الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٥١ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 139 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم ، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه ، عند انقضاء أمد المواعدة ، وكانت أربعين يوما ، وهي المذكورة في الأعراف ، في قوله تعالى : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ) [ الأعراف : 142 ] قيل : إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة ، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون وإنجائهم من البحر .
القول في تأويل قوله تعالى وَإِذْ وَاعَدْنَا اختلفت القَرَأَة في قراءة ذلك, (74) فقرأ بعضهم: (واعدنا) بمعنى أن الله تعالى واعد موسى موافاة الطور لمناجاته, (75) فكانت المواعدة من الله لموسى, ومن موسى لربه.
وكان من حجتهم على اختيارهم قراءة (واعدنا) على " وعدنا " أن قالوا: كل اتعاد كان بين اثنين للالتقاء و الاجتماع, (76) فكل واحد منهما &; 2-59 &; مواعد صاحبه ذلك.
فلذلك -زعموا- (77) وجب أن يُقضى لقراءة من قرأ (واعدنا) بالاختيار على قراءة من قرأ " وعدنا ".
وقرأ بعضهم: " وعدنا " بمعنى أن الله الواعد والمنفرد بالوعد دونه.
وكان من حجتهم في اختيارهم ذلك أن قالوا: إنما تكون المواعدة بين البشر, فأما الله جل ثناؤه، فإنه المنفرد بالوعد والوعيد في كل خير وشر.
قالوا: وبذلك جاء التنـزيل في القرآن كله, فقال جل ثناؤه: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [ إبراهيم: 22] وقال: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ [ الأنفال: 7].
قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو المنفرد بالوعد في قوله: " وإذ وعدنا موسى ".
* * * والصواب عندنا في ذلك من القول: أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القَرَأَة, وليس في القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى, وإن كان في إحداهما زيادة معنى على الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة.
(78) فأما من جهة المفهوم بهما فهما متفقتان.
وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بموضع من المواضع, فمعلوم أن الموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك المكان, مثل الذي وعده من ذلك صاحبه، إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفاق منهما عليه.
ومعلوم أن موسى صلوات الله عليه لم يعده ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك, إذ كان موسى غير مشكوك فيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا, وإلى محبته فيه مسارعا.
ومعقول أن الله تعالى لم يعد موسى ذلك، إلا وموسى إليه مستجيب.
وإذ كان ذلك كذلك, فمعلوم أن الله عز ذكره قد كان وعد موسى الطور, ووعده موسى اللقاء.
فكان الله عز ذكره لموسى واعدا مواعدا &; 2-60 &; له المناجاة على الطور, (79) وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء.
فبأي القراءتين من " وعد " و " واعد " قرأ القارئ, فهو للحق في ذلك -من جهة التأويل واللغة- مصيب، لما وصفنا من العلل قبل.
(80) ولا معنى لقول القائل: إنما تكون المواعدة بين البشر, وأن الله بالوعد والوعيد منفرد في كل خير وشر.
وذلك أن انفراد الله بالوعد والوعيد في الثواب والعقاب، والخير والشر، والنفع والضر الذي هو بيده وإليه دون سائر خلقه -لا يحيل الكلام الجاري بين الناس في استعمالهم إياه عن وجوهه، ولا يغيره عن معانيه.
والجاري بين الناس من الكلام المفهوم ما وصفنا: من أن كل اتعاد كان بين اثنين، (81) فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه، ومواعدة بينهما, وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد, وأن الوعد الذي يكون به الانفراد من الواعد دون الموعود، إنما هو ما كان بمعنى " الوعد " الذي هو خلاف " الوعيد ".
* * * القول في تأويل قوله تعالى مُوسَى وموسى -فيما بلغنا- بالقبطية كلمتان, يعني بهما: ماء وشجر." فمو "، هو الماء, و " شا " هو الشجر.
(82) وإنما سمي بذلك -فيما بلغنا- لأن أمه لما جعلته في التابوت -حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليم، كما أوحى الله إليها، وقيل: إن اليم الذي ألقته فيه هو النيل - دفعته أمواج اليم حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون, فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن, فوجدن &; 2-61 &; التابوت فأخذنه, فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه، كان ذلك بمكان فيه ماء وشجر, (83) فقيل: موسى، ماء وشجر.
كذلك:- 912 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد, عن أسباط بن نصر, عن السدي.
(84) * * * وقال أبو جعفر: وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله, فيما زعم ابن إسحاق.
913 - حدثني بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عنه.
(85) .
* * * القول في تأويل قوله تعالى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ومعنى ذلك: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة بتمامها.
فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد.
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين, ومثل ذلك بقوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] وبقولهم: " اليوم أربعون منذ خرج فلان "," واليوم يومان ".
أي اليوم تمام يومين، وتمام أربعين.
قال أبو جعفر: وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة.
فأما ظاهر التلاوة, فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة, فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن، (86) بغير برهان دال على صحته.
* * * وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره, وهو ما:- 914 - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية قوله: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة)، قال: يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة.
وذلك حين خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون, فمكث على الطور أربعين ليلة, وأنـزل عليه التوراة في الألواح -وكانت الألواح من برد (87) - فقربه الرب إليه نجيا, وكلمه, وسمع صريف القلم.
وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.
(88) 915 - وحدثت عن عمار بن الحسن, حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, بنحوه.
916 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل, عن ابن إسحاق قال: وعد الله موسى-حين أهلك فرعون وقومه, ونجاه وقومه ثلاثين ليلة, ثم أتمها بعشر, فتم ميقات ربه أربعين ليلة, يلقاه ربه فيها ما شاء.
(89) واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل, وقال: إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين.
فخرج موسى إلى ربه متعجلا للُقِيِّه شوقا إليه, (90) وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به.
(91) 917 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا &; 2-63 &; أسباط عن السدي قال: انطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل, وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر.
(92) * * * القول في تأويل قوله تعالى ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) وتأويل قوله: (ثم اتخذتم العجل من بعده)، ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها، من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد.
و " الهاء " في قوله " من بعده " عائدة على ذكر موسى.
فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل، المكذبين به المخاطبين بهذه الآية -عن فعل آبائهم وأسلافهم، وتكذيبهم رسلهم، وخلافهم أنبياءهم, مع تتابع نعمه عليهم، وشيوع آلائه لديهم, (93) مُعَرِّفَهم بذلك أنهم -من خلاف محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به، وجحودهم لرسالته, مع علمهم بصدقه (94) - على مثل منهاج آبائهم وأسلافهم, ومحذِّرَهم من نـزول سطوته بهم =بمقامهم على ذلك من تكذيبهم= ما نـزل بأوائلهم المكذبين بالرسل: من المسخ واللعن وأنواع النقمات.
وكان سبب اتخاذهم العجل، ما:- 918 - حدثني به عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه, وكان فرعون على فرس أدهم &; 2-64 &; ذنوب حصان، فلما هجم على البحر، هاب الحصان أن يقتحم في البحر, فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق, فلما رآها الحصان تقحم خلفها.
(95) قال: وعرف السامري جبريل، لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه, فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه, فيجد في بعض أصابعه لبنا, وفي الأخرى عسلا وفي الأخرى سمنا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ.
فلما عاينه في البحر عرفه, فقبض قبضة من أثر فرسه.
قال: أخذ من تحت الحافر قبضة.
-قال سفيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: " فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول " [ طه: 96].
قال أبو سعيد قال عكرمة, عن ابن عباس: وألقي في رُوع السامري (96) إنك لا تلقيها على شيء فتقول: " كن كذا وكذا " إلا كان.
فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر.
فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر, وأغرق الله آل فرعون, قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح.
ومضى موسى لموعد ربه.
قال: وكان مع بني إسرائيل حَلْي من حَلْي آل فرعون قد تعوَّروه, (97) فكأنهم تأثموا منه, فأخرجوه لتنـزل النار فتأكله.
فلما جمعوه, قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا, (98) فقذفها فيه - وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا - وقال: كن عجلا جسدا له خوار.
فصار عجلا جسدا له خوار، وكان تدخل الريح في دبره وتخرج من فيه، يسمع له صوت, فقال: هذا إلهكم وإله موسى.
فعكفوا على العجل يعبدونه, فقال هارون: يا قوم إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري!
قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.
919 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا &; 2-65 &; أسباط بن نصر, عن السدي: لما أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل - يعني من أرض مصر - أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط.
فلما نجى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر, وغرق آل فرعون, أتى جبريل إلى موسى يذهب به إلى الله.
فأقبل على فرس، فرآه السامري فأنكره وقال: إنه فرس الحياة!
فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا.
فأخذ من تربة الحافر -حافر الفرس- فانطلق موسى, واستخلف هارون على بني إسرائيل, وواعدهم ثلاثين ليلة, وأتمها الله بعشر.
فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، إن الغنيمة لا تحل لكم, وإن حَلْي القبط إنما هو غنيمة, فاجمعوها جميعا, واحفروا لها حفرة فادفنوها, فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها, وإلا كان شيئا لم تأكلوه.
فجمعوا ذلك الحَلْي في تلك الحفرة , وجاء السامري بتلك القبضة فقذفها , فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار .
وعدت بنو إسرائيل موعد موسى , فعدوا الليلة يوما واليوم يوما , فلما كان تمام العشرين، خرج لهم العجل.
فلما رأوه قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فنسي - يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه.
فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي.
فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل إنما فتنتم به -يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل- وإن ربكم الرحمن.
فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه, فلما كلمه قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى؟
قال: هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى.
قال: فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري، فأخبره خبرهم.
قال موسى؛ يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل, أرأيت الروح من نفخها فيه؟
قال الرب: أنا .
قال: رب أنت إذا أضللتهم .
(99) 920 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: كان &; 2-66 &; -فيما ذكر لي- أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله عز وجل به: استعيروا منهم - يعني من آل فرعون - الأمتعة والحلي والثياب , فإني منفلكم أموالهم مع هلاكهم .
فلما أذن فرعون في الناس , كان مما يحرض به على بني إسرائيل أن قال: حين ساروا لم يرضوا أن خرجوا بأنفسهم، حتى ذهبوا بأموالكم معهم!
(100) 921 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق , عن حكيم بن جبير , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال: كان السامري رجلا من أهل باجَرْما , وكان من قوم يعبدون البقر , وكان حب عبادة البقر في نفسه , وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل .
فلما فضل هارون في بني إسرائيل، وفصل موسى إلى ربه , (101) قال لهم هارون: أنتم قد حُمِّلتم أوزارا من زينة القوم - آل فرعون - وأمتعة وحليا , فتطهروا منها , فإنها نجس .
وأوقد لهم نارا فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها.
قالوا: نعم .
فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الأمتعة وذلك الحلي , (102) فيقذفون به فيها.
حتى إذا تكسر الحلي فيها، ورأى السامري، أثر فرس جبريل، فأخذ ترابا من أثر حافره , (103) ثم أقبل إلى النار فقال لهارون: (104) يا نبي الله، ألقي ما في يدي؟
قال: نعم.
ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة، فقذفه فيها وقال: " كن عجلا جسدا له خوار "، فكان، للبلاء والفتنة.
فقال: هذا إلهكم وإله موسى.
فعكفوا عليه , وأحبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط.
يقول الله عز وجل: فَنَسِيَ [ طه: 88] أي ترك ما كان عليه من الإسلام - يعني السامري - أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا &; 2-67 &; [ طه: 89] وكان اسم السامري موسى بن ظفر , وقع في أرض مصر , فدخل في بني إسرائيل.
(105) فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [ طه: 90-91] فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن , وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوف هارون، إن سار بمن معه من المسلمين، أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي.
وكان له هائبا مطيعا (106) .
922 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما أنجى الله عز وجل بني إسرائيل من فرعون , وأغرق فرعون ومن معه , قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين.
قال: لما خرج موسى وأمر هارون بما أمره (107) وخرج موسى متعجلا مسرورا إلى الله، قد عرف موسى أن المرء إذا أنجح في حاجة سيده، كان يسره أن يتعجل إليه (108) .
قال: وكان حين خرجوا استعاروا حليا وثيابا من آل فرعون , فقال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم , فاجمعوا نارا , فألقوه فيها فأحرقوه.
قال: فجمعوا نارا .
قال: وكان السامري قد نظر إلى أثر دابة جبريل , وكان على فرس أنثى - وكان السامري في قوم موسى - قال: فنظر إلى أثره فقبض منه قبضة , فيبست عليها يده.
فلما ألقى قوم موسى الحلي في النار, وألقى السامري &; 2-68 &; معهم القبضة , صور الله جل وعز ذلك لهم عجلا ذهبا , فدخلته الريح , فكان له خوار , فقالوا: ما هذا؟
فقال: السامري الخبيث: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ، الآية , إلى قوله: حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه: 88-91] قال: حتى إذا أتى موسى الموعد , قال الله: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي فقرأ حتى بلغ: أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ [طه: 86].
923 - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله: (ثم اتخذتم العجل من بعده) قال: العجل: حسيل البقرة (109) .
قال: حلي استعاروه من آل فرعون , فقال لهم هارون: أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه.
وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريل فطرحه فيه، فانسبك , فكان له كالجوف تهوي فيه الرياح .
924 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية , قال: إنما سمي العجل , لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى.
925 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحو حديث القاسم عن الحسن .
926 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحوه (110) * * * القول في تأويل قوله : وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) يعني" وأنتم واضعو العبادة في غير موضعها، لأن العبادة لا تنبغي إلا لله عز وجل، وعبدتم أنتم العجل ظلما منكم، ووضعا للعبادة في غير موضعها.
وقد دللنا -في غير هذا الموضع مما مضى من كتابنا- أن أصل كل ظلم، وضع الشيء في غير موضعه , فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (111) .
----------- الهوامش : (74) في المطبوعة في الموضعين : "القراء" ، كما فعل كثيرا فيما مضى .
والقَرَأَة جمع قارئ .
(75) في المطبوعة : "ملاقاة الطور" ، ولا أدري لم غيره من غيره!
.
(76) في المطبوعة : "كل إبعاد .
.
أو الاجتماع" ، ولا أدري لم فعل ذلك!
.
واتعد اتعادا افتعل ، من الوعد .
(77) في المطبوعة : "فلذلك رموا أنه وجب" بزيادة أنه" ، وهي زيادة مفسدة للمعنى .
(78) انظر ما مضى في تفسير"الظاهر" : 44 ، والمراجع .
(79) في المطبوعة : قد كان وعد موسى" بزيادة"قد" ، وفيها أيضًا "وكان الله عز وجل لموسى واعد ومواعدا" ، والواو هنا ليست بشيء في قوله"وكان" ، و"مواعدا" .
(80) في المطبوعة : "فهو الحق في ذلك .
.
.
" ، وهو خطأ .
(81) في المطبوعة هنا أيضًا كما سلف : "كل إبعاد" ، وهو فساد وخطأ .
(82) في المطبوعة والمخطوطة : "سا" وأثبت ما في التاريخ .
(83) في المطبوعة : "وكان ذلك المكان فيه" وليست بشيء .
(84) الأثر : 912 تاريخ الطبري 1 : 201 في خبر طويل .
(85) الأثر : 913 - مختصر من خبر نسبه في تاريخ الطبري 1 : 198 .
(86) انظر تفسير"ظاهر" و" باطن" فيما سلف ص : 44 ، والمراجع قبلها .
(87) في المطبوعة : "وكانت الألواح من زبرجد" ، والصواب ما أثبته من المخطوطة ، ومما جاء عن أبي العالية ، في صفة الألواح 9 : 46 (بولاق) .
(88) صريف الأقلام : صوتها وصريرها وهي تجري بما تكتبه الملائكة .
وقوله : "لم يحدث حدثا" ، أي لم يكربه ما يكرب الناس من قضاء الحاجة .
(89) في المطبوعة : "تلقاه ربه فيها بما شاء" .
(90) في المطبوعة : "للقائه" ، وهما سواء في المعنى .
(91) الأثر : 916 - صدر هذا الأثر في تاريخ الطبري 1 : 217 - 218 ، ولكن قطعه الطبري ، وأتمه من خبر السدي .
(92) الأثر : 917 - في تاريخ الطبري في خبر طويل 1 : 218 ، وسيأتي تمامه في رقم : 919 .
(93) في المطبوعة : "سبوغ آلائه" .
وشيوع آلائه : ظهورها وعمومها حتى استوى فيها جميعهم .
وانظر ما سيأتي بعد ص : 77 ، تعليق : 2 .
(94) في المطبوعة : "من خلافهم محمدا .
.
" .
(95) انظر آخر الأثر رقم : 909 فهو هذا بنصه ، ثم يأتي تمامه .
(96) الروع (بضم الراء) : القلب والعقل .
وقع ذلك في روعى : أي في نفسي وخلدي وبالي .
(97) تعور الشيء واستعاره : أخذه عارية ، كما تقول : تعجب واستعجب .
(98) قال بالقبضة : رفعها مشيرا بيده ليلقيها .
وقد مضى تفسير ذلك في ص : 54 تعليق : 3 .
(99) الأثر : 919 - مضى صدره في رقم : 917 .
وفي التاريخ 1 : 218 .
(100) الأثر : 920 - في تاريخ الطبري 1 : 216 .
وفي المطبوعة"أن يخرجوا بأنفسهم" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .
نفله الشيء : جعله نفلا ، أي غنيمة مستباحة .
(101) فصل فلان عن البلد يفصل فصولا : إذا خرج وفارقها (102) في المطبوعة : "بما كان معهم" ، غيروه ليستقيم على دارج ما ألفوه .
(103) في المطبوعة : "أخذ ترابا" ، حذفوا الفاء ليستقي على عربيتهم ، فيما زعموا .
(104) في تاريخ الطبري : "ثم أقبل إلى الحفرة .
.
.
" .
(105) هو كما ذكر في أول الخبر من أهل"باجرما" ، وباجرما : قرية من أعمال البليخ قرب الرقة ، من أرض الجزيرة .
(ياقوت) .
ويقال : موضع قبل نصيبن (معجم ما استعجم) .
وقال الميداني في شرح المثل : [خطب يسير في خطب كبير] أن الزباء كانت من أهل باجرما وتتكلم العربية .
(106) الأثر : 921 - في تاريخ الطبري 1 : 219 - 220 .
(107) في المطبوعة : "بما أمره به" .
(108) في المطبوعة : "نجح" ، وأنجح : أدرك طلبته وبلغ النجاح .
وإن كنت أخشى أن يكون في الكلمة تصحيف خفي عليَّ .
(109) الحسيل (بفتح فكسر) : ولد البقرة .
(110) الأثران : 925 ، 926 - في المخطوطة ساق إسناد الأثرين جميعا في موضع واحد قال : "قال حدثنا عيسى - وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل - جميعا عن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : "ثم اتخذتم العجل" قال : العجل : حسيل البقرة .
.
.
" ثم ساق نص ما في الأثر : 924 .
فآثرت ترك ما في المطبوعة على حاله .
(111) انظر ما مضى 1 : 523 - 524 .
قوله تعالى : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمونفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة : قرأ أبو عمرو " وعدنا " بغير ألف ، واختاره أبو عبيد ورجحه وأنكر واعدنا قال : لأن المواعدة إنما تكون من البشر فأما الله جل وعز فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد .
على هذا وجدنا القرآن ، كقوله عز وجل : وعدكم وعد الحق ( إبراهيم : 22 ) وقوله : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ( الفتح : 29 ) وقوله : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم قال مكي : وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه وعد من الله تعالى لموسى ، وليس فيه وعد من موسى ، فوجب حمله على الواحد ، لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى الله تعالى وحده ، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر ، وبه قرأ قتادة وابن أبي إسحاق قال أبو حاتم : قراءة العامة عندنا " وعدنا " بغير ألف ; لأن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين ، كل واحد منهما يعد صاحبه .
قال الجوهري : الميعاد : المواعدة والوقت والموضع .
قال مكي : المواعدة أصلها من اثنين ، وقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب ، قالوا : طارقت النعل ، وداويت العليل ، وعاقبت اللص ، والفعل من واحد .
فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا ، فتكون القراءتان بمعنى واحد والاختيار واعدنا بالألف ؛ لأنه بمعنى " وعدنا " في أحد معنييه ، ولأنه لا بد لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة .
قال النحاس : وقراءة " واعدنا " بالألف أجود وأحسن ، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع [ ص: 371 ] والأعمش وحمزة والكسائي ، وليس قوله عز وجل : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات من هذا في شيء ; لأن واعدنا موسى إنما هو من باب الموافاة ، وليس هذا من الوعد والوعيد في شيء ، وإنما هو من قولك : موعدك يوم الجمعة ، وموعدك موضع كذا .
والفصيح في هذا أن يقال : واعدته .
قال أبو إسحاق الزجاج : واعدنا ها هنا بالألف جيد ؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة ، فمن الله جل وعز وعد ، ومن موسى قبول واتباع يجري مجرى المواعدة .
قال ابن عطية .
ورجح أبو عبيدة " وعدنا " وليس بصحيح ; لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة .الثانية : قوله تعالى : " موسى " موسى اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف والقبط على - ما يروى - يقولون للماء : مو ، وللشجر : شا .
فلما وجد موسى في التابوت عند ماء وشجر سمي موسى .
قال السدي : لما خافت عليه أمه جعلته في التابوت وألقته في اليم - كما أوحى الله إليها - فألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدنه ، فسمي باسم المكان .
وذكر النقاش وغيره : أن اسم الذي التقطته صابوث .
قال ابن إسحاق : وموسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام .الثالثة : قوله تعالى : أربعين ليلة أربعين نصب على المفعول الثاني ، وفي الكلام حذف قال الأخفش : التقدير وإذ واعدنا موسى تمام أربعين ليلة كما قال واسأل القرية والأربعون كلها داخلة في الميعاد .والأربعون في قول أكثر المفسرين ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة ، وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة فعدوا فيما ذكر المفسرون عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد أخلفنا موعده فاتخذوا العجل وقال لهم السامري هذا إلهكم وإله موسى فاطمأنوا إلى قوله ونهاهم هارون وقال يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفا فيما روي في [ ص: 372 ] الخبر وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد ، وهو الحلال والحرام وما يحتاجون ، وأحرق العجل وذراه في البحر فشربوا من مائه حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرة وورمت بطونهم فتابوا ولم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم فذلك قوله تعالى فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى فقتل بعضهم بعضا لا يسأل والد عن ولده ولا ولد عن والده ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد كل من استقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله حتى عج موسى إلى الله صارخا يا رباه قد فنيت بنو إسرائيل فرحمهم الله وجاد عليهم .
بفضله فقبل توبة من بقي وجعل من قتل في الشهداء على ما يأتي .الرابعة : إن قيل لم خص الليالي بالذكر دون الأيام ؟
قيل له ؛ لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة ; ولذلك وقع بها التاريخ فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها .الخامسة : قال النقاش : في هذه الآية إشارة إلى صلة الصوم ; لأنه تعالى لو ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين يوما بلياليها قال ابن عطية : سمعت أبي يقول : سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل الجوهري رحمه الله يعظ الناس في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب ويقول أين حال موسى في القرب من الله ووصال ثمانين من الدهر من قوله حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم آتنا غداءنا .قلت : وبهذا استدل علماء الصوفية على الوصال ، وأن أفضله أربعون يوما وسيأتي الكلام في الوصال في آي الصيام من هذه السورة إن شاء الله تعالى ويأتي في " الأعراف " زيادة أحكام لهذه الآية عند قوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ويأتي لقصة العجل بيان في كيفيته وخواره هناك وفي " طه " إن شاء الله تعالى .السادسة : قوله تعالى : ثم اتخذتم العجل من بعده أي اتخذتموه إلها من بعد موسى وأصل اتخذتم ائتخذتم من الأخذ ووزنه افتعلتم سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين فجاء ايتخذتم فاضطربت الياء في التصريف ، جاءت ألفا في ياتخذ وواوا في موتخذ فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت ثم اجتلبت ألف [ ص: 373 ] الوصل للنطق ، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى قل أتخذتم عند الله عهدا فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال الشاعر :أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا أم راجع القلب من أطرابه طربونحوه في القرآن أطلع الغيب أصطفى البنات أستكبرت أم كنت ومذهب أبي علي الفارسي أن " اتخذتم " من تخذ لا من أخذ .
وأنتم ظالمون جملة في موضع الحال وقد تقدم معنى الظلم .
والحمد لله
ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده, أي: ذهابه.
{ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } عالمون بظلمكم, قد قامت عليكم الحجة, فهو أعظم جرما وأكبر إثما.
{وإذ واعدنا} هو من المفاعلة التي تكون من الواحد كقولهم: عافاك الله، وعاقبت اللص، وطارقت النعل.
وقال الزجاج: "كان من الله الأمر ومن موسى القبول، فلذلك ذكر بلفظ المواعدة".
وقرأ أهل البصرة (وإذ وعدنا) من الوعد.
{موسى} اسم عربي عرب (( ومو )) بالعبرانية الماء (( وشى )) الشجرة، سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر، ثم قلبت الشين المعجمة سيناً في العربية.
{أربعين ليلة} أي انقضاؤها: ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة وقرن التاريخ بالليل دون النهار لأن شهور العرب وضعت على سير القمر، والهلال إنما يهل بالليل.
وقيل: لأن الظلمة أقدم من الضوء، وخلق الليل قبل النهار، قال الله تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} [37-يس].
وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما، فوعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة، فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربكم آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون، وواعدهم أربعين ليلة، ثلاثين من ذي القعدة وعشراً من من ذي الحجة، واستخلف عليهم أخاه هارون فلما أتى الوعد جاء جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيئاً إلا حيى ليذهب بموسى إلى ربه، فلما رآه السامري وكان رجلاً صائغاً من أهل باجرمى واسمه ميخا - وقال سعيد بن جبير: "كان من أهل كرمان"، وقال ابن عباس: "اسمه موسى بن مظفر"، وقال قتادة: "كان من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة" - وكان منافقاً أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فلما رأى جبرائيل على ذلك الفرس ورأى مواضع قدم الفرس تخضر في الحال قال: إن لهذا شأناً فأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبرائيل عليه السلام.
قال عكرمة: "ألقي في روعه أنه إذا ألقى في شيء غيره، وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حلياً كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر بعلة عرس لهم، فأهلك الله فرعون وبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلما فصل موسى قال السامري لبني إسرائيل: إن الحلي التي استعرتموها من قزم فرعون غنيمة لا تحل لكم، فاحفروا حفرة فادفنوها فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه".
وقال السدي: "إن هارون عليه السلام أمرهم أن يلقوها في حفيرة، حتى يرجع موسى ففعلوا، فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري عجلاً في ثلاثة أيام ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب فرس جبرائيل عليه السلام، فخرج عجلاً من ذهب مرصعاً بالجواهر كأحسن ما يكون، وخار خورة"، وقال السدي: "كان يخور ويمشي فقال السامري: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [88-طه] أي فتركه هاهنا وخرج يطلبه".
وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضت عشرون يوماً ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة.
وقيل: كان موسى قد وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك العشرة فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ظنوا أنه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول السامري عكف ثمانية آلاف رجل منهم على العجل يعبدونه.
وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون وحده، فذلك قوله تعالى: {ثم اتخذتم العجل} أي إلهاً.
{من بعده} أظهر ابن كثير و حفص الذال من (أخذت) و(اتخذت) والآخرون يدغمونها.
{وأنتم ظالمون} ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها.
«وإذا واعدنا» بألف ودونها «موسى أربعين ليلة» نعطيه عند انقضائها التوراة لتعلموا بها «ثم اتخذتم العجل» الذي صاغه لكم السامري إلهاً «من بعده» أي بعد ذهابه إلى ميعادنا «وأنتم ظالمون» باتخاذه لوضعكم العبادة في غير محلها.
واذكروا نعمتنا عليكم: حين واعدنا موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة هدايةً ونورًا لكم، فإذا بكم تنتهزون فرصة غيابه هذه المدة القليلة، وتجعلون العجل الذي صنعتموه بأيديكم معبودًا لكم من دون الله - وهذا أشنع الكفر بالله- وأنتم ظالمون باتخاذكم العجل إلهًا.
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة رابعة وهي عفوه عنهم رغم جحودهم وكفرهم وعبادتهم لغيره ، فقال تعالى :( وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً .
.
.
)المواعدة : مفاعلة من الجانبين ، وهي هنا على غير بابها ، لأن المراد بها هنا أمر الله - تعالى - لموسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيداً لإعطائه التوراة ، ويؤيد ذلك قراءة أبي عمرو وأبي جعفر ( وعدنا ) .
وقيل : المفاعلة على بابها ، على معنى أن الله - تعالى - وعد نبيه موسى - عليه السلام - أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة ، فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال فكان الوعد حاصلا من الطرفين .وملخص هذه القصة أن قوم موسى بعد أن نجاهم الله ، وأغرق عدوهم أمام أعينهم ، طلبوا من نبيهم موسى أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه ، فوعده - سبحانه - أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته ، وبعد انقضاء تلك الفترة وذهاب موسى لتلقي التوراة من ربه اتخذ بنو إسرائيل عجلا جسداً له خوار فعبدوه من دون الله ، وأعلم الله موسى بما كان من قومه بعد فراقه ، فرجع إليهم غاضباً حزيناً ، وأعلمهم بأن توبتهم لن تكون مقبولة إلا بقتل أنفسهم ، فلما فعلوا ذلك عفا الله عنهم لكي يشكروه ، ويلتزموا الصراط المستقيم .ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن وعدنا موسى أن نؤتيه التوراة بعد انقضاء أربعين ليلة من هذا الوعد ، فلما حل الوعد وجاء موسى لميقاتها عبدتم العجل في غيبته ، فلم نعاجلكم بالعقوبة ، بل قبلنا توبتكم ، وعفونا عنكم ، لتكونوا من الشاكرين لله تعالى .وهذا التذكير يحمل في طياته التعجيب من حالهم ، لأنهم قابلوا نعم الله بأقبح أنواع الكفر والجهالة ، حيث عبدوا في غيبة نبيهم ما هو مثال في الغباوة والبلادة وهو العجل .وفي اختيار حرف العطف ( ثم ) المفيد للتراخي الرتبى في جملة ( اتخذتم العجل ) إشعار بأنهم انحدروا إلى دركات سحيفة من الجحود والجهل ، وأن ما ارتكبوه هو من عظائم الأمور في القبح والمعصية وحذف المفعول الثاني لاتخذتم وهو " إلهاً أو معبوداً لشناعة ذكره ولعلهم بأنهم اتخذوه إلهاً " .وقوله تعالى : ( مِن بَعْدِهِ ) معناه : من بعد مضيه لميقات ربه إلى الطور وغيابه عنهم .
وفي ذلك زيادة تشنيع عليهم ، حيث وصفهم - سبحانه - بعدم الوفاء ، لأنهم كان من الواجب عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يستمروا على توحيد الله في غيبة نبيهم لا سيما وقد رأوا من المعجزات والنعم ، ما يطمئن النفوس ، ويقوي الإِيمان ويغرس في القلوب الطاعة لله تعالى .وجملة ( وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ) حالية مقيدة لاتخذتم ، ليكون اتخاذهم العجل معبوداً ، مقروناً بالتعدي والظلم من بدئه إلى نهايته ، وللإِشعار بانقطاع عذرهم فيما فعلوا .
اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث.
فأما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ واعدنا ﴾ فقرأ أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف في المواضع الثلاثة، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر لأن الوعد كان من الله تعالى، والمواعدة مفاعلة ولا بد من اثنين، وأما بالألف فله وجوه، أحدها: أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبوله كان من موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد، لأن القابل للوعد لابد وأن يقول أفعل ذلك.
وثانيها: قال القفال: لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ويكون معناه يعاهد الله.
وثالثها: أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا.
ورابعها: وهو الأقوى أن الله تعالى وعده الوحي وهو وعد الله المجيء للميقات إلى الطور، أما موسى ففيه وجوه، أحدها: وزنه فعلى والميم فيه أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك.
وثانيها: وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما عليها من الورق وكأنه سمي بذلك لصلعه.
وثالثها: أنها كلمة مركبة من كلمتين بالعبرانية فمو هو الماء بلسانهم، وسى هو الشجر، وإنما سمي بذلك لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء والشجر.
واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جداً، أما الأول: فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك، وأما الثاني: فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس، فأما نسبه صلى الله عليه وسلم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام.
أما قوله تعالى: ﴿ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: إن خرجنا من البحر سالمين أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك، فلما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا: يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله تعالى: ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ واستخلف عليهم هارون ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله التوراة عليه في الألواح، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب نجياً وكلمه من غير واسطة وأسمعه صرير القلم، قال أبو العالية وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.
البحث الثاني: إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي.
البحث الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ معناه واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم: اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان، أي تمام الأربعين، والحاصل أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿ واسئل القرية ﴾ وأيضاً فليس المراد انقضاء أي أربعين كان، بل أربعين معيناً وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالماً بأن المراد هو هذه الأربعون، وأيضاً فقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ يحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين حتى تنزل عليه التوراة، ويحتمل أن يكون المراد أنه أمر بأن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد بالأخبار.
البحث الرابع: قوله هاهنا: ﴿ وَإِذَا واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين، وقوله في الأعراف ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ﴾ يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما؟
أجاب الحسن البصري فقال: ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعاً، وهو كقوله: ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: إنما ذكر لفظه (ثم) لأنه تعالى وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين.
وأظهر في ذلك درجة موسى عليه السلام وفضيلة بني إسرائيل ليكون ذلك تنبيهاً للحاضرين على علو درجتهم وتعريفاً للغائبين وتكملة للدين، كان ذلك من أعظم النعم فلما أتوا عقيب ذلك بأقبح أنواع الجهل والكفر كان ذلك في محل التعجب فهو كمن يقول إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا، ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء.
البحث الثاني: قال أهل السير إن الله تعالى لما أغرق فرعون ووعد موسى عليه السلام إنزال التوراة عليه قال موسى لأخيه هارون: ﴿ اخلفنى فِي قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين ﴾ ، فلما ذهب موسى إلى الطور، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي الذي استعاروه من القبط قال لهم هارون إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها فجمعوا ناراً وأحرقوها، وكان السامري في مسيره مع موسى عليه السلام في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل عليه السلام حين تقدم على فرعون في دخول البحر فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة، ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب والفضة وصور منه عجلاً وألقى ذلك التراب فيه فخرج منه صوت كأنه الخوار، فقال للقوم: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ ، فاتخذه القوم إلهاً لأنفسهم فهذا ما في الرواية ولقائل أن يقول: الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز أن يتفقوا على ما يعلم فساده ببديهة العقل وهذه الحكاية كذلك لوجوه: أحدها: أن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم المتخذ من الذهب الذي لا يتحرك ولا يحس ولا يعقل يستحيل أن يكون إله السموات والأرض، وهب أنه ظهر منه خوار ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من العقلاء في كونه إلهاً.
وثانيها: أن القوم كانوا قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات القاهرة التي تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق موسى عليه السلام، فمع قوة هذه الدلالة وبلوغها إلى حد الضرورة ومع أن صدور الخوار من ذلك العجل المتخذ من الذهب يستحيل أن يقتضي شبهة في كون ذلك الجسم المصوت إلهاً.
والجواب: هذه الواقعة لا يمكن تصحيحها إلا على وجه واحد، وهو أن يقال: إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى عليه السلام إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية وكان يقدر بواسطتها على هذه المعجزات، فقال السامري للقوم: وأنا أتخذ لكم طلسماً مثل طلسمه وروح عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى عليه السلام في الإتيان بالخوارق، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام فلذلك وقعوا في تلك الشبهة.
البحث الثالث: هذه القصة فيها فوائد: أحدها: أنها تدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم، لأن أولئك اليهود مع أنهم شاهدوا تلك البراهين القاهرة اغتروا بهذه الشبهة الركيكة جداً، وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم مع أنهم محتاجون في معرفة كون القرآن معجزاً إلى الدلائل الدقيقة لم يغتروا بالشبهات القوية العظيمة، وذلك يدل على أن هذه الأمة خير من أولئك وأكمل عقلاً وأزكى خاطراً منهم.
وثانيها: أنه عليه الصلاة والسلام ذكر هذه الحكاية مع أنه لم يتعلم علماً، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام استفادها من الوحي.
وثالثها: فيه تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل فإن أولئك الأقوام لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة لما وقعوا في شبهة السامري.
ورابعها: في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى بالخلاف عليه وكأنه تعالى أمره بالصبر على ذلك كما صبر موسى عليه الصلاة والسلام في هذه الواقعة النكدة فإنهم بعد أن خلصهم الله من فرعون وأراهم المعجزات العجيبة من أول ظهور موسى إلى ذلك الوقت اغتروا بتلك الشبهة الركيكة، ثم إن موسى عليه السلام صبر على ذلك فلأن يصبر محمد عليه الصلاة والسلام على أذية قومه كان ذلك أولى.
وخامسها: أن أشد الناس مجادلة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وعداوة له هم اليهود فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد فكيف هؤلاء الأخلاف.
أما قوله تعالى: ﴿ وَأَنتُمْ ظالمون ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: في تفسير الظلم وفيه وجهان.
الأول: قال أبو مسلم الظلم في أصل اللغة هو النقص، قال الله تعالى: ﴿ كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا ﴾ ، والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الخالق المحيي المميت واشتغلوا بعبادة العجل فقد صاروا ناقصين في خيرات الدين والدنيا.
والثاني: أن الظلم في عرف الشرع عبارة عن الضرر الخالي من نفع يزيد عليه ودفع مضرة أعظم منه والاستحقاق عن الغير في علمه أو ظنه، فإذا كان الفعل بهذه الصفة كان فاعله ظالماً ثم إن الرجل إذا فعل ما يؤديه إلى العقاب والنار قيل: إنه ظالم نفسه وإن كان في الحال نفعاً ولذة كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ ، وقال: ﴿ فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِه ﴾ ولما كانت عبادتهم لغير الله شركا وكان الشرك مؤدياً إلى النار سمي ظلماً.
البحث الثاني: استدلت المعتزلة بقوله: ﴿ وَأَنتُمْ ظالمون ﴾ على أن المعاصي ليست بخلق الله تعالى من وجوه، أحدها: أنه تعالى ذمهم عليها ولو كانت مخلوقة لله تعالى لما استحق الذم إلا من فعلها.
وثانيها: أنها لو كانت بإرادة الله تعالى لكانوا مطيعين لله تعالى بفعلها لأن الطاعة عبارة عن فعل المراد.
وثالثها: لو كان العصيان مخلوقاً لله تعالى لكان الذم بسببه يجري مجرى الذم بسبب كونه أسود وأبيض وطويلاً وقصيراً، والجواب: هذا تمسك بفعل المدح والذم وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم ذلك مراراً.
البحث الثالث: في الآية تنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن الاستكمال بطاعة الاتقياء والانتقاص بمعصية الأشقياء.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذلك ﴾ فقالت المعتزلة: المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتوبة وهي قتل بعضهم بعضاً، وهذا ضعيف من وجهين: الأول: أن قبول التوبة واجب عقلاً فلو كان المراد ذلك لما جاز عده في معرض الإنعام لأن أداء الواجب لا يعد من باب الإنعام والمقصود من هذه الآيات تعديد نعم الله تعالى عليهم.
الثاني: أن العفو اسم لإسقاط العقاب المستحق فأما إسقاط ما يجب إسقاطه فذاك لا يسمى عفواً ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم، فإذا ترك ذلك العذاب لايسمى ذلك الترك عفواً فكذا هاهنا، وإذا ثبت هذا فنقول لا شك في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى: ﴿ فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ وإذا كان كذلك دلت هذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضاً أنه تعالى قد أسقط عقاب من يجوز عقابه عقلاً وشرعاً، وذلك أيضاً خلاف قول المعتزلة، وإذا ثبت أنه تعالى عفا عن كفار قوم موسى فلأن يعفو عن فساق أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم: خير أمة أخرجت للناس كان أولى.
أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ فاعلم أن الكلام في تفسير لعل قد تقدم في قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 171] [البقرة: 21، 33] وأما الكلام في حقيقة الشكر وماهيته فطويل وسيجيء إن شاء الله تعالى، ثم قالت المعتزلة: إنه تعالى بين أنه إنما عفا عنهم ولم يؤاخذهم لكي يشكروا، وذلك يدل على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر، والجواب: لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك إما بشرط أن يحصل للشاكر داعية الشكر أولاً بهذا الشرط فإن كان هذا الشرط من العبد لزم افتقار الداعية إلى داعية أخرى، وإن كان من الله فحيث خلق الله الداعي حصل الشكر لا محالة وحيث لم يخلق الداعي استحال حصول الشكر، وذلك ضد قول المعتزلة وإن أراد حصول الشكر منه من غير هذه الداعية فقد أراد منه المحال لأن الفعل بدون الداعي محال فثبت أن الإشكال وارد عليهم أيضاً والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة، وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة.
وقيل ﴿ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ لأن الشهور غررها بالليالي.
وقرئ ﴿ واعدنا ﴾ لأن الله تعالى وعده الوحي ووعد المجيء للميقات إلى الطور ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ من بعد مضيه إلى الطور ﴿ وَأَنتُمْ ظالمون ﴾ بإشراككم ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم ﴾ حين تبتم ﴿ مِن بَعْدِ ذلك ﴾ من بعد ارتكابكم الأمر العظيم وهو اتخاذكم العجل ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ إرادة أن تشكروا النعمة في العفو عنكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ لَمّا عادُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ وعَدَ اللَّهُ مُوسى أنْ يُعْطِيَهُ التَّوْراةَ، وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا ذا القِعْدَةِ وعَشْرَ ذِي الحِجَّةِ وعَبَّرَ عَنْها بِاللَّيالِي لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وابْنً عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ واعَدْنا ﴾ لِأنَّهُ تَعالى وعَدَهُ الوَحْيَ.
ووَعَدَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَجِيءَ لِلْمِيقاتِ إلى الطُّورِ.
﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ ﴾ إلَهًا أوْ مَعْبُودًا.
﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مُضِيِّهِ.
﴿ وَأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ بِإشْراكِكم.
<div class="verse-tafsir"
وإنما قال {وَإِذْ واعدنا موسى} لأن الله تعالى وعده بالوحي ووعده هو المجئ للميقات إلى الطور وعدنا حيث كان بصري لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه وعد الله تعالى موسى أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة وقال {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} لأن الشهور غررها بالليالى وأربعين مفعول ثان لو اعدنا
لا ظرف لأنه ليس معناه واعدناه في أربعين ليلة {ثُمَّ اتخذتم العجل} أي إلها فحذف المفعول الثاني لاتخذتم وبابه بالإظهار مكي وحفص {مِن بَعْدِهِ} من بعد ذهابه إلى الطور {وَأَنتُمْ ظالمون} أي بوضعكم العبادة غير موضعها والجملة حال أي عبدتموه ظالمين
﴿ وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ لَمّا جاوَزَ بَنُو إسْرائِيلَ البَحْرَ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْتِيَهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَوَعَدَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعْطِيَهُ التَّوْراةَ، وقَبِلَ مُوسى ذَلِكَ، وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا ذا القِعْدَةِ وعَشَرَ ذِي الحِجَّةِ، أوْ ذا الحِجَّةِ وعَشَرَ المُحَرَّمِ، فالمُفاعَلَةُ عَلى بابِها، وهي مِن طَرَفِ فِعْلٍ، ومِن آخَرَ قَبُولُهُ، مِثْلُ: عالَجْتُ المَرِيضَ، وإنْكارُ جَوازِ ذَلِكَ لا يُسْمَعُ مَعَ وُرُودِهِ في كَلامِ العَرَبِ، وتَصْرِيحِ الأئِمَّةِ بِهِ، وارْتِضائِهِمْ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ واعَدْنا ﴾ مِن بابِ المُوافاةِ، ولَيْسَ مِنَ الوَعْدِ في شَيْءٍ، وإنَّما هو مِن قَوْلِكَ: مَوْعِدُكَ يَوْمَ كَذا، ومَوْضِعَ كَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى وعَدْنا، وبِهِ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، أوْ يُقَدَّرُ المُلاقاةُ، أوْ يُقالُ بِالتَّفْكِيكِ إلى فِعْلَيْنِ، فَيُقَدَّرُ الوَحْيُ في أحَدِهِما، والمَجِيءُ في الآخَرِ، ولا مَحْذُورَ في شَيْءٍ كَما حَقَّقَهُ الدّامِغانِيُّ، وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: المُواعَدَةُ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقَوْلُ أبِي حاتِمٍ: أكْثَرُ ما تَكُونُ مِنَ المَخْلُوقِينَ المُتَكافِئِينَ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا يَضُرُّنا، وأرْبَعِينَ مَفْعُولٌ بِهِ مَحْذُوفُ المُضافِ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، أيْ إعْطاءَ أرْبَعِينَ، أيْ عِنْدَ انْقِضائِها، أوْ في العَشْرِ الأخِيرِ مِنها، أوْ في كُلِّها، أوْ في أوَّلِها عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، أوْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لِواعَدْنا، أيْ واعَدْنا مُوسى أمْرًا كائِنًا في أرْبَعِينَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أيْ واعَدْنا مُوسى مُواعَدَةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الأوْلى أنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولٌ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ مَن وُعِدَ لا ما وُعِدَ، ويَنْصَبُّ الأرْبَعِينَ عَلى الإجْراءِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ تَوَسُّعًا، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بِجَعْلِ مِيقاتِ الوَعْدِ مَوْعُودًا، وجَعْلِ الأرْبَعِينَ ظَرْفًا لِواعَدْنا، عَلى حَدِّ: جاءَ زَيْدٌ يَوْمَ الخَمِيسِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، ( ومُوسى ) اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ويُقالُ: هو مُرَكَّبٌ مِن (مُو) وهو الماءُ، (وشى) وهو الشَّجَرُ، وغُيِّرَ إلى (سى) بِالمُهْلَمَةِ، وكَأنَّ مَن سَمّاهُ بِهِ أرادَ ماءَ البَحْرِ، والتّابُوتَ الَّذِي قُذِفَ فِيهِ، وخاضَ بَعْضُهم في وزْنِهِ، فَعَنْ سِيبَوَيْهِ: إنَّ وزْنَهُ مُفْعَلٌ، وقِيلَ: إنَّهُ فُعْلى، وهو مُشْتَقٌّ مِن ماسَ يَمِيسُ، فَأُبْدِلَتِ الياءُ واوًا لِضَمِّ ما قَبْلَها، كَما قالُوا: طُوبى، وهي مِن ذَواتِ الياءِ، لِأنَّها مِن طابَ يَطِيبُ، ويُبْعِدُهُ أنَّ الإجْماعَ عَلى صَرْفِهِ نَكِرَةٌ، ولَوْ كانَ فُعْلى لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ ألِفَ التَّأْنِيثِ وحْدَها تَمْنَعُ الصَّرْفَ في المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ عَلى أنَّ زِيادَةَ المِيمِ أوَّلًا أكْثَرُ مِن زِيادَةِ الألِفِ آخِرًا، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ بِاللَّيالِي دُونَ الأيّامِ لِأنَّ افْتِتاحَ المِيقاتِ كانَ مِنَ اللَّيْلِ، واللَّيالِي غُرَرُ شُهُورِ العَرَبِ، لِأنَّها وُضِعَتْ عَلى سَيْرِ القَمَرِ، والهِلالُ إنَّما يُهِلُّ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الظُّلْمَةَ أقْدَمُ مِنَ الضَّوْءِ بِدَلِيلِ ﴿ وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ أوْ إشارَةً إلى مُواصَلَةِ الصَّوْمِ لَيْلًا ونَهارًا، ولَوْ كانَ التَّفْسِيرُ بِاليَوْمِ أمْكَنَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَّيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَّيالِي فُهِمَ مِن قُوَّةِ الكَلامِ أنَّهُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها، والقَوْلُ بِأنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَةِ كانَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ وعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِقِيامِ اللَّيْلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ المَرْوِيَّ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ كانَ الصِّيامَ، لا القِيامَ، وقَدْ يُقالُ مِن طَرِيقِ الإشارَةِ: إنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَةِ لِلرَّمْزِ إلى أنَّ هَذِهِ المُواعَدَةَ كانَتْ بَعْدَ تَمامِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومُجاوَزَةِ بَحْرِ العَوائِقِ والعَلائِقِ، وهُناكَ يَكُونُ السَّيْرُ في اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا تُدْرَكُ حَقِيقَتُهُ، ولا تُعْلَمُ هُوِيَّتُهُ، ولا يُرى في بَيْداءِ جَبَرُوتِهِ إلّا الدَّهْشَةُ والحَيْرَةُ، وهَذا السَّيْرُ مُتَفاوِتٌ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ والأزْمانِ، ولِي مَعَ اللَّهِ تَعالى وقْتٌ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ الِاتِّخاذُ يَجِيءُ بِمَعْنى ابْتِداءِ صَنْعَةٍ، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ نَحْوَ: اتَّخَذْتُ سَيْفًا، أيْ صَنَعْتَهُ، وبِمَعْنى اتِّخاذِ وصْفٍ، فَيَجْرِي مَجْرى الجَعْلِ ويَتَعَدّى لِاِثْنَيْنِ نَحْوَ: اتَّخَذْتُ زَيْدًا صَدِيقًا، والأمْرانِ مُحْتَمَلانِ في الآيَةِ، والمَفْعُولُ الثّانِي عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِشَناعَتِهِ، أيِ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ الَّذِي صَنَعَهُ السّامِرِيُّ إلَهًا، والذَّمُّ فِيهِ ظاهِرٌ، لِأنَّهم كُلَّهم عَبَدُوهُ إلّا هارُونَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، أوْ إلّا هارُونَ والسَّبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ لا حاجَةَ إلى المَفْعُولِ الثّانِي، ويُؤَيِّدُهُ عَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ في مَوْضِعٍ مِن آياتِ هَذِهِ القِصَّةِ، والذَّمُّ حِينَئِذٍ لِما تَرَتَّبَ عَلى الِاتِّخاذِ مِنَ العِبادَةِ أوْ عَلى نَفْسِ الِاتِّخاذِ لِذَلِكَ، والعَرَبُ تَذُمُّ أوْ تَمْدَحُ القَبِيلَةَ بِما صَدَرَ عَنْ بَعْضِها، والعِجْلُ: ولَدُ البَقَرَةِ الصَّغِيرُ، وجَعَلَهُ الصُّوفِيَّةُ إشارَةً إلى عِجْلِ النَّفْسِ النّاقِصَةِ وشَهَواتِها، وكَوْنُ ما اتَّخَذُوهُ عِجْلًا ظاهِرٌ في أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، فَيَكُونُ عِجْلًا حَقِيقَةً، ويَكُونُ نِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ فِيما يَأْتِي حَقِيقَةً أيْضًا، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، وقِيلَ: أرادَ سُبْحانَهُ بِالعِجْلِ ما يُشْبِهُهُ في الصُّورَةِ والشَّكْلِ، ونِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ مَجازٌ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.
ومِنَ الغَرِيبِ إنَّ هَذا إنَّما سُمِّيَ عِجْلًا لِأنَّهم عَجَّلُوا بِهِ قَبْلَ قُدُومِ مُوسى، فاتَّخَذُوهُ إلَهًا، أوْ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، حَيْثُ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنَ المِيقاتِ حَرَقَهُ ونَسَفَهُ في اليَمِّ نَسْفًا، والضَّمِيرُ في بَعْدِهِ راجِعٌ إلى مُوسى، أيْ بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، والتَّنْزِيهِ، والحَمْلِ عَلَيْهِ والكَفِّ عَمّا يُنافِيهِ، وذِكْرُ الظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ شَناعَةِ فِعْلِهِمْ، ولا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُوسى مُتَّخِذًا إلَهًا كَما وُهِمَ، لِأنَّ مَفْهُومَ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الِاتِّخاذُ بَعْدَ مُوسى، ومِن أيْنَ يُفْهَمُ اتِّخاذُ مُوسى سِيَّما في هَذا المَقامِ؟
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ، وأقْرَبُ ما يُحْذَفُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ واعَدْنا ﴾ ، أيْ مِن بَعْدِ مُواعَدَتِهِ، وقِيلَ: المَحْذُوفُ الذَّهابُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالمُواعَدَةِ، لِأنَّها تَقْتَضِيهِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، ومُتَعَلِّقُ الظُّلْمِ الإشْراكُ، ووَضْعُ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقِيلَ: الكَفُّ عَنِ الِاعْتِراضِ عَلى ما فَعَلَ السّامِرِيُّ، وعَدَمُ الإنْكارِ عَلَيْهِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالحالِ الإشْعارُ بِكَوْنِ الِاتِّخاذِ ظُلْمًا بِزَعْمِهِمْ أيْضًا، لَوْ راجَعُوا عُقُولَهم بِأدْنى تَأمُّلٍ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ غَيْرُ حالٍ، بَلْ مُجَرَّدُ إخْبارٍ أنَّ سَجِيَّتَهُمُ الظُّلْمُ، وإنَّما راجَ فِعْلُ السّامِرِيِّ عِنْدَهم لِغايَةِ حُمْقِهِمْ، وتَسَلُّطِ الشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ سائِرُ أفْعالِهِمْ، واتِّخاذُ السّامِرِيِّ لَهُمُ العِجْلَ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ قِيلَ: لِأنَّهم مَرُّوا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم عَلى صُوَرِ البَقَرِ، فَقالُوا: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ فَهَجَسَ في نَفْسِ السّامِرِيِّ أنَّ فِتْنَتَهم مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فاتَّخَذَ لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ هو مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ مُنافِقًا فاتَّخَذَ عِجْلًا مِن جِنْسِ ما يَعْبُدُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، قرأ أبو عمرو «وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى» بغير ألف، وقرأ غيره واعَدْنا بالألف، فمن قرأ بغير ألف فمعناه ظاهر، يعني أن الله تعالى وعد موسى وَمَنْ قرأ بالألف فالمواعدة تجري بين اثنين، وإنما كان الوعد من الله تعالى وَمَن موسى الوفاء، ومن الله الأمر، ومن موسى الائتمار.
فكأنما جرت المواعدة بين الله تعالى وبين موسى.
وقد يجوز أن تكون المفاعلة من واحد، كما يقال: سافر ونافق.
ويقال: أربعين ليلة كانت ثلاثين ليلة منها من ذي القعدة وعشراً من ذي الحجة.
وقال بعضهم: ثلاثين كانت من ذي الحجة وعشراً من المحرم وكانت مناجاته يوم عاشوراء.
وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: لما وعدهم موسى أربعين ليلة، عدَّت بنو إسرائيل عشرين يوماً وعشرين ليلة، وقالوا: قد تمت أربعون ولم يرجع موسى، فقد خالفنا.
وذكر أن السامري قال لهم: إنكم استعرتم من نساء آل فرعون حليهم ولم تردوه عليهم، فلعل الله تعالى لم يرد علينا موسى لهذا المعنى، فهاتوا ما عندكم من الحلي حتى نحرقه، فلعلَّ الله يرد إلينا موسى فجمعوا ذلك الحلي، وكان السامري صائغاً فاتخذ من ذلك عجلاً، وقد كان قبل ذلك رأى جبريل- - على فرس الحياة، فكلما وضع حافره اخضر ذلك الموضع، فرفع من تحت سنبكه قبضة من التراب، ونفخ ذلك التراب في العجل فصار ذلك عجلا جسدا له خوار.
وروي عن ابن عباس أنه قال: صار عجلاً له لحم ودم وفيه حياة له خوار.
وروي عن عليّ أنه قال: اتخذ عجلاً جسداً مشبكاً، من ذهب له خوار، فدخل الريح في جوفه وخرج من فيه كهيئة الخوار.
فقال للقوم: هذا إلهكم وإله موسى فنسي، يعني أن موسى أخطأ الطريق.
وقال بعضهم: كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة، فتمَّ ميقات رَبِّهِ أَرْبَعِينَ ليلة، لأنه قد أفطر من الصِّيام في تلك العشرة، لأنه ظهر لهم الخلاف في تلك العشرة وهذا الطريق أوضح.
قوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، أي عبدتم العجل من بعد انطلاق موسى إلى الجبل وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ، أي كافرون بعبادتكم العجل.
ويقال: وأنتم ضارون أنفسكم بعبادتكم العجل.
ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي تركناكم من بعد عبادتكم العجل، فلم نستأصلكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي لكي تشكروا الله تعالى على العفو والنعمة.
قوله: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، أي أعطينا موسى التوراة وَالْفُرْقانَ، أي الفارق بين الحلال والحرام.
ويقال: الفرقان هو النصرة بدليل قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ [الأنفال: 41] أي يوم النصرة.
ويقال: الفرقان هو المخرج من الشبهات.
ويقال: هو انفلاق البحر بدليل قوله: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة: 50] .
وقال الفراء: في الآية مضمر، ومعناه: وآتينا موسى الكتاب يعني التوراة، وأعطينا محمداً الفرقان، فكأنه خاطبهم فقال: قد أعطيناكم علم موسى وعلم محمد وعلم سائر الأنبياء.
قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، أي لكي تهتدوا من الضلالة.
<div class="verse-tafsir"
إليه أنِ اضرب بعصاك البَحْرَ، وأوحى اللَّه إلى البحر أن انفرِقْ لموسى إذا ضربك، فبات البَحْرُ تلك الليلة يضطرب، فحينَ أصبَحَ، ضرَبَ موسى البحر، وكناه أبا خالد، فانفلَقَ، وكان ذلك في يوم عاشوراء.
وقوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ...
الآية: فَرَقْنا: معناه: جعلْنَاه فِرَقاً، ومعنى بِكُمُ أي: بسببكم، والبحر هو بحر القُلْزُمِ «١» ولم يفرق البحر عَرْضاً من ضفَّة إلى ضفَّة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق يُقَرِّبُ موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرةٍ بسبب جبالٍ وأوغار حائلة، وقيل:
انفرق البحْرُ عَرْضاً على اثني عَشَرَ طَريِقاً طريق لكلِّ سبط، فلما دخلوها، قالَتْ كل طائفة: غَرِقَ أصحابنا، وجَزِعُوا، فقال موسى- عليه السلام-: اللهمَّ، أَعِنِّي على أخلاقهِمُ السَّيئة، فأوْحَى اللَّه إِلَيْه أَنْ أدِرْ عصَاك على البَحْر، فأدارها، فصار في الماء فتوحٌ كالطَّاق «٢» ، يرى بعضهم بعضًا، وجازوا وجبريلُ في ساقتهم على مَاذِيَانةٍ «٣» يحث بني إسرائيل، ويقول لآلِ فرْعَوْنَ: مَهْلاً حتى يلحق آخركم أوَّلَكُم، فلما وصل فرعونُ إلى البحر، أراد الدخول، فنفر فرسُهُ، فتعرَّض له جبريلُ بالرَّمَكَة «٤» ، فأتبعها الفرَسُ، ودخَل آلُ فرعَوْن، وميكائلُ يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائلُ في ساقتهم على الضّفَّة وحده، انطبق البحر عليهم، فغرقوا.
وتَنْظُرُونَ: قيل: معناه بأبصاركم لقُرْبِ بعضهم من بعضٍ، وقيل: ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شُغُلٍ.
قال الطبريُّ: وفي أخبار القرآن على لسان النبيّ صلّى الله عليه وسلم بهذه المغيَّبات التي لم تكُنْ من علم العَرَب، ولا وقعتْ إلا في خفيِّ علْمِ بني إسرائيل دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل، وقائم/ عليهم بنبوءة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم.
٢٠ أوموسى: اسم أَعْجميٌّ، قال ابن إِسحاقَ: هو مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهرَ بْنِ قَاهَثَ بْنِ لاَوى بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الخليل صلّى الله عليه وسلم «١» .
وخص الليالي بالذكْرِ في قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِذ الليلة أقدم من اليوم، وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخُ، قال النقَّاش: وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم لأنه لو ذكر الأيام، لأَمْكَن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نصَّ على الليالي، اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلةً بأيامها.
قال ع «٢» : حدثني أبي- رضي الله عنه- قال: سمعتُ الشيخَ الزاهد الإِمام الواعظَ أبا الفضل بْنَ الجوهَرِيِّ- رحمه اللَّه- يعظُ النَّاسَ بهذا المعنى في الخلوة باللَّه سبحانه، والدنوِّ منه في الصلاة، ونحوه، وأنَّ ذلك يشغل عن كل طعامٍ وشرابٍ، ويقول:
أين حال موسى في القرب من اللَّه، ووصالِ ثمانين من الدهْرِ من قوله، حين سار إلى الخَضِرِ لفتاه في بعض يوم: آتِنا غَداءَنا [الكهف: ٦٢] .
ت: وأيضاً في الأثر أنَّ موسى لم يصبه، أو لم يشك ما شكاه من النَّصَب حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخَضِرِ عليهما السلام.
قال ع «٣» : وكل المفسِّرين على أن الأربعين كلَّها ميعاد.
وقوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي: إلهاً، والضمير في بَعْدِهِ يعود على موسى، وقيل: على انطلاقه للتكليمِ إذ المواعدة تقتضيه، وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام، لما خرج ببني إسرائيل من مصْرَ، قال لهم: إن اللَّه تعالى سينجِّيكم من آل فرعَوْنَ، وينفلكم حُلِيَّهُمْ، ويروى أن استعارتهم للحُلِيِّ كانت بغير إذن موسى- عليه
السلام- وهو الأشبه به، ويؤيِّده ما في سورة طه في قولهم لموسى: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً [طه: ٨٧] ، فظاهرُهُ أنهم أخبروه بما لم يتقدَّم له به شعورٌ، ثم قال لهم موسى: إنه سينزل اللَّه عليَّ كتابًا فيه التحليلُ والتحريمُ والهدى لكم، فلما جازوا البحر، طلبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلةً، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، وقالوا: هذه أربعون من الدهر، وقد أَخْلَفَنَا المَوْعِدَ، وبدا تعنُّتهم وخلافُهم، وكان السامريُّ رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بْنَ ظفر، ويقال: إِنه ابْنُ خالِ موسى، وقيل: لم يكن من بني إسرائيل، بل كان غريباً فيهم، والأول أصحُّ، وكان قد عرف جبريلَ عليه السلام وقت عبورهم، قالت طائفة: أنكَرَ هَيْئَتَهُ، فعرف أنه ملَكٌ، وقالت طائفة: كانت أم السامريِّ ولدته عام الذبْحِ، فجعلته في غَارٍ وأطبقت عليه، فكان جبريل عليه السلام يَغْذُوهُ بأصبع نفسه، فيجد في أصبع لَبَناً وفي أصبع عَسَلاً، وفي أصبع سَمْناً، فلما رآه وقت جواز البحْرِ، عرفه، فأخذ من تحت حافرِ فرسه قبضةَ ترابٍ، وألقى في روعِهِ أنه لن يلقيها على شيء، ويقول له: كن كذا إلا كان، فَلَمَّا خرج موسى لميعاده، قال هارون لبنِي إسرائيل: إِن ذلك الحُلِيَّ والمتاعَ الذي استعرتم من القِبْط لا يحلُّ لكم، فَجِيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادةُ أن تنزل على القرابين.
وقيل: بل أوقد لهم ناراً، وأمرهم بطرح جميعِ ذلك فيها، فجعلوا يطرحون.
وقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حُفْرة دُون نار حتى يجيء موسى، وروي، وهو الأصحُّ الأكثر أنه ألقى الناسُ الحُلِيَّ في حفرة، أو نحوِها، وجاء السامريُّ، / فطرح القبضة، وقال: كن عجلاً.
وقيل: إن السامريَّ كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك.
وقيل: بل كانت بنو إسرائيل قد مرَّت مع موسى على قوم يعبدون البَقَرَ.
ت: والذي في القرآن: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [الأعراف: ١٣٨] ، قيل:
كانت على صور البقر، قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] ، فوعاها السامريُّ، وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلَّت منهم طائفةٌ يعبدونه، فاعتزلهم هارونُ بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده، فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى، ثم أوحى اللَّه إِليه أنه لن يتوب على بني إِسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلَتْ بنو إِسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح مَنْ عَبَدَ منهم، ومن لم يَعْبُد، وألقى اللَّه عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً، يقتل الأب ابنه،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .
قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو: "وَعَدْنا" بِغَيْرِ ألِفٍ هاهُنا، وفي (الأعْرافِ) و(طَهَ) ووافَقَهُما أبانُ عَنْ عاصِمٍ في (البَقَرَةِ) خاصَّةً.
وقَرَأ الباقُونَ "واعَدْنا" بِألِفٍ.
ووَجْهُ القِراءَةِ الأُولى: إفْرادُ الوَعْدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَجْهُ الثّانِيَةِ: أنَّهُ لَمّا قَبِلَ مُوسى وعْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، صارَ ذَلِكَ مُواعَدَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ مُوسى.
ومِثْلُهُ: ﴿ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ .
وَمَعْنى الآَيَةِ: وعَدْنا مُوسى تَتِمَّةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، أوِ انْقِضاءِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً.
ومُوسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ: مُوشا، فَمُو: هو الماءُ، وشا: هو الشَّجَرُ، لِأنَّهُ وجَدَ عِنْدَ الماءِ والشَّجَرِ، فَعَرَّبَ بِالسِّينِ.
ولِماذا كانَ هَذا الوَعْدُ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِأخْذِ التَّوْراةِ.
والثّانِي: لِلتَّكْلِيمِ.
وفي هَذِهِ المُدَّةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها ذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: كانَ الوَعْدُ لِإعْطاءِ التَّوْراةِ.
والثّانِي: أنَّها ذُو الحِجَّةِ وعَشْرٌ مِنَ المُحَرَّمِ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: كانَ الوَعْدُ لِلتَّكْلِيمِ، وإنَّما ذُكِرَتِ اللَّيالِي دُونَ الأيامِ، لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ التَّأْرِيخُ بِاللَّيالِي، لِأنَّ أوَّلَ شَهْرٍ لَيْلُهُ، واعْتِمادُ العَرَبِ عَلى الأهِلَّةِ، فَصارَتِ الأيّامُ تَبَعًا لِلَّيالِي.
وقالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: إنَّما ذَكَرَ اللَّيالِي، لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَصُومَ هَذِهِ الأيّامَ ويُواصِلُها بِاللَّيالِي، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ اللَّيالِيَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ عَفَوْنا عنكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ "فَرَقْنا" مَعْناهُ: جَعَلْناهُ فَرَّقا، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "فَرَّقْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، ومَعْنى "بِكُمُ" بِسَبَبِكُمْ، وقِيلَ: لَمّا كانُوا بَيْنَ الفَرْقِ وقْتَ جَوازِهِمْ فَكَأنَّهُ بِهِمْ فَرْقٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَكُمْ، والباءُ عِوَضُ اللامِ، وهَذا ضَعِيفٌ.
و"البَحْرُ" هو بَحْرُ القُلْزُمِ، ولَمْ يَفْرِقِ البَحْرَ عَرْضا جَزَعًا مِن ضَفَّةٍ إلى ضَفَّةٍ، وإنَّما فَرَقَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ في ضَفَّةٍ واحِدَةٍ، وكانَ ذَلِكَ الفَرْقُ بِقُرْبِ مَوْضِعِ النَجاةِ، ولا يَلْحَقُ في البِرِّ إلّا في أيّامٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ جِبالٍ وأوعارٍ حائِلَةٍ.
وذَكَرَ العامِرِيُّ أنَّ مَوْضِعَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ كانَ قَرِيبًا مِن بَرِّيَّةِ فِلَسْطِينَ وهي كانَتْ طَرِيقَهم.
وقِيلَ: انْفَلَقَ البَحْرُ عَرَضًا، وانْفَرَقَ البَحْرُ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، طَرِيقٌ لِكُلِّ سِبْطٍ، فَلَمّا دَخَلُوها قالَتْ كُلُّ طائِفَةٍ: غَرِقَ أصْحابُنا، وجَزِعُوا، فَقالَ مُوسى: اللهُمَّ أعِنِّي عَلى أخْلاقِهِمُ السَيِّئَةِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ أدِرْ عَصاكَ عَلى البَحْرِ، فَأدارَها فَصارَ في الماءِ فُتُوحٌ كالطاقِ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا وجازَوْا، وجِبْرِيلُ في ساقَتِهِمْ عَلى ماذَيانَةَ يُحِثُّ بَنِي إسْرائِيلَ ويَقُولُ لِآلِ فِرْعَوْنَ: مَهْلًا حَتّى يَلْحَقَ آخِرُكم أوَّلَكُمْ، فَلَمّا وصَلَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ أرادَ الدُخُولَ فَنَفَرَ فَرَسُهُ، فَتَعَرَّضَ لَهُ جِبْرِيلُ بِالرَمْكَةِ فاتَّبَعَها الفَرَسُ، ودَخَلَ آلُ فِرْعَوْنَ ومِيكائِيلُ يَحُثُّهُمْ، فَلَمّا لَمْ يَبْقَ إلّا مِيكائِيلُ في ساقَتِهِمْ عَلى الضَفَّةِ وحْدَهُ انْطَبَقَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا.
و"تَنْظُرُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِأبْصارِكم لِقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِبَصائِرِكم لِلِاعْتِبارِ، لِأنَّهم كانُوا في شُغْلٍ عَنِ الوُقُوفِ، والنَظَرِ بِالأبْصارِ، وقِيلَ: إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ طَفَوا عَلى الماءِ فَنَظَرُوا إلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى وأنْتُمْ بِحالِ مَن يَنْظُرُ لَوْ نَظَرَ، كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ مِنكَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ بِحالٍ تَراهُ وتَسْمَعُهُ إنْ شِئْتَ.
قالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي إخْبارِ القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ بِهَذِهِ المُغَيَّباتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِن عِلْمِ العَرَبِ، ولا وقَعَتْ إلّا في خَفِيِّ عِلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ دَلِيلٌ واضِحٌ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقائِمٌ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واعَدْنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "وَعَدْنا"، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ: إنَّ المُواعَدَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ لِأنَّ قَبُولَ مُوسى لِوَعْدِ اللهِ والتِزامِهِ وارْتِقابِهِ يُشْبِهُ المُواعَدَةَ.
و"مُوسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، والقِبْطُ عَلى ما يُرْوى يَقُولُونَ لِلْماءِ: مُو، ولِلشَّجَرِ: سا، فَلَمّا وجَدَ " مُوسى " في التابُوتِ عِنْدَ ماءٍ وشَجَرٍ سُمِّيَ ( مُوسى ).
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِتِ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ.
ونُصِبَ "أرْبَعِينَ" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، ولا يَجُوزُ نَصْبُها عَلى الظَرْفِ في هَذا المَوْضِعِ، وهي فِيما رُوِيَ ذُو القِعْدَةِ وعَشَرُ ذِي الحِجَّةِ.
وخَصَّ اللَيالِي بِالذِكْرِ دُونَ الأيّامِ، إذِ اللَيْلَةُ أقْدَمُ مِنَ اليَوْمِ، وقَبْلَهُ في الرُتْبَةِ ولِذَلِكَ وقَعَ بِها التارِيخُ.
قالَ النَقّاشُ: وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى صِلَةِ الصَوْمِ، لِأنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الأيّامَ لَأمْكَنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَيالِي اقْتَضَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: سَمِعْتُ الشَيْخَ الزاهِدَ الإمامَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ يَعِظُ الناسَ بِهَذا المَعْنى في الخَلْوَةِ بِاللهِ، والدُنُوِّ مِنهُ في الصَلاةِ ونَحْوِهِ، وأنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ عن كُلِّ طَعامٍ وشَرابٍ، ويَقُولُ: أيْنَ حالُ مُوسى في القُرْبِ مِنَ اللهِ، ووِصالِ ثَمانِينَ مِنَ الدَهْرِ مِن قَوْلِهِ -حِينَ سارَ إلى الخَضِرِ - لِفَتاهُ في بَعْضِ يَوْمٍ: "آتِنا غَداءَنا"؟
وكُلُّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الأرْبَعِينَ كُلَّها مِيعادٌ.
وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: وعَدَهُ رَأْسَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ ﴾ ، قَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ بِالإدْغامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ بِإظْهارِ الذالِ.
وثُمَّ لِلْمُهْلَةِ، ولِتَدُلَّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ بَعْدَ المُواعَدَةِ.
واتَّخَذَ وزْنُهُ افْتَعَلَ مِنَ الأخْذِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِن "تَخِذَ" لا مِن "أخَذَ" وأنْشَدَ المُمَزَّقُ: وقَدْ تَخِذْتُ رِجْلِي إلى جَنْبٍ غَرَزَها نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطْرَقِ ونُصِبَ "العِجْلَ" بـِ "اتَّخَذْتُمُ"، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ: اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ إلَهًا، واتَّخَذَ قَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَسُولِ سَبِيلا ﴾ ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما هو الآخَرُ في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً ﴾ ، وكَهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" يَعُودُ عَلى مُوسى، وقِيلَ: عَلى انْطِلاقِهِ لِلتَّكْلِيمِ، إذِ المُواعَدَةُ تَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: عَلى الوَعْدِ.
وَقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى لَمّا خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ قالَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى سَيُنْجِيكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويُنِيلُكم حُلِيَّهم ومَتاعَهُمُ الَّذِي كانَ أمَرَهم بِاسْتِعارَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَعارُوهُ بِرَأْيِهِمْ، فَنَفَّلَهُمُ اللهُ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، وقالَ لَهم مُوسى عَنِ اللهِ تَعالى: إنَّهُ يُنْزِلُ عَلَيَّ كِتابًا فِيهِ التَحْلِيلُ والتَحْرِيمُ والهُدى لَكُمْ، فَلَمّا جاوَزُوا البَحْرَ طالَبُوا مُوسى بِما قالَ لَهم مِن أمْرِ الكِتابِ، فَخَرَجَ لِمِيعادِ رَبِّهِ وحْدَهُ، وقَدْ أعْلَمَهم بِالأرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَعَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِعِشْرِينَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ، وقَدْ أخْلَفْنا المَوْعِدَ، وبَدا تَعَنُّتُهم وخِلافُهُمْ، وكانَ السامِرِيُّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُسَمّى مُوسى بْنُ ظُفَرٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ غَرِيبًا فِيهِمْ، وكانَ قَدْ عَرَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وقْتَ عَبْرِهِمُ البَحْرَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: أنْكَرَ هَيْئَتَهُ فَعَرَفَ أنَّهُ مَلَكَ.
وقالَ طائِفَةٌ: كانَتْ أُمُّ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَجَعَلَتْهُ في غارٍ وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ جِبْرِيلُ يَغْذُوهُ بِأصابِعِ نَفْسِهِ، فَيَجِدُ في إصْبَعٍ لَبَنًا، وفي إصْبَعٍ عَسَلًا، وفي إصْبَعٍ سَمْنًا، فَلَمّا رَآهُ وقْتَ جَوازِ البَحْرِ عَرَفَهُ فَأخَذَ مِن تَحْتِ حافِرِ فَرَسِهِ قَبْضَةَ تُرابٍ وأُلْقِي في رُوعِهِ أنَّهُ لَنْ يُلْقِيَها عَلى شَيْءٍ ويَقُولَ لَهُ: كُنْ إلّا كانَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى لِمِيعادِهِ، قالَ هارُونُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ والمَتاعَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمْ مِنَ القِبْطِ لا يَحِلُّ لَكُمْ، فَجِيئُوا بِهِ حَتّى تَأْكُلَهُ النارُ الَّتِي كانَتِ العادَةُ أنْ تَنْزِلَ عَلى القَرابِينِ.
وقِيلَ: بَلْ أوقَدَ لَهم نارًا، وأمَرَهم بِطَرْحِ جَمِيعِ ذَلِكَ فِيها، فَجُعِلُوا يُطْرَحُونَ، وقِيلَ: بَلْ أمَرَهم أنْ يَضَعُوهُ في حُفْرَةٍ دُونَ نارٍ حَتّى يَجِيءَ مُوسى، وجاءَ السامِرِيُّ فَطَرَحَ القَبْضَةَ وقالَ: كُنْ عِجْلًا.
وقِيلَ: إنَّ السامِرِيَّ كانَ في أصْلِهِ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ مَرَّتْ مَعَ مُوسى عَلى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ فَقالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، فَوَعاها السامِرِيُّ، وعَلِمَ أنَّ مِن تِلْكَ الجِهَةِ يُفْتَنُونَ، فَفُتِنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِالعِجْلِ، وظَلَّتْ مِنهم طائِفَةٌ يَعْبُدُونَهُ، فاعْتَزَلَهم هارُونُ بِمَن تَبِعَهُ، فَجاءَ مُوسى مِن مِيعادِهِ فَغَضِبَ حَسْبَما يَأْتِي قَصَصُهُ في مَواضِعِهِ مِنَ القُرْآنِ إنْ شاءَ اللهُ، ثُمَّ أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّهُ لَنْ يَتُوبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى يَقْتُلُوا أنْفُسَهم فَفَعَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ.
فَرُوِيَ أنَّهم لَبِسُوا السِلاحَ مَن عَبَدَ مِنهم ومَن لَمْ يَعْبُدْ، وألْقى اللهُ عَلَيْهِمُ الظَلّامَ فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، يَقْتُلُ الأبُ ابْنَهُ والأخُ أخاهُ، فَلَمّا اسْتَحَرَّ فِيهِمُ القَتْلُ وبَلَغَ سَبْعِينَ ألْفًا عَفا اللهُ عنهُمْ، وجَعَلَ مَن ماتَ مِنهم شَهِيدًا، وتابَ عَلى البَقِيَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنا عنكُمْ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وقَفَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ صَفًّا، ودَخَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ عَلَيْهِمْ بِالسِلاحِ فَقَتَلُوهم.
وقالَتْ طائِفَةٌ: جَلَسَ الَّذِينَ عَبَدُوا بِالأفْنِيَةِ، وخَرَجَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ يُنادِي: مَلْعُونٌ مَن حَلَّ حَبْوَتَهُ وجَعَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا يَقْتُلُونَهُمْ، ومُوسى في خِلالِ ذَلِكَ يَدْعُو لِقَوْمِهِ، ويَرْغَبُ في العَفْوِ عنهُمْ، وإنَّما عُوقِبَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، أو بِقَتْلِ قَرابَتِهِمْ عَلى الأقْوالِ الأُخَرِ لِأنَّهم لَمْ يُغَيِّرُوا المُنْكَرَ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وإنَّما اعْتَزَلُوا، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقاتِلُوا مَن عَبَدَهُ.
﴿ وَأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ ، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الظُلْمِ.
والعَفْوُ تَغْطِيَةُ الأثَرِ، وإذْهابُ الحالِ الأُولى مِنَ الذَنْبِ أو غَيْرِهِ، ولا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بِمَعْنى الصَفْحِ إلّا في الذَنْبِ، وعَفا عنهم عَزَّ وجَلَّ، أيْ: عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم لَمْ يُقْتَلْ.
و"لَعَلَّكُمْ"، تَرَجٍّ لَهم في حَقِّهِمْ وتَوَقُّعٌ مِنهُمْ، لا في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ مِنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى ﴾ الآيَةُ، "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النِعَمِ، و"الكِتابَ" هو التَوْراةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، واخْتَلَفَ في "الفُرْقانَ" هُنا فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو التَوْراةُ كَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، ولِأنَّهُ زادَ مَعْنى التَفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولَفْظَةُ الكِتابِ لا تُعْطِي ذَلِكَ.
وقالَ آخَرُونَ: الكِتابُ التَوْراةُ، و"الفُرْقانُ" سائِرُ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَ مُوسى ، لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
وقالَ آخَرُونَ: "الفُرْقانُ" النَصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالنَجاةِ والغَرَقِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الفُرْقانُ" انْفِراقُ البَحْرِ لَهُ، حَتّى صارَ فَرْقًا، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
﴿ وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ تَرَجٍّ وتَوَقُّعٌ مِثْلُ الأوَّلِ.
<div class="verse-tafsir"
تذكير لهم بنعمة عفو الله عن جرمهم العظيم بعبادة غيره وذلك مما فعله سلفهم، فإسناد تلك الأفعال إلى ضمير المخاطبين باعتبار ما عطف عليه من قوله: ﴿ ثم عفونا عنكم ﴾ فإن العفو عن الآباء منة عليهم وعلى أبنائهم يجب على الأبناء الشكر عليه كما تقدم عند قوله: ﴿ اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ﴾ [البقرة: 40، 47].
ووقع في «الكشاف» و«تفسير البغوي» و«تفسير البيضاوي» أن الله وعد موسى أن يؤتيه الشريعة بعد أن عاد بنو إسرائيل إلى مصر بعد مهلك فرعون، وهذا وهم فإن بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر البتة بعد خروجهم، كيف والآيات صريحة في أن نزول الشريعة كان بطورسينا وأن خروجهم كان ليعطيهم الله الأرض المقدسة التي كتب الله لهم وقد أشار في «الكشاف» في سورة الدخان إلى التردد فيه ولا ينبغي التردد في ذلك.
وقوله: ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده ﴾ هو المقصود وأما ما ذكر قبله فهو تمهيد وتأسيس لبنائه وتهويل لذلك الجرم إظهاراً لسعة عفو الله تعالى وحلمه عنهم.
وتوسيط التذكير بالعفو عن هذه السيئة بين ذكر النعم المذكورة مراعاة لترتيب حصولها في الوجود ليحصل غرضان غرض التذكير وغرض عرض تاريخ الشريعة.
والمراد من المواعدة هنا أمر الله موسى أن ينقطع أربعين ليلة لمناجاة الله تعالى وإطلاق الوعد على هذا الأمر من حيث إن ذلك تشريف لموسى ووعد له بكلام الله وبإعطاء الشريعة.
وقراءة الجمهور ﴿ وواعدنا ﴾ بألف بعد الواو على صيغة المفاعلة المقتضية حصول الوعد من جانبين الواعد والموعود والمفاعلة على غير بابها لمجرد التأكيد على حد سافر وعافاه الله، وعالج المريض وقاتله الله، فتكون مجازاً في التحقيق لأن المفاعلة تقتضي تكرر الفعل من فاعلين فإذا أخرجت عن بابها بقي التكرر فقط من غير نظر للفاعل ثم أريد من التكرر لازمه وهو المبالغة والتحقق فتكون بمنزلة التوكيد اللفظي.
والأشهر أن المواعدة لما كان غالب أحوالها حصول الوعد من الجانبين شاع استعمال صيغتها في مطلق الوعد وقد شاع استعمالها أيضاً في خصوص التواعد بالملاقاة كما وقع في حديث الهجرة «وواعداه غار ثور».
وقول الشاعر: فواعديه سَرْحَتَي مالك *** أو الرُّبا بينهما أسهلا واستعملت هنا لأن المناجاة والتكلم يقتضي القرب فهو بمنزلة اللقاء على سبيل الاستعارة ولذلك استغني عن ذكر الموعود به لظهوره من صيغة المواعدة.
وقيل المفاعلة على بابها بتقدير أن الله وعد موسى أن يعطيه الشريعة وأمره بالحضور للمناجاة فوعد موسى ربه أن يمتثل لذلك، فكان الوعد حاصلاً من الطرفين وذلك كاف في تصحيح المفاعلة بقطع النظر عن اختلاف الموعود به، وذلك لا ينافي المفاعلة لأن مبنى صيغة المفاعلة حصول فعل متماثل من جانبين لا سيما إذا لم يذكر المتعلق في اللفظ كما هنا لقصد الإيجاز البديع لقصد إعظام المتعلق من الجانبين، ولك أن تقول سوغ حذفه علم المخاطبين به فإن هذا الكلام مسوق للتذكير لا للإخبار والتذكير يكتفى فيه بأقل إشارة فاستوى الحذف والذكر فرجح الإيجاز وإن كان الغالب اتحاده.
وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ﴿ وعدنا ﴾ بدون ألف عقب الواو على الحقيقة.
وموسى هو رسول الله إلى بني إسرائيل وصاحب شريعة التوراة، وهو موسى بن عمران ولم يذكر اسم جده ولكن الذي جاء في التوراة أنه هو وأخوه هارون من سبط لاوى بن يعقوب.
ولد بمصر في حدود سنة ألف وخمسمائة قبل ميلاد عيسى ولما ولدته أمه خافت عليه أن يأخذه القبط فيقتلوه لأنه في أيام ولادته كان القبط قد ساموا بني إسرائيل سوء العذاب لأسباب غير مشروعة كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ يذبحون أبناءكم ﴾ [البقرة: 49] فأمر ملك مصر بقتل كل ذكر يولد في إسرائيل.
وأمه تسمى «يوحانذ» وهي أيضاً من سبط لاوى وكان زوجها قد توفي حين ولدت موسى فتحيلت لإخفائه عن القبط مدة ثلاثة أشهر ثم ألهمها الله فأرضعته رضعة ووضعته في سفط منسوج من خوص البردي وطلته بالمغرة والقار لئلا يدخله الماء ووضعت فيه الولد وألقته في النيل بمقربة من مساكن فرعون على شاطئ النيل ووكلت أختاً له اسمها مريم بأن ترقب الجهة التي يلقيه النيل فيها وماذا يصنع به، وكان ملك مصر في ذلك الوقت تقريباً هو فرعون رعمسيس الثاني، ولما حمله النهر كانت ابنة فرعون المسماة ثرموت مع جَوارٍ لها يمشين على حافة النهر لقصد السباحة والتبرد في مائه قيل كانوا في مدينة عين شمس فلما بصرت بالسفط أرسلت أمة لها لتنظر السفط فلما فتحنه وجدن الصبي فأخذته ابنة فرعون إلى أمها وأظهرت مريم أخت موسى نفسها لابنة فرعون فلما رأت رقة ابنة فرعون على الصبي قالت: إن فينا مرضعاً أفأذهب فأدعوها لترضعه؟
فقالت: نعم فذهبت وأتت بأم موسى.
وأخذت امرأة فرعون الولد وتبنته وسمته موشى قيل: إنه مركب من كلمة «مو» بمعنى الماء وكلمة «شى» بمعنى المنقَذ وقد صارت في العربية موسى والأظهر أن هذا الاسم مركب من اللغة العبرية لا من القبطية فلعله كان له اسم آخر في قصر فرعون وأنه غير اسمه بعد ذلك.
ونشأ موسى في بيت فرعون كولد له ولما كبر علم أنه ليس بابن لفرعون وأنه إسرائيلي ولعل أمه أعلمته بذلك وجعلت له أمارات يوقن بها وأنشأه الله على حب العدل ونصر الضعيف وكان موسى شديداً قوي البنية ولما بلغ أشده في حدود نيف وثلاثين من عمره حدث له حادث قتل فيه قبطياً انتصاراً لإسرائيلي ولعل ذلك كان بعد مفارقته لقصر فرعون أي بعد موت مربيه فخاف موسى أن يقتص منه وهاجر من مصر ومر في مهاجرته بمدين وتزوج ابنة شعيب ثم خرج من مدين بعد عشر سنين وعمره يومئذ نيف وأربعون سنة.
وأوحى الله إليه في طريقه أن يخرج بني إسرائيل من مصر وينقذهم من ظلم فرعون فدخل مصر ولقي أخاه هارون في جملة قومه في مصر وسعى في إخراج بني إسرائيل من مصر بما قصه الله في كتابه وكان خروجه ببني إسرائيل من مصر في حدود سنة 1460 ستين وأربعمائة وألف قبل المسيح في زمن منفطاح الثاني وتوفي موسى عليه السلام قرب أريحا على جبل نيبو سنة 1380 ثمانين وثلاثمائة وألف قبل ميلاد عيسى ودفن هنالك وقبره غير معروف لأحد كما هو نص التوراة.
وقوله: ﴿ أربعين ليلة ﴾ انتصب على أنه ظرف لمتعلق ﴿ واعدنا ﴾ وهو اللقاء الموعود به ناب هذا الظرف عن المتعلق أي مناجاة وغيرها في أربعين ليلة إن جعل ﴿ واعدنا ﴾ مسلوب المفاعله وإن أبقي على ظاهره قدرنا متعلقين وعلى كلا التقديرين فانتصاب (أربعين) على الظرفية لذلك المحذوف على أن إطلاق اسم الزمان على ما يقع فيه مجاز شائع في كلام البلغاء ومنه ﴿ واتقوا يوماً لا تجزى نفس ﴾ [البقرة: 48] كما تقدم والأمور التي اشتملت عليها الأربعون ليلة معلومة للمخاطبين يتذكرونها بمجرد الإلماع إليها.
وبما حررناه في قوله: ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ﴾ تستغني عن تطويلات واحتمالات جرت في كلام الكاتبين هنا من وجوه ذكرها التفتزاني وعبد الحكيم وقد جمع الوجه الذي أبديناه محاسنها.
وجعل الميقات ليالي لأن حسابهم كان بالأشهر القمرية.
وعطفت جملة ﴿ اتخذتم العجل من بعده ﴾ بحرف ﴿ ثم ﴾ الذي هو في عطف الجمل للتراخي الترتيبي للإشارة إلى ترتيب في درجات عظم هذه الأحوال وعطف ﴿ ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ﴾ أيضاً لتراخي مرتبة العفو العظيم عن عظيم جرمهم فروعي في هذا التراخي أن ما تضمنته هذه الجمل عظائم أمور في الخير وضده تنبيهاً على عظم سعة رحمة الله بهم قبل المعصية، وبعدها وحذف المفعول الثاني لاتخذتم لظهوره وعلمهم به ولشناعة ذكره وتقديره معبوداً أو إلهاً وبه تظهر فائدة ذكر ﴿ من بعده ﴾ لزيادة التشنيع بأنهم كانوا جديرين بانتظارهم الشريعة التي تزيدهم كمالاً لا بالنكوص على أعقابهم عما كانوا عليه من التوحيد والانغماس في نعم الله تعالى وبأنهم كانوا جديرين بالوفاء لموسى فلا يحدثوا ما أحدثوا في مغيبه بعد أن رأوا معجزاته وبعد أن نهاهم عن هاته العبادة لما قالوا له: ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ﴾ [الأعراف: 138] الآية.
وفائدة ذكر (من) للإشارة إلى أن الاتخاذ ابتدأ من أول أزمان بعدية مغيب موسى عليه السلام وهذه أيضاً حالة غريبة لأن شأن التغير عن العهد أن يكون بعد طول المغيب على أنه ضعف في العهد كما قال الحرث بن كلدة: فما أدري أغيَّرهم تناءٍ *** وطول العهد أم مالٌ أصابوا ففي قوله: ﴿ من بعده ﴾ تعريض بقلة وفائهم في حفظ عهد موسى.
وقوله: ﴿ من بعده ﴾ أي بعد مغيبه وتقدير المضاف مع بعد المضاف إلى اسم المتحدث عنه شائع في كلام العرب لظهوره بحسب المقام وإذا لم يكن ما يعنيه من المقام فالأكثر أنه يراد به بعد الموت كما في قوله تعالى: ﴿ قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ [غافر: 34] وقوله: ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ﴾ [البقرة: 246].
وإنما اتخذوا العجل تشبهاً بالكنعانيين الذين دخلوا إلى أرضهم وهم الفنيقيون سكان سواحل بلاد الشام فإنهم كانوا عبدة أوثان وكان العجل مقدساً عندهم وكانوا يمثلون أعظم الآلهة عندهم بصورة إنسان من نحاس له رأس عجل جالس على كرسي ماداً ذراعيه كمتناول شيء يحتضنه وكانوا يحمونه بالنار من حفرة تحت كرسيه لا يتفطن لها الناس فكانوا يقربون إليه القرابين وربما قربوا له أطفالهم صغاراً فإذا وضع الطفل على ذراعيه اشتوى فظنوا ذلك أمارة قبول القربان فتباً لجهلهم وما يصنعون.
وكان يسمى عندهم «بعلا» وربما سموه «مولوك» وهم أمة سامية لغتها وعوائدها تشبه في الغالب لغة وعوائد العرب فلما مر بهم بنو إسرائيل قالوا لموسى ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ [الأعراف: 138] فانتهرهم موسى وكانوا يخشونه فلما ذهب للمناجاة واستخلف عليهم هارون استضعفوه وظنوا أن موسى هلك فاتخذوا العجل الذي صنعوه من ذهب وفضة من حليهم وعبدوه.
وقوله: ﴿ وأنتم ظالمون ﴾ حال مقيدة لاتخذتم ليكون الاتخاذ مقترناً بالظلم من مبدئه إلى منتهاه وفائدة الحال الإشعار بانقطاع عذرهم فيما صنعوا وأن لا تأويل لهم في عبادة العجل أو لأنهم كانوا مدة إقامتهم بمصر ملازمين للتوحيد محافظين على وصية إبراهيم ويعقوب لذريتهما بملازمة التوحيد فكان انتقالهم إلى الإشرك بعد أن جاءهم رسول انتقالاً عجيباً.
فلذلك كانوا ظالمين في هذا الصنع ظلماً مضاعفاً فالظاهر أن ليس المراد بالظلم في هاته الآية الشرك والكفر وإن كان من معاني الظلم في اصطلاح القرآن لظهور أن اتحاذ العجل ظلم فلا يكون للحال معه موقع.
وقد اطلعت بعد هذا على «تفسير الشيخ محمد بن عرفة التونسي» فوجدته قال: ﴿ وأنتم ظالمون ﴾ أي لا شبهة لكم في اتخاذه.
وقوله: ﴿ ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ﴾ هو محل المنة، وعطفه بثم لتراخي رتبة هذا العفو في أنه أعظم من جميع تلك النعم التي سبق عدها ففيه زيادة المنة فالمقصود من الكلام هو المعطوف بثم وأما ما سبق من قوله: ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ﴾ إلخ فهو تمهيد له وتوصيف لما حفّ بهذا العفو من عظم الذنب.
وقوله: ﴿ من بعد ذلك ﴾ حال من ضمير «عفونا» مقيدة للعفو إعجاباً به أي هو عفو حال حصوله بعد ذلك الذنب العظيم وليس ظرفاً لغواً متعلقاً بعفونا حتى يقال: إن ثم دلت على معناه فيكون تأكيداً لمدلول ثم تأخير العفو فيه وإظهار شناعته بتأخير العفو عنه وإنما جاء قوله ذلك مقترناً بكاف خطاب الواحد في خطاب الجماعة لأن ذلك لكونه أكثر أسماء الإشارة استعمالاً بالإفراد إذ خطاب المفرد أكثر غلب فاستعمل لخطاب الجمع تنبيهاً على أن الكاف قد خرجت عن قصد الخطاب إلى معنى البعد ومثل هذا في كلام العرب كثير لأن التثنية والجمع شيآن خلاف الأصل لا يصار إليهما إلا عند تعيين معناهما فإذا لم يقصد تعيين معناهما فالمصير إليهما اختيار محض.
وقوله: ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ رجاء لحصول شكركم، وعدل عن لام التعليل إيماء إلى أن شكرهم مع ذلك أمر يتطرقه احتمال التخلف فذكر حرف الرجاء دون حرف التعليل من بديع البلاغة فتفسير لعل بمعنى لكي يفيت هذه الخصوصية وقد تقدم كيفية دلالة لعل على الرجاء في كلام الله تعالى عند قوله: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم إلى قوله لعلكم تتقون ﴾ [البقرة: 21].
ومعنى الشكر تقدم في قوله تعالى: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ [الفاتحة: 2] وللغزالي فيه باب حافل عدلنا عن ذكره لطوله فارجع إليه في كتاب «الإحياء».
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ : أمّا مُوسى، فاسْمٌ يَجْمَعُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ بِالقِبْطِيَّةِ وهُما: ماءٌ وشَجَرٌ، فَـ(مُو) هو الماءُ، و(سا) هو الشَّجَرُ، وإنَّما سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ الجامِعِ لِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ، لِما ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ مِن أنَّ أُمَّهُ لَمّا خافَتْ عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ في التّابُوتِ، وألْقَتْهُ في اليَمِّ، كَما أُوحِيَ إلَيْها، فَألْقاهُ بَيْنَ أشْجارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَتْ حَوارِيُّ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ، فَوَجَدْنَهُ، فَسُمِّيَ بِاسْمِ المَكانِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ فاهِتَ بْنِ لاوِيَ بْنِ يَعْقُوبَ (إسْرائِيلَ) بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: لَمّا جاوَزَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ، قالَ لَهُ بَنُو إسْرائِيلَ: ألَيْسَ وعَدْتَنا أنْ تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؟
فَوَعَدَهُ اللَّهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ووَعَدَها بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ أبُو العالِيَةِ: هي ذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اللَّيالِي دُونَ الأيّامِ، وإنْ كانَتِ الأيّامُ تَبَعًا مَعَها، لِأنَّ أوَّلَ الشُّهُورِ اللَّيالِي، فَصارَتِ الأيّامُ لَها تَبَعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ ﴾ يَعْنِي اتَّخَذْتُمُوهُ إلَهًا مِن بَعْدِ خُرُوجِ مُوسى إلى المِيقاتِ، واسْتِخْلافِهِ هارُونَ عَلَيْهِمْ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ فِيما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، أنَّ السّامِرِيَّ كانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، فَكانَ حُبُّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ بَعْدَ إظْهارِهِ الإسْلامَ، وكانَ قَدْ عَرَفَ جِبْرِيلَ لِأنَّ أُمَّهُ حِينَ خافَتْ عَلَيْهِ أنْ يُذْبَحَ خَلَّفَتْهُ في غارٍ، وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ، وكانَ جِبْرِيلُ يَأْتِيهِ، فَيَغْذُوهُ بِأصابِعِهِ، فَلَمّا رَآهُ حِينَ عَبَرَ البَحْرَ عَرَفَهُ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِن أثَرِ فَرَسِهِ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ ) ولَمْ تَزَلِ القَبْضَةُ في يَدِهِ، حَتّى فَصَلَ مُوسى إلى رَبِّهِ، وخَلَّفَ هارُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ لَهم هارُونُ: قَدْ تَحَمَّلْتُمْ أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ، يَعْنِي أمْتِعَةً وحُلِيًّا، فَتَطَهَّرُوا مِنها فَإنَّها نَجَسٌ، فَأوْقَدَ لَهم نارًا، وأمَرَهم بِقَذْفِ ما كانَ مَعَهم فَفَعَلُوا، فَأقْبَلَ السّامِرِيُّ إلى النّارِ وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أُلْقِي ما في يَدِي؟
قالَ: نَعَمْ، وهو يَظُنُّ أنَّهُ حُلِيٌّ، فَقَذَفَهُ، وقالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ.
واخْتَلَفُوا: هَلْ صارَ حَيَوانًا لَحْمًا ودَمًا أمْ لا؟
فَقالَ الحَسَنُ: انْقَلَبَ حَيَوانًا لَحْمًا ودَمًا، وقالَ غَيْرُهُ لا يَجُوزُ لِأنَّ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي لا يُظْهِرُها إلّا لِمُعْجِزَةِ نَبِيٍّ، وإنَّما جَعَلَ فِيهِ خُرُوقًا تَدْخُلُها الرِّيحُ، فَيَحْدُثُ فِيهِ صَوْتٌ كالخُوارِ.
وَدافَعَ مَن تابَعَ الحَسَنَ عَلى قَوْلِهِ هَذا، بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَقَدْ أبْطَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَدَّعِيَ بِذَلِكَ إعْجازَ الأنْبِياءِ، فَجازَ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنهُ امْتِحانًا.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ في غَيْرِ زَمانِ الأنْبِياءِ، ويَجُوزُ في زَمانِ الأنْبِياءِ، لِأنَّهم يُظْهِرُونَ إبْطالَهُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ في زَمانِ نَبِيَّيْنِ.
واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ عِجْلًا: فَقالَ أبُو العالِيَةِ: لِأنَّهم عَجِلُوا، فاتَّخَذُوهُ إلَهًا، قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم مُوسى، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ صارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ.
ثُمَّ إنَّهم عَكَفُوا عَلى العِجْلِ يَعْبُدُونَهُ، فَقالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ: يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ، وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ، فاتَّبِعُونِي، وأطِيعُوا أمْرِي، قالُوا: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ، حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ ﴾ : أمّا (إذْ) فاسْمٌ لِلْوَقْتِ الماضِي، و(إذا) اسْمٌ لِلْوَقْتِ المُسْتَقْبَلِ، و(الكِتابُ) هو التَّوْراةُ.
وَفي الفُرْقانِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الفُرْقانَ هو الكِتابُ فَذَكَرَهُ بِاسْمَيْنِ تَأْكِيدًا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: أنَّ الفُرْقانَ: ما في التَّوْراةِ مِن فَرْقٍ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَعْتًا لِلتَّوْراةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الفُرْقانَ النَّصْرُ، الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ، حَتّى أنْجى مُوسى وقَوْمَهُ، وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّ الفُرْقانَ: انْفِراقُ البَحْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، حَتّى عَبَرُوا فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ﴾ قال: ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة، وذلك حين خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هرون، فمكث على الطور أربعين ليلة وأنزل عليهم التوراة في اللوح، فقربه الرب نجياً وكلمه وسمع صرير القلم، وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط الطور.
أما قوله تعالى ﴿ ثم اتخذتم ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه يهبوب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ الآية.
يقال: وَعَدْتُه وَعْدَا وعِدَةً (١) (٢) ﴿ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ ، وقال: ﴿ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ .
ويقال: وعدني الخير والشر (٣) ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ﴾ ﴿ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .
فأما الإيعاد فهو في التهديد.
قال الشاعر: أَوْعَدَنِي بِالسِّجْنِ والْأَداَهِمِ (٤) ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ وأكثر ما يستعمل الإيعاد بالباء (٥) (٦) (٧) والميعاد من: الوعد (٨) (٩) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ ، (١٠) (١١) و (الوعد) (١٢) ﴿ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ ﴾ ، فـ (جانب) مفعول ثان، ولا يكون ظرفا لاختصاصه (١٣) (١٤) [وقوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ﴾ (١٥) ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ (١٦) (١٧) ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ﴾ و ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ تفسير للوعد وتبيين له كقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ فقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ ﴾ تبيين للوصية، وليس بمفعول ثان، وقوله (١٨) ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ﴾ فإن هذا ونحوه يحتمل أمرين: يجوز أن يكون انتصاب الوعد بالمصدر.
ويجوز أن يكون انتصابه بأنه المفعول الثاني.
وسمي الموعود به وعدا (١٩) وقوله (٢٠) ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ﴾ فـ ﴿ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ﴾ في موضح نصب بأنه المفعول الثاني و ﴿ أَنَّهَا لَكُمْ ﴾ بدل منه، والتقدير: وإذ يعدكم الله ثبات إحدى الطائفتين أو ملكها (٢١) فأما قوله: ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ (٢٢) (٢٣) (٢٤) ويكون في الكلام محذوف به يتم (٢٥) (٢٦) واختلف القراء في قوله تعالى: ﴿ وَاعَدْنَا ﴾ فقرأ أكثرهم (٢٧) ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقرأ أبو عمرو (٣١) ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ﴾ (٣٢) ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ ﴾ ، ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ ﴾ ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ﴾ ، ﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ ﴾ ، فرد المختلف في إلى المتفق عليه (٣٣) وأما (أربعين) فقال أبو الفتح الموصلي (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) وكذلك القول في (أربعين) و (خمسين) إلى (التسعين) فقد ثبت بهذا أن (أربعين) ليس جمع (أربع) وكذلك سائر العقود، ولكنه جار مجرى (فلسطين) و (قِنَّسْرين) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) وقال غيره: إنما جمعوا (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ لَيْلَةً ﴾ (٤٥) (٤٦) (٤٧) وقوله (٤٨) ﴿ ثُمَّ أتَّخَذتُمُ العِجلَ ﴾ .
يقال: اتّخذ يتّخذ، وتَخِذَ يتخذ (٤٩) ﴿ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ (٥٠) (٥١) وقد تخِذَتْ رجلي إلى جنب غَرزها ...
نسيفاً كأُفحوص (٥٢) (٥٣) و (تخذ) (٥٤) (٥٥) وأما (اتخذ) فإنه على ضربين (٥٦) والثاني: أن يتعدى إلى مفعولين.
فأما تعديه إلى واحد فكقوله: ﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ و ﴿ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ﴾ [[وفي "الحجة" ذكر قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً ﴾ [يس: 74].]]، ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ﴾ .
وأما تعديه إلى مفعولين، فإن الثاني منهما هو الأول في المعنى، كقوله: ﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ (٥٧) ﴿ لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ ، ﴿ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا ﴾ .
ونظير (اتخذت) في تعديه إلى مفعول واحد مرة، وإلى مفعولين: (الجعل) (٥٨) ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ أي: خلقهما (٥٩) ﴿ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ ، ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً ﴾ .
فأما قوله: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ ﴾ وقوله: ﴿ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ ﴾ ، ﴿ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ ، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ ﴾ ، فالتقدير في هذا كله: (اتخذوه إلها) فحذف المفعول الثاني (٦٠) (٦١) ﴿ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ ﴾ .
و (الاتخاذ) أصله: (اأتخاذ) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) وباب (الاتخاذ) يجوز أنه يكون أصله الواو كالاتزان والاتقاء و (٦٦) (٦٧) (٦٨) ﴿ هُدًى لِلمُتَّقِينَ ﴾ (٦٩) واختلف القراء في هذا الحرف، فقرأ بعضهم بالإظهار (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) فأما معنى الآية: فإن الله تعالى نبههم بهذه الآية على أن كفرهم بمحمد ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنتُم ظَالِمُونَ ﴾ أي: ضارون لأنفسكم، وواضعون العبادة في غير موضعها (٨٢) (٨٣) (١) في (أ): (وعدء) وأثبت ما في (ب)، (ج) لأنه الصواب.
(٢) الكلام عن لفظ (وعد) واشتقاقه واستعمالاته نقله عن "الحجة" لأبي علي 2/ 56، وانظر: "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915، "اللسان" 8/ 4871.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915.
(٤) في (ب): (الاداهمى).
البيت لعُدَيْل بن الفَرْخ، وبعده: رِجْلِي وَرِجْلِي شثنة المْنَاَسِمِ الأداهم: جمع أدهم، وهو القيد، شثنة: غليظة، المناسم: طرف خف البعير استعارة للإنسان.
ورد البيت في "الحجة" لأبي علي 2/ 57، وفي كتب اللغة مادة == (وعد) في "تهذيب اللغة" 4/ 3915، "الصحاح" 2/ 551، "المحكم" 2/ 137، "مقاييس اللغة" 3/ 134، "اللسان"، 8/ 4871، وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 197، "الحروف" لابن السكيت ص 97، "الهمع" 5/ 217، "شرح المفصل" 3/ 70، "شرح ابن عقيل" 3/ 251، "الخزانة" 5/ 188، "شرح شذور الذهب" ص 524.
(٥) في (ب)، (ج): (بالياء).
(٦) في (أ)، (ج) (يقول) ما في (ب) أنسب للسياق.
(٧) ذكره أبو علي عن أحمد بن يحيى، "الحجة" 2/ 57، وانظر "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915.
(٨) في (ب): (الوعيد).
(٩) في (أ): (الخبر) وما في (ب)، (ج) هو الصواب.
(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١١) اختصر كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 2/ 57، 58، وسياق أبي علي أوضح.
(١٢) في (ب): (الوعيد) وفي "الحجة": (وعدت) فعل يتعدى إلى مفعولين ...) 2/ 59.
(١٣) ولا يسمى ظرفًا في اصطلاح النحويين، وانما يسمى اسم مكان فقط، لأن == الظرف الاصطلاحي: هو الذي يتضمن معنى: لفظا أو تقريرا، فالوعد وقع على الجانب ولم يقع فيه، بمعنى الموعد به هو الجانب نفسه لا شيء آخر يكون فيه، وهذا يسمى مفعولا به ولا يسمى ظرفا على الراجح.
انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 2/ 126.
والظرف المختص من المكان ماله صورة وحدود محصورة نحو الدار والمسجد، والظرف غير المختص من المكان وهو المبهم، ما ليس كذلك نحو الجهات الست.
انظر: "حاشية الصبان على الأشموني" 2/ 129، "وحاشية الخضري على شرح ابن عقيل" 1/ 198.
(١٤) في (ج): (سكنا).
(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٦) (منكم) سقط من (أ)، (ج).
(١٧) كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة" (فيه) 2/ 60.
(١٨) في "الحجة": وأما قوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ ﴾ ..) 2/ 60.
(١٩) في "الحجة": (الوعد) 2/ 60.
(٢٠) في "الحجة": (وأما قوله: ..) 2/ 61.
(٢١) "الحجة" 2/ 61.
(٢٢) في (ب): (وعدنا).
(٢٣) في (ج): (ض).
(٢٤) "الحجة" 2/ 64، 65، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 264، "المشكل" لمكي 1/ 47، "الإملاء" 1/ 36، "البحر" 1/ 199، وقد ذكر الطبري هذا القول، ثم رده، ورجح: أن الأربعين كلها داخلة في الميعاد، قال: (وقد زعم بعض نحويي البصرة: أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين ....).
ثم قال: (وذلك خلاف ما جاءت الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة ..) الطبري 1/ 280.
ونحوه قال ابن عطية: (وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد) "تفسير ابن عطية" 1/ 292، وانظر: "القرطبي" 1/ 337.
(٢٥) في (ب): (تم).
(٢٦) في (ب): (للمتكلم).
(٢٧) قرأ أبو عمرو بغير ألف ووافقه من العشرة أبو جعفر ويعقوب، والباقون بالألف انظر: "السبعة" ص 155، "الحجة" لأبي علي 2/ 56، "التيسير" ص73، "التبصرة" ص25، "الغاية" ص 101، "النشر" 2/ 212، "تحبير التيسير" ص87.
(٢٨) (لكن) ساقط من (أ) و (ج) تصحيف في الآية.
(٢٩) قال أبو علي: (..
فإذا كان الوعد من الله سبحانه، ولم يكن من موسى، كان من هذا الباب) "الحجة" 2/ 67.
(٣٠) مر في تفسير قوله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ ، وانظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 66، "حجة القراءات" لابن زنجلة: ص96، "الحجة" لابن خالويه: ص77، "الكشف" لمكي 1/ 240.
(٣١) في (ب): (أبو عمر).
(٣٢) المائدة:9، والنور: 55، والفتح:29.
(٣٣) "الحجة" لأبي علي 2/ 67.
وقال ابن زنجلة: وحجة أن المواعدة إنما تكون بين الآدميين.
"حجة القراءات": ص96، انظر: "الحجة" لابن خالويه: ص77، == "الكشف" لمكي 1/ 239، قال الطبري: (..
والصواب عندنا في ذلك من القول: أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القَرَأة، وليس في القراءة بأحدهما إبطال معنى الأخرى ..) ثم رد على من قال: إنما تكون المواعدة بين البشر.
"تفسير الطبري" 1/ 279.
(٣٤) "سر صناعة الأعراب" 2/ 626.
(٣٥) (العِشْر) بكسر العين خاص بورود الإبل اليوم العاشر أو التاسع.
انظر: "القاموس" (عشر): ص 440.
(٣٦) في "سر صناعة الأعراب": (ثلاث) 2/ 626 (٣٧) في "سر صناعة الأعراب": (..
لوجب أن يستعمل في (تسعة) وفي (اثني عشر) وفي (خمسة عشر) وكذلك إلى (سبعة) ولجاز أن يتجاوز به إلى ما فوق الثلاثين من الأعداد التي الواحد من تثليثها فوق العشرة ..) 2/ 626.
(٣٨) (قِنَّسْرين) بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده، مدينة بالشام.
انظر: "معجم البلدان" 4/ 403.
(٣٩) نص عبارة أبي الفتح: (فقد ثبت بهذا أن (ثلاثين) ليس جمع (ثلاث) وأن (أربعين) ليس جمع (أربع)، ولكنه جرى مجرى (فلسطين) في أن اعتقد له واحد مقدر وإن لم يجر به استعمال فكأن (ثلاثين) جمع (ثلاث) و (ثلاث) جماعة فكأنه قد كان ينبغي أن تكون فيه (الهاء) ..) "سر صناعة الأعراب" 2/ 626.
(٤٠) في (ب): (هذا).
(٤١) (الواو) ساقطة من (ب).
(٤٢) انتهى ما نقله عن أبي الفتح ابن جني الموصلي بتصرف.
انظر: "سر صناعة الأعراب" 2/ 626، 627.
ورأي أبي الفتح أن (أربعين) يجري مجرى جمع المذكر السالم فيعرب بالحروف، وهذا قول بعض النحويين، ومنهم في قال: يعرب بالحركات.
انظر: "المقتضب" 3/ 332، "الخزانة" 8/ 67، "الدر المصون" 1/ 353.
(٤٣) (فيه) ساقط من (ج).
والكلام في: (أرض) و (أرضون) ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ﴾ .
(٤٤) في (ب): (واجمعوا).
(٤٥) (ليلة) ساقط من (ج).
(٤٦) في (ج): (الشهر).
(٤٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 70 ب.
وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 291، "تفسير البغوي" 1/ 94، "زاد المسير" 1/ 80، "تفسير القرطبي" 1/ 337.
(٤٨) في (ج): (له تعالى).
(٤٩) (يتخذ) بسكون التاء، وفتح الخاء، كذا في "تهذيب اللغة" (أخذ) 7/ 530، "مجالس العلماء" للزجاجي: ص 333، "اللسان" (أخذ) 3/ 374، وانظر "الحجة" لأبي علي 2/ 68.
(٥٠) الكهف: 77، والاستشهاد بالآية ورد في "الحجة" على قراءة أبي عمرو وابن كثير (لتخذت) كما هنا.
انظر "الحجة" 2/ 68، "السبعة" لابن مجاهد ص 396، "تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 129.
(٥١) هو الممزق العبدي، واسمه شأس بن نهار.
(٥٢) في (ج): (كما نحوص).
(٥٣) قوله: غرزها: الغرز للناقة مثل الحزام للفرس، و (النسيف): أثر ركض الرجل بجبني البعير، و (الأفحوص): المبيض، و (المطرِّق): وصف للقطاة، إذا حان خروج بيضها.
ورد البيت في "الحجة" 2/ 68، "الأصمعيات" ص165، "تهذيب اللغة" (نسف) 4/ 3562، "الخصائص" 2/ 287، "مجالس العلماء" للزجاجي ص 333، "المخصص" 1/ 21، 8/ 125، 12/ 272، 16/ 97، 134، 17/ 22، "التكملة": ص117، "اللسان" (حدب) 2/ 796، و (فحص) 6/ 3356، و (طرق) 5/ 2666، و (نسف) 7/ 4411.
(٥٤) قال أبو علي: (اتخذ): افتعل، فعلت منه: تخذت ..) ولم أعلم (تخذت) تعدى إلا إلى مفعول واحد.
"الحجة" 2/ 68.
قال ابن عطية: (اتخذ وزنه: افتعل من الأخذ، وقال أبو علي: هو من تخذ لا من أخذ 1/ 216، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 338 - 339، "الدر المصون" 1/ 354.
(٥٥) مر في تفسير قوله تعالى: ﴿ هُدًى للِمُتَّقِينَ ﴾ .
(٥٦) نقله من "الحجة" لأبي علي 2/ 68.
وانظر: "البحر" 1/ 200، "الدر المصون" 1/ 354.
(٥٧) المجادلة: 16، المنافقون: 2.
(٥٨) في (ب): (أنجعل) وفي "الحجة": (جعلت) 2/ 69.
(٥٩) في (ب): (خلقها).
والمؤلف يشير بقوله (خلقها) إلى أن (جعل) التي تتعدى إلى مفعول واحد هي التي بمعنى: خلق، أو أوجب، أو وجب، وهي تتعدى إلى مفعول واحد بنفسها.
وإلى الثاني بحرف الجر.
وأما التي تتعدى إلى مفعولين فهي التي بمعنى: (اعتقد) و (صير).
انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 2/ 23.
(٦٠) في (ب): (لي الثاني).
(٦١) تابع الواحدي أبا علي في قوله: (..
أنه لو كان على ظاهره، لكان من صاغ عجلًا، أو نجره، أو عمله بضرب من الأعمال، استحق الغضب من الله)، وكأن فاعل ذلك لا يستحق العقوبة على تصوير المجسمات من ذوات الأرواح، الذي هو محرم عند جمهور العلماء، وإنما وقع الخلاف بينهم في الصور غير المجسمة.
أما أبو علي فلا يرى تحريم ذلك كله، ويحمل الأحاديث الواردة في وعيد المصورين على المشبهة -حسب زعمه- قال في "الحجة" 2/ 71: (..
قيل: يعذب المصورون، يكون على من صور الله تصوير الأجسام، وأما الزيادة فمن أخبار الآحاد التي لا توجب العلم).
وقد تعقبه ابن حجر ورد عليه قوله، انظر: "فتح الباري" 10/ 384.
(٦٢) (اأتخاد) ساقط من (ب)، وفي (ج): (اتخاذ).
(٦٣) في (ب): (ياء).
(٦٤) اتسروا الجزور: إذا نحروها واقتسموها.
(القاموس) (يسر): ص 500.
(٦٥) أورد أبو علي هذا القول ورده، لأن أصله عنده (تخذ) لا (اخذ).
انظر: "الحجة" 2/ 71، "تفسير ابن عطية" 1/ 292، "تفسير القرطبي" 1/ 339، "الدر المصون" 1/ 354.
(٦٦) (الواو) ساقطة من (ج) (٦٧) ذكره أبو علي في "الحجة" حيث قال: (أخذ) قد جاء فيه لغتان في (الفاء): الواو والهمز، كما جاء: آكدت ووكدت ..) "الحجة" 2/ 73، 74.
(٦٨) في (ب): (ووصدت).
(٦٩) البقرة: 2.
(٧٠) قرأ بالإظهار ابن كثير وعاصم في رواية حفص، انظر "السبعة":ص155، "الحجة" لأبي علي 2/ 67، "التيسير": ص 44.
(٧١) في "الحجة" (ليس من مخرج التاء والطاء) 2/ 75.
(٧٢) "الحجة" لأبي علي 2/ 75.
وانظر:"الحجة" لابن خالويه: ص77."الكشف" لمكي 1/ 160.
(٧٣) قرأ بالإدغام بقية السبعة عدا ابن كثير وعاصم في رواية حفص، انظر"السبعة" ص 155، "الحجة" لأبي علي 2/ 67، "التيسير": ص 44، "الكشف" 1/ 160.
(٧٤) في (ب): (فاجتمع أنها).
(٧٥) في (ب): (حيز).
"الحجة" لأبي علي 2/ 75.
وانظر: "الحجة" لابن خالوية: ص 77، "الكشف" 1/ 160، وقال مكي: إنهما (اعتدلا في القوة والضعف).
(٧٦) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 281، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 104.
(٧٧) يريد ما سبق في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ ، فجعل النعمة على آبائهم نعمة عليهم، وهذا يجري في (كلام العرب) كثيرًا.
وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 97، 104.
(٧٨) في (ج): (ما يؤتون).
(٧٩) (بين) ساقط من (ج).
(٨٠) بنحو هذا السياق ذكره الثعلبي في "تفسيره" دون قوله: (وأمره أن يصوم ثلاثين يومًا ..) 1/ 71 أ، وأخرج الطبري في "تفسيره" مقاطع منه في عدة آثار 1/ 283، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 294، "تفسير البغوي" 1/ 95، "ابن كثير" 1/ 98.
(٨١) في (ب): (موضها).
(٨٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 71 ب، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 284.
و"تفسير البغوي" 1/ 95، و"لباب التفسير" 1/ 239، و"تفسير الرازي" 3/ 76، "البحر المحيط" 1/ 201، و"تفسير البيضاوي" 1/ 25، و"تفسير النسفي" 1/ 43، و"تفسير الخازن" 1/ 125.
(٨٣) لم أجد من ذكر هذا القول -فيما اطلعت عليه- ومعناه يرجع للقول الأول، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ هي شهر ذي القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما خصّ الليالي بالذكر لأنّ العام بها، والأيام تابعة لها، والمراد أربعين ليلة بأيامها ﴿ ثُمَّ اتخذتم العجل ﴾ اتخذتموه إلهاً، فحذف لدلالة المعنى ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي بعد غيبته في الطور ﴿ الكتاب ﴾ هنا التوراة ﴿ والفرقان ﴾ أي المفرق بين الحق والباطل، وهو صفة التوراة وآتينا محمداً الفرقان، وهذا بعيد لما فيه من الحذف من غير دليل عليه ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي يقتل بعضكم بعضاً كقوله: ﴿ سَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ [النور: 61]، وروي أنّ الظلام ألقي عليهم فقتل بعضهم بعضاً، حتى بلغ القتلى سبعون ألفاً فعفى الله عنهم.
وإنما خص هنا اسم الباري: الخالق ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ قبله محذوف لدلالة الكلام عليه، وهو فحوى الخطاب، أي: ففعلتم ما أمرتم به من القتل فتاب عليكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سوء العذاب ﴾ و ﴿ سوء الحساب ﴾ بغير همز حيث وقعتا مفتوحتين: الأصبهاني عن ورش.
﴿ وعدنا ﴾ حيث كان أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد.
﴿ موسى ﴾ بالإمالة المفرطة كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعن أبي عمرو وجهان: إن جعلته "فعلى" فبالإمالة بين الفتح والكسر، وإن جعلته على "مفعل" فبالفتح لا غير ﴿ ثم اتخذتم ﴾ وبابه بالإظهار: ابن كثير وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.
﴿ والفرقان لعلكم ﴾ مدغماً: عباس، وكذلك يدغم إذا كان قبل النون حرف من حروف المد واللين وهي الواو والمضموم ما قبلها مثل ﴿ وتكون لكما الكبرياء ﴾ والياء المكسور ما قبلها مثل ﴿ ميثاق النبيين لما ﴾ والألف المفتوح ما قبلها مثل ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ وما أشبه ذلك.
الوقوف: ﴿ نساءكم ﴾ (ط) ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ تنظرون ﴾ (ه) ﴿ ظالمون ﴾ (ه) ﴿ تشكرون ﴾ (ه) ﴿ تهتدون ﴾ (ه) التفسير: إنه لما قدّم ذكر النعمة على بني إسرائيل إجمالاً أخذ في تفصيلها واحدة فواحدة ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة كأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم، وإذ فرقنا، وإذ كان كذا وكذا.
"وإذ" في جميع هذه القصص بمعنى مجرد الوقت مفعول به لـ "اذكروا" وأصل الإنجاء والتنجية التخليص، ومنه النجوة للمكان العالي لأن من صار إليه نجا أي تخلص من أن يعلوه سيل، أو لأن الموضع تخلص مما انحط عنه.
وأصل آل أهل بدليل أهيل وأهال في تحقيره وتكسيره على الأعرف، فأبدلت إلى "أءل" على خلاف القياس، ثم إلى "آل" وجوباً فالألف فيه بدل عن همزة بدل عن هاء.
ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر.
يقال "آل النبي" "وآل الملك" ولا يقال: آل الحائك.
وإنما يقال أهله، وهكذا لا يقال: آل البلد وآل العلم، وإنما يقال أهلهما.
وعند الكسائي، أصله أول بدليل تصغيره على أويل، كأنهم يؤلون إلى أصل قلبت الواو ألفاً على القياس.
و ﴿ فرعون ﴾ علم لمن ملك العمالقة أولاد عمليق ابن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، وخاقان للترك، وتبع لليمن.
واختلف في اسمه.
فابن جريج: أن اسمه مصعب بن ريان.
وابن إسحق: أنه الوليد بن مصعب.
ولم يكن من الفراعنة أغلظ وأقسى قلباً منه.
وعن وهب بن منبه: أن أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس وكان من القبط.
وقيل: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى.
وضعف إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين دخول موسى أكثر من أربعمائة سنة.
وقال محمد بن إسحق: هو غير فرعون يوسف وإن اسم فرعون يوسف ا لريان بن الوليد.
والمراد بآل فرعون أتباعه وأعوانه الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل بأمره.
ولعتوّ الفراعنة اشتقوا "تفرعن" فلان إذا عتا وتجبر.
و ﴿ يسومونكم ﴾ من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً.
قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خســفـاً *** أبينـا أن نقــر الخســـف فينـــا وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه.
والسوء مصدر السيء يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفجور يراد قبحهما.
ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيئ أشده وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره، أو المراد عذاب من غير استحقاق، لأن العذاب بالاستحقاق حسن واختلف في سوء العذاب فابن إسحق: إنه جعلهم خدماً وخولاً وصنفهم في أعماله، فمن بان وحارث وزارع ومن لم يكن ذا عمل وضع عليه جزية يؤديها.
السدي: كان يجعلهم في الأعمال القذرة ككنس الكنيف ونحوه، ولا ريب أن كون الإنسان تحت تصرف الغير كيف شاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة القذرة من غير أن يأخذه بهم رأفة وإشفاق، من أشدّ العذاب، حتى إن من هذه حاله ربما يتمنى الموت.
سئل حكيم: أي شيء أصعب من الموت؟
فقال: ما يتمنى فيه الموت.
فبين عظيم نعمته عليهم بأن نجاهم من ذلك، ثم أتبع نعمة أخرى فقال ﴿ يذبحون أبناءكم ﴾ ومعناه هم يقتلون الذكور من أولادكم دون الإناث.
والذي دعاهم إلى ذلك أمور منها: أن ذبح الأبناء يقتضي إفناء الرجال وانقطاع النسل بالآخرة.
ومنها أن هلاك الرجال يقتضي فساد معيشة النساء حتى يتمنين الموت من النكد والضر.
ومنها أن قتل الولد عقيب الحمل والكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب.
ومنها أن الأبناء أحب وأرغب من البنات ولهذا قيل: ســـروران مــالهمـــا ثـــالـــث *** حيـــاة البنيــن ومــوت البنـــات لقول النبي "دفن البنات من المكرمات" ومنها أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان.
قال بعضهم: المراد بالأبناء الرجال ليطابق النساء، إذ النساء اسم للبالغات وهو جمع المرأة من غير لفظها.
قالوا: وإنما كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره.
والأكثرون على أن المراد بالأبناء الأطفال لظاهر اللفظ، ولأنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ولأنهم كانوا محتاجين إليهم في الأعمال الشاقة، ولأنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى في اليم معنى.
وإنما لم يقل البنات في مقابلة الأبناء لأنهن لما لم يقتلن كن بصدد أن يبلغن، فحسن إطلاق اسم النساء عليهن مثل ﴿ إني أراني أعصر خمراً ﴾ عن ابن عباس: أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على أعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، فلما رأوا أن كبارهم يموتون، والصغار يذبحون، خافوا فناءهم وأن لا يجدوا من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يقتلون عاماً دون عام.
وعن السدي: أن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى استولت على بيوت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده.
وقيل: إن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة، فلهذا كان يقتل أبناءهم من تلك السنة.
قيل: والأقرب هو الأول، لأن المستفاد من علم النجوم والتعبير لا يكون أمراً مفصلاً، وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً، بل يكون أمراً جميلاً، والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على هذا الأمر العظيم بسببه (قلت) كون فرعون عاقلاً ممنوع، فإن من شك في أجلى البديهيات وهو أنه ممكن الوجود، فعدّه من العقلاء لا يكون من العقل.
ثم قال ذلك القائل: لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد، أو يقال إنه كان شاكاً متحيراً في دينه وكان يجوّز صدق إبراهيم ، وأقدم على ذلك الفعل احتياطاً.
(قلت): إذا أخبر الله عنه بأنه قال ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ و ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ فلا ضرورة بنا إلى تجويز كونه عارفاً بالله وبصدق الأنبياء وجعل كفره كفر جحود ﴿ ومن أصدق من الله قيلا ﴾ ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ فإن قلت: لم ذكر ﴿ يذبحون ﴾ ههنا بلا "واو"، وفي سورة إبراهيم بواو؟
فالوجه فيه أنه إذا جعل ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ مفسراً بقوله ﴿ يذبحون ﴾ فلا حاجة إلى الواو، وإذا جعل ﴿ يسومونكم ﴾ مفسراً بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح، وجعل الذبح شيئاً آخر احتيج إلى الواو.
وإنما جاء ههنا ﴿ يذبحون ﴾ وفي الأعراف ﴿ يقتلون ﴾ بغير واو لأنهما من كلام الله فلم يرد تعداد المحن عليهم.
والذي في إبراهيم من كلام موسى فعدّ المحن عليهم وكان مأموراً بذلك في قوله ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ وقال بعضهم: إن معنى يستحيون يفتشون حياء المرأة أي فرجها، هل بها حمل أم لا؟
وفيه تعسف.
والبلاء المحنة إن أشير بذلك إلى صنيع فرعون، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء، والحمل على النعمة أولى لأنها هي التي يحسن إضافتها إلى الرب ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله على أسلافهم حيث عاينوا إهلاك من حاول إهلاكهم وإذلال من بالغ في إذلالهم.
وههنا نكتة، وهي أنهم كانوا في نهاية الذل، وخصمهم في غاية الاستيلاء والغلبة، إلا أنهم كانوا محقين وخصومهم مبطلين، فانقلب المحق غالباً والمبطل مغلوباً، فكأنه قيل: لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال، فإنه سينقلب العز إلى جانبه ، والذل إلى جانب أعدائه.
وفيه تنبيه على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا وينسى أمر الآخرة.
قال أهل الإشارة: النفس الأمارة وصفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة تسوم الروح الشريف ذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية ولا ينجيه من ذلك إلا الله .
قوله ﴿ وإذ فرقنا ﴾ نعمة أخرى في نعمة أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه سالك لكم على عدد الأسباط وكانوا اثني عشر.
ومعنى بكم أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، أو يراد فرقناه بسبب إنجائكم، أو يكون حالاً أي ملتبساً بكم.
روي أنه لما أراد غرق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله تعالى أنه لا يؤمن أحد منهم، أمر موسى بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، إما ليخرجوا خلفهم لأجل المال، وإما لتبقى أموالهم في أيديهم.
ثم نزل جبريل وقال: أخرج ليلاً كما قال ﴿ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ﴾ وكانوا ستمائة ألف، وكل سبط خمسون ألفاً.
فلما خرجوا وبلغ الخبر فرعون قال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك.
قال الراوي: فوالله ما صاح الليلة ديك.
فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط.
قال قتادة: فاجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف، كل واحدٍ منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً وهو قوله ﴿ فأَتبعوهم مشرقين ﴾ أي بعد طلوع الشمس.
فلما سار بهم موسى إلى البحر قال له يوشع: أين أمرك ربك؟
فقال له موسى: إلى أمامك.
وأشار إلى البحر - فأقحم يوشع فرسه في البحر وكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه، ثم رجع وقال له يا موسى: أين أمرك ربك؟
فقال: البحر.
فقال: والله ما كذبت وما كذب.
ففعل ذلك ثلاث مرات فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، فانشق البحر اثني عشر طريقاً.
فقال له: ادخل، وكان فيه وحل فهب الصبا نحو البحر حتى صار طريقاً يبساً، فاتخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه، فقالوا لنبيهم: أين أصحابنا لا نراهم؟
فقال موسى: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم.
قالوا: لا نرضى حتى نراهم.
فقال: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة.
فأوحى إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على حيطان المياه فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم.
ثم اتبعهم فرعون فلما بلغ شاطئ البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهمّ بأن لا يدخل البحر، فجاء جبريل على مهرة فتقدم وهو كان على فحل، فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فصاح ميكائيل بهم ألحقوا آخركم بأوّلكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء حتى نزل عليهم فذلك قوله ﴿ وأغرقنا آل فرعون ﴾ قيل: ذلك اليوم كان يوم عاشوراء، فصام موسى ذلك اليوم شكراً لله تعالى، ومعنى قوله ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه.
وقيل: إن قوم موسى سألوا أن يريهم الله حالهم، فسأل موسى ربه فلفظهم البحر ألف ألف ومائة ألف نفس فنظروا إليهم طافين.
وقيل: المراد وأنتم بالقرب منهم.
قال الفراء: وهو مثل قولك "لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك" تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم.
قال أهل الإشارة: البحر هو الدنيا، وماؤه شهواتها ولذاتها، وموسى القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون النفس الأمارة، وقومه صفات النفس، والعصا عصا الذكر، فينفلق بحر الدنيا بتفليق لا إله إلا الله، وينشبك ماء شهواته يميناً وشمالاً، ويرسل الله ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابساً من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته فيعبرونه وتنجيهم عناية الله إلى ساحل ﴿ وأَنَّ إلى ربك المنتهى ﴾ ويغرق فرعون النفس وقومه والله أعلم.
ولما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى.
ونسبه: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم .
أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما قيل أربعين ليلة لأن الشهور غررها بالليالي.
وقال أهل التحقيق: لأن الليلة وقت العبادة والخلوة فخصت بالذكر لشرفها.
ولعدد الأربعين خاصية لن ينكرها أهل الذوق، ولهذا جاء في الحديث "من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" والجنين يتقلب في الأطوار في الأربعينات، قال أبو العالية: وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.
ولا بد من تقدير مضاف أي انقضاء أربعين كقولك "اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان" أي تمام الأربعين.
ومن قرأ ﴿ واعدنا ﴾ من المواعدة فمعناه أن الله وعده الوحي ووعد هو المجيء للميقات إلى الطور.
وذكر الأربعين ههنا مجمل وتفصيله في الأعراف كقوله: ﴿ ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ﴾ فصل أولاً ثم أجمل.
ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم اتخذتم ﴾ استبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له، لأنه لما وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين تنبيهاً للحاضرين وتعريفاً للغائبين وإظهاراً لدرجة موسى وسائر بني إسرائيل، وأتوا عقيب ذلك بأشنع أنواع الجهل والكفر، كان ذلك في محل التبعيد والتعجيب كما تقول: إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء.
والاتخاذ افتعال من الأخذ إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه "فعل" "يفعل" وقالوا: يخذ يتخذ، وقد أجرى اتخذ مجرى الأفعال القلبية في الدخول على المبتدأ والخبر نحو "جعل" و "صير" والتقدير: اتخذتم العجل إلهاً إلا أنه حذف الثاني للعلم به ولذكره في مواضع أخر منها في طه ﴿ فقالوا هذا الهكم وإله موسى ﴾ وقوله من بعده من بعد مضيه إلى الطور.
قال أهل السير: لما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي التي استعاروها من القبط، قال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها، فجمعوا ناراً وأحرقوها.
وكان السامري في مسيره مع موسى في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل حين تقدّم في البحر، فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة.
ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب وصوّر منه عجلاً وألقى فيه ذلك التراب فخرج منه صوت كأنه الخوار ﴿ فقالوا هذا الهكم وإله موسى ﴾ فاتخذه إلهاً لأنفسهم، ولهذا وصفهم الله بالظلم في قوله ﴿ وأنتم ظالمون ﴾ كما قال ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وذلك أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك وضع أخس الأشياء مكان أشرف الموجودات.
والواو في ﴿ وأنتم ﴾ إما للحال وإما للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الظلم، وقال أهل التحقيق: إن لكل قوم عجلاً يعبدونه.
قال "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة" وقال "ما عبد إله أبغض إلى الله من الهوى" وفيه تقريع لليهود الذين جادلوا رسول الله وعادوه كأنه قال: هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف بهؤلاء الأخلاف؟
وتسلية للنبي مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى من الخلاف والمشاقة ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ﴾ وتحذير للعقلاء من الجهل والتقليد إلى هذه الغاية.
ما أفظع شأن الجهلة المقلدة، رضوا بأن يكون العجل إلهاً، وما رضوا بأن يكون البشر نبياً وقد تعجّل بعضهم لتصحيح واقعة عبدة العجل حيث استبعد وقوعها منهم مع أنهم شاهدوا تلك المعجزات الباهرة التي تكاد تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق النبي .
إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية فقال للقوم: أنا أتخذ لكم طلسماً مثل طلسمه، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب، وأطمعهم في صيرورتهم مثل موسى في إتيان الخوارق، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في الأجسام فوقعوا في تلك الشبهة الركيكة، وههنا يظهر التفاوت بين أ مة موسى وأمة محمد فإنهم بعد مشاهدة الآيات العظام القريبة من الأفهام عبدوا الأصنام بل الأنعام، وأمة محمد مع أن معجزتهم القرآن الذي لا يعرف إعجازه إلا بالنظر الدقيق والبحث العميق لم يخالفوا نبيهم طرفة عين ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ لا يزيغون عن سواء السبيل ولا يميلون إلى معتقدات أهل الأباطيل ﴿ مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ﴾ .
قوله: ﴿ ثم عفونا عنكم ﴾ أي حين تبتم بأن قتلتم أنفسكم ﴿ من بعد ذلك ﴾ الأمر العظيم الذي ارتكبتموه من اتخاذ العجل ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة العفو.
ومعنى الترجي في كلام الله قد مر في قوله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ الكتاب والفرقان يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل يعني التوراة نحو: رأيت الغيث والليث، يريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة.
أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام.
وقيل: الفرقان انفراق البحر، ولا يلزم التكرار لأنه لم يبين هناك أن ذلك لأجل موسى وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص.
وقيل: النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله ﴿ يوم الفرقان ﴾ يعني يوم بدر.
وقيل: آتينا موسى التوراة ومحمداً الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب وفيه تعسف.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
يحتمل وجوها: يحتمل: ﴿ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ بمحمد ، وذلك أن الناس كانوا على فترة من الرسل، وانقطاع من الوحي، واختلاف من الأديان والمذاهب؛ فبعث الله - - محمداً ؛ ليجمعهم ويدعوهم إلى دين الله، ويؤلف بينهم، ويخرجهم من الحيرة والتيه، وذلك من أعظم نعمة أنعمها عليهم، وبالله التوفيق.
وذلك أيضاً يُحْتمل فيما تقدم من الآيات.
وقوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ...
﴾ الآية [البقرة: 40].
وقوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ يعني: محمداً .
وعهدُه في الأرض رسولُه، كقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي ﴾ أي: عهدي.
وعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ يعني: بمحمد .
وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ يعني: محمداً .
وكذلك قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ أَمكن تخريج هذه الآيات كلها على محمد .
ويحتمل أيضا قوله: ﴿ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ الوجوه التي ذكرنا.
أحدها: أن جعل منكم الأنبياء والملوك؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ .
كما قيل: إن كل نبي من لدن يعقوب إلى زمن عيسى كان من بني إسرائيل.
ويحتمل: ما آتاهم - عز وجل - من أنواع النعم ما لم يؤت أَحداً من العالمين؛ كقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ من المن، والسلوى، وتظليل الغمام، وامتداد اللباس على قدر القامة والطول.
كما قيل: إن ثيابهم كانت تزداد وتمتد عليهم على قدر ما تزداد قامتهم، وكانت لا تُبْلَى عليهم ولا تتوسخ، وذلك مما لم يؤتِ أحداً سواهم.
ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ نِعْمَتِيَ ﴾ أي: النجاة من فرعون وآله؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...
﴾ الآية [البقرة: 49].
وقوله: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .
قيل: فُضِّلوا على جميع من على وجه الأرض؛ على الدوابِّ بالجوهر، وعلى الجن بالرسل، وعلى البشر بالإيمان.
ويَحْتمل تفضيلُهم على العالمين وجوهاً أيضاً: ما ذكرنا من بعث الأَنبياءِ منهم.
والنجاة من أيدي العدو.
وإهلاك العدو وهم يرونه.
وفَرْق البحر بهم، والنجاة منه، وإهلاك العدو فيه.
وذلك من أعظم النعم: أَن ترى عدوَّك في الهلاك وأَنت بمعزل منه آمن.
وقوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .
يحتمل: فضَّل أَوائلهم.
وفي الآية وجهان على المعتزلة: أَحدهما: قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وعندهم: أَن جميع ما فعل مما عليه الفعل، ولو فعل غيره لكان يكون به جائزاً، فإذا كان تركه بفعله جائزاً ففعله حق عليه.
ولا أَحد يكون بفعل ما لا يجوز له الترك منعماً على أَحد؛ فثبت أَن كان ثَمَّ منه معنى زائدٌ خصهم به، وأَن ليس التخصيص محاباة كما زعمت المعتزلة، ولا ترك الإنعام بخلٌ كما قالوا.
والثاني: قوله: ﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، فلو لم يكن منه إليهم فضل معنى، لم يكن لهم تفضيل على غيرهم؛ فثبت أن كان فيهم ذلك.
ومن قول المعتزلة: أَن ليس لله أَن يخص أَحداً بشيء إلا باستحقاق يفعله، وبذلك هم فَضَّلوا أَنفسهم على العالمين، لا هو، فكيف يَمُنُّ عليهم بذلك؟!
ولا قوة إلا بالله.
مع ما لا يخلو تفضيله إياهم على غيرهم من أَن يكون لهم الفضلُ في الدين أَولاً.
فإن لم يكن فليس ذلك بتفضيل.
وإن كان ثبت أَنْ ليس من الحق عليه التسويةُ بين الجميع في أَسباب الدين.
وقوله عز وجل: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ .
الآيةُ: - والله أعلم - كأَنَّها مؤخَّرة في المعنى وإن كانت في الذكر مقدمة؛ لأَنه قال: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، ثم ذكر الأَفضال والمنَنَ فقال: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...
﴾ الآية [البقرة: 49]، وقوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .
ذكَّرهم - عز وجل - عظيم نِعمه ومنَنِه عليهم؛ ليشكروا له، وليعرفوا أنها مِنَّةٌ، وأَنه فضلٌ مِنْهُ.
ثم حذَّرهم - جل وعز - فقال: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ الآية؛ ليكونوا على حذر؛ لئلا يصيبهم ما أَصاب الأُمم السالفة من الهلاك وأَنواع العذاب بعد الأَمن، والتوسع عليهم، كقوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ...
﴾ الآية [الأنعام: 44].
ثم في الآية دليل لقول أبي حنيفة وأصحابه: إن الولد يصير مشتوماً مقذوفاً بشتم والديه؛ لما عيرهم - جل وعز - بصنع آبائهم بقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ ﴾ وهم لم يتخذوا العجل، وإنما اتخذ ذلك آباؤهم.
وكذلك ذكر - عز وجل - صنعه ومننه عليهم، من نحو النجاة من الغرق، وإخراجهم من أَيدي العدو، وفَرْق البحر بهم، وإهلاك العدو.
وإنما كان ذلك لآبائهم دونهم، لكن ذكّرهم - جل وعز - عظيم مننه على آبائهم؛ ليشكروا له على ذلك، وكذلك عَيَّرهم بصنيع آبائهم من اتخاذ العجل، وإظهار الظلم؛ ليكونوا على حذر من ذلك، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: بما كان إنعامى عليهم باتباعهم الرسول موسى - - وطاعتهم له، فاتَّبِعوا اسم الرسول محمد وأَطيعوا له، ولا تتركوا اتباعه.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ .
قيل: أي لا تُؤدي نفس عن نفس شيئاً؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ...
﴾ الآيات [عبس: 34-35].
وقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ ﴾ .
قيل: فيه بوجهين: قيل: لا يكون لهم شفعاء يشفعون؛ كقوله: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ ﴾ وكقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ .
وقيل: لو كان لهم شفعاء لا تقبل شفاعتهم؛ كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: لا يؤْذَنُ لهم بالشفاعة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ .
والعدل: هو الفداءُ، إما من المال، وإما من النفس.
وذلك أيضاً يحتمل وجهين: يحتمل: ألا يكون لهم الفداء، على ما ذكرنا في الشفيع.
ويحتمل: أَن لو كان لا يقبل منهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ﴾ .
ثم الوجوه التي تخلص المرء في الدنيا إذا أَصابته نكبة بثلاث: إما بفداءِ يفدى عنه - مالاً أو نفساً - وإما بشفعاء يشفعون له، وإما بأَنصارٍ ينصرون له؛ فيتخلص من ذلك.
فقطع - عز وجل - عنهم جميع وجوه التخلص في الآخرة.
والآية نزلت - والله أعلم - في اليهود والنصارى، وهم كانوا يؤمنون بالبعث، والجنة، والنار؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ﴾ .
ولذلك ذكر اسم الفداءِ والشفيع، وما ذكر، وأَما من لم يؤمن بالآخرة فلا معنى لذكر ذلك.
وقوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .
قيل: آل الرجل: شيعتُه؛ ولذلك قيل: آل رسول الله: قرابتُه.
وقيل: كل مؤمن فهو من آله، وعلى ذلك الأَمر بالصلاة عليه وعلى جميع من آمن به.
وقوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: يقصدونكم أَشد العذاب.
وذلك يرجع إلى الاستعباد، والاستخدام بأَنفهسم.
وقيل: يسومونكم، يُذيقونكم أَشد العذاب، وذلك يرجع إلى ما يسوءُهم من تذبيح الأَبْنَاء وتقتيلهم، كقوله: ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ أي: يقتلون أَبناءَكم.
وقوله: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ﴾ .
يحتمل أيضاً وجهين: يحتمل: يستحيون من الحياء، أَي: استحيوا قتْل النساء، لما لا يخافهن.
ويحتمل: من الإحياءِ، أي: تركوهن أَحياء فلم يقتلوهن.
وقوله: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ .
قيل: البلاء - ممدود - هو النعمة، كأَنه قال: فيما ينجيكم من فرعون وآله نعمة عظيمة.
وقيل: البلا - مقصور - هو الابتلاء والامتحان؛ كأَنه قال: في استعباده إياكم واستخدامه امتحان عظيم.
وقوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .
قيل: فرقنا، أَي: جعلنا لكم البحر فِرَقاً، أي: طرقاً تمرون فيه.
وقيل: فرقنا، أي: جاوزنا بكم البحر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .
كان الوعد لهم - والله أعلم - وعدين.
أَحدهما: من الله - عز وجل - يصرف موسى إليهم مع التوراة، كقوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ﴾ أَي: صدقاً.
ووعد آخر، كان من موسى بانصرافه إليهم بالتوراة على رأْس أَربعين ليلة، كقوله: ﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي ﴾ .
وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ ﴾ .
يحتمل وجهين: ﴿ ٱتَّخَذْتُمُ ﴾ : أي عبدتم؛ فاستوجبوا ذلك التعبير واللائمة بعبادة العجل لا باتخاذه نفسه.
ويحتمل: اتخذتم العجل إلهاً؛ فاستوجبوا ذلك باتخاذهم إلهاً، كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ﴾ .
وهذا كان أقرب.
وقيل: اتخذتم، أي: صنعتم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ ظَٰلِمُونَ ﴾ .
قيل في الظلم بوجوه: قيل: إن كل فعل يستوجب به الفاعل عقوبة فهو ظلم.
وقيل: إن كل عمل لم يؤذن له فهو ظلم.
وهاهنا - حيث فعلوا ما لم يؤذن لهم - نسبهم إلى الظلم؛ لأَنهم ظلموا أَنفسهم.
وقيل: إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ فسموا بذلك لأَنهم وضعوا الألوهية في غير موضعها، وهذا كأَنه - والله أعلم - أقرب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ...
﴾ الآية.
يَنْقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يزعمون أَن الله إذا علم من أحدٍ أَنَّه يؤمن به في آخر عمره - وإن طال - أَو يكون من نسله من يؤمن إلى آخر الأَبد، لم يكن له أن يُميته، ولا له أَن يقطع نسله.
فإذا كان على الله أَن يبقيهم، ولا يقطع نسلهم، لم يكن للامتنان عليهم، ولا للإفضال وطلب الشكر منهم - معنى؛ إذ فَعَلَ - جل وعز - ما عليه أَن يفعل.
وكل من فعل ما عليه أَن يفعل لم يكن فعلُه فعل امتنان، ولا فعل إِفضال؛ لأَنه - عز وجل - منّ عليهم بالعفو عنهم، حيث لم يستأْصلهم، وتركهم حتى تناسلوا وتوالدوا، ثم وجه الإفضال والامتنان على هؤلاء - وإن كان ذلك العفو لآبائهم؛ لأَنه لو أَهلك آباءَهم وقطع تناسلهم انقرضوا وَتَفَانَوْا، ولم يتوالدوا؛ فالمنَّة عليهم حصلت؛ لذلك طلبهم بالشكر له، والله أعلم.
فإذا كان هذا ما وصفنا دَلَّ أَنْ ليس على الله أن يفعل الأَصلح لهم في الدين، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .
أَي: لكي تشكروا.
وكذلك قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ أي: لكي يوحدوا.
وذلك يحتمل وجوهاً: يحتمل: أَنْ يَشْهد خَلْقُه كلُّ أَحد على وحدانيته، وكذلك يشكر خَلْقُه كلُّ أَحد له.
ويحتمل: عبادة الأخيار بوحدانيته، والشكر له بما أَنعم وأَفضل عليه، وذلك يرجع إلى من يعبد ويوحد.
ويحتمل: أَنه خلقهم؛ ليأْمرهم بالعبادة، والشكر له، من احتمل منهم الأَمر بذلك.
وقوله: ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ .
يعني: التوراة.
والكتابُ: اسم لكل مكتوب.
وقوله: ﴿ وَٱلْفُرْقَانَ ﴾ .
قيل: سميت فرقاناً؛ لما فرق وبَيَّن فيها الحلال والحرام، وكل كتاب فرق فيه بين الحلال والحرام فهو فرقان.
وقيل: يسمى فرقاناً؛ لما فرق فيه بين الحق والباطل.
وهما واحد.
وقيل: سميت التوراة فرقاناً؛ لما فيها المخرج من الشبهات.
وقيل: الآية على الإضمار؛ كأَنه قال: وإذ آتينا موسى الكتاب - يعني التوراة - ومحمداً الفرقان؛ كقوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ .
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .
فالكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وقد ذكرنا فيه ما أَمكن، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
واذكروا من هذه النعم مواعدَتَنا موسى أربعين ليلةً لِيَتِمَّ فيها إنزال التوراة نورًا وهدى، ثم كان منكم إلا أن عبدتم العجل في تلك المدة، وأنتم ظالمون بفعلكم هذا.
<div class="verse-tafsir" id="91.7eM6p"
جاء في الآية السابقة ذكر تنجية بني إسرائيل من آل فرعون وهو على كونه تفصيلًا لما قبله من حيث التذكير بالنعم، مجمل من حيث الإنجاء فإنه يشمل النجاة بجميع أنواعها من ذلك العذاب.
وذكر في هذه الآية نعمته في طريق الإنجاء بالتفصيل بعد الإجمال لبيان عناية الله تعالى بهم فيها إذ جعل وسيلته من خوارق العادات وجعل في طريقه هلاك عدوهم.
وقد يقال إن هذه نعمة مستقلة من نعمه تعالى عليهم لا أنها بيان لإجمال في التي قبلها.
لما أرسل الله تعالى موسي إلى فرعون وملئه يدعوهم إلى توحيد الله وإلى أن يخلى بينه وبين شعب إسرائيل بعد إطلاقهم من ذلك الاستعباد والتعذيب لم يزدهم فرعون إلا تعذيبًا وتعبيدًا.
وفي "سفر الخروج" من تاريخ التوراة أن الله تعالى أنبأ موسي بأنه يقسي قلب فرعون فلا يخفف العذاب عن بني إسرائيل ولا يرسلهم مع موسي حتى يريه آياته.
وأنه بعد الدعوة زاد ظلمًا وعتوًا فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة بأن يزيدوا في القسوة عليهم وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللَّبِن (الطوب) ويكلفوهم أن يجمعوا التبن ويعملوا كل ما كانوا يعملونه من اللبن، لا يخفف عنهم منه شيء.
فأعطى الله تعالى موسى وأخاه هارون الآيات البينات، فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة، فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون لعلمهم أن ما جاء به ليس من السحر وإنما هو تأييد من الله تعالى، ورأى ما رأى بعد ذلك من آيات الله لموسى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردًا.
وفي "سفر الخروج" أنهم خرجوا في شهر "أبيب" وكانت إقامتهم في مصر ٤٣٠ سنة.
ثم أتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأنجى الله بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه، وذلك قوله : ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ﴾ أي واذكروا من نعمنا عليكم إذ فرقنا بكم البحر فجعلنا لكم فيه طريقًا يبسًا سلكتموه في هربكم من فرعون ﴿ فَأَنْجَيْنَاكُمْ ﴾ بعبوره من جانب إلى آخر ﴿ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ ﴾ إذ عبروا وراءكم ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ذلك بأعينكم، ولولاه لعظم عليكم خبر غرقهم ولم تصدقوه.
فلق البحر كان من معجزات موسى، وقد قلنا في رسالة التوحيد: إن الخوارق الجائزة عقلًا، أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما، لا مانع من وقوعها بقدرة الله تعالى على يد نبي من الأنبياء، ويجب أن نؤمن بها على ظاهرها ولا يمنعنا هذا الإيمان من الاهتداء بسنن الله تعالى في الخلق واعتقاد أنها لا تتبدل ولا تتحول كما قال الله تعالى في كتابه الذي ختم به الوحي، على لسان نبيه الذي ختم به النبيين، فانتهي بذلك زمن المعجزات، ودخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد، فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان وتقويم ما يعرض للفطرة من الميل عن الاعتدال في الفكر والأخلاق والأعمال كما كان في سن الطفولية النوعية، بل أرشده تعالى بالوحي الأخير-"القرآن"- إلى استعمال عقله في تحصيل الإيمان بالله وبالوحي ثم جعل له كل إرشادات الوحي مبينة معللة مدللة حتى في مقام الأدب- كما أوضحنا ذلك في رسالة التوحيد- فإيماننا بما أيد الله تعالى به الأنبياء من الآيات لجذب قلوب أقوامهم الذين لم ترتق عقولهم إلى البرهان، لا ينافي كون ديننا هو دين العقل والفطرة وكونه حتم علينا الإيمان بما يشهد له العيان، من أن سننه تعالى في الخلق لا تبديل لها ولا تحويل.
وزعم الذين لا يحبون المعجزات من المتهورين أن عبور بني إسرائيل البحر كان في إبان الجزر فإن في البحر الأحمر زقاقًا إذا كان الجزر الذي عهد هناك شديدًا يتيسر للإنسان أن يعبر ماشيًا، ولما أتبعهم فرعون بجنوده، ورآهم قد عبروا البحر تأثرهم وكان المد تفيض ثوائبه -وهي المياه التي تجئ عقيب الجزر- فلما نجا بنو إسرائيل كان المد قد طغى وعلا حتى أغرق المصريين.
تحقق إنعام الله على بني إسرائيل يتم بهذا التوفيق لهم والخذلان لعدوهم ولا ينافي الامتنان به عليهم كونه ليس آية لموسى ، فإن نعم الله بغير طريق المعجزات أعم وأكثر- كذا قالوا..
ولكن يدل على كونه آية له وصف كل فرق منه بالطود العظيم.
وإذا تيسر تأويل كل آيات القصة من القرآن فإنه يتعسر تأويل قوله تعالى في سورة الشعراء، ﴿ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ وهو الموافق لما في التوراة.
بعد أن قرر نعمة الإنجاء من استعباد الظالمين، والبعد من فتنة القوم الضالين، ذكر النعمة التي وليتها، وذكرهم بما كان من كفرهم إياها، فقال ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ وقد كانت هذه المواعدة لإعطائه التوراة.
ولما ذهب لميقات ربه استبطأوه فاتخذوا عجلًا من ذهب فعبدوه، كما هو مفصل في غير هذه السورة.
والمراد هنا التذكير بالنعمة وبيان كفرها ليظهر أن تكذيبهم بمحمد ومعاندته ليس ببدع من أمرهم، وإنما هو معهود منهم مع رؤية الآيات وبعد إغداق النعم عليهم، ولذلك اكتفى بالإشارة إليه بقوله ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ أي اتخذتموه إلهًا ومعبودًا، وبعد أن ذكرهم بذلك الظلم ذكرهم بتفضله عليهم بالتوبة ثم بالعفو الذي هو جزاء التوبة فقال ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ هذه النعمة بدوام التوحيد والطاعة.
ثم قفى على هذا بذكر إيتائهم الكتاب وهو المنة الكبرى فقال ﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ قال المفسر (الجلال) - كغيره- إن الفرقان هو التوراة وقال بعض المفسرين إن الفرقان هو ما أوتيه موسى من الآيات والمعجزاتولكن ذكره بعد الكتاب معطوفًا عليه دليل على أن المراد به ما في الكتاب من الشرائع والأحكام المفرقة بين الحق والباطل والحلال والحرام، ومعنى قوله ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ لعلكم تهتدون، أي ليعدكم بهذا العفو للاستمرار على الشكر ويعدكم بهذه الأحكام والشرائع للاهتداء ويهيئكم للاسترشاد فلا تقعوا في وثنية أخرى.
وإن من كمال الاستعداد للهداية بفهم الكتاب أن يعرفوا أن ما جاء به محمد هو هدى ونور يرجعهم إلى الأصل الذي تفرقوا عنه واختلفوا فيه، وكذلك اهتدى به منهم المستبصرون، وجاحده الرؤساء المستكبرون والمقلدون الذين لا يعقلون.
<div class="verse-tafsir"