بل يرتجع قرب انقضاء العدّة، وليس المراد انقضاؤها، لأنه ليس بيده إمساك حينئذٍ، ومعنى ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ في هذا الموضع: قاربن انقضاء العدّة، وليس المراد انقضاؤها، لأنه ليس بيده إمساك حينئذٍ، ومعنى ﴿ أَمْسِكُوهُنَّ ﴾ راجعوهنّ ﴿ بِمَعْرُوفٍ ﴾ هنا قبل: هو الإشهاد وقيل: النفقة ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ أي لا تمنعوهن ﴿ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ أي: يراجعن الأزواج الذين طلقوهن، قال السهيلي: نزلت في معقل بن يسار كان له أخت، فطلقها زوجها ثم أراد مراجعتها وأرادت هي مراجعته، فمنعها أخوها، وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله وذلك؛ أنّ رجلاً طلق أخته وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد مراجعتها فمنعها جابر وقال: تركتها وأنت أملك بها، لا زَوَّجْتُكها أبداً، فنزلت الآية، والمعروف هنا: العدل، وقيل: الإشهاد، وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في نكاح وليه؛ خلافاً لأبي حنيفة ﴿ ذلك يُوعَظُ بِهِ ﴾ خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل واحد على حدته، ولذلك وحد ضمير الخطاب ﴿ ذلكم أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ خطاباً للمؤمنين والإشارة إلى ترك العضل، ومعنى أزكى أطيب للنفس، ومعنى أطهر: أي للدين والعرض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن يخافا ﴾ بضم الياء: يزيد وحمزة ويعقوب الباقون بفتح الياء ﴿ نبينها ﴾ بالنون المفضل.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يفعل ذلك ﴾ مدغماً حيث كان: أبو الحرث عن علي ﴿ فقد ظلم ﴾ مظهراً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ قروء ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ إصلاحاً ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا تمام المقصود في تفضيل الرجال ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ مرتان ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ بإحسان ﴾ ط ﴿ حدود الله ﴾ الأول ط ﴿ افتدت به ﴾ ط ﴿ تعتدوها ﴾ ج ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ص لأن الطلاق للزوج الثاني على خطر الوجود لا منتظر معهود فكان خارجاً من مقتضى الجملة الأولى ﴿ أن يقيما حدود الله ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ ص لطول الكلام ﴿ لتعتدوا ﴾ ج ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ هزوا ﴾ ص لطول ما بعده ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه.

التفسير: الحكم الحادي عشر: الطلاق.

ويشتمل على أحكام أولها: وجوب العدة.

واعلم أن المطلقة وهي التي أوقع الطلاق عليها إما أن تكون أجنبية ولا يقع الطلاق عليها في عرف الشرع بالإجماع وإما أن تكون منكوحة وحينئذ إما أن لا تكون مدخولاً بها ولا عدة عليه لقوله  ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها  ﴾ وإما أن تكون مدخولاً بها وحينئذ إن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل قال  : ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  ﴾ وإن كانت حائلاً فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط أو الكبر المفرط فعدتها بالأشهر لا بالأقراء لقوله  ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن  ﴾ وإن كان المحيض في حقها ممكناً فإن كانت رقيقة فعدتها قرآن، وإن كانت حرة فعدتها ثلاثة أقراء لهذه الآية، فظهر أن قوله ﴿ والمطلقات ﴾ لا يتناول إلا المنكوحة الحرة المدخول بها كالحائل من ذوات الحيض.

لا يقال: العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي أكثر من حيث إنه جرت العادة بإطلاقلفظ الكل على الغالب لا المغلوب.

فيقال: الثوب أسود إذا كان الغالب عليه السواد لا البياض.

وههنا الباقي قسم واحد من الأقسام الخمسة فكيف يحسن إطلاق لفظ العام عليه؟

لأنا نقول: أما الأجنبية فتخرج بعرف الشرع كما مر، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، وكذا الحامل والآيسة لأن إيجاب الاعتداء بالأقراء إنما يكون حيث يحصل الأقراء ولا أقراء في حقهما.

وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن اللفظ باقٍ على تناوله الأغلب.

وإنما لم يقل وليتربصن المطلقات بل أخرج الأمر في صورة الخبر إشعاراً بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن فهو يخبر عن موجود.

وبناء الكلام على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد وتقوّ.

ولو قيل: "وليتربصن المطلقات" لم يكن بتلك الوكادة وفي ذكر الأنفس دون أن يقال "يتربصن ثلاثة قروء" تهييج لهن على التربص لأن فيه ما يستنكفن منه، فإن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، نوازع إليهم، فأمرن أن يقبضن أنفسهن.

والقروء جمع قرء بفتح القاف أو ضمها، والراء ساكنة في الحالين.

وفي الصحاح بفتح القاف فقط.

ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض، والمشهور أنه حقيقة فيهما.

وقيل: حقيقة في الحيض مجاز في الطهر.

وقيل بالعكس.

وقيل: إنه موضوع لمعنى واحد مشترك بينهما إما لأن القرء هو الاجتماع ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي، وإما لأنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة وهو قول أبي عبيد، وإما لأن القرء هو الوقت.

وقيل: "هذا قارئ الرياح" لوقت هبوبها.

ولا يخفى أن لكل من الطهر والحيض وقتاً معيناً وهذا قول أبي عمرو بن العلاء.

ثم إن الله  أمر المطلقة بثلاثة أشياء تسمى أقراء، لكن العلماء أجمعوا على أن الثلاثة يجب أن تكون من أحد الجنسين.

ثم اختلفوا فذهب الشافعي إلى أنها الأطهار، ويروى ذلك عن ابن عمر وزيد وعائشة ومالك وربيعة وأحمد في رواية.

وقال عمر وعلي وابن مسعود: هي الحيض.

وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى.

وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال إذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها.

وعند أبي حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، أو من الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها.

ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء أو يمضي عليها وقت صلاة حجة الشافعي قوله  ﴿ فطلقوهن لعدتهن  ﴾ أي في زمان عدتهن.

وأجيب بأن معنى الآية مستقبلات لعدتهن كما تقول: "لثلاث بقين من الشهر" أي مستقبلاً لثلاث.

وقيل: هذا يقوي استدلال الشافعي لأن قول القائل: "لثلاث بقين من الشهر" معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه.

فمعنى الآية طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه.

ولما كان الإذن حاصلاً بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة.

وروي عن عائشة أنها قالت: هل تدرون ما الأقراء؟

الأقراء الأطهار.

ثم قال الشافعي: النساء بهذا أعلم.

وأيضاً التركيب يدل على الجمع.

وأكثر أحوال الرحم اجتماعاً واشتمالاً على الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلئ بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج.

فمن أول الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فآخر الطهر هو القرء بالحقيقة.

وأيضاً الاعتداد بالأطهار أقل زماناً من الاعتداد بالحيض، فيلزم المصير إليه لأن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره حق الحبس والمنع.

ولما كانت المدة أقل كان أقرب إلى هذا الأصل وأوفق له.

وأيضاً الآية تدل على أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء خرجت عن العهدة فتكون متمكنة من الاعتداد بالأطهار التي مدتها أقل، ومن الاعتداد بالحيض التي مدتها أكثر، فيكون الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب.

حجة أبي حنيفة قوله  "دعي الصلاة أيام أقرائك" وقوله "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" ولأن الغرض الأصلي من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام، ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وفي تقليل مدة العدة تحليل بضعها للزوج الثاني.

فالتكثير أحوط ولأن إطلاق طهر كامل على بعض الطهر خلاف الظاهر، وإذا تعارضت الوجوه ضعفت الترجيحات ويكون حكم الله  في كل أحد ما أدى اجتهاده إليه.

وانتصاب ﴿ ثلاث قروء ﴾ على أنه مفعول به كقولهم "المحتكر يتربص الغلاء" أي يتربصن مضي ثلاثة قروء.

أو على الظرفية أي مدة ثلاثة قروء.

وإنما جاء المميز على جمع الكثرة دو القلة التي هي الأقراء للاتساع فإنهم يستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر ولهذا قال: ﴿ بأنفسهن ﴾ وما هي إلا نفوس كثيرة.

وأيضاً فلعل القروء أكثر استعمالاً فنزلا القليل بمنزلة المهمل فيكون مثل قولهم "ثلاثة شسوع".

ثم إن أمر العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء وعلى وضع الحمل في حق الحامل وكان الوصول إلى معرفة ذلك متعذراً على الرجال، جعلت المرأة أمينة في العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو عند الشافعي اثنان وثلاثون يوماً وساعة.

لأنها إذا طلقت طاهراً فحاضت بعد ساعة ثم حاضت يوماً وليلة - وهو أقل الحيض - ثم طهرت خمسة عشر يوماً - وهو أقل الطهر - ثم حاضت مرة أخرى يوماً وليلة، ثم طهرت خمسة عشر ثم رأت الدم، فقد انقضت عدتها لحصول ثلاثة أطهار.

فمتى ادعت هذا أو أكثر منه قبل قولها، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت سقوط الولد كان القول قولها لأنها على أصل أمانتها ولهذا قال  : ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: إن الكتمان راجع إلى الحبل والحيض معاً.

وذلك أن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما.

أما كتمان الحمل فإذا كتمت الحمل قصرت مدة عدتها فتتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر وأحبت أن تلصق ولدها بالزوج الثاني.

وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء، فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته، فإذا حاضت أولاً فكتمته ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة، وهكذا إن كتمت الحيضة الثالثة.

وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها.

وقيل: المراد النهي عن كتمان الحبل فقط لأن المخلوق في الأرحام هو الحبل لا الحيض، ولأن حمل المعنى على ما هو شريف أولى لقوله  ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء  ﴾ وقيل: المراد النهي عن كتمان الحيض لأن الآية وردت عقيب ذكر الأقراء ولم يتقدم ذكر الحمل.

وقيل: يجوز أن يراد اللائي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه.

وفي قوله ﴿ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تعظيم لفعلهن، وإن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم.

وفيه أن من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد.

الحكم الثاني للطلاق الحكم الثاني للطلاق: الرجعة وذلك قوله ﴿ وبعولتهن أحق بردهن ﴾ والبعل الزوج والجمع البعولة.

والتاء لتأكيد التأنيث في الجماعة كصقورة.

وليس هذا في كل جمع وإنما هو مقصور على السماع.

ويقال للمرأة أيضاً بعل وبعلة كما يقال زوج وزوجة والبعل: السيد المالك.

يقال: مَنْ بعل هذه الناقة؟

أي مَنْ ربها وصاحبها؟

ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قوله "بعل حسن البعولة" وعلى هذا فالمضاف محذوف أي أهل بعولتهن أحق بردهن برجعتهن.

قال تعالى في موضع: ﴿ ولئن رددت إلى ربي  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ولئن رجعت  ﴾ فكأنه يردها من التربص إلى خلافه، ومن الحرمة إلى الحل في ذلك أي في مدة التربص، لأنه إذا انقضى ذلك الوقت بطل حق الرد والرجعة.

وإنما تكون البعولة أحق عند الله  برجعتهن إن أرادوا إصلاحاً لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن لا الضرار وتطويل العدة كما في قوله ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ﴾ فلو راجعها لقصد المضارة استوجب من الله العقاب، وإن صحت رجعته شرعاً لأنا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.

فإن قيل: كيف جعلوه أحق بالرجعة كأن للنساء حقاً فيها؟

فالجواب أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها فهذا هو المعنى بالأحقية أو نقول: إنهن إن كتمن ما في أرحامهن لأجل أن يتزوّج بهن آخر، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن، وإن ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ولهن من الحق على الرجال مثل الذي للرجال عليهن بالمعروف بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن ولا يكلفونهن ما ليس لهم.

والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب في كونهما من الحسنة لا في جنس الفعل.

فإذا غسلت ثيابه أو خبزت لا يجب عليه أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال.

قال أبو هريرة: "قيل لرسول الله  : أي النساء خير؟

قال: التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخونه في نفسها وماله بما يكره" وفي حديث حجة الوداع "ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" وعن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله  ﴿ ولهن مثل الذي عليهن ﴾ وقيل: معنى الآية ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة مثل ما عليهن من ترك الكتمان.

﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ زيادة في الحق وفضيلة وهي واحدة الدرجات الطبقات من المراتب.

أصلها من درج الرجل.

والضب يدرج دروجاً أي مشى ودرج أي مضى لسبيله.

ودرج القوم إذا انقرضوا.

وفي المثل "أكذب من دبَّ ودرج" أي أكذب الأحياء والأموات.

وقد فضل الله الرجال على النساء في أمور: في العقل وفي الدية وفي الميراث وفي نصيبه من المغنم، وفي صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة، وفي أن له أن يتزوج عليها ويتسرى وليس لها ذلك، وفي أن له أن يطلقها وإذا طلقها راجعها شاءت المرأة أم أبت ولا قدرة للمرأة على التطليق ولا على الرجعة فإذن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل ولهذا قال  : "استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان" وفي خبر آخر "اتقوا الله الضعيفين اليتيم والمرأة" وذلك أن من كانت نعمة الله عليه أكثر كان صدور الذنب عنه أقبح، واستحقاقه للزجر أشد، وقيل: بل الغرض من الآية أن فوائد الزوجية هي السكن والازدواج والألفة والمودة واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة، وكل ذلك مشترك بين الجانبين، بل يمكن أن يقال: نصيب المرأة منها أوفر.

ثم إن الزوج اختص بأنواع من الكلفة وهي التزام المهر والنفقة والذب عنها والقيام بمصالحها، فيكون وجوب الخدمة على المرأة أشد رعاية لهذه الحقوق الزائدة فيكون هذا كقوله  ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم  ﴾ وعن النبي  "لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها" ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ غالب لا يمنع مصيب في أفعاله، وأحكامه لا يتطرق إليها احتمال العبث والسفه والغلط والباطل.

الحكم الثالث للطلاق: هو الطلاق الذي يثبت فيه الرجعة.

وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له.

فجاءت امرأة إلى عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله  فنزل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ فعلى هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها.

والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ولا رجعة بعد الثلاث.

وهذا تفسير من جوز الجمع بين الطلقات الثلاث وهو مذهب الشافعي وهو أليق بنظم الكلام لأنه تعالى بيّن في الآية الأولى أن حق الرجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائماً أو إلى غاية معينة فكان ذلك كالمجمل أن العام فيفتقر إلى مبين أو مخصص، فذكر عقيبه أن الطلاق المعهود السابق الذي يثبت فيه للزوج حق الرجعة هو أن يوجد طلقتان فقط، فإذا وصلت التطليقة إلى هذه الغاية بطل حق الرجعة.

والطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم.

وقيل: إن هذا كلام مبتدأ والمعنى: أن التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله  ﴿ ثم ارجع البصر كرتين  ﴾ أي كرة بعد كرة، وقولهم "لبيك وسعديك".

وهذا التفسير قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام.

وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار أن هذا هو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة  م، ويؤكده العدول عن لفظ الأمر وهو "طلقوا مرتين أو دفعتين" إلى لفظ الخبر كما مر في قوله ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ثم من هؤلاء من قال: لو طلقها ثنتين أو ثلاثاً لا يقع إلا واحدة وهذا هو الأقيس، واختاره كثير من علماء أهل البيت لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود ومنهم من قال: - وهو اختيار أبي حنيفة - إنه وإن كان محرماً إلا أنه يقع ويكون بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه.

وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد، ومما يؤيد مذهب الشافعي حديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها بين يدي رسول الله  فلم ينكر عليه، ومما يؤكد مذهب أبي حنيفة حديث ابن عمر أن رسول الله  قال له: إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة.

وأما قول ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ أي أمركم بعد الرجعة أو بعد معرفة كيفية التطليق أحد هذين.

فالتسريح الإرسال والإطلاق والإمساك نقيضه.

ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الإصلاح ومعنى التسريح بإحسان قيل: هو أن يوقع عليها الطلقة الثالثة.

روي أنه لما نزل قوله  ﴿ الطلاق مرتان ﴾ قيل له  : فأين الثالثة؟

فقال: هو قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وقيل: هو أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة.

ويروى عن الضحاك والسدي وهو أقرب لولا الخبر الذي رويناه لأن الفاء في قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ تقتضي وقوع هذه الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح.

فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة لكان قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ طلقة رابعة وإنه غير جائز.

وأيضاً لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأقسام، لأنه بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو قوله ﴿ فإمساك بمعروف ﴾ أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي عدتها وتحصل البينونة وهو قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ أو يطلقها وذلك قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ فلو جعلنا التسريح طلاقاً لزم إهمال أحد الأقسام وتكرير بعضها.

وأما الحكمة في إثبات حق الرجعة فهي أن النعم مجهولة إذا فقدت عرفت، فلو كانت الطلقة الواحدة مانعة عن الرجعة فربما ظهرت المحبة بعد المفارقة وعظمت المشقة.

ثم إن إكمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة فلهذا ثبت حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ليجرب الإنسان أحوال قلبه، فإن كان الأصلح له إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهو أن يؤدي حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رأفته بعبده.

الحكم الرابع من أحكام الطلاق: بيان الخلع وذلك قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ وسبب ارتباط هذا بما قبله أنه  لما أمر بالتسريح مقروناً بإحسان بيَّن عقيبه أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئاً مما أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها إلا إذا فارقها على عوض ويدخل فيه النهي من أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء كما قال في سورة النساء ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن  ﴾ والخطاب في قوله ﴿ ولا يحل لكم ﴾ للأزواج وفي قوله ﴿ فإن خفتم ﴾ للأئمة والحكام.

ويجوز أن يكون الخطاب الأول أيضاً للأئمة لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون "روي أن الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي.

وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حبيبة بنت سهل الأنصارية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه أشد البغض وكان يحبها أشد الحب.

فأتت رسول الله  وقالت: فرق بيني وبينه، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بغضاً إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامةً وأقبحهم وجهاً.

فقال ثابت: مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: ما تقولين؟

قالت: نعم وأزيده.

فقال  : لا، حديقته فقط.

ثم قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها" ففعل، وكان ذلك أول خلع في الإسلام.

ومعنى قوله ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية واختلفوا في مقدار ما يجوز به الخلع.

فعن الشعبي والزهري والحسن وعطاء وطاوس أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهو قول علي كرم الله وجهه لقوله  ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ ثم قال: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ أي فلا جناح على الرجل فيما أخذ، ولا عليها فيما أعطت.

ومعنى ﴿ فيما افتدت به ﴾ فيما افتدت نفسها واختلعت به فوجب أن يكون هذا راجعاً إلى ما آتاها، ولقوله  لا حديقته فقط.

حين قالت جميلة: نعم وأزيده.

ولأن ذلك إجحاف بجانب المرأة وضرار بالمرأة بعدما استبيح من بضعها ولهذا قال سعيد بن المسيب: لا يأخذ إلا دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له.

وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا: الخلع عقد معاوضة فينبغي أن لا يتقدر بمقدار معين.

فكما أن للمرأة عند النكاح أن لا ترضى إلا بالصداق الكثير، فكذلك للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟

قالت: ما بت منذ كنت عنده أقر ليعين منهن.

فقال عمر لزوجها: اخلعها ولو بقرطها أي حتى قرطها.

ولهذا قال قتادة يعني بمالها كله.

وقيل: هو من قولهم "خذه ولو بقرطي مارية" وذلك فيهما درّتان قيمتهما أربعون ألف دينار.

ويصح الخلع في حالتي الشقاق والوفاق عند أكثر المجتهدين لقوله  ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً  ﴾ فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذلت، كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى.

وذهب الزهري والنخعي وداود إلى أنه لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن لا يقيما حدود الله كما في الآية، وإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد.

والجمهور على أنه لا كراهة في الخلع إن جرى في حال الشقاق، أو كانت تكره صحبته لسوء خلقه أو دينه كما في الآية، أو وقع وتحرجت عن الإخلال ببعض حقوقه لما بها من الكراهة فافتدت ليطلقها، أو ضربها الزوج تأديباً فافتدت، أو منعها حقها من النفقة وغيرها فافتدت لتتخلص منه وإن كان الزوج يكره صحبتها فأساء العشرة ومنعها بعض حقها حتى ضجرت وافتدت، فالخلع مكروه وإن كان نافذاً والزوج مأثوم بما فعل.

فالخلع المباح هو أن تكون المرأة بحيث تخاف الفتنة على نفسها والزوج يخاف أناه إذا لم تطعه اعتدى عليها.

ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن كما سبق في قوله ﴿ فمن خاف من موصٍ جنفاً  ﴾ ومن قرأ ﴿ إلا أن يخافا ﴾ على البناء للمفعول جعل ﴿ ألا يقيما ﴾ بدلاً من ألف الضمير بدل الاشتمال مثل "خيف زيد تركه إقامة حدود الله" ثم الفرقة الحاصلة على العوض إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإن لم يجر إلا لفظ الخلع فللشافعي فيه قولان: الجديد أنه طلاق ينتقص به العدد وإذا خلعها ثلاث مرات لم ينكحها إلا بمحلل، ويروى هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود  م وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني ووجه بأنها فرقة لا يملكها غير الزوج فيكون طلاقاً كما لو قال: أنت طالق على كذا.

ولأنه لو كان فسخاً لما صح بالزيادة على المهر المسمى كالإقالة في البيع.

وإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يرد عليها المهر كالإقالة فإن الثمن يجب رده وإن لم يذكراه.

والقديم أنه فسخ لا ينتقص به العدد ويجوز تحديد النكاح بعد الخلع من غير حصر.

ويروى هذا عن ابن عمر وابن عباس قالوا: لأنه لو كان طلاقاً وقد قال عقيب ذلك ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ لكان الطلاق أربعاً، ولأن النبي  أذن لثابت في مخالعته امرأته ولم يستكشف عن الحال مع أن الطلاق في زمان الحيض وفي الطهر الذي حصل الجماع فيه حرام، ولما روى عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي  عدتها حيضة ولو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد ﴿ تلك ﴾ أي المذكورات من أحكام الطلاق ﴿ حدود الله فلا تعتدوها ﴾ فلا تتجاوزوا عنها ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ والظالم اسم ذم وتحقير.

فوقوع هذا الاسم عليه يكون جارياً مجرى الوعيد.

وكيف لا والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ ثم إنه ظلم من الإنسان على نفسه حيث أقدم على المعصية، وظلم على الغير أيضاً بتقدير أن لا تتم المرأة عدته أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها، أو ترك الرجل الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة.

الحكم الخامس من أحكام الطلاق: بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة وذلك قوله ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ والسبب في إيقاع آية الخلع بين آية الرجعة وبين هذه بعد ما مر من مناسبتها للتسريح بإحسان، هو أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، ومعنى الآية فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين فلا تحل له من بعد ذلك التطليق حتى تنكح أي تتزوج غيره.

والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج فيقال: فلانة ناكح في بني فلان أي لها زوج منهم.

هذا عند من يفسر قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ بالطلاق الرجعي.

وأما عند من يفسره بأن التطليق الشرعي هو الذي يوقع على التفريق.

فالمعنى عنده أنه إن طلقها الطلاق الموصوف بالتكرار في قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ واستوفى نصابه ﴿ فلا تحل له من بعد ﴾ ذلك ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ .

ومذهب جمهور المجتهدين أن النكاح ههنا بمعنى الوطء، لأن قوله ﴿ زوجاً ﴾ يدل على العقد.

وقد نقلنا هذا عن أبي علي فيما سلف في تفسير قوله ﴿ ولا تنكحوا المشركات  ﴾ ويؤيد هذاما روي عن عائشة "أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي  فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني.

وإن ما معه مثل هدبة الثوب.

فقال رسول الله  : تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟

لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" .

كنى بالعسيلة عن لذة الجماع وإنما أنث لأن من العرب من يؤنث العسل.

ويروى أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت فقالت: إنه قد كان مسني فقال لها: كذبت في قولك الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله  فأتت أبا بكر فقالت: أرجع إلى زوجي الأول فقال: قد عهدت رسول الله  حين قال لك ما قال فلا ترجعي إليه.

فلما قبض أبو بكر قالت مثله لعمر فقال: إن أتيتني بعد مرتك هذه لأرجمنك فمنعها.

وأيضاً المقصود من توقيت حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يستفرش زوجته رجل آخر ولهذا قال بعض أهل العلم: إنما حرم الله على نساء النبي  أن ينكحن زوجاً غيره لما فيه من الغضاضة.

ومعلوم أن هذا الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول، فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصلح جعله مانعاً وزاجراً.

ثم قال الشافعي: إذا طلق زوجته واحدة أو ثنتين ثم نكحت زوجاً آخر وأبانها ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة وهي التي بقيت من الطلقات، لأن هذه طلقة ثالثة من حيث إنها وجدت بعد طلقتين، والطلقة الثالثة توجب الحرمة الغليظة، وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثاً كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث وإذا تزوج الغير بالمطلقة ثلاثاً على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما فهذا متعة بأجل مجهول وهو باطل.

ولو تزوجها بشرط أن يطلقها إذا أحلها للأول فقولان: أحدهما لا يصح، والثاني يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة.

ولو تزوجها مطلقاً مضمراً أنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به.

وقال مالك وأحمد والثوري: هذا النكاح باطل.

وحيث حكمنا بفساد النكاح فالوطء لا يقع به التحليل على الأصح.

وعن النبي  "لعن المحلل والمحلل له" وعن عمر: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما.

﴿ فإن طلقها ﴾ أي الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ على المرأة المطلقة والزوج الأول في ﴿ أن يتراجعا ﴾ بنكاح جديد إلى ما كانا عليه من النكاح فهذا تراجع لغوي وظاهر الآية يقتضي أن يحل للزوج الأول هذا التراجع عقيب ما يطلقها الزوج الثاني من غير عدة بدلالة فاء التعقيب في قوله ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ ولهذا ذهب سعيد بن المسيب إلى أن النكاح ههنا بمعنى العقد، وأن التحليل يحصل بمجرد العقد لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة.

والجواب أن الآية مخصوصة بقوله  ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ﴿ إن ظنا أن يقيما حدود الله ﴾ إن كان في ظنهما وفي عزيمتهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل إن علما، ولا يجوز أن يفسر الظن ههنا بالعلم لأن اليقين في الاستقبال مغيب عن الإنسان، فإن لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالرجوع مذموم إلا أنه يصح شرعاً.

من قرأ ﴿ نبينها ﴾ بالنون فمن طريقة الالتفات والنون للتعظيم، ومن قرأ بالياء فظاهر وصيغة المضارع أريد بها ههنا الحال فلا إشكال.

وجوز بعضهم أن يكون المراد بها الاستقبال، وذلك أن النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يدخل فيها التخصيص وذلك يعرف بالسنة.

فكان المراد - والله أعلم - إن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله، وسيبينها الله على لسان نبيه كمال البيان فهو كقوله  ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس  ﴾ وإنما خص البيان بالعلماء لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ثم إنه  لما بين الأحكام المهمة للطلاق استأنف لحكمي الإمساك والتسريح ببيانين آخرين في آيتين متعاقبتين، لأن جملة الأمر في الطلاق يؤل إلى أحد هذين: الأول قوله  ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها.

والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها.

يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل، ويتسع في البلوغ أيضاً يقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه، ويقول الرجل لصاحبه: إذا بلغت مكة فاغتسل بذي طوى يريد به مشارفة البلوغ.

فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، ولأنه قد علم أن الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له لأنها بعد تقضيه غير زوجة له وفي غير عدة منه فلا سبيل له عليها ﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ راجعوها من غير توخي ضرار بالمراجعة ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ خلوها حتى تنقضي عدتها ونبين.

ولما أمر بعد الطلاق بأحد الأمرين، استأنف حكم كل منهما فقدم حكم الإمساك على طريقة النهي لا الأمر، لأن المأمور يمتثل بمرة واحدة فلعله يمسكها بمعروف في الحال لكن في قلبه أن يضارها في الاستقبال، والمنهي لا يمتثل إلا إذا انتهى في كل الأوقات فيكون أدل على الدوام والثبات فقال: ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً ﴾ مضارة وتشمل موجبات النفرة والعداوة كلها، وروي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها، وهكذا يفعل بها في العدة تسعة أشهر أو أكثر.

وقيل: الضرار سوء العشرة.

وقيل: تضييق النفقة وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأفعال رجاء أن تختلع المرأة منه بماله.

ومعنى قوله ﴿ لتعتدوا ﴾ أي لا تضاروهن ليكون عاقبة أمركم الاعتداء كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً  ﴾ أو لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن فتكونون متعمدين لتلك المعصية.

وقيل: لتلجؤهن إلى الافتداء ﴿ ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ﴾ بتعريضها لعقاب الله، أو بتفويته عليها منافع الدنيا والدين.

أما الدنيا فلأنه إذا اشتهر بتلك المعاملة لم يرغب في التزويج منه ولا في معاملته أحد، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل وعلى الانقياد لأحكام الله  وتكاليفه ﴿ ولا تتخذوا آيات الله هزواً ﴾ فمن أقربائه يجب طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصلت إليه هذه التكاليف المذكورة في أبواب العدة والرجعة والخلع وترك المضارة ولم يتشمر لأدائها كان كالمستهزئ بها.

أو المراد لا تتهاونوا بتكاليف الله كما يتهاون بما يكون من باب الهزء والعبث.

وعن أبي الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويعتق ويتزوج ويقول: كنت لاعباً.

فنزلت فقرأها رسول الله  وقال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة" وروي "الطلاق والعناق والنكاح" وعن عطاء: المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصراً عليه أو على مثله كان كالمستهزئ بآيات الله.

ثم إنه  لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد رغبهم أيضاً في أدائها بأن ذكرهم أقسام نعمه عليهم.

فبدأ أولاً بذكرها على الإجمال فقال: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم ﴾ وهذا يتناول كل نعمة لله على العبد في الدنيا والدين وقيل: المراد بها الإسلام ونبوة محمد  ، ثم خصص نعم الدين بالذكر لشرفها فقال: ﴿ وما أنزل عليكم ﴾ عطفاً على النعمة ﴿ من الكتاب والحكمة ﴾ من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها ﴿ يعظكم به ﴾ في محل النصب حالاً مما أنزل أو من فاعل "أنزل".

ويحتمل أن يكون ﴿ ما أنزل ﴾ الصلة والموصول مبتدأ، وقوله ﴿ يعظكم به ﴾ خبراً ﴿ واتقوا الله ﴾ في أوامره ونواهيه ﴿ واعلموا أن الله بكل شيءٍ عليم ﴾ فيه وعد ووعيد وترغيب وترهيب الثاني: وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة قوله عز من قائل ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ بلوغ الأجل ههنا على الحقيقة.

عن الشافعي: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ لا تحبسوهن ولا تضيقوا عليهن.

وأصل العضل الضيق ومنه عضلت الدجاجة، إذا نشب بيضها فلم يخرج، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم، وأعضل الدواء الأطباء إذا أعياهم، والعضلة اللحمة المتجمعة المكتنزة في عصبة.

والخطاب للأزواج الذين يمنعون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً وقسراً ولحمية الجاهلية من أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن إذا تراضوا - اي الرجال والنساء - تراضياً واقعاً بينهم بالمعروف بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط كالعقد الحلال والمهر الجائز والشهود والعدول.

وقيل: بمهر المثل وفرعوا عليه مسألة فقهية توافق مذهب أبي حنيفة وهي: أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فالنكاح صحيح لكن للولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر دفعاً للشين عن الأولياء ولأن نساء العشيرة يتضررن بذلك فقد يعتبر مهورهن بمهرها.

وزعم كثير من المفسرين أن الخطاب في قوله ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ للأولياء لما روى البخاري في صحيحه أن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس.

فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقاً له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها.

فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها وزوجتك ثم طلقتها طلاقاً لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب، والله لا أنكحتهكها أبداً.

قال: ففيَّ نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.

وعن مجاهد والسدي أن جابر بن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر فنزلت.

وأجيب بأن رعاية نظم كلام الله أولى من محافظة خبر الواحد، ولا يخفى تفكك النظم لو قيل: "وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء" لأنه لا يبقى بين الشرط والجزاء مناسبة، قالوا: ليس بعد انقضاء العدة قدرة للزوج على عضل المرأة.

والجواب أنه قد يقدر على الظلم وقد يجعد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالوعيد والتهديد، أو ينسبها إلى أمور تنفر الناس عنها.

قالوا: ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ يدل على أن الأولياء كانوا يمنعونهن من العود إلى أولئك الذين كانوا أزواجاً لهن.

والجواب أن العرب قد تسمي الشيء بما يؤل إليه.

فالمراد من يردن أن يتزوّجنهم فيكونوا أزواجاً لهن.

وقيل: الوجه أن يكون خطاباً للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين.

ثم إن الشافعي تمسك بالآية في أن النكاح لا يجوز إلا بولي، لأنه لو جاز للمرأة أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح، وهذا مبني على أن الخطاب في ﴿ لا تعضلوهن ﴾ للأولياء وفيه ما فيه.

ولو سلم فلم يجوز أن يكون الاستبداد الشرعي حاصلاً لهن، ولكن يمنعها الولي من بعض الجهات التي قلنا في الزوج.

وأيضاً فثبوت العضل في حق الولي ممتنع لأنه مهما عضل انعزل، وإذا انعزل لا يبقى لعضله أثر.

وتمسك أبو حنيفة بقوله  ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ على أن النكاح بغير ولي جائز، وذلك أنه  اضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك.

ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه، ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ وأجيب بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر فقد يضاف أيضاً إلى المتسبب مثل "بنى الأمير داراً" وإنما ذهبنا إلى هذا وإن كان مجازاً لدلالة الحديث على بطلان هذا النكاح هذا.

وأما قوله ﴿ ذلك يوعظ به ﴾ فالخطاب فيه إما للرسول أو لكل أحد على الانفراد كما أن الخطاب في قوله في سورة الطلاق ﴿ ذلكم يوعظ به من كان  ﴾ للمكلفين مجموعين.

وقوله ﴿ من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تخصيص لهم بالوعظ لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ومن استدل بهذا على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة يكذبه التكاليف العامة كقوله ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ وأيضاً لا يلزم من تخصيص العظة بالمؤمنين تخصيص التكليف بهم ﴿ ذلكم أزكى لكم ﴾ أي أنمى وهو إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم، وأطهر أي من أدناس الآثام ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ لأن علمه  فعلي كامل وعلمنا انفعالي ناقص.

فقد تخفى المصلحة والعاقبة علينا، أو تشتبه المصلحة بالمفسدة فلا صلاح للمكلف إلا في طاعة علام الغيوب ليحوز سعادة الدارين والله ولي التوفيق.

التأويل: إنه  من كمال الكرم والاصطناع إذا صدر من العبد أمارات النشوز والانقطاع أمهله إلى انقضاء عدة الجفاء، فلعله يعود إلى إقامة شرائط الوفاء، وتتحرك داعية في صميم قلبه من نتائج محبة ربه، إذ لم يكن له أن يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة.

وإن ابتلاه الله بمحنة الفرقة فيقرع بأصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة فيقال له من غاية الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال، من طلب منا فلاحاً فليلزم عتبتنا مساء وصباحاً.

﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن ﴾ أي للعباد حق في ذمة الربوبية كما أن الله تعالى حقاً في ذمة عباده، فإذا تقرب العبد إليه شبراً فالله أحق برعاية الحق فيقرب إليه ذراعاً.

والفضل له على الإطلاق لا بدرجة بل بدرجات غير متناهية ﴿ والله عزيز ﴾ أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم كمال حقوقه ﴿ حكيم ﴾ لا تقتضي حكمته أن يطالبهم بما ليس في وسعهم بل يقبل منهم القليل ويوفيهم الثواب الجزيل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ يعني أن أهل الصحبة لا يفارقون بجريمة ولا جريمتين كما في قصة موسى والخضر.

ثم في الثالثة إن سلكوا سبيل الهجران فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقاً مثله، فإن ندم بعد ذلك عن أفعاله وسام ذلك الصديق وأمثاله ورجع إلى صحبة أشكاله ﴿ فلا جناح ﴾ في التراجع ﴿ إن ظنا ﴾ فيه خيراً ولا يجوز لأحد من الإخوان أن يعضله من صحبة الأقران.

وفيه أن الله  يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، فإذا أصر العبد ابتلاه بالخذلان وجعله قرين الشيطان كما قال: ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن  ﴾ فإن طلق قرين الشيطان ورجع إلى باب الرحمن تداركه بالغفران والرضوان.

وأما قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ فإشارة إلى أنه ليس لأهل الصحبة - وإن اتفقت المفارقة - أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه إلا أن يؤدي إلى مداهنة وإهمال حق من حقوق الدين ﴿ فلا جناح عليهما فيها افتدت به ﴾ كأن لم يكن بينهما صحبة ﴿ فإن الله سميع ﴾ بمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالهم والله ولي التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم اختلف الناس في الأقراء في قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ : قال بعضهم: الأقراء: هي الأطهار.

وقال آخررون: هي الحيض.

وهو قولنا.

وعلى ذلك اختلف الصحابة: قال عمر وعلي وعبد الله بن مسعود - رضي الله  عنهم أجمعين -: هي الحيض.

وقالت عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر - رضي الله  عنهم -: هي الأطهار.

وبه أخذ أهل المدينة، وقالوا: قلنا ذلك بالسنة والأخبار عن الصحابة - رضوان الله  عليهم أجمعين - واللسان، والمناقضة: أما السنة: فقوله لعمر: "مر ابنك فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل من غير جماع؛ فتلك العدة التي أمر الله  أن تطلق لها النساء" ؛ فدل أن العدة التي تطلق لها النساء هي الأطهار.

لكن الجواب لهذا من وجهين: أحدهما: أنه جعل ذلك عدة للطلاق، لا عدة عن الطلاق.

والعدة للطلاق غير العدة عن الطلاق؛ وكذا نقول في الطهر الذي تطلق فيه النساء: إنها للطلاق، لا عنها.

والثاني: أن من قول الرجل أن له الإيقاع في آخر أجزاء الطهر، وقد ذكر في الخبر: "الطلاق لقُبُلِ عدتهن" ، ولو كان المعنيُّ به: الطهر، لكان الطلاق في آخر آجزاء الطهر قبل الحيض - في آخر أجزاء الطهر، لا في القُبُل.

فثبت أن القول بجعل الطهر عدة عن الطلاق بعيد.

وأما اللسان فهو قول الناس: قرأ الماء في حوضه، وقرأ الطعام في شدقه، أي: حبس، والطهر بسبب حبس الدم.

لكن عندنا: الطهر جبلة وأصل، وعليها خلقت وأنشئت، والحيض عارض، فإذا كان في الرحم دم خرج، وإلا كانت على أصل خلقتها طاهراً؛ لأن الطهر يحبس الدم، فإذا كان هذا ما ذكرنا بطل احتجاجه باللغة واللسان.

وأما الناقضة [فـ] هي أن يقول: جعلتم هي معتدة مع زوال الأذى عنها ما لم تغتسل في إبقاء حق الرجعة.

فأما دعوى المناقضة فهي بعيدة؛ لأن الكتاب جعلها باقية ما لم تغتسل على حكم الأذى؛ فإن كان فيه طعن فعلى الكتاب.

وقال: ذكر الله  : ﴿ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ باسم التذكير، لا باسم التأنيث؛ فدل أنه أراد الأطهار، يقال: ثلاثة رجال، وثلاث نسوة، فإذا أدخل فيه (الهاء) عقل أنه أراد الطهر.

قيل: إن اللغة لا تمنع عن تسيمة شيء واحد باسم التذكير والتأنيث كالبر والحنطة ونحو ذلك إذا لم يكن من ذي روح، فإذا كان كذلك فلا دلالة فيه على جعل ذلك طهراً.

وقال: القرء: هو الانتقال من حال إلى حال؛ يقال: أقرأ النجم: إذا غاب، وأقرأ: إذا طلع، ونحوه.

لكن هذا ليس بشيء؛ لأنه لو كان القرء هو الانتقال من حال إلى حال لكان يقال للنجم إذا طلع: أقرأ؛ فيكون الاسم للظهور، لا للغيبوبة، أو لهما جميعاً؛ فلا دلالة في ذلك.

وأما الأصل عندنا: فقوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، فأمر بالإمساك عند بلوغ أجلهن.

والبلوغ: اسم للتمام.

ثم لا يخلو بلوغ الأجل من أن يكون بالإشراف على أول أجزاء الطهر أو عند انتهائه.

فإن كان على انتهاء الطهر فلا غاية له ينتهي إليه ليقطع عليه الحكم، وإن كان على الإشراف عليه أيضاً كذلك، ثم لو حمل على الانتهاء أيضاً يبعد بما يعرف ذلك بالحيض الذي يقطع جهة الإمساك؛ فحمل على ما يعرف، لا على ما لا يعرف - والله أعلم فثبت أنه الحيض؛ لأن لها الغاية.

والثاني: قوله  : ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ  ﴾ ، كذا اتفقوا فيه أنه مذكور على البدل، ولم يعرف ذكر الأبدال في الأشياء إلا على أثر الأصول حيثما ذكر - ذكر الحيض عند ذكر البدل - فبان أن المبدل من ذلك إنما هي الحيض، المجعولة أصولاً في تقضي العدة هو الحيض.

واحتجوا بقوله  : "عدة الأمة حيضتان" ؛ ثبت أن أصل ما به تنقضي العدة هو الحيض.

[ثم الدليل على أن المراد من قوله: ﴿ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ، وإن احتمل الطهر، يرجع إلى الحيض [وجوه: أحدها:] أن (ثلاثة) اسم لتمام العدد، فيصير كأنه قال: ثلاثة أطهار، لو أراد به الطهر، أو ثلاثة حيض، لو أراد به الحيض.

ثم هم على اختلافهم اتفقوا على أنه بالحيض ثلاثة، وبالطهر طهران وبعض الأول.

ثبت أن الحيض أولى مع ما كان فيه الاحتياط إذ احتمل الوجهين أن يدخلا جميعاً في الحق لا يزال بعد أن ثبت إلا بالبيان، ويبين ذا أن في الخبر تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لقبلها النساء، أنه الحيض حتى يكون قبله الطهر مع ما يحتمل عدة فعل الطلاق في الانقضاء يبين ذلك ما روي عن رسول الله  ، أنه قال: "إن عدة الأمة حيضتان" .

وهي بعض عدة الحرة، ووقت طلاقها وقت طلاق الحرة.

فبان أن العدة اثنتان [والثاني: ذكر الحيض عند ذكر البدل وذلك حكم الأبدال أن يذكر أصولها عند ذكرها.

والثالث: قوله ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ والبلوغ اسم للتمام ووفاء بعد المراجعة من بعد الإشراف عليه، وهو بالطهر لا يعلم حتى يرى الدم؛ لأن الطهر لا غاية له، وذلك يمنع على قولهم الرجعة؛ فثبت أنه الحيض؛ لأن له الغاية، وإن لم ينقطع الدم وقت ولما كان الطلاق وقت ابتداء الحرمة، وذلك طهر، ووقت تقضي العدة وقت تمام ذلك، فهو التطهر، مع ما ينقضي سبب الملك باطلاق، ووقته الطهر، وبقية الملك بتقضي العدة، فيجب أن يكون وقته الطهر على إلحاق جميع الفروع مع الأصول، وإلحاق التوابع بالمتبوعين، ولا قوة إلا بالله].

ثبت أن أصل ما به تنقضي العدة هو الحيض].

وقال الشافعي: قوله  : "عدة الأمة حيضتان" أي: قرءان والقرءان هما الطهران.

فيقال له: [أبلغت في المقلة]، وأفرطت في الحجاج، حيث فهمت من الحيض القرء، وهو أوضح عند أهل اللسان بالسماع من المفهوم له به مع ما في ذلك تجهيل رسول الله  باللسان، وهو أفصح العرب وأعلم البشر، حيث عبر عن الطهر بالحيض.

ووجه آخر: أنهم اتفقوا على أنه لو طلق في بعض الطهر فالبقية منه عدة، ومثله من الاعتداد قرءان ونصف، والكتاب أوجب الاعتداد بالثلاث؛ فثبت أن الأمر بالاعتداد أمر بالحيض، لا بالإطهار للمعنى الذي وصفنا، وإن كان القرء اسماً للطهر والحيض في اللغة.

ثم الأصل في المسألة: أن أول ابتداء الحل لزوجها ولغيره بالطهر، وكذلك نهاية الحل إنما جعلت بالأطهار.

ثم الأصل: أن ابتداء حرمتها على الزوج الأول بالطهر، فيجعل انتهاء الحرمة في مثله بالطهر.

وحاصل هذا أنه جعل نهاية الحل فيه وفي غيره بما به ابتداء الحل، فكذا يجعل نهاية الحرمة فيه وفي غيره بما به ابتداؤه.

وإذا ثبت أن المنظور في الحل والحرمة في الابتداء بالابتداء، وجب أن يكون المنظور في الحل والحرمة بالانتهاء.

ثم في قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ ، وفي نحو هذه الآيات دلالة تأخر البيان، حيث لم يبين ما الأقراء؟، ولم يبين الاعتزال من أي موضع، ومن أي مكان؟، ولم يبين المخالطة في ماذا، وفي أي شيء؟

فالاختلاف فيه باق إلى يوم التناد؛ فبطل قول من ينكر تأخر البيان، وثبت قول من أقر به.

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

ففي الآية دلائل: أحدها: أن ذكر حرمة الكتمان فيمن آمن ليس بشرط فيه دون غيره؛ إذ قد يلزم ذلك من هو غير مؤمن، إذ هو غير مستحسن في العقل.

ففيه الدليل على أن الحكم الموجب لعلة يجوز لزومه فيما ارتفعت عنه تلك العلة وعدمت وهو كقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقد يلزم (إصلاح ذات البين) في غير الإيمان، وكذا قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقد يلزم ترك الربا للمعاهد، وقد يجوز ذلك للمسلم في غير داره؛ فدل أن الحكم إذا ذكر لعلة في أحد لا يمنع لزوم ذلك في غير المذكور.

قال الشيخ - رحمه الله  -: فيه دليل على أن إضافة الحكم إلى سبب لا يمنع حقه ارتفاعه.

وفيه دليل ألا يحل ذلك لمن قد آمن في الخلق؛ لأن حقه التصديق وإظهار الحق، وفي الكتمان والتكذيب ترك ما فيه من الشرط.

والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ ﴾ .

قال بعضهم: الحبل والحيض.

وكذلك روي عن علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عباس، رضي الله  عنهم، أنهم قالوا: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ ﴾ : الحبل والحيض؛ فثبت أن موضع الحيض الرحم.

ثم الرحم يشغله الحبل عن خروج الدم؛ فبان أن الحامل لا تحيض.

وعلى ذلك قوله  : "إنما ذلك دم عرق انقطع" .

وهو الأمر الظاهر المتعارف في النساء أن الحبل يحبس الدم.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ ﴾ : الحبل خاصة دون الحيض؛ لوجهين: أحدهما: أنهن في الجاهلية كن يكتمن ذلك فيلحقن بغير الآباء، فأوعدن على ذلك بعد الإسلام؛ فثبت أن الحيض لا يحتمل.

والثاني: أن الحيض لا ينسب بكونه في الرحم، فإذا كان غير منسوب إليه لم يحتمل كونه فيه.

والله أعلم.

لكن الوجه فيه ما ذكرنا من قول الصحابة، وما فيه من الدلالة أنهن مؤتمنات فيما يخبرن؛ لوجهين: أحدهما: ما جاء في الخبر من أن الأمانة أن تؤتمن المرأة على فرجها.

والثاني: لولا أنها ممن يقبل خبرها فيه لما أوعدن على الكتمان.

ثم يحتمل الكتمان من وجهين: أحدهما: أن يكتمن ذلك يستوجبن به الإنفاق من عند أزواجهن بقولهن: العدة باقية، وذلك يحتمل الحيض والحبل جميعاً.

ويحتمل: ما قاله بعض أهل التأويل من إبقاء حق الرجعة.

ويحتمل قول أبي حنيفة، رحمه الله  ، في كتمانها، إذ قال في المرأة إذا جاءت بولد في العدة، فشهدت امرأة على الولادة والحبل: لم يكن ظاهراً أن يقبل قولها؛ إذ هي أمرت بالإظهار، والكتمان أورث تهمة في القبول.

ويحتمل: ألا يحل لهن أن يكتمن الحبل فيلحقن بغيرهم من الأزواج.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: أنهن لا يملكن الرجعة، ولا منع أزواجهن عن المراجعة، بل ذلك إلى بعولتهن.

ويحتمل: ﴿ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ في نكاح في العدة، لا في حق الرجعة؛ إذ الزوج يملك نكاحها في العدة، وغيره من الناس لا يملك، كقوله: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ ﴾ ، فيه دليل أن قوله: ﴿ ٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ ، إنما عنى به المطلق طلاقاً لم يقطع على نفسه جهة العود.

وقوله في ذلك: ﴿ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً ﴾ ، يحتمل وجوهاً: يحتمل: إصلاح ما بينهن.

ويحتمل: إن أرادوا إمساكهن بالمعروف، كقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً ﴾ ، فهو ممسك لها وإن كان مضرّاً.

ثم الأصل في هذا: أنه وإن قال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ليس على ألا يصير ممسكاً لها بغير المعروف.

وأصل هذا: أن ليس في القول بأن ﴿ لَّمْ تَفْعَلُواْ ﴾ ، دليل الجواز، والفساد إذا فعل ذلك.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: في الوقت الذي يعيد به، أو ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ القروء.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .

روي عن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله  يقول: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .

وقال آخرون: لهن من الكفاف ما عليهن من الخدمة.

وقال غيرهم: لهن من الحق في المهور بتسليم الأزواج إليهن ما عليهن من تسليم الأبضاع إلى الأزاوج؛ فيدل هذا على أن الخلوة، والتسليم منها، يحل محل قبض الحق منها لزوجها.

وقيل: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ ﴾ ، الحقوق ما تلزمهن من حقوق الأزواج، يلزم مثلها على الأزواج لهن، وإن كانت مختلفة.

وقوله: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قيل: هو الطلاق بيد الرجل وليس بيدها.

وقيل: هي الإمارة والطاعة والأمر.

وقيل: هي ما فضل الله به عليها من الجهاد والميراث وغيره.

وقيل: لهم من الفضيلة من الولايات والشهادات والعقل، وذلك ليس لهن.

وقيل: هي فضيلة في الحق وبما ساق إليها من المهر.

وقال الشيخ أبو منصور، رحمه الله  ، في قوله: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، أي من الحقوق على الأزواج.

ثم يحتمل حقوقهن المهر والنفقة، ويحتمل ما أتبع من قوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ ، ويحتمل قضاء ما لها من الحوائج خارج البيت مما به قوام دينها ووقايتها عن النار.

وعليها من الحقوق: مقابل الأول: البذل له وألا يوطئن فرشهن أحداً.

ومقابل الثاني: أن يحسن إليهن في البر باللسان والقول المعروف الذي فيه تطيب نفسه به، كما وصف الحميدة منهن.

"من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا دعوتها أجابتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها".

ومقابل الثالث: ألا تتلقاه بمكروه، ولا تقابله بما يضجره ويغضبه مع الخدمة وكفاية الداخل مما به قوام دينه.

والله أعلم.

و"الدرجة": التي ما له من الملك فيها، والفضل في الحقوق عليها، وما جعل "قواماً عليها"، وغير ذلك.

والله أعلم.

ويحتمل: ما لهن من قوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ ، وعليهن بذل حقهم المعروف، والإحسان إليهم فيما يبغون من الخدمة والقيام بكفاية داخل البيت، مع حفظ ماله عندها، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ﴾ .

فيه دلالة أنه يطلق بنيتين بمرتين.

وقوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ .

أن له الرجعة بعد طلاقين، بذكره مرتين.

وفيه أن المطلق في الطهر الثالث من غير رجعة مطلق للسنة؛ لما خير بين الإمساك أو التسريح من غير مراجعة، وهو على مالك؛ لأنه يقول: ليس له أن يزيد على تطليقة واحدة إلا أن يراجع.

والتسريح بإحسان: هو التطليقة الثالثة، كذلك "روي عن رسول الله  ، أنه سئل عن التسريح بإحسان، فقال: هو التطليقة الثالثة" فإن قيل: أيش الحكمة في ذكر (المعروف) في الإمساك، و(الإحسان) في التسريح.

قيل: وذلك أن في (التسريح) قطع الحقوق التي أوجبها النكاح، فأمر عند قطعها عنها بالإحسان إليها مبتدئا، والإحسان أبداً إنما يكون عند ابتداء الفعل، لا عند المكافأة.

وأما (المعروف) في الإمساك فالنكاح أوجب ذلك؛ كقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً  ﴾ .

قيل: "الميثاق الغليظ": الحقوق التي أوجب النكاح.

وهذا - والله أعلم - وجه الحكمة، و(المعروف) ما عرفا في النكاح، و(الإحسان) هو ما يبتدئ مما لم يعرفا.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ﴾ .

فظاهر هذه الآية الكريمة يوجب ابتداء الخطاب للأزواج، ثم آخرها يوجب الخطاب لهما جميعاً، ثم آخرها يوجب الخطاب لغير الأزواج يحفظ عليهما حدود الصحبة، فيشبه أن يكون في الآية الإضمار (فهما الحكمين)، فيكون كقوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ  ﴾ ، فيكونان هما اللذان يحفظان عليها الحد والمحدود.

ويحتمل: أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ للحكام؛ لأنهم هم الذين يتولون النظر في أمور الناس ليقوموهم على حفظ حدود الله.

ثم القول عندنا في قوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ﴾ ، إذا كان النشوز واقعاً من قبل الزوج فإنه لا يحل له أخذ شيء على الخلع استدلالاً بقوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً  ﴾ .

وأما إذا كان النشوز من قبلها فإنه لا بأس أن يأخذ قدر المهر، ويكره الزيادة [وتجوز].

أما قدر المهر فإنه لا بأس إذا كان من قبلها استدلالاً بقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ﴾ ، ذكر رفع الحرج عن الذي فدى فيما عنه نهي في غير هذا وهو المؤتمن؛ لذلك قلنا: إنه يجوز إذا كان النشوز من قبلها قدر المهر.

وأما الزيادة فإنها تكره استدلالاً بما روي في الخبر: "أن امرأة أتت رسول الله  فذكرت بغض زوجها، فقال: أتردين عليه حديقته؟

فقالت: نعم، وزيادة.

فقال: أما الزيادة فلا" .

ففيه الدلالة أن النشوز إذا كان من قبلها فإنه يجوز قدر المهر.

وقال ابن داود: خالف الشافعي ظاهر الكتاب فيما جعل له أخذ ما فدى والزيادة، والكتاب رفع الحرج عن أخذها ما فدى، لم يجعل له غيره بقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ .

وقال ابن شريح: ما ذلك الأخذ في الطلاق، إنما ذلك في الطلاق كرها؛ لأنه ليس في الآية ذكر الطلاق.

واستدل بقوله: {َ ﴿ آتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً  ﴾ ، فجعل له أكل ما أخذ بالوصف الذي ذكره، ثم كان له أخذ ما تبذل في غير الطلاق، فعلى ذلك في الطلاق [وفي الطلاق] أحق.

والله أعلم.

والأصل عندنا: جواز ما بذلت أخذه مما احتيج به الرجل إن كان له ذلك في غير الطلاق، وهو في الطلاق أجوزه؛ لأنها تنتفع، غير أنه يكره له الفضل لما ذكرنا من الآية والخبر.

ثم يجوز هو لأنه تبادل، فكان كالعقود التي تكره لربح ما لم يضمن على الجواز فكذا هذا.

والأصل: بأن الطلاق بالبذل بينها، وهو لو لم يملك البينونة مطلقاً لم يملكه بما شرط؛ فثبت أنه يملك.

وأصله: أنه بالطلاق، ويصرف إليها ما ملك عليها بالعقد فانتفعت بإزاء ما بذلت؛ لذلك سلم للزوج ما أخذ.

والله أعلم.

قال: ويكره أخذ الزيادة بما فيه رفع النكاح، فيصير أخذ ما يأخذ بالذي أعطى، فما يفضل عليه ليس بإزائه بدل، وذلك وصف الربا.

والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ ﴾ : قيل: ﴿ يَخَافَآ ﴾ علما، يعني الرجل والمرأة.

وقيل: علم الحكمان ألا يقيما حدود الله.

وعلى ذلك قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ خِفْتُمْ ﴾ يعني علمتم.

وقيل: الخوف هو الخوف، فكأنه أقرب؛ لأن العلم يكون فيما مضى من الحال أنهما أقاما حدوداً أو لم يقيما.

وأما الخوف في حادث الوقت أمكن؛ لأنه لا يعلم باليقين؛ لذلك كان ما ذكرنا، وهو كقوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ .

ثم ختلف في قوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ﴾ : قال بعضهم: أراد بقوله: (عليهما)، (عليه) خاصة.

وهذا جائز في اللغة إضافة الشيء إلى الاثنين.

والمراد واحد منهما، كقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ  ﴾ ، وإنما يخرج من أحدهما، ومثله كثير.

وقال آخرون: أريدا جميعاً: المرأة بالفداء، والزوج بالأخذ؛ لأن الزوج نهي عن أخذ شيء مما آتاها بقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ﴾ ، ثم أباح ورفع الحرج منه بالأخذ على الشرط.

وقيل: أراد بذلك الزوج خاصة.

وهو ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ .

قيل: إذا لم يفهم بحد من حدود الله  ما يفهم من حد الخلق، كيف فهم من استواء الرب ومجيئه من قوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ ، و ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ ما فهم من استواء الخلق ومجيئهم؟

والاستواء والمجيء إلى احتمال معان أن ينفي عنه التشبيه أكثر من احتمال الحدود التي في الشاهد.

فإذا لم يفهم من هذا ذلك لم يجز أن يفهم من الأول ما فهموا، وقد قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: أحكام الله وسننه.

وقيل: أوامره ونواهيه.

[وقيل: آدابه وهو واحد.] وقوله: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ مستحلاًّ بها، فيكفر بتعديه ذلك، فهو ظالم - ظلم كفر.

ويحتمل: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ ﴾ تجاوز أمر الله وما نهاه عنه غير مستحل لها، فهو ظالم نفسه، غير كافر.

وقوله: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ .

هذه الآية رجعت إلى الأولى قوله: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ﴾ ، فإن طلقها بعد التطليقتين تطليقة أخرى ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ ، قيل: التطليقة الثالثة، وعلى ذلك جاء الخبر، وهو واحد عندنا، يدل عليه أيضاً قوله  : ﴿ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ .

ويحتمل: عقد النكاح خاصة، دون الجماع من الثاني؛ إذ ليس في الآية ذكر الدخول بها.

وأما عندنا: فهو على الجماع في النكاح الثاني، يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: "لا، حتى تذوق من عسيلته ويذوق من عسليتها" ، فيكون النكاح مضمراً، وهو أولى؛ لأن الآية في عقوبة الأول ولا يشتد عليه النكاح حتى يتصل به الوطء.

وفيه دلالة على كراهية التطليقة الثالثة - إذ هي لا تحل له بعدها إلا بعد دخول زوج آخر بها، وذلك مما ينفر عنه الطبع ويكرهه.

وقوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .

فيه دليل على أن في التراجع إيجاب عقد بهما جميعاً؛ فدل على قطع رجعه الثاني المحل للزوج الأول، وذلك أن لا رجعة فيه لغيره.

وقوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ ، أضاف (الرد) إلى الأزواج؛ فدل أنهم ينفردون به دونهن.

ثم ذكر الكتاب: ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ ، جعل سبب الحل على الزوج الأول نكاح الثاني، لم يجز أن ينهى عنه، وقد جعل هو سبب رفع الحرمة؛ إذ مثل هذا - في أحكام الله  - لا يوجد ولا يستقيم وهو كالوضوء فيما جعل سبباً لإقامة الصلاة، ولم يجز أن يجعل سبباً لها ثم يكره الإقدام عليه وينهى عنه، وكالتحريم إذ جعل سبباً للدخول بها في الصلاة لم يجز النهي عنها، وبها قوامها، كذا هذا، لما جعل سبباً لرفع الحرمة به لا جائز أن ينهى عنه.

ثم فيه دلالة جواز نكاح المحلل.

فإن سئلنا عن قوله عليه الصلاة والسلام: "لعن الله المحلل المحلل له" .

قيل: لحوق اللعن لأجل النكاح على قصد الفراق والطلاق، ليس لأجل التحليل على الأول، ورفع الحرمة عنه، دليله قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا يحب كل ذواق مطلاق" ؛ وذلك لقصده الفراق بنكاح؛ إذ النكاح بني في الأصل على البقاء والدوام عليه، وفيه التعفف، وفي الطلاق زوال ما به يقصد؛ فلهذا لحق ما لحقه من اللعن.

ثم المحلل له لما طلب بنكاح الزوج الثاني ما ينفر عنه الطباع ويكرهه من عودها إليه بعد مضاجعة غيره إياها، واستمتاعه بها منع لهذا المعنى عن إيقاع الثالثة، لكن إذا تفكر حرمتها عليه إلا بنكاح آخر، انزجر عن ذلك.

ثم العقد نفسه لا ينفر عنه الطباع ولا يكرهه؛ ثبت أن الدخول شرط فيه ليكون زجراً ومنعاً عن ارتكابه.

وقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ ﴾ ، يخرج على الترخيص؛ وذلك - والله أعلم - أن الطلاق يحرمها عليه ويبينها منه كما تحرم عليه هي بأنواع الحرم يحرم فأخبر - عز وجل - وأباح له النكاح بعد وقوع الحرمة - أن هذه الحرمة ليست كغيرها من الحرم التي لا ترتفع أبداً.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الطلاق الَّذي يمتلك فيه الزوج الرجعة طلقتان، بأن يطلق، ثم يراجع، ثم يطلق، ثم يراجع، ثم بعد الطلقتين إما أن يمسكها في عصمته مع المعاشرة بالمعروف، أو يطلقها الثالثة مع الإحسان إليها وأداء حقوقها، ولا يحِلُّ لكم -أيها الأزواج- أن تأخذوا مما دفعتم إلى زوجاتكم من المهر شيئًا، إلا أن تكون المرأة كارهة لزوجها بسبب خُلُقه أو خَلْقه، ويظن الزوجان بسبب هذا الكُره عدم وفائهما بما عليهما من الحقوق، فليعرضا أمرهما على من له بهما صلة قرابة أو غيرها، فإن خاف الأولياء عدم قيامهما بالحقوق الزوجية بينهما، فلا حرج عليهما أن تَخْلَع المرأة نفسها بمال تدفعه لزوجها مقابل طلاقها.

تلك الأحكام الشرعية هي الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تتجاوزوها، ومن يتجاوز حدود الله بين الحلال والحرام؛ فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بإيرادها موارد الهلاك، وتعريضها لغضب الله وعقابه.

<div class="verse-tafsir" id="91.mPEza"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان للعرب في الجاهلية طلاق ومراجعة في العدة ولم يكن للطلاق حد ولا عدد، فإن كان لمغاضبة عارضة عاد الزوج فراجع واستقامت عشرته، وإن كان لمضارة المرأة راجع قبل انقضاء العدة واستأنف طلاقًا ثم يعود إلى ذلك المرة بعد المرة أو يفيء ويسكن غضبه، فكانت المرأة ألعوبة بيد الرجل يضارها بالطلاق ما شاء أن يضارها، فكان ذلك مما أصلحه الإسلام من أمور الاجتماع.

وكان سبب نزول الآية ما أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما عن عائشة وأورده السيوطي في أسباب النزول قالت كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة وأكثر، حتى قال رجل لأمرأته والله لا أطلقك فتبيني، ولا آويك أبدًا، قالت: وكيف ذلك؟

قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضى راجعتك، فذهبت المرأة فأخبرت النبي  فسكت حتى نزل القرآن: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  ﴾ .

قد ذكر في الآية السابقة الطلاق على الإطلاق، وذكر العدة، والطلاق هنا هو الطلاق هناك.

وهو عبارة عن مفارقة المرأة المدخول بها بحل الرجل عقدة الزوجية التي تربطهما معًا، واللفظ دل على هذا المعنى.

فهذا بيان لأصل الشرع في الطلاق جاء في صيغة الخبر لتقريره وتوكيده كقوله ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ  ﴾ أي أن حد الله الذي حده للطلاق ولم يخرج به العصمة من أيدي الرجال هو مرتان، أي طلقتان، وعبر بالمرتين ليفيد أن الطلقتين تكون كل منهما حرة تحل بها العصمة ثم تبرم، لا أنهما يكونان بلفظ واحد، ولهذا روي عن ابن عباس أنه جعل كلمة (طلقت ثلاثًا) بمثابة قرأت الفاتحة ثلاثًا، فإن كان صادقًا فالطلاق صحيح وإلا فهو لغو من القول، وقال: إن إنشاء الطلاق ثلاثًا بالقول ليس في قدرة الرجل إيقاعه مرة واحدة.

ذلك أن الأمور العملية لا تتكرر بتكرر القول المعبر عنها، بل ولا القولية أيضًا.

فمن فسخ العقد مرة وعبر عنها بقوله ثلاثًا فهو كاذب.

ولو صح ذلك لصح أن يقال الواحد ثلاثة والثلاثة واحد.

ومن سفه نفسه وجاء بهذا فقد خرج عن السنة واستحق التأديب، فقد روی النسائي من حديث محمود بن لبيد قال أخبر رسول الله  عن رجل طلق امرأته، ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان ثم قال:"أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم"حتى قام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله!

قال ابن كثير: إسناده جيد، وقال الحافظ بن حجر في (بلوغ المرام) رواته موثقون.

وقد صرح جماهير العلماء ومنهم الحنفية بأن الطلاق الشرعي هو ما كان مرة بعد مرة، وأن جمع الثنتين أو الثلاث بدعة، وأنه حرام.

قال أبو زيد الدبوسي في (الأسرار) وهذا هو قول عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسی الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة وهم أعلم الصحابة  .

هذا هو الطلاق المشروع في كتاب الله تعالى، وهو الطلاق الرجعي على هذه الصفة وبهذا العدد، وأما الطلاق البات البائن فلم يرد في كتاب الله تعالى، والفقهاء والمحدثون متفقون على أن حكم الطلاق البائن بلفظ الثلاث أو تكرار اللفظ لا يؤخذ من هذه الآية ولا من آية أخرى من القرآن، ولذلك وقع فيه الخلاف من الصدر الأول إلى الآن، ولم يذكر الخلاف بعد الأئمة الأربعة عن أحد من أتباعهم الا عن بعض الحنابلة، وجمهور الأمة على أن من قال لامرأته أنت طالق ثلاثًا تبين منه كما لو طلقها ثلاث مرات، فالطلاق في الآية يراد به نوع منه وهو الرجعي، وأما البائن فلم يذكر، وقد أخذوه من حديث الملاعنة، والآخرون يجيبون عنه بأن الملاعنة تقتضي التفريق .فالطلاق بعدها لغو.

وقوله تعالى ﴿ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  ﴾ فيه وجهان: أحدهما - أن معناه: فالواجب عليكم إما إمساك للمرأة مع المعاشرة بالمعروف، وإما تسريحها بإمضاء الطلاق مع الإحسان إليها في المعاملة والتمتيع بمال لائق به وهو ما سيأتي بيانه قريبًا، ويستلزم اتقاء الإهانة والإساءة.

والوجه الثاني - أنه ليس لكم بعد المرتين إلا أحد الأمرين: الإمساك بالمعروف أو التسريح أي الطلاق بالإحسان، ويؤيده حديث أبي رزين الأسدي عند أبي داود وغيره أنه سأل النبى  سمعت الله يقول ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ  ﴾ فأين الثالثة؟

فقال  :"أو تسريح بإحسان"، وعلى هذا يكون قوله ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ  ﴾ في الآية الآتية بمعنى فإن اختار الأمر الثاني وهو التسريح فطلقها باتت منه ولا تحل له إلخ ما سيأتي من حكمته لا أنه دليل على طلقة رابعة.

بعد أن فرض سبحانه الإحسان على من اختار التسريح حرم عليهم أخذ شيء من المرأة فقال: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا  ﴾ ويدخل في ذلك المهر وغيره مما يعطيه الرجل امرأته على سبيل التمليك.

بل يجب أن يمتعها بشيء من ماله زائدًا على ذلك ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ  ﴾ إن أخذ الرجل شيئًا من مال مطلقته مناف للإحسان، فالأمر بالإحسان يستلزمه، وإنما صرح به لمزيد رأفته سبحانه بالنساء، وتأكيده تحذير الرجال الأقوياء من ظلمهن وهضم حقوقهن، وقد كرر هذا النهي ومنه قوله في سورة النساء: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا  ﴾ إلخ الآيتين.

ومحل هذا الحكم إذا كان الزوج هو الذي اختار فراق المرأة ورغب عنها، وأما إذا كانت هي الراغبة عنه الطالبة لفراقه، وخيف أن تتوسل إليه بالنشوز وسوء العشرة لكراهتها إياه أو لسوء خلقها، لا لمضارته لها، فلا جناح عليها حينئذٍ فيما يأخذه منها لإطلاق سراحها، إذ لا يكلف خسارة امرأته وماله بغير ذنب منه، ولذلك قال تعالى: ﴿ إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ  ﴾ التي حدها للزوجين من حسن المعاشرة والمماثلة في الحقوق مع ولاية الرجل، والتعاون على القيام بأمر المنزل وتربية الأولاد وعدم المضارة لقوله: ﴿ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ  ﴾ وغير ذلك، وذلك بأن تخاف المرأة أن تعصي الله في أمر زوجها فتكفره أو تخونه، ويخاف هو أن يخرج عن الحد المشروع في مؤاخذة الناشز، ويخافا معًا سوء العشرة ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ  ﴾ الحرج: الإثم أي لا جناح عليها فيما تعطيه إياه ليخلعها لأن طلبها الطلاق إنما يحظر لغير هذا العذر، ولا جناح عليه فيما يأخذ لأجل ذلك لأنه برضاها واختيارها من غير إكراه منه ولا مضارة، والخوف هنا على ظاهره وهو توقع المكروه، وفسره بعضهم بالظن وبعضهم بالعلم، وتوقع الشيء لا يكون إلا بوجود ما يدل عليه، فإن كان الدليل قطعيًا فهو من العلم وإلا فهو من الظن.

وقد جعل بعض المفسرين الخطاب الأول للأزواج والثاني للحكام، وجعل بعضهم الخطاب للحكام أولًا وآخرًا لتناسق النظم بتناسق الضمائر والذي أراه أن الخطاب في مثل هذا للأمة لأنها متكافلة في المصالح العامة، وأولو الأمر هم المطالبون أولًا وبالذات بالقيام بالمصالح، والحكام منهم وسائر الناس رقباء عليهم.

وقرأ حمزة ويعقوب "يخافا" بضم الياء أي يتوقع الناس منهما ذلك لظهور أماراته وآياته.

وظاهر الآية أنه لا فرق في الخوف من عدم إقامة حدود الله بين أن يكون مثاره الرجل أو المرأة، وخصه بعض المفسرين بما إذا كان المانع من إقامتها من جانب المرأة وهو الذي يتفق مع عدل الإسلام ويدل عليه السياق، إذ جعل هذا استثناء من تحريم أخذ الرجل المطلق شيئًا ما مما كان أعطاه امرأته.

وينجلي هذا بعرض حالات الزوجين الثلاث على العقل والعدل: فهما إن أقاما حدود الله تعالى بحسن المعاشرة وأداء كل منهما حق الآخر إلا ما كان من شذوذ يتسامح فيه عادة، فلا خوف ولا فراق، وإن عرض لهما ما يمنع إقامتها، فلا بد أن يكون العارض المانع من قبل أحدهما أو كليهما، فإن كان من قبل الرجل بأن أبغض المرأة أو فتن بغيرها وأحب فراقها لغير ذنب منها أوجب ذلك وخاف أن لا يعاملها بما يجب من المعروف، وأن تقابله بمثل ذلك فله أن يسرحها بإحسان، لأن عقدة الزوجية بيده، وليس له أن يأخذ في هذه الحالة مما كان أعطاها شيئًا بالنص.

وهو ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ  ﴾ الآية فإن التحريم فيها مبني على ما إذا كان الرجل هو الذي أراد الطلاق.

وإن كان المانع من قبلها كأن أبغضته بغضًا لا تستطيع الصبر عليه والقيام معه بحقوق الزوجية، وخافت أن تقع في النشوز، ويسرف هو في العقوبة، فمن العدل أن تعطيه ما كانت أخذت منه باسم الزوجية ليحل عقدتها، فلا يخسر ماله وزوجته معًا.

عملًا بالرخصة في الآية إذ تعين حمله عليها.

ونفي الجناح عنهما في هذه الحالة ظاهر في الرجل، وجعله بعضهم بمعنى الفرد لخفائه عليهم في جانب المرأة، وما هو يخفي فإن المرأة يذم منها شرعًا وعرفًا أن تطلب الطلاق، وقد رفع عنها الجناح فيه بهذا العذر، وهو علمها بتعذر إقامة حدود الله في الزوجية.

وقد يقال إن هناك حالة ثالثة وهي أن يكره كل منهما الآخر ويود فراقه: ونقول إن المطلوب في هذه الحال الصبر لقوله تعالى ﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا  ﴾ فإن صبر أحدهما دون الآخر جاء الوجهان السابقان، وإن اتفقا على الفراق خوفًا من الشقاق، ورضيت المرأة بأن تعطيه شيئًا صدق عليها أنها هي الطالبة للفسخ.

وجملة القول أنه لا يجوز للرجل أن يأخذ منها شيئًا إلا برضاها واختيارها من غير إيذاء منه ولا مضارة، ويدل على هذا ما ورد في نزول الآية.

أخرج البخاري والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس أن جميلة بنت عبد الله بن سلول امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي  فقالت: يا رسول الله: ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه بغضًا، وأكره الكفر في الإسلام (أي كفر نعمة العشير وخيانته) قال: "أتردين عليه حديقته"؟

قالت: نعم، قال: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة".

ولفظ ابن ماجة فأمره أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد.

وذكر السيوطي في أسباب النزول من رواية ابن جرير عن جريج أن قوله ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا  ﴾ إلخ نزل في ذلك.

وقد زعم بعض العلماء أن هذه الآية منسوخة بآية النساء التي لا استثناء فيها، ولا دليل على ذلك والجمهور على خلافه.

وهذا الفراق المبني على الافتداء يسمى الخلع وقد اختلف فيه العلماء هل هو طلاق أم فسخ؟

ولكل مذهب أدلة ليس التفسير بمحل لها، ويترتب على هذا الاختلاف في عده من الطلقات الثلاث أم لا، وفي عدة المختلعة فالجمهور على أنها كعدة المطلقة، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي والنسائي والحاكم أن النبي  أمر امرأة ثابت بن قيس أن تعتد بحيضة و مثله حديث الربيع بنت معوذ عند الترمذي.

ثم ختم الآية بوعيد من يخالف هذه الأحكام فقال ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا  ﴾ أي هذه الأوامر والنواهي هي حدود الله للمعاملة الزوجية فلا تتجاوزوها بالمخالفة ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ  ﴾ الذين صار الظلم وصفًا لازمًا لهم متمكنًا من أنفسهم دون الملتزمين لها، والظلم آفة العمران ومهلك الأمم، وإن ظلم الأزواج للأزواج أعرق في الإفساد وأعجل في الإهلاك من ظلم الأمير للرعية، لأن رابطة الزوجيّة أمتن الروابط وأحكمها فتلًا في الفطرة، فإذا فسدت الفطرة فسادًا انتكث به هذا الفتل، وانقطع هذا الحبل، فأي رجاء في الأمة من بعده يمنع عنها غضب الله وسخطه؟

ثم إن هذا الظلم ظلم للنفس يؤدي إلى الشقاء في الآخرة كما أنه مُشْق بطبيعته في الدنيا.

وقد بلغ التراخي والانفصام في رابطة الزوجية لعهدنا هذا مبلغًا لم يعهد في عصر من العصور الإسلامية، فأسرف الرجال في الطلاق، وكثر نشوز النساء وافتداؤهن من الرجال بالخلع، لفساد الفطرة في الزوجين واعتداء حدود الله من الجانبين وقد ورد في كراهة الطلاق في الشرع ما هو مشهور وورد مثله أيضًا في طلب المرأة له كحديث ثوبان عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجة وابن جرير والحاكم والبيهقي قال: قال رسول الله  : "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" فطلب الطلاق والخلع محظور في غير حال الضرورة المنصوصة في الآية، ولكنه يقع، قال البيضاوي: "والجمهور استكرهوه ولكن نفذوه" <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله