الآية ٢٣٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٨ من سورة البقرة

حَـٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ ٢٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 295 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها ، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها ، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل ؟

قال : " الصلاة على وقتها " .

قلت : ثم أي ؟

قال : " الجهاد في سبيل الله " .

قلت : ثم أي ؟

قال : " بر الوالدين " .

قال : حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو استزدته لزادني .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا ليث ، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ، عن القاسم بن غنام ، عن جدته أم أبيه الدنيا ، عن جدته أم فروة وكانت ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر الأعمال ، فقال : إن أحب الأعمال إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها " .

وهكذا رواه أبو داود ، والترمذي وقال : لا نعرفه إلا من طريق العمري ، وليس بالقوي عند أهل الحديث : وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى .

وقد اختلف السلف والخلف فيها : أي صلاة هي ؟

فقيل : إنها الصبح .

حكاه مالك في الموطأ بلاغا عن علي ، وابن عباس [ قال : مالك : وذلك رأيي ] .

وقال هشيم ، وابن علية ، وغندر ، وابن أبي عدي ، وعبد الوهاب ، وشريك وغيرهم ، عن عوف الأعرابي ، عن أبي رجاء العطاردي قال : صليت خلف ابن عباس الفجر ، فقنت فيها ، ورفع يديه ، ثم قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين .

رواه ابن جرير .

ورواه أيضا من حديث عوف ، عن خلاس بن عمرو ، عن ابن عباس ، مثله سواء .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا عوف ، عن أبي المنهال ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس : أنه صلى الغداة في مسجد البصرة ، فقنت قبل الركوع وقال : هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه فقال : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) وقال أيضا : حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني ، أخبرنا ابن المبارك ، أخبرنا الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قال : صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة صلاة الغداة ، فقلت لرجل من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى جانبي : ما الصلاة الوسطى ؟

قال : هذه الصلاة .

وروي من طريق أخرى عن الربيع ، عن أبي العالية : أنه صلى مع أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، صلاة الغداة ، فلما فرغوا قال ، قلت لهم : أيتهن الصلاة الوسطى ؟

قالوا : التي قد صليتها قبل .

وقال أيضا : حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن عتمة ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن جابر بن عبد الله قال : الصلاة الوسطى : صلاة الصبح .

وحكاه ابن أبي حاتم ، عن ابن عمر ، وأبي أمامة ، وأنس ، وأبي العالية ، وعبيد بن عمير ، وعطاء ، ومجاهد ، وجابر بن زيد ، وعكرمة ، والربيع بن أنس .

ورواه ابن جرير ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أيضا وهو الذي نص عليه الشافعي ، رحمه الله ، محتجا بقوله : ( وقوموا لله قانتين ) والقنوت عنده في صلاة الصبح .

[ ونقله الدمياطي عن عمر ، ومعاذ ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعائشة على خلاف منهم ، وأبي موسى ، وجابر ، وأنس ، وأبي الشعثاء ، وطاوس ، وعطاء ، وعكرمة ، ومجاهد ] .

ومنهم من قال : هي الوسطى باعتبار أنها لا تقصر ، وهي بين صلاتين رباعيتين مقصورتين .

وترد المغرب .

وقيل : لأنها بين صلاتي ليل جهريتين ، وصلاتي نهار سريتين .

وقيل : إنها صلاة الظهر .

قال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزبرقان يعني ابن عمرو عن زهرة يعني ابن معبد قال : كنا جلوسا عند زيد بن ثابت ، فأرسلوا إلى أسامة ، فسألوه عن الصلاة الوسطى ، فقال : هي الظهر ، كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يصليها بالهجير .

وقال [ الإمام ] أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، حدثني عمرو بن أبي حكيم ، سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير ، عن زيد بن ثابت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، منها ، فنزلت : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) وقال : " إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين " ، ورواه أبو داود في سننه ، من حديث شعبة ، به .

وقال أحمد أيضا : حدثنا يزيد ، حدثنا ابن أبي ذئب عن الزبرقان أن رهطا من قريش مر بهم زيد بن ثابت ، وهم مجتمعون ، فأرسلوا إليه غلامين لهم ; يسألانه عن الصلاة الوسطى ، فقال : هي العصر .

فقام إليه رجلان منهم فسألاه ، فقال : هي الظهر .

ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه ، فقال : هي الظهر ; إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير ، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان ، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم ، فأنزل الله : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم " .

الزبرقان هو ابن عمرو بن أمية الضمري ، لم يدرك أحدا من الصحابة .

والصحيح ما تقدم من روايته ، عن زهرة بن معبد ، وعروة بن الزبير .

وقال شعبة وهمام ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عمر ، عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى : صلاة الظهر .

وقال أبو داود الطيالسي وغيره ، عن شعبة ، أخبرني عمر بن سليمان ، من ولد عمر بن الخطاب قال : سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان ، يحدث عن أبيه ، عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى هي الظهر .

ورواه ابن جرير ، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، عن عبد الصمد ، عن شعبة ، عن عمر بن سليمان ، به ، عن زيد بن ثابت ، في حديث رفعه قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر .

وممن روي عنه أنها الظهر : ابن عمر ، وأبو سعيد ، وعائشة على اختلاف عنهم .

وهو قول عروة بن الزبير ، وعبد الله بن شداد بن الهاد .

ورواية عن أبي حنيفة ، رحمهم الله .

وقيل : إنها صلاة العصر .

قال الترمذي والبغوي ، رحمهما الله : وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم ، وقال القاضي الماوردي : وهو قول جمهور التابعين .

وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر : هو قول أكثر أهل الأثر .

وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره : هو قول جمهور الناس .

وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى : " كشف المغطى ، في تبيين الصلاة الوسطى " : وقد نصر فيه أنها العصر ، وحكاه عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي أيوب ، وعبد الله بن عمرو ، وسمرة بن جندب ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وحفصة ، وأم حبيبة ، وأم سلمة .

وعن ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة على الصحيح عنهم .

وبه قال عبيدة ، وإبراهيم النخعي ، وزر بن حبيش ، وسعيد بن جبير ، وابن سيرين ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، والكلبي ، ومقاتل ، وعبيد بن أبي مريم ، وغيرهم وهو مذهب أحمد بن حنبل .

قال القاضي الماوردي : والشافعي .

قال ابن المنذر : وهو الصحيح عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، واختاره ابن حبيب المالكي ، رحمهم الله .

ذكر الدليل على ذلك : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن مسلم ، عن شتير بن شكل عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا " .

ثم صلاها بين العشاءين : المغرب والعشاء .

وكذا رواه مسلم ، من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير ، والنسائي من طريق عيسى بن يونس ، كلاهما عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن أبي الضحى ، عن شتير بن شكل بن حميد ، عن علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

وقد رواه مسلم أيضا ، من طريق شعبة ، عن الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار ، عن علي ، به .

وأخرجه الشيخان ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وغير واحد من أصحاب المساند والسنن ، والصحاح من طرق يطول ذكرها ، عن عبيدة السلماني ، عن علي ، به .

ورواه الترمذي ، والنسائي من طريق الحسن البصري ، عن علي ، به .

قال الترمذي : ولا يعرف سماعه منه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن زر : قال قلت لعبيدة : سل عليا عن صلاة الوسطى ، فسأله ، فقال : كنا نراها الفجر أو الصبح حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم نارا " ورواه ابن جرير ، عن بندار ، عن ابن مهدي ، به .

وحديث يوم الأحزاب ، وشغل المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذ ، مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم ، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى : هي صلاة العصر .

وقد رواه مسلم أيضا ، من حديث ابن مسعود ، والبراء بن عازب رضي الله عنهما .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلاة الوسطى : صلاة العصر " .

وحدثنا بهز ، وعفان قالا حدثنا أبان ، حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قال : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) وسماها لنا أنها هي : صلاة العصر .

وحدثنا محمد بن جعفر ، وروح ، قالا : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة بن جندب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " هي العصر " .

قال ابن جعفر : سئل عن صلاة الوسطى .

ورواه الترمذي ، من حديث سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة .

وقال : حسن صحيح : وقد سمع منه .

[ حديث آخر ] : وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن التيمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " .

طريق أخرى ، بل حديث آخر : وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي الواسطي ، حدثنا الوليد بن مسلم .

قال : أخبرني صدقة بن خالد ، حدثني خالد بن دهقان ، عن خالد بن سبلان ، عن كهيل بن حرملة .

قال : سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى ، فقال : اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها ، ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفينا الرجل الصالح : أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، فقال : أنا أعلم لكم ذلك : فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل عليه ، ثم خرج إلينا فقال : أخبرنا أنها صلاة العصر غريب من هذا الوجه جدا .

حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا عبد السلام ، عن سالم مولى أبي بصير حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال : كنت جالسا عند عبد العزيز بن مروان فقال : يا فلان ، اذهب إلى فلان فقل له : أي شيء سمعت من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .

في الصلاة الوسطى ؟

فقال رجل جالس : أرسلني أبو بكر وعمر وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى ، فأخذ إصبعي الصغيرة فقال : هذه الفجر ، وقبض التي تليها ، فقال : هذه الظهر .

ثم قبض الإبهام ، فقال : هذه المغرب .

ثم قبض التي تليها ، فقال : هذه العشاء .

ثم قال : أي أصابعك بقيت ؟

فقلت : الوسطى .

فقال : أي الصلاة بقيت ؟

فقلت : العصر .

فقال : هي العصر .

غريب أيضا .

حديث آخر : قال ابن جرير : حدثني محمد بن عوف الطائي ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي ، حدثني ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " .

إسناده لا بأس به .

حديث آخر : قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه : حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير ، حدثنا الجراح بن مخلد ، حدثنا عمرو بن عاصم ، حدثنا همام عن قتادة عن مورق العجلي ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة الوسطى صلاة العصر " .

وقد روى الترمذي ، من حديث محمد بن طلحة بن مصرف ، عن زبيد اليامي ، عن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة الوسطى صلاة العصر " ثم قال : حسن صحيح .

وأخرجه مسلم في صحيحه ، من طريق محمد بن طلحة ، به ولفظه : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " الحديث .

فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئا ، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ، من رواية الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " .

وفي الصحيح أيضا ، من حديث الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهاجر عن بريدة بن الحصيب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بكروا بالصلاة في يوم الغيم ، فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، عن أبي تميم ، عن أبي بصرة الغفاري قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد من أوديتهم ، يقال له : المخمص صلاة العصر ، فقال : " إن هذه الصلاة صلاة العصر عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها ، ألا ومن صلاها ضعف له أجره مرتين ، ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد " .

ثم قال : رواه عن يحيى بن إسحاق ، عن الليث ، عن خير بن نعيم ، عن عبد الله بن هبيرة ، به .

وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن الليث .

ورواه مسلم أيضا من حديث محمد بن إسحاق ، حدثني يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن خير بن نعيم الحضرمي ، عن عبد الله ابن هبيرة السبائي .

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضا : حدثنا إسحاق ، أخبرني مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي يونس مولى عائشة قال : أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا ، قالت : إذا بلغت هذه الآية : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فآذني .

فلما بلغتها آذنتها ، فأملت علي : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " قالت : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، به .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا الحجاج ، حدثنا حماد ، عن هشام بن عروة عن أبيه قال : كان في مصحف عائشة : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر " .

وهكذا رواه من طريق الحسن البصري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها كذلك .

وقد روى الإمام مالك أيضا ، عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع قال : كنت أكتب مصحفا لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إذا بلغت هذه الآية : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فآذني فلما بلغتها آذنتها .

فأملت علي : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " .

وهكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار فقال : حدثني أبو جعفر محمد بن علي ، ونافع مولى ابن عمر : أن عمر بن نافع قال .

.

.

فذكر مثله ، وزاد : كما حفظتها من النبي صلى الله عليه وسلم .

طريق أخرى عن حفصة : قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن عبد الله بن يزيد الأزدي ، عن سالم بن عبد الله : أن حفصة أمرت إنسانا أن يكتب لها مصحفا ، فقالت : إذا بلغت هذه الآية : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فآذني .

فلما بلغ آذنها فقالت : اكتب : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " .

طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثني ابن المثنى عبد الوهاب ، حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فقالت : إذا بلغت هذه الآية : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها .

فلما بلغها أمرته فكتبها : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " .

قال نافع : فقرأت ذلك المصحف فرأيت فيه " الواو " .

وكذا روى ابن جرير ، عن ابن عباس وعبيد بن عمير أنهما قرآ كذلك .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبدة ، حدثنا محمد بن عمرو ، حدثني أبو سلمة ، عن عمرو بن رافع مولى عمر قال : كان في مصحف حفصة : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " .

وتقرير المعارضة أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي تقتضي المغايرة ، فدل ذلك على أنها غيرها وأجيب عن ذلك بوجوه : أحدها أن هذا إن روي على أنه خبر ، فحديث علي أصح وأصرح منه ، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة ، كما في قوله : ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) [ الأنعام : 55 ] ، ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) [ الأنعام : 75 ] ، أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات ، كقوله : ( ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) [ الأحزاب : 40 ] ، وكقوله : ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى ) [ الأعلى 14 ] وأشباه ذلك كثيرة ، وقال الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم وقال أبو دؤاد الإيادي : سلط الموت والمنون عليهم فلهم في صدى المقابر هام والموت هو المنون ; قال عدي بن زيد العبادي : فقدمت الأديم لراهشيه فألفى قولها كذبا ومينا والكذب : هو المين ، وقد نص سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل : مررت بأخيك وصاحبك ، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه ، والله أعلم .

وأما إن روي على أنه قرآن فإنه لم يتواتر ، فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن ; ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان في المصحف الإمام ، ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم ، لا من السبعة ولا غيرهم .

ثم قد روي ما يدل على نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث .

قال مسلم : حدثنا إسحاق ابن راهويه ، أخبرنا يحيى بن آدم ، عن فضيل بن مرزوق ، عن شقيق بن عقبة ، عن البراء بن عازب ، قال : نزلت : " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " فقرأناها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله ، ثم نسخها الله ، عز وجل ، فأنزل : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فقال له زاهر رجل كان مع شقيق : أفهي العصر ؟

قال : قد حدثتك كيف نزلت ، وكيف نسخها الله ، عز وجل .

قال مسلم : ورواه الأشجعي ، عن الثوري ، عن الأسود ، عن شقيق .

قلت : وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد ، والله أعلم .

فعلى هذا تكون هذه التلاوة ، وهي تلاوة الجادة ، ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة ، ولمعناها ، إن كانت الواو دالة على المغايرة ، وإلا فللفظها فقط ، والله أعلم .

وقيل : إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب .

رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس .

وفي إسناده نظر ; فإنه رواه عن أبيه ، عن أبي الجماهر عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عمه ، عن ابن عباس قال : صلاة الوسطى : المغرب .

وحكى هذا القول ابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب وحكي أيضا عن قتادة على اختلاف عنه .

ووجه هذا القول بعضهم بأنها : وسطى في العدد بين الرباعية والثنائية ، وبأنها وتر المفروضات ، وبما جاء فيها من الفضيلة ، والله أعلم .

وقيل : إنها العشاء الآخرة ، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور : وقيل : هي واحدة من الخمس ، لا بعينها ، وأبهمت فيهن ، كما أبهمت ليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر .

ويحكى هذا القول عن سعيد بن المسيب ، وشريح القاضي ، ونافع مولى ابن عمر ، والربيع بن خثيم ، ونقل أيضا عن زيد بن ثابت ، واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته .

وقيل : بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس ، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر ، وفي صحته أيضا نظر والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري ، إمام ما وراء البحر ، وإنها لإحدى الكبر ، إذ اختاره مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر .

وقيل : إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر ، وقيل : بل هي صلاة الجماعة .

وقيل : صلاة الجمعة .

وقيل : صلاة الخوف .

وقيل : بل صلاة عيد الفطر .

وقيل : بل صلاة عيد الأضحى .

وقيل : الوتر .

وقيل : الضحى .

وتوقف فيها آخرون لما تعارضت عندهم الأدلة ، ولم يظهر لهم وجه الترجيح .

ولم يقع الإجماع على قول واحد ، بل لم يزل التنازع فيها موجودا من زمن الصحابة وإلى الآن .

قال ابن جرير : حدثني محمد بن بشار وابن مثنى ، قالا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة قال : سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا ، وشبك بين أصابعه .

[ وقد حكى فخر الدين الرازي في تفسيره قولا عن جمع من العلماء منهم زيد بن ثابت ، وربيع بن خثيم : أنها لم يرد بيانها ، وإنما أريد إبهامها ، كما أبهمت ليلة القدر في شهر رمضان ، وساعة الإجابة في يوم الجمعة ، والاسم الأعظم في أسماء الله تعالى ، ووقت الموت على المكلف ; ليكون في كل وقت مستعدا ، وكذا أبهمت الليلة التي ينزل فيها من السماء وباء ليحذرها الناس ، ويعطوا الأهبة دائما ، وكذا وقت الساعة استأثر الله بعلمه ; فلا تأتي إلا بغتة ] .

وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها ، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر .

وقد ثبتت السنة بأنها العصر ، فتعين المصير إليها .

وقد روى الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتاب " فضائل الشافعي " رحمه الله : حدثنا أبي ، سمعت حرملة بن يحيى التجيبي يقول : قال الشافعي : كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح ، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى ، ولا تقلدوني .

وكذا روى الربيع والزعفراني وأحمد بن حنبل ، عن الشافعي .

وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود ، عن الشافعي : إذا صح الحديث وقلت قولا فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك .

فهذا من سيادته وأمانته ، وهذا نفس إخوانه من الأئمة ، رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين آمين .

ومن هاهنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الشافعي ، رحمه الله ، أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر ، وإن كان قد نص في الجديد وغيره أنها الصبح ، لصحة الأحاديث أنها العصر ، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب ، ولله الحمد والمنة .

ومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر مذهبا للشافعي ، وصمموا على أنها الصبح قولا واحدا .

قال الماوردي : ومنهم من حكى في المسألة قولين ، ولتقرير المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا ، وقد أفردناه على حدة ، ولله الحمد والمنة .

وقوله تعالى : ( وقوموا لله قانتين ) أي : خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه ، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة ، لمنافاته إياها ; ولهذا لما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الرد على ابن مسعود حين سلم عليه ، وهو في الصلاة ، اعتذر إليه بذلك ، وقال .

" إن في الصلاة لشغلا " ، وفي صحيح مسلم أنه عليه السلام قال لمعاوية بن الحكم [ السلمي ] حين تكلم في الصلاة : " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله " .

وقال الإمام أحمد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل ، حدثني الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن زيد بن أرقم قال : كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، في الحاجة في الصلاة ، حتى نزلت هذه الآية : ( وقوموا لله قانتين ) فأمرنا بالسكوت .

رواه الجماعة سوى ابن ماجه ، به ، من طرق عن إسماعيل ، به .

وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء ، حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة ، قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض الحبشة ، كما دل على ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح ، قال : كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة ، فيرد علينا ، قال : فلما قدمنا سلمت عليه ، فلم يرد علي ، فأخذني ما قرب وما بعد ، فلما سلم قال : " إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة ، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء ، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة " .

وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديما ، وهاجر إلى الحبشة ، ثم قدم منها إلى مكة مع من قدم ، فهاجر إلى المدينة ، وهذه الآية : ( وقوموا لله قانتين ) مدنية بلا خلاف ، فقال قائلون : إنما أراد زيد بن أرقم بقوله : " كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة " الإخبار عن جنس الناس ، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها ، والله أعلم .

وقال آخرون : إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها ، ويكون ذلك فقد أبيح مرتين ، وحرم مرتين ، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم ، والأول أظهر .

والله أيضا أعلم .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا بشر بن الوليد ، حدثنا إسحاق بن يحيى ، عن المسيب ، عن ابن مسعود قال : كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة ، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه ، فلم يرد علي ، فوقع في نفسي أنه نزل في شيء ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال : " وعليك السلام ، أيها المسلم ، ورحمة الله ، إن الله ، عز وجل ، يحدث من أمره ما يشاء فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى القول في تأويل قوله تعالى : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } يعنى تعالى ذكره بذلك : واظبوا على الصلوات المكتوبات في أوقاتهن , وتعاهدوهن والزموهن وعلى الصلاة الوسطى منهن .

وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 4210 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق بن الحجاج , قال : ثنا أبو زهير , عن الأعمش , عن عن عن مسروق في قوله : { حافظوا على الصلوات } قال : المحافظة عليها : المحافظة على وقتها , وعدم السهو عنها .

* حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي , قال : ثنا أبي , عن أبيه , عن جده , عن الأعمش , عن مسلم , عن مسروق في هذه الآية : { حافظوا على الصلوات } فالحفاظ عليها : الصلاة لوقتها , والسهو عنها : ترك وقتها .

ثم اختلفوا في الصلاة الوسطى , فقال بعضهم : هي صلاة العصر .

ذكر من قال ذلك : 4211 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , وحدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد جميعا , قالا : ثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن الحارث , عن علي قال : والصلاة الوسطى " صلاة العصر .

4212 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي , قال : ثنا أبو الأحوص , عن أبي إسحاق , قال : ثني من سمع ابن عباس وهو يقول : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } قال : العصر .

* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مصعب بن سلام , عن أبي حيان , عن أبيه , عن علي قال : والصلاة الوسطى " صلاة العصر .

* حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا أبو حيان , عن أبيه , عن علي , مثله .

* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مصعب عن الأجلح , عن أبي إسحاق , عن الحارث , قال : سمعت عليا يقول : " الصلاة الوسطى " : صلاة العصر .

* حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن أبي إسحاق , عن الحارث , قال : سألت عليا عن الصلاة الوسطى , فقال : صلاة العصر .

4213 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري , قال : ثنا أبو زرعة وهب بن راشد , قال : أخبرنا حيوة بن شريح , قال : أخبرنا أبو صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول : سمعت أبا الصهباء البكري يقول : سألت علي بن أبي طالب عن الصلاة الوسطى ؟

فقال : هي صلاة العصر , وهي التي فتن بها سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم .

4214 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا سليمان التيمي , وحدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن الفضل , قال : ثنا التيمي , عن أبي صالح , عن أبي هريرة أنه قال : " الصلاة الوسطى " صلاة العصر .

* حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن معمر , عن عبد الله بن عثمان بن غنم , عن ابن لبيبة , عن أبي هريرة : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } ألا وهي العصر , ألا وهي العصر .

4215 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أبي وشعيب بن الليث , عن الليث , عن يزيد بن الهاد , عن ابن شهاب , عن سالم بن عبد الله , عن عبد الله , قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " فكان ابن عمر يرى لصلاة العصر فضيلة للذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أنها الصلاة الوسطى .

* حدثني محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا معتمر , عن أبيه , قال : زعم أبو صالح , عن أبي هريرة أنه قال : هي صلاة العصر .

* حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب , قال : ثني عمي عبد الله بن وهب , قال : أخبرني عمرو بن الحارث , عن ابن شهاب , عن سالم , عن أبيه , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه .

قال ابن شهاب : وكان ابن عمر يرى أنها الصلاة الوسطى .

4216 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عفان بن مسلم , قال : ثنا همام , عن قتادة , عن الحسن , عن أبي سعيد الخدري قال : الصلاة الوسطى : صلاة العصر .

4217 - حدثني محمد بن معمر , قال : ثنا ابن عامر , قال : ثنا محمد بن أبي حميد , عن حميدة ابنة أبي يونس مولاة عائشة , قالت : أوصت عائشة لنا بمتاعها , فوجدت في مصحف عائشة : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } وهي العصر { وقوموا لله قانتين } 4218 - حدثني سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا أبي , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرنا عبد الملك بن عبد الرحمن أن أمه أم حميد بنت عبد الرحمن سألت عائشة عن الصلاة الوسطى , قالت : كنا نقرؤها في الحرف الأول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين " .

* حدثني عباس بن محمد , قال : ثنا حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني عبد الملك بن عبد الرحمن عن أمه أم حميد ابنة عبد الرحمن أنها سألت عائشة فذكر نحوه , إلا أنه قال : وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " .

4219 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا أبي , عن محمد بن عمرو أبي سهل الأنصاري , عن القاسم بن محمد , عن عائشة في قوله : { الصلاة الوسطى } قالت : صلاة العصر .

4220 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , عن هشام بن عروة , عن أبيه , قال : كان في مصحف عائشة : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر " .

4221 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن داود بن قيس , قال : ثني عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال : أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفا وقالت : إذا انتهيت إلى آية الصلاة فأعلمني !

فأعلمتها , فأملت علي : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر " .

4222 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , قال : كان الحسن يقول : الصلاة الوسطى صلاة العصر .

* حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر , عن أبيه , قال : ثنا قتادة , عن أبي أيوب , عن عائشة أنها قالت : الصلاة الوسطى : صلاة العصر .

* حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يحيى , عن سليمان التيمي , عن قتادة , عن أبي أيوب , عن عائشة , مثله .

4223 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , قال : ثنا عنبسة , عن المغيرة , عن إبراهيم قال : كان يقال : الصلاة الوسطى : صلاة العصر .

* حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : ذكر لنا عن علي بن أبي طالب أنه قال : الصلاة الوسطى : صلاة العصر .

4224 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير : قال : صلاة الوسطى : صلاة العصر .

4225 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن أبي بشر , عن سالم , عن حفصة , أنها أمرت رجلا يكتب لها مصحفا , فقالت : إذا بلغت هذا المكان فأعلمني !

فلما بلغ { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } قال : اكتب صلاة العصر .

4226 - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد بن سلمة , قال : أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع , عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب مصحفها : إذا بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني حتى أخبرك بما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم !

فلما أخبرها قالت : اكتب , فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر " .

4227 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , عن عاصم بن بهدلة , عن زر بن حبيش , قال : صلاة الوسطى : هي العصر .

4228 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } كنا نحدث أنها صلاة العصر , قبلها صلاتان من النهار وبعدها صلاتان من الليل .

4229 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } قال : أمروا بالمحافظة على الصلوات , قال : وخص العصر والصلاة الوسطى ; يعني العصر .

4230 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد الله بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { والصلاة الوسطى } هي العصر .

- حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : ذكر لنا عن علي بن أبي طالب أنه قال : " الصلاة الوسطى " : صلاة العصر .

4231 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { حافظوا على الصلوات } يعني المكتوبات , { والصلاة الوسطى } يعني صلاة العصر .

* حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا قيس , عن أبي إسحاق , عن رزين بن عبيد , عن ابن عباس , قال : سمعته يقوله : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } قال : صلاة العصر .

4232 - حدثني أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا إسرائيل , عن ثور , عن مجاهد , قال : الصلاة الوسطى : صلاة العصر .

* حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , قال : الصلاة الوسطى : صلاة العصر .

* حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن رزين بن عبيد , قال : سمعت ابن عباس يقول : هي صلاة العصر .

4233 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , قال : أنبأنا إسماعيل بن مسلم , عن الحسن , عن سمرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " .

4234 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا وهب بن جرير , قال : ثنا أبي , قال : سمعت يحيى بن أيوب , يحدث عن يزيد بن أبي حبيب , عن مرة بن مخمر , عن سعيد بن الحكم , قال : سمعت أبا أيوب يقول : صلاة الوسطى : صلاة العصر .

4235 - حدثنا ابن سفيان , قال : ثنا أبو عاصم , عن مبارك , عن الحسن , قال : صلاة الوسطى : صلاة العصر .

وعلة من قال هذا القول ما : 4236 - حدثني به محمد بن معمر , قال : ثنا أبو عامر , قال : ثنا محمد , يعني ابن طلحة , عن زبيد , عن مرة , عن عبد الله , قال : شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى اصفرت أو احمرت , فقال : " شغلونا عن الصلاة الوسطى , ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا " .

* حدثني أحمد بن سنان الواسطي , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا محمد بن طلحة , عن زبيد عن مرة , عن عبد الله , عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه , إلا أنه قال : " ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى " .

4237 - حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت قتادة يحدث , عن أبي حسان , عن عبيدة السلماني , عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس , ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " - أو " بطونهم نارا " شك شعبة في البطون والبيوت .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عاصم , عن زر , قال : قلت لعبيدة السلماني : سل علي بن أبي طالب عن الصلاة الوسطى ؟

فسأله فقال : كنا نراها الصبح أو الفجر , حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر , ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا " .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن الأعمش , عن أبي الضحى , عن شتير بن شكل , عن علي , قال : شغلونا يوم الأحزاب عن صلاة العصر , حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " , أو " أجوافهم نارا " * حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , عن يحيى بن الجزار عن علي , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب على فرضة من فرض الخندق فقال : " شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس , ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " أو " بطونهم وبيوتهم نارا " .

* حدثني أبو السائب وسعيد بن نمير , قالا : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن مسلم , عن شتير بن شكل , عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر , ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " ثم صلاها بين العشاءين , بين المغرب والعشاء .

* حدثنا الحسين بن علي الصدائي , قال : ثنا علي بن عاصم , عن خالد , عن محمد بن سيرين , عن عبيدة السلماني , عن علي , قال : لم يصل رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر يوم الخندق إلا بعد ما غربت الشمس , فقال : " ما لهم ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا منعونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس " .

* حدثنا زكريا بن يحيى الضرير , قال : ثنا عبيد الله , عن إسرائيل , عن عاصم , عن زر , قال : انطلقت أنا وعبيدة السلماني إلى علي , فأمرت عبيدة أن يسأله عن الصلاة الوسطى , فقال : يا أمير المؤمنين ما الصلاة الوسطى ؟

فقال : كنا نراها صلاة الصبح , فبينا نحن نقاتل أهل خيبر , فقاتلوا , حتى أرهقونا عن الصلاة , وكان قبيل غروب الشمس , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم املأ قلوب هؤلاء القوم الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى وأجوافهم نارا " أو " املأ قلوبهم نارا " قال : فعرفنا يومئذ أنها الصلاة الوسطى .

* حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن أبي حسان الأعرج , عن عبيدة السلماني , عن علي بن أبي طالب أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب : " اللهم املأ قلوبهم وبيوتهم نارا , كما شغلونا " - " أو كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس " .

* حدثنا سليمان بن عبد الجبار , قال : ثنا ثابت بن محمد , قال : ثنا محمد بن طلحة , عن زبيد , عن مرة , عن ابن مسعود , قال : حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر , حتى اصفرت الشمس أو احمرت , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقلوبهم نارا " - أو " حشا الله قلوبهم وبيوتهم نارا " .

4238 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي , قال : ثنا سهل بن عامر , قال : ثنا مالك بن مغول , قال : سمعت طلحة , قال : صليت مع مرة في بيته , فسها - أو قال : نسي - فقام قائما يحدثنا , وقد كان يعجبني أن أسمعه من ثقة قال : لما كان يوم الخندق - يعني يوم الأحزاب - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما لهم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر , ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا " .

4239 - حدثنا أحمد بن منيع , قال : ثنا عبد الوهاب , عن ابن عطاء , عن التيمي , عن أبي صالح , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة الوسطى صلاة العصر " .

4240 - حدثني علي بن مسلم الطوسي , قال : ثنا عباد بن العوام , عن هلال بن خباب , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له , فحبسه المشركون عن صلاة العصر حتى أمسى بها , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم املأ بيوتهم وأجوافهم نارا , كما حبسونا عن الصلاة الوسطى " .

* حدثنا موسى بن سهل الرملي , قال : ثنا إسحاق , عن عبد الواحد الموصلي , قال : ثنا خالد بن عبد الله عن ابن أبي ليلى , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس , قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس , ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " .

* حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا خالد , عن ابن أبي ليلى , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس , قال : شغل الأحزاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " شغلونا عن الصلاة الوسطى , ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " أو " أجوافهم نارا " .

4241 - حدثني المثنى , قال : ثنا سليمان بن أحمد الحرشي الواسطي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال أخبرني صدقة بن خالد , قال : حدثني خالد بن دهقان , عن جابر بن سيلان , عن كهيل بن حرملة , قال : سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى , فقال : اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفينا الرجل الصالح أبو هشام بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس , فقال : أنا أعلم لكم ذلك .

فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فدخل عليه , ثم خرج إلينا فقال : أخبرنا أنها صلاة العصر .

4242 - حدثني الحسين بن علي الصدائي , قال : ثنا أبي , وحدثنا ابن إسحاق الأهوازي , قال : ثنا أبو أحمد , قالا جميعا : ثنا فضيل بن مسروق , عن شقيق بن عقبة العبدي , عن البراء بن عازب , قال : نزلت هذه الآية : " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " قال : فقرأتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن نقرأها , ثم إن الله نسخها , فأنزل : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } قال : فقال رجل كان مع شقيق : فهي صلاة العصر !

قال : قد حدثتك كيف نزلت , وكيف نسخها الله , والله أعلم .

* حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , وحدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر ومحمد بن عبد الله الأنصاري , قالا جميعا : ثنا سعيد بن أبي عروبة , وحدثنا !

أبو كريب , قال : ثنا عبدة بن سليمان ومحمد بن بشر وعبد الله بن إسماعيل , عن سعيد , عن قتادة , عن الحسن , عن سمرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " .

* حدثني عصام بن رواد بن الجراح , قال : ثنا أبي , قال : ثنا سعيد بن بشير , عن قتادة , عن الحسن عن سمرة , قال : أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , أن الصلاة الوسطى هي العصر .

4243 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن سليمان , عن أبي الضحى , عن شتير بن شكل , عن أم حبيبة , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس " قال أبو موسى : هكذا قال ابن أبي عدي .

4244 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن يونس , عن الحسن , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي العصر " 4245 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا عبد السلام , عن سالم مولى أبي نصير , قال : ثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي , قال : كنت جالسا عند عبد العزيز بن مروان , فقال : يا فلان اذهب إلى فلان فقل له : أي شيء سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة الوسطى ؟

فقال رجل جالس : أرسلني أبو بكر وعمر وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى , فأخذ إصبعي الصغيرة فقال : " هذه الفجر " , وقبض التي تليها وقال : " هذه الظهر " , ثم قبض الإبهام فقال : " هذه المغرب " , ثم قبض التي تليها ثم قال : " هذه العشاء " , ثم قال : " أي أصابعك بقيت ؟

" فقلت : الوسطى , فقال : " أي صلاة بقيت ؟

" قلت : العصر , قال : " هي العصر " .

4246 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : ذكر لنا أن المشركين شغلوهم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى غابت الشمس , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس , ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا " .

* حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمرو , عن أبي سلمة , قال : ثنا صدقة , عن سعيد , عن قتادة , عن أبي حسان , عن عبيدة السلماني , عن علي بن أبي طالب , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب : " اللهم املأ بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس " .

4247 - حدثني محمد بن عوف الطائي , قال : ثني محمد بن إسماعيل بن عياش , قال : ثنا أبي , قال : ثني ضمضم بن زرعة , عن شريح بن عبيد , عن أبي مالك الأشعري , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " .

وقال آخرون : بل الصلاة الوسطى صلاة الظهر .

ذكر من قال ذلك : 4248 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عفان , قال : ثنا همام , قال : ثنا قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن ابن عمر , عن زيد بن ثابت , قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر .

* حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي , قال : ثنا أبو عامر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن ابن عمر , عن زيد , يعني ابن ثابت , مثله .

* حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن سعد بن إبراهيم , قال : سمعت حفص بن عاصم يحدث عن زيد بن ثابت , قال : الصلاة الوسطى الظهر .

* حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا سليمان بن داود , قال : ثنا شعبة , وحدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن شعبة , قال : أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب , قال : سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان , يحدث عن أبيه , عن زيد بن ثابت , قال : الصلاة الوسطى هي الظهر .

4249 - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا عبد الصمد , قال : ثنا شعبة , عن عمر بن سليمان هكذا قال أبو زائدة , عن عبد الرحمن بن أبان , عن أبيه , عن زيد بن ثابت في حديثه رفعه : " الصلاة الوسطى صلاة الظهر " .

4250 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا عبد الله بن يزيد , قال : ثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة , قالا : ثنا أبو عقيل زهرة بن معبد , أن سعيد بن المسيب حدثه أنه كان قاعدا هو وعروة بن الزبير وإبراهيم بن طلحة , فقال سعيد بن المسيب : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : " الصلاة الوسطى هي الظهر " , فمر علينا عبد الله بن عمر , فقال عروة : أرسلوا إلى ابن عمر فاسألوه !

فأرسلوا إليه غلاما فسأله , ثم جاءنا الرسول فقال يقول : هي صلاة الظهر .

فشككنا في قول الغلام , فقمنا جميعا , فذهبنا إلى ابن عمر , فسألناه , فقال : هي صلاة الظهر .

* حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا العوام بن حوشب , قال : ثني رجل من الأنصار , عن زيد بن ثابت أنه كان يقول : هي الظهر .

* حدثني أحمد بن إسحاق , ثنا أبو أحمد , قال : ثنا ابن أبي ذئب , وحدثني المثنى , قال : ثنا آدم , قال : ثنا ابن أبي ذئب , عن الزبرقان بن عمرو , عن زيد بن ثابت , قال : الصلاة الوسطى : صلاة الظهر .

* حدثنا المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا عبيد الله , عن نافع , عن زيد بن ثابت أنه قال : الصلاة الوسطى : هي صلاة الظهر .

4251 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع بن يزيد , قال : ثني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان , قال : ثني عبد الله بن دينار , عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن الصلاة الوسطى , قال : هي التي على أثر الضحى .

4252 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : ثنا نافع بن يزيد , قال : ثني الوليد بن أبي الوليد أن سلمة بن أبي مريم حدثه أن نفرا من قريش أرسلوا إلى عبد الله بن عمر يسألونه عن الصلاة الوسطى , فقال له : هي التي على أثر صلاة الضحى .

فقالوا له : ارجع واسأله , فما زادنا إلا عيا بها !

فمر بهم عبد الرحمن بن أفلح مولى عبد الله بن عمر , فأرسلوا إليه أيضا , فقال .

هي التي توجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة .

* حدثني ابن البرقي قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع , قال : ثني زهرة بن - معبد , قال : ثني سعيد بن المسيب : أنه كان قاعدا هو وعروة وإبراهيم بن طلحة , فقال له سعيد : سمعت أبا سعيد يقول : إن صلاة الظهر هي الصلاة الوسطى .

فمر علينا ابن عمر فقال عروة : أرسلوا إليه فاسألوه !

فسأله الغلام فقال : هي الظهر , فشككنا في قول الغلام , فقمنا إليه جميعا , فسألناه , فقال : هي الظهر .

4253 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عثمان بن عمر , قال : ثنا أبو عامر , عن عبد الرحمن بن قيس , عن ابن أبي رافع , عن أبيه - وكان مولى لحفصة - قال : استكتبتني حفصة مصحفا وقالت لي : إذا أتيت على هذه الآية فأعلمني حتى أمليها عليك كما أقرأنيها !

فلما أتيت على هذه الآية : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } أتيتها , فقالت : اكتب : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر .

فلقيت أبي بن كعب أو زيد بن ثابت , فقلت : يا أبا المنذر إن حفصة قالت كذا وكذا .

قال : هو كما قالت , أو ليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في غنمنا ونواضحنا ؟

وعلة من قال ذلك ما : 4254 - حدثنا به محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : أخبرني عمرو بن أبي حكيم , قال : سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير , عن زيد بن ثابت , قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة , ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها , قال : فنزلت { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } وقال : " إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين " .

4255 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال .

أخبرنا ابن أبي ذئب , عن الزبرقان قال : إن رهطا من قريش مر بهم زيد بن ثابت , فأرسلوا إليه رجلين يسألانه عن الصلاة الوسطى , فقال زيد : هي الظهر .

فقام رجلان منهم فأتيا أسامة بن زيد فسألاه عن الصلاة الوسطى , فقال : هي الظهر , إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير , فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان , الناس يكونون في قاتلتهم وفي تجارتهم , فقال رسول الله : " لقد هممت أن أحرق على أقوام لا يشهدون الصلاة بيوتهم " قال : فنزلت هذه الآية : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } وكان آخرون يقرءون ذلك : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " .

ذكر من كان يقول ذلك كذلك .

4256 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن عبد الله بن يزيد الأزدي , عن سالم بن عبد الله , أن حفصة أمرت إنسانا فكتب مصحفا , فقالت : إذا بلغت هذه الآية : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } فآذني !

فلما بلغ آذنها , فقالت : اكتب : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " .

4257 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فقالت : إذا بلغت هذه الآية : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها .

فلما بلغها أمرته فكتبها : وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين و ; قال نافع : فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه " الواو " .

4258 - حدثنا الربيع بن سليمان , قال : ثنا أسد بن موسى , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن عبيد الله بن عمر , عن نافع , عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب مصحفها : إذا بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني حتى آمرك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول .

فلما أخبرها قالت : اكتب فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " .

4259 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبدة بن سليمان , قال : ثنا محمد بن عمرو , قال : ثني أبو سلمة , عن عمرو بن رافع مولى عمر , قال : كان مكتوبا في مصحف حفصة : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " .

* حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري , قال : ثنا أبي وشعيب , عن الليث , قال : ثنا خالد بن يزيد , عن ابن أبي هلال , عن زيد , عن عمرو بن رافع , قال : دعتني حفصة فكتبت لها مصحفا , فقالت : إذا بلغت آية الصلاة فأخبرني !

فلما كتبت : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } قالت : " وصلاة العصر " أشهد أني سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

4260 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثني أبي وشعيب بن الليث , عن الليث , قال : أخبرني خالد بن يزيد , عن ابن أبي هلال , عن زيد أنه بلغه عن أبي يونس مولى عائشة , مثل ذلك .

* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : حدثني خالد , عن سعيد , عن زيد بن أسلم أنه بلغه عن أبي يونس مولى عائشة , عن عائشة , مثل ذلك 4261 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا وهب بن جرير , قالا : أخبرنا شعبة , عن أبي إسحاق , عن عمير بن مريم , عن ابن عباس : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " .

4262 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد بن هارون , مال : أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان , عن عطاء قال : كان عبيد بن عمير يقرأ : وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عثمان بن عمر , قال : ثنا أبو عامر , عن عبد الرحمن بن قيس , عن ابن أبي رافع , عن أبيه - وكان مولى حفصة - قال : استكتبتني حفصة مصحفا وقالت : إذا أتيت على هذه الآية فأعلمني حتى أمليها عليك كما أقرئتها , فلما أتيت على هذه الآية : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } أتيتها , فقالت : اكتب " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " فلقيت أبي بن كعب أو زيد بن ثابت , فقلت : يا أبا المنذر إن حفصة قالت كذا وكذا .

قال : هو كما قالت , أو ليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في نواضحنا وغنمنا ؟

وقال آخرون : بل الصلاة الوسطى صلاة المغرب .

ذكر من قال ذلك : 4263 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا عبد السلام , عن إسحاق بن أبي فروة , عن رجل عن قبيصة بن ذؤيب , قال : الصلاة الوسطى صلاة المغرب , ألا ترى أنها ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر , وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها ؟

قال أبو جعفر : ووجه قبيصة بن ذؤيب قوله الوسطى إلى معنى التوسط , الذي يكون صفة للشيء يكون عدلا بين الأمرين , كالرجل المعتدل القامة , الذي لا يكون مفرطا طوله ولا قصيرة قامته , ولذلك قال : ألا ترى أنها ليست بأقلها ولا أكثرها .

وقال آخرون : بل الصلاة الوسطى التي عناها الله بقوله : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } هي صلاة الغداة .

ذكر من قال ذلك : 4264 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عفان , قال : ثنا همام , قال : ثنا قتادة , عن صالح أبي الخليل , عن جابر بن زيد , عن ابن عباس , قال : الصلاة الوسطى صلاة الفجر .

4265 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي وعبد الوهاب ومحمد بن جعفر , عن عوف , عن أبي رجاء قال : صليت مع ابن عباس الغداة في مسجد البصرة , فقنت بنا قبل الركوع وقال : هذه الصلاة الوسطى التي قال الله : { وقوموا لله قانتين } * حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن عوف , عن أبي رجاء العطاردي , قال : صليت خلف ابن عباس , فذكر نحوه .

* حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي , قال : ثنا شريك , عن عوف الأعرابي , عن أبي رجاء العطاردي , قال : صليت خلف ابن عباس الفجر , فقنت فيها ورفع يديه , ثم قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله أن نقوم فيها قانتين .

* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عوف , عن أبي رجاء , قال : صلى بنا ابن عباس الفجر , فلما فرغ , قال : إن الله قال في كتابه : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } فهذه الصلاة الوسطى .

* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مروان , يعني ابن معاوية , عن عوف , عن أبي رجاء العطاردي , عن ابن عباس نحوه .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال .

ثنا عوف , عن أبي المنهال , عن أبي العالية , عن ابن عباس أنه صلى الغداة في مسجد البصرة , فقنت قبل الركوع وقال : هذه الصلاة الوسطى التي ذكر الله { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } 4266 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا المهاجر , عن أبي العالية , قال : سألت ابن عباس بالبصرة ههنا , وإن فخذه لعلى فخذي , فقلت : يا أبا فلان أرأيتك صلاة الوسطى التي ذكر الله في القرآن , ألا تحدثني أي صلاة هي ؟

قال : وذلك حين انصرفوا من صلاة الغداة , فقال : أليس قد صليت المغرب والعشاء الآخرة ؟

قل : قلت بلى , قال : ثم صليت هذه ؟

قال : ثم تصلي الأولى والعصر ؟

قال : قلت بلى .

قال : فهي هذه .

4267 - حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا الربيع بن أنس , عن أبي العالية , قال : صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة زمن عمر صلاة الغداة , قال : فقلت لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبي : ما الصلاة الوسطى ؟

قال : هذا الصلاة .

4268 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا عوف , عن خلاس بن عمرو , عن ابن عباس أنه صلى الفجر , فقنت قبل الركوع , ورفع أصبعيه , قال : هذه الصلاة الوسطى .

4269 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , عن أبي العالية , أنه صلى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة , فلما أن فرغوا قال : قلت لهم : أيتهن الصلاة الوسطى ؟

قالوا : التي صليتها قبل .

4270 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن عثمة , قال : ثنا سعيد بن بشير , عن قتادة , عن جابر بن عبد الله قال الصلاة الوسطى صلاة الصبح .

4271 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان , قال : كان عطاء يرى أن الصلاة الوسطى صلاة الغداة .

4272 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال ثنا الحسين بن واقد , عن يزيد النحوي , عن عكرمة في قوله : { والصلاة الوسطى } قال : صلاة الغداة .

4273 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } قال : الصبح .

* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

4274 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن حصين , عن عبد الله بن شداد بن الهاد , قال : الصلاة الوسطى صلاة الغداة .

4275 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } قال : الصلاة الوسطى صلاة الغداة .

وعلة من قال هذه المقالة , أن الله تعالى ذكره قال : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } بمعنى : وقوموا لله فيها قانتين .

قال : فلا صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس فيها قنوت سوى صلاة الصبح , فعلم بذلك أنها هي دون غيرها .

وقال آخرون : هي إحدى الصلوات الخمس , ولا نعرفها بعينها .

ذكر من قال ذلك : 4276 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني هشام بن سعد , قال : كنا عند نافع ومعنا رجاء بن حيوة , فقال لنا رجاء : سلوا نافعا عن الصلاة الوسطى !

فسألناه , فقال : قد سأل عنها عبد الله بن عمر رجل , فقال : هي فيهن , فحافظوا عليهن كلهن .

4277 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , عن قيس بن الربيع , عن نسير بن ذعلوق , عن أبي فطيمة قال : سألت الربيع بن خيثم عن الصلاة الوسطى , قال : أرأيت إن علمتها كنت محافظا عليها ومضيعا سائرهن ؟

قلت : لا .

فقالا : فإنك إن حافظت عليهن فقد حافظت عليها .

4278 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب , قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه هكذا , يعني مختلفين في الصلاة الوسطى .

وشبك بين أصابعه .

والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها قبل في تأويله , وهو أنها العصر .

والذي حث الله تعالى ذكره عليه من ذلك , نظير الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحث عليه .

كما : 4279 - حدثني به أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي , قال : ثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا أبي , عن محمد بن إسحاق , قال : ثني يزيد بن أبي حبيب , عن جبر بن نعيم الحضرمي , عن عبد الله بن هبيرة النسائي , قال : وكان ثقة , عن أبي تميم الجيشاني , عن أبي بصرة الغفاري , قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر , فلما انصرف , قال : " إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فتوانوا فيها وتركوها , فمن صلاها منكم أضعف أجره ضعفين , ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد " .

والشاهد النجم .

4280 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني جبر بن نعيم , عن ابن هبيرة , عن أبي تميم الجيشاني , أن أبا بصرة الغفاري , قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر بالمغمس , فقال : " إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فضيعوها وتركوها , فمن حافظ عليها منكم أوتي أجرها مرتين " .

وقال صلى الله عليه وسلم : " بكروا بالصلاة في يوم الغيم , فإنه من فاتته العصر حبط عمله " .

4281 - حدثنا بذلك أبو كريب , قال : ثنا وكيع , وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أيوب بن سويد , عن أبي قلابة , عن أبي المهاجر , عن بريدة , عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " .

وقال صلى الله عليه وسلم : " من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لم يلج النار " فحث صلى الله عليه وسلم على المحافظة عليها حثا لم يحث مثله على غيرها من الصلوات وإن كانت المحافظة على جميعها واجبة , فكان بينا بذلك أن التي حض الله بالحث على المحافظة عليها بعد ما عم الأمر بها جميع المكتوبات هي التي اتبعه فيها نبيه صلى الله عليه وسلم , فخصها من الحض عليها بما لم يخصص به غيرها من الصلوات , وحذر أمته من تضييعها ما حل بمن قبلهم من الأمم التي وصف أمرها , ووعدهم من الأجر على المحافظة عليها ضعفي ما وعد على غيرها من سائر الصلوات , وأحسب أن ذلك كان كذلك , لأن الله تعالى ذكره جعل الليل سكنا والناس من شغلهم بطلب المعاش , والتصرف في أسباب المكاسب هادئون إلا القليل منهم , وللمحافظة على فرائض الله , وإقام الصلوات المكتوبات فازعون , وكذلك ذلك في صلاة الصبح , لأن ذلك وقت قليل من يتصرف فيه للمكاسب والمطالب , ولا مؤنة عليهم في المحافظة عليها .

وأما صلاة الظهر فإن وقتها وقت قائلة الناس , واستراحتهم من مطالبهم في أوقات شدة الحر , وامتداد ساعات النهار ووقت توديع النفوس , والتفرغ لراحة الأبدان في أوان البرد وأيام الشتاء , وأن المعروف من الأوقات لتصرف الناس في مطالبهم ومكاسبهم والاشتغال بسعيهم لما لا بد منه لهم من طلب أقواتهم وقتان من النهار : أحدهما أول النهار بعد طلوع الشمس إلى وقت الهاجرة , وقد خفف الله تعالى ذكره فيه عن عباده عبء تكليفهم في ذلك الوقت , وثقل ما يشغلهم عن سعيهم في مطالبهم ومكاسبهم , وإن كان قد حثهم في كتابه وعلى لسان رسوله في ذلك الوقت على صلاة ووعدهم عليها الجزيل من ثوابه , من غير أن يفرضها عليهم , وهي صلاة الضحى .

والآخر منهما آخر النهار , وذلك من بعد إبراد الناس , إمكان التصرف , وطلب المعاش صيفا وشتاء إلى وقت مغيب الشمس وفرض عليهم فيه صلاة العصر , ثم حث على المحافظة عليها لئلا يضيعوها لما علم من إيثار عباده أسباب عاجل دنياهم وطلب معايشهم فيها على أسباب آجل آخرتهم , بما حثهم به عليه في كتابه , وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم , ووعدهم من جزيل ثوابه على المحافظة عليها ما قد ذكرت بعضه في كتابنا هذا .

وسنذكر باقيه في كتابنا الأكبر إن شاء الله من كتاب أحكام الشرائع .

وإنما قيل لها الوسطى : لتوسطها الصلوات المكتوبات الخمس , وذلك أن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين , وهي بين ذلك وسطاهن , والوسطى : الفعلى من قول القائل : وسطت القوم أسطهم سطة ووسوطا : إذا دخلت وسطهم , ويقال للذكر فيه : هو أوسطنا , وللأنثى هي وسطانا .وقوموا لله قانتين القول في تأويل قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } اختلف أهل التأويل في معنى قوله { قانتين } فقال بعضهم : معنى القنوت : الطاعة , ومعنى ذلك : وقوموا لله في صلاتكم , مطيعين له فيما أمركم به فيها ونهاكم عنه .

ذكر من قال ذلك : 4282 - حدثني علي بن سعيد الكندي , قال : ثنا عبد الله بن المبارك , عن ابن عون , عن الشعبي في قوله : { وقوموا لله قانتين } قال : مطيعين .

* حدثني أبو السائب سلم بن جنادة , قال : ثنا ابن إدريس , عن ابن عون , عن الشعبي , مثله .

4283 - حدثني ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا أبو المنيب , عن جابر بن زيد : { وقوموا لله قانتين } يقول : مطيعين .

4284 - حدثني أبو السائب , قال : ثنا ابن إدريس , عن عثمان بن الأسود , عن عطاء : { وقوموا لله قانتين } قال : مطيعين .

4285 - حدثنا أحمد بن عبدة الحمصي , قال : ثنا أبو عوانة , عن ابن بشر , عن سعيد بن جبير في قوله : { وقوموا لله قانتين } قال : مطيعين .

* حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن الربيع بن أبي راشد , عن سعيد بن جبير أنه سئل عن القنوت , فقال : القنوت : الطاعة .

4286 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا عبيد بن سليمان , عن الضحاك , قال : القنوت الذي ذكره الله في القرآن , إنما يعنى به الطاعة .

4287 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك : { وقوموا لله قانتين } قال : إن أهل كل دين يقومون لله عاصين , فقوموا أنتم لله طائعين .

4288 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { وقوموا لله قانتين } قال : قوموا لله مطيعين في كل شيء , وأطيعوه في صلاتكم .

* حدثت عن الحسين بن الفرج , قال سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول : { وقوموا لله قانتين } القنوت : الطاعة , يقول : لكل أهل دين صلاة , يقومون في صلاتهم لله عاصين , فقوموا لله مطيعين .

4289 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { قانتين } يقول : مطيعين .

* حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { وقوموا لله قانتين } قال : مطيعين .

4290 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثني شريك , عن سالم , عن سعيد : { وقوموا لله قانتين } يقول : مطيعين .

4291 - حدثني عمران بن بكار الكلاعي , قال : ثنا خطاب بن عثمان , قال : ثنا أبو روح عبد الرحمن بن سنان السكوني حمصي لقيته بأرمينية , قال : سمعت الحسن بن أبي الحسن يقول في قوله : { وقوموا لله قانتين } قال : طائعين .

4292 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { وقوموا لله قانتين } قال : مطيعين .

* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

4293 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { وقوموا لله قانتين } يقول : مطيعين .

4294 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد الزبيري , قال : ثنا فضيل بن مرزوق , عن عطية , قال : كانوا يأمرون في الصلاة بحوائجهم , حتى أنزلت : { وقوموا لله قانتين } فتركوا الكلام .

قال : قانتين : مطيعين .

* حدثني محمد بن عمارة الأسدي , قال : ثنا عبيد الله بن موسى , قال : أخبرنا فضيل , عن عطية في قوله : { وقوموا لله قانتين } قال : كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم , حتى نزلت : { وقوموا لله قانتين } فتركوا الكلام في الصلاة .

4295 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قال ابن عباس في قوله : { وقوموا لله قانتين } قال : كان أهل دين يقومون فيها عاصين , فقوموا أنتم لله مطيعين .

4296 - حدثنا الربيع بن سليمان , قال : ثنا أسد بن موسى , قال : ثنا ابن لهيعة , قال : ثنا دراج , عن أبي الهيثم , عن أبي سعيد , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل حرف في القرآن فيه القنوت , فإنما هو الطاعة " .

4297 - حدثنا العباس بن الوليد , قال : أخبرني أبي , قال : ثنا سعيد بن عبد العزيز , قال : القنوت : طاعة الله , يقول الله تعالى ذكره : { وقوموا لله قانتين } مطيعين .

4298 - حدثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا سفيان , قال : قال ابن طاوس , كان أبي يقول : القنوت : طاعة الله .

وقال آخرون : القنوت في هذه الآية : السكوت .

وقالوا : تأويل الآية : قوموا لله ساكتين عما نهاكم الله أن تتكلموا به في صلاتكم .

ذكر من قال ذلك : 4299 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وقوموا لله قانتين } القنوت في هذه الآية : السكوت .

4300 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره , عن مرة , عن ابن مسعود , قال : كنا نقوم في الصلاة , فنتكلم , ويسأل الرجل صاحبه عن حاجته , ويخبره , ويردون عليه إذا سلم .

حتى أتيت أنا فسلمت , فلم يردوا علي السلام , فاشتد ذلك علي .

فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته , قال : " إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة " .

والقنوت : السكوت .

* حدثني محمد بن عبيد المحاربي , قال : ثنا الحكم بن ظهير , عن عاصم , عن زر , عن عبد الله , قال : كنا نتكلم في الصلاة , فسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي , فلما انصرف قال : " قد أحدث الله أن لا تكلموا في الصلاة " ونزلت هذه الآية : { وقوموا لله قانتين } 4301 - حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري , قال : أخبرنا محمد بن يزيد , وحدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة وابن نمير ووكيع ويعلى بن عبيد جميعا , عن إسماعيل بن أبي خالد , عن الحارث بن شبل , عن أبي عمرو الشيباني , عن زيد بن أرقم , قال : كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أحدنا صاحبه في الحاجة , حتى نزلت هذه الآية : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت .

4302 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا أبو الأحوص , عن سماك , عن عكرمة في قوله : { وقوموا لله قانتين } قال : كانوا يتكلمون في الصلاة يجيء خادم الرجل إليه وهو في الصلاة فيكلمه بحاجته , فنهوا عن الكلام .

4303 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة , عن الزبير بن عدي , عن كلثوم بن المصطلق , عن عبد الله بن مسعود , قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عودني أن يرد علي السلام في الصلاة , فأتيته ذات يوم فسلمت , فلم يرد علي وقال : " إن الله يحدث في أمره ما يشاء , وإنه قد أحدث لكم في الصلاة أن لا يتكلم أحد إلا بذكر الله , وما ينبغي من تسبيح وتمجيد , وقوموا لله قانتين " صلى الله عليه وسلم .

4304 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وقوموا لله قانتين } قال : إذا قمتم في الصلاة فاسكتوا , لا تكلموا أحدا حتى تفرغوا منها .

قال : والقانت : المصلي الذي لا يتكلم .

وقال آخرون : القنوت في هذه الآية : الركوع في الصلاة والخشوع فيها .

وقالوا في تأويل الآية : وقوموا لله في صلاتكم خاشعين , خافضي الأجنحة , غير عابثين ولا لاعبين .

ذكر من قال ذلك : 4305 - حدثني سلم بن جنادة , قال : ثنا ابن إدريس , عن ليث , عن مجاهد : { وقوموا لله قانتين } قال : فمن القنوت طول الركوع , وغض البصر , وخفض الجناح , والخشوع من رهبة الله , كان العلماء إذا قام أحدهم يصلي , يهاب الرحمن أن يلتفت , أو أن يقلب الحصى , أو يعبث بشيء , أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيا .

* حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد نحوه , إلا أنه قال : فمن القنوت : الركود والخشوع .

4306 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن ليث , عن مجاهد : { وقوموا لله قانتين

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فيه ثمان مسائل : الأولى : ( حافظوا ) خطاب لجميع الأمة ، والآية أمر بالمحافظة على إقامة [ ص: 190 ] الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها .

والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه .

والوسطى تأنيث الأوسط .

ووسط الشيء خيره وأعدله ، ومنه قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، وقد تقدم .

وقال أعرابي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم :يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم وأكرم الناس أما برة وأباووسط فلان القوم يسطهم أي صار في وسطهم .

وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر وقد دخلت قبل في عموم الصلوات تشريفا لها ، كقوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ، وقوله : فيهما فاكهة ونخل ورمان .

وقرأ أبو جعفر الواسطي " والصلاة الوسطى " بالنصب على الإغراء ، أي والزموا الصلاة الوسطى : وكذلك قرأ الحلواني .

وقرأ قالون عن نافع " الوصطى " بالصاد لمجاورة الطاء لها ؛ لأنهما من حيز واحد ، وهما لغتان كالصراط ونحوه .الثانية : واختلف الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال :( الأول ) أنها الظهر ؛ لأنها وسط النهار على الصحيح من القولين أن النهار أوله من طلوع الفجر كما تقدم ، وإنما بدأنا بالظهر لأنها أول صلاة صليت في الإسلام .

وممن قال إنها الوسطى زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم .

ومما يدل على أنها وسطى ما قالته عائشة وحفصة حين أملتا " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " بالواو .

وروي أنها كانت أشق على المسلمين ؛ لأنها كانت تجيء في الهاجرة وهم قد نفهتهم أعمالهم في أموالهم .

وروى أبو داود عن زيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم تكن تصلى صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ، فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقال : إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين .

وروى مالك في موطئه وأبو داود الطيالسي في مسنده عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر ، زاد الطيالسي : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير .[ ص: 191 ] ( الثاني ) أنها العصر ؛ لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل .

قال النحاس : وأجود من هذا الاحتجاج أن يكون إنما قيل لها وسطى لأنها بين صلاتين إحداهما أول ما فرض والأخرى الثانية مما فرض .

وممن قال إنها وسطى علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري ، وهو اختيار أبي حنيفة وأصحابه ، وقاله الشافعي وأكثر أهل الأثر ، وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب واختاره ابن العربي في قبسه وابن عطية في تفسيره وقال : وعلى هذا القول الجمهور من الناس وبه أقول واحتجوا بالأحاديث الواردة في هذا الباب خرجها مسلم وغيره ، وأنصها حديث ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة الوسطى صلاة العصر خرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

وقد أتينا زيادة على هذا في القبس في شرح موطإ مالك بن أنس .( الثالث ) إنها المغرب ، قاله قبيصة بن أبي ذؤيب في جماعة .

والحجة لهم أنها متوسطة في عدد الركعات ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها ، وبعدها صلاتا جهر وقبلها صلاتا سر .

وروي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا مقيم فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنوب عشرين سنة - أو قال - أربعين سنة .( الرابع ) صلاة العشاء الآخرة ؛ لأنها بين صلاتين لا تقصران ، وتجيء في وقت نوم ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها .( الخامس ) إنها الصبح ؛ لأن قبلها صلاتي ليل يجهر فيهما وبعدها صلاتي نهار يسر فيهما ، ولأن وقتها يدخل والناس نيام ، والقيام إليها شاق في زمن البرد لشدة البرد وفي زمن الصيف لقصر الليل .

وممن قال إنها وسطى علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ، أخرجه الموطأ بلاغا ، وأخرجه الترمذي عن ابن عمر وابن عباس تعليقا ، وروي عن جابر بن [ ص: 192 ] عبد الله ، وهو قول مالك وأصحابه وإليه ميل الشافعي فيما ذكر عنه القشيري .

والصحيح عن علي أنها العصر ، وروي عنه ذلك من وجه معروف صحيح وقد استدل من قال إنها الصبح بقوله تعالى : وقوموا لله قانتين يعني فيها ، ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت إلا الصبح .

قال أبو رجاء : صلى بنا ابن عباس صلاة الغداة بالبصرة فقنت فيها قبل الركوع ورفع يديه فلما فرغ قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله تعالى أن نقوم فيها قانتين .

وقال أنس : قنت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بعد الركوع ، وسيأتي حكم القنوت وما للعلماء فيه في ( آل عمران ) عند قوله تعالى : ليس لك من الأمر شيء .( السادس ) صلاة الجمعة ؛ لأنها خصت بالجمع لها والخطبة فيها وجعلت عيدا ذكره ابن حبيب ومكي وروى مسلم عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة : لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم .( السابع ) إنها الصبح والعصر معا .

قاله الشيخ أبو بكر الأبهري ، واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار الحديث ، رواه أبو هريرة .

وروى جرير بن عبد الله قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال : أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها يعني العصر والفجر : ثم قرأ جرير وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها .

وروى عمارة بن رؤيبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر [ ص: 193 ] والعصر .

وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من صلى البردين دخل الجنة كله ثابت في صحيح مسلم وغيره .

وسميتا البردين لأنهما يفعلان في وقتي البرد .( الثامن ) إنها العتمة والصبح .

قال أبو الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه : ( اسمعوا وبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصلاتين - يعني في جماعة - العشاء والصبح ، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على مرافقكم وركبكم ) قاله عمر وعثمان .

وروى الأئمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا - وقال - إنهما أشد الصلاة على المنافقين وجعل لمصلي الصبح في جماعة قيام ليلة والعتمة نصف ليلة ، ذكره مالك موقوفا على عثمان ورفعه مسلم ، وخرجه أبو داود والترمذي عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة وهذا خلاف ما رواه مالك ومسلم .( التاسع ) أنها الصلوات الخمس بجملتها ، قاله معاذ بن جبل ؛ لأن قوله تعالى : حافظوا على الصلوات يعم الفرض والنفل ، ثم خص الفرض بالذكر .( العاشر ) إنها غير معينة ، قاله نافع عن ابن عمر ، وقاله الربيع بن خيثم فخبأها الله تعالى في الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان ، وكما خبأ ساعة يوم الجمعة وساعات الليل [ ص: 194 ] المستجاب فيها الدعاء ليقوموا بالليل في الظلمات لمناجاة عالم الخفيات .

ومما يدل على صحة أنها مبهمة غير معينة ما رواه مسلم في صحيحه في آخر الباب عن البراء بن عازب قال : نزلت هذه الآية : " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " فقرأناها ما شاء الله ، ثم نسخها الله فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل : هي إذا صلاة العصر ؟

قال البراء : قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى ، والله أعلم .

فلزم من هذا أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأبهمت فارتفع التعيين ، والله أعلم .

وهذا اختيار مسلم ؛ لأنه أتى به في آخر الباب وقال به غير واحد من العلماء المتأخرين ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لتعارض الأدلة وعدم الترجيح فلم يبق إلا المحافظة على جميعها وأدائها في أوقاتها والله أعلم .الثالثة : وهذا الاختلاف في الصلاة الوسطى يدل على بطلان من أثبت " وصلاة العصر " المذكور في حديث أبي يونس مولى عائشة حين أمرته أن يكتب لها مصحفا قرآنا .

قال علماؤنا : وإنما ذلك كالتفسير من النبي صلى الله عليه وسلم ، يدل على ذلك حديث عمرو بن رافع قال : ( أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفا .

.

.

) الحديث .

وفيه : فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وهي العصر - وقوموا لله قانتين وقالت : هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها .

فقولها : " وهي العصر " دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الصلاة الوسطى من كلام الله تعالى بقوله هو ( وهي العصر ) .

وقد روى نافع عن حفصة " وصلاة العصر " ، كما روي عن عائشة وعن حفصة أيضا " صلاة العصر " بغير واو .

وقال أبو بكر الأنباري : وهذا الخلاف في هذا اللفظ المزيد يدل على بطلانه وصحة ما في الإمام مصحف جماعة المسلمين .

وعليه حجة أخرى وهو أن من قال : والصلاة الوسطى وصلاة العصر جعل الصلاة الوسطى غير العصر ، وفي هذا دفع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله قال : شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى اصفرت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا .

.

.

الحديث .[ ص: 195 ] الرابعة : وفي قوله تعالى : والصلاة الوسطى دليل على أن الوتر ليس بواجب لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلا الخمسة والأزواج لا وسط لها فثبت أنها خمسة .

وفي حديث الإسراء : هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي .الخامسة : قوله تعالى : وقوموا لله قانتين معناه في صلاتكم .

واختلف الناس في معنى قوله قانتين فقال الشعبي : طائعين ، وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير .

وقال الضحاك : كل قنوت في القرآن فإنما يعنى به الطاعة .

وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون عاصين ، فقيل لهذه الأمة فقوموا لله طائعين .

وقال مجاهد : معنى ( قانتين ) خاشعين ، والقنوت طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح .

وقال الربيع : القنوت طول القيام ، وقاله ابن عمر وقرأ أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما .

وقال عليه السلام .

أفضل الصلاة طول القنوت خرجه مسلم وغيره .

وقال الشاعر :قانتا لله يدعو ربه وعلى عمد من الناس اعتزلوقد تقدم .

وروي عن ابن عباس قانتين داعين .

وفي الحديث : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان قال قوم : معناه دعا ، وقال قوم : معناه طول قيامه .

وقال السدي : قانتين ساكتين ، دليله أن الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحا في صدر الإسلام ، وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا : يا رسول الله ، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا ؟

فقال : إن في الصلاة شغلا .

وروى زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى [ ص: 196 ] جنبه في الصلاة حتى نزلت : وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .

وقيل : إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء .

ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا ، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة ، أو أطال الخشوع والسكوت ، كل هؤلاء فاعلون للقنوت .السادسة : قال أبو عمر : أجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة ، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة ، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه قال : من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد صلاته بذلك .

وهو قول ضعيف في النظر ، لقول الله عز وجل : وقوموا لله قانتين وقال زيد بن أرقم : ( كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت : وقوموا لله قانتين .

.

.

) الحديث .

وقال ابن مسعود : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله أحدث من أمره ألا تكلموا في الصلاة .

وليس الحادث الجسيم الذي يجب له قطع الصلاة ومن أجله يمنع من الاستئناف ، فمن قطع صلاته لما يراه من الفضل في إحياء نفس أو مال أو ما كان بسبيل ذلك استأنف صلاته ولم يبن .

هذا هو الصحيح في المسألة إن شاء الله تعالى .السابعة : واختلفوا في الكلام ساهيا فيها ، فذهب مالك والشافعي وأصحابهما إلى أن الكلام فيها ساهيا لا يفسدها ، غير أن مالكا قال : لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها لإصلاحها ، وهو قول ربيعة وابن القاسم .

وروى سحنون عن ابن القاسم عن مالك قال : لو أن قوما صلى بهم الإمام ركعتين وسلم ساهيا فسبحوا به فلم يفقه ، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة : إنك لم تتم فأتم صلاتك ، فالتفت إلى القوم فقال : أحق ما يقول هذا ؟

فقالوا : نعم ، قال : يصلي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم ويصلون معه بقية صلاتهم من تكلم منهم ومن لم يتكلم ولا شيء عليهم ويفعلون في ذلك ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين .

هذا قول ابن القاسم في كتابه " المدونة " وروايته عن مالك ، وهو المشهور من مذهب [ ص: 197 ] مالك وإياه تقلد إسماعيل بن إسحاق واحتج له في كتاب رده على محمد بن الحسن .

وذكر الحارث بن مسكين قال : أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليدين إلا ابن القاسم وحده فإنه يقول فيها بقول مالك ، وغيرهم يأبونه ويقولون : إنما كان هذا في صدر الإسلام ، فأما الآن فقد عرف الناس صلاتهم فمن تكلم فيها أعادها ، وهذا هو قول العراقيين : أبي حنيفة وأصحابه والثوري فإنهم ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة يفسدها على أي حال كان سهوا أو عمدا لصلاة كان أو لغير ذلك ، وهو قول إبراهيم النخعي وعطاء والحسن وحماد بن أبي سليمان وقتادة .

وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم ، قالوا : وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام فإنه أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل حديث ( من أدركه الفجر جنبا فلا صوم له ) قالوا : وكان كثير الإرسال .

وذكر علي بن زياد قال حدثنا أبو قرة قال : سمعت مالكا يقول : يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها ولا يبني .

قال : وقال لنا مالك إنما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم أصحابه معه يومئذ ؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت ولا يجوز ذلك لأحد اليوم .

وقد روى سحنون عن ابن القاسم في رجل صلى وحده ففرغ عند نفسه من الأربع ، فقال له رجل إلى جنبه : إنك لم تصل إلا ثلاثا ، فالتفت إلى آخر فقال : أحق ما يقول هذا ؟

قال : نعم ، قال : تفسد صلاته ولم يكن ينبغي له أن يكلمه ولا أن يلتفت إليه .

قال أبو عمر : فكانوا يفرقون في هذه المسألة بين الإمام مع الجماعة والمنفرد فيجيزون من الكلام في شأن الصلاة للإمام ومن معه ما لا يجيزونه للمنفرد ، وكان غير هؤلاء يحملون جواب ابن القاسم في المنفرد في هذه المسألة وفي الإمام ومن معه على اختلاف من قوله في استعمال حديث ذي اليدين كما اختلف قول مالك في ذلك .

وقال الشافعي وأصحابه : من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته ، فإن تكلم ساهيا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لأنه قد أكملها عند نفسه فإنه يبني .

واختلف قول أحمد في هذه المسألة فذكر الأثرم عنه أنه قال : ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته ، فإن تكلم لغير ذلك فسدت ، وهذا هو قول مالك المشهور .

وذكر الخرقي عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامدا أو ساهيا بطلت صلاته ، إلا الإمام خاصة فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته .

واستثنى سحنون من أصحاب [ ص: 198 ] مالك أن من سلم من اثنتين في الرباعية فوقع الكلام هناك لم تبطل الصلاة ، وإن وقع في غير ذلك بطلت الصلاة .

والصحيح ما ذهب إليه مالك في المشهور تمسكا بالحديث وحملا له على الأصل الكلي من تعدي الأحكام وعموم الشريعة ، ودفعا لما يتوهم من الخصوصية إذ لا دليل عليها .

فإن قال قائل : فقد جرى الكلام في الصلاة والسهو أيضا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : التسبيح للرجال والتصفيق للنساء فلم لم يسبحوا ؟

فقال : لعل في ذلك الوقت لم يكن أمرهم بذلك ، ولئن كان كما ذكرت فلم يسبحوا ؛ لأنهم توهموا أن الصلاة قصرت ، وقد جاء ذلك في الحديث قال : وخرج سرعان الناس فقالوا : أقصرت الصلاة ؟

فلم يكن بد من الكلام لأجل ذلك .

والله أعلم .وقد قال بعض المخالفين : قول أبي هريرة ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو ليس منهم ، كما روي عن النزال بن سبرة أنه قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف وأنتم اليوم بنو عبد الله ونحن بنو عبد الله وإنما عنى به أنه قال ذلك لقومه وهذا بعيد ، فإنه لا يجوز أن يقول صلى بنا وهو إذ ذاك كافر ليس من أهل الصلاة ويكون ذلك كذبا ، وحديث النزال هو كان من جملة القوم وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع .

وأما ما ادعته الحنفية من النسخ والإرسال فقد أجاب عن قولهم علماؤنا وغيرهم وأبطلوه ، وخاصة الحافظ أبا عمر بن عبد البر في كتابه المسمى ب ( التمهيد ) وذكر أن أبا هريرة أسلم عام خيبر ، وقدم المدينة في ذلك العام ، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أعوام ، وشهد قصة ذي اليدين وحضرها ، وأنها لم تكن قبل بدر كما زعموا ، وأن ذا اليدين قتل في بدر .

قال : وحضور أبي هريرة يوم ذي اليدين محفوظ من رواية الحفاظ الثقات ، وليس تقصير من قصر عن ذلك بحجة على من علم ذلك وحفظه وذكره .[ ص: 199 ] الثامنة : القنوت : القيام ، وهو أحد أقسامه فيما ذكر أبو بكر بن الأنباري ، وأجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه ، منفردا كان أو إماما .

وقال صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما الحديث ، أخرجه الأئمة ، وهو بيان لقوله تعالى : وقوموا لله قانتين .

واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعدا خلف إمام مريض لا يستطيع القيام ، فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم بل جمهورهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم في الإمام : وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون وهذا هو الصحيح في المسألة على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى .

وقد أجاز طائفة من العلماء صلاة القائم خلف الإمام المريض لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا وأبو بكر إلى جنبه قائما يصلي بصلاته والناس قيام خلفه ، ولم يشر إلى أبي بكر ولا إليهم بالجلوس ، وأكمل صلاته بهم جالسا وهم قيام ، ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه ، فعلم أن الآخر من فعله ناسخ للأول .

قال أبو عمر : وممن ذهب إلى هذا المذهب واحتج بهذه الحجة الشافعي وداود بن علي ، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك .

قال : وأحب إلي أن يقوم إلى جنبه ممن يعلم الناس بصلاته ، وهذه الرواية غريبة عن مالك .

وقال بهذا جماعة من أهل المدينة وغيرهم وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ؛ لأنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والمشهور عن مالك أنه لا يؤم القيام أحد جالس ، فإن أمهم قاعدا بطلت صلاته وصلاتهم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يؤمن أحد بعدي قاعدا .

قال : فإن كان الإمام عليلا تمت صلاة الإمام وفسدت صلاة من خلفه .

قال : ومن صلى قاعدا من غير علة أعاد الصلاة ، هذه رواية أبي مصعب في مختصره عن مالك ، وعليها فيجب على من صلى قاعدا الإعادة في الوقت وبعده .

وقد روي عن مالك في هذا أنهم يعيدون في الوقت خاصة ، وقول محمد بن الحسن في هذا مثل قول مالك المشهور .

واحتج لقوله ومذهبه بالحديث الذي ذكره أبو مصعب ، أخرجه الدارقطني عن جابر عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحد بعدي جالسا .

قال الدارقطني : لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي وهو متروك [ ص: 200 ] الحديث ، مرسل لا تقوم به حجة .

قال أبو عمر : جابر الجعفي لا يحتج بشيء يرويه مسندا فكيف بما يرويه مرسلا ؟

قال محمد بن الحسن : إذا صلى الإمام المريض جالسا بقوم أصحاء ومرضى جلوسا فصلاته وصلاة من خلفه ممن لا يستطيع القيام صحيحة جائزة ، وصلاة من صلى خلفه ممن حكمه القيام باطلة .

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : صلاته وصلاتهم جائزة .

وقالوا : لو صلى وهو يومئ بقوم وهم يركعون ويسجدون لم تجزهم في قولهم جميعا وأجزأت الإمام صلاته .

وكان زفر يقول : تجزئهم صلاتهم ؛ لأنهم صلوا على فرضهم وصلى إمامهم على فرضه ، كما قال الشافعي .قلت : أما ما ذكره أبو عمر وغيره من العلماء قبله وبعده من أنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد رأيت لغيرهم خلاف ذلك ممن جمع طرق الأحاديث في هذا الباب ، وتكلم عليها وذكر اختلاف الفقهاء في ذلك ، ونحن نذكر ما ذكره ملخصا حتى يتبين لك الصواب إن شاء الله تعالى .

وصحة قول من قال إن صلاة المأموم الصحيح قاعدا خلف الإمام المريض جائزة ، فذكر أبو حاتم محمد بن حبان البستي في المسند الصحيح له عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفر من أصحابه فقال : ( ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم ) قالوا : بلى ، نشهد أنك رسول الله ، قال : ( ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتي ) ؟

قالوا : بلى ، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتك .

قال : ( فإن من طاعة الله أن تطيعوني ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم فإن صلوا قعودا فصلوا قعودا ) .

في طريقه عقبة بن أبي الصهباء وهو ثقة ، قاله يحيى بن معين .

قال أبو حاتم : في هذا الخبر بيان واضح أن صلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا من طاعة الله جل وعلا التي أمر الله بها عباده ، وهو عندي ضرب من الإجماع الذي أجمعوا على إجازته ؛ لأن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أفتوا به : جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قهد ، ولم يرو عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف لهؤلاء الأربعة ، لا بإسناد متصل ولا منقطع ، فكأن الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين أن يصلوا قعودا .

وبه قال جابر بن زيد والأوزاعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة [ ص: 201 ] وابن أبي شيبة ومحمد بن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب الحديث مثل محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة .

وهذه السنة رواها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك وعائشة وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو أمامة الباهلي .

وأول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا المغيرة بن مقسم صاحب النخعي وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة وتبعه عليه من بعده من أصحابه .

وأعلى شيء احتجوا به فيه شيء رواه جابر الجعفي عن الشعبي قال قال رسول الله : لا يؤمن أحد بعدي جالسا وهذا لو صح إسناده لكان مرسلا ، والمرسل من الخبر وما لم يرو سيان في الحكم عندنا ، ثم إن أبا حنيفة يقول : ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ، ولا فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي ، وما أتيته بشيء قط من رأي إلا جاءني فيه بحديث ، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينطق بها ، فهذا أبو حنيفة يجرح جابرا الجعفي ويكذبه ضد قول من انتحل من أصحابه مذهبه .

قال أبو حاتم : وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فجاءت الأخبار فيها مجملة ومختصرة ، وبعضها مفصلة مبينة ، ففي بعضها : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون بأبي بكر .

وفي بعضها : فجلس عن يسار أبي بكر وهذا مفسر .

وفيه : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس قاعدا وأبو بكر قائما .

قال أبو حاتم : وأما إجمال هذا الخبر فإن عائشة حكت هذه الصلاة إلى هذا الموضع ، وآخر القصة عند جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقعود أيضا في هذه الصلاة كما أمرهم به عند سقوطه عن فرسه ، أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال أنبأنا يزيد بن موهب قال حدثني الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد ، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره ، قال : فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا ، فلما سلم قال : كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا .

قال أبو حاتم : ففي هذا الخبر المفسر بيان واضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قعد عن يسار [ ص: 202 ] أبي بكر وتحول أبو بكر مأموما يقتدي بصلاته ويكبر يسمع الناس التكبير ليقتدوا بصلاته ، أمرهم صلى الله عليه وسلم حينئذ بالقعود حين رآهم قياما ، ولما فرغ من صلاته أمرهم أيضا بالقعود إذا صلى إمامهم قاعدا .

وقد شهد جابر بن عبد الله صلاته صلى الله عليه وسلم حين سقط عن فرسه فجحش شقه الأيمن ، وكان سقوطه صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجة آخر سنة خمس من الهجرة ، وشهد هذه الصلاة في علته صلى الله عليه وسلم في غير هذا التاريخ فأدى كل خبر بلفظه ، ألا تراه يذكر في هذه الصلاة : رفع أبو بكر صوته بالتكبير ليقتدي به الناس ، وتلك الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته عند سقوطه عن فرسه ، لم يحتج إلى أن يرفع صوته بالتكبير ليسمع الناس تكبيره على صغر حجرة عائشة ، وإنما كان رفعه صوته بالتكبير في المسجد الأعظم الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في علته ، فلما صح ما وصفنا لم يجز أن نجعل بعض هذه الأخبار ناسخا لبعض ، وهذه الصلاة كان خروجه إليها صلى الله عليه وسلم بين رجلين ، وكان فيها إماما وصلى بهم قاعدا وأمرهم بالقعود .

وأما الصلاة التي صلاها آخر عمره فكان خروجه إليها بين بريرة وثوبة ، وكان فيها مأموما ، وصلى قاعدا خلف أبي بكر في ثوب واحد متوشحا به .

رواه أنس بن مالك قال : آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد متوشحا به قاعدا خلف أبي بكر ، فصلى عليه السلام صلاتين في المسجد جماعة لا صلاة واحدة .

وإن في خبر عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بين رجلين .

يريد أحدهما العباس والآخر عليا .

وفي خبر مسروق عن عائشة : ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين بريرة وثوبة ، إني لأنظر إلى نعليه تخطان في الحصى وأنظر إلى بطون قدميه ، الحديث .

فهذا يدلك على أنهما كانتا صلاتين لا صلاة واحدة .

قال أبو حاتم : أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا بدل بن المحبر قال : حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن [ ص: 203 ] عبيد الله بن عبد الله عن عائشة : أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه .

قال أبو حاتم : خالف شعبة بن الحجاج زائدة بن قدامة في متن هذا الخبر عن موسى بن أبي عائشة فجعل شعبة النبي صلى الله عليه وسلم مأموما حيث صلى قاعدا والقوم قيام ، وجعل زائدة النبي صلى الله عليه وسلم إماما حيث صلى قاعدا والقوم قيام ، وهما متقنان حافظان .

فكيف يجوز أن يجعل إحدى الروايتين اللتين تضادتا في الظاهر في فعل واحد ناسخا لأمر مطلق متقدم ، فمن جعل أحد الخبرين ناسخا لما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وترك الآخر من غير دليل ثبت له على صحته ، سوغ لخصمه أخذ ما ترك من الخبرين وترك ما أخذ منهما .

ونظير هذا النوع من السنن خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم ، وخبر أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهما حلالان فتضاد الخبران في فعل واحد في الظاهر من غير أن يكون بينهما تضاد عندنا ، فجعل جماعة من أصحاب الحديث الخبرين اللذين رويا في نكاح ميمونة متعارضين ، وذهبوا إلى خبر عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا ينكح المحرم ولا ينكح فأخذوا به ، إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في نكاح ميمونة ، وتركوا خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهو محرم ، فمن فعل هذا لزمه أن يقول : تضاد الخبران في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته على حسب ما ذكرناه قبل ، فيجب أن يجيء إلى الخبر الذي فيه الأمر بصلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا فيأخذ به ، إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته ويترك الخبر المنفرد عنهما كما فعل ذلك في نكاح ميمونة .

قال أبو حاتم : زعم بعض العراقيين ممن كان ينتحل مذهب الكوفيين أن قوله : ( وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا ) أراد به وإذا تشهد قاعدا فتشهدوا قعودا أجمعون فحرف الخبر عن عموم ما ورد الخبر فيه بغير دليل ثبت له على تأويله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات عمومًا وعلى الصلاة الوسطى، وهي العصر خصوصًا، والمحافظة عليها أداؤها بوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع ما لها من واجب ومستحب، وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر العبادات، وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر خصوصًا إذا أكملها كما أمر بقوله { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } أي: ذليلين خاشعين، ففيه الأمر بالقيام والقنوت والنهي عن الكلام، والأمر بالخشوع، هذا مع الأمن والطمأنينة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) أي واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها وإتمام أركانها ثم خص من بينها الصلاة الوسطى بالمحافظة عليها دلالة على فضلها والوسطى تأنيث الأوسط ووسط الشيء : خيره وأعدله واختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم في الصلاة الوسطى فقال قوم : هي صلاة الفجر وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد ، وإليه مال مالك والشافعي ، لأن الله تعالى قال : ( وقوموا لله قانتين ) والقنوت طول القيام وصلاة الصبح مخصوصة بطول القيام وبالقنوت لأن الله تعالى خصها في آية أخرى من بين الصلوات فقال الله : " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " ( 78 - الإسراء ) يعني تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار فهي مكتوبة في ديوان الليل وديوان النهار ولأنها بين صلاتي جمع وهي لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها .

وذهب قوم إلى أنها صلاة الظهر وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد ، لأنها في وسط النهار وهي أوسط صلاة النهار في الطول .

أخبرنا عمر بن عبد العزيز أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو علي اللؤلئي أنا أبو داود أنا محمد بن المثنى أنا محمد بن جعفر أنا شعبة ، حدثني عمرو بن أبي حكيم قال : سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها فنزلت : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) .

وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر رواه جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول علي وعبد الله بن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة رضوان الله عليهم وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة والحسن .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أنه قال : أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذني ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فلما بلغتها آذنتها فأملت علي ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) " صلاة العصر ( وقوموا لله قانتين ) قالت عائشة رضي الله عنها : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حفصة مثل ذلك .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أنا أبو جعفر الرياني أنا حميد بن زنجويه أخبرنا أبو نعيم أنا سفيان ، عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال : قلنا لعبيدة سل عليا عن الصلاة الوسطى فسأله فقال : كنا نرى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا " ولأنها صلاتي نهار وصلاتي ليل وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالتغليظ .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم بن إبراهيم أنا هشام أنا يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المليح قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال : بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " .

وقال قبيصة بن ذؤيب : هي صلاة المغرب لأنها وسط ليس بأقلها ولا بأكثرها ولم ينقل عن أحد من السلف أنها صلاة العشاء وإنما ذكرها بعض المتأخرين لأنها بين صلاتين لا تقصران وقال بعضهم : هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها أبهمها الله تعالى تحريضا للعباد على المحافظة على أداء جميعها كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى الاسم الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها .

قوله تعالى : ( وقوموا لله قانتين ) أي مطيعين قال الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاووس؛ ; والقنوت : الطاعة قال الله تعالى " أمة قانتا " ( 120 - النحل ) أي مطيعا .

وقال الكلبي ومقاتل : لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين وقيل : القنوت السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة .

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا أحمد بن منيع أنا هشيم أنا إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت (وقوموا لله قانتين ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .

وقال مجاهد : خاشعين وقال : من القنوت طول الركوع وغض البصر والركود وخفض الجناح كان العلماء إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيا وقيل : المراد من القنوت طول القيام .

أخبرنا أبو عثمان الضبي أنا أبو محمد الجراحي أنا أبو العباس المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا ابن أبي عمر أنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : أي الصلاة أفضل؟

قال : " طول القنوت " وقيل ( قانتين ) أي داعين .

دليله ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا يدعو على أحياء من سليم على رعل وذكوان وعصية وقيل معناه مصلين لقوله تعالى " أمن هو قانت آناء الليل " ( 9 - الزمر ) أي مصل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«حافظوا على الصلوات» الخمس بأدائها في أوقاتها «والصلاة الوسطى» هي العصر أو الصبح أو الظهر أو غيرها أقوال وأفردها بالذكر لفضلها «وقوموا لله» في الصلاة «قانتين» قيل مطيعين لقوله صلى الله عليه وسلم: كل قنوت في القرآن فهو طاعة، رواه أحمد وغيره، وقيل ساكتين لحديث زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت فأمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام رواه الشيخان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حافظوا -أيها المسلمون- على الصلوات الخمس المفروضة بالمداومة على أدائها في أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها، وحافظوا على الصلاة المتوسطة بينها وهي صلاة العصر، وقوموا في صلاتكم مطيعين لله، خاشعين ذليلين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

لعل السر في توسط هاتين الآيتين بين أيات الأحكام التي تحدثت عن الطلاق ، والعدة والرضاع والخطبة .

.

.

إلخ ، لعل السر في ذلك أن هذه الأمور كثيرة ما تكون مثار تنازع وتخاصم وتقاطع بين الناس ، فأراد القرآن بطريقته الحكيمة ، وبأسلوبه المؤثر أن يقول للناس : إن محافظتكم على الصلاة ، ومداومتكم على طاعة الله وذكره كل ذلك سيعرض في نفوسكم المراقبة له - سبحانه - ، والخشية من عقابه ، وسيعينكم على أن تحلوا قضاياكم التي تتعلق بالطلاق وغيره بالعدل والإِحسان والتسامح والتعاطف ، لأن من حافظ على فرائض الله وأومره ، انصرفت نفسه عن ظلم الناس ، وعاملهم معاملة كريمة حسنة .

وقد بين القبرآن في كثير من آياته أن المحافظة على الصلاة بخشوع وخضوع لله - تعالى - وأن المداومة على ذكره ، والملازمة لطاعته كل ذلك من شأنه أن يمنع الإِنسان من الوقوع فيما نهى الله عنه ، قال - تعالى - : ( اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ) وقال - تعالى - : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين ) وقال - تعالى - : ( وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ ) فكأن الله - تعالى - يقول للناس : لقد أمرتكم بالمحافظة على الصلاة ، وبالمداومة على طاعتي وذكري خلال حديثي عن أحكام كثيرة ما تكون هذه الأحكام مثار تنازع بينكم ، وذلك لكي تحلوا التسامح والتوال والتقارب محل التشاحن والتدابر والتجافي ، لأن من شأن المحافظة على هذه العبادات ، أن تهدي الناس إلى أكمل الأخلاق والصفات .فسبحان من هذا كلامه ، ومن تلك إرشاداته وتوجيهاته ، ووصاياه .وقوله - تعالى - : ( حَافِظُوا ) من الحفظ بمعنى ضبط الشيء ، وصيانته عن كل تضييع ، وهو خلاف النسيان .

والخطاب لجميع المكلفين من أفراد الأمة .والمعنى : حافظوا على معشر المسلمين والمسلمات على أداء الصلوات في أوقاتها بخشوع وخضوع وإخلاص لله رب العالمين ، وحافظوا بصفة خاصة على الصلاة الوسطى ، لما هلا من منزلة سامية ، ومكانة عالية .فقد أمر الله - تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات بصفة عامة ، وأفراد الصلاة الوسطى بالذكر تفخيماً لشأنها ، وإعلاء لقدرها من بين أفراد جنسها ، والمسلم يكون محافظاً على الصلاة إذا أداها في وقتها مستوفية لآدابها وسننها وشرائعها وخشوعها وكل ما يتعلق بها ، أما إذا قصر في شيء من ذلك فإنه لا يكون محافظاً عليها تلك المحافظة التامة التي أمر الله بها .وفي قوله - تعالى - : ( حَافِظُوا ) تنبيه إلى أن الصلاة في ذاتها شيء نفيس ثمين تجب المحافظة عليه ، لأن هذه الكلمية تدل على الصيانة والضبط بجانب دلالتها على الأداءؤ والإِقامة والمداومة .قال الإِمام الرازي : وقوله : ( حَافِظُوا ) بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين .

للدلالة على أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب .

فكأنه قيل : احفظ الصلاة ليحفظك الإِله الذي أمرك بها .

وهذا كقوله : ( فاذكروني أَذْكُرْكُمْ ) وفي الحديث " احفظ الله يحفظك " أو أن تكون المحافظة بين المصلى والصلاة .

فكأنه قيل : " احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة بمعنى أنها تحفظك من ارتكابا المعاصي ، وتشفع لمصليها يوم القيامة "وللعلماء أقوال في المراد بالصلاة الوسطى التي أفردها الله - تعالى - من بين الصلوات .فجمهور العلماء يرون أنها واحدة من بين الصلوات الخمس المفروضة ، وأن الوسطى مؤنث الأوسط أي الشيء المتوسط بين شيئين ، فالصلاة الوسطى هي الصلاة المتوسطة بين صلاتين ، إلا أنهم اختلفوا في تعيينها .فأكثر العلماء على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، لأنها تقع في وسط الصلوات الخمس ، إذ قبلها اثنتان وبعدها اثنتان ، ولأنها وسط بين صلاتي النهار ، وصلاتي الليل ، فمعنى التوسط فيها واضح ، ولأنها مظنة التقصير لمجيئها بعد وقت الظهيرة الذي يكون في الغالب وقت كسل .وفضلا عن ذلك فقد صرحت بعض الأحاديث بأنها صلاة العصر ، وقد ساق الإِمام ابن كثير عدداً من هذه الأحاديث ومنها ما جاء في صحيح مسلم ومسند الإِمام أحمد عن علي بن أبي طالب قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم ناراً ، ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء " ، وفي مسند الإِمام أحمد عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " .وقد خصت صلاة العصر بمزيد من التأكيد ، وبالأمر بالمحافظة عليها ، وبالتحذير من التقصير فيها ، مما يشهد بأنها هي الصلاة الوسطى ، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " أي : سلب من أهله وماله فبقي وحيداً بدونهما .وقال بعضهم المراد بالصلاة الوسطى صلاة الصبح ، وقيل صلاة الظهر ، وقيل صلاة المغرب ، وقيل العشاء ، وقيل الجمعة ، وقيل غير ذلك من الأقوال التي لا تبلغ في قوتها مبلغ قول القائلين بأنها صلاة العصر ، ولذا قال ابن كثير وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها ، ومعترك النزاع في الصبح والعصر ، وقد أثبتت السنة أنها العصر فتعين المصير إليها - أي إلى أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر .ومن العلماء من اتجه في بيان المراد من الصلاة الوسطى اتجاهاً آخر فهو يرى أن المراد بالصلاة الوسطى الصلوات كلها ، وأن الوسطى ليست بمعنى المتوسطة بين صلاتين ، وإنما هي بمعنى الفضل لأن وسط الشيء خياره وأعدله وأفضله فالمقصود بها فعلها أو أداؤها بطريقة سليمة كاملة .والمعنى على هذا الرأي : حافظوا يا معشر المسلمين على الصلوات كلها ، وحافظوا على أن يكون أداؤكم لها بطريقة وسطى أي فاضلة بأن تأدوها في أوقاتها كاملة الأركان والسنن والآداب والخشوع .قال ابن كثير : " وقيل بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر وفي صحته نظر .

والعجب أن هذا القول قد اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر إمام ما وراء البحر ، وإنها لإِحدى الكبر ، إذ اختار مع إطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من الكتاب ولا سنة ولا أثر " .ومن العلماء المحدثين الذين استحسنوا هذا الرأي الشيخ محمد عبده - رحمه الله - فقد قال : " ولولا أنهم اتفقوا على أنها - أي الصلاة الوسطى - إحدى الخمس لكان يتبادر إلى فهمي من قوله : " الصلاة الوسطى " أن المراد بالصلاة الفعل وبالوسطى الفضلى أي : حافظوا على أنواع الصلاة وهي الصلاة التي يحضر فيها القلب وتتوجه بها النفس إلى الله - تعالى - وتخشع لذكره ، وتدبر كلامه لا صلاة المرائين ولا الغافلين " .والذي نراه أن ما عليه الجمهور من أن الصلاة الوسطى هي واحدة من بين الصلوات الخمس ، وأنها صلاة العصر هو أقوى الآراء ، لأنه - أولا - يتفق مع أصحاب الاتجاه الثاني الذين يقولون بأن أداء الصلاة يجب أن يكون بطريقة تامة الأركان والسنن والخشوع وما قال أحد منهم بأن تحديدها بصلاة العصر ينفي أداء بقية الفرائض بكمال واطمئنان .

ولأنه - ثانياً - قد امتاز عن رأي أصحاب الاتجاه الثاني بأنه أعمل النص الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، ولا شك أن إعمال النص أولى من إهماله أو من تأويله تأويلا ضعيفا .وقوله : ( وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ ) مؤكدا لما قبله من المحافظة والمداومة على أداء الصلاة .والقنوت : لزوم الطاعة مع الخضوع والخشوع .

أي قوموا في الصلاة مطيعين لله - تعالى - مؤيدين لها على وجهها الكامل في خشوع وخضوع واطمئنان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم السادس عشر: حكم المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى: اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين للمكلفين ما بين من معالم دينه، وأوضح لهم من شرائع شرعه أمرهم بعد ذلك بالمحافظة على الصلوات وذلك لوجوه: أحدها: أن الصلاة لما فيها من القراءة والقيام والركوع والسجود والخضوع والخشوع تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى، وزوال التمرد عن الطبع، وحصول الانقياد لأوامر الله تعالى والانتهاء عن مناهيه، كما قال: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ والثاني: أن الصلاة تذكر العبد جلالة الربوبية وذلة العبودية وأمر الثواب والعقاب فعند ذلك يسهل عليه الانقياد للطاعة ولذلك قال: ﴿ استعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ والثالث: أن كل ما تقدم من بيان النكاح والطلاق والعدة اشتغال بمصالح الدنيا، فأتبع ذلك بذكر الصلاة التي هي مصالح الآخرة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أجمع المسلمون على أن الصلاة المفروضة خمسة، وهذه الآية التي نحن في تفسيرها دالة على ذلك، لأن قوله: ﴿ حافظوا عَلَى الصلوات ﴾ يدل على الثلاثة من حيث أن أقل الجمع ثلاثة، ثم إن قوله تعالى: ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ يدل على شيء أزيد من الثلاثة، وإلا لزم التكرار، والأصل عدمه، ثم ذلك الزائد يمتنع أن يكون أربعة، وإلا فليس لها وسطى، فلابد وأن ينضم إلى تلك الثلاثة عدد آخر يحصل به للمجموع وسط، وأقل ذلك أن يكون خمسة، فهذه الآية دالة على وجوب الصلوات الخمسة بهذا الطريق، واعلم أن هذا الاستدلال إنما يتم إذا بينا أن المراد من الوسطى ما تكون وسطى في العدد لا ما تكون وسطى بسبب الفضيلة ونبين ذلك بالدليل إن شاء الله تعالى إلا أن هذه الآية وإن دلت على وجوب الصلوات الخمس لكنها لا تدل على أوقاتها، والآيات الدالة على تفصيل الأوقات أربع: الآية الأولى: قوله: ﴿ فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ  ﴾ وهذه الآية أبين آيات المواقيت فقوله: ﴿ فَسُبْحَانَ الله ﴾ أي سبحوا الله معناه صلوا لله حين تمسون، أراد به صلاة المغرب والعشاء ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ أراد صلاة الصبح ﴿ وَعَشِيّاً  ﴾ أراد به صلاة العصر ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ صلاة الظهر.

الآية الثانية: قوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل  ﴾ أراد بالدلوك زوالها فدخل فيه صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم قال: ﴿ أَقِمِ الصلاة ﴾ أراد صلاة الصبح.

الآية الثالثة: قوله: ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءَانَاء اليل فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ النهار  ﴾ فمن الناس من قال: هذه الآية تدل على الصلوات الخمس، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلان في هاتين اللفظتين.

الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل  ﴾ فالمراد بطرفي النهار: الصبح، والعصر، وقوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ المغرب والعشاء، وكان بعضهم يتمسك به في وجوب الوتر، لأن لفظ زلفاً جمع فأقله الثلاثة.

المسألة الثانية: اعلم أن الأمر بالمحافظة على الصلاة أمر بالمحافظة على جميع شرائطها، أعني طهارة البدن، والثوب، والمكان، والمحافظة على ستر العورة، واستقبال القبلة، والمحافظة على جميع أركان الصلاة، والمحافظة على الاحتراز عن جميع مبطلات الصلاة سواء كان ذلك من أعمال القلوب أو من أعمال اللسان، أو من أعمال الجوارح، وأهم الأمور في الصلاة، رعاية النية فإنها هي المقصود الأصلي من الصلاة، قال تعالى: ﴿ وأقم الصلاة لذكري  ﴾ فمن أدى الصلاة على هذا الوجه كان محافظاً على الصلاة وإلا فلا.

فإن قيل: المحافظة لا تكون إلا بين اثنين، كالمخاصمة، والمقاتلة، فكيف المعنى ههنا؟.

والجواب: من وجهين: أحدهما: أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب، كأنه قيل له: احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة وهذا كقوله: ﴿ فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ  ﴾ وفي الحديث: «احفظ الله يحفظك».

الثاني: أن تكون المحافظة بين المصلي والصلاة فكأنه قيل: احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة، واعلم أن حفظ الصلاة للمصلي على ثلاثة أوجه: الأول: أن الصلاة تحفظه عن المعاصي، قال تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن الفحشاء والثاني: أن الصلاة تحفظه من البلايا والمحن، قال تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكواة  ﴾ ومعناه: إني معكم بالنصرة والحفظ إن كنتم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة والثالث: أن الصلاة تحفظ صاحبها وتشفع لمصليها، قال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله  ﴾ ولأن الصلاة فيها القراءة، والقرآن يشفع لقارئه، وهو شافع مشفع وفي الخبر: إنه تجئ البقرة وآل عمران كأنهما عمامتان فيشهدان ويشفعان وأيضاً في الخبر سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه والله أعلم.

المسألة الثالثة: اختلفوا في الصلاة الوسطى على سبعة مذاهب.

فالقول الأول: أن الله تعالى أمر بالمحافظة عليها، ولم يبين لنا أنها أي صلاة هي، وإنما قلنا: إنه لم يبين لأنه لو بين ذلك لكان إما أن يقال: إنه تعالى بينها بطريق قطعي، أو بطريق ظني والأول باطل لأنه بيان إما أن يكون بهذه الآية، أو بطريق آخر قاطع، أو خبر متواتر ولا يمكن أن يكون البيان حاصلاً في هذه الآية، لأن عدد الصلوات خمس، وليس في الآية ذكر لأولها وآخرها، وإذا كان كذلك أمكن في كل واحدة من تلك الصلوات أن يقال: إنما هي الوسطى، وإما أن يقال: بيان حصل في آية أخرى أو في خبر متواتر، وذلك مفقود، وأما بيانه بالطريق الظني وهو خبر الواحد والقياس فغير جائز، لأن الطريق المفيد للظن معتبر في العمليات، وهذه المسألة ليست كذلك، فثبت أن الله تعالى لم يبين أن الصلاة الوسطى ما هي ثم قالوا: والحكمة فيه أنه تعالى لما خصها بمزيد التوكيد، مع أنه تعالى لم يبينها جوز المرء في كل صلاة يؤديها أنها هي الوسطى فيصير ذلك داعياً إلى أداء الكل على نعت الكمال والتمام، ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة القدر في رمضان، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفاً من الموت في كل الأوقات، فيكون آتياً بالتوبة في كل الأوقات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء، قال محمد بن سيرين: إن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات كلها تصبها، وعن الربيع بن خيثم أنه سأله واحد عنها، فقال: يا ابن عم الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظاً على الوسطى ثم قال الربيع: لو علمتها بعينها لكنت محافظاً لها ومضيعاً لسائرهن، قال السائل: لا.

قال الربيع: فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى.

القول الثاني: هي مجموع الصلوات الخمس وذلك لأن هذه الخمسة هي الوسطى من الطاعات وتقريره أن الإيمان بضع وسبعون درجة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والصلوات المكتوبات دون الإيمان وفوق إماطة الأذى فهي واسطة بين الطرفين.

القول الثالث: أنها صلاة الصبح، وهذا القول من الصحابة قول علي عليه السلام، وعمر وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة الباهلي، ومن التابعين قول طاوس، وعطاء، وعكرمة ومجاهد، وهو مذهب الشافعي رحمه الله والذي يدل على صحة هذا القول وجوه: الأول: أن هذه الصلاة تصلى في الغلس فأولها يقع في الظلام فأشبهت صلاة الليل، وآخرها يقع في الضوء فأشبهت صلاة النهار الثاني: أن هذه الصلاة تؤدى بعد طلوع الصبح، وقبل طلوع الشمس، وهذا القدر من الزمان لا تكون الظلمة فيه تامة، ولا يكون الضوء أيضاً تاماً، فكأنه ليس بليل ولا نهار فهو متوسط بينهما الثالث: أنه حصل في النهار التام صلاتان: الظهر والعصر، وفي الليل صلاتان: المغرب والعشاء، وصلاة الصبح كالمتوسط بين صلاتي الليل والنهار.

فإن قيل: فهذه المعاني حاصلة في صلاة المغرب قلنا: إنا نرجح صلاة الصبح على المغرب بكثرة فضائل صلاة الصبح على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الرابع: أن الظهر والعصر يجمعان بعرفة بالاتفاق، وفي السفر عند الشافعي، وكذا المغرب والعشاء، وأما صلاة الفجر فهي منفردة في وقت واحد فكان وقت الظهر والعصر وقتاً واحداً ووقت المغرب والعشاء وقتاً واحداً، ووقت الفجر متوسطاً بينهما، قال القفال رحمه الله: وتحقيق هذا الاحتجاج يرجع إلى أن الناس يقولون: فلان وسط، إذا لم يمل إلى أحد الخصمين، فكان منفرداً بنفسه عنهما، والله أعلم الخامس: قوله تعالى: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً  ﴾ وقد ثبت بالتواتر أن المراد منه صلاة الفجر، وإنما جعلها مشهوداً لأنها تؤدى بحضرة ملائكة الليل وملائكة النهار.

إذا عرفت هذا فوجه الاستدلال بهذه الآية من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى أفرد صلاة الفجر بالذكر، فدل هذا على مزيد فضلها، ثم إنه تعالى خص الصلاة الوسطى بمزيد التأكيد، فيغلب على الظن أن صلاة الفجر لما ثبت أنها أفضل بتلك الآية، وجب أن تكون هي المراد بالتأكيد المذكور في هذه الآية والثاني: أن الملائكة تتعاقب بالليل والنهار، فلا تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في وقت واحد إلا صلاة الفجر، فثبت أن صلاة الفجر قد أخذت بطرفي الليل والنهار من هذا الوجه، فكانت كالشيء المتوسط السادس: أنه تعالى قال بعد ذكر الصلاة الوسطى: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين ﴾ قرن هذه الصلاة بذكر القنوت، وليس في الشرع صلاة ثبت بالأخبار الصحاح القنوت فيها إلا الصبح، فدل على أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الصبح السابع: لا شك أنه تعالى إنما أفردها بالذكر لأجل التأكيد، ولا شك أن صلاة الصبح أحوج الصلوات إلى التأكيد، إذ ليس في الصلاة أشق منها، لأنها تجب على الناس في ألذ أوقات النوم، حتى إن العرب كانوا يسمون نوم الفجر العسيلة للذتها، ولا شك أن ترك النوم اللذيذ الطيب في ذلك الوقت، والعدول إلى استعمال الماء البارد، والخروج إلى المسجد والتأهب للصلاة شاق صعب على النفس، فيجب أن تكون هي المراد بالصلاة الوسطى إذ هي أشد الصلوات حاجة إلى التأكيد الثامن: أن صلاة الصبح أفضل الصلوات، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد من الصلاة الوسطى صلاة الصبح، إنما قلنا: إنها أفضل الصلوات لوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ الصابرين والصادقين ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ فجعل ختم طاعاتهم الشريفة وعباداتهم الكاملة بذكر كونهم مستغفرين بالأسحار، ثم يجب أن يكون أعظم أنواع الاستغفار هو أداء الفرض، لقوله عليه الصلاة والسلام حاكياً عن ربه تعالى لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم وذلك يقتضي أن أفضل الطاعات بعد الإيمان هو صلاة الصبح.

وثانيها: ما روي فيها أن التكبيرة الأولى منها مع الجماعة خير من الدنيا وما فيها.

وثالثها: أنه ثبت بالأخبار الصحيحة أن صلاة الصبح مخصوصة بالأذان مرتين: مرة قبل طلوع الفجر، ومرة أخرى بعده وذلك لأن المقصود من المرة الأولى إيقاظ الناس حتى يقوموا ويتشمروا للوضوء.

ورابعها: أن الله تعالى سماها بأسماء، فقال في بني إسرائيل: ﴿ وقرآن الفجر  ﴾ وقال في النور: ﴿ مّن قَبْلِ صلاة الفجر  ﴾ وقال في الروم: ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  ﴾ وقال عمر بن الخطاب: المراد من قوله: ﴿ وإدبار النجوم  ﴾ صلاة الفجر.

وخامسها: أنه تعالى أقسم به فقال: ﴿ وَٱلْفَجْرِ  وَلَيَالٍ عَشْرٍ  ﴾ ولا يعارض هذا بقوله تعالى: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ  ﴾ فإنا إذا سلمنا أن المراد منه القسم بصلاة العصر لكن في صلاة الفجر تأكيد، وهو قوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار  ﴾ وقد بينا أن هذا التأكيد لم يوجد في العصر.

وسادسها: أن التثويب في أذان الصبح معتبر، وهو أن يقول بعد الفراغ من الحيعلتين: الصلاة خير من النوم مرتين، ومثل هذا التأكيد غير حاصل في سائر الصلوات.

وسابعها: أن الإنسان إذا قام من منامه فكأنه كان معدوماً، ثم صار موجوداً، أو كان ميتاً، ثم صار حياً، بل كأن الخلق كانوا في الليل كلهم أمواتاً، فصاروا أحياء، فإذا قاموا من منامهم وشاهدوا هذا الأمر العظيم من كمال قدرة الله ورحمته حيث أزال عنهم ظلمة الليل، وظلمة النوم والغفلة، وظلمة العجز والخيرة، وأبدل الكل بالإحسان، فملأ العالم من النور، والأبدان من قوة الحياة والعقل والفهم والمعرفة، فلا شك أن هذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية، وإظهار الخضوع والذلة والمسكنة، فثبت بمجموع هذه البيانات أن صلاة الصبح أفضل الصلوات، فكان حمل الوسطى عليها أولى التاسع: ما روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه سئل عن الصلاة الوسطى، فقال: كنا نرى أنها الفجر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى صلاة الصبح ثم قال: هذه هي الصلاة الوسطى العاشر: أن سنن الصبح آكد من سائر السنن ففرضها يجب أن يكون أقوى من سائر الفروض فصرف التأكيد إليها أولى، فهذا جملة ما يستدل به على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح.

القول الرابع: قول من قال: إنها صلاة الظهر، ويروى هذا القول عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد رضي الله عنهم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى، وعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهاجرة، وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان، فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم» فنزلت هذه الآية، والثاني: صلاة الظهر تقع وسط النهار وليس في المكتوبات صلاة تقع في وسط الليل أو النهار غيرها، والثالث: أنها بين صلاتين نهاريتين: الفجر والعصر.

الرابع: أنها صلاة بين البردين: برد الغداة وبرد العشي.

الخامس: قال أبو العالية: صليت مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فلما فرغوا سألتهم عن الصلاة الوسطى، فقالوا التي صليتها.

السادس: روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وجه الاستدلال أنها عطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى، والمعطوف عليه قبل المعطوف، والتي قبل العصر هي الظهر السابع: روي أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي صلاة الظهر كانت تقام في الهاجرة الثامن: روي في الأحاديث الصحيحة أن أول إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم كانت في صلاة الظهر، فدل هذا على أنها أشرف الصلوات، فكان صرف التأكيد إليها أولى التاسع: أن صلاة الجمعة هي أشرف الصلوات، وهي صلاة الظهر، فصرف المبالغة إليها أولى.

القول الخامس: قول من قال: إنها صلاة العصر، وهو من الصحابة مروي عن علي عليه السلام وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، ومن الفقهاء: النخعي، وقتادة، والضحاك، وهو مروي عن أبي حنيفة، واحتجوا عليه بوجوه: الأول: ما روي عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وسائر الأئمة، وهو عظيم الوقع في المسألة، وفي صحيح مسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ومن الفقهاء من أجاب عنه فقال: العصر وسط، ولكن ليس هي المذكورة في القرآن، فهاهنا صلاتان وسطيان الصبح والعصر، وأحدهما ثبت بالقرآن والآخر بالسنة، كما أن الحرم حرمان: حرم مكة بالقرآن، وحرم المدينة بالسنة، وهذا الجواب متكلف جداً الثاني: قالوا روي في صلاة العصر من التأكيد ما لم يرو في غيرها قال عليه الصلاة والسلام: «من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله».

وأيضاً أقسم الله تعالى بها فقال: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ  ﴾ فدل على أنها أحب الساعات إلى الله تعالى الثالث: أن العصر بالتأكيد أولى من حيث إن المحافظة على سائر أوقات الصلاة أخف وأسهل من المحافظة على صلاة العصر، والسبب فيه أمران أحدهما: أن وقت صلاة العصر أخفى الأوقات، لأن دخول صلاة الفجر بطلوع الفجر المستطير ضوؤه، ودخول الظهر بظهور الزوال، ودخول المغرب بغروب القرص ودخول العشاء بغروب الشفق، أما صلاة العصر فلا يظهر دخول وقتها إلا بنظر دقيق وتأمل عظيم في حال الظل، فلما كانت معرفته أشق لا جرم كانت الفضيلة فيها أكثر الثاني: أن أكثر الناس عند العصر يكونون مشتغلين بالمهمات، فكان الإقبال على الصلاة أشق، فكان صرف التأكيد إلى هذه الصلاة أولى.

الحجة الرابعة: في أن الوسطى هي العصر أشبه بالصلاة الوسطى لوجوه: أحدها: أنها متوسطة بين صلاة هي شفع، وبين صلاة هي وتر، أما الشفع فالظهر، وأما الوتر فالمغرب، إلا أن العشاء أيضاً كذلك، لأن قبلها المغرب وهي وتر، وبعدها الصبح وهو شفع.

وثانيها: العصر متوسطة بين صلاة نهارية وهي الظهر، وليلية وهي المغرب.

وثالثها: أن العصر بين صلاتين بالليل وصلاتين بالنهار.

والقول السادس: أنها صلاة المغرب، وهو قول عبيدة السلماني، وقبيصة بن ذؤيب، والحجة فيه من وجهين: الأول: أنها بين بياض النهار وسواد الليل، وهذا المعنى وإن كان حاصلاً في الصبح إلا أن المغرب يرجح بوجه آخر، وهو أنه أزيد من الركعتين كما في الصبح، وأقل من الأربع كما في الظهر والعصر والعشاء، فهي وسط في الطول والقصر.

الحجة الثانية: أن صلاة الظهر تسمى بالصلاة الأولى، ولذلك ابتدأ جبريل عليه السلام بإمامة فيها، وإذا كان الظهر أول الصلوات كان الوسطى هي المغرب لا محالة.

القول السابع: أنها صلاة العشاء، قالوا لأنها متوسطة بين صلاتين لا يقصران، المغرب والصبح، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة» فهذا مجموع دلائل الناس وأقوالهم في هذه المسألة، وقد تركت ترجيح بعضها فإنه يستدعي تطويلاً عظيماً، والله أعلم.

المسألة الرابعة: احتج الشافعي بهذه الآية على أن الوتر ليس بواجب، قال: الوتر لو كان واجباً لكانت الصلوات الواجبة ستة، ولو كان كذلك لما حصل لها وسطى، والآية دلت على حصول الوسطى لها.

فإن قيل: الاستدلال إنما يتم إذا كان المراد هو الوسطى في العدد وهذا ممنوع بل المراد من الوسطى الفضيلة قال تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ أي عدولاً وقال تعالى: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ  ﴾ أي أعدلهم، وقد أحكمنا هذا الاشتقاق في تفسير قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا ﴾ وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات وهو متوسط بين الإثنين وبين الأربع، وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد الوسطى في الصفة وهي صلاة الصبح فإنها تقع في وقت ليس بغاية في الظلمة ولا غاية في الضوء.

الجواب: أن الخلق الفاضل إنما يسمى وسطاً لا من حيث إنه خلق فاضل، بل من حيث إنه يكون متوسطاً بين رذيلتين هما طرفا الإفراط والتفريط، مثل الشجاعة فإنها خلق فاضل وهي متوسطة بين الجبن والتهور فيرجع حاصل الأمر إلى أن لفظ الوسط حقيقة فيما يكون وسطاً بحسب العدد ومجاز في الخلق الحسن والفعل الحسن من حيث إن من شأنه أن يكون متوسطاً بين الطرفين اللذين ذكرناهما وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.

أما قوله: نحمله على ما يكون وسطاً في الزمان وهو الظهر.

فجوابه: أن الظهر ليست بوسط في الحقيقة، لأنها تؤدى بعد الزوال، وهنا قد زال الوسط.

وأما قوله: نحمله على الصبح لكون وقت وجوبه وسطاً بين وقت الظلمة وبين وقت النور، أو على المغرب لكون عددها متوسطاً بين الإثنين والأربعة.

فجوابه: أن هذا محتمل وما ذكرناه أيضاً محتمل، فوجب حمل اللفظ على الكل فهذا هو وجه الاستدلال في هذه المسألة بهذه الآية بحسب الإمكان والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين ﴾ ففيه وجوه: أحدها: وهو قول ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر، واحتج عليه بوجهين: الأول: أن قوله: ﴿ حافظوا عَلَى الصلوات ﴾ أمر بما في الصلاة من الفعل، فوجب أن يحمل القنوت على كل ما في الصلاة من الذكر، فمعنى الآية: وقوموا لله ذاكرين داعين منقطعين إليه والثاني: أن المفهوم من القنوت هو الذكر والدعاء، بدليل قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً  ﴾ وهو المعني بالقنوت في صلاة الصبح والوتر، وهو المفهوم من قولهم: قنت على فلان لأن المراد به الدعاء عليه.

والقول الثاني: ﴿ قانتين ﴾ أي مطيعين، وهو قول ابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل، الدليل عليه وجهان: الأول: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل قنوت في القرآن فهو الطاعة».

الثاني: قوله تعالى في أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ وقال في كل النساء: ﴿ فالصالحات قانتات  ﴾ فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة وإتمامها، والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها، وهو زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما يجزئ وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد، ولو كان كما قال لوجب أن لا يصلي رأساً، لأنه يقال: كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا، فكذلك لا يحتاج إلى القليل وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم والرسل والسلف الصالح فأطالوا وأظهروا الخشوع والاستكانة وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال.

القول الثالث: ﴿ قانتين ﴾ ساكتين، وهو قول ابن مسعود وزيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة فيسلم الرجل فيردون عليه، ويسألهم: كم صليتم؟

كفعل أهل الكتاب، فنزل الله تعالى: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

القول الرابع: وهو قول مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع، وخفض الجناح وسكون الأطراف وترك الالتفات من هيبة الله تعالى وكان أحدهم إذا قام إلى الصلاة يهاب ربه فلا يلتفت ولا يقلب الحصى، ولا يعبث بشيء من جسده، ولا يحدث نفسه بشيء من الدنيا حتى ينصرف.

القول الخامس: القنوت هو القيام، واحتجوا عليه بحديث جابر قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل؟

قال: «طول القنوت» يريد طول القيام، وهذا القول عندي ضعيف، وإلا صار تقدير الآية: وقوموا لله قائمين اللهم إلا أن يقال: وقوموا لله مديمين لذلك القيام فحينئذٍ يصير القنوت مفسراً بالإدامة لا بالقيام.

القول السادس: وهو اختيار علي بن عيسى: أن القنوت عبارة عن الدوام على الشيء والصبر عليه والملازمة له وهو في الشريعة صار مختصاً بالمداومة على طاعة الله تعالى، والمواظبة على خدمة الله تعالى، وعلى هذا التقدير يدخل فيه جميع ما قاله المفسرون، ويحتمل أن يكون المراد: وقوموا لله مديمين على ذلك القيام في أوقات وجوبه واستحبابه والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والصلاة الوسطى ﴾ أي الوسطى بين الصلوات، أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط.

وإنما أفردت وعطفت على الصلاة لانفرادها بالفضل وهي صلاة العصر.

وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم ناراً» وقال عليه الصلاة والسلام: «إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب» وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فأملت عليه: والصلاة الوسطى صلاة العصر وروي عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم: والصلاة الوسطى وصلاة العصر؛ بالواو.

فعلى هذه القراءة يكون التخصيص لصلاتين: إحداهما الصلاة الوسطى، إمّا الظهر، وإمّا الفجر وإمّا المغرب، على اختلاف الروايات فيها، والثانية: العصر، وقيل: فضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: هي صلاة الظهر لأنها في وسط النهار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحابه منها.

وعن مجاهد: هي الفجر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل.

وعن قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، لأنها وتر النهار ولا تنقص في السفر من الثلاث وقرأ عبد الله: ﴿ وعلى الصلاة الوسطى ﴾ : وقرأت عائشة رضي الله عنها ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ بالنصب على المدح والاختصاص.

وقرأ نافع: ﴿ الوصطى ﴾ ، بالصاد ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ ﴾ في الصلاة ﴿ قانتين ﴾ ذاكرين لله في قيامكم.

والقنوت: أن تذكر الله قائماً.

وعن عكرمة كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا.

وعن مجاهد: هو الركود وكف الأيدي والبصر.

وروي: أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمدّ بصره أو يلتفت، أو يقلب الحصا، أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره ﴿ فَرِجَالاً ﴾ فصلوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام، أو رجل يقال: رجل رجل، أي راجل.

وقرئ: ﴿ فرجالا ﴾ .

بضم الراء، ﴿ ورجالاً ﴾ بالتشديد ﴿ ورجلاً ﴾ .

وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف: وعند الشافعي رحمه الله: يصلون في كل حال، والراكب يومئ ويسقط عنه التوجه إلى القبلة ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ ﴾ فإذا زال خوفكم ﴿ فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ من صلاة الأمن، أو فإذا أمنتم فاشكروا الله على الأمن، واذكروه بالعبادة، كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ ﴾ بِالأداءِ لِوَقْتِها والمُداوَمَةِ عَلَيْها، ولَعَلَّ الأمْرَ بِها في تَضاعِيفِ أحْكامِ الأوْلادِ والأزْواجِ لِئَلّا يُلْهِيَهُمُ الِاشْتِغالُ بِشَأْنِهِمْ عَنْها.

﴿ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ أيِ الوُسْطى بَيْنَها، أوِ الفُضْلى مِنها خُصُوصًا وهي صَلاةُ العَصْرِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الأحْزابِ «شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ مَلَأ اللَّهُ بُيُوتَهم نارًا» .

وفَضَّلَها لِكَثْرَةِ اشْتِغالِ النّاسِ في وقْتِها، واجْتِماعِ المَلائِكَةِ.

وقِيلَ صَلاةُ الظُّهْرِ لِأنَّها في وسَطِ النَّهارِ وكانَتْ أشَقُّ الصَّلَواتِ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أفْضَلُ العِباداتِ أحَمَزُها» .

وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ النَّهارِ واللَّيْلِ والواقِعَةُ في الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما ولِأنَّها مَشْهُودَةٌ.

وقِيلَ المَغْرِبُ لِأنَّها المُتَوَسِّطَةُ بِالعَدَدِ ووِتْرِ النَّهارِ.

وقِيلَ العِشاءُ لِأنَّها بَيْنَ جَهْرِيَّتَيْنِ واقِعَتَيْنِ طَرَفَيِ اللَّيْلِ.

وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقْرَأُ: « والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ» ، فَتَكُونُ صَلاةٌ مِنَ الأرْبَعِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مَعَ العَصْرِ لِانْفِرادِهِما بِالفَضْلِ.

وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ.

﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ ﴾ في الصَّلاةِ.

﴿ قانِتِينَ ﴾ ذاكِرِينَ لَهُ في القِيامِ، والقُنُوتُ الذِّكْرُ فِيهِ.

وقِيلَ خاشِعِينَ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ المُرادُ بِهِ القُنُوتُ في الصُّبْحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)

{حافظوا عَلَى الصلوات} داوموا عليها بمواقيتها وأركانها وشرائطها {والصلاة الوسطى} بين الصلوات أي الفضلى من قولهم

للأفضل الأوسط وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفصل وهى صلاة العصر عند أبي حنيفة رحمه الله وعليه الجمهور لقوله عليه السلام يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم ناراً وقال عليه السلام إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان حتى توارت بالحجاب وفي مصحف حفصة والصلاة الوسطى صلاة العصر ولانها بين صلاتى الليل وصلاة النهار وفضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم وقيل صلاة الظهر لأنها في وسط النهار أو صلاة الفجر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل أو صلاة المغرب لأنها بين الأربع والمثنى ولأنها بين صلاتي مخافتة وصلاتي جهر أو صلاة العشاء لأنها بين وترين أو هي غير معينة كليلة القدر ليحفظوا الكل {وَقُومُواْ لِلَّهِ} في الصلاة {قانتين} حال أي مطيعين خاشعين أو ذاكرين الله في قيامكم والقنوت أن تذكر الله قائماً أو مطيلين القيام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ ﴾ أيْ: داوِمُوا عَلى أدائِها لِأوْقاتِها مِن غَيْرِ إخْلالٍ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ المُفِيدَةُ لِلْمُبالَغَةِ، ولَعَلَّ الأمْرَ بِها عَقِيبَ الحَضِّ عَلى العَفْوِ والنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ الفَضْلِ؛ لِأنَّها تُهَيِّئُ النَّفْسَ لِفَواضِلِ المَلَكاتِ لِكَوْنِها النّاهِيَةَ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، أوْ لِيُجْمَعَ بَيْنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِهِ، وقِيلَ: أُمِرَ بِها في خِلالِ بَيانِ ما تَعَلَّقَ بِالأزْواجِ والأوْلادِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المُتَشابِكَةِ؛ إيذانًا بِأنَّها حَقِيقَةٌ بِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها، والمُثابَرَةِ عَلَيْها مِن غَيْرِ اشْتِغالٍ عَنْها بِشَأْنِ أُولَئِكَ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَشْغَلَنَّكُمُ التَّعَلُّقُ بِالنِّساءِ وأحْوالِهِنَّ، وتَوَجَّهُوا إلى مَوْلاكم بِالمُحافَظَةِ عَلى ما هو عِمادُ الدِّينِ ومِعْراجُ المُؤْمِنِينَ ﴿ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ أيِ: المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَها، أوِ الفُضْلى مِنها، وعَلى الأوَّلِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الصَّلَواتِ خَمْسٌ بِلا زِيادَةٍ دُونَ الثّانِي، وفي تَعْيِينِها أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّها الظُّهْرُ؛ لِأنَّها تُفْعَلُ في وسَطِ النَّهارِ، الثّانِي: أنَّها العَصْرُ؛ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ النَّهارِ وصَلاتَيِ اللَّيْلِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، والحَسَنِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وخَلْقٍ كَثِيرٍ، وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، والثّالِثُ: أنَّها المَغْرِبُ، وعَلَيْهِ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ؛ لِأنَّها وسَطٌ في الطُّولِ والقَصْرِ، والرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ العِشاءِ؛ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيْنِ لا يُقْصَرانِ، والخامِسُ: أنَّها الفَجْرُ؛ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ولِأنَّها صَلاةٌ لا تُجْمَعُ مَعَ غَيْرِها، فَهي مُنْفَرِدَةٌ بَيْنَ مُجْتَمَعَيْنِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُعاذٍ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، واخْتارَهُ الشّافِعِيُّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ نَفْسَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها صَلاةُ الوَتْرِ، وقِيلَ: الضُّحى، وقِيلَ: عِيدُ الفِطْرِ، وقِيلَ: عِيدُ الأضْحى، وقِيلَ: صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: صَلاةُ الجُمْعَةِ، وقِيلَ: الجَماعَةُ، وقِيلَ: صَلاةُ الخَوْفِ، وقِيلَ وقِيلَ ...

والأكْثَرُونَ صَحَّحُوا أنَّها صَلاةُ العَصْرِ؛ لِما أخْرَجَ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ _ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ _ أنَّهُ _  _ قالَ يَوْمَ الأحْزابِ: «شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى؛ صَلاةِ العَصْرِ، مَلَأ اللَّهُ تَعالى بُيُوتَهم نارًا» وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها تَقَعُ في وقْتِ اشْتِغالِ النّاسِ، لا سِيَّما العَرَبُ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ مِن بَيْنِ هَذِهِ الأقْوالِ أنَّها الظُّهْرُ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ سائِرَ الأقْوالِ لَيْسَ لَها مُسْتَنَدٌ يَقِفُ لَهُ العَجْلانُ سِوى القَوْلِ بِأنَّها صَلاةُ العَصْرِ، والأحادِيثُ الوارِدَةُ بِأنَّها هي قِسْمانِ: مَرْفُوعَةٌ ومَوْقُوفَةٌ، والمَوْقُوفَةُ لا يُحْتَجُّ بِها؛ لِأنَّها أقْوالُ صَحابَةٍ عارَضَها صَحابَةٌ آخَرِينَ أنَّها غَيْرُها، وقَوْلُ الصَّحابِيِّ لا يُحْتَجُّ بِهِ إذا عارَضَهُ قَوْلُ صَحابِيٍّ آخَرَ قَطْعًا، وإنَّما جَرى الخِلافُ في الِاحْتِجاجِ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ المُعارَضَةِ، وأمّا المَرْفُوعَةُ فَغالِبُها لا يَخْلُو إسْنادُهُ عَنْ مَقالٍ، والسّالِمُ مِنَ المَقالِ قِسْمانِ: مُخْتَصَرٌ بِلَفْظِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ، ومُطَوَّلٌ فِيهِ قِصَّةٌ وقَعَ في ضِمْنِها هَذِهِ الجُمْلَةُ، والمُخْتَصَرُ مَأْخُوذٌ مِنَ المُطَوَّلِ؛ اخْتَصَرَهُ بَعْضُ الرُّواةِ فَوُهِمَ في اخْتِصارِهِ عَلى ما سَتَسْمَعُ، والأحادِيثُ المُطَوَّلَةُ كُلُّها لا تَخْلُو مِنَ احْتِمالٍ فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِها، فَقَوْلُهُ مِن حَدِيثِمُسْلِمٍ: «شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى؛ صَلاةِ العَصْرِ» فِيهِ احْتِمالانِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لَفْظُ صَلاةِ العَصْرِ لَيْسَ مَرْفُوعًا، بَلْ مُدْرَجٌ في الحَدِيثِ؛ أدْرَجَهُ بَعْضُ الرُّواةِ تَفْسِيرًا مِنهُ، كَما وقَعَ ذَلِكَ كَثِيرًا في أحادِيثَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ _ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ _ بِلَفْظِ: «حَبَسُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ» يَعْنِي: العَصْرَ، الثّانِي: عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُدْرَجٍ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ نَسَقٍ عَلى حَذْفِ العاطِفِ، لا بَيانًا ولا بَدَلًا، والتَّقْدِيرُ: شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ لَمْ يُشْغَلْ يَوْمَ الأحْزابِ عَنْ صَلاةِ العَصْرِ فَقَطْ، بَلْ شُغِلَ عَنِ الظُّهْرِ والعَصْرِ مَعًا، كَما ورَدَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى، فَكَأنَّهُ أرادَ بِالصَّلاةِ الوُسْطى الظُّهْرَ، وعَطَفَ عَلَيْها العَصْرَ، ومَعَ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ لا يَتَأتّى الِاسْتِدْلالُ بِالحَدِيثِ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أقْوى لِلرِّوايَةِ المُشارِ إلَيْها، ويُؤَيِّدُهُ مِن خارِجٍ أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ تَفْسِيرًا أنَّها العَصْرُ؛ لَوَقَفَ الصَّحابَةُ عِنْدَهُ ولَمْ يَخْتَلِفُوا، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ _  _ مُخْتَلِفِينَ في الصَّلاةِ الوُسْطى هَكَّذا؛ وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ، ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاحْتِمالَيْنِ فالحَدِيثُ مَعارَضٌ بِالحَدِيثِ المَرْفُوعِ أنَّها الظُّهْرُ، وإذا تَعارَضَ الحَدِيثانِ ولَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ طُلِبَ التَّرْجِيحُ، وقَدْ ذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ أنَّ مِنَ المُرَجِّحاتِ أنْ يُذْكَرَ السَّبَبُ، والحَدِيثُ الوارِدُ في أنَّها الظُّهْرُ مُبَيَّنٌ فِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ، ومُساقٌ لِذِكْرِها بِطَرِيقِ القَصْدِ بِخِلافِ حَدِيثِ ”شَغَلُونا“ إلَخْ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وهو ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهاجِرَةِ، ولَمْ تَكُنْ صَلاةٌ أشُدُّ عَلى الصَّحابَةِ مِنها، فَنَزَلَتْ: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ » وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ زَيْدٍ أيْضًا: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ كانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَجِيرِ، فَلا يَكُونُ وراءَهُ إلّا الصَّفُّ والصَّفّانِ، والنّاسُ في قائِلَتِهِمْ وتِجارَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ ﴾ إلَخْ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _: ”لَيَنْتَهِيَنَّ رِجالٌ أوْ لَأُحْرِقَنَّ بُيُوتَهم»“ ويُؤَكِّدُ كَوْنَها غَيْرَ العَصْرِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن طُرُقٍ، «عَنْ أبِي يُونُسَ مَوْلى عائِشَةَ، قالَ: أمَرَتْنِي عائِشَةُ أنْ أكْتُبَ لَها مُصْحَفًا، فَأمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ وصَلاةِ العَصْرِ وقالَتْ: سَمِعْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _» والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وأخْرَجَ مالِكٌ وغَيْرُهُ مِن طُرُقٍ أيْضًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ رافِعٍ، قالَ: كُنْتُ أكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ فَأمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ وصَلاةِ العَصْرِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رافِعٍ أنَّهُ كَتَبَ لِأُمِّ سَلَمَةَ مُصْحَفًا، فَأمْلَتْ عَلَيْهِ مِثْلَ ما أمْلَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما _ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي رافِعٍ مَوْلى حَفْصَةَ، قالَ: كَتَبْتُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ، فَقالَتِ: اكْتُبْ ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ وصَلاةِ العَصْرِ، فَلَقِيتْ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقالَ: هو كَما قالَتْ، أوَ لَيْسَ أشْغَلُ ما نَكُونُ عِنْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ في عَمَلِنا ونَواضِحِنا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّحابَةَ فَهِمُوا مِن هَذِهِ القِراءَةِ أنَّها الظُّهْرُ، هَذا وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، وأبِي بَكْرِ الوَرّاقِ: أنَّها إحْدى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، ولَمْ يُعَيِّنْها اللَّهُ تَعالى، وأخْفاها في جُمْلَةِ الصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ؛ لِيُحافِظُوا عَلى جَمِيعِها، كَما أخْفى لَيْلَةَ القَدْرِ في لَيالِي شَهْرِ رَمَضانَ، واسْمَهُ الأعْظَمَ في جَمِيعِ الأسْماءِ، وساعَةَ الإجابَةِ في ساعاتِ الجُمُعَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ: (الصَّلاةَ الوُسْطى)، ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ: والصَّلاةَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ، وقَرَأ نافِعٌ: الوُصْطى بِالصّادِ ﴿ وقُومُوا لِلَّهِ ﴾ أيْ: في الصَّلاةِ ﴿ قانِتِينَ ﴾ أيْ: مُطِيعِينَ كَما هو أصْلُ مَعْنى القُنُوتِ عِنْدَ بَعْضٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أوْ ذاكِرِينَ لَهُ تَعالى في القِيامِ بِناءً عَلى أنَّ القُنُوتَ هو الذِّكْرُ فِيهِ، وقِيلَ: خاشِعِينَ، وقِيلَ: مُكَمِّلِينَ الطّاعَةَ ومُتَمِّيها عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِمّا يَنْبَغِي فِيها، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِنَ القُنُوتِ طُولُ الرُّكُوعِ، وغَضُّ البَصَرِ، والخُشُوعُ، وأنْ لا يَلْتَفِتَ، وأنْ لا يُقَلِّبَ الحَصى، ولا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ، ولا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِأمْرٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وفَسَّرَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ بِـ: ساكِتِينَ؛ لِما أخْرَجَ هو ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وجَماعَةٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، قالَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ في الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنّا صاحِبَهُ وهو إلى جَنْبِهِ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ، ونُهِينا عَنِ الكَلامِ،» ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ، ولَعَلَّ الأوْضَحَ مِنهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ وهو يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمّا قَضى الصَّلاةَ قالَ: ”إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ السَّلامَ إلّا أنّا أُمِرْنا أنْ نَقُومَ قانِتِينَ، لا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ»“، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: المُرادُ بِهِ القُنُوتُ في الصُّبْحِ، وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ أوْ بِما بَعْدَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى قال ابن عباس: أي حافظوا على الصلوات المكتوبات الخمس في مواقيتها بوضوئها وركوعها وسجودها وَالصَّلاةِ الْوُسْطى، يعني الصلاة الوسطى خاصة حافظوا عليها.

ويقال: هي صلاة العصر.

ويقال هي صلاة الصبح ويقال: هي صلاة الظهر.

حدثنا القاسم بن محمد بن روزبه قال: حدّثنا عيسى بن خشنام قال: حدثنا سويد بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين أنه بلغه، عن رجل، عن زيد بن ثابت أنه بلغه، عن علي وابن عباس أنهما كانا يقولان: صلاة الوسطى صلاة الصبح.

قال مالك: وذلك رأي.

أخبرني القاسم بن محمد قال: حدّثنا عيسى بن خنشام قال: حدثنا سويد بن سعيد بن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن رجل، عن زيد بن ثابت أنه قال: صلاة الوسطى: صلاة الظهر.

وبهذا الإسناد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن الحكم، عن أبي يونس مولى عائشة-  ا- أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى: صلاة العصر.

قال الفقيه: حدّثنا أبو إبراهيم الترمذي، عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر الطحاوي قال: حدّثنا علي بن معبد قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم عن أبي إسحاق عن أبي جعفر محمد بن علي، عن عمرو بن رافع، مولى عمر وكان يكتب المصاحف أنه قال: اكتتبتني حفصة ابنة عمر مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها، حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من رسول الله  ، فلما بلغتها أتيتها بالورقة فقالت: اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر.

ويقال: هي قراءة عبد الله بن مسعود.

وروي عن أبي هريرة وابن عمر أنهما قالا: صلاة الوسطى العصر وروي عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عليّ أنه قال: كنت ظننت أنها صلاة الفجر، حتى سمعت رسول الله  يقول يوم الخندق وقد شغلوه عن صلاة العصر، قال: «مَلأَ الله بُطُونَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً، شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى، صَلاةِ العَصْرِ» .

وإنما كان فائدة التخصيص بصلاة العصر، لأن ذلك وقت الشغل ويخاف فوتها ما لا يخاف لسائر الصلوات.

وقد أكد بالذكر قال: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى خاصة.

ومن طريق المعقول يدل أيضاً على أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، لأن قبلها صلاتي النهار وبعدها صلاتي الليل.

ثم قال تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، أي قوموا لله طائعين في الصلاة مطيعين.

ويقال: صلوا لله قائمين، فكأنه أمر بطول القيام في الصلاة.

كما قال في آية أخرى: يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ [آل عمران: 43] .

وروي عن رسول الله  أنه سئل عن أفضل الصلاة فقال: «التِي يُطِيلُ القُنُوتَ فِيهَا» ، يعني القيام.

ويقال: قانتين، يعني ساكتين، كما روي عن زيد بن أرقم أنه قال: كنا نتكلم في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

وقال الزجاج: المشهور في اللغة الدعاء في القيام، وحقيقة القانت القائم بأمر الله تعالى.

ثم قال: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً، يعني إذا خفتم العدو فصلوا قياماً، فإن لم تستطيعوا فصلوا ركباناً على الدواب، حيث ما توجهت بكم بالإيماء.

وهذا موافق لما روي عن النبيّ  أنه ذكر صلاة الخوف، ثم قال في آخره «فَإنْ كانَ الخَوْفُ أَشَدَّ مِنْ ذِّلِكَ، صَلُّوا عَلَى أَقْدَامِكُمْ أَوْ رُكْبَاناً مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» .

فَإِذا أَمِنْتُمْ، يعني العدو والخوف، فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ، يعني صلوا كما علمكم أربعاً أو اثنتين.

وعلمكم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، يعني علمكم الصلاة ولم تكونوا تعلمون من قبل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المَهْر، ثم خاطب تعالَى الجميعَ نادباً بقوله: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، أي: يا جميعَ الناسِ، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ.

وغيره: «وَلاَ تَنَاسَوا الفَضْلَ» ، وهي قراءةٌ متمكِّنة المعنى «١» لأنه موضع تناسٍ، لا نسيان إِلا على التشْبيه.

وقوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ: ندْبٌ إِلى المجاملة.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَبَرٌ، وضمنه الوَعْد للمحسِنِ والحِرْمان لغير المحسن.

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)

قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ...

الآية: الْخِطابُ لجميع الأمة، والآية أَمْر بالمحافظةِ عَلَى إِقامة الصَّلوات في أوقاتها، وبجميع شروطها، وخرَّج الطحاويُّ «٢» عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيُّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ تعالى وَيَدْعُوهُ، حتى صَارَتْ وَاحِدَةً، فامتلأ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَاراً، فَلَمَّا ارتفع عَنْهُ، أَفَاقَ، فَقَالَ: عَلاَمَ جَلَدتَّنِي؟

قَالَ: إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ومَرَرْتَ على مَظْلُومٍ، فَلَمْ تَنْصُرْهُ» «٣» .

انتهى من «التذْكِرَة» للقرطبيِّ «٤» .

وفي الحديثِ: «أنَّ الصَّلاَةَ ثَلاَثَةُ أَثْلاَثٍ الطُّهُورُ ثُلُثٌ، وَالرُّكُوعُ ثلث، والسّجود ثلث،

فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهَا، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ، رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ» رواه النَّسَائِيّ «١» .

انتهى من «الكوكب الدَّرِّيِّ» .

وروى مالكٌ في «الموطَّإ» ، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ «٢» أنه قال: «بلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ، نُظِرَ فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه، لم ينظر في شيء من عمله» «٣» .

قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» : وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مسنَداً عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم مِنْ وجوهٍ صِحَاحٍ، ثم أسند أبو عمر عن أنَسِ بنِ حكيمٍ الضَّبِّيِّ «٤» ، قال: قَالَ لِي أبو هُرَيْرة: إِذا أَتَيْتَ أَهْلَ مِصْرِكَ، فأخبرهم أنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ المُسْلِمُ صَلاَةُ المَكْتُوبَةِ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلاَّ قِيلَ:

انظروا، هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، أُكْمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» «٥» ،

وفي رواية تميم الدّاريّ «١» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم بهذا المعنى.

قال: «ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ على حَسَبِ ذَلِكَ» «٢» .

انتهى.

وذكَرَ اللَّه سبحانه الصَّلاةَ الوسطى ثانيةً، وقد دَخَلَتْ قَبْلُ في عموم قوله:

«الصَّلَوَاتِ» لأنه أراد تشريفَهَا.

واختلف النَّاس في تعيينها.

فقال عليٌّ، وابن عبَّاسٍ، وجماعة من الصَّحابة: إِنها صلاةُ الصُّبْح «٣» ، وهو قول مالكٍ، وقالتْ فرقةٌ: هي الظُّهْر، وورد فيه حديث، وقالت فرقة: هي صلاة العصر، وفي

مُصْحَف عائشةَ «١» ، وإِملاء حَفْصَة: «صَلاَةِ العَصْرِ» وعلى هذا القول جمهورُ العلماءِ، وبه أقولُ.

وقال قَبِيصَةُ بن ذُوَيْبٍ «٢» : هي صلاة المَغْرِب «٣» ، وحكى أبو عمر بن عبد البَرِّ عن فرقة أنها صلاة العشَاءِ الآخِرَةِ، وقالتْ فرقة: الصلاة الوسطى لم يعيِّنها اللَّه سبْحانه، فهي في جملة الخَمْس غير معيَّنة كليلة القَدْر، وقالت فرقة: هي صلاة الجمعة، وقال بعض ٦٠ ب العلماء: هي الخَمْس، وقوله أولاً: عَلَى الصَّلَواتِ يعم النفْلَ/، والفَرْض، ثم خَصْ الفرْضَ بالذِّكْر.

وقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ معناه في صلاتِكُمْ.

واختلف في معنى قانِتِينَ.

فقال الشَّعْبِيُّ وغيره: معناه مطيعين «٤» ، قال الضَّحَّاك: كل قُنُوتٍ في القرآن، فإِنما يعنى به الطاعة «٥» ، وقاله أبو سعيد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم وقال ابْنُ مسعودٍ وغيره: القُنُوت:

السُّكُوت «٦» وذلك أنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة حتى نزلَتْ هذه الآيةُ، فأمروا بالسُّكُوت، وقال مجاهد: معنى قانِتِينَ خاشِعِينَ،، فالقنوتُ: طُولُ الركوعِ والخشوعِ، وغضُّ البصر، وخَفْضُ الجَنَاح «٧» ، قال ع «٨» : وإِحضارُ الخَشْية، والفكر في الوقوف

بين يَدَيِ اللَّه سبحَانَه، وقال الرَّبِيعُ: القنوتُ: طولُ القيَامِ، وطولُ الرُّكُوعَ «١» .

وقال قومٌ: القنوتُ: الدعاء، وقانِتِينَ: معناه دَاعِينَ، روي معناه عن ابن عَبَّاس «٢» .

وقول تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً ...

الآية، أمر اللَّه تعالى بالقيامِ له في الصلاة بحالة قُنُوت، وهو الوقار والسَّكينة، وهدوء الجوارحِ، وهذا على الحالة الغالبَةِ من الأمْن والطُّمأْنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخَوْف الطارئَة أحيانا، فرخّص لعبيده في الصّلاة فَرِجالًا: متصرّفين على الأقدام، ورُكْباناً: على الخَيْل والإِبل ونحوهما إِيماء، وإِشارة بالرأس حيث ما توجَّه، هذا قول جميع العلماءِ، وهذه هي صلاة الفَذِّ الذي قد ضايقه الخَوْفُ على نَفْسه في حال المسايفة، أو مِنْ سَبُعٍ يطلبه، أو عدو يتبعه، أو سَيْلٍ يحملُه، وبالجملة فكلُّ أمرْ يخافُ منْه على رُوحِهِ، فهو مبيحٌ ما تضمَّنته هذه الآية.

وأما صَلاَةُ الخَوْف بالإِمام، وانقسام النَّاس، فليس حكْمُها في هذه الآية، وسيأتي، إِن شاء اللَّه، في «سورة النساء» «٣» .

والرُّكْبَان: جمع رَاكِبٍ «٤» ، وهذه الرخْصَة في ضِمنها بإِجماعٍ من العلماء: أن يكون الإنسان حيثُ ما توجَّه ويتقلَّب ويتصرَّف بحسب نَظَره في نجاة نَفْسِهِ.

ت: وروى أبو داودَ في «سُنَنِهِ» ، عن عبد اللَّه بن أُنَيْسٍ «٥» ، قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ ﴾ المُحافَظَةُ: المُواظَبَةُ والمُداوَمَةُ، والصَّلَواتُ بِالألِفِ واللّامِ يَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ، والمُرادُ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الواوُ إذا جاءَتْ مُخَصَّصَةً، فَهي دالَّةٌ عَلى فَضْلِ الَّذِي تُخَصِّصُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ،  ، في الصَّلاةِ الوُسْطى هَكَذا، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ.

ثُمَّ فِيها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها العَصْرُ، رَوى مُسْلِمٌ في "أفْرادِهِ" مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ  ، «أنَّهُ قالَ يَوْمَ الأحْزابِ: "شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ، مَلَأ اللَّهُ قُبُورَهم وبُيُوتَهم نارًا" .» ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ، وسَمُرَةُ، وعائِشَةُ «عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّها صَلاةُ العَصْرِ.» ورَوى مُسْلِمٌ في "أفْرادِهِ" مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ [والصَّلاةِ الوُسْطى ] وصَلاةِ العَصْرِ) فَقَرَأْناها ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيٍّ، وأبِي أيُّوبٍ، وابْنِ عُمَرَ في رِوايَةٍ، وسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وعائِشَةَ في رِوايَةٍ، وحَفْصَةَ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ في رِوايَةٍ، وطاوُوسٍ، والضَّحّاكِ، والنَّخَعِيِّ، وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، وقَتادَةَ، وأبِي حَنِيفَةَ، ومُقاتِلٍ في آَخَرِينَ، وهو مَذْهَبُ أصْحابِنا.

.

والثّانِي: أنَّها الفَجْرُ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وعَلَيٍّ في رِوايَةٍ، وأبِي مُوسى، ومُعاذٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وأبِي أُمامَةَ، وابْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ مُجاهِدٌ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وطاوُوسٍ في رِوايَةِ ابْنِهِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ، ومُجاهِدٍ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ.

ورَوى أبُو العالِيَةِ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ،  ؛ الغَداةَ فَقُلْتُ لَهُمْ: أيُّما الصَّلاةُ الوُسْطى؟

فَقالُوا: الَّتِي صَلَّيْتَ قَبْلُ.

والثّالِثُ: أنَّها الظُّهْرُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وعائِشَةَ في رِوايَةٍ، ورَوى ضَمِيرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: هي صَلاةُ الجُمْعَةِ، وهي سائِرُ الأيّامِ الظُّهْرُ.

والرّابِعُ: أنَّها المَغْرِبُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ.

والخامِسُ: أنَّها العِشاءُ الأخِيرَةُ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ في "تَفْسِيرِهِ" .

وفي المُرادِ بِالوُسْطى ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها أوْسَطُ الصَّلَواتِ مَحَلًّا.

والثّانِي: أوْسَطُها مِقْدارًا.

والثّالِثُ: أفْضَلُها.

ووَسَطُ الشَّيْءِ: خَيْرُهُ وأعْدَلُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا  ﴾ .

فَإنْ قُلْنا: إنَّ الوُسْطى بِمَعْنى: الفُضْلى، جازَ أنَّ يَدَّعِيَ هَذا كُلُّ ذِي مَذْهَبٍ فِيها.

وإنْ قُلْنا: إنَّها أوْسَطُها مِقْدارًا، فَهي المَغْرِبُ، لِأنَّ أقَلَّ المَفْرُوضاتِ رَكْعَتانِ، وأكْثَرُها أرْبَعًا.

وإنْ قُلْنا: إنَّها أوْسَطُها مَحَلًّا، فَلِلْقائِلِينَ: إنَّها العَصْرُ أنْ يَقُولُوا: قَبْلَها صَلاتانِ في النَّهارِ، وبَعْدَها صَلاتانِ في اللَّيْلِ، فَهي الوُسْطى.

ومَن قالَ: هي الفَجْرُ، فَقالَ عِكْرِمَةُ: هي وسَطٌ بَيْنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي وسَطٌ بَيْنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وقالَ: وسَمِعْتُ أبا العَبّاسِ يَعْنِي، ثَعْلَبًا يَقُولُ: النَّهارُ عِنْدَ العَرَبِ أوَّلُهُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ.

قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى هَذا صَلاةُ الصُّبْحِ مِن صَلاةِ اللَّيْلِ، قالَ: وقالَ آَخَرُونَ: بَلْ هي مِن صَلاةِ النَّهارِ، لِأنَّ أوَّلَ وقْتِها أوَّلُ وقْتِ الصَّوْمِ.

قالَ: والصَّوابُ عِنْدَنا أنْ نَقُولَ: اللَّيْلُ المَحْضُ خاتِمَتُهُ: طُلُوعُ الفَجْرِ، والنَّهارُ المَحْضُ أوَّلُهُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ، والَّذِي بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وطُلُوعِ الشَّمْسِ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى نَهارًا، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى لَيْلًا، لِما يُوجَدُ فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ والضَّوْءِ، فَهَذا قَوْلٌ يَصِحُّ بِهِ المَذْهَبانِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَن قالَ: هي الظُّهْرُ، قالَ: هي وسَطُ النَّهارِ.

فَأمّا مَن قالَ: هي المَغْرِبُ، فاحْتَجَّ بِأنَّ أوَّلَ صَلاةٍ فُرِضَتِ، الظُّهْرُ، فَصارَتِ المَغْرِبُ وُسْطى، ومَن قالَ: هي العِشاءُ، فَإنَّهُ قالَ: هي بَيْنَ صَلاتَيْنِ تَقْصُرانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ المُرادُ بِالقِيامِ هاهُنا: القِيامُ في الصَّلاةِ، فَأمّا القُنُوتُ، فَقَدْ شَرَحْناهُ فِيما تَقَدَّمَ.

وفي المُرادِ بِهِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيُّ، وطاوُوسٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ طُولُ القِيامِ في الصَّلاةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

وعَنْ عَطاءٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإمْساكُ عَنِ الكَلامِ في الصَّلاةِ.

«قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمٍ: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتِ الآَيَةُ ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ [وَنُهِينا عَنِ الكَلامِ ] .» <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَلَواتِ والصَلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، والآيَةُ أمْرٌ بِالمُحافَظَةِ عَلى إقامَةِ الصَلَواتِ في أوقاتِها وبِجَمِيعِ شُرُوطِها.

وَذَكَرَ تَعالى الصَلاةَ الوُسْطى ثانِيَةً، وقَدْ دَخَلَتْ قَبْلُ في عُمُومِ قَوْلِهِ: "الصَلَواتِ" لِأنَّهُ قَصْدُ تَشْرِيفِها وإغْراءُ المُصَلِّينَ بِها.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُؤاسِيُّ "والصَلاةَ الوُسْطى" بِالنَصْبِ عَلى الإغْراءِ.

وقَرَأ كَذَلِكَ الحَلْوانِيُّ.

واخْتَلَفَ الناسُ في أيِّ صَلاةٍ هو هَذا الوَصْفُ.

فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّها الصُبْحُ، وأنَّ لَفْظَ "وُسْطى" يُرادُ بِهِ التَرْتِيبُ لِأنَّها قَبْلَها صَلاتا لَيْلٍ يَجْهَرُ فِيهِما، وبَعْدَها صَلاتا نَهارٍ يُسِرُّ فِيهِما، قالَ هَذا القَوْلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وصَلّى بِالناسِ يَوْمًا الصُبْحُ فَقَنَتَ قَبْلَ الرُكُوعِ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: هَذِهِ الصَلاةُ الوُسْطى الَّتِي أمَرَنا اللهُ أنْ نَقُومَ فِيها قانِتِينَ، وقالَهُ أبُو العالِيَةِ، ورَواهُ عن جَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ، وقالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِي، والرَبِيعُ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ.

وقَوّى مالِكٌ ذَلِكَ بِأنَّ الصُبْحَ لا تُجْمَعُ إلى غَيْرِها، وصَلاتا جُمَعٍ قَبْلَها وصَلاتا جُمَعٍ بَعْدَها.

وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : «لَوْ يَعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ والصُبْحِ لَأتَوْهُما ولَوْ حَبْوًا، وقالَ: إنَّهُما أشَدُّ الصَلَواتِ عَلى المُنافِقِينَ»، "وَفُضِّلَ الصُبْحُ لِأنَّها كَقِيامِ لَيْلَةٍ لِمَن شَهِدَها، والعَتَمَةُ نِصْفُ لَيْلَةٍ".

وقالَ اللهُ: ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا  ﴾ فَيُقَوِّي هَذا كُلَّهُ أمْرُ الصُبْحِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي صَلاةُ الظُهْرِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ورَفَعَ فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ  وقالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، واحْتَجَّ قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ بِأنَّها أوَّلُ صَلاةٍ صُلِّيَتْ في الإسْلامِ فَهي وُسْطى بِذَلِكَ، أيْ فُضْلى، فَلَيْسَ هَذا التَوَسُّطُ في التَرْتِيبِ، وأيْضًا فَرُوِيَ أنَّها كانَتْ أشَقُّ الصَلَواتِ عَلى أصْحابِ النَبِيِّ  لِأنَّها كانَتْ تَجِيءُ في الهاجِرَةِ، وهم قَدْ نَفَعَتْهم أعْمالُهم في أمْوالِهِمْ، وأيْضًا فَيَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قالَتْهُ حَفْصَةُ وعائِشَةُ حِينَ أمْلَتا «حافِظُوا عَلى الصَلَواتِ والصَلاةِ الوُسْطى "وَصَلاةِ العَصْرِ"» فَهَذا اقْتِرانُ الظُهْرِ والعَصْرِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الصَلاةِ الوُسْطى" صَلاةُ العَصْرِ، لِأنَّها قَبْلَها صَلاتا نَهارٍ وبَعْدَها صَلاتا لَيْلٍ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ أيْضًا عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: ﴿ والصَلاةِ الوُسْطى ﴾ "وَهِيَ العَصْرُ" وهو قَوْلُها المَرْوِيُّ عنها.

وقالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وفي إمْلاءِ حَفْصَةَ أيْضًا: ﴿ والصَلاةِ الوُسْطى ﴾ \[وَهِيَ صَلاةُ العَصْرِ\].

ومَن رَوى، "وَصَلاةِ العَصْرِ" فَيَتَأوَّلُ أنَّهُ عَطَفَ إحْدى الصِفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى وهُما لِشَيْءٍ واحِدٍ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ".

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: حافِظُوا عَلى الصَلَواتِ والصَلاةِ الوُسْطى "صَلاةِ العَصْرِ" " عَلى البَدَلِ، ورَوى هَذا القَوْلَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ عَنِ النَبِيِّ  .

وتَواتَرَ الحَدِيثُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ يَوْمَ الأحْزابِ: «شَغَلُونا عَنِ الصَلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ مَلَأ اللهُ بُيُوتَهم وقُبُورَهم نارًا».

«وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كُنّا نَرى أنَّها الصُبْحُ حَتّى قالَ رَسُولُ اللهِ  يَوْمَ الأحْزابِ: "شَغَلُونا عَنِ الصَلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ، فَعَرَفْنا أنَّها العَصْرُ"».

وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: «كُنّا نَقْرَأُ عَلى عَهْدِ النَبِيِّ  : "حافِظُوا عَلى الصَلَواتِ وصَلاةِ العَصْرِ"، ثُمَّ نَسَخَها اللهُ فَقَرَأْنا: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَلَواتِ والصَلاةِ الوُسْطى ﴾ ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: فَهي العَصْرُ؟

قالَ: "قَدْ أخْبَرْتُكَ كَيْفَ قَرَأْناها وكَيْفَ نُسِخَتْ»، واللهُ أعْلَمُ.

ورَوى أبُو مالِكٍ الأشْعَرِيُّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: " «الصَلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا القَوْلِ جُمْهُورُ الناسِ، وبِهِ أقْوالٌ واللهُ أعْلَمُ.

وقالَ قُبَيْصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: "الصَلاةُ الوُسْطى": صَلاةُ المَغْرِبِ لِأنَّها مُتَوَسِّطَةٌ في عَدَدِ الرَكَعاتِ، لَيْسَتْ ثُنائِيَّةً ولا رُباعِيَّةً، وأيْضًا فَقَبْلَها صَلاتا سِرٍّ، وبَعْدَها صَلاتا جَهْرٍ.

وحَكى أبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ البَرِّ في شَرْحِ بابٍ جامِعِ الوُقُوتِ وغَيْرِهِ، عن فِرْقَةٍ، أنَّ "الصَلاةَ الوُسْطى" صَلاةُ العِشاءِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّها تَجِيءُ في وقْتِ نَوْمٍ، وَهِيَ أشَدُّ الصَلَواتِ عَلى المُنافِقِينَ، ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُها، وذَلِكَ شاقٌّ، فَوَقَعَ التَأْكِيدُ في المُحافَظَةِ عَلَيْها، وأيْضًا فَقَبْلَها صَلاتانِ وبَعْدَها صَلاتانِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الصَلاةُ الوُسْطى" لَمْ يُعَيِّنْها اللهُ تَعالى لَنا، فَهي في جُمْلَةِ الخَمْسِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ كَلَيْلَةِ القَدْرِ في لَيالِي العَشْرِ، فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لِتَقَعَ المُحافَظَةُ عَلى الجَمِيعِ، قالَهُ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وقالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الصَلاةُ الوُسْطى" هي صَلاةُ الجُمْعَةَ، فَإنَّها وُسْطى فَضْلًا لِما خُصَّتْ بِهِ مِنَ الجَمْعِ والخُطْبَةِ، وجُعِلَتْ عِيدًا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ومَكِّيٌّ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: "الصَلاةُ الوُسْطى": المَكْتُوبَةُ الخَمْسُ.

وقَوْلُهُ أوَّلًا: "عَلى الصَلَواتِ" يَعُمُّ النَفْلَ والفَرْضَ، ثُمَّ خَصَّ الفَرْضَ بِالذِكْرِ، ويَجْرِي مَعَ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ  : «شَغَلُونا عَنِ الصَلاةِ الوُسْطى».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ مَعْناهُ: في صَلاتِكُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "قانِتِينَ" فَقالَ الشَعْبِيُّ: مَعْناهُ: مُطِيعِينَ.

وقالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وعَطاءٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ الضَحّاكُ: «كُلُّ قُنُوتٍ في القُرْآنِ فَإنَّما يُعْنى بِهِ الطاعَةُ، وقالَهُ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ  »، وإنَّ أهْلَ كُلِّ دِينٍ فَهُمُ اليَوْمَ يَقُومُونَ لِلَّهِ عاصِمِينَ، فَقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: وقُومُوا لِلَّهِ مُطِيعِينَ.

وقالَ نَحْوَ هَذا الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وطاوُسٌ.

وقالَ السُدِّيُّ: "قانِتِينَ" مَعْناهُ: ساكِتِينَ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المَنعِ مِنَ الكَلامِ في الصَلاةِ، وكانَ ذَلِكَ مُباحًا في صَدْرِ الإسْلامِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَلاةِ ونَرُدُّ السَلامَ ويَسْألُ الرَجُلُ صاحِبَهُ حاجَتَهُ قالَ: ودَخَلْتُ يَوْمًا والنَبِيُّ  يُصَلِّي بِالناسِ فَسَلَّمْتُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أحَدٌ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ  قالَ: "إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ إلّا أنّا أُمِرْنا أنْ نَقُومَ قانِتِينَ لا نَتَكَلَّمُ في الصَلاةِ».

والقُنُوتُ: السُكُوتُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وقالَ: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَلاةِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ فَأُمِرْنا السُكُوتَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: خاشِعِينَ، القُنُوتُ: طُولُ الرُكُوعِ والخُشُوعِ، وغَضُّ البَصَرِ، وخَفْضُ الجَناحِ، وإحْضارُ الخَشْيَةِ والفِكْرُ في الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعالى.

وقالَ الرَبِيعُ: القُنُوتُ: طُولُ القِيامِ وطُولُ الرُكُوعِ والِانْتِصابِ لَهُ.

وقالَ قَوْمٌ: القُنُوتُ: الدُعاءُ.

و"قانِتِينَ" مَعْناهُ: داعِينَ.

رُوِيَ مَعْنى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفِي الحَدِيثِ: «قَنَتَ رَسُولُ اللهِ  شَهْرًا يَدْعُو عَلى رَعْلٍ وذَكْوانَ»، فَقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ دَعا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ طَوَّلَ قِيامَهُ، ولا حُجَّةَ في هَذا الحَدِيثِ لِمَعْنى الدُعاءِ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن لا تلزم له قوة ارتباط، لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتب بالتبويب وتفريع المسائل بعضها على بعض، ولكنه كتاب تذكير وموعظة فهو مجموع ما نزل من الوحي في هدى الأمة وتشريعها وموعظتها وتعليمها، فقد يجمع به الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط وتفرع مناسبة، وربما كفى في ذلك نزول الغرض الثاني عقب الغرض الأول، أو تكون الآية مأموراً بإلحاقها بموضع معين من إحدى سور القرآن كما تقدم في المقدمة الثامنة، ولا يخلو ذلك من مناسبة في المعاني، أو في انسجام نظم الكلام، فلعل آية ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ نزلت عقب آيات تشريع العدة والطلاق لسبب اقتضى ذلك من غفلة عن الصلاة الوسطى، أو استشعار مشقة في المحافظة عليها، فموقع هذه الآية موقع الجملة المعترضة بين أحكام الطلاق والعدد.

وإذا أبيت ألاّ تطلب الارتباط فالظاهر أنه لما طال تبيان أحكام كثيرة متوالية: ابتداء من قوله: ﴿ يسألونك ماذا ينفقون ﴾ [البقرة: 215]، جاءت هذه الآية مرتبطة بالتذييل الذي ذيلت به الآية السابقة وهو قوله: ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ [البقرة: 237] فإن الله دعانا إلى خلق حميد، وهو العفو عن الحقوق، ولما كان ذلك الخلق قد يعسر على النفس، لما فيه من ترك ما تحبه من الملائم، من مال وغيره كالانتقام من الظالم، وكان في طباع الأنفس الشح، علمنا الله تعالى دواء هذا الداء بدواءين، أحدهما دنيوي عقلي، وهو قوله: ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ ، المذكر بأن العفو يقرب إليك البعيد، ويصير العدو صديقاً وأنك إن عفوت فيوشك أن تقترف ذنباً فيعفى عنك، إذا تعارف الناس الفضل بينهم، بخلاف ما إذا أصبحوا لا يتنازلون عن الحق.

الدواء الثاني أخروي روحاني: وهو الصلاة التي وصفها الله تعالى في آية أخرى بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلما كانت معينة على التقوى ومكارم الأخلاق، حث الله على المحافظة عليها.

ولك أن تقول: لما طال تعاقب الآيات المبينة تشريعات تغلب فيها الحظوظ الدنيوية للمكلفين، عقبت تلك التشريعات بتشريع تغلب فيه الحظوظ الأخروية، لكي لا يشتغل الناس بدراسة أحد الصنفين من التشريع عن دراسة الصنف الآخر، قال البيضاوي: «أمر بالمحافظة عليها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج، لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها».

وقال بعضهم: «لما ذكر حقوق الناس دلهم على المحافظة على حقوق الله» وهو في الجملة مع الإشارة إلى أن في العناية بالصلوات أداء حق الشكر لله تعالى على ما وجه إلينا من عنايته بأمورنا التي بها قوام نظامنا وقد أومأ إلى ذلك قوله في آخر الآية ﴿ كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ [البقرة: 239] أي من قوانين المعاملات النظامية.

وعلى هذين الوجهين الآخرين تكون جملة ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ معترضة وموقعها ومعناها مثل موقع قوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ [البقرة: 45] بين جملة ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي ﴾ [البقرة: 40].

وبين جملة ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ﴾ [البقرة: 122] وكموقع جملة ﴿ يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ﴾ [البقرة: 153] بين جملة ﴿ فلا تخشوهم واخشوني ﴾ [البقرة: 150] الآية وبين جملة: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ﴾ [البقرة: 154] الآية.

و ﴿ حافظوا ﴾ صيغة مفاعلة استعملت هنا للمبالغة على غير حقيقتها، والمحافظة عليها هي المحافظة على أوقاتها من أن تؤخر عنها والمحافظة تؤذن بأن المتعلق بها حق عظيم يُخشى التفريط فيه.

والمراد: الصلوات المفروضة.

«وأل» في الصلوات للعهد، وهي الصلوات الخمس المتكررة؛ لأنها التي تُطلب المحافظة عليها.

﴿ والصلاة الوسطى ﴾ لا شك أنها صلاة من جملة الصلوات المفروضة لأن الأمر بالمحافظة عليها يدل على أنها من الفرائض، وقد ذكرها الله تعالى في هذه الآية معرفة بلام التعريف وموصوفة بأنها وسطى، فسمعها المسلمون وقرأوها، فإما عرفوا المقصود منها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم طرأ عليهم الاحتمال بعده فاختلفوا، وإما شغلتهم العناية بالسؤال عن مهمات الدين في حياة الرسول عن السؤال عن تعيينها لأنهم كانوا عازمين على المحافظة على الجميع، فلما تذاكروها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم اختلفوا في ذلك فنبع من ذلك خلاف شديد أنهيت الأقوال فيه إلى نيف وعشرين قولاً، بالتفريق والجمع، وقد سلكوا للكشف عنها مسالك؛ مرجعها إلى أخذ ذلك من الوصف بالوسطى، أو من الوصاية بالمحافظة عليها.

فأما الذين تعلقوا بالاستدلال بوصف الوسطى: فمنهم من حاول جعل الوصف من الوسط بمعنى الخيار والفضل، فرجع إلى تتبع ما ورد في تفضيل بعض الصلوات على بعض، مثل قوله تعالى: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ [الإسراء: 78] وحديث عائشة: " أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب ".

ومنهم من حاول جعل الوصف من الوسط: وهو الواقع بين جانبين متساويين من العدد فذهب يتطلب الصلاة التي هي بين صلاتين من كل جانب، ولما كانت كل واحدة من الصلوات الخمس صالحة لأن تعتبر واقعة بين صلاتين، لأن ابتداء الأوقات اعتباري، ذهبوا يعينون المبدأ فمنهم من جعل المبدأ ابتداء النهار، فجعل مبدأ الصلوات الخمس صلاة الصبح فقضى بأن الوسطى العصر، ومنهم من جعل المبدأ الظهر، لأنها أول صلاة فرضت؛ كما في حديث جبريل في «الموطأ»، فجعل الوسطى: المغرب.

وأما الذين تعلقوا بدليل الوصاية على المحافظة، فذهبوا يتطلبون أشق صلاة على الناس تكثر المثبطات عنها، فقال قوم: هي الظهر لأنها أشق صلاة عليهم بالمدينة، كانوا أهل شغل، وكانت تأتيهم الظهر وهم قد أتعبتهم أعمالهم، وربما كانوا في إكمال أعمالهم، وقال قوم: هي العشاء؛ لما ورد أنها أثقل صلاة على المنافقين، وقال بعضهم: هي العصر لأنها وقت شغل وعمل؛ وقال قوم: هي الصبح لأنها وقت نوم في الصيف، ووقت تطلب الدفء في الشتاء.

وأصح ما في هذا الخلاف: ما جاء من جهة الأثر وذلك قولان: أحدهما أنها الصبح، هذا قول جمهور فقهاء المدينة وهو قول عمر وابنه عبد الله وعلي وابن عباس وعائشة وحفصة وجابر بن عبد الله، وبه قال مالك، وهو عن الشافعي أيضاً، لأن الشائع عندهم أنها الصبح، وهم أعلم الناس بما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو قرينة حال.

القول الثاني: أنها العصر، وهذا قول جمهور من أهل الحديث، وهو قول عبد الله بن مسعود، وروي عن علي أيضاً، وهو الأصح عن ابن عباس أيضاً وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، ونسب إلى عائشة وحفصة والحسن، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في رواية، ومال إليه ابن حبيب من المالكية، وحجتهم ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومَ الخندق حين نسي أن يصلي العصر من شدة الشغل في حفر الخندق، حتى غربت الشمس فقال: «شغلونا أي المشركون عن الصلاة الوسطى، أضرم الله قبورهم ناراً».

والأصح من هذين القولين أولهما لما في «الموطأ» و«الصحيحين» أن عائشة وحفصة أمَرَتا كاتبي مصحفيهما أن يكتبا قوله تعالى: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ﴾ وأسندت عائشة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تسنده حفصة، فإذا بطل أن تكون الوسطى هي العصر، بحكم عطفها على الوسطى تعين كونها الصبح، هذا من جهة الأثر.

وأما من جهة مسالك الأدلة المتقدمة، فأفضلية الصبح ثابتة بالقرآن، قال تعالى مخصصاً لها بالذكر ﴿ وقرإن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ [الإسراء: 78] وفي الصحيح أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون عند صلاة الصبح، وتوسطها بالمعنى الحقيقي ظاهر، لأن وقتها بين الليل والنهار، فالظهر والعصر نهاريتان، والمغرب والعشاء ليليتان، والصبح وقت متردد بين الوقتين، حتى إن الشرع عامل نافلته معاملة نوافل النهار فشرع فيها الإسرار، وفريضته معاملة فرائض الليل فشرع فيها الجهر.

ومن جهة الوصاية بالمحافظة عليها، هي أجدر الصلوات بذلك لأنها الصلاة التي تكثر المثبطات عنها، باختلاف الأقاليم والعصور والأمم، بخلاف غيرها فقد تشق إحدى الصلوات الأخرى على طائفة دون أخرى، بحسب الأحوال والأقاليم والفصول.

ومن الناس من ذهب إلى أن الصلاة الوسطى قصد إخفاؤها ليحافظ الناس على جميع الصلوات، وهذا قول باطل؛ لأن الله تعالى عرَّفها باللام ووصفها فكيف يكون مجموع هذين المعرفين غير مفهوم وأما قياس ذلك على ساعة الجمعة وليلة القدر ففاسد، لأن كليهما قد ذكر بطريق الإبهام وصحت الآثار بأنها غير معينة.

هذا خلاصة ما يعرض هنا في تفسير الآية.

وقوله تعالى: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ أمر بالقيام في الصلاة بخضوع، فالقيام الوقوف، وهو ركن في الصلاة فلا يترك إلا لعذر، وأما القنوت: فهو الخضوع والخشوع قال تعالى: ﴿ وكانت من القانتين ﴾ [التحريم: 12] وقال: ﴿ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً ﴾ [النحل: 120] وسمي به الدعاء المخصوص الذي يدعى به في صلاة الصبح أو في صلاة المغرب، على خلاف بينهم، وهو هنا محمول على الخضوع والخشوع، وفي الصحيح عن ابن مسعود «كنا نسلم على رسول الله وهو يصلي فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: إن في الصلاة لشغلاً» وعن زيد بن أرقم: كان الرجل يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ فأمرنا بالسكوت.

فليس ﴿ قانتين ﴾ هنا بمعنى قارئين دعاء القنوت، لأن ذلك الدعاء إنما سمي قنوتاً استرواحاً من هذه الآية عند الذين فسروا الوسطى بصلاة الصبح كما في حديث أنس «دعا النبي على رعل وذكوان في صلاة الغداة شهراً وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ ﴾ وفي المُحافَظَةِ عَلَيْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ذِكْرُها.

والثّانِي: تَعْجِيلُها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ وإنَّما خَصَّ الوُسْطى بِالذِّكْرِ وإنْ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ الصَّلَواتِ لِاخْتِصاصِها بِالفَضْلِ، وفِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صَلاةُ العَصْرِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأبِي أيُّوبَ، وعائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وحَفْصَةَ، وأُمِّ حَبِيبَةَ.

رَوى عَمْرُو بْنُ رافِعٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ  أنَّها قالَتْ لِكاتِبِ مُصْحَفِها: إذا بَلَغْتَ مَواقِيتَ الصَّلاةِ فَأخْبِرْنِي، حَتّى أُخْبِرَكَ بِما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَلَمّا أخْبَرَها قالَتِ: اكْتُبْ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وهي صَلاةُ العَصْرِ)» .

ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ  العَصْرَ يَوْمَ الخَنْدَقِ إلّا بَعْدَما غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقالَ: (ما لَهم مَلَأ اللَّهُ قُلُوبَهم وقُبُورَهم نارًا شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ)» .

ورَوى التَّيْمِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « ( الصَّلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ)» .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صَلاةُ الظُّهْرِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ عُمَرَ.

قالَ ابْنُ عُمَرَ: هي الَّتِي تَوَجَّهَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ  إلى القِبْلَةِ.

وَرَوى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهاجِرَةِ، ولَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلاةً أشَدَّ عَلى أصْحابِهِ مِنها، قالَ فَنَزَلَتْ: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ » وقالَ: إنَّ قَبْلَها صَلاتَيْنِ وبَعْدَها صَلاتَيْنِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها صَلاةُ المَغْرِبِ، وهو قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأقَلِّها ولا بِأكْثَرِها ولا تُقْصَرُ في السَّفَرِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمْ يُؤَخِّرْها عَنْ وقْتِها ولَمْ يُعَجِّلْها.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ الصُّبْحِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُصَلِّيها بَيْنَ سَوادِ اللَّيْلِ وبَياضِ النَّهارِ، تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ ولا صَلاةَ مَفْرُوضَةً يُقْنَتُ فِيها إلّا الصُّبْحُ، ولِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ لَيْلٍ وصَلاتَيْ نَهارٍ.

والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّها إحْدى الصَّلَواتِ الخَمْسِ ولا تُعْرَفُ بِعَيْنِها، لِيَكُونَ أبْعَثَ لَهم عَلى المُحافَظَةِ عَلى جَمِيعِها، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، والرَّبِيعِ ابْنِ خُثَيْمٍ.

وَفِيها قَوْلٌ سادِسٌ: أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ الجُمُعَةِ خاصَّةً.

وَفِيها قَوْلٌ سابِعٌ: أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ الجَماعَةِ مِن جَمِيعِ الصَّلَواتِ.

وَفي تَسْمِيَتِها بِالوُسْطى ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّها أوْسَطُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مَحَلًّا، لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيْ لَيْلٍ وصَلاتَيْ نَهارٍ.

والثّانِي: لِأنَّها أوْسَطُ الصَّلاةِ عَدَدًا، لِأنَّ أكْثَرَهُنَّ أرْبَعٌ وأقَلَّهُنَّ رَكْعَتانِ.

والثّالِثُ: لِأنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ ووَسَطُ الشَّيْءِ ووُسْطاهُ أفْضَلُهُ، وتَكُونُ الوُسْطى بِمَعْنى الفُضْلى.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي طائِعِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّانِي: ساكِتِينَ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ أنْ تَتَكَلَّمُوا بِهِ في صَلاتِكم، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: خاشِعِينَ، نَهْيًا عَنِ العَبَثِ والتَّفَلُّتِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والرّابِعُ: داعِينَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: طُولُ القِيامِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والسّادِسُ: .....

وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا.

واخْتُلِفَ في أصْلِ القُنُوتِ، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أصْلَهُ الدَّوامُ عَلى أمْرٍ واحِدٍ.

والثّانِي: أصْلُهُ الطّاعَةُ.

والثّالِثُ: أصْلُهُ الدُّعاءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا ﴾ الرِّجالُ جَمْعُ راجِلٍ، والرُّكْبانُ جَمْعُ راكِبٍ، مِثْلُ قائِمٍ وقِيامٍ.

يَعْنِي فَإنْ خِفْتُمْ مِن عَدُوِّكم، فَصَلُّوا عَلى أرْجُلِكم أوْ رَكائِبِكم، وُقُوفًا ومُشاةً، إلى القِبْلَةِ وغَيْرِ القِبْلَةِ، مُومِئًا أوْ غَيْرَ مُومِئٍ، عَلى حَسَبِ قُدْرَتِهِ.

واخْتُلِفَ في قَدْرِ صَلاتِهِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها عَلى عَدَدِها تُصَلّى رَكْعَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: تُصَلّى رَكْعَةً واحِدَةً إذا كانَ خائِفًا.

واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الإعادَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ أمْنِهِ، فَذَهَبَ أهْلُ الحِجازِ إلى سُقُوطِ الإعادَةِ عَنْهُ لِعُذْرِهِ.

وَذَهَبَ أهْلُ العِراقِ إلى وُجُوبِ الإعادَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ مَشْيَهُ فِيها عَمَلٌ لَيْسَ مِنها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَإذا أمِنتُمْ فَصَلُّوا كَما عَلَّمَكم، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: يُرِيدُ فاذْكُرُوهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ والحَمْدِ لَهُ، كَما عَلَّمَكم مِن أمْرِ دِينِكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ يعني المكتوبات.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال في قراءة عبد الله: ﴿ حافظوا على الصلوات وعلى الصلاة الوسطى ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مسروق في قوله: ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ قال: المحافظة عليها المحافظة على وقتها، والسهو عنها السهو عن وقتها.

وأخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن طلحة بن عبيد الله قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإِسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة.

فقال: هل علي غيرهن؟

قال: لا، إلا أن تطوّع، وصيام شهر رمضان، فقال: هل علي غيره؟

قال: لا، إلا أن تطوّع.

وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة فقال: هل علي غيرها؟

قال: لا، إلا أن تطوّع- فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق» .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال: «نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك!

قال: صدق.

قال: فمن خلق السماء؟

قال: الله.

قال: فمن خلق الأرض؟

قال: الله.

قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟

قال: الله.

قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، الله أرسلك؟

قال: نعم.

قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟

قال: صدق.

قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟

قال: نعم.

قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟

قال: صدق.

قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟

قال: نعم.

قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟

قال: صدق.

قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟

قال: نعم.

قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً.

قال: صدق.

قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا انتقص منهن.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن صدق ليدخلن الجنة» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي أيوب قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل أعمله يدنيني من الجنة ويباعدني من النار.

قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك.

فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تمسك بما أمر به دخل الجنة» .

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة «أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان.

قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئاً أبداً ولا أنقص منه، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» .

وأخرج مسلم عن جابر «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟

قال: نعم.

قال: والله لا أزيد على ذلك شيئاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم أبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة عن أبي قتادة بن ربعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: إني افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهداً أنه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة في عهدي، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي» .

وأخرج أبو داود عن فضالة الليثي قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمني، فكان فيما علمني أن قال: وحافظ على الصلوات الخمس في مواقيتهن» .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات كتبهن الله تبارك وتعالى على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن» ، وفي لفظ: «من أحسن وضوءهن، وصلاتهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على الله تبارك وتعالى عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» .

وأخرج النسائي والدارقطني والحاكم وصححه عن أنس قال: قال رجل «يا رسول الله كم افترض الله على عباده من الصلاة؟

قال: هل قبلهن أو بعدهن شيء؟

قال: افترض الله على عباده صلوات خمساً.

فحلف الرجل بالله لا يزيد عليهن ولا ينقص.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صدق دخل الجنة» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن فضالة الزهراني قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم حافظ على الصلوات الخمس.

فقلت: إن هذه ساعات لي فيها اشتغال فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلته اجزأ عني.

فقال: حافظ على العصرين، وما كانت من لغتنا، فقلت: وما العصران؟

قال: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها» .

وأخرج مالك وأحمد والنسائي وابن خزيمة والحكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عامر بن سعيد قال: «سمعت سعداً وناساً من الصحابة يقولون: كان رجلان أخوان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفي الذي هو أفضلهما، ثم عمر الآخر بعده أربعين ليلة، ثم توفي فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة الأول، فقال: ألم يكن الآخر يصلي؟

قالوا: بلى، وكان لا بأس به.

قال: فما يدريكم ما بلغت به صلاته؟

إنما مثل الصلاة كمثل نهر جار بباب رجل غمرٌ، عذبٌ يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، فماذا ترون يبقى من دونه؟

لا تدرون ماذا بلغت به صلاته» .

وأخرج أحمد وابن ماجة وابن حبان والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: «كان رجلان من بني حي من قضاعة أسلما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة، قال طلحة بن عبيد الله: فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد، فتعجبت لذلك فاصبحت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة، وكذا وكذا ركعة صلاة سنة؟» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبزار وأبو يعلى عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من علم أن الصلاة حق واجب دخل الجنة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله افترض على العباد خمس صلوات في كل يوم وليلة» .

وأخرج أبو يعلى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصلاة، وأول ما يحاسب به الصلاة، يقول الله: انظروا في صلاة عبدي، فإن كانت تامة كتبت تامة، وإن كانت ناقصة قال: انظروا هل له من تطوّع؟

فإن وجد له تطوّع تمت الفريضة من التطوّع، ثم يقول: هل زكاته تامة؟

فإن وجدت زكاته تامة كتبت تامة، وإن كانت ناقصة قال: انظروا هل له صدقة؟

فإن كانت له صدقة تمت زكاته من الصدقة» .

وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب عن حنظلة الكاتب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حافظ على الصلوات: ركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله، دخل الجنة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» .

وأخرج أحمد وابن حبان والطبراني عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وأبي بن خلف» .

وأخرج البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا سهم في الإِسلام لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له، إنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم «من جاء بصلاة الخمس يوم القيامة قد حافظ على وضوئها، ومواقيتها، وركوعها، وسجودها، لم ينقص منها شيئاً، جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد انتقص منهن شيئاً فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من حفظهن فهو ولي حقاً، ومن ضيعهن فهو عدوّ حقاً: الصلاة، والصيام، والجنابة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن حوله من أمته: «اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة.

قلت: ما هي يا رسول الله؟

قال: الصلاة، والزكاة، والأمانة، والفرج، والبطن، واللسان» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: اهجري المعاصي فإنها خير الهجرة، وحافظي على الصلوات فانها أفضل البر» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى الصلوات لوقتها، وأسبغ لها وضوءها، وأتم لها قيامها، وخشوعها، وركوعها، وسجودها، خرجت وهي بيضاء مسفرة تقول: حفظك الله كما حفظتني، ومن صلى لغير وقتها، ولم يسبغ لها وضوءها، ولم يتم لها خشوعها، ولا ركوعها، ولا سجودها، خرجت وهي سوداء مظلمة تقول: ضيعك الله كما ضيعتني.

حتى إذا كانت حيث شاء الله لفت كما يلف الثوب الخلق ثم يضرب بها وجهه» .

وأخرج محمد والطبراني وابن مردويه عن كعب بن عجرة قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ننتظر صلاة الظهر فقال: هل تدرون ما يقول ربكم؟

قلنا: لا.

قال: فإن ربكم يقول: من صلى الصلوات لوقتها، وحافظ عليها، ولم يضيعها استخفافاً بحقها فله عليّ عهد أن أدخله الجنة، ومن لم يصلها لوقتها ولم يحافظ عليها وضيعها استخفافاً بحقها فلا عهد له علي، إن شئت عذبته وإن شئت غفرت له» .

وأخرج الطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوماً فقال لهم: «هل تدرون ما يقول ربكم تبارك وتعالى؟

قالوا: الله ورسوله أعلم!

قالها ثلاثاً.

قال: قال: وعزتي وجلالي، لا يصليها عبد لوقتها إلا أدخلته الجنة، ومن صلاها لغير وقتها إن شئت رحمته وإن شئت عذبته» .

وأخرج البزار والطبراني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأ العبد فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة فأتم ركوعها، وسجودها، والقراءة فيها.

قالت: حفظك الله كما حفظتني ثم أصعد بها إلى السماء ولها ضوء ونور، وفتحت لها أبواب السماء، وإذا لم يحسن العبد الوضوء، ولم يتم الركوع، والسجود، والقراءة، قالت: ضيعك الله كما ضيعتني، ثم أصعد بها إلى السماء وعليها ظلمة، وغلقت أبواب السماء، ثم تلف كما يلف الثوب الخلق، ثم يضرب بها وجه صاحبها» .

وأخرج أحمد وابن حبان عن عبد الله بن عمرو «أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الأعمال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة.

قال: ثم مه؟

قال: ثم الصلاة.

قال: ثم مه؟

قال: ثم الصلاة ثلاث مرات.

قال: ثم مه؟

قال: ثم الجهاد في سبيل الله.

قال الرجل: فإن لي والدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمرك بالوالدين خيراً» .

وأخرج الطبراني عن طارق بن شهاب أنه بات عند سلمان لينظر ما اجتهاده، فقام يصلي من آخر الليل فكأنه لم ير الذي يظن، فذكر ذلك له فقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذه الجراحات ما لم يصب المقتلة، فإذا صلى الناس العشاء صدروا عن ثلاث ليال منازل، منهم من عليه ولا له، ومنهم من له ولا عليه، ومنهم من لا له ولا عليه، فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس فركب فرسه في المعاصي فذلك عليه ولا له، ومن له ولا عليه فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس فقام يصلي فذلك له ولا عليه، ومنهم من لا له ولا عليه فرجل صلى ثم نام فذلك لا له ولا عليه، إياك والحقحقة، وعليك بالقصد وداوم.

وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة.

من حافظ على الصلوات الخمس: على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً، واعطى الزكاة طيبة بها نفسه، وأدى الأمانة، قيل: يا نبي الله وما اداء الأمانة؟

قال: الغسل من الجنابة، لأن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها» .

وأخرج أحمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث أحلف عليهن لا يجعل الله من له سهم في الإِسلام لا سهم له، وأسهم الإِسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة» .

وأخرج الدارمي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفتاح الجنة الصلاة» .

وأخرج الديلمي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة عماد الدين» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة ميزان، فمن أوفى استوفى» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن عمر قال: جاء رجل فقال: «يا رسول الله أي شيء أحب عند الله في الإِسلام؟

قال: الصلاة لوقتها، ومن ترك الصلاة فلا دين له، والصلاة عماد الدين» .

وأخرج ابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مسروق قال: من حافظ على هؤلاء الصلوات لم يكتب من الغافلين، فإن في إفراطهن الهلكة.

وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن.

ولفظ أبي داود: حافظوا على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله تبارك وتعالى شرع لنبيه سنن الهدى، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق بين النفاق، ولقد رأيتنا وأن الرجل ليهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم.

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل به ما انتقص من الفريضة؟

ثم يكون سائر عمله على ذلك» .

وأخرج ابن ماجة والحاكم عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أكملها كتبت له كاملة، وإن لم يكن أكملها قال الله تعالى لملائكته: انظروا هل تجدون له من تطوّع فاكملوا به ما ضيع من فريضته؟

ثم الزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك» .

وأخرج الطبراني عن النعمان بن نوقل «أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبة، وصمت رمضان، وحرمت الحرام، وأحللت الحلال، ولم أزد على ذلك، أأدخل الجنة؟

قال: نعم.

قال: والله لا أزيد على ذلك شيئا» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: «جاء أعرابي من بني سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من خلقك؟

ومن خلق من قبلك؟

ومن هو خالق من بعدك؟

قال: الله.

قال: فناشدتك بذلك أهو أرسلك؟

قال: نعم.

قال: من خلق السموات السبع، والأرضين السبع، وأجرى بينهن الرزق؟

قال: الله.

قال: فنشدتك بذلك أهو أرسلك؟

قال: نعم.

قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن نصلي بالليل والنهار خمس صلوات لمواقيتها، فنشدتك بذلك أهو أمرك؟

قال: نعم.

قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن نأخذ من حواشي أموالنا فنجعله في فقرائنا، فنشدتك بذلك أهو أمرك؟

قال: نعم.

قال: والذي بعثك بالحق لاعملن بها ومن أطاعني من قومي.

فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لئن صدق ليدخلن الجنة» .

وأخرج أحمد والطبراني عن أبي الطفيل عامر بن واثلة «أن رجلاً مر على قوم فسلم عليهم، فردوا عليه السلام، فلما جاوزهم قال رجل منهم: والله إني لأبغض هذا في الله.

فقال أهل المجلس: بئس والله ما قلت، أما والله لننبئنه، قم يا فلان فأخبره، فأدركه رسولهم فأخبره بما قال: فانصرف الرجل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله مررت بمجلس من المسلمين فيهم فلان، فسلمت عليهم فردوا السلام، فلما جاوزتهم أدركني رجل منهم فأخبرني أن فلاناً قال: والله إني لأبغض هذا الرجل في الله، فادعه يا رسول الله فاسأله عمّ يبغضني؟

فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عما أخبره الرجل، فاعترف بذلك قال: فلم تبغضه؟

فقال: أنا جاره، وأنا به خابر، والله ما رأيته يصلي قط إلا هذه الصلاة المكتوبة التي يصليها البر والفاجر.

قال: سله يا رسول الله هل رآني قط أخرتها عن وقتها، أو أسأت الوضوء لها، أو أسأت الركوع والسجود فيها؟

فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا.

قال: والله ما رأيته يصوم قط إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر.

قال: سله يا رسول الله هل رآني قط فرطت فيه أو انتقصت من حقه شيئاً؟

فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا.

ثم قال: والله ما رأيته يعطي سائلاً قط، ولا رأيته ينفق من ماله شيئاً في شيء من سبيل الله إلا هذه الصدقة التي يؤديها البر والفاجر.

قال: فسله يا رسول الله هل كتمت من الزكاة شيئاً قط، أو ما كست فيها طالبها؟

فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم إن أدري لعله خير منك» .

وأخرج البزار والطبراني عن مالك الأشجعي عن أبيه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أسلم الرجل أول ما يعلمه الصلاة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس أن أعرابياً أتاه فقال: إنا أناس من المسلمين، وههنا أناس من المهاجرين يزعمون أنا لسنا على شيء.

فقال ابن عباس: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم «من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج البيت، وصام رمضان، وقرى الضيف، دخل الجنة» .

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود «أنه سئل أي درجات الإِسلام أفضل؟

قال: الصلاة.

قيل: ثم أي؟

قال: الزكاة» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مسعود.

أنه سئل أي درجات الأعمال أفضل؟

قال: الصلاة، ومن لم يصل فلا دين له.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه عن بريدة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» .

وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة والطبراني عن عبادة بن الصامت قال: «أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع خلال.

فقال: لا تشركوا بالله شيئاً وإن قطعتم أو حرقتم أو صلبتم، ولا تتركوا الصلاة متعمدين فمن تركها متعمداً فقد خرج من الملة، ولا تركبوا المعصية فإنها تسخط الله، ولا تشربوا الخمر فإنها رأس الخطايا كلها» .

وأخرج الترمذي والحاكم عن عبد الله بن شقيق العقيلي عن أبي هريرة قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفراً غير الصلاة.

وأخرج الطبراني عن ثوبان «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بين العبد وبين الكفر والايمان الصلاة، فإن تركها فقد أشرك» .

وأخرج البزار والطبراني عن ابن عباس «أنه لما اشتكى بصره قيل له نداويك وتدع الصلاة أياماً؟

قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ترك الصلاة لقي الله وهو عليه غضبان» .

وأخرج ابن ماجة ومحمد بن نصر المروزي والطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة، فإن تركها متعمداً فقد أشرك» .

وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس رفعه قال: عرا الإِسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإِسلام، من ترك واحدة منهن فهو كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان.

وأخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن جبل قال: «أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات.

قال: لا تشرك بالله شيئاً وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وان أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمداً فإنه من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن الخمر فإن رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن بالمعصية جل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس وان أصاب الناس موت فاثبت، وانفق على أهلك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدباً وأخفهم في الله» .

وأخرج الطبراني عن أميمة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت «كنت أصب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه، فدخل رجل فقال: أوصني.

فقال: لا تشرك بالله شيئاً وان قطعت أو حرقت، ولا تعص والديك وان أمراك أن تخلي من أهلك ودنياك فتخله، ولا تشربن خمراً فانها مفتاح كل شر، ولا تتركن صلاة متعمداً فمن فعل ذلك فقد برئت منه ذمة الله ورسوله» .

وأخرج ابن سعد عن سماك أن ابن عباس في عينيه الماء فذهب بصره، فأتاه هؤلاء الذين يثقبون العيون ويسيلون الماء فقالوا: خل بيننا وبين عينيك نسيل ماءهما ولكنك تمسك خمسة أيام لا تصلي الا على عود.

قال: لا والله ولا ركعة واحدة، إني حدثت أن من ترك صلاة واحدة متعمداً لقي الله وهو عليه غضبان.

وأخرج ابن حبان عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من ترك الصلاة فقد كفر» .

وأخرج أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أربع فرضهن الله في الإِسلام، فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئاً حتى يأتي بهن جميعاً: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت» .

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ترك الصلاة متعمداً أحبط الله عمله، وبرئت منه ذمة الله حتى يراجع إلى الله عز وجل توبة» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن أم أيمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تترك الصلاة متعمداً، فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ورسوله» .

وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب الإِيمان وفي المصنف والبخاري في تاريخه عن علي قال: من لم يصل فهو كافر.

وفي لفظ: فقد كفر.

وأخرج محمد بن نصر وابن عبد البر عن ابن عباس قال: من ترك الصلاة فقد كفر.

وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر والطبراني عن ابن مسعود قال: من ترك الصلاة فلا دين له.

وأخرج ابن عبد البر عن جابر بن عبد الله قال: من لم يصل فهو كافر.

وأخرج ابن عبد البر عن أبي الدرداء قال: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: من ترك الصلاة كفر.

وأخرج مالك والطبراني في الأوسط عن عروة.

أن عمر بن الخطاب أوقظ للصلاة وهو مطعون، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين.

فقال: هالله!...

إذن؟

ولا حق في الإِسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وإن جرحه ليثعب دماً.

وأخرج مالك عن نافع.

أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة، من حفظها أو حافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.

وأخرج النسائي وابن حبان عن نوفل بن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله» .

وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر» .

وأخرج الطبراني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهيت عن قتل المصلين» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى عن أبي بكر الصديق قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب المصلين» .

وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: «جاء علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله ادفع إلينا خادماً.

قال: اذهب فإن في البيت ثلاثة فخذ أحد الثلاثة.

فقال: يا نبي الله اختر لي.

فقال: اختر لنفسك قال: يا نبي الله اختر لي.

قال: اذهب فإن في البيت ثلاثة: منهم غلام قد صلى فخذه ولا تضربه، فإنا قد نهينا عن ضرب أهل الصلاة» .

وأخرج أبو يعلى عن أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أبو الهيثم بن التيهان فاستخدمه، فوعده النبي صلى الله عليه وسلم إن أصابا سبياً، ثم جاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أصبنا غلامين اسودين اختر أيهما شئت.

قال: فإني استشيرك.

قال: خذ هذا فقد صلى عندنا ولا تضربه، فإنا قد نهينا عن ضرب المصلين» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» .

وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، واعدد نفسك من الموتى، وإياك ودعوة المظلوم فانها تستجاب، ومن استطاع منكم أن يشهد الصلاتين العشاء والصبح ولو حبواً فليفعل» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي بن كعب قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الصبح فقال: أشاهد فلان؟

قالوا: لا.

قال: اشاهد فلان؟

قالوا: لا.

قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموها ولو حبواً على الركب» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في صلاة العشاء وصلاة الفجر لأتوهما ولو حبواً» .

وأخرج الطبراني عن الحرث بن وهب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تزال أمتي على الإِسلام ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم مضاهاة اليهود، وما لم يؤخروا الفجر مضاهاة النصارى» .

وأخرج الطبراني عن الصنابحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي في مسكة من دينها ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة اليهود، وما لم يؤخروا الفجر مضاهاة النصرانية» .

وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى البردين دخل الجنة» .

وأخرج مسلم والبيهقي عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله في ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم» .

وأخرج مسلم والترمذي والبيهقي عن جندب بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في ذمته» .

وأخرج أحمد والبزار والطبراني في الأوسط عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في ذمته، فإنه من أخفر ذمته طلبه تبارك وتعالى حتى يكبه على وجهه» .

وأخرج البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى الغداة فهو في ذمة الله، فإياكم أن يطلبكم الله بشيء من ذمته» .

وأخرج الطبراني عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فمن أخفر ذمة الله كبه الله في النار لوجهه» .

وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله وحسابه على الله» .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي في سننه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله» .

أخرج الشافعي عن نوفل بن معاوية الديلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن بريدة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» .

وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ترك صلاة العصر متعمداً فقد حبط عمله» .

وأخرج مسلم والنسائي والبيهقي عن أبي بصرة الغفاري قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالمخمص، ثم قال: إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم» .

وأخرج الطبراني عن أبي أيوب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن هذه الصلاة- يعني العصر- فرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها أعطي أجرها مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد، يعني النجم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ترك العصر حتى تغيب الشمس من غير عذر فكأنما وتر أهله وماله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن نوفل بن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من الصلاة صلاة، من فاتته فكأنما وتر أهله وماله.

قال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هي صلاة العصر» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال: من ترك العصر حتى تفوته من غير عذر فقد حبط عمله.

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» .

وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في سننه عن السائب بن يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجم» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي أيوب «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال أمتي بخير، أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفضل الصلاة صلاة المغرب، ومن صلى بعدها ركعتين بنى الله له بيتاً في الجنة» .

وأخرج ابن سعد والبخاري ومسلم عن أبي موسى قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة لصلاة العشاء فقال: «أبشروا إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الصلاة غيركم، أو قال: ما صلى هذه الساعة أحد غيركم» .

وأخرج الطبراني عن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج ليلة لصلاة العشاء فقال: «أما إنها صلاة لم يصلها أحد ممن كان قبلكم من الأمم» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة لصلاة العشاء فقال لهم: ما صلى صلاتكم هذه أمة قط قبلكم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن معاذ قال بقينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العتمة ليلة، فتأخر بها حتى ظن الظان أن قد صلى، أو ليس بخارج فقال لنا صلى الله عليه وسلم: «اعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم» .

وأخرج أحمد عن الحسن عن أبي هريرة أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن العبد المملوك ليحاسب بصلاته، فإذا نقص منها قيل له: لم نقصت منها؟

فيقول: يا رب سلطت علي مليكاً شغلني عن صلاتي.

فيقول: قد رأيتك تسرق من ماله لنفسك فهلا سرقت من عملك لنفسك؟

فتجب لله عز وجل عليه الحجة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جاره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» .

وأخرج أبو داود عن رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل متى يصلي الصبي؟

فقال: «إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن خبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً، وفرقوا بينهم في المضاجع» .

وأخرج الحرث بن أبي أسامة والطبراني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عرف الغلام يمينه من شماله فمروه بالصلاة» .

وأخرج البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مروهم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لثلاث عشرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن مسعود قال: «حافظوا على أبنائكم في الصلاة، وعوّدوهم الخير فإن الخير عادة» .

وأخرج أحمد والطبراني عن أبي الجوزاء قال: قلت للحسن بن علي: ما حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال: الصلوات الخمس.

وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر وعمر كانا يعلمان الناس.

تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة التي افترضها الله لمواقيتها، فإن في تفريطها الهلكة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: أما بعد فإن عز الدين وقوام الإِسلام: الإِيمان بالله، واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، فصلّ الصلاة لوقتها وحافظ عليها.

وأما قوله تعالى: ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ .

أخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر.

أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: هي فيهن فحافظوا عليهن كلهن.

وقال مالك في الموطأ: بلغني عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح.

أخرجه البيهقي في سننه.

وأخرج ابن جرير من طريق أبي العالية عن ابن عباس.

أنه صلى الغداة في جامع البصرة، فقنت قبل الركوع وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه.

فقال: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في المصنف وابن الأنباري في المصاحف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الفجر، فقنت فيها ورفع يديه ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق عكرمة عن ابن عباس، أنه كان يقول: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، تصلى في سواد الليل.

وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن ابن عباس أنه كان يقول: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار، وهي أكثر الصلوات تفوت الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري عن أبي العالية قال: صليت خلف عبد الله بن قيس زمن عمر صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟

قال: هذه الصلاة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن أبي العالية.

أنه صلى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة، فلما أن فرغوا قلت لهم: أيتهن الصلاة الوسطى؟

قالوا: التي صليتها قبل.

وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبد الله قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وإسحق بن راهويه وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عمر قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة، أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة الصبح.

وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف بلفظ فقال: لا أحسبها إلا الصبح.

وأخرج ابن جرير والبيهقي من طريق جابر بن زيد عن ابن عباس قال: الصلاة الوسطى صلاة الفجر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن حيان الأزدي قال: سمعت ابن عمرو سئل عن الصلاة الوسطى، وقيل له: إن أبا هريرة يقول: هي العصر.

فقال: إن أبا هريرة يكثر.

إن ابن عمر يقول: هي الصبح.

وأخرج سفيان بن عيينة عن طاوس قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وجابر بن زيد قالا: هي الصبح.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن الصلاة الوسطى قال: أظنها الصبح، ألا تسمع لقوله: ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ [ الإسراء: 78] .

وأخرج عبد الرزاق عن طاوس وعكرمة قالا: هي الصبح، وسطت فكانت بين الليل والنهار.

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات عن ابن عمر، أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نتحدث أنها الصلاة التي وجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة، الظهر.

وأخرج عبد بن حميد عن مكحول «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الصلاة الوسطى فقال: هي أول صلاة تأتيك بعد صلاة الفجر» .

وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود وابن جرير والطحاوي والروياني وأبو يعلى والطبراني والبيهقي من طريق الزبرقان عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهاجرة، وكانت أثقل الصلاة على أصحابه، فنزلت ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ قال: لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين» .

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة في المصنف والبخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو يعلى والروياني والضياء المقدسي في المختارة والبيهقي من طريق الزبرقان عن زهرة بن معبد قال: كنا جلوساً عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى؟

فقال: هي الظهر، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير.

وأخرج أحمد وابن المنيع والنسائي وابن جرير والشاشي والضياء من طريق الزبرقان «أن رهطاً من قريش مر بهم زيد بن ثايت وهم مجتمعون، فارسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى؟

فقال: الظهر، ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم» .

وأخرج النسائي والطبراني من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال: «كنت مع قوم اختلفوا في الصلاة الوسطى وأنا أصغر القوم، فبعثوني إلى زيد بن ثابت لأسأله عن الصلاة الوسطى، فأتيته فسألته فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة والناس في قائلتهم وأسواقهم، فلم يكن يصلي وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الصف والصفان، فأنزل الله: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لينتهين أقوام أو لأحرقن بيوتهم» .

وأخرج ابن جرير في تهذيبه من طريق عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت في حديث يرفعه قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر.

وأخرج البيهقي وابن عساكر من طريق سعيد بن المسيب.

أنه كان قاعداً وعروة بن الزبير، وإبراهيم بن طلحة، فقال سعيد بن المسيب: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر.

قال: فمر علينا ابن عمر فقال عروة: ارسلوا إلى ابن عمر فاسألوه.

فأرسلنا إليه غلاماً فسأله، ثم جاء الرسول فقال: هي صلاة الظهر.

فشككنا في قول الغلام، فقمنا جميعاً فذهبنا إلى ابن عمر، فسألناه فقال: هي صلاة الظهر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر.

وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر من طرق عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن حرملة مولى زيد بن ثابت قال: تمارى زيد بن ثابت وأبي بن كعب في الصلاة الوسطى، فأرسلاني إلى عائشة أي صلاة هي؟

فقالت: الظهر.

فكان زيد يقول: هي الظهر، فلا أدري عنه أخذه أو عن غيرها.

وأخرج ابن المنذر من طرق أبي جعفر محمد بن علي بن حسين عن علي بن أبي طالب قال: الصلاة الوسطى الظهر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عمر قال: صلاة الوسطى الظهر.

وأخرج ابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: صلاة الظهر هي الصلاة الوسطى.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف عن أبي رافع مولى حفصة قال: استكتبتني حفصة مصحفاً فقالت: إذا أتيت على هذه الآية فتعال حتى أمليها عليك كما اقرئتها، فلما أتيت على هذه الآية ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ قالت: اكتب ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ﴾ فلقيت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر، إن حفصة قالت: كذا وكذا.

فقال: هو كما قالت: أو ليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في عملنا ونواضحنا؟

وأخرج مالك وأبو عبيد وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن عمرو بن رافع قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ﴾ وقالت: أشهد اني سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد الرزاق عن نافع.

أن حفصة دفعت مصحفاً إلى مولى لها يكتبه، وقالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ فآذني، فلما بلغها جاءها فكتبت بيدها ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ﴾ .

وأخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي داود وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن أبي يونس مولى عائشة قال: أمرتني عائشه أن أكتب لها مصحفاً، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ﴾ وقالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن أم حميد بنت عبد الرحمن.

أنها سألت عائشة عن الصلاة الوسطى؟

فقالت: كنا نقرأها في الحرف الأوّل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: الصلاة الوسطى هي الظهر، قبلها صلاتان وبعدها صلاتان.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود عن هشام بن عروة قال: قرأت في مصحف عائشة ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف من طريق سليمان بن أرقم عن الحسن وابن سيرين وابن شهاب الزهري، وكان الزهري أشبعهم حديثاً قالوا: لما أسرع القتل في قراء القرآن يوم اليمامة قتل معهم يومئذ أربعمائة رجل، لقي زيد بن ثابت عمر بن الخطاب فقال له: إن هذا القرآن هو الجامع لديننا، فإن ذهب القرآن ذهب ديننا، وقد عزمت على أن أجمع القرآن في كتاب.

فقال له: انتظر حتى نسأل أبا بكر، فمضيا إلى أبي بكر فأخبراه بذلك.

فقال: لا تعجل حتى اشاور المسلمين، ثم قام خطيباً في الناس فأخبرهم بذلك، فقالوا: أصبت.

فجمعوا القرآن، وأمر أبو بكر منادياً فنادى في الناس: من كان عنده من القرآن شيء فليجيء به.

قالت: حفصة: إذا انتهيتم إلى هذه الآية فاخبروني ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ فلما بلغوا إليها قالت: اكتبوا ﴿ والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر ﴾ فقال لها عمر: ألك بهذا بينة؟

قالت: لا.

قال: فوالله لا ندخل في القرآن ما تشهد به امرأة بلا اقامة بينة.

وقال عبد الله بن مسعود: اكتبوا ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر ﴾ [ العصر: 1] وأنه فيه إلى آخر الدهر فقال عمر: نحوا عنا هذه الاعرابية.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق نافع عن ابن عمر عن حفصة أنها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني حتى أخبرك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخبرها قالت: اكتب، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر» .

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة.

أنها أمرته أن يكتب لها مصحفاً، فلما بلغت ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ قالت: اكتب ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود والبيهقي في سننه من طريق عمير بن مريم، أنه سمع ابن عباس قرأ هذا الحرف «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي عن البراء بن عازب قال: نزلت ﴿ حافظوا على الصلوات العصر ﴾ فقرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله، ثم نسخها الله فأنزل ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ فقيل له: هي إذن صلاة العصر؟

فقال قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله والله أعلم.

وأخرج البيهقي عن البراء قال: قرأناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً ﴿ حافظوا على الصلوات وصلاة العصر ﴾ ثم قرأناها ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ فلا أدري أهي هي أم لا.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن زر قال: قلت لعبيدة: سل علياً عن صلاة الوسطى.

فسأله فقال: كنا نراها الفجر، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب «شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً» .

وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن زر قال: «انطلقت أنا وعبيدة السلماني إلى علي، فأمرت عبيدة أن يسأله عن الصلاة فسأله فقال: كنا نراها صلاة الصبح، فبينا نحن نقاتل أهل خيبر فقاتلوا حتى ارهقونا عن الصلاة، وكان قبيل غروب الشمس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» اللهم املأ قلوب هؤلاء القوم الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى وأجوافهم ناراً «، فعرفنا يومئذ أنها الصلاة الوسطى» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والنسائي والبيهقي عن شتير بن شكل قال: «سألت علياً عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نرى أنها الصبح حتى سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب» ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس «، ولم يكن صلى يومئذ الظهر والعصر حتى غابت الشمس» .

وأخرج عبد الرزاق عن علي قال: هي العصر.

وأخرج الدمياطي في كتاب الصلاة الوسطى من طريق الحسن البصري عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة الوسطى صلاة العصر» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: «حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن حبان من طرق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة الوسطى صلاة العصر» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني من طريق مقسم وسعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق «شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له فحبسه المشركون عن صلاة العصر حتى مسى بها، فقال «اللهم املأ بيوتهم وأجوافهم ناراً كما حبسونا عن الصلاة الوسطى» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي الظهر والعصر يوم الأحزاب؛ فذكر بعد المغرب فقال: «اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملأ بيوتهم ناراً» .

وأخرج البزار بسند صحيح عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» .

وأخرج البزار بسند صحيح عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً» .

وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «شغلونا عن الصلاة الوسطى- صلاة العصر- ملأ الله أجوافهم وقلوبهم ناراً» .

وأخرج ابن منده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الموتور أهله وماله من وتر الصلاة الوسطى في جماعة، وهي صلاة العصر» .

وأخرج أحمد وابن جرير والطبراني عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وسماها لنا، وإنما هي صلاة العصر» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير والطبراني والبيهقي عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة الوسطى صلاة العصر» .

وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحافظ على الصلوات كلهن، وأوصانا بالصلاة الوسطى، ونبأنا أنها صلاة العصر» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد من طريق سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله.

قال: فكان ابن عمر يرى أنها الصلاة الوسطى» .

وأخرج ابن جرير والبيهقي من طريق أبي صالح وهو ميزان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة الوسطى صلاة العصر» .

وأخرج الطحاوي من طريق موسى بن وردان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة الوسطى صلاة العصر» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والطحاوي عن عبد الرحمن بن لبيبة الطائفي.

أنه سأل أبا هريرة عن الصلاة الوسطى؟

فقال: سأقرأ عليك القرآن حتى تعرفها، أليس يقول الله في كتابه ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ [ الإِسراء: 78] الظهر ﴿ إلى غسق الليل ﴾ [ الإِسراء: 78] المغرب ﴿ ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ﴾ [ النور: 58] لعتمة ويقول ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ [ الإِسراء: 78] الصبح، ثم قال: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ﴾ هي العصر هي العصر.

وأخرج ابن سعد والبزار وابن جرير والطبراني والبغوي في معجمه عن كهيل بن حرملة قال: «سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى؟

فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه، ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا انها صلاة العصر» .

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال: كنت جالساً عند عبد العزيز بن مروان فقال: يا فلان اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة الوسطى؟

فقال رجل جالس: أرسلني أبو بكر وعمر وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى، فأخذ أصبعي الصغيرة فقال: هذه الفجر، وقبض التي تليها وقال: هذه الظهر، ثم قبض الابهام فقال: هذه المغرب، ثم قبض التي تليها فقال: هذه العشاء، ثم قال: أي أصابعك بقيت؟

فقلت الوسطى.

فقال: أي الصلاة بقيت؟

فقلت: العصر.

فقال: هي العصر.

وأخرج البزار بسند صحيح عن ابن عباس.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الصلاة الوسطى صلاة العصر» .

وأخرج ابن جرير والطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصلاة الوسطى صلاة العصر» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن «ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر» .

وأخرج ابن جرير عن عروة قال: كان في مصحف عائشة «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر» .

وأخرج وكيع عن حميدة قالت: قرأت في مصحف عائشة ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر ﴾ وأخرج ابن أبي داود عن قبيصة بن ذؤيب قال في مصحف عائشة: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى والصلاة الوسطى صلاة العصر ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وأبو عبيد عن زياد بن أبي مريم.

أن عائشة أمرت بمصحف لها أن يكتب وقالت: إذا بلغتم ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ فلا تكتبوها حتى تؤذنوني، فلما أخبروها أنهم قد بلغوا قالت: اكتبوها الصلاة الوسطى صلاة العصر.

وأخرج ابن جرير والطحاوي والبيهقي عن عمرو بن رافع قال: كان مكتوباً في مصحف حفصة ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر وقوموا لله قانتين ﴾ .

وأخرج المحاملي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن.

سمعت السائب بن يزيد تلا هذه الآية ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر ﴾ .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب.

أنه كان يقرأها ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير والطحاوي من طريق رزين بن عبيد.

أنه سمع ابن عباس يقرأها ﴿ والصلاة الوسطى صلاة العصر ﴾ .

وأخرج وكيع والفريابي وسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الشعب من طرق عن علي بن أبي طالب قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر التي فرط بها سليمان حتى توارت بالحجاب.

وأخرج وكيع وسفيان وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طرق عن أبي هريرة قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر.

وأخرج عبد بن حميد والطحاوي من طريق أبي قلابة قال: كانت في مصحف أبي بن كعب ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر ﴾ وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي قلابة عن أبي المهلب عن أبي بن كعب.

وأخرج ابن جرير والطحاوي من طريق سالم عن أبيه عبدالله بن عمر قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر أنه قرأ ﴿ حافظوا على الصلوات وصلاة الوسطى وصلاة العصر ﴾ .

وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر عن أبي أيوب قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر.

وأخرج ابن المنذر والطبراني عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر.

وأخرج ابن المنذر والطحاوي عن أبي سعيد الخدري قال: الصلاة الوسطى العصر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أم سلمة قالت: الصلاة الوسطى صلاة العصر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طرق عن عائشة قالت: الصلاة الوسطى العصر.

وأخرج الدمياطي عن عبدالله بن عمرو قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق نافع عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب مصحفها «إذ بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني حتى أخبرك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرها قالت: اكتب فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كنا نحدث أن الصلاة الوسطى صلاة العصر قبلها صلاتان من النهار وبعدها صلاتان من الليل.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد عن سالم بن عبدالله أن حفصة أم المؤمنين قالت: الوسطى صلاة العصر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: الوسطى هي العصر.

وأخرج الطحاوي عن أبي عبد الرحمن عبيدالله بن محمد بن عائشة قال: إن آدم لما أتت عليه عين الفجر صلى ركعتين فصارت الصبح، وفدى اسحق عند الظهر فصلى إبراهيم أربعاً فصارت الظهر، وبعث عزيز فقيل له: كم لبثت؟

قال: يوماً، فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم، فصلى أربع ركعات فصارت العصر، وغفر لداود عند المغرب، فقام فصلى أربع ركعات فجهد، فجلس في الثالثة فصارت المغرب ثلاثاً، وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا صلى الله عليه وسلم، فلذلك قالوا: الوسطى هي صلاة العصر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: هي العصر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن الصلاة الوسطى فقال: هي العصر.

وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس قال: الصلاة الوسطى المغرب وأخرج ابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب قال: الصلاة الوسطى صلاة المغرب، ألا ترى أنها ليست باقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين قال: سأل رجل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى قال: حافظ على الصلوات تدركها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الربيع بن خيثم.

أن سائلاً سأله عن الصلاة الوسطى قال: حافظ عليهن فإنك إن فعلت أصبتها، إنما هي واحدة منهن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: سئل شريح عن الصلاة الوسطى فقال: حافظوا عليها تصيبوها.

وأما قوله تعالى: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ .

وأخرج وكيع وأحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن خزيمة والطحاوي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي عن زيد بن أسلم قال: كنا نتكلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس في قول الله: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، يجيء خادم الرجل إليه وهو في الصلاة فيكلمه بحاجته، فنهوا عن الكلام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة.

مثله.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن محمد بن كعب قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة والناس يتكلمون في الصلاة في حوائجهم كما تكلم أهل الكتاب في الصلاة في حوائجهم، حتى نزلت هذه الآية ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ فتركوا الكلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال: كانوا يأمرون في الصلاة بحوائجهم حتى أنزلت ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ فتركوا الكلام في الصلاة.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، وكان الرجل يأمر أخاه بالحاجة، فأنزل الله: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ فقطعوا الكلام، فالقنوت السكوت والقنوت الطاعة.

وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: «كنا نقوم في الصلاة فنتكلم ويسارر الرجل صاحبه ويخبره، ويردون عليه إذا سلم حتى أتيت أنا، فسلمت فلم يردوا علي السلام، فاشتد ذلك عليّ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة، والقنوت السكوت» .

وأخرج ابن جرير من طريق زر عن ابن مسعود قال: «كنا نتكلم في الصلاة فسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليّ، فلما انصرف قال: قد أحدث الله أن لا تتكلموا في الصلاة، ونزلت هذه الآية ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ » .

وأخرج ابن جرير من طريق كلثوم بن المصطلق عن ابن مسعود قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عوّدني أن يرد عليّ السلام في الصلاة، فأتيته ذات يوم فسلمت فلم يرد علي وقال: إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإنه قد أحدث لكم في الصلاة أن لا يتكلم أحد إلا بذكر الله، وما ينبغي من تسبيح وتمجيد ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى من طريق المسيب عن ابن مسعود قال: «كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل فيّ شيء، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال» وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله يحدث في أمره ما يشاء، فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تتكلموا «» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: القانت الذي يطيع الله ورسوله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ قال: مصلين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: كل أهل دين يقومون فيها عاصين، فقوموا أنتم لله مطيعين.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن الضحاك في قوله: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ قال: مطيعين لله في الوضوء.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: إذا قمتم في الصلاة فاسكتوا ولا تكلموا أحداً حتى تفرغوا منها، والقانت المصلي الذي لا يتكلم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والأصبهاني في الترغيب والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ قال: من القنوت الركوع والخشوع وطول الركوع، يعني طول القيام، وغض البصر، وخفض الجناح، والرهبة لله، كان الفقهاء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدهم في الصلاة يهاب الرحمن سبحانه وتعالى أن يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يشد بصره، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسياً حتى ينصرف.

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ قال: كانوا يتكلمون في الصلاة ويأمرون بالحاجة، فنهوا عن الكلام والالتفات في الصلاة، وأمروا أن يخشعوا إذا قاموا في الصلاة قانتين خاشعين غير ساهين ولا لاهين.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والترمذي وابن ماجة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة طول القنوت» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال: «كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلَّمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟

فقال: إن في الصلاة شغلاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن معاوية بن الحكم السلمي قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي...؟!

فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوالله ما انتهرني ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن جابر قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يعني في سفر فبعثني في حاجة، فرجعت وهو يصلي على راحلته، فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما انصرف قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي» .

وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن صهيب قال: «مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسلمت عليه فرد علي إشارة» .

وأخرج البزار عن أبي سعيد الخدري «أن رجلاً سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فرد النبي صلى الله عليه وسلم إشارة، فلما سلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نرد السلام في صلاتنا فنهينا عن ذلك» .

وأخرج الطبراني عن عمار بن ياسر قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي في سننه عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس بن مالك أقنت النبي صلى الله عليه وسلم في الصبح؟

قال: نعم.

قيل: أوقنت قبل الركوع؟

قال: بعد الركوع يسيراً.

قال: فلا أدري اليسير للقيام أو القنوت.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر.

أنه كان لا يقنت في الفجر ولا في الوتر، وكان إذا سئل عن القنوت قال: ما نعلم القنوت إلا طول القيام وقراءة القرآن.

وأخرج البخاري والبيهقي من طريق أبي قلابة عن أنس قال: كان القنوت في الفجر والمغرب.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني والبيهقي عن البراء بن عازب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر والمغرب.

وأخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والبيهقي عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصبح والمغرب.

وأخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والبيهقي عن البراء بن عازب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والدارقطني والبيهقي عن أبي سلمة.

أنه سمع أبا هريرة يقول: والله لأقربن لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، يدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين.

وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عباس قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة، يدعو على أحياء من سليم على رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه.

وأخرج أبو داود والدارقطني عن محمد بن سيرين قال: «حدثني من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قام هنية» .

وأخرج أحمد والبزار الدارقطني عن أنس قال: «ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» .

وأخرج الدارقطني والبيهقي عن أنس قال: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو عليهم ثم تركه، وأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا» .

وأخرج الدارقطني عن أنس قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقته.

قال: وصليت خلف عمر بن الخطاب فلم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقته» .

وأخرج البزار والبيهقي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان.

أنه سئل عن قنوت عمر في الفجر؟

فقال: كان يقنت بقدر ما يقرأ الرجل مائة آية.

وأخرج البيهقي عن أنس قال: قنت النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان بعد الركوع، ثم تباعدت الديار فطلب الناس إلى عثمان أن يجعل القنوت في الصلاة قبل الركوع لكي يدركوا الصلاة، فقنت قبل الركوع.

وأخرج الدارقطني من طريق أبي الطفيل عن علي وعمار «انهما صليا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقنت في الغداة» .

وأخرج ابن ماجة عن حميد قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح فقال: كنا نقنت قبل الركوع وبعده.

وأخرج الحرث بن أبي أمامة والطبراني في الأوسط عن عائشة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر قبل الركعة، وقال: إنما أقنت بكم لتدعوا ربكم وتسألوه حوائجكم» .

وأخرج أبو يعلى عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سلوا الله حوائجكم في صلاة الصبح» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود قال: «ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الصلوات إلا في الوتر، وإنه وكان إذا حارب يقنت في الصلوات كلهن، يدعو على المشركين» .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في الوتر قبل الركوع.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والطبراني والبيهقي عن الحسن بن علي قال: «علمني جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت.

زاد الطبراني والبيهقي: ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت» .

وأخرج البيهقي عن يزيد بن أبي مريم قال: سمعت ابن عباس ومحمد بن علي بن الحنفية بالخيف يقولان «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الصبح وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت» .

وأخرج الدارقطني عن الحسن فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال: عليه سجدتا السهو.

وأخرج الدارقطني عن سعيد بن عبد العزيز فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال: يسجد سجدتي السهو.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾ الآية.

الوسطى: تأنيثُ الأوسط، يقال: وَسَطَ فلانٌ الجماعة يَسِطُهم: إذا صار في وَسْطِهم، وهذا أوسطُ من ذاك على المبالغة، والأوسطُ: اسمٌ للوسط، قال الله تعالى: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ  ﴾ (١) واختلفوا في الصلاة الوسطى، فقال معاذ (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) روى عكرمة عن ابن عباس قال: هي صلاة الصبح، وسطت فكانت بين الليل والنهار، تُصَلى في سواد من الليل وبياض من النهار، وهي أكثر الصلاة تفوت الناس (١٣) (١٤) وقال زيد بن ثابت (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقال علي (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) روي ذلك مرفوعًا أنها العصر (٣٠) (٣١) (٣٢) وقال قبيصة بن ذؤيب (٣٣) (٣٤) ومن خصائصها: أنها لا تقصر (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس ولا نعرفها (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) وبه يقول أبو بكر الوراق (٤٦) وقال: لو (٤٧) (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ قال أبو عبيد: أصلُ القنوت في أشياء، فمنها: القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا، ومن أبين ذلك: حديث جابر، قال: سئل النبي  أي الصلاة أفضل؟

قال: "طول القنوت" (٤٩) ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ أي: مطيعين.

والقانت: الذاكر لله المصلي، كما قال: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا  ﴾ (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) فأما المفسرون: فقال ابن عباس في رواية عكرمة (٥٥) (٥٦) (٥٧) ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ أي: مطيعين.

وهو قول الشعبي (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) وقال الضحاك (٦٢) (٦٣) (٦٤) وروي عن النبي  أنه قال: "كل قنوت في القرآن فهو الطاعة" (٦٥) وقال ابن عباس، في رواية أبي رجاء (٦٦) (٦٧) فأما ما روي عن زيد بن أرقم (٦٨)  في الصلاة حتى نزلت: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (٦٩) (٧٠) (٧١) وقال بعض (٧٢)  من أمر الله بالقنوت وهو الطاعة تحريم الكلام في الصلاة فنهى عن الكلام في الصلاة (٧٣) (١) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3888 - 3889، "المفردات" ص 537 - 538.

"اللسان" 8/ 4831 - 4834 (مادة: وسط).

(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1216، والدمياطي في "كشف المغطى في تبين الصلاة الوسطى" ص123، والبغوي في "تفسيره" 1/ 287.

(٣) انظر المصادر السابقة.

(٤) أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 139 بلاغا، وسعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 915، والطبري في "تفسيره" 2/ 564 - 565، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 448، وقد روى سعيد بن منصور في السنن 3/ 917، وابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 504، والطبري 2/ 577 عن ابن عباس: أنها العصر.

(٥) سقطت من (ي).

(٦) رواه سعيد بن منصور في "سننه" 3/ 910، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 448، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1217، والبغوي في "تفسيره" 1/ 287، وروى الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 1/ 170 عن ابن عمر: أنها العصر.

(٧) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 565، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 448، والبغوي في "تفسيره" 1/ 287.

(٨) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 179، والطبري 2/ 566، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 448.

(٩) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 912، والطبري في "تفسيره" 2/ 566، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 448.

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 566، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 448.

(١١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 505، وانظر المصدرين السابقين.

(١٢) "أحكام القرآن" للشافعي ص 71، "السنن الكبرى" للبيهقي 1/ 461.

(١٣) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 1/ 171، وعزاه ابن عبد البر في "التمهيد" 4/ 284 إلى إسماعيل القاضي، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1221.

(١٤) "تفسير الثعلبي" 2/ 1221.

(١٥) أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 139، وعبد الرزاق في "المصنف" 1/ 577، والطبري 2/ 561.

(١٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 561، والبيهقي 1/ 458.

(١٧) أخرجه النسائي في السنن الكبرى 1/ 153، والطبري في "تفسيره" 2/ 562، وابن أبي حاتم 2/ 448.

(١٨) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 577، وذكره الترمذي 1/ 342 كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الوسطى ...

، وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 505، والطبري في "تفسيره" 2/ 555 عنها أنها قالت: هي صلاة العصر.

(١٩) "تفسير الثعلبي" 2/ 1234.

(٢٠) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 577، وسعيد بن منصور في "سننه" 3/ 901، والطبري في "تفسيره" 2/ 557 - 559، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 448.

(٢١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 504، والطبري في "تفسيره" 2/ 557 - 559.

(٢٢) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 1/ 577، وسعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 903 - 908، والطبري في "تفسيره" 2/ 559.

(٢٣) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 556، وذكره الثعلبي 2/ 1235، والدمياطي في كشف المغطى ص 119.

(٢٤) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 556، 557.

(٢٥) أخرجه الطبري 2/ 558.

(٢٦) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 505، والطبري في "تفسيره" 2/ 556.

(٢٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1236، والنووي في "المجموع" 3/ 61.

(٢٨) "تفسير مقاتل" 1/ 200، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1236.

(٢٩) "شرح معاني الآثار" 1/ 176، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 443.

(٣٠) قال رسول الله  يوم الأحزاب: "شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر ..

" الحديث، فقد رواه البخاري (2931) كتاب: الجهاد، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة، ومسلم (657) كتاب: المساجد، باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر من حديث علي.

ورواه الترمذي من طريقين: (182) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة الوسطى، وحسنه، (2983) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البقرة وصححه، والإمام أحمد 5/ 7، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 1/ 174، وابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 505، والبيهقي 1/ 460، والطبري في "تفسيره" 2/ 560، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1236، وغيرهم عن الحسن عن سمرة بن جندب.

(٣١) في (ي) (وبين صلاتي).

(٣٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1249.

(٣٣) هو: قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، أبو سعيد أو أبو إسحاق المدني من أولاد الصحابة وله رؤية، من الفقهاء الوجوه، توفي سنة 86 هـ.

ينظر "الاستيعاب" 3/ 336، "التقريب" ص 453.

(٣٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 564، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1253، والبغوي في "تفسيره" 1/ 289.

(٣٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1253 - 1254، وهو معنى كلام قبيصة المتقدم تخريجه.

(٣٦) الواو ساقطة من (ي).

(٣٧) هو سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي، أبو الطيب النيسابوري، شيخ الشافعية بخراسان ومفتيها، توفي سنة 404.

ينظر "سير أعلام النبلاء" 17/ 207، "طبقات الشافعية الكبرى" 4/ 393.

(٣٨) في (ي) (لا تقصران وهي المغرب والفجر فهي).

(٣٩) ذكره الثعلبي 2/ 1257، وينظر كشف المغطى ص 135، "فتح الباري" 8/ 197 (٤٠) في (م) (ولا يعرفها) في "تفسيره".

(٤١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 566، "تفسير الثعلبي" 2/ 1260.

(٤٢) هو: الربيع بن خثيم بن عائذ بن عبد الله التوزي أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد مخضرم، قال له ابن مسعود: لو رآك رسول الله  لأحبك، توفي سنة 61هـ، وقيل: 63 هـ.

ينظر "تقريب التهذيب" ص206 (1888).

(٤٣) ساقطة من (ي).

(٤٤) في (ي): (كنت).

(٤٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 566.

(٤٦) هو محمد بن عمر الوراق الحكيم، أبو بكر البلخي، أصله من ترمذ، وأقام ببلخ، وأسند الحديث، توفي سنة 240.

ينظر "حلية الأولياء" 10/ 235، "صفة الصفوة" 4/ 165.

(٤٧) في (ي): (وقالوا).

(٤٨) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1260، وأبو حيان في "تفسيره" 2/ 241.

(٤٩) سبق تخريجه (٥٠) "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 437 بمعناه، ونقله في "تهذيب اللغة" 3/ 3054.

(٥١) في (ش) (لأنه لم يكن).

(٥٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 320 - 321، وينظر في القنوت: "تهذيب اللغة" 3/ 3054، "المفردات" ص413، "اللسان" 6/ 3747 - 3748.

(٥٣) في (ش) (أن الوسطى الفجر)، وفي (ي) (أن الصلاة الوسطى: الفجر).

(٥٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 577، "تفسير الثعلبي" 2/ 1222، وقد قال ابن القيم في "زاد المعاد" 1/ 273: وكان هديه  القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها؛ لأجل ما شرع فيها من التطويل، ولاتصالها بصلاة الليل.

(٥٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1277.

(٥٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 569، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 449، من طريق العوفي عن ابن عباس: مصلين.

(٥٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 568.

(٥٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 568، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 449.

(٥٩) انظر المصدرين السابقين.

(٦٠) انظر المصدرين السابقين.

(٦١) انظر المصدرين السابقين.

(٦٢) انظر المصدرين السابقين.

(٦٣) "تفسير مقاتل" 1/ 201.

(٦٤) انظر المصدر السابق.

(٦٥) رواه أحمد 3/ 75، وأبو يعلى 3/ 522، والطبري 2/ 569، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 213، وابن حبان في صحيحه 2/ 7 قال ابن كثير في "تفسيره": ولكن في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، والله أعلم.

وكثيراً ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة فلا يغتر بها فإن السند ضعيف.

(٦٦) في (م): (رخا).

(٦٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 570.

(٦٨) زيد بن أرقم بن زيد الخزرجي الأنصاري، أبو عمر، أول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، وغزا مع النبي  سبع عشرة غزوة، وهو الذي أنزل الله تصديقه في == سورة المنافقون، توفي سنة 66 وقيل 68.

ينظر "الاستيعاب" 2/ 109، "أسد الغابة" 2/ 219.

(٦٩) أخرجه البخاري (1200) كتاب: الجمعة، باب: ما ينهى من الكلام في الصلاة، ومسلم (539) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة، والترمذي بلفظه (2986) كتاب: تفسير القرآن، باب: 3.

(٧٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 570، 233، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 449، والبغوي في "تفسيره" 1/ 289.

(٧١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1278.

(٧٢) (بعض) ساقطة من (ي).

(٧٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 570 - 571.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والصلاوة الوسطى ﴾ جدّد ذكرها بعد دخولها في الصلوة اعتناءً بها وهي الصبح عند مالك وأهل المدينة، والعصر عند عليّ بن أبي طالب لقوله صلى الله عليه وسلم، شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وقيل: هي الظهر وقيل المغرب، وقيل هي: العشاء الآخرة، وقيل: الجمعة، وسميت وسطى لتوسطها في عدد الركعات، وعلى القول بأنها المغرب؛ لأنها بين الركعتين والأربع، أو لتوسط وقتها، وعلى القول بأنها الصبح؛ لأنها متوسطة بين الليل والنهار، وعلى القول بأنها الظهر أو الجمعة؛ لأنها في وسط النهار، أو لفضلها؛ من الوسط: وهو الخيار، وعلى هذا يجري اختلاف الأقوال فيها ﴿ وَقُومُواْ للَّهِ ﴾ معناه في صلاتكم ﴿ قانتين ﴾ هنا ساكتين وكانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت، قاله ابن مسعود، وزيد بن أرقم، وقيل: خاشعين، وقيل: طول القيام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وصية ﴾ بالنصب: أبو عمر وابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب غير روبس.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ قانتين ﴾ ه ﴿ أو ركباناً ﴾ ج لأن "إذا" في معنى الشرط مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ج لانقطاع النظم ومكان الحذف لأن التقدير فعليهم وصية أو فليوصوا وصية، والوصل أجوز لاتصال المعنى فإن وصية أو وصية قام مقام خبر المبتدأ.

﴿ إخراج ﴾ ج ﴿ من معروف ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ .

التفسير: الحكم السابع عشر: الصلاة، وذلك أنه  لما بين للمكلفين ما بين من معالم الدين وشعائر اليقين أعقبها بذكر الصلاة التي تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى وزوال التمرد وحصول الانقياد لأوامره والانتهاء عن مناهيه تحصيلاً لسعادة الطرفين وتكميلاً لمصالح الدارين.

وقد أجمع المسلمون على أن الصلوات المكتوبة خمس، وفي الآية إشارة إلى ذلك لأن الصلوات جمع فأقلها ثلاث، والصلاة الوسطى تدل على شيء زائد والإلزام التكرار، وذلك الزائد لو كان الرابع لم يكن للمجموع وسطى فلا أقل من خمسة.

والمراد بمحافظتها رعاية جميع شرائطها من طهارة البدن والثوب والمكان، ومن ستر العورة واستقبال القبلة والإتيان بأركانها وأبعاضها وهيآتها والاحتراز عن مفسداتها من أعمال القلب وأعمال اللسان والجوارح.

ومعنى المفاعلة في المحافظة إما لأنها بين العبد والرب كأنه قيل: احفظ الصلاة يحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة كقوله ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ وفي الحديث "احفظ الله يحفظك" وإما لأنها بين المصلي والصلاة فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن المناهي ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ وحفظته عن الفتن والمحن ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ وكيف لا وفي الصلاة القراءة والقرآن شافع مشفع.

في الخبر "تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان فتشهدان وتشفعان" و "إن سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه" وفي الصلاة الوسطى سبعة أقوال: الأول: أنه  أمرنا بالمحافظة على الصلاة الوسطى ولم يبين لنا أنها أي الصلوات.

وما يروى من أخبار الآحاد لا معوّل عليها فيجب أن تؤدى كلها على نعت الكمال والتمام، ولعل هذا هو الحكمة في إبهامها، ولمثل ذلك أخفى الله  ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم في أسمائه، ووقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفاً عازاماً على التوبة في كل الأوقات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء، عن محمد بن سيرين أن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات كلها تصبها.

وعن الربيع: أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظاً عليها ومضيعاً سائرهن؟

قال السائل: لا.

قال الربيع: فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الصلاة الوسطى.

القول الثاني: أن الوسطى مجموع الصلوات الخمس، فإن الإيمان بضع وسبعون درجة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطرق.

والصلوات المكتوبات واسطة بين الطرفين.

القول الثالث: أنها صلاة الصبح وهو قول علي وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي أمامة.

ومن التابعين قول طاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد وهو مذهب الشافعي قالوا: إن هذه الصلاة تصلى في الغلس فبعضها في ظلمة الليل وآخرها في ضوء النهار.

وأيضاً إن في النهار صلاتين: الظهر والعصر، وفي الليل صلاتين: المغرب والعشاء، والصبح متوسط بينهما.

وأيضاً الظهر والعصر يجمعان في السفر وكذا المغرب والعشاء والفجر منفرد بينهما.

قال القفال: وتحقيق هذا يرجع إلى ما يقوله الناس: فلان متوسط إذا لم يمل إلى أحد الخصمين وكان منفرداً بنفسه عنهما.

وقد أقسم الله  بها في قوله ﴿ والفجر وليالٍ عشر  ﴾ وأيضاً قال  : ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً  ﴾ واتفقوا على أن المراد منه صلاة الفجر فخصها في تلك الآية بالذكر للتأكيد وخص الصلاة الوسطى في هذه الآية بالذكر للتأكيد، فيغلب على الظن أنهما واحد.

وأيضاً قرن هذه الصلاة بذكر القنوت في قوله ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ وليس في المفروضة صلاة صبح فيها القنوت إلا الصبح.

وأيضاً لا شك أنه  أفردها بالذكر لأجل التأكيد والصبح أحوج الصلوات إلى ذلك، ففيه ترك النوم اللذيذ واستعمال الماء البارد والخروج إلى المسجد في الوقت الموحش.

وأيضاً الإفراد بالذكر ينبئ عن الفضل، ولا ريب في فضيلة صلاة الصبح ولهذا جاء ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وروي أن التكبيرة الأولى منها في الجماعة خير من الدنيا وما فيها.

وخصت بالأذان مرتين: أولاهما قبل الوقت إيقاظاً للناس حتى لا تفوتهم ألبتة، وخص أذانها بالتثويب وهو أن يقول بعد الجيعلتين: الصلاة خير من النوم.

وإن الانسان إذا قام من منامه فكأنه صار موجوداً بعد العدم، وعند ذلك يزول عن الخلائق ظلمة الليل وظلمة النوم والغفلة وظلمة الفجر والحيرة، ويملأ العالم نوراً والأبدان حياة وعقلاً وقوةً وفهماً.

فهذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية وإظهار الخضوع والاستكانة لفاطر السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور.

وعن علي  أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نرى أنها الفجر.

وعن ابن عباس أنه صلى الصبح ثم قال: هذه هي الصلاة الوسطى.

القول الرابع: أنها صلاة الظهر ويروى عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، لأن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى.

وعن زيد بن ثابت أن النبي  كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان فقال  : "لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم" فنزلت هذه الآية.

وأيضاً ليس في المكتوبات صلاة وقعت وسط الليل والنهار إلا هذه، وإنها صلاة بين صلاتين نهاريتين: الفجر والعصر وأنها صلاة بين البردين: برد الغداة وبرد العشي، وإن أول إمامة جبرائيل كان في صلاة الظهر كما ورد في الأحاديث الصحاح، وإن صلاة الجمعة مع ما ورد في فضلها تنوب عن الظهر لا عن غيرها.

وعن عائشة أنها كانت تقرأ ﴿ والصلاة الوسطى وصلاة العصر ﴾ وكانت تقول: سمعت ذلك عن رسول الله  .

فيغلب على الظن أن المعطوف عليه العصر هو الظهر الذي قبله.

وروي أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة الظهر، كانت تقام في الهاجرة.

القول الخامس: أنها صلاة العصر ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة  م، ومن الفقهاء النخعي وقتادة والضحاك وهو مروي عن أبي حنيفة أيضاً لما ورد من التأكيد فيه كقوله  "من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" وقد أقسم الله بها في قوله ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر  ﴾ ولما يحتاج في معرفة وقتها إلى تأمل أكثر من حال الظهر.

فالمغرب يعرف بغروب جرم الشمس، والعشاء يعرف بغروب الشفق، والفجر بطلوع الصبح الصادق، والظهر بدلوك الشمس عن دائرة نصف النهار، ولما في وقتها من اشتغال الناس بحوائجهم.

وعن علي  أن النبي  قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً" رواه البخاري وملسم وسائر الأئمة.

وهو عظيم الموقع في المسألة.

وفي صحيح مسلم "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" "وعن النبي  أنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب.

وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أملي عليك كما سمعت رسول الله  يقرؤها فأملت عليه ﴿ والصلاة الوسطى صلاة العصر ﴾ " القول السادس: أنها صلاة المغرب.

عن قبيصة بن ذؤيب لأنها بين بياض النهار وسواد الليل، ولأنها وسط في الطول والقصر.

القول السابع: أنها صلاة العشاء لأنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران: المغرب والصبح.

ولما ورد في فضلها عن عثمان بن عفان عن النبي  "من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة" وقال أهل التحقيق: القلب هو الذي في وسط الإنسان بل هو واسطة بين الروح والجسد فكأنه قيل: حافظوا على صورة الصلوات بشرائطها، وحافظوا على معاني الصلوات وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة وبعدها.

ثم إن الشافعي احتج بالآية على أن الوتر ليس بواجب وإلا كانت الصلوات ستاً فلم يبق لها وسطى.

وهذا إنما يتم لو كان المراد الوسطى في العدد، لكنه يحتمل أن يكون الوسطى في الفضيلة من قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً  ﴾ أو الوسطى في الزمان وهو الظهر، أو الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات فيتوسط بين الاثنتين والأربع، أو الوسطى في الصفة كصلاة الصبح يتوسط بين صفتي الظلام والضياء ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ عن ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر لقوله تعالى ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ ولأن قوله ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ أمر بما في الصلاة من الفعل فيكون القنوت عبارة عن كل ما في الصلاة من الذكر.

وعن الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل: قانتين أي مطيعين لما روي أنه  قال: "كل قنوت في القرآن فهو الطاعة" ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله  ﴾ ﴿ فالصالحات قانتات  ﴾ فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها.

وفيه زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما لا يجزى وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد، ولو كان كما قالوا وجب أن لا يصلي أصلاً لأنه  كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا فكذلك لا يحتاج إلى القليل، وقد صلى رسول الله  وسائر الرسل والسلف الصالح فأطالوا وخشعوا واستكانوا وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال وقيل: قانتين ساكتين.

عن زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

وعن مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون الأطراف، وكان أحدهم إذا صلى خاف ربه فلا يلتفت، ولا يقلب الحصى، ولا يبعث بشيء من جسده.

ولا فحذف المفعول به للعلم به أو فإن حصل لكم خوف أو كنتم على حالة الخوف على أنه متروك المفعول ﴿ فرجالاً أو ركباناً ﴾ أي فصلوا راجلين أو راكبين.

وقيل: المعنى فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالاً أو ركباناً.

وعلى هذا فالآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام و الركوع والسجود.

ورجالاً جمع راجل كقيام جمع قائم وتجار جمع تاجر، أو جمع رجل يقال: رجل رجل أي راجل.

والركبان جمع راكب كفارس وفرسان.

ولا يقال راكب إلا لمن كان على إبل، فإن كان على فرس فإنما يقال له: فارس.

لكن المراد في الآية أعم، وتخصيص اللفظ بالركبان لأنه الغالب فيهم.

واعلم أن صلاة الخوف، إما أن تكون في غير حال القتال وسوف يجيء بيانها في سورة النساء إن شاء الله  ، وإما أن تكون عند التحام القتال وهو المراد بهذه الآية.

ومذهب الشافعي أنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة، ويقتصرون من الركوع والسجود على الإيماء إلا أنهم يجعلون السجود أخفض من الركوع، ويحترزون عن الصيحان، أنَّه لا ضرورة إليه بل الشجاع الساكت أهيب.

وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر لأنه  أخر الصلاة يوم الخندق.

وأجيب بأن الآية ناسخة لذلك الفعل.

ويدخل في الخوف المفيد لهذه الرخصة الخوف في القتال الواجب كالقتال مع الكفار أو مع أهل البغي، وفي القتال المباح كالدفاع عن النفس، أو عن حيوان محترم، أو عن المال.

أما القتال المحظور فإنه لا يجوز فيه صلاة الخوف لأن الرخص لا تناط بالمعاصي والخوف الحاصل لا في القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع، وكذا المطالب إذا كان معسراً خائفاً من الحبس عاجزاً عن بينة الإعسار يرخص أيضاً في هذه الصلاة لأن قوله ﴿ فإن خفتم ﴾ مطلق يتناول الكل ﴿ فإذا أمنتم ﴾ فإذا زال خوفكم ﴿ فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ من صلاة الأمن بقوله ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ كما بينه بشروطه وأركانه.

والصلاة قد تسمى ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ وقيل: فاذكروا الله أي فاشكروا الله لأجل إنعامه عليكم بالأمن.

وقيل: فاشكروه على الأمن واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع على لسان نبيه.

وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.

و "ما" في ﴿ كما علمكم ﴾ إما مصدرية أو كافة.

الحكم الثامن عشر: عدة الوفاة بوجه آخر ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ الآية.

من قرأ ﴿ وصية ﴾ بالرفع فـ ﴿ وصية ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأزواجهم ﴾ وجاز وقوع النكرة مبتدأ لتخصيصه بما تخصص منهم وصية، أو وصية الذين يتوفون وصية، أو الذين يتوفون أهل وصية إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائز حسن.

ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير فليوصوا وصية أو يوصون وصية مثل "أنت سير البريد" أي أنت تسير سير البريد أو ألزم الذين يتوفون منكم وصية متاعاً نصب على المصدر على معنى فليوصوا لهن وصية وليمتعوهن متاعاً.

والتقدير: جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبله من الكلام يدل عليه، أو نصب على الحال، أو نصب بالوصية و ﴿ غير إخراج ﴾ نصب على المصدر المؤكد كقولك "هذا القول غير ما تقول" أو بدل من ﴿ متاعاً ﴾ أو حال من الأزواج أي غير مخرجات.

والمعنى أن حق الذين يتوفون منكم عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعده حولاً كاملاً أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن.

وأكثر المفسرين على أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخت المدة بقوله ﴿ أربعة أشهر وعشراً  ﴾ أو نسخ ما زاد منه على هذا المقدار بالإرث الذي هو الربع والثمن لقوله  "ألا لا وصية لوارث" وعن علي  وابن عمر أن لها النفقة وإن كانت حائلاً.

وأما السكنى فعند أبي حنيفة وأصحابه لا سكنى لهن وهو قول علي وابن عباس وعائشة، واختاره المزني قياساً على النفقة في مقابلة التمكين ولا تمكين.

وأما السكنى فلتحصين الماء وهو موجود، وعند الشافعي لهن ذلك على الأظهر وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وأم سلمة، ووافقه مالك والثوري وأحمد.

وبناء الخلاف على خبر "فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت: فسألت رسول الله  أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما أنزلني بمنزل يملكه فقال: نعم.

فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" .

فحمل بعضهم الأمر الثاني على النسخ وآخرون على الاستحباب.

وعن مجاهد أنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً وإن اختارت السكنى في داره والأخذ من ماله وتركته فعدتها الحول.

قال: وإنما نزلنا الآية على هذين التقديرين لتكون كل واحدة منهما معمولاً بها.

وعن أبي مسلم: إنكم تضيفون الوصية إلى حكم الله  فيلزمكم القول بالنسخ، ونحن نضيف الحكم إلى الزوج حتى يصير معنى الآية: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وقد وصوا وصية لأزواجهم بالنفقة والسكنى حولاً.

فهذا المجموع شرط وجوابه فإن خرجن - أي قبل ذلك - وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله  ﴿ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف ﴾ أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة.

والسبب فيه أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً، وكانوا يوجبون على المرأة الاعتداد بالحول، فبيّن الله  في هذه الآية أن ذلك غير واجب.

ويؤكده ما روت زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول: "جاءت امرأة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟

فقال رسول الله  لا مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا.

ثم قال رسول الله  : إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" .

قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟

فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً أي بيتاً صغيراً، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيباً حتى يمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتقتض به.

قال مالك: أي تمسح به جلدها فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد بما شاءت من طيب أو غيره، فلا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين والإقدام على النكاح.

ومن قطع نفقتهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول ومن ترك منعهن من الخروج لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها.

وإنما قال ههنا ﴿ من معروف ﴾ منكراً لأن المراد بوجه من الوجوه التي لهن أن يأتينه.

وأما في الآية السابقة فإنه أراد بالوجه المعروف من الشرع.

ويمكن أن يقال: إن تلك الآية متأخرة في النزول عن هذه بإجماع المفسرين فلهذا نكر أولاً، ثم عرف لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة قال  : ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول  ﴾ .

الحكم التاسع عشر: ﴿ وللمطلقات متاع ﴾ عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المذكورة في الحكم الخامس عشر.

وروي أنها لما نزلت ﴿ ومتعوهن ﴾ إلى قوله ﴿ متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين ﴾ قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت فإن لم أرد ذلك لم أفعل فنزلت هذه الآية أي حقاً على من كان متقياً عن الكفر والمعاصي واعلم أن المطلقات قسمان: مطلقة قبل الدخول فلها المتعة إن لم يفرض لها مهر كما مر في الحكم الخامس عشر، وإن فرض لها مهر فلا متعة لها وحسبها نصف المهر لأنه  اقتصر على ذلك ولم يذكر المتعة فهي مستثناة من عموم هذه الآية.

ومطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أم لم يفرض.

واختلفوا في استحقاقها المتعة.

فالقديم من قول الشافعي وبه قال ابو حنيفة، لا متعة لها لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض وقبل الدخول.

وفي الجديد لها المتعة وهو قول علي وابنه الحسن وابن عمر لعموم الآية، ولقوله  ﴿ فتعالين أمتعكن  ﴾ وكان ذلك في حق نساء دخل بهن النبي.

وليست كالمطلقة المذكورة لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة عوض، وهذه استحقت الصداق في مقابلة استباحة البضع فيجب لها المتعة للإيحاش.

وعن سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري أنها واجبة لكل مطلقة تمسكاً بظاهر عموم الآية.

وقيل: المراد بهذا المتعة النفقة في العدة بدليل ﴿ متاعاً إلى الحول ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ ﴾ .

و(المحافظة) هو المفاعلة والمفاعلة هي فعل اثنين.

فهو - والله أعلم - أنه إذا حفظها على وقتها ولم يسهو عنها حفظته، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ  ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود - رضي الله  عنه -: (إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر).

فعلى ذلك إذا حفظها على أوقاتها مع أحكامها وسننها، ولم يدخل ما ليس فيها - من الكلام، والالتفات، وغير ذلك مما نهى عنه - حفظته.

وكذلك قوله  : ﴿ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ  ﴾ ، من المفاعلة، فإذا بادر إليها بدرت إليه.

وبالله التوفيق.

وقوله عز وجل: ﴿ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ ﴾ .

اختلف أهل العلم في تأويله: قال بعضهم: ﴿ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ ﴾ ، أراد كل الصلاة لا صلاة دون صلاة.

وهو - والله أعلم - أن الصلاة هي الوسطى، هي من الدين.

وهو على ما جاء: الإيمان كذا كذا بضعة، أعلاها كذا كذا، وأدناها كذا، فعلى ذلك قوله: والصلاة هي الوسطى من الدين، ليست بأعلاها ولا بأدناها، ولكنها الوسطى من الدين.

وقال آخرون: ﴿ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ ﴾ ، هي صلاة العصر.

وعلى ذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "هي العصر" .

وذكر في حرف حفصة - رضي الله  عنها -: أنها صلاة العصر.

وقال قائلون: هي الفجر؛ ذهبوا في ذلك إلى أن النهار يجمع الصلاتين، والليل بطرفيه كذلك، فالفجر أوسطها.

وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: هي الفجر.

وقال آخرون: هي الظهر؛ ذهبوا في ذلك إلى أنها إنما تقام وسط النهار، فسميت بذلك.

وكذلك روي عن ابن عمر - رضي الله  عنه - أنه قال: هي صلاة الظهر.

ومن قال: هي العصر، ذهب في ذلك إلى ما روي من الخبر، وإلى أن العصر هي الوسطة من صلاتي النهار وصلاتي الليل؛ لأن صلاتين بالنهار قبلها، وصلاتين بالليل بعدها، فهي الواسطة.

والقياس: أن تكون هي المغرب؛ لأن الظهر سميت أولى، والعصر تكون الثانية، فالمغرب هي الواسطة.

لكن لم يقولوا به.

وفيه دلالة أن الصلاة وتر؛ لأن الشفع مما لا وسطى له.

ثم جهة الخصوصية - أيها كانت؟

فإن كانت عصراً: فهو ما ذكر أن الكفرة حملوا على أصحاب رسول الله  في صلاة العصر، فلم يتهيأ لهم إقامتها، فقالوا: احفظوا عليهم صلاة هي أكرم عليهم من أنفسهم وأموالهم.

فظهر بهذا أن لها فضلاً وخصوصية من عند الله ورسوله.

وما روي في الخبر أيضاً من قوله  : "من فاتته العصر وتر أهله وماله" فإن كانت فجراً؛ فلأن الكتاب ذكرها بقوله: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً  ﴾ ، ولما قيل: إن ملائكة الليل والنهار يشهدونها، فظهرت لها الخصوصية والفضل.

ومن قال: إنها ظهر، ذهب إلى خصوصيتها وفضيلتها ما جاء عن رسول الله  أنه كان يصلي قبل الظهر أربعا إذا زالت الشمس، وقال: إن أبواب السماء تفتح في ذلك الوقت.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ ﴾ : تكلم فيه بوجهين: أحدهما: أن الصلاة هي الوسطى، من أمر الدين فهي على أن الأرفع من أمر الدين هو التوحيد والإيمان وذلك هو الذي لا يرتفع بعذر، ولا يسقط بسقوط المحنة، إذ ذلك في الدارين جميعاً وهو الإخلاص، ونفي جميع معاني الخلف به عمن يوحده ويؤمن به وسائر العبادات قد يقدم مع وجود أمور الدنيا والدين والمعاش معها وفي حالها بالذي به قوامها، والتوحيد لا، ثم الصلاة مما بها ترك جميع ما ذكرت في حال فعلها فيما به فعلها، فهي تشبه الإيمان من هذا الوجه، ثم تسقط هي للأعذار، ولا تجب في غيره دار المحنة على ما عليه أمر غيرها من العبادات؛ فصارت بذلك الوسطى من أمر الدين.

والله الموفق.

والثاني: أن تكون هي صلاة من جملتها، فتذكر بحرف التخصيص لها من الجملة، لوجهين: أحدهما: لبيان جملة الفرائض أنها وتر، لا الشفع؛ إذ لا وسطى للشفع، فيكون في ذلك بطلان قول قوم أنكروا العدد لها، وقوم زعموا أنها صلاتان في الجملة.

والله أعلم.

والثاني: أن يراد بذلك التفضيل للصلاة من الصلوات في الحث على فعلها والترغيب في محافظتها، ويجيء أن تكون تلك معروفة عند الذين خوطبوا، إما بالاسم أو بحال من النوازل؛ لأنه لا يحتمل أن يرغب في فعل لا يعلم حقيقة ذلك.

الله أعلم.

ثم لا يكون لاختلاف من لم يشهد النوازل التي عرفت المراد، فقال كل مبلغ جهده فيما أدى إليه رأيه من الترغيب في الفعل أنه على ذلك، لكنهم اختلفوا: فمنهم من اعتبر بالركعات، فقال: أكثرها أربع، وأقلها ركعتان، والوسطى منها ثلاث، فصرف التأويل إلى المغرب.

استدل في الترغيب [بما جاء "إن الله وتر يحب الوتر" وبما جاء من الترغيب] في تعجيلها المبادرة في فعلها، حتى لم يؤذن بالاشتغال عنها عند هجوم وقتها لنافلة وللحاجة.

وذلك بعض ما يعرف من معنى المحافظة، وهي أن الصلوات جعلن متصلات الأوقات، وهي الوسطى منهن.

والله أعلم.

وقوم ردوا إلى صلاة الفجر بما في ذلك من الترغيب والتخصيص بالأمر، كقوله: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً  ﴾ ، وما أخبر من شهود ملائكة الليل والنهار، ولأن وقتها الوسط من أحوال الخلق، إذ أحوالهم تكون سكوناً مرة، وانتشاراً ثانياً، وبذلك ختم أوقات السكون وافتتاح أحوال الانتشار، ووسط الشيء: هو الذي فيه حظ الحواشي، وقد وجد ذلك في وقت هذه الصلاة.

والله أعلم.

ومنهم من صرف إلى العصر بما جاء في ذلك من الترغيب ومن الوعيد في ترك ذلك، وبها ختم أحوال الزلات التي تدخل في المكاسب، فتكون بها التوبة عنها والاستغفار منها.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ حَافِظُواْ ﴾ على مخاطبة الجملة على الإشتراك؛ إذا المفاعلة اسم ذلك على تضمن الترغيب في الجماعات، أو على لزوم كثرة عدد الصلاة، أو على ما خرج الأمر بالمسارعة إلى الخيرات والمسابقة لها، وكل في ذلك - والله أعلم - على أن الظهر سميت أولى، فعلى ذلك تكون المغرب الوسطى.

وقوله  : ﴿ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ ﴾ .

قيل: خاشعين خاضعين فيها، لا يدخل فيها ما ليس منها؛ وعلى ذلك روي عن زيد ابن أرقم، أنه قال: "كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله  ، فلما نزل قوله: ﴿ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ ﴾ ، [مطيعين] أمرنا بالسكوت في صلاتهم خاضعين خاشعين، ونهينا عن الكلام" ؛ وعلى ذلك سمى الدعاء قنوتاً.

وقال آخرون: ﴿ قَٰنِتِينَ ﴾ ، أي مطيعين.

وذلك ما قيل: إن أهل الأديان يقومون في صلاتهم خاضعين ساهين، فأمر أهل الإسلام أن يقوموا مطيعين.

و"القنوت" هو القيام، على ما روي عن رسول الله  ، "أنه سئل عن أفضل الصلوات، فقال: طول القنوت" .

وأصل القنوت - ما ذكرنا - هو القيام، غير الذي يقوم لآخر، يقوم على الخضوع والخشوع والسكوت.

وليس في الآية أنه أمر بذلك في الصلاة، غير أن أهل التأويل صرفوا إلى ذلك؛ لأنها ذكرت على أثر ذكر الصلاة.

وكذلك قوله: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ﴾ ليس فيه أن ذلك في الصلاة، لكنهم صرفوا إليها ذلك؛ لأنه ذكر على أثر ذلك الصلاة.

ثم اختلف فيه: قالوا: ﴿ رُكْبَاناً ﴾ على الدواب، حيثما توجهت بهم الدواب يصلون عليها في حال السير والوقوف.

وعلى ذلك جاءت الآثار من فعل رسول الله  ، وفعل الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين، في النوافل، فتكون الفرائض عند العذر به مرادة بالآية، بل على ما ظهر فعل النوافل في غيره بالسنة.

وأما قوله: ﴿ فَرِجَالاً ﴾ فمما اختلف فيه: قال: ما يكون ﴿ فَرِجَالاً ﴾ ، فمشاة، وهو من الرجل وترجَّل: مشى راجلا.

وأما عندنا: فهو على المعروف من الصلاة على الأرجل والأقدام قياماً وقعوداً، لا يزال عن الظاهر.

والمعروف الذي عرف الفعل به على ما عرف من الصلاة على الأرجل.

وقوله: ﴿ رُكْبَاناً ﴾ على ما عرف عن الركوب، وهو في حال السير، ولم نر الصلاة تقوم مع المشي فيها.

فإن قيل: صلاة الخوف فيها مشي، فقامت.

قيل: إن المشي ليس في فعل الصلاة؛ لأنهم في الوقت الذي يمشون لا يفعلون فعل الصلاة، وهو كما يقال: إن الصلاة لا تقوم مع الحدث، فإذا أحدث فيها فذهب ليتوضأ، ليس هو في وقت الحدث مصلياً، وإن بقي في حكم الصلاة.

فعلى ذلك المشي في صلاة، ليس هو في فعل الصلاة، وإن كان باقياً على حكم الصلاة؛ والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

يحتمل: قوله ﴿ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ﴾ يحتمل: أن يصرف إلى الصلاة، أي: صلوا كما علمكم أن تصلوا في حال الأمر.

ويحتمل: أن يصرف إلى غيره من الأذكار، كقوله  : ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ  ﴾ .

ويحتمل: أن يصرف إلى الشكر، أي: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واشكروها بي، كقوله  : ﴿ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ  ﴾ .

والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ  ﴾ ، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ ، دليل أن الله  صنع في فعل العباد حث أضاف التعليم إلى نفسه، وهو أن خلق فعل التعليم منه؛ إذ لو لم يكن منه فيه صنع لكان أضيف ذلك المعلم دون البيان؛ فدل إضافته إليه على أن له فيه فعلاً.

نعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى.

قال الشيخ، رحمه الله  ، في قوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم ﴾ .

آي: صلوا له كما علمكم من الصلاة في حال الأمن، إذ معلوم تقدم الأمر بالصلاة وتعليم حدودها.

﴿ وَقُومُواْ ﴾ في الرخصة في التخفيف بحال العذر.

ويحتمل: اذكروا الله بشكر أنما أمنكم كما علمكم من الشكر له في النعم، وأي ذلك كان فهو الذي علمهم بعد أن كانوا غير عالمين به.

والله أعلم.

ودل إضافة التعليم في هذه الآية، وكذلك في قوله: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ  ﴾ ، إليه على وجود الأسباب من الله  له في الأمرين على أن كان من الله  في أحد الأمرين ما ليس منه في الآخر، ومعنى الأسباب فيهما واحد؛ ثبت أنه على خلق فعل التعليم ونفيه.

والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حافظوا على الصلوات بأدائها تامة كما أمر الله، وحافظوا على الصلاة الوسطى بين الصلوات وهي صلاة العصر، وقوموا لله في صلاتكم مطيعين خاشعين.

<div class="verse-tafsir" id="91.do3ZQ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كانت الآيات السابقة أحكامًا بعضها في العبادات، وبعضها في الحدود والمعاملات، آخرها معاملة الأزواج، ورأينا من سنة القرآن أن يختم كل حكم أو عدة أحكام بذكر الله تعالى والأمر بتقواه، والتذكير بعلمه بحال العبد وبما أعد له من الجزاء على عمله، وفي هذا ما فيه من نفخ روح الدين في الأعمال وإشرابها حقيقة الإخلاص.

ولكن هذا التذكير القولي بما يبعث على إقامة تلك الأحكام على وجهها قد يغفل المرء عن تدبره، ويغيب عن الذهن تذكره، بانهماك الناس في معايشهم واشتغالهم بما يكافحون من شدائد الدنيا، أو ما يلذ لهم من نعيمها، ولهذه الضروب من المكافحات، والفنون من التمتع باللذات، سلطان قاهر على النفس، وحاكم مسخر للعقل والحس، يتنكب بالمرء سبيل الهدى، حتى تتفرق به سبل الهوى، فمن ثم كان المكلف محتاجًا في تأديب الشهوات الحيوانية، إلى مذكر يذكره بمكانته الروحانية، التي هي كمال حقيقته الإنسانية، وهذا المذكر هو الصلاة فهي التي تخلع الإنسان من تلك الشواغل التي لا بد له منها، وتوجهه إلى ربه جل وعلا، فتكثر له مراقبته، حتى تعلو بذلك همته، وتزكو نفسه، فتترفع عن البغي والعدوان، وتتنزه عن دناءة الفسق والعصيان، ويحبب إليها العدل والإحسان، بل ترتقي في معارج الفضل إلى مستوى الامتنان، فتكون جديرة بإقامة تلك الحدود، وزيادة ما يحب الله تعالى من الكرم والجود، ذلك أن الصلاة تنهى، بإقامتها على وجهها، عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله فيها أعظم من جميع المؤثرات وأكبر، فإذا كان الإنسان قد خلق هلوعًا، إذا مسه الشر جزوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا، فقد استثنى الله تعالى من هذا الحكم الكلي المصلين، إذا كانوا على الصلاة الحقيقية محافظين.

لهذا قال: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ  ﴾ قال بعض المفسرين في وجه اختيار لفظ المحافظة على الحفظ إن الصيغة على أصلها تفيد المشاركة في الحفظ وهي هنا بين العبد وربه كأنه قيل: احفظ الصلاة يحفظك الله الذي أمرك بها، كقوله ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ  ﴾ أو بين المصلي والصلاة نفسها أي احفظوها تحفظكم من الفحشاء والمنكر بتنزيه نفوسكم عنهما، ومن البلاء والمحن بتقوية نفوسكم عليهما كما قال ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ  ﴾ ، وعندي أنه قال حافظوا على الصلوات ولم يقل احفظوها، لأن المفاعلة تدل على المنازعة والمقاومة، ولا يظهر قول بعضهم إن المفاعلة للمشاركة لأن الصلاة تحفظه كما يحفظها، إلا لو كانت العبارة حافظوا الصلوات، ولكنه قال على الصلوات، أي اجتهدوا في حفظها والمداومة عليها.

والصلوات هي الخمس المعروفة ببيان من بين للناس ما نزل إليهم، ونقلت عنه بالتواتر العملي، وأجمع عليها المسلمون من جميع الفرق، فهم على تفرقهم في كثير من المسائل متفقون على أن جاحد صلاة من الخمس لا يعد مسلمًا، على أنهم استنبطوا كونها خمسًا من ذكر الوسطى في الجمع كما في تفسير الرازي.

وهو من قبيل التماس النكتة، ومن آيات أخرى كقوله تعالي: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ  ﴾ ، وسيأتي بيان كل شيء في محله إن شاء الله تعالى.

وكانوا يعبرون عن الصلاة بالتسبيح، يقولون سبح الغداة مثلًا.

أي صلي الفجر.

والصلاة الوسطى هي إحدى الخمس.

والوسطى مؤنث الأوسط، ويستعمل بمعنى المتوسط بين شيئين أو أشياء لها طرفان متساويان، وبمعنى الأفضل، وبكل من المعنيين قال قائلون.

ولذلك اختلفوا في: أي الصلوات أفضل وأيتها المتوسطة.

وللعلماء في ذلك ثمانية عشر قولًا أوردها الشوكاني (في نيل الوطار) أصحها رواية ما ذهب إليه الجمهور من كونها صلاة العصر لحديث علي عند أحمد ومسلم وأبي داود مرفوعًا "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" ورواه أحمد والشيخان عنه بلفظ أن النبي  قال يوم الأحزاب: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس "ولم يذكر العصر، ولذلك قال بعضهم إنها الظهر لأنه شغل يوم الأحزاب عنها وعن العصر جميعًا وهي متوسطة وكانت تشق عليهم لأنها تؤدى في وقت الحر والعمل، وفي رواية عن علي عند عبد الله بن أحمد في مسند أبيه كنا نعدها الفجر فقال رسول الله  :"هي صلاة العصر".

ووجه ما رواه أولًا توسطها وقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا  ﴾ فقد أشار في الآية إلى الصلوات وجعل لصلاة الفجر مزية خاصة بها وهو كون قرآنها مشهودًا، وورد في معناه أنها تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.

وفي الحديث التصريح بأن صلاة العصر تشارك صلاة الفجر بهذه المزية.

ولأصحاب الأقوال الأخرى في تعيين الصلاة الوسطى أحاديث لا تصل إلى درجة ما ورد في صلاة العصر، فقيل هي الفجر وقيل هي الظهر كما وقيل هي المغرب وقال الأخفش هي صلاة الجمعة.

وقال بعضهم إنها غير معروفة وأن الله تعالى أبهم الصلاة الفضلى التي ثوابها أكثر لنحافظ على كل صلاة.

ولولا أنهم اتفقوا على أنها إحدى الخمس لكان يتبادر إلى فهمي من قوله: ﴿ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى  ﴾ أن المراد بالصلاة الفعل وبالوسطى الفضلى، أي حافظوا على أفضل أنواع الصلاة وهي التي يحضر فيها القلب، وتتوجه بها النفس إلى الله تعالى وتخشع لذكره وتدبر كلامه، لا صلاة المرائين ولا الغافلين.

ويقوي هذا قوله بعدها ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ  ﴾ فهو بيان لمعنى الفضل في الفضلى وتأكيد له، إذ قالوا إن في القنوت معنى المداومة على الضراعة والخشوع، أي قوموا ملتزمين لخشية الله تعالى واستشعار هيبته وعظمته، ولا تكمل الصلاة وتكون حقيقية ينشأ عنها ما ذكر الله تعالى من فائدتها إلا بهذا، وهو يتوقف على التفرغ من كل فكر وعمل يشغل عن حضور القلب في الصلاة، وخشوعه لما فيها من ذكر الله بقدر الطاقة.

وقد روى أحمد والشيخان وأصحاب السنن ما عدا ابن ماجة من حديث زيد ابن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ  ﴾ فأمرنا بالسكون ونهينا عن الكلام.

وذلك أن القنوت عبارة عن الانصراف عن شؤون الدنيا إلى مناجاه الله تعالى والتوجه إليه لدعائه وذكره، وحديث الناس مناف له فيلزم من القنوت تركه، ويدل على ذلك حديث ابن مسعود المتفق عليه قال: كنا نسلم على النبي  وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد، فقلنا -أي بعد الصلاة- يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال "إن في الصلاة شغلاً" وقال سعيد بن المسيب المراد بالقنوت هنا القنوت المعروف في صلاة الصبح وهو إن صح يرجح أنها الصلاة الوسطى.

المحافظة على الصلوات آية الإيمان الكبرى، وقد جعل الشرع الصلاة والزكاة شرطًا لصحة الإسلام وأخوة الدين وما له من الحقوق، قال تعالى في أوائل سورة التوبة في الكلام على المشركين المعتدين ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ  ﴾ ، والأحاديث في منطوق الآية ومفهومها كثيرة.

منها حديث ابن عمر عند أحمد والبخاري ومسلم أن النبي  قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله  "، والمراد بالناس هنا المشركون أهل الأوثان لا أهل الكتاب الذين تقبل مهم الجزية ومن في حكمهم كالمجوس، ذلك أنهم هم الذين كانوا يقاومون دعوة الإسلام ما لا يقاومها سواهم، وكان استقرار الدين من غير دخول مشركي جزيرة العرب في الإسلام ضربًا من المحال، والكلام هنا في مكانة الصلاة من الإسلام لا في الدعوة وحمايتها.

وروى أحمد ومسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث جابر قال، قال رسول الله  :"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة".

وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان والحاكم من حديث بريدة قال سمعت رسول الله  يقول: "العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر" صححه النسائي والعراقي.

وروى أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي  أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف"، وفي الآثار ما يشعر بأن الصحابة كانوا متفقين على ذلك فقد روى الترمذي والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب رسول الله  لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.

أرأيت هذه الآيات العزيزة، والأحاديث الناطقة بالعزيمة، فقد نال التأويل منها نيله في الزمن الماضي، وأعرض جماهير المسلمين عنها في الزمن الحاضر، حتى كثر التاركون الغافلون والمارقون وقل عدد المصلين الساهين وندر المصلون المحافظون، ذلك أن الإسلام عند هؤلاء المسلمين، الذين يصفون أنفسهم بالمتمدنين، قد خرج عن كونه عقيدة دينية، إلى كونه جنسية سياسية، آية الاستمساك به والمحافظة عليه والدفاع عنه مدح كبراء حكامه وإن كانوا لا يقيمون حدوده ولا ينفذون أحكامه، بل رفعوا أنفسهم إلى مرتبة التشريع العام، واستبدال القوانين الوضعية بما نزل الله من الأحكام، فلا غرو أن يعد الذي يلغو بمدح دولته أو بذم عدو لها من أكبر أنصار الإسلام، وإن كان لا يعرف حقيقة عقيدته ولا يقيم الصلاة ولا يؤتي الزكاة، ولا يحفل بغير ذلك مما أنزل الله، ولا يشترط أن يكون مخلصًا في دفاعه يتحرى به وجه المنفعة العامة لا تَتَبُّع طرق المال والجاه، أرأيت هؤلاء المسلمين سياسة؟

إن أحدهم لتتلى عليه تلك الآيات والأحاديث فيصر مستكبرًا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرًا، فمنهم من يصده عنها عدم إيمانه بها وهو الذي قد يصف نفسه أو يصفه أقرانه "بالمتمدن والمتنور" ومنهم من يصدف به عنها الاتكال على شفاعة الشافعين، والغرور بالانتساب إلى الإسلام، والاعتقاد بأن النسبة إليه كافية في نيل سعادة الآخرة وعدم المؤاخذة فيها على شيء، ولا سيما الذي يسمي نفسه "محسوبًا على أحد الصالحين"، وهذا اعتقاد أكثر العامة، ولهم من مشايخ الطرق وغيرهم ما يمدهم في غيهم، ويستدرجهم في غرورهم، وما أعظم غرور من يأخذ منهم العهد، ويحافظ على الورد.

نعم إن للإسلام دولة وإن كان هو في نفسه دينًا لا جنسية، ووظيفته دولته أو حكومته إنما هي نشر دعوته، وحفظ عقائده وآدابه، وإقامة فرائضه وسنته، وتنفيذ أحكامه في داره فمن ينصر حكومة الإسلام فإنما ينصرها بمساعدتها على ذلك بالعمل به في نفسه، ويحمل غيره من حاكم ومحكوم عليه، لأنه هو المقوم والمعزز للأمة، وإنما الدولة بالأمة.

وإن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة هما أعظم شعائر الإسلام، فالصلاة هي الركن الركين لصلاح النفوس، والزكاة هي الركن الركين لصلاح الاجتماع، فإذا هدما فلا إسلام في الدولة.

ماذا كان من أثر ترك الصلاة والتهاون بالدين في المدن والقرى والمزارع؟

كان من أثره في المدن فشو الفواحش والمنكرات، تجد حانات الخمر ومواخير الفجور والرقص وبيوت القمار غاصة بخاصة الناس وعامتهم حتى في ليالي رمضان، ليالي الذكر والقرآن، وعبد الناس المال، لا يبالون أجاء من حرام أم من حلال، وانقبضت الأيدي عن أعمال الخير، وانبسطت في أفعال الشر، وزال التعاطف والتراحم، وقلت الثقة من أفراد الأمة بعضهم ببعض فلا يكاد يثق المسلم إلا بالأجنبي، وغير ذلك من فساد الأخلاق، وقبح الفعال من الأفراد، وأكبر من ذلك انحلال الروابط الملية بل تقطع أكثرها، حتى كادت الأمة تخرج عن كونها أمة حقيقية متكافلة بالمصالح الاجتماعية والتعاون على الأعمال المشتركة التي تحفظ وحدتها، وطفق بعض هؤلاء "المتمدنين" الذي قطعوا روابطها بأيديهم، يفكرون في جعل الرابطة الوطنية لأهل كل قطر بدلًا من الرابطة الملية الجامعة لأهل الأقطار الكثيرة، فلم يفلحوا ولكن أثر كلامهم أردأ التأثير في مصر، فالأمة الآن في دور الانسلاخ عما كانت به أمة بسيرة سلفها الصالحين، فتنكبها هؤلاء الذين قال الله فيهم ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  ﴾ وهذا الانسلاخ هو الغي الذي توعدهم الله تعالى به في الدنيا.

وأما أثر ذلك في القرى والمزارع فاستحلال جماهير الفلاحين لإهلاك الحرث والنسل عملًا لا قولًا، وذلك باعتداء بعضهم على زرع البعض بالقلع قبل ظهور الثمرة وبالسرقة بعدها، وعلى بهائمه بالقتل بالسم أو السلاح، بل باعتدائهم على أنفسهم بالسلب والنهب والقتل، حتى أعيا ذلك الحكومة على اهتمامها بأمرهم، فبلاد الأرياف المصرية لا أمن فيها على النفس والمال بتأمين الحكومة لأنها صارت كالبوادي التي ليس فيها حكام، لا يعتمد أحد على غير نفسه وعصبته في حفظ نفسه وحقيقته، ولو حافظ هؤلاء وأولئك على الصلوات كما أمر الله تعالى لانتهوا عن الفحشاء والمنكر بالوازع النفسي، فإن الصلاة كما يقول مختار باشا الغازي كالبوليس -"المحتسب"- الملازم يمنع من عمل السوء.

وأنَّى يحافظون عليها ومنهم الذي كفر بالله تقليدًا، ومنهم الذي آمن تقليدًا بما وجد عليه آباءه، وهو أن مرضاة الله تعالى بالنجاة من عذابه والفوز بنعيم الآخرة عنده لا تحصل إلا بواسطة أحد الأولياء الميتين، وإنما يتوسطون لمن يحتفل بموالدهم، أو يسيب لهم السوائب من البقر وغير البقر، ويقدم لأضرحتهم الهدايا والنذور، ومنهم الذي يتعلم كيفية أقوال الصلاة وأعمالها البدنية يؤدونها وهم عن الله ساهون، يراؤون الناس ويمنعون الماعون، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ  ﴾ وإنما المحافظون على الصلاة هم الذي قال فيهم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ إلخ الآيات.

المحافظ على هذه الصلاة الفضلى ينتهي عن الفحشاء والمنكر، فلا يرضى لنفسه أن يكون حلسًا من أحلاس بيوت القمار ومعاهد اللهو والفسق.

المحافظ على هذه الصلاة لا يمنع الماعون، بل يبذل معونته ورفده لمن يراه مستحقًا لهما.

المحافظ على هذه الصلاة لا يخلف ولا يلوي في حق غيره عليه، وإن حقًا فرضه على نفسه، أو التزمه برًا بغيره، كالاشتراك في الجمعيات الخيرية.

المحافظ على هذه الصلاة لا يضيع حقوق أهله وعياله، ولا حقوق أقاربه وجيرانه، ولا حقوق معامليه وإخوانه.

المحافظ على هذه الصلاة يعظم الحق وأهله، ويحتقر الباطل وجنده، فلا يرضى لنفسه ولا لأمته بالذل والهوان، ولا يعتز بأهل البغي والعدوان.

المحافظ على هذه الصلاة لا تجزعه النوائب، ولا تفل غرار عزمه المصائب، ولا تبطره النعم، ولا تقطع رجاءه النقم، ولا تعبث به الخرافات والأوهام، ولا تطير به رياح الأماني والأحلام، فهو الإنسان الكامل الذي يؤمن شره، ويرجى في الناس خيره، ولو أن فينا طائفة من المصلين الخاشعين، لأقمنا بهم الحجة على المارقين والمرتابين.

ولكن المحافظ على الصلوات والصلاة الوسطى مع القنوت والخشوع قد صار أندر من الكبريت الأحمر، ومن عرفه لا يصدق أن للصلاة يدًا في آدابه العالية، واستقامته في السر والعلانية.

﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا  ﴾ أي فإن خفتم أن تقوموا لله فيها قانتين مجتمعين فيفتنكم الأعداء بهجومهم عليكم، أو إن خفتم أي خطر أو ضرر من قيامكم قانتين فصلوا كيفما تيسر لكم راجلين أو راكبين، فالرجال جمع راجل وهو الماشي والركبان جمع راكب.

هذا تأكيد للمحافظة وبيان أن الصلاة لا تسقط بحال، لأن حال الخوف على النفس، أو العرض، أو المال هو مظنة العذر في الترك، كما لا يكون السفر عذرًا في ترك الصيام، وكالأعذار الكثيرة لترك صلاة الجمعة، واستبدال صلاة الظهر بها، والسبب في عدم سقوط الصلاة عن المكلف بحال؛ أنها عمل قلبي، وإنما فرضت فيها تلك الأعمال الظاهرة لأنها مساعدة على العمل القلبي المقصود بالذات، وهو تذكر سلطان الله تعالى المستولي علينا وعلى العالم كله، ومن شأن الإنسان إذا أراد عملًا قلبيًا يجتمع فيه الفكر، ويصح فيه توجه النفس وحضور النفس، أن يستعين على ذلك ببعض ما يناسبه من قول وعمل.

ولا ريب أن هذه الهيأة التي اختارها الله تعالى للصلاة هي أفضل معين على استحضار سلطانة، وتذكر كرمه وإحسانه، فإن قولك "الله أكبر" في فاتحة الصلاة وعند الانتقال فيها من عمل إلى عمل يعطيك من الشعور بكون الله أكبر وأعظم من كل شيء تشغل به نفسك وتوجه إليه همك، ما يغمر روحك، ويستولي على قلبك وإرادتك، وفي قراءة الفاتحة من الثناء على الله تعالى وتذكر رحمته وربوبيته ومعاهدته على اختصاصك إياه بالعبادة والاستعانة، ومن دعائه لأن يهديك صراطه الذي استقام عليه من سبقت لهم منه النعمة من عباده الصالحين ما فيها مما تقدم شرحه في تفسيرها، وكل ما تقرأه من القرآن بعد الفاتحة له في نفس آثار محمودة تختلف باختلاف ما في القرآن من المعارف العالية، والحكمة البالغة، والعبر العظيمة، والهداية القويمة، وانحناؤك للركوع وللسجود بعد ذلك يقوي في النفس معنى العبودية، وتذكر عظمة الألوهية ونعم الربوبية، لما في هذين العملين من علامة الخضوع والخروج عن المألوف، وما شرع فيهما من تسبيح الله، وتذكر عظمته وعلوه جل ثناؤه.

فإذا تعذر عليك الإتيان ببعض الأعمال البدنية، فإن ذلك لا يسقط عنك هذه العبادة القلبية، التي هي روح الصلاة وغيرها وهي الإقبال على الله تعالى واستحضار سلطانه مع الإشارة إلى تلك الأعمال بقدر الإمكان، الذي لا يمنع من مدافعة الخوف الطارئ من سبع مفترس، أو عدو مغتال، أو لص محتال، وكيف يسقط طلب الصلاة القلبية في حال الخوف وهو يساعد على الخروج منه، أو تخفيف وقعه، فالآية تعلمنا أنه يجب أن لا يذهلنا عن الله شيء من الأشياء، ولا يشغلنا عنه شاغل ولا خوف في حال من الأحوال، ولذلك قال ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا  ﴾ أي فصلوا مشاة أو راكبين كيفما اتفق وهذا في حال الملاحمة في القتال أو مقاومة العدو ودفع الصائل أو الفرار من الأسد، أي ممارسة ذلك بالفعل، فإن كان الوقت وقت صلاة صلى المكلف راجلًا أو راكبًا لا يمنعه من صلاته الكر والفر، ولا الطعن والضرب، ويأتي من أقوال الصلاة بما يأتي مع الحضور والذكر ويومئ بالركوع والسجود بقدر الاستطاعة، ولا يلتزم التوجه إلى القبلة.

وأما صلاة الخوف في غير هذه الحالة كصلاة الجند المعسكر بإزاء العدو جماعة فهي مذكورة في سورة النساء.

﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ  ﴾ أي زال خوفكم وأطمأننتم فاذكروا الله لأنه علمكم كيف تعبدونه وتصلون له في حال الخوف، فيكون ذلك عونًا لكم على دفعه أي تذكروا نعمه عليكم بهذا التعليم واشكروه له، هذا إذا قيل إن الكاف للتعليل، وإذا قلنا إن الكاف للبدلية فالمعنى فاذكروه على الطريقة التي علمكم إياها من قبل، أي فصلوا على السنة المعروفة في الأمن بإتمام القيام والاستقبال والركوع والسجود.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر