الآية ٢٤٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤٣ من سورة البقرة

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٢٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 152 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف وعنه : كانوا ثمانية آلاف .

وقال أبو صالح : تسعة آلاف وعن ابن عباس : أربعون ألفا وقال وهب بن منبه وأبو مالك : كانوا بضعة وثلاثين ألفا وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كانوا أهل قرية يقال لها : داوردان .

وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد : من قبل واسط .

وقال سعيد بن عبد العزيز : كانوا من أهل أذرعات ، وقال ابن جريج عن عطاء قال : هذا مثل .

وقال علي بن عاصم : كانوا : من أهل داوردان : قرية على فرسخ من واسط .

وقال وكيع بن الجراح في تفسيره : حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي ، عن المنهال بن عمرو الأسدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ) قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون قالوا : نأتي أرضا ليس بها موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم موتوا فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم ، فذلك قوله عز وجل : ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ) الآية .

وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا أرضهم وأصابهم بها وباء شديد فخرجوا فرارا من الموت إلى البرية ، فنزلوا واديا أفيح ، فملئوا ما بين عدوتيه فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي والآخر من أعلاه فصاحا بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فحيزوا إلى حظائر وبني عليهم جدران وقبور [ وفنوا ] وتمزقوا وتفرقوا فلما كان بعد دهر مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له : حزقيل فسأل الله أن يحييهم على يديه فأجابه إلى ذلك وأمره أن يقول : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض ، ثم أمره فنادى : أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي لحما وعصبا وجلدا .

فكان ذلك ، وهو يشاهده ثم أمره فنادى : أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره .

فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة ، وهم يقولون : سبحانك [ اللهم ربنا وبحمدك ] لا إله إلا أنت .

وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة ولهذا قال : ( إن الله لذو فضل على الناس ) أي : فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة ، ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) أي : لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم .

وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه ، فإن هؤلاء فروا من الوباء طلبا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعا في آن واحد .

ومن هذا القبيل الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى أخبرنا مالك وعبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد [ بن أسلم ] بن الخطاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس : أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد : أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام فذكر الحديث فجاءه عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا لبعض حاجته فقال : إن عندي من هذا علما ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا كان بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه ، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه " فحمد الله عمر ثم انصرف .

وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به .

طريق أخرى لبعضه : قال أحمد : حدثنا حجاج ويزيد العمي قالا : أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة : أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر ، وهو في الشام عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم ، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه " قال : فرجع عمر من الشام .

وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري بنحوه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: " ألم تر "، ألم تعلم، يا محمد؟= وهو من " رؤية القلب " لا " رؤية العين "، (166) لأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدرك الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر، و " رؤية القلب ": ما رآه، وعلمه به.

(167) فمعنى ذلك: ألم تعلم يا محمد، الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف؟

* * * ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " وهم ألوف " .

فقال بعضهم: في العدد، بمعنى جماع " ألف ".

* ذكر من قال ذلك: 5596- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع= قال، حدثنا سفيان, عن ميسرة النهدي, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم &; 5-267 &; وهم ألوف حذر الموت "، كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون, قالوا: " نأتي أرضا ليس فيها موت "!

حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا, قال لهم الله : " موتوا ".

فمر عليهم نبي من الأنبياء, فدعا ربه أن يحييهم, فأحياهم، فتلا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ .

(168) 5597- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن ميسرة النهدي, عن المنهال, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون, فأماتهم الله, فمر عليهم نبي من الأنبياء, فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه, فأحياهم.

5598- حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال، أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد: أنه سمع وهب بن منبه يقول: أصاب ناسا من بني إسرائيل بلاء وشدة من الزمان, فشكوا ما أصابهم وقالوا: " يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه "!

فأوحى الله إلى حزقيل: إن قومك صاحوا من البلاء, وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا, وأي راحة لهم في الموت؟

أيظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت؟

فانطلق إلى جبانة كذا وكذا, فإن فيها أربعة آلاف= قال وهب: وهم الذين قال الله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "= فقم فيهم فنادهم، وكانت عظامهم قد تفرقت, فرقتها الطير والسباع.

فناداهم حزقيل فقال: (169) " يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي" !

فاجتمع عظام كل &; 5-268 &; إنسان منهم معا.

(170) ثم نادى ثانية حزقيل فقال: " أيتها العظام, إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم "، فاكتست اللحم, وبعد اللحم جلدا, فكانت أجسادا.

ثم نادى حزقيل الثالثة فقال: " أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك "!

(171) فقاموا بإذن الله, وكبروا تكبيرة واحدة.

(172) 5599- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، يقول: عدد كثير خرجوا فرارا من الجهاد في سبيل الله, فأماتهم الله, ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فذلك قوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .

5600- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن أشعث بن أسلم البصري قال: بينما عمر يصلي ويهوديان خلفه = وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى= (173) فقال أحدهم لصاحبه، (174) أهو هو؟

فلما انفتل عمر قال: (175) &; 5-269 &; أرأيت قول أحدكما لصاحبه: أهو هو؟

(176) فقالا إنا نجده في كتابنا: (177) " قرنا من حديد، يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيى الموتى بإذن الله ".

فقال عمر: ما نجد في كتاب الله " حزقيل " ولا " أحيى الموتى بإذن الله "، إلا عيسى.

فقالا أما تجد في كتاب الله وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، (178) [سورة النساء: 164]، فقال عمر: بلى!

قالا وأما إحياء الموتى فسنحدثك: إن بني إسرائيل وقع عليهم الوباء, فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله, فبنوا عليهم حائطا, حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال شاء الله, (179) فبعثهم الله له, فأنـزل الله في ذلك: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، الآية.

(180) 5601- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن الحجاج بن أرطأة قال: كانوا أربعة آلاف.

&; 5-270 &; 5602- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، إلى قوله: ( ثُمَّ أَحْيَاهُمْ )، قال: كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط، (181) وقع بها الطاعون, فهرب عامة أهلها فنـزلوا ناحية منها, فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون, فلم يمت منهم كبير.

(182) فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين, فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا, لو صنعنا كما صنعوا بقينا!

ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم!

فوقع في قابل فهربوا, وهم بضعة وثلاثون ألفا, حتى نـزلوا ذلك المكان, وهو واد أفيح, (183) فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا !

فماتوا, حتى إذا هلكوا وبليت أجسادهم, مر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوى شدقه وأصابعه, (184) فأوحى الله إليه: يا حزقيل, أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم؟

= قال: وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم= فقال: نعم!

فقيل له: ناد!

فنادى: " يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي!"، فجعلت تطير العظام بعضها إلى بعض، حتى كانت أجسادا من عظام، ثم أوحى الله إليه أن ناد: " يا أيتها العظام, إن الله يأمرك أن تكتسي لحما "، فاكتست لحما ودما، وثيابها التي ماتت فيها وهي عليها.

ثم قيل له: ناد !

فنادى: " يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي", فقاموا.

5603- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, قال: فزعم منصور بن المعتمر, عن مجاهد: أنهم قالوا حين أحيوا: " سبحانك ربنا وبحمدك &; 5-271 &; لا إله إلا أنت "، فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى, سحنة الموت على وجوههم، (185) لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن، (186) حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم.

(187) 5604- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبد الرحمن بن عوسجة, عن عطاء الخراساني: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، قال: كانوا ثلاثة آلاف أو أكثر.

5605- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف، (188) حظر عليهم حظائر, وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا، (189) فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح, وهم ألوف فرارا من الجهاد في سبيل الله, فأماتهم الله ثم أحياهم, فأمرهم بالجهاد, فذلك قوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية.

5606- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق, &; 5-272 &; عن وهب بن منبه أن كالب بن يوقنا لما قبضه الله بعد يوشع, (190) خلف فيهم - يعني في بني إسرائيل - حزقيل بن بوزي= (191) وهو ابن العجوز، وإنما سمي" ابن العجوز " أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت, فوهبه الله لها, فلذلك قيل له " ابن العجوز "= وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد صلى الله عليه وسلم كما بلغنا: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ".

(192) .

5607- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال: بلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارا من بعض الأوباء= من الطاعون، أو من سقم كان يصيب الناس= حذرا من الموت, وهم ألوف، حتى إذا نـزلوا بصعيد من البلاد قال لهم الله: " موتوا "، فماتوا جميعا.

فعمد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع, ثم تركوهم فيها, وذلك أنهم كثروا عن أن يغيبوا.

فمرت بهم الأزمان والدهور, حتى صاروا عظاما نخرة، فمر بهم حزقيل بن بوزى, (193) فوقف عليهم, فتعجب لأمرهم ودخلته رحمة لهم، (194) فقيل له: أتحب أن يحييهم الله؟

فقال: نعم!

فقيل له: نادهم فقل: (195) " أيتها العظام الرميم التي قد رمت وبليت, ليرجع كل عظم إلى صاحبه ".

فناداهم بذلك, فنظر إلى العظام تواثب يأخذ بعضها بعضا.

ثم قيل له: قل: " أيها اللحم والعصب والجلد، اكس العظام بإذن ربك "، قال: فنظر إليها والعصب يأخذ العظام ثم اللحم والجلد والأشعار, حتى استووا خلقا ليست فيهم الأرواح.

ثم دعا لهم بالحياة, فتغشاه من السماء شيء &; 5-273 &; كربه حتى غشي عليه منه، (196) ثم أفاق والقوم جلوس يقولون: " سبحان الله, سبحان الله " قد أحياهم الله.

(197) * * * وقال آخرون: معنى قوله " وهم ألوف " وهم مؤتلفون.

(198) * ذكر من قال ذلك: 5608- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قول الله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم "، قال: قرية كانت نـزل بها الطاعون, فخرجت طائفة منهم وأقامت طائفة، فألح الطاعون بالطائفة التي أقامت, والتي خرجت لم يصبهم شيء.

(199) ثم ارتفع, ثم نـزل العام القابل, فخرجت طائفة أكثر من التي خرجت أولا فاستحر الطاعون بالطائفة التي أقامت.

فلما كان العام الثالث، نـزل فخرجوا بأجمعهم وتركوا ديارهم, فقال الله تعالى ذكره: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، ليست الفرقة أخرجتهم، كما يخرج للحرب والقتال، قلوبهم مؤتلفة, إنما خرجوا فرارا.

فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة, قال لهم الله: " موتوا "، في المكان الذي ذهبوا إليه يبتغون فيه الحياة.

فماتوا، ثم أحياهم الله، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ .

قال: ومر بها رجل وهي عظام تلوح، (200) فوقف &; 5-274 &; ينظر فقال: " أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟"، فأماته الله مائة عام.

(201) * * * * ذكر الأخبار عمن قال: كان خروج هؤلاء القوم من ديارهم فرارا من الطاعون.

5609- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن الأشعث, عن الحسن في قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال.

خرجوا فرارا من الطاعون, فأماتهم قبل آجالهم, ثم أحياهم إلى آجالهم.

5610- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن في قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال: فروا من الطاعون, فقال لهم الله: (مُوتُوا) ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم.

5611- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى , عن ابن أبي نجيح, عن عمرو بن دينار في قول الله تعالى ذكره: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال: وقع الطاعون في قريتهم, فخرج أناس وبقي أناس، فهلك الذين بقوا في القرية، وبقي الآخرون.

ثم وقع الطاعون في قريتهم الثانية, فخرج أناس وبقي أناس، ومن خرج أكثر ممن بقي.

فنجى الله الذين خرجوا, وهلك الذين بقوا.

فلما كانت الثالثة خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم [وقد أنكروا قريتهم، ومن تركوا].

وكثروا بها, حتى يقول بعضهم لبعض: من أنتم؟

(202) &; 5-275 &; 5612- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: وقع الطاعون في قريتهم= ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو, عن أبي عاصم.

5613- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف " الآية، مقتهم الله على فرارهم من الموت, فأماتهم الله عقوبة، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها, ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم.

5614- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن حصين, عن هلال بن يساف في قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين خرجوا " الآية، قال: هؤلاء القوم من بني إسرائيل، (203) كان إذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم، وأقام فقراؤهم وسفلتهم.

قال: فاستحر الموت على المقيمين منهم, ونجا من خرج منهم.

فقال الذين خرجوا: لو أقمنا كما أقام هؤلاء، لهلكنا كما هلكوا !

وقال المقيمون: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء، لنجونا كما نجوا !

فظعنوا جميعا في عام واحد, أغنياؤهم وأشرافهم وفقراؤهم وسفلتهم.

فأرسل عليهم الموت فصاروا عظاما تبرق.

قال: فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد, فمر بهم نبي فقال: يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك!

قال: أو أحب إليك أن أفعل؟

قال نعم!

قال: فقل: كذا وكذا، فتكلم به, فنظر إلى العظام , وإن العظم ليخرج من عند العظم الذي ليس منه إلى العظم الذي هو منه.

ثم تكلم بما أمر, فإذا العظام تكسى لحما.

ثم أمر بأمر فتكلم به, فإذا هم قعود يسبحون ويكبرون.

ثم قيل لهم: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ &; 5-276 &; 5615- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن حماد بن عثمان, عن الحسن: أنه قال في الذين أماتهم الله ثم أحياهم قال: هم قوم فروا من الطاعون, فأماتهم الله عقوبة ومقتا, ثم أحياهم لآجالهم.

(204) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل قوله: " وهم ألوف " بالصواب, قول من قال: " عنى بالألوف كثرة العدد "= دون قول من قال: " عنى به الائتلاف "، بمعنى ائتلاف قلوبهم, وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم ولا تباغض, ولكن فرارا: إما من الجهاد, وإما من الطاعون= لإجماع الحجة على أن ذلك تأويل الآية, ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين.

* * * وأولى الأقوال- في مبلغ عدد القوم الذين وصف الله خروجهم من ديارهم- بالصواب, قول من حد عددهم بزيادة عن عشرة آلاف، دون من حده بأربعة آلاف، وثلاثة آلاف، وثمانية آلاف.

وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفا, وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم: " ألوف ".

وإنما يقال " هم آلاف "، إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدا إلى العشرة آلاف.

وغير جائز أن يقال: هم خمسة ألوف، أو عشرة ألوف.

وإنما جمع قليله على " أفعال "، (205) ولم يجمع على " أفعل "= مثل سائر الجمع القليل الذي يكون ثاني مفرده ساكنا (206) للألف التي في أوله.

وشأن العرب في كل &; 5-277 &; حرف كان أوله، ياء أو واوا أو ألفا، اختيار جمع قليله على أفعال, كما جمعوا " الوقت "" أوقاتا " و " اليوم "" أياما ", و " اليسر " و " أيسارا "، للواو والياء اللتين في أول ذلك.

وقد يجمع ذلك أحيانا على " أفعل ", إلا أن الفصيح من كلامهم ما ذكرنا, ومنه قول الشاعر: (207) كــانوا ثلاثــة آلــف وكتيبــة ألفيــن أعجــم مـن بنـي الفـدام (208) * * * وأما قوله: " حذر الموت "، فإنه يعني: أنهم خرجوا من حذر الموت، فرارا منه.

(209) كما: - 5616- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، &; 5-278 &; حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " حذر الموت "، فرارا من عدوهم, حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه.

فأمرهم فرجعوا، وأمرهم أن يقاتلوا في سبيل الله، وهم الذين قالوا لنبيهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [سورة البقرة: 246] * * * قال أبو جعفر: وإنما حث الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية، على المواظبة على الجهاد في سبيله، (210) والصبر على قتال أعداء دينه.

وشجعهم بإعلامه إياهم وتذكيره لهم، أن الإماتة والإحياء بيديه وإليه، دون خلقه= وأن الفرار من القتال والهرب من الجهاد ولقاء الأعداء، إلى التحصن في الحصون، والاختباء في المنازل والدور، غير منج أحدا من قضائه إذا حل بساحته, ولا دافع عنه أسباب منيته إذا نـزل بعقوته, (211) كما لم ينفع الهاربين من الطاعون= الذين وصف الله تعالى ذكره صفتهم في قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "= فرارهم من أوطانهم, وانتقالهم من منازلهم إلى الموضع الذي أملوا بالمصير إليه السلامة, وبالموئل النجاة من المنية, حتى أتاهم أمر الله, فتركهم جميعا خمودا صرعى، وفي الأرض هلكى, ونجا مما حل بهم الذين باشروا كرب الوباء، وخالطوا بأنفسهم عظيم البلاء.

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله لذو فضل ومن.

على خلقه، بتبصيره إياهم سبيل الهدى، وتحذيره لهم طرق الردى, وغير ذلك من نعمه التي &; 5-279 &; ينعمها عليهم في دنياهم ودينهم، وأنفسهم وأموالهم- كما أحيى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت بعد إماتته إياهم، وجعلهم لخلقه مثلا وعظة يتعظون بهم، عبرة يعتبرون بهم، وليعلموا أن الأمور كلها بيده, فيستسلموا لقضائه, ويصرفوا الرغبة كلها والرهبة إليه.

(212) ثم أخبر تعالى ذكره أن أكثر من ينعم عليه من عباده بنعمه الجليلة، ويمن عليه بمننه الجسيمة, يكفر به ويصرف الرغبة والرهبة إلى غيره, ويتخذ إلها من دونه, كفرانا منه لنعمه التي توجب أصغرها عليه من الشكر ما يفدحه، ومن الحمد ما يثقله, فقال تعالى ذكره: " ولكن أكثر الناس لا يشكرون "، يقول: لا يشكرون نعمتي التي أنعمتها عليهم، وفضلي الذي تفضلت به عليهم, بعبادتهم غيري، وصرفهم رغبتهم ورهبتهم إلى من دوني ممن لا يملك لهم ضرا ولا نفعا, ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا.

(213) -------------- الهوامش : (166) انظر ما سلف في معنى"الرؤية" 3 : 75-79 .

(167) في المطبوعة : "وعلمه به" بزيادة الواو ، وهي فاسدة ، والصواب من المخطوطة .

(168) الأثران : 5596 ، 5597- أخرجه الحاكم في المستدرك 2 : 281 ، وقال : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ، وقال الذهبي"ميسرة ، لم يرويا له وروى له البخاري في الأدب المفرد .

وانظر ابن كثير 1 : 590 ، والدر المنثور 1 : 310 .

و"ميسرة" ، هو : "ميسرة بن حبيب النهدي" ، مترجم في التهذيب .

(169) في المخطوطة : "فناداه" ، وعلى الهاء من فوق حرف"ط" ، وفي الدر المنثور 1 : 311"فنادى حزقيل" ، وفي المطبوعة : "فناداهم" ، وأثبت ما في تاريخ الطبري 1 : 237 .

(170) بعد هذا في الدر المنثور 1 : 311 : [ثم قال : "أيتها العظام ، إن الله يأمرك أن ينبت العصب والعقب" فتلازمت واشتدت بالعصب والعقب] .

وفي تاريخ الطبري : "يا أيتها العظام النخرة" (171) في المطبوعة : "إلى أجسادك" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وتاريخ الطبري ، والدر المنثور .

(172) الأثر : 5598 : "محمد بن سهل بن عسكر" التميمي ، أبو بكر النجاري الحافظ الجوال قال النسائي وابن عدي : "ثقة" سكن بغداد ومات بها سنة 251 ، مترجم في التهذيب و"إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه الصنعاني" ، روى عن ابن عمه إبراهيم بن عقيل ، وعمه عبد الصمد بن معقل ، وروى عنه أحمد بن حنبل ، قال النسائي : ليس به بأس ، وذكره ابن حبان في الثقات .

توفي باليمن سنة 210 .

مترجم في التهذيب .

والأثر رواه الطبري بهذا الإسناد في التاريخ 1 : 237 ، والدر المنثور 1 : 311 .

(173) خوى الرجل في سجوده : تجافى وفرج ما بين عضديه وجنبيه وفي الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد خوى .

(174) في المطبوعة : "فقال أحدهم" ، والصواب من المخطوطة وتاريخ الطبري .

(175) انفتل فلان من صلاته : انصرف بعد قضائها ، ومثله : "فتل وجهه عن القوم" ، صرفه ولواه عنهم .

(176) في المخطوطة والمطبوعة : "رأيت" بغير همزة استفهام ، والصواب من الطبري ، والدر المنثور .

وقول العرب"أرأيت كذا" ، يريدون به معنى الاستخبار ، بمعنى أخبرني عن كذا .

(177) في المطبوعة وتاريخ الطبري : "إنا نجد في كتابنا" ، وفي المخطوطة والد المنثور : "نجده" وهو الذي أثبت .

وفي تاريخ الطبري بعد"يعطي ما أعطى حزقيل" .

والقرن (بفتح فسكون) : الحصن ، والقرن أيضًا : الجبيل المنفرد .

وقرن الجبل : أعلاه .

(178) في المطبوعة : "رسلا لم يقصصهم" بحذف الواو ، وبالياء من"يقصصهم" ، وفي المخطوطة كذلك إلا أن"الياء" غير منقوطة ، وأثبت نص الآية ، على ما جاءت في تاريخ الطبري .

(179) في المطبوعة : "فقام عليهم ما شاء الله" ، والصواب من المراجع والمخطوطة .

(180) الأثر : 5600- رواه الطبري في تاريخه 1 : 238 ، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور 1 : 311 .

وفي المطبوعة والمخطوطة والدر : "أشعث بن أسلم البصري" ، وفي التاريخ"أشعث عن سالم النصري" ، و"أشعث بن أسلم العجلي البصري ثم الربعي" ، روى عن أبيه أنه رأى أبا موسى الأشعري ، روى عنه سعيد بن أبي عروبة .

مترجم في ابن أبي حاتم 1 /1 /269 .

وأما"سالم النصري" ، فهو : سالم بن عبد الله النصري ، هو"سالم سبلان" ، مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 2 /1 /184 ، روى عن عمان وعائشة وأبي سعيد ، وأبي هريرة .

روى عنه سعيد المقبري ، وبكير بن عبد الله وغيرهما .

وأنا أظن أن الذي في التاريخ أقرب إلى الصواب .

(181) في المخطوطة : "دار وردان" بزيادة راء ، والصواب ما في تاريخ الطبري ، والدر المنثور ، ومعجم البلدان ، وهي من نواحي شرقي واسط ، بينهما فرسخ .

(182) في التاريخ : "فلم يمت منهم كثير" .

(183) الأفيح والفياح : الواسع المنتشر النواحي ، ويقال : روضة فيحاء ، من ذلك .

(184) في المطبوعة : "يلوي شدقيه" ، وأثبت ما في المخطوطة وتاريخ الطبري .

ولوى شدقه : أماله متعجبا مما يرى ويشهد .

(185) السحنة (بفتح فسكون) : الهيئة واللون والحال ، وبشرة الوجه والمنظر .

(186) في المخطوطة والمطبوعة : "إلا عاد كفنا دسما" ، وضبط في التاريخ بضم الدال وسكون السين ، وهو خطأ ، فإن هذا جمع أدسم ودسما ، وليس هذا مقام جمع .

وقوله : "كفنا دسما مثل الكفن" ليس بلبسان عربي ، فحذفتها وأثبت ما في التاريخ ، وأما الرواية الأخرى في الدر المنثور فهي : "إلا عاد كفنا دسما" ، بحذف"مثل الكفن" ، فهذه أو تلك هي الصواب .

والدسم : ودك اللحم والشحم .

وفلان : دسم الثوب وأدسم الثوب ، إذا كان ثوبه متلطخا وسخا قد علق به وضر اللحم والشحم .

وأكفان الموتى دسم ، لما يسيل من أجسادهم بعد تهرئهم وتعفن أبدانهم .

(187) الأثران : 5602 ، 5603- في تاريخ الطبري 1 : 237 ، 238 ، والدر المنثور 1 : 310 بغير هذا اللفظ .

(188) في المخطوطة والمطبوعة"أو ثمانية آلاف" ، وهو لا يستقيم ، والصواب في الدر المنثور 1 : 311 .

(189) الحظائر جمع حظيرة : ما أحاط بالشيء ، تكون من قصب وخشب ، ليقي البرد والريح والعادية .

وحظ حظيرة : اتخذها .

والحظر : الحبس والمنع .

أروح الماء واللحم وغيرهما وأراح : تغيرت رائحته وأنتن .

(190) في التاريخ : "يوفنا" بالفاء .

(191) في التاريخ : "بوذي" بالذال .

(192) الأثر : 5606- في تاريخ الطبري 1 : 237 ، ثم 238 مختصرا ، والدر المنثور : 1 : 311 .

(193) في التاريخ : "بوذى" بالذال .

(194) في المخطوطة والمطبوعة : "ودخله رحمة .

.

.

" ، وأثبت ما في تاريخ الطبري .

(195) في المخطوطة والمطبوعة : "نادهم فقال .

.

.

" ، والصواب من التاريخ .

(196) في المخطوطة : "فتغساه من السماء كربه" غير منقوطة .

وفي المطبوعة : "فتغشاهم من السماء كدية" ، وهذا كلام بلا معنى ، وما أثبته هو نص الطبري في التاريخ .

وكربه الأمر : غشيه واشتد عليه وأخذ بنفسه ، فهو مكروب النفس .

(197) الأثر : 5607- في تاريخ الطبري 1 : 238 .

(198) يعني أنه جمع"إلف" (بكسر الهمزة وسكون اللام) .

وقال ابن سيده في"ألوف" : "وعندي أنه جمع آلف ، كشاهد وشهود" ، وانظر سائر كتب التفسير .

(199) في المطبوعة : "لم يصبها" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(200) لاح البرق والسيف والعظم يلوح : تلألأ ولمح ، وذلك لبياض العظام في ضوء الشمس .

(201) الأثر : 5608- أخرجه السيوطي في الدر المنثور 1 : 311 مختصرا .

وسيأتي مختصرا برقم : 5905 .

(202) في المخطوطة : "فرجعوا إلى بلادهم ، وقد قريتهم ومن تركوا ، وكثروا بها ، يقول بعضهم لبعض" ، بياض بين الكلام ، أما المطبوعة فقد أسقطت هذا البياض ، فجعلت الكلام : "فرجعوا إلى بلادهم وكروا بها ، حتى يقول بعضهم لبعض" ، بزيادة"حتى" ، فآثرت أن استظهر معنى الكلام ، فأثبت ما في المخطوطة ، وظننت أن مكان البياض ما أثبت .

هذا ولم أجد هذا الأثر في مكان آخر .

(203) في المطبوعة : "كان هؤلاء القوم من بني إسرائيل ، إذا وقع فيهم الطاعون" وفي المخطوطة : "كان هؤلاء قوما من بني إسرائيل ، كان إذا وقع .

.

.

" ، وضرب الناسخ على ألف"قوما" ، وجعلها"قوم" ، فتبين لي أن"كان" زائدة من الناسخ ، كما جاءت على الصواب في الدر المنثور 1 : 311 .

(204) الأثر : 5615-"حماد بن عثمان" ، وروى عن عبد العزيز الأعمى عن أنس .

روى عنه سعيد بن أبي أيوب ، وروى عن الحسن البصري قال ابن أبي حاتم : "سألت أبي عن حماد بن عثمان فقال : هو مجهول" .

ترجم له البخاري في الكبير 2 /1 /20 ، وابن أبي حاتم 1 /2 /144 .

(205) في المخطوطة : "وإنما جمع قليله وكثيره على أفعال" ، وزيادة"كثيره" خطأ ، والصواب ما في المطبوعة .

(206) في المخطوطة : "وعلى سائر مثل الجمع القليل" ، والصواب ما في المطبوعة .

(207) هو بكير ، أصم بني الحارث بن عباد .

(208) النقائض : 645 ، وتاريخ الطبري 2 : 155 ، والأغاني 20 : 139 ، واللسان (ألف) وغيرها .

وهذا البيت من أبيات له في يوم ذي قار ، وهو اليوم الذي انتصفت فيه العرب من العجم ، وهزمت كسرى أبرويز بن هرمز .

وكانت وقعة ذي قار بعد يوم بدر بأشهر ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرها قال : "هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم ، وبي نصروا" .

وكانت بنو شيبان في هذا اليوم أهل جد وحد ، فمدحهم الأعشى وبكير الأصم .

هذا وقد روى الطبري هنا"كانوا ثلاثة آلف" ، ورواية المراجع جميعا : "عربا ثلاثة آلف .

.

.

" وذلك أن كسرى عقد للنعمان بن زرعة على تغلب والنمر ، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد ، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب ، ومعه كتيبتاه : الشهباء والدوسر ، فكانت العرب ثلاثة آلف .

وعقد أيضًا للهامرز التستري على ألف من الأساورة ، وعقد الخنابزين على ألف ، فكانت العجم ألفين .

(الأغاني 20/134) ، فهذا تصحيح الرواية المجمع عليها وبيانها ، وأول هذه الأبيات : إن كــنت ســاقية المدامـة أهلهـا فاســقي عــلى كـرم بنـي همـام وأبــا ربيعــة كلهــا ومحلمــا ســـبقا بغايــة أمجــد الأيــام ضربـوا بنـي الأحـرار يـوم لقوهم بالمشــرفي عــلى مقيــل الهـام عربـــا ثلاثـــة آلـــف .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وعنى بقوله : "بني الفدام" ، الفرس .

وذلك أن المجوس كان مما يتدينون به أنهم إذا شرابا ، شدوا على أفواههم خرقة كاللثام ، فسميت هذه الطائفة منهم : بنو الفدام .

(209) انظر ما سلف 1 : 354 ، 355 في تفسير : "حذر الموت" وإعرابها .

(210) في المطبوعة : "في سبيل الله" وأثبت ما في المخطوطة .

(211) في المخطوطة والمطبوعة : "بعقوبته" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة .

وعقوة الدار : ساحتها وما حولها قريبا منها .

يقال : نزل بعقوته ، ونزلت الخيل بعقوة العدو .

(212) في المطبوعة : "فيستسلمون .

.

.

ويصرفون" ، وفي المخطوطة : "فيستسلمون .

.

.

ويصرفوا" (213) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم ، وفي المخطوطة بعده ما نصه : "وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا" .

ثم يبدأ التقسيم التالي بما نصه : "بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن"

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون [ ص: 210 ] فيه ست مسائل : الأولى : قوله تعالى : ( ألم تر ) هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم .

والمعنى عند سيبويه تنبه إلى أمر الذين .

ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين .

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " ألم تر " بجزم الراء ، وحذفت الهمزة حذفا من غير إلقاء حركة لأن الأصل ألم ترء .وقصة هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء ، وكانوا بقرية يقال لها ( داوردان ) فخرجوا منها هاربين فنزلوا واديا فأماتهم الله تعالى .

قال ابن عباس : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا : نأتي أرضا ليس بها موت ، فأماتهم الله تعالى ، فمر بهم نبي فدعا الله تعالى فأحياهم .

وقيل : إنهم ماتوا ثمانية أيام .

وقيل : سبعة ، والله أعلم .

قال الحسن : أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم ، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم .

وقيل : إنما فعل ذلك بهم معجزة لنبي من أنبيائهم ، قيل : كان اسمه شمعون .

وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى .

وقيل : إنهم فروا من الجهاد ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي عليه السلام ، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك ، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء ، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله ، قاله الضحاك .

قال ابن عطية : وهذا القصص كله لين الأسانيد ، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ، ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره ، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر .

وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد ، هذا قول الطبري وهو ظاهر وصف الآية .قوله تعالى : وهم ألوف قال الجمهور : هي جمع ألف .

قال بعضهم : كانوا ستمائة ألف .

وقيل : كانوا ثمانين ألفا .

ابن عباس : أربعين ألفا .

أبو مالك : ثلاثين ألفا .

السدي : سبعة وثلاثين ألفا .

وقيل : سبعين ألفا ، قاله عطاء بن أبي رباح .

وعن ابن عباس أيضا أربعين ألفا ، وثمانية آلاف ، رواه عنه ابن جريج .

وعنه أيضا ثمانية آلاف ، وعنه أيضا أربعة آلاف ، وقيل : ثلاثة آلاف .

والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى : ( وهم ألوف ) وهو جمع الكثرة ، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف .

وقال ابن زيد في لفظة ألوف : إنما معناها وهم مؤتلفون ، أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين ، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم ، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم .

فألوف [ ص: 211 ] على هذا جمع آلف ، مثل جالس وجلوس .

قال ابن العربي : أماتهم الله تعالى مدة عقوبة لهم ثم أحياهم ، وميتة العقوبة بعدها حياة ، وميتة الأجل لا حياة بعدها .

قال مجاهد : إنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون أنهم كانوا موتى ولكن سحنة الموت على وجوههم ، ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم .

ابن جريج عن ابن عباس : وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم .

وروي أنهم كانوا بواسط العراق .

ويقال : إنهم أحيوا بعد أن أنتنوا ، فتلك الرائحة موجودة في نسلهم إلى اليوم .الثانية : حذر الموت أي لحذر الموت ، فهو نصب لأنه مفعول له .

و ( موتوا ) أمر تكوين ، ولا يبعد أن يقال : نودوا وقيل لهم : موتوا .

وقد حكي أن ملكين صاحا بهم : موتوا فماتوا ، فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين " موتوا " ، والله أعلم .الثالثة : أصح هذه الأقوال وأبينها وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من الوباء ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خرجوا فرارا من الطاعون فماتوا ، فدعا الله نبي من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله .

وقال عمرو بن دينار في هذه الآية : وقع الطاعون في قريتهم فخرج أناس وبقي أناس ، ومن خرج أكثر ممن بقي ، قال : فنجا الذين خرجوا ومات الذين أقاموا ، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم ، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم .

وقال الحسن : خرجوا حذارا من الطاعون فأماتهم الله ودوابهم في ساعة واحدة ، وهم أربعون ألفا .قلت : وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية .

فروى الأئمة واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارا منه وأخرجه أبو عيسى الترمذي فقال : حدثنا قتيبة أنبأنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال : بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا [ ص: 212 ] عليها قال : حديث حسن صحيح .

وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم لما رجعوا من سرغ حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث ، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره .

وقد كره قوم الفرار من الوباء والأرض السقيمة ، روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : الفرار من الوباء كالفرار من الزحف .

وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة ، وفيها : أنه رجع .

وقال الطبري : في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقي المكاره قبل نزولها ، وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها ، وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها ، وذلك أنه عليه السلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها ، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه ، فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها ، سبيله في ذلك سبيل الطاعون .

وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام : لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا .قلت : وهذا هو الصحيح في الباب ، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام ، وعليه عمل أصحابه البررة الكرام رضي الله عنهم ، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجا عليه لما قال له : أفرارا من قدر الله!

فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة !

نعم ، نفر من قدر الله إلى قدر الله .

المعنى : أي لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه ، ولكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهلكات ، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات .

ثم قال له : أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله عز وجل .

فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة .

قال الكيا الطبري : ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحوا من بين أيديهم ، وإن كانت الآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص .

وقد قيل : إنما نهي عن الفرار منه لأن الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ [ ص: 213 ] بحظ منه ، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام ، فلا فائدة لفراره ، بل يضيف إلى ما أصابه من مبادئ الوباء مشقات السفر ، فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق ، ولذلك يقال : ما فر أحد من الوباء فسلم ، حكاه ابن المدائني .

ويكفي في ذلك موعظة قوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ولعله إن فر ونجا يقول : إنما نجوت من أجل خروجي عنه فيسوء اعتقاده .

وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه ، ولما فيه من تخلية البلاد : ولا تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج منها ، ولا يتأتى لهم ذلك ، ويتأذون بخلو البلاد من المياسير الذين كانوا أركانا للبلاد ومعونة للمستضعفين .

وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد أخذا بالحزم والحذر والتحرز من مواضع الضرر ، ودفعا للأوهام المشوشة لنفس الإنسان ، وفي الدخول عليه الهلاك ، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى ، فإن صيانة النفس عن المكروه واجبة ، وقد يخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول : لولا دخولي في هذا المكان لما نزل بي مكروه .

فهذه فائدة النهي عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها ، والله أعلم .

وقد قال ابن مسعود : الطاعون فتنة على المقيم والفار ، فأما الفار فيقول : فبفراري نجوت ، وأما المقيم فيقول : أقمت فمت ، وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجذوم فقال : ما سمعت فيه بكراهة ، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الوباء : إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه .

وسئل أيضا عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض ، فهل يكره الخروج منها ؟

فقال : ما أرى بأسا خرج أو أقام .الرابعة : في قوله عليه السلام : إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه .

دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه ، إذا اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وكذلك حكم الداخل إذا أيقن أن دخولها لا يجلب إليه قدرا لم يكن الله قدره له ، فباح له الدخول إليه والخروج منه على هذا الحد الذي ذكرناه ، والله أعلم .الخامسة : في فضل الصبر على الطاعون وبيانه .

الطاعون وزنه فاعول من الطعن ، غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالا على الموت العام بالوباء ، قاله الجوهري .

ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فناء أمتي بالطعن والطاعون - قالت : [ ص: 214 ] الطعن قد عرفناه فما الطاعون ؟

قال : غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط .

قال العلماء : وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء من العصاة من عبيده وكفرتهم ، وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين ، كما قال معاذ في طاعون عمواس : إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيكم ، اللهم أعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك .

فطعن في كفه رضي الله عنه .

قال أبو قلابة : قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم ؟

فسألت عنها فقيل : دعا عليه السلام أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا .

ويروى من حديث جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف .

وفي البخاري عن يحيى بن يعمر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد .

وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام : ( الطاعون شهادة والمطعون شهيد ) .

أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه ، ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد .

وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس بداخل في معنى الحديث ، والله أعلم .السادسة : قال أبو عمر : لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فر من الطاعون إلا ما ذكره ابن المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب من الطاعون إلى السيالة فكان يجمع كل [ ص: 215 ] جمعة ويرجع ، فكان إذا جمع صاحوا به : فر من الطاعون!

فمات بالسيالة .

قال : وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي الفقيمي في ذلك :ولما استفز الموت كل مكذب صبرت ولم يصبر رباط ولا عمرووذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال : هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان ، فسمع حاديا يحدو خلفه :لن يسبق الله على حمار ولا على ذي منعة طيارأو يأتي الحتف على مقدار قد يصبح الله أمام الساريوذكر المدائني قال : وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها ( سكر ) .

فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك بن مروان .

فقال له عبد العزيز : ما اسمك ؟

فقال له : طالب بن مدرك .

فقال : أوه ما أراني راجعا إلى الفسطاط !

فمات في تلك القرية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقص تعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر، { فقال الله لهم موتوا } فماتوا { ثم } إن الله تعالى { أحياهم } إما بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى، ولهذا قال: { إن الله لذو فضل } أي: عظيم { على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون } فلا تزيدهم النعمة شكرا، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ) قال أكثر أهل التفسير : كانت قرية يقال لها : داوردان قبل واسط بها وقع الطاعون فخرجت طائفة منها وبقيت طائفة فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الذين خرجوا فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا : أصحابنا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا لبقينا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا وباء بها فوقع الطاعون من قابل فهرب عامة أهلها وخرجوا حتى نزلوا واديا أفيح فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا فماتوا جميعا .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام فلما جاء سرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " فرجع عمر من سرغ قال الكلبي ومقاتل والضحاك : إنما فروا من الجهاد وذلك أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت فاعتلوا وقالوا لملكهم : إن الأرض التي تأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء فأرسل الله عليهم الموت فخرجوا من ديارهم فرارا من الموت فلما رأى الملك ذلك قال : اللهم رب يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك فلما خرجوا قال لهم الله تعالى : موتوا عقوبة لهم فماتوا جميعا وماتت دوابهم كموت رجل واحد فأتى عليهم ثمانية أيام حتى انتفخوا وأروحت أجسادهم فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها .

واختلفوا في مبلغ عددهم قال عطاء الخراساني : كانوا ثلاثة آلاف وقال وهب : أربعة آلاف وقال مقاتل والكلبي : ثمانية آلاف وقال أبو روق : عشرة آلاف وقال السدي : بضعة وثلاثون ألفا وقال ابن جريج : أربعون ألفا وقال عطاء بن أبي رباح : سبعون ألفا وأولى الأقاويل : قول من قال كانوا زيادة على عشرة آلاف لأن الله تعالى قال " وهم ألوف " والألوف جمع الكثير وجمعه القليل آلاف ولا يقال لما دون عشرة آلاف ألوف قالوا : فأتت على ذلك مدة وقد بليت أجسادهم وعريت عظامهم فمر عليهم نبي يقال له حزقيل بن بودى ثالث خلفاء بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام وذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل كان بعد موسى يوشع بن نون ثم كالب بن يوقنا ثم حزقيل وكان يقال له ابن العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد بعد ما كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها قال الحسن ومقاتل : هو ذو الكفل وسمي حزقيل ذا الكفل لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل فلما مر حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم متعجبا فأوحى الله تعالى إليه تريد أن أريك آية؟

قال نعم : فأحياهم الله وقيل : دعا حزقيل ربه أن يحييهم فأحياهم .

وقال مقاتل والكلبي : هم كانوا قوم حزقيل أحياهم الله بعد ثمانية أيام وذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى فبكى وقال : يا رب كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحيدا لا قوم لي فأوحى الله تعالى إليه : أني جعلت حياتهم إليك قال حزقيل : احيوا بإذن الله فعاشوا .

قال مجاهد : إنهم قالوا حين أحيوا سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا طويلا وسحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : وإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح قال قتادة : مقتهم الله على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم ثم بعثوا ليستوفوا مدة آجالهم [ ولو جاءت آجالهم ] ما بعثوا فذلك قوله تعالى : ( ألم تر ) أي ألم تعلم بإعلامي إياك وهو من رؤية القلب .

قال أهل المعاني : هو تعجيب يقول هل رأيت مثلهم؟

كما تقول : ألم تر إلى ما يصنع فلان؟

وكل ما في القرآن ألم تر ولم يعاينه النبي صلى الله عليه وسلم فهذا وجهه ( إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ) جمع ألف وقيل مؤتلفة قلوبهم جمع آلف مثل قاعد وقعود والصحيح أن المراد منه العدد ( حذر الموت ) أي خوف الموت ( فقال لهم الله موتوا ) أمر تحويل كقوله " كونوا قردة خاسئين " ( 65 - البقرة ( ثم أحياهم ) بعد موتهم ( إن الله لذو فضل على الناس ) قيل هو على العموم في حق الكافة في الدنيا وقيل على الخصوص في حق المؤمنين ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) أما الكفار فلم يشكروا وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية الشكر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم تر» استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده أي ينته علمك «إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف» أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفا «حذر الموت» مفعول له وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففروا «فقال لهم الله موتوا» فماتوا «ثم أحياهم» بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيهم حزقيل بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن واستمرت في أسباطهم «إن الله لذو فضل على الناس» ومنه إحياء هؤلاء «ولكن أكثر الناس» وهم الكفار «لا يشكرون» والقصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال ولذا عطف عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تعلم -أيها الرسول- قصة الذين فرُّوا من أرضهم ومنازلهم، وهم ألوف كثيرة؛ خشية الموت من الطاعون أو القتال، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا دفعة واحدة عقوبة على فرارهم من قدر الله، ثم أحياهم الله تعالى بعد مدة؛ ليستوفوا آجالهم، وليتعظوا ويتوبوا؟

إن الله لذو فضل عظيم على الناس بنعمه الكثيرة، ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله عليهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الآلوسي : قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَر ) هذه الكلمة قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجب والتقرير والتذكير لمن علم بما يأتي - كالأحبار وأهل التواريخ - وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهرت في ذلك حتى أجريت مجرى المثل في هذا الباب ، بأن شبه من " لم ير " الشيء بحال من رآه في أنه لا ينبغي أن يخفى عليه وأنه ينبغي أن يتعجب منه ، ثم أجرى الكلام معه كما يجرى مع من رأى ، قصداً إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب .

ثم قال : والرؤية إما بمعنى الإِبصار مجازاً عن النظر ، وفائدة التجوز الحث على الاعتبار ، لأن النظر اختياري دون الإدراك الذي بعده ، وإما بمعنى الإِدراك القلبي متضمناً معنى الوصول والانتهاء ولهذا تعدت - أي الرؤية - بإلى في قوله : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ .

.

) .والمعنى : قد علمت أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل - حال أولئك القوم الذين خرجوا من ديارهم التي ألفوها واستوطنوها ، وهم ألوف مؤلفة ، وكثرة كاثرة ، وما كان خروجهم إلا فراراً وخوفاً من الموت الذي سيلاقيهم - إن عاجلا أو آجلا - .ومن لم يعلم حالهم فها نحن أولاء نعلمه بها ونحيطه بما جرى لهم عن طريق هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .والمقصود من هذه الآية الكريمة حض الناس جميعاً على الاعتبار والاتعاظ وزجرهم عن الفرار من الموت هلعاً وجبناً ، وتحريضهم على القتال في سبيل الله فقد قال - تعالى - بعد ذلك : ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .

.

.

) وإفهامهم أن الفرار من الموت لن يؤدي إلا إلى الوقوع فيه .وقوله : ( وَهُمْ أُلُوفٌ ) جملة حالية من الضمير في ( خَرَجُواْ ) و ( أُلُوفٌ ) جمع ألف .

والتعبير بألوف يفيد أنهم كانوا كثيرى العدد ، ومن شأن الكثرة أنها تدعو إلى الشجاعة ولكنهم مع هذه الكثرة قد استولى عليهم الجبن فخرجوا من ديارهم هرباً من الموت .وقيل إن معنى ( وَهُمْ أُلُوفٌ ) أنهم خرجوا مؤتلفي القلوب ، ولم يخرجوا عن افتراق كان منهم ، ولا عن تباغض حدث بينهم .

وألوف على هذا القول جمع آلف مثل قاعد وقعود وشهود .

قالوا : والوجه الأول أجدر بالاتباع لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة يفيد مزيد اعتبار بحالهم ، ولأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة .وقوله : ( حَذَرَ الموت ) أي خرجوا لحذر الموت وخشيته ، فقوله : ( حَذَرَ ) منصوب على أنه مفعول لأجله .

الجملة الكريمة تشير إلى أن خروجهم كان الباعث عليه الحرص على مطلق حياة ولو كانت حياة ذل ومهانة ، وأنه لم يكن هناك سبب معقول يحملهم على هذا الخروج ، ولذا كانت نتيجة ذلك أن عاقبهم الله - تعالى - بالموت الذي هوبوا منه فقال :( فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) أي : فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم أحياهم بعد ذلك .فجملة ( ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) معطوفة على مقدر يستدعيه المقام أي ، فماتوا ثم أحياهم .

وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده - تعالى - عن إرادته .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى قوله : ( فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ) قلت : معناه فأماتهم وإنما جيء به على هذه الصورة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته ، وتلك ميتة خارجة عن العادة ، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوا امتثالا من غير إباء ولا توقف كقوله - تعالى - ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة ، وأن الموت إذا لم يكن منه بد ، ولم ينفع منه مفر ، فأولى أن يكون في سبيل الله .وقال الجمل : " فإن قلت هذا يقتضي أن هؤلاء ماتوا مرتين وهو مناف للمعروف من أن موت الخلق مرة واحدة؟

قلنا في الجواب : لا منافاة إذ الموت هنا عقوبة مع بقاء الأجل كما في قوله في قصة موسى : ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) وثم موت بانتهاء الأجل ، وتلخيصه : أنه - سبحانه - أماتهم قبل آجالهم عقوبة لهم ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ، وميتة العقوبة بعدها حياة - أي في الدنيا - بخلاف ميتة الأجل - فلا حياة بعدها في الدنيا - .

.

"وبعد هذا البيان لمعنى الآية قد يقال : من هم أولئك القوم الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الموت؟

وهل الإِماتة والإِحياء بالنسبة لهم كانا على سبيل الحقيقة؟للإِجابة على السؤال الأول نقول : لم يرد حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه من هؤلاء القوم وفي أي زمن كانوا ، وإنما أورد بعض المفسرين عن بعض الصحابة والتابعين روايات فيها مقال ، وفيها تفصيلات نرى من الخير عدم ذكرها لضعفها .

ومن هذه الروايات ما جاء عن ابن عباس أنه قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون ، حتى إذا كانوا بموضع كذا أو كذا ماتوا .

.

ثم أحياهم الله بدعوة دعاها نبيهم .ومنها أنهم - قوم من بني إسرائيل - فروا من الجهاد حين أمرهم الله به على لسان نبيهم " حزقيل " وخافوا من الموت في الجهاد فخرجوا من ديارهم فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء ، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد .

.

" .قال القرطبي بعد أن ساق هذه الرواية : وقال ابن عطية : وهذا القصص كله لين الأسانيد ، وإنما اللازم من الآية أن الله - تعالى - أخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إخباراً في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فراراً من الموت فأماتهم الله ثم أحياهم ليروا هم وكل من جاء من بعدهم أن الإِماتة إنما هي بيد الله لا بيد غيره ، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر .وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمر المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد .

وهذا قول الطبري وهو ظاهر وصف الآية والذي نراه أن الرواية الثانية التي تقول : إنهم قوم من بني إسرائيل فروا من الجهاد حين أمرهم الله به .

.

معقولة المعنى ، ويؤيدها سياق الآيات ، لأن الآيات تحض الناس على القتال في سبيل الله ، وتسوق لهم قصة هؤلاء القوم لكي يعتبروا ويتعظوا ولا يتخلفوا عن الجهاد الذي هو باب من أبواب الجنة - كما قال الإِمام على بن أبي طالب - ولأن قوله - تعالى : ( وَهُمْ أُلُوفٌ ) يشعر بأنهم مع كثرة عددهم قد نكصوا على أعقابهم ، وفروا من وجوه أعدائهم وهذا شأن بني إسرائيل في كثير من أدوار تاريخهم وما قاله ابن عطية يشير إليها فهو يقول : وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمر المؤمنين .

.

.

بالجهاد .

إلا أنه آثر وصفهم بأنهم قوم من البشر .وللإِجابة على السؤال الثاني وهو - هل الإِماتة والإِحياء بالنسبة لهم كانا على سبيل الحقيقة - نقول : مبلغ علمنا أن المفسرين مجمعون على أن الموت كان موتاً حقيقياً حسياً لهم ، وأن إعادتهم إلى الحياة بعد ذلك كانت إعادة حقيقية حسية .وقد خالف الأستاذ الإِمام محمد عبده إجماع المفسرين هذا فرأى أن المراد بالموت في الآية الموت المعنوي بمعنى أن موت الأمم إنما هو في جبنها وذلتها وأن حياتها إنما تكون في عزتها وحريتها ، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه ." .

.

والمتبادر من السياق أن أولئك القوم خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو مهاجم لا من قلتهم ، فقد كانوا ألوفاً أي كثيرين ، وإنما هو الحذر من الموت الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء ، فيريهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت وما هو إلا سبب الموت بما يمكن الأعداء من رقاب أهله ، قال أبو الطيب :يرى الجبناء أن الجبن حزم ...

وتلك خديعة الطبع اللئيمثم قال : لقد خرجوا فارين ( فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ) أي أماتهم بإمكان العدو منهم .

.

.

فمعنى أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم وأزال استقلال أمتهم حتى صارت لا تعد أمة ، بأن تفرق شملها ، وذهبت جامعتها ، فكل من بقي من أفرادها بقي خاضعاً للغالبين ضائعاً فيهم ، لا وجود له في نفسه ، وإنما وجوده تابع لوجود غيره .ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم ، ذلك أن من رحمة الله في البلاء يصيب الناس أنه يكون تأديباً لهم ، ومطهراً لنفوسهم مما عرض لها من دنس الأخلاق الذميمة .أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الخوف والجبن والفشل والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها ، فجمعوا كلمتهم ، ووثقوا رابطتهم ، حتى عادت لهم وحدتهم ، فاعتزوا وكثروا حتى خرجوا من ذل العبودية التي كانوا فيها إلى عز الاستقلال فهذا معنى حياة الأمم وموتها " .فأنت ترى أن الأستاذ الإِمام يرى أن الموت والحياة في الآية معنويان ، بمعنى أن موت الأم في جبنها وذلتها ، وحياتها في استقلالها وحريتها .ولعله - رحمه الله - قد اتجه هذا الاتجاه لأن الحض على القتال في سبيل الله واضح في هذه الآيات ، ولأنه يرى أن واقع العالم الإِسلامي يومئذ وما أصابه من ظلم واستبداد واستلاب للحرية يدعوه إلى أن يحرض المسلمين على القتال في سبيل حقهم المسلوب ، وأن يحذرهم من سوء عاقبة الجبن والخنوع .ومع أننا لا نشك في الدوافع الطيبة والبواعث الكريمة التي جعلت الأستاذ الإِمام يتجه هذا الاتجاه ، إلا أننا لا نتردد في اختيار ما ذهب إليه المفسرون من أن الموت والحياة في الآية حسيان حقيقيان ، لأنه هو الظهر من معنى الآية الكريمة ، ولأنه يتجه اتجاهاً أعم من اتجاه الإِمام محمد عبده ، لأن المفسرين يرون أن الآية واضحة في إثبات قدرة الله وفي صحة البعث ، وفي الحض على القتال في سبيل الله .قال بعض العلماء : قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ ) الآية .

" كان المشركون يستفتون اليهود في كثير من الأمور وكانت هذه القصة معلومة لليهود في أسفارهم وتواريخهم ، فنزل القرآن بالإِشارة إليها ليرتدع المشركون عما هم فيه من الضلال وإنكار البعث ، ويعلموا أن دلائل القدرة على البعث مشهورة ، وأن عند اليهود منها ما لو رجعوا إليهم فيه لعلموا أنه حق لا ريب فيه .

وفي ذكر هذه القصة مع ذلك تشجيع للمؤمنين على الجهاد والتعرض للشهادة ، وتمهيد لما بعد هذه الآية " .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ ) أي : إن الله - تعالى - لصاحب تفضل دائم على الناس حيث أوجدهم بهذه الصورة الحسنة ، وخلق لهم عقولا ليهتدوا بها إلى طريق الخير ، وسخر لهم الكثير مما في هذا الكون .

فمن الواجب عليهم أن يشكروه وأن يطيعوه ، ولكن الذي حدث منهم أن أكثرهم لا يشكرون الله - تعالى - على ما منحهم من نعم .وفي قوله : ( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ ) إنصاف للقلة الشاكرة منهم ، ومديح لهم على استقامتهم وقوة إيمانهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن عادته تعالى في القرآن أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص ليفيد الاعتبار للسامع، ويحمله ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد، ومزيد الخضوع والانقياد فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم ﴾ أما قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الرؤية قد تجئ بمعنى رؤية البصيرة والقلب، وذلك راجع إلى العلم، كقوله: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا  ﴾ معناه: علمنا، وقال: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله  ﴾ أي علمك، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء: ألم تر إلى ما جرى على فلان، فيكون هذا ابتداء تعريف، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن نقول: كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم.

المسألة الثانية: هذا الكلام ظاهره خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب معه، كقوله تعالى: ﴿ يا أيها النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ  ﴾ .

المسألة الثالثة: دخول لفظة ﴿ إلى ﴾ في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين ﴾ يحتمل أن يكون لأجل أن ﴿ إلى ﴾ عندهم حرف للانتهاء كقولك: من فلان إلى فلان، فمن علم بتعليم معلم، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه، فحسن من هذا الوجه دخول حرف ﴿ إلى ﴾ فيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل  ﴾ .

أما قوله: ﴿ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم ﴾ ففيه روايات أحدها: قال السدي: كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها، والذين بقوا مات أكثرهم، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا سالمين، فقال من بقي من المرضى: هؤلاء أحرص منا، لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات، ولئن وقع الطاعون ثانياً خرجنا فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً، فلما خرجوا من ذلك الوادي، ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا، فهلكوا وبليت أجسامهم، فمر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهما وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك كيف أحييهم؟

فقال نعم فقيل له: ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام ثم أوحى الله إليه: ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً ودماً، فصارت لحماً ودماً، ثم قيل: ناد إن الله يأمرك أن تقومي فقامت، فلما صاروا أحياء قاموا، وكانوا يقولون: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم، وكانت أمارات أنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم.

الرواية الثانية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال، فخافوا القتال وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء، فأماتهم الله تعالى بأسرهم، وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا، وبلغ بني إسرائيل موتهم، فخرجوا لدفنهم، فعجزوا من كثرتهم، فحظروا عليهم حظائر، فأحياهم الله بعد الثمانية، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم، واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى عقيب هذه الآية ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله  ﴾ .

والرواية الثالثة: أن حزقيل النبي عليه السلام ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا، فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فلما رأى حزقيل ذلك قال: اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك، فأرسل الله عليهم الموت، ثم إنه عليه السلام ضاق صدره بسبب موتهم، فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ ﴾ ففيه قولان الأول: أن المراد منه بيان العدد، واختلفوا في مبلغ عددهم، قال الواحدي رحمه الله: ولم يكونوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفاً، والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف لأن الألوف جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف.

والقول الثاني: أن الألوف جمع آلاف كقعود وقاعد، وجلوس وجالس، والمعنى أنهم كانوا مؤتلفي القلوب، قال القاضي: الوجه الأول أولى، لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة يفيد مزيد اعتبار بحالهم، لأن موت جمع عظيم دفعة واحدة لا يتفق وقوعه يفيد اعتباراً عظيماً، فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة، كوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير ولا يختلف.

ويمكن أن يجاب عن هذا السؤال بأن المراد كون كل واحد منهم آلفاً لحياته، محباً لهذه الدنيا فيرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة  ﴾ ثم إنهم مع غاية حبهم للحياة والفهم بها، أماتهم الله تعالى وأهلكهم، ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه من الموت فهذا القول على هذا الوجه ليس في غاية البعد.

أما قوله: ﴿ حَذَرَ الموت ﴾ فهو منصوب لأنه مفعول له، أي لحذر الموت، ومعلوم أن كل أحد يحذر الموت، فلما خص هذا الموضع بالذكر، علم أن سبب الموت كان في تلك الواقعة أكثر، إما لأجل غلبة الطاعون أو لأجل الأمر بالمقاتلة.

أما قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ﴾ ففي تفسير ﴿ قَالَ الله ﴾ وجهان الأول: أنه جار مجرى قوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ وقد تقدم أنه ليس المراد منه إثبات قول، بل المراد أنه تعالى متى أراد ذلك وقع من غير منع وتأخير، ومثل هذا عرف مشهور في اللغة، ويدل عليه قوله: ﴿ ثُمَّ أحياهم ﴾ فإذا صح الإحياء بالقول، فكذا القول في الإماتة.

والقول الثاني: أنه تعالى أمر الرسول أن يقول لهم: موتوا، وأن يقول عند الإحياء ما رويناه عن السدي، ويحتمل أيضاً ما رويناه من أن الملك قال ذلك، والقول الأول أقرب إلى التحقيق.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أحياهم ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا فوجب القطع به، وذلك لأنه في نفسه جائز والصادق أخبر عن وقوعه فوجب القطع بوقوعه، أما الإمكان فلأن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن، وإلا لما وجد أولاً، واحتمال تلك الأجزاء للحياة ممكن وإلا لما وجد أولاً، ومتى ثبت هذا فقد ثبت الإمكان، وأما إن الصادق قد أخبر عنه ففي هذه الآية، ومتى أخبر الصادق عن وقوع ما ثبت في العقل إمكان وقوعه وجب القطع به.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: إحياء الميت فعل خارق للعادة، ومثل هذا لا يجوز من الله تعالى إظهاره إلا عندما يكون معجزة لنبي، إذ لو جاز ظهوره لا لأجل أن يكون معجزة لنبي لبطلت دلالته على النبوة، وأما عند أصحابنا فإنه يجوز إظهار خوارق العادات لكرامة الولي، ولسائر الأغراض، فكأن هذا الحصر باطلاً، ثم قالت المعتزلة: وقد روي أن هذا الإحياء إنما وقع في زمان حزقيل النبي عليه السلام ببركة دعائه، وهذا يحقق ما ذكرناه من أن مثل هذا لا يوجد إلا ليكون معجزة للأنبياء عليهم السلام، وقيل: حزقيل هو ذو الكفل، وإنما سمي بذلك لأنه تكفل بشأن سبعين نبياً وأنجاهم من القتل، وقيل: إنه عليه السلام مر بهم وهم موتى فجعل يفكر فيهم متعجباً، فأوحى الله تعالى إليه: إن أردت أحييتهم وجعلت ذلك الإحياء آية لك، فقال: نعم فأحياهم الله تعالى بدعائه.

المسألة الثالثة: أنه قد ثبت بالدلائل أن معارف المكلفين تصير ضرورية عند القرب من الموت: وعند معاينة الأهوال والشدائد، فهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم لا يخلو إما أن يقال إنهم عاينوا الأهوال والأحوال التي معها صارت معارفهم ضرورية، وإما ما شاهدوا شيئاً من تلك الأهوال بل الله تعالى أماتهم بغتة، كالنوم الحادث من غير مشاهدة الأهوال ألبتة، فإن كان الحق هو الأول، فعندما أحياهم يمتنع أن يقال: إنهم نسوا تلك الأهوال ونسوا ما عرفوا به ربهم بضرورة العقل، لأن الأحوال العظيمة لا يجوز نسيانها مع كمال العقل، فكان يجب أن تبقى تلك المعارف الضرورية معهم بعد الإحياء، وبقاء تلك المعارف الضرورية يمنع من صحة التكليف، كما أنه لا يبقى التكليف في الآخرة، وإما أن يقال: إنهم بقوا بعد الإحياء غير مكلفين، وليس في الآية ما يمنع منه، أو يقال: إن الله تعالى حين أماتهم ما أراهم شيئاً من الآيات العظيمة التي تصير معارفهم عندها ضرورية، وما كان ذلك الموت كموت سائر المكلفين الذين يعاينون الأهوال عند القرب من الموت، والله أعلم بحقائق الأمور.

المسألة الرابعة: قال قتادة: إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم، وهذا القول فيه كلام كثير وبحث طويل.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه تفضل على أولئك الأقوام الذين أماتهم بسبب أنه أحياهم، وذلك لأنهم خرجوا من الدنيا على المعصية، فهو تعالى أعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي.

وثانيها: أن العرب الذين كانوا ينكرون المعاد كانوا متمسكين بقول اليهود في كثير من الأمور، فلما نبه الله تعالى اليهود على هذه الواقعة التي كانت معلومة لهم، وهم يذكرونها للعرب المنكرين للمعاد، فالظاهر أن أولئك المنكرين يرجعون من الدين الباطل الذي هو الإنكار إلى الدين الحق الذي هو الإقرار بالبعث والنشور فيخلصون من العقاب، ويستحقون الثواب، فكان ذكر هذه القصة فضلاً من الله تعالى وإحساناً في حق هؤلاء المنكرين.

وثالثها: أن هذه القصة تدل على أن الحذر من الموت لا يفيد، فهذه القصة تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان، وتزيل عن قلبه الخوف من الموت، فكان ذكر هذه القصة سبباً لبعد العبد عن المعصية وقربه من الطاعة التي بها يفوز بالثواب العظيم، فكان ذكر هذه القصة فضلاً وإحساناً من الله تعالى على عبده، ثم قال: ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ وهو كقوله: ﴿ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأوّلين، وتعجيب من شأنهم.

ويجوز أن يخاطب به من لم يَرَ ولم يسمع، لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب.

روي: أنّ أهل داوردان قرية قبل واسط وقع فيها الطاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفرّ من حكم الله وقضائه.

وقيل مرّ عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم فلوى شدقه وأصابعه تعجباً مما رأى، فأوحى إليه: ناد فيهم أن قوموا بإذن الله، فنادى، فنظر إليهم قياماً يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت.

وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ ﴾ فيه دليل على الألوف الكثيرة.

واختلف في ذلك، فقيل: عشرة، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون.

ومن بدع التفاسير.

﴿ أُلُوفٌ ﴾ متآلفون، جمع آلف كقاعد وقعود.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ﴾ ؟

قلت: معناه فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالاً من غير إباء ولا توقف، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82] وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأنّ الموت إذا لم يكن منه بدٌّ ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون في سبيل الله.

﴿ لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ﴾ حيث يبصرهم ما يعتبرون به ويستبصرون، كما بصر أولئك، وكما بصركم باقتصاص خبرهم.

أو لذو فضل على الناس حيث أحيى أولئك ليعتبروا فيفوزوا، ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم البعث.

والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثاً على الجهاد ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله.

﴿ واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ ﴾ يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما يضمرونه وهو من وراء الجزاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ تَعْجِيبٌ وتَقْرِيرٌ لِمَن سَمِعَ بِقِصَّتِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ وأرْبابِ التَّوارِيخِ، وقَدْ يُخاطَبُ بِهِ مَن لَمْ يَرَ ومَن لَمْ يَسْمَعْ فَإنَّهُ صارَ مَثَلًا في التَّعْجِيبِ.

﴿ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ يُرِيدُ أهْلَ داوَرْدانَ قَرْيَةٍ قَبْلَ واسِطَ وقَعَ فِيها طاعُونٌ فَخَرَجُوا هارِبِينَ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا ويَتَيَقَّنُوا أنْ لا مَفَرَّ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ.

أوْ قَوْمًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ دَعاهم مَلِكُهم إلى الجِهادِ فَفَرُّوا حَذَرَ المَوْتِ فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ ثُمَّ أحْياهم.

﴿ وَهم أُلُوفٌ ﴾ أيْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ.

قِيلَ عَشَرَةٌ.

وقِيلَ ثَلاثُونَ.

وقِيلَ سَبْعُونَ وقِيلَ مُتَألِّفُونَ جَمْعُ إلْفٍ أوْ آلِفٌ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ والواوُ لِلْحالِ.

﴿ حَذَرَ المَوْتِ ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ.

﴿ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ أيْ قالَ لَهم مُوتُوا فَماتُوا كَقَوْلِهِ: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ والمَعْنى أنَّهم ماتُوا مَيْتَةَ رَجُلٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ.

وقِيلَ ناداهم بِهِ مَلَكٌ وإنَّما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى تَخْوِيفًا وتَهْوِيلًا.

﴿ ثُمَّ أحْياهُمْ ﴾ قِيلَ «مَرَّ حِزْقِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أهْلِ داوَرْدانَ وقَدْ عَرِيَتْ عِظامُهم وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهُمْ، فَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ نادِ فِيهِمْ أنْ قُومُوا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَنادى فَقامُوا يَقُولُونَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ.» وفائِدَةُ القِصَّةِ تَشْجِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ والتَّعَرُّضِ لِلشَّهادَةِ، وحَثُّهم عَلى التَّوَكُّلِ والِاسْتِسْلامِ لِلْقَضاءِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ حَيْثُ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا ويَفُوزُوا وقَصَّ عَلَيْهِمْ حالَهم لِيَسْتَبْصِرُوا ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ أيْ لا يَشْكُرُونَهُ كَما يَنْبَغِي، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالشُّكْرِ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ تَرَ} تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأولين وتعجيب من شأنهم ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب {إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم} من قرية قيل واسط وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم بدعاء حزقيل عليه السلام وقيل هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم

{وَهُمْ أُلُوفٌ} في موضع النصب على الحال وفيه دليل على الألوف الكثيرة لأنها جمع كثرة وهي جمع ألف لا آلف {حَذَرَ الموت} مفعول له {فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ} أي فأماتهم الله وإنما جئ به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته وتلك ميتة خارجة عن العادة وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد وأن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر فأولى أن يكون في سبيل الله {ثُمَّ أحياهم} ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه وهو معطوف على فعل محذوف تقديره فماتوا ثم احياهم أو لما كان معنى قوله فقال لهم الله موتوا فأماتهم كان عطفاً عليه معنى {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس} حيث يبصرهم ما يعتبرون به كما بصر أولئك وكما بصركم باقتصاص خبرهم أو لذو فضل على الناس حيث أحيا أولئك ليعتبروا فيفوزوا ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم النشور {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ} ذلك والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثاً على الجهاد ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله وهو قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ هَذِهِ الكَلِمَةُ قَدْ تُذْكَرُ لِمَن تَقَدَّمَ عِلْمُهُ فَتَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ والتَّقْرِيرِ والتَّذْكِيرِ لِمَن عَلِمَ بِما يَأْتِي، كالأحْبارِ وأهْلِ التَّوارِيخِ، وقَدْ تُذْكَرُ لِمَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَتَكُونُ لِتَعْرِيفِهِ وتَعْجِيبِهِ، وقَدِ اشْتُهِرَتْ في ذَلِكَ حَتّى أُجْرِيَتْ مَجْرى المَثَلِ في هَذا البابِ؛ بِأنْ شَبَّهَ حالَ مَن لَمْ يَرَ الشَّيْءَ بِحالِ مَن رَآهُ في أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفى عَلَيْهِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَعَجَّبَ مِنهُ، ثُمَّ أجْرى الكَلامَ مَعَهُ كَما يُجْرِي مَعَ مَن رَأى؛ قَصْدًا إلى المُبالَغَةِ في شُهْرَتِهِ وعَراقَتِهِ في التَّعَجُّبِ، والرُّؤْيَةُ إمّا بِمَعْنى الإبْصارِ مَجازًا عَنِ النَّظَرِ، وفائِدَةُ التَّجَوُّزِ الحَثُّ عَلى الِاعْتِبارِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ اخْتِيارِيٌّ دُونَ الإدْراكِ الَّذِي بَعْدَهُ، وإمّا بِمَعْنى الإدْراكِ القَلْبِيِّ مُتَضَمِّنًا مَعْنى الوُصُولِ والِانْتِهاءِ؛ ولِهَذا تَعَدَّتْ بِإلى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلى الَّذِينَ ﴾ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ الفِعْلَ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَمّا اسْتُعِيرَ لِمَعْنى ( ألَمْ تَنْظُرْ )؛ عُدِّيَ تَعْدِيَتُهُ بِإلى، وفائِدَةُ اسْتِفادَتِهِ أنَّ النَّظَرَ قَدْ يَتَعَدّى عَنِ الرُّؤْيَةِ، فَإذا أُرِيدَ الحَثُّ عَلى نَظَرٍ ناتِجٍ لا مَحالَةَ لَها اسْتُعِيرَتْ لَهُ، وقَلَّما اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في غَيْرِ التَّقْرِيرِ، فَلا يُقالُ رَأيْتُ إلى كَذا، انْتَهى، وقَدْ يَتَعَدّى اللَّفْظُ عَلى هَذا المَعْنى بِنَفْسِهِ، وقَلَّ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا وجَدْتُ بِها طِيبًا ولَمْ تَتَطَيَّبِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ أهْلُ قَرْيَةٍ، يُقالُ لَها: داوَرْدانُ قُرْبُ واسِطَ ﴿ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ فارِّينَ مِنَ الطّاعُونِ، أوْ مِنَ الجِهادِ؛ حَيْثُ دُعُوا إلَيْهِ ﴿ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ ﴾ وكانُوا فَوْقَ عَشَرَةِ آلافٍ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ الأكْثَرُ؛ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُقالُ عَشَرَةُ أُلُوفٍ ولا تِسْعَةُ أُلُوفٍ وهَكَذا، وإنَّما يُقالُ آلافٌ، فَقَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: إنَّهم كانُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، وابْنِ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ: أنَّهم أرْبَعَةُ آلافٍ، ومُقاتِلٍ، والكَلْبِيِّ: إنَّهم ثَمانِيَةُ آلافٍ، وأبِي صالِحٍ: إنَّهم تِسْعَةُ آلافٍ، وأبِي رَءُوفٍ: إنَّهم عَشَرَةُ آلافٍ، لا يُساعِدُهُ هَذا الِاسْتِعْمالُ، والقائِلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ اخْتَلَفُوا؛ فَقِيلَ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أنَّهم أرْبَعُونَ ألْفًا، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّهم سَبْعُونَ ألْفًا، ولا أرى لِهَذا الخِلافِ ثَمَرَةً بَعْدَ القَوْلِ بِالكَثْرَةِ، وإلى ذَلِكَ يَمِيلُ كَلامُ الضِّحّاكِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: أنَّ المُرادَ خَرَجُوا مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ ولَمْ يَخْرُجُوا عَنْ تَباغُضٍ، فَجَعَلَهُ جَمْعَ آلِفٍ مِثْلِ قاعِدٍ وقُعُودٍ، وشاهِدٍ وشُهُودٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ اعْتِبارٍ؛ إذْ وُرُودُ المَوْتِ دُفْعَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ عَلى جَمْعٍ عَظِيمٍ أبْلَغُ في الِاعْتِبارِ، وأمّا وُقُوعُهُ عَلى قَوْمٍ بَيْنَهم أُلْفَةٌ فَهو كَوُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، ومِثْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ إلْفُهم وحُبُّهم لِدِيارِهِمْ أوْ لِحَياتِهِمُ الدُّنْيا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى إمّا ظاهِرُهُ، وإمّا مَجازٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِمَوْتِهِمْ دُفْعَةً، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ تَعالى إيّاهم مِيتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ في أقْرَبِ وقْتٍ وأدْناهُ، وأسْرَعِ زَمانٍ وأوْحاهُ، بِأمْرٍ مُطاعٍ، لِمَأْمُورٍ مُطِيعٍ، وقِيلَ: ناداهم مَلَكٌ بِذَلِكَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ المُنادِيَ مَلَكانِ، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى تَخْوِيفًا وتَهْوِيلًا ﴿ ثُمَّ أحْياهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ؛ أيْ: فَماتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ، قِيلَ: وإنَّما حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِاسْتِحالَةِ تَخَلُّفِ مُرادِهِ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ الكَوْنِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ( قالَ ) لَمّا أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإماتَةِ، والمَشْهُورُ أنَّهم بَقُوا مَوْتى مُدَّةً حَتّى تَفَرَّقَتْ عِظامُهُمْ، فَمَرَّ بِهِمْ حِزْقِيلُ الشَّهِيرُ بِابْنِ العَجُوزِ خَلِيفَةُ كالِبِ بْنِ يُوفَنّا خَلِيفَةِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وقِيلَ: شَمْعُونُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ وقالَ وهْبٌ: إنَّهُ شَمُوئِيلُ، وهو ذُو الكِفْلِ، وقِيلَ: يُوشَعُ نَفْسُهُ، فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا لِكَثْرَةِ ما يَرى مِنهُمْ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ نادِ أيَّتُها العِظامُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكم أنْ تَجْتَمِعِي، فاجْتَمَعَتْ حَتّى التَزَقَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَصارَتْ أجْسادًا مِن عِظامٍ، لا لَحْمَ ولا دَمَ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ نادِ أيَّتُها الأجْسامُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكِ أنْ تَكْتَسِيَ لَحْمًا، فاكْتَسَتْ لَحْمًا، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ نادِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكِ تَقُومِي، فَبُعِثُوا أحْياءً، يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَرَوْا في هَذا المَوْتِ مِنَ الأهْوالِ والأحْوالِ ما يَصِيرُ بِها مَعارِفُهم ضَرُورِيَّةً، ويَمْنَعُ مِن صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بَعْدَ الإحْياءِ، كَما في الآخِرَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أنَّهم رَأوْا ما يَراهُ المَوْتى، إلّا أنَّهم أُنْسَوْهُ بَعْدَ العَوْدَةِ، والقادِرُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ قادِرٌ عَلى الإنْساءِ، وسُبْحانَ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا يُشْكِلُ مَوْتُ هَؤُلاءِ في الدُّنْيا مَرَّتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَنِ اسْتِيفاءِ آجالٍ _ كَما قالَ مُجاهِدٌ _ وإنَّما هو مَوْتُ عُقُوبَةٍ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِمَوْتٍ، وأيْضًا هو مِن خَوارِقِ العاداتِ، فَلا يَرُدُّ نَقْضًا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ مَوْتًا كالمَوْتِ الَّذِي يَكُونُ وراءَهُ الحَياةُ لِلنُّشُورِ، وإنَّما هو نَوْعُ انْقِطاعِ تَعَلُّقِ الرُّوحِ عَنِ الجَسَدِ؛ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ التَّغَيُّرُ والفَسادُ، وهو فَوْقَ داءِ السَّكْتَةِ والإغْماءِ الشَّدِيدِ، حَتّى لا يَشُكَّ الرّائِي الحاذِقُ لَوْ رَآهُ بِانْقِطاعِ التَّعَلُّقِ أصْلًا، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ بَقِيَ تَعَلُّقٌ ما، لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ الحَياةِ المَعْلُومَةِ لَدَيْنا، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ يَعُودُ بِالآخِرَةِ إلى انْقِسامِ المَوْتِ، أوْ إلى أنَّ إطْلاقَ المَوْتِ عَلى ما ذُكِرَ مَجازٌ، وكِلا الأمْرَيْنِ في القَلْبِ مِنهُما شَيْءٌ بَلْ أشْياءُ وقَدْ ذَهَبَ إلى مِثْلِهِ ابْنُ الرّاوَنْدِيُّ في جَمِيعِ الأمْواتِ، فَقالَ: إنَّ الأرْواحَ لا تُفارِقُ الأبْدانَ أصْلًا، وإنَّما يَحْدُثُ في الأبْدانِ عَوارِضُ وعِلَلٌ، يَحْدُثُ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ مِنها، كَما يَحْدُثُ لِلْمَجْذُومِينَ والرُّوحُ كامِنَةٌ في الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ أيْنَما كانَتْ؛ لِكَوْنِها عُرْيَةً عَنِ الإحْساسِ والإدْراكِ، وهو مَذْهَبٌ تَحْكُمُ الضَّرُورَةُ بِرَدِّهِ _ عافانا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ عَنِ اعْتِقادِ مِثْلِهِ _ ﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ جَمِيعًا؛ أمّا أُولَئِكَ؛ فَقَدْ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا فَيَفُوزُوا بِالسَّعادَةِ، وأمّا الَّذِينَ سَمِعُوا؛ فَقَدْ هَداهم إلى الِاعْتِبارِ، وهَذا كالتَّعْلِيلِ لِما تَقَدَّمَ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ اسْتِدْراكٌ مِمّا تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا فَضْلَهُ، ولَكِنَّ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالشُّكْرِ الِاسْتِبْصارُ والِاعْتِبارُ، ولا يَخْفى بَعْدَهُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ جُمَلًا مِنَ الأحْكامِ التَّكْلِيفِيَّةِ مُشْتَمِلَةً عَلى ذِكْرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِ المَوْتى؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى الإحْياءِ والبَعْثِ؛ لِلْمُجازاةِ واسْتِنْهاضًا لِلْعَزائِمِ عَلى العَمَلِ لِلْمَعادِ، والوَفاءِ بِالحُقُوقِ، والصَّبْرِ عَلى المَشاقِّ، وقِيلَ: وجْهُ المُناسِبَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ ؛ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ؛ لِأنَّها مِن عَظِيمِ آياتِهِ، وبَدائِعِ قُدْرَتِهِ، وقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ لِما فِيها مِن تَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، والتَّعَرُّضِ لِلشَّهادَةِ، والحَثِّ عَلى التَّوَكُّلِ، والِاسْتِسْلامِ لِلْقَضاءِ؛ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ، يقول: ألم تخبر: وهذا على سبيل التعجب، كما يقال: ألا ترى إلى ما صنع فلان؟!

ويقال: ألم تر، يعني ألم تعلم؟

ويقال: ألم ينته إليك خبرهم؟

يعني الآن نخبرك عنهم.

قال ابن عباس: وذلك أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر الناس بالخروج إلى الغزو فخرجوا، فبلغهم أن في ذلك الموضع طاعوناً، فامتنعوا عن الخروج إلى هناك، ونزلوا في موضعهم، فهلكوا كلهم فبلغ خبرهم إلى بني إسرائيل، فخرجوا ليدفنوهم، فعجزوا عن ذلك لكثرتهم، فحظروا عليهم الحظائر.

ثم أحياهم الله بعد ثمانية أيام، وبقيت منهم بقايا من البحر ومعهم النتن إلى اليوم وقال بعضهم: بلغهم أن هناك للعدو شوكة وقسوة، فامتنعوا عن الخروج إليهم فأهلكهم الله تعالى.

وقال بعضهم: إن أرضاً وقع بها الوباء فخرج الناس منها هاربين، فنزلوا منزلاً فماتوا كلهم فمر بهم نبي يقال له حزقيل-  - فقال: الحمد لله القادر الذي يحيي هذه النفوس البالية ليعبدوه.

فدعا لهم فأحياهم الله تعالى فذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ.

قال ابن عباس في رواية الكلبي وفي رواية الضحاك: ثمانية آلاف، ويقال: سبعون ألفاً، ويقال: ثمانية عشر ألفاً.

وقال بعضهم: هم ألوف كما قال الله تعالى، ولا يعرف كم عددهم إلا الله.

حَذَرَ الْمَوْتِ، أي خرجوا من ديارهم مخافة الموت.

فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا، أي أماتهم الله ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ، يعني على أولئك الكفار حين أحياهم.

يقال: هو ذو منَ على جميع الناس.

وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ رب هذه النعمة، يعني الكفار.

ويقال: على الذي أحياهم.

وفي هذه الآية: دلالة نبوة محمد  حيث أخبر عمن قبله ولم يكن قرأ الكتب، فظهر ذلك عند اليهود والنصارى وعرفوا أنه حق.

وفي هذه الآية إبطال قول من يقول: إن الإحياء بعد الموت لا يجوز، وينكر عذاب القبر لأن الله تعالى يخبر أنه قد أماتهم ثم أحياهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الَّذِي في «سورة النساءِ» «١» ، ونسخ سكنى الحَوْل بالأربعة الأشْهُر والعَشْر «٢» ، وقاله ابن عَبَّاس وغيره «٣» : ومَتاعاً نصْب على المَصْدر، وقوله تعالى: غَيْرَ إِخْراجٍ: معناه:

ليس لأولياء الميِّت، ووارثي المنزلِ إِخراجها، وقوله تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ ...

الآية:

معناه: إِنَّ الخروجَ، إِذا كان من قبل الزوجة، فلا جُنَاح على أحدٍ وليٍّ أو حاكمٍ، أو غيره فيما فعلْنَ في أنفسِهِنَّ من تزويجٍ وتزيُّن، وترك إِحداد، إِذا كان ذلك من المعروف الَّذي لا يُنْكَر، وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: صفةٌ تقتضي الوعيدَ بالنِّقْمة لمن خالف الحَدَّ في هذه النازلة، وهذا كلُّه قد زال حكمه بالنَّسْخ المتَّفَقِ عليه.

وقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: قال عطاء بْنُ أبي رَبَاحٍ وغيره: هذه الآية في الثَّيِّبَاتِ اللواتي قد جُومِعْنَ «٤» إِذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكْر المتعة لِلَّواتي لم يُدْخَلْ بهنَّ.

وقال ابنُ زَيْد: هذه الآية نزلَتْ مؤكِّدة لأمر المتعة لأنه نزل قبل حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ٢٣٦] ، فقال رجُلٌ: فإِنْ لم أُرِدْ أُحْسِنَ، لم أمتِّع، فنزلَتْ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.

قال الطبريُّ: فوجب ذلك عليهم «٥» .

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ...

الآية: هذه رؤية القَلْب بمعنى: ألم تَعْلَمْ، وقصَّة هؤلاء فيما قال الضَّحَّاك أنهم قوم من بني إِسرائيل أُمِرُوا بالجهَادِ، فخافوا الموْتَ بالقَتْل في الجهادِ، فخرجوا من ديارهم فِرَاراً من ذلك، فأماتهم اللَّه ليعرِّفهم أنه لا يُنْجِيهِمْ من الموت شيْء،

ثم أحياهم، وأمرهم بالجهادِ، بقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية «١» .

وروى ابن جريج عن ابن عبَّاس أنهم كانوا من بني إِسرائيل، وأنهم كانوا أربعينَ ألفاً، وثمانيةَ آلاف، وأنهم أُميتوا، ثم أُحْيُوا، وبقيتِ الرائحَةُ على ذلك السِّبْط من بني إِسرائيل إِلى اليَوْم، فأمرهم اللَّه بالجهَادِ ثانيةً، فذلك قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٢» .

قال ع «٣» : وهذا القَصَصُ كلُّه ليِّن الإِسناد، وإِنما اللازم من الآية أنَّ الله تعالى أخبر نبيّه محمّدا صلّى الله عليه وسلم إِخباراً في عبارة التنْبيه، والتوقيفِ عنْ قَوْم من البَشَر خَرَجوا من ديارهم فراراً من المَوْت، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم ليعلموا هم وكلُّ من خَلَفَ بعدهم أن الإِماتة إِنما هي بإِذْنِ اللَّه لا بيَدِ غَيْره، فلا معنى لخوفِ خائفٍ، وجعل اللَّه تعالى هذه الآية مقدِّمة بين يدَيْ أمره المؤمنين من أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم بالجهادِ، هذا قول الطَّبري «٤» ، وهو ظاهرُ رَصْف الآية.

والجمهورُ على أنَّ أُلُوفٌ جمعُ أَلْفٍ، وهو جمعُ كَثرة «٥» ، وقال ابن زَيْد في لفظة أُلُوفٌ: إنما معناها، وهم مؤتلفون «٦» .

٦١ أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ...

الآية: تنبيهٌ على فضله سبحانه على هؤلاء القَوْم الذين تفضَّل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، وألاَّ يجعلوا الحَوْل والقُوَّة إِلا له سبحانه حَسْبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميعِ هذا، بل استبدُّوا وظَنُّوا أنَّ حولَهُمْ وسعْيَهم ينجِّيهم، وهذه الآيةُ تَحْذيرٌ لسائر النَّاسِ مِنْ مثل هذا الفعْلِ، أي: فيجب أنْ يشكر النَّاسُ فضْلَه سبحانه في إِيجاده لهم، ورزْقِهِ إِياهم، وهدايتِهِ بالأوامر والنواهِي، فيكون منهم المبادرة إلى امتثالها، لا

طَلَبُ الخُرُوج عنْها، وفي تَخْصِيصه تعالى: «الأَكْثَر» دلالةٌ على أنَّ الأقلَّ الشَّاكِر.

وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية: الجمهورُ أن هذه الآية مخاطبة لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم بالقتالِ في سبيلِ اللَّهِ، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمةُ اللَّه هي العليا حَسَب الحديث «١» .

وقال ابن عَبَّاس، والضَّحَّاك: الأمْرُ بالقتال هو لِلَّذينَ أُحْيُوا من بني إسرائيل «٢» ، قال الطبريُّ «٣» : ولا وجه لهذا القَوْل، ثم قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ...

الآية، فدخل في ذلك المقاتلُ في سبيل اللَّه، فإِنه يقرض رَجَاء ثوابِ اللَّهِ كما فعل عثمانُ في جَيْش العُسْرة، ويروى أنَّ هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، قال أبو الدَّحْدَاحِ «٤» : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا القَرْضَ؟

قَالَ: «نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ» ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُهُ حَائِطِي لِحَائِطٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الحَائِطَ، وَفِيهِ أُمُّ الدّحداح «٥» ، فقال: اخرجي، فإنّي قد أقرضت

رَبِّي حَائِطِي هَذَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ «١» .

واستدعاء القَرْض في هذه الآية وغيرها إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للأفهام، واللَّه هو الغنيُّ الحميدُ.

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» وكَنَى اللَّه عزَّ وجلَّ عن الفقيرِ بنَفْسه العليَّة ترغيباً في الصَّدَقة كما كنى عن المريضِ، والجائِعِ، والعاطشِ بنفسه المقدَّسة فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟

قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ، فلم تعده، أما علمت أنّك لوعدتّه، لَوَجَدتَّنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، استطعمتك، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟!

قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ استطعمك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ، استسقيتك، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟!

قَالَ: استسقاك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَه، وَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي» .

انتهى، واللفظ لصحيح مسلم «٣» ، قال ابنُ العَرَبِيِّ «٤» : وهذا كلُّه خرَجَ مَخْرَجَ التشريفِ لمَنْ كُنِيَ عنه، وترغيباً لمن خوطب انتهى.

وقوله: حَسَناً: معناه: تَطِيبُ فيه النية، ويشبه أيضاً أنْ تكون إِشارة إِلى كثرته وجَوْدته.

وهذه الأضعاف الكثيرةُ إِلى السَّبْعِمِائَةِ التي رُوِيَتْ، ويعطيها مثالُ السُّنْبُلة.

ت: والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الإِيمان بما ذكر المولى سبحانه، ولا سبيل إِلى التحديد إِلاَّ أنْ يثبتَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ/، فيصار إِليه، وقد بيّن ذلك صلّى الله عليه وسلم ٦١ ب فيما خرَّجه مُسْلِم، والبُخاريُّ، انظره عند قوله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة: ٢٦١] .

قال ع: رُوِيَ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَعِّر بِسَبَبِ غَلاَءٍ خِيفَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ البَاسِطُ القَابِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلاَ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ وَلاَ مَالٍ» «١» ، قال صاحب «سِلاحِ المؤمن» عند شَرْحه لاسمه تعالَى «القَابِضِ البَاسِطِ» : قال بعْضُ العلماءِ: يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الاسمين، ولا يفصل بينهما ليكون أنبأَ عن القُدْرة، وأدلَّ على الحكمة كقوله تعالى: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ، وإِذا قلْتَ:

«القَابِض» مفرداً، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ والمُعِزِّ والمُذِلِّ.

انتهى، وما ذكره عن بعض العلماءِ، هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى، ولفظه: القابض والباسط: الأحسن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ مَعْناهُ: ألَمْ تَعْلَمْ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ، كَما تَقُولُ: ألا تَرى إلى ما يَصْنَعُ فُلانٌ؟

.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم أُلُوفٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: وهم مُؤْتَلِفُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ العَدَدِ، وعَلَيْهِ العُلَماءُ واخْتَلَفُوا في عَدَدِهِمْ عَلى سَبْعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا أرْبَعَةَ آَلافٍ.

والثّانِي: أرْبَعِينَ ألْفًا، والقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: تِسْعِينَ ألْفًا، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.

والرّابِعُ: سَبْعَةُ آَلافٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والخامِسُ: ثَلاثِينَ ألْفًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

والسّادِسُ: بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّابِعُ: ثَمانِيَةُ آَلافٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفي مَعْنى: حَذَّرَهم مِنَ المَوْتِ، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ، وكانَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا بِالجِهادِ، فَفَرُّوا مِنهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، كالقَوْلَيْنِ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ.

رَوى حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِلالِ بْنِ يُسافَ قالَ: كانَتْ أُمَّةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا وقَعَ فِيهِمُ الوَجَعُ، خَرَجَ أغْنِياؤُهم، وأقامَ فَقُراؤُهم، فَماتَ الَّذِينَ أقامُوا، ونَجا الَّذِينَ خَرَجُوا، فَقالَ الأشْرافُ: لَوْ أقَمْنا كَما أقامَ هَؤُلاءِ لَهَلَكْنا، وقالَ الفُقَراءُ: لَوْ ظَعَنّا كَما ظَعَنَ هَؤُلاءِ سَلِمْنا، فَأجْمَعَ رَأْيُهم في بَعْضِ السِّنِينَ عَلى أنْ يَظْعَنُوا جَمِيعًا، فَظَعَنُوا فَماتُوا، وصارُوا عِظامًا تَبْرُقُ، فَكَنَسَهم أهْلُ البُيُوتِ والطُّرُقِ عَنْ بُيُوتِهِمْ وطُرُقِهِمْ، فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ، فَقالَ: يا رَبِّ لَوْ شِئْتَ أحْيَيْتَهم، فَعَبَدُوكَ، ووَلَدُوا أوْلادًا يَعْبُدُونَكَ، ويُعَمِّرُونَ بِلادَكَ.

[قالَ: أوَأحَبُّ إلَيْكَ أنْ أفْعَلَ؟

قالَ: نَعَمْ ] فَقِيلَ لَهُ: تَكَلَّمْ بِكَذا وكَذا، فَتَكَلَّمَ بِهِ، فَنَظَرَ إلى العِظامِ تَخْرُجُ مِن عِنْدِ العِظامِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنها إلى الَّتِي هي مِنها، ثُمَّ قِيلَ لَهُ تَكَلَّمْ بِكَذا وكَذا، فَتَكَلَّمَ بِهِ، فَنَظَرَ إلى العِظامِ تُكْسى لَحْمًا وعَصَبًا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: تَكَلَّمْ بِكَذا وكَذا، فَنَظَرَ فَإذا هم قُعُودٌ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ويُقَدِّسُونَهُ.

وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآَيَةَ.

وهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى بُعْدِ المُدَّةِ الَّتِي مَكَثُوا فِيها أمْواتًا.

وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: أنَّهم بَقُوا أمْواتًا سَبْعَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أيّامٍ.

وَفِي النَّبِيِّ الَّذِي دَعا لَهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حِزْقِيلُ، والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ.

فَإنْ قِيلَ كَيْفَ أُمِيتَ هَؤُلاءِ مَرَّتَيْنِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إلا المَوْتَةَ الأُولى  ﴾ : فالجَوابُ أنَّ مَوْتَهم بِالعُقُوبَةِ لَمْ يَفْنَ أعْمارَهم، فَكانَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها  ﴾ وقِيلَ: كانَ إحْياؤُهم آَيَةً مِن آَياتِ نَبِيِّهِمْ، وآَياتُ الأنْبِياءِ نَوادِرٌ لا يُقاسُ عَلَيْها، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ الَّتِي لَيْسَتْ مِن آَياتِ الأنْبِياءِ، ولا لِأمْرٍ نادِرٍ.

وفي هَذِهِ القِصَّةِ احْتِجاجٌ عَلى اليَهُودِ إذْ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ  بِأمْرٍ لَمْ يُشاهِدُوهُ، وهم يَعْلَمُونَ صِحَّتَهُ واحْتِجاجٌ عَلى المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، فَدَلَّهم عَلَيْهِ بِإحْياءِ المَوْتى في الدُّنْيا، ذَكَرَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ نَبَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِذِكْرِ فَضْلِهِ عَلى هَؤُلاءِ عَلى فَضْلِهِ عَلى سائِرِ خَلْقِهِ مَعَ قِلَّةِ شُكْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللهُ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ رُؤْيَةُ القَلْبِ بِمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمْ، والكَلامُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِمَعْنى تَنَبُّهٍ إلى أمْرِ الَّذِينَ، ولا تَحْتاجُ هَذِهِ الرُؤْيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ.

وقِصَّةُ هَؤُلاءِ فِيما قالَ الضَحّاكُ: هي أنَّهم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أمَرُوا بِالجِهادِ فَخافُوا المَوْتَ بِالقَتْلِ في الجِهادِ، فَخَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ فِرارًا مِن ذَلِكَ، فَأماتَهُمُ اللهُ لِيُعَرِّفَهُما أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِنَ المَوْتِ شَيْءٌ، ثُمَّ أحْياهم وأمَرَهم بِالجِهادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ  ﴾ الآيَةُ.

وحَكى قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ جَماعَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَعَ فِيهِمُ الوَباءُ فَخَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ فِرارًا مِنهُ، فَأماتَهُمُ اللهُ فَبَنى عَلَيْهِمْ سائِرُ بَنِي إسْرائِيلَ حائِطًا، حَتّى إذا بَلِيَتْ عِظامُهم بَعَثَ اللهُ حِزْقِيلَ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ فَدَعا اللهَ فَأحْياهم لَهُ.

وَقالَ السُدِّيُّ: "هم أمَةٌ كانَتْ قَبْلَ واسِطٍ، في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها: (ذاوَرَدانَ) وقَعَ بِها الطاعُونُ فَهَرَبُوا مِنهُ، وهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ.

وقالَ: إنَّهم فَرُّوا مِنَ الطاعُونِ: الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ.

وحَكى النَقّاشُ أنَّهم فَرُّوا مِنَ الحُمّى.

وحَكى فِيهِمْ مُجاهِدٌ أنَّهم لَمّا أُحْيُوا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ يُعَرِّفُونَ لَكِنَّ سِحْنَةُ المَوْتِ عَلى وجْهِهِمْ، ولا يَلْبَسُ أحَدٌ مِنهم ثُوبًا إلّا عادَ كَفَنًا دَسِمًا حَتّى ماتُوا لِآجالِهِمُ الَّتِي كُتِبَتْ لَهم.

ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّهم كانُوا أرْبَعِينَ ألْفًا وثَمانِيَةَ آلافٍ، وأنَّهم أُمِيتُوا ثُمَّ أُحْيُوا، وبَقِيَتِ الرائِحَةُ عَلى ذَلِكَ السِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى اليَوْمِ، فَأمَرَهُمُ اللهُ بِالجِهادِ ثانِيَةً فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ  ﴾ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَصَصُ كُلُّهُ لَيِّنُ الأسانِيدِ، وإنَّما اللازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا  أخْبارًا في عِبارَةِ التَنْبِيهِ والتَوْقِيفِ عن قَوْمٍ مِنَ البَشَرِ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ فِرارًا مِنَ المَوْتِ، فَأماتَهُمُ اللهُ تَعالى ثُمَّ أحْياهم لِيُرَوْا هُمْ، وكُلُّ مَن خَلَفَ بَعْدَهم أنَّ الإماتَةَ إنَّما هي بِيَدِ اللهِ لا بِيَدِ غَيْرِهِ، فَلا مَعْنى لِخَوْفِ خائِفٍ، ولا لِاغْتِرارِ مُغْتَرٍّ.

وجَعَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيْ أمْرِهِ المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالجِهادِ.

هَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهو ظاهِرُ رَصْفِ الآيَةِ.

ولِمُورِدِي القِصَصِ في هَذِهِ القِصَّةِ زِياداتٌ اخْتَصَرْتُها لِضَعْفِها.

واخْتَلَفَ الناسُ في لَفْظِ "أُلُوفٌ" فَقالَ الجُمْهُورُ: هي جَمْعُ ألْفٍ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا أرْبَعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا.

وهَذا كُلُّهُ يَجْرِي مَعَ "أُلُوفٌ"، إذًا هو جَمْعُ الكَثِيرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: كانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ، وقالَ أيْضًا: أرْبَعَةُ آلافٍ، وهَذا يُضْعِفُهُ لَفْظُ "أُلُوفٌ" لِأنَّهُ جَمْعُ الكَثِيرِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في لَفْظَةِ "أُلُوفٌ": إنَّما مَعْناها: وهم مُؤْتَلِفُونَ فَخالَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ فَخَرَجَتْ فِرارًا مِنَ المَوْتِ وابْتِغاءَ الحَياةِ، فَأماتَهُمُ اللهُ في مُنَجّاهم بِزَعْمِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ﴾ الآيَةُ إنَّما هي مُبالَغَةٌ في العِبارَةِ عن فِعْلِهِ بِهِمْ، كَأنَّ ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ فِعْلُ مَن قِيلَ لَهُ: مُتَّ فَماتَ.

وحُكِيَ أنَّ مَلَكَيْنِ صاحا بِهِمْ: مُوتُوا فَماتُوا، فالمَعْنى قالَ لَهُمُ اللهُ بِواسِطَةِ المَلَكَيْنِ.

وهَذا المَوْتُ ظاهِرُ الآيَةِ، وما رُوِيَ في قَصَصِها أنَّهُ مَوْتٌ حَقِيقِيٌّ فارَقَتْ فِيهِ الأرْواحُ الأجْسادَ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمَوْتِ آجالِهِمْ، بَلْ جَعَلَهُ اللهُ في هَؤُلاءِ كَمَرَضٍ وحادِثٍ مِمّا يَحْدُثُ عَلى البَشَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ﴾ الآيَةُ، تَنْبِيهٌ عَلى فَضْلِ اللهِ عَلى هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالنِعَمِ وأمَرَهم بِالجِهادِ، وأمَرَهم بِأنْ لا يَجْعَلُوا الحَوْلَ والقُوَّةَ إلّا لَهُ، حَسَبَما أمَرَ جَمِيعَ العالَمِ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَشْكُرُوا نِعْمَتَهُ في جَمِيعِ هَذا، بَلِ اسْتَبَدُّوا وظَنُّوا أنَّ حَوْلَهم وسَعْيَهم يُنْجِّيهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرٌ لِسائِرِ الناسِ مِن مِثْلِ هَذا الفِعْلِ، أيْ: فَيَجِبُ أنْ يَشْكُرَ الناسُ فَضْلَ اللهِ في إيجادِهِ لَهم ورِزْقِهِ إيّاهُمْ، وهِدايَتِهِ بِالأوامِرِ والنَواهِي، فَيَكُونُ مِنهُمُ الجَرْيُ إلى امْتِثالِها لا طَلَبَ الخُرُوجِ عنها.

وتَخْصِيصُهُ تَعالى الأكْثَرَ دَلالَةً عَلى الأقَلِّ الشاكِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للتحريض على الجهاد والتذكير بأن الحذر لا يؤخر الأجل، وأن الجبان قد يلقى حتفه في مظنة النجاة.

وقد تقدم أن هذه السورة نزلت في مدة صلح الحديبية وأنها تمهيد لفتح مكة، فالقتال من أهم أغراضها، والمقصود من هذا الكلام هو قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ الآية.

فالكلام رجوع إلى قوله: ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ [البقرة: 216] وفصلت بين الكلامين الآيات النازلة خلالهما المفتتحة ب ﴿ يسألونك ﴾ [البقرة: 217، 219، 220، 222].

وموقع ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ قبل قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ موقع ذكر الدليل قبل المقصود، وهذا طريق من طرق الخطابة أن يقدم الدليل قبل المستدل عليه لمقاصد كقول علي رضي الله عنه في بعض خطبه لما بلغه استيلاء جند الشام على أكثر البلاد، إذ افتتح الخطبة فقال: «ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها أنبئت بُسْراً هو ابن أبي أرطأة من قادة جنود الشام قد اطلع اليمن، وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم» فقوله: «ما هي إلا الكوفة» موقعه موقع الدليل على قوله: «لأظن هؤلاء القوم إلخ» وقال عيسى بن طلحة لما دخل على عروة بن الزبير حين قطعت رجل «ما كنا نعدك للصراع، والحمد لله الذي أبقى لنا أكثرك: أبقى لنا سمعك، وبصرك، ولسانك، وعقلك، وإحدى رجليك» فقدم قوله: ما كنا نعدك للصراع، والمقصود من مثل ذلك الاهتمام والعناية بالحجة قبل ذكر الدعوى تشويقاً للدعوى، أو حملاً على التعجيل بالامتثال.

واعلم أن تركيب (ألم تر إلى كذا) إذا جاء فعل الرؤية فيه متعدياً إلى ما ليس من شأن السامع أن يكون رآه، كان كلاماً مقصوداً منه التحريض على علم ما عدي إليه فعل الرؤية، وهذا مما اتفق عليه المفسرون ولذلك تكون همزة الاستفهام مستعملة في غير معنى الاستفهام بل في معنى مجازي أو كنائي، من معاني الاستفهام غير الحقيقي، وكان الخطاب به غالباً موجهاً إلى غير معين، وربما كان المخاطب مفروضاً متخيلاً.

ولنا في بيان وجه إفادة هذا التحريض من ذلك التركيب وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن يكون الاستفهام مستعملاً في التعجب أو التعجيب، من عدم علم المخاطب بمفعول فعل الرؤية، ويكون فعل الرؤية علمياً من أخوات ظن، على مذهب الفراء وهو صواب؛ لأن إلى ولام الجر يتعاقبان في الكلام كثيراً، ومنه قوله تعالى: ﴿ والأمر إليك ﴾ [النمل: 33] أي لك وقالوا: ﴿ أحمد الله إليك ﴾ كما يقال: ﴿ أحمد لك الله ﴾ والمجرور بإلى في محل المفعول الأول، لأن حرف الجر الزائد لا يطلب متعلقاً، وجملة ﴿ وهم ألوف ﴾ في موضع الحال، سادة مسد المفعول الثاني، لأن أصل المفعول الثاني لأفعال القلوب أنه حال، على تقدير: ما كان من حقهم الخروج، وتفرع على قوله: ﴿ وهم ألوف ﴾ قوله: ﴿ فقال لهم الله موتوا ﴾ فهو من تمام معنى المفعول الثاني أو تجعل (إلى) تجريداً لاستعارة فعل الرؤية لمعنى العلم، أو قرينة عليها، أو لتضمين فعل الرؤية معنى النظر، ليحصل الادعاء أن هذا الأمر المدرك بالعقل كأنه مدرك بالنظر، لكونه بين الصدق لمن علمه، فيكون قولهم: ﴿ ألم تر إلى كذا ﴾ في قوله: جملتين: ألم تعلم كذا وتنظر إليه.

الوجه الثاني: أن يكون الاستفهام تقريرياً فإنه كثر مجيء الاستفهام التقريري في الأفعال المنفية، مثل: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1] ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ [البقرة: 106].

والقول في فعل الرؤية وفي تعدية حرف (إلى) نظير القول فيه في الوجه الأول.

الوجه الثالث: أن تجعل الاستفهام إنكارياً، إنكاراً لعدم علم المخاطب بمفعول فعل الرؤية والرؤية علمية، والقول في حرف (إلى) نظير القول فيه على الوجه الأول، أو أن تكون الرؤية بصرية ضمن الفعل معنى تنظر على أن أصله أن يخاطب به من غفل عن النظر إلى شيء مبصر ويكون الاستفهام إنكارياً: حقيقة أو تنزيلاً، ثم نقل المركب إلى استعماله في غير الأمور المبصرة فصار كالمثل، وقريب منه قول الأعشى: ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه *** واستفادة التحريض، على الوجوه الثلاثة إنما هي من طريق الكناية بلازم معنى الاستفهام لأن شأن الأمر المتعجب منه أو المقرر به أو المنكور علمه، أن يكون شأنه أن تتوافر الدواعي على علمه، وذلك مما يحرض على علمه.

واعلم أن هذا التركيب جرى مجرى المثل في ملازمته لهذا الأسلوب، سوى أنهم غيروه باختلاف أدوات الخطاب التي يشتمل عليها من تذكير وضده، وإفراد وضده، نحو ألم ترَيْ في خطاب المرأة وألم تريا وألم تروا وألم ترين، في التثنية والجمع هذا إذا خوطب بهذا المركب في أمر ليس من شأنه أن يكون مبصراً للمخطاب أو مطلقاً.

وقد اختلف في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، والأظهر أنهم قوم خرجوا خائفين من أعدائهم فتركوا ديارهم جبناً، وقرينة ذلك عندي قوله تعالى: ﴿ وهم ألوف ﴾ فإنه جملة حال وهي محل التعجيب، وإنما تكون كثرة العدد محلاً للتعجيب إذا كان المقصود الخوف من العدو، فإن شأن القوم الكثيرين ألا يتركوا ديارهم خوفاً وهلعاً والعرب تقول للجيش إذا بلغ الألوف ﴿ لا يغلب من قلة.

﴾ فقيل هم من نبي إسرائيل خالفوا على نبي لهم في دعوته إياهم للجهاد، ففارقوا وطنهم فراراً من الجهاد، وهذا الأظهر، فتكون القصة تمثيلاً لحال أهل الجبن في القتال، بحال الذين خرجوا من ديارهم، بجامع الجبن وكانت الحالة الشبه بها أظهر في صفة الجبن وأفظع، مثل تمثيل حال المتردد في شيء بحال من يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، فلا يقال إن ذلك يرجع إلى تشبيه الشيء بمثله، وهذا أرجح الوجوه لأن أكثر أمثال القرآن أن تكون بأحوال الأمم الشهيرة وبخاصة بني إسرائيل.

وقيل هم من قوم من بني إسرائيل من أهل داوردان قرب واسط وقع طاعون ببلدهم فخرجوا إلى واد أفيح فرماهم الله بداء موت ثمانية أيام، حتى انتفخوا ونتنت أجسامهم ثم أحياها.

وقيل هم من أهل أذرعات، بجهات الشام.

واتفقت الروايات كلها على أن الله أحياهم بدعوة النبي حزقيال بن بوزى فتكون القصة استعارة شبه الذين يجبنون عن القتال بالذين يجبنون من الطاعون، بجامع خوف الموت، والمشبهون يحتمل أنهم قوم من المسلمين خامرهم الجبن لما دُعوا إلى الجهاد في بعض الغزوات، ويحتمل أنهم فريق مفروض وقوعه قبل أن يقع، لقطع الخواطر التي قد تخطر في قلوبهم.

وفي «تفسير ابن كثير» عن ابن جريج عن عطاء أن هذا مثل لا قصة واقعة، وهذا بعيد يبعده التعبير عنهم بالموصول وقوله: ﴿ فقال لهم الله ﴾ .

وانتصب ﴿ حذر الموت ﴾ على المفعول لأجله، وعامله ﴿ خرجوا ﴾ .

والأظهر أنهم قوم فروا من عدوهم، مع كثرتهم، وأخلوا له الديار، فوقعت لهم في طريقهم مصائب أشرفوا بها على الهلاك، ثم نجوا، أو أوبئة وأمراض، كانت أعراضها تشبه أعراض الموت، مثل داء السكت ثم برئوا منها فهم في حالهم تلك مثَل قول الراجز: وخارججٍ أَخرجه حب الطمع *** فَرَّ من الموت وفي الموت وقع ويؤيد أنها إشارة إلى حادثةٍ وليست مثلاً قولُه: ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ الآية ويؤيد أن المتحدث عنهم ليسوا من بني إسرائيل قوله تعالى بعد هذه ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ﴾ [البقرة: 246] والآية تشير إلى معنى قوله تعالى: ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ [النساء: 78] وقوله ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ [آل عمران: 154].

فأما الذين قالوا إنهم قوم من بني إسرائيل أحياهم الله بدعوة حزقيال، والذين قالوا إنما هذا مثَل لا قصةٌ واقعةٌ، فالظاهر أنهم أرادوا الرؤيا التي ذكرت في كتاب حزقيال في الإصحاح 37 منه إذ قال: «أخرجَني روحُ الرب وأنزلني في وسط بقعة ملآنة عظاماً ومرَّ بي من حولها وإذا هي كثيرة ويابسة فقال لي يابن آدم أتحيا هذه العظام؟

فقلت يا سيدي أنت تعلم، فقال لي تنبأْ على هذه العظام وقُل لها أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب، فتقاربت العظام، وإذا بالعصَب واللحم كساها وبُسط الجلدُ عليها من فوق وليس فيها روح فقال لي تنبأْ للروح وقل قال الرب هلم يا روح من الرياح الأربععِ وهِبِّ على هؤلاء القتلى فتنبأْتُ كما أمرني فدخل فيهم الروح فحيُوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جداً جداً» وهذا مثل ضربهُ النبي لاستماتة قومه، واستسلامهم لأعدائهم، لأنه قال بعده «هذه العظام وهي كل بيوت إسرائيل هم يقولون يبست عظامنا وهلك رجاؤنا قد انقطعنا فتنبأْ وقل لهم قال السيد الرب هأنذا أفتح قبوركم وأصعدكم منها يا شعبي وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وأجعل روحي فيكم فتحيَوْن» فلعل هذا المثل مع الموضع الذي كانت فيه مرائي هذا النبي، وهو الخابور، وهو قرب واسط، هو الذي حدا بعض أهل القصص إلى دعوى أن هؤلاء القوم من أهل دَاوَرْدَان: إذ لعل دَاوَرْدَان كانت بجهات الخابور الذي رأى عنده النبي حزقيال ما رأى.

وقوله تعالى: ﴿ فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ﴾ القَولُ فيه إما مجاز في التكوين والموت حقيقة أي جعل فيهم حالة الموت، وهي وقوف القلب وذهاب الإدراك والإحساس، استعيرت حالة تلقي المكوَّن لأثر الإرادة بتلقي المأمور للأمر، فأطلق على الحالة المشبهة المركبُ الدال على الحالة المشبَّه بها على طريقة التمثيل، ثم أحياهم بزوال ذلك العارض فعلموا أنهم أصيبوا بما لو دام لكان موتاً مستمراً، وقد يكون هذا من الأدواء النادرة المشْبِهة داء السكت وإما أن يكون القول مجازاً عن الإنذار بالموت، والموتُ حقيقة، أي أراهم الله مهالك شموا منها رائحة الموت، ثم فرج الله عنهم فأحياهم.

وإما أن يكون كلاماً حقيقياً بوحي الله، لبعض الأنبياء، والموتُ موت مجازي، وهو أمر للتحقير شتماً لهم، ورَماهم بالذل والصغار، ثم أحياهم، وثبتَ فيهم روح الشجاعة.

والمقصود من هذا موعظة المسلمين بترك الجبن، وأن الخوف من الموت لا يدفع الموت، فهؤلاء الذين ضُرب بهم هذا المثلُ خرجوا من ديارهم خائفين من الموت، فلم يغن خوفهم عنهم شيئاً، وأراهم الله الموت ثم أحياهم، ليصير خُلُق الشجاعة لهم حاصلاً بإدراك الحس.

ومحل العبرة من القصة هو أنهم ذاقوا الموت الذي فروا منه، ليعلموا أن الفرار لا يغني عنهم شيئاً، وأنهم ذاقوا الحياة بعد الموت، ليعلموا أن الموت والحياة بيد الله، كما قال تعالى: ﴿ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ﴾ [الأحزاب: 16].

وجملة: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ الآية هي المقصود الأول، فإن ما قبلها تمهيد لها كما علمتَ، وقد جعلت في النظم معطوفة على جملة ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ عطفاً على الاستئناف، فيكون لها حكم جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، ولولا طول الفصل بينها وبين جملة ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ [البقرة: 216]، لقُلنا: إنها معطوفة عليها على أن اتصال الغرضين يُلحقها بها بدون عطف.

وجملة ﴿ واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ حث على القتال وتحذير من تركه بتذكيرهم بإحاطة علم الله تعالى بجميع المعلومات: ظاهرها وباطنها.

وقدِّم وصف سميع، وهو أخص من عليم، اهتماماً به هنا؛ لأن معظم أحوال القتال في سبيل الله من الأمور المسموعة، مثل جلبة الجيش وقعقعة السلاح وصهيل الخيل.

ثم ذكر وصف عليم لأنه يعم العلم بجميع المعلومات، وفيها ما هو من حديث النفس مثل خلُق الخوف، وتسويل النفس القعودَ عن القتال، وفي هذا تعريض بالوعد والوعيد.

وافتتاح الجملة بقوله: ﴿ واعلموا ﴾ للتنبيه على ما تحتوي عليه من معنى صريح وتعريض، وقد تقدم قريباً عند قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ [البقرة: 223].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ يَعْنِي ألَمْ تَعْلَمْ.

﴿ وَهم أُلُوفٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ وهو قَوْلُ ابْنِ زِيادٍ.

والثّانِي: يَعْنِي أُلُوفًا في العَدَدِ.

واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا في عَدَدِهِمْ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ.

والثّالِثُ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: كانُوا أرْبَعِينَ ألْفًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والأُلُوفُ تُسْتَعْمَلُ فِيما زادَ عَلى عَشَرَةِ آلافٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ حَذَرَ المَوْتِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ، وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، فَخَرَجُوا، حَتّى إذا كانُوا بِأرْضِ كَذا، قالَ اللَّهُ لَهُمْ: مُوتُوا فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ، فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم، فَأحْياهُمُ اللَّهُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ.

﴿ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَأماتَهُمُ اللَّهُ، كَما يُقالُ: قالَتِ السَّماءُ فَمَطَرَتْ، لِأنَّ القَوْلَ مُقَدِّمَةُ الأفْعالِ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنْها.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ قَوْلًا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ.

﴿ ثُمَّ أحْياهُمْ ﴾ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ كانَ اسْمُهُ شَمْعُونَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِمْ إلى أنْ أحْياهُمُ اللَّهُ سَبْعَةُ أيّامٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ: رائِحَةُ المَوْتِ تُوجَدُ في ولَدِ ذَلِكَ السِّبْطِ مِنَ اليَهُودِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجِهادُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أبْوابُ البِرِّ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى لَيْسَ الجَمَلُ قالَ الحَسَنُ: وقَدْ جَهِلَتِ اليَهُودُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ أغْنِياءُ، وهو فَقِيرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الرِّزْقِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ ويَبْسُطُ الجَزاءَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج وكيع والفريابي وابن جرير وابن المنذر والحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ﴾ قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: موتوا.

فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: كانوا أربعة آلاف من أهل قرية يقال لها داوردان، خرجوا فارين من الطاعون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي عن أبي مالك في الآية قال: كانت قرية يقال لها داوردان قريب من واسط، فوقع فيهم الطاعون، فأقامت طائفة وهربت طائفة، فوقع الموت فيمن أقام وسلم الذين أجلوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا إليهم، فقال الذين بقوا: اخواننا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا سلمنا، ولئن بقينا إلى أن يقع الطاعون لنصنعن كما صنعوا.

فوقع الطاعون من قابل فخرجوا جميعاً، الذين كانوا أجلوا والذين كانوا أقاموا وهم بضعة وثلاثون ألفاً، فساروا حتى أتوا وادياً فسيحا فنزلوا فيه وهو بين جبلين، فبعث الله إليهم ملكين، ملكاً بأعلى الوادي وملكاً بأسفله، فناداهم: أن موتوا فماتوا.

فمكثوا ما شاء الله، ثم مر بهم نبي يقال له حزقيل، فرأى تلك العظام فوقف متعجباً لكثرة ما يرى منهم، فأوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه حتى التزق بعضها ببعض كل عظم من جسد التزق بجسده، فصارت أجساداً من عظام لا لحم ولا دم، ثم أوحى الله إليه أن ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فاكتست لحماً، ثم أوحى الله إليه أن ناد أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء.

فرجعوا إلى بلادهم فأقاموا لا يلبسون ثوباً إلا كان عليهم كفناً دسماً، يعرفهم أهل ذلك الزمان أنهم قد ماتوا، ثم أقاموا حتى أتت عليهم آجالهم بعد ذلك قال أسباط: وقال منصور عن مجاهد: كان كلامهم حين بعثوا أن قالوا سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت...

!

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز في قوله تعالى ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ قال: هم من أذرعات.

وأخرج عن أبي صالح في الآية قال: كانوا تسعة آلاف.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ﴾ قال: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم الله عقوبة ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم.

وأخرج ابن جرير عن أشعث بن أسلم البصري قال: بينا عمر يصلي ويهوديان خلفه قال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟

فلما انتعل عمر قال: أرأيت قول أحدكما لصاحبه أهو هو؟

قالا: إنا نجده في كتابنا قرناً من حديد يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله.

فقال عمر: ما نجد في كتاب الله حزقيل ولا أحيا الموتى بإذن الله إلا عيسى.

قال: أما تجد في كتاب الله ﴿ ورسلا لم نقصصهم عليك ﴾ [ النساء: 164] ؟

فقال عمر: بلى.

قال: وأما احياء الموتى فسنحدثك أن بني إسرائيل وقع عليهم الوباء، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله، فبنوا عليهم حائطاً حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل، فقام عليهم فقال ما شاء الله، فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن هلال بن يساف في الآية قال: هؤلاء قوم من بني إسرائيل، كانوا إذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم، وأقام فقراؤهم وسفلتهم فاستحر القتل على المقيمين ولم يصب الآخرين شيء، فلما كان عام من تلك الأعوام قالوا: لو صنعنا كما صنعوا نجونا، فظعنوا جميعاً فأرسل عليهم الموت فصاروا عظاماً تبرق، فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد، فمر بهم نبي فقال: يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك.

فقال: قل كذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تركب، ثم تكلم فإذا العظام تكسى لحماً، ثم تكلم فإذا هم قعود يسبحون ويكبرون، ثم قيل لهم ﴿ وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال: هم قوم فروا من الطاعون، فأماتهم الله قبل آجالهم عقوبة ومقتاً، ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم.

وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه.

أن كالب بن يوقنا لما قبضه الله بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل من بوزى وهو ابن العجوز، وإنما سمي ابن العجوز لأنها سألت الله الولد وقد كبرت فوهبه لها، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في كتابه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن وهب قال: أصاب ناساً من بني إسرائيل بلاء وشدة من زمان، فشكوا ما أصابهم وقالوا: يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه، فأوحى الله إلى حزقيل أن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا واستراحوا، وأي راحة لهم في الموت، أيظنون أني لا أقدر على أن أبعثهم بعد الموت؟

فانطلق إلى جبانة كذا وكذا، فإن فيها أربعة آلاف قال وهب: وهم الذين قال الله: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ﴾ فقم فناد فيهم، وكانت عظامهم قد تفرقت كما فرقتها الطير والسباع، فنادى حزقيل: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل إنسان منهم معاً، ثم قال: أيتها العظم إن الله يأمرك أن ينبت العصب والعقب، فتلازمت واشتدت بالعصب والعقب، ثم نادى جزقيل فقال: أيتها العظام ان الله يأمرك أن تكتسي اللحم.

فاكتست اللحم وبعد اللحم جلداً فكانت أجساداً، ثم نادى حزقيل الثالثة فقال: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك.

فقاموا بإذن الله فكبروا تكبيرة رجل واحد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ﴾ يقول: عدد كثير خرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه، ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فذلك قوله تعالى ﴿ وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ وهم الذين قالوا لنبيهم ﴿ ابعث ملكاً نقاتل في سبيل الله ﴾ [ البقرة: 246] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريرج عن ابن عباس في الآية قال: كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف حظر عليهم حظائر، وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا، فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح، خرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم ثم أحياهم فأمرهم بالجهاد، فذلك قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: خرجوا فراراً من الطاعون وهم ألوف ليست الفرقة أخرجتهم كما يخرج للحرب والقتال قلوبهم مؤتلفة، فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة قال الله لهم: موتوا، ومر رجل بها وهي عظام تلوح، فوقف ينظر فقال: ﴿ أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ﴾ [ البقرة: 259] .

وأخرج البخاري والنسائي عن عائشة قالت «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرني أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء وجعله رحمة للمؤمنين، فليس من رجل يقع الطاعون ويمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه» .

وأخرج سيف في الفتوح عن شرحبيل بن حسنة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فإن الموت في أعناقكم، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها فإنه يحرق القلوب» .

وأخرج عبد بن حميد عن أم أيمن «أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بعض أهله فقال: وإن أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت» .

وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الطواعين وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون.

قلت: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟

قال: غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن خزيمة والطبراني عن جابر بن عبد الله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً...

﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أهل الإِسلام اقرضوا الله من أموالكم يضاعفه لكم أضعافاً كثيرة.

فقال له ابن الدحداحة: يا رسول الله لي مالان مال بالعالية ومال في بني ظفر، فابعث خارصك فليقبض خيرهما.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروة بن عمر: انطلق فانظر خيرهما فدعه واقبض الآخر، فانطلق فأخبره فقال: ما كنت لاقرض ربي شر ما أملك ولكن أقرض ربي خير ما أملك، إني لا أخاف فقر الدنيا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رب عذق مدلل لابن الدحداح في الجنة» .

وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال: «استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل تمراً فلم يقرضه قال: لو كان هذا نبياً لم يستقرض، فأرسل إلى أبي الدحداح فاستقرضه فقال: والله لأنت أحق بي وبمالي وولدي من نفسي، وإنما هو مالك فخذ منه ما شئت واترك لنا ما شئت، فلما توفي أبو الدحداح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب عذق مدلل لأبي الدحداح في الجنة» .

وأخرج ابن اسحق وابن المنذر عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً...

﴾ الآية.

في ثابت بن الدحداحة حين تصدق بماله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قال: النفقة في سبيل الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذه الآية قال: أنا أقرض الله، فعمد إلى خير مال له فتصدق به.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ قال: هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو.

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي قال: بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال: إن الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فحججت ذلك العام ولم أكن أريد أن أحج إلا لألقاه في هذا الحديث، فلقيت أبا هريرة فقلت له؟

فقال: ليس هذا قلت: ولم يحفظ الذي حدثك، إنما قلت أن الله ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة، ثم قال أبو هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ الآية، الرؤية تكون بمعنى رؤية العيان، وتكون بمعنى رؤية القلب، وذلك راجع إلى العلم، والمعنى هاهنا: ألم تعلم، ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء (١)  صار يصدق إخبار الله تعالى إياه كالناظر عيانًا.

قال أهل المعاني: وفي هذا تعجيب (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ قال المفسرون: أراد به قومًا من بني إسرائيل، كانوا أهل قرية يقال لها: داوَرْدَان (٤) (٥) (٦) وقال الضحاك (٧) (٨) (٩) واختلفوا في مبلغ (١٠) (١١) والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم يزيد على عشرة آلاف؛ لقوله: ألوف وهو جمع الكثير (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ ينتصب على أنه مفعول له، أي: لحذر الموت.

وجائز أن يكون نصبه على المصدر؛ لأن خروجهم يدل على حذر (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ يجوز أن يكون الله تعالى أماتهم عند قوله لهم (١٥) (١٦) ﴿ كُونُوا قِرَدَةً  ﴾ ويجوز أن يكون هذا أمرًا والمراد منه (١٧) ﴿ كُونُوا قِرَدَةً  ﴾ (١٨) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن نبيهم حزقيل خرج في (١٩) (٢٠) وقال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم (٢١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾ تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد موتهم وأراهم الآية العظيمة في أنفسهم ليلزموا سُبُل الهدى (٢٢) (١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 322، وينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 323.

(٢) في (ش) و (ي): (هذا تبين تعجيب).

(٣) "تفسير غريب القرآن" ص 84، "تفسير الثعلبي" 2/ 1307، "تفسير البغوي" 1/ 294.

(٤) قرية في نواحى شرقي واسط، بينهما فرسخ.

ينظر: "معجم البلدان" 2/ 434، والمذكور في "تفسير مقاتل" (دامرودان).

(٥) في (ش) و (ي): (منه).

(٦) وهذا قول ابن عباس والسدي وأبي مالك وابن زيد والحسن وعمرو بن دينار.

ينظر "تفسير الطبري" 2/ 589، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 458، "الدر المنثور" للسيوطي 1/ 551، و"بذل الماعون في فضل الطاعون" ص 236، قال الحافظ ابن حجر في "بذل الماعون" ص 235: والطرق الماضية من أن فرارهم كان بسبب الطاعون أقوى مخرجًا وأحسن طرقًا.

(٧) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 456، وذكره الحافظ في بذل الماعون ص 235، وعزاه إلى سنيد في "تفسيره"، وإلى الطبري في تفسيره، وليس عند الطبري، وذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 245.

(٨) "تفسير مقاتل" 1/ 202، "تفسير الثعلبي" 2/ 1298.

(٩) "تفسير الثعلبي" 2/ 1298.

(١٠) ساقطة من (ش).

(١١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 590، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 456 - 457، "تفسير الثعلبي" 2/ 1299.

(١٢) في (ي): (الكثير).

(١٣) هذا ترجيح الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1301، وتنظر الأقوال: عند الطبري في "تفسيره" 2/ 585، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 455، والسيوطي في "الدر المنثور" 1/ 551، والحافظ في "بذل الماعون" ص 232.

(١٤) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 324، "البحر المحيط" 2/ 250.

(١٥) في (ي) (قوله موتوا).

(١٦) "تفسير الثعلبي" 2/ 1309، والبغوي في "تفسيره" 1/ 294.

(١٧) في (ي) و (ش) (فيه).

(١٨) ينظر: "تفسير البسيط للواحدي" الدكتور/ محمد الفوزان ص 1019.

(١٩) ساقطة من (ش).

(٢٠) "تفسير مقاتل" 1/ 203، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1305، والثعلبي في "عرائس المجالس" ص 252، والبغوي في "تفسيره" 1/ 293.

(٢١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 589.

(٢٢) "تفسير الطبري" 2/ 591.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ رؤية قلب ﴿ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم ﴾ قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد فخافوا الموت بالقتال، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، وقيل: بل فرّوا من الطاعون ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ ﴾ جمع ألف، قيل ثمانون ألفاً، وقيل: ثلاثون ألفاً، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: هو من الألفة، وهو ضعيف ﴿ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ﴾ عبارة عن إماتتهم، وقيل: إن ملكين صاحا بهم: موتوا فماتوا ﴿ ثُمَّ أحياهم ﴾ ليستوفوا آجالهم ﴿ وقاتلوا ﴾ خطاب لهذه الأمة، وقيل: للذين أماتهم الله ثم أحياهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فيضاعفه ﴾ بالألف والنصب: عاصم غير المفضل وسهل "فيضعفه" بالتشديد والنصب: ابن عامر ويعقوب غير روح.

فيضعفه بالتشديد والرفع: ابن كثير ويزيد وروح.

الباقون فيضاعفه بالألف والرفع وكذلك في سورة الحديد ﴿ ويبصط ﴾ بالصاد: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير الخزاعي عن ابن فليح، وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل، وسهل وعاصم وابن ذكوان وغير ابن مجاهد والنقاش وشجاع وعلي الحلواني من قالون مخير.

الباقون بالسين.

الوقوف: ﴿ الموت ﴾ ص ﴿ أحياهم ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ ويبسط ﴾ ص ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: قد جرت عادته  أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص اعتباراً للسامعين ليحملهم ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ومزيد الخضوع والانقياد فقال: ﴿ ألم تر ﴾ وفيه تقرير لمن سمع بقصتهم ووقف على أخبار الأولين وتعجيب من حالهم.

ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجب، أو تكون الرؤية بمعنى العلم والمعنى: ألم ينته علمك ولهذا عدي بإلى.

وعلى هذا يجوز أن يكون النبي  لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن يقال: كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية، ثم إنه  أنزل الآية على وفق ذلك.

روي أن أهل داوردان - قرية قبل واسط - وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه.

ويروى أن حزقيل النبي الذي يقال له: ذو الكفل مر عليهم بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، فتعجب مما رأى فأوحى إليه: أتريد أن أريك كيف أحيهم؟

فقال: نعم فقيل له: ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي.

فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام.

ثم أوحى الله إليه: نادها إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فصارت لحماً ودماً.

ثم نادها إن الله يأمرك أن تقومي فقامت.

فلما أحياهم كانوا يقولون: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت.

ثم رجعوا إلى قومهم بعد حياتهم، وكانت تظهر أمارات الموت في وجوههم إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم.

وعن ابن عباس أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال فخافوا القتال فهربوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء.

فأماتهم الله بأسرهم وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا.

وبلغ بني إسرائيل موتهم فخرجوا لدفنهم فعجزوا من كثرتهم فحظروا عليهم الحظائر وأحياهم الله  بعد الثمانية، فبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم وقيل: إن حزقيل النبي ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا فأرسل الله  عليهم الموت، فلما كثر فيهم الموت خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فلما رأى حزقيل ذلك قال: اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك.

فأرسل الله عليهم الموت فلما رآه  ضاق قلبه فدعا مرة أخرى فأحياهم الله  .

أما قوله  ﴿ وهم ألوف حذر الموت ﴾ ففيه دليل على الألوف الكثيرة ولكنهم اختلفوا.

فقيل: عشرة آلاف، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون.

وعن بعضهم أن الألوف جمع آلف كقعود جمع قاعد أي خرجوا وهم مؤتلفو القلوب، وزيف بأن ورود الموت عليهم وفيهم كثرة يفيد مزيد اعتبار بحالهم بخلافهم لو كانوا نفراً يسيراً.

فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة فكوروده على قوم بينهم اختلاف كثير في أن وجه الاعتبار لا يتغير، وقد يوجه بأن المراد إلفهم بالدنيا ومحبتهم لها فأهلكوا ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه عن الفوت.

و ﴿ حذر الموت ﴾ مفعول لأجله.

﴿ فقال لهم الله موتوا ﴾ معناه فأماتهم وجيء بهذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد، وأنها خارجة عن العادة ولا أمر ولا قول كما مر في قوله {  إذا قضى أمر فإنما يقول له كن فيكون } [مريم: 35] ويدل عليه قوله ﴿ ثم أحياهم ﴾ وإذا صح الإحياء بلا قول فكذا الإماتة.

ويحتمل أنه تعالى أمر الرسول بأن يقول لهم موتوا.

والظاهر أنهم لم يكونوا رأوا عند الموت من الأهوال والأحوال ما تصير بها معارفهم ضرورية ويمنع من صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة.

وقال قتادة: إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم.

﴿ إن الله لذو فضلٍ على الناس ﴾ تفضل عليهم بأن خرجوا من الدنيا على المعصية فأعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي، وتفضل على منكري المعاد باقتصاص خبرهم ليستبصروا ويعتبروا، وذلك أن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن وإلا لما وجد أولاً، وإذا كان ممكناً في نفسه، وقد أخبر الصادق بوجوده وجب القطع به.

وفي القصة تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأن الموت إذا لم ينفع منه الفرار فأولى أن يكون في سبيل الله، ولهذا أتبعت بقوله ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ ثم إن كان هذا الأمر خطاباً للذين أحياهم على ما قال الضحاك أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد، فلا بد من إضمار تقديره، وقيل لهم: قاتلوا.

وإن كان استئناف خطاب للحاضرين على ما هو اختيار الجمهور من المفسرين فلا إضمار، وفيه ترغيب وإرهاب كيلا ينكص على عقبيه محب للحياة بسبب خوف الموت فإن الحذر لا يغني عن القدر.

﴿ واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ يسمع ما يقوله القاعدون والمجاهدون ويعلم ما يضمرونه وهو من وراء الجزاء.

ولما أمر المكلفين بالقتال في سبيل الله أردف ذلك بقوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ أي في باب الجهاد، كأنه ندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد.

و "ذا" في ﴿ من ذا ﴾ إما زائدة و "من" استفهام في موضع الرفع، و "الذي" مع صلتها خبره أو موصولة و "الذي" بدلها أو اسم إشارة خبر "من" و "الذي" نعت له، أو بدل منه.

قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون "من" و "ذا" بمنزلة اسم واحد كما كانت "ماذا" لأن "ما" أشد إبهاماً من "من" إذا كانت "من" لمن يعقل.

وقد بني الكلام على طريقة الاستفهام لأن ذلك أدخل في الترغيب والحث على الفعل من ظاهر الأمر.

وقيل: إن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، وإنما ورد مستأنفاً في الإنفاق إما على الإطلاق وهو الأليق بعموم لفظ القرض، وإما الواجب منه لأن قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ كالزجر.

وهو إنما يليق بالواجب، وأما غير الواجب لأن القرض بالتبرع أشبه وهذا قول الأصم.

وقد يروى عن بعض أصحاب ابن مسعود أن المراد من هذا القرض هو قول الرجل "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".

وعن النبي  "من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة" ويشبه أن يكون الفقير الذي لا يملك شيئاً إذا كان في قلبه أنه إذا قدر أنفق وأعطى، قامت تلك النية مقام الإنفاق.

وعن الزجاج أن لفظ القرض حقيقة في كل ما يفعل ليجازى عليه.

وأصل القرض القطع ومنه المقراض والانقراض لانقطاع الأثر، ومن أقرض فكأنما قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها.

وقيل: إن لفظ القرض في الآية مجاز، فإن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله محال، ولأن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا بالمثل وهنا يضاعف، ولأن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكاً له وههنا المال المأخوذ ملك الله.

ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله  قرضاً تنبيهاً على أن ذلك لا يضيع عند الله.

فكما أن القرض يجب أداؤه ولا يجوز الإخلال به فكذا الثواب المستحق على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة.

وقوله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ يحتمل كونه اسم مصدر وكونه مصدراً بمعنى الإقراض.

ومعنى كونه حسناً حلالاً خالصاً لا يختلط به الحرام ولا يشوبه منٌ ولا أذى ولا يفعله رياء وسمعة، وإنما يفعله خالصاً لوجه الله  .

و ﴿ أضعافاً ﴾ نصب على الحال أو على المفعول الثاني إن ضمن ضاعف معنى صير، ويجوز أن يكون مصدراً لأن الضعف وإن كان اسماً إلا أنه قد يقع موقع المصدر كالعطاء فإنه اسم للمعطى، وقد يستعمل بمعنى الإعطاء قال القطامي: أكفراً بعد رد الموت عني *** وبعد عطائك المائة الرتاعا؟

وإنما جاز جمع المصدر بحسب اختلاف أنواع الجزاء لاختلاف الإقراض في المقدار والإخلاص وغير ذلك.

والضعف المثل، والتضعيف والأضعاف والمضاعفة كلها الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر.

قيل: الواحد بسبعمائة.

وعن السدي أن هذا التضعيف لا يعلم أحدكم هو وما هو، وإنما أبهمه الله  لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود ﴿ والله يقبض ويبسط ﴾ يقتر على عباده ويوسع فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيقة بالسعة.

وأيضاً من كتب له الفقر فليس له إلا ذلك سواء أنفق أو لم ينفق، ومن كتب له الغنى فليس له إلا ذلك.

فعلى التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى.

وإذا علم المكلف أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا وبقي اعتماده على الله، فحينئذٍ يسهل عليه الإنفاق في مرضاة الله.

ويحتمل أن يكون المعنى: والله يقبض بعض القلوب حتى لا يقدم على هذه الطاعة، ويبسط بعضها حتى يسهل عليه البذل وصرف المال.

﴿ وإليه ترجعون ﴾ فيجازيكم بحسب ما قدمتم من أعمال الخير و الله ولي التوفيق وإليه انتهاء الطريق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، حرف تعجب وتنبيه، ليتأمل فيما يلقى إليه مما أريد الإنباء عنه، أو فيما قد كان سبق الإنباء عنه، ليتجدد بالنظر فيه عهداً.

وعلى ذلك المعروف من استعمال هذه الكلمة، وكذلك وجه تأويله إلى الخبر مرة وإلى العلم به ثانية، وإلى النظر فيه ثالثاً، على اختلاف ما قيل.

وفيه كل ذلك.

والله  أعلم.

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، "ألم تخبر"، و"ألم تنظر"، ومثل هذا إنما يقال عن أعجوبة.

فالقصد فيه - والله  أعلم - أنه جواب قوله: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ  ﴾ ، أخبرهم الله عز وجل عن قصة هؤلاء: أن جهلهم بآجال أولئك حملهم على هذا القول؛ مثل جهل بني إسرائيل بآجالهم حملهم على الخروج من ديارهم حذر الموت، ثم لم ينفعهم ذلك بل أميتوا.

كذلك هذا.

ثم اختلف في قصة هذه:- قال بعضهم: أخرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله، ثم أحياهم، وأمرهم أن يخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله.

وقال آخرون: وقع الطاعون في قريتهم، فخرج أناس وبقى أناس، فمن خرج أكبر ممن بقى، فنجا الخارجون، وهلك الباقون، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلاً، فأماتهم الله، ثم أحياهم.

فلا تدري كيف كانت القصة.

فإن كانت القصة في الفرار من الجهاد في سيل الله، وله نظير في الآيات، قوله  : ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  ﴾ ، ومثله كثير في القرآن.

وإن كانت القصة في الطاعون، فقد جاء الخبر عن رسول الله  ، أنه قال: "إذا كنتم في أرض وفيها وباء فلا تخرجوا فراراً منها.

[وإذا لم تكونوا فيها فلا تدخلوها" .

ومعناه والله أعلم: أنهم إذا كانوا فيها يخرجوا مخرج الفرار إن تحولوا،] أو أن الفرار أنجاهم إن لم يكونوا فيها فدخلوا فأصابهم فأماتهم الله، يظنون أنهم إذا لم يكونوا فيها لم يصبهم ذلك.

ففي الوجهين سيان القضاء.

وقد جاء: "أن لا دعوى ولا هامة".

فإن قيل: روي عن رسول الله  : أنه كان إذا مر على حائط مائل أسرع المشي، كيف نهى عن الخروج عن أرض فيها وباء وطاعون؟

قيل: إن كل ما كان مخرجه مخرج آية وفيها إهلاكهم فذلك لا يكون إلا بأمر سبق منهم، فحق مثله الفرار إلى الله، لا إلى غيره.

وأما انكسار الحائط فليس لأمر سبق منه، فجائز أن يأخذ منه حذره.

هذا هو الفرق بينهما.

والله  أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ويجوز أن يكون فعله  ليعلم أن مثله من الخوف لا يعد نقصاناً في الدين؛ وذلك كالعدة تتخذ للحرب والأغذية للبدن، لا على ظن بالله أنه لا يملك الحياة دونها أو قهر العدو، ولكن على التأهب والائتمار؛ إذ قد جعل الذي خيف فيه والذي رجى.

والله  أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، حين أحياهم بعد ما أماتهم، وذلك فضل منه.

و ﴿ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، بكل نعمة أنعمها عليهم، يستحق الشكر من الخلق بذلك.

هذه الآية على المعتزلة إذ قالوا: ليس لله أن يفعل بخلقه إلا الأصلح لهم في الدين، ولو فعل غير ذلك كان جائزاً.

فإذا كان هذه عليه، فإنى يكون الأفضل؟

وإنما يقال (ذو فضل)، و(ذو من)، إذا أعطى ما ليس عليه.

وأما من أعطى ما كان عليه لا يقال: إنه (تفضل) أو (من)، كمن يقضي ديناً عليه لآخر لا يستوجب الشكر بذلك، لأنه قضى ما كان عليه قضاؤه؛ فكذلك الله  إذا أخبر أنه (ذو فضل) و(ذو من) لم يكن ذلك عليه، فاستوجب الشكر على الخلق بذلك.

وبالله التوفيق.

ثم الكلام في أن أولئك ماتوا بآجالهم، أو لا بآجالهم؟

قالت المعتزلة: لم تكن آجالهم.

ومن قولهم: أن لكل أحد أجلين: إن قتل فأجله كذا، وإن مات فكذا.

قيل: ذلك تأجيل من لا يعلم أنه يقتل أو يموت، فإذا علم الله أنه يموت لم يكتب له أجل القتل.

وكذلك ما روي في الخبر: "أن صلة الرحم تزيد العمر" .

إذا كان في علم الله  في الأول أنه يصل الرحم فكتب عمره أزيد ممن يعلم في الأول أنه يقطع ولا يصل؛ إذ لو حمل ذلك على ما يقولون هم لخرج فعله فعل من يجهل العواقب.

فإن قيل: فلِمَ يلام القاتل إذا قتل غيره بغير حق؟

قيل له: لأنه كتب أجل المقتول بقتل هو معصية بما علم الله أنه ينقضي به.

وكتاب الآجال هو بيان النهايات والأعمار.

وقوله: ﴿ وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرناه متضمناً فيما تقدم.

وقوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

عامل الله  بلطفه وكرمه الخلق معاملة من لا حق له في أموالهم، لا كمعاملة العباد بعضهم بعضاً، وإن كان العبيد وأموالهم كلهم له حيث طلب منهم الإقراض لبعضهم من بعض ثم وعد لهم الثواب على ذلك فقال: ﴿ فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ .

ثم لما سمع اليهود ذلك قالوا: إن إله محمد فقير، وهو قوله: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ  ﴾ .

ومرة قالوا لما رأوا الشدة على بعض الناس فقالوا: إنما يفعل ذلك ببخله حيث قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ  ﴾ .

فرأوا المنع إمال للبخل وإما للفقر.

فأكذبهم الله في قولهم ذلك فقال: ﴿ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ .

قيل: ﴿ يَقْبِضُ ﴾ ، أي يقتر، و ﴿ وَيَبْسُطُ ﴾ ، أي يوسع.

وقيل: ﴿ يَقْبِضُ ﴾ ما أعطى، أي يأخذ.

و ﴿ وَيَبْسُطُ ﴾ ويترك ما أعطى، ولا يأخذ منه شيئاً.

وقيل: إنها نزلت في أبي الدحداح؛ وذلك أن النبي  قال: "من صدق بصدقة فله مثلها في الجنة.

فقال أبو الدحداح: إن تصدقت بحديقتي، فلي مثلها في الجنة؟

فقال: نعم.

وقال: وأم الدحداح معي؟

قال: نعم.

وقال: والصبية معي؟

قال: نعم.

فرجع أبو الدحداح فوجد أم الدحداح والصبية فيها، فقام على باب الحديقة، فنادى يا أم الدحداح إني جعلت حديقتي هذه صدقة، واشترطت مثيلتها في الجنة، وأم الدحداح والصبية فيها معي.

قالت: بارك الله لك فيما شريت، وفيما اشتريت أربيت.

فخرجوا منها، فتركوا ما كانوا اجتنبوا منها، وسلموا الحديقة للنبي  .

فنزل قوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...

﴾ " الآية.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ الآية، في توجيه الآية إليه: فمنهم من يوجهها إلى جميع المحاسن يؤثرها ويختارها لله، فله أضعاف ذلك في الموعود - آجلاً وعاجلا - فالآجل ما وعد، والعاجل ثناء الناس وجلالة القدر له في القلوب، متعارف ذلك للأخيار.

وسماه قرضاً بما هو اسم المعروف، ليذكره عظم نعمه عليه، إن قبله قول المعروف بالشكر له في ذلك، وإن كان ذلك حقّاً له عليه.

والله أعلم.

والثاني: ليعرف الخلق كيفية الصحبة والمعاشرة بينهم.

إن الله  عامل عبده فيما هو له معاملة من يستحق الشكر منه بما يسدي إليه من النعم، ولله حقيقة ذلك، ليعقل الحكماء أن مثل ذلك في معاملة الإخوان، وفما كان نعمه في الحقيقة أوجب وأحق، وليعظموا المعروفين بالمعروف بما أكرمهم الله  بالأسماء الجليلة.

ولا قوة إلا بالله.

ومنهم من يوجهها إلى الصدقات خاصة؛ سماها قرضاً لوجوه: أحدها: أن يجعل معاملة الفقراء والتصدق عليهم معاملة الله تفضيلاً لهم، على ما نسب مخادعة المؤمنين إلى الله  تعظيماً لهم، فمثله الصدقة.

ثم وعد فيه العوض لتصير الصدقة بمعنى الإقراض، إذ يرجع في عوضه، فيزول وجه الامتنان عن الفقير بما يأخذ منه البدل.

وبالله التوفيق.

والثاني: سمى ذلك قرضاً بما هو له على ما لم يزل الله  عود به عباده بالذي عرفوا به كرمه وجوده حتى سمى تسليم الذي له في الحقيقة قرضاً كالتسليم إلى من لاحق له في الحقيقة، وعلى ذلك أمر الشراء بقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ  ﴾ ، والله أعلم.

والثالث: أنه ذكرهم وجه القصد في الصدقات، والموقع لها، ليكون ذلك تبيناً لعظيم منه الفقر عليه إذ وصل به إلى الله ذكره وأجل محله عنده، فيصير عنده أحد الأعوان له والأنصار على عظيم الموعود وجليل القدر عند الله.

فيحمده على ذلك ويشكر له دون أن يمن عليه أو يؤذيه.

والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم يبلغ علمك -أيها النبي- خبر الذين خرجوا من بيوتهم وهم خلق كثير خوفًا من الموت بسبب الوباء أو غيره، وهم طائفة من بني إسرائيل، فقال لهم الله: موتوا فماتوا، ثم أعادهم أحياء، ليبين لهم أن الأمر كله بيده سبحانه، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، إن الله لذو عطاء وفضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على نعمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.54QRZ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

لما ذكر تعالى من الأحكام ما ذكر في الآيات السابقة قفى عليه بذكر بعض أخبار الماضين لأجل العظة والاعتبار، بما تتضمنه الوقائع والآثار، كما هي سنة القرآن، في تنويع التذكير والبيان، بل الانتقال هنا إنما هو من الأحكام مسرودة مع بيان حكمتها، والتنبيه لفائدتها إلى حكم سبقته حكمته، وتقدمته فائدته، في ضمن واقعة مضت زيادة في البصيرة ومبلغة في الحمل على الاعتبار، وهو حكم القتال في سبيل الله، ويتلوه حكم بذل المال في سبيله.

الأحكام السابقة تتعلق بالأشخاص في أنفسهم وبيوتهم، وهذان الحكمان في أمر عام يتعلق بالأمم من حيث حفظ وجودها، ودوام استقلالها، بمدافعة المعتدين عنها، وبذل الروح والمال في حفظ مصالحها، وتوفير منافعها، ولذلك كان الأسلوب أشد تأثيرًا، وأعظم تذكيرًا لأن الإشارة في سياق التذكير بمنافع الشخص ومصالحه في نفسه وفيمن يتصل به، كافية للتذكر والعمل بما يوعظ به لموافقة ذلك لهواه، فلها من النفس عون لا يغيب، ووازع لا يعصى، وأما المصالح العامة فإنه لا يفطن لها ولا يرغب فيها إلا الأقلون، فالعناية بالدعوة إليها، يجب أن تكون بمقدار بعد الجماهير عنها، فمن ثم جاءت هذه الآيات ببيان أجلى، وأسلوب أفعل وأقوى، كما ستعلم تفسيرها.

رووا في قصة - الذين خرجوا من ديارهم وهم ألف حذر الموت - روايات من الإسرائيليات التي ولع بها المفسرون وكلفوا بتطبيق كتاب الله تعالى عليها، أشهرها أبعدها عن السياق وهي رواية السدي قال: كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها، والذين بقوا مات أكثرهم، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع جميع الذين هربوا سالمين، فقال من بقي من المرض: هؤلاء أحرص منا لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات، ولئن وقع الطاعون ثانيًا لنخرجن كما خرجوا، فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفًا، فلما خرجوا من ذلك الوادي ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا، فهلكوا وبليت أجسامهم، فمر بهم نبي يقال له حزقيل فلما رآهم وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه "أتريد أريك كيف أحييهم؟" فقال نعم فقيل له ناد: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام.

ثم أوحى الله تعالى إليه ناد: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا ودمًا، ثم ناد: إن الله يأمرك أن تقومي: فقامت، فلما صاروا أحياء قاموا وكانوا يقولون سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت، ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم وكانت أمارات أنهم ماتوا في وجوههم، ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم.

أهـ.

على هذه الرواية اقتصر (الجلال) مع علمه بأن السدي هذا هو محمد ابن مروان الكوفي المفسر الكذاب كما قال ابن جرير وغيره وذكر في عددهم أقوالًا أربعة آلاف وأكثرها سبعون ألفًا، وأنهم عاشوًا دهرًا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوبًا إلا عاد كالكفن واستمرت في أسباطهم!!!

وهناك رواية أخرى وهي أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل استنفر عسكره للقتال فأبوا؛ لأن الأرض التي دعوا إلى قتالها موبوءة، فأماتهم الله ثمانية أيام حتى انتفخوا وعجز بنو إسرائيل عن دفنهم فأحياهم الله تعالى وبقي فيهم شيء من ذلك النتن.

وفي بعض القصص أن ذلك انتقل إلى ذريتهم وسيبقى فيهم حتى ينقرضوا!

وقلما تجد في العلماء من ينبه الناس لهذه الأكاذيب.

والرواية الثالثة هي أن حزقيل النبي  ندب قومه إلى القتال فكرهوا وجبنوا فأرسل الله عليهم الموت فكثر فيهم فخرجوا من ديارهم فرارًا منه، فدعا عليهم نبيهم فأرسل الله الموت على الخارجين، ثم ضاق صدره فدعا الله فأحياهم، ولكن هذا لم يذكر في نبوة حزقيال من كتب العهد العتيق، ولا في غيرها.

قال تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ  ﴾ والاستفهام هنا للتعجب والعبرة، والخطاب لكل من بلغه، والرؤية بمعنى العلم، والعبارة استعملت استعمال المثل فهي توجه إلى من لم ير ولم يعلم ذلك، والتقدير: ألم ينته علمك أيها المخاطب إلى حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ  ﴾ فإن حالهم عجيبة من حقها ألا تجهل، فإنهم في كثرتهم أحقاء بأن يكونوا لهم من الشجاعة ما يربأ بهم عن الخروج من وطنهم حذرًا من الموت.

وفي تفسير ابن كثير عن ابن جريج عن عطاء أن هذا مثل أي لا قصة واقعة.

أطلق القرآن القول في هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ولم يعين عددهم ولا أمتهم ولا بلدهم ولو علم لنا خيرًا في التعيين والتفصيل لتفضل علينا بذلك في كتابه المبين، فنأخذ القرآن على ما هو عليه لا ندخل فيه شيئًا من الروايات الإسرائيلية التي ذكروها، وهي صارفة عن العبرة لا مزيد كمال فيها، والمتبادر من السياق أن أولئك القوم قد خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو مهاجم لا من قلتهم، فقد كانوا ألوفًا أي كثيرين، وإنما هو الحذر من الموت الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء فيريهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت.

وما هو إلا سبب الموت بما يمكن الأعداء من رقاب أهله، وقال أبو الطيب: يرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة الطبع اللئيم وقال (الجلال):"إن الاستفهام بها استفهام تعجيب وتشويق".

أي أن الاستفهام الحقيقي ممتنع من الله تعالى ولذلك كان أكثر استفهام القرآن للإنكار أو للتقرير.

ولكن الاستفهام هنا لشيء آخر وهو ما يحدث العجب للنبي  ويوجب الشوق له إلى ما يقص عليه، والمعنى ألم ينته علمك إلى حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم إلخ، والرؤية بمعنى العلم يمتنع أن تكون بصرية.

ولم يقل ألم تعلم للإشعار بأن الأمر المحكي عنه قد انتهى في الوضوح والتحقيق إلى مرتبة المرئي.

وهذا لا يمنع أن يكون بين الجملة المبدوءة بواو الاستئناف وبين ما قلبها تناسب وارتباط في المعنى غير ارتباط العطف والمشاركة في الإعراب، كما هو الشأن هنا، فإن الآية الأولى مبينة لفائدة القتال في الدفاع عن الحق أو الحقيقة، والثانية آمرة به بعد تقرير حكمته وبيان وجه الحاجة إليه، فالارتباط بينهما شديد الأواخي، لا يعتريه التراخي.

خرجوا فارين ﴿ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا  ﴾ أي أماتهم بإمكان العدو منهم، فالأمر أمر التكوين لا أمر التشريع أي قضيت سنته في خلقه بأن يموتوا بما أتوه من سبب الموت، وهو تمكين العدو المحارب من أقفائهم بالفرار، ففتك بهم وقتل أكثرهم، ولم يصرح بأنهم ماتوا لأن أمر التكوين عبارة عن مشيئته سبحانه فلا يمكن تخلفه وللاستغناء عن التصريح بقوله بعد ذلك ﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ  ﴾ وإنما يكون الإحياء بعد الموت.

والكلام في القوم لا في أفراد لهم خصوصية، لأن المراد بيان سنته تعالى في الأمم التي تجبن فلا تدافع العادين عليها، ومعنى حياة الأمم وموتها في عرف الناس جميعهم معروف.

فمعنى موت أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم، وأزال استقلال أُمتهم، حتى صارت لا تعد أُمة، بأن تفرق شملها، وذهبت جامعتها، فكل من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين ضائعين فيهم، مدغمين في غمارهم، لا وجود لهم في أنفسهم، وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم، ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم.

وذلك أن من رحمة الله تعالى في البلاء يصيب الناس أنه يكون تأديبًا لهم، ومطهرًا لنفوسهم مما عرض لها من دنس الأخلاق الذميمة.

أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الجبن والخوف والفشل والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها، فجمعوا كلمتهم، ووثقوا رابطتهم، حتى عادت لهم وحدتهم قوية فاعتزوا وكثروا إلى أن خرجوا من ذل العبودية التي كانوا فيها إلى عز الاستقلال، فهذا معنى حياة الأمم وموتها.

يموت قوم منهم باحتمال الظلم، ويذل الآخرون حتى كأنهم أموات، إذ لا تصدر عنهم أعمال الأمم الحية، من حفظ سياج الوحدة، وحماية البيضة، بتكافل أفراد الأمة ومنعتهم، فيعتبر الباقون فينهضون إلى تدارك ما فات، والاستعداد لما هو آت، ويتعلمون من فعل عدوهم بهم كيف يدفعونه عنهم.

قال علي كرم الله وجهه: إن بقية السيف هي الباقية، أي التي يحيا بها أولئك الميتون، فالموت والإحياء واقعان على القوم في مجموعهم، على ما عهدنا في أسلوب القرآن إذ خاطب بني إسرائيل في زمن تنزيله بما كان من آبائهم الأولين، بمثل قوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ  ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ  ﴾ وغير ذلك، وقلنا إن الحكمة في هذا الخطاب تقرير معنى وحدة الأمة وتكافلها، وتأثير سيرة بعضها في بعض حتى كأنها شخص واحد، وكل جماعة منها كعضو منه، فإن انقطع العضو العامل لم يكن ذلك مانعًا من مخاطبة الشخص بما عمله قبل قطعه، وهذا الاستعمال معهود في سائر الكلام العربي يقال: هجمنا على بني فلان حتى أفنيناهم أو أتينا عليهم، ثم أجمعوا أمرهم وكروا علينا (مثلًا) وإنما كر عليهم من بقي منهم.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ  ﴾ كافًة بما جعل في موتهم من الحياة إذ جعل المصائب والعظائم محيية للهمم والعزائم، كما جعل الهلع والجبن وغيرهما من الأخلاق التي أفسدها الترف والسرف من أسباب ضعف الأمم، وجعل ضعف أمة مغزيًا لأمة قوية بالوثبان عليها، والاعتداء على استقلالها، وجعل الاعتداء منبهًا للقوى الكامنة في المعتدى عليه، وملجئًا له إلى استعمال مواهب الله فيما وهبت لأجله، حتى تحيا الأمم حياة عزيزة، ويظهر فضل الله تعالى فيها.

والمراد بالفضل هنا الفضل العام وهو أنه تعالى جعل إماتة الناس بما يسلط على الأمة من الأعداء ينكلون بها بمثابة هدم البناء القديم المتداعي، والضرورة قاضية ببناء، فلا جرم تنبعث الهمة إلى هذا البناء الجديد فيكون حياة جديدة للأمة، تفسد الأخلاق بالأمم فتسوء الأعمال، فيسلط الله على فاسدي الأخلاق النكبات ليتأدب الباقي منهم، فيجتهدوا في إزالة الفساد وإدالة الصلاح، ويكون ما هلك من الأمة بمثابة العضو الفاسد المصاب "بالغنغرينا" يبتره الطبيب ليسلم الجسد كله، ومن لا يقبل هذا التأديب الإلهي فإن عدل الله في الأرض يمحقه منها ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ فهذه سنة من سنن الاجتماع بيّنها القرآن وكان الناس في غفلة عنها ولهذا قال: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ  ﴾ أي لا يقومون بحقوق هذه النعمة، ولا يستفيدون من بيان هذه السنة، أي هذا شأن أكثر الناس في غفلتهم وجهلهم بحكمة بهم، فلا تكونوا كذلك أيها المؤمنون بل اعتبروا بما نزل عليكم وتأدبوا به لتستفيدوا من كل حوادث الكون حتى مما ينزل بكم من البلاء إذا وقع منكم تفريط في بعض الشؤون، واعملوا أن الجبن عن مدافعة الأعداء، وتسليم الديار بالهزيمة والفرار، هو الموت المحفوف بالخزي والعار، وأن الحياة العزيزة الطيبة هي الحياة الملية المحفوظة من عدوان المعتدين، فلا تقصروا في حماية جامعتكم في الملة والدين.

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ القتال في سبيل الله هو القتال لإعلاء كلمته، وتأمين دينه ونشر دعوته، والدفاع عن حزبه كي لا يغلبوا على حقهم، ولا يصدوا عن إظهار أمرهم، فهو أعم من القتال لأجل الدين، لأنه يشمل مع الدفاع عن الدين وحماية دعوته الدفاع عن الحوزة إذا هم الطامع المهاجم باغتصاب بلادنا والتمتع بخيرات أرضنا، أو أراد العدو الباغي إذلالنا، والعدوان على استقلالنا، ولو لم يكن ذلك لأجل فتنتنا في ديننا، فهذا الأمر مطلق كأنه أمر لنا بأن نتحلى بحلية الشجاعة، ونتسربل بسرابيل القوة والعزة، لتكون حقوقنا محظوظة، وحرمتنا مصونة، لا نؤخذ من جانب ديننا، ولا نغتال من جهة دنيانا، بل نبقى أعزاء الجانبين، جديرين بسعادة الدارين، ألا ترى أن من ساق الله لنا العبرة بحالهم، وذكرنا بسنته في موتهم وحياتهم، لم يذكر أنهم قوتلوا لأجل الدين، فالقتال لحماية الحقيقة كالقتال لحماية الحق كله جهاد في سبيل الله، فتفسير (الجلال) سبيل الله بإعلاء دينه تقييد لمطلق وتخصيص لقول عام من غير دليل، وقد اتفق الفقهاء على أن العدو إذا دخل دار الإسلام، يكون قتاله فرض عين.

ذكرنا الله تعالى بعد هذا الأمر بأنه سميع عليم لينبهنا على مراقبته فيما عسى أن نعتذر به عن أنفسنا في تقصيرها عن امتثال هذا الأمر في وقته، وأخذ الأهبة له قبل الاضطرار إليه، أمرنا أن نعلم أنه سميع لأقوال الجبناء في اعتذارهم عن أنفسهم، ماذا نعمل؟

ما في اليد حيلة، ليس لها من دون الله كاشفة، ليس لنا من الأمر شيء، لو كان لنا الأمر شيء ما قعدنا ههنا.

فهذه الألفاظ في هذا المقام مفتاح الجبن، وعلل الخوف والحزن، فهي عند أهلها تعلات وأعذار، وعند الله تعالى ذنوب وأوزار، وما كان منها حقًا في نفسه فهو من الحق الذي أريد به الباطل.

وأن نعلم أنه عليم بما يأتيه مرضى القلوب وضعفاء الإيمان من الحيل والمراوغة، والفرار من الاستعداد والمدافعة، فإذا علمنا هذا وحاسبنا به أنفسنا، عرفنا أن كلًا من المعتذر بلسانه، والمتعلل بفعاله، مخادع لربه ولنفسه وقومه، وكثير من الناس يهزأ بنفسه وهو لا يدري إذ يصدق ما يعتاده من التوهم، وهذه شنشنة المخذولين الذين ضربت عليهم الذلة وخيم عليهم الشقاء، تعمل فيهم هذه الوساوس ما لا تعمل الحقائق، وقد أنذرنا الله تعالى أن نكون مثلهم بتذكيرنا بأنه سميع عليم، لا يخادع ولا يخفى عليه شيء.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله