الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٥٨ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 149 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى لائما لهم على نكولهم عن الجهاد ودخول الأرض المقدسة ، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ، عليه السلام ، فأمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل ، وقتال من فيها من العماليق الكفرة ، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا ، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم ، كما ذكره تعالى في سورة المائدة ؛ ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس ، كما نص على ذلك السدي ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، [ وأبو مسلم الأصفهاني وغير واحد وقد قال الله تعالى : ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) الآيات ] .
[ المائدة : 21 - 24 ] وقال آخرون : هي أريحا [ ويحكى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد ] وهذا بعيد ؛ لأنها ليست على طريقهم ، وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحا [ وأبعد من ذلك قول من ذهب أنها مصر ، حكاه فخر الدين في تفسيره ، والصحيح هو الأول ؛ لأنها بيت المقدس ] .
وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ، عليه السلام ، وفتحها الله عليهم عشية جمعة ، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح ، وأما أريحا فقرية ليست مقصودة لبني إسرائيل ، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب - باب البلد - ( سجدا ) أي : شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ، ورد بلدهم إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال .
قال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله : ( وادخلوا الباب سجدا ) أي ركعا .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( وادخلوا الباب سجدا ) قال : ركعا من باب صغير .
رواه الحاكم من حديث سفيان ، به .
ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان ، وهو الثوري ، به .
وزاد : فدخلوا من قبل استاههم .
[ وقال الحسن البصري : أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم ، واستبعده الرازي ، وحكى عن بعضهم : أن المراد بالسجود هاهنا الخضوع لتعذر حمله على حقيقته ] .
وقال خصيف : قال عكرمة ، قال ابن عباس : كان الباب قبل القبلة .
وقال [ ابن عباس ] ومجاهد ، والسدي ، وقتادة ، والضحاك : هو باب الحطة من باب إيلياء ببيت المقدس ، [ وحكى الرازي عن بعضهم أنه عن باب جهة من جهات القرية ] .
وقال خصيف : قال عكرمة : قال ابن عباس : فدخلوا على شق ، وقال السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، عن أبي الكنود ، عن عبد الله بن مسعود : وقيل لهم ادخلوا الباب سجدا ، فدخلوا مقنعي رؤوسهم ، أي : رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا .
وقوله : ( وقولوا حطة ) قال الثوري عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وقولوا حطة ) قال : مغفرة ، استغفروا .
وروي عن عطاء ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحوه .
وقال الضحاك عن ابن عباس : ( وقولوا حطة ) قال : قولوا : هذا الأمر حق ، كما قيل لكم .
وقال عكرمة : قولوا : لا إله إلا الله .
وقال الأوزاعي : كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه يسأله عن قوله تعالى : ( وقولوا حطة ) فكتب إليه : أن أقروا بالذنب .
وقال الحسن وقتادة : أي احطط عنا خطايانا .
( نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ) هذا جواب الأمر ، أي : إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضاعفنا لكم الحسنات .
وحاصل الأمر : أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول ، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها ، والشكر على النعمة عندها والمبادرة إلى ذلك من المحبوب لله تعالى ، كما قال تعالى : ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) [ سورة النصر ] فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر ، وفسره ابن عباس بأنه نعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أجله فيها ، وأقره على ذلك عمر [ بن الخطاب ] رضي الله عنه .
ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ، ونعى إليه روحه الكريمة أيضا ؛ ولهذا كان عليه السلام يظهر عليه الخضوع جدا عند النصر ، كما روي أنه كان يوم الفتح - فتح مكة - داخلا إليها من الثنية العليا ، وإنه الخاضع لربه حتى إن عثنونه ليمس مورك رحله ، يشكر الله على ذلك .
ثم لما دخل البلد اغتسل وصلى ثماني ركعات وذلك ضحى ، فقال بعضهم : هذه صلاة الضحى ، وقال آخرون : بل هي صلاة الفتح ، فاستحبوا للإمام وللأمير إذا فتح بلدا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله ، كما فعل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات ، والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم ؛ وقيل : يصليها كلها بتسليم واحد ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ و " القرية " -التي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخلوها , فيأكلوا منها رغدا حيث شاءوا- فيما ذكر لنا: بيت المقدس .
*ذكر الرواية بذلك: 999 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أنبأنا عبد الرزاق قال، أنبأنا معمر , عن قتادة في قوله: (ادخلوا هذه القرية)، قال: بيت المقدس.
1000 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا &; 2-103 &; أسباط , عن السدي: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية) أما القرية، فقرية بيت المقدس.
1001 - حُدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية)، يعني بيت المقدس.
1002 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال: سألته -يعني ابن زيد- عن قوله: (ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم) قال: هي أريحا , وهي قريبة من بيت المقدس .
* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا يعني بذلك: فكلوا من هذه القرية حيث شئتم عيشا هنيا واسعا بغير حساب .
وقد بينا معنى " الرغد " فيما مضى من كتابنا , وذكرنا أقوال أهل التأويل فيه.
(1) * * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا أما " الباب " الذي أمروا أن يدخلوه, فإنه قيل: هو باب الحطة من بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك: 1003 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (ادخلوا الباب سجدا) قال: باب الحطة، من باب إيلياء، من بيت المقدس.
1004 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .
&; 2-104 &; 1005 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (وادخلوا الباب سجدا)، أما الباب فباب من أبواب بيت المقدس .
1006 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي ، عن أبيه , عن ابن عباس قوله: (وادخلوا الباب سجدا) أنه أحد أبواب بيت المقدس , وهو يدعى باب حطة.
وأما قوله: (سجدا) فإن ابن عباس كان يتأوله بمعنى الركع.
1007 - حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش , عن المنهال بن عمرو , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس في قوله: (ادخلوا الباب سجدا)، قال: ركعا من باب صغير.
1008 - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي قال، حدثنا أبو أسامة , عن سفيان , عن الأعمش , عن المنهال , عن سعيد , عن ابن عباس في قوله: (ادخلوا الباب سجدا)، قال: أمروا أن يدخلوا ركعا .
* * * قال أبو جعفر: وأصل " السجود " الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك.
فكل منحن لشيء تعظيما له فهو " ساجد " .
ومنه قول الشاعر: (2) بجَـمْع تضـل البُلْـقُ فـي حَجَراتـه تــرى الأكْـم منـه سـجدا للحـوافر (3) يعني بقوله: " سجدا " خاشعة خاضعة .
ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة: يــراوح مــن صلــوات المليـك طـــورا ســـجودا وطــورا جــؤارا (4) فذلك تأويل ابن عباس قوله: (سجدا) ركعا , لأن الراكع منحن , وإن كان الساجد أشد انحناء منه.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَقُولُوا حِطَّةٌ وتأويل قوله: (حطة)، فعلة , من قول القائل: " حط الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة " , بمنـزلة الردة والحِدة والمِدة من حددت ومددت.
* * * واختلف أهل التأويل في تأويله .
فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك.
* ذكر من قال ذلك: (5) 1009 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر: (وقولوا حطة)، قال قال: الحسن وقتادة: أي احطُط عنا خطايانا.
1010 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (وقولوا &; 2-106 &; حطة)، يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئتكم.
(6) 1011 - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: (قولوا حطة) قال: يحط عنكم خطاياكم .
1012 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع , عن سفيان , عن الأعمش , عن المنهال بن عمرو , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قوله: (حطة)، مغفرة .
10113 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله: (حطة)، قال: يحط عنكم خطاياكم .
1014 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني حجاج , عن ابن جريج قال، قال لي عطاء في قوله: (وقولوا حطة)، قال: سمعنا أنه: يحط عنهم خطاياهم.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: قولوا " لا إله إلا الله "، كأنهم وجهوا تأويله: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم , وهو قول لا إله إلا الله .
* ذكر من قال ذلك: 1015 - حدثني المثنى بن إبراهيم وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قالا أخبرنا حفص بن عمر , قال حدثنا الحكم بن أبان , عن عكرمة: (وقولوا حطة)، قال: قولوا،" لا إله إلا الله " .
* * * وقال آخرون بمثل معنى قول عكرمة , إلا أنهم جعلوا القول الذي أمروا بقيله: الاستغفار .
* ذكر من قال ذلك: 1016 - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي , حدثنا أبو أسامة , عن سفيان , عن الأعمش , عن المنهال , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: (وقولوا حطة) قال: أمروا أن يستغفروا.
* * * وقال آخرون نظير قول عكرمة , إلا أنهم قالوا: القول الذي أمروا أن يقولوه، هو أن يقولوا: هذا الأمر حق كما قيل لكم .
* ذكر من قال ذلك: 1017 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس في قوله: (وقولوا حطة)، قال: قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم.
* * * واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله رفعت " الحطة ".
فقال بعض نحويي البصرة: رفعت " الحطة " بمعنى " قولوا " ليكن منك حطة لذنوبنا, كما تقول للرجل: سَمْعُك.
وقال آخرون منهم: هي كلمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة , وفرض عليهم قيلها كذلك .
وقال بعض نحويي الكوفيين: رفعت " الحطة " بضمير " هذه " , كأنه قال: وقولوا: " هذه " حطة.
(7) وقال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الخبر , كأنه قال: قولوا ما هو حطة, فتكون " حطة " حينئذ خبرا لـ " ما ".
* * * قال أبو جعفر: والذي هو أقرب عندي في ذلك إلى الصواب، وأشبه بظاهر الكتاب: أن يكون رفع " حطة " بنية خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة , وهو دخولنا الباب سجدا حطة , فكفى من تكريره بهذا اللفظ، ما دل عليه الظاهر من التنـزيل , وهو قوله: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، كما قال جل ثناؤه: &; 2-108 &; وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [الأعراف: 164]، (8) يعني: موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم .
فكذلك عندي تأويل قوله: (وقولوا حطة)، يعني بذلك: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ، وادخلوا الباب سجدا، وقولوا: دخولنا ذلك سجدا حطة لذنوبنا.
وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد، الذي ذكرناه آنفا .
(9) قال أبوجعفر: وأما على تأويل قول عكرمة , فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في" حطة " , لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: " لا إله إلا الله " , أو أن يقولوا: " نستغفر الله " , فقد قيل لهم: قولوا هذا القول , ف " قولوا " واقع حينئذ على " الحطة " , لأن " الحطة " على قول عكرمة - هي قول " لا إله إلا الله " , وإذا كانت هي قول " لا إله إلا الله " , فالقول عليها واقع , كما لو أمر رجل رجلا بقول الخير فقال له: " قل خيرا " نصبا , ولم يكن صوابا أن يقول له: " قل خير "، إلا على استكراه شديد.
وفي إجماع القَرَأَةِ على رفع " الحطة " (10) بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: (وقولوا حطة) .
وكذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن وقتادة في قوله: (وقولوا حطة)، (11) أن تكون القراءة في" حطة " نصبا.
لأن من شأن العرب -إذا وضعوا المصادر مواضع الأفعال، وحذفوا الأفعال- أن ينصبوا المصادر.
كما قال الشاعر: (12) &; 2-109 &; أبيــدوا بـأيدي عصبـة وسـيوفهم عـلى أمهـات الهـام ضربـا شـآميا (13) وكقول القائل للرجل: " سمعا وطاعة " بمعنى: أسمع سمعا وأطيع طاعة , وكما قال جل ثناؤه: مَعَاذَ اللَّهِ [يوسف: 23] بمعنى: نعوذ بالله.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : نَغْفِرْ لَكُمْ يعني بقوله: (نغفر لكم) نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها.
* * * وأصل " الغفر " التغطية والستر , فكل ساتر شيئا فهو غافره .
ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جُنة للرأس " مغفر " , لأنها تغطي الرأس وتجنه.
ومثله " غمد السيف ", وهو ما تغمده فواراه.
(14) ولذلك قيل لزئبر الثوب: " غفرة " , لتغطيته الثوب، (15) وحوله بين الناظر والنظر إليه .
ومنه قول أوس بن حجر: &; 2-110 &; فـلا أعتـب ابـن العم إن كان جاهلا وأغفـر عنـه الجـهل إن كان أجهلا (16) يعني بقوله: وأغفر عنه الجهل: أستر عليه جهله بحلمي عنه.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : خَطَايَاكُمْ و " الخطايا " جمع " خطية " بغير همز، كما " المطايا " جمع " مطية " , والحشايا جمع حشية .
وإنما ترك جمع " الخطايا " بالهمز , لأن ترك الهمز في" خطيئة " أكثر من الهمز , فجمع على " خطايا " , على أن واحدتها غير مهموزة .
ولو كانت " الخطايا " مجموعة على " خطيئة " بالهمز: لقيل خطائي على مثل قبيلة وقبائل , وصحيفة وصحائف .
وقد تجمع " خطيئة " بالتاء، فيهمز فيقال " خطيئات " .
و " الخطيئة " فعيلة، من " خَطِئَ الرجل يخطأ خِطْأ "، وذلك إذا عدل عن سبيل الحق.
ومنه قول الشاعر: (17) وإن مُهَـــــاجِرَيْن تَكَنَّفـــــاه لعمــر اللــه قــد خطئـا وخابـا (18) يعني: أضلا الحق وأثما.
* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) وتأويل ذلك ما روي لنا عن ابن عباس , وهو ما:- 1018 - حدثنا به القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج , قال ابن عباس: (وسنـزيد المحسنين) ، من كان منكم محسنا زيد في إحسانه , ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته.
فتأويل الآية: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية مباحا لكم كل ما فيها من الطيبات , موسعا عليكم بغير حساب ؛ وادخلوا الباب سجدا , وقولوا: سجودنا هذا لله حطة من ربنا لذنوبنا يحط به آثامنا , نتغمد لكم ذنوب المذنب منكم فنسترها عليه , ونحط أوزاره عنه , وسنـزيد المحسن منكم - إلى إحساننا السالف عنده - إحسانا .
ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيم جهالتهم , وسوء طاعتهم ربهم وعصيانهم لأنبيائهم، واستهزائهم برسله , مع عظيم آلاء الله عز وجل عندهم , وعجائب ما أراهم من آياته وعبره , موبخا بذلك أبناءهم الذين خوطبوا بهذه الآيات , ومعلمهم أنهم إن تعدوا (19) في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، وجحودهم نبوته، مع عظيم إحسان الله بمبعثه فيهم إليهم , وعجائب ما أظهر على يده من الحجج بين أظهرهم - أن يكونوا كأسلافهم الذين وصف صفتهم ، وقص علينا أنباءهم في هذه الآيات , فقال جل ثناؤه: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْـزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ الآية.
---------------- الهوامش : (1) انظر ما مضى 1 : 515 - 516 .
(2) هو زيد الخيل بن مهلهل الطائي ، الفارس المشهور .
(3) سيأتي بعد في هذا الجزء 1: 289 (بولاق)، والكامل 1: 258 ، والمعاني الكبير : 890 ، والأضداد لابن الأنباري : 256 ، وحماسة ابن الشجري : 19 ، ومجموعة المعاني: 192 ، وغيرها .
والباء في قوله "بجمع" متعلقة ببيت سالف هو : بَنِـي عَـامِرٍ, هَـلْ تَعْرِفُـونَ إِذَا غَدَا أَبُـو مِكْـنَفٍ قَـدْ شَـدَّ عَقْـدَ الدَّوَابِرِ? والبلق جمع أبلق وبلقاء: الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين.
والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون) : الناحية.
والأكم (بضم فسكون، وأصلها بضمتين) جمع إكام، جمع أكمة: وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة .
قال ابن قتيبة في المعاني الكبير: "يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف، فغيرها أحرى أن يضل.
يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر" .
وفي المطبوعة هنا "فيه" والجيد ما أثبته ، والضمير في "منه" للجيش أو الجمع.
(4) ديوانه : 41 ، وسيأتي في 18 : 28 (بولاق) ، ومعه بيت آخر في 14 : 82 (بولاق) راوح يراوح مراوحة : عمل عملين في عمل ، يعمل ذامرة وذا مرة ، قال لبيد يصف فرسا .
وولّــى عــامدا لِطِيــات فَلْــج يــراوح بيــن صــون وابتـذال وقوله : "من صلوات""من" هنا لبيان الجنس ، مثل قوله تعالى : يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق" .
وحذف"بين" التي تقتضيها"يراوح" ، لدلالة ما يأتي عليها ، وهو قوله : "طورا .
.
وطورا" .
والجؤار : رفع الصوت بالدعاء مع تضرع واستغاثة وجزع .
جأر إلى ربه يجأر جؤارا .
(5) في المطبوعة : "ذلك منهم" بالزيادة .
(6) في المطبوعة : "وخطاياكم" .
(7) الضمير : المضمر أو الإضمار ، كما سلف في 1 : 427 تعليق : 1 ، وقد رأينا أيضًا في كلام نقله الشريف المرتضى في أماليه 1 : 334 عن أبي بكر بن الأنباري قال : "كاد ، لا تضمر ، ولابد من أن يكون منطوقا بها ، ولو جاز ضميرها لجاز : قام عبد الله ، بمعنى كاد عبد الله يقوم .
.
.
" ، وهي هنا بمعنى الإضمار لا شك .
وسيأتي في الفقرة التالية أيضًا ، بمعنى المضمر .
(8) قراءتنا : "معذرة" بالنصب في مصاحفنا .
وقد ذكر الطبري في تفسير الآية 9 : 63 (بولاق) أن الرفع قراءة عامة قراء الحجاز والكوفة والبصرة ، وقرأ بعض أهل الكوفة"معذرة" بالنصب (9) من هنا أول جزء في التجزئة القديمة التي نقل عنها كاتب مخطوطتنا .
وأولها : بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر برحمتك (10) في المطبوعة"القراء" ، كما جرت عليه في كل ما مضى (11) انظر رقم : 1010 فيما سلف .
(12) هو الفرزدق (13) ديوانه: 890 في قصيدة يمدح فيها يزيد عبد الملك، ويذكر إيقاعه بيزيد بن المهلب في سنة 102 (انظر خبره في تاريخ الطبري 8: 151 - 160).
ورواية ديوانه.
"أناخوا بأيدى طاعة، وسيوفهم" قوله:"أناخوا"، أي ذلوا وخضعوا، أو صرعوا فماتوا، كأنهم إبل أناخت واستقرت.
وقوله:"أيدي طاعة"، أي أهل طاعة.
(14) في المطبوعة "ومنه غمد السيف"، وهذا يجعل الكلام مضطربا مقحما، فرجح عندي أن تكون"ومنه"، و"مثله" لأنه فسر"نغفر" بقوله"نتغمد".
وفي المطبوعة:" ما يغمده فيواريه"، وأثبت ما في المخطوطة.
(15) في المطبوعة:"غفر".
والغفر جمع غفرة، وزئبر الثوب: هو ما يعلو الثوب الجديد من مائه، كالذي يعلو القطيفة والخز، ويسمونه"درز الثوب" أيضًا.
وفي المطبوعة:"لتغطيته العورة..
والنظر إليها"، وهي عبارة غريبة فاسدة، والذي في المخطوطة"لتغطيته الثوب" كما أثبتناها، يعني الزئبر كما وصفنا.
ويقال غفر الثوب: إذا أثار زئبره، يكون كالمنتفش على وجه الثوب.هذا، وقد انتهت المخطوطة التي اعتمدنا عند قوله:"لتغطية الثوب".
ويأتي بعدها خرم طويل سيستغرق أجزاء برمتها، كما سنبينه في مواضعه.
(16) ديوانه، قصيدة" 31.
وهذه الرواية جاءت في شرح شواهد المغني: 137، وأما في سائر الكتب:"إن كان ظالما"، وهي أجود.
وقوله:"أجهل" بمعنى جاهل، كما قالوا"أوجل" بمعنى وجل، وأميل بمعنى مائل، وأوحد بمعنى واحد، وغيرها.
ورواية صدر البيت على الصواب:"ألا أعتب" كما في المفضليات 590 وغيره، أو"وقد أعتب" كما في القرطين 2: 69.
ويروى"ولا أشتم ابن العم".
يقول: أبلغ رضاه إذا ظلم او جهل، فأترك له ما لا يحب إلى ما يرضاه.
(17) هو أمية بن الأسكر (طبقات فحول الشعراء : 159 - 160 ) (18) أمالي القالي 3 : 109 ، وكتاب المعمرين : 68 والخزانة 2 : 405 ، ويروى صدره"أتاه مهاجران تكنفاه" .
وأما عجزه فاختلفت رواياته : "بترك كبيرة خطئا .
.
" و"ليترك شيخه خطئا .
.
" ، "ففارق شيخه ، .
.
" وكان أمية قد أسن ، عمر في الجاهلية عمرا طويلا ، وألفاه الإسلام هرما .
ثم جاء زمن عمر ، فخرج ابنه كلاب غازيا ، وتركه هامة اليوم أو غد .
فقال أبياتا منها هذا للبيت ، فلما سمعها عمر ، كتب إلى سعد بن أبي وقاص : أن رحل كلاب بن أمية بن الأسكر ، فرحله .
وله مع عمر في هذه الحادثة قصة جيدة (في القالي 1 : 109 ) .
(19) سياق الجملة : " .
.
إن تعدوا .
.
أن يكونوا" ، و"إن" هنا ، نافية بمعنى"ما" ، كالتي في قوله : "قل إن أدري أقريب ما توعدون" ، وقوله : "إن أدري لعله فتنة لكم" .
قوله تعالى : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنينفيه تسع مسائل : الأولى : قوله تعالى : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية حذفت الألف من قلنا لسكونها وسكون الدال بعدها ، والألف التي يبتدأ بها قبل الدال ألف وصل ؛ لأنه من " يدخل " .الثانية : قوله تعالى : هذه القرية أي : المدينة ، سميت بذلك لأنها تقرت أي : اجتمعت ، ومنه قريت الماء في الحوض أي : جمعته ، واسم ذلك الماء : قرى ( بكسر القاف ) مقصور ، وكذلك ما قري به الضيف ، قاله الجوهري والمقراة للحوض ، والقري لمسيل الماء ، والقرا للظهر ، ومنه قوله :لاحق بطن بقرا سمينوالمقاري : الجفان الكبار ، قال :عظام المقاري ضيفهم لا يفزعوواحد المقاري مقراة وكله بمعنى الجمع غير مهموز ، والقرية ( بكسر القاف ) لغة اليمن ، واختلف في تعيينها ، فقال الجمهور : هي بيت المقدس ، وقيل : أريحاء من بيت المقدس ، قال عمر بن شبة : كانت قاعدة ومسكن ملوك .
ابن كيسان : الشام .
الضحاك : الرملة والأردن وفلسطين وتدمر ، وهذه نعمة أخرى ، وهي أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التيه .الثالثة : قوله تعالى : فكلوا إباحة .
ورغدا : كثيرا واسعا ، وهو نعت لمصدر محذوف أي : أكلا رغدا ، ويجوز أن يكون في موضع الحال على ما تقدم ، وكانت أرضا مباركة عظيمة الغلة ، فلذلك قال : رغدا .الرابعة : قوله تعالى : وادخلوا الباب سجدا الباب يجمع أبوابا ، وقد قالوا : أبوبة للازدواج ، قال الشاعر [ حميط الأرقط ]هتاك أخبية ولاج أبوبة يخلط بالبر منه الجد والليناولو أفرده لم يجز ، ومثله قوله عليه السلام : مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى وتبوبت بوابا اتخذته ، وأبواب مبوبة كما قالوا : أصناف مصنفة ، وهذا شيء من بابتك أي : يصلح لك ، وقد تقدم معنى السجود فلا معنى لإعادته ، والحمد لله .والباب الذي أمروا بدخوله هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم ب " باب حطة " - عن [ ص: 385 ] مجاهد وغيره .
وقيل : باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل و سجدا قال ابن عباس : منحنين ركوعا ، وقيل : متواضعين خضوعا لا على هيئة متعينة .الخامسة : قوله تعالى : وقولوا عطف على ادخلوا .
" حطة " - بالرفع - قراءة الجمهور على إضمار مبتدأ أي : مسألتنا حطة ، أو يكون حكاية ، قال الأخفش : وقرئت " حطة " بالنصب على معنى : أحطط عنا ذنوبنا حطة .قال النحاس : الحديث عن ابن عباس أنه قيل لهم : قولوا لا إله إلا الله وفي حديث آخر عنه : قيل لهم : قولوا : مغفرة ، تفسير للنصب أي : قولوا شيئا يحط ذنوبكم كما يقال : قل خيرا ، والأئمة من القراء على الرفع ، وهو أولى في اللغة ؛ لما حكي عن العرب في معنى بدل ، قال أحمد بن يحيى : يقال : بدلته أي : غيرته ، ولم أزل عينه ، وأبدلته : أزلت عينه وشخصه ، كما قال :عزل الأمير للأمير المبدلوقال الله عز وجل : قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله وحديث ابن مسعود قالوا : حطة تفسير على الرفع .
هذا كله قول النحاس .
وقال الحسن وعكرمة : حطة بمعنى حط ذنوبنا ، أمروا أن يقولوا : لا إله إلا الله ليحط بها ذنوبهم ، وقال ابن جبير معناه الاستغفار .
أبان بن تغلب : التوبة ، قال الشاعر :فاز بالحطة التي جعل الل ه بها ذنب عبده مغفوراوقال ابن فارس في المجمل : " حطة " كلمة أمر بها بنو إسرائيل ، لو قالوها لحطت أوزارهم ، وقاله الجوهري أيضا في " الصحاح " .قلت : يحتمل أن يكونوا تعبدوا بهذا اللفظ بعينه ، وهو الظاهر من الحديث ، روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قيل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم ، فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم ، وقالوا : حبة في شعرة وأخرجه البخاري وقال فبدلوا وقالوا : حطة حبة في شعرة في غير الصحيحين : حنطة في شعر وقيل : قالوا : هطا سمهأثا ، وهي لفظة عبرانية ، تفسيرها : حنطة حمراء ، حكاها ابن قتيبة وحكاه الهروي عن السدي ومجاهد ، وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به فعصوا [ ص: 386 ] وتمردوا واستهزءوا فعاقبهم الله بالرجز ، وهو العذاب ، وقال ابن زيد كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا ، وروي أن الباب جعل قصيرا ليدخلوه ركعا فدخلوه متوركين على أستاههم ، والله أعلم .السادسة : استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها ، فإن كان التعبد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها ؛ لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله ، وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه .فائدة في التحديث :وقد اختلف العلماء في هذا المعنى ، فحكي عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله ، وهو قول الجمهور .ومنع ذلك جمع كثير من العلماء منهم ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة وقال مجاهد : انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه .وكان مالك بن أنس يشدد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في التاء والياء ونحو هذا ، وعلى هذا جماعة من أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى إنهم يسمعون ملحونا ويعلمون ذلك ، ولا يغيرونه .وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد قال : قال عمر بن الخطاب : من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد سلم ، وروي نحوه عن عبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم وكذا الخلاف في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان فإن منهم من يعتد بالمعنى ولا يعتد باللفظ ، ومنهم من يشدد في ذلك ولا يفارق اللفظ ، وذلك هو الأحوط في الدين والأتقى والأولى ، ولكن أكثر العلماء على خلافه ، والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى ، وذلك أن المعلوم من سيرة الصحابة رضي الله عنهم هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة ، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ، ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ، ولا كتبها .وروي عن واثلة بن الأسقع أنه قال : ليس كل ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه إليكم ، حسبكم المعنى .وقال قتادة عن زرارة بن أوفى : لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فاختلفوا علي في [ ص: 387 ] اللفظ ، واجتمعوا في المعنى ، وكان النخعي والحسن والشعبي - رحمهم الله - يأتون بالحديث على المعاني ، وقال الحسن : إذا أصبت المعنى أجزأك .وقال سفيان الثوري - رحمه الله - : إذا قلت لكم : إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني ، إنما هو المعنى .وقال وكيع رحمه الله : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس .واتفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم وذلك هو النقل بالمعنى ، وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف ، فقص قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي ، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والحذف والإلغاء والزيادة والنقصان ، وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فلأن يجوز بالعربية أولى ، احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي ، وهو الصحيح في الباب .فإن قيل : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها وذكر الحديث وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا أن يقول عند مضجعه في دعاء علمه : آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ، فقال الرجل : ورسولك الذي أرسلت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ونبيك الذي أرسلت قالوا : أفلا ترى أنه لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال : فأداها كما سمعها قيل لهم : أما قوله : فأداها كما سمعها فالمراد حكمها لا لفظها ؛ لأن اللفظ غير معتد به ، ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله : فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة ، لكن الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة ، وذلك أدل على الجواز ، وأما رده - عليه [ ص: 388 ] السلام - الرجل من قوله : ( ورسولك إلى قوله : ونبيك ) لأن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أمدح ولكل نعت من هذين النعتين موضع ، ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة واسم النبي لا يستحقه إلا الأنبياء عليهم السلام .
.
.
؟
!
وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة ، فلما قال : ( ونبيك ) جاء بالنعت الأمدح ثم قيده بالرسالة بقوله : ( الذي أرسلت ) وأيضا فإن نقله من قوله : ( ورسولك إلى قوله : ونبيك ) ليجمع بين النبوة والرسالة ومستقبح في الكلام أن تقول : هذا رسول فلان الذي أرسله ، وهذا قتيل زيد الذي قتله ؛ لأنك تجتزئ بقولك : رسول فلان وقتيل فلان عن إعادة المرسل والقاتل ، إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأول ، وإنما يحسن أن تقول : هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى عمرو ، وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أو في وقعة كذا ، والله ولي التوفيق .
فإن قيل إذا جاز للراوي الأول تغيير ألفاظ الرسول عليه السلام جاز للثاني تغيير ألفاظ الأول ويؤدي ذلك إلى طمس الحديث بالكلية لدقة الفروق وخفائها ، قيل له : الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة كما ذكرنا ، فإن عدمت لم يجز ، قال ابن العربي : الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجبلية الذوقية ، وأما من بعدهم فلا نشك في أن ذلك لا يجوز إذ الطباع قد تغيرت والفهوم قد تباينت والعوائد قد اختلفت وهذا هو الحق .
والله أعلم .قال بعض علمائنا : لقد تعاجم ابن العربي رحمه الله ، فإن الجواز إذا كان مشروطا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم ، ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل ، نعم ، لو قال : المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب والله أعلم .السابعة : قوله تعالى : نغفر لكم خطاياكم قراءة نافع بالياء مع ضمها وابن عامر بالتاء مع ضمها ، وهي قراءة مجاهد ، وقرأها الباقون بالنون مع نصبها ، وهي أبينها ؛ لأن قبلها : وإذ قلنا ادخلوا ، فجرى " نغفر " على الإخبار عن الله تعالى ، والتقدير : وقلنا ادخلوا الباب سجدا نغفر ؛ ولأن بعده : وسنزيد - بالنون - وخطاياكم اتباعا للسواد وأنه على بابه ، ووجه من قرأ بالتاء أنه أثبت لتأنيث لفظ الخطايا ؛ لأنها جمع خطيئة على التكسير ، ووجه القراءة بالياء أنه ذكر لما حال بين المؤنث وبين فعله على ما تقدم في قوله : فتلقى آدم من ربه كلمات وحسن الياء والتاء وإن كان قبله إخبار عن الله تعالى في قوله وإذ قلنا ؛ لأنه قد علم أن ذنوب الخاطئين لا يغفرها إلا الله تعالى فاستغني عن النون ورد الفعل إلى الخطايا المغفورة .الثامنة : واختلف في أصل خطايا جمع خطيئة بالهمزة فقال الخليل : الأصل في خطايا [ ص: 389 ] أن يقول : خطايئ ثم قلب فقيل : خطائي بهمزة بعدها ياء ، ثم تبدل من الياء ألفا بدلا لازما فتقول : خطاءا ، فلما اجتمعت ألفان بينهما همزة والهمزة من جنس الألف صرت كأنك جمعت بين ثلاث ألفات فأبدلت من الهمزة ياء فقلت : خطايا ، وأما سيبويه فمذهبه أن الأصل مثل الأول " خطايئ " ثم وجب بهذه أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن فتقول : خطائئ ، ولا تجتمع همزتان في كلمة ، فأبدلت من الثانية ياء فقلت : خطائي ، ثم عملت كما عملت في الأول وقال الفراء : خطايا جمع خطية بلا همزة كما تقول : هدية وهدايا ، قال الفراء : ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت : خطاءا وقال الكسائي لو جمعتها مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة كما قلت : دواب .التاسعة : قوله تعالى : وسنزيد المحسنين أي : في إحسان من لم يعبد العجل ويقال : يغفر خطايا من رفع المن والسلوى للغد وسنزيد في إحسان من لم يرفع للغد ، ويقال : يغفر خطايا من هو عاص ، وسيزيد في إحسان من هو محسن أي : نزيدهم إحسانا على الإحسان المتقدم عندهم وهو اسم فاعل من أحسن ، والمحسن من صحح عقد توحيده ، وأحسن سياسة نفسه ، وأقبل على أداء فرائضه ، وكفى المسلمين شره ، وفي حديث جبريل عليه السلام ما الإحسان ؟
قال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال : صدقت .
.
.
وذكر الحديث ، خرجه مسلم .
وهذا أيضا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه, فأمرهم بدخول قرية تكون لهم عزا ووطنا ومسكنا, ويحصل لهم فيها الرزق الرغد، وأن يكون دخولهم على وجه خاضعين لله فيه بالفعل, وهو دخول الباب { سجدا } أي: خاضعين ذليلين، وبالقول وهو أن يقولوا: { حِطَّةٌ } أي أن يحط عنهم خطاياهم بسؤالهم إياه مغفرته.
{ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } بسؤالكم المغفرة، { وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } بأعمالهم, أي: جزاء عاجل وآجلا.
( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ) سميت القرية قرية لأنها تجمع أهلها ومنه المقراة للحوض لأنها تجمع الماء قال ابن عباس رضي الله عنهما هي أريحاء وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عنق وقيل بلقاء وقال مجاهد بيت المقدس ، وقال الضحاك : هي الرملة والأردن وفلسطين وتدمر وقال مقاتل : إيليا وقال ابن كيسان : الشام ( فكلوا منها حيث شئتم رغدا ) موسعا عليكم ( وادخلوا الباب ) يعني بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب ( سجدا ) أي ركعا خضعا منحنين وقال وهب : فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله تعالى ( وقولوا حطة ) قال قتادة : حط عنا خطايانا أمروا بالاستغفار قال ابن عباس : لا إله إلا الله لأنها تحط الذنوب ورفعها على تقدير قولوا مسألتنا حطة ( نغفر لكم خطاياكم ) من الغفر وهو الستر فالمغفرة تستر الذنوب وقرأ أهل المدينة و ( نافع ) بالياء وضمها وفتح الفاء وقرأها ابن عامر بالتاء وضمها وفتح الفاء وفي الأعراف قرأ جميعا ويعقوب بالتاء وضمها وقرأ الآخرون فيهما بنصب النون وكسر الفاء ( وسنزيد المحسنين ) ثوابا من فضلنا.
«وإذ قلنا» لهم بعد خروجهم من التيه «ادخلوا هذه القرية» بيت المقدس أو أريحا «فكلوا منها حيث شئتم رغدا» واسعا لاَ حَجْرَ فيه «وادخلوا الباب» أي بابها «سجداً» منحنين «وقولوا» مسألتنا «حطة» أي أن تحط عنا خطايانا «نغفر» وفي قراءة بالياء والتاء مبنياً للمفعول فيهما «لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين» بالطاعة ثواباً.
واذكروا نعمتنا عليكم حين قلنا: ادخلوا مدينة "بيت المقدس" فكلوا من طيباتها في أي مكان منها أكلا هنيئًا، وكونوا في دخولكم خاضعين لله، ذليلين له، وقولوا: ربَّنا ضَعْ عنَّا ذنوبنا، نستجب لكم ونعف ونسترها عليكم، وسنزيد المحسنين بأعمالهم خيرًا وثوابًا.
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بمنة عظيمة مكنوا منها فما أحسنوا قبولها وما رعوها حق رعايتها ، وهي تخليصهم من عناء التيه ، والإِذن لهم في دخول بلدة يجدون فيها الراحة والهناء ، وإرشادهم إلى القول الذي يخلصهم مما استوجبوه من عقوبات ولكنهم خالفوه فقال تعالى :( وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ .
.
.
)القرية : هي البلدة المشتملة على مساكن ، والمراد بها بيت المقدس على الراجح .والرغد : الواسع من العيش الهنيء ، الذي لا يتعب صاحبه ، يقال : أرغد فلان : أصاب واسعاً من العيش الهنيء .الحطة : من حط بمعنى وضع ، وهي مصدر مراد به طلب حط الذنوب .قال صاحب الكشاف : ( حطة ) فعله من الحط كالجلسة .
وهي خبر مبتدأ محذوف ، أي مسألتنا حطة ، والأصل فيها النصب بمعنى : حط عنا ذنوبنا حطة ، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات .
.
) ؟والمعنى : اذكروا يا بني إسرائيل ، لتتعظوا وتعتبروا - وقت أن أمرنا أسلافكم بدخول بيت المقدس بعد خروجهم من التية ، وأبحناهم أن يأكلوا من خيراتها أكلاً هنيئاً ذا سعة وقلنا لهم : ادخلوا من بابها راكعين شكراً لله على ما أنعم به عليكم من نعمة فتح الأرض المقدسة متوسلين إليه - سبحانه - بأن يحط عنكم ذنوبكم ، فإن فعلتم ذلك العمل اليسير وقلتم هذا القول القليل غفرنا لكم ذنوبكم وكفرنا عنكم سيئاتكم ، وزدنا المحسن منهم خيراً جزاء إحسانه ، ولكنهم جحدوا نعم الله وخالفوه أوامره ، فبدلوا بالقول الذي أمرهم الله به قولا آخر أتوابه به من عند أنفسهم على وجه العناد والاستهزاء ، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون .قال الإِمام ابن كثير - رحمه الله - : ( وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع .
بن نون - عليه السلام - وفتحها الله عليهم عشية جمعة ، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح ، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب ( باب البلد ) سجداً أي شكراً الله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال ) .وقوله تعالى : ( فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ) فيه إشعار بكمال النعمة عليهم واتساعها وكثرتها .
حيث أذن لهم في التمتع بثمرات القرية وأطعمتها من أي مكان شاءوا .وقوله تعالى : ( وادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ ) إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم نحو خالقهم من الشكر والخضوع ، وتوجيههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم .
بأيسر الطرق وأسهل السبل ، فكل ما كلفوا به أن يدخلوا من باب المدينة التي فتحها الله لهم خاضعين مخبتين وأن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم آثامهم ، ويمحو سيئاتهم .وقوله تعالى : ( نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) بيان للثمرة التي تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم ، وإغراء لهم على الامتثال والشكر ، لو كانوا يعقلون - لأن غاية ما يتمناه العقلاء غفران الذنوب .قال الإِمام ابن جرير : يعني بقوله تعالى : ( نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم ، ونسترها عليكم ، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها .
وأصل الغفر : التغطية والستر ، فكل ساتر شيئاً فهو غافر .
.
والخطايا : جمع خطية - بغير همز - كالمطايا جمع مطية ..وقوله تعالى : ( وَسَنَزِيدُ المحسنين ) وعد بالزيادة من خيري الدنيا والآخرة لمن أسلم لله وهو محسن ، أي : من كان منكمو محسناً زيد في إحسانه ومن كان مخطئاً نغفر له خطيئاته .وقد أمرهم - سبحانه - أن يدخلوا باب المدينة التي فتحوها خاضعين وأن يلتمسوا منه مغفرة خطاياهم ، لأن تغلبهم على أعدائهم ، ودخولهم الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم ، نعمة من أجل النعم ، و هي تستدعي منهم أن يشكروا الله عليها بالقول والفعل لكي يزيدهم من فضله ، فشأن الأخيار أن يقابلوا نعم الله بالشكر .ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر أقصى درجات الخضوع لله تعالى عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب ، فعندما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية العليا ، وإنه لخاضع لربه ، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكراً لله على نعمة الفتح ، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلى ثماني ركعات سماها بعض الفقها صلاة الفتح .ومن هنا استحِب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا فيها ثماني ركعات عند دخولها شكراً لله - تعالى - وقد فعل ذلك سعد بن أبي وقاص عندما دخل إيوان كسرى ، فقد ثبت أنه صلى بداخله ثماني ركعات .ولكن ، ماذا كان من بني إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح؟
اعلم أن هذا هو الإنعام الثامن، وهذه الآية معطوفة على النعم المتقدمة لأنه تعالى كما بين نعمه عليهم بأن ظلل لهم من الغمام وأنزل (عليهم) من المن والسلوى وهو من النعم العاجلة أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين حيث أمرهم بما يمحو ذنوبهم وبين لهم طريق المخلص مما استوجبوه من العقوبة.
واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين: النوع الأول: ما يتعلق بالتفسير فنقول: أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية ﴾ فاعلم أنه أمر تكليف، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه تعالى أمر بدخول الباب سجداً، وذلك فعل شاق فكان الأمر به تكليفاً ودخول الباب سجداً مشروط بدخول القرية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فثبت أن الأمر بدخول القرية أمر تكليف لا أمر إباحة.
الثاني: أن قوله: ﴿ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم ﴾ دليل على ما ذكرناه.
أما القرية فظاهر القرآن لا يدل على عينها، وإنما يرجع في ذلك إلى الأخبار، وفيه أقوال: أحدها: وهو اختيار قتادة والربيع وأبي مسلم الأصفهاني أنها بيت المقدس، واستدلوا عليه بقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، ولا شك أن المراد بالقرية في الآيتين واحد.
وثانيها: أنها نفس مصر.
وثالثها: وهو قول ابن عباس وأبي زيد إنها أريحاء وهي قريبة من بيت المقدس، واحتج هؤلاء على أنه لا يجوز أن تكون تلك القرية بيت المقدس لأن الفاء في قوله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ تقتضي التعقيب فوجب أن يكون ذلك التبديل وقع منهم عقيب هذا الأمر في حياة موسى، لكن موسى مات في أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس، فثبت أنه ليس المراد من هذه القرية بيت المقدس.
وأجاب الأولون بأنه ليس في هذه الآية: أنا قلنا ادخلوا هذه القرية على لسان موسى أو على لسان يوشع، وإذا حملناه على لسان يوشع زال الإشكال.
وأما قوله تعالى: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ﴾ فقد مر تفسيره في قصة آدم عليه السلام وهو أمر إباحة.
أما قوله تعالى: ﴿ وادخلوا الباب سُجَّدًا ﴾ ففيه بحثان.
الأول: اختلفوا في الباب على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة إنه باب يدعى باب الحطة من بيت المقدس، وثانيهما: حكى الأصم عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القرية ومدخلاً إليها.
الثاني: اختلفوا في المراد بالسجود فقال الحسن أراد به نفس السجود الذي هو الصاق الوجه بالأرض وهذا بعيد لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك، ومنهم من حمله على غير السجود، وهؤلاء ذكروا وجهين: الأول: رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المراد هو الركوع، لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء، وهذا بعيد لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعاً فما كان يحتاج فيه إلى الأمر.
الثاني: أراد به الخضوع وهو الأقرب، لأنه لما تعذر حمله على حقيقة السجود وجب حمله على التواضع، لأنهم إذا أخذوا في التوبة فالتائب عن الذنب لابد أن يكون خاضعاً مستكيناً.
أما قوله تعالى: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: وهو قول القاضي: المعنى أنه تعالى بعد أن أمرهم بدخول الباب على وجه الخضوع أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة، وذلك لأن التوبة صفة القلب، فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لأن التوبة لا تتم إلا به، إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة، ولإزالة التهمة عن نفسه، وكذلك من عرف بمذهب خطأ، ثم تبين له الحق فإنه يلزمه أن يعرف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه، لتزول عنه التهمة في الثبات على الباطل وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته، فلهذا السبب ألزم الله تعالى بني إسرائيل مع الخضوع الذي هو صفة القلب أن يذكروا اللفظ الدال على تلك التوبة وهو قوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ، فالحاصل أنه أمر القوم بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان، وهذا الوجه أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق.
ثانيها: قول الأصم: إن هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب أي لا يعرف معناها في العربية.
وثالثها: قال صاحب الكشاف (حطة) فعلة من الحط كالجلسة والركبة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله: صبر جميل فكلانا مبتلي *** والأصل صبراً على تقدير اصبر صبراً، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب.
ورابعها: قول أبي مسلم الأصفهاني معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها، وزيف القاضي ذلك بأن قال: لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقاً به ولكن قوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ ، يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة، ويمكن الجواب عنه بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجداً مع التواضع كان الغفران متعلقاً به.
وخامسها قول القفال: معناه اللهم حط عنا ذنوبنا فإنا إنما انحططنا لوجهك وإرادة التذلل لك، فحط عنا ذنوبنا.
فإن قال قائل: هل كان التكليف وارداً بذكر هذه اللفظة بعينها أم لا؟
قلنا روي عن ابن عباس أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها وهذا محتمل ولكن الأقرب خلافه لوجهين.
أحدهما: أن هذه اللفظة عربية وهم ما كانوا يتكلمون بالعربية، وثانيهما: وهو الأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولاً دالاً على التوبة والندم والخضوع حتى أنهم لو قالوا مكان قولهم: ﴿ حِطَّةٌ ﴾ اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً، لأن المقصود من التوبة، إما القلب وإما اللسان، أما القلب فالندم، وأما اللسان فذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب وذلك لا يتوقف على ذكر لفظة بعينها.
أما قوله تعالى: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ ﴾ فالكلام في المغفرة قد تقدم.
ثم هاهنا بحثان: الأول: أن قوله: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ذكره الله تعالى في معرض الامتنان، ولو كان قبول التوبة واجباً عقلاً على ما تقوله المعتزلة لما كان الأمر كذلك، بل كان أداء للواجب وأداء الواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان.
الثاني: هاهنا قراءات.
أحدها: قرأ أبو عمرو وابن المنادي بالنون وكسر الفاء.
وثانيها: قرأ نافع بالياء وفتحها.
وثالثها: قرأ الباقون من أهل المدينة وجبلة عن المفضل بالتاء وضمها وفتح الفاء.
ورابعها: قرأ الحسن وقتادة وأبو حيوة والجحدري بالياء وضمها وفتح الفاء.
قال القفال: والمعنى في هذه القراءات كلها واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت وإذا غفرت فإنما يغفرها الله، والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث كقوله: ﴿ وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة ﴾ والمراد من الخطيئة الجنس لا الخطيئة الواحدة بالعدد.
أما قوله تعالى: ﴿ خطاياكم ﴾ ففيه قراءات، أحدها: قرأ الجحدري خطيئتكم بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة على واحدة.
وثانيها: الأعمش خطيئاتكم بمدة وهمزة وألف بعد الهمزة قبل التاء وكسر التاء.
وثالثها: الحسن كذلك إلا أنه يرفع التاء.
ورابعها: الكسائي خطاياكم بهمزة ساكنة بعد الطاء قبل الياء.
وخامسها: ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الياء وقبل الكاف.
وسادسها: الكسائي بكسر الطاء والتاء، والباقون بإمالة الياء فقط.
أما قوله تعالى: ﴿ وَسَنَزِيدُ المحسنين ﴾ فإما أن يكون المراد من المحسن من كان محسناً بالطاعة في هذا التكليف أو من كان محسناً بطاعات أخرى في سائر التكاليف.
أما على التقدير الأول: فالزيادة الموعودة يمكن أن تكون من منافع الدنيا وأن تكون من منافع الدين.
أما الاحتمال الأول: وهو أن تكون من منافع الدنيا، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة فإنا نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية، وأما الاحتمال الثاني: وهو أن تكون من منافع الآخرة، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل كما قال: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ ، أي نجازيهم بالإحسان إحساناً وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشراً، وأكثر من ذلك، وأما إن كان المراد من المحسنين من كان محسناً بطاعات أخرى بعد هذه التوبة، فيكون المعنى أنا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم حطة مؤثراً في غفران الذنوب، ثم إذا أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى أعطيناكم الثواب على تلك الطاعات الزائدة، وفي الآية تأويل آخر، وهو أن المعنى من كان خاطئاً غفرنا له ذنبه بهذا الفعل، ومن لم يكن خاطئاً بل كان محسناً زدنا في إحسانه، أي كتبنا تلك الطاعة في حسناته وزدناه زيادة منا فيها فتكون المغفرة للمؤمنين والزيادة للمطيعين.
أما قوله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ ففيه قولان.
الأول: قال أبو مسلم قوله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ ﴾ يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به، لا على أنهم أتوا له ببدل، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة، قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُ المخلفون مّنَ الأعراب ﴾ إلى قوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله ﴾ ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا هاهنا، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه.
الثاني: وهو قول جمهور المفسرين: إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل، فلابد من حصول البدل، وهذا كما يقال: فلان بدل دينه، يفيد أنه انتقل من دين إلى دين آخر، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ﴾ ثم اختلفوا في أن ذلك القول والفعل أي شيء كان؟
فروي عن ابن عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً زاحفين على أستاههم، قائلين حنطة من شعيرة، وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم وقالوا: حنطة استهزاء، وقال ابن زيد: استهزاء بموسى.
وقالوا: ما شاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة.
أما قوله تعالى: ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ فإنما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم، وذلك ظلم على ما تقدم.
أما قوله تعالى: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السماء ﴾ ففيه بحثان: الأول: أن في تكرير: ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ زيادة في تقبيح أمرهم وإيذاناً بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم.
الثاني: أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز ﴾ أي العقوبة، وكذا قوله تعالى: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز ﴾ وذكر الزجاج أن الرجز والرجس معناهما واحد وهو العذاب.
وأما قوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ فمعناه لطخه وما يدعوا إليه من الكفر، ثم إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في الآية عليه، فقال ابن عباس: مات منهم بالفجأة أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة، وقال ابن زيد: بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي خمس وعشرون ألفاً، ولم يبق منهم أحد.
أما قوله تعالى: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ ، فالفسق من الخروج المضر، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته، قال أبو مسلم: هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى: ﴿ عَلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ وفائدة التكرار التأكيد والحق أنه غير مكرر لوجهين: الأول: أن الظلم قد يكون من الصغائر، وقد يكون من الكبائر، ولذلك وصف الله الأنبياء بالظلم في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ ولأنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ ولو لم يكن الظلم إلا عظيماً لكان ذكر العظيم تكريراً والفسق لابد وأن يكون من الكبائر فلما وصفهم الله بالظلم أولاً: وصفهم بالفسق، ثانياً: ليعرف أن ظلمهم كان من الكبائر لا من الصغائر.
الثاني: يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل فنزل الرجز عليهم من السماء بسبب ذلك التبديل بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل وعلى هذا الوجه يزول التكرار.
النوع الثاني من الكلام في هذه الآية: اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة الأعراف وهو قوله: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَٱدْخُلُوا ٱلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٰٔتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ واعلم أن من الناس من يحتج بقوله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ على أن ما ورد به التوقيف من الأذكار أنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها بغيرها، وربما احتج أصحاب الشافعي رضي الله عنه في أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح ولا تجوز القراءة بالفارسية وأجاب أبو بكر الرازي بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول، فلا جرم استوجبوا الذم، فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك والجواب أن ظاهر قوله: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ﴾ يتناول كل من بدل قولاً بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أو لم يتفقا، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال في سورة البقرة: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ﴾ وقال في الأعراف: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ﴾ الجواب أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا القول هو الله تعالى إزالة للإبهام ولأنه ذكر في أول الكلام: ﴿ اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ ثم أخذ يعدد (نعمه) نعمة نعمة فاللائق بهذا المقام أن يقول: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ﴾ أما في سورة الأعراف فلا يبقى في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ﴾ إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة.
السؤال الثاني: لم قال في البقرة: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا ﴾ وفي الأعراف: ﴿ اسكنوا ﴾ ؟
الجواب: الدخول مقدم على السكون ولا بد منهما فلا جرم ذكر الدخول في السورة المتقدمة والسكون في السورة المتأخرة.
السؤال الثالث: لم قال في البقرة: ﴿ فَكُلُواْ ﴾ بالفاء وفي الأعراف: ﴿ وَكُلُواْ ﴾ بالواو؟
والجواب هاهنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا ﴾ وفي الأعراف: ﴿ فَكُلاًّ ﴾ .
السؤال الرابع: لم قال في البقرة: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ وفي الأعراف: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم ﴾ ، الجواب: الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية ﴾ لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة، فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة، وفي الأعراف لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ﴾ لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة (ة) وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة.
السؤال الخامس: لم ذكر قوله: ﴿ رَغَدًا ﴾ في البقرة وحذفه في الأعراف؟
الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه.
السؤال السادس: لم ذكر في البقرة: ﴿ وادخلوا الباب سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ وفي الأعراف قدم المؤخر؟
الجواب: الواو للجمع المطلق وأيضاً فالمخاطبون بقوله: ﴿ ادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ، يحتمل أن يقال: إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين، فالمذنب لابد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدماً على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولاً حطة ثم يدخلوا الباب سجداً، وأما الذي لا يكون مذنباً فالأولى به أن يشتغل أولاً بالعبادة ثم يذكر التوبة، ثانياً: على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجداً أولاً ثم يقولوا حطة ثانياً، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى.
السؤال السابع: لم قال: ﴿ وَسَنَزِيدُ المحسنين ﴾ في البقرة مع الواو وفي الأعراف: ﴿ سَنَزِيدُ المحسنين ﴾ من غير الواو؟
الجواب: أما في الأعراف فذكر فيه أمرين: أحدهما: قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة.
وثانيها: دخول الباب سجداً وهو إشارة إلى العبادة، ثم ذكر جزأين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ وهو واقع في مقابلة قول الحطة.
والآخر: قوله: ﴿ سَنَزِيدُ المحسنين ﴾ وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجداً فترك الواو يفيد توزع كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين.
وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحداً لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة.
السؤال الثامن: قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً ﴾ وفي الأعراف: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً ﴾ فما الفائدة في زيادة كلمة منهم في الأعراف؟
الجواب: سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة هاهنا مبني على التخصيص بلفظ من لأنه تعالى قال: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم، فلما انتهت القصة قال الله تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ فذكر لفظة: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة، وهاهنا ذكر أمة جابرة وكلتاهما من قوم موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف، وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله: ﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق.
السؤال التاسع: لم قال في البقرة: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا ﴾ وقال في الأعراف: ﴿ فَأَرْسَلْنَا ﴾ الجواب: الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية، وذلك إنما يحدث بالآخرة.
السؤال العاشر: لم قال في البقرة: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ وفي الأعراف: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ ، الجواب: أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقاً اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ القرية ﴾ بيت المقدس.
وقيل: أريحاء من قرى الشام، أمروا بدخولها بعد التيه ﴿ الباب ﴾ باب القرية.
وقيل: هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه الصلاة والسلام.
أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله وتواضعاً.
وقيل: (السجود) أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين، ليكون دخولهم بخشوع وإخبات.
وقيل: طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوها، ودخلوا متزحفين على أوراكهم ﴿ حِطَّةٌ ﴾ فعلة من الحط كالجلسة والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، أوأمرك حطة.
والأصل: النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة.
وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات، كقوله: صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلاَنَا مُبْتَلَى والأصل صبراً، على: اصبر صبراً.
وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل.
وقيل معناه: أمرنا حطة، أي أن نحط في هذه القرية ونستقرّ فيها.
فإن قلت: هل يجوز أن تنصب حطة في قراءة من نصبها ب (قولوا)، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟
قلت: لا يبعد.
والأجود أن تنصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر ب (قولوا).
وقرئ ﴿ يغفر لكم ﴾ على البناء للمفعول بالياء والتاء ﴿ وَسَنَزِيدُ المحسنين ﴾ أي من كان محسناً منكم كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئاً كانت له توبة ومغفرة.
﴿ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ أي وضعوا مكان حطة ﴿ قَوْلاً ﴾ غيرها.
يعني أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله.
وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاؤا بلفظ آخر، لأنهم لو جاؤا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به، لم يؤاخذوا به.
كما لو قالوا مكان حطة: نستغفرك ونتوب إليك.
أو اللَّهم اعف عنا وما أشبه ذلك.
وقيل: قالوا مكان حطة: حنطة.
وقيل: قالوا: بالنبطية: (حطا سمقاثا) أي حنطة حمراء، استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا.
وفي تكرير ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم.
وقد جاء في سورة الأعراف: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ﴾ [الأعراف: 133] على الإضمار.
والرجز: العذاب.
وقرئ بضم الراء وروى: أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً.
وقيل: سبعون ألفاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، وقِيلَ أرِيحا أُمِرُوا بِهِ بَعْدَ التِّيهِ.
﴿ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ﴾ واسِعًا، ونَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ، أوِ الحالِ مِنَ الواوِ.
﴿ وادْخُلُوا البابَ ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ، أوِ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها، فَإنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ سُجَّدًا ﴾ مُتَطامِنِينَ مُخْبَتِينَ، أوْ ساجِدِينَ لِلَّهِ شُكْرًا عَلى إخْراجِهِمْ مِنَ التِّيهِ.
﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ أيْ مَسْألَتُنا، أوْ أمْرُكَ حِطَّةٌ وهي فِعْلَةٌ مِنَ الحَطِّ كالجِلْسَةِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الأصْلِ بِمَعْنى: حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ قُولُوا أيْ قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ.
وقِيلَ مَعْناهُ أمْرُنا حِطَّةٌ أيْ: أنْ نَحُطَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ ونُقِيمَ بِها.
﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ ﴾ بِسُجُودِكم ودُعائِكم.
وقَرَأ نافِعٌ بِالياءِ وابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وَخَطايا أصْلُهُ خَطايِئُ كَخَطايِعَ، فَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أُبْدِلَتِ الياءُ الزّائِدَةُ هَمْزَةً لِوُقُوعِها بَعْدَ الألِفِ، واجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ياءً ثُمَّ قُلِبَتْ ألِفًا، وكانَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ الألِفَيْنِ فَأُبْدِلَتْ ياءً.
وعِنْدَ الخَلِيلِ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ عَلى الياءِ ثُمَّ فُعِلَ بِهِما ما ذُكِرَ.
﴿ وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ ثَوابًا، جَعَلَ الِامْتِثالَ تَوْبَةً لِلْمُسِيءِ وسَبَبَ زِيادَةِ الثَّوابِ لِلْمُحْسِنِ، وأخْرَجَهُ عَنْ صُورَةِ الجَوابِ إلى الوَعْدِ إيهامًا بِأنَّ المُحْسِنَ بِصَدَدِ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَكَيْفَ إذا فَعَلَهُ، وأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ لا مَحالَةَ.
<div class="verse-tafsir"
{وإذ قلنا} لهم بعد ما خرجوا من التيه {ادخلوا هذه القرية} أي بيت المقدس أو أريحاء والقرية المجتمع من قريت لأنها تجمع الخلق أمروا بدخولها بعد التيه {فَكُلُواْ مِنْهَا} من طعام القرية وثمارها {حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} واسعاً {وادخلوا الباب} باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام وإنما دخلوا الباب في حياته ودخلوا بيت المقدس بعده {سُجَّدًا} حال وهو جمع ساجد أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله تعالى وتواضعاً له {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} فعلة من الحط كالجلسة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل النصب وقد قرئ به بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات وقيل أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها وعن على رضى الله عنه هو بسم الله الرحمن الرحيم وعن عكرمة هو لا إله إلا الله {نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم} جمع خطيئة وهي الذنب يغفر مدني تغفر شامي {وَسَنَزِيدُ المحسنين} أي من كان محسناً منكم
كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه ومن كان مسيئا كانت له توب ومغفرة
﴿ وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والمَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالدُّخُولِ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كالأوامِرِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، والقَرْيَةُ بِفَتْحِ القافِ والكَسْرِ لُغَةُ أهْلِ اليَمَنِ المَدِينَةُ مِن قَرَيْتُ إذا جَمَعْتَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَجْمَعُ النّاسَ عَلى طَرِيقَةِ المُساكَنَةِ، وقِيلَ: إنْ قَلُّوا قِيلَ لَها: قَرْيَةٌ، وإنْ كَثُرُوا قِيلَ لَها مَدِينَةٌ، وأنْهى بَعْضُهم حَدَّ القِلَّةِ إلى ثَلاثَةٍ، والجَمْعُ القُرى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِياسُ أمْثالِهِ فِعالٌ كَظَبْيَةٍ وظِباءٍ، وفي المُرادِ بِها هُنا خِلافٌ جَمٌّ والمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ وغَيْرِهِمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، وقَدْ كانَ هَذا الأمْرُ بَعْدَ التِّيهِ، والتَّحَيُّرِ، وهو أمْرُ إباحَةٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ (فَكُلُوا) إلَخْ، وهو غَيْرُ الأمْرِ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وهو أمْرُ تَكْلِيفٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ النَّهْيِ، ومِنهم مَن زَعَمَ اتِّحادَهُما، وجَعَلَ هَذا الأمْرَ أيْضًا لِلتَّكْلِيفِ، وحَمْلُ تَبْدِيلِ الأمْرِ عَلى عَدَمِ امْتِثالِهِ بِناءً عَلى أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا القُدْسَ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَنِ ادَّعى اخْتِلافَهُما، لَكِنَّهُ زَعَمَ أنَّ ما هُنا كانَ بَعْدَ التِّيهِ عَلى لِسانِ يُوشَعَ لا عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، لِأنَّهُ وأخاهُ هارُونَ ماتا في التِّيهِ، وفَتَحَ يُوشَعُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أرْضَ الشّامِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، ومِنهم مَن قالَ: الأمْرُ في التِّيهِ بِالدُّخُولِ بَعْدَ الخُرُوجِ عَنْهُ، ولا يَخْفى ما في كُلٍّ، فالأظْهَرُ ما ذَكَرْنا، وقَدْ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سارَ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ التِّيهِ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى أرِيحاءَ، وهي بِأرْضِ القُدْسِ، وكانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى مُقَدِّمَتِهِ، فَفَتَحَها، وأقامَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ قُبِضَ، وكَأنَّهم أُمِرُوا بَعْدَ الفَتْحِ بِالدُّخُولِ عَلى وجْهِ الإقامَةِ والسُّكْنى كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (فَكُلُوا) إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى في الأعْرافِ: ﴿ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ ويُؤَيِّدُ كَوْنَهُ بَعْدَ الفَتْحِ الإشارَةُ بِلَفْظِ القَرِيبِ، والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ مَنزِلَةَ القَرِيبِ تَرْوِيجًا لِلْأمْرِ بَعِيدٌ، ولا يُنافِي هَذا ما مَرَّ مِن أنَّهُ ماتَ في التِّيهِ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ المَفازَةُ لا التِّيهُ، مَصْدَرُ تاهَ يَتِيهُ تِيهًا بِالكَسْرِ والفَتْحِ وتَيَهانًا، إذا ذَهَبَ مُتَحَيِّرًا فَلْيُفْهَمْ، ﴿ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ﴾ أيْ واسِعًا هَنِيئًا، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوِ الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى حِلِّ جَمِيعِ مَواضِعِها لَهُمْ، أوِ الإذْنِ بِنَقْلِ حاصِلِها إلى أيِّ مَوْضِعٍ شاؤُوا مَعَ دِلالَةِ (رَغَدًا) عَلى أنَّهم مُرَخَّصُونَ بِالأكْلِ مِنها واسِعًا، ولَيْسَ عَلَيْهِمُ القَناعَةُ لِسَدِّ الجَوْعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا لَهم بِكَثْرَةِ المَحْصُولاتِ، وعَدَمِ الغَلاءِ، وأُخِّرَ هَذا المَنصُوبُ هُنا مَعَ تَقْدِيمِهِ في آيَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلُ لِمُناسَبَةِ الفاصِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ والخِلافُ في نَصْبِ البابِ كالخِلافِ في نَصْبِ ﴿ هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ والمُرادُ بِها عَلى المَشْهُورِ أحَدُ أبْوابِ بَيْتِ القُدْسِ، وتُدْعى الآنَ بابَ حِطَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: البابُ الثّامِنُ مِن أبْوابِهِ، ويُدْعى الآنَ بابَ التَّوْبَةِ، وعَلَيْهِ مُجاهِدٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَتْ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، يَتَعَبَّدانِ فِيها، وجُعِلَتْ قِبْلَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ في التِّيهِ، وفي وصْفِها أُمُورٌ غَرِيبَةٌ في القِصَصِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، (وسُجَّدًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (ادْخُلُوا)، والمُرادُ خُضَّعًا مُتَواضِعِينَ، لِأنَّ اللّائِقَ بِحالِ المُذْنِبِ التّائِبِ والمُطِيعِ المُوافِقِ الخُشُوعُ والمَسْكَنَةُ، ويَجُوزُ حَمْلُ السُّجُودِ عَلى المَعْنى الشَّرْعِيِّ، والحالُ مُقارِنَةٌ أوْ مُقَدَّرَةٌ، ويُؤَيِّدُ الثّانِيَ ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ في مَعْنى الآيَةِ: إذا دَخَلْتُمُوهُ فاسْجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ، أيْ عَلى ما أنْعَمَ عَلَيْكم حَيْثُ أخْرَجَكم مِنَ التِّيهِ، ونَصَرَكم عَلى مَن كُنْتُمْ مِنهُ تَخافُونَ، وأعادَكم إلى ما تُحِبُّونَ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أُمِرُوا بِالسُّجُودِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى البابِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى وتَواضُعًا لَمْ نَقِفْ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن كِتابٍ وسُنَّةٍ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ السُّجُودَ هُنا بِالرُّكُوعِ، وبَعْضُهم بِالتَّطامُنِ والِانْحِناءِ قالُوا: وأُمِرُوا بِذَلِكَ لِأنَّ البابَ كانَ صَغِيرًا ضَيِّقًا، يَحْتاجُ الدّاخِلُ فِيهِ إلى انْحِناءٍ، وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ قِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وقُولُوا: حِطَّةٌ، أيْ مَسْألَتُنا أوْ شَأْنُكَ يا رَبَّنا أنْ تَحُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا، وهي فِعْلَةٌ مِنَ الحَطِّ كالجِلْسَةِ، وذَكَرَ أبانُ إنَّها بِمَعْنى التَّوْبَةِ، وأنْشَدَ: فازَ بِالحِطَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّـــــــ ـــــهُ بِها ذَنْبَ عَبْدِهِ مَغْفُورا والحَقُّ أنَّ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، ومِنَ البَعِيدِ قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ المَعْنى أمْرُنا حِطَّةٌ، أيْ أنْ نَحُطَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ، ونُقِيمَ بِها، لِعَدَمِ ظُهُورِ تَعَلُّقِ الغُفْرانِ بِهِ، وتَرَتُّبِ التَّبْدِيلِ عَلَيْهِ، إلّا أنْ يُقالَ: كانُوا مَأْمُورِينَ بِهَذا القَوْلِ عِنْدَ الحَطِّ في القَرْيَةِ لِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ، وحِينَ لَمْ يَعْرِفُوا وجْهَ الحِكْمَةِ بَدَّلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنَّصْبِ بِمَعْنى حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً، أوْ نَسْألُكَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ (لِقُولُوا) أيْ قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ بِعَيْنِها، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَفْعُولُ القَوْلِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ يَكُونُ مُفْرَدًا إذا أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ، ولا عِبْرَةَ بِما في البَحْرِ مِنَ المَنعِ، إلّا أنَّهُ يُبْعِدُ هَذا أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وهم ما كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، ولِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا قَوْلًا دالًّا عَلى التَّوْبَةِ والنَّدَمِ حَتّى لَوْ قالُوا: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَغْفِرُكَ ونَتُوبُ إلَيْكَ، لَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا، ولا تَتَوَقَّفُ التَّوْبَةُ عَلى ذِكْرِ لَفْظَةٍ بِعَيْنِها، ولِهَذا قِيلَ: الأوْجَهُ في كَوْنِها مَفْعُولًا لِقُولُوا أنَّ يُرادَ: قُولُوا أمْرًا حاطًّا لِذُنُوبِكم مِنَ الِاسْتِغْفارِ، وحِينَئِذٍ يَزُولُ عَنْ هَذا الوَجْهِ الغُبارُ، ثُمَّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ عَرَبِيَّةٌ مَعْلُومَةُ الِاشْتِقاقِ، والمَعْنى وهو الظّاهِرُ المَسْمُوعُ، وقالَ الأصَمُّ: هي مِن ألْفاظِ أهْلِ الكِتابِ، لا نَعْرِفُ مَعْناها في العَرَبِيَّةِ، وذَكَرَ عِكْرِمَةُ: إنَّ مَعْناها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ، ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ ﴾ بِدُخُولِكُمُ البابَ سُجَّدًا، وقَوْلِكم حِطَّةٌ، والخَطايا أصْلُها خَطايِئُ بِياءٍ بَعْدَ ألِفٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ، فَأُبْدِلَتِ الياءُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ الزّائِدَةُ هَمْزَةً لِوُقُوعِها بَعْدَ الألِفِ واجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ، وأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ياءً ثُمَّ قُلِبَتْ ألِفًا، وكانَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ ألِفَيْنِ فَأُبْدِلَتْ ياءً، وعِنْدَ الخَلِيلِ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ عَلى الياءِ، ثُمَّ فُعِلَ بِها ما ذُكِرَ، وقَرَأ نافِعٌ (يَغْفِرْ) بِالياءِ، وابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، والباقُونَ بِالنُّونِ والبِناءِ لِلْمَعْلُومِ، وهو الجارِي عَلى نِظامِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِنَ السَّبْعَةِ إلّا بِلَفْظِ (خَطاياكُمْ)، وأمالَها الكِسائِيُّ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ (تُغْفَرْ) بِضَمِّ التّاءِ، وأفْرَدَ الخَطِيئَةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإظْهارِ الرّاءِ مِن (يَغْفِرْ) عِنْدَ اللّامِ، وأدْغَمَها قَوْمٌ، قالُوا: وهو ضَعِيفٌ، ﴿ وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ”قُولُوا حِطَّة“ وذُكِرَ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ، ولَمْ يَنْجَزِمْ لِأنَّ السِّينَ تَمْنَعُ الجَزاءَ عَنْ قَبُولِ الجَزْمِ، وفي إبْرازِهِ في تِلْكَ الصُّورَةِ دُونَ تَرَدُّدٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُحْسِنَ يَفْعَلُ ذَلِكَ البَتَّةَ، وفي الكَلامِ صِفَةُ الجَمْعِ مَعَ التَّفْرِيقِ، فَإنَّ ”قُولُوا حِطَّة“ جَمْعٌ، و”نَغْفِرُ لَكم وسَنَزِيدُ“ تَفْرِيقٌ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ ثَوابًا، <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ، قال الكلبي: يعني أريحا.
وقال مقاتل: إيليا.
ويقال: هذا كان بعد موت موسى- - وبعد مضي أربعين سنة، حيث أمر الله تعالى يوشع بن نون وكان خليفة موسى- عليهما السلام- بأن يدخل مع قومه المدينة، فقال لهم يوشع بن نون: ادخلوا الباب سجداً، يعني إذا دخلتم من باب المدينة فادخلوا ركعاً منحنين ناكسي رؤوسكم متواضعين، فيقوم ذلك منكم مقام السجود وذلك قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ، يعني أريحا أو إيليا.
فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً، موسعاً عليكم وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً، أي ركعاً منحنين وَقُولُوا حِطَّةٌ.
قرأ بعضهم بالرفع وبعضهم بالنصب وهي قراءة شاذة، وإنما جعله نصباً لأنه مفعول.
ومن قرأ بالرفع معناه وقولوا حطة.
وروي عن قتادة أنه قال: تفسير حِطَّةٌ، يعني حطّ عنا خطايانا.
وقال بعضهم: معناه لا إله إلا الله.
وقال بعضهم: بسم الله.
وقال بعضهم: أمروا بأن يقولوا بهذا اللفظ ولا ندري ما معناه.
ثم قال: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ، قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام تَغْفِرْ بالتاء والضمة، لأن لفظ الخطايا مؤنث.
وقرأ نافع ومن تابعه من أهل المدينة يَغْفِرُ بالياء والضمة بلفظ التذكير، لأن تأنيثه ليس بحقيقي ولأن الفعل مقدم.
وقرأ الباقون بالنون وكسر الفاء على معنى الإضافة إلى نفسه وذلك كله يرجع إلى معنى واحد، ومعناه نغفر لكم خطايا الذين عبدوا العجل.
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ، أي سنزيد في إحسان من لم يعبد العجل.
ويقال: نغفر خطايا من رفع المن والسلوى للغد، وسنزيد في إحسان من لم يرفع إلى الغد.
ويقال: نرفع خطايا من هو عاصٍ، وسنزيد في إحسان من هو محسن.
فلما دخلوا الباب خالفوا أمره.
وروى أبو هريرة عن النبيّ «أنَّهُمْ دَخَلُوا البَابَ يَزْحَفُونَ» .
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: دخلوا على أستاههم.
ويقال: دخلوا منحرفين على شق وجوههم، وقالوا: «احنطا سمفانا» يعني حنطة حمراء، بلغة القبط استهزاء وتبديلاً، وإنما قال ذلك سفهاؤهم، فذلك قوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ، أي غيروا ذلك القول وقالوا بخلاف ما قيل لهم.
قال الله تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أي غيروا رِجْزاً، أي عذاباً مِنَ السَّماءِ وهو موت الفجاءة.
وقال أبو روق: (الرجز) الطاعون.
ويقال مات منهم بالطاعون سبعون ألفاً.
ويقال: نزلت بهم نار فاحترقوا.
ويقال: وقع بينهم قتال فاقتتلوا فقتل بعضهم بعضاً.
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي جزاء لفسقهم وعصيانهم.
ثم رجع إلى قصة موسى حين كانوا في التيه وأصابهم العطش فاستغاثوا بموسى، فدعا موسى ربه، فأوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه الحجر، فَأخذ موسى حجراً مربعاً مثل رأس الإنسان، ووضعه في المخلاة بين يدي قومه، ضَرَبَ عَصَاهُ عَلَيْهِ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ماءً عذباً وكانت بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً لكل سبط منهم عين على حدة.
قال الفقيه: حدّثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مندوسة قال: حدّثنا أبو القاسم، أحمد بن حمزة الصفار قال: حدّثنا عيسى بن أحمد قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال: تاه بنو إسرائيل في اثني عشر فرسخاً أربعين عاماً على غير ماء، وجعل لهم حجراً مثل رأس الثور، فإذا نزلوا منزلاً وضعوه فضربه موسى بعصاه.
<div class="verse-tafsir"
لتغليظه لأنَّ إِجماع المفسِّرين لا يمنع من إِطلاقِهِ لغةً بمعنى آخر في غير الآية.
انتهى.
وقوله تعالى: كُلُوا ...
الآية: معناه: وقلنا: كلوا، فحذف اختصارا لدلالة الظاهر عليه، والطَّيِّبَاتُ، هنا جَمَعَتِ الحلال واللذيذ.
ص «١» : وقوله: وَما ظَلَمُونا: قدَّر ابن عطية قبل هذه الجملةِ محذوفًا، أي:
فَعَصوْا، وما ظَلَمُونا، وقدَّر غيره: فظَلَمُوا، ومَا ظَلَمُونَا، ولا حاجَة إِلى ذلك لأن ما تقدَّم عنهم من القبائِح يُغْنِي عنه.
انتهى.
ت: وقول أبي حَيَّان: «لا حاجة إلى هذا التقدير ...
» إِلى آخره: يُرَدُّ بأن المحذوفاتِ في الكلام الفصيحِ هذا شأنها لا بد من دليل في اللفظ يدلُّ عليها إلا أنه يختلف ذلك في الوضوحِ والخفاءِ، فأما حذف ما لا دليل عليه، فإنه لا يجوز.
وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ.
الْقَرْيَةَ: المدينةُ سمِّيت بذلك لأنها تَقَرَّتْ، أي: اجتمعت ومنه: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ، أي: جمعته، والإِشارة بهذه إِلى بيت المقدس في قول الجمهور.
وقيل: إلى أريحا، وهي قريبٌ من بيت المَقْدِس، قال عمر بن شبّة «٢» : كانت
قاعدةً، ومسْكنَ ملوكٍ، ولما خرج ذريةُ بني إِسرائيل من التِّيه، أُمِرُوا بدخول القرية المشار إِلَيْها، وأما الشيوخ، فماتوا فيه، وروي أن موسى وهارون عليهما السلام ماتا في التِّيه، وحكى الزجَّاج «١» عن بعضهم أنهما لم يكونا في التِّيه لأنه عَذَابٌ، والأول أكْثَرُ.
ت: لكن ظاهر قوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: ٢٥] يقوِّي ما حكاهُ الزجَّاج، وهكذا قال الإمام الفخر»
.
انتهى.
وفَكُلُوا: إِباحة، وتقدَّم معنى الرَّغَد، وهي أرض مباركة عظيمة الغلّة، فلذلك قال: رَغَداً.
والْبابَ: قال مجاهد: هو باب في مدينة بَيْت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطّة «٣» ، وسُجَّداً: قال ابن عبَّاس: معناه: ركوعاً «٤» ، وقيل: متواضعين خضوعاً، والسجودُ يعم هذا كلَّه، وحِطَّة: فِعْلَةٌ من حَطَّ يَحُطُّ، ورفعه على خبر ابتداء «٥» كأنهم قالوا: سؤالُنَا حِطَّة لذنُوبِنَا، قال عكرمة و، غيره: أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: «لا إِله إِلاَّ اللَّهُ» لتحطَّ بها ذنوبُهُمْ «٦» ، وقال ابن عَبَّاس: قيل/ لهم: استغفروا، وقولوا ما يحطُّ ذنوبكم «٧» .
ت: قال أحمد بن نصرٍ «٨» الدَّاوُودِيُّ في «تفسيره» : «وروي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم سار
مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: قُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّهَا للْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ على بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا» انتهى.
وحكي عن ابن مَسْعود وغيره أنهم أمروا بالسُّجود، وأن يقولوا: حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يزْحفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْرَاءُ فِي شَعْرَةٍ، ويروى غير هذا من الألفاظ.
وقوله تعالى: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ عِدَةٌ: المعنى: إِذا غُفِرَتِ الخطايا بدخولكم وقولِكُمْ، زِيدَ بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أُمِرَ، وقال: لا إله إلا اللَّه، فقيل: هم المراد ب الْمُحْسِنِينَ هنا.
وقوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ...
الآية.
روي أنهم لما جاءوا الباب، دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث: أنهم دَخَلوا يَزْحَفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، وبدَّلوا، فقالوا: حَبَّة في شَعْرَة، وقيل: قالوا: حِنْطَة حبَّة حمراء في شَعْرة، وقيل: شعيرة، وحكى الطبريُّ أنهم قالوا: «هَطِّي شَمْقَاثَا أَزْبَه» وتفسيره ما تقدَّم وفي اختصار الطبريِّ، وعن مجاهد قال: أمر موسى قومَهُ أنْ يدخلوا الباب سُجَّداً، ويقولُوا: حِطَّة، وطؤطئ لهم البابُ ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حِنْطَة «١» .
وذكر عزَّ وجلَّ فعل سلفهم تنبيها أنّ تكذيبهم لمحمّد صلّى الله عليه وسلم جَارٍ على طريق سلَفهم في خلافهم على أنبيائهم، واستخفافهم بهم، واستهزائهم بأمر ربِّهم.
انتهى.
والرِّجْز العَذَابُ، قال ابن زيد وغيره: فبعث اللَّه على الذينَ بدَّلوا الطاعونَ، فأذهب منهم سبْعِينَ أَلْفاً، وقال ابن عبَّاس «٢» : أمات اللَّه منهم في ساعةٍ واحدةٍ نيِّفاً على عشرينَ ألفا.
واسْتَسْقى: معناه: طلب السُّقْيَا، وَعُرْفُ «استفعل» طلَبُ الشيءِ، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: ٦] ، وكان هذا الاستسقاءُ في فحْصِ التيه، فأمره اللَّه تعالى بضرب الحَجَر آيةً منه، وكان الحَجَرُ من جبل الطور على قدر رأس
الشاة، يلقى في كِسْر جُوَالِقَ «١» ، ويرحل به، فإذا نزلُوا وضع في وَسَط محلَّتهم، وضربه موسى، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحَجَر لكنَّهم كانوا يجدُونه في كلِّ مرحلة في منزلته من المرحَلَة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجراً مربَّعاً منْفَصِلاً تطَّرد من كلِّ جهة منه ثلاثُ عُيُونٍ، إِذا ضربه موسى، وإِذا استغنَوْا عن الماءِ، ورحَلُوا، جفَّت العيون، وفي الكلام حذفٌ تقديره: فضربه، فانفجرت، والانفجار: انصداع شيء عن شَيْء ومنه: الفَجْر، والانبجاس في الماء أقلُّ من الانفجار.
وأُناسٍ: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا: كلُّ سِبْطٍ لأن الأسباط في بني إِسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرِّية الاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعقُوبَ عليه السلام.
وقوله سبحانه: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ...
الآية.
ت: رُوِّينَا من طريق أنس، بن مالك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ ليرضى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» رواه مُسْلِمٌ، والترمذيُّ، والنسائِيُّ «٢» .
انتهى.
والمَشْرَبُ: موضع الشُّرْب، وكان لكلِّ سبطٍ عَيْنٌ من تلك العيون، لا يتعداها.
وَلا تَعْثَوْا: معناه: ولا تُفْرِطُوا في الْفَسَادِ.
ص «٣» : مُفْسِدِينَ: حالٌ مؤكِّدة لأن: «لاَ تَعْثَوْا» : معناه: / لا تفسدوا.
٢٢ ب انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ .
فِي القائِلِ لَهم قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى بَعْدَ مُضِيِّ أرْبَعِينَ سَنَةً.
والثّانِي: أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ بَعْدَ مَوْتِ مُوسى.
والقَرْيَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَمْعِ، ومِنهُ: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ.
والمِقْراةُ: الحَوْضُ يُجْمَعُ فِيهِ الماءُ.
وفي المُرادِ بِ: هَذِهِ القَرْيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أرِيحا.
قالَ السُّدِّيُّ: وأرِيحا: هي أرْضٌ بَيْنَ المَقْدِسِ.
والثّانِي: أنَّها قَرْيَةٌ مِن أدانِي قُرى الشّامِ، قالَهُ وهْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو أحَدُ أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو يُدْعى: بابَ حِطَّةٍ.
وقَوْلُهُ: (سُجَّدًا) أيْ: رُكَّعًا.
قالَ وهْبٌ: أمَرُوا بِالسُّجُودِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى إذْ رَدَّهم إلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (حِطَّةً) بِالنَّصْبِ.
وَفِي مَعْنى حِطَّةٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: اسْتَغْفِرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهي كَلِمَةٌ [أُمِرُوا أنْ يَقُولُوها ] في مَعْنى الِاسْتِغْفارِ، مِن حَطَطْتُ، أيْ: حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا.
والثّانِي: أنَّ مَعْناها: قُولُوا: هَذا الأمْرُ حَقٌّ كَما قِيلَ لَكم، ذَكَرَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناها: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: فَيَكُونُ المَعْنى: قُولُوا الَّذِي يَحُطُّ عَنْكم خَطاياكم.
[وَهُوَ قَوْلُ: "إلَهَ إلّا اللَّهُ" .
] .
وَلِماذا أُمِرُوا بِدُخُولِ القَرْيَةِ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِذُنُوبٍ رَكِبُوها فَقِيلَ: ( ادْخُلُوا القَرْيَةَ )، ( وادْخُلُوا الباب سُجَّدًا نَغْفِرُ لَكم خطايكم ) قالَهُ وهْبٌ.
والثّانِي: أنَّهم مَلُّوا المَنَّ والسَّلْوى، فَقِيلَ: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ فَكانَ أوَّلُ ما لَقِيَهم أرِيحا، فَأُمِرُوا بِدُخُولِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (نَغْفِرُ لَكُمْ) بِالنُّونِ مَعَ كَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (يَغْفِرُ) بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتَحِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ مَعَ فَتْحِ الفاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ أجابَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ رَغْبَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأحْياهم مِن ذَلِكَ الهُمُودِ أوِ المَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجالَهُمْ، وتابَ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ هُنا الإثارَةُ، كَما قالَ: ﴿ مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا ﴾ وقالَ قَوْمٌ: إنَّهم لَمّا أُحْيُوا وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَوْبَةِ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَجْعَلَهُمُ اللهُ أنْبِياءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ ، أيْ: أنْبِياءَ ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ، أيْ: عَلى هَذِهِ النِعْمَةِ.
والتَرَجِّي إنَّما هو في حَقِّ البَشَرِ.
ونَزَلَتِ الألْواحُ بِالتَوْراةِ عَلى مُوسى في تِلْكَ المُدَّةِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الألْواحَ نَزَلَتْ في ذَهابِهِ الأوَّلِ وحْدَهُ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَظْلِيلِ الغَمامِ، أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ مَن أمْرِهِمْ ما كانَ مِنَ القَتْلِ وبَقِيَ مِنهم مَن بَقِيَ حَصَلُوا في فَحْصِ التِيهِ بَيْنَ مِصْرَ والشامِ، فَأُمِرُوا بِقِتالِ الجَبّارِينَ فَعَصَوْا، وقالُوا: ﴿ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا ﴾ فَدَعا مُوسى عَلَيْهِمْ فَعُوقِبُوا بِالبَقاءِ في ذَلِكَ الفَحْصِ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في مِقْدارِ خَمْسَةِ فَراسِخَ أو سِتَّةٍ.
رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَمْشُونَ النَهارَ كُلَّهُ ويَنْزِلُونَ لِلْمَبِيتِ، فَيُصْبِحُونَ حَيْثُ كانُوا بَكْرَةَ أمْسِ، فَنَدِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى دُعائِهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ورُوِيَ أنَّهم ماتُوا بِأجْمَعِهِمْ في فَحْصِ التِيهِ، ونَشَأ بَنُوهم عَلى خَيْرِ طاعَةٍ، فَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَن فَحْصِ التِيهِ، وقاتَلُوا الجَبّارِينَ.
وإذْ كانَ جَمِيعُهم في التِيهِ قالُوا لِمُوسى: مَن لَنا بِالطَعامِ؟
قالَ: اللهُ.
فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَلْوى، قالُوا: مَن لَنا مِن حَرِّ الشَمْسِ؟
فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ.
قالُوا: بِمَ نَسْتَصْبِحُ بِاللَيْلِ؟
فَضَرَبَ لَهم عَمُودَ نُورٍ في وسَطِ مَحَلَّتِهِمْ.
وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَمُودَ نارٍ.
قالَ: مَن لَنا بِالماءِ؟، فَأُمِرَ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ، قالُوا: مَن لَنا بِاللِباسِ؟
فَأُعْطُوا ألّا يَبْلى لَهم ثَوْبٌ، ولا يَخْلَقَ ولا يَدْرَنَ، وأنْ تَنْمُوَ صِغارُها حَسَبَ نُمُوِّ الصِبْيانِ.
ومَعْنى "ظَلَّلْنا" جَعَلْناهُ ظُلَلًا.
و"الغَمامَ" السَحابَ، لِأنَّهُ يَغُمُّ وجْهَ السَماءِ أيْ يَسْتُرُهُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبْرَدُ مِنَ السَحابِ وأرْقى وأصْفى، وهو الَّذِي يَأْتِي اللهُ فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَأْتِي أمْرُهُ وسُلْطانُهُ وقَضاؤُهُ، وقِيلَ: "الغَمامَ" ما ابْيَضَّ مِنَ السَحابِ، و"المَنَّ" صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، وقِيلَ: هُوَ: عَسَلٌ.
وقِيلَ: شَرابٌ حُلْوٌ، وقِيلَ: الَّذِي يَنْزِلُ اليَوْمَ عَلى الشَجَرِ.
وقِيلَ: "المَنَّ" خُبْزُ الرُقاقِ مِثْلُ النَقِيِّ، وقِيلَ: هو الزَنْجَبِينُ، وقِيلَ: الزَنْجَبِيلُ، وفي بَعْضِ الأقْوالِ بَعْدُ.
وقِيلَ: "المَنَّ" مَصْدَرٌ يَعْنِي بِهِ جَمِيعُ ما مَنَّ اللهُ بِهِ مُجْمَلًا.
وقالَ النَبِيُّ في كِتابِ مُسْلِمٍ: « "الكَمْأةُ" مِمّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ» فَقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ الكَمْأةَ نَفْسَها مِمّا أُنْزِلَ نَوْعُها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: أرادَ أنَّهُ لا تَعَبَ في الكَمْأةِ ولا جُذاذَ ولا حَصادَ، فَهي مِنَّةٌ دُونَ تَكَلُّفٍ مِن جِنْسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في أنَّهُ كانَ دُونَ تَكَلُّفٍ.
ورُوِيَ أنَّ "المَنَّ" كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَمْسِ كالثَلْجِ فَيَأْخُذُ مِنهُ الرَجُلُ ما يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ، فَإنِ ادَّخَرَ فَسَدَ عَلَيْهِ إلّا في يَوْمِ الجُمْعَةَ فَإنَّهم كانُوا يَدَّخِرُونَ لِيَوْمِ السَبْتِ فَلا يَفْسُدُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ يَوْمَ السَبْتَ يَوْمُ عِبادَةٍ.
و"المَنَّ" هُنا اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.
و"السَلْوى" طَيْرٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وغَيْرُهُمْ، قِيلَ: هو السُمانى بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: طائِرٌ يَمِيلُ إلى الحُمْرَةِ مِثْلُ السُمانى، وقِيلَ: طائِرٌ مِثْلُ الحَمامِ تَحْشُرُهُ عَلَيْهِمُ الجَنُوبُ.
قالَ الأخْفَشُ: "السَلْوى" جَمْعُهُ وواحِدُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، قالَ الخَلِيلُ: جَمْعُ واحِدَتُهُ سَلْواةٌ قالَ الكِسائِيُّ: "السَلْوى" واحِدَةٌ جَمْعُها سَلاوى، و"السَلْوى" اسْمٌ مَقْصُورٌ لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْرابُ لِأنَّ آخِرَهُ ألِفٌ، والألِفُ حَرْفٌ هَوائِيٌّ أشْبَهَ الحَرَكَةَ فاسْتَحالَتْ حَرَكَتُهُ، ولَوْ حَرَّكَ لَرَجَعَ حَرْفًا آخَرَ، وقَدْ غَلَّظَ الهُذَلِيُّ فَقالَ: وقاسَمَها بِاللهِ عَهْدًا لَأنْتُمْ ألَذُّ مِنَ السَلْوى إذا ما نَشُورُها ظَنُّ السَلْوى العَسَلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا" الآيَةُ مَعْناهُ: وقُلْنا: كُلُوا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، و"الطَيِّباتُ" هُنا قَدْ جَمَعَتِ الحَلالَ واللَذِيذَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَلَمُونا ﴾ يُقَدَّرُ قَبْلَهُ فَعَصَوْا، ولَمْ يُقابِلُوا النِعَمَ بِالشُكْرِ، والمَعْنى: وما وضَعُوا فِعْلَهُمْ، في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَنا، ولَكِنْ وضَعُوهُ في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَهم حَيْثُ لا يَجِبُ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "ما ظَلَمُونا ما نَقَصُونا"، والمَعْنى يَرْجِعُ إلى ما لَخَّصْناهُ.
و"القَرْيَةُ"المَدِينَةُ، تُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّها تَقَرَّتْ، أيِ اجْتَمَعَتْ، ومِنهُ قُرِيَتِ الماءُ في الحَوْضِ: أيْ جَمَعَتْهُ، والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إلى أرِيحا، وهي قَرِيبٌ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ.
قالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: كانَتْ قاعِدَةً ومَسْكَنَ مُلُوكٍ.
ولَمّا خَرَجَ ذُرِّيَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التِيهِ أُمِرُوا بِدُخُولِ القَرْيَةِ المُشارِ إلَيْها وأمّا الشُيُوخُ فَماتُوا فِيهِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى ماتَ في التِيهِ، وكَذَلِكَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ، وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ أنَّ مُوسى وهارُونَ، لَمْ يَكُونا في التِيهِ لِأنَّهُ عَذابٌ، والأوَّلُ أكْثَرُ، و"كُلُوا" إباحَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الرَغَدِ، وهي أرْضٌ مُبارَكَةٌ عَظِيمَةُ الغَلَّةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: رَغَدًا.
و"البابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هو بابٌ في مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يُعْرَفُ إلى اليَوْمِ بِبابِ حِطَّةٌ، وقِيلَ: هو بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَ يُصَلِّي إلَيْها مُوسى ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ بابٌ في الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى كالفُرْضَةِ.
و"سُجَّدًا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَعْناهُ: رُكُوعًا وقِيلَ مُتَواضِعِينَ خُضُوعًا لا عَلى هَيْئَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
والسُجُودُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ لِأنَّهُ التَواضُعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ ورُوِيَ أنَّ البابَ خُفِضَ لَهم لِيَقْصُرَ ويَدْخُلُوا عَلَيْهِ مُتَواضِعِينَ.
و"حِطَّةٌ" فِعْلَةٌ مَن حَطَّ يَحُطُّ ورَفَعَهُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ كَأنَّهم قالُوا: سُؤالُنا حِطَّةٌ لِذُنُوبِنا، هَذا تَقْدِيرُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ دُخُولُنا البابَ كَما أُمِرْنا حِطَّةً، وقِيلَ: أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا مَرْفُوعَةً عَلى هَذا اللَفْظِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللهُ لِتَحُطَّ بِها ذُنُوبَهم.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ لَهُمُ: اسْتَغْفِرُوا، وقُولُوا: ما يَحُطُّ ذُنُوبَكم.
وقالَ آخَرُونَ: قِيلَ لَهم أنْ يَقُولُوا هَذا الأمْرَ حَقٌّ، كَما أعْلَمَنا، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَلاثَةُ تَقْتَضِي النَصْبَ، وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّهم أُمِرُوا بِالسُجُودِ وأنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ"، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْراءُ في شَعْرَةٍ، ويُرْوى غَيْرُ هَذا مِنَ الألْفاظِ.
وقَرَأ نافِعٌ: "يُغْفَرُ" بِالياءِ مِن تَحْتِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرُ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "وَيَغْفِرُ" بِفَتْحِ الياءِ عَلى مَعْنى يَغْفِرُ اللهُ، وقَرَأ الباقُونَ "نَغْفِرُ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ "تَغْفِرُ" كَأنَّ الحِطَّةَ تَكُونُ سَبَبَ الغُفْرانِ.
والقُرّاءُ السَبْعَةُ عَلى "خَطاياكُمْ"، غَيْرَ أنَّ الكِسائِيَّ كانَ يُمِيلُها، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تُغْفَرُ لَكم خَطِيئَتَكُمْ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقِ وبِرَفْعِ الخَطِيئَةِ وقَرَأ الأعْمَشُ "يَغْفِرَ" بِالياءِ مِن أسْفَلِ مَفْتُوحَةً "خَطِيئَتِكُمْ" نَصْبًا، وقَرَأ قَتادَةُ مِثْلُ الجَحْدَرِيِّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ بِالياءِ مِن أسْفَلِ مَضْمُومَةً "خَطِيئَتُكُمْ" رَفْعًا، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "يَغْفِرُ لَكم خَطِيئاتِكُمْ" أيْ يَغْفِرُ اللهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَغْفِرُ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَرْفُوعَةً "يَغْفِرُ لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالجَمْعِ ورَفْعِ التاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ أنَّهُ قُرِئَ "خَطَأياكُمْ" بِهَمْزِ الألِفِ الأُولى وسُكُونِ الآخِرَةِ، وحُكِيَ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ بِسُكُونِ الأُولى وهَمْزِ الآخِرَةِ.
قالالفَرّاءُ: خَطايا جَمْعُ خَطِيَّةٍ، بِلا هَمْزٍ كَهَدِيَّةٍ وهَدايا، ورَكِيَّةٍ ورَكايا.
وقالَ الخَلِيلُ: هو جَمْعُ خَطِيئَةٍ بِالهَمْزِ، وأصْلُهُ "خَطايِئْ" قَدَّمَتِ الهَمْزَةُ عَلى الياءِ فَجاءَ "خَطائِي"، أُبْدِلَتِ الياءُ ألْفًا بَدَلًا لازِمًا فانْفَتَحَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي قَبْلَها فَجاءَ "خَطاءا" هَمْزَةٌ بَيْنَ ألِفَيْنِ، وهي مِن قَبِيلِهِما فَكَأنَّها ثَلاثُ ألِفاتٍ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً فَجاءَ خَطايا.
قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُهُ "خَطايِئَ" هُمِزَتِ الياءُ كَما فَعَلَ في مَدائِنَ وكَتائِبَ فاجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ فَقُلِبَتِ الثانِيَةُ ياءً ثُمَّ أُعِلَّتْ عَلى ما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ عِدَّةُ المَعْنى إذا غُفِرَتِ الخَطايا بِدُخُولِكم وقَوْلِكُمْ: زِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَن أحْسَنَ، وكانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَن دَخَلَ كَما أمَرَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَقِيلَ: هُمُ المُرادُ بِ "المُحْسِنِينَ" هُنا.
<div class="verse-tafsir"
هذا تذكير بنعمة أخرى مكنوا منها فما أحسنوا قبولها ولا رعوها حق رعايتها فحرموا منها إلى حين وعوقب الذين كانوا السبب في عدم قبولها.
وفي التذكير بهذه النعمة امتنان عليهم ببذل النعمة لهم لأن النعمة نعمة وإن لم يقبلها المنعم عليه، وإثارة لحسرتهم على ما فات أسلافهم وما لقوه من جراء إعجابهم بآرائهم، وموعظة لهم أن لا يقعوا فيما وقع فيه الأولون فقد علموا أنهم كلما صدفوا عن قدر حق النعم نالتهم المصائب.
قال الشيخ ابن عطاء الله: من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها.
ولعلم المخاطبين بما عنته هذه الآية اختصر فيها الكلام اختصاراً ترك كثيراً من المفسرين فيها حيارى، فسلكوا طرائق في انتزاع تفصيل المعنى من مجملها فما أتوا على شيء مقنع، وكنت تجد أقوالهم هنا إذا التأم بعضها بنظم الآية لا يلتئم بعضه الآخر، وربما خالف جميعها ما وقع في أيام أخر.
والذي عندي من القول في تفسير هاته الآية أنها أشارت إلى قصة معلومة تضمنتها كتبهم وهي أن بني إسرائيل لما طوحت بهم الرحلة إلى برية فاران نزلوا بمدينة قادش فأصبحوا على حدود أرض كنعان التي هي الأرض المقدسة التي وعدها الله بني إسرائيل وذلك في أثناء السنة الثانية بعد خروجهم من مصر فأرسل موسى اثني عشر رجلاً ليتجسسوا أرض كنعان من كل سبط رجل وفيهم يوشع بن نون وكالب بن بفنة فصعدوا وأتوا إلى مدينة حبرون فوجدوا الأرض ذات خيرات وقطعوا من عنبها ورمانها وتينها ورجعوا لقومهم بعد أربعين يوماً وأخبروا موسى وهارون وجميع بني إسرائيل وأروهم ثمر الأرض وأخبروهم أنها حقاً تفيض لبناً وعسلاً غير أن أهلها ذوو عزة ومدنها حصينة جداً فأمر موسى كالباً فأنصت إسرائيل إلى موسى وقال إننا نصعد ونمتلكها وكذلك يوشع أما العشرة الآخرون فأشاعوا في بني إسرائيل مذمة الأرض وأنها تأكل سكانها وأن سكانها جبابرة فخافت بنو إسرائيل من سكان الأرض وجبنوا عن القتال فقام فيهم يوشع وكالب قائلين لا تخافوا من العدو فإنهم لقمة لنا والله معنا، فلم يصغ القوم لهم وأوحى الله لموسى أن بني إسرائيل أساءوا الظن بربهم وأنه مهلكهم فاستشفع لهم موسى فعفا الله عنهم ولكنه حرمهم من الدخول إلى الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون فلا يدخل لها أحد من الحاضرين يومئذ إلا يوشعاً وكالباً وأرسل الله على الجواسيس العشرة المثبطين وباء أهلكهم.
فهذه الآية تنطبق على هذه القصة تمام الانطباق لا سيما إذا ضمت لها آية سورة [المائدة: 21، 25] ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم إلى قوله الفاسقين ﴾ فقوله: ادخلوا هذه القرية } الظاهر أنه أراد بها «حبرون» التي كانت قريبة منهم والتي ذهب إليها جواسيسهم وأتوا بثمارها، وقيل: أراد من القرية الجهة كلها قاله القرطبي عن عمرو بن شبة فإن القرية تطلق على المزرعة لكن هذا يبعده قوله: ﴿ وادخلوا الباب ﴾ وإن كان الباب يطلق على المدخل بين الجبلين وكيفما كان ينتظم ذلك مع قوله: ﴿ فكلوا منها حيث شئم رغداً ﴾ يشير إلى الثمار الكثيرة هناك.
وقوله: ﴿ فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ﴾ يتعين أنه إشارة إلى ما أشاعه الجواسيس العشرة من مذمة الأرض وصعوبتها وأنهم لم يقولوا مثل ما قال موسى حيث استنصت الشعب بلسان كالب بن بَفُنَّة ويوشع ويدل لذلك قوله تعالى في سورة الأعراف (162) ﴿ فبدل الذين ظلموا منهم قولاً ﴾ أي من الذين قيل لهم ادخلوا القرية وأن الرجز الذي أصاب الذين ظلموا هو الوباء الذي أصاب العشرة الجواسيس، وينتظم ذلك أيضاً مع قوله في آية المائدة (21، 22) ﴿ ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ﴾ قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين إلخ وقوله: ﴿ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب ﴾ [المائدة: 23] فإن الباب يناسب القرية.
وقوله: ﴿ قال فإنها محرمة عليهم ﴾ [المائدة: 26].
فهذا هو التفسير الصحيح المنطبق على التاريخ الصريح.
فقوله: ﴿ وإذ قلنا ﴾ أي على لسان موسى فبلغه للقوم بواسطة استنصات كالب بن بَفُنَّة، وهذاهو الذي يوافق ما في سورة العقود في قوله تعالى: ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ﴾ الآيات.
وعلى هذا الوجه فقوله: ﴿ ادخلوا ﴾ إما أمر بدخول قرية قريبة منهم وهي «حبرون» لتكون مركزاً أولاً لهم، والأمر بالدخول أمر بما يتوقف الدخول عليه أعني القتال كما دلت عليه آية المائدة إذ قال: ﴿ ادخلوا الأرض المقدسة ﴾ إلى قوله ﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ فإن الارتداد على الأدبار من الألفاظ المتعارفة في الحروب كما قال تعالى: ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ [الأنفال: 15].
ولعل في الإشارة بكلمة ﴿ هذه ﴾ المفيدة للقرب ما يرجح أن القرية هي حبرون التي طلع إليها جواسيسهم.
والقرية بفتح القاف لا غير على الأصح البلدة المشتملة على المساكن المبنية من حجارة وهي مشتقة من القَرْي بفتح فسكون وبالياء وهو الجمع يقال: قَرى الشيء يَقريه إذا جمعه وهي تطلق على البلدة الصغيرة وعلى المدينة الكبيرة ذات الأسوار والأبواب كما أريد بها هنا بدليل قوله: ﴿ وادخلوا الباب سجداً ﴾ .
وجمع القرية قُرى بضم القاف على غير قياس لأن قياس فُعَل أن يكون جمعاً لِفعْلة بكسر الفاء مثل كسوة وكُسى وقياس جمع قرية أن يكون على قِراء بكسر القاف وبالمد كما قالوا: رَكوة وركاء وشكوة وشكاء.
وقوله: ﴿ وادخلوا الباب سجداً ﴾ مراد به باب القرية لأن أل متعينة للعوضية عن المضاف إليه الدال عليه اللفظ المتقدم.
ومعنى السجود عند الدخول الانحناء شكراً لله تعالى لا لأن بابها قصير كما قيل، إذ لا جدوى له.
والظاهر أن المقصود من السجود مطلق الانحناء لإظهار العجز والضعف كيلا يفطن لهم أهل القرية وهذا من أحوال الجوسسة، ولم تتعرض لها التوراة ويبعد أن يكون السجود المأمور به سجود الشكر لأنهم داخلون متجسسين لا فاتحين وقد جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون على استاهم كأنهم أرادوا إظهار الزمانة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أن يفتضح أمرهم لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره.
وقوله: ﴿ وقولوا حطة ﴾ الحطة فعلة من الحط وهو الخفض وأصل الصيغة أن تدل على الهيئة ولكنها هنا مراد بها مطلق المصدر، والظاهر أن هذا القول كان معروفاً في ذلك المكان للدلالة على العجز أو هو من أقوال السُّؤَّال والشحاذين كيلا يحسب لهم أهل القرية حساباً ولا يأخذوا حذراً منهم فيكون القول الذي أمروا به قولاً يخاطبون به أهل القرية.
وقيل: المراد من الحطة سؤال غفران الذنوب أي حط عنا ذنوبنا أي اسألوا الله غفران ذنوبكم إن دخلتم القرية.
وقيل: من الحط بمعنى حط الرحال أي إقامة أي ادخلوا قائلين إنكم ناوون الإقامة بها إذ الحرب ودخول ديار العدو يكون فتحاً ويكون صلحاً ويكون للغنيمة ثم الإياب.
وهذان التأويلان بعيدان ولأن القراءة بالرفع وهي المشهورة تنافي القول بأنها طلب المغفرة لأن المصدر المراد به الدعاء لا يرتفع على معنى الإخبار نحو سَقياً ورعياً وإنما يرتفع إذا قصد به المدح أو التعجب لقربهما من الخبر دون الدعاء ولا يستعمل الخبر في الدعاء إلا بصيغة الفعل نحو رحمه الله ويرحمه الله.
و (حطة) بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر نحو سمعٌ وطاعة وصبرٌ جميل.
والخطايا جمع خطيئة ولامها مهموزة فقياس جمعها خطائِيء بهمزتين بوزن فعائل فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء لأن قبلها كسرة أو لأن في الهمزتين ثِقلاً فخففوا الأخيرة منهما ياء ثم قلبوها ألفاً إما لاجتماع ثقل الياء مع ثقل صيغة الجمع وإما لأنه لما أشبه جائي استحق التخفيف ولكنهم لم يعاملوه معاملة جائي لأن همزة جائي زائدة وهمزة خطائيء أصلية ففروا بتخفيفه إلى قلب الياء ألفاً كما فعلوا في يتامى ووجدوا له في الأسماء الصحيحة نظيراً وهو طَهارَى جمع طَاهرة.
والخطيئة فعيلة بمعنى مفعولة لأنها مخطوء بها أي مسلوك بها مسلك الخطأ أشاروا إلى أنها فعل يحق أن لا يقع فيه فاعله إلا خطأ فهي الذنب والمعصية.
وقوله: ﴿ وسنزيد المحسنين ﴾ وعد بالزيادة من خيري الدنيا والآخرة ولذلك حذف مفعول (نزيد).
والواو عاطفة جملة ﴿ سنزيد ﴾ على جملة ﴿ قلنا ادخلوا ﴾ أي وقلنا سنزيد المحسنين؛ لأن جملة ﴿ سنزيد ﴾ حكيت في سورة الأعراف (161) مستأنفة فعلم أنها تعبر عن نظير لها في الكلام الذي خاطب الله به موسى على معنى الترقي في التفضل فلما حكيت هنا عطفت عطف القول على القول.
وقوله: فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم} أي بدل العشرة القول الذي أمر موسى بإعلانه في القوم وهو الترغيب في دخول القرية وتهوين العدو عليهم فقالوا لهم: لا تستطيعون قتالهم وثبطوهم ولذلك عوقبوا فأنزل عليهم رجز من السماء وهو الطاعون.
وإنما جعل من السماء لأنه لم يكن له سبب أرضي من عدوَى أو نحوها فعلم أنه رمتهم به الملائكة من السماء بأن ألقيت عناصره وجراثيمه عليهم فأصيبوا به دون غيرهم.
ولأجل هذا خص التبديل بفريق معروف عندهم فعبر عنه بطريق الموصولية لعلم المخاطبين به وبتلك الصلة فدل على أن التبديل ليس من فعل جميع القوم أو معظمهم لأن الآية تذكير لليهود بما هو معلوم لهم من حوادثهم.
وإنما جاء بالظاهر في موضع المضمر في قوله: ﴿ فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً ﴾ ولم يقل عليهم لئلا يتوهم أن الرجز عم جميع بني إسرائيل وبذلك تنطبق الآية على ما ذكرته التوراة تمام الانطباق.
وتبديل القول تبديل جميع ما قاله الله لهم وما حدثهم الناس عن حال القرية، وللإشارة إلى جميع هذا بني فعل ﴿ قيل ﴾ إلى المجهول إيجازاً.
فقولاً مفعول أو لبدَّل، و ﴿ غير الذي قيل ﴾ مفعول ثان لأن (بدل) يتعدى إلى مفعولين من باب كسى أي مما دل على عكس معنى كسى مثل سلَبه ثوبه.
قال أبو الشيص: بُدِّلْتُ من بُرْد الشباب ملاءة *** خَلَقاً وبئس مثوبة المقتاض وفائدة إظهار لفظ القول دون أن يقال فبدلوه لدفع توهم أنهم بدلوا لفظ حطة خاصة وامتثلوا ما عدا ذلك لأنه لو كان كذلك لكان الأمر هيناً.
يوقد ورد في الحديث عن أبي هريرة أن القول الذي بدَّلوا به أنهم قالوا: حبة في شَعَرة أو في شعيرة، والظاهر أن المراد به أن العشرة استهزؤا بالكلام الذي أعلنه موسى عليه السلام في الترغيب في فتح الأرض وكنوا عن ذلك بأن محاولتهم فتح الأرض كمحاولة ربط حبة بشَعَرة أي في التعذر، أو هو كأكل حبة مع شَعَرة تخنق آكلها، أو حَبَّة من بُرّ مع شعيرة.
وقوله: ﴿ فبدل الذين ظلموا ﴾ وقوله: ﴿ فأنزلنا على الذين ظلموا ﴾ اعتنى فيهما بالإظهار في موضع الإضمار ليعلم أن الرجز خص الذين بدَّلوا القول وهم العشرة الذين أشاعوا مذمة الأرض لأنهم كانوا السبب في شقاء أمة كاملة.
وفي هذا موعظة وذكرى لكل من ينصب نفسه لإرشاد قوم ليكون على بصيرة بما يأتي ويذر وعلم بعواقب الأمور فمن البر ما يكون عقوقاً، وفي المثل «على أهلها تجني براقش» وهي اسم كلبة قوم كانت تحرسهم بالليل فدل نبحها أعداءهم عليهم فاستأصلوهم فضربت مثلاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ : اخْتَلَفُوا فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.
والثّانِي: أنَّها قَرْيَةٌ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: أنَّها (أرِيحا) قُرْبَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ اخْتَلَفُوا في البابِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بابُ حِطَّةٍ وهو البابُ الثّامِنُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ بابُ القَرْيَةِ، الَّتِي أُمِرُوا بِدُخُولِها.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ سُجَّدًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي: رُكَّعًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ: خاضِعِينَ مُتَواضِعِينَ.
وَأصْلُ السُّجُودِ الِانْحِناءُ تَعْظِيمًا لِمَن يُسْجَدُ لَهُ، وخُضُوعًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: بَجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وَقالَ أعْشى قَيْسٍ: يُراوِحُ مِن صَلَواتٍ المَلِيـ ∗∗∗ كِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا حِوارا وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
والثّانِي: أنَّ (حِطَّةً) المَغْفِرَةُ، فَكَأنَّهُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْفارِ، وهو رِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: هو قَوْلُهُمْ: هَذا الأمْرُ حَقٌّ كَما قِيلَ لَكُمْ، وهو رِوايَةُ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ: حُطَّ عَنّا خَطايانا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وهو أشْبَهُ بِظاهِرِ اللَّفْظِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ ﴾ أيْ نَرْحَمْكُمْ، ونَسْتُرْها عَلَيْكُمْ، فَلا نَفْضَحُكم بِالعُقُوبَةِ عَلَيْها.
والخَطَأُ: العُدُولُ عَنِ القَصْدِ، يُقالُ: خَطِئَ الشَّيْءَ خَطَأً، إذا أصابَهُ ولَمْ يُرِدْهُ، وأخْطَأ يُخْطِئُ، إذا أرادَهُ ولَمْ يُصِبْهُ، فالأوَّلُ خاطِئٌ والثّانِي مُخْطِئٌ.
وَأصْلُ المَغْفِرَةِ: التَّغْطِيَةُ والسَّتْرُ; ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْبَيْضَةِ مِنَ الحَدِيدِ: مِغْفَرٌ، لِأنَّها تُغَطِّي الرَّأْسَ وتُجِنُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ولا أعْتِبُ ابْنَ العَمِّ إنْ كانَ مُخْطِئًا ∗∗∗ وأغْفِرُ عَنْهُ الجَهْلَ إنْ كانَ جاهِلا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَدَّلُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ، فَأُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وأنْ يَقُولُوا: حِطَّةٌ، فَقالُوا: حِنْطَةٌ في شَعِيرٍ، مُسْتَهْزِئِينَ بِذَلِكَ.
﴿ فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ ﴾ : وفي الرِّجْزِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ الغَضَبُ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الطّاعُونُ، بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأهْلَكَهُمْ، وبَقِيَ الأبْناءُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ادخلوا هذه القرية ﴾ قال: بيت المقدس.
وأخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وادخلوا الباب ﴾ قال: باب ضيق ﴿ سجدا ﴾ قال: ركعا ﴿ وقولوا حطة ﴾ قال: مغفرة قال: فدخلوا من قبل استاههم وقالوا: حنطة استهزاء قال: فذلك قوله عز وجل ﴿ فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ﴾ [ البقرة: 59] .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وادخلوا الباب سجدا ﴾ قال: هو أحد أبواب بيت المقدس وهو يدعى باب حطة.
وأخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: قيل لهم ﴿ ادخلوا الباب سجدا ﴾ فدخلوا مقنعي رؤوسهم ﴿ وقولوا حطة ﴾ فقالوا: حنطة حبة حمراء فيها شعيرة، فذلك قوله: ﴿ فبدل الذين ظلموا ﴾ [ البقرة: 59] .
وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ والحاكم عن ابن مسعود أنهم قالوا: هطى سمقاثا ازبة مزبا.
فهي بالعربية حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعيرة سوداء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقولوا حطة ﴾ أي احطط عنا خطايانا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وادخلوا الباب سجدا ﴾ قال: طأطئوا رؤوسكم ﴿ وقولوا حطة ﴾ قال: قولوا لا إله إلا الله.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقولوا حطة ﴾ قال: لا إله إلا الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الباب قبل القبلة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: باب حطة من أبواب بيت المقدس، أمر موسى قومه أن يدخلوا ويقولوا حطة، وطؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فلما سجدوا قالوا حنطة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وادخلوا الباب سجداً ﴾ قال: كنا نتحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس ﴿ وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ﴾ قال: من كان خاطئا غفرت له خطيئته، ومن كان محسناً زاده الله إحساناً ﴿ فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ﴾ [ البقرة: 59] قال: بين لهم أمرا علموه فخالفوه إلى غيره جرأة على الله وعتواً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وسنزيد المحسنين ﴾ قال: من كان قبلكم محسناً زيد في إحسانه ومن كان مخطئاً نغفر له خطيئته.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فبدلوا فدخلوا يزحفون على استاههم، وقالوا حبة في شعرة» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا يزحفون على استاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة» .
وأخرج أبو داود والضياء المقدسي في المختارة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال الله لبني إسرائيل ﴿ ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال: «سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من آخر الليل اجتزنا في برية يقال لها ذات الحنظل، فقال: ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل ﴿ ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال: إنما مثلنا في هذه الأمة كسفينة نوح وكتاب حطة في بني إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ﴾ الآية.
قال الليث: هي القَرْيَةُ، والقِرْيَة لغتان (١) (٢) وقال غيره (٣) (٤) ابن السكيت: ما كان من جمع فَعْلَة من الياء والواو على فِعَال كان ممدودًا مثل رَكوةَ ورِكَاء وشَكْوَة وشِكَاء، ولم يسمع في شيء من هذا القصر إلا كَوَّة وكُوًى وقَرْيَة وقُرى جاءتا على غير قياس (٥) وقال أصحاب الاشتقاق: اشتقاق القرية من قريت، أي جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والقَرِيّ: مسيل يجتمع الماء إليه (٦) (٧) كَأَنَّ قُرَى نَمْلٍ عَلَى سَرَوَاتِهَا ...
يُلَبِّدُهَا (٨) (٩) فالقرية تجمع أهلها، ومنه يقال للظهر: القرى، لأنه مجتمع (١٠) قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما خرجوا من التيه، قال الله (١١) (١٢) قال ابن عباس: هي أريحا (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ هي فِعْلَةٌ من الحَطّ، وضع الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال: حط الحمل عن الدابة، والسيل يحط الحجر عن الجبل (١٦) (١٧) كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ (١٨) (١٩) (٢٠) قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ أي مغفرة، فقالوا: حنطة (٢١) وقال مقاتل: إنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول الأرض التي فيها الجبارون، فأراد الله أن يغفرها لهم، فقيل لهم.
قولوا حطة.
قال أبو إسحاقا معناه: قولوا: مسألتنا حطة، أي: حط ذنوبنا عنا، والقراءة بالرفع على هذا التأويل.
قال: ولو قرئت حطة (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال الليث: بلغنا أن بني إسرائيل حيث قيل لهم: وقولوا حطة، إنما قيل لهم ذلك حتى يستحِطّوا بها أوزارهم فَتُحَطَّ عنهم (٢٥) وقال عكرمة: وقولوا حطة، أي: كلمة يحط (٢٦) (٢٧) قال الفراء: فإن يك كذلك فينبغي أن يكون حطة منصوبة (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ ﴾ هو رفع، لأن قبله ضمير أسمائهم، المعنى: هم ثلاثة، وقوله: ﴿ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ﴾ أي: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة (٣٢) وقال ابن الأنباري: إذا جاء بعد القول حرف مفرد يجوز أن يكون نعتا للقول نصبت كقولك: قلت حقا؛ لأنه يحسن أن يقال: قلت قولا حقا، وكذلك: قلت صوابًا وقلت خطأ، وإذا جاء حرف مفرد لا يجوز أن يكون نعتًا للقول رفعت، كقوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ ﴾ معناه: سيقولون هم ثلاثة، ولا وجه للنصب (٣٣) وقوله: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ (٣٤) (٣٥) (٣٦) ﴿ قَالُوا مَعْذِرَةً ﴾ (٣٧) (٣٨) (٣٩) ﴿ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ إن شاء الله.
والأصح والذي عليه الجمهور: أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وقد روي لنا عن الأزهري (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَادْخُلُوا الْبَابَ ﴾ (٤٥) (٤٦) ﴿ سُجَّدًا ﴾ : قال ابن عباس: ركعا (٤٧) (٤٨) قال مجاهد: هو باب حطة من بيت المقدس، طوطئ لهم الباب؛ ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا، ودخلوا متزحفين على استاههم (٤٩) قال الحسين بن الفضل: لو لم يسجدوا لذكر الله ذلك منهم وذمهم به كما ذمهم بتبديل الكلمة لما قالوا خلاف ما أمروا به (٥٠) وقوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ (٥١) (٥٢) الأصمعي: غفر الرجل متاعه يغفر غفرًا: إذا أوعاه.
ويقال: اصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ أي: أغطى له (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) وأجمع القراء على إظهار الراء عند اللام، إلا ما روى عن أبي عمرو من إدغامه الراء عند اللام (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) وقال أبو الفتح الموصلي: الراء لما فيها من التكرير لا يجوز إدغامها فيما يليها من الحروف؛ لأن إدغامها في غيرها يسلبها ما فيها من التكرير.
وأما قراءة أبي عمرو ﴿ نَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ (٦٢) (٦٣) والخطايا: جمع خطيئة (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ (٦٨) (٦٩) (٧٠) قلت: وإنما أبدلت هذه (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) وقوله تعالى: ﴿ سَنَزِيدُ اَلمُحسِنِينَ ﴾ أي: الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحسانا وثوابا (٧٦) (١) (لغتان) ساقط من (ب).
(٢) "تهذيب اللغة" (قرا) 3/ 3911، وانظر "جمهرة أمثال العرب" 2/ 411، "اللسان" 6/ 3617.
(٣) في (ب): (عكرمة).
(٤) انظر "تهذيب اللغة" (قرا) 3/ 3911، "اللسان" 6/ 3617.
(٥) قال الأزهري: أخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت ثم ذكره، "تهذيب اللغة" (قرا) 3/ 3911، وانظر "اللسان" (قرأ) 6/ 3617.
(٦) انظر "الزاهر" 2/ 107، "جمهرة أمثال العرب" 2/ 411، "تهذيب اللغة" (قرأ) 3/ 3911، "مقاييس اللغة" (قرى) 5/ 78، "المحكم" 6/ 307.
(٧) قال ابن سيده: قرية النمل: ما تجمعه من التراب، "المحكم" 6/ 307، وانظر "اللسان" (قرأ) 6/ 3617.
والبيت الذي ذكره يؤيد قول ابن سيده.
(٨) في (ج): (يلرها).
(٩) لم أعثر عليه، ولم أعرف قائله.
(١٠) في (ب): (مجتمع)، وفي (ج) (يجمع).
(١١) في (ج): (قالهم الله).
(١٢) انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 361، "تفسير الثعلبي" 1/ 75ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 306، "زاد المسير" 1/ 84، "تفسير ابن كثير" 1/ 104.
(١٣) ذكره الطبري عن ابن زيد 1/ 299، وأبو الليث عن الكلبي 1/ 360، قال ابن كثير بعد أن ذكره عن ابن عباس وابن زيد: (وهذا بعيد، لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس)، 1/ 177.
(١٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 76.
(١٥) ذكره الطبري في "تفسيره" عنهم 1/ 299 وابن أبي حاتم في "تفسيره"1/ 368، وذكره الثعلبي في "تفسيره" عن مجاهد 1/ 75 ب.
قال ابن عطية: هي بيت المقدس، في قول الجمهور 1/ 306، وانظر "زاد المسير" 1/ 84، "تفسير القرطبي" 1/ 349، "البحر المحيط" 1/ 220، "تفسير ابن كثير" 1/ 104.
(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 300، "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، "مقاييس اللغة" 2/ 13، "مفردات الراغب" ص 122، "اللسان" (حطط) 2/ 914.
(١٧) هو امرؤ القيس.
(١٨) (حطه) ساقط من (ب).
(١٩) صدره: مكرٍّ مفرٍّ مقبل مدبر معًا.
يصف الفرس يقول: إذا أردت الكر والفر على العدو فهو كذلك، والمقبل: هو المكر، والمدبر: هو المفر، ثم وصف سرعته وصلابته بالجلمود الساقط من علو، والبيت من الشواهد العربية والنحوية ورد في "الكتاب" 4/ 227، وشرح أبياته للسيرافي 2/ 339، "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، "المخصص" 13/ 202، == "اللسان" (حطط) 7/ 914.
(علا) 15/ 84، "شرح المفصل" 4/ 89، "شرح شذور الذهب" ص 107، "مغني اللبيب" 1/ 155، و"الهمع" 3/ 196، "الخزانة" 2/ 397، 3/ 158 ،242، 6/ 506، "ديوان امرئ القيس" ص 11.
(٢٠) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 300، "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، "اللسان" (حطط) 2/ 914.
قال أبو عبيدة: هي مصدر من حط عنا ذنوبنا.
"المجاز" 1/ 41، وعلى حاشية (أ) إضافة من الكتاب، صدرها بـ (ش ك)، أي شرح من الكاتب وأذكرها للفائدة (حطة: فِعْلة من الحط، كالجلسة والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة، أو أمرك حطة، والأصل: النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات كقوله: صبر جميل فكلانا مبتلى.
والأصل: صبرًا علي، أصبر صبرًا، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل، وقيل معناه: أمرنا حطة، أي: أن نحط في هذه القرية ونستقيم فيها، وهل يجوز أن ينصب (حطة في قراءة من نصبها بقولوا، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟
فالجواب.
لا يبعده والأجود أن ينصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر بقولوا وقُرئ (يُغفر لكم خطاياكم) على البناء للمفعول بالياء والتاء) وهو منقول بنصه من "الكشاف" 1/ 283.
(٢١) أخرجه الطبري 1/ 300، 303، 304، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 372، والحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي 2/ 262، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 178، "تفسير القرطبي" 1/ 350، "تفسير ابن كثير" 1/ 105، والرواية بنصها في "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853.
(٢٢) قراءة النصب شاذة، وهي قراءة ابن أبي عبلة.
انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 307، "الكشاف" 1/ 283، "البحر المحيط" 1/ 222.
(٢٣) (قولوا) ساقط من (ب).
(٢٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، وانظر "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853.
(٢٥) "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853.
(٢٦) في (ب): (تحط).
(٢٧) أخرج الطبري في "تفسيره" لسنده عن عكرمة: قال قولوا: (لا إله إلا الله) 1/ 301، 300، ونحوه في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 382، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى عبد بن حميد والطبري في "تفسيره" وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 285.
(٢٨) نص كلام الفراء: قال: (وبلغني أن ابن عباس قال: أمروا أن يقولوا: نستغفر الله، فإن يك كذلك فينبغي أن تكون (حطة) منصوبة ...) "المعاني" 1/ 38.
قال الطبري في "تفسيره": (وأما على تأويل قول عكرمة فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في (حطة) ...) ثم قال: (وفي إجماع القراءة على رفع (الحطة) بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: (وقولوا حطة) ...) 2/ 108.
(٢٩) (لأنك) ساقط من (ب).
(٣٠) في (أ)، (ج) (يقول) وما في (ب).
موافق لما في معاني القرآن 1/ 38، وهو الأنسب للسياق.
(٣١) في المعاني: (وإنما تكون الحكاية إذا صلح قبلها إضمار ما يرفع أو يخفض أو ينصب، فإذا ضممت ذلك كله فجعلته كلمة، كان منصوباً بالقول كقولك: مررت بزيد، ثم تجعل هذا كلمة، فتقول: قلت كلامًا حسنًا ...) 1/ 38.
(٣٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 39.
(٣٣) انظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 38، "تفسير الطبري" 1/ 301.
(٣٤) في (ب) (وقولوا).
(٣٥) ذكر الطبري في الوجه الذي رفعت من أجله (حطة) عدة أقوال: فقيل: رفعت على معنى: (قولوا) ليكن منك حطة لذنوبنا.
وقيل: هي كلمة مرفوعة أمروا بقولها كذلك، وهذان القولان لنحويي البصرة.
وقيل: رفعت بتقدير: هذه حطة.
وقيل: رفعت بضمير معناه الخبر، كأنه قال: قولوا ما هو حطة فتكون حطة خبر (ما) ونسب هذين القولين لنحويي الكوفة.
الطبري في "تفسيره" 1/ 300، وانظر "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 41، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 178، و"تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 50، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 48.
(٣٦) انظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 38، والأخفش 1/ 269، والزجاج 1/ 110.
(٣٧) قراءة حفص عن عاصم بالنصب وبقية السبعة بالرفع، انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 296، و"التيسير" ص 144.
(٣٨) في (ب): (عالم).
(٣٩) (قلت) ساقط من (ب).
(٤٠) في (ب): (الزهري).
(٤١) هو الحافظ العلامة، أبو علي الحسين بن محمد بن فهم بن محرز البغدادي، روى عن محمد بن سلام وغيره، قال الدارقطني: ليس بالقوي، وفاته سنة تسع وثمانين ومائتين.
انظر "تاريخ بغداد" 8/ 92، "سير أعلام النبلاء" 13/ 427، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 680.
(٤٢) هو محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم، أبو عبد الله الجمحي، البصري، مولى قدامة بن مظعون، كان من أهل اللغة والأدب، روى عنه الجم الغفير، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
انظر "طبقات اللغويين والنحويين" ص 180، "تاريخ بغداد" 5/ 327، "إنباه الرواة" 3/ 143.
(٤٣) (الواو) ساقطة من (ب).
(٤٤) "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، وذكره الأخفش عن يونس في "معاني القرآن" 1/ 270، ونحوه عند أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 41، وذكر هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 301، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 362.
(٤٥) في (ب): (سجدا).
(٤٦) أي: أبواب القرية.
انظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 ب.
(٤٧) أخرجه الطبري 1/ 300، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 370، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
"المستدرك" 2/ 262، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن جرير، والحاكم وابن أبي حاتم ووكيع والفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر.
"الدر" 1/ 138.
(٤٨) انظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 ب، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 307.
(٤٩) في (ب): (أستاتهم).
أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 300، 325، وانظر "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 375، "تفسير الثعلبي" 1/ 75 ب، "الدر المنثور" 1/ 138.
وقد ورد عن ابن عباس نحوه في روايات كثيرة، انظر "تفسير الطبري" 1/ 304.
كما ورد بهذا المعنى حديث مرفوع عن أبي هريرة، أخرجه البخاري، انظر: "الفتح" 8/ 164، و"تفسير الطبري" 1/ 138.
(٥٠) قول الحسين لم أجده فيما اطلعت عليه، والله أعلم.
والحديث الصحيح، والآثار ترد قوله، ففي البخاري عن أبي هريرة - - عن النبي - - قال: "قيل: لبني إسرائيل: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) فدخلوا يزحفون على استاههم، فبدلوا"، وقالوا: حطة حبة في شعرة.
"الفتح" 8/ 164، وكذا الآثار عن ابن عباس ومجاهد في هذا المعنى كلها ترد قول الحسين بن الفضل.
انظر "تفسير الطبري" 1/ 301.
(٥١) بالياء على قراءة نافع، انظر: "السبعة" ص 157.
(٥٢) "تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 302، "الزاهر" 1/ 192، "الصحاح" (غفر) 2/ 770، "مقاييس اللغة" (غفر) 4/ 385، "اللسان" (غفر) 6/ 3272.
(٥٣) كلام ابن شميل والأصمعي ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679، وانظر: "الزاهر" 1/ 109.
(٥٤) ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن أبي الوليد الكلابي "تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679.
(٥٥) (البزيون) كذا ورد في "تهذيب اللغة" 3/ 2679، وفي "اللسان" (الزنون) 1/ 277 - 278، وقال في "الصحاح" (البزيون) بالضم السندس (بزن) 5/ 2078، وأورد صاحب اللسان 1/ 278 كلام الجوهري ثم قال: وقال ابن بري: هو رقيق الديباج.
(٥٦) في (ب): (الرجال).
والكلام ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن الأموي.
"تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679، وانظر: "اللسان" (غفر) 6/ 3274.
(٥٧) نقل بعضهم عن أبي عمرو إدغام الراء بدون اختلاف، بعضهم نقل عنه باختلاف.
انظر "السبعة" ص 121، "التيسير" ص 44، "الكشف" 1/ 157، "النشر" 2/ 12.
(٥٨) في (ب): (رووا ذلك) والزيادة ليست في المعاني للزجاج 1/ 400.
(٥٩) وعلى نهجه سار الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ قال: (فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟
قلت: يظهر الراء؛ ويدغم الباء، ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأً فاحشًا، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرتين؛ لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو) "الكشاف" 1/ 407، وانطر: "البيان" 1/ 83، ومذهب سيبويه وأصحابه: أنه لا يجوز إدغام الراء في اللام كما في "الكتاب" 4/ 448، "الكشف" 1/ 157.
لكن هذا لا يلزم منه رد قراءة سبعية، وهي مسألة خلافية، فقد ذكر أبو حيان في "البحر" أن الكسائي والفراء أجازا ذلك وحكياه سماعًا، وقد تصدى أبو حيان للرد على الزمخشري وأجاد في ذلك، انظر: "البحر المحيط" 2/ 361، 362، وانظر تعليق عضيمة على "المقتضب"1/ 347.
(٦٠) قوله: (ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به) ليس في "المعاني" 1/ 400.
(٦١) انظر كلام الزجاج في "المعاني" 1/ 400.
عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ .
(٦٢) البقرة: 58، الأعراف: 161، وفي "سر صناعة الإعراب": ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ بدون واو، جزء من آية في الأحقاف: 31، الصف: 12، ونوح: 4.
(٦٣) "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 1/ 193، والرواية إذا ثبتت فهي أقوى من القياس، وانظر التعليق السابق على كلام الزجاج.
(٦٤) ذهب بعض الكوفيين إلى أنه: جمع (خطية) دون همز، واختاره الطبري 1/ 302، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 308، "تفسير القرطبي" 1/ 353، 354.
(٦٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(٦٦) في (ب): (وهو).
(٦٧) نص الكلام في "التهذيب" (خطئت) لما صنعه عمدا وهو الذنب، (أخطأت) لما صنعه خطأ غير عمد.
"تهذيب اللغة" (خطئ) 1/ 1061، وانظر "اللسان" (خطأ) 1/ 1061.
(٦٨) البقرة: 81، وهناك بيَّن الواحدي الفرق بين (أخطأ) و (خطئ).
(٦٩) كذا وردت في (أ)، (ج) وفي (ب): (كل خطاييا) وهو خطأ، وفي "معاني القرآن" للزجاج رسمت (خطائِى) وكلامه يدل على أن المراد خطائئ، فلم يذكر أصل الكلمة خَطَايئ كما في "تهذيب اللغة"، انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 111، "تهذيب اللغة" (خطئ) 1/ 1060 - 1061.
(٧٠) في (أ)، (ج): (خطايو) وفي (ب): (خطاي) وما أثبت هو المثبت في "تهذيب اللغة" 1/ 1060 - 1061، وقريب مما في (ب)، وفي "اللسان" (خطائي).
"اللسان" (خطأ) 2/ 1193.
(٧١) في (ج): (همزة).
(٧٢) الأعراف: 10، والحجر: 20.
(٧٣) الجمهور على القراءة بالياء، وقرأ الأعرج وزيد بن علي والأعمش وخارجة عن نافع، وابن عامر في رواية بالهمز، والقياس القراءة بدون همز، لأن الياء التي في المفرد إذا كانت أصلا فلا تهمز مثل معايش وإذا كانت زائدة همزت مثل: صحيفة وصحائف، قال أبو حيان: لكن رواه ثقات فوجب قبوله.
انظر "البحر المحيط" 4/ 271، وانظر هذه المسألة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 373، والزجاج 2/ 353، "تفسير ابن عطية" 1/ 309.
(٧٤) في "تهذيب اللغة" (خطاءى) مثل (خطئ) 1/ 1061، والمثبت هنا مثل ما في "معاني القرآن" 1/ 111، وكذا في "اللسان" 1/ 1193.
(٧٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 111، والنص من "لتهذيب" (خطئ) 1/ 1061، "اللسان" (خطأ) 2/ 1193، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 179، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 309، و"البيان" 1/ 84 والقرطبي في "تفسيره" 1/ 353.
(٧٦) وقيل: المراد العموم من أهل الخطيئة وغيرهم فمن كان محسنا زيد في إحسانه ومن كان مخطئا غفر له خطيئته.
انظر "تفسير الطبري" 1/ 302، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 309، "البحر المحيط" 1/ 224.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ﴾ تعدى باللام لأنه تضمن معنى الانقياد ﴿ جَهْرَةً ﴾ عياناً ﴿ الصاعقة ﴾ الموت، وكانوا سبعين وهم الذين اختارهم موسى وحملهم إلى الطور، فسمعوا كلام الله، ثم طلبوا الرؤية فعوقبوا لسوء أدبهم، وجراءتهم على الله ﴿ وَظَلَّلْنَا ﴾ أي جعلنا الغمام فوقهم كالظلة يقيهم حرّ الشمس، وكان ذلك في التيه، وكذا أنزل عليه فيه المنّ والسلوى، تقدّم في اللغات ﴿ كُلُواْ ﴾ معمول لقول محذوف ﴿ هذه القرية ﴾ بيت المقدس، وقيل أريحاء، وقيل قريب من بيت المقدس ﴿ فَكُلُواْ ﴾ جاء هنا بالفاء التي للترتيب، لأن الأكل بعد الدخول، وجاء في الأعراف بالواو بعد قوله: اسكنوا، لأنّ الدخول لا يتأتى معه السجود، وقيل متواضعين ﴿ حِطَّةٌ ﴾ تقدّم في اللغات ﴿ وَسَنَزِيدُ ﴾ أي نزيدهم أجراً إلى المغفرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغفر لكم ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وجبلة.
﴿ تغفر لكم ﴾ بضم التاء الفوقانية وفتح الفاء: ابن عامر وأبو زيد عن المفضل.
الباقون ﴿ نغفر ﴾ بالنون وكسر الفاء ﴿ يغفر لكم ﴾ مدغماً كل القرآن: أبو عمرو.
﴿ خطاياكم ﴾ وبابه بالإمالة: علي ﴿ قولاً غير ﴾ بالإخفاء: يزيد وأبو نشيط عن قالون، وكذلك يخفيان النون والتنوين عند الخاء والغين سواء وسط الكلمة أو أولها.
الوقوف: ﴿ خطاياكم ﴾ (ط) ﴿ المحسنين ﴾ (ه) ﴿ يفسقون ﴾ (ه).
التفسير: القرية مجتمع الناس من قرأت الماء في الحوض أي جمعت.
وبهذا الاعتبار كثيراً ما تطلق القرية على البلدة، والجمع القرى على غير قياس.
وإنما قياسه من المعتل اللام "فعال" نحو: ركوة وركاء، وظبية وظباء، والنسبة إليها قروي.
وهو على القياس عند يونس حيث قال: ظبوي في النسبة إلى ظبية، وعلى خلاف القياس عند الخليل وسيبويه حيث يقولان: ظبي على مثال الصحيح.
والقرية بيت المقدس، وقيل: أريحاء من قرى الشام.
أمروا بدخولها بعد التيه.
والباب باب القرية، وقيل: باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب تواضعاً وشكراً لله .
وقيل: السجود أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين ليكون دخولهم بإخبات وخشوع.
وقيل: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوا ودخلوا متزحفين على أوراكهم من الزحف وهو المشي على الأوراك.
و ﴿ حطة ﴾ فعلة من الحط كالجلسة خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة، أو أمرك وأصله النصب معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا حطة، فرفعت لإفادة الثبوت كقوله: شكــا إلــيّ جملــي طــول الســرى *** يــا جملــي ليــس إلــيّ المشتكــى صبــر جميــــل فكـــــلانـــا مبتلــــى *** الأصل صبراً أي أصبر صبراً.
كان القوم أمروا أن يدخلوا الباب على وجه الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان، وذلك أن التوبة صفة القلب فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لا لأن التوبة لا تتم إلا به إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام، بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ولإزالة التهمة عن نفسه، وكذا من عرف بمذهب خطأ ثم تبين له الحق، فإنه يلزمه أن يعرّف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه لتزول التهمة عنه في الثبات على الباطل، وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته ويحسنوا الظن به.
وعن أبي مسلم الأصفهاني: أن معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها.
وأصل الغفر الستر والتغطية.
ومعنى القراءات في ﴿ نغفر لكم ﴾ واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها الله فقد غفرت، وإذا غفرت فإنما يغفرها الله.
والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث.
والخطء الذنب قال ﴿ إن قتلهم كان خطأ كبيراً ﴾ تقول منه خطئ يخطأ خطأً وخطأة على فعلة.
والاسم الخطيئة على "فعيلة" وجمعها خطايا وأصله خطايء بياء ثم همز، أبدلت الهمزة ألفاً فانفتحت الياء لأجلها.
﴿ وسنزيد المحسنين ﴾ المفعول الثاني محذوف للعلم به ولمكان الفاصلة أي سنزيدهم إحساناً أو ثواباً أو سعة، وذلك أن المراد من المحسنين إما من هو محسن بالطاعة في هذا التكليف، وإما من هو محسن بطاعات أخرى في سائر التكاليف.
وعلى الأول فالزيادة الموجودة إما منفعة دنيوية، فالمعنى أن المحسن بهذه الطاعة نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية، وإما منفعة دينية أي المحسن بهذا نزيده على غفران الذنوب ثواباً جزيلاً.
وعلى الثاني فالمعنى أنّا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم ﴿ حطة ﴾ مؤثراً في غفران الذنوب، ثم إن أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى زدناكم ثواباً.
ويحتمل أن يكون المراد أنهم صنفان: فمن مخطئ تصير الكلمة سبباً لغفرانه، ومن محسن تصير سبباً لزيادة ثوابه قوله ﴿ فبدل الذين ظلموا ﴾ قال أبو البقاء: التقدير فبدلوا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم.
يتعدى إلى مفعولين: واحد بنفسه والآخر بالباء.
والذي مع الباء يكون هو المتروك، والذي بغير باء هو الموجود.
ويجوز أن يكون "بدل" بمعنى "قال"، لأن تبديل القول يكون بقول.
والمعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله.
وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ معين وهو لفظ حطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به لم يأخذوا به، كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو اللهم اعف عنا ونحو ذلك.
وقيل: قالوا مكان حطة حنطة.
وقيل: قالوا بالنبطية والنبط قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين حطاً سمقاثاً أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة" وفي تكرير ﴿ الذين ظلموا ﴾ ووضع المظهر موضع المضمر، زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم، وهو أن وضعوا غير ما أمروا به مكان ما أمروا به.
والرجز العذاب.
عن ابن عباس: مات بالفجأة منهم أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة.
وقال ابن زيد: بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي عشرون ألفاً.
وقيل: سبعون ألفاً.
ومعنى ﴿ من السماء ﴾ يحتمل أن يكون شيئاً نازلاً من جهة العلو كريح ونحوه، ويحتمل أن يراد من قبل الأمر النازل من عند الله تفظيعاً لشأن العذاب.
والفسق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته بارتكاب الكبيرة، فالمراد ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ إما الظلم المذكور وفائدة التكرار التأكيد، وإما أن يراد أنهم استحقوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل.
ونزول الرجز عليهم من السماء بالفسق الذي كانوا يفعلون قبل ذلك التبديل مستمراً إلى أوان هذا الظلم، وهذا أظهر لزوال التكرير، ولأن لفظة "كانوا" تنبئ عن خصلة مستمرة، والخصلة الواحدة المعينة لا يتصور فيها الاستمرار.
فلو كان المراد ذلك لقيل بما فسقوا.
وربما احتج أصحاب الشافعي بقوله ﴿ فبدل الذين ظلموا ﴾ أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التحميد والتعظيم والتسبيح، ولا تجوز القراءة بالفارسية، وكذا لا يجوز تبديل ما ورد به التوقيف من الأذكار بغيرها.
وأجيب بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول، فلا جرم استوجبوا الذم.
فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك.
ورد بأن ظاهر الآية يتناول كل من بدل قولاً بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أم لم يتفقا.
(أسئلة) لم قال في "البقرة" ﴿ وإذ قلنا ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ وإذ قيل ﴾ لأنه صرح بالقائل في أول القرآن إزالة للإبهام، ولأن الكلام مرتب على قوله ﴿ اذكروا نعمتي ﴾ وفي "الأعراف" لم يبق الإبهام.
ولم قال ههنا ﴿ ادخلوا ﴾ وهناك ﴿ اسكنوا ﴾ ؟
لأن الدخول مقدم على السكون، "والبقرة" مقدمة في الذكر على "الأعراف".
ولم قال في "البقرة" ﴿ فكلوا ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ وكلوا ﴾ بالواو؟
لما بينا في قوله ﴿ وكلا منها رغداً ﴾ .
ولم قال في "البقرة" ﴿ خطاياكم ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ خطيئاتكم ﴾ ؟
لأن الخطايا جمع الكثرة، والخطيئات جمع السلامة للقلة، وقد أضاف القول ههنا إلى نفسه فكان اللائق بكرمه غفران الذنوب الكثيرة، وهناك لم يذكر الفاعل فلم يكن ذكر اللفظ الدال على الكثرة واجباً.
ولمثل هذا الجواب ذكر ههنا ﴿ رغداً ﴾ ليدل على الإنعام الأتم، ولم يذكر في "الأعراف"، ولم قال ههنا ﴿ وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة ﴾ وفي "الأعراف" بالعكس؟
لأن الواو للجمع المطلق، ولأن المخاطبين صنفان: محسن ومذنب.
واللائق بالمحسن تقدم العبادة والخضوع، ثم ذكر التوبة على سبيل هضم النفس وإزالة العجب.
واللائق بالمسيء عكس ذلك، ولأنه ذكر في هذه السورة ﴿ ادخلوا هذه القرية ﴾ فقدم كيفية الدخول.
ولم قال في "البقرة" ﴿ وسنزيد ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ سنزيد ﴾ ؟
لأنه في "الأعراف" ذكر امرين: قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة، ودخول الباب وهو إشارة إلى العبادة.
ثم ذكر جزاءين أحدهما الغفران والآخر الزيادة، فترك الواو ليفيا توزيع الجزاءين على الشرطين.
وفي "البقرة" وقع مجموع المغفرة والزيادة جزاء لمجموع الفعلين، أعني دخول الباب وقول الحطة، فاحتيج إلى الواو وأيضاً الاتصال اللفظي حاصل في هذه السورة بين قوله ﴿ وإذ قلنا ﴾ وبين قوله ﴿ وسنزيد ﴾ بخلاف "الأعراف" لأن اللائق به في الظاهر سيزاد، فحذف الواو ليكون استئنافاً للكلام.
وما الفائدة في زيادة كلمة ﴿ منهم ﴾ في الأعراف؟
لأن أول القصة مبني على التخصيص ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عدد صنوف إنعامه وأوامره عليهم، فلما انتهت القصة قال ﴿ فبدل الذين ظلموا منهم ﴾ فهناك ذكر أمة عادلة وأمة جائرة فصار آخر الكلام مطابقاً لأوله، وأما في البقرة فلم يذكر في أول الآيات تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة مثل ذلك.
لم قال في "البقرة" ﴿ فأنزلنا ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ فأرسلنا ﴾ لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصالهم بالكلية، وذلك إنما يحدث بالآخرة.
وقيل: لأن لفظ الإرسال في "الأعراف" أكثر فَرُوعي التناسب.
لم قال في "البقرة" ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ يظلمون ﴾ لأنه لما بين في البقرة كون الظلم فسقاً اكتفى بذلك البيان في "الأعراف".
وأيضاً إنهم ظلموا أنفسهم وخرجوا عن طاعة الله ، فوصفهم بالأمرين في موضعين والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ ﴾ .
وقيل: ظلمتم أَنفسكم باتخاذكم العجل إلهاً.
وقوله عز وجل: ﴿ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ ﴾ .
قيل: ارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة ربكم.
وقيل: ارجعوا عن اتخاذ العجل إلهاً إلى اتخاذ خالقكم إلهاً.
وقوله عز وجل: ﴿ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .
قال الفقيه أَبو منصور - رحمه الله -: لولا اجتماع أَهل التأْويل والتفسير على صرف ما أَمر الله - جل وعز - إياهم بقتل أَنفسهم على حقيقته، وإلا لم نكن نصرف الأَمر بقتل أَنفسهم على حقيقة القتل؛ وذلك لأَن الأَمر بالقتل كان بعد التوبة، ورجوعهم إلى عبادة الله، والطاعة له، والخضوع.
دليله قوله عز وجل: - ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
ظهر بهذا: أَنهم تابوا قبل أَن يؤمروا بالقتل.
وقد شرع على أَلسن الرسل: قتال الكفرة حتى يسلموا؛ فلا يجوز ذلك إِنْ أَسلموا، فيحصل الإرسال للقتل خاصة، لا للدين، والله أعلم.
ولأَن القتل هو عقوبة الكفر، لا عقوبة الإسلام، وخاصة قتل استئصال، على ما روي في الخبر: أَنْ قتل سبعون أَلفاً في يوم واحد.
وذلك استئصال وإهلاك، ولم يهلك الله قوماً إلا في حال الكفر والعناد؛ إذ الإسلام سبب درء القتل وإسقاطه؛ لأَن من يقتل لكفره إذا أَسلم سقط القتل عنه وزال، وكذلك إذا أَسلم وتاب ومات عليه، لم يعاقب في الآخرة لكفره في الدنيا.
فعلى ذلك: يجب ألا يعاقب هؤلاءِ في الدنيا - بالقتل - بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله وطاعته.
ويصرف الأَمر بالقتل، إلى إجهاد أَنفسهم بالعبادة لله، والطاعة له، واحتمال الشدائد والمشقة؛ لتفريطهم في عصيان ربهم، باتخاذهم العجل إلهاً، وبعبادتهم إياه دون الله.
وذلك جار في الناس، يقال: فلان يقتل نفسه في كذا، لا يعنون حقيقة القتل، ولكن: إجهاده نفسه في ذلك، وإتعابه إياها، واحتمال الشدائد والمشقة فيه.
فعلى ذلك، يصرف الأَمر بقتل أَنفسهم إلى ما ذكر، بالمعنى الذي وصفنا، والله أعلم.
ثم صرْف ذلك إلى حقيقة القتل احتمل وجهين: أَحدهما: أَن يجعل ذلك ابتداءَ محنة من الله - - لهم بالقتل، لا عقوبة لما سبق من العصيان.
ولله أَن يمتحنهم - ابتداء - بقتل أَنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ ﴾ الآية: [النساء: 66] على تأْويل كثير من المتأَولين في ذلك؛ إذْ لَه أَنْ يميتهم بجميع أَنواع الإِماتة.
فعلى ذلك: له أَن يأْمر بقتل أَنفسهم، وفيه إماتة، مع ما فيه الاستسلام لعظيم ما دعوا إليه، من بذل النفس لله، مما في مثله جعل وفاءِ إبراهيم الأَمر بالذبح، وبذل ولده النفس له.
فيكون في ذلك القدر وفاء وتوبة لا حقيقة القتل، والله أعلم.
والثاني: يجوز ذلك؛ لأَن عقوبات الدنيا وثوابها محنة، لجواز الامتحان بعد التوبة والرجوع إلى طاعة الله؛ لأَنها دار محنة.
وأَما عقوبات الآخرة وثوابها فليستا بمحنة؛ لأَنها ليست بدار امتحان؛ لذلك: جاز التعذيب في الدنيا بعد التوبة، ولم يجز في الآخرة إذا مات على التوبة، والله أعلم.
ثم قيل في قوله: ﴿ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ، بوجوه: قيل: أُمروا ببذل الأَنفس للقتل، والتسليم له؛ فصاروا كأَن قد قتلوا أَنفسهم.
ويجوز أَن يكون الأَمر بقتل أَنفسهم أَمراً بمجاهدة الأَعداء، وإن كان فيها تلفهم على ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ ...
﴾ الآية [التوبة: 111] مذكور ذلك في التوراة.
وكذا قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ نهى عن القتل الذي فيه قتل أنفسهم.
وقد قيل في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ بمعنى: أي لا تقتلوا مَن تَقتلون، فكأَنما قد قتلتم أنفسكم، وعلى هذا التأْويل خَرَّج أَبو بكر قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
والله الموفق.
وقيل: أمر بعضاً بقتل بعض، كقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً ﴾ أَي: يسلم بعضهم على بعض.
وقيل: أَمر كلَّ من عبد العجل بقتل نفسه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ﴾ .
قيل: إن التوبة خير لكم عند خالقكم.
وقيل: قتلكم أنفسكم خير لكم من لزوم عبادة العجل.
ويحتمل: عبادة الرب - عز وجل - خير لكم من عبادة العجل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
وقد ذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم.
وفي بذل أَنفسهم للقتل، والصبر عليه، وكف أيديهم عن الدفع، والممارسة - فيه وجهان: أَحدهما: أَنه كأَنهم طبعوا على أَخلاق البهائم والدواب.
وذلك أَن موسى استنقذهم من خدمة فرعون وآله، ونجاهم من الشدائد التي كانت عليهم، ولحوق الوعيد بهم، وأَراهم من الآيات العجيبة: من آية العصا، واليد البيضاءِ، وفَرق البحر، وإهلاك العدو فيه، وتفجير الأَنهار من حجر واحد، وغير ذلك من الآيات ما يكثر ذكرها، أَن لو كانت واحدة منها لكفتهم، ودلتهم على صدقه ونُبُوته.
ثم - مع ما أَراهم من الآيات - إذا فارقهم، دعاهم السامري إلى عبادة العجل، واتخاذه إلهاً، كقوله: ﴿ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ﴾ فأجابوه إلى ذلك، وأَطاعوه.
وكان هارون - صلوات الله على نبينا وعليه - فيهم، يقول: ﴿ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي ﴾ ، فلم يجيبوه ولا صدقوه، ولا اكترثوا إليه، مع ما كان هارون من أَحب الناس إليهم.
فلولا أَنهم كانوا مطبوعين على أَخلاق البهائم والدواب، وإلا ما تركوا إجابته، ولا عبدوا العجل، مع ما أُروا من الآيات التي ذكرنا.
فإذا كان إلى هذا يرجع أَخلاقهم لم يبالوا ببذل أَنفسهم للقتل، والله أَعلم، ونحو ذلك قوله: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ .
وعلى ذلك جعلت آيات موسى كلها حسية لا عقلية؛ إذ عقولهم كادت تقصر عن فهم المحسوس ودركه، فضلاً عن المستدل عليه، والله أعلم.
والثاني: يحتمل أَن أُروا ثواب صبرهم على القتل في الآخرة، وجزيل جزائهم، وكريم مآبهم؛ فهان ذلك عليهم وخف.
كما روي أن امرأَة فرعون لما علم فرعون - لعنه الله - بعبادتها ربها، وطاعتها له، أَمر أَن تُعاقب بأَشد العقوبات، فَفُعِل بها فضحكت في تلك الحال، لما أُريت مقامها في الجنة، وكريم مآبها؛ فهان ذلك عليها وسهل.
فعلى ذلك يحتمل بذل هؤلاء أَنفسهم للقتل، والصبر عليه لذلك، والله أَعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
قال بعضهم: قال الذين اختارهم موسى - وكانوا سبعين رجلاً - لن نُصدقك بالرسالة والتوراة حتى نرى الله جهرة، يخبرنا أَنَّه أَنزلها عليك.
ويحتمل: لن نؤمن لك أَنه إله، ولا نعبده حتى نراه جهرة عياناً.
فاحتج بعض من ينفي الرؤية في الآخرة بهذه الآية؛ حيث أَخذتهم الصاعقة لما سأَلوا الرؤية.
قالوا: فلو كان يجوز أَن يُرى لكان لا تأْخذهم الصاعقة، ولا استوجبوا بذلك العذاب والعقوبة.
وأَما عندنا، فإنه ليس في الآية دليل نفي الرؤية، بل فيها إثباتها.
وذلك أَن موسى - - لما سئل الرؤية لم ينههم عن ذلك، ولا قال لهم: لا تسأَلوا هذا.
وكذلك سأَل هو ربه الرؤية، فلم ينهه عنها، بل قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ وإذا صرف الوعد لا يجوز ذلك، لو كان لا يحتمل؛ لأَنه كفرٌ، ومحال ترك النهي عنه.
وكذلك ما روي في الأَخبار: من سؤال الرؤية لرسول الله حيث قالوا: أَنرى ربنا؟
لم يأْت عنه النهي عن ذلك، ولا الرد عليهم؛ فلو كان لا يكون لنُهوا عن ذلك ومنعوا.
وإنما أَخذ هؤلاء الصاعقةُ بسؤالهم الرؤية؛ لأَنهم لم يسألوا سؤال استرشاد، وإنما سأَلوا سؤال تعنت.
دليل التعنت، فما جاءَ من الآيات، من وجه الكفاية لمن يُنْصف؛ لذلك أَخذتهم الصاعقة، والله أعلم.
أَو أَن يقال: أَخذتهم الصاعقة بقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ﴾ ، لا بقولهم: ﴿ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
وسنذكر هذه المسألة فى موضعها، إن شاءَ الله .
وقوله: ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ ﴾ .
قيل: الصاعقة كل عذاب فيه هلاك.
لكن الهلاك على ضربين: هلاك الأَبدان والأَنفس.
وهلاك العقل والذهن، كقوله: ﴿ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً ﴾ قيل: مغشيّاً.
وفيه هلاك الذهن والعقل؛ وكذلك قوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أَي غشى.
والله أعلم.
وقيل: الصعقة: صياح شديد.
وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: تعلمون أَن الصاعقة قد أَخذتهم وأَهلكتهم بقولهم الذي قالوا؛ فكونوا أَنتم على حذر من ذلك القول.
وقيل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ - الخطابُ لأُولئك الذين أَخذتهم الصاعقة - أَي: تنظرون إلى الصاعقة وقت أَخذتها لكم، أَي: لم تأْخذكم فجأَة، ولا بغتة، ولكن عياناً جهاراً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ .
يذكرهم - عز وجل - عظيم مِنَّته عليهم، وجزيل عطائه لهم؛ ببعثهم بعد الموت، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى من السماءِ لهم، وذلك مما خصوا به دون غيرهم.
ثم ما كان لنا من الموعود في الجنة، فكان ذلك لهم في الدنيا معاينة، من نحو البعث بعد الموت ومن الظل الممدود، والطير المشوي، والثياب التي كانت لا تبلى عليهم ولا تتوسخ؛ فذلك كله مما وعد لنا في الجنة، وكان لهم في الدنيا معاينة يعاينون.
مع ما كان لهم هذا لم يجيبوا إلى ما دعوا، ولا ثبتوا على ما عاهدوا، وذلك لقلة عقولهم، وغلظ أَفهامهم، ونشوئهم على أَخلاق البهائم والدواب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ما لم يحل لهم الفضل على حاجتهم، فأَباح لهم القدر الذي لهم إليه حاجة، وسماه طيبات.
ويحتمل أَنه سماه طيبات؛ لما لا يشوبه داء يؤذيهم، ولا أَذى يضرهم، ليس كطعام الدنيا مما لا يسلم عن ذلك، والله أعلم.
وقد قيل: الطيب هو المباح الذي يستطيبه الطبع، وتتلذذ به النفس.
وقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ...
﴾ الآية.
وقد ذكرنا معنى الظلم فيما تقدم.
وقَدْ يحتمل وجهاً آخر: وهو النقصان؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً ﴾ أي: لم تنقص منه.
وحاصل ما ذكرنا: أَن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وكل ما ذكرنا يرجع إلى واحد.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ .
اختلف في تلك القرية: قيل: إنها بيت المقدس، كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .
أُمروا بالدخول فيها، والمقام هنالك؛ لسعة عيشهم فيها ورزقهم؛ إذ هو الموصوف بالسعة والخصب.
وقيل: إن تلك القرية التي أُمروا بالدخول، والمقام هنالك، هي قرية على انقضاء التيه، والخروج منها.
غير أَن ليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة، وإنما الحاجة إلى تعرف الخلاف الذي كان منهم، وما يلحقهم بترك الطاعة لله والائتمار، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ﴾ .
والرغد قد ذكرنا فيما تقدم: أَنه سعة العيش، وكثرة المال.
وقوله: ﴿ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً ﴾ .
يحتمل المراد من الباب: حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أُمروا بالدخول فيها.
ويحتمل المراد من الباب: القرية نفسها، لا حقيقة الباب؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ ذكر القرية ولم يذكر الباب، وذلك في اللغة سائغ، جائز، يقال: فلان دخل في باب كذا، لا يعنون حقيقة الباب، ولكن: كونه في أَمر هو فيه.
وقوله: ﴿ سُجَّداً ﴾ .
يحتمل المراد من السجود: حقيقة السجود؛ فيخرج على وجوه: يخرج على التحية لذلك المكان.
ويخرج على الشكر له؛ لما أَهلك أَعداءَهم الذين كانوا فيها، لقوله: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ .
ويحتمل: حقيقة السجود؛ لما روي عن أَبي هريرة - - عن رسول الله قال: "إنَّ بني إسرائيل أُمروا بالدخول سُجداً فدخلوا منحرفين" فما أَصابهم إنما أَصاب بخلافهم أَمر الله.
ويحتمل: الكناية عن الصلاة؛ إذ العرب قد تسمى السجود صلاةً؛ كأنهم أُمروا بالصلاة بها.
ويحتمل الأَمر بالسجود: لا حقيقة السجود والصلاة، ولكن: أَمر بالخضوع له والطاعة، والشكر على أَياديه التي أَسدى إليهم وأَنزل: من سعة التعيش، والتصرف فيها في كل حال، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ ﴾ .
قيل بوجهين: قيل: الحطةُ: هو قول: لا إله إلا الله، سميت حطة؛ لأَنها تحط كل خطيئة كانت من الشرك وغيره؛ فكأَنهم أمروا بالإيمان والإسلام.
وقيل: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ : أَي اطلبوا المغفرة والتجاوز عما ارتكبوه من المآثم والخطايا، والندامة على ما كان منهم؛ فكأَنهم أمروا أَن يأْتوا بالسبب الذي به يغفر الذنوب، وهو الاستغفار، والتوبة، والندامة على ذلك، والله أعلم.
وذلك يحتمل الشرك، والكبائر، وما دونهما.
ذكر - عز وجل - مرة خطايا، ومرة خطيئات، ومرة قال: ادخلوا، ومرة قال: اسكنوا، ومرة قال: فأَنزلنا، ومرة قال: فأَرسلنا - والقصة واحدة - حتى يعلم: أَن ليس في اختلاف الأَلفاظ والأَلسن تغيير المعنى والمراد.
وأَن الأَحكام والشرائع التي وضعت لم توضع للأَسامي والأَلفاظ، ولكن للمعاني المدرجة والمودعة فيها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
يحتمل المراد من المحسنين: المسلم الذي كان أَسلم قبل ذلك.
ويحتمل: الذي أَسلم بعد قوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ، وكان كافراً إلى ذلك الوقت.
والزيادةُ تَحتمل: التوفيق بالإحسان من بعد، كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ...
﴾ الآية [الليل: 5].
ويحتمل: الثواب على ما ذكر من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ...
﴾ الآية [القصص: 54].
وقوله: ﴿ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ .
قوله: "بَدَّلَ" يحتمل: إحداث ظلم، بعد أَن لم يكن، والخلاف لما أَمرهم به عز وجل.
ويحتمل: نشوءَهم على غير الذي قيل لهم.
ولم يبين: ما ذلك القول الذي بدلوا؟
وليس لنا - إلى معرفة ذلك القول - حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة ما يلزمهم بالتبديل، وترك العمل بأَمره، وإظهار الخلاف له، فقد تولى الله بيان ذلك بفضله، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
قيل: "الرجز" هو العذاب المنزل من السماء على أَيدي الملائكة؛ لأَن من العذاب ما ينزل على أَيدي الملائكة كعذاب قوم لوط وغيره.
ومنه عذاب ينزل من السماء - لا على أَيدي أَحد - نحو: الصاعقة، والصيحة، ونحوهما.
وقوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .
مرة ذكر "يَفْسُقُونَ"، ومرة ذكر "يَظْلِمُونَ"، وهو واحد.
وفي هذه الآيات التي ذكرناها، والأنباء التي وصفنا - دلالةُ رسالة محمد وإِثباتُ نبوته.
وذلك أَن أَهل لكتاب كانوا عرفوا هذه الأَنباء بكتبهم، وكان رسول الله يذكر ذلك بمشهدهم، كما في كتابهم، ولم يكن ظهر منه اختلاف إليهم، ولا درس كتابهم؛ فدل: أنه بالله عرف، وكان فيها تسكين قلب رسول الله والتصبر عليه؛ لظهور الخلاف له من قومه، وترك طاعتهم إياه، وأن ذلك ليس بأَول خلاف كان له من قومه، ولا أَول تكذيب، بل كان من الأُمم السالفة لأَنبيائهم ذلك، فصبروا عليه؛ فاصبر أَنت كما صبروا؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ...
﴾ الآية [الأحقاف: 35].
<div class="verse-tafsir"
واذكروا من نعم الله عليكم حين قلنا لكم: ادخلوا بيت المقدس، وكلوا مما فيه من الطيبات من أي مكان شئتم أكلًا هنيئًا واسعًا، وكونوا في دخولكم راكعين خاضعين لله، واسألوا الله قائلين: ربنا حُطَّ عنا ذنوبنا؛ نستجب لكم، وسنزيد الذين أحسنوا في أعمالهم ثوابًا على إحسانهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.EBgOn"
المراد بالقرية ما هو أوسع من البلدة، وهي في الأصل اسم لمجتمع الناس ومسكن النمل الذي يبنيه، ومادتها تدل على الاجتماع، ومنها قريت الماء في الحوض إذا جمعته.
وأطلقت على الأمة نفسها.
ثم غلب استعمالها في البلاد الصغيرة، ولا يصح هنا، فإن الرغد لا يتيسر للإنسان كما يشاء إلا في المدن الواسعة الحضارة.
ونحن نسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن، فقد أمر بنو إسرائيل بدخول بلاد كثيرة وكانوا يؤمرون بدخولها خاشعين لله خاضعين لأمره مستشعرين عظمته وجلاله ونعمه وأفضاله وهو معنى السجود وروحه المراد هنا.
وأما صورة السجود من وضع الجباه على الأرض فلا يصح أن تكون مرادة لأنها سكون، والدخول حركة، وهما لا يجتمعان.
والمراد بالحطة الدعاء بأن تحط عنهم خطايا التقصير وكفر النعم.
وتبديل القول بغيره عبارة عن المخالفة كأن الذي يؤمر بالشيء فيخالف قد أنكر أنه أمر به وادعى أنه أمر بخلافه، يقال بدلت قولًا غير الذي قيل، أي جئت بذلك القول مكان القول الأول.
وهذا التعبير أدل على المخالفة والعصيان من كل تعبير خلافًا لما يتراءى لغير البلغ من أن الظاهر أن يقال: بدلوا القول بغيره دون أن يقال: غير الذي قيل لهم، فإن مخالف أمر سيده قد يخالفه على سبيل التأويل مع الاعتراف به، فكأنه يقول في الآية خالفوا الأمر خلافًا لا يقبل التأويل، حتى كأنه قيل لهم غير الذي قيل.
وليس المعنى أنهم أمروا بحركة يأتونها، وكلمة يقولونها، وتعبدوا بذلك وجعل سببًا لغفران الخطايا عنهم فقالوا غيره وخالفوا الأمر، وكانوا من الفاسقين.
وأي شيء أسهل على المكلف من الكلام يحرك به لسانه، وقد اخترع أهل الأديان من ذلك ما لم يكلفوا قوله لسهولة القول على ألسنتهم، فكيف يقال أمر هؤلاء بكلمة يقولونها فعصوا بتركها؟
إنما يعصي العاصي إذا كلف ما يثقل على نفسه ويحملها على غير ما اعتادت، وأشق التكاليف حمل العقول على أن تفكر في غير ما عرفت، وحث النفوس على أن تتكيف بغير ما تكيفت.
وذهب المفسر (الجلال) إلى ترجيح اللفظ على المعنى والصورة على الروح ففسر السجود ككثيرين غيره بالانحناء، وقال إنهم أمروا بأن يقولوا ﴿ حِطَّةٌ ﴾ فدخلوا زحفًا على أستاهم وقالوا: حبة في شعيرة: أي إننا نحتاج إلى الأكل.
ومنشأ هذه الأقوال الروايات الإسرائيلية، ولليهود في هذا المقام كلام كثير وتأويلات خدع بها المفسرون ولا نجيز حشوها في تفسير كلام الله تعالى.
ويدل قوله تعالى: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ ﴾ على أن هذا العصيان لم يكن من كل بني إسرائيل، وأن هذا الرجز كان خاصًا بالظالمين منهم الذين فسقوا عن الأمر ولم يمتثلوه.
وقد أكد هذا المعنى أشد التأكيد بوضع المُظهر موضع المُضمر فقال: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ولم يقل فأنزلنا عليهم، ولعل وجه الحاجة إلى التأكيد الاحتراس من إبهام كون الرجز كان عامًا كما هو الغالب فيه، ثم أكده بتأكيده آخر وهو قوله : ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ وفي هذا الضرب من المقابلة من تعظيم شأن المحسنين ما فيه.
ونسكت عن تعيين نوع ذلك الرجز كما هو شأننا في كل ما أبهمه القرآن.
وقال المفسر وغيره إنه الطاعون، واحتج بعضهن عليه بقوله تعالى: ﴿ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ وهو كما تراه.
والرجز هو العذاب وكل نوع منه رجز.
وقد ابتلى الله بني إسرائيل بالطاعون غير مرة، وابتلاهم بضروب أخرى من النقم في إثر كل ضرب من ضروب ظلمهم وفسوقهم، ومن أشد ذلك تسليط الأمم عليهم، وحسبنا ما جاء في القرآن عبرة وتبصرة فنعين ما عينه، ونبهم ما أبهمه ﴿ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُم لَا تَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"