الآية ٢٧٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧٧ من سورة البقرة

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى مادحا للمؤمنين بربهم ، المطيعين أمره ، المؤدين شكره ، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، مخبرا عما أعد لهم من الكرامة ، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون ، فقال : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل بأن الذين آمنوا = يعني الذين صدقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند ربهم، من تحريم الربا وأكله، وغير ذلك من سائر شرائع دينه =" وعملوا الصالحات " التي أمرهم الله عز وجل بها، والتي نَدَبهم إليها =" وأقاموا الصلاة " المفروضة بحدودها، وأدّوها بسُنَنها =" وآتوا الزكاة " المفروضة عليهم في أموالهم، بعد الذي سلف منهم من أكل الرّبا، قبل مجيء الموعظة فيه من عند ربهم =" لهم أجرهم "، يعني ثواب ذلك من أعمالهم وإيمانهم وصَدَقتهم =" عند ربهم " يوم حاجتهم إليه في معادهم = " ولا خوف عليهم " يومئذ من عقابه على ما كان سلف منهم في جاهليتهم وكفرهم قبل مجيئهم موعظة من ربهم، من أكل ما كانوا أكلوا من الربا، بما كان من إنابتهم، وتوبتهم إلى الله عز وجل من ذلك عند مجيئهم الموعظة من ربهم، &; 6-22 &; وتصديقهم بوعد الله ووعيده =" ولا هم يحزنون " على تركهم ما كانوا تركوا في الدنيا من أكل الربا والعمل به، إذا عاينوا جزيل ثواب الله تبارك وتعالى، وهم على تركهم ما ترَكوا من ذلك في الدنيا ابتغاءَ رضوانه في الآخرة، فوصلوا إلى ما وُعدوا على تركه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وقد تقدم القول في قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمنها عمل الصالحات تشريفا لهما وتنبيها على قدرهما إذ هما رأس الأعمال ؛ الصلاة في أعمال البدن ، والزكاة في أعمال المال .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر أكلة الربا وكان من المعلوم أنهم لو كانوا مؤمنين إيمانا ينفعهم لم يصدر منهم ما صدر ذكر حالة المؤمنين وأجرهم، وخاطبهم بالإيمان، ونهاهم عن أكل الربا إن كانوا مؤمنين، وهؤلاء هم الذين يقبلون موعظة ربهم وينقادون لأمره، وأمرهم أن يتقوه، ومن جملة تقواه أن يذروا ما بقي من الربا أي: المعاملات الحاضرة الموجودة، وأما ما سلف، فمن اتعظ عفا الله عنه ما سلف، وأما من لم ينزجر بموعظة الله ولم يقبل نصيحته فإنه مشاق لربه محارب له، وهو عاجز ضعيف ليس له يدان في محاربة العزيز الحكيم الذي يمهل للظالم ولا يهمله حتى إذا أخذه، أخذه أخذ عزيز مقتدر { وإن تبتم } عن الربا { فلكم رءوس أموالكم } أي: أنزلوا عليها { لا تظلمون } من عاملتموه بأخذ الزيادة التي هي الربا { ولا تظلمون } بنقص رءوس أموالكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا الأعمال الطيبة، وأدَّوا الصلاة كما أمر الله ورسوله، وأخرجوا زكاة أموالهم، لهم ثواب عظيم خاص بهم عند ربهم ورازقهم، ولا يلحقهم خوف في آخرتهم، ولا حزن على ما فاتهم من حظوظ دنياهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التهديد الشديد للمتعاملين بالربا ، ساق - سبحانه - آية فيها أحسن البشارات للمؤمنين الصادقين فقال - تعالى - :( إِنَّ الذين آمَنُواْ ) أي إيماناً كاملا بكل ما أمر الله به ( وَعَمِلُواْ الصالحات ) أي الأعمال الصالحة التي تصلح بها نفوسهم والتي من جملتها الإِحسان إلى المحتاجين ، والابتعاد عن الربا والمرابين ( وَأَقَامُواْ الصلاة ) بالطريقة التي أمر الله بها ، بأن يؤدوهها في أوقاتها بخشوع واطمئنان ( وَآتَوُاْ الزكاة ) أي أعطوها لمستحقيها بإخلاص وطيب نفس .هؤلاء الذين اتصفوا بكل هذه الصفات الفاضلة ( لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ) أي لهم ثوابهم والكامل عند خالقهم ورازقهم ومربيهم .( وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) يوم الفزع الاكبر ( وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) لأي سبب من الأسباب ، لأن ما هم فيه من أمان واطمئنان ورضوان من الله - تعالى - يجعلهم في فرح دائم ، وفي سرور مقيم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن عادة الله في القرآن مطردة بأنه تعالى مهما ذكر وعيداً ذكر بعده وعداً، فلما بالغ هاهنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد، وقد مضى تفسير هذه الآية في غير موضع، وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان بهذه الآية فإنه قال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ فعطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ومن الناس من أجاب عنه أليس أنه قال في هذه الآية ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة ﴾ مع أنه لا نزاع في أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان تحت ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ فكذا فيما ذكرتم، وأيضاً قال تعالى: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله  ﴾ وقال: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا  ﴾ .

وللمستدل الأول أن يجيب عنه بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل.

المسألة الثانية: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ أقوى من قوله: على ربهم أجرهم لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد، فذاك النقد هناك حاضر، متى شاء البائع أخذه، وقوله: أجرهم على ربهم.

يجري مجرى ما إذا باع بالنسيئة في الذمة، ولا شك أن الأول أفضل.

المسألة الثالثة: اختلفوا في قوله: ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ فقال ابن عباس: لا خوف عليهم فيما يستقبلهم من أحوال القيامة، ولا هم يحزنون بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حالة إلى حالة أخرى فوقها ربما يحزن على بعض ما فاته من الأحوال السالفة، وإن كان مغتبطاً بالثانية لأجل إلفه وعادته، فبيّن تعالى أن هذا القدر من الغصة لا يلحق أهل الثواب والكرامة، وقال الأصم: لا خوف عليهم من عذاب يومئذ، ولا هم يحزنون بسبب أنه فاتهم النعيم الزائد الذي قد حصل لغيرهم من السعداء، لأنه لا منافسة في الآخرة، ولا هم يحزنون أيضاً بسبب أنه لم يصدر منا في الدنيا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا مستحقين لثواب أزيد مما وجدناه وذلك لأن هذه الخواطر لا توجد في الآخرة.

المسألة الرابعة: في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكواة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ إشكال هو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله وكما بلغت حاضت، ثم عند انقطاع حيضها ماتت، أو الرجل بلغ عارفاً بالله، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات، فهما بالاتفاق من أهل الثواب، فدل ذلك على أن استحقاق الأجر والثواب لا يتوقف على حصول الأعمال، وأيضاً من مذهبنا أن الله تعالى قد يثيب المؤمن الفاسق الخالي عن جميع الأعمال، وإذا كان كذلك، فكيف وقف الله هاهنا حصول الأجر على حصول الأعمال؟.

الجواب: أنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق الثواب مشروط بهذا، بل لأجل أن لكل واحد منهما أثراً في جلب الثواب، كما قال في ضد هذا ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ  ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً  ﴾ ومعلوم أن من ادعى مع الله إلها آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر، ولكن الله جمع الزنا وقتل النفس على سبيل الاستحلال مع دعاء غير الله إلها لبيان أن كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الرباا ﴾ كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع ﴿ لاَ يَقُومُونَ ﴾ إذا بعثوا من قبورهم ﴿ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان ﴾ أي المصروع.

وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع.

والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون.

والمس: الجنون.

ورجل ممسوس، وهذا أيضاً من زعماتهم، وأن الجنيَّ يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل: معناه ضربته الجنّ ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات.

فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿ مِنَ المس ﴾ ؟

قلت: ب (لا يقومون)، أي لا يقومون من المسّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع.

ويجوز أن يتعلق بيقوم، أي كما يقوم المصروع من جنونه.

والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.

وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون، إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم، فلا يقدرون على الإيفاض ﴿ ذَلِكَ ﴾ العقاب بسبب قولهم ﴿ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا ﴾ .

فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأنّ الكلام في الربا لا في البيع فوجب أن يقال: إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهماً بدرهمين؟

قلت: جيء به على طريق المبالغة، وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع.

وقوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا ﴾ إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة عل أنّ القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ ﴾ فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا ﴿ فانتهى ﴾ فتبع النهي وامتنع ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ فلا يؤخذ بما مضى منه، لأنه أخذ قبل نزول التحريم ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ﴾ يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ إلى الربا ﴿ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وهذا دليل بيِّن على تخليد الفساق.

وذكر فعل الموعظة لأنّ تأنيثها غير حقيقي، ولأنها في معنى الوعظ.

وقرأ أبيٌّ والحسن: ﴿ فمن جاءته ﴾ .

﴿ يَمْحَقُ الله الرباا ﴾ يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: الربا وإن كثر إلى قلّ.

﴿ وَيُرْبِى الصدقات ﴾ ما يتصدّق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه.

وفي الحديث: «ما نقَّصَتْ زكاةٌ من مال قط» ﴿ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين.

أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها.

روي: أنها نزلت في ثقيف، وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا.

وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ ما بقى ﴾ ، بقلب الياء ألفاً على لغة طيئ: وعنه ﴿ ما بقيْ ﴾ بياء ساكنة.

ومنه قول جرير: هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِي لَكُمُو ** مَاضِي الْعَزِيمَةِ مَا فِي حُكْمِهِ جَنَفُ ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ إن صح إيمانكم، يعني أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ ﴾ فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به.

وقرئ: ﴿ فآذنوا ﴾ ، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم.

وقرأ الحسن: ﴿ فأيقنوا ﴾ ، وهو دليل لقراءة العامّة.

فإن قلت: هلا قيل بحرب الله ورسوله؟

قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند الله ورسوله.

وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يديْ لنا بحرب الله ورسوله.

﴿ وَإِن تُبتُمْ ﴾ من الارتباء ﴿ فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ ﴾ المديونين بطلب الزيادة عليها ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ بالنقصان منها.

فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئاً للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم: (لا تظلمون ولا تظلمون) ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار: وقرا عثمان رضي الله عنه.

﴿ ذا عسرة ﴾ على وإن كان الغريم ذا عسرة.

وقرئ: (ومن كان ذا عسرة) ﴿ فَنَظِرَةٌ ﴾ أي فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار.

وقرئ: ﴿ فنظْرة ﴾ بسكون الظاء.

وقرأ عطاء: ﴿ فناظره ﴾ .

بمعنى فصاحب الحق ناظره: أي منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل.

وعنه: فناظرْه، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها ﴿ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ إلى يسار وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة.

وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله: وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا وقوله تعالى: ﴿ وإقام الصلاة ﴾ [النور: 37] .

﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ندب إلى أن يتصدقوا برؤس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ [البقرة: 237] .

وقيل: أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه.

وقرئ ﴿ تصدّقوا ﴾ بتخفيف الصاد على حذف التاء ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ قرئ على البناء للفاعل والمفعول: وقرئ: ﴿ يرجعون ﴾ بالياء على طريقة الالتفات.

وقرأ عبد الله: ﴿ تردّون ﴾ : وقرأ أبيّ: ﴿ تصيرون ﴾ .

وعن ابن عباس: أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام، وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة.

وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً.

وقيل: أحداً وثمانين.

وقيل: سبعة أيام.

وقيل: ثلاث ساعات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وبِما جاءَهم مِنهُ.

﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ ﴾ عَطْفَهُما عَلى ما يَعُمُّهُما لِإنافَتِهِما عَلى سائِرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

﴿ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ مِن آتٍ.

﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ عَلى فائِتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)

{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قيل المراد به الذين آمنوا بتحريم الربا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِما وجَبَ الإيمانُ بِهِ ﴿ وعَمِلُوا ﴾ الأعْمالَ ﴿ الصّالِحاتِ ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ ﴾ تَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ مَعَ اِنْدِراجِهِما في الأعْمالِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ فَضْلِهِما، فَإنَّ الأُولى: أعْظَمُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والثّانِيَةَ: أفْضَلُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، ﴿ لَهم أجْرُهُمْ ﴾ المَوْعُودُ لَهم حالَ كَوْنِهِ ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ وفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ مَزِيدُ لُطْفٍ وتَشْرِيفٍ ﴿ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ  ﴾ لِوُفُورِ حَظِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا يعني يأكلون الربا استحلالاً لاَ يَقُومُونَ يوم القيامة من قبورهم إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ أي يتخبطه الشيطان مِنَ الْمَسِّ أي من الجنون.

ويقال: أنهم يبعثون يوم القيامة، وقد انتفخت بطونهم كالحباب، وكلما قاموا سقطوا، والناس يمشون عليهم، فيكون ذلك علامة آكل الربا ويقال يكون بمنزلة المجنون ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني الذي نزل بهم لأنهم قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا معناه استحلوا الرِّبا، وكان الرجل إذا حل أجل ماله طالبه فيقول له المطلوب: زدني في الأجل، وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك.

فإذا قيل لهما: إن هذا رباً قالا: الزيادة في أول البيع، وعند حلول الأجل سواء.

ويقال: إنهم استحلوا الربا وقالوا: الربا والبيع في الحل سواء، فالله تعالى أبطل قولهم فقال تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ ولم يقل جاءته، لأن التأنيث ليس بحقيقي، ويجوز أن يذكر ويؤنث، لأنه انصرف إلى المعنى، يعني فمن جاءه نهي مِنْ رَبِّهِ في القرآن في بيان تحريم الربا فَانْتَهى عن أكل الربا فَلَهُ مَا سَلَفَ يعني ليس عليه إثم فيما مضى قبل النهي، لأن الحجة لم تقم عليهم، ولم يعلموا بحرمته، وأما اليوم فمن تاب عن الربا، فلا بدَّ له من أن يرد الفضل، ولا يكون له ما سلف، لأن حرمة الربا ظاهرة بين المسلمين، لأن كتاب الله تعالى فيهم.

ثم قال عز وجل: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ في المستأنف إن شاء عصمه، وإن شاء لم يعصمه وَمَنْ عادَ إلى استحلال الرِّبا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ قال ابن مسعود آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه ملعونون على لسان محمد  .

وقال عليه الصلاة والسلام: «سَيَأْتِي عَلَى الَّناسِ زَمَانٌ لا يبقى أحد إلا أَكَلَ الرِّبا، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلِ الرِّبا أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ» .

وروي عن النبي  أنه قال: «الرِّبا بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَاباً، أدْنَاها كَإِتْيَانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ» ، يعني كالزاني بأمه.

ثم قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي يبطله، ويذهب ببركته وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ يقول: يقبلها ويضاعفها.

ويقال: إن مال آكل الربا لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة، إما أن يذهب عنه أم عن ولده، أو ينفقه فيما لا يصلح وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ يعني جاحد بتحريم الرِّبا أَثِيمٍ يعني عاص بأكله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الطاعات فيما بينهم وبين ربهم وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني الصلوات الخمس وَآتَوُا الزَّكاةَ يعني أعطوا الزَّكاة المفروضة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وقد ذكرناه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي أطيعوا الله ولا تعصوه فيما نهاكم من أمر الرِّبا وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين بتحريمه.

وقال أهل اللغة: إن الحقيقة على ثلاثة أوجه: إن بمعنى ما، كقوله: إِنِ الْكافِرُونَ إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [يس: 29] .

وإن بمعنى لقد، كقوله إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [الإسراء: 108] .

وتَاللَّهِ إِنْ كُنَّا، قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: 56] ، إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ [يونس: 29] ، وإن بمعنى إذ كقوله: وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139] ، وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة: 278] نزلت هذه الآية في نفر من بني ثقيف، وفي بني المغيرة من قريش، وكانت ثقيف يربون لبني المغيرة في الجاهلية، وكانوا أربعة أخوة منهم مسعود وعبد ياليل وأخواهما يربون لبني المغيرة، فلما ظهر النبيّ  على أهل مكة، وضع الرِّبا كله، وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم على الناس يأخذونه، وما كان عليهم من رباً للناس، فهو موضوع عنهم لا يؤخذ منهم، وقد كان رسول الله  كتب لهم كتاباً، وكتب في أسفله إنَّ لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم، فلما حلّ الأجل طلب ثقيف رباهم، فاختصموا إلى أمير مكة، وهو عتاب بن أسيد، فكتب بذلك إلى رسول الله  ، فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولا تستحلوا الرِّبا وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني مصدقين بتحريم الرِّبا.

ثم خوفهم فقال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي لم تقروا بتحريم الربا ولم تتركوه فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر فآذِنوا بمد الألف وكسر الذال، وقرأ أبو عمرو وورش عن نافع، فأْذَنُوا بترك الهمزة ونصب الذال، وقرأ الباقون بجزم الألف ونصب الذال، فمن قرأ فَأْذَنُوا بالجزم معناه: فاعلموا بِحَرْبٍ مِّنَ الله، يعني بإهلاك من الله.

ويقال معناه: فاعلموا بأنكم كفار بالله وَرَسُولِهِ ومن قرأ فآذنوا بالمد يقول: اعلموا بعضكم بعضاً بحرب، أي بإهلاك من الله تعالى ورسوله.

فقالوا: ما لنا بحرب من الله ورسوله طاقة فما توبتنا؟؟

فقال تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ التي أسلفتم.

وقال النبيّ  : «كُلُّ رِباً كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رباً وُضِعَ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكُلُّ دَمٍ كانَ في الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ وُضِعَ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الحارث بن عبد المطلب» .

ثم قال: لاَ تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ يعني الطالب لا يظلم بطلب الزيادة، ويرضى برأس المال، ولا يظلم المطلوب، فينتقص عن رأس المال، وذلك أنهم طلبوا رؤوس أموالهم من بني المغيرة، فشكوا العسرة يعني بني المغيرة وقالوا: ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت إدراك ثمارهم، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ يعني إن كان المطلوب ذو شدة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ يقول: أجله أن يتيسر عليه بإدراك ثماره وَأَنْ تَصَدَّقُوا يقول: لو تصدقتم ولا تأخذونه فهو خَيْرٌ لَكُمْ ويقال: لئن تصدقتم بالتأخير فهو خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن الصدقة خير لكم.

قرأ نافع إلى ميسرة بضم السين.

وقرأ الباقون والنصب، وهما لغتان ومعناهما واحد.

وقرأ عطاء فناظرة بالألف.

وقرأ العامة بغير ألف، ومعناها واحد.

وقرأ عاصم وأن تصدقوا بتخفيف الصاد.

وقرأ الباقون بالتشديد، لأن التاء أدغم في الصاد، وأصله تتصدقوا.

ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ يقول اجتنبوا عذاب يوم ترجعون فِيهِ إِلَى اللَّهِ يعني في يوم القيامة ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ من خير أو شر وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يقول: وهم لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.

وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال آخر آية نزلت من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ قرأ أبو عمرو تُرْجَعُونَ بنصب التاء وكسر الجيم وقرأ الباقون بالضم ونصب الجيم قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عبد الملكِ بْنُ محمَّدِ بْنِ أبي القَاسِم بْن الكَرْدَبُوسِ «١» في «الاكتفاء فِي أخبار الخُلَفَاء» ، قال: وتكلَّم علي بن أبي طالب- رضي اللَّه عنه- بتسْعِ كلماتٍ، ثلاثٌ في المناجاةِ، وثلاثٌ في الحكمة، وثلاثٌ في الآداب أمَّا المناجاة، فقال: كَفَانِي فَخْراً أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، وكَفَانِي عِزًّا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً، وَأَنْتَ كَمَا أُحِبُّ، فاجعلني كَمَا تُحِبُّ، وَأَمَّا الحكمة، فقال: قيمة كلّ امرئ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ، وَمَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَالمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ، وَأَمَّا الآدَابُ، فَقَالَ: استغن عَمَّنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ نَظِيرُهُ، وَتَفَضَّلْ على مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَمِيرُهُ، واضرع إلى مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَسِيرُهُ.

انتهى.

ولما كانتِ السيما تدلُّ على حال صاحبِها، ويعرف بها حاله، أقامَها اللَّه سبحانه مُقَامَ الإِخبار عن حَالِ صاحبِها، فقال: «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ» ، وقد قال الشيخُ العارفُ باللَّهِ صاحبُ «الكَلِمِ الفارقيَّة والحِكَمِ الحقيقيَّة» : كلُّ ما دلَّ على معنًى، فقد أخبر عنه، ولو كان صامتاً، وأشار إليه، ولو كان ساكتاً، لكنَّ حصول الفهْمِ والمعرفةِ بحَسَب اعتبار المعتَبِرِ، ونَظَر المتأمِّل المتدبِّر.

انتهى.

قال ع «٢» : وفي الآية تنبيهٌ على سوء حالة من يسأل النَّاسَ إِلحافاً، وقال: ص: وقوله تعالى: لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً، إِذا نُفِيَ حُكْمٌ مِنْ محكومٍ عليه بقَيْدٍ، فالأكثر في لسانهم انصراف النفْيِ إلى ذلك القيدِ، فالمعنى على هذا: ثبوتُ سؤالهم، ونَفْي الإِلحاح، ويجوز أنْ ينفي الحُكْم، فينتفي ذلك القَيْد، فينتفي السؤالُ والإِلحاح، وله نظائر.

انتهى.

وقوله تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: وعدٌ محضٌ، أي: يعلمه، ويحصيه ليجازي عليه، ويثيب.

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)

وقوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ...

الآية: قال ابْنُ عَبَّاس:

نزلَتْ هذه الآيةُ في عليِّ بن أبِي طَالِبٍ- رضي اللَّه عنه- كانَتْ لِه أربعةُ دراهِمَ، فتصدَّق بدرهمٍ لَيْلاً، وبدرهمٍ نَهَاراً، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً «١» ، وقال قتادةُ: نزلَتْ في المنْفِقِينَ في سبيل اللَّه مِنْ غَيْر تبذيرٍ ولا تقتيرٍ، قال ع «٢» : والآية، وإنْ كانَتْ نزلَتْ في عليٍّ- رضي اللَّه عنه- فمعناها يتناولُ كُلَّ مَنْ فعل فِعْلَه، وكلَّ مشَّاءٍ بصدَقَته في الظلم إِلى مَظِنَّةِ الحاجة.

وقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ...

الآية: الرِّبا: هو الزيادةُ، مأخوذ من:

رَبَا يَرْبُو، إِذا نَمَا، وزاد على ما كان، وغالبه: ما كانت العربُ تفعله من قولها للغريم:

«أَتَقْضِي، أَمْ تُرْبِي» ، فكان الغريم يزيدُ في عدد المالِ، ويصبر الطالب عليه، ومن الربا البيِّن التفاضُلُ في النوع الواحِدِ وكذلك أكثر البيوعِ الممنوعَة، إِنما تجد منْعها لمعنى زيادةٍ إِما في عينِ مالٍ، أو في منفعةٍ لأحدهما مِنْ تأخيرٍ ونحوه، ومعنى الآية: الذين يكْسِبُون الربا، ويفعلونه، وإِنما قصد إِلى لفظة الأكْل لأنها أقوى مقاصدِ الناسِ في المَالِ، قال ابن عبَّاس وغيره: معنَى قوله سبحانه: لاَ يَقُومُونَ، أي: من قبورِهِمْ في البَعْثِ يوم القيامة إلّا ٧٢ ب كما/ يقومُ الَّذي يتخبَّطه الشيطانُ من المَسِّ «٣» ، قالوا: كلُّهُم يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عقوبةً له وتمقيتاً عند جميع المَحْشَرِ ويقوِّي هذا التأويلَ المجْمَع علَيْه أنَّ في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: «لاَ يَقُومُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ» .

وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا معناه عند جميع المتأولين:

في الكفار، وأنه قول بتكذيب الشريعة، والآية كلُّها في الكفار المُرْبِينَ، نزلَتْ، ولهم قيلَ:

فَلَهُ مَا سَلَفَ، ولا يقال ذلك لمؤمنٍ عاصٍ، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيدِ هذه الآيةِ، ثم جزم اللَّه سبحانه الخَبَر في قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، قيل: هذا من عموم القُرآن المخصَّص، وقيل: من مُجْمَلِهِ المبيَّن، قال جعفر بن محمَّدٍ الصَّادِقُ «١» : وحرم اللَّه الربَا ليتقارض النَّاسُ.

وقوله تعالى: فَلَهُ مَا سَلَفَ، أي: من الربا لا تباعة علَيْه في الدنيا والآخرة، وهذا حكْمٌ مِنَ اللَّه سبحانه لِمَنْ أسلم من الكفار، وفي قوله تعالى: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أربعُ تأويلات:

أحدها: أمْرُ الربا في إِمرار تحريمه وغير ذلك.

والثاني: أمر ما سَلَف، أي: في العفْوِ وإِسقاطِ التَّبَعَةِ فيها.

والثالث: أنَّ الضمير عائدٌ على ذي الربا بمعنى: أمره إِلى اللَّه في أنْ يثبته على الاِنتهاء أو يعيدَهُ إِلى المعصية.

والرابع: أنْ يعود الضميرُ على المنتهى، ولكنْ بمعنى التأنيسِ له، وبَسْط أمله في الخَيْر.

وقوله تعالى: وَمَنْ عادَ، يعني: إِلى فِعْلِ الربا، والقولِ إِنما البيعُ الرِّبَا، والخلودُ في حق الكافر: خلودُ تأبيدٍ حقيقيّ، وإِن لحظنا الآيةَ في مُسْلمٍ عاصٍ، فهو خلودٌ مستعارٌ على معنى المبالغة.

وقوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، يَمْحَقُ: معناه: ينقص، ويذهب ومنه: مِحَاقُ القَمَرِ «٢» ، وهو انتقاصه، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ: معناه: ينميها، ويزيد ثوابها تضاعفاً، تقولُ: رَبَتِ الصدقةُ، وأرْبَاهَا اللَّه تعالى، وربَّاهَا، وذلك هو التضعيف لمن يشاء ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم «إِنَّ صَدَقَةَ أَحَدِكُمْ لَتَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ تعالى،

فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ حتى تَجِيءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنَّ اللُّقْمَةَ لعلى قَدْرِ أُحُدٍ» «١» .

قال ع «٢» : وقد جعل اللَّه سبحانه هذَيْن الفعلَيْن بعَكْس ما يظنُّه الحريصُ الجَشِيعُ من بني آدم إِذ يظن الربا يغنيه، وهو في الحقيقة مُمْحَقٌ، ويظن الصدَقَةَ تُفْقِرُه، وهي في الحقيقة نماءٌ في الدنيا والآخرة، وعن يزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ «٣» أنَّ أبا الخير «٤» حدثه أَنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «كلّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» أوْ قَالَ: «حتى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ» ، قال يزيد: وكان أبو الخَيْرِ لاَ يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ فِيهِ، وَلَوْ كَعْكَةٍ أَوْ بَصَلَةٍ، قال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرِّجاه، يعني: البخاريَّ ومسلماً «٥» .

انتهى من «الإلمام في أحاديث الأحكام» لابن دقيق العيد.

قال الشيخُ ابن أبي جَمْرَة: ولا يُلْهَمُ لِلصدقةِ إِلاَّ مَنْ سبقَتْ له سابقةُ خَيْر.

انتهى.

قال أبو عمر في «التمهيد» : وروي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ إِلاَّ أَحْسَنَ اللَّهُ الخِلاَفَةَ على بَنِيهِ، وَكَانَ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، وحُفِظَ فِي يَوْمِ صَدَقَتِهِ مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ وَآفَةٍ «١» .

انتهى.

وروى أبو داود في «سننه» ، أنَّ سَعْدَ بْنَ عْبَادَةَ «٢» ، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ «٣» مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: المَاءُ، فَحَفَرَ بئْراً، وَقَالَ: هَذِهِ لأمّ سعد» «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى مَحْقُهُ: تَنْقِيصُهُ واضْمِحْلالُهُ، ومِنهُ: مَحاقُ الشَّهْرِ لِنُقْصانِ الهِلالِ فِيهِ.

رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إبْطالُ ما يَكُونُ مِنهُ مِن صَدَقَةٍ ونَحْوِها، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يُضاعِفُها.

والكُفّارُ: الَّذِي يُكْثِرُ فِعْلَ ما يَكْفُرُ بِهِ، والأثِيمُ: المُتَمادِي في ارْتِكابِ الإثْمِ المُصِرِّ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَمْحَقُ اللهُ الرِبا ويُرْبِي الصَدَقاتِ واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ "يَمْحَقُ" مَعْناهُ: يَنْقُصُ ويُذْهِبُ، ومِنهُ مِحاقُ القَمَرِ وهو انْتِقاصُهُ، "وَيُرْبِي الصَدَقاتِ" مَعْناهُ: يُنَمِّيها ويَزِيدُ ثَوابَها تَضاعُفًا، تَقُولُ: رَبَتِ الصَدَقَةُ، وأرْباها اللهُ تَعالى ورَبّاها، وذَلِكَ هو التَضْعِيفُ لِمَن يَشاءُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ صَدَقَةَ أحَدِكم لَتَقَعُ في يَدِ اللهِ، فَيُرَبِّيها لَهُ كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَصِيلَهُ أو فَلُوَّهُ حَتّى يَجِيءَ يَوْمَ القِيامَةِ وإنَّ اللُقْمَةَ لَعَلى قَدْرِ أُحُدٍ"».

وقَدْ جَعَلَ اللهُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ بِعَكْسِ ما يَظُنُّهُ الحَرِيصُ الجَشِعُ مِن بَنِي آدَمَ، يَظُنُّ الرِبا يُغْنِيهِ وهو في الحَقِيقَةِ مُمْحَقٌ، ويَظُنُّ الصَدَقَةَ تُفْقِرُهُ وهي نَماءٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

وَقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "يُمَحِّقُ اللهُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مُشَدَّدَةً، "وَيُرَبِّي" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الباءِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  كَذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الزَجْرَ في هَذِهِ الآياتِ لِلْكُفّارِ المُسْتَحِلِّينَ، القائِلِينَ عَلى جِهَةِ التَكْذِيبِ لِلشَّرْعِ: ﴿ إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا  ﴾ .

ووَصْفُ الكَفّارِ بِأثِيمٍ، إمّا مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَفْظانِ، وإمّا لِيَذْهَبَ الِاشْتِراكُ الَّذِي في "كَفّارٍ" إذْ قَدْ يَقَعُ عَلى الزارِعِ الَّذِي يَسْتُرُ الحَبَّ في الأرْضِ.

قالَهُ ابْنُ فُورَكٍ قالَ: وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ لا يُحِبُّ ﴾ أيْ: لا يُحِبُّ الكَفّارَ الأثِيمَ مُحْسِنًا صالِحًا بَلْ يُرِيدُهُ مُسِيئًا فاجِرًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واللهُ لا يُحِبُّ تَوْفِيقَ الكَفّارِ الأثِيمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ تَأْوِيلاتٌ مُسْتَكْرِهَةٌ - أمّا الأوَّلُ فَأفْرَطَ في تَعْدِيَةِ الفِعْلِ، وحَمَّلَهُ مِنَ المَعْنى ما لا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، وأمّا الثانِي فَغَيْرُ صَحِيحِ المَعْنى، بَلِ اللهُ تَعالى يُحِبُّ التَوْفِيقَ عَلى العُمُومِ ويُحَبِّبُهُ، والمُحِبُّ في الشاهِدِ يَكُونُ مِنهُ مَيْلٌ إلى المَحْبُوبِ، ولُطْفٌ بِهِ، وحِرْصٌ عَلى حِفْظِهِ، وتَظْهَرُ دَلائِلُ ذَلِكَ.

واللهُ تَعالى يُرِيدُ وُجُودَ الكافِرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ولَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ مَزِيَّةُ الحُبِّ بِأفْعالٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِ نَحْوَ ما ذَكَرْناهُ في الشاهِدِ وتِلْكَ المَزِيَّةُ مَوْجُودَةٌ لِلْمُؤْمِنِ.

ولَمّا انْقَضى ذِكْرُهم عَقَّبَ بِذِكْرِ ضِدِّهِمْ لِيُبَيِّنَ ما بَيْنَ الحالَيْنِ فَقالَ: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا" الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ، وخَصَّ الصَلاةَ والزَكاةَ بِالذِكْرِ - وقَدْ تَضَمَّنَهُما عَمَلُ الصالِحاتِ - تَشْرِيفًا لَهُما، وتَنْبِيهًا عَلى قَدْرِهِما إنَّهُما رَأْسُ الأعْمالِ - الصَلاةُ في أعْمالِ البَدَنِ، والزَكاةُ في أعْمالِ المالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معترضة لمقابلة الذم بالمدح، وقد تقدم تفسير نظيرتها قريباً.

والمقصود التعريض بأنّ الصفات المقابلة لهاته الصفات صفتُ غير المؤمنين.

والمناسبة تزداد ظهوراً لقوله: ﴿ وأتوا الزكاة ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ﴾ أيْ يَنْقُصُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، مَأْخُوذٌ مِن مِحاقِ الشَّهْرِ لِنُقْصانِ الهِلالِ فِيهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُبْطِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ إذا تَصَدَّقَ بِهِ في الدُّنْيا.

والثّانِي: يَرْفَعُ البَرَكَةَ مِنهُ في الدُّنْيا مَعَ تَعْذِيبِهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ.

﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُثَمِّرُ المالَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ الصَّدَقَةُ.

والثّانِي: يُضاعِفُ أجْرَ الصَّدَقَةِ ويَزِيدُها، وتَكُونُ هَذِهِ الزِّيادَةُ واجِبَةً بِالوَعْدِ لا بِالعَمَلِ.

﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ ﴾ في الكَفّارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَسْتُرُ نِعَمَ اللَّهِ ويَجْحَدُها.

والثّانِي: هو الَّذِي يُكْثِرُ فِعْلَ ما يَكْفُرُ بِهِ.

وَفي الأثِيمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَن بَيَّتَ الإثْمَ.

والثّانِي: الَّذِي يُكْثِرُ فِعْلَ ما يَأْثَمُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ يمحق الله الربا ﴾ قال: ينقص الربا ﴿ ويربي الصدقات ﴾ قال: يزيد فيها.

وأخرج أحمد وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الربا وإن كثر فان عاقبته تصير إلى قل» .

وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً، فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» .

وأخرج الشافعي وأحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن خزيمة وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ﴾ [ التوبة: 104] .

و ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ » .

وأخرج البزار وابن جرير وابن حبان والطبراني عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا الطيب، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة تصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ » .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يتصدق بالتمرة أو بعدلها من الطيب ولا يقبل الله إلا الطيب، فتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله حتى تكون مثل التل العظيم» ، ثم قرأ ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: أما ﴿ يمحق الله الربا ﴾ فإن الربا يزيد في الدنيا ويكثر ويمحقه الله في الآخرة ولا يبقى منه لأهله شيء، وأما قوله: ﴿ ويربي الصدقات ﴾ فإن الله يأخذها من المتصدق قبل أن تصل إلى المتصدق عليه، فما يزال الله يربيها حتى يلقى صاحبها ربه فيعطيها إياه، وتكون الصدقة التمرة أو نحوها، فما يزال الله يربيها حتى تكون مثل الجبل العظيم.

وأخرج الطبراني عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتصدق بالكسرة تربو عند الله حتى تكون مثل أحد» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ يسأل عن هذه الآية، فيقال: إذا كان يستحق الثواب بخلوص الإيمان فلم شرط غيره؟

قيل: للبيان، إذ (١) ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا  ﴾ ومعلوم أن من دعا مع الله إلهًا آخر لا يحتاج في استحقاقه العقاب إلى عمل آخر، ولكن (٢) (٣) ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا  ﴾ والصد عن سبيل الله والتكذيب بآياته كفر، وإن ذكرا مع الكفر على جهة الانفصال.

(١) في (ي) و (م): (إن).

(٢) في (ش) ب: (لكن) (٣) في (ي): (لأن).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين يَأْكُلُونَ الرباوا ﴾ أي ينتفعون به، وعبر عن ذلك بالأكل لأنه أغلب المنافع.

وسواء من أعطاه أو من أخذه، والربا في اللغة الزيادة، ثم استعمل في الشريعة في بيوعات ممنوعة أكثرها راجع إلى الزيادة، فإنّ غالب الربا في الجاهلية قولهم للغريم: أتقضي أم تربي، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه، ثم إن الربا على نوعين: ربا النسيئة، وربا التفاضل وكلاهما يكون في الذهب والفضة، وفي الطعام، فأما النسيئة؛ فتحرم في بيع الذهب بالذهب وبيع الفضة بالفضة وفي بيع الذهب بالفضة، وهو الصرف، وفي الطعام بالطعام مطلقاً، وأما التفاضل: فإنما يحرم في بيع الجنس الواحد بجنسه من النقدين ومن الطعام، ومذهب مالك أنه يحرم التفاضل في المقتات المدخر من الطعام، ومذهب الشافعي أنه يحرم في كل طعام، ومذهب أبي حنيفة أنه يحرم في المكيل والموزون من الطعام وغيره ﴿ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ﴾ أجمع المفسرون أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلاّ كالمجنون، ويتخبطه يتفعله من قولك: خبط يخبط، والمس الجنون، ومن تتعلق بيقوم ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ تعليل للعقاب الذي يصيبهم، وإنما هذا للكفار، لأن قولهم: إنما البيع مثل الربا: ردّ على الشريعة وتكذيب للإثم وقد يأخذ العصاة بحظ من هذا الوعيد، فإن قيل: هلا قيل إنما الربا مثل البيع، لأنهم قاسوا الربا على البيع في الجواز، فالجواب: أن هاذ مبالغة، فإنهم جعلوا الربا أصلاً حتى شبهوا به البيع ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع ﴾ عموم يخرج منه البيوع الممنوعة شرعاً، وقد عددناها في الفقه ثمانين نوعاً ﴿ وَحَرَّمَ الرباوا ﴾ ردّ على الكفار وإنكار للتسوية بين البيع والربا، وفي ذلك دليل على أن القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم تحليل الله وتحريمه ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ أي له ما أخذ من الربا، أي لا يؤاخذ بما فعل منه قبل نزول التحريم ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ﴾ الضمير عائد على صاحب الربا، والمعنى أن الله يحكم فيه يوم القيامة، فلا تؤاخذوه في الدنيا، وقيل: الضمير عائد على صاحب الربا، والمعنى أن الله يحكم فيه يوم القيامة، فلا تؤاخذوه في الدنيا، وقيل: الضمير عائد على الربا، والمعنى أن أمر الربا إلى الله في تحريم أو غير ذلك ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ الآية: يعني من عاد إلى فعل الربا وإلى القول: إنما البيع مثل الربا، ولذلك حكم عليه بالخلود في النار، لأن ذلك القول لا يصدر إلاّ من كافر، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة لكونها في الكفار ﴿ يَمْحَقُ الله الرباوا ﴾ ينقصه ويذهبه ﴿ وَيُرْبِي الصدقات ﴾ ينميها في الدنيا بالبركة، وفي الآخرة بمضاعفة الثواب ﴿ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ أي من يجمع بين الكفر والإثم بفعل الربا، وهذا يدل على أن الآية في الكفار <div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الربا ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

وهذا إذا كان معرّفاً ولا يميلون المنكر في الوصل لأجل التنوين كقوله: ﴿ وما آتيتم من ربا  ﴾ ويميلون في الوقف لزوال التنوين ﴿ فأذنوا ﴾ ممدودة مكسورة الذال: حمزة وحماد وأبو بكر غير ابن غالب والبرجمي حمزة يقف بغير همزة أي بالتليين.

الباقون فأذنوا بسكون الهمزة وفتح الذال ﴿ لا تظلمون ولا تظلمون ﴾ الأول مبني للمفعول والثاني للفاعل المفضل.

الباقون بالعكس ﴿ ميسره ﴾ بضم السين: نافع ﴿ ميسرة ﴾ بضم السين وإثبات التاء: زيد عن يعقوب، الباقون بفتح السين وعدم التاء.

﴿ وأن تصدقوا ﴾ خفيفاً بحذف إحدى التاءين: عاصم.

الباقون بتشديد الصاد لإدغام تاء التفعل في الصاد.

﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: أبو عمرو ويعقوب عباس مخير.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ من المس ﴾ ط،/ ﴿ مثل الربا ﴾ م كيلا يظن أن ما بعده من قولهم وإن أمكن جعل ﴿ وأحل ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ وحرم الربا ﴾ ط لابتداء الشرط واستئناف المعنى، ﴿ ما سلف ﴾ ط لتناهي الجزاء، ﴿ إلى الله ﴾ ج، ﴿ النار ﴾ ج، ﴿ خالدون ﴾ ه، ﴿ الصدقات ﴾ ط، ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ج، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ مؤمنين ﴾ ه، ﴿ ورسوله ﴾ ج، ﴿ أموالكم ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف أو حال عاملة معنىالفعل في لام التمليك، ﴿ ولا تظلمون ﴾ ه، ﴿ ميسرة ﴾ ط، ﴿ تعلمون ﴾ ه، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه.

التفسير: الحكم الثاني من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع حكم الربا.وذلك أنَّ بين الصدقة وبين الربا مناسبة التضاد، فإن الصدقة تنقيص مأمور بها، والربا زيادة منهي عنها.

وأيضاً لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب وجب أن يردف بالكسب الحرام وهو الربا، والحلال وهو البيع ما يناسب من الدين والرهن وغيرهما فقال ﴿ الذين يأكلون الربا ﴾ أما الأكل فيعم جميع التصرفات إلا أنه عبر عن الشيء بمعظم مقاصده وكيف لا وقد " لعن رسول الله  آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والمحلل له" " وأيضاً نفس الربا لا يمكن أن يؤكل ولكن يصرف إلى المأكول فيؤكل، فالمراد التصرف فيه.

والربا في اللغة الزيادة من ربا يربو، ومن أمالها فلمكان كسرة الراء.

وهو في المصاحف مكتوب بالواو وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو.

وفي الكشاف: كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة.

وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع.

ثم الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل.

أما الأول فهو الذي كانوا يتعارفونه في الجاهلية، كانوا يدفعون المال مدة على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ثم إذا حل الدين طالب المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل.

وأما ربا الفضل فأن يباع مَنٌّ من الحنطة بمنوين مثلاً.

والمروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول وكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة.

ويجوّز ربا النقد فقال له أبو سعيد الخدري: أشهدت ما لم نشهد أسمعت ما لم نسمع؟

فروى له الحديث المشهور في هذا الباب.

وله روايات منها.

" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء" ثم قال أبو سعيد: لا أرني وإياك في ظل بيت ما دمت على هذا.

فيروى أنه رجع عنه.

قال محمد بن سيرين: كنا في بيت معنا عكرمة فقال رجل: يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس؟

فقال: إنما كنت/ استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أن رسول الله  حرمه فاشهدوا أني قد حرمته وبرئت إلى الله منه.

حجة ابن عباس أن قوله  : ﴿ وأحل الله البيع ﴾ يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقداً.

وقوله: ﴿ وحرم الربا ﴾ لا يتناوله لأن كل زيادة ليست محرمة فوجب أن تبقى على الحل ولا يخرج إلا العقد المخصوص الذي كان يسمى فيما بينهم ربا وهو ربا النسيئة.

وقد تأكد هذا الرأي بما روى أسامة ين زيد أن النبي  قال: " الربا في النسيئة " وفي رواية " لا ربا فيما كان يداً بيد " وذكر أبو المنهال أنه سأل البراء بن عازب وزيد بن أرقم "فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله  فسألنا رسول الله  عن الصرف فقال: إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نسيئة فلا يصح" وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على حرمة الربا في القسمين.

أما النسيئة فبالقرآن، وأما النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة: النقدان والمطعومات الأربعة.

ولا شك أن الربا إنما ثبت فيها لمعنى، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه.

أما الأشياء الأربعة فللشافعي في علة الربا فيها قولان: الجديد أن العلة الطعم لما روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله  يقول " الطعام بالطعام مثل بمثل " علق الحكم باسمي الطعام، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق، والجلد المعلق باسم الزاني.

والقديم أن العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن لما روي أنه  قال: " "الذهب بالذهب وزناً بوزن والبر بالبر كيلاً بكيل " فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مكيل أو موزون دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسفرجل والرمان والبيض والجوز.

وقال مالك: العلة الاقتيات، فكل ما هو قوت أو يستصلح به القوت كالملح يجري فيه الربا.

وعند أبي حنيفة العلة الكيل حتى ثبت الربا في الجص والنورة.

وعن أحمد رواية كأبي حنيفة والأخرى كالجديد.

وأما النقدان فعن بعض الأصحاب أن العلة فيهما لعينهما لا لعلة.

والمشهور أن العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة فيشمل التبر والمضروب والحلي والأواني المتخذة منها، ولا يتعدى الحكم إلى الفلوس على الأصح وإن راجت رواج الذهب والفضة لانتفاء العلة.

وقال أحمد وأبو حنيفة: العلة فيهما الوزن فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحديد والرصاص.

فهذا ضبط المذاهب وتفاريعها إلى الفقه.

وأما السبب في تحريم الربا/ فهو أن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض، وأخذ مال المسلم من غير عوض محرم لقوله  : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه " وإبقاء رأس المال في يده مدة مديدة وتمكينه من أن يتجر فيه وينتفع به أمر موهوم فقد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد متيقن وتفويت المتيقن لأجل الموهوم لا يخلو من ضرر.

وقيل: سبب تحريمه أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً أو نسيئة أعرض عن وجوه المكاسب فيختل نظام العالم.

وقيل: لما يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، ولأنه تمكين للغني من أن يأخذ مالاً زائداً من الفقير.

وقيل: إن حرمة الربا قد ثبتت بالنص ولا يجب أن تكون حكمة كل تكليف معلومة لنا.

﴿ لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ التخبط الضرب على غير استواء ومنه خبط العشواء وتخبط الشيطان.

قيل: من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع فورد على ما كانوا يعتقدون.

والمس الجنون رجل ممسوس أي مسه الجني فاختلط عقله، وكذلك جن الرجل ضربته الجن وهذا أيضا من زعماتهم.

وقيل: من عادة الناس إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله  : ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين  ﴾ فورد القرآن على ذلك.

وقيل: إن الشيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الفزع فيصرع كما يصرع الجبان في الموضع الخالي، ولهذا لا يوجد هذا الخبط في العقلاء وأرباب الحزم واللب.

وأكثر المسلمين على أن الشيطان لا يبعد أن يكون قوياً على الصرع والقتل والإيذاء بتقدير الله  .

وللمفسرين في الآية أقوال: أحدها أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.

وقوله: ﴿ من المس ﴾ يتعلق بـ ﴿ لا يقومون ﴾ أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع.

أو يتعلق بـ ﴿ يقوم ﴾ أي كما يقوم المصروع من جنونه، وقال ابن قتيبة: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم فأثقلهم.

وقيل: إنه مأخوذ من قوله  : ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا  ﴾ وذلك أن الشيطان يدعوه إلى الهوى، والملك يجره إلى التقوى، فيقع هناك حركات مضطربة وأفعال مختلفة وهو الخبط، فإذا مات آكل الربا على ذلك أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذلك الحجاب بينه وبين الله/ تعالى.

﴿ ذلك ﴾ العقاب بسبب قولهم ﴿ إنما البيع مثل الربا ﴾ وذلك أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع وإلا كان حق النظم في الظاهر أن يعكس فيقال: إنما الربا مثل البيع.

لأن الكلام في الربا لا في البيع، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، ثم إنهم كانوا يعولون في تحليل الربا على هذه الشبهة وهي أن من اشترى ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر نقداً أو نسيئة فهذا حلال، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر لا فرق بين الصورتين إذا حصل التراضي من الجانبين، والبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات.

ولعل الإنسان يكون صفر اليد في الحال وسيحصل له أموال كثيرة في المآل فإعطاؤه الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال.

فأجاب الله  عنها بحرف واحد وهو قوله: ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ وحاصلة إنكار التسوية وأن النص لا يعارض بالقياس فإن ذلك من عمل إبليس، أمره الله تعالى بالسجود فعارض النص بالقياس وقال أنا خير منه.

ثم ظاهر الآية يدل على أن الوعيد إنما لحقهم باستحلالهم الربا دون الإقدام على أكله مع اعتقاد التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون أكل الربا من الكبائر، ويجب تأويل مقدمة الآية بأن المراد من أكلهم الربا استطابته واستحلاله كما يقال: فلان يأكل مال الله قضماً وهضماً.

أي يستحل التصرف فيه إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا لا على وعيد من يستحل هذا العقد.

قيل: ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ من تمام كلام الكفار على سبيل الاستبعاد.

وأكثر المفسرين على خلافه لأن جعله من كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار هو أن يحمل ذلك على الاستفهام بطريق الإنكار، أو على الرواية عن قول المسلمين والإضمار خلاف الأصل.

وأيضاً لو كان من تمام كلامهم فلم يكشف الله  عن فساد شبهتهم، فلم يكن قوله بعد ذلك ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه ﴾ لائقاً بالمقام وأيضاً المسلمون لم يزالوا متمسكين في البيع بهذه الآية، ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار لم يصح منهم الاستدلال بها.

وههنا بحث للشافعي وهو أن الآية من المجملات التي لا يجوز التمسك بها بناء على أن الاسم المفرد باللام لا يفيد العموم وليس فيه إلا تعريف الماهية فيكفي في العمل به ثبوت صورة واحدة.

ولو سلم إفادة العموم فلا شك أن إفادته مما لو قيل: وأحل الله البياعات: بلفظ الجمع.

ومع ذلك فقد تطرق إليه تخصيصات خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله لأنه قريب من الكذب.

نعم إطلاق اللفظ المستغرق على الأغلب عرف مشهور، وأيضاً روي أن عمر قال: " خرج رسول الله  من الدنيا وما سألناه عن الربا" .

ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لم يقل/ ذلك.

وأيضاً قوله ﴿ وأحل الله البيع ﴾ يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً، وقوله: ﴿ وحرم الربا ﴾ يقتضي أن يكون كل رباً حراماً.

لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، وإذا تعارضا وتساقطا ووجب الرجوع إلي بيان النبي  .

﴿ فمن جاءه موعظة ﴾ فمن بلغه وعظ ﴿ من ربه فانتهى ﴾ امتنع من استحلال الربا وتبع النهي ﴿ فله ما سلف ﴾ فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم كقوله ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  ﴾ عن الزجاج: والتنوين في ﴿ موعظة ﴾ للتعظيم أو للتقليل أي موعظة بليغة أو شيء من المواعظ.

وقيل: النهي المتأخر كيف يؤثر في الفعل المتقدم حتى يكون ما سلف ذنباً؟

فالمراد له ما أكل من الربا وليس عليه رد ما سلف.

عن السدي: والسلوف التقدم ومنه الأمم السالفة، وسلافة الخمر صفوتها لأنه أول ما يخرج من عصيرها، ﴿ وأمره إلى الله ﴾ لأنه إن انتهى عن أكل الربا كما انتهى عن استحلاله فهو المقر بدين الله العامل بتكليفه فيستحق المدح والثواب، وإن انتهى عن الاستحلال دون الأكل فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ ﴿ ومن عاد ﴾ إلى استحلال الربا وأنه مثل البيع ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ لأنه كفر باستحلال ما هو محرم إجماعاً.

وأما القائلون بتخليد الفساق فيقولون: ومن عاد إلى أكل الربا.

ثم إنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآي السالفة في الحث على الصدقات، ذكر ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الربا وفعل الصدقة فقال ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ والمحق نقص الشيء حالاً بعد حال ومنه "محاق القمر" وكل من محق الربا وإرباء الصدقات إما في الدنيا وإما في الآخرة.

وذلك أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى الفقر وتزول البركة عن ماله.

عن ابن مسعود أن النبي  قال: " "الربا وإن كثر إلى قل " وذلك لدعاء الناس عليه وبغضهم إياه لسقوط عدالته وشهرته بالفسق والعدوان، وربما يطمع الظلمة في ماله ظناً منهم من أن المال في الحقيقة ليس له.

وعن ابن عباس في تفسير هذا المحق أن الله  لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ولا حجاً ولا صلة.

ثم إن مال الربا لا يبقى عند الموت وتبقى التبعة عليه.

وقد ثبت في الحديث " أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام " هذا حال الغني من الحلال فكيف حال الغني من الحرام المقطوع بحرمته؟

قال القفال: نظير قوله ﴿ يمحق الله الربا ﴾ المثل الذي ضربه فيما تقدم ﴿ كمثل صفوان عليه تراب  ﴾ ونظير قوله: ﴿ ويربي الصدقات ﴾ المثل الآخر ﴿ كمثل جنة بربوة  ﴾ .

﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل  ﴾ عن أبي هريرة/ عن رسول الله  : " إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد " وأيضاً المتصدق يزداد كل يوم جاهه وذكره الجميل وتميل القلوب إليه وتنقطع الأطماع عنه متى اشتهر منه أنه متشمر لإصلاح مهمات الضعفاء وسد خلة الفقراء، فتبين أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في المآل، والصدقة وإن كانت نقصاناً في الحال إلا أنها زيادة في الاستقبال.

فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الحس والطبع ويعوّل على ما ندب إليه العقل والشرع ﴿ والله لا يحب كل كفار أثيم ﴾ الكفار فعال من الكفر ومعناه المقيم على ذلك، والصيغة للمزاولة كـ "تمار وقوال" والأثيم "فعيل" بمعنى "فاعل" وهو أيضا للمبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحداً.

ووجه آخر وهو أن يكون الكفار عائداً إلى المستحل، والأثيم إلى الآكل مع اعتقاد التحريم.

ويحتمل أن يعود كلاهما إلى أكل الربا ويكون تغليظاًَ في أمر الربا وإيذاناً بأنه من فعل الكفرة لا من فعل المسلمين.

وفي الآية دلالة على أنه  سبقت رحمته غضبه.

بيانه أنه لم ينف المحبة إلا عن الجامع بين الإصرار على الكفر وبين المواظبة على سائر الآثام كالربا.

فإن استحلاله كفر وهو في نفسه إثم مذموم في جميع الأديان، لأنه سلب مال المحتاج بنوع من الإكراه والإلجاء، فتبقى الآية ساكنة عمن جمع بين الأمرين لا على سبيل الإصرار والمواظبة وعن الذي لم يجمع بينهما.

نعم قد عرف بدليل آخر أن الكفار الذي لم يواظب على سائر الآثام لا يستأهل محبة الله  وذلك لا ينافي السكوت عن حكمه ههنا والله أعلم.

ثم ذكر الترغيب عقيب الترهيب على عادته من ذكر الوعد مع الوعيد فقال ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

فاحتج به من قال العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان كما مر.

وأجيب بأنه قال في الآية: ﴿ وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ مع أن الصلاة والزكاة من الأعمال الصالحة.

ورد بأن الأصل حمل كل لفظ على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر فيبقى في غيره على الأصل ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ لم يقل "على ربهم" لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد وذلك النقد حاضر متى شاء البائع أخذه، والثاني جارٍ مجرى البيع في الذمة نسيئة، ولا شك أن الأول أفضل ﴿ ولا خوف عليهم ﴾ عن ابن عباس: أي فيما يستقبلهم من أحوال القيامة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حال إلى حال أخرى فوقها ربما يتحسر على بعض ما فاته من الأحوال السالفة وإن كان مغتبطاً بالثانية لأجل إلف وعادة، فبيّن  أن هذا القدر من الندامة لا يلحق أهل الثواب والكرامة.

وقال الأصم: لا خوف عليهم من عذاب يومئذٍ ولا هم يحزنون بسبب أنهم فاتهم النعيم الزائد الذي حصل لغيرهم من السعداء لأنه لا منافسة في الآخرة، وأيضاً إنهم لا يحزنون بسبب إنه لم يصدر منا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا بها مستحقين بثواب أزيد مما وجدناه لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة.

وههنا سؤال وهو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله، ولما بلغت حاضت.

وعند انقطاع حيضها ماتت.

أو الرجل بلغ عارفاً بالله، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات.

فهما بالاتفاق من أهل الثواب مع خلوهما عن الأعمال، فكيف وقف الله ههنا حصول الأجر على حصول الأعمال؟

والجواب أن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها، وقد دلت الآية على أن كل مؤمن عمل صالحاً فله الأجر فلا يلزم العكس الكلي ثم إنه  لما بيَّن أن من انتهى عن الربا فله ما سلف كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ﴾ فبين أنه يحرم أخذ ما بقي من الربا في ذمتهم.

فإن قيل: كيف قال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ثم قال في آخره ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ؟

فالجواب أن هذا كما يقال: إن كنت أخي فأكرمني.

معناه أن من كان أخاً أكرم أخاه.

ومعناه إذ كنتم مؤمنين أو إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان، أو يا أيها الذين آمنوا بلسانكم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم.

قال القاضي: وفيه دلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة، وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق متى تجنب كل الكبائر.

وأجيب بأن المراد إن كنتم عاملين بمقتضى الإيمان.

وهذا بناء على أن العمل الصالح غير داخل في مسمى الإيمان، وإنما شدد الله في ذلك لأن المنتظر لحلول الأجل إذا حضر الوقت وطن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ففطامه عنها يكون شديداً عليه فقال ﴿ اتقوا الله ﴾ واتقاؤه إنما يكون باتقاء ما نهى عنه.

وهذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار.

إذا أسلموا، فإن ما مضى في الكفر يبقى ولا ينقض ولا يفسخ، وما لم يوجد منه في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب وإن كان النكاح وقع على مهر حرام فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون ما سمى وهذا مذهب الشافعي.

وأما سبب نزول الآية فعن ابن عباس: "بلغنا - والله أعلم - أنها نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف وفي بني المغيرة بني مخزوم.

كانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله رسوله على مكة وضع يومئذ الربا كله فأتى بنو عمرو بن عمير وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا أوضع عن/ الناس غيرنا.

فقال بنو عمر: وصولحنا على أن لنا ربنا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله  فنزلت هذه الآية والتي بعدها ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من الله ورسوله" .

وقال عطاء وعكرمة: "نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إن أنتما أخذتما حقكما كله.

فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟

ففعلا.

فلما جاء الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله  فنهاهما ونزلت الآية" فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما.

وقال السدي: "نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله  هذه الآية فقال النبي  : ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا ﴾ قيل: خطاب مع الكفار المستحلين للربا.

ومعنى قوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ معترفين بتحريم الربا ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه ﴿ فأذنوا ﴾ ومن ذهب إلى هذا القول قال: فيه دليل على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام فهو خارج عن الملة كما لو كفر بجميع شرائعه، وعلى هذا يكون مالهم فيئاً للمسلمين.

وقيل: خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا لأنه خطاب مع قوم تقدم ذكرهم وما هم إلا المخاطبون بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ومعنى قوله: ﴿ فآذنوا ﴾ عند من جعله من الإيذان أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله، فالمفعول محذوف.

وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضا قد علموا ذلك، لكن ليس في علمهم دلالة علي إعلام غيرهم.

فهذه القراءة في الإبلاغ آكد ممن قرأ ﴿ فأذنوا ﴾ من أذن بالشيء إذا أعلم به أي كونوا على إذن وعلم.

فإن قيل: كيف أمربالمحاربة مع المسلمين؟

قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل كما جاء في الخبر " من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " وعن جابر عن النبي  : " "من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله " وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ أصلاً في قطاع الطريق من المسلمين./ فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وسنة رسوله.

ثم التفضيل فيه أن المصر على عمل الربا إن كان شخصاً قدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى عليه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر مانعي الزكاة.

وكذا القول لو أجمعوا على ترك الأذان وترك دفن الموتى فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ﴿ وإن تبتم ﴾ من استحلال الربا أو عن معاملة ﴿ فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ﴾ الغريم يطلب زيادة على رأس المال ﴿ ولا تظلمون ﴾ أنتم بنقصان رأس المال.

﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ إن وقع غريم من غرمائكم ذو إعسار على أن "كان" هي التي تسمى تامة بمعنى وجد الشيء وحدث في نفسه لا بمعنى وجد موصوفاً بشيء فإنها حينئذٍ تكون ناقصة تحتاج إلى الخبر.

وقرأ عثمان ﴿ ذا عسرة ﴾ بمعنى وإن كان الغريم أو المستربي ذا عسرة.

والقراءة المشهورة أولى كيلا تكون النظرة مقصورة على الغريم المستربي بل تعمه وغيره من أرباب العسرة وهي اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال.

والنظرة التأخير والإمهال وفي الآية حذف والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة.

وقرىء ﴿ فنظرة ﴾ بسكون الظاء، وقرأ عطاء ﴿ فناظره ﴾ على الأمر أي سامحه بالإنظار وناظره أي صاحب الحق ناظره أي منتظره، أو ذو نظرته مثل مكان عاشب أي ذو عشب.

والميسرة اليسار ضد الإعسار.

وقرىء بضم السين كمقبرة ومقبرة.

ومن قرأ بالإضافة إلى الضمير فقد حذف التاء كقوله: ﴿ وأقام الصلاة ﴾ واختلفوا في أن حكم الإنظار مختص بالربا أو عام في الكل؟

فعن ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا.

قال الكلبي: قال بنو عمرو لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكم الربا ندعه لكم.

فقال بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة فأبوا أن يؤخروهم فنزلت ﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ وعن مجاهد وسائر المفسرين أنها عامة في كل دين، ولهذا ورد "كان" تامة.

ولو فرض أن سبب النزول خاص فلا بد من إلحاق سائر الصور به لأن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به وهو قول أكثر الفقهاء كمالك وأبي حنيفة والشافعي.

والإعسار في الشرع هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه ولا يكون له ما لو باعة لأمكن أداء الدين من ثمنه.

فمن وجد داراً أو ثوباً لا يعد من ذوي العسرة إذا أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز له أن يحبس إلا قوت يومه لنفسه وعياله وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع الحر والبرد عنهم.

وهل يلزمه أن يؤخر نفسه من صاحب الدين أو غيره؟

الأصح أنه لا يلزمه، وكذا لو بذل له غيره ما يؤديه لا يلزمه القبول.

فأما من له بضاعة كسدت عليه فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يمكن إلا ذلك.

وإذا علم الإنسان أن/ غريمه معسر حرام عليه حبسه وأن يطالبه بما له عليه ووجب الإنظار إلى وقت اليسار فأما إن كان غريمه في إعساره جاز أن يحبسه إلى ظهور الإعسار.

وإذا ادعى الإعسار وكذبه الغريم فإن كان الدين الذي حصل لزمه حصل له عن عوض كالبيع أو القرض فلا بد له من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، فإن لم يكن عن عوض كإتلاف وضمان وصداق فالقول قوله وعلى الغريم البينة، لأن الأصل هو الفقر، ﴿ وأن تصدقوا ﴾ على المعسر بما عليه من الدين يدل على ذلك ذكر المعسر وذكر رأس المال ﴿ خير لكم ﴾ لحصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أن هذا التصدق خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه، أو تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض بعده، أو تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم.

وقيل: المراد بالتصدق الإنظار لقوله  : " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " وزيف بأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى فلا بد من فائدة جديدة ولأن قوله ﴿ خير لكم ﴾ إنما يليق بالمندوب لا بالواجب.

ثم إن المعاملين بالربا كانوا أصحاب شرف وجلالة وأعوان وتغلب على الناس، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد فلا جرم وقع ختم أحكام الربا بقوله ﴿ واتقوا يوماً ﴾ والمراد اتقاء ما يحدث فيه من الشدائد والأهوال.

واتقاء ذلك لا يمكن إلا باجتناب المعاصي وفعل الأوامر في الدنيا فهذا القول يتضمن الإتيان بجميع التكاليف.

وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على أنه مفعول به.

والمعنى: تأهبوا بما تسلفون من العمل الصالح للقاء يوم ﴿ ترجعون فيه إلى الله ﴾ أي إلى ما أعد لكم من ثواب أو عقاب، وإلى علمه وحفظه وذلك أن الإنسان له أحوال ثلاث على الترتيب: الأولى كونه جنيناً لا يملك تصرفاً فلا تصرف فيه إلا لله، والثانية خروجه إلى فضاء وهنالك يرى للأبوين لغيرهما تصرف فيه ظاهر.

الثالثة ما بعد الموت وهنالك لا يكون التصرف فيه ظاهراً وفي الحقيقة إلا لله  فكأنه عاد إلى الحالة الأولى.

وهذا معنى الرجوع إلى الله ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ أي جزاء ذلك أو المكتسب هو الجزاء كما يقال: كسب الرجل لما يحصله بتجارته.

والمراد أن كل مكلف فإنه يصل إليه جزاء عمله بالتمام عند الرجوع إلى الله  كقوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بأكرم الأكرمين إيصال العذاب إلى عبيده الكفار والفساق فقال ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ بل العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله  مكنه وأزاح عذره وسهل طريق الاستدلال عليه وأمهل.

هذا على أصول المعتزلة.

وأما على أصول الأصحاب فهو إشارة إلى أنه  ملك الملوك وخالق الخلائق، والملك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً.

"عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت على رسول الله  نزل بها جبريل وقال:/ ضعها على رأس المائتين والثمانين من البقرة" ، وعاش  بعدها أحداً وثمانين يوماً، وقيل أحداً وعشرين، وقيل سبعة أيام، وقيل ثلاث ساعات، والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم أكلة الربا بعد ذكر قناعة أهل العقبى.

فمثل آكل الربا كمثل من به جوع الكلب يأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقوم إلا كما يقوم المصروع لأنه كلما أقام صرعه ثقل بطنه، ومثله قوله  : " إن هذا المال خضر حلو وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت فمن أخذه بحقه ووضعه بحقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " وفي الحديث مثلان: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا بحيث يفضي به إلى الهلاك في الدنيا والعقبى وأشار إليه بقوله: " "وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم " وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منها الماشية لاستطابتها إياها حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنشق أمعاؤها فتهلك أو تقارب الهلاك.

والمثل الآخر للمقتصد وذلك قوله "إلا آكلة الخضر" وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره ولكنها من كلإ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تكثر منها وهو مثل التاجر الذي يكتسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع.

ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ما أضربه ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ يعني كيف يكون ما أزال نور الأمر ظلمته مثل ما زاد ظلمته ارتكاب المنهي؟

فمرتكب الربا في ظلمات ثلاث: ظلمة الحرص وظلمة الدنيا وظلمة المعصية.

﴿ وأمره إلى الله ﴾ يرزقه من حيث لا يحتسب ﴿ والله لا يحب كل كفار ﴾ بنعمة الشرع وأنواره ﴿ أثيم ﴾ عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره.

ثم أخبر عن العاملين بالشرع الخارجين عن الطبع الذين آمنوا إيمان التصديق بالتحقيق مقروناً بالتوفيق، ثم خرجوا عن ظلمة اتباع الهوى بإقامة الصلاة وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة، فجذبتهم العناية من حضيض العبدية إلى ذروة العندية ﴿ ولهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ﴾ من الرجوع إلى ظلمات الطبيعة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ لفوات أنوار الشريعة.

ثم أخبر عن أهل الإيمان المجازي فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللسان ﴿ اتقوا الله ﴾ أي بالله كما جاء.

"كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله  ".

أي جعلناه قدامنا.

ومن شرط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك الزيادات كما قال: " "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " و ﴿ ذروا ما بقي من الربا ﴾ تركوا ما سوى الله في طلبه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إيماناً حقيقياً.

﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ لم تتركوا كل زيادة تمنعكم ﴿ فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ ببعد منهما وبغض.

﴿ وإن تبتم ﴾ تركتم غيره ﴿ فلكم رؤوس أموالكم ﴾ وهي الكرامة التي فضلكم بها على كثير من خلقه وهي المحبة يحبهم ويحبونه ﴿ لا تظلمون ﴾ بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات ﴿ ولا تظلمون ﴾ بوضع محبتكم في غير موضعها.

﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ لم يصل إليه ما أعد لأجله عاجلاً ﴿ فنظرة إلى ميسرة ﴾ وهو وقت وصوله إليه آجلاً ﴿ وأن تصدقوا ﴾ تبذلوا فينا ما تتمنون من صنوف برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ قدرها ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " ثم إنه  كما جمع في القرآن خلاصة الكتب السماوية جمع في خاتمة الوحي خلاصة أي القرآن فقال: ﴿ واتقوا يوماً ﴾ الآية.

وذلك أن فائدة جميع الكتب راجعة إلى معنيين: النجاة من الدركات السفلى وهي سبعة: الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس.

والفوز بالدرجات العلى وهي ثمانية: المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته.

فقوله ﴿ واتقوا ﴾ شامل لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني، لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه، فتقوى العام الخروج بسبب الإقامة بشرائط ﴿ جاهدوا فينا  ﴾ عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة.

ثم من ههنا تقوى الخاص تخرجهم جذبات ﴿ لنهدينهم سبلنا  ﴾ من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فيستظلون بظل سدرة المنتهى ﴿ عندها جنة المأوى  ﴾ فينتفعون بمواهب ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى  ﴾ ثم من ههنا تقوى خاص الخاص فتخرجه العناية بجذبات ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجاب النفس وبدية أنوار القدس.

وهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه وهو مقام أو أدنى ترجعون فيه إلى الله.

لأن مبدأ وجودك النفخة، وآخر حالك الجذبة، وبها/ اصطفى آدم وكرم نبيه ولهذا لم يقل: ولقد كرمنا أولاد آدم، لأن أهل الكرامة منهم من هو بوصف الرجال دون النساء.

ثم وصف الرجال بقوله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكرالله  ﴾ فمن كان من النساء بهذا الوصف فهو من الرجال في المعنى، ومن لم يكن من الرجال بهذا الوصف فهو من النساء في الحقيقة، وفي هذا الرجوع وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار للأعداء ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ فبقدر مراتبه في العبودية والتقوى يهتدي إلى مقامات القرب من المولى، وبحسب فنائه عن حجاب نفسه يبقى ببقاء ذاته وهويته، ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فإن دخول النور في البيت وخروج الظلمة منه إنما يكون على مقدار سعة فتح الروزنة وضيقة ولا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة ﴿ فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، ليس على حقيقة الأكل، ولكنه كان على الأخذ كقوله  : ﴿ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ .

فإذا كان هذا على الأخذ فقوله  : ﴿ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ﴾ هو على التمثيل، ليس على التحقيق.

وقال آخرون: هو على نفس الأكل، وما ذكر من العقوبة، لما أكلوا من الربا لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم المجنون المنخنق.

وقال غيرهم: ذلك لاستحلالهم الربا، وتخبيطهم الله عز وجل في الحكم في تحريمهم الربا بقولهم: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، فيه دليل جواز القياس في العقل؛ لأنه لو لم يكن في العقل جوازه لم يكن لقولهم: ﴿ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ معنى: لكنهم لم يعرفوا معنى المماثلة.

ثم المماثلة على الوجهين: مماثلة أسباب، ومماثلة أحوال.

فالمماثلة التي هي مماثلة أحوال: هي ابتداء محنة في الفعل، لا يقاس على غيره، نحو أن يقال: اقعد، أو أن يقال: قم، لا يقاس القيام على القعود، ولا القعود على القيام، إنما هو محنة لا يلزم غير المخاطب به.

وأما مماثلة الأسباب: فهي مماثلة الإيجاب، نحو أن يقال: حرم الله السكر في الخمر، فحيث ما وجد السكر يحرم؛ لأنه يجني على العقل، فكل شيء يجني عليه فهو محرم التناول منه.

وقوله  : ﴿ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ .

يقولون: لما جاز أن يباع ثوب يساوي عشرة بأحد عشر، كيف لا جاز أن يباع عشرة بأحد عشر؟

وقيل: كان الرجل منهم إذا حل ما له على صاحبه طلبه، فيقول المطلوب للطالب: زدني في الأجل وأزيدك على ما لك.

فيفضلان على ذلك ويعملان به.

فإذا قيل لهما: هذا ربا، قالا: هما سواء: الزيادة في البيع، أو الزيادة عند محل البيع.

فأكذبهم الله  في ذلك وقال: ﴿ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ ﴾ ، أي: ليس هكذا: البيع كالربا.

ويحتمل: فيه ابتداء حرمة أن حل ما هو بيع لا ما هو ربا.

ثم قوله  : ﴿ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ : فلقائل أن يقول: إنما يحرم منه قدر الربا، وأما العقد فإنه يجوز لما ليس فيه ربا.

لكن الأصل عندنا فيه: أن الدرهم الزائد يأخذ كل درهم من العشرة قسطاً منه وجزءاً من أجزاء كل درهم منه، فلا سبيل إلى إمضاء العقد لأخذ أجزائه كل درهم من الذي فيه العقد، وهو ربا.

وفيه وجه آخر: وهو أنه ختم الكلام على قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، ولا يزاد رأس المال في عقد قد مضى.

ثم معرفة الربا من غير الربا ما ليس بإرادة بدل.

ثم فيه دلالة أن حرمة الربا كان ظاهراً عندهم حتى حكوا، وكان حرمته فيما بينهم كهو فيما بين أهل الإسلام؛ لذلك قال أبو حنيفة - رضي الله  عنه -: أن لا يجوز بيع الربا فيما بين أهل الإسلام وبين أهل الذمة.

وعلى ذلك خرج الخطاب منه - عز وجل - بقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً  ﴾ .

وقوله  : ﴿ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ ﴾ : قيل: ﴿ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ ﴾ ، بيان تحريم الربا.

وقيل: ﴿ فَمَن جَآءَهُ ﴾ نهى في القرآن ﴿ مِّنْ رَّبِّهِ ﴾ في تحريم الربا، ﴿ فَٱنْتَهَىٰ ﴾ عن الربا.

ويحتمل: الموعظة، هي التذكير لما سبق منه، فيتذكر فيرجع عن صنيعه.

وقوله  : ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ ، قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ مَا سَلَفَ ﴾ له في الجاهلية صار مغفوراً له، وهو كقوله  : ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

ويحتمل قوله  : ﴿ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وذلك أن الكافر إذا تاب ورجع عن صنيعه، يرجع لا أن يعود إلى فعله أبداً، ويندم على كل سيئة ارتكبها، فيجعل الله كل سيئة كانت منه حسنة، وهو كقوله  : ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، في حادث الوقت أن يعصمه.

وقوله  : ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

إن المعتزلة استدلوا على الوعيد لأهل الإسلام بما ذكر فيه من العود.

لكن بدء الآية على الاستحلال، فعلى ذلك العود إليه على جهة الاستحلال، يدل عليه قوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ فأثبت له الكفر بالذي كان منه في الابتداء، وهو الاستحلال؛ فكذلك العود إليه.

وقوله  : ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ : قيل: ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ﴾ : يهلك.

وقيل: ﴿ يَمْحَقُ ﴾ : يبطل.

ولكن أصل "المحق" هو رفع البركة؛ وذلك أن الناس يقصدون بجمع الأموال والشح عليها، لينتفع أولادهم من بعدهم إشفاقاً عليهم، وكذلك يمتنعون من التصدق على الناس.

فأخبر الله  : أن الأموال التي جمعت من جهة الربا ألا ينتفع أولادهم بها، وهو الأمر الظاهر في الناس.

وأخبر أن الصدقات التي لا يمتنعون من الإنفاق عنها يربي ويخلف أودلاهم إذا تصدقوا، ويمحق الربا ويرفع البركة عنها؛ حتى لا ينتفع أولادهم بها.

وهو ما روي عن رسول الله  أنه قال: "كل متبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما فيه، وإن كذبا وكتما محقت عنهما البركة" وقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ الآية ظاهرة.

وقوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ ﴾ من عمركم ﴿ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ إذا صرتم مؤمنين.

وقيل: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، الذى تقبضون ﴿ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وفي الآية دلالة على أن الربا الذي لم يقبض إذا ورد عليه حرمة القبض أفسدته.

لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله  -: إن فوت القبض عن المبيع يوجب فساد العقد، كما كان فوت قبض الربا في ذلك العقد أوجب منع قبض الربا.

والذي يدل عليه قوله  : ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، فأوجب الفسخ فيه حتى أوجب رد رأس المال.

وفي الآية دليل وجه آخر: وهو أنه جعل حدوث الحرمة المانعة للقبض، يرتفع به العقد في فساد العقد؛ فعلى ذلك يجعل حدوث شيء في عقد معقود قبل القبض كالمعقود عليه في استئجار حصته من الثمن.

وقوله  : ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، فيه دلالة: أن ماجرت بين أهل الإسلام وأهل الحرب من المداينات والمقارضات ثم أسلموا يرد، وما أخذوا قهراً لا يردون؛ وذلك أن الربا الذي قبضوا لئلا يرد لم يؤمر برده.

فعلى ذلك ما أخذوا قهرا أخذوا لئلا يرد، لم يجب رده.

وأما رأس المال فإنما أخذوا للرد؛ فعلى ذلك ما أخذ بعضهم من بعض دَيْناً أو قرضاً وجب رده.

ففيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله  - على ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ .

عن ابن عباس - رضي الله  عنه - قال: فمن كان مقيماً على الربا مستحلاًّ له لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه: فإن تاب ونزع عنه، وإلا ضرب عنقه.

وقوله  : ﴿ فَأْذَنُواْ ﴾ ، فيه لغتان: بالقطع، والوصل.

فمن قرأ بالقطع، فهو على الأمر وبالإعلام لمستحليه أنه يصير حربا له بالاستحلال.

ومن قرأ بالوصل، فهو على العلم، كأنه قال للمؤمنين: إنه حرب لنا.

وقوله  : ﴿ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ : عن ابن عباس - رضي الله  عنه - قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ، أي: ﴿ لاَ تَظْلِمُونَ ﴾ فتربون، ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ : فتنقصون.

وقتادة - رضي الله  عنه - يقول: بطل الربا وبقيت رءوس الأموال.

وقوله  : ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ : عن ابن عباس - رضي الله  عنه -: ﴿ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ﴾ قال: هوالمطلوب، وهو في الربا.

وفيه دلالة جواز التقلب في البيع الفاسد؛ لأنه جعل لأرباب الأموال النظرة إلى ميسرة من عليه المال.

فلو كان له حق أخذه حيثما وجده بعد ما تناسخت الأيدي، او كان له حق تضمين من هو أغنى لم يكن لإنظار المعسر إلى وقت الميسرة معنى.

ولكن يحتاج إلى تضمين أيسرهم وأغناهم إذا كان يقدر، فله خصومته، وإذا كان شرط سقطت الخصومة، كما تقول في الذي يكفل عن معسر أو عمن أجل، ثم النظرة بالاختيار ممن له الحق، لا أنه يكون هكذا شاء هو أو أبى.

دليله قوله  : "لصاحب الحق اليد واللسان" .

أما اللسان فيتقاضاه، وأما اليد فيلازمه بها ويحبسه.

ولكنه إذا أجل قطع على نفسه حق اللسان واليد إلى أن يمضي ذلك الوقت، [فإذا مضى ذلك الوقت] ثبت له حق اللسان واليد.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، يعني برءوس الأموال إذا ظهر إعساره.

وعن الضحاك - رضي الله  عنه - أنه قال في قوله: ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، قال: أخذ رأس المال حسن، وتركه أحسن.

وإنما الصدقة على المعسر، فأما على الموسر فلا.

وفيه دليل جواز صدقة الدين وهبته ممن عليه دين، وهو الأخْيَرُ له إذا ظهر إعساره وفقره.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن هذه الآية آخر ما نزلت على رسول الله  .

وكذلك روي عن ابن عباس، رضي الله  عنه.

فإن كان ما ذكروا فهو - والله أعلم - أنه عز وجل رغبهم في ذكر ذلك اليوم؛ لما في ترك ذكره بطول الأمل، وطول الأمل يورث الحرص، والحرص يورث البخل ويشغله عن إقامة العبادات والطاعات.

فإذا كان كذلك فأحق ما يختم القرآن به هذا؛ لئلا يتركوا ذكر ذلك اليوم فيسقطوا عن منزلته الثواب والجزاء.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ويصير كأنه قال: اتقوا وعيده  في جميع ما يعدكم وما ألزمكم من الحق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، وعملوا الأعمال الصالحة، وأدوا الصلاة تامة على ما شرع الله، وآتوا زكاة أموالهم لمن يستحقها؛ لهم ثوابهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمورهم، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا ونعيمها.

<div class="verse-tafsir" id="91.7kl89"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقول كثير من الناس الذين تعلموا وتربوا تربية عصرية وأخذوا الشهادات من المدارس بل ومن هم أكبر من هؤلاء، إن المسلمين منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب وفقدوا الثروة والقوة بسبب تحريم الربا، فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من الأجانب، ومن كان غنيًا منهم لا يعطي بالربا، فمال الفقير يذهب ومال الغني لا ينمو.

ويجعلون هذه المسألة أهم المسائل الاجتماعية والعمرانية عند المسلمين، يعنون أنه ما جنى على المسلمين إلا دينهم.

وهذه أوهام لم تُقَل عن اختبار، فإن المسلمين في هذه الأيام لا يحكمون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم، ولو حكموه في هذه المسألة لما استدانوا بالربا وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم.

فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدين فهل يقول المشتبهون إنهم تركوا الصناعة والتجارة والزراعة لأجل الدين؟

ألم تسبقنا جميع الأمم إلى اتقان ذلك فلماذا لم نتقن سائر أعمال الكسب لنعوض منها على أنفسنا ما فاتنا من كسب الربا المحرم علينا، وديننا يدعونا إلى أن نسبق الأمم في اتقان كل شيء؟

الحق أن المسلمين في الأغلب قد نبذوا الدين ظهريًا فلم يبق عندهم منه إلا تقاليد وعادات أخذوها بالوراثة عن آبائهم ومعاشريهم، فمن يدعي أن الدين عاتق لهم عن الترقي فقد عكس القضية وأضاف إلى جهالاتهم جهالة شرًا منها، وإنما يجيء هذا من عدم البصيرة والتأمل في حال الأمة من بدايتها إلى ما انتهت إليه، ولو عرفت الأمة نفسها لعرفت ماضيها كما تعرف حاضرها ولكن جهلها بنفسها وعدم قراءة ماضيها هو الذي أوقعها فيما هي فيه من البلاء العظيم، فهي لا تدري من أني أُخِذَت ولا كيف سقطت بعد ما ارتفعت.

إن أثر الربا فينا لا يمكنا أن نزيله بمئات من السنين، ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا  ﴾ إلخ مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن اختلفت فيها الأمم، فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم، والنصارى يرابي بعضهم بعضًا ويرابون سائر الناس، وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمنًا طويلًا، ثم قلدوا غيرهم، ومنذ نصف قرن فشت المراباة بينهم في أكثر الأقطار، وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية، وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع، ومنها مسألة السبحة المشهورة وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مئة إلى سنة بمئة وعشرة مثلًا فيعطيه المئة نقدًا ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه!

على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جدًا ولكن الذين يُؤكلونه غيرهم كثيرون جدًا حتى لا تكاد تجد متمولًا في هذه البلاد سالمًا من الاستدانة بالربا إلا قليلًا، والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة، بل كثيرًا ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزامًا لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات، ومن هنا نرى أن الأديان لم يمكنها أن تقاوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها.

ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدًا بعشرين درهمًا نسيئة يجوز له أن يعطي المحتاج العشرة الدراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهمًا لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل.

هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما تحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.

والله تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع للربا بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين، ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين، ولكنه على سنة هداية الدين وهو أن الله أحل البيع وحرم الربا.

وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص أي إنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس، ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة، وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن لذلك القول إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هو أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه وتطبيقها على آرائهم ومذاهبهم فيه.

والمعنى الصحيح: أن زعمهم مساواة الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وكله، ولكن ههنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يربيهم على التراحم والتعاطف وأن يكون كل منهم عونًا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد.

فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس.

وهناك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشتهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل، ولم يجعل لأحد منهم حقًا على آخر بغير عمل، لأنه باطل لا مقابل له، وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضًا يقابل عوضًا وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائمًا انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعًا حقيقيًا لأن من يشتري قمحًا مثلًا فإنه يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعًا حقيقيًا.

وأما الربا وهو عبارة عن إعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر فيما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل.

وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانًا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودًا بالاستغلال فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال فينمو المال ويربو عندهم ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك ويبخس العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء.

ولو وقف الناس في استغلال المال عند حد الضرورة لما كان فيه مثل هذه المضرات، ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها.

لذلك حرم الله الربا، وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة.

وأما واضعوا القوانين فإنهم يضعون للناس الأحكام بحسب حالهم الحاضرة التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام، من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل والبعد عن الرذائل.

وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين وقل فيها التعاطف والتراحم وحلت القسوة محل الرحمة حتى أن الفقير فيها ليموت جوعًا ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه، فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفَعَلَة والعمال على أصحاب الأموال واعتصابهم المرة بعد المرة لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره بل يعطونهم أقل مما يستحقون، وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابًا كبيرًا في العالم، ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي شر هذه المسألة، وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.

وقد ألف"تولستوي"الفيلسوف الروسي كتابًا سماه (ما العمل؟) وفيه أمُور يضطرب لفظاعتها القارئ، وقد قال في آخره: إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار (الجنيه) عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يومًا ما.

وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا، وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة.

كنت أرى الرجل يطلب من الآخر قرضًا فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه ما طلب بعد أن يستوثق منه باليمين أنه لا يحدث الناس بأنه منه لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلًا عليه.

رأيت هذا من كثيرين في بلادهم متعددة، ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض عن المطالبة بله المماحكة.

ثم بعد خمس وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده قرضًا طلبه إلا لسند وشهود فسألته أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل وتقسم عليهم أو تحلفهم أن لا يذكروا ذلك؟!

قال: نعم.

قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما عملت عليه من سوء؟

قال: لا أعرف سبب ذلك، إلا أنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي.

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ  ﴾ ليس المراد بهذا المحق محق الزيادة في المال، فإن هذا مكابرة للمشاهدة والاختبار، وإنما المراد به ما يلاقي المرابي من عداوة الناس، وما يصاب به في نفسه من الوساوس وغيرها.

أما عداوة الناس فمن حيث هو عدو المحتاجين وبغيض الموزعين، وقد تفضي العداوة والبغضاء إلى مفاسد ومضرات واعتداء على الأموال والأنفس والثمرات، وقد أثر ذلك في الأمم التي نشأ فيها الربا، إذ قام الفقراء يعادون الأغنياء ويتألب العمال عليهم، حتى صارت هذه المسألة أعقد المسائل عندهم.

وأما ما يصاب به في نفسه من الوساوس والأوهام فهو ما لا يعرفه إلا من راقب هؤلاء العابدين للمال وبلا أخبارهم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ أي إن كان إيمانكم تامًا شاملًا لجميع ما جاء به محمد  من الأحكام فذروا بقايا الربا، وقد عهد في الأسلوب العربي أن يقال: إن كنت متصفًا بهذا الشيء فافعل كذا: ويذكر أمرًا من شأنه أن يكون أثرًا لذلك الوصف.

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ حرب الله لهم غضبه وانتقامه.

ونحن إن لم نر أثر هذا في الماضين فإننا نراه في الحاضرين ممن أصبحوا بعد الغنى يتكففون، ومن باتوا والمسألة الاجتماعية تهددهم بالويل والثبور.

وأما الحرب من رسوله لهم فهي مقاومتهم بالفعل في زمنه، واعتبارهم أعداء له في هذا الزمن الذي لا يخلفه فيه أحد يقيم شرعه.

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ  ﴾ : أما حقيقة الرجوع فلا تصح هنا لأننا ما غبنا عن الله طرفة عين ولا يمكن أن نغيب عنه فنرجع إليه، ولكن الإنسان في غفلته وشغله بشؤونه الحيوانية يتوهم أن له استقلالًا تامًا بنفسه، وأن له رؤساء وأمراء يخافهم ويرجوهم، ويرى أنه تعرض له حاجات وضرورات يجب عليه أن يستعد لها بتكثير المال وجمعه من حرام وحلال.

فأمثال هذه الخواطر تكون له شغلًا شاغلًا ربما يستغرق وقته فيصرفه عن التفكير في منافع التسامح في معاملة الناس والتصدق على المحتاج منهم، فكان أنفع دواء لمرض انصرف النفس عن التفكير في سلطان الله وقدرته، والتقرب إليه بما فيه تمام حكمته والتذكير بيوم القيامة الذي تبطل فيه هذه الشواغل، وتتلاشى هذه الصوارف حتى لا يشغل الإنسان فيه شيء ما عن الله تعالى وما أعده من الجزاء للعباد على قدر أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل