الآية ٨٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨٢ من سورة البقرة

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٨٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 53 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد ، عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) أي من آمن بما كفرتم به ، وعمل بما تركتم من دينه ، فلهم الجنة خالدين فيها .

يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله ، لا انقطاع له أبدا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) قال أبو جعفر: ويعني بقوله: (والذين آمنوا)، أي صدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

ويعني بقوله: (وعملوا الصالحات)، أطاعوا الله فأقاموا حدوده, وأدوا فرائضه, واجتنبوا محارمه.

ويعني بقوله: (فأولئك)، فالذين هم كذلك (أصحاب الجنة هم فيها خالدون)، يعني أهلها الذين هم أهلها هم فيها(خالدون)، مقيمون أبدا.

* * * وإنما هذه الآية والتي قبلها إخبار من الله عباده عن بقاء النار وبقاء أهلها فيها, [وبقاء الجنة وبقاء أهلها فيها]، (47) ودوام ما أعد في كل واحدة منهما لأهلها, تكذيبا من الله جل ثناؤه القائلين من يهود بني إسرائيل: إن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة, وأنهم صائرون بعد ذلك إلى الجنة.

فأخبرهم بخلود كفارهم في النار، وخلود مؤمنيهم في الجنة كما:- 1445 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)، أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه, فلهم الجنة خالدين فيها.

يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له أبدا.

1446 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، &; 2-288 &; قال ابن زيد: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات )، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه -" أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ".

----------------- الهوامش : (47) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، لسياقة الكلام .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فسرت هذه الآية في موضع قبل هذا.

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَالَّذِينَ آمَنُوا } بالله وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه الله, متبعا بها سنة رسوله.

فحاصل هاتين الآيتين, أن أهل النجاة والفوز, هم أهل الإيمان والعمل الصالح، والهالكون أهل النار المشركون بالله, الكافرون به.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وحكم الله الثابتُ في مقابل هذا: أنَّ الذين صدَّقوا بالله ورسله تصديقًا خالصًا، وعملوا الأعمال المتفقة مع شريعة الله التي أوحاها إلى رسله، هؤلاء يلازمون الجنة في الآخرة ملازمةً دائمةً لا تنقطع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ذكر - سبحانه - ما أعد لهؤلاء اليهود وأمثالهم من الكافرين الذين يفترون على الله الكذب ، عقب ذلك ببيان ما أعده - سبحانه - لأهل الإِيمان والتقوى فقال تعالى : ( والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) أي : والذين آمنوا بالله ورسوله ، وأطاعوا الله فأقاموا حدوده ، وأدوا فرائضه ، واجتنبوا محارمه ، فأولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون خلوداً أبدياً ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ردت على اليهود أبلغ رد .

حيث كذبتهم في دعواهم أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة ، وأنهم صائرون بعد ذلك إلى الجنة ، وأخبرتهم بخلودهم وخلود كل كافر في النار ، وأما الجنة فهي لمن آمن وعمل صالحاً واتبع سبيل المرسلين فهؤلاء أصحابها وهم فيها خالدون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد: أحدها: ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان.

وثانيها: أن المؤمن لابد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قال عليه الصلاة والسلام: «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا»، وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق.

وثالثها: أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سبباً للعرفان، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان لأنه تعالى قال: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكراراً أجاب القاضي بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة، إلا أن قوله: آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلاً واحداً من أفعال الإيمان، فلهذا حسن أن يقول: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ .

والجواب: أن فعل الماضي يدل على حصول المصدر في زمان مضى والإيمان هو المصدر، فلو دل ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله: آمن دليلاً على صدور كل تلك الأعمال منه، والله أعلم.

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة لأنا نتكلم فيمن أتى بالإيمان وبالأعمال الصالحة، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة ولم يتب عنها، فهذا الشخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت، ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ ، فإن قيل قوله تعالى: ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع الصالحات ومن جملة الصالحات التوبة، فإذا لم يأت بها لم يكن آتياً بالصالحات، فلا يندرج تحت الآية.

قلنا: قد بينا أنه قبل الإتيان بالكبيرة صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات، لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد، بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في كل الأوقات، لكن قولنا: آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا: إنه كذلك في كل الأوقات أو في بعض الأوقات، والمعتبر في الآية هو القدر المشترك، فثبت أنه مندرج تحت حكم الوعد.

بقي قولهم: إن الفاسق أحبط عقاب معصيته ثواب طاعته فيكون الترجيح لجانب الوعيد إلا أن الكلام عليه قد تقدم.

المسألة الثالثة: احتج الجبائي بهذه الآية على أن من يدخل الجنة لا يدخلها تفضلاً، لأن قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة ﴾ للحصر، فدل على أنه ليس للجنة أصحاب إلا هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد أنهم هم الذين يستحقونها فمن أعطى الجنة تفضلاً لم يدخل تحت هذا الحكم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل.

وعن مجاهد: كانوا يقولون: مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً.

﴿ فَلَن يُخْلِفَ الله ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده.

و ﴿ أَمْ ﴾ إمّا أن تكون معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون أحدهما.

ويجوز أن تكون منقطعة.

﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً، بدليل قوله: ﴿ هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .

﴿ مَن كَسَبَ سَيّئَةً ﴾ من السيئات، يعني كبيرة من الكبائر ﴿ وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ تلك واستولت عليه، كما يحيط العدوّ ولم يتفص عنها بالتوبة.

وقرئ: ﴿ خطاياه ﴾ و ﴿ خطيئاته ﴾ .

وقيل: في الإحاطة: كان ذنبه أغلب من طاعته.

وسأل رجل الحسن عن الخطيئة قال: سبحان الله: ألا أراك ذا لحية وما تدري ما الخطيئة، انظر في المصحف فكل آية نهى فيها الله عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلى ﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن مَساسِ النّارِ لَهم زَمانًا مَدِيدًا ودَهْرًا طَوِيلًا عَلى وجْهٍ أعَمَّ، لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، وتَخْتَصُّ بِجَوابِ النَّفْيِ ﴿ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ قَبِيحَةً، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الخَطِيئَةِ أنَّها قَدْ تُقالُ فِيما يُقْصَدُ بِالذّاتِ، والخَطِيئَةُ تَغْلِبُ فِيما يُقْصَدُ بِالعَرْضِ لِأنَّهُ مِنَ الخَطَأِ، والكَسْبُ: اسْتِجْلابُ النَّفْعِ.

وتَعْلِيقُهُ بِالسَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقِ قَوْلِهِ: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ .

﴿ وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ، وشَمَلَتْ جُمْلَةَ أحْوالِهِ حَتّى صارَ كالمُحاطِ بِها لا يَخْلُو عَنْها شَيْءٌ مِن جَوانِبِهِ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ في شَأْنِ الكافِرِ لِأنَّ غَيْرَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوى تَصْدِيقِ قَلْبِهِ وإقْرارِ لِسانِهِ فَلَمْ تُحِطِ الخَطِيئَةُ بِهِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَها السَّلَفُ بِالكُفْرِ.

وتَحْقِيقُ ذَلِكَ: أنَّ مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ولَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ اسْتَجَرَّهُ إلى مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ والِانْهِماكِ فِيهِ وارْتِكابِ ما هو أكْبَرُ مِنهُ، حَتّى تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الذُّنُوبُ وتَأْخُذَ بِمَجامِعِ قَلْبِهِ فَيَصِيرَ بِطَبْعِهِ مائِلًا إلى المَعاصِي، مُسْتَحْسِنًا إيّاها مُعْتَقِدًا أنْ لا لَذَّةَ سِواها، مُبْغِضًا لِمَن يَمْنَعُهُ عَنْها مُكَذِّبًا لِمَن يَنْصَحُهُ فِيها، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ خَطِيئاتِهِ.

وَقُرِئَ « خَطِيَّتُهُ» و « خَطِيّاتُهُ» عَلى القَلْبِ والإدْغامِ فِيهِما.

فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ مُلازِمُوها في الآخِرَةِ كَما أنَّهم مُلازِمُونَ أسْبابَها في الدُّنْيا ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ دائِمُونَ، أوْ لابِثُونَ لُبْثًا طَوِيلًا.

والآيَةُ كَما تَرى لا حُجَّةَ فِيها عَلى خُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ وكَذا الَّتِي قَبْلَها.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ جَرَتْ عادَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنْ يَشْفَعَ وعْدَهُ بِوَعِيدِهِ، لَتُرْجى رَحْمَتُهُ ويُخْشى عَذابُهُ، وعَطْفُ العَمَلِ عَلى الإيمانِ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ مُسَمّاهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أهْلَ النّارِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الهَلاكِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أهْلِ الإيمانِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الخُلُودِ في الجِنانِ، وقَدْ جَرَتْ عادَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى أنْ يَشْفَعَ وعْدَهُ بِوَعِيدِهِ مُراعاةً لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في إرْشادِ العِبادِ مِنَ التَّرْغِيبِ تارَةً والتَّرْهِيبِ أُخْرى، وقِيلَ: إنَّ في الجَمْعِ تَرْبِيَةَ الوَعِيدِ بِذِكْرِ ما فاتَ أهْلَهُ مِنَ الثَّوابِ، وتَرْبِيَةَ الوَعْدِ بِذِكْرِ ما نَجا مِنهُ أهْلُهُ مِنَ العِقابِ، وعَطْفُ العَمَلِ عَلى الإيمانِ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ مُسَمّاهُ، إذْ لا يُعْطَفُ الجُزْءُ عَلى الكُلِّ، ولا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اشْتِراطِهِ بِهِ حَتّى يَدُلَّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ غَيْرُ خارِجٍ عَنِ الإيمانِ، وتَكُونُ الآيَةُ حُجَّةً عَلى الوَعِيدِيَّةِ كَما قالَهُ المَوْلى عِصامٌ، فَإنْ قُلْتَ لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: العَطْفُ لِلتَّشْرِيفِ لِكَوْنِ العَمَلِ أشَقَّ وأحْمَزَ مِنَ التَّصْدِيقِ، وأفْضَلُ الأعْمالِ أحْمَزُها، أُجِيبَ بِأنَّ الإيمانَ أشْرَفُ مِنَ العَمَلِ لِكَوْنِهِ أساسَ جَمِيعِ الحَسَناتِ، إذِ الأعْمالُ ساقِطَةٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ عِنْدَ عَدَمِهِ، ويَخْطُرُ في البالِ إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ هُنا مَعَ الإيمانِ نُكْتَةٌ، وهو أنْ يَكُونَ الإيمانُ في مُقابَلَةِ السَّيِّئَةِ المُفَسَّرَةِ بِالكُفْرِ عِنْدَ بَعْضٍ، والعَمَلُ الصّالِحُ في مُقابَلَةِ الخَطِيئَةِ المُفَسَّرَةِ بِما عَداهُ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومُؤْمِنُو الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ، وهو الظّاهِرُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهِمُ النَّبِيُّ  وأُمَّتُهُ خاصَّةً، وذِكْرُ الفاءِ فِيما سَبَقَ وتَرْكُها هُنا إمّا لِأنَّ الوَعِيدَ مِنَ الكَرِيمِ مَظِنَّةُ الخُلْفِ دُونَ الوَعْدِ، فَكانَ الأوَّلُ حَرِيًّا بِالتَّأْكِيدِ دُونَ الثّانِي، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ، فَإنَّ النُّحاةَ قالُوا: مَن دَخَلَ دارِي فَأُكْرِمُهُ، يَقْتَضِي إكْرامَ كُلِّ داخِلٍ، لَكِنْ عَلى خَطَرٍ أنْ لا يُكْرِمَ، وبِدُونِ الفاءِ يَقْتَضِي إكْرامَهُ البَتَّةَ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ خُلُودَهم في النّارِ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ السَّيِّئَةِ، وعِصْيانِهِمْ، وخُلُودُهم في الجَنَّةِ بِمَحْضِ لُطْفِهِ تَعالى، وكَرَمِهِ، وإلّا فالإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ لا يَفِي بِشُكْرِ ما حَصَلَ لِلْعَبْدِ مِنَ النِّعَمِ العاجِلَةِ، وإلى كُلٍّ ذَهَبَ بَعْضٌ، والقَوْلُ بِأنَّ تَرْكَ الفاءِ هُنا لِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ في ذِكْرِ ما لَهم لَيْسَ بِشَيْءٍ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال الله تعالى بَلى، أي يخلد فيها مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً، يعني الشرك وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، أي مات على الشرك.

وقال بعضهم: السيئة الشرك، والخطيئة الكبائر.

وهو قول المعتزلة: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار.

وقال الربيع بن خثيم: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ الذين يموتون على الشرك.

قرأ نافع خطاياه وهو جمع خطيئة.

والباقون خَطِيئَتُهُ وهي خطيئة واحدة والمراد به الشرك.

فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي دائمون لا يخرجون منها أبداً.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، معناه والذين صدقوا بالله وبمحمد  وعملوا الصالحات أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم، يعني أدوا الفرائض وانتهوا عن المعاصي، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، أي دائمون لا يموتون ولا يخرجون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، واختلف في معنى أَمانِيَّ، فقالت طائفة: هي هاهنا من:

تمنَّى الرجل، إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا يكْتُب ولا يقرأ، وإنما يقول بظنِّه شيئاً سمعه، فيتمنى أنه من الكتاب.

وقال آخرون: هي من تمنى إذا تلا، ومنه قول الشاعر: [الطويل]

تمنى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ...

وَآخِرَهُ لاقى حِمَامَ المَقْادِرِ «١»

فمعنى الآية: أنهم لا يَعْلَمُون الكتاب إِلاَّ سماع شيْءٍ يتلى، لا عِلْمَ لهم بصحَّته.

وقال الطبريُّ: هي من تَمَنَّى الرجُلِ، إذا حدَّث بحديث مختلَقٍ كذبٍ، أي: لا يعلمون الكتاب إِلا سماعَ أشياء مختلَقَةٍ من أحبارهم، يظنُّونها من الكتاب.

ص «٢» : وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ: «إن» : نافية بمعنى «ما» .

انتهى.

وقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...

الآية.

٢٦ أقال الخليلُ: «الوَيْلُ» : شِدَّةُ الشر، وهو مصدر، / لا فِعْلَ له، ويجمع على وَيْلاَتٍ، والأحسن فيه إِذا انفصل: الرفْعُ لأنه يقتضي الوقُوعَ، ويصحُّ النصب على معنى الدُّعَاء، أي: ألزمه اللَّه وَيْلاً، ووَيْلٌ ووَيْحٌ ووَيْسٌ تتقاربُ في المعنى، وقد فرق بينها قوم.

وروى سفيانُ، وعطاءُ بنُ يَسارٍ أن الوَيْلَ في هذه الآية وادٍ يجري بفناءِ جهنَّم من صديد أهل النار «٣» .

وروى أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «أنه وادٍ في جهنَّم بيْن جبَلَيْنِ يَهْوِي فيه الهاوِي أربعِينَ خَرِيفاً» «١» .

وروى عثمانُ بن عفّان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «أنه جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ النَّار» «٢» ، والذين يكْتُبُونَ:

هم الأحبار والرؤساء.

وبِأَيْدِيهِمْ قال ابن السَّرَّاج «٣» : هي كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، والذي بدّلوه هو صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ليستديمُوا رياستهم ومكاسبهم، وذكر السُّدِّيُّ أنهم كانوا يكتبون كتبا يبدّلون فيها صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ويبيعونَهَا من الأَعراب، ويبثُّونها في أتباعهم، ويقولون هي من عبد اللَّه «٤» ، والثَّمَنُ: قيل: عَرَضُ الدنيا، وقيل: الرُّشَا والمآكل التي كانت لهم، ويَكْسِبُونَ معناه: من المعاصي، وقيل: من المال الذي تضمنه ذكر الثَّمَن.

وقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ...

الآية: روى ابن زَيْد وغيره أنَّ سببها أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ لِلْيَهُودِ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟

فَقَالُوا: نَحْنُ، ثمّ تخلفونا أنتم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ : بَلى: بِمَنزِلَةِ "نَعَمْ" إلّا أنَّ "بَلى" جَوابُ النَّفْيِ، ونَعَمْ، جَوابُ الإيجابِ، قالَ الفَرّاءُ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: ما لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ، فَقالَ الآَخَرُ: نَعَمْ، كانَ تَصْدِيقًا أنَّ لا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ.

ولَوْ قالَ: بَلى؛ كانَ رَدًّا لِقَوْلِهِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما صارَتْ "بَلى" تَتَّصِلُ بِالجَحْدِ، لِأنَّها رُجُوعٌ عَنِ الجَحْدِ إلى التَّحْقِيقِ، فَهي بِمَنزِلَةِ "بَلْ" و"بَلْ" سَبِيلُها أنْ تَأْتِيَ بَعْدَ الجَحْدِ، كَقَوْلِهِمْ: ما قامَ أخُوكَ، بَلْ أبُوكَ.

وإذا قالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: ألا تَقُومُ؟

فَقالَ لَهُ: بَلى؛ أرادَ: بَلْ أقُومُ، فَزادَ الألِفَ عَلى "بَلْ" لِيَحْسُنَ السُّكُوتُ عَلَيْها، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: بَلْ؛ كانَ يَتَوَقَّعُ كَلامًا بَعْدَ بَلْ، فَزادَ الألِفَ لِيَزُولَ هَذا التَّوَهُّمُ عَنِ المُخاطَبِ.

وَمَعْنى: ﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ : بَلْ مَنَ كَسَبَ.

قالَ الزَّجّاجُ: بَلى: رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً ﴾ والسَّيِّئَةُ هاهُنا: الشِّرْكُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي وائِلٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.

﴿ وَأحاطَتْ بِهِ ﴾ أيْ: أحْدَقَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ.

وقَرَأ نافِعٌ "خَطِيئاتُهُ" بِالجَمْعِ.

قالَ عِكْرِمَةُ: ماتَ ولَمْ يَتُبْ مِنها، وقالَ أبُو وائِلٍ: الخَطِيئَةُ: صِفَةٌ لِلشِّرْكِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أحاطَتْ بِحَسَنَتِهِ خَطِيئَتُهُ، أيْ: أحْبَطَتْها، مِن حَيْثُ أنَّ المُحِيطَ أكْثَرُ مِنَ المُحاطِ بِهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ  ﴾ وقَوْلُهُ ﴿ أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها  ﴾ أوْ يَكُونُ مَعْنى أحاطَتْ بِهِ: أهْلَكَتْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهِ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمُ الأحْبارُ والرُؤَساءُ، قالَ الخَلِيلُ: الوَيْلُ شِدَّةُ الشَرِّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الوَيْلُ القُبُوحُ، وهو مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، والأحْسَنُ فِيهِ -إذا انْفَصَلَ- الرَفْعُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الوُقُوعَ ويَصِحُّ النَصْبُ عَلى مَعْنى الدُعاءِ، أيْ ألْزَمَهُ اللهُ ويْلًا.

ووَيْلٌ، ووَيْحٌ، ووَيْسٌ، ووَيْبٌ، تَتَقارَبُ في المَعْنى، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَها قَوْمٌ، ورَوى سُفْيانُ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ، أنَّ الوَيْلَ في هَذِهِ الآيَةِ وادٍ يَجْرِي بِفَناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الهاوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا»، وقالَ أبُو عِياضٍ: إنَّهُ صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ.

ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ جَبَلٌ مِن جِبالِ النارِ»، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ.

و( الَّذِينَ يَكْتُبُونَ ) هُمُ الأحْبارُ الَّذِينَ بَدَّلُوا التَوْراةَ، وقَوْلُهُ "بِأيْدِيهِمْ" بَيانٌ لِجُرْمِهِمْ وإثْباتٌ لِمُجاهَرَتِهِمُ اللهَ.

وَفَرَّقَ بَيْنَ مَن كَتَبَ وبَيْنَ مَن أمَرَ، إذِ المُتَوَلِّي لِلْفِعْلِ أشَدُّ مُواقَعَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ، وإنْ كانَ رَأْيًا لَهُ، وقالَ ابْنُ السَرّاجِ: هو كِنايَةٌ عن أنَّهُ مِن تِلْقائِهِمْ دُونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً في كُتُبِ أيْدِيهِمْ.

والَّذِي بَدَّلُوا هو صِفَةُ النَبِيِّ  لِيَسْتَدِيمُوا رِياسَتَهم ومَكاسِبَهُمْ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ صِفَتُهُ في التَوْراةِ أسْمَرَ رَبْعَةً فَرَدُّوهُ آدَمَ طَوِيلًا، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم كانُوا يَكْتُبُونَ كُتُبًا يُبَدِّلُونَ فِيها صِفَةَ النَبِيِّ  ويَبِيعُونَها مِنَ الأعْرابِ، ويَبُثُّونَها في أتْباعِهِمْ، ويَقُولُونَ: هي مِن عِنْدِ اللهِ.

وتَناسُقُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها يُعْطِي أنَّ هَذا الكَتْبَ والتَبْدِيلَ إنَّما هو لِلْأتْباعِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم.

والثَمَنُ قِيلَ: عَرَضُ الدُنْيا، وقِيلَ: الرِشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، ووَصَفَهُ بِالقِلَّةِ إمّا لِفِنائِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا.

وكُرِّرَ الوَيْلُ لِتَكْرارِ الحالاتِ الَّتِي اسْتَحَقُّوهُ بِها، و"يَكْسِبُونَ" مَعْناهُ مِنَ المَعاصِي والخَطايا، وقِيلَ: مِنَ المالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ذِكْرُ الثَمَنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النارُ ﴾ الآيَةُ، رَوى ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ، أنَّ سَبَبَها «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أهْلُ النارِ"؟

فَقالُوا: نَحْنُ، ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ لَهُمْ: "كَذَبْتُمْ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ويُقالُ: إنَّ السَبَبَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النارَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العَجَلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ.

وَقالَتْ طائِفَةٌ: قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ في التَوْراةِ أنَّ طُولَ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمِ سَنَةً، حَتّى يُكْمِلُوها وتَذْهَبَ جَهَنَّمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، إنَّهم قالُوا: إنَّ مُدَّةَ الدُنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ اللهَ تَعالى يُعَذِّبُهم بِكُلِّ ألِفٍ سَنَةٍ يَوْمًا.

و"أتَّخَذْتُمْ" أصْلُهُ: أئِتَّخَذْتُمْ، وزْنُهُ أفْتَعَلْتُمْ مِنَ الأخْذِ، سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الثانِيَةُ لِامْتِناعِ جَمْعِ هَمْزَتَيْنِ فَجاءَ "أيِتَّخَذْتُمْ"، فاضْطَرَبَتِ الياءُ في التَصْرِيفِ جاءَتْ ألِفًا في "يِاتَّخَذُوا"، وواوًا في مُوتَّخَذٌ، فَبُدِّلَتْ بِحَرْفٍ جَلْدٍ ثابِتٍ وهو التاءُ وأُدْغِمَتْ، فَلَمّا دَخَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ ألِفُ التَقْرِيرِ اسْتُغْنِيَ عن ألِفِ الوَصْلِ.

ومَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ "أنِ اتَّخَذْتُمْ" مِن تَخِذَ لا مِن أخَذَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.

وقالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: العَهْدُ مِنَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وآمَنتُمْ، وأطَعْتُمْ، فَتُدْلُونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ أنَّكم خارِجُونَ مِنَ النارِ؟

فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجِيءُ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ؟

وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ؟

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ.

و"بَلى" رَدٌّ بَعْدَ النَفْيِ، بِمَنزِلَةِ نَعَمْ بَعْدَ الإيجابِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُها "بَلِ" الَّتِي هَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، وزِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِيَحْسُنَ الوَقْفُ عَلَيْها، وضَمَّنَتِ الياءُ مَعْنى الإيجابِ والإنْعامِ بِما يَأْتِي بَعْدَها.

وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي حَرْفٌ مِثْلُ "بَلْ" وغَيْرُهُ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النارُ ﴾ ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الخُلُودَ في النارِ والجَنَّةِ بِحَسَبِ الكُفْرِ والإيمانِ.

و"مَن" شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ و"أُولَئِكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، و"الفاءُ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ الشَرْطِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: السَيِّئَةُ: الشِرْكُ،كَقَوْلِهِ ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ  ﴾ والخَطِيئاتُ كَبائِرُ الذُنُوبِ، وقالَ قَوْمٌ "خَطِيئَتُهُ" بِالإفْرادِ، وقالَ قَوْمٌ: السَيِّئَةُ هُنا الكَبائِرُ وأفْرَدَها وهي بِمَعْنى الجَمْعِ لَمّا كانَتْ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ  ﴾ والخَطِيئَةُ: الكُفْرُ، ولَفْظَةُ الإحاطَةِ تُقَوِّي هَذا القَوْلَ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحائِطِ المُحْدِقِ بِالشَيْءِ.

وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، والأعْمَشُ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ: مَعْنى الآيَةِ: ماتَ بِذُنُوبٍ لَمْ يَتُبْ مِنها، وقالَ الرَبِيعُ أيْضًا: ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والسُدِّيُّ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنارِ فَهي الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ.

والخُلُودُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإطْلاقِ والتَأْبِيدِ في المُشْرِكِينَ، ومُسْتَعارٌ بِمَعْنى الطُولِ في العَصاةِ، وإنَّ عُلِمَ انْقِطاعُهُ كَما يُقالُ: مَلِكٌ خالِدٌ، ويُدْعى لِلْمَلِكِ بِالخُلْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ يَدُلُّ هَذا التَقْسِيمُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ الآيَةُ، في الكُفّارِ، لا في العُصاةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: "وَأحاطَتْ" لِأنَّ العاصِيَ مُؤْمِنٌ فَلَمْ تُحِطْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الرَدَّ كانَ عَلى كُفّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَهُمُ المُرادُ بِالخُلُودِ، واللهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قيل: الواو لعطف الجملة على جملة: ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ [البقرة: 75] فتكون حالاً مثلها أي كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ويقولون: ﴿ لن تمسنا النار ﴾ .

والأظهر عندي أن الواو عطف على قوله ﴿ يكتبون ﴾ [البقرة: 79] إلخ أي فعلوا ذلك وقالوا لن تمسنا النار.

ووجه المناسبة أن قولهم ﴿ لن تمسنا النار ﴾ دل على اعتقاد مقرر في نفوسهم يشيعونه بين الناس بألسنتهم قد أنبأ بغرور عظيم من شأنه أن يقدمهم على تلك الجريمة وغيرها إذ هم قد أمنوا من المؤاخذة إلا أياماً معدودة تعادل أيام عبادة العجل أو أياماً عن كل ألف سنة من العالم يوم وإن ذلك عذاب مكتوب على جميعهم فهم لا يتوقون الإقدام على المعاصي لأجل ذلك، فبالعطف على أخبارهم حصلت فائدة الإخبار عن عقيدة من ضلالاتهم.

ولموقع هذا العطف حصلت فائدة الاستئناف البياني إذ يعجب السامع من جرأتهم على هذا الإجرام.

وقوله: ﴿ وقالوا ﴾ أراد به أنهم قالوه عن اعتقاد لأن الأصل الصدق في القول حتى تقوم القرينة على أنه قول على خلاف الاعتقاد كما في قوله ﴿ قالوا آمنا ﴾ [البقرة: 14] ولأجل أن أصل القول أن يكون على وفق الاعتقاد ساغ استعمال القول في معنى الظن والاعتقاد في نحو قولهم: قال مالك، وفي نحو قول عمرو بن معد يكرب: علام تقول الرمح يثقل عاتقي *** والمس حقيقته اتصال اليد بجرم من الأجرام وكذلك اللمس قال تعالى: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ [الأنعام: 49].

وعبر عن نفيهم بحرف (لن) الدال على تأييد النفي تأكيداً لانتفاء العذاب عنهم بعد تأكيد، ولدلالة (لن) على استغراق الأزمان تأتّى الاستثناء من عموم الأزمنة بقوله: ﴿ إلا أياماً معدودة ﴾ على وجه التفريع فهو منصوب على الظرفية.

والوصف بمعدودة مؤذن بالقلة لأن المراد بالمعدود الذي يعده الناس إذا رأوه أو تحدثوا عنه، وقد شاع في العرف والعوائد أن الناس لا يعمدون إلى عد الأشياء الكثيرة دفعاً للملل أو لأجل الشغل سواء عرفوا الحساب أم لم يعرفوه لأن المراد العد بالعين واللسان لا العد بجمع الحسابات إذ ليس مقصوداً هنا.

وتأنيث (معدودة) وهو صفة (أياماً) مراعى فيه تأويل الجمع بالجماعة وهي طريقة عربية مشهورة ولذلك كثر في صفة الجمع إذا أنثوها أن يأتوا بها بصيغة الإفراد إلا إذا أرادوا تأويل الجمع بالجماعات، وسيأتي ذلك في قوله تعالى: ﴿ أياماً معدودات ﴾ [البقرة: 184].

وقوله: ﴿ قل أتخذتم عند الله عهداً ﴾ جواب لكلامهم ولذلك فصل على طريقة المحاورات كما قدمناه في قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30] والاستفهام غير حقيقي بدليل قوله بعده ﴿ بلى ﴾ فهو استفهام تقريري للإلجاء إلى الاعتراف بأصدق الأمرين وليس إنكاري لوجود المعادل وهو ﴿ أم تقولون ﴾ لأن الاستفهام الإنكاري لا معادل له.

والمراد بالعهد الوعد المؤكد فهو استعارة، لأن أصل العهد هو الوعد المؤكد بقسم والتزام، ووعد الذي لا يخلف الوعد كالعهد، ويجوز أن يكون العهد هنا حقيقة لأنه في مقام التقرير دال على انتفاء ذلك.

وذكر الاتخاذ دون أعاهدتم أو عاهدكم لما في الاتخاذ من توكيد العهد و«عند» لزيادة التأكيد يقولون اتخذ يداً عند فلان.

وقوله: ﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ الفاء فصيحة دالة على شرط مقدر وجزائه وما بعد الفاء هو علة الجزاء والتقدير فإن كان ذلك فلكم العذر في قولكم لأن الله لا يخلف عهده وتقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ [البقرة: 60].

ولكون ما بعد فاء الفصيحة دليل شرط وجزائه لم يلزم أن يكون ما بعدها مسبباً عما قبلها ولا مترتباً عنه حتى يشكل عليه عدم صحة ترتب الجزاء في الآية على الشرط المقدر لأن (لن) للاستقبال.

و (أم) في قوله: ﴿ أم تقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ معادلة همزة الاستفهام فهي متصلة وتقع بعدها الجملة كما صرح به ابن الحاجب في «الإيضاح» وهو التحقيق كما قال عبد الحكيم، فما قاله صاحب «المفتاح» من أن علامة أم المنقطعة كون ما بعدها جملة أمر أغلبي ولا معنى للانقطاع هنا لأنه يفسد ما أفاده الاستفهام من الإلجاء والتقرير.

وقوله: ﴿ بلى ﴾ إبطال لقولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ ، وكلمات الجواب تدخل على الكلام السابق لا على ما بعدها فمعنى بلى بل أنتم تمسكم النار مدة طويلة.

وقوله: ﴿ من كسب سيئة ﴾ سند لما تضمنته (بلى) من إبطال قولهم، أي ما أنتم إلا ممن كسب سيئة إلخ ومن كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولئك أصحاب النار فأنتم منهم لا محالة على حد قول لبيد: تمنَّى ابنتاي أن يعيش أبوهما *** وهل أَنا إلا من ربيعةَ أو مُضَرْ أي فلا أخلد كما لم يخلد بنو ربيعة ومضر، فمَنْ في قوله: ﴿ من كسب سيئة ﴾ شرطية بدليل دخول الفاء في جوابها وهي في الشرط من صيغ العموم فلذلك كانت مؤذنة بجملة محذوفة دل عليها تعقيب (بلى) بهذا العموم لأنه لو لم يرد به أن المخاطبين من زمر هذا العموم لكان ذِكر العموم بعدها كلاماً متناثراً ففي الكلام إيجاز الحذف ليكون المذكور كالقضية الكبرى لبرهان قوله: ﴿ بلى ﴾ .

والمراد بالسيئة هنا السيئة العظيمة وهي الكفر بدليل العطف عليها بقوله: ﴿ وأحاطبت به خطيئاته ﴾ .

وقوله: ﴿ وأحاطت به خطيئاته ﴾ الخطيئة اسم لما يقترفه الإنسان من الجرائم وهي فعيلة بمعنى مفعولة من خطى إذا أساء، والإحاطة مستعارة لعدم الخلو عن الشيء لأن ما يحيط بالمرء لا يترك له منفذاً للإقبال على غير ذلك قال تعالى: ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ [يونس: 22] وإحاطة الخطيئات هي حالة الكفر لأنها تجريء على جميع الخطايا ولا يعتبر مع الكفر عمل صالح كما دل عليه قوله: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ [البلد: 17].

فلذلك لم تكن في هذه الآية حجة للزاعمين خلود أصحاب الكبائر من المسلمين في النار إذ لا يكون المسلم محيطة به الخطيئات بل هو لا يخلو من عمل صالح وحسبك من ذلك سلامة اعتقاده من الكفر وسلامة لسانه من النطق بكلمة الكفر الخبيثة.

والقصر المستفاد من التعريف في قوله: ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ قصر إضافي لقلب اعتقادهم.

وقوله: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ تذييل لتعقيب النذارة بالبشارة على عادة القرآن.

والمراد بالخلود هنا حقيقته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ أمّا (بَلى)، فَجَوابُ النَّفْيِ، وأمّا (نَعَمْ) فَجَوابُ الإيجابِ، قالَ الفَرّاءُ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: ما لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ، فَقالَ الآخَرُ: نَعَمْ، كانَ ذَلِكَ تَصْدِيقًا أنْ لا شَيْءَ عَلَيْهِ، ولَوْ قالَ بَلى: كانَ رَدًّا لِقَوْلِهِ، وتَقْدِيرُهُ: بَلى لِي عَلَيْكَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ اخْتَلَفُوا في السَّيِّئَةِ هَهُنا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها الشِّرْكُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّها الذُّنُوبُ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها النّارَ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ماتَ عَلَيْها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّها سَدَّتْ عَلَيْهِ المَسالِكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ السَّرّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بلى من كسب ﴾ قال: الشرك.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة وقتادة.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ قال: أحاط به شركه.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بلى من كسب سيئة ﴾ أي من عمل مثل أعمالكم وكفر بما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها يخبرهم أن الثواب بالخير والشر، مقيم على أهله أبداً لا انقطاع له أبداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ قال: هي الكبيرة الموجبة لأهلها النار.

وأخرج وكيع وابن جرير عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ ما الخطيئة؟

قال: اقرأوا القرآن، فكل آية وعد الله عليها النار فهي الخطيئة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ قال: الذنوب تحيط بالقلب، فكلما عمل ذنباً ارتفعت حتى تغشى القلب حتى يكون هكذا وقبض كفه، ثم قال: والخطيئة كل ذنب وعد الله عليه النار.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الربيع بن خيثم في قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ قال: هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب.

وأخرج وكيع وابن جرير عن الأعمش في قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ قال: مات بذنبه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾ أي الذين لا يقرأون ولا يكتبون فهم ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ والمراد قوم من اليهود وقيل: من المجوس وهذا غير صحيح، لأن الكلام عن اليهود ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ تلاوة بغير فهم، أو أكاذيب، وما تتمناه النفوس ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ تحقيق لافترائهم ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ عرض الدنيا من الرياسة والرشوة وغير ذلك مما يكسبون من الدنيا أو هي الذنوب ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل وقيل سبعة أيام ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: تقرير يقتضي إبطال ﴿ بلى ﴾ تحقيق لطول مكثهم في النار، لقولهم ما لا يعلمون ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: في الكفار لأنها ردّ على اليهود، ولقوله بعدها ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ فلا حجة فيها لن قال بتخليد العصاة في النار ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله ﴾ جواب لقسم يدل عليه الميثاق، وقيل: خبر بمعنى النهي، ويرجحه قراءة لا يعبدون وقيل: الأصل: ب ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ثم حذفت الباء.

وأن ﴿ وبالوالدين ﴾ يتعلق بإحسان، أو يمحذوف تقديره: أحسنوا، ووكد بإحساناً ﴿ وَذِي القربى ﴾ القرابة ﴿ واليتامى ﴾ جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه، وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إلا أماني ﴾ حيث كان خفيفاً: يزيد إلا قوله ﴿ تلك أمانيهم ﴾ ﴿ وليس بأمانيكم ولا أماني ﴾ ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ فإن أربعتهن بالإسكان عنده ﴿ بأيديهم ﴾ بضم الهاء: يعقوب، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة ﴿ خطيآته ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع.

الوقوف: ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ آمنا ﴾ (ج) والوصل أجوز لبيان حالتيهما المتناقضتين وهو المقصود ﴿ عند ربكم ﴾ (ط) ﴿ أفلا تعقلون ﴾ (ه) ﴿ يعلنون ﴾ (ه) ﴿ يظنون ﴾ (ج) ﴿ قليلاً ﴾ (ط) ﴿ يكسبون ﴾ (ه) ﴿ معدودة ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن الجملة مبتدأ وخبر بعد خبر.

﴿ خالدون ﴾ (ه) ﴿ الجنة ﴾ (ج) ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما ذكر الله  وتعالى قبائح أسلاف اليهود وسوء معاملتهم مع نبيهم، أردفها قبائح أخلافهم المعاصرين لرسول الله  فكأنه قيل: إذا كان هذا أفعالهم فيما بينهم، فكيف تطمعون أيها النبي  والمؤمنون في أن يؤمنوا أي يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم؟

كقوله ﴿ فآمن له لوط ﴾ ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ طائفة من أسلافهم ﴿ يسمعون كلام الله ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ ثم يحرفونه ﴾ كما حرفوا صفة رسول الله  وآية الرجم.

وقيل: هم قوم من الذين حضروا الميقات، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى عنه ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس ﴿ من بعد ما عقلوه ﴾ فهموه وضبطوه بعقولهم من غير ما شبهة ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم مفترون كذابون.

والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك كما تقول للرجل: كيف تطمع أن يفلح فلان وأستاذه فلان يأخذ عنه لا عن غيره؟

فهؤلاء المقلدة لا يقبلون إلا قول معلميهم وأحبارهم الذين تعمدوا التحريف عناداً أو لضرب من الأغراض الدنيوية ﴿ وإذا لقوا ﴾ أي اليهود قال منافقوهم: آمنا بأنكم على الحق ونشهد أن صاحبكم صادق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا.

﴿ وإذا خلا بعضهم ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿ إلى بعض ﴾ الذين نافقوا ﴿ قالوا ﴾ عاتبين عليهم ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ بما بين لكم في التوراة من نعته وصفته مأخوذ من قولهم "قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه، أو قال المنافقون لغيرهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدثونهم إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود ﴿ ليحاجوكم به عند ربكم ﴾ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه.

جعلوا محاجتهم به وقولهم "هو في كتابكم هكذا" محاجة عند الله.

ألا تراك تقول: هو في كتاب الله كذا وهو عند الله كذا بمعنى واحد؟

وعن الحسن: ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم  من اتباع الرسل محاجة فيه أي دينه.

وقال الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة في توبيخكم، فكان القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد في فضيحتهم في الآخرة.

وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي، فإن قبلت أحسنت إلى نفسك، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب.

وقيل: لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي.

وهذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم ﴿ أو لا يعلمون أن الله يعلم ﴾ جميع ﴿ ما يسرون وما يعلنون ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان، خوّفهم الله  بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية ﴿ ومنهم أميون ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب علماً وكتابة ﴿ لا يعلمون الكتاب ﴾ التوراة ﴿ إلا أماني ﴾ وأحدها أمنية على أفعولة من مني إذا قدر.

تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية، لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوّز ما يتمناه، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يمنيهم الأحبار من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.

وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد.

يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟

وذلك أن المختلق يقدر أن كلمة كذا بعد كذا.

وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب.

وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم "تمنيت الكتاب قرأته" قال الشاعر يرثي عثمان: تمنـــى كتــــاب الله أوّل ليلـــــــة *** وآخرهــــا لا فـــي حمــــام المقـــــادر والقارئ مقدر الكلمات كالمختلق، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً كأنه قيل: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه.

ثم إ نهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وعلى الأول يكون استثناء منقطعاً.

ومن قرأ ﴿ أماني ﴾ بالتخفيف حذف المد كما يقال مفاتح ﴿ وإن هم إلا يظنون ﴾ كالمحقق لما تقدمه من قوله ﴿ لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ ذكر الفرقة الضالة المضلة المحرفة، ثم الفرقة المنافقين منهم، ثم الفرقة المجادلة لأهل النفاق، ثم العوام المقلدة، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن للعالم أن يعمل بعلمه وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن إن كان متمكناً من العلم ولا سيما في أصول الدين، الويل كلمة يقولها كل مكروب، وعن ابن عباس: أنه العذاب الأليم.

وعن الثوري: صديد أهل الجحيم.

وعن رسول الله  : "واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره" وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره.

ولا شبهة في دلالتها على نهاية الوعيد والتهديد ﴿ يكتبون الكتاب ﴾ المحرف ﴿ بأيديهم ﴾ تأكيد كما تقول للمنكر هذا ما كتبته بيمينك.

حكى عنهم أمرين: كتبة الكتاب وإسناده إلى الله.

فالوعيد مرتب على كل منهما وعلى مجموعهما إلا أنه على الثاني أبلغ ولهذا جيء بــ "ثم" وقوله ﴿ ليشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ تنبيه على شقاوتهم، فإنهم استبدلوا النفع الحقير العاجل الزائل بالأجر العظيم الآجل الدائم ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم ﴾ أي مما أسلفت من كتبها ما لم يكن يحل لهم ﴿ وويل لهم مما يكسبون ﴾ بذلك بعد من الرشا على التحريف وفي إعادة الويل في الكسب دليل على أن الوعيد كما يلحقهم بسبب الكتبة وإسنادها إلى الله، فكذلك يلحقهم بسبب أخذ المال عليه ليعلم أن أخذ المال على الباطل محرم وإن كان بالتراضي ﴿ وقالوا لن تمسنا النار ﴾ نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو جزمهم بأن الله  لا يعذبهم إلا أياماً معدودة قليلة، وهذا الجزم مما لا سبيل إليه بالعقل ألبتة، ولا دليل له سمعياً فلا يجزم به عاقل.

والأيام المعدودة قالوا: أربعون يوماً هي أيام عبادة العجل.

وعن مجاهد قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً لأن يوماً عند الله ألف سنة.

وأيام معدودة ومعدودات كلاهما فصيح مثل الأيام مضت ومضين.

والعهد ههنا يجري مجرى الوعد والخبر، لأن خبره  كالعهود المؤكدة منا بالقسم والنذر.

و ﴿ أتخذتم ﴾ استفهام بطريق الإنكار، وإنه يدل على عدم الدليل السمعي.

﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ لتنزهه  عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص.

فإن قيل: هب أن الخلف في الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف.

قلنا: الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوّزه كامل، ولعل للكرم طريقاً آخر سوى هذا فتأمل.

و "أم" إما معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقدير لأن العلم واقع بكون أحدهما وهذا من الكامل المنصف نحو ﴿ وإِنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ ، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى "بل أتقولون" كأنه أعرض عن الاستفهام الأول واستأنف سؤالاً ثانياً.

فالاستفهام الأول لتقرير النفي، والاستفهام الثاني لتقرير الإثبات.

وفي الآية تنبيه على أن القول بغير دليل باطل وأن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي.

ولا حجة لمنكري القياس وخبر الواحد فيه لأنه لما دل الدليل على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد، كان وجوب العمل معلوماً فكان القول به قولاً بالمعلوم ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله ﴿ لن تمسنا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله  ﴿ هم فيها خالدون ﴾ عن ابن عباس: وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة، وإذا كان يوم القيامة أقحموا في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شفير سقر وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأبد.

قلت: وفي مثل حالهم ضلال الفلاسفة القائلين بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بقبائح أفعال الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من قبائح الأعمال إلا أياماً معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب.

ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية يقلل التعلقات الدنيوية ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي، وكل هذا خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنه قول من لم يجرب ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس وتتكدر بالأخلاق الذميمة البهيمية والسبعية، وكيف تتصفى وتتطهر بالأخلاق الحميدة الروحانية الملكية، فغمر بصدإ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ فلا يجلوها إلا مرور الدهور وكرور الأعصار.

وقد ينضم الكفر إلى تلك الأخلاق فيبقى خالداً مخلداً في النار، في ويل طويل وزفير وعويل، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

والسيئة أصلها سيوئة من ساءه يسوءه سوأ ومساءة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وهي من الصفات الغالبة.

وقوله ﴿ سيئة ﴾ يتناول جميع المعاصي صغرت أو كبرت، فضم إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة.

ولفظ الإحاطة حقيقة في المجسمات إحاطة السور بالبلد والظرف بالمظروف، فنقل إلى الخطيئة وهي عرض لمعنيين من جهة أن المحيط يستر المحاط به.

والكبيرة تستر الطاعات، ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات وتستولي عليها إحاطة العدو بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم.

والآية وإن وردت في اليهود فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبمثلها تتمسك المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، وفسر غيرهم الخطيئة المحيطة بالكفر فيه تتحقق الإحاطة التامة.

واعلم أن في المسألة خلافاً لأهل القبلة.

منهم من قطع بوعيدهم إما مؤبداً - وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج - وإما منقطعاً - وهو قول بشر المريسي والخالدي ومنهم من قطع بأنه وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.

والذي عليه أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والإمامية، القطع بأنه  يعفو عن بعض العصاة، وأنه إذا عذب أحدهم فلا يعذبه أبداً، لكنا نتوقف في حق البعض المعفو عنه والبعض المعذب على التعيين.

أما المعتزلة فاستدلوا بعمومات وردت في وعيد الفساق كقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها  ﴾ وقوله ﴿ وإن الفجار لفي جحيم  ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ومن الحديث "من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة.

ومن قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وعن أبي سعيد الخدري قال  "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار" وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا النار بقتلهم أولى.

وأجيب بالمنع من أن هذه الصيغ للعموم بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها نحو: كل من دخل داري فله كذا، أو بعض من دخل.

ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض، ولأن الأكثر قد يطلق عليه لفظ الكل، ولاحتمال المخصصات.

القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر احتجوا بنحو قوله  ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين  ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم  ﴾ ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى.

الذي كذب وتولى  ﴾ وبالعمومات الواردة في الوعد مثل ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك  ﴾ الآية.

حكم بالفلاح على كل من آمن.

وعورض بعمومات الوعيد.

أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض والتوقف في البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله عز من قائل ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بد من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل إليه، لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف، وإهمال الوعد باضد.

وأيضاً القرآن مملوء من قوله ﴿ عفواً غفوراً ﴾ ﴿ رحيماً ﴾ ﴿ كريماً ﴾ .

وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر.

وأيضاً إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة؟

إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما.

فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب.

واعلم أن مذهب الأصحاب إلى الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثواباً ولا عقاباً، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات وسوابق البواعث.

ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوّفك حتى تبلغ الأمن خير ممن أمنك حتى تبلغ الجوف.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ .

أَجمع أَهل التفسير والكلام على صرف الأَيام المعدودة المذكورة في هذه الآية إلى أَيام عبادة العجل.

وذلك لا معنى له؛ لوجهين: أحدهما: أَن هؤلاء لم يعبدوا العجل، وإنما عبد آباؤُهم؛ فلا معنى لصرف ذلك إلى هؤلاء.

والثاني: لو صرف ذلك إلى آبائهم الذين عبدوا العجل لم يحتمل أيضاً؛ لأَنهم قد تابوا ورجعوا عن ذلك؛ فلا معنى للتعذيب على عبادة العجل بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، والله أعلم.

وتصرف الأَيام المعدودة إلى العمر الذي عَصَوْا فيه؛ لما لم يروا التعذيب إلا على قدر وقت العصيان والذنب، أَو لما لم يكونوا يروْن التخليد في النار أَبداً، أَو لما هم عند أنفسهم، كما أَخبر الله عنهم، بقوله: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

يقولون: إنا لا نُعذَّب أَبداً، إنما نعذَّب تعذيب الأَبِ ابنَه أَو الحبيبِ حبيبَه؛ يعذِّب في وقت قليل، ثم يرضى، ويدخل الجنة.

ولكن عقوبة الكفور أبداً، والتخليد فيها لا لوقت، وكذلك ثوابُ الإيمان للأَبد لا لوقت؛ لأَن من اعتقد ديناً إنما يعتقده للأَبد لا لوقت؛ فعلى ذلك جزاؤه للأَبد لا لوقت.

وأَما من ارتكب ذنباً من المسلمين؛ بشهوةٍ تغلبه في وقت، فيرتكبه، ثم يتركه - فإنما يعاقب إن عوقب على قدر ما ارتكب في وقتٍ؛ لأَنه لم يرتكبه للأَبد؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ .

والعهد يحتمل: هل عندكم خبر عن الله  بأَنكم لا تعذبون أَبداً، ولكن أَياماً معدودة؟

فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده.

والثاني: أَتخذتم عند الله عهداً، أي لكم أعمال صالحة عند الله فودعكم بها الجنة، فهو لا يخلف وعده.

أَي: ليس لكم واحد من هذين، لا خبرٌ عن الله بأَنه لا يعذبكم، ولا أَعمال صالحة وعد لكم بها الجنة.

وقوله: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

هذا إكذابٌ من الله - عز وجل - إياهم بذلك القول، كأَنه قال: بل تقولون على الله ما لا تعلمون؛ أَلا ترى أَنه قال: ﴿ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ ﴾ ؟!

يقول: ﴿ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ يعني: شركاً ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ ﴾ ، أَي: مات عليها.

﴿ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.

وقيل: ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ ﴾ : بقلبه.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحة، ثوابهم عند الله دخول الجنّة وملازمتها، ماكثين فيها أبدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.p9xGA"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا ضرب من ضروب غرورهم عطفه على ما قبله فقال ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً  ﴾ قيل هي أربعون يومًا مدة عبادتهم العجل، والذي عليه أكثر اليهود أنها سبعة أيام لأن عمر الدنيا عندهم سبعة آلاف سنة فالإسرائيلي الذي لا تدركه الشفاعة يمكث في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة يوم.

ومثل هذا الحكم لا يمكن القول به إلا بعهد من الله تعالى مالك يوم الدين والجزاء وإلا كان افتئاتًا عليه سبحانه وقولًا عليه بغير علم وهذا ما رد به عليهم ولله الحجة البالغة وأمر رسوله أن يخاطبهم به بقوله ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ  ﴾ أي هل عهد الله إليكم ذلك ووعد به فكان حقًا لكم عنده، لأن الله لا يخلف عهده؟

وقال ابن جرير وبعض المفسرين معناه هل اتخذتم عند الله عهدًا باتباع شريعته اعتقادًا أو ائتمارًا وانتهاء وتخلفًا فأنتم واثقون بعهد الله في كتابه لمن كان كذلك بالنجاة من النار ودخول الجنة ومغفرة ما عساه يفرط منه من السيئات أو العقوبة عليه مدة قصيرة؟؟

والاستفهام للإنكار أي لستم على عهد من الله تعالى ولذلك كذبهم بقوله ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ أي أم تقولون على الله شيئا ليس لكم به علم، إذ العلم بمثله لا يكون إلا وحيًا منه يبلغه عنه رسله، والقول على الله بغير علم جرأة وافتيات عليه وكفر به.

والمعنى أنه لا بد من أحد الأمرين إذ لا واسطة بينهما: إما اتخاذ عهد عند الله، وإما القول على الله بغير علم، وإذا كان اتخاذ العهد لم يحصل تعين أنكم تكذبون على الله بجهلكم وغروركم، ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً  ﴾ الآية.

بلى مبطلة لدعواهم، وللسيئة هنا إطلاقها وخصها مفسرنا "الجلال" وبعض المفسرين بالشرك.

ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ  ﴾ معنى فإن الشرك أكبر السيئات وهو يستحق هذا الوعيد لذاته كيفما كان.

ومعنى إحاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجًا منها، يرى نفسه حرًا مطلقًا وهو أسير الشهوات، وسجين الموبقات، ورهين الظلمات؟

وإنما تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب، والتمادي على الإصرار، قال تعالى ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  ﴾ أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة ﴿ يَكْسِبُونَ  ﴾ معنى الاسترسال والاستمرار، وران عليه غطاه وستره أي أن قلوبهم قد أصبحت في غلف من ظلمات المعاصي حتى لم يبت منفذ للنور يدخل إليها منه.

ومن أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحًا وإقلاعًا صحيحًا لا تحيط به الخطايا ولا ترين على قلبه السيئات.

ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها فلم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا جزاءها فقالوا إن المراد بالخلود طول مدة المكث لأن المؤمن لا يخلد في النار وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته.

أولوا هذا التأويل هروبًا من قول المعتزلة: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، وتأييدًا لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة، والقرآن فوق المذاهب يرشد إلى أن من تحيط به خطيئته لا يكون أو لا يبقى مؤمنًا.

<div class="verse-tafsir"

مزيد من التفاسير لسورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله