الآية ٢٤١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤١ من سورة البقرة

وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ٢٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما نزل قوله : ( متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) [ البقرة : 236 ] قال رجل : إن شئت أحسنت ففعلت وإن شئت لم أفعل .

فأنزل الله هذه الآية : ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة ، سواء كانت مفوضة أو مفروضا لها أو مطلقا قبل المسيس أو مدخولا بها ، وهو قول عن الشافعي ، رحمه الله .

وإليه ذهب سعيد بن جبير .

وغيره من السلف واختاره ابن جرير .

ومن لم يوجبها مطلقا يخصص من هذا العموم بمفهوم قوله : ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) وأجاب الأولون : بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم فلا تخصيص على المشهور المنصوص ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ذكره وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولمن طلق من النساء على مطلقها من الأزواج،" متاع ".

يعني بذلك: ما تستمتع به من ثياب وكسوة أو نفقة أو خادم، وغير ذلك مما يستمتع به.

وقد بينا فيما مضى قبل معنى ذلك, واختلاف أهل العلم فيه، والصواب من القول من ذلك عندنا، بما فيه الكفاية من إعادته.

(159) * * * وقد اختلف أهل العلم في المعنية بهذه الآية من المطلقات.

فقال بعضهم: عني بها الثيِّبات اللواتي قد جومعن.

قالوا: وإنما قلنا ذلك، لأن [الحقوق اللازمة للمطلقات] غير المدخول بهن في المتعة، (160) قد بينها الله &; 5-263 &; تعالى ذكره في الآيات قبلها, فعلمنا بذلك أن في هذه الآية بيان أمر المدخول بهن في ذلك.

* ذكر من قال ذلك: 5590- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى بن ميمون, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء في قوله: " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين "، قال: المرأة الثيب يمتعها زوجها إذا جامعها بالمعروف.

5591- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله= وزاد فيه: ذكره شبل, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء.

* * * وقال آخرون: بل في هذه الآية دلالة على أن لكل مطلقة متعة، وإنما أنـزلها الله تعالى ذكره على نبيه صلى الله عليه وسلم، لما فيها من زيادة المعنى الذي فيها على ما سواها من آي المتعة, إذ كان ما سواها من آي المتعة إنما فيه بيان حكم غير الممسوسة إذا طلقت, وفي هذه بيان حكم جميع المطلقات في المتعة.

* ذكر من قال ذلك: 5592- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب, عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين "، قال: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقا على المتقين.

5593- حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا يونس، عن الزهري- في الأمة يطلقها زوجها وهي حبلى- قال: تعتد في بيتها.

وقال: لم أسمع في متعة المملوكة شيئا أذكره, (161) وقد قال الله تعالى ذكره: " متاع بالمعروف حقا على المتقين "، ولها المتعة حتى تضع.

&; 5-264 &; 5594- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى (162) قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا ابن جريج, عن عطاء قال: قلت له: أللأمة من الحر متعة؟

قال: لا.

قلت: فالحرة عند العبد؟

قال: لا= وقال عمرو بن دينار: نعم," وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ".

* * * وقال آخرون: إنما نـزلت هذه الآية, لأن الله تعالى ذكره لما أنـزل قوله : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [سورة البقرة: 236]، قال رجل من المسلمين: فإنا لا نفعل إن لم نرد أن نحسن.

فأنـزل الله: " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين "، فوجب ذلك عليهم.

* ذكر من قال ذلك: 5595- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ، فقال رجل: فإن أحسنت فعلت, وإن لم أرد ذلك لم أفعل!

فأنـزل الله: " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ".

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله سعيد بن جبير, من أن الله تعالى ذكره أنـزلها دليلا لعباده على أن لكل مطلقة متعة.

لأن الله تعالى ذكره ذكر في سائر آي القرآن التي فيها ذكر متعة النساء، خصوصا من النساء, فبين في الآية التي قال فيها: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [سورة البقرة: 236]، وفي قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا &; 5-265 &; إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [سورة الأحزاب: 49]، ما لهن من المتعة إذا طلقن قبل المسيس, وبقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ [سورة الأحزاب: 28]، حكم المدخول بهن، وبقي حكم الصبايا إذا طلقن بعد الابتناء بهن, وحكم الكوافر والإماء.

فعم الله تعالى ذكره بقوله: " وللمطلقات متاع بالمعروف " ذكر جميعهن, وأخبر بأن لهن المتاع, كما خص المطلقات الموصوفات بصفاتهن في سائر آي القرآن، (163) ولذلك كرر ذكر جميعهن في هذه الآية.

* * * وأما قوله: ( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ )، فإنا قد بينا معنى قوله: " حقا ", ووجه نصبه, والاختلاف من أهل العربية في قوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [سورة البقرة: 236]، ففي ذلك مستغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(164) * * * فأما " المتقون ": فهم الذين اتقوا الله في أمره ونهيه وحدوده, فقاموا بها على ما كلفهم القيام بها خشية منهم له, ووجلا منهم من عقابه.

وقد تقدم بيان تأويل ذلك نصا بالرواية.

(165) --------------- الهوامش : (159) انظر معنى"المتاع" فيما سلف 1 : 539 ، 540 /ثم 3 : 53-55 /ثم الموضع الذي عناه الطبري هنا : 120-135 .

(160) في المخطوطة : "لأن غير المدخول بهن" ، وبينهما بياض ، فجاءت المطبوعة وصلت الكلام : "لأن غير المدخول بهن" فاختلت الجملة ، واستظهرت ما زدته بين القوسين من معنى الآيات .

(161) في المطبوعة : "وقال : لم أسمع .

.

.

" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(162) في المخطوطة والمطبوعة : "هناد بن موسى" ، وليس في الرواة أحد بهذا الاسم .

والصواب ما أثبت/ انظر الأثر قبله رقم : 5593 ، وفي مواضع كثيرة قبل ذلك بمثل هذا الإسناد .

(163) في المطبوعة : "كما أبان المطلقات .

.

.

" ، وفي المخطوطة : "كما المطلقات" وما بين الكلامين بياض ، واستظهرت من قوله : "نعم الله تعالى .

.

.

" ، أن اللفظ الناقص في البياض هو"خص" ، أو معنى يشبهه ويقاربه .

(164) انظر ما سلف في هذا الجزء : 137 ، 138 .

(165) انظر فهارس اللغة فيما سلف مادة"وقى" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقيناختلف الناس في هذه الآية ، فقال أبو ثور : هي محكمة ، والمتعة لكل مطلقة ، وكذلك قال الزهري .

قال الزهري : حتى للأمة يطلقها زوجها .

وكذلك قال سعيد بن جبير : لكل مطلقة [ ص: 209 ] متعة وهو أحد قولي الشافعي لهذه الآية .

وقال مالك : لكل مطلقة - اثنتين أو واحدة بنى بها أم لا ، سمى لها صداقا أم لا - المتعة ، إلا المطلقة قبل البناء وقد سمى لها صداقا فحسبها نصفه ، ولو لم يكن سمى لها كان لها المتعة أقل من صداق المثل أو أكثر ، وليس لهذه المتعة حد ، حكاه عنه ابن القاسم .

وقال ابن القاسم في إرخاء الستور من المدونة ، قال : جعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة بهذه الآية ، ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة ، وزعم ابن زيد أنها نسختها .

قال ابن عطية : ففر ابن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع ، بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم ، وإذا التزم ابن القاسم أن قوله : ( وللمطلقات ) يعم كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولابد .

وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : هذه الآية في الثيبات اللواتي قد جومعن ، إذ تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن ، فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في العموم .

فهذا يجيء على أن قوله تعالى :وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن مخصصة لهذا الصنف من النساء ، ومتى قيل : إن هذا العموم يتناولها فذلك نسخ لا تخصيص .

وقال الشافعي في القول الآخر : إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثم مسيس ولا فرض ؛ لأن من استحقت شيئا من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة .

وقول الله عز وجل في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم : فتعالين أمتعكن محمول على أنه تطوع من النبي صلى الله عليه وسلم ، لا وجوب له .

وقوله : فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن محمول على غير المفروضة أيضا ، قال الشافعي : والمفروض لها المهر إذا طلقت قبل المسيس لا متعة لها ؛ لأنها أخذت نصف المهر من غير جريان وطء ، والمدخول بها إذا طلقت فلها المتعة ؛ لأن المهر يقع في مقابلة الوطء والمتعة بسبب الابتذال بالعقد .

وأوجب الشافعي المتعة للمختلعة والمبارئة .

وقال أصحاب مالك : كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطي ، فكيف تأخذ متاعا!

لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق ، دخل بها أم لا ، سمى لها صداقا أم لا ، وقد مضى هذا مبينا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقا على كل متق، جبرا لخاطرها وأداء لبعض حقوقها، وهذه المتعة واجبة على من طلقت قبل المسيس، والفرض سنة في حق غيرها كما تقدم، هذا أحسن ما قيل فيها، وقيل إن المتعة واجبة على كل مطلقة احتجاجا بعموم هذه الآية، ولكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيّد، وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) إنما أعاد ذكر المتعة هاهنا لزيادة معنى وذلك أن في غيرها بيان حكم غير الممسوسة وفي هذه الآية بيان حكم جميع المطلقات في المتعة وقيل : إنه لما نزل قوله تعالى : ( ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) إلى قوله ( حقا على المحسنين ) ( 236 - البقرة ) قال رجل من المسلمين : إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل فقال الله تعالى : ( وللمطلقات متاع ) جعل المتعة لهن بلام التمليك فقال : ( حقا على المتقين ) يعني المؤمنين المتقين الشرك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وللمطلّقات متاع» يعطينه «بالمعروف» بقدر الإمكان «حقّا» نصب بفعله المقدر «على المتقين» الله تعالى كرره ليعم الممسوسة أيضا إذ الآية السابقة في غيرها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وللمطلقات متاع من كسوة ونفقة على الوجه المعروف المستحسن شرعًا، حقًا على الذين يخافون الله ويتقونه في أمره ونهيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حق المطلقات فقال : ( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين ) أي وللمطلقات على أزواجهن الذين طلقوهن متاع بالمعروف أي شيء ينتفع به انتفاعاً ممتدا لمدة من الوقت مما تعارف العقلاءي عليه وعلى فائدته للمرأة ، وهذا المتاع جعله الله حقا على المتقين الذين يصونون أنفسهم عن كل ما يبغضه الله - تعالى - .وقد جعل الله هذا الحق للمطلقة على مطلقها جبراً لوحشة الفراق وإزالة لما قد يكون بين الزوجين من شقاق ، وتخفيفاً لما قد يحيط بجو الطلاق من تنافر وتخاصم وعدم وفاق .وقال ابن كثير : وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة سواء أكانت مفوضة ، أو مفروضاً لها ، أو مطلقة قبل المسيس ، أو مدخولا بها .

وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السلف واختاره ابن جرير ، وهو قول عن الشافعي .وعلى هذا التفسير يكون المراد بالمتاع ما يعطيه الرجل لامرأته التي طلقها زيادة عن الحقوق المقررة لها شرعا ليكون التسريح بإحسان .ومن العلماء من يرى أن المراد بالمتاع هنا النفقة التي تكون للمطلقة في العدة قال الفخر الرازي : واعلم أن المراد بالمتاع ههنا فيه قولان :أنه هو المتعة فظاهر هذه الآية يقتضي وجوب هذه المتعة لكل المطلقات .والقول الثاني " أن المراد بهذه المتعة النفقة ، والنفقة قد تسمى متاعا ، وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى " .ويظهر أن مراد الفخر الرازي بقوله : " اندفع التكرار " أي ما بين هذه الآية التي سبقة وهي قوله - تعالى - : ( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين ) ولك أن تقول : إنه لا تكرار مع إرادة المتعة التي ليست هي النفقة لأنه في السابقة بين أنها حق للمرأة حين تلطق ولم يكن قد قدر لها حق في المتعة إذا لم يوص لها زوجها بالنفقة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الثامن عشر: في المطلقات: يروى أن هذه الآية إنما نزلت، لأن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى: ﴿ وَمَتّعُوهُنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿ حَقّاً عَلَى المحسنين  ﴾ قال رجل من المسلمين: إن أردت فعلت، وإن لم أرد لم أفعل، فقال تعالى: ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين ﴾ يعني على كل من كان متقياً عن الكفر، واعلم أن المراد من المتاع هاهنا فيه قولان أحدهما: أنه هو المتعة، فظاهر هذه الآية يقتضي وجوب هذه المتعة لكل المطلقات، فمن الناس من تمسك بظاهر هذه الآية وأوجب المتعة لجميع المطلقات، وهو قول سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري قال الشافعي رحمه الله تعالى: لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها مهر ولم يوجد في حقها المسيس، وهذه المسألة قد ذكرناها في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ  ﴾ .

فإن قيل: لم أعيد هاهنا ذكر المتعة مع أن ذكرها قد تقدم في قوله: ﴿ وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ ﴾ .

قلنا: هناك ذكر حكماً خاصاً، وهاهنا ذكر حكماً عاماً.

والقول الثاني: أن المراد بهذه المتعة النفقة، والنفقة قد تسمى متاعاً وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى، وهاهنا آخر الآيات الدالة على الأحكام، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وللمطلقات متاع ﴾ عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المطلقة غير المدخول بها، وقال: ﴿ حَقّا عَلَى المتقين ﴾ كما قال ثمة: ﴿ حقا على المحسنين ﴾ .

وعن سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري: أنها واجبة لكل مطلقة.

وقيل قد تناولت التمتيع الواجب والمستحب جميعاً.

وقيل: المراد بالمتاع نفقة العدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ أثْبَتَ المُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقاتِ جَمِيعًا بَعْدَ ما أوْجَبَها لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ، وإفْرادُ بَعْضِ العامِّ بِالحُكْمِ لا يُخَصِّصُهُ إلّا إذا جَوَّزْنا تَخْصِيصَ المَنطُوقِ بِالمَفْهُومِ ولِذَلِكَ أوْجَبَها ابْنُ جُبَيْرٍ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وأوَّلَ غَيْرُهُ بِما يَعُمُّ التَّمْتِيعَ الواجِبَ والمُسْتَحَبَّ.

وقالَ قَوْمٌ المُرادُ بِالمَتاعِ نَفَقَةُ العِدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعَهْدِ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِتَكَرُّرِ القَضِيَّةِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ والعِدَّةِ.

﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ﴾ وعْدٌ بِأنَّهُ سَيُبَيِّنُ لِعِبادِهِ مِنَ الدَّلائِلِ والأحْكامِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مَعاشًا ومَعادًا.

﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ لَعَلَّكم تَفْهَمُونَها فَتَسْتَعْمِلُونَ العَقْلَ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وللمطلقات متاع} أي نفقة العدة {بالمعروف حَقّا} نصب على المصدر {عَلَى المتقين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِلْمُطَلَّقاتِ ﴾ سَواءٌ كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ أوْ لا ﴿ مَتاعٌ ﴾ أيْ: مُطْلَقُ المُتْعَةِ الشّامِلَةِ الواجِبَةِ والمُسْتَحَبَّةِ، وأوْجَبَها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، والزُّهْرِيُّ لِلْكُلِّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَتاعِ نَفَقَةُ العِدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلْعَهْدِ؛ أيِ: المُطَلَّقاتِ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، وهُنَّ غَيْرُ المَمْسُوساتِ وغَيْرِ المَفْرُوضِ لَهُنَّ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّصْرِيحُ بِما هو أظْهَرُ في الوُجُوبِ، وهَذا هو الأوْفَقُ بِمَذْهَبِنا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ ﴾ قالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى القَوْلِ بِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ مُخَصَّصَةٌ بِمَفْهُومِها مَنطُوقَ هَذِهِ الآيَةِ المُعَمَّمَةِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، ولا إلى القَوْلِ بِنَسْخِ هَذِهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ المُسَيِّبِ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الإمامِيَّةِ ﴿ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلِ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ لِلْأحْكامِ السّابِقَةِ ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ﴾ الدّالَّةَ عَلى ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ؛ مَعاشًا ومَعادًا ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ تُكْمَلَ عُقُولُكُمْ، أوْ لِكَيْ تَصْرِفُوا عُقُولَكم إلَيْها، أوْ لِكَيْ تَفْهَمُوا ما أُرِيدَ مِنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً، أي يموتون ويتركون نساءهم من بعدهم وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ، أي يوصون لنسائهم.

قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم «وَصِيَّةٌ» بالضم، يعني عليهم وصية وقرأ الباقون: بالنصب، يعني يوصون وصية لأزواجهم.

مَتاعاً، أي نفقة وكسوة إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ، يقول: لا يخرجن من بيوت أزواجهن.

وهذا في أول الشريعة كانت العدة حولاً وهكذا كان في الجاهلية.

ألا ترى إلى قول لبيد: وَهُمُ رَبِيعٌ لِلمُجَاوِرِ فِيهِم ...

وَالمُرْمِلاتِ إِذَا تَطَاوَلَ عَامُهَا ثم نسخ ما زاد على الأربعة أشهر وعشراً، ونسخت الوصية للأزواج بقول النبي  : «لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» .

ويقال: نسخ بآية الميراث.

ثم قال تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ، يعني من الزينة يحتمل أنه أراد به الخروج بعد مضي السنة، ويحتمل الخروج في السنة إذا خرجت بعذر في أمر لا بدلها منه.

وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وقد ذكرناها.

وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ.

والمطلقات أربع: مطلقة يسمى لها مهراً، ومطلقة لم يسم لها مهراً، ومطلقة دخل بها، ومطلقة لم يدخل بها، فالمتعة لا تكون واجبة إلا لمطلقة واحدة وهي التي لم يسم لها مهراً وطلقها قبل الدخول.

كما ذكر في الآية التي سبق ذكرها وفي سائر المطلقات المتعة مستحبة وليست بواجبة.

حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، أي واجباً على المتقين، وذلك فيما بينه وبين الله تعالى، فلا يجب عليه إلا في المطلقة التي ذكرنا.

كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ، يعني أمره ونهيه، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ما أمرتم به.

ويقال: آياته يعني دلائله.

ويقال: آيات القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الله صلّى الله عليه وسلم إلى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ، قَالَ: «اذهب فاقتله» ، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرْتُ صَلاَةَ العَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ، فانطلقت أَمْشِيَ وأنا أصلّي أومئ إِيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِي: «مَنْ أَنْتَ» ؟

قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِي ذَلِكَ، قَالَ: إِنِّي لَفِي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حتى إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حتى بَرَدَ» «١» .

انتهى، وقد ترْجَم عليه «بَابٌ فِي صَلاَةِ الطَّالِبِ» .

قال ع «٢» : واختلف النَّاس، كَمْ يصلِّي من الركعات؟

والذي عليه مالكٌ وجماعةٌ: أنه لا ينقصُ من عدد الركعاتِ شيئاً، فيصلِّي المسافر ركعتَيْن.

واختلف المتأوِّلون في قوله سبحانه: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ...

الآية: فقالَتْ فرقةٌ: المعنى: إِذا زال خَوْفُكُم، فاذكروا اللَّه سبحانه بالشُّكْر على هذه النعمة، وقالتْ فرقة: اذكروا اللَّه، أي: صَلُّوا كما علمتم صلاةً تامَّة، يعني فيما يستقبل من الصّلوات.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ ٦٠ ب غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ/ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: الَّذِينَ: رَفْعٌ بالاِبتداء، وخبره مضمرٌ، تقديره: فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، وفي قراءة ابن مسعود «٣» : كُتِبَ عليكُمْ وصيَّةً، قالت فرقة: كانَتْ هذه وصيَّةً من اللَّه تعالى تَجِبُ بعد وفاة الزوْجِ، قال قتادة: كانتِ المرأةُ إِذا تُوُفِّيَ عنها زوجُها، لها السكنى والنفقة حولاً في مال الزَّوْج، ما لم تخرجْ برأْيها «٤» ، ثم نُسِخَ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثّمن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ ﴾ قَدْ سَبَقَ الكَلامُ في المُتْعَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ.

فَقالَ أبُو ثَوْرٍ: هي مُحْكَمَةٌ، والمُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، دَخَلَ بِها أو لَمْ يَدْخُلْ، فُرِضَ لَها أو لَمْ يُفْرَضْ بِهَذِهِ الآيَةِ.

وقالَ الزُهْرِيُّ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ، ولِلْأمَةِ يُطَلِّقُها زَوْجُها.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ في إرْخاءِ السُتُورِ مِنَ "المُدَوَّنَةِ": جَعَلَ اللهُ تَعالى المَتاعَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى في الآيَةِ الأُخْرى الَّتِي قَدْ فَرَضَ لَها، ولَمْ يَدْخُلْ بِها، فَأخْرَجَها مِنَ المُتْعَةِ، وزَعَمَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ أنَّها نَسَخَتْها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَفَرَّ ابْنُ القاسِمِ مِن لَفْظِ النَسْخِ إلى لَفْظِ الِاسْتِثْناءِ، والِاسْتِثْناءُ لا يَتَّجِهُ في هَذا المَوْضِعِ، بَلْ هو نَسْخٌ مَحْضٌ، كَما قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وإذا التَزَمَ ابْنُ القاسِمِ أنَّ قَوْلَهُ: "وَلِلْمُطَلَّقاتِ" عَمَّ كَلَّ مُطَلَّقَةٍ، لَزِمَهُ القَوْلُ بِالنَسْخِ ولا بُدَّ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُ: هَذِهِ الآيَةُ في الثَيِّبِ اللَواتِي قَدْ جُومِعْنَ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُتْعَةِ للَّواتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، فَهَذا قَوْلٌ بِأنَّ الَّتِي قَدْ فُرِضَ لَها قَبْلَ المَسِيسِ لَمْ تَدْخُلْ قَطُّ في هَذا العُمُومِ، فَهَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ  ﴾ مُخَصَّصَةٌ لِهَذا الصِنْفِ مِنَ النِساءِ، ومَتى قِيلَ: إنَّ العُمُومَ تَناوُلَها، فَذَلِكَ نَسْخٌ لا تَخْصِيصٌ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ مُؤَكِّدَةً لِأمْرِ المُتْعَةِ، لِأنَّهُ نَزَلَ قَبْلَ ﴿ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ فَوَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا الإيجابُ هو مِن تَأْوِيلِ الطَبَرِيِّ لا مِن لَفْظِ ابْنِ زَيْدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "حَقًّا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و"المُتَّقِينَ" هُنا ظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ مَن تَلَبَّسَ بِتَقْوى اللهِ تَعالى، والكافُ في قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" لِلتَّشْبِيهِ، و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى هَذا الشَرْحِ، والتَنْوِيعِ الَّذِي وقَعَ في النِساءِ وإلى إلْزامِ المُتْعَةِ لَهُنَّ، أيْ كَبَيانِهِ هَذِهِ القِصَّةَ يُبَيِّنُ سائِرَ آياتِهِ، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، ومَن رَأى هَذا المُبَيِّنَ لَهُ رَجا أنْ يَعْقِلَ ما يُبَيِّنُ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ [البقرة: 240] جُعل استيفاء لأحكام المتعة للمطلقات، بعد أن تقدم حكم متعة المطلقات قبل المسيس وقبل الفرض، فعمم بهذه الآية طلب المتعة للمطلقات كلهن، فاللام في قوله: ﴿ وللمطلقات متاع ﴾ لام الاستحقاق.

والتعريف في المطلقات يفيد الاستغراق، فكانت هذه الآية قد زادت أحكاماً على الآية التي سبقتها.

وعن جابر بن زيد قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿ ومتعوهن على الموسع قدره ﴾ إلى قوله: ﴿ حقا على المحسنين ﴾ [البقرة: 236] قال رجل: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فنزل قوله تعالى: ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ﴾ فجعلها بيانا للآية السابقة، إذ عوض وصف المحسنين بوصف المتقين.

والوجه أن اختلاف الوصفين في الآيتين لا يقتضي اختلاف جنس الحكم باختلاف أحوال المطلقات، وأن جميع المتعة من شأن المحسنين والمتقين، وأن دلالة صيغة الطلب في الآيتين سواء إن كان استحباباً أو كان إيجاباً.

فالذين حملوا الطلب في الآية السابقة على الاستحباب، حملوه في هذه الآية على الاستحباب بالأولى، ومعولهم في محمل الطلب في كلتا الآيتين ليس إلا على استنباط علة مشروعية المتعة وهي جبر خاطر المطلقة استبقاء للمودة، ولذلك لم يستثن مالك من مشمولات هذه الآية إلا المختلعة؛ لأنها هي التي دعت إلى الفرقة دون المطلق.

والذين حملوا الطلب في الآية المتقدمة على الوجوب، اختلفوا في محمل الطلب في هذه الآية فمنهم من طرد قوله بوجوب المتعة لجميع المطلقات، ومن هؤلاء عطاء وجابر بن زيد وسعيد ابن جبير وابن شهاب والقاسم بن محمد وأبو ثور، ومنهم من حمل الطلب في هذه الآية على الاستحباب وهو قول الشافعي، ومرجعه إلى تأويل ظاهر قوله: ﴿ وللمطلقات ﴾ بما دل عليه مفهوم قوله في الآية الأخرى ﴿ ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ [البقرة: 236].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ الآيَةَ.

أمّا الوَصِيَّةُ فَقَدْ كانَتْ بَدَلَ المِيراثِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وأمّا الحَوْلُ فَقَدْ كانَتْ عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، ونُسِخَتْ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ....

والثّانِي: أنَّها لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.

وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ وهو أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا قالَ: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ ﴾ فَقالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وإنَّما خَصَّ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ - وإنْ كانَ عامًّا - تَشْرِيفًا لَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزل قوله: ﴿ متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين ﴾ قال رجل: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله: ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية التي بعدها قوله: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ﴾ [ البقرة: 237] نسخت ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف ﴾ .

وأخرج عن عتاب بن خصيف في قوله: ﴿ للمطلقات متاع ﴾ قال: كان ذلك قبل الفرائض.

وأخرج مالك وعبد الرزاق والشافعي وعبد بن حميد والنحاس في ناسخه وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متعة إلا التي يطلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعاً.

وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: لكل مؤمنة طلقت حرة أو أمة متعة، وقرأ ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين ﴾ .

وأخرج البيهقي عن جابر بن عبدالله قال: «لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لزوجها.

متعها.

قال: لا أجد ما أمتعها.

قال: فإنه لا بد من المتاع، متعها ولو نصف صاع من تمر» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين ﴾ قال: لكل مطلقة متعة.

وأخرج عبد بن حميد عن يعلى بن حكيم قال: قال رجل لسعيد بن جبير: المتعة على كل أحد هي؟

قال: لا.

قال: فعلى من هي؟

قال: على المتقين.

وأخرج البيهقي عن قتادة قال: طلق رجل امرأته عند شريح فقال له شريح: متعتها؟

فقالت المرأة: إنه ليس لي عليه متعة، إنما قال الله: ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين ﴾ وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المحسنين، وليس من أولئك.

وأخرج البيهقي عن شريح أنه قال لرجل فارق امرأته: لا تأبَ أن تكون من المتقين، لا تأبَ أن تكون من المحسنين.

وأخرج الشافعي عن جابر بن عبدالله قال: نفقة المطلقة ما لم تحرم، فإذا حرمت فمتاع بالمعروف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ قال ابن زيد: إنما نزلت هذه الآية؛ لأن الله سبحانه لما أنزل قوله: ﴿ وَمَتِعُوهُنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ  ﴾ ، قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذاك لم أفعل، فقال الله تعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ (١) (٢) والناس طوائف مختلفة في هذا.

فطائفة تقول: لكل مطلقة متعة كائنة من كانت، وعلى أي وجه وقع الطلاق، وهو قول الحسن (٣) (٤) (٥) وطائفة تقول: المتعة واجبة لكل مطلقة إلا المطلقة المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول، إنما لها نصف المسمى فقط (٦) وقال بعضهم: ليس شيء من ذلك بواجب، وإنما المتعة إحسان، والأمر بها أمر (٧) (٨) روي أن امرأة خاصمت إلى شريح في المتعة فقال شريح للزوج: (لا تأب أن تكون من المحسنين (٩) (١٠) قال المفسرون: إنما أعيد هاهنا ذكر المتعة؛ لأنه ذُكر في غير هذه الآية خاصًّا وذكر هاهنا عامًّا (١١) (١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 584 - 585، وذكره في "تفسير الثعلبي" 2/ 1292.

(٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1292.

(٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 70، وسعيد بن منصور في "سننه" 2/ 72، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 154، والطبري 2/ 532، ابن أبي حاتم 2/ 444.

(٤) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 2/ 29، والطبري في "تفسيره" 2/ 584.

(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 154، والطبري في "تفسيره" 2/ 532، وابن أبي حاتم 2/ 454.

(٦) وهذا قول ابن عمر ونافع وعطاء ومجاهد ومذهب الشافعي.

ينظر "الموطأ" 2/ 573، وعبد الرزاق في "المصنف" 7/ 68، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 154، والطبري في "تفسيره" 2/ 532، والأم 5/ 63، و"أحكام القرآن" للشافعي ص216، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1184 - 1185.

(٧) ليست في (ش).

(٨) ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 194، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 428، "تفسير الثعلبي" 2/ 1186.

(٩) سقطت من (ش).

(١٠) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 71، وسعيد بن منصور 2/ 28، ووكيع في "أخبار القضاة" 2/ 327، والطبري 2/ 534، ابن أبي حاتم 2/ 443.

(١١) "تفسير الطبري" 2/ 583 - 584، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1292، و"تفسير البغوي" 1/ 291.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأزواجهم ﴾ هذه الآية منسوخة ومعناها: أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تقيم في منزله سنة وينفق عليها من ماله، وذلك وصية لها ثم نسخ إقامتها سنة بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالربع أو الثمن الذي لها في الميراث حسبما ذكر في سورة النساء، وإعراب وصية مبتدأ، وأزواجهم خبر، أومضمر تقديره: فعليهم وصية، وقرئت بالنصب على المصدر، تقديره: ليوصوا وصية، ومتاعاً نصب على المصدر ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ أي ليس لأولياء الميت إخراج المرأة ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ ﴾ معناه إذا كان الخروج من قبل المرأة فلا جناح على أحد فيما فعلت في نفسها من تزوّج وزينة ﴿ وللمطلقات متاع ﴾ عام في إمتاع كل مطلقة، وبعمومه أخذ أبو ثور، واستثنى الجمهور المطلقة قبل الدخول، وقد فرض لها بالآية المتقدمة منه، واستثنى مالك المختلعة والملاعنة ﴿ حَقّاً عَلَى المتقين ﴾ يدل على وجول المتعة وهي الإحسان للمطلقات.

لأن التقوى واجبة ولذلك قال بعضهم: نزلت مؤكدة للمتعة لأنه نزل قبلها حقاً على المحسنين، فقال رجل: فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع، فنزلت: حقاً على المتقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وصية ﴾ بالنصب: أبو عمر وابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب غير روبس.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ قانتين ﴾ ه ﴿ أو ركباناً ﴾ ج لأن "إذا" في معنى الشرط مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ج لانقطاع النظم ومكان الحذف لأن التقدير فعليهم وصية أو فليوصوا وصية، والوصل أجوز لاتصال المعنى فإن وصية أو وصية قام مقام خبر المبتدأ.

﴿ إخراج ﴾ ج ﴿ من معروف ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ .

التفسير: الحكم السابع عشر: الصلاة، وذلك أنه  لما بين للمكلفين ما بين من معالم الدين وشعائر اليقين أعقبها بذكر الصلاة التي تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى وزوال التمرد وحصول الانقياد لأوامره والانتهاء عن مناهيه تحصيلاً لسعادة الطرفين وتكميلاً لمصالح الدارين.

وقد أجمع المسلمون على أن الصلوات المكتوبة خمس، وفي الآية إشارة إلى ذلك لأن الصلوات جمع فأقلها ثلاث، والصلاة الوسطى تدل على شيء زائد والإلزام التكرار، وذلك الزائد لو كان الرابع لم يكن للمجموع وسطى فلا أقل من خمسة.

والمراد بمحافظتها رعاية جميع شرائطها من طهارة البدن والثوب والمكان، ومن ستر العورة واستقبال القبلة والإتيان بأركانها وأبعاضها وهيآتها والاحتراز عن مفسداتها من أعمال القلب وأعمال اللسان والجوارح.

ومعنى المفاعلة في المحافظة إما لأنها بين العبد والرب كأنه قيل: احفظ الصلاة يحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة كقوله ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ وفي الحديث "احفظ الله يحفظك" وإما لأنها بين المصلي والصلاة فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن المناهي ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ وحفظته عن الفتن والمحن ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ وكيف لا وفي الصلاة القراءة والقرآن شافع مشفع.

في الخبر "تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان فتشهدان وتشفعان" و "إن سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه" وفي الصلاة الوسطى سبعة أقوال: الأول: أنه  أمرنا بالمحافظة على الصلاة الوسطى ولم يبين لنا أنها أي الصلوات.

وما يروى من أخبار الآحاد لا معوّل عليها فيجب أن تؤدى كلها على نعت الكمال والتمام، ولعل هذا هو الحكمة في إبهامها، ولمثل ذلك أخفى الله  ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم في أسمائه، ووقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفاً عازاماً على التوبة في كل الأوقات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء، عن محمد بن سيرين أن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات كلها تصبها.

وعن الربيع: أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظاً عليها ومضيعاً سائرهن؟

قال السائل: لا.

قال الربيع: فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الصلاة الوسطى.

القول الثاني: أن الوسطى مجموع الصلوات الخمس، فإن الإيمان بضع وسبعون درجة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطرق.

والصلوات المكتوبات واسطة بين الطرفين.

القول الثالث: أنها صلاة الصبح وهو قول علي وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي أمامة.

ومن التابعين قول طاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد وهو مذهب الشافعي قالوا: إن هذه الصلاة تصلى في الغلس فبعضها في ظلمة الليل وآخرها في ضوء النهار.

وأيضاً إن في النهار صلاتين: الظهر والعصر، وفي الليل صلاتين: المغرب والعشاء، والصبح متوسط بينهما.

وأيضاً الظهر والعصر يجمعان في السفر وكذا المغرب والعشاء والفجر منفرد بينهما.

قال القفال: وتحقيق هذا يرجع إلى ما يقوله الناس: فلان متوسط إذا لم يمل إلى أحد الخصمين وكان منفرداً بنفسه عنهما.

وقد أقسم الله  بها في قوله ﴿ والفجر وليالٍ عشر  ﴾ وأيضاً قال  : ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً  ﴾ واتفقوا على أن المراد منه صلاة الفجر فخصها في تلك الآية بالذكر للتأكيد وخص الصلاة الوسطى في هذه الآية بالذكر للتأكيد، فيغلب على الظن أنهما واحد.

وأيضاً قرن هذه الصلاة بذكر القنوت في قوله ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ وليس في المفروضة صلاة صبح فيها القنوت إلا الصبح.

وأيضاً لا شك أنه  أفردها بالذكر لأجل التأكيد والصبح أحوج الصلوات إلى ذلك، ففيه ترك النوم اللذيذ واستعمال الماء البارد والخروج إلى المسجد في الوقت الموحش.

وأيضاً الإفراد بالذكر ينبئ عن الفضل، ولا ريب في فضيلة صلاة الصبح ولهذا جاء ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وروي أن التكبيرة الأولى منها في الجماعة خير من الدنيا وما فيها.

وخصت بالأذان مرتين: أولاهما قبل الوقت إيقاظاً للناس حتى لا تفوتهم ألبتة، وخص أذانها بالتثويب وهو أن يقول بعد الجيعلتين: الصلاة خير من النوم.

وإن الانسان إذا قام من منامه فكأنه صار موجوداً بعد العدم، وعند ذلك يزول عن الخلائق ظلمة الليل وظلمة النوم والغفلة وظلمة الفجر والحيرة، ويملأ العالم نوراً والأبدان حياة وعقلاً وقوةً وفهماً.

فهذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية وإظهار الخضوع والاستكانة لفاطر السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور.

وعن علي  أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نرى أنها الفجر.

وعن ابن عباس أنه صلى الصبح ثم قال: هذه هي الصلاة الوسطى.

القول الرابع: أنها صلاة الظهر ويروى عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، لأن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى.

وعن زيد بن ثابت أن النبي  كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان فقال  : "لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم" فنزلت هذه الآية.

وأيضاً ليس في المكتوبات صلاة وقعت وسط الليل والنهار إلا هذه، وإنها صلاة بين صلاتين نهاريتين: الفجر والعصر وأنها صلاة بين البردين: برد الغداة وبرد العشي، وإن أول إمامة جبرائيل كان في صلاة الظهر كما ورد في الأحاديث الصحاح، وإن صلاة الجمعة مع ما ورد في فضلها تنوب عن الظهر لا عن غيرها.

وعن عائشة أنها كانت تقرأ ﴿ والصلاة الوسطى وصلاة العصر ﴾ وكانت تقول: سمعت ذلك عن رسول الله  .

فيغلب على الظن أن المعطوف عليه العصر هو الظهر الذي قبله.

وروي أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة الظهر، كانت تقام في الهاجرة.

القول الخامس: أنها صلاة العصر ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة  م، ومن الفقهاء النخعي وقتادة والضحاك وهو مروي عن أبي حنيفة أيضاً لما ورد من التأكيد فيه كقوله  "من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" وقد أقسم الله بها في قوله ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر  ﴾ ولما يحتاج في معرفة وقتها إلى تأمل أكثر من حال الظهر.

فالمغرب يعرف بغروب جرم الشمس، والعشاء يعرف بغروب الشفق، والفجر بطلوع الصبح الصادق، والظهر بدلوك الشمس عن دائرة نصف النهار، ولما في وقتها من اشتغال الناس بحوائجهم.

وعن علي  أن النبي  قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً" رواه البخاري وملسم وسائر الأئمة.

وهو عظيم الموقع في المسألة.

وفي صحيح مسلم "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" "وعن النبي  أنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب.

وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أملي عليك كما سمعت رسول الله  يقرؤها فأملت عليه ﴿ والصلاة الوسطى صلاة العصر ﴾ " القول السادس: أنها صلاة المغرب.

عن قبيصة بن ذؤيب لأنها بين بياض النهار وسواد الليل، ولأنها وسط في الطول والقصر.

القول السابع: أنها صلاة العشاء لأنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران: المغرب والصبح.

ولما ورد في فضلها عن عثمان بن عفان عن النبي  "من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة" وقال أهل التحقيق: القلب هو الذي في وسط الإنسان بل هو واسطة بين الروح والجسد فكأنه قيل: حافظوا على صورة الصلوات بشرائطها، وحافظوا على معاني الصلوات وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة وبعدها.

ثم إن الشافعي احتج بالآية على أن الوتر ليس بواجب وإلا كانت الصلوات ستاً فلم يبق لها وسطى.

وهذا إنما يتم لو كان المراد الوسطى في العدد، لكنه يحتمل أن يكون الوسطى في الفضيلة من قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً  ﴾ أو الوسطى في الزمان وهو الظهر، أو الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات فيتوسط بين الاثنتين والأربع، أو الوسطى في الصفة كصلاة الصبح يتوسط بين صفتي الظلام والضياء ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ عن ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر لقوله تعالى ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ ولأن قوله ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ أمر بما في الصلاة من الفعل فيكون القنوت عبارة عن كل ما في الصلاة من الذكر.

وعن الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل: قانتين أي مطيعين لما روي أنه  قال: "كل قنوت في القرآن فهو الطاعة" ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله  ﴾ ﴿ فالصالحات قانتات  ﴾ فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها.

وفيه زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما لا يجزى وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد، ولو كان كما قالوا وجب أن لا يصلي أصلاً لأنه  كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا فكذلك لا يحتاج إلى القليل، وقد صلى رسول الله  وسائر الرسل والسلف الصالح فأطالوا وخشعوا واستكانوا وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال وقيل: قانتين ساكتين.

عن زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

وعن مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون الأطراف، وكان أحدهم إذا صلى خاف ربه فلا يلتفت، ولا يقلب الحصى، ولا يبعث بشيء من جسده.

ولا فحذف المفعول به للعلم به أو فإن حصل لكم خوف أو كنتم على حالة الخوف على أنه متروك المفعول ﴿ فرجالاً أو ركباناً ﴾ أي فصلوا راجلين أو راكبين.

وقيل: المعنى فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالاً أو ركباناً.

وعلى هذا فالآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام و الركوع والسجود.

ورجالاً جمع راجل كقيام جمع قائم وتجار جمع تاجر، أو جمع رجل يقال: رجل رجل أي راجل.

والركبان جمع راكب كفارس وفرسان.

ولا يقال راكب إلا لمن كان على إبل، فإن كان على فرس فإنما يقال له: فارس.

لكن المراد في الآية أعم، وتخصيص اللفظ بالركبان لأنه الغالب فيهم.

واعلم أن صلاة الخوف، إما أن تكون في غير حال القتال وسوف يجيء بيانها في سورة النساء إن شاء الله  ، وإما أن تكون عند التحام القتال وهو المراد بهذه الآية.

ومذهب الشافعي أنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة، ويقتصرون من الركوع والسجود على الإيماء إلا أنهم يجعلون السجود أخفض من الركوع، ويحترزون عن الصيحان، أنَّه لا ضرورة إليه بل الشجاع الساكت أهيب.

وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر لأنه  أخر الصلاة يوم الخندق.

وأجيب بأن الآية ناسخة لذلك الفعل.

ويدخل في الخوف المفيد لهذه الرخصة الخوف في القتال الواجب كالقتال مع الكفار أو مع أهل البغي، وفي القتال المباح كالدفاع عن النفس، أو عن حيوان محترم، أو عن المال.

أما القتال المحظور فإنه لا يجوز فيه صلاة الخوف لأن الرخص لا تناط بالمعاصي والخوف الحاصل لا في القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع، وكذا المطالب إذا كان معسراً خائفاً من الحبس عاجزاً عن بينة الإعسار يرخص أيضاً في هذه الصلاة لأن قوله ﴿ فإن خفتم ﴾ مطلق يتناول الكل ﴿ فإذا أمنتم ﴾ فإذا زال خوفكم ﴿ فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ من صلاة الأمن بقوله ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ كما بينه بشروطه وأركانه.

والصلاة قد تسمى ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ وقيل: فاذكروا الله أي فاشكروا الله لأجل إنعامه عليكم بالأمن.

وقيل: فاشكروه على الأمن واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع على لسان نبيه.

وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.

و "ما" في ﴿ كما علمكم ﴾ إما مصدرية أو كافة.

الحكم الثامن عشر: عدة الوفاة بوجه آخر ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ الآية.

من قرأ ﴿ وصية ﴾ بالرفع فـ ﴿ وصية ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأزواجهم ﴾ وجاز وقوع النكرة مبتدأ لتخصيصه بما تخصص منهم وصية، أو وصية الذين يتوفون وصية، أو الذين يتوفون أهل وصية إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائز حسن.

ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير فليوصوا وصية أو يوصون وصية مثل "أنت سير البريد" أي أنت تسير سير البريد أو ألزم الذين يتوفون منكم وصية متاعاً نصب على المصدر على معنى فليوصوا لهن وصية وليمتعوهن متاعاً.

والتقدير: جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبله من الكلام يدل عليه، أو نصب على الحال، أو نصب بالوصية و ﴿ غير إخراج ﴾ نصب على المصدر المؤكد كقولك "هذا القول غير ما تقول" أو بدل من ﴿ متاعاً ﴾ أو حال من الأزواج أي غير مخرجات.

والمعنى أن حق الذين يتوفون منكم عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعده حولاً كاملاً أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن.

وأكثر المفسرين على أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخت المدة بقوله ﴿ أربعة أشهر وعشراً  ﴾ أو نسخ ما زاد منه على هذا المقدار بالإرث الذي هو الربع والثمن لقوله  "ألا لا وصية لوارث" وعن علي  وابن عمر أن لها النفقة وإن كانت حائلاً.

وأما السكنى فعند أبي حنيفة وأصحابه لا سكنى لهن وهو قول علي وابن عباس وعائشة، واختاره المزني قياساً على النفقة في مقابلة التمكين ولا تمكين.

وأما السكنى فلتحصين الماء وهو موجود، وعند الشافعي لهن ذلك على الأظهر وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وأم سلمة، ووافقه مالك والثوري وأحمد.

وبناء الخلاف على خبر "فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت: فسألت رسول الله  أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما أنزلني بمنزل يملكه فقال: نعم.

فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" .

فحمل بعضهم الأمر الثاني على النسخ وآخرون على الاستحباب.

وعن مجاهد أنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً وإن اختارت السكنى في داره والأخذ من ماله وتركته فعدتها الحول.

قال: وإنما نزلنا الآية على هذين التقديرين لتكون كل واحدة منهما معمولاً بها.

وعن أبي مسلم: إنكم تضيفون الوصية إلى حكم الله  فيلزمكم القول بالنسخ، ونحن نضيف الحكم إلى الزوج حتى يصير معنى الآية: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وقد وصوا وصية لأزواجهم بالنفقة والسكنى حولاً.

فهذا المجموع شرط وجوابه فإن خرجن - أي قبل ذلك - وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله  ﴿ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف ﴾ أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة.

والسبب فيه أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً، وكانوا يوجبون على المرأة الاعتداد بالحول، فبيّن الله  في هذه الآية أن ذلك غير واجب.

ويؤكده ما روت زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول: "جاءت امرأة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟

فقال رسول الله  لا مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا.

ثم قال رسول الله  : إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" .

قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟

فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً أي بيتاً صغيراً، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيباً حتى يمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتقتض به.

قال مالك: أي تمسح به جلدها فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد بما شاءت من طيب أو غيره، فلا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين والإقدام على النكاح.

ومن قطع نفقتهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول ومن ترك منعهن من الخروج لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها.

وإنما قال ههنا ﴿ من معروف ﴾ منكراً لأن المراد بوجه من الوجوه التي لهن أن يأتينه.

وأما في الآية السابقة فإنه أراد بالوجه المعروف من الشرع.

ويمكن أن يقال: إن تلك الآية متأخرة في النزول عن هذه بإجماع المفسرين فلهذا نكر أولاً، ثم عرف لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة قال  : ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول  ﴾ .

الحكم التاسع عشر: ﴿ وللمطلقات متاع ﴾ عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المذكورة في الحكم الخامس عشر.

وروي أنها لما نزلت ﴿ ومتعوهن ﴾ إلى قوله ﴿ متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين ﴾ قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت فإن لم أرد ذلك لم أفعل فنزلت هذه الآية أي حقاً على من كان متقياً عن الكفر والمعاصي واعلم أن المطلقات قسمان: مطلقة قبل الدخول فلها المتعة إن لم يفرض لها مهر كما مر في الحكم الخامس عشر، وإن فرض لها مهر فلا متعة لها وحسبها نصف المهر لأنه  اقتصر على ذلك ولم يذكر المتعة فهي مستثناة من عموم هذه الآية.

ومطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أم لم يفرض.

واختلفوا في استحقاقها المتعة.

فالقديم من قول الشافعي وبه قال ابو حنيفة، لا متعة لها لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض وقبل الدخول.

وفي الجديد لها المتعة وهو قول علي وابنه الحسن وابن عمر لعموم الآية، ولقوله  ﴿ فتعالين أمتعكن  ﴾ وكان ذلك في حق نساء دخل بهن النبي.

وليست كالمطلقة المذكورة لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة عوض، وهذه استحقت الصداق في مقابلة استباحة البضع فيجب لها المتعة للإيحاش.

وعن سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري أنها واجبة لكل مطلقة تمسكاً بظاهر عموم الآية.

وقيل: المراد بهذا المتعة النفقة في العدة بدليل ﴿ متاعاً إلى الحول ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أنها تخرج على وجهين: على النسخ قوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً  ﴾ .

ويحتمل: على نسخ الوصية خاصة دون نسخ العدة، وأن الأمر بالاعتداد في الآيتين أمر واحد - أربعة أشهر وعشراً، ونسخ الوصية بآية الميراث وبقول رسول الله  : "لا وصية لوارث" وفيه دلالة: أن للموصى له خياراً بين قبول الوصية وبين ردها.

وفيه أيضاً: أن له أن يردها إذا قبل بقوله  : ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، إذ في الخروج ردها وذلك بعد القبول.

وقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ، قد ذكرنا فيما تقدم أنها تحتمل وجهين: تحتمل: ما فعلن في أنفسهن من معروف، من التشويف والتزيين.

وكذلك روي في حرف ابن مسعود - رضي الله  عنه -: "لا جناح عليهن أن يتشوفن ويتزين ويلتمسن الأزواج".

ويحتمل: وضعن أنفسهن في الأكفاء بمهر مثلهن.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .

تحتمل الآية أن تكون في المطلقات المدخولات بهن وقد فرض لهن أن يأمر الأزواج بالمتعة ندباً، لا وجوباً، على ما روي عن الحسن بن علي - رضي الله  عنهما - أنه متع بعشرة آلاف، على ما روي عن ابن عباس وابن عمر، رضي الله  عنهما، أنهما قالا: إن كنت من المتقين ومن المحسنين فمتعها.

فهو أمر ندب، لا أمر إيجاب يجبر على ذلك.

وإن كانت في المطلقة التي لم يدخل بها ولا فرض لها صداقاً فهو على ما يقوله - وهي واجبة يجبر على ذلك؛ فتخرج هذه الآية والتي قبلها، قوله  : ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ  ﴾ ، على مخرج واحد، غير أن في إحديهما بيان قدر المتعة، وليس في الأخرى سوى ما ذكر.

ويحتمل وجه آخر: وهو أن الأمر بالمتعة أمر بالإنفاق عليها والكسوة لها إذا دخل بها، ما دامت في العدة.

أو على الاختيار على ما ذكرنا، لا على الإيجاب؛ إذ لو كان على الوجوب لكان في ذلك إيجاب بدلين - الصداق والمتعة - ولم يعرف عقد من العقود أوجب بدلين؛ فكذلك هذا.

والله أعلم.

والثاني: أن الطلاق سبب إسقاط، لا سبب إيجاب.

فإذا كان كذلك لم يجز أن يوجب السبب الذي هو سبب الإسقاط؛ لذلك لم يجب.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .

ما سبق ذكره من الأحكام من الأمر بالاعتداد، والإنفاق عليهن، والتمتع وغير ذلك ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، أمره ونهيه.

قال الشيخ، رحمه الله  ، في قوله: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ : أي كما يبين في هذا يبين في جميع ما يعلم لكم إلى بيان ذلك حاجة على قدر ما أراد من البيان - من بيان كفاية أو مبالغة - ليعلم أن جميع ما إليه بالخلق حاجة داخل تحت البيان، يوصل إلى ذلك بقدر ما تحتمله العقول على ما يكرم الله المجاهدين فيه في طلب مرضاته.

ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وللمطلقات متاع يمتَّعن به من كسوة أو مال أو غير ذلك، جبرًا لخواطرهن المنكسرة بالطلاق، وفق المعروف من مراعاة حال الزوج من قلة أو كثرة، وهذا الحكم حق ثابت على المتقين لله تعالى بامتثال أمره واجتناب نهيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.rOlQr"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآيات تتمة ما في السورة من أحكام الأزواج.

وقد جاء الأمر بالمحافظة على الصلوات في أثناء هذه الأحكام -والصلاة عماد الدين- للعناية بها، فمن حافظ على الصلوات كان جديرًا بالوقوف عند حدود الله تعالى والعمل بشريعته ولذلك قال ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ  ﴾ وقد بيّنا وجه ذلك، وقد خطر لي وجه آخر هو الذي يطرد في أسلوب القرآن الخاص في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض من عقائد وحكم ومواعظ وأحكام تعبدية ومدنية وغيرها، وهو نفي السآمة عن القارىء والسامع من طول النوع الواحد منها، وتجديد نشاطهما وفهمهما واعتبارهما في الصلاة وغيرها.

قوله ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا  ﴾ إلخ فيه قولان: أحدهما: أن عدة الوفاة كانت في أول الإسلام سنة كاملة مجاراة لعادات العرب، ولكن مع تخيير المرأة في الاعتداد في بيت الميت فإن اعتدت فيه وجبت نفقتها من تركته وحرم على الورثة إخراجها، وإن خرجت هي سقط حقها في النفقة، وقالوا إنه لم يكن للمرأة من ميراث زوجها إلا هذا المتاع والنفقة، فقوله تعالى ﴿ وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ  ﴾ معناه فليوصوا وصية لأزواجهم أو فعليهم وصية لأزواجهم إذ قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم (وصية) بالنصب، وقرأها ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم بالرفع، وقوله ﴿ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ  ﴾ معناه أن يمتعوا متاعًا أو متعوهن متاعًا، كأنه قال فليوصوا لهن وصية وليمتعوهن متاعًا إلى آخر الحول، وقيل إن التقدير جعل الله ذلك لهن متاعًا.

وقوله ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ  ﴾ معناه غير مخرجات، أي يجب ذلك لهن مقيمات في دار الميت غير مخرجات فلا يمنعن السكنى.

والأحسن ما قاله بعضهم من أن متاعًا مصدر بمعنى تمتيعًا أو معمول للمصدر الذي هو وصية ومعنى ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ  ﴾ غير مخرجات وهو حال من الأزواج، والنكتة في العدول عنه هي أن المراد يوصي الرجل بعدم إخراج زوجه وأن ينفذ أولياؤه وصيته فلا يخرجونهم من بيوتهن، ولو قال "غير مخرجات" لكان تحتيمًا عليهن بالبقاء ولأفاد عدم جواز إخراجهن لأحد ولو كان وليًا كأبيها، وليس هذا بمراد، فعبارة الآية تفيد المعنى المراد ولا توهم سواه - هذا ما ذهب إليه الجمهور في معنى الآية فهي عندهم توجب أن تكون عدة الوفاة سنة كاملة وأن ينفق على المعتدة من تركة زوجها مقيمة في داره لا يجوز إخراجها منه إلا أن تخرج باختيارها فتسقط نفقتها.

قالوا ثم نسخت بجعل العدة أربعة أشهر وعشرًا كما في تلك الآية التي تقدمت عليها في الذكر وهي متأخرة عنها في النزول، وبجعلها وارثة للزوج بنص القرآن مع تحريم الوصية للوارث في الحديث.

وهناك وجه آخر يتصل بقول الجمهور وهو أن الآية كانت في فرض الوصية، وطلب مع هذا الفرض من ورثة الميت أن لا يخرجن النساء في مدة الحول.

وأن الخروج الذي يبرأ به أولياء الميت من الوصية المفروضة التي هي النفقة هو الخروج الذي بعد العدة التي هي أربعة أشهر وعشر، وهو قول ضعيف.

والقول الثاني: إن هذه الآية لم يذكر فيها التربص الذي هو الاعتداد كما ذكر في غيرها من آيات العدة السابقة، وإنما ذكر الوصية والمراد بها أن يستوصي الرجال بالنساء اللواتي يتوفى أزواجهن خيرًا بأن لا يخرجوهن من بيوت أزواجهن بعدما كان من قوة علاقتهن بها إلى مدة سنة كاملة تمر فيها عليهن الفصول الأربعة التي يتذكرن أزواجهن فيها، وأن يجعل لهن في مدة السنة شيء من المال ينفقنه على أنفسهن إلا إذا خرجن وتعرضن للزواج أو تزوجن بعد العدة المفروضة في الآية السابقة.

ولكن لم يعمل أحد من الصحابة ولا من بعدهم بهذا، ولذلك قال الجمهور إنه منسوخ، وذهب بعض الصحابة والتابعين إلى أن الأمر بالوصية كان للندب وتهاون الناس به كما تهاونوا في كثير من المندوبات - أي كاستئذان الأولاد الذين لم يبلغوا عند دخول بيوتهم في الأوقات الثلاثة التي هي مظنة التهاون بالستر قبل صلاة الفجر وحين وضع الثياب من الظهيرة في أيام الحر ومن بعده صلاة العشاء- وعلى هذا فلا نسخ لأنهم مجمعون على أنه لا يصار إلى النسخ إذا أمكن الجمع بين النصين.

والتقدير على الوجه المختار: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية من الله لأزواجهم أو فالله يوصي وصية لأزواجهم أن يمتعن متاعًا ولا يخرجن من بيوت أزواجهن إلى تمام الحول، فإن خرجن من تلقاء أنفسهن فلا جناح عليكم أيها المخاطبون بالوصية فيهم في ما فعلن من المعروف شرعًا وعادة كالتعرض للخُطّاب بعد العدة والتزوج، إذ لا ولاية لكم عليهن فهن حرائر لا يمنعن إلا من المنكر الذي يمنع منه كل مكلف.

وجعل الوصية من الله تعالى معهود في القرآن كقوله ﴿ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ  ﴾ وقوله ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ  ﴾ وهذا هو المتبادر من النظم الكريم.

وقد ختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ للتذكير بأن لله العزة والغلبة فيما يريد من تحويل الأمم من عادات ضارة إلى سنن نافعة تقتضيها الحكمة، كتحويل العرب من عاداتهم في العدة والحداد بجعل المرأة أسيرة ذليلة مقهورة مدة سنة كاملة إلى ما هو خير من ذلك وهو إكرامها ما دامت في بيت زوجها بين أهله، وعدم الحجر على حريتها إذا أرادت الخروج منه ما دامت في حظيرة الشرع وآداب الأمة المعروفة.

فهذه الحكمة البالغة توافق مصلحة الأفراد والجمعيات في كل زمان ومكان.

ثم قال تعالى ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ  ﴾ قال (الجلال): "كرره ليعمم الممسوسة أيضًا إذ الآية السابقة في غيرها"وليس قوله بصحيح إذ كأن ما تقدم خاص وما هنا عام.

والصواب أن كل آية من الآيات التي وردت في المطلقات وردت في نوع منهن فتقدم حكم من لم تمس وقد فرض لها، وحكم المدخول بها المفروض لها، وبقي حكم الممسوسة سواء فرض لها أم لا فذكره هنا، ولم يذكر ذلك بالترتيب، لأن القرآن ليس كتابًا فنيًا فيكون لكل مقصد من مقاصده باب خاص به، وإنما هو كتاب هداية ووعظ ينتقل بالإنسان من شأن من شؤونه إلى آخر، ويعود إلى مباحث المقصد الواحد المرة بعد المرة، مع التفنن في العبارة، والتنويع في البيان، حتى لا يمل تاليه وسامعه من المواظبة على الاهتداء.

يوجز أحيانًا بما يعجز كل أحد عن الإتيان بمثله إذا كان المقام يقتضي الإيجاز، ويطنب في مقام آخر حيث ينبغي الاطناب، وهو معجز في إطنابه كإيجازه، لا لغو فيه ولا حشو، ولكل مقام فيه مقال ينطبق على الحكمة، ويعين على التدبر والتذكر.

ثم ختم الله تعالى هذه الأحكام المسرودة هنا بقوله ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ  ﴾ إلخ، فزعم بعضهم أن المراد المطلقات المعهودات اللواتي سبق الأمر بتمتيعهن، واستدلوا بما رواه ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزلت ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ  ﴾ ، قال رجل إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل.

فأنزل الله هذه الآية وفسروا المتقين بمتقي الكفر، وليست هذه الرواية مما يحتج به، وقد قدمنا أن ذكر المحسنين هناك لا يدل على التخيير.

وقال بعضهم إن هذا حكم عام فتجب المتعة لكل مطلقة.

ولا تكرار على هذا مع الآية الآمرة بتمتيع من لم تمس ولم يفرض لها، لأن هذه الآية مسوقة لحكم هذه المتعة من غير تخصيص ولا تقييد بكونها تختلف باختلاف حال الرجل في الإيسار.

وتلك سيقت لبيان نفي الجناح عمن طلق من لم يمسها ولم يفرض لها، وجاء في السياق أنه يجب لها تمتيع حسن بحسب وسع المطلق لما تقدم بيانه في تفسيرها.

فعلى هذا تكون المتعة مشروعة لكل مطلقة، وروي هذا عن ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق، واستدلوا بعموم هذه الآي وبقوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا  ﴾ وقد كن مدخولًا بهن مفروضًا لهن المهر.

والقائلون بهذا منهم من يقول إنها واجبة لكل مطلقة ومنهم من يقول واجبة لمن لم تمس ولم يفرض لها مندوبة لغيرها.

وحجة من قال إن التمتيع خاص بمن لم تمس ولم يفرض لها هي أنه بدل مما يجب لغيرها من نصف المهر إن فرض لها ولم تمس أو المهر المسمى أو مهر المثل إذا كانت ممسوسة.

وحسبنا أن الله تعالى جعل تمتيع المطلقات حقًا على المتقين، وقد فسروه بالذين يتقون الشرك، أو هو حق على كل مؤمن مطلقًا إلا أن يثبت أن ما تستحقه من المهر يسمى متاعًا في عرف القرآن فحينئذٍ تكون هذه الآية فذلكة لسائر الآيات، كأنه قال لكل مطلقة متاع تمتع به فمنهن من متاعها المهر المسمى أو المقدر، ومنهن من متاعها نصفه، ومنهن من لها متاع غير محدود لأنه على حسب الاستطاعة.

وأحوط الأقوال وأوسطها قول من جعل المتعة غير المهر وأوجبها لمن لا تستحق مهرًا وندبها لغيرها.

ثم ختم الله تعالى هذه الأحكام بقوله ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  ﴾ أي مضت سنته تعالى بأن يبيّن لكم آياته في أحكام دينه مثل هذا النحو من البيان، وهو أن يذكر الحكم وفائدته ويقرنه بذكر الله والموعظة الحسنة التي تعين على العمل به، ليعدكم بذلك لكمال العقل فتتحروا الاستفادة من كل عمل فعليكم أن تعقلوا ما تخاطبون به لتكونوا على بصيرة من دينكم، عارفين بانطباق أحكامه على مصالحكم بما فيها من تزكية نفوسكم والتأليف بين قلوبكم، فتكونوا حقيقين بإقامتها والمحافظة عليها.

وليس معنى العقل أن يجعل المعنى في حاشية من حواشي الدماغ، غير مستقر في الذهن ولا مؤثر في النفس، بل معناه أن يتدبر الشيء ويتأمله حتى تذعن نفسه لما أودع فيه إذعانًا يكون له أثر في العمل، فمن لم يعقل الكلام بهذا المعنى فهو ميت وإن كان يزعم أنه حي -ميت من عالم العقلاء، حي بالحياة الحيوانية- وقد فهمنا هذه الأحكام ولكن ما عقلناها، ولو عقلناها لما أهملناها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله