الآية ٢٤٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤٨ من سورة البقرة

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٢٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 201 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول نبيهم لهم : إن علامة بركة ملك طالوت عليكم أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم .

( فيه سكينة من ربكم ) قيل : معناه فيه وقار ، وجلالة .

قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ( فيه سكينة ) أي : وقار .

وقال الربيع : رحمة .

وكذا روي عن العوفي عن ابن عباس وقال ابن جريج : سألت عطاء عن قوله : ( فيه سكينة [ من ربكم ] ) قال : ما يعرفون من آيات الله فيسكنون إليه .

وقيل : السكينة طست من ذهب كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء ، أعطاها الله موسى عليه السلام فوضع فيها الألواح .

ورواه السدي عن أبي مالك عن ابن عباس .

وقال سفيان الثوري : عن سلمة بن كهيل عن أبي الأحوص عن علي قال : السكينة لها وجه كوجه الإنسان ثم هي روح هفافة .

وقال ابن جرير : حدثني [ ابن ] المثنى حدثنا أبو داود حدثنا شعبة وحماد بن سلمة ، وأبو الأحوص كلهم عن سماك عن خالد بن عرعرة عن علي قال : السكينة ريح خجوج ولها رأسان .

وقال مجاهد : لها جناحان وذنب .

وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه : السكينة رأس هرة ميتة إذا صرخت في التابوت بصراخ هر ، أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه يقول : السكينة روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم فأخبرهم ببيان ما يريدون .

وقوله : ( وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ) قال ابن جرير : أخبرنا ابن المثنى حدثنا أبو الوليد حدثنا حماد عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية : ( وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ) قال : عصاه ورضاض الألواح .

وكذا قال قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة وزاد : والتوراة .

وقال أبو صالح ( وبقية ) يعني : عصا موسى وعصا هارون ولوحين من التوراة والمن .

وقال عطية بن سعد : عصا موسى وعصا هارون وثياب موسى وثياب هارون ورضاض الألواح .

وقال عبد الرزاق : سألت الثوري عن قوله : ( وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ) فقال : منهم من يقول قفيز من من ، ورضاض الألواح .

ومنهم من يقول : العصا والنعلان .

وقوله : ( تحمله الملائكة ) قال ابن جريج : قال ابن عباس : جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت ، والناس ينظرون .

وقال السدي : أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون وأطاعوا طالوت .

وقال عبد الرزاق عن الثوري عن بعض أشياخه : جاءت به الملائكة تسوقه على عجلة على بقرة وقيل : على بقرتين .

وذكر غيره أن التابوت كان بأريحا وكان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير ، فأصبح التابوت على رأس الصنم فأنزلوه فوضعوه تحته فأصبح كذلك فسمروه تحته فأصبح الصنم مكسور القوائم ملقى بعيدا ، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به فأخرجوا التابوت من بلدهم ، فوضعوه في بعض القرى فأصاب أهلها داء في رقابهم فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردوه إلى بني إسرائيل حتى يخلصوا من هذا الداء ، فحملوه على بقرتين فسارتا به لا يقربه أحد إلا مات ، حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل فكسرتا النيرين ورجعتا وجاء بنو إسرائيل فأخذوه فقيل : إنه تسلمه داود عليه السلام وأنه لما قام إليهما حجل من فرحه بذلك .

وقيل : شابان منهم فالله أعلم .

وقيل : كان التابوت بقرية من قرى فلسطين يقال لها : أزدرد .

وقوله : ( إن في ذلك لآية لكم ) أي : على صدقي فيما جئتكم به من النبوة ، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت : ( إن كنتم مؤمنين ) أي : بالله واليوم الآخر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ قال أبو جعفر: وهذا الخبر من الله تعالى ذكره عن نبيه الذي أخبر عنه به، دليل على أن الملأ من بني إسرائيل الذين قيل لهم هذا القول، لم يقروا ببعثة الله طالوت عليهم ملكا إذ أخبرهم نبيهم بذلك، وعرفهم فضيلته التي فضله الله بها، ولكنهم سألوه الدلالة على صدق ما قال لهم من ذلك وأخبرهم به.

فتأويل الكلام، إذ كان الأمر على ما وصفنا : " والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم "، فقالوا له: ما آية ذلك إن كنت من الصادقين؟

(95) =" قال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت " .

وهذه القصة = (96) وإن كانت خبرا من الله تعالى ذكره عن الملإ من بني إسرائيل ونبيهم، وما كان من ابتدائهم نبيهم بما ابتدءوا به من مسألته أن يسأل الله لهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيله, ونبأً عما كان منهم من تكذيبهم نبيهم بعد علمهم بنبوته، (97) ثم إخلافهم الموعد الذي وعدوا الله ووعدوا رسوله، من &; 5-316 &; الجهاد في سبيل الله، بالتخلف عنه حين استنهضوا لحرب من استنهضوا لحربه, وفتح الله على القليل من الفئة، مع تخذيل الكثير منهم عن ملكهم وقعودهم عن الجهاد معه= (98) فإنه تأديب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذراريهم وأبنائهم يهود قريظة والنضير, وأنهم لن يعدوا في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به ونهاهم عنه= مع علمهم بصدقه، ومعرفتهم بحقيقة نبوته, بعد ما كانوا يستنصرون الله به على أعدائهم قبل رسالته, وقبل بعثة الله إياه إليهم وإلى غيرهم = (99) أن يكونوا كأسلافهم وأوائلهم الذين كذبوا نبيهم شمويل بن بالي, مع علمهم بصدقه، ومعرفتهم بحقية نبوته, وامتناعهم من الجهاد مع طالوت لما ابتعثه الله ملكا عليهم، بعد مسألتهم نبيهم ابتعاث ملك يقاتلون معه عدوهم ويجاهدون معه في سبيل ربهم، ابتداء منهم بذلك نبيهم, وبعد مراجعة نبيهم شمويل إياهم في ذلك= (100) وحض لأهل الإيمان بالله وبرسوله من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيله, وتحذير منه لهم أن يكونوا في التخلف عن نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم عند لقائه العدو، ومناهضته أهل الكفر بالله وبه، على مثل الذي كان عليه الملأ من بني إسرائيل في تخلفهم عن ملكهم طالوت إذ زحف لحرب عدو الله جالوت, وإيثارهم الدعة والخفض على مباشرة حر الجهاد والقتال في سبيل الله= (101) وشحذ منه لهم على الإقدام على مناجزة أهل الكفر به الحرب, وترك تهيب قتالهم أن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم واشتدت شوكتهم بقوله: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [سورة البقرة: 249] ,= (102) وإعلام منه &; 5-317 &; تعالى ذكره عباده المؤمنين به أن بيده النصر والظفر والخير والشر.

* * * وأما تأويل قوله: " قال لهم نبيهم "، فإنه يعني: للملأ من بني إسرائيل الذين قالوا لنبيهم: " ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله " .

* * * وقوله: " إن آية ملكه "، : إن علامة ملك طالوت= (103) التي سألتمونيها دلالة على صدقي في قولي: إن الله بعثه عليكم ملكا, وإن كان من غير سبط المملكة=" أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم "، وهو التابوت الذي كانت بنو إسرائيل إذا لقوا عدوا لهم قدموه أمامهم، وزحفوا معه, فلا يقوم لهم معه عدو، ولا يظهر عليهم أحد ناوأهم, حتى ضيعوا أمر الله، (104) وكثر اختلافهم على أنبيائهم, فسلبهم الله إياه مرة بعد مرة، يرده إليهم في كل ذلك, حتى سلبهم آخرها مرة فلم يرده عليهم، (105) ولن يرد إليهم آخر الأبد.

(106) * * * ثم اختلف أهل التأويل في سبب مجيء التابوت الذي جعل الله مجيئه إلى بني إسرائيل آية لصدق نبيهم شمويل على قوله: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ، وهل كانت بنو إسرائيل سلبوه قبل ذلك فرده الله عليهم حين جعل مجيئه آية لملك طالوت, أو لم يكونوا سلبوه قبل ذلك، ولكن الله ابتدأهم به ابتداء؟

فقال بعضهم: بل كان ذلك عندهم من عهد موسى وهارون يتوارثونه، (107) حتى سلبهم إياه ملوك من أهل الكفر به, ثم رده الله عليهم آية لملك طالوت.

وقال في &; 5-318 &; سبب رده عليهم ما أنا ذاكره وهو ما: - 5658- حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه قال: كان لعيلي الذي ربى شمويل، ابنان شابان أحدثا في القربان شيئا لم يكن فيه.

كان مسوط القربان الذي كانوا يسوطونه به كلابين (108) فما أخرجا كان للكاهن الذي يسوطه، (109) فجعله ابناه كلاليب.

(110) وكانا إذا جاء النساء يصلين في القدس يتشبثان بهن.

فبينا شمويل نائم قبل البيت الذي كان ينام فيه عيلي, إذ سمع صوتا يقول: أشمويل!!

(111) فوثب إلى عيلي فقال: لبيك!

ما لك!

دعوتني؟

فقال: لا!

ارجع فنم!

فرجع فنام، ثم سمع صوتا آخر يقول: أشمويل !!

فوثب إلى عيلي أيضا, فقال: لبيك !

ما لك !

دعوتني؟

فقال: لم أفعل، ارجع فنم, فإن سمعت شيئا فقل: " لبيك " مكانك،" مرني فأفعل "!

فرجع فنام, فسمع صوتا أيضا يقول: أشمويل !!

فقال: لبيك أنا هذا!

مرني أفعل!

قال: انطلق إلى عيلي فقل له: " منعه حب الولد أن يزجر ابنيه أن يحدثا في قدسي وقرباني، وأن يعصياني, فلأنـزعن منه الكهانة ومن ولده, ولأهلكنه وإياهما "!

فلما أصبح سأله عيلي فأخبره, ففزع لذلك فزعا شديدا.

فسار إليهم عدو ممن &; 5-319 &; حولهم, فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو.

فخرجا وأخرجا معهما التابوت الذي كان فيه اللوحان وعصا موسى لينصروا به.

(112) فلما تهيئوا للقتال هم وعدوهم, جعل عيلي يتوقع الخبر: ماذا صنعوا؟

فجاءه رجل يخبره وهو قاعد على كرسيه: إن ابنيك قد قتلا وإن الناس قد انهزموا!

قال : فما فعل التابوت؟

قال: ذهب به العدو!

قال: فشهق ووقع على قفاه من كرسيه فمات.

وذهب الذين سبوا التابوت حتى وضعوه في بيت آلهتهم، ولهم صنم يعبدونه, فوضعوه تحت الصنم، والصنم من فوقه, فأصبح من الغد والصنم تحته وهو فوق الصنم.

ثم أخذوه فوضعوه فوقه وسمروا قدميه في التابوت, فأصبح من الغد قد تقطعت يدا الصنم ورجلاه, وأصبح ملقى تحت التابوت.

فقال بعضهم لبعض: قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء, فأخرجوه من بيت آلهتكم!

فأخرجوا التابوت فوضعوه في ناحية من قريتهم, فأخذ أهل تلك الناحية التي وضعوا فيها التابوت وجع في أعناقهم, فقالوا: ما هذا؟!

فقالت لهم جارية كانت عندهم من سبي بني إسرائيل: لا تزالون ترون ما تكرهون ما كان هذا التابوت فيكم!

فأخرجوه من قريتكم!

قالوا: كذبت!

قالت: إن آية ذلك أن تأتوا ببقرتين لهما أولاد لم يوضع عليهما نير قط , ثم تضعوا وراءهم العجل, (113) ثم تضعوا التابوت على العجل وتسيروهما وتحبسوا أولادهما، فإنهما تنطلقان به مذعنتين, (114) حتى إذا خرجتا من أرضكم ووقعتا في أرض بني إسرائيل كسرتا نيرهما, وأقبلتا إلى أولادهما.

ففعلوا ذلك، فلما خرجتا من أرضهم ووقعتا في أدنى أرض بني إسرائيل كسرتا نيرهما, وأقبلتا إلى أولادهما.

ووضعتاه في خربة فيها حصاد من بني إسرائيل، (115) ففزع إليه &; 5-320 &; بنو إسرائيل وأقبلوا إليه, فجعل لا يدنو منه أحد إلا مات.

فقال لهم نبيهم شمويل: اعترضوا, (116) فمن آنس من نفسه قوة فليدن منه.

فعرضوا عليه الناس , فلم يقدر أحد يدنو منه إلا رجلان من بني إسرائيل، (117) أذن لهما بأن يحملاه إلى بيت أمهما, وهي أرملة.

فكان في بيت أمهما حتى ملك طالوت, فصلح أمر بني إسرائيل مع أشمويل.

(118) 5659- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم , عن وهب بن منبه قال: قال شمويل لبني إسرائيل لما قالوا له: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال؟

قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، وإن آية ملكه= وإن تمليكه من قبل الله= أن يأتيكم التابوت, فيرد عليكم الذي فيه من السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون, وهو الذي كنتم تهزمون به من لقيكم من العدو, وتظهرون به عليه.

قالوا: فإن جاءنا التابوت فقد رضينا وسلمنا!

وكان العدو الذين أصابوا التابوت أسفل من الجبل جبل إيليا فيما بينهم وبين مصر, وكانوا أصحاب أوثان, وكان فيهم جالوت.

وكان جالوت رجلا قد أعطي بسطة في الجسم، وقوة في البطش، وشدة في الحرب, مذكورا بذلك في الناس.

وكان التابوت حين استبي قد جعل في قرية من قرى فلسطين يقال لها: " أزدود ", (119) فكانوا قد جعلوا التابوت في &; 5-321 &; كنيسة فيها أصنامهم.

فلما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما كان: من وعد بني إسرائيل أن التابوت سيأتيهم- جعلت أصنامهم تصبح في الكنيسة منكسة على رؤوسها, وبعث الله على أهل تلك القرية فأرا, تبيت الفأرة الرجل فيصبح ميتا، (120) قد أكلت ما في جوفه من دبره.

قالوا: تعلمون والله، لقد أصابكم بلاء ما أصاب أمة من الأمم مثله, (121) وما نعلمه أصابنا إلا مذ كان هذا التابوت بين أظهرنا!!

مع أنكم قد رأيتم أصنامكم تصبح كل غداة منكسة، شيء لم يكن يصنع بها حتى كان هذا التابوت معها!

فأخرجوه من بين أظهركم.

فدعوا بعجلة فحملوا عليها التابوت, ثم علقوها بثورين, ثم ضربوا على جنوبهما, وخرجت الملائكة بالثورين تسوقهما, فلم يمر التابوت بشيء من الأرض إلا كان قدسا.

فلم يرعهم إلا التابوت على عجلة يجرها الثوران, حتى وقف على بني إسرائيل, فكبروا وحمدوا الله, وجدوا في حربهم، واستوسقوا على طالوت.

(122) 5660- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: لما قال لهم نبيهم: إن الله اصطفى طالوت عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم- أبوا أن يسلموا له الرياسة، حتى قال لهم: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم " .

فقال لهم: أرأيتم إن جاءكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله للملائكة!!

&; 5-322 &; = وكان موسى حين ألقى الألواح تكسرت ورفع منها.

فنـزل فجمع ما بقي فجعله في ذلك التابوت= قال ابن جريج، أخبرني يعلى بن مسلم , عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أنه لم يبق من الألواح إلا سدسها.

قال: وكانت العمالقة قد سبت ذلك التابوت- والعمالقة فرقة من عاد كانوا بأريحا- فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إلى التابوت، حتى وضعته عند طالوت.

فلما رأوا ذلك قالوا: نعم !

فسلموا له وملكوه.

قال: وكان الأنبياء إذا حضروا قتالا قدموا التابوت بين يديهم.

ويقولون: إن آدم نـزل بذلك التابوت وبالركن.

وبلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية, وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة.

5661- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن أرميا لما خرب بيت المقدس وحرقت الكتب, وقف في ناحية الجبل فقال: " أنى يحيى هذه الله بعد موتها، فأماته الله مئة عام " .

ثم رد الله من رد من بني إسرائيل على رأس سبعين سنة من حين أماته, يعمرونها ثلاثين سنة تمام المئة.

فلما ذهبت المئة، رد الله إليه روحه، وقد عمرت, فهي على حالتها الأولى.

(123) (124) ...................................................................................

...................................................................................

...................................................................................

فلما أراد أن يرد عليهم التابوت , أوحى الله إلى نبي من أنبيائهم: إما دانيال وإما غيره: إن كنتم تريدون أن يرفع عنكم المرض, فأخرجوا عنكم هذا التابوت !

قالوا: بآية ماذا؟

قال: بآية أنكم تأتون ببقرتين صعبتين لم تعملا عملا قط, فإذا نطرتا &; 5-323 &; إليه وضعتا أعناقهم للنير حتى يشد عليهما, (125) ثم يشد التابوت على عجل, ثم يعلق على البقرتين, ثم يخليان فيسيران حيث يريد الله أن يبلغهما.

ففعلوا ذلك، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، فسارت البقرتان سيرا سريعا , حتى إذا بلغتا طرف القدس كسرتا نيرهما, وقطعتا حبالهما, وذهبتا.

فنـزل إليهما داود ومن معه، فلما رأى داود التابوت حجل إليه فرحا به = فقلنا لوهب: ما حجل إليه، قال : شبيه بالرقص= فقالت له امرأته: لقد خففت حتى كاد الناس يمقتونك لما صنعت!

قال: أتبطئيني عن طاعة ربي!!

لا تكونين لي زوجة بعد هذا.

ففارقها.

* * * وقال آخرون: بل التابوت= الذي جعله الله آية لملك طالوت= كان في البرية, وكان موسى صلى الله عليه وسلم خلفه عند فتاه يوشع, فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت.

(126) &; 5-324 &; * ذكر من قال ذلك: 5662- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد, قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم "، الآية: كان موسى تركه عند فتاه يوشع بن نون وهو بالبرية, وأقبلت به الملائكة تحمله حتى وضعته في دار طالوت فأصبح في داره.

5663- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت " الآية, قال: كان موسى - فيما ذكر لنا - ترك التابوت عند فتاه يوشع بن نون وهو في البرية.

فذكر لنا أن الملائكة حملته من البرية حتى وضعته في دار طالوت, فأصبح التابوت في داره.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب ما قاله ابن عباس ووهب بن منبه: من أن التابوت كان عند عدو لبني إسرائيل كان سلبهموه.

وذلك أن الله تعالى ذكره قال مخبرا عن نبيه في ذلك الزمان قوله لقومه من بني إسرائيل : " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت "، و " الألف واللام " لا تدخلان في مثل هذا من الأسماء إلا في معروف عند المتخاطبين به.

وقد عرفه المخبر والمخبر.

فقد علم بذلك أن معنى الكلام : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه، الذي كنتم تستنصرون به, فيه سكينة من ربكم.

ولو كان ذلك تابوتا من التوابيت غير معلوم عندهم قدره &; 5-325 &; ومبلغ نفعه قبل ذلك، لقيل: إن آية ملكه أن يأتيكم تابوت فيه سكينة من ربكم.

* * * فإن ظن ذو غفلة أنهم كانوا قد عرفوا ذلك التابوت وقدر نفعه وما فيه وهو عند موسى ويوشع, فإن ذلك ما لا يخفى خطؤه.

وذلك أنه لم يبلغنا أن موسى لاقى عدوا قط بالتابوت ولا فتاه يوشع, بل الذي يعرف من أمر موسى وأمر فرعون ما قص الله من شأنهما, وكذلك أمره وأمر الجبارين.

وأما فتاه يوشع, فإن الذين قالوا هذه المقالة، زعموا أن يوشع خلفه في التيه حتى رد عليهم حين ملك طالوت.

فإن كان الأمر على ما وصفوه, فأي الأحوال للتابوت الحال التي عرفوه فيها, فجاز أن يقال: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه وعرفتم أمره؟

وفي فساد هذا القول بالذي ذكرنا، (127) أبين الدلالة على صحة القول الآخر, إذ لا قول في ذلك لأهل التأويل غيرهما.

* * * وكانت صفة التابوت فيما بلغنا، كما: - 5664- حدثنا محمد بن عسكر والحسن بن يحيى قالا أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا بكار بن عبد الله قال: سألنا وهب بن منبه عن تابوت موسى: ما كان؟

قال: كان نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين.

(128) * * * &; 5-326 &; القول في تأويل قوله : فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فيه "، في التابوت=" سكينة من ربكم ".

* * * واختلف أهل التأويل في معنى " السكينة ".

فقال بعضهم: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان.

* ذكر من قال ذلك: 5665- حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا محمد بن جحادة, عن سلمة بن كهيل, عن أبي وائل, عن علي بن أبي طالب قال: السكينة، ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان.

5666- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان= وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا سفيان= عن سلمة بن كهيل, عن أبي الأحوص, عن علي قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان, ثم هي ريح هفافة.

5667- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, عن العوام بن حوشب, عن سلمة بن كهيل, عن علي بن أبي طالب في قوله: " فيه سكينة من ربكم "، قال: ريح هفافة لها صورة= وقال يعقوب في حديثه: لها وجه= (129) وقال ابن المثنى: كوجه الإنسان.

5668- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن سلمة بن كهيل قال، قال علي: السكينة لها وجه كوجه الإنسان, وهي ريح هفافة.

(130) &; 5-327 &; 5669- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص, عن سماك بن حرب, عن خالد بن عرعرة قال، قال علي: السكينة ريح خجوج, ولها رأسان.

(131) 5670- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن سماك قال: سمعت خالد بن عرعرة، يحدث عن علي, نحوه.

5671- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة, وحماد بن سلمة, وأبو الأحوص, كلهم عن سماك, عن خالد بن عرعرة, عن علي, نحوه.

(132) * * * وقال آخرون: لها رأس كرأس الهرة وجناحان.

* ذكر من قال ذلك: 5672- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى: " فيه سكينة من ربكم "، قال: أقبلت السكينة [ والصرد] وجبريل مع إبراهيم من الشأم= (133) قال ابن أبي نجيح، سمعت مجاهدا يقول: السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان.

5673- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد نحوه.

5674- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد قال: السكينة لها جناحان وذنب.

&; 5-328 &; 5675-حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: لها جناحان وَذَنَب مثل ذنب الهرة.

* * * وقال آخرون: بل هي رأس هرة ميتة.

* * * * ذكر من قال ذلك: 5677- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن وهب بن منبه, عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل قال: السكينة رأس هرة ميتة، كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ هر، أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح.

* * * وقال آخرون: إنما هي طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء.

* ذكر من قال ذلك: 5678- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا الحكم بن ظهير, عن السدي, عن أبي مالك, عن ابن عباس : " فيه سكينة من ربكم "، قال: طست من ذهب من الجنة, كان يغسل فيه قلوب الأنبياء.

5679- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فيه سكينة من ربكم "، السكينة: طست من ذهب يغسل فيها قلوب الأنبياء, أعطاها الله موسى, وفيها وضع الألواح.

وكانت الألواح، فيما بلغنا، من در وياقوت وزبرجد.

* * * وقال آخرون: " السكينة "، روح من الله تتكلم.

* ذكر من قال ذلك: 5680- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا بكار &; 5-329 &; بن عبد الله، قال، سألنا وهب بن منبه فقلنا له: السكينة؟

قال: روح من الله يتكلم، إذا اختلفوا في شيء تكلم فأخبرهم ببيان ما يريدون.

5681- حدثنا محمد بن عسكر قال، حدثنا عبد الرزاق قال، حدثنا بكار بن عبد الله: أنه سمع وهب بن منبه، فذكر نحوه.

(134) وقال آخرون: " السكينة "، ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليه.

* ذكر من قال ذلك: 5682- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: " فيه سكينة من ربكم "، الآية، قال: أما السكينة فما يعرفون من الآيات، يسكنون إليها.

* * * وقال آخرون: " السكينة "، الرحمة.

* ذكر من قال ذلك: 5683- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فيه سكينة من ربكم "، أي رحمة من ربكم.

* * * وقال آخرون: " السكينة "، هي الوقار.

* ذكر من قال ذلك: 5684- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فيه سكينة من ربكم "، أي وقار.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالحق في معنى " السكينة " , ما قاله عطاء بن أبي رباح: من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي تعرفونها.

وذلك أن &; 5-330 &; " السكينة " في كلام العرب " الفعيلة "، من قول القائل: " سكن فلان إلى كذا وكذا "= إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه=" فهو يسكن سكونا وسكينة ", مثل قولك: " عزم فلان هذا الأمر عزما وعزيمة ", و " قضى الحاكم بين القوم قضاء وقضية ", ومنه قول الشاعر: (135) للــه قــبر غالهـا!

مـاذا يجـن? لقـــد أجــن ســكينة ووقــارا * * * وإذا كان معنى " السكينة " ما وصفت, فجائز أن يكون ذلك على ما قاله علي بن أبي طالب على ما روينا عنه, وجائز أن يكون ذلك على ما قاله مجاهد على ما حكينا عنه, وجائز أن يكون ما قاله وهب بن منبه وما قاله السدي، لأن كل ذلك آيات كافيات تسكن إليهن النفوس، وتثلج بهن الصدور.

وإذا كان معنى " السكينة " ما وصفنا, فقد اتضح أن الآية التي كانت في التابوت، التي كانت النفوس تسكن إليها لمعرفتها بصحة أمرها، إنما هي مسماة بالفعل وهي غيره، (136) لدلالة الكلام عليه.

* * * القول في تأويل قوله : وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وبقية "، الشيء الباقي، من قول القائل: " قد بقي من هذا الأمر بقية ", وهي" فعلية " منه, نظير " السكينة " من " سكن ".

* * * &; 5-331 &; وقوله: " مما ترك آل موسى وآل هارون "، يعني به: من تركة آل موسى , وآل هارون.

* * * واختلف أهل التأويل في" البقية " التي كانت بقيت من تركتهم.

فقال بعضهم : كانت تلك " البقية " عصا موسى ورضاض الألواح.

(137) * ذكر من قال ذلك: 5685- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود, عن عكرمة قال: أحسبه عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، قال: رضاض الألواح.

5686- حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر قال، حدثنا داود، عن عكرمة= قال داود: وأحسبه عن ابن عباس= مثله.

5687- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا حماد, عن داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس في هذه الآية: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، قال: عصا موسى ورضاض الألواح .

5688- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، قال: فكان في التابوت عصا موسى ورضاض الألواح, فيما ذكر لنا .

5689- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، قال: البقية عصا موسى ورضاض الألواح.

5690- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، أما البقية، فإنها عصا موسى &; 5-332 &; ورضاضة الألواح.

(138) 5691- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع : " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، عصا موسى وأثور من التوراة.

(139) 5692- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي, عن خالد الحذاء, عن عكرمة في هذه الآية: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، قال: التوراة ورضاض الألواح والعصا= قال إسحاق، قال وكيع: ورضاضه كسره.

5693- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن خالد, عن عكرمة في قوله: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، قال: رضاض الألواح.

* * * وقال آخرون: بل تلك " البقية " عصا موسى وعصا هارون, وشيء من الألواح.

(140) * ذكر من قال ذلك: 5694- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح, عن إسماعيل, عن ابن أبي خالد, عن أبي صالح: " أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، قال: كان فيه عصا موسى وعصا هارون, ولوحان من التوراة, والمن.

(141) &; 5-333 &; 5695- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي, عن عطية بن سعد في قوله: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، قال: عصا موسى، وعصا هارون, وثياب موسى, وثياب هارون, ورضاض الألواح.

* * * وقال آخرون: بل هي العصا والنعلان.

* ذكر من قال ذلك: 5696- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، سألت الثوري عن قوله: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، قال: منهم من يقول: البقية قفيز من من ورضاض الألواح- ومنهم من يقول: العصا والنعلان.

(142) * * * وقال آخرون: بل كان ذلك العصا وحدها.

* ذكر من قال ذلك: 5697- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا بكار بن عبد الله قال، قلنا لوهب بن منبه: ما كان فيه؟

= يعني في التابوت= قال: كان فيه عصا موسى والسكينة.

(143) * * * وقال آخرون: بل كان ذلك، رضاض الألواح وما تكسر منها.

* ذكر من قال ذلك: 5698- حدثنا القاسم قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس في قوله: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، قال: كان موسى حين ألقى الألواح تكسرت ورفع منها, فجعل الباقي في ذلك التابوت.

&; 5-334 &; 5699- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، [قال] العلم والتوراة.

(144) * * * وقال آخرون: بل ذلك الجهاد في سبيل الله.

* ذكر من قال ذلك: 5700- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد الله بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون "، يعني ب " البقية "، القتال في سبيل الله, وبذلك قاتلوا مع طالوت, وبذلك أمروا.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن التابوت الذي جعله آية لصدق قول نبيه صلى الله عليه = الذي قال لأمته: (145) " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " = أن فيه سكينة منه, وبقية مما تركه آل موسى وآل هارون.

(146) وجائز أن يكون تلك البقية: العصا, وكسر الألواح، والتوراة, أو بعضها، والنعلين, والثياب, والجهاد في سبيل الله = وجائز أن يكون بعض ذلك، وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج ولا اللغة, ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم.

ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك للصفة التي وصفنا.

وإذ كان كذلك, فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره, إذ كان جائزا فيه ما قلنا من القول.

* * * &; 5-335 &; القول في تأويل قوله : تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في صفة حمل الملائكة ذلك التابوت.

فقال بعضهم: معنى ذلك: تحمله بين السماء والأرض، حتى تضعه بين أظهرهم.

* ذكر من قال ذلك: 5701- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه, حتى وضعته عند طالوت.

5702- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما قال لهم= يعني النبي، لبني إسرائيل: =" والله يؤتي ملكه من يشاء ".

قالوا: فمن لنا بأن الله هو آتاه هذا!

ما هو إلا لهواك فيه!

قال: إن كنتم قد كذبتموني واتهمتمون، فإن آية ملكه: أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، الآية.

قال: فنـزلت الملائكة بالتابوت نهارا ينظرون إليه عيانا, حتى وضعوه بين أظهرهم, فأقروا غير راضين, وخرجوا ساخطين، وقرأ حتى بلغ: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .

5703- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: لما قال لهم نبيهم: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم "، قالوا: فإن كنت صادقا فأتنا بآية أن هذا ملك !

قال: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " .

وأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت, فآمنوا بنبوة شمعون, وسلموا ملك طالوت.

5704- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا &; 5-336 &; معمر, عن قتادة في قوله: " تحمله الملائكة "، قال : تحمله حتى تضعه في بيت طالوت.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: تسوق الملائكة الدواب التي تحمله.

* ذكر من قال ذلك: 5705- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن بعض أشياخه قال: تحمله الملائكة على عجلة على بقرة.

5706- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: وكل بالبقرتين اللتين سارتا بالتابوت أربعة من الملائكة يسوقونهما, فسارت البقرتان بهما سيرا سريعا، حتى إذا بلغتا طرف القدس ذهبتا.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: " حملت التابوت الملائكة حتى وضعته لها في دار طالوت قائما بين أظهر بني إسرائيل ".

(147) وذلك أن الله تعالى ذكره قال: " تحمله الملائكة "، ولم يقل: تأتي به الملائكة.

وما جرته البقر على عجل.

وإن كانت الملائكة هي سائقتها, فهي غير حاملته.

لأن " الحمل " المعروف، هو مباشرة الحامل بنفسه حمل ما حمل, فأما ما حمله على غيره = وإن كان جائزا في اللغة أن يقال " حمله " بمعنى معونته الحامل, (148) وبأن حمله كان عن سببه= فليس سبيله سبيل ما باشر حمله بنفسه، في تعارف الناس إياه &; 5-337 &; بينهم.

وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من اللغات، أولى من توجيهه إلى الأنكر، (149) ما وُجد إلى ذلك سبيل.

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن نبيه أشمويل قال لبني إسرائيل: إن في مجيئكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون حاملته الملائكة=" لآية لكم "، يعني: لعلامة لكم ودلالة، (150) أيها الناس، على صدقي فيما أخبرتكم: أن الله بعث لكم طالوت ملكا، أن كنتم قد كذبتموني فيما أخبرتكم به من تمليك الله إياه عليكم، واتهمتموني في خبري إياكم بذلك=" إن كنتم مؤمنين "، يعني بذلك: (151) إن كنتم مصدقي عند مجيء الآية التي سألتمونيها على صدقي فيما أخبرتكم به من أمر طالوت وملكه.

* * * وإنما قلنا ذلك معناه، لأن القوم قد كانوا كفروا بالله في تكذيبهم نبيهم وردهم عليه قوله: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ، بقولهم: " أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه "، = وفي مسألتهم إياه الآية على صدقه.

فإذ كان ذلك منهم كفرا, (152) فغير جائز أن يقال لهم وهم كفار: لكم في مجيء التابوت آية إن كنتم من أهل الإيمان بالله ورسوله: = وليسوا من أهل الإيمان بالله ولا برسوله.

ولكن الأمر في ذلك على ما وصفنا من معناه, لأنهم سألوا الآية &; 5-338 &; على صدق خبره إياهم ليقروا بصدقه, فقال لهم: في مجيء التابوت- على ما وصفه لهم - آية لكم إن كنتم عند مجيئه كذلك مصدقي بما قلت لكم وأخبرتكم به.

* * * --------------------------- (95) في المطبوعة : "فقالوا له : ائت بآية على ذلك ...

" ، وفي المخطوطة : " مما أتى به ذلك" وقد ضرب على الباء من"أتى" .

واستظهرت قراءتها كما أثبتها ، لقوله تعالى بعد : " إن آية ملكه" .

(96) في المطبوعة : " هذه القصة" بإسقاط الواو ، وإسقاطها مخل بالكلام .

(97) في المطبوعة : " بناء عما كان منهم من تكذيبهم" ، وهو غث من الكلام .

وفي المخطوطة : "بنا عما كان .

.

.

" غير منقوطة ، و الصواب ما أثبت مع زيادة"الواو" عطفا على قوله : "وإن كانت خبرا .

.

.

" .

(98) سياق الجملة : وهذه القصة ، وإن كانت خبرا من الله00 0 ونبأ عما كان منهم...

فإنه تأديب..." .

(99) سياق هذه الجملة : "وأنهم لن يعدوا في تكذيبهم محمدا...

أن يكونوا كأسلافهم..." .

(100) قوله : "وحض..." معطوف على قوله آنفًا : "فإنه تأديب..." .

(101) قوله : "وشخذ..." معطوف ثان على قوله آنفًا : " فإنه تأديب..." .

(102) قوله : " وإعلام..." معطوف ثالث على قوله : "فإنه تأديب..." .

(103) انظر تفسير"آية" فيما سلف 1 : 106 / 2 : 397 ، 398 ، 553 / 3 : 184 / 4 : 271 .

(104) في المطبوعة والمخطوطة : "حتى منعوا أمر الله" .

وهو تصحيف لا معنى له ، والصواب ما أثبت .

(105) في المطبوعة : "حتى سلبهم آخر مرة" ، والذي في المخطوطة هو الصواب الجيد ، وإن كانت الأخرى قريبة من الصواب على ضعف .

(106) في المخطوطة : "ولم يرده إليهم آخر الأبد" ، وهو خطأ بين .

(107) في المطبوعة : " كان ذلك عندهم" ، بحذف"بل" .

(108) في المطبوعة والمخطوطة : " كان مشرط القربان الذي يشرطونه به" ، وهو خطأ لا معنى له ، والصواب من تاريخ الطبري 1 : 243 .

والمسوط (بكسر الميم) : المسواط خشبة أو ما يشبهها ، يحرك بها ما في القدر ليختلط .

ساط الشيء في القدر يسوطه سوطا : إذا حركة وخاصه ، ليختلط ويمتزج .

وقربان اليهود هذا هو"التقدمة" ، كانت من دقيق مع زيت ولبان ، يؤخذ قليل من الدقيق المقدم والزيت وكل اللبان ، ويوقد على المذبح ، أو يعمل منه قطائف علي صاج ، وأما البقية فكانت للكمهنة (قاموس الكتاب المقدس 2 : 208) .

والكلاب (يضم الكاف وتشديد اللام) : سفود من حديد أو خشب ، في رأسه عقافة معطوفة كالخطاف ، وجمعه : "كلاليب" .

(109) في المطبوعة والمخطوطة : "للكاهن الذي يستوطنه" ، وهو خطأ ، صوابه من التاريخ .

(110) في المطبوعة والمخطوطة : "فجعل ابناه..." ، والصواب من التاريخ .

(111) في المخطوطة والتاريخ في هذا الموضع و ما بعده : "أشمويل" ، والذي قبله : "شمويل" ، وأثبت ما فيهما ، كما سلف قريبا ص : 308 ، تعليق : 5 .

(112) في التاريخ : "لينتصروا به" ، أي ليجلبوا النصر لأنفسهم به .

(113) في المطبوعة : "وراءهم" والصواب من التاريخ والمخطوطة .

والنير : الخشبة التي تكون على عنق الثور بأداتها .

(114) في المطبوعة : " ينطلقان مذعنين" ، والصواب من المخطوطة والتاريخ .

(115) في المطبوعة : "حضار" ، وفي المخطوطة : "حصار" ، غير منقوطة ، والصواب ما في التاريخ .

(116) في التاريخ : "اعرضوا" ، وهما سواء .

(117) في التاريخ : "فلم يقدر أحد على أن يدنو منه" ، والذي في المخطوطة والمطبوعة حسن .

(118) الأثر : 5658- في التاريخ 1 : 243- 244 ، وهو صدر الأثر السالف رقم : 5637 ، وساقهما الطبري في التاريخ سياقا واحدا .

(119) في المطبوعة : "يقال لها : أردن" ، وهو خطأ لا شك فيه ، وأما ما في المخطوطة فهو ، "أردود" بالراء ، وأنا أظنه بالزاي وأثبته كذلك .

فإنه الذي في كتاب القوم في"كتاب صموئيل الأول" الإصحاح الخامس : "أشدود" ، وقال صاحب قاموسهم : "أشدود" (حصن ، معقل) ، إحدى مدن فلسطين الخمس المحالفة...

وموقعها على ثلاثة أميال من البحر المتوسط بين غزة ويافا .

قال : وهي الآن قرية حقيرة تسمى : أسدود ، وفي جوارها خرائب كثيرة" .

والذي يرجع ما ظننته أنها بالزاي أن ابن كثير قال في تفسيره 1 : 602 أنه يقال لها : " أزدوه" ، وقال مصحح التفسير بهامشه أنها في نسخة الأزهر : "أزدرد" .

وفي البغوي بهامش ابن كثير 1 : 601"أزدود" كما أثبتها .

(120) في المطبوعة : "تثبت الفأرة" ، وليست صوابا ، والذي في المخطوطة" تبيت" غير منقوطة وصواب قراءتها ما أثبت .

بيت القوم العدو : أتوهم في جوف الليل فأوقعوا بهم وهم في غفلة عنه .

والاسم : "البيات" ، وفي البغوي 1 : 601 (بهامش ابن كثير) : "فكانت الفأرة تبيت مع الرجل" .

(121) في المطبوعة : "أمة من الأمم قبلكم" ، وفي المخطوطة : "أمة من الأمم قبله" ، والذي أثبت أقرب إلى رسم المخطوطة ، مع التصحيف فيها .

(122) في المطبوعة : "واستوثقوا" .

وهو خطأ والصواب ما في المخطوطة .

ومعناه : اجتمعوا على طاعته .

وأصله من"الوسق"وهو ضم الشيء إلى الشيء ، وفي حديث أحد : "استوسقوا كما يستوسق جرب الغم .

أي : استجمعوا وانضموا .

وفي حديث النجاشي : "واستوسق عليه أمر الحبشة" ، أي اجتمعوا على طاعته .

وهو المراد هنا .

وانظر ما سيأتي في الأثر : 5707 .

(123) الأثر : 5661- سيأتي هذا الأثر نفسه برقم : 5912 وهو أثر"مبتور" بلا شك ولم أستطع أن أتمه ، وانظر التعليق على الأثر التالي المذكور آنفًا .

(124) أما موضع النقط هذا ، فإنه سقط بلا شك فيه ، فإن خبر أرميا السالف ، لا يمكن أن يكون هذا الكلام من صلته ، فإن فيه ذكر رد التابوت في عهد طالوت وداود ، وهما قبل أرميا بدهر طويل .

وأخشى أن يكون الناسخ قد قدم ورقة على ورقة في النسخة العتيقة ، أو تخطى وجها من الكتاب الذي نسخ منه .

وليس من الممكن إتمام هذا النقص ، فلذلك فصلت بين الكلامين بهذه النقط ، حتى يتيح الله نسخة أقدم من النسخ التي بين أيدينا تسد هذا الخرم أو تصحح مكان الكلام .

وهذا الذي بعد النقط ، خبر عن القرية التي وضع فيها التابوت حين سبي ، كما ذكر في الأثر رقم : 5658 ، وهو أثر ضاع صدره عن وهب بن منبه ، كما هو واضح في السياق الآتي .

ولم أجد صدره في شيء من الكتب التي بين يدي .

هذا ونسختنا في الموضع كثيرة الخطأ السهو ، كما يتبين ذلك من خط كاتبها ، ومن الأخطاء السالفة التي ذكرتها في التعليقات .

(125) في المخطوطة : "فإذا نظرتا إليها" ، والصواب ما في المطبوعة .

(126) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها هنا ما نصه : "يتلوه إن شاء الله تعالى : ذكر من قال ذلك : وصلى الله على محمد النبي و على آله وسلم كثيرا .

على الأصل .

بلغت بالقراءة من أوله والسماع على القاضي أبي الحسن الخصيب ، عن عبدالله ، عن أبي محمد الفرغاني ، عن أبي جعفر الطبري ، والقاضي ينظر في كتابه .

وسمع معي أخي على حرسه الله ، وأبو الفتح أحمد بن عمر الجهاري (؟

؟) ونصر بن الحسين الطبري ، ومحمد بن علي ...

وعبدالرحيم بن أحمد البخاري .

وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدي ، في شعبان سنة ثمان وأربعمئة بمصر" "ثم يتلو في أول الجزء التالي : "بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر" .

(127) في المطبوعة : "ففساد هذا القول" ، "والصواب ما في المخطوطة .

(128) الأثر : 5664-"محمد بن عسكر" ، هو محمد بن سهل بن عسكر ، سلف في رقم : 5598 .

بكار بن عبدالله اليماني ، روي عن وهب منبه .

روى عنه بن ابن المبارك ، وهشام بن يوسف وعبدالرزاق .

قال أحمد : ثقة .

مترجم في الكبير 1/2/120 ، وابن أبي حاتم 1/1 /408 .

(129) في المخطوطة : "كما وجه" ، وما بينهما بياض ، ولعل أقرب ذلك ما في المطبوعة .

(130) في المخطوطة : "هى ريح" بإسقاط الواو .

(131) الأثر : 5669- هو بعض الأثر السالف رقم : 2058 في ذكر بناء الكعبة .

(132) الأثران : 5670 ، 5671- انظر الأثران السالفان : 2059 ، 2060 .

(133) ما بين القوسين ، زيادة من الأثار التي رويت عن مجاهد في ذلك ، في تاريخ مكة للأزرقي 1 : 22-28 ، ونصه في لسان العرب (صرد) .

والصرد(بضم الصاد وفتح الراء : طائر أبقع ضخم يكون في الشجر وشعب الجبال لا يقدر عليه أحد ، وهو من سباع الطير .

(134) الأثران : 5680 ، 5681-"محمد بن عسكر" ، و"بكار بن عبد الله" .

انظر التعليق على الأثر رقم : 5664 .

(135) أنشده ابن بري لأبي عريف الكليبي .

وأنا في شك من صحة اسمه .

(136) يعني بقوله : " الفعل" مصدر الفعل"سكن" ، وهو"السكينة" ، كما يقال : "رجل عدل" ، فلو سميت الرجل"عدلا" ، كان مسمى بالفعل ، وهو غيره .

(137) انظر صفحة 332 ، تعليق : 1 .

(138) رضاض الشيء (بضم الراء) : كساره (بضم الكاف) ، وهو ما تكسر منه ، وقطعه .

ورض الشيء رضا : كسره فصار قطعا .

و"رضاضة" بالتاء في آخر رقم : 5690 ، وهي عربية صحيحة ، وإن لم تذكر في المعاجم .

ومثلها في مطول هذا الأثر في التاريخ 1 : 243 .

(139) في المطبوعة : "وأمور من التوراة" .

وفي المخطوطة : "وأسور من التوارة" .

ورجحت قراءتها"وأثور" جمع أثر : وهو بقية الشيء ، وما بقى من رسم الشيء ، وجمعه آثار وأثور .

وهي هنا بمعنى الرضاض .

(140) في المخطوطة : "بل ذلك البقية..." ، والذي في المطبوعة أجود الصواب .

(141) الأثر : 5694- في الدر المنثور 1 : 317 مطولا .

وفي المخطوطة والمطبوعة : "عن إسماعيل عن ابن أبي خالد" ، والصواب ما أثبت ، وهو الذي يروي عنه جابر بن نوح ، مترجم التهذيب .

(142) القفيز : مكيال من المكاييل ، كان عند أهل العراق ثمانية مكاكيك .

(143) الأثر 5697- بكار بن عبدالله اليماني ، مضى في الآثار : 5664 ، 5680 ، 5681 ، وكان في المطبوعة والمحفوظة"بكار عن عبدالله" ، وهو خطأ محض .

(144) زدت ما بين القوسين : لظني أنها سقطت من الناسخ لعجلته ، كما يتبين من خطه في هذا الموضع .

(145) في المطبوعة : "لصدق قول نبيه صلى الله عليه وسلم لأمته" ، زاد : "وسلم" ، وأسقط"الذي قال" ، والصواب من المخطوطة .

(146) في المطبوعة : "مما تركه آل موسى" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(147) في المطبوعة : "حتى وضعته في دار طالوت" بإسقاط"لها" ، أي لبني إسرائيل .

وفي المطبوعة : "في دار طالوت بين أظهر بني إسرائيل" بإسقاط"قائما" ، وكانت هذه اللفظة في المخطوطة : "ما بين أظهر لبني إسرائيل" ، وقرأتها : "قائما" .

(148) في المخطوطة والمطبوعة : "أن يقال في حمله بمعنى معونته" ، والصواب إسقاط"في" .

(149) في المطبوعة : "أولى من توجيهه إلى أن لا يكون الأشهر00" ، وهو خلط من كلم الموسومين!!

وفي المخطوطة"إلى إلى أن لا يلر" .

وضرب على"إلى" الثانية .

وصواب قراءته ما قرأت ، وقد مضى مثله مرارا في كلام الطبري .

(150) انظر معنى"آية" فيما سلف قريبا : 317 تعليق : 1 وفيه المراجع .

(151) انظر تفسير"الإيمان" بمعنى"التصديق" فيما سلف من الأجزاء .

في فهارس للغة .

(152) في المطبوعة : "فإن كان ذلك منهم" ، والصواب ما في المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين قوله تعالى : وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت أي إتيان التابوت ، والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم عليه السلام ، فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب عليه السلام ، فكان في بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت غلبهم عليه العمالقة : جالوت وأصحابه في قول السدي ، وسلبوا التابوت منهم .قلت : وهذا أدل دليل على أن العصيان سبب الخذلان ، وهذا بين .

قال النحاس : والآية [ ص: 226 ] في التابوت على ما روي أنه كان يسمع فيه أنين ، فإذا سمعوا ذلك ساروا لحربهم ، وإذا هدأ الأنين لم يسيروا ولم يسر التابوت .

وقيل : كانوا يضعونه في مأزق الحرب فلا تزال تغلب حتى عصوا فغلبوا وأخذ منهم التابوت وذل أمرهم ، فلما رأوا آية الاصطلام وذهاب الذكر ، أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ملؤهم أن قالوا لنبي الوقت : ابعث لنا ملكا ، فلما قال لهم : ملككم طالوت راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم ، فلما قطعهم بالحجة سألوه البينة على ذلك ، في قول الطبري .

فلما سألوا نبيهم البينة على ما قال ، دعا ربه فنزل بالقوم الذين أخذوا التابوت داء بسببه ، على خلاف في ذلك .

قيل : وضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام فكانت الأصنام تصبح منكوسة .

وقيل : وضعوه في بيت أصنامهم تحت الصنم الكبير فأصبحوا وهو فوق الصنم ، فأخذوه وشدوه إلى رجليه فأصبحوا وقد قطعت يدا الصنم ورجلاه وألقيت تحت التابوت ، فأخذوه وجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم .

وقيل : جعلوه في مخرأة قوم فكانوا يصيبهم الباسور ، فلما عظم بلاؤهم كيفما كان ، قالوا : ما هذا إلا لهذا التابوت فلنرده إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ثورين وأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل ، وبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل ، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر ، وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية .

وروي أن الملائكة جاءت به تحمله وكان يوشع بن نون قد جعله في البرية ، فروي أنهم رأوا التابوت في الهواء حتى نزل بينهم ، قاله الربيع بن خيثم .

وقال وهب بن منبه : كان قدر التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين .

الكلبي : وكان من عود شمسار الذي يتخذ منه الأمشاط .

وقرأ زيد بن ثابت " التابوه " وهي لغته ، والناس على قراءته بالتاء وقد تقدم .

وروي عنه " التيبوت " ذكره النحاس .

وقرأ حميد بن قيس " يحمله " بالياء .قوله تعالى : فيه سكينة من ربكم اختلف الناس في السكينة والبقية ، فالسكينة فعيلة مأخوذة من السكون والوقار والطمأنينة .

فقوله : " فيه سكينة " أي هو سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت ، ونظيره " فأنزل الله سكينته عليه " ؛ أي أنزل عليه ما سكن به قلبه .

وقيل : أراد أن التابوت كان سبب سكون قلوبهم ، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفروا من التابوت إذا كان معهم في الحرب .

وقال وهب بن منبه : السكينة روح من الله تتكلم ، [ ص: 227 ] فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون ، وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم .

وقال علي بن أبي طالب : هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان .

وروي عنه أنه قال : هي ريح خجوج لها رأسان .

وقال مجاهد : حيوان كالهر له جناحان وذنب ولعينيه شعاع ، فإذا نظر إلى الجيش انهزم .

وقال ابن عباس : طست من ذهب من الجنة ، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ، وقاله السدي .

وقال ابن عطية : والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم ، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى .قلت : وفي صحيح مسلم عن البراء قال : كان رجل يقرأ سورة " الكهف " وعنده فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال : تلك السكينة تنزلت للقرآن .

وفي حديث أبي سعيد الخدري : أن أسيد بن الحضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده .

الحديث ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم خرجه البخاري ومسلم .

فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة ، ومرة عن نزول الملائكة ، فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة ، وأنها تنزل أبدا مع الملائكة .

وفي هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شيء له روح لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل ، والله أعلم .قوله تعالى : ( وبقية ) اختلف في البقية على أقوال ، فقيل : عصا موسى وعصا هارون ورضاض الألواح ؛ لأنها انكسرت حين ألقاها موسى ، قاله ابن عباس .

زاد عكرمة : التوراة .

وقال أبو صالح : البقية : عصا موسى وثيابه وثياب هارون ولوحان من التوراة .

[ ص: 228 ] وقال عطية بن سعد : وهي عصا موسى وعصا هارون وثيابهما ورضاض الألواح .

وقال الثوري : من الناس من يقول : البقية قفيزا من في طست من ذهب وعصا موسى وعمامة هارون ورضاض الألواح .

ومنهم من يقول : العصا والنعلان .

ومعنى هذا ما روي من أن موسى لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العجل ، ألقى الألواح غضبا فتكسرت ، فنزع منها ما كان صحيحا وأخذ رضاض ما تكسر فجعله في التابوت .

وقال الضحاك : البقية : الجهاد وقتال الأعداء .

قال ابن عطية : أي الأمر بذلك في التابوت ، إما أنه مكتوب فيه ، وإما أن نفس الإتيان به هو كالأمر بذلك ، وأسند الترك إلى آل موسى وآل هارون من حيث كان الأمر مندرجا من قوم إلى قوم وكلهم آل موسى وآل هارون .

وآل الرجل قرابته .

وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر لهم نبيهم أيضا آية حسية يشاهدونها وهي إتيان التابوت الذي قد فقدوه زمانا طويلا وفي ذلك التابوت سكينة تسكن بها قلوبهم، وتطمئن لها خواطرهم، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فأتت به الملائكة حاملة له وهم يرونه عيانا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ) وكانت قصة التابوت أن الله تعالى أنزل تابوتا على آدم فيه صورة الأنبياء عليهم السلام وكان من عود الشمشاذ نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين فكان عند آدم إلى أن مات ثم بعد ذلك عند شيث ثم توارثها أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم ثم كان عند إسماعيل لأنه كان أكبر ولده ثم عند يعقوب ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه فكان عنده إلى أن مات موسى عليه السلام ثم تداولته أنبياء بني إسرائيل إلى وقت إشمويل وكان فيه ذكر الله تعالى ( فيه سكينة من ربكم ) اختلفوا في السكينة ما هي؟

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ريح خجوج هفافة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان وعن مجاهد : شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة وله جناحان ، وقيل له عينان لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد فكانوا إذا سمعوا صوته تيقنوا بالنصر وكانوا إذا خرجوا وضعوا التابوت قدامهم فإذا سار ساروا وإذا وقف وقفوا .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هي طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء وعن وهب بن منبه قال : هي روح من الله يتكلم إذا اختلفوا في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون ، وقال عطاء بن أبي رباح : هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها وقال قتادة والكلبي : السكينة فعيلة من السكون أي طمأنينة من ربكم ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا ( وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ) يعني موسى وهارون أنفسهما كان فيه لوحان من التوراة ورضاض الألواح التي تكسرت وكان فيه عصا موسى ونعلاه وعمامة هارون وعصاه وقفيز من المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل ، فكان التابوت عند بني إسرائيل وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم فيستفتحون به على عدوهم فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت .

وكان السبب في ذلك أنه كان لعيلى العالم الذي ربى إشمويل عليه السلام ابنان شابان وكان عيلى حبرهم وصاحب قربانهم فأحدث ابناه في القربان شيئا لم يكن فيه وذلك أنه كان لعيلى منوط القربان الذي كانوا ينوطونه به كلابين فما أخرجا كان للكاهن الذي ينوطه فجعل ابناه كلاليب وكان النساء يصلين في بيت المقدس فيتشبثان بهن فأوحى الله تعالى إلى إشمويل عليه السلام : انطلق إلى عيلى فقل له منعك حب الولد من أن تزجر ابنيك عن أن يحدثا في قرباني وقدسي وأن يعصياني فلأنزعن الكهانة منك ومن ولدك ولأهلكنك وإياهم فأخبر إشمويل عيلى بذلك ففزع فزعا شديدا فسار إليهم عدو ممن حولهم فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا وأخرجا معهما التابوت فلما تهيئوا للقتال جعل عيلى يتوقع الخبر ماذا صنعوا؟

فجاءه رجل وهو قاعد على كرسيه وأخبره أن الناس قد انهزموا وأن ابنيك قد قتلا قال : فما فعل التابوت؟

قال ذهب به العدو فشهق ووقع على قفاه من كرسيه ومات فمرج أمر بني إسرائيل وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكا فسألوه البينة فقال لهم نبيهم : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت .

وكانت قصة التابوت أن الذين سبوا التابوت أتوا به قرية من قرى فلسطين يقال لها ازدود وجعلوه في بيت صنم لهم ووضعوه تحت الصنم الأعظم فأصبحوا من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وسمروا قدمي الصنم على التابوت فأصبحوا وقد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح ملقى تحت التابوت وأصبحت أصنامهم منكسة فأخرجوه من بيت الصنم ووضعوه في ناحية من مدينتهم فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم فقال بعضهم لبعض : أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء فأخرجوه إلى قرية كذا فبعث الله على أهل تلك القرية فأرا فكانت الفأرة تبيت مع الرجل فيصبح ميتا قد أكلت ما في جوفه فأخرجوه إلى الصحراء فدفنوه في مخرأة لهم فكان كل من تبرز هناك أخذه الباسور والقولنج فتحيروا فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل من أولاد الأنبياء : لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم فأخرجوه عنكم فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت ثم علقوها على ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل فكسرا نيريهما وقطعا حبالهما ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد بني إسرائيل ورجعا إلى أرضهما فلم يرع بني إسرائيل إلا بالتابوت فكبروا وحمدوا الله فذلك قوله تعالى ( تحمله الملائكة ) أي تسوقه وقال ابن عباس رضي الله عنهما : جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت وقال الحسن : كان التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة ووضعته بينهم وقال قتادة بل كان التابوت في التيه خلفه موسى عند يوشع بن نون فبقي هناك فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت فأقروا بملكه ( إن في ذلك لآية ) لعبرة ( لكم إن كنتم مؤمنين ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال لهم نبيهم» لما طلبوا منه آية على ملكه «إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت» الصندوق كان فيه صور الأنبياء أنزله الله على آدم واستمر إليهم فغلبهم العمالقة عليه وأخذوه وكانوا يستفتحون به على عدوهم ويقدمونه في القتال ويسكنون إليه كما قال تعالى «فيه سكينة» طمأنينة لقلوبكم «من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون» أي تركاه هما، وهي نعلا موسى وعصاه وعمامة هارون وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم ورضاض من الألواح «تحمله الملائكة» حال من فاعل يأتيكم «إن في ذلك لآية لكم» على ملكه «إن كنتم مؤمنين» فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت فأقروا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد فاختار من شبابهم سبعين ألفاً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال لهم نبيهم: إن علامة ملكه أن يأتيكم الصندوق الذي فيه التوراة -وكان أعداؤهم قد انتزعوه منهم- فيه طمأنينة من ربكم تثبت قلوب المخلصين، وفيه بقية من بعض أشياء تركها آل موسى وآل هارون، مثل العصا وفُتات الألواح تحمله الملائكة.

إن في ذلك لأعظم برهان لكم على اختيار طالوت ملكًا عليكم بأمر الله، إن كنتم مصدقين بالله ورسله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن أن نبيهم لم يكتف بهذه الدلائل الدالة على صلاحية طالوت للقيادة ، وإنما ساق لهم بعد ذلك من العلامات التي تشهد بحقيته بهذا المنصب ما يثبت قلوبهم ، ويزيل شكهم ويشرح نفوسهم فقال - تعالى - :( وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن .

.

.

)التابوت : " يوزن فعلوت - من التوب وهو الرجوع ، وتاؤه مزيدة لغير التأنيث كجبروت ، والمراد به صندوق التوراة وكانوا إذا حاربوا حملة جماعة منهم ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب نصرهم .

وكان عهدهم به قد طال فذكرهم بمآثره ترغيباً فيه وحملا على الانقياد لطالوت "والسكينة : من السكون وهو ثبوت الشيء بعد التحرك : أو من السكن - بالتحريك - وهو كل شيء سكنت إليه النفس وهدأت .والمعنى : وقال لهم نبيهم ليقنعهم بأن طالوت جدير بالملك ( إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ) أي علامة ملكه وأنه من الله - تعالى - ( أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت ) أي أن يرد عليكم التابوت الذي سلب منكم ( فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) أي في إتيانه سكون لنفوسكم وطمأنينة لها أو مودع فيه ما تسكنون إليه وهو التوراة ( وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هَارُونَ ) من آثار تعتزون بها ، وترون فيها صلة بين ماضيكم وحاضركم وقوله ( تَحْمِلُهُ الملائكة ) حال من التابوت .قال صاحب الكشاف : قوله : ( وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هَارُونَ ) هي رضاض الأولواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة .

وكان رفعه الله - تعالى - بعد موسى - عليه السلام - فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه ، فكان ذلك آية لاصطفائه لطالوت .

فإن قلت : من هم ( آل موسى وآل هارون ) .

قلت : الأنبياء من بني يعقوب بعدهما ، ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما .وقال ابن كثير : قال ابن عباس : جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ) أي : إن في ذلك الذي أتاكم به طالوت الآية عظيمة وعلامة ظاهرة لكم تدل على أحقية طالوت بالملك والقيادة إن كنتم مؤمنين بآيات الله وبالحق الذي جاء به أنبياؤه .وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد حكى لنا أن هؤلاء القوم من بني إسرائيل قد جاءهم نبيهم بأنصع الحجج ، وأوضح الأدلة ، وأثبت البراهين التي تؤيده فيما يدعوهم إليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن ظاهر الآية المتقدمة يدل على أن أولئك الأقوام كانوا مقرين بنبوة النبي الذي كان فيهم لأن قوله تعالى حكاية عنهم ﴿ إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكًا ﴾ كالظاهر في أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي، ومقرين بأنه مبعوث من عند الله تعالى، ثم إن ذلك النبي لما قال: ﴿ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ﴾ كان هذا دليلاً قاطعاً في كون طالوت ملكاً، ثم إنه تعالى لكمال رحمته بالخلق، ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر يدل على كون ذلك النبي صادقاً في ذلك الكلام، ويدل أيضاً على أن طالوت نصبه الله تعالى للملك وإكثار الدلائل من الله تعالى جائز، ولذلك أنه كثرت معجزات موسى عليه السلام، ومحمد عليه الصلاة والسلام، فلهذا قال تعالى: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن مجيء ذلك التابوت لابد وأن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون آية من عند الله، دالة على صدق تلك الدعوى، ثم قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل، فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت، قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره، ثم إن الكفار الذين سلبوا ذلك التابوت كانوا قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي عليهم في ذلك الوقت، فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كلّ من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله تعالى بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت، فأخرجوه ووضعوه على ثورين فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، حتى أتوا منزل طالوت، ثم إن قوم ذلك النبي رأوا التابوت عند طالوت، فعلموا أن ذلك دليل على كونه ملكاً لهم، فذلك هو قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أن يأتيكم التابوت ﴾ والإتيان على هذا مجاز، لأنه أتى به ولم يأت هو فنسب إليه توسعاً، كما يقال: ربحت الدراهم، وخسرت التجارة.

والرواية الثانية: أن التابوت صندوق كان موسى عليه السلام يضع التوراة فيه، وكان من خشب، وكانوا يعرفونه، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل، ثم قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، ثم إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران، بل نزل من السماء إلى الأرض، والملائكة كانوا يحفظونه، والقوم كانوا ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً، لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء وإن لم يحمله كما يقول القائل: حملت الأمتعة إلى زيد إذا حفظها في الطريق، وإن كان الحامل غيره.

واعلم أنه تعالى جعل إتيان التابوت معجزة، ثم فيه احتمالان أحدهما: أن يكون مجئ التابوت معجزاً، وذلك هو الذي قررناه والثاني: أن لا يكون التابوت معجزاً، بل يكون ما فيه هو المعجز، وذلك بأن يشاهدوا التابوت خالياً، ثم إن ذلك النبي يضعه بمحضر من القوم في بيت ويغلقوا البيت، ثم إن النبي يدعي أن الله تعالى خلق فيه ما يدل على واقعتنا، فإذا فتحوا باب البيت ونظروا في التابوت رأوا فيه كتاباً يدل على أن ملكهم هو طالوت، وعلى أن الله سينصرهم على أعدائهم فهذا يكون معجزاً قاطعاً دالاً على أنه من عند الله تعالى، ولفظ القرآن يحتمل هذا، لأن قوله: ﴿ يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه أنهم يجدون في التابوت هذا المعجز الذي هو سبب لاستقرار قلبهم واطمئنان أنفسهم فهذا محتمل.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: وزن التابوت إما أن يكون فعلوتاً أو فاعولاً، والثاني مرجوح، لأنه يقل في كلام العرب لفظ يكون فاؤه ولامه من جنس واحد، نحو: سلس وقلق، فلا يقال: تابوت من تبت قياساً على ما نقل، وإذا فسد هذا القسم تعين الأول، وهو أنه فعلوت من التوب، وهو الرجوع لأنه ظرف يوضع فيه الأشياء، ويودع فيه فلا يزول يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته.

المسألة الثالثة: قرأ الكل: التابوت بالتاء، وقرأ أبي وزيد بن ثابت ﴿ التابوه ﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار.

المسألة الرابعة: من الناس من قال: إن طالوت كان نبياً، لأنه تعالى أظهر المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبياً، ولا يقال: إن هذا كان من كرامات الأولياء، لأن الفرق بين الكرامة والمعجزة أن الكرامة لا تكون على سبيل التحدي، وهذا كان على سبيل التحدي، فوجب أن لا يكون من جنس الكرامات.

والجواب: لا يبعد أن يكون ذلك معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له فإنه كان آية قاطعة في ثبوت ملكه.

أما قوله تعالى: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ السكينة ﴾ فعيلة من السكون، وهو ضد الحركة وهي مصدر وقع موقع الاسم، نحو: القضية والبقية والعزيمة.

المسألة الثانية: اختلفوا في السكينة، وضبط الأقوال فيها أن نقول: المراد بالسكينة إما أن يقال إنه كان شيئاً حاصلاً في التابوت أو ما كان كذلك.

والقسم الثاني: هو قول أبي بكر الأصم، فإنه قال: ﴿ آية مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك، وتزول نفرتكم عنه، لأنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة فلابد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم بالكلية.

وأما القسم الأول: وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعاً في التابوت، وعلى هذا ففيه أقوال الأول: وهو قول أبي مسلم أنه كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام، بأن الله ينصر طالوت وجنوده، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني: وهو قول علي عليه السلام: كان لها وجه كوجه الإنسان، وكان لها ريح هفافة والثالث: قول ابن عباس رضي الله عنهما: هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر.

القول الرابع: وهو قول عمرو بن عبيد: إن السكينة التي كانت في التابوت شيء لا يعلم.

واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن، وهو كقوله في قصة الغار: ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين  ﴾ فكذا قوله تعالى: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ معناه الأمن والسكون.

واحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين: الأول: أن قوله: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ ﴾ يدل على كون التابوت ظرفاً للسكينة والثاني: وهو أنه عطف عليه قوله: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى ﴾ فكما أن التابوت كان ظرفاً للبقية وجب أن يكون ظرفاً للسكينة.

والجواب عن الأول: أن كلمة ﴿ فِى ﴾ كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه الصلاة والسلام: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل».

وقال: «في خمس من الإبل شاة» أي بسببه فقوله في هذه الآية: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ ﴾ أي بسببه تحصل السكينة.

والجواب عن الثاني: لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من الدين والشريعة، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينهما وشريعتهما.

وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعاً في التابوت فقالوا: البقية هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفير من المن الذي كان ينزل عليهم.

أما قوله: ﴿ آل موسى وآل هارون ﴾ ففيه قولان الأول: قال بعض المفسرين يحتمل أن يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري: «لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود» وأراد به داود نفسه، لأنه لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام.

والقول الثاني: قال القفال رحمه الله: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون، لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت، وما في التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون، فيكون الآل هم الأتباع، قال تعالى: ﴿ ادخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ تَحْمِلُهُ الملائكة ﴾ فقد تقدم القول فيه.

وأما قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ فالمعنى أن هذه الآية معجزة باهرة إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق المدعي.

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود ﴾ فيه مسائل.

المسألة الأولى: اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام، والتقدير أنه لما أتاهم بآية التابوت أذعنوا له، وأجابوا إلى المسير تحت رايته.

فلما فصل بهم أي فارق بهم حد بلده وانقطع عنه، ومعنى الفصل القطع، يقال: قول فصل، إذا كان يقطع بين الحق والباطل وفصلت اللحم عن العظم فصلاً وفاصل الرجل شريكه وامرأته فصالاً، ويقال للفطام فصال، لأنه يقطع عن الرضاع، وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه، ومنه قوله: ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ العير  ﴾ قال صاحب الكشاف قوله: فصل عن موضع كذا أصله فصل نفسه، ثم لأجل الكثرة في الاستعمال حذفوا المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كما يقال انفصل والجنود جمع جند وكل صنف من الخلق جند على حدة، يقال للجراد الكثيرة إنها جنود الله، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «الأرواح جنود مجندة».

المسألة الثانية: روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل يبني بناءً لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا أبغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختار ثمانون ألفاً.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن هذا القائل من كان فقال الأكثرون: أنه هو طالوت وهذا هو الأظهر لأن قوله لابد وأن يكون مسنداً إلى مذكور سابق، والمذكور السابق هو طالوت، ثم على هذا يحتمل أن يكون القول من طالوت لكنه تحمله من نبي الوقت، وعلى هذا التقدير لا يلزم أن يكون طالوت نبياً ويحتمل أن يكون من قبل نفسه فلابد من وحي أتاه عن ربه، وذلك يقتضي أنه مع الملك كان نبياً.

والقول الثاني: أن قائل هذا القول هو النبي المذكور في أول الآية، والتقدير: فلما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم: ﴿ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ﴾ ونبي ذلك الوقت هو اشمويل عليه السلام.

المسألة الثانية: في حكمة هذا الابتلاء وجهان الأول: قال القاضي: كان مشهوراً من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال: ﴿ فَإِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ﴾ الثاني: أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد.

المسألة الثالثة: في النهر أقوال أحدها: وهو قول قتادة والربيع، أنه نهر بين الأردن وفلسطين والثاني: وهو قول ابن عباس والسدي: أنه نهر فلسطين، قال القاضي: والتوفيق بين القولين أن النهر الممتد من بلد قد يضاف إلى أحد البلدين.

القول الثالث: وهو الذي رواه صاحب الكشاف: أن الوقت كان قيظاً فسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً فقال: إن الله مبتليكم بما اقترحتموه من النهر.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ﴾ أي ممتحنكم امتحان العبد كما قال: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ  ﴾ ولما كان الابتلاء بين الناس إنما يكون لظهور الشيء، وثبت أن الله تعالى لا يثبت، ولا يعاقب على علمه، إنما يفعل ذلك بظهور الأفعال بين الناس، وذلك لا يحصل إلا بالتكليف لا جرم سمي التكليف ابتلاء، وفيه لغتان بلا يبلو، وابتلى يبتلي، قال الشاعر: ولقد بلوتك وابتليت خليفتي *** ولقد كفاك مودتي بتأدب فجاء باللغتين.

المسألة الخامسة: نهر ونهر بتسكين الهاء وتحريكها لغتان، وكل ثلاثي حشوه حرف من حروف الحلق فإنه يجئ على هذين، كقولك: صخر وصخر، وشعر وشعر، وقالوا: بحر وبحر، وقال الشاعر: كأنما خلقت كفاء من حجر *** فليس بين يديه والندى عمل يرى التيمم في بر وفي بحر *** مخافة أن يرى في كفه بلل أما قوله تعالى: ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ كالزجر، يعني ليس من أهل ديني وطاعتي، ونظيره قوله تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ ثم قال قبل هذا: ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف ﴾ وأيضاً نظيره قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا» أي ليس على ديننا ومذهبنا والله أعلم.

المسألة الثانية: قال أهل اللغة ﴿ لَّمْ يَطْعَمْهُ ﴾ أي لم يذقه، وهو من الطعم، وهو يقع على الطعام والشراب هذا ما قاله أهل اللغة، وعندي إنما اختير هذا اللفظ لوجهين من الفائدة أحدهما: أن الإنسان إذا عطش جداً، ثم شرب الماء وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة قال: إن هذا الماء كأنه الجلاب، وكأنه عسل فيصفه بالطعوم اللذيذة، فقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ ﴾ معناه أنه وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم الطيبة فإنه يجب عليه الاحتراز عنه، وأن لا يشربه والثاني: أن من جعل الماء في فمه وتمضمض به ثم أخرجه من الفم، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه، ولا يصدق عليه أنه شربه، فلو قال: ومن لم يشربه فإنه مني كان المنع مقصوراً على الشرب، أما لما قال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ ﴾ كان المنع حاصلاً في الشرب وفي المضمضة، ومعلوم أن هذا التكليف أشق، وأن الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض به وجد نوع خفة وراحة.

المسألة الثالثة: أنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ ثم قال بعده: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ ﴾ وكان ينبغي أن يقال: ومن لم يطعم منه ليكون آخر الآية مطابقاً أولها، إلا أنه ترك ذلك اللفظ، واختير هذا لفائدة، وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟

قال أبو حنيفة لا يحنث إلا إذا كرع من النهر، حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث، لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربه متصلاً بذلك الشيء، وهذا لا يحصل إلا بأن يشرب من النهر، وقال الباقون إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث، لأن ذلك وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز معروف مشهور.

إذا عرفت هذا فنقول: إن قوله: ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ ظاهره أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر، حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي، فلما كان هذا الاحتمال قائماً في اللفظ الأول ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام، فقال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى ﴾ أضاف الطعم والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الإبهام.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿ غَرْفَةً ﴾ بفتح الغين، وكذلك يعقوب وخلف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم، قال أهل اللغة الغرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف، والغرفة بالفتح الفعل، وهو الاغتراف مرة واحدة، ومثله الأكلة والأكلة، يقال: فلان يأكل في النهار أكله واحدة، وما أكلت عندهم إلا أكلة بالضم أي شيئاً قليلاً كاللقمة، ويقال: الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه، وحززت اللحم حزة أي قطعته مرة واحدة، ونحوه: الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين القدمين، والخطوة أن يخطو مرة واحدة، وقال المبرد: غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ما في يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء الكف أو ما اغترف به.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ اغترف ﴾ استثناء من قوله: ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ وهذه الجملة في حكم المتصلة بالاستثناء، إلا أنها قدمت في الذكر للعناية.

المسألة الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحمل منها.

وأقول: هذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاءه مرة واحدة، بغرفة واحدة، بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه، ولأن يحمله مع نفسه والثاني: أنه كان يأخذ القليل إلا أن الله تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي لكل هؤلاء، وهذا كان معجزة لنبي ذلك الزمان، كما أنه تعالى كان يروي الخلق العظيم من الماء القليل في زمان محمد عليه الصلاة والسلام.

أما قوله تعالى: ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبي والأعمش ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ قال صاحب الكشاف: وهذا بسبب ميلهم إلى المعنى، وإعراضهم عن اللفظ، لأن قوله: ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ ﴾ في معنى: فلم يطيعوه، لا جرم حمل عليه كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.

المسألة الثانية: قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق عن الزنديق، والموافق عن المخالف، فلما ذكر الله تعالى أن الذين يكونون أهلاً لهذا القتال هم الذين لا يشربون من هذا النهر، وأن كل من شرب منه فإنه لا يكون مأذوناً في هذا القتال، وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال، لا جرم أقدموا على الشرب، فتميز الموافق عن المخالف، والصديق عن العدو، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد، وقع أكثرهم في النهر، وأكثروا الشرب، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى، فلم يزيدوا على الاغتراف، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر الله فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا، وبقوا على شط النهر، وجبنوا على لقاء العدو، وأما الذين أطاعوا أمر الله تعالى، فقوي قلبهم وصح إيمانهم، وعبروا النهر سالمين.

المسألة الثالثة: القليل الذي لم يشرب قيل: إنه أربعة آلاف، والمشهور وهو قول الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن، قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

أما قوله: ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله تعالى في باب الشرب من النهر، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان قبل عبور النهر أو بعده، وفيه قولان الأول: أنه ما عبر معه إلا المطيع، واحتج هذا القائل بأمور الأول: أن الله تعالى قال: ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ فالمراد بقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ مَعَهُ ﴾ الذين وافقوه في تلك الطاعة، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين.

الحجة الثانية: الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، كالرجل الذي يقول لغيره: لست أنت منا في هذا الأمر، قال: ومعنى ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ ﴾ أي ليتسببوا به إلى الرجوع، وذلك لفساد دينهم وقلبهم.

الحجة الثالثة: أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في عبور النهر.

القول الثاني: أنه استصحب كل جنوده وكلهم عبروا النهر واعتمدوا في إثبات هذا القول على قوله تعالى حكاية عن قوم طالوت ﴿ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق، وهذه الحجة ضعيفة، وبيان ضعفها من وجوه: أحدها: يحتمل أن يقال: إن طالوت لما عزم على مجاوزة النهر وتخلف الأكثرون ذكر المتخلفون أن عذرنا في هذا التخلف أنه لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فنحن معذورون في هذا التخلف، أقصى ما في الباب أن يقال: إن الفاء في قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ ﴾ تقتضي أن يكون قولهم: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ ﴾ إنما وقع بعد المجاوزة، إلا أنا نقول يحتمل أن يقال: إن طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع من المكالمة، ويحتمل أن يكون المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، وعلى هذا التقدير فالإشكال أيضاً زائل.

والجواب الثاني: أنه يحتمل أن يقال: المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالباً على طبعه، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى.

فالقسم الأول: هم الذين قالوا: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم ﴾ .

والقسم الثاني: هم الذين أجابوا بقولهم: ﴿ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً ﴾ .

والجواب الثالث: يحتمل أن يقال: القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالوا: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ فلابد أن نوطن أنفسنا على القتل، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله، والقسم الثاني قالوا: لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر.

المسألة الثانية: الطاقة مصدر بمنزلة الإطاقة، يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة، ومثلها أطاع إطاعة، والاسم الطاعة، وأغار يغير إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة وفي المثل: أساء سمعاً فأساء جابة، أي جواباً.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله ﴾ ففيه سؤال، وهو أنه تعالى لم جعلهم ظانين ولم يجعلهم حازمين؟.

وجوابه: أن السبب فيه أمور الأول: وهو قول قتادة: أن المراد من لقاء الله الموت، قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه».

وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت، لا جرم قيل في صفتهم: إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله الثاني: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله ﴾ أي ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك لأن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، فلابد أن يكون ظاناً راجياً وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر، إلا من أخبر الله بعاقبة أمره، وهذا قول أبي مسلم وهو حسن.

الوجه الثالث: أن يكون المعنى: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعاً بأن هذا العمل الذي عمله طاعة، لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة، ولا يكون بنية خالصة فحيئذٍ لا يكون الفعل طاعة، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإخلاص.

الوجه الرابع: أنا ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أن المراد بالسكينة على قول بعض المفسرين أنه كان في التابوت كتب إلهية نازلة على الأنبياء المتقدمين، دالة على حصول النصر والظفر لطالوت وجنوده، ولكنه ما كان في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى أو بعدها، فقوله: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله ﴾ يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر، وإنما جعله ظناً لا يقيناً لأن حصوله في الجملة وإن كان قطعاً إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن.

الوجه الخامس: قال كثير من المفسرين: المراد بقوله: ﴿ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله ﴾ أنهم يعلمون ويوقنون، إلا أنه أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الاعتقاد.

أما قوله: ﴿ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي، والنصر السماوي، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة.

المسألة الثانية: الفئة: الجماعة، لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: أصل الفئة من قولهم: فأوت رأسه بالسيف، وفأيت إذا قطعت، فالفئة الفرقة من الناس، كأنها قطعة منهم.

المسألة الثالثة: قال الفراء: لو ألغيت من هاهنا جاز في فئة الرفع والنصب والخفض، أما النصب فلأن ﴿ كَمْ ﴾ بمنزلة عدد فنصب ما بعده نحو عشرين رجلاً، وأما الخفض فبتقدير دخول حرف ﴿ مِنْ ﴾ عليه، وأما الرفع فعلى نية تقديم الفعل كأنه قيل: كم غلبت فئة.

وأما قوله: ﴿ والله مَعَ الصابرين ﴾ فلا شبهة أن المراد المعونة والنصرة، ثم يحتمل أن يكون هذا قولاً للذين قالوا: ﴿ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ ﴾ ويحتمل أن يكون قولاً من الله تعالى، وإن كان الأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ التابوت ﴾ صندوق التوراة.

وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدّمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرّون.

والسكينة: السكون والطمأنينة، وقيل: هي صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهرّ وذنب كذنبه وجناحان، فتئن فيزف التابوت نحو العدوّ وهم يمضون معه، فإذا استقرّ ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، وعن عليّ رضي الله عنه: كان لها وجه كوجه الإنسان وفيها ريح هفافة ﴿ وَبَقِيَّةٌ ﴾ هي رضاض الألواح وعصى موسى وثيابه وشيء من التوراة، وكان رفعه الله تعالى بعد موسى عليه السلام فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، فكان ذلك آية لاصطفاء الله طالوت.

وقيل: كان مع موسى ومع أنبياء بني إسرائيل بعده يستفتحون به.

فلما غيرت بنو إسرائيل غلبهم عليه الكفار فكان في أرض جالوت، فلما أراد الله أن يملّك طالوت أصابهم ببلاء حتى هلكت خمس مدائن، فقالوا: هذا بسبب التابوت بين أظهرنا، فوضعوه على ثورين، فساقهما الملائكة إلى طالوت.

وقيل كان من خشب الشمشار مموّها بالذهب.

نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين.

وقرأ أبيّ وزيد بن ثابت: ﴿ التابوه ﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار.

فإن قلت: ماوزن التابوت؟

قلت: لا يخلو من أن يكون فعلوتا أو فاعولاً، فلا يكون (فاعولا) لقلته، نحو: سلس وقلق، ولأنه تركيب غير معروف فلا يجوز ترك المعروف إليه، فهو إذاً (فعلوت) من التوب، وهو الرجوع: لأنه ظرف توضع فيه الأشياء وتودعه، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه، وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته.

وأمّا من قرأ بالهاء فهو (فاعول) عنده، إلا فيمن جعل هاءه بدلاً من التاء، لاجتماعهما في الهمس وأنهما من حروف الزيادة.

ولذلك أبدلت من تاء التأنيث.

وقرأ أبو السمال: ﴿ سَكِّينة ﴾ ، بفتح السين والتشديد وهو غريب.

وقرئ: ﴿ يحمله ﴾ ، بالياء، فإن قلت: مَن ﴿ ءَالُ موسى وَءَالُ هارون ﴾ ؟

قلت: الأنبياء من بني يعقوب بعدهما.

لأن عمران هو ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب فكان أولاد يعقوب آلهما.

ويجوز أن يراد: مما تركه موسى وهارون.

والآل مقحم لتفخيم شأنهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ ﴾ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ حُجَّةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى اصْطَفى طالُوتَ ومَلَّكَهُ عَلَيْهِمْ.

﴿ إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ ﴾ الصُّنْدُوقُ فَعَلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ، وهو الرُّجُوعُ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَرْجِعُ إلى ما يَخْرُجُ مِنهُ، ولَيْسَ بِفاعُولٍ لِقِلَّةِ نَحْوِ سَلِسَ وقَلِقَ، ومَن قَرَأهُ بِالهاءِ فَلَعَلَّهُ أبْدَلَهُ مِنهُ كَما أبْدَلَ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ لِاشْتِراكِهِما في الهَمْسِ والزِّيادَةِ، ويُرِيدُ بِهِ صُنْدُوقَ التَّوْراةِ وكانَ مِن خَشَبِ الشِّمْشادِ مُمَوَّهًا بِالذَّهَبِ نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ.

﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْإتْيانِ أيْ في إتْيانِهِ سُكُونٌ لَكم وطُمَأْنِينَةٌ، أوْ لِلتّابُوتِ أيْ مُودَعٌ فِيهِ ما تَسْكُنُونَ إلَيْهِ وهو التَّوْراةُ.

وكانَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا قاتَلَ قَدَّمَهُ فَتَسْكُنُ نُفُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ ولا يَفِرُّونَ.

وقِيلَ صُورَةٌ كانَتْ فِيهِ مِن زَبَرْجَدٍ أوْ ياقُوتٍ لَها رَأْسٌ وذَنَبٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ وذَنَبِها وجَناحانِ فَتَئِنُّ فَيُزِفُّ التّابُوتَ نَحْوَ العَدُوِّ وهم يَتْبَعُونَهُ فَإذا اسْتَقَرَّ ثَبَتُوا وسَكَنُوا ونَزَلَ النَّصْرُ.

وقِيلَ صُورَةُ الأنْبِياءِ مِن آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ التّابُوتُ هو القَلْبُ والسَّكِينَةُ ما فِيهِ مِنَ العِلْمِ والإخْلاصِ، وإتْيانُهُ مَصِيرُ قَلْبِهِ مَقَرًّا لِلْعِلْمِ والوَقارِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ.

﴿ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ ﴾ رُضاضُ الألْواحِ وعَصا مُوسى وثِيابِهِ وعِمامَةُ هارُونَ، وآلُهُما أبْناؤُهُما أوْ أنْفُسُهُما.

والآلُ مُقْحَمٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما، أوْ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهم أبْناءُ عَمِّهِما.

﴿ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ ﴾ قِيلَ رَفَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ مُوسى فَنَزَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ كانَ بَعْدَهُ مَعَ أنْبِيائِهِمْ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ حَتّى أفْسَدُوا فَغَلَبَهُمُ الكُفّارُ عَلَيْهِ، وكانَ في أرْضِ جالُوتَ إلى أنْ مَلَّكَ اللَّهُ طالُوتَ فَأصابَهم بَلاءٌ حَتّى هَلَكَتْ خَمْسُ مَدائِنَ فَتَشاءَمُوا بِالتّابُوتِ فَوَضَعُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ فَساقَتْهُما المَلائِكَةُ إلى طالُوتَ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْ يَكُونَ ابْتِداءُ خِطابٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فثمة طلبوا من نبيهم آية على اصطفاء الله طالوت {وقال لهم نبيهم إن آية مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت} أي صندوق التوراة وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون {فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ} سكون وطمأنينة {وَبَقِيَّةٌ} هى رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشئ من التوارة ونعلا موسى وعمامة هرون عليهما السلام {مما ترك آل موسى وآل هارون} أى مما تركه موسى وهرون والآل مقحم لتفخيم شأنهما {تَحْمِلُهُ الملائكة} يعني التابوت وكان رفعه الله بعد موسى فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه والجملة في موضع الحال وكذا فيه سكينة ومن ربكم نعت لسكينة ومما ترك نعت لبقية {إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} إن في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم

البقرة (٢٤٩ _ ٢٥١)

إن كنتم مصدقين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى مِثْلِهِ مِمّا تَقَدَّمَ، وكانَ تَوْسِيطُ ما تَقَدَّمَ بَيْنَهُما؛ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ اتِّصالِ أحَدِهِما بِالآخَرِ، وتَخَلُّلِ كَلامٍ مِن جِهَةِ المُخاطَبِينَ، مُتَفَرِّعٍ عَلى السّابِقِ، مُسْتَتْبَعٍ لِلْأحَقِّ، ورِواياتُ القَصّاصِ مُتَظافِرَةٌ عَلى أنَّهم قالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ما آيَةُ مُلْكِهِ واصْطِفائِهِ عَلَيْنا؟

فَقالَ: ﴿ إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ ﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهم ذَلِكَ مَذْكُورًا لِيَقَعَ هَذا جَوابًا لَهُ صَراحَةً؛ أعادَ الفاعِلَ لِيُغايِرَ ما عُلِمَ صَراحَةً كَوْنُهُ جَوابًا، وإنَّما لَمْ يُجْرِ ذَلِكَ المَجْرى بِأنْ يَذْكُرَ مَقُولَهُمْ، ويَكُونَ هَذا جَوابًا لَهُ، ويَكْتَفِيَ بِالإضْمارِ كَما اكْتَفى بِهِ أوَّلًا؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ لِلنَّبِيِّ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ لَهُ، وبَيانِهِ لَهم ما اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ، مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَتّى يُجابَ؛ لِأنَّ لَهُ شَبَهًا تامًّا بِالتَّعَنُّتِ حِينَئِذٍ، وإنْ عُدَّ مِن بابِ السُّؤالِ لِتَقْوِيَةِ العِلْمِ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا مُؤْمِنِينَ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِهِ حِينَئِذٍ، فَعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ هَذا النَّبِيَّ كانَ قَدْ كَفَلَهُ شَيْخٌ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْعَثَهُ نَبِيًّا؛ أتاهُ جِبْرِيلُ وهو غُلامٌ نائِمٌ إلى جَنْبِ الشَّيْخِ، وكانَ لا يَأْمَنُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَدَعاهُ بِلَحْنِ الشَّيْخِ، فَقامَ فَزِعًا إلى الشَّيْخِ، فَقالَ: يا أبَتاهُ، دَعَوْتَنِي؟

فَكَرِهَ الشَّيْخُ أنْ يَقُولَ لا فَيَفْزَعَ، فَقالَ: يا بُنَيَّ، ارْجِعْ فَنَمْ، فَرَجَعَ فَنامَ، فَدَعاهُ الثّانِيَةَ فَأتاهُ الغُلامُ أيْضًا، فَقالَ: دَعَوْتَنِي؟

فَقالَ: ارْجِعْ فَنَمْ، فَإنْ دَعَوْتُكَ الثّالِثَةَ فَلا تُجِبْنِي، فَلَمّا كانَتِ الثّالِثَةُ ظَهَرَ لَهُجِبْرِيلُ، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى قَوْمِكَ فَبَلِّغْهم رِسالَةَ رَبِّكَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا، فَلَمّا أتاهم كَذَّبُوهُ، وقالُوا: اسْتَعْجَلْتَ بِالنُّبُوَّةِ ولَمْ يَأْنِ لَكَ، وقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فابْعَثْ لَنا مَلِكًا، ثُمَّ جَرى ما جَرى، فَقالَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا ﴾ فَقالُوا: ما كُنْتَ قَطُّ أكْذَبَ مِنكَ السّاعَةَ، واعْتَرَضُوا وأُجِيبُوا، ثُمَّ قالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِنا بِآيَةٍ أنَّ هَذا مَلِكٌ، فَقالَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ المُصَرَّحُ بِهِ في الآيَةِ، وكَذا الطَّلَبُ المَرْمُوزُ إلَيْهِ فِيها صادِرًا عَنْ إنْكارٍ، وعَدَمِ إيقانٍ، ووَجْهُ تَرْكِ ذِكْرِ سُؤالِهِمْ حِينَئِذٍ إنْ كانَ الإشارَةُ إلى أنَّ مِن شَأْنِ الأنْبِياءِ الإتْيانَ بِالآياتِ، وإنْ لَمْ تُطْلَبْ مِنهُمْ؛ جَلْيًا لِلشّارِدِ، وتَقْيِيدًا لِلْوارِدِ، ولِيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا هُدًى، والتّابُوتُ الصُّنْدُوقُ، وهو فَعْلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ، وهو الرُّجُوعُ لِما أنَّهُ لا يَزالُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما يَخْرُجُ مِنهُ، وصاحِبُهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِيما يَحْتاجُهُ مِن مُودِعاتِهِ، فَتاؤُهُ مَزِيدَةٌ كَتاءِ مَلَكُوتٍ، وأصْلُهُ تَوْبُوتٌ؛ فَقُلِبَتِ الواوُ ألْفًا ولَيْسَ بِفاعُولٍ، مِنَ التَّبْتِ؛ لِقِلَّةِ ما كانَ فاؤُهُ ولامُهُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ كَسَلِسٍ وقَلِقٍ، وقُرِئَ: تابُوهٌ بِالهاءِ وهي لُغَةُ الأنْصارِ، والأوْلى لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي الَّتِي أمَرَ عُثْمانُ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ بِكِتابَتِها في الإمامِ، حِينَ تَرافَعَ لَدَيْهِ في ذَلِكَ زَيْدٌ وأبانُ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ ووَزْنُهُ حِينَئِذٍ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فاعُولٌ؛ لِأنَّ شُبْهَةَ الِاشْتِقاقِ لا تُعارِضُ زِيادَةَ الهاءِ وعَدَمِ النَّظِيرِ، وأمّا جَعْلُ الهاءِ بَدَلًا مِنَ التّاءِ لِاجْتِماعِهِما في الهَمْسِ، وأنَّهُما مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإبْدالَ في غَيْرِ تاءِ التَّأْنِيثِ لَيْسَ بِثَبْتٍ، وذَهَب الجَوْهَرِيُّ إلى أنَّ التّاءَ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، وأصْلُهُ عِنْدَهُ تابُوَةٌ مِثْلَ تَرْقُوَةٍ، فَلَمّا سُكِّنَتِ الواوُ انْقَلَبَتْ هاءُ التَّأْنِيثِ تاءً، والمُرادُ بِهِ صُنْدُوقٌ كانَ يَتَبَرَّكُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، فَذَهَبَ مِنهم واخْتُلِفَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ؛ فَقالَ أرْبابُ الأخْبارِ: هو صُنْدُوقٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى آدَمَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ فِيهِ تَماثِيلُ الأنْبِياءِ جَمِيعِهِمْ، وكانَ مِن عُودِ الشِّمْشاذِ، نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ، ولَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ مِن كِرِيمٍ إلى كِرِيمٍ حَتّى وصَلَ إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ إلى بَنِيهِ، ثُمَّ وثُمَّ إلى أنْ فَسَدَ بَنُو إسْرائِيلَ وعَصَوْا بَعْدَ مُوسى _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ العَمالِقَةَ، فَأخَذُوهُ مِنهم فَجَعَلُوهُ في مَوْضِعِ البَوْلِ والغائِطِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمَلِّكَ طالُوتَ؛ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ البَلاءَ حَتّى أنَّ كُلَّ مَن أحْدَثَ عِنْدِهِ ابْتُلِيَ بِالبَواسِيرِ، وهَلَكَتْ مِن بِلادِهِمْ خَمْسُ مَدائِنَ، فَعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ اسْتِهانَتِهِمْ بِهِ، فَأخْرَجُوهُ وجَعَلُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ فَأقْبَلا يَسِيرانِ، وقَدْ وكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِما أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَسُوقُونَهُما، حَتّى أتَوْا مَنزِلَ طالُوتَ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أنَّهُ صُنْدُوقُ التَّوْراةِ، وكانَ قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ سُخْطًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا عَصَوْا بَعْدَ وفاةِ مُوسى _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ فَلَمّا طُلِبَتِ الآيَةُ أتى مِنَ السَّماءِ، والمَلائِكَةُ يَحْفَظُونَهُ، وبَنُو إسْرائِيلَ يُشاهِدُونَ ذَلِكَ حَتّى أنْزَلُوهُ في بَيْتِ طالُوتَ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ أنَّهُ التّابُوتُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى أُمِّ مُوسى، فَوَضَعَتْهُ فِيهِ وألْقَتْهُ في البَحْرِ، وكانَ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ إلى أنْ فَسَدُوا، فَجَعَلُوا يَسْتَخِفُّونَ بِهِ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْ كانَ ما كانَ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ، وأقْرَبُ الأقْوالِ الَّتِي رَأيْتُها أنَّهُ صُنْدُوقُ التَّوْراةِ، تَغَلَّبَتْ عَلَيْهِ العَمالِقَةُ حَتّى رَدَّهُ اللَّهُ تَعالى، وأبْعَدُها أنَّهُ صُنْدُوقٌ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ عَلى آدَمَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ وكانَ يَتَحاكَمُ النّاسُ إلَيْهِ بَعْدَ مُوسى _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ إذا اخْتَلَفُوا، فَيَحْكُمُ بَيْنَهم ويَتَكَلَّمُ مَعَهم إلى أنْ فَسَدُوا، فَأخَذَهُ العَمالِقَةُ، ولَمْ أرَ حَدِيثًا صَحِيحًا مَرْفُوعًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ يَفْتَحُ قُفْلَ هَذا الصُّنْدُوقِ، ولا فِكْرًا كَذَلِكَ ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ في إتْيانِهِ سُكُونٌ لَكم وطُمَأْنِينَةٌ، فالسَّكِينَةُ مَصْدَرٌ حِينَئِذٍ، أوْ فِيهِ نَفْسِهِ ما تَسْكُنُونَ إلَيْهِ، وهو التَّوْراةُ، وقِيلَ: _ ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ كَما قالَهُ الرّاغِبُ _ صُورَةٌ كانَتْ فِيهِ مِن زَبَرْجَدٍ أوْ ياقُوتٍ، لَها رَأْسٌ وذَنَبٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ وذَنَبِها، وجَناحانِ فَتَئِنُّ فَيُزَفُّ التّابُوتُ نَحْوَ العَدُوِّ وهم يَمْضُونَ مَعَهُ، فَإذا اسْتَقَرَّ ثَبَتُوا وسَكَنُوا ونَزَلَ النَّصْرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ: مِن سُكَيْناتِ رَبِّكُمْ ﴿ وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ ﴾ هي رُضاضُ الألْواحِ، وثِيابُ مُوسى، وعِمامَةُ هارُونَ، وطَسْتٌ مِن ذَهَبٍ، كانَتْ تُغْسَلُ بِهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ، وكَلِمَةُ الفَرَجِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ السَّمَواتِ السَّبْعِ ورَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وآلُهُما أتْباعُهُما أوْ أنْفُسُهُما أوْ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهم أبْناءُ عَمِّهِما ﴿ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ ﴾ حالٌ مِنَ التّابُوتِ، والحَمْلُ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ عَلى حَدِّ حَمَل زَيْدٌ مَتاعِي إلى مَكَّةَ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن إتْيانِ التّابُوتِ، فَهو مِن كَلامِ النَّبِيِّ لِقَوْمِهِ، أوْ إلى نَقْلِ القِصَّةِ وحِكايَتِها، فَهو ابْتِداءُ خِطابٍ مِنهُ تَعالى لِلنَّبِيِّ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجِيءَ بِهِ قَبْل تَمامِ القِصَّةِ؛ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ، وإفْرادُ حَرْفِ الخِطابِ مَعَ تَعَدُّدِ المُخاطِبِينَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ بِتَأْوِيلِ الفَرِيقِ ونَحْوِهِ ﴿ لآيَةً ﴾ عَظِيمَةً كائِنَةً لَكُمْ، دالَّةً عَلى جَعْلِ طالُوتَ مَلِكًا عَلَيْكُمْ، أوْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ حَيْثُ أخْبَرَ بِما أخْبَرَ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِنَ البَشَرِ، ولا أخْذٍ مِن كِتابٍ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: مُصَدِّقِينَ بِتَمْلِيكِهِ عَلَيْكُمْ، أوْ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ، و( إنْ ) شَرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما قَبْلَهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ حَقِيقَةَ الشَّرْطِيَّةِ إذا كانَ المُخاطَبُ مَن تَحَقَّقَ إيمانُهُ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى إذْ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى، يعني الرؤساء والقادة.

وقال بعضهم: اشتقاق الملأ في اللغة من الملأ وهم الجماعة التي تملأ باديتهم.

وقال بعضهم: الناظر إذا نظر إليهم، امتلأ عينه هيبة منهم وذلك أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم، وسبوهم، وأخرجوهم من ديارهم.

وكان رئيسهم جالوت، فلما اضطر المسلمون في ذلك جاءوا إلى نبي لهم يقال له: أشمويل بن هلقانا-  - بلغة العبرانية وبالعربية إسماعيل بن هلقان، إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ، يعني أشمويل: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً، يعني ادع لنا الله تعالى أن يجعل لنا ملكاً، يعني رجلاً ينتظم به أمرنا.

نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

ف قالَ لهم أشمويل: هَلْ عَسَيْتُمْ.

قرأ نافع: هَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين، وقرأ الباقون: بالنصب، وهي اللغة المعروفة.

والأول لغة لبعض العرب هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا، يعني إذا بعث الله لكم ملكاً وفرض عليكم القتال، لعلكم لا تقاتلون وتجبنون عن القتال.

قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يقول: كيف لا نقاتل في سبيل الله وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا، يعني أخذوا ديارنا وسبوا أبنائنا.

فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ، أي فرض عليهم القتال.

تَوَلَّوْا وتركوا القتال ولم يثبتوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، يعني إن الله تعالى يعلم جزاء من تولى عن القتال.

ثم بيّن لهم القصة بقوله: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً، يعني قال: أجابكم ربكم إلى ما سألتم من بعث ملك تقاتلون في سبيل الله معه، وقد جعل لكم طالوت ملكاً وكان طالوت فيهم حقير الشأن، وكانت النبوة في بني لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا.

ولم يكن طالوت من أهل بيت النبوة ولا من أهل بيت الملك.

ويقال: كان رجلاً يبيع الخمر، ويقال: كان بقاراً، ويقال: كان دباغاً، ولكنه كان عالماً فرفعه الله بعلمه.

قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا، يعني المسلمون قالوا لنبيهم: من أين يكون له الملك عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ؟

لأن منا الملوك.

وَلَمْ يُؤْتَ طالوت سَعَةً مِنَ الْمالِ ينفق علينا.

والملك يحتاج إلى مال ينفق على جنوده وأعوانه.

قالَ لهم نبيهم-  -: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ، يعني اختاره عليكم وَزادَهُ بَسْطَةً، أي فضيلة فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وكان رجلاً جسيماً وكان عالماً.

ويقال: كان عالماً بأمر الحرب.

وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.

والواسع في اللغة: هو الغني.

ويقال: واسع بعطية الملك، عالم لمن يعطيه.

ويقال: واسع يعني باسط الرزق، عليم بمن يصلح له الملك.

فظنوا أنه يقول لهم من ذات نفسه.

وقالوا له: إن كان الله تعالى أمرك بذلك، فأتنا بآية قال الله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ وذلك أن الكفار كانوا أخذوا التابوت، وكان التابوت للمسلمين، فإذا خرجوا للغزو والتابوت معهم كانوا يرجون الظفر.

فأخذ الكفار التابوت ووضعوه في مزبلة- أي في مخرأة لهم- فابتلاهم الله تعالى بالباسور.

ويقال إن أصل الباسور من ذلك الوقت، وأصل الجذام من وقت أيوب-  - وتغير الطعام من قبل بني إسرائيل.

فجعل الله تعالى آية ملك طالوت رد التابوت إليهم، فذلك قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ يعني علامة ملكة أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ.

فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ.

قال الكلبي: سكينة أي: طمأنينة، إذا كان التابوت في مكان اطمأنت قلوبهم بالظفر.

وقال مقاتل: السكينة كانت دابة ورأسها كرأس الهرة ولها جناحان، فإذا صوَّتت، عرفوا أن النصر لهم.

ويقال: كانت جوهراً أحمر يسمع منه الصوت.

ويقال: كانت ريحاً تهب فيها لها صوت يعرفون أن النصرة لهم عند الصوت.

قوله تعالى: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ، يعني الرضاض من الألواح، وقفيز من منّ في طست من ذهب، وعصا موسى، وعمامة هارون قال الكلبي: وكان التابوت من عود الشمشار الذي يتخذ منه الأمشاط، فلما ابتلاهم الله تعالى بالباسور، عرفوا أن ذلك من التابوت، فقالوا: لعل إله بني إسرائيل الذي فينا، يعنون التابوت، هو الذي يفعل بنا هذا الفعل، فأخرجوا بقرتين من المدينة وتركوا أولادها في المدينة، وربطوا التابوت على عجلة ثم ربطوا العجلة بالبقرتين، ثم وجهوهما نحو بني إسرائيل فضربت الملائكة جنوبهما، وساقوهما حتى هجموا بهما على أرض بني إسرائيل، فأصبحوا والتابوت بين أظهرهم.

وذلك قوله تعالى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ، يعني الملائكة ساقوا العجلة.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ، يعني إن في رد التابوت علامة لملك طالوت إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أي مصدقين بأن ملكه من الله تعالى فعرفوا وأطاعوه.

قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ، يعني فتجهز طالوت وخرج بالجنود وهم سبعون ألفاً، فصاروا في حر شديد، فأصابهم عطش شديد، فسألوا طالوت الماء.

ف قالَ لهم طالوت: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ وهو بين الأردن وفلسطين وإنما كان الابتلاء ليظهر عند طالوت من كان مخلصاً في نيته من غيره وأراد أن يميز عنهم من لا يريد القتال، لأن من لا يريد القتال إذا خالط العسكر، يدخل الضعف والوهن في العسكر، لأنه إذا انهزم وهرب ضعف الباقون.

ويقال: إن أشمويل هو الذي أخبر طالوت بالوحي، حتى أخبر طالوت قومه حيث قال: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، يعني ليس معي على عدوي، إذا شرب بغير غرفة.

وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، يعني لم يشرب منه يعني غرفة.

فَإِنَّهُ مِنِّي، أي معي على عدوي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ.

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: غُرْفَةً بنصب الغين، وقرأ الباقون برفع الغين.

فمن قرأ بالنصب، يكون مصدر غرفة، أي مرة واحدة باليد.

ومن قرأ بالضم، هو ملء الكف وهو اسم الماء مثل: الخَطوة والخُطوة.

قال بعض المفسرين: الغَرفة بكف واحدة والغُرفة بالكفين.

وقال بعضهم: كلاهما لغتان ومعناهما واحد.

فلما خرجوا من المفازة وقد أصابهم العطش، وقفوا في النهر، فَشَرِبُوا مِنْهُ بغير غرفة إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وروي عن رسول الله  أنه قال لأصحابه يوم بدر: «أَنْتُمْ عَلَى عَدَدِ المُرْسَلِينَ وَعَدَدِ قَوْمِ طَالوتَ ثَلاثمائةٍ وثلاثة عشر» ، فأمر من شرب بغير غرفة أن يرجعوا.

ويقال: قد ظهر على شفاههم علامة، عرف بها من شرب من الذي لم يشرب، فردهم وأمسك المخلصين منهم.

فَلَمَّا جاوَزَهُ، يعني جاوز النهر.

هُوَ، يعني طالوت وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ودنوا إلى عسكر جالوت، وكان معه مائة ألف فارس كلهم شاكون في السلاح.

قالُوا، أي المؤمنون: لاَ طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، لما رأوا من كثرتهم.

قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، يعني أيقنوا بالموت لما رأوا من كثرة العدو فأيقنوا بهلاك أنفسهم.

ويقال: أيقنوا بالبعث بعد الموت وهو قوله: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، وهم أهل العلم منهم: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ، يعني كم من جند قليل، غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً عدتهم بِإِذْنِ اللَّهِ، أي بنصر الله وأمره، إذا خلصت نيتهم، وطابت أنفسهم بالموت في طاعة الله وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصرة على عدوهم أي معينهم.

وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، يقول: خرجوا واصطفوا لجالوت.

دعوا الله تعالى، قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، أي أصبب علينا صبراً، معناه ارزقنا الصبر على القتال، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عند القتال وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.

قال وكان داود-  - راعياً، وكان له سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم- وكان اسمه إيشا- أرسل إليهم ابنه داود ينظر إليهم ما أمرهم ويأتيه بخبرهم فلما خرج، مرَّ على حجر فقال له الحجر: خذني فإني حجر إبراهيم قتل بي عدوه، فأخذه وجعله في مخلاته ثم مرَّ بآخر فقال له: خذني فإني حجر موسى الذي قتل بي كذا كذا، ثم مرَّ بثالث فقال له: خذني فأنا الذي أقتل جالوت، فأخذه وجعله في مخلاته فأتاهم وهم بالصفوف وقد برز جالوت وقال: من يبارزني؟

فلم يخرج إليه أحد.

ثم قال: يا بني إسرائيل لو كنتم على حق، لخرج إلي بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟

فقالوا له: اسكت.

فذهب داود إلى ناحية من الصف ليس فيها أحد من إخوته، فمر طالوت به وهو يحرض الناس، فقال له داود: وما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟

قال طالوت: أنكحه ابنتي واجعل له نصف ملكي.

قال داود: فأنا أخرج إليه.

فأعطاه طالوت درعه وسيفه، فلما خرج في الدرع جرها، لأن طالوت كان أطول الناس، فرجع داود إلى طالوت وقال: إني لم أتعود القتال في الدرع، فرد الدرع إليه.

فقال له طالوت: فهل جربت نفسك؟

قال: نعم وقع ذئب في غنمي فضربته بالسيف فقطعته نصفين.

فقال له طالوت: إن الذئب ضعيف، فهل جربت نفسك في غير هذا؟

قال: نعم دخل أسد في غنمي فضربته، ثم أخذت بلحييه فشققتها، فقال له: هذا أشد، ثم قال لَّهُ مَا اسمك؟

قال: داود بن إيشا.

فعرفه.

فرأى أنه أجلد إخوته، فأخذ قذافته وخرج.

فلما رآه جالوت قال: خرجت إليّ لتقتلني بالقذافة كما تقتل الكلاب؟

فقال له داود: وهل أنت إلا مثل الكلاب؟

قال الكلبي: وكان على رأس جالوت بيضة ثلاثمائة رطل، فقال له جالوت: إما أن ترميني وإما أن أرميك.

فقال له داود: بل أنا أرميك.

ثم أخذ واحداً من الأحجار الثلاثة فرماه، فوقع في صدره ونفذ من صدره فقتل خلفه خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: صارت الأحجار كلها واحداً فلما رماها تفرقت في عسكره فقتلت خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: رمى واحداً بعد واحد، فقتل جالوت وخلقاً كثيراً وهزمهم الله بإذنه، فذلك قوله عز وجل: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ.

ثم إن طالوت زوج داود ابنته وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه، فقال له وزراؤه: إن دفعت إليه نصف ملكك، فيصير منازعاً لك في ملكك، ويفسد عليك الملك.

فامتنع من ذلك وأراد قتل داود-  - وكان في ذلك ما شاء الله حتى دفع إليه النصف، ثم خرج طالوت إلى بعض المغازي فقتل هناك، فتحول الملك كله إلى داود.

ولم يجتمع بنو إسرائيل كلهم على ملك واحد إلا على داود.

فذلك قوله عز وجل: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، يعني ملك اثني عشر سبطاً وَالْحِكْمَةَ، يعني النبوة، وأنزل عليه الزبور أربعمائة وعشرين سورة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ، أي علم داود من صنع الدروع وكلام الطيور وتسبيح الجبال معه وكلام الدواب.

وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي يدفع البلاء عن المؤمنين بالنبيين- عليهم السلام- ويدفع بالمؤمنين عن الكفار، لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، أي هلك أهلها.

ويقال: ولولا دفع الله جالوت بطالوت، لهلكت بنو إسرائيل كلهم.

ويقال: ولولا دفع الله البلايا بسبب المطيعين، لهلك الناس كما جاء في الأثر: لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع، لصببت عليكم العذاب صباً.

وروي عن الحسن أنه قال: لولا الصالحون لهلك الطالحون.

ويقال: لولا ما أمر الله المؤمنين بحرب الكفار، لفسدت الأرض بغلبة الكفار.

ويقال لولا ما ينتفع بعض الناس ببعض، لأن في كل أرض بلدة يتولد فيها شيء لا يوجد ذلك في سائر البلدان، فينتفع بها أهل سائر البلدان وينتفع بعضهم ببعض، فيكون في ذلك صلاح أهل الأرض.

قرأ نافع هاهنا وَلَوْلاَ دِفَاع الله وفي الحج: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف في كلا الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بغير ألف، إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ [الحج: 38] بالألف.

وتفسير القراءتين واحد وهما لغتان معروفتان.

ثم قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ، أي ذو منّ عليهم بالدفع عنهم.

تِلْكَ آياتُ اللَّهِ وهو ما قصّ عليه من أخبار الأمم.

نَتْلُوها عَلَيْكَ، أي ننزلها بقراءة جبريل عليك بِالْحَقِّ، أي بالصدق.

وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، يعني إنك لمن جملة المرسلين الذين ذكرناهم.

وقال الزجاج تلك آيات الله، أي هذه الآيات التي أنبئت، أي العلامات التي تدل على توحيده وتثبت رسالته، إذ كان يعجز عن إتيان مثلها المخلوقون وإنك من هؤلاء المرسلين، لأنك قد أتيتهم بالعلامات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وإذا ذكرت «القابضَ» منْفرداً عن «البَاسِطِ» ، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ، وذلك غير جائز، وقوله: «المُعِزُّ المُذِلّ» ، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر.

انتهى.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ...

الآية: هذه الآية خَبَرٌ عن قوم من بني إِسرائيل نالتهم ذِلَّةٌ وغَلَبة عَدُوٍّ فطلبوا الإِذن في الجِهَاد، وأن يؤمروا به، فلمّا أمروا، كعّ أكثرهم «١» ، وصبر الأقلُّ، فنصرهم اللَّه، وفي هذا كلِّه مثالٌ للمؤمنين ليحذروا المَكْرُوه منْه ويقتدوا بالحسن.

والْمَلَإِ: في هذه الآية جميعُ القَوْم لأن المعنى يقتضيه، وهو أصل اللفظة، ويسمى الأشرافُ «المَلأَ» تشبيها، ومِنْ بَعْدِ مُوسى: معناه: مِنْ بعد موته، وانقضاء مدَّته.

وقوله تعالى: لِنَبِيٍّ لَهُمُ، قال ابن إِسحاق وغيره: هو شمويلُ بْن بَابِل «٢» .

وقال السدِّيُّ: هو شَمْعُونُ «٣» ، وكانت بنو إِسرائيل تغلِبُ من حاربها، وروي أنها

كانت تَضَعُ التابوتَ الذي فيه السكينةِ والبقيَّة في مَأْزِقِ الحرب، فلا تزال تَغْلِبُ حتى عصَتْ، وظهرتْ فيهم الأحداث، وخالف ملوكهم الأنبياء، واتَّبعوا الشَّهوات، وقد كان اللَّه تعالى أقام أمورهم بأنْ يكون أنبياؤهم يسدِّدون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه، سلَّط اللَّه عليهم أُمماً من الكَفَرة، فغلَبُوهم، وأُخِذَ لهم التابوتُ في بعض الحُرُوب، فذلّ أمرهم.

وقال السُّدِّيُّ: كان الغالبُ لهم «جَالُوتَ» ، وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاِصطلامُ، وذَهَابُ الذِّكْرِ، أَنِفَ بعضُهمْ وتكلَّموا في أمرهم «١» حتى اجتمع ملأهم على أنْ قالوا لنبيِّ الوَقْتِ: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً ...

الآية، وإِنما طلبوا مَلِكاً يقوم بأمر القتَال، وكانت المَمْلَكَة في سِبْطٍ من أسباط بني إِسرائيل يقال لهم: بَنُو يَهُوذا، فعلم النبيُّ بالوحْي، أنه ليس في بيْتِ المَمْلَكَة من يقوم بأمر الحَرْب، ويسَّر اللَّه لذلك طَالُوت، وقرأ جمهور النَّاسِ: «نُقَاتِلْ» بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وأراد النبيُّ المذكور- عليه السلام- أن يتوثَّق منهم، فوقفهم على جهة/ التّقرير، وسبر ما عندهم بقوله: ٦٢ أهَلْ عَسَيْتُمْ، ومعنى هذه المقالةِ، هل أنتم قريبٌ من التولِّي والفرار، إِن كُتِبَ عليكم القِتَالُ.

ص: لِنَبِيٍّ متعلِّق ب قالُوا، واللامُ معناها: التبليغُ.

انتهى.

ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتالَ، تولَّوْا، أي: اضطربت نياتهم، وفَتَرت عزائمهم، إلا قليلاً منهم، وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلَة إِلى الدَّعَة تتمنَّى الحرب أوقاتِ السَّعَة، فإِذا حَضَرت الحَرْب، كَعَّتْ، وعن هذا المعنى نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: «لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدْوِّ، واسألوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فاثبتوا» «٢» .

ثم توعَّد سبحانه الظالمينَ في لَفْظ الخبر بقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.

وقوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ...

الآية: قال وهب بن منبّه «٣» :

وكان طالوتُ رجلاً دبَّاغاً «١» ، وقال السُّدِّيُّ: سَقَّاءً «٢» ، وكان من سِبْط «بِنْيَامِينَ» ، وكان سبطاً لا نبوَّةَ فيه، ولا ملكَ، ثم إِن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وحادُوا عن أمر اللَّه، وجَرَوْا على سَنَنِهِمْ، فقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ، أي: لم يؤت مالاً واسعاً، يجمع به نفوسَ الرجالِ، ويَغْلِبُ به أهْل الأَنَفَةِ.

قال ع «٣» : وترك القَوْمُ السَّببَ الأقوى، وهو قَدَرُ اللَّه وقضاؤُه السَّابقُ، وأنه مالكُ الملكِ فاحتج عليهم نبيُّهم بالحُجَّة القاطعة، وبيَّن لهم مع ذلك تعليلَ اصطفاء طالوتَ ببَسْطَته في العِلْمِ، وهو مِلاَكُ الإِنسان، والجِسْمِ الذي هو مُعِينُهُ في الحرب، وعُدَّتُهُ عند اللقاء، و «اصطفى» : مأخوذٌ من الصَّفْوة، والجمهورُ على أنَّ العلْم في هذه الآية يرادُ به العمومُ في المعارف، وقيل: المرادُ عِلْمُ الحرب، وأما جِسْمُهُ، فقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: إِن أطْولَ رجُلٍ في بني إِسرائيل كان يَبْلُغ مَنْكِبَ طالوت «٤» .

ت: قال أبو عُبَيْد الهَرَوِيُّ: قوله: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، أي:

انبساطا وتوسُّعاً في العلْم، وطولاً وتماماً في الجسم.

انتهى من شرحه لِغَرِيبَيِ القُرآن وأحاديثِ النبيِّ عليه السلام.

ولما علم نبيُّهم- عليه السلام- تعنُّتهم وجدالَهم، تمَّم كلامه بالقَطْع الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيِّهم- عليه السلام-، وذهب بعض المتأوِّلين إِلى أنَّه من قول اللَّه تعالى لمحمّد صلّى الله عليه وسلم، والأول أظهر، وواسِعٌ: معناه: وسعَتْ قدرته، وعلمه كلَّ شيْء، وأما قول النبيّ لهم: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ، فإِن الطبريَّ ذهب إِلى أن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وقالوا لنبيِّهم: وما آية مُلْكِ طالُوتَ؟

وذلك على جهة سؤالِ الدَّلالة على صِدْقه في قوله: إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ.

قال ع: ويحتمل أنَّ نبيَّهم قال لهم ذلك على جهة التغليظِ والتنبيه على هذه النعمة الَّتي قرَنَها بمُلْكِ طَالُوت، دون تكْذيب منْهم لنبيِّهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويلُ الطبريِّ أشبهُ بأخلاقِ بني إِسرائيل الذميمةِ فإنّهم أهل تكذيب وتعنّت واعوجاج.

وقد حكى الطبريُّ معناه عن ابْنِ عَبَّاس وغيره «١» .

واختلف في كيفيَّة إِتيان التابُوتِ، فقال وهب: لما صار التابوتُ عند القومِ الذين غَلَبُوا بني إِسْرَائيل، وضَعُوه في كنيسة لهم فيها أصنامٌ، فكانت الأصنام تُصْبِحُ منكَّسة، فجعلوه في قرية قَوْمٍ، فأصاب أولئك القَوْم/ أوجاعٌ، فقالوا: ما هذا إلّا لهذا التابوت، ٦٢ ب فلنردَّه إِلى بني إِسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً، فجعلوا التابُوتَ علَيْها، وربَطُوها ببقرتَيْن، فأرسلوهما في الأرضِ نَحْو بلادِ بَني إسرائيل، فبعث اللَّه ملائكَةً تَسُوقُ البقرتَيْنِ حتى دخَلَتَا به على بني إِسرائيل، وهم في أمر طَالُوتَ، فأيقنوا بالنَّصْر.

وقال قتادةُ، والربيعُ: كان هذا التابوتُ مما تركه موسى عنْد يُوشَعَ، فجعله يُوشَعُ في البريَّة، ومَرَّتْ علَيْه الدُّهُور حتى جاء وقْتُ طَالُوت، فحملَتْه الملائكةُ في الهَوَاء حتى وضعْته بينهم، فاستوثقت بنو إِسرائيل عند ذلك على طالوت «٢» ، وقيل غير هذا، واللَّه أعلم.

وقوله تعالى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...

الآية: قال ابن عَبَّاس: السكينةُ طَسْتٌ من ذهَبٍ من الجَنَّة «٣» ، وقال مجاهدٌ: السكينة لها رأس كرأس الهِرَّة، وجنَاحَان، وذَنَب «٤» .

وقال عطاءٌ: السكينة ما يعرفونَ من الآياتِ، فيسكنون إِليها «٥» ، وقال قتادة: سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: وقار لكم من ربِّكم «٦» .

قال ع: والصحيحُ أن التابوت كانَتْ فيه أشياء فاضلةٌ من بقايا الأنبياء وآثارهم، تَسْكُن إِلى ذلك النُّفُوس، وتأنس به، ثم قَرَّر تعالى أن مجيء التابوتِ آية لهم، إن كانوا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ﴾ الآَيَةُ: العَلامَةُ، فَمَعْناهُ: عَلامَةُ تَمْلِيكِ اللَّهِ إيّاهُ ﴿ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ ﴾ وهَذا مِن مَجازِ الكَلامِ، لِأنَّ التّابُوتَ يُؤْتى بِهِ، ولا يَأْتِي، ومِثْلُهُ ﴿ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ﴾ وإنَّما جازَ مِثْلُ هَذا، لِزَوالِ اللَّبْسِ فِيهِ، كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ  ﴾ .

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم قالُوا لِنَبِيِّهِمْ: إنْ كُنْتَ صادِقًا، فَأْتِنا بِآَيَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَلِكٌ، فَقالَ لَهم ذَلِكَ.

وقالَ وهْبٌ: خَيَّرَهم، أيُّ آَيَةٍ يُرِيدُونَ، فَقالُوا: أنْ يَرُدَّ عَلَيْنا التّابُوتَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ التّابُوتُ مِن عُودٍ الشِّمِشارِ عَلَيْهِ صَفائِحُ الذَّهَبِ، وكانَ يَكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ إذا حَضَرُوا قِتالًا، قَدَّمُوهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ، وفِيهِ السَّكِينَةُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ نَحْوًا مِن ثَلاثِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ.

قالَ مُقاتِلٌ: فَلَمّا تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، وعَصَوُا الأنْبِياءَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُّوهم، فَغَلَبُوهم عَلَيْهِ.

وفي السَّكِينَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها رِيحٌ هَفّافَةٌ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، رَواهُ أبُو الأحْوَصِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: أنَّها دابَّةٌ بِمِقْدارِ الهِرِّ، لَها عَيْنانِ لَها شُعاعٌ، وكانُوا إذا التَقى الجَمْعانِ، أخْرَجَتْ يَدَها، ونَظَرَتْ إلَيْهِمْ، فَيَهْزِمُ الجَيْشَ مِنَ الرُّعْبِ.

رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: السَّكِينَةُ لَها رَأْسٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ، وجَناحانِ.

والثّالِثُ: أنَّها طَسْتٌ مِن ذَهَبٍ [مِنَ الجَنَّةِ ] تُغْسَلُ فِيهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ.

رَواهُ أبُو مالِكٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها رُوحٌ مِنَ اللهِ تَتَكَلَّمُ، كانُوا إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ، كَلَّمَتْهم وأخْبَرَتْهم بِبَيانِ ما يُرِيدُونَ، رَواهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.

والخامِسُ: أنَّ السَّكِينَةَ ما يَعْرِفُونَ مِنَ الآَياتِ فَيَسْكُنُونَ إلَيْها، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ الزَّجّاجُ، فَقالَ: السَّكِينَةُ: مِنَ السُّكُونِ، فَمَعْناهُ: فِيهِ ما تَسْكُنُونَ إلَيْهِ إذا أتاكم.

والسّادِسُ: أنَّ السَّكِينَةَ مَعْناها هاهُنا: الوَقارُ، رَواهُ مَعْمَرُ عَنْ قَتادَةَ.

والسّابِعُ: أنَّ السَّكِينَةَ: الرَّحْمَةُ.

قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَفِي البَقِيَّةِ تِسْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها رَضاضُ الألْواحِ الَّتِي تَكَسَّرَتْ حِينَ ألْقاها مُوسى وعَصاهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها رُضاضُ الألْواحِ.

قالَهُ عِكْرِمَةُ، ولَمْ يَذْكُرِ العَصا.

وقِيلَ: إنَّما اتَّخَذَ مُوسى التّابُوتَ لِيَجْمَعَ رُضاضَ الألْواحِ فِيهِ.

والثّالِثُ: أنَّها عَصا مُوسى، والسَّكِينَةُ، قالَهُ وهْبٌ.

والرّابِعُ: عَصا مُوسى، وعَصا هارُونَ، وثِيابُهُما، ولَوْحانِ مِنَ التَّوْراةِ، والمَنُّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والخامِسُ: أنَّ البَقِيَّةَ العِلْمُ والتَّوْراةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.

والسّادِسُ: أنَّها رُضاضُ الألْواحِ، وقَفِيزٌ مِن مَنٍّ في طَسْتٍ مِن ذَهَبٍ، وعَصا مُوسى وعِمامَتِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والسّابِعُ أنَّهُ قَفِيزٌ مِن مَنٍّ ورَضاضٍ الألْواحُ، حَكاهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ.

والثّامِنُ: أنَّها عَصا مُوسى والنَّعْلانِ.

ذَكَرَهُ الثَّوْرِيُّ أيْضًا عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ.

والتّاسِعُ: أنَّ المُرادَ بِالبَقِيَّةِ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبِذَلِكَ أمَرُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والمُرادُ بِآَلِ مُوسى، وآَلِ هارُونَ: مُوسى وهارُونُ.

وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا تَبْكِ مَيِّتًا بَعْدَ مَيِّتٍ أحِبَّةٌ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآَلُ أبِي بَكْرٍ يُرِيدُ: أبا بَكْرٍ نَفْسَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "تَحْمِلُهُ" بِالتّاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ بِالياءِ.

وفي المَكانِ الَّذِي حَمَلَتْهُ مِنهُ المَلائِكَةُ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مَرْفُوعًا مَعَ المَلائِكَةِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، مُنْذُ خَرَجَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ في الأرْضِ.

وَفِي أيِّ: مَكانٍ كانَ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في أيْدِي العَمالِقَةِ قَدْ دَفَنُوهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخَذَ التّابُوتَ قَوْمُ جالُوتَ، فَدَفَنُوهُ في مُتَبَرَّزٍ لَهم، فَأخَذَهُ الباسُورُ فَهَلَكُوا، ثُمَّ أخَذَهُ أهْلُ مَدِينَةٍ أُخْرى، فَأخَذَهم بَلاءٌ، فَهَلَكُوا، ثُمَّ أخَذَهُ غَيْرُهم كَذَلِكَ، حَتّى هَلَكَتْ خَمْسُ مَدائِنَ، فَأخْرَجُوهُ عَلى بَقْرَتَيْنِ، ووَجَّهُوهُما إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَساقَتْهُما المَلائِكَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ في بَرِّيَّةِ التِّيهِ، خَلَّفَهُ فِيها يُوشِعُ، ولَمْ يَعْلَمُوا بِمَكانِهِ حَتّى جاءَتْ بِهِ المَلائِكَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي كَيْفِيَّةِ مَجِيءِ المَلائِكَةِ بِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها جاءَتْ بِهِ بِأنْفُسِها، قالَ وهْبٌ: قالُوا لِنَبِيِّهِمُ: اجْعَلْ لَنا وقْتًا يَأْتِينا فِيهِ، فَقالَ: الصُّبْحُ، فَلَمْ يَنامُوا لَيْلَتَهم، ووافَتْ بِهِ المَلائِكَةُ مَعَ الفَجْرِ، فَسَمِعُوا حَفِيفَ المَلائِكَةِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.

والثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ جاءَتْ بِهِ عَلى عَجَلَةٍ وثَوْرَيْنِ، ذُكِرَ عَنْ وهْبٍ أيْضًا.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: يَكُونُ مَعْنى تَحْمِلُهُ: تُقِلُّهُ.

وعَلى الثّانِي: يَكُونُ مَعْنى حَمَلَها إيّاهُ: تَسَبَّبَها في حَمْلِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ في اللُّغَةِ أنْ يُقالَ: حَمَلْتُ الشَّيْءَ إذا كُنْتُ سَبَبًا في حَمْلِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ ﴾ أيْ: عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلى تَمْلِيكِ طالُوتَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا جاءَهُمُ التّابُوتُ وأقَرُّوا لَهُ بِالمُلْكِ، تَأهَّبَ لِلْخُرُوجِ، فَأسْرَعُوا في طاعَتِهِ، وخَرَجُوا مَعَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ  ﴾ ﴿ وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التابُوتُ ﴾ .

لَمّا عَلِمَ نَبِيُّهم عَلَيْهِ السَلامُ تَعَنُّتَهم وجِدالَهم في الحُجَجِ تَمَّمَ كَلامَهُ بِالقَطْعِيِّ الَّذِي لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ واللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ  ﴾ .

وظاهِرُ اللَفْظِ أنَّهُ مِن قَوْلِ النَبِيِّ لَهُمْ، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّهُ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وأُضِيفَ مُلْكُ الدُنْيا إلى اللهِ تَعالى إضافَةَ مَمْلُوكٍ إلى مالِكٍ، و"واسِعٌ" مَعْناهُ: وسِعَتْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

وأمّا قَوْلُ النَبِيِّ لَهُمْ: "إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ" فَإنَّ الطَبَرِيَّ ذَهَبَ إلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَعَنَّتُوا، وقالُوا لِنَبِيِّهِمْ: وما آيَةُ مُلْكِ طالُوتَ؟

وذَلِكَ عَلى جِهَةِ سُؤالِ الدَلالَةِ عَلى صِدْقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنَّ نَبِيَّهم قالَ لَهم ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَغْبِيطِ والتَنْبِيهِ عَلى هَذِهِ النِعْمَةِ الَّتِي قَرَنَها اللهُ بِمُلْكِ طالُوتَ، وجَعَلَها آيَةً لَهُ دُونَ أنْ تُعْنَ بَنُو إسْرائِيلَ لِتَكْذِيبِ نَبِيِّهِمْ، وهَذا عِنْدِي أظْهَرُ مِن لَفْظِ الآيَةِ، وتَأْوِيلُ الطَبَرِيِّ أشْبَهُ بِأخْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ الذَمِيمَةِ، فَإنَّهم أهْلُ تَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ واعْوِجاجٍ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ والسُدِّيِّ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ إتْيانِ التابُوتِ، وكَيْفَ كانَ بَدْءُ أمْرِهِ.

فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ التابُوتُ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ يَغْلِبُونَ بِهِ مَن قاتَلَهم حَتّى عَصَوْا فَغُلِبُوا عَلى التابُوتِ، وصارَ التابُوتُ عِنْدَ القَوْمِ الَّذِينَ غَلَبُوا فَوَضَعُوهُ في كَنِيسَةٍ لَهم فِيها أصْنامٌ، فَكانَتِ الأصْنامُ تُصْبِحُ مُنَكَّسَةً، فَجَعَلُوهُ في قَرْيَةِ قَوْمٍ فَأصابَ أُولَئِكَ القَوْمَ أوجاعٌ في أعْناقِهِمْ.

وقِيلَ: جُعِلَ في مَخْرَأةِ قَوْمٍ، فَكانُوا يُصِيبُهُمُ الناسُورُ، فَلَمّا عَظُمَ بَلاؤُهم كَيْفَ كانَ قالُوا: ما هَذا إلّا لِهَذا التابُوتِ فَلْنَرُدَّهُ إلى بِلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذُوا عَجَلَةً فَجَعَلُوا التابُوتَ عَلَيْها، ورَبَطُوها بِبَقَرَتَيْنِ فَأرْسَلُوهُما في الأرْضِ نَحْوَ بِلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَبَعَثَ اللهُ مَلائِكَةً تَسُوقُ البَقَرَتَيْنِ حَتّى دَخَلَتا بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وهم في أمْرِ طالُوتَ فَأيْقَنُوا بِالنَصْرِ، وهَذا هو حَمْلُ المَلائِكَةِ لِلتّابُوتِ في هَذِهِ الرِوايَةِ.

وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ: بَلْ كانَ هَذا التابُوتُ مِمّا تَرَكَهُ مُوسى عِنْدَ يُوشَعِ بْنِ نُونَ، فَجَعَلَهُ يُوشَعُ في البَرِّيَّةِ، ومَرَّتْ عَلَيْهِ الدُهُورُ حَتّى جاءَ وقْتُ طالُوتَ، وكانَ أمْرُ التابُوتِ مَشْهُورًا عِنْدَهم في تَرِكَةِ مُوسى، فَجَعَلَ اللهُ الإتْيانَ بِهِ آيَةً لِمُلْكِ طالُوتَ، وبَعَثَ اللهُ مَلائِكَةً حَمَلَتْهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ.

فَيُرْوى أنَّهم رَأوُا التابُوتَ في الهَواءِ يَأْتِي حَتّى نَزَلَ بَيْنَهُمْ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ جاءَتْ بِهِ تَحْمِلُهُ حَتّى جَعَلَتْهُ في دارِ طالُوتَ، فاسْتَوْسَقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ عَلى طالُوتَ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ قَدْرُ التابُوتِ نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: "التابُوهُ" وهي لُغَتُهُ، والناسُ عَلى قِراءَتِهِ بِالتاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَثُرَ الرُواةُ في قِصَصِ التابُوتِ وصُورَةِ حَمْلِهِ بِما لَمْ أرَ لِإثْباتِهِ وجْهًا لِلِينِ إسْنادِهِ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنَّ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: السَكِينَةُ رِيحٌ هَفّافَةٌ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: هي رِيحٌ خَجُوجٌ، ولَها رَأْسانِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: السَكِينَةُ لَها رَأْسٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ، وجَناحانِ وذَنَبٌ.

وقالَ: أقْبَلَتِ السَكِينَةُ والصَرَدُ وجِبْرِيلُ مَعَ إبْراهِيمَ مِنَ الشامِ- وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عن بَعْضِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ: السَكِينَةُ: رَأْسُ هِرَّةٍ مَيِّتَةٍ كانَتْ إذا صَرَخَتْ في التابُوتِ بِصُراخِ الهِرِّ أيْقَنُوا بِالنَصْرِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَكِينَةُ: طَسْتٌ مِن ذَهَبٍ مِنَ الجَنَّةِ، كانَ يُغْسَلُ فِيهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ، وقالَهُ السُدِّيُّ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: السَكِينَةُ رُوحٌ مِنَ اللهِ يَتَكَلَّمُ إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ أخْبَرَهم بِبَيانِ ما يُرِيدُونَ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: السَكِينَةُ: ما يَعْرِفُونَ مِنَ الآياتِ فَيَسْكُنُونَ إلَيْها.

وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ﴿ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ: رَحْمَةٌ مِن رَبِّكم.

وقالَ قَتادَةُ: ﴿ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ: وقارٌ لَكم مِن رَبِّكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ أنَّ التابُوتَ كانَتْ فِيهِ أشْياءٌ فاضِلَةٌ مِن بَقايا الأنْبِياءِ وآثارِهِمْ، فَكانَتِ النُفُوسُ تَسْكُنُ إلى ذَلِكَ، وتَأْنَسُ بِهِ وتَقْوى، فالمَعْهُودُ أنَّ اللهَ يَنْصُرُ الحَقَّ والأُمُورَ الفاضِلَةَ عِنْدَهُ، والسَكِينَةُ عَلى هَذا: فَعِيلَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُكُونِ، كَما يُقالُ: عَزَمَ عَزِيمَةً، وقَطَعَ قَطِيعَةً.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في البَقِيَّةِ- ما هِيَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي عَصا مُوسى ورُضاضُ الألْواحِ.

وقالَ الرَبِيعُ: هي عَصا مُوسى وأُمُورٌ مِنَ التَوْراةِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: هي التَوْراةُ والعَصا ورُضاضُ الألْواحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ قَوْمَهُ بِالألْواحِ فَوَجَدَهم قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ ألْقى الألْواحَ غَضَبًا فَتَكَسَّرَتْ، فَنَزَعَ مِنها ما بَقِيَ صَحِيحًا، وأخَذَ رُضاضَ ما تَكَسَّرَ فَجَعَلَ في التابُوتِ.

وقالَ أبُو صالِحٍ: البَقِيَّةُ عَصا مُوسى وعَصا هارُونَ، ولَوْحانِ مِنَ التَوْراةِ، والمَنُّ، وقالَ عَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ: هي عَصا مُوسى، وعَصا هارُونَ وثِيابُهُما ورُضاضُ الألْواحِ.

وقالَ الثَوْرِيُّ: مِنَ الناسِ مَن يَقُولُ: البَقِيَّةُ قَفِيزُ مَنٍّ، ورُضاضُ الألْواحِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: العَصا والنَعْلانِ.

وقالَ الضَحّاكُ: البَقِيَّةُ: الجِهادُ وقِتالُ الأعْداءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أيِ الأمْرُ بِذَلِكَ في التابُوتِ، إمّا أنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهِ، وإمّا أنَّ نَفْسَ الإتْيانِ بِهِ هو كالأمْرِ بِذَلِكَ، وأُسْنِدَ التَرْكُ إلى آلِ مُوسى وهارُونَ مِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ مُنْدَرِجًا مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، وكُلُّهم آلٌ لِمُوسى وهارُونَ.

وآلُ الرَجُلِ قَرابَتُهُ وأتْباعُهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: حَمْلُ المَلائِكَةِ هو سَوْقُها التابُوتَ دُونَ شَيْءٍ يَحْمِلُهُ سِواها حَتّى وضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ بَنِي إسْرائِيلَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ- وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ والثَوْرِيُّ- عن بَعْضِ أشْياخِهِمْ-: حَمْلُها إيّاهُ هو سَوْقُها الثَوْرَيْنِ أوِ البَقَرَتَيْنِ اللَتَيْنِ جَرَّتا العَجَلَةَ، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى أنَّ مَجِيءَ التابُوتِ آيَةٌ لَهم إنْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ ويُبْصِرُ بِعَيْنِ حَقِيقَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أراد نبيئهم أن يتحداهم بمعجزة تدل على أن الله تعالى اختار لهم شاوول ملكاً، فجعل لهم آية تدل على ذلك وهي أن يأتيهم التابوت، أي تابوت العهد، بعد أن كان في يد الفلسطينيين كما تقدم، وهذا إشارة إلى قصة تيسير الله تعالى إرجاع التابوت إلى بني إسرائيل بدون قتال، وذلك أن الفلسطينيين أرجعوا التابوت إلى بني إسرائيل في قصة ذكرت في سفر صمويل، حاصلها أن التابوت بقي سبعة أشهر في بلاد فلسطين موضوعاً في بيت صنمهم داجون ورأى الفلسطينيون آيات من سقوط صنمهم على وجهه، وانكسار يديه ورأسه، وإصابتهم بالبواسير في أشدود وتخومها، وسلطت عليهم الجرذان تفسد الزروع، فلما رأوا ذلك استشاروا الكهنة، فأشاروا عليهم بإلهام من الله بإرجاعه إلى إسرائيل لأن إله إسرائيل قد غضب لتابوته وأن يرجعوه مصحوباً بهدية: صورة خمس بواسير من ذهب، وصورة خمس فيران من ذهب، على عدد مدن الفلسطينيين العظيمة: أشدود، وغزة، واشقلون، وجت، وعفرون.

ويوضع التابوت على عجلة جديدة تجرها بقرتان ومعه صندوق به التماثيل الذهبية، ويطلقون البقرتين تذهبان بإلهام إلى أرض إسرائيل، ففعلوا واهتدت البقرتان إلى أن بلغ التابوت والصندوق إلى يد اللاويين في تخم بيت شمس، هكذا وقع في سفر صمويل غير أن ظاهر سياقه أن رجوع التابوت إليهم كان قبل تمليك شاوول، وصريح القرآن يخالف ذلك، ويمكن تأويل كلام السفر بما يوافق هذا بأن تحمل الحوادث على غير ترتيبها في الذكر، وهو كثير في كتابهم.

والذي يظهر لي أن الفلسطينيين لما علموا اتحاد الإسرائيليين تحت ملك علموا أنهم ما أجمعوا أمرهم إلاّ لقصد أخذ الثأر من أعدائهم وتخليص تابوت العهد من أيديهم، فدبروا أن يظهروا إرجاع التابوت بسبب آيات شاهدوها، ظناً منهم أن حدة بني إسرائيل تفل إذا أرجع إليهم التابوت بالكيفية المذكورة آنفاً، ولا يمكن أن يكون هذا الرعب حصل لهم قبل تمليك شاول، وابتداء ظهور الانتصار به.

والتابوت اسم عجمي معرب فوزنه فاعول، وهذا الوزن قليل في الأسماء العربية، فيدل على أن ما كان على وزنه إنما هو معرب مثل ناقوس وناموس، واستظهر الزمخشري أن وزنه فعلول بتحريك العين لقلة الأسماء التي فاؤها ولامها حرفان متحدان: مثل سلس وقلق، ومن أجل هذا أثبته الجوهري في مادة توب لا في تبت.

والتابوت بمعنى الصندوق المستطيل: وهو صندوق أمر موسى عليه السلام بصنعه صنعه بصلئيل الملهم في صناعة الذهب والفضة والنحاس ونجارة الخشب، فصنعه من خشب السنط وهو شجرة من صنف القرظ وجعل طوله ذراعين ونصفاً وعرضه ذراعاً ونصفاً وارتفاعه ذراعاً ونصفاً، وغشاه بذهب من داخل ومن خارج، وصنع له إكليلاً من ذهب، وسبك له أربع حلق من ذهب على قوائمه الأربع، وجعل له عصوين من خشب مغشاتين بذهب لتدخل في الحلقات لحمل التابوت، وجعل غطاءه من ذهب، وجعل على طريق الغطاء صورة تخيل بها اثنين من الملائكة من ذهب باسطين أجنحتهما فوق الغطاء، وأمر الله موسى أن يضع في هذا التابوت لوحي الشهادة اللذين أعطاه الله إياهما وهي الألواح التي ذكرها الله في قوله: ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح ﴾ [الأعراف: 154].

والسكينة فعيلة بمعنى الاطمئنان والهدوء، وفي حديث السعي إلى الصلاة «عليكم بالسكينة» وذلك أن من بركة التابوت أنه إذا كان بينهم في حرب أو سلم كانت نفوسهم واثقة بحسن المنقلب، وفيه أيضاً كتب موسى عليه السلام، وهي مما تسكن لرؤيتها نفوس الأمة وتطمئن لأحكامها، فالظرفية على الأول مجازية، وعلى الثاني حقيقية، وورد في حديث أسيد بن حضير إطلاق السكينة على شيء شبه الغمام ينزل من السماء عند قراءة القرآن، فلعلها ملائكة يسمون بالسكينة.

والبقية في الأصل ما يفضل من شيء بعد انقضاء معظمه، وقد بينت هنا بأنها مما ترك آل موسى وآل هارون، وهي بقايا من آثار الألواح، ومن الثياب التي ألبسها موسى أخاه هارون، حين جعله الكاهن لبني إسرائيل، والحافظ لأمور الدين، وشعائر العبادة قيل: ومن ذلك عصا موسى.

ويجوز أن تكون البقية مجازاً عن النفيس من الأشياء؛ لأن الناس إنما يحافظون، على النفائس فتبقى كما قال النابغة: بَقِيَّةٌ قدْر من قُدور تُوُورِثَتْ *** لآل الجُلاح كابرا بعد كابر وقد فسر بهذا المعنى قول رويشد الطائي: إنْ تُذنبوا ثم تأتيني بقيتكم *** فما عليَّ بذنب منكمُ فَوْت أي تأتيني الجماعة الذين ترجعون إليهم في مهامكم، وقريب منه إطلاق التليد على القديم من المال الموروث.

والمراد من آل موسى وآل هارون أهل بيتهما من أبناء هارون؛ فإنهم عصبة موسى؛ لأن موسى لم يترك أولاداً، أو ما تركه آلهما هو آثارهما، فيئول إلى معنى ما ترك موسى وهارون وآلهما، أو أراد مما ترك موسى وهارون فلفظ آل مقحم كما في قوله ﴿ ادخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ [غافر: 46].

وهارون هو أخو موسى عليهما السلام وهو هارون بن عمران من سبط لاوي ولد قبل أن يأمر فرعون بقتل أطفال بني إسرائيل وهو أكبر من موسى، ولما كلم الله موسى بالرسالة أعلمه بأنه سيشرك معه أخاه هارون فيكون كالوزير له، وأوحى إلى هارون أيضاً، وكان موسى هو الرسول الأعظم، وكان معظم وحي الله إلى هارون على لسان موسى، وقد جعل الله هارون أول كاهن لبني إسرائيل لما أقام لهم خدمة خيمة العبادة، وجعل الكهانة في نسله، فهم يختصون بأحكام لا تشاركهم فيها بقية الأمة، منها تحريم الخمر على الكاهن، ومات هارون سنة ثمان أو سبع وخمسين وأربعمائة وألف قبل المسيح، في جبل هور على تخوم أرض أدوم في مدة التيه في السنة الثالثة من الخروج من مصر.

وقوله: ﴿ تحمله الملائكة ﴾ حال من (التابوت)، والحمل هنا هو الترحيل كما في قوله تعالى: ﴿ قلت لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ [التوبة: 92] لأن الراحلة تحمل راكبها؛ ولذلك تسمى حمولة وفي حديث غزوة خيبر: «وكانت الحمر حمولتهم» وقال النابغة: يُخَال به راعي الحَمُولة طَائرا *** فمعنى حمل الملائكة التابوت هو تسييرهم بإذن الله البقرتين السائرتين بالعجلة التي عليها التابوت إلى محلة بني إسرائيل، من غير أن يسبق لهما إلف بالسير إلى تلك الجهة، هذا هو الملاقى لما في كتب بني إسرائيل.

وقوله: ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ الإشارة إلى جميع الحالة أي في رجوع التابوت من يد أعدائكم إليكم، بدون قتال، وفيما يشتمل عليه التابوت من آثار موسى عليه السلام، وفي مجيئه من غير سائق ولا إلف سابق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ﴾ أيْ عَلامَةُ مُلْكِهِ ﴿ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ قَدْرُ التّابُوتِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ.

﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ وفي السَّكِينَةِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: رِيحٌ هَفّافَةٌ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّها طَسْتٌ مِن ذَهَبٍ مِنَ الجَنَّةِ كانَ يُغْسَلُ فِيهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها رُوحٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَتَكَلَّمُ، وهَذا قَوْلُ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.

والرّابِعُ: أنَّها ما يُعْرَفُ مِنَ الآياتِ فَيَسْكُنُونَ إلَيْها، وهَذا قَوْلُ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ.

والخامِسُ: أنَّها الرَّحْمَةُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والسّادِسُ: أنَّها الوَقارُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ البَقِيَّةَ عَصا مُوسى ورُضاضُ الألْواحِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها العِلْمُ والتَّوْراةُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والثّالِثُ: أنَّها الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: أنَّها التَّوْراةُ وشَيْءٌ مِن ثِيابِ مُوسى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ ﴾ قالَ الحَسَنُ: تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، تَرَوْنَهُ عِيانًا، ويَقُولُونَ: إنَّ آدَمَ نَزَلَ بِالتّابُوتِ، وبِالرُّكْنِ.

واخْتَلَفُوا أيْنَ كانَ قَبْلَ أنْ يُرَدَّ إلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبٌ كانَ في أيْدِي العَمالِقَةِ، غَلَبُوا عَلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ قَتادَةُ كانَ في بَرِيَّةِ التِّيهِ، خَلَّفَهُ هُناكَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: وبَلَغَنِي أنَّ التّابُوتَ وعَصا مُوسى وبُحَيْرَةَ الطَّبَرِيَةِ، وأنَّهُما يَخْرُجانِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر من طريق الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: أمرني عثمان بن عفان أن أكتب له مصحفاً فقال: إني جاعل معك رجلاً لسناً فصيحاً، فما اجتمعتما عليه فاكتباه وما اختلفتما فيه فارفعا إليّ.

قال زيد: فقلت أنا: التابوه.

وقال أبان بن سعيد: التابوت.

فرفعاه إلى عثمان فقال: التابوت، فكتبت.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمرو بن دينار.

أن عثمان بن عفان أمر فتيان المهاجرين والأنصار أن يكتبوا المصاحف، قال: فما اخلفتم فيه فاجعلوه بلسان قريش.

فقال المهاجرون: التابوت.

وقال الأنصار: التابوه.

فقال عثمان: اكتبوه بلغة المهاجرين.

التابوت.

وأخرج ابن سعد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن حبان والبيهقي في سننه من طريق الزهري عن أنس بن مالك.

أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في قرى أرمينية واذربيجان مع أهل العراق، فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن ارسلي إلي بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصحف، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعبد الله بن الزبير: أن انسخوا الصحف في المصاحف، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانها.

قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه.

فقال النفر القرشيون: التابوت.

وقال زيد: التابوه.

فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوا التابوت، فإنه بلسان قريش نزل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه.

أنه سئل عن تابوت موسى ما سعته؟

قال: نحو من ثلاثة أذرع في ذراعين.

أما قوله تعالى: ﴿ فيه سكينة من ربكم ﴾ .

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السكينة الرحمة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: السكينة الطمأنينة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السكينة دابة قدر الهر لها عينان لهما شعاع، وكان إذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليهم، فيهزم الجيش من الرعب.

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه من لا يعرف من طريق خالد بن عرعرة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السكينة ريح خجوج» .

وأخرج ابن جرير من طريق خالد بن عرعرة عن علي قال: السكينة ريح خجوج ولها رأسان.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن عساكر والبيهقي في الدلائل من طريق أبي الأحوص عن علي قال: السكينة لها وجه كوجه الإِنسان، ثم هي بعد ريح هفافة.

وأخرج سفيان بن عيينة وابن جرير من طريق سلمة بن كهيل عن علي في قوله: ﴿ فيه سكينة من ربكم ﴾ قال: ريح هفافة، لها صورة ولها وجه كوجه الإِنسان.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعد بن مسعود الصدفي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مجلس، فرفع نظره إلى السماء ثم طأطأ نظره، ثم رفعه فسئل عن ذلك؟

فقال: إن هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله- يعني أهل مجلس أمامه- فنزلت عليهم السكينة تحملها الملائكة كالقبة، فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل فرفعت عنهم» .

وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: السكينة من الله كهيئة الريح، لها وجه كوجه الهر وجناحان وذنب مثل ذنب الهر.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طريق أبي مالك عن ابن عباس ﴿ فيه سكينة من ربكم ﴾ قال: طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيها قلوب الأنبياء، ألقى موسى فيها الألواح.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه.

أنه سئل عن السكينة؟

فقال: روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم، فأخبرهم ببيان ما يريدون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فيه سكينة ﴾ قال: فيه شيء تسكن إليه قلوبهم، يعني ما يعرفون من الآيات يسكنون إليه.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ﴿ فيه سكينة ﴾ أي وقار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وبقية مما ترك آل موسى ﴾ قال: عصاه، ورضاض الألواح.

وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان في التابوت عصا موسى، وعصا هرون، وثياب موسى، وثياب هرون، ولوحان من التوراة، والمن، وكلمة الفرج لا إله إلا الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.

وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: البقية رضاض الألواح، وعصا موسى، وعمامة هرون، وقباء هرون الذي كان فيه علامات الأسباط، وكان فيه طست من ذهب فيه صاع من منّ الجنة، وكان يفطر عليه يعقوب.

أما السكينة فكانت مثل رأس هرة من زبرجدة خضراء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ تحمله الملائكة ﴾ قال: أقبلت به الملائكة تحمله حتى وضعته في بيت طالوت، فأصبح في داره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ قال: علامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ﴾ قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتًا فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، فكان في بنى إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكَلَّم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العَمَالقة، فغلبوهم على التابوت، وسلبوه فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت دعا النبي ربه، فنزل بالقوم الذين غلبوا (بنى إسرائيل على التابوت) (١) (٢) (٣) ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ﴾ الآية (٤) والإتيان على هذا مجاز لأنه أُتِيَ به ولم يأت هو، فنسبَ الإتيان إليه توسعًا، كما يقال: ربحت الدراهم، وخسرت التجارة، وعزم الأمر.

وقال آخرون: إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران، بل كان يسير بقدرة الله عز وجل، بلا حامل يحمله، ولا جارٍّ يجره، وهم ينظرون إليه، والملائكة تحفظه وترعاه، حتى وضع عند طالوت، وهذا قول ابن عباس، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت.

وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعًا؛ لأن من حفظ شيئًا في الطريق ورعاه جاز أن يوصف بحمل ذلك الشيء وإن لم يحمله، كما يقول القائل: حملت الأمتعة إلى زيد، إذا رعاها وحفظها في الطريق، وإن كان الحامل غيره، وتقول: حملت متاعي إلى مكة، ومعناه: كنت سببًا لحمله (٥) وقوله تعالى: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قال وَهْبٌ: السكينة: روح من الله يتكلم، وكانوا إذا اختلفوا في أمر نطق ببيان ما يريدون (٦) وقال قتادة (٧) (٨) وهذا اختيار الزجاج.

قال: أي: فيه ما تسكنون به إذا أتاكم (٩) والسكينة: مصدر وقع موقع الاسم، نحو القضية والعزيمة، وهذا معنى قول الحسن، قال: جعل الله لهم في التابوت سكينةً لا يفرُّون عنه أبدًا وتطمئن قلوبهم (١٠) وجاء في التفسير: أن السكينة لها رأس كرأس الهرة من زبرجد وياقوت، ولها جناحان (١١) وقال مقاتل: كان فيه رأس كرأس الهرة إذا صاح كان الظفرُ لبني إسرائيل (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ﴾ والبقية: مصدَرٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الاسم، مثل: السكينة ونحوها، فيقال للباقي: بقية، وجمعها: بقايا (١٣) قال المفسرون: البقية التي كانت في التابوت: لوحان من التوراة، ورضُاض الألواح التي تكسَّرت لما ألقى موسى الألواحَ، وقفيزٌ من المن الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى، وعمامة هارون، وعصاه، وعصى موسى، وطست من ذهب، قيل: كان يغسل فيه (١٤) (١٥) وأراد بآل موسى وآل هارون: موسى وهارون نفسهما، والعرب نقول: آل فلان، لو تريد نفسه (١٦) بثينة (١٧) (١٨) وعلى هذا يتأول قوله  لأبي موسى: "لقد أُوتيَ هذا مِزمارًا من مزامير آل داود (١٩) أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي، أخبرنا أحمد بن محمد الفقيه، أخبرني أبو رجاء الغنوي، قال: حدثنا أبي، قال حدثنا ابن عمر بن شبه، قال: سمعت أبا عبيدة وسأله رجلٌ عن رجل أوصى لآل فلان: ألفلان نفسه المسمى من هذا شيء؟

قال: نعم، قال الله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، ففرعون أوَّلُهم، وأنشد: ولا تبكِ مَيْتًا بعد ميت أجنة ...

علي وعباس وآل أبي بكْرِ (٢٠) يريد: أبا بكر نفسه، وآل الرجل في اللغة: شخصه (٢١) ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ ﴾ أي: في رجوع التابوت إليكم علامة أنَّ الله قد ملَّكَ طالوت عليكم ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: مصدقين (٢٢) قيل: إنهم كفروا بتكذيبهم نبيَّهُم في تمليك طالوت، ولذلك لم يَصْبر عن الماء - لَمَّا ابتلاهم اللهُ بالنهر إلا القليل منهم، وهم الذين أطاعوا ولم يكذبوا، فعلى هذا قوله: (إن كنتم مؤمنين) أي: مصدقين بتمليك طالوت إذ عاد إليكم التابوت (٢٣) وقيل: أراد ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ كما تزعمون (٢٤) ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، أي: من كان مؤمنًا توكل، وكما تقول: إن كنت أخي فأكرمني، لم يدخل الشرط للشك في الأخوة، ولكن توكيدًا للإكرام، ومثله في القرآن كثير.

(١) ساقط من (ي).

(٢) في (ي) (فوضعوه) وفي (م) (قضعوه) (٣) في (ي) (يسوقونها).

(٤) تنظر القصة بطولها في: "تفسير الطبري" 2/ 607 - 608، "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 469، "تفسير الثعلبي" 2/ 1358 - 1362، "تفسير البغوي" 1/ 298 - 299، "البحر المحيط" 2/ 261.

(٥) قال أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 261: وقد كثر القصص في هذا التابوت والاختلاف في أمره، والذي يظهر أنه تابوت معروف حاله عند بني إسرائيل كانوا قد فقدوه، وهو مشتمل على ما ذكره الله تعالى مما أبهم حاله، ولم ينص على تعيين ما فيه.

(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 100، والطبري في "تفسيره" 2/ 612، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 469.

(٧) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 613، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 470.

(٨) ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 1219، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1356.

(٩) في "معاني القرآن" 1/ 329.

(١٠) قريب منه عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 469.

(١١) بنحوه عن مجاهد في "تفسيره" 1/ 114، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 101، والطبري في "تفسيره" 2/ 611 - 612، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 469.

(١٢) "تفسير مقاتل" 1/ 206، وأخرج نحوه الطبري في "تفسيره" 2/ 612، عن وهب بن منبه عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل.

(١٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1356، "المفردات" ص 67، "لسان العرب" 1/ 330 - 331 (مادة: بقي).

(١٤) في (ي): (فيها).

(١٥) تنظر الآثار في ذلك: عند سعيد بن منصور في "سننه" 3/ 948، والطبري في "تفسيره" 2/ 613 - 615، وابن أبي حاتم 2/ 470 - 471، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1357.

(١٦) "تفسير الثعلبي" 2/ 1356، "لسان العرب" 1/ 174 - 175 (مادة آل).

(١٧) هو جميل بن عبد الله بن معمر الحذري، أبو عمر، شاعر أموي من أشهر شعراء الغزل، صاحب بثينة، وكان قد خطبها فمنعت منه، فتغزل بها، واشتهر.

وكان عفيفًا حييًا دينًا، توفي سنة 82، وقيل: بعد ذلك.

ينظر "الشعر والشعراء" 282، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 181 (١٨) البيت عزاه إلى جميل، الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1356، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 262، وليس في "ديوان جميل"، وعزاه ابن جني في "الخصائص" 3/ 27 إلى كثيِّر، ولذا ألحقه د/ إحسان عباس بـ"ديوان كثير" ص 343، والبيت ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 270، وابن فارس في "الصاحبي" ص 258.

ينظر تحقيق "تفسير الثعلبي" 2/ 1357.

(١٩) أخرجه البخاري (5048) كتاب: فضائل القرآن، باب: حُسْن الصوت بالقراءة بالقرآن، ومسلم (793) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن، من حديث أبي موسى الأشعري.

(٢٠) البيت من الطويل، وهو لابن أراكة الثقفي في: "المؤتلف والمختلف" ص 53.

(٢١) ينظر "البحر المحيط" 2/ 262.

(٢٢) "تفسير الطبري" 2/ 617، وبنحوه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 330.

(٢٣) "تفسير الطبري" 2/ 617، "البحر المحيط" 2/ 263.

(٢٤) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 263.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت ﴾ كان هذا التابوت قد تركه موسى عند يوشع فجعله يوشع في البرية، فبعث الله ملائكة حملته فجعلته في دار طالوت، وفيه قصص كثيرة غير ثابته ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ ﴾ قيل رمح فيه رأس ووجه كوجه الإنسان، وقيل طست من ذهب تغسل فيه قلوب الأنبياء وقيل رحمة، وقيل وقار ﴿ وَبَقِيَّةٌ ﴾ قال ابن عباس: هي عصا موسى ورضاض الألواح، وقيل: العصا والنعلان وقيل: ألواح من التوراة ﴿ آلُ موسى وَآلُ هارون ﴾ يعني: أقاربهما، قال الزمخشري: يعني الأنبياء من بني إسرائيل، ويحتمل أن يريد موسى وهارون، وأقحم الأهل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عسيتم ﴾ بكسر السين حيث كان نافع.

الباقون بالفتح.

وزاده بالإمالة: حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان.

﴿ بصطه ﴾ بالصاد: أبو نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك ﴿ بباصط  ﴾ ﴿ الله يبسط  ﴾ ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ فما اسطاعوا  ﴾ وما أشبه ذلك ﴿ مني إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون.

﴿ غرفة ﴾ بفتح العين: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالضم ﴿ هو والذين ﴾ بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ﴿ فئة ومئة ﴾ وبابهما غير مهموزتين: يزيد وشموني وحمزة في الوقف ﴿ دفاع الله ﴾ وكذلك في سورة الحج: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ دفع الله ﴾ .

الوقوف: ﴿ من بعد موسى ﴾ م لأنه لو وصل صار "إذ" ظرفاً لقوله "ألم تر" وهو محال ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ ط ﴿ وأبنائنا ﴾ ط ﴿ تعظيماً ﴾ لابتداء أمر معظم ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ ملكاً ﴾ ط ﴿ من المال ﴾ ط ﴿ والجسم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الملائكة ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بالجنود ﴾ لا لأن "قال" جواب لما ﴿ بنهر ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فليس مني ﴾ ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود ﴿ بيده ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ منهم ﴾ ط تعظيماً لابتداء أمر معظم ﴿ معه ﴾ (لا) لأن "قالوا" جواب لما ﴿ وجنوده ﴾ ط ﴿ ملاقو الله ﴾ (لا) لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على "بإذن الله" لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت ﴿ مما يشاء ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثانية قصة طالوت، والملأ اسم جماعة من الناس كالقوم والرهط لأنهم يملؤن العيون هيبةً، أو لأنهم ملأى بالأحلام والآراء الصائبة وجمعه أملاء.

قال: وقال لها الأملاء من كل معشر.

وخير أقاويل الرجال سديدها.

قال الزجاج: الملأ الرؤساء سموا بذلك لأنهم ملؤا بما يحتج إليه من كفايات الأمور وتدبيرها من قولهم "ملؤ الرجل ملاءة فهو ملؤ" إذا كان مطيقاً له، لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون.

والغرض من إيراد هذه القصة عقيب آية القتال، ترغيب المكلفين على الجهاد وأن لا يكونوا كمن أمروا بالقتال فخالفوا وظلموا ﴿ إذ قالوا لنبيٍ لهم ﴾ لم يحصل العلم بذلك النبي وبأولئك الملأ من الخبر المتواتر، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن.

لكن المقصود وهو الحث على الجهاد حاصل.

منهم من قال: إن النبي  هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف لقوله  ﴿ من بعد موسى ﴾ ولكنه لا يلزم منه حصوله من بعده على الاتصال.

والأكثرون على أنه أشمويل واسمه بالعربية إسماعيل.

وعن السدي هو شمعون سمته أمه بذلك لأنها دعت الله أن يرزقها إياه فسمع دعاءها فسمته شمعون.

والسين تصير شيناً بالعبرانية وهو من ولد لاوى بن يعقوب.

﴿ ابعث لنا ملكاً ﴾ أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وتنتظم به كلمتنا.

وكان قوام بين إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك ويقيم أمر دينهم ويأتيهم بالخبر من ربهم ﴿ نقاتل في سبيل الله ﴾ بالنون والجزم على الجواب وهي القراءة المشهورة.

وقرئ بالنون والرفع على أنه حال أي ابعث لنا ملكاً مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قال لهم.

ما تصنعون بالملك؟

فقالوا: نقاتل.

وقرئ "يقاتل" بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لـ ﴿ ملكاً ﴾ و ﴿ هل عسيتم ﴾ خبره ﴿ أن لا تقاتلوا ﴾ والشرط فاصل بينهما، وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور أي إن كتب عليكم القتال فهل يتوقع منكم الجبن والخور؟

وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه ﴿ وما لنا ألا نقاتل ﴾ قال المبرد: "ما" نافية أي ليس لنا ترك القتال.

والأكثرون على أنه للاستفهام، وأورد عليه أنه خلاف المشهور فإنه لا يقال: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنما يقال: مالك لا تفعل.

فعن الأخفش أن "أن" زائدة أي ما لنا لا نقاتل.

ورد بأن الزيادة خلاف الأصل ولا سيما في كلام رب العزة.

وعن الفراء أن الكلام محمول على المعنى لأن قولك "ما لك لا تقاتل" معناه ما منعك أن تقاتل، فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال "أن" فيه.

وعن الكسائي: واستحسنه الفارسي أن التقدير أيّ شيء لنا وأيّ داع أو غرض في ترك القتال فسقطت كلمة "في" على القياس ﴿ وقد أخرجنا ﴾ أي وحالنا أنا أخرجنا من ديارنا بالسبي والقهر على نواحيها، ومن بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر منه الاجتهاد في قمع عدوّه.

روي أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين.

وههنا محذوف التقدير: فسأل الله  ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال.

﴿ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين عبروا النهر وسيأتي ذكرهم وأنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر علىعدد أهل بدر.

﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ وعيد لهم ولكل مكلف في الإسلام على القعود عن القتال.

وأي وعيد أبلغ من أن وضع الظالمين موضع الضمير العائد إليهم.

قوله  ﴿ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ طالوت اسم أعجميّ كجالوت وداود، امتنع من الصرف للعلمية والعجمة المعتبرة.

وقد يمكن تكلف اشتقاقه من الطول لما يجيء من وصفه بالبسطة في الجسم، وقد يوافق العبراني العربي.

و ﴿ ملكاً ﴾ نصب على الحال، أو التمييز، أو مفعول ثانٍ على أن بعث بمعنى صير.

وفي الآية تقرير لتوليهم وتأكيد لذلك، فإن أولى ما تولوا هو إنكارهم أمر النبي المبعوث إليهم بالتماسهم وذلك أنهم ﴿ قالوا أنى يكون ﴾ كيف ومن أين يصح ويصلح ﴿ له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال ﴾ الواو الولى للحال، والثانية للعطف.

فانتظمت الجملتان في سلك الحالية.

استبعدوا تملكه من وجهين: الأول: أن النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون، والملك كان في سبط يهوذا ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين بل كان من ولد بنيامين.

الثاني: أنه كان فقيراً ولا بد للملك من مال يعتضد به.

فعن وهب أنه كان دباغاً.

وعن السدي أنه كان مكارياً.

وقال الآخرون: كان سقاء فأزيلت شبهتهم بوجوه: الأول: ﴿ قال إنّ الله اصطفاه عليكم ﴾ اختاره دونكم واستخلصه من بينكم وأمره عليكم، ولا اعتراض لأحد على حكم الله.

وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكاً فأُتي بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت.

الثاني: ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ طعنوا فيه بنقصان الجاه والمال فقابلهما الله  بوصفين العلم والقدرة وأنهما أشد مناسبة لاستحقاق الملك من النسب والمال، لأن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية دونهما وبالعلم والقدرة يتوسل إلى الجاه والمال ولا ينعكس، والعلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لحق الإنسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان وأنهما لا يمكن سلبهما عن ذات الإنسان بخلافهما.

وإن العالم بأمر الحروب ذا القوة والبطش يكون الانتفاع به في مصالح البلاد والعباد أتم من النسيب الغني إذا لم يكن له علم يضبط المصالح وقدرة على دفع الأعداء.

والظاهر أن المراد بالبسط في العلم هو حذقه فيما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالماً في الديانات وبغيرها.

وذلك أن الملك ينبغي أن يكون عالماً وإلا كان مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيماً يملأ العين مهابة وحشمة.

والبسطة السعة والامتداد وطول القامة.

روي أنه كان يفوق الناس برأسه ومنكبيه.

وقيل: المراد منه الجمال وكان أجمل بني إسرائيل.

والأظهر أن يراد بها القوة لأنها المنتفع بها في دفع الأعداء لا الطول والجمال.

الوجه الثالث: ﴿ والله يوتي ملكه من يشاء ﴾ فالملك له والعبيد له والمالك إذا تصرف في ملك نفسه فلا اعتراض لأحد عليه.

الوجه الرابع: ﴿ والله واسع عليم ﴾ فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال فتح عليه باب الرزق ويوسع عليه.

قوله عز من قائل ﴿ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ الآية.

اعلم أن ظاهر قوله  ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً ﴾ يدل على أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي  .

ثم إنه لما قال: ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ كان هذا دليلاً قاطعاً على أنه ملك، لكنه  لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر دل على صدق النبي، وإكثار الدلائل من الله  جائز.

ولهذا كثرت معجزات محمد  ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام.

ثم إن مجيء التابوت لا بد أن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند الله دالة على صدق تلك الدعوى.

فقيل: إن الله  أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره.

وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي  عليهم في ذلك الوقت فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت.

فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه.

وقيل: إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه و كانوا يعرفونه، ثم إن الله  رفعه بعد ما قبض موسى  لسخطه على بني إسرائيل.

ثم قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، فنزل من السماء والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس.

وعلى هذا الإتيان حقيقة، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء.

أما شكل التابوت فقيل: كان من خشب الشمشار مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين.

وقرأ أبي وزيد بن ثابت ﴿ التابوه ﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار.

وأما وزن التابوت فلا يخلو إما أن يكون "فعلوتا" أو "فاعولا" لا سبيل إلى الثاني لقلة باب سلس وقلق ولأنه تركيب غير معروف فهو "فعلوت" من التوب أي الرجوع لأنه ظرف، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته.

والظاهر أن مجيء التابوت كان معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له كان آية قاطعة في ثبوت ملك طالوت، وقيل: إن طالوت كان نبياً وإتيان التابوت معجزته لأنه كان مقروناً بالتحدي.

والجواب أن التحدي كان من النبي  لأمته ﴿ فيه سكينةٌ ﴾ هي "فعيلة" من السكون ضد الحركة ومعناه الوقار، ومصدر وقع موقع الاسم كالعزيمة.

وأما البقية فبمعنى الباقية.

يقال: بقي من الشيء بقية.

والمراد بالسكينة والبقية إما أن يكون شيئاً حاصلاً في التابوت أولاً، والثاني قول الأصم وعلى هذا فمعناه أنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة اطمأنت نفوسهم وأقروا له بالملك وانتظم أمر ما بقي من دين موسى وهارون ومن شريعتهما فهذا كقوله  "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي بسببها.

وعلى الأول أقوال فعن أبي مسلم: كان في التابوت بشارات من كتب الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام بأن الله  ينصر طالوت وجنوده فيزول خوف العدو عنهم.

وعن ابن عباس: هي صورة من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، وجناحان فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر.

وعن علي  : كان لها وجه كوجه الإنسان، وفيها ريح هفافة أي طيبة.

وأما البقية فهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المنّ الذي أنزل عليهم.

قال بعض العلماء: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت.

وفي التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون فيكون الآل هم الأتباع.

قال  : ﴿ أدخلوا آل فرعون  ﴾ ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون  ﴾ ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما "كقوله  لأبي موسى الأشعري لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود" وأراد به داود نفسه إذ لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن ما كان لداود ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ بدلالة المعجزة على صدق المدعي وههنا محذوف والتقدير: فأتاهم التابوت فأذعنوا لطالوت وأجابوا إلى المسير تحت رايته.

﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي والمعنى: انفصل عن بلده مع الجنود.

والجند الأعوان والأنصار وكل صنف من الخلق جند قال  : "الأرواح جنود مجندة" .

روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها.

ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ.

فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً.

فقال نبيهم: على قول، أو طالوت على الأظهر، وذلك إما بإخبار النبي  أو بالوحي إن كان نبياً ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ بما اقترحتموه من النهر.

قيل في حكمة هذا ابتلاء: إنه لما كان من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو.

عن ابن عباس والسدي أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين.

ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان و ﴿ مبتليكم ﴾ أي ممتحنكم.

ولما كان الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، لا جرم سمى التكليف ابتلاء.

﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ هو كالزجر أي ليس بمتصل بي ولا بمتحد معي من قولهم "فلان مني" يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه.

ومنه طعم الشيء لمذاقه.

واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟

فقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا إذا كرع في النهر.

حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلاً بذلك الشيء.

وقال الباقون: بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي.

ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال: ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفةً بيده ﴾ استثناء من قوله ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ ليصح النظم وإنما فصل قوله ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ بين المستثنى والمستثنى منه للعناية.

ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع.

والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف.

عن ابن عباس: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها.

ولعل ذلك من معجزات نبي ذلك الزمان كما يروى عن نبينا  من إرواء الخلق العظيم من الماء القليل، ويحتمل أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع نفسه إلا أن قوله ﴿ بيده ﴾ لا يجاوب هذا الاحتمال ﴿ فشربوا منه ﴾ كرعوا فيه ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وقرأ أبي والأعمش ﴿ إلا قليلٌ منهم ﴾ وهذا من باب الميل إلى المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.

فبهذا تميز الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق.

يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله  فلم يزيدوا على الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين.

والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن.

قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وقيل: إنهم كانوا أربعة آلاف.

ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا المطيعون لقوله  ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ ولقوله: ﴿ فليس مني ﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل: إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.

ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق.

والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: منهم من يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا: لا طاقة لنا، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ﴾ أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم: لا طاقة لنا اليوم.

فلا بد أن نوطن أنفسنا للقتل.

وقال الآخرون: بل نرجو من الله الفتح والظفر.

فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود.

والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة.

يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة.

وفي المثل "أساء سمعاً فأساء جابة" أي جواباً ومعنى قوله ﴿ يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت.

عن قتادة: أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم: أوَتظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله ﴿ يظنون ﴾ يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: هي من قولهم "فأوت رأسه بالسيف" وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس.

والمراد تقوية قلوب الذين قالوا: لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة، ومحل "كم" رفع بالابتداء و ﴿ غلبت ﴾ الجملة خبره، ﴿ بإذن الله ﴾ بتيسيره وتسهيله.

﴿ والله مع الصابرين ﴾ بالمعونة و التأييد يحتمل أن يكون من قوله  وأن يكون من قول الذين يظنون.

قوله  ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ الآية البراز الأرض الفضاء ومنه البروز والمبارزة في الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه.

واعلم أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة الله اشتغلوا بالدعاء و ﴿ قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ وهكذا كان يفعل نبينا محمد  كما روي في قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال: "اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم، اللهم بك أصول وبك أجول" .

والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد المبالغة.

أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو الركن الأعظم في المحاربة، فإنه إن كان جباناً لم يجد بطائل.

ثم إن الشجاع مع ذلك يحتاج إلى الآلات والعدد والاتفاقات الحسنة حتى يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار، فاقترحوها بقولهم ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ ثم إنه مع كل هذه الأشياء يفتقر إلى أن تزيد قوته على قوة عدوه حتى يغلبهم وهو المراد بقولهم ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فلا جرم استجاب الله دعاءهم ﴿ فهزموهم ﴾ كسروهم ﴿ بإذن الله ﴾ بتوفيقه وإعانته ﴿ وقتل داود جالوت ﴾ عن ابن عباس أن داود كان راعياً ومعه سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود - وكان صغيراً - إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف، وبرز جالوت الجبار وكان من قوم عاد وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل من الحديد، فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل، لو كنتم على الحق لبارزني بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟

فسكتوه.

فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرّض الناس فقال له داود: ما تصنعون لمن يقتل هذا؟

فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف مملكتي.

فقال داود: فأنا خارج إليه.

وكانت عادته أنه يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى وكان طالوت عارفاً جلادته فلما هم داود بأن يخرج إلى جالوت مر بثلاثة أحجار فقلن: يا داود خذنا معك ففينا ميتة جالوت.

ثم لما خرج إلى جالوت رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه وقتل بعده ناساً كثيراً.

قيل: فحسده طالوت ولم يف له وعده ثم ندم على صنيعه فذهب يطلبه إلى أن قتل.

﴿ وآتاه الله الملك ﴾ في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها ﴿ والحكمة ﴾ أي النبوّة لأن الحكمة وضع الأمور موضعها على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، والمشهور من أحوال بني إسرائيل، أن الله  كان يبعث إليهم نبياً وعليهم ملكاً كان ذلك الملك ينفذ أمور ذلك النبي، وكان نبي ذلك الزمان أشمويل وملكه طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله دود النبوّة، ولما توفي طالوت أعطى الله الملك إياه أيضاً، ولم يجتمع الملك والنبوّة على أحد من بني إسرائيل قبله.

ويروى أن بين قتله جالوت وبين ما أعطاه الله الملك والحكمة سبع سنين.

قال بعضهم: هذا الإتيان جبراً له على ما فعل من الطاعة وبذل النفس في سبيل الله، ولا ممتنع في جعل النبوّة جزاء على بعض الطاعات كما قال  : ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين  ﴾ وقال: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ ولهذا ذكر بعده حديث الهزيمة والقتل.

وترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية لا سيما وقد نطقت الأحجار معه، وقد قهر العدو العظيم المهيب بالآلة الحقيرة.

وقال آخرون: إن النبوّة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ولكنها محض عناية الله  ببعض عبيده كما قال: ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ فإن قيل: لم قدم الملك على الحكمة مع أنه أدون منها؟

فالجواب أنه  أراد أن يذكر كيفية ترقي داود  في معارج السعادات، والتدرج في مثل هذا المقام من الأدون إلى الأشرف هو الترتيب الطبيعي.

﴿ وعلمه مما يشاء ﴾ قيل: هو صنعة الدروع لقوله ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم  ﴾ وقيل: منطق الطير ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ وقيل: ما يتعلق بمصالح الملك فإنه ما تعلم ذلك من آبائه فإنهم كانوا رعاة.

وقيل: علم الدين والقضاء ﴿ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب  ﴾ ولا يبعد حمل اللفظ على الكل والغرض منه التنبيه على أن العبد لا ينتهي قط إلى حالة يستغني عن التعلم سواء كان نبياً أو لم يكن ولهذا قيل لمحمد  ﴿ وقل ربي زدني علماً  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله ﴾ معناه ظاهر وأما من قرأ بالألف فإما أن يكون مصدر الدفع نحو جمع جماحاً وكتب كتاباً وقام قياماً، وإما أن يكون بمعنى أنه  يكف الظلمة والعصاة عن المؤمنين على أيدي أنبيائه وأئمة دينه، فكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات كقوله ﴿ إن الذين يحادّون الله ورسوله  ﴾ .

واعلم أن الله  ذكر في الآية المدفوع وهو بعض الناس، والمدفوع به وهو البعض الآخر.

وأما المدفوع عنه فغير مذكور للعلم به وهو الشرور في الدين كالكفر والفسق والمعاصي، فعلى هذا الدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى ومن يجري مجراهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والشرور في الدنيا كالهرج والمرج وإثارة الفتن.

فالدافعون إما الأنبياء أو الملوك الذابون عن شرائعهم ولهذا قال  : "الملك والدين توأمان" "الإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له فهو منهدم وما لا حارس له فهو ضائع" وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ لفسدت الأرض ﴾ أي بطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وغير ذلك من سائر أسباب العمران.

وقيل: المراد بالدفع نصر المسلمين على الكفار.

ومعنى فساد الأرض عبث الكفار فيها وقتالهم المسلمين.

وقيل: المعنى لو لم يدفع الكفار بالمسلمين لعم الكفر ونزل سخط الله، فاستؤصل أهل الأرض وتصديق ذلك ما روي أن النبي  قال: "يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين" ثم تلا هذه الآية ﴿ ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ بسبب ذلك الدفاع.

وفيه أن الكل بقضاء الله وقدره وبقهره ولطفه وبعدله وفضله.

التأويل: فقوله ﴿ ألم تر إلى الملأ ﴾ أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدّعي الإسلام والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان ﴿ فلما كتب عليهم القتال ﴾ تبين الأبطال من البطال ﴿ فتولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وأن أهل الحق أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء.

تعيرنا أنا قليـل عديدنا *** فقلت لها إن الكرام قليل تعيرنا أنا قليل وجارنا *** عزيز وجار الأكثرين ذليل وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا: ﴿ وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ﴾ وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم من السعداء في أثناء البكاء والصعداء ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين  ﴾ فلا جرم أثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين.

﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ولهذا.

قالوا: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ وليس هذا بأعجب من قول المقرّبين المؤيدين بالأنوار القدسية ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا: ﴿ نحن أحق بالملك ﴾ وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك.

ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال: ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله  بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب ﴿ فيه سكينة ﴾ من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ﴿ بقية مما ترك آل موسى ﴾ هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس.

وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال: "لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها ﴿ زين للناس حب الشهوات  ﴾ ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ قنع من متاع الدنيا بما لا بد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد  يقول: "اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً" أي ما يمسك رمقهم ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا ﴿ ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها  ﴾ ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً ﴿ فهزموهم بإذن الله ﴾ بنصرته وقوته ﴿ وقتل داود ﴾ القلب ﴿ جالوت ﴾ النفس الخ.

وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ﴿ ولكل قوم هاد  ﴾ لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ﴿ ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

في هذه الآية والتي قبلها قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ  ﴾ ، دلالة إثبات رسالة محمد عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات؛ لأن القصة فيهم كانت ظاهرة في أهل الكتاب، ورسول الله  لم يختلف إلى أحد منهم، ولا نظر إلى كتبهم، ثم أخبر على ما كان، دل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.

ثم فيه دلالة: أن كل نبي منهم كان إنما يشاور الأشراف من قومه والرؤساء منهم، وإليهم يصرف تدبير الأمور، ولا إلى السفلة منهم والرَّزالة.

وفيه دلالة أيضاً: أن الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه، لم يكونوا يتولون الجهاد والقتال بأنفسهم، ولكن الملوك هم الذين يتولون ذلك.

ثم الملوك هم الراجعون إلى تدبير الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، في أمر الدين والآخرة، حيث سألوا (ملكاً) يقاتلون معه عدوهم.

ذكر أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم وسبوهم وآخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فمضوا زماناً ليس لهم ملك يقاتل عدوهم، فقال النبي لهم، وهو من نسل هارون ابن عمران أخي موسى: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ ﴾ عدونا، فقال لهم نبيهم: ﴿ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ ﴾ اسختبار عن سؤالهم الذي سألوا، أحق هو أم شيء أجروه على ألسنتهم من غير تحقيق، لئلا يستوجبوا العذاب بتركهم ذلك إذا أجيبوا وأعطوا ما سألوا وتمنوا؛ لما عرف من شدة القتال مع العدو والجهاد في سبيل الله، وكراهية ذلك في كل قوم إلى أن بينوا أنهم عن حق سألوا لما تبينوا العلة التي حملتهم على ذلك، وغاية رغبتهم فيها، ما لأجله كان السؤال، إن قالوا: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا ﴾ ، من القتل، وأخذ الأموال وسبي الذراري.

﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ ﴾ ، أي: فرض، ﴿ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ ، فيه دلالة على أنه قد كان فيهم ما كان في هذه من قوله: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  ﴾ ، من كراهية القتال والجهاد في سبيل الله.

وقيل: ﴿ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نفراً لم يتولوا عما سألوا.

ثم قال لهم نبيهم.

قوله  : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً ﴾ .

قيل: سمي "طالوتا" لطوله وقته.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ﴾ .

يتوجه مثل هذا الكلام وجهين: أحدهما: على الإنكار، فلا يحمل على الإنكار؛ لأنه كفر.

والثاني: على الاسترشاد وطلب العلم لهم منه في ذلك عن جهة جعله له ملكاً، لما قد عرفوا أن لا يستوجب الملك، ولا يولي إلا أحد رجلين: إما بالوارثة من الآباء، أو بالسعة في المال، لذلك قالوا: ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ﴾ ، لأنهم كانوا أبناء الملوك وأرباب الأموال.

ثم بين لهم عز وجل أن جهة الاختيار ليس إليهم، وأن سبب الملك ليس ما ذكرنا دون غيره، بل الله عز وجل يختار من يشاء لذلك بأسباب سوى ما ذكروا بفضل علم وبفضل قوة، حيث قال: ﴿ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ ﴾ .

قرر عندهم أن الملك يحتاج إلى فضل علم وفضل قوة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ ، علم الحرب والقتال.

ويحتمل: علم الأشياء الأخر على حفظ الرغبة وغيره.

قال الشيخ، رحمه الله  ، في قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ ﴾ : فهو - والله أعلم - لأي معنى جعل له الملك علينا؟

أو كيف يكون له الملك علينا، ونحن بظاهر الأسباب التي تحقق الملك أملك، فنكون بها أحق بالملك منه بين الله أن المعنى الذي له صار أحق بالملك منهم في ذلك الأمر.

والله أعلم.

والحرف ﴿ أَنَّىٰ ﴾ وإن كان مما يتعارف في الإنكار فليس هو كذلك في الحقيقة؛ إذ قد أخبرهم من هو نبي عندهم، ومن تقرر عنده نبوة أحد لا يحتمل تكذيبه إياه في هذا.

والله أعلم.

وقد يحتمل كون أهل النفاق فيهم، فيكون منهم الإنكار أيضاً كما كان أمثال ذلك في عهد رسول الله  يؤيد سؤالهم الآية حتى قال: ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ﴾ كذا.

والله  أعلم.

ويؤيد ذلك كثرة مخالفتهم إياه لما امتحنوا بالنهر.

والله الموفق.

وفي هذا ونحو ذلك دلالة جواز الآيات بغير الرسل إذا كان فيهم تصديق الرسل، [وكذلك قصة مريم، وكذلك عمل صاحب سليمان، وغير ذلك مما جاء به الكتاب، لكن ذلك يجوز إذا كان منهم تصديق الرسول] فيكون في التحقيق كآيات لهم ظهرت على ألسن غيرهم أو أيديهم.

ومن أراد بها ادعاء الرسالة لنفسه فيعجز عن ذلك، بل لا يكرم الله بها من يعلم أنه يدعو إلى تصديق الكذب ومضاهاة الرسل.

وبهذا يجاب لمن يعارض بمن يتعلم القرآن، ثم يأتي موضعاً لا يعرف فيحتج به في نبوته، مع ما في ذلك أوجه تمنع الاحتجاج به من ذلك، بما فيه من الإخبار عن الأسئلة والأنباء عن أمور لا توجد هنالك - والله أعلم - بما لا يعلم أوله أنه من تعلم تقدم منه إلى من هو حجة له، أو عن وحي إليه، إذ لم يكن امتحن من قبل.

والحجة ما يخرج من المعتاد وحمل الطبيعة، يكرم بها وقت الدعوة بلا سبب سبق منه في مثله ولا عناية.

ولا قوة إلا بالله.

وبعد فإنه قد ظهر في جميع من لسانه ذلك اللسان ممن لا يطاق الدفع لمثله ولا إنكار وانتشر أمر الآتي به، فيظهر بذلك كذبه، ويفتضح عند الدعوى قبل المحنة والتأمل فيما جاء به إلا أن يأتي به من ليس ذلك لسانه، ولا معنى للاحتجاج به في أمثالهم.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، أي غني، يغني من يشاء ويعطيه، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ، بمن يصلح الملك.

وقوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

كأنهم سألوا نبيهم: ما آية مكله؟

فقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت تحمله الملائكة.

ذكر في القصة: أن التابوت يكون مع الأنبياء، إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت من بين أيديهم إلى العدو، ويستنصرون به على عدوهم.

وفيه سكينة، كأنها رأس هرة فإذا أن ذلك الرأس سمع التابوت أنين ذلك الرأس دف نحو العدو، وهم يمضون معه ما مضى، فإذا استقر ثبتوا خلفه.

فلما هربت بنو إسرائيل وعصوا الأنبياء سلط الله  عليهم عدوهم، وأخذوا منه التابوت لما سئموا وملوا، ثم رد عليهم بعد زمان طويل، وجعل ذلك آية من آيات ملك طالوت.

فلا ندري كيف كانت القصة.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

قيل: ﴿ سَكِينَةٌ ﴾ ، ريح هفافة، فيها صورة كوجه الإنسان.

وقيل: السكينة لها وجه كوجه الهرة، لها جناحان، فإذا تصوتت عرفوا النصرة.

وقيل: السكينة: طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء.

وقيل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، أي: في التابوت ﴿ سَكِينَةٌ ﴾ ، أي طمأنينة من ربكم، كأن التابوت في أي مكان كان اطمأنوا إليه وسكنوا.

فلا ندري ما السكينة؟

سوى أننا عرفنا أن قلوبهم كانت تسكن إليه وتطمئن.

فليس لنا إلى معرفة (السكينة)، وكيفيتها حاجة.

وقوله: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل: "البقية" فيه رضاض الألواح - وهو كسرها - وثياب موسى، وثياب هارون.

وقيل: عصا موسى، وعصا هارون.

وقيل: (البقية) قفيز من مَنٍّ، وهو الترنجبين الذي كان يأكله بنو إسرائيل في أرض التيه.

وقيل: فيه سنة موسى وهارون، وعلمهما.

والله أعلم بذلك.

وفي الآية دليل جرى الآية على أيدي الأولياء، لما أعطى لطالوت آية لملكه تشبه آيات الأنبياء حيث أخبر أنه كان ﴿ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ﴾ \[هي القوة في داره، وهم كانوا لم يمروا ذلك وقت حمل الملائكة\] إياه، لكن تلك الآيات في الحاصل تكون للأنبياء يجريها الله  على أيدي الأولياء إلا أن يكون للأولياء ذلك.

ثم من ادعى من الأولياء بتلك الآيات النبوة لنفسه يعجزه الله  عن ذلك، ويخرج الآية من أن تصير آية له، نحو من أتى مدينة من المدائن التي لم يبلغ أهلها هذا القرآن، ولا عرفوه ولا سمعوا ذلك من أحد قط، فجعل يقرأ ذلك عليهم عن ظهر قلبه، وادعى بذلك رسالة لنفسه، أيسع أهل ذلك البلد أن يصدقوه فيما ادعى، أم لا؟

فإن لأصحابنا، رحمهم الله  ، جوابان: أحدهما: بأن في القرآن ما يظهر به كذب هذا المدعي في دعوته من نحو قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ عن كذا، ومن نحو الأخبار، والحكايات، والقصص التي فيها مما لا يحتمل كونها إلا بتقدم أسباب فيكذبه ذلك، فلم يلزمهم تصديقه.

وبالله العصمة.

والثاني: قالوا: إذا ادعى ذلك به يعجزه الله عز وجل عن تلاوته، وإجرائه على لسانه، وادعاء ما ادعى بذلك.

وكأن هذا أقرب.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال لهم نبيهم: إن علامة صدق اختياره ملكًا عليكم؛ أن يَرُد الله عليكم التابوت -وكان صندوقًا يعظمه بنو إسرائيل أُخذ منهم- فيه طمأنينة تصاحبه، وفيه بقايا مما تركه آل موسى وآل هارون، مثل العصا، وبعض من الألواح، إن في ذلك لعلامة بينة لكم إن كنتم مؤمنين حقًّا.

من فوائد الآيات التنبيه إلى أهم صفات القائد التي تؤهله لقيادة الناس؛ وهي العلم بما يكون قائدًا فيه، والقوة عليه.

إرشاد من يتولى قيادة الناس إلى ألا يغتر بأقوالهم حتَّى يبلوهم، ويختبر أفعالهم بعد أقوالهم.

أن الاعتبارات التي قد تشتهر بين الناس في وزن الآخرين والحكم عليهم قد لا تكون هي الموازين الصحيحة عند الله تعالى، بل هو سبحانه يصطفي من يشاء من خلقه بحكمته وعلمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.xAl93"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وقوله تعالى ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ  ﴾ يدل على أن بني إسرائيل لم يقتنعوا بما احتج به عليهم نبيهم من استحقاق طالوت الملك بما اختاره الله وأعده له باصطفائه، وإيتائه من سعة العلم وبسطة الجسم ما يمكنه من القيام بأعبائه، حتى جعل لذلك آية تدلهم على العناية به، وهي عود التابوت إليهم، وهذا التابوت المعرف له صندوق له قصة معروفة في كتب اليهود.

ففي أول الفصل الخامس والعشرين من سفر الخروج ما نصه: "وكلم الرب موسى قائلًا كلم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة من كل من يحثه قلبه يأخذون تقدمتي.

وهذه هي التقدمة التي يأخذونها منهم: ذهب وفضة ونحاس وأسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى وجلود كباش محمرة وجلود نحس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة، فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم بحسب جميع ما أنا أريك عن مثال المسكن ومثال جميع آنيته، هكذا تصنعون.

فيصنعون تابوتًا من خشب السنط طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراع ونصف، وارتفاعه ذراع ونصف.

وتغشيه بذهب نقي، من داخل وخارج تغشيه، وتصنع عليه إكليلًا من ذهب حواليه.

وتسبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع، على جانبه الواحد حلقتان وعلى جانبه الثاني حلقتان.

وتصنيع عصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب، وتدخل العصوين في الحلقات على جانبي التابوت ليحمل التابوت بهما.

تبقى العصوان في حلقة التابوت لا تنزعان منها.

وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك.

وتصنع غطاء من ذهب نقي طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف.

وتصنع كروبين من ذهب صنعة خراطة تضعهما على طرفي الغطاء.

فاصنع كروبًا واحدًا على الطرف من هنا، وكروبًا آخر على الطرف من هناك، من الغطاء تصنعون الكروبين على طرفيه.

ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظللين بأجنحتهما على الغطاء ووجهاهما كل واحد إلى الآخر.

نحو الغطاء يكون وجها الكروبين.

وتجعل الغطاء على التابوت من فوق، وفي التابوت تضع الشهادة التي أنا أعطيك".

هذا ما ورد في صفة الأمر بصنع ذلك التابوت الديني، وذكر بعده كيفية صنع المائدة الدينية، وآنيتها، والمسكن، والمذبح، وخيمة العهد، ومنارة السراج، والثياب المقدسة.

ثم فصل في الفصل ٢٧ منه كيف كان صنع هذا التابوت والمائدة والمنار ومذبح البخور.

وهي غرائب يعدها عقلاء هذه العصور ألاعيب، والحكمة فيها والله أعلم أن بني إسرائيل كانوا -وقد استعبدهم وثنيو المصرين أحقابًا- قد ملكت قلوبهم عظمة تلك الهياكل الوثنية، وما فيها من الزينة والصنعة التي تدهش الناظر، وتشغل الخاطر، فأراد الله تعالى أن يشغل قلوبهم عنها بمحسوسات من جنسها تنسب إليه  وتذكر به، فالتابوت سمي أولًا تابوت الشهادة أي شهادة الله سبحانه، ثم تابوت الرب وتابوت الله، كذلك أضيف إلى الله تعالى كل شيء صنع للعبادة.

وهذا مما يدل على أن تلك الديانة ليست دائمة، فلا غرو إذا نسخ الإسلام كل هذا الزخرف والصنعة من المساجد التي يعبد فيها الله تعالى حتى لا يشتغل المصلي عن مناجاة الله بشيء منها، وما كلفه ذلك الشعب الذي وصفته كتبه المقدسة بأنه صلب الرقبة كما تقول العرب "عريض القفا" على قرب عهده بالوثنية وإحاطة الشعوب الوثنية به من كل جانب لا يليق بحال البشر في طور ارتقائهم، إذ لا يربى الرجل العاقل، بمثل ما يربى به الطفل أو اليافع، وفي سائر فصول سفر الخروج الثلاثة تفصيل لما قدمه بنو إسرائيل لصنع تلك الدار التي يقدس فيها الله، ولصنع الخيمة والتابوت وغير ذلك، وغرضنا منها معرفة حقيقة التابوت عندهم فإنك لتجد في بعض كتب التفسير وكتب القصص عندنا أقوالًا غريبة عنه منها أنه مع آدم من الجنة، ومنشأ تلك الأقوال ما كان ينبذ به الإسرائيليون من القصص بين المسلمين مخادعة لهم، ليكثر الكذب في تفسيرهم للقرآن فيضلوا به، ويجد رؤساء اليهود مجالًا واسعًا للطعن في القرآن يصدعون به قومهم عنه.

وفي آخر فصول سفر الخروج أن موسى  وضع اللوحين اللذين فيهما شهادة الله، أي وصاياه لبني إسرائيل، في التابوت، وفي كتبهم الأخرى أنه كان بعده عند فتاه يشوع أي (يوشع) وأنهم كانوا يستنصرون بهذا التابوت فإذا ضعفوا في القتال وجيء به وقدموه تثوب إليهم شجاعتهم، وينصرهم الله تعالى، أي ينصرهم بتلك الشجاعة التي تتجدد لهم بإحضار التابوت لا بالتابوت نفسه، ولذلك غُلِبُوا على التابوت فأخذ منهم عندما ضعف يقينهم وفسدت أخلاقهم، فلم يغن عنهم التابوت شيئًا.

ثم كانت حرب بين الفلسطينيين وبني إسرائيل على عهد "عاليا" أو "عالي" الكاهن فانتصر الفلسطينيون وأخذوا التابوت من بني إسرائيل بعد أن نكلوا بهم تنكيلًا فمات "عالى" قهرًا، وكان صموئيل -الذي يدعى في الكتب العربية شمويل- قاضيًا لبني إسرائيل من بعده، وهو نبيهم الذي طلبوا منه أن يبعث لهم ملكًا ففعل كما تقدم، وجعل رجوع التابوت إليه آية لملك طالوت الذي أقامه لهم.

وقالوا في سبب إتيان التابوت إن أهل فلسطين ابتلوا بعد أخذ التابوت بالفيران في زرعهم والبواسير في أنفسهم، فتشاءموا منه، وظنوا أن إله إسرائيل انتقم منهم فأعادوه على عجلة تجرها بقرتان، ووضعوا فيه صور فيران وصور بواسير من الذهب جعلوا ذلك كفارة لذنبهم.

ومن المدون في التاريخ المقدس عندهم أنه لما أحرق البابليون هيكل سليمان فقدت التوراة وتابوت العهد معًا لأنها قد أحرقها فيه.

وأما قوله تعالى في التابوت ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ  ﴾ فقد كثرت فيه الروايات ومنها ما لا يدل عليه نقل ولا يقبله عقل، على أنها متعارضة لا يمكن الجمع بينها كما ترى في تفسير ابن جرير، وهو أم التفاسير، وقد أوردنا ما أوردنا من كتب اليهود ليعلم أن أكثر ما ذكر عن التابوت وعما فيه من الغرائب لا أصل له في تلك الكتب.

وإنما وحي الله تعالى ناطق بأن فيه سكينة، والسكينة في اللغة ما تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب، وفي إتيان الصندوق سكينة لا تخفى لما كان له من الشأن الديني عند القوم، أو فيه ما يحدث لهم سكينة وهي الفيران والبواسير الذهب التي تدل على خوف العدو، أو الألواح أو رضاضتها وهي البقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وروي عن عطاء نحو ما قلناه.

قال ابن جرير وأولى هذه الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء ابن أبي رباح من أنها الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات.

وقوله ﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ  ﴾ يحتمل وجهين: (أحدهما): إن المراد بالملائكة صور الكروبين وقد حمل التابوت أي وضع عليهما كما تقول في وصف القصور والتماثيل المصنوعة: فيها فلان على فرس من نحاس، تريد تمثال الملك وتمثال الفرس.

(ثانيهما): إن البقرتين اللتين حملتا التابوت من بعض بلاد الفلسطينيين إلى بني إسرائيل كانتا تسيران مسخرتين بإلهام الملائكة.

وفي كتب القوم أن البقرتين اللتين جرتا عجلة التابوت لم يكن لهما قائد ولا سائق، وما يجري بإلهام لا كسب فيه للبشر وهو من الخير يسند إلى إلهام الملائكة.

روى نحو هذا ابن جرير قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول وكل بالبقرتين اللتين سارتا بالتابوت أربعة من الملائكة يسوقونهماإلخ وختم الآية بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ قالوا يتحمل أن يكون هذا تتمة كلام نبي بني إسرائيل لهم أي إن في مجيء التابوت علامة أو حجة لكم تدل على عناية الله بكم، واصطفائه لكم هذا الملك الذي ينهض بشؤونكم وينكل بأعدائكم، فعليكم أن ترضوا بملكه ولا تفرقوا عنه.

ويحتمل أن يكون استئناف كلام منه تعالى لهذه الأمة معناه أن فيما أوحاه الله تعالى إلى نبيه  من هذه القصة آية بينة على نبوته إذ لولا الوحي لما كان يعرفها وهو الأمي الذي لم يقرأ ولم يتعلم شيئًا، ولا كان يعرف ما انطوت عليه من العبرة والفائدة، ولا سيما ما يعتبر في الملوك من الصفات التي تؤهلهم للقيام بأعباء السياسة وأعمال الرياسة، وإنما يكون ذلك آية بينة وعبرة نافعة لمن يؤمن بالله وآياته التي يؤيد بها أنبياءه ورسله عليهم السلام، لذلك قيدها بالشرط الذي حذف جوابه لدلالة الكلام عليه.

علم من السياق أن الغرض الأول من طلب القوم نصب الملك عليهم هو أن يتولى قيادتهم للقتال في سبيل الله، ويثأر من أولئك الوثنيين الذين أخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فكان المتوقع بعد بيان نصب الملك أن يذكر ما كان من شأنه في القتال وذلك ما بينه تعالى ذكره بقوله ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ  ﴾ فصل بالجنود انفصل بهم من مقامهم وقادهم لقتال أعدائهم، وأصله: فصل نفسه عنه مصاحبًا لهم، والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر وأصله الأرض الغليظة ذات الحجارة ثم قيل لكل مجتمع قوي جند.

والشرب تناول الماء بالفم وابتلاعه، وطعم الشيء من غذاء وشراب ذاقه قال الشاعر: * وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردًا * والغرفة بالفتح المرة من غرف الشيء إذا رفعه من محله وتناوله وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والحجازيون.

والغرفة بالضم ما يغترف وبها قرأ ابن عامر والكوفيون.

لما كان بنو إسرائيل من قبل كارهين لملك طالوت عليهم ثم أذعنوا من بعد وكان إذغان الجميع ورضاهم مما لا يمكن العلم به إلا بالاختبار والابتلاء أراد الله أن يبتلي هذا القائد جنده ليعلم المطيع والعاصي والراضي والساخط، فيختار المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال، وثباته في معامع وينفي من يظهر عصيانه، ويخشى في الوغى خذلانه، فإن طاعة الجيش للقائد وثقته به من شروط الظفر، وأحوج القواد إلى اختبار الجيش من ولي على قوم وهم له كارهون، أو كان فيهم من يكرهه، فإذا وجد في الجيش من ليس متحدًا معه يخشى أن يوضعوا خلاله يبغونه الفتنة ويسومونه الفشل، أخبر طالوت جنوده بأن سيمرون على نهر يمتحنهم به بإذن الله، فمن شرب منه فلا يعد من أشياعه المتحدين معه في أمر القتال إلا أن يكون ما يشربه قليلًا وهو غرفة تؤخذ باليد، فإن هذا مما يتسامح فيه ولا يراه مانعًا من الاتحاد به والاعتصام بحبله، ومن لم يطعمه أي يذقه بالمرة فإنه منه وهو الذي يركن إليه ويوثق به تمام الثقة، فالابتلاء سيكون على ثلاث مراتب مرتبة من يشرب فيروى لا يبالي بالأمر وحكمه أن يتبرأ منه، ومرتبة من يأخذ بيده غرفة يبل بها ريقه وهو مقبول في الجملة، ومرتبة من لا يذوقة البتة وهو الولي النصير الذي يوثق باتحاده، ويعول على جهاده، قال تعالى ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ  ﴾ ذلك أن القوم كانوا قد فسد بأسهم وتنزلزل إيمانهم، واعتادوا العصيان فسهل عليهم عصيانهم، وشق عليهم مخالفة الشهوة وإن كان فيها هوانهم، ولم يبق فيهم من أهل الصدق في الإيمان والغيرة على الملة والأمة إلا نفر قليل ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ  ﴾ والعدد القليل من أهل العزائم، يفعل ما لا يفعل الكثير من ذوي المآثم، كما يعلم من قوله تعالى ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ  ﴾ أي فلما جاوز النهر طالوت هو والذين أمنوا معه ﴿ قَالُوا  ﴾ أي الجنود وهم أولئك الذين شربوا منه إلا قليلًا منهم، ﴿ لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ  ﴾ الطاقة أدنى درجات القوة كما تقدم في تفسير آية الصيام، وجالوت هو أشهر أبطال أعدائهم الفلسطينيين وعربه النصارى الذين ترجموا سفر صموئيل الذي فيه القصة "جليات" ولا اعتداد بتعريبهم والعبارة تشعر بأن جنود الفلسطينيين كانوا أكثر من الإسرائيليين أي قال جمهور الجنود ليس لنا أدنى شيء من جنس الطاقة بلقاء جالوت وجنوده.

﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ وهؤلاء اللذين يظنون أنهم ملاقوا الله في الآخرة هم الذين آمنوا وجاوزوا النهر مع طالوت، وقد توهم بعض الناس أن الآخرين الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه لأنه تعالى لم يذكرهم وظنوا أن القولين من المؤمنين الذين جاوزوا النهر، قال ضعافهم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: وقال أقوياؤهم: كم من فئة قليلة إلخ ثم اشتد بعضهم بعزيمة بعض وكان من أمر انتصارهم ما يأتي في الآية التي بعد هذه، والعبارة لا تدل على أن الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه وإنما خص بالذكر الذين لم يشربوا لأنهم لم يتخلفوا عن طالوت لأجل الشرب، فهم الذين جاوزوه معه مقترنين وهم الذين يعتد بهم، ويتبرأ من المتخلفين العاصين كما علم من قوله في الابتلاء.

سياق الكلام فيمن فصل بهم من الجنود وابتلوا بالنهر وقد قال فيهم إنهم شربوا منه إلا قليلًا، ثم أعلمنا أن فريقًا منهم وصفهم بالمؤمنين جاوزوا النهر مع طالوت فعلمنا أنهم هو الذين أطاعوا ولم يشربوا، ثم أخبرنا بقولين يصلح أحدهما لمعارضة الآخر ورده.

(الأول) أسنده إلى ضمير الجماعة المحكي عنهم الذين قال فيهم إنهم شربوا منه إلا قليلًا منهم، ومثله يصدر ممن خالف القائد وجبن عن القتال.

(الثاني)أسنده إلى الذين يظنون أنهم ملاقو الله وهو ينطبق على الذين أطاعوا القائد واتحدوا معه فلم يعصوا ويتفق مع وصف الإيمان الذي سبقه، فعلمناه أن الجميع جاوزوا النهر وأن هذين القولين كانا بعد مجاوزته، وأن التصريح بمجاوزة المؤمنين منهم ليست للحصر وإنما هي لبيان المعية والمصاحبة فإن القوم افترقوا عند النهر فسبق من لم يشرب والتف حول القائد وجاوزوا النهر معه، وتخلف الآخرون قليلًا للشرب والارتفاق بالماء ثم جاوزوا ولحقوا بالآخرين كما علم من محاورتهم معهم بما ظهر به أثر ما في نفس كل فريق منهما على لسانه.

ومن بديع إيجاز القرآن أن يحذف الشيء ويأتي في السياق بما يدل عليه، وأن يذكر القوم بوصف غير ما دل عليه الكلام أو يجعله في مكان الضمير لإفادة أن هذا الوصف المذكور هو السبب في الفعل أو الوصف الذي سيق الكلام لتقريره، كما وصف الذين لم يشربوا بالإيمان مرة وباعتقاد لقاء الله تعالى مرة أخرى، فأعلمنا أن هذا الإيمان والاعتقاد هما سبب طاعة القائد وترك الشرب، وسبب الشجاعة والإقدام على لقاء العدو الذي يفوقهم عددًا.

هذا ما ظهر في بيان هذه العبارة ويؤيده ما رواه ابن جرير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: لما جاوزوه هو والذين آمنوا معه قال الذين شربوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: (قال ابن جرير) وأولى القولين في ذلك بالصواب ما روي عن ابن عباس وقاله السدي وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا الغرفة، والكافر الذي شرب منه الكثير، ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه وانخذل عنه أهل الشرك والنفاق: إلخ.

وفيه ذكر قول كل من الفريقين ووسم من يقول بأنه لم يجاوز مع طالوت النهر إلا أهل الإيمان بالغفلة ورد عليه قوله.

وفي كتب اليهود أن الابتلاء بترك شرب الماء كان على يد جدعون قبل قصة طالوت، ويوردون ذلك بما لا يليق بالله تعالى ولكنه يوافق ما بنيت عليه حوادث تاريخهم من كونها كلها عجائب وخوارق عادات لا شيء منها مبني على سنن الله تعالى في الاجتماع البشري.

ففي الفصل السابع من سفر القضاة ما نصه: "وقال الرب لجدعون إن الشعب الذي معك كثير علي لأدفع المديانيين بيدهم لئلا يفتخر على إسرائيل قائلًا يدي خلصتني والآن ناد في آذان الشعب قائلًا من كان خائفًا ومرتعدًا فليرجع وينصرف من جبل جلعاد، فرجع من الشعب اثنان وعشرون ألفًا وبقي عشرة آلاف، وقال الرب لجدعون لم يزل الشعب كثيرًا، انزل بهم إلى الماء فأنقيهم لك هناك ويكون أن الذي أقول لك عنه هذا يذهب معك فهو يذهب معك.

وكل من أقول لك عنه لا يذهب معك فهو لا يذهب، فنزل بالشعب إلى الماء، وقال الرب لجدعون كل من يلغ بلسانه من الماء كما يلغ الكلب فأوقفه وحده وكذا كل من جثا على ركبتيه للشرب.

كان عدد الذين ولغوا بيدهم إلى فمهم ثلاث مئة رجل، وأما باقي الشعب جميعًا فجثوا على ركبهم لشرب الماء.

فقال الرب لجدعون بالثلاث مئة رجل الذين ولغوا أخلصكم وأدفع المديانيين ليدك وأما سائر الشعب فليذهبوا كل واحد إلى مكانه" اهـ.

وقد علمت أن القوم خلطوا في تاريخهم: وأن أكثره لا يُعرَف كاتبوه، ومنه سفر صموئيل الذي فيه قصة طالوت، وعبارته تدل على أنه كتب بعد حدوث وقائعه، فإن الكاتب يذكر بعض الأشياء ويقول إنها لا تزال إلى الآن كأن الزمن كان كافيًا لأن تندرس فيه جميع الرسوم والمعالم التي عهدت عند وقوع تلك الوقائع وهم لا يعرفون كاتبه، وإننا نرى المؤرخين في زمامنا يغلطون بما يقع في عهدهم غلطًا أبعد من هذا الغلط في إسناد الشيء إلى غير فاعله وتقديمه أو تأخيره عن زمنه، وكما فات مؤرخي بني إسرائيل تحرير الوقائع والحوادث بالتدقيق، فاتهم ما فيها من العبر والحكم، فأين ما نقلنا في تفسير هذه القصة عنهم مما تجده في عبارة القرآن من صنوف العبرة؟

فالحق ما قاله الله تعالى في مسألة النهر وغيرها، ولا يعتبر ما خالفه من أقوال سائر الكتب معارضًا له فيحتاج إلى التوفيق أو الجواب كما تقدم في مقدمة تفسير هذه القصة والله أعلم وأحكم.

﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا  ﴾ أي لما ظهر طالوت وجنوده بالبراز وهي بالفتح ما استوى من الأرض ﴿ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ  ﴾ وهم أعداؤهم الفلسطينيون ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  ﴾ أي لجأ قوم طالوت المؤمنون إلى الله تعالى يدعونه بأن يفرغ على قلوبهم الصبر، ويثبت أقدامهم في مواقع القتال بثبات قلوبهم واطمئنانها بالإيمان والثقة به، وينصرهم على القوم الكافرين عبدة الأوثان، الذين تعلقت قلوبهم بالأوهام، وهذه الأمور الثلاثة بعضها مرتب على بعض بحسب الأسباب الغالبة، فالصبر سبب للثبات الذي هو سبب من أسباب النصر، وأجدر الناس بالصبر المؤمنون بالله  الغالب على أمره.

﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي فاستجاب لهم ربهم ما سألوا ببركة التوجه إليه وتذكرهم ما يؤمنون به من قوته التي لا تغالب فهزموهم أي كسروهم كسرة انتهت بدفعهم من المعركة وهربهم منها بإرادته المنفذة لسنته في نصر المؤمنين الصابرين الثابتين، على الكافرين ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ  ﴾ قالوا إن جالوت جبار الفلسطينيين طلب البراز فلم يجرأ أحد من بني إسرائيل على مبارزته حتى أن طالوت جعل لم يقتله أن يزوجه ابنته ويحكمه في ملكه، ثم برز له داود بن يس وكان غلامًا يرعى الغنم ولم يقبل أن يلبس درعًا ولا أن يحمل سلاحًا بل حمل مقلاعه وحجارته، فسخر منه جالوت واحتمى عليه إذا لم يستعد له، وقال هل أنا كلب فتخرج إلي بالمقلاع؟

فرماه داود بمقلاعه فأصاب الحجر راسه فصرعه فدنا منه فاحتز رأسه وجاء به فألقاه إلى طالوت فعرف داود وكان له الشأن الذي ورث به ملك إسرائيل كما قال تعالى ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ  ﴾ فسروا الحكمة هنا بالنبوة، والأظهر عندي بالزبور الذي أوحاه الله إليه كما قال في آية أخرى: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا  ﴾ وبه كان نبيًا، وأما تعليمه مما يشاء فهو صنعة الدروع كما قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ  ﴾ .

ثم بين تعالى حكمة الإذن بالقتال الذي قررته الآيات فقال ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  ﴾ قرأ نافع "دفاع الله" والباقون "دفع الله" أي لولا أن الله تعالى يدفع أهل الباطل بأهل الحق وأهل الفساد في الأرض بأهل الإصلاح فيها، لغلب أهل الباطل والإفساد في الأرض وبغوا على الصالحين وأوقعوا بهم، حتى يكون لهم السلطان وحدهم، فتفسد الأرض بفسادهم، فكان من فضل الله على العالمين وإحسانه إلى الناس أجمعين، أن أذن لأهل دينه الحق المصلحين في الأرض، بقتال المفسدين فيها من الكافرين والبغاة المعتدين، فأهل الحق حرب لأهل الباطل في كل زمان والله ناصرهم ما نصروا الحق وأرادوا الإصلاح في الأرض.

وقد سمى هذا دفعًا على قراءة الجمهور باعتبار أنه منه سبحانه، إذ كان سنة من سننه في الاجتماع البشري، وسماه دفاعًا في قراءة نافع باعتبار أن كلا من أهل الحق المصلحين وأهل الباطل المفسدين يقاوم الآخر ويقاتله.

ثم بيّن أن إيتاء النبي الأمي أمثال هذه القصص من دلائل نبوته فقال ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ  ﴾ يشير إلى قصة الذين خرجوا من ديارهم وقصة بني إسرائيل التي بعدها ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ  ﴾ فيه تعريض بأن ما يقوله بنو إسرائيل مخالفًا لهذا فهو باطل ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ  ﴾ إذ لولا الرسالة لما عرفت شيئًا من هذه القصص وأنت لم تكن في أزمنة وقوعها ولا تعلمت شيئًا من التاريخ ولو تعلمته لجئت بها على النحو الذي عند أهل الكتاب أو غيرهم من القصاصين.

وقد قرر تعالى هذه الحجة على نبوته  في سورة القصص بعد ذكر قصة موسى في مدين وذكر نبوته بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ  وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد