الآية ٩٩ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩٩ من سورة البقرة

وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقُونَ ٩٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٩ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى : ( ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ) أي : أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات [ دلالات ] على نبوتك ، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود ، ومكنونات سرائر أخبارهم ، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل ، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم ، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم ، التي كانت في التوراة .

فأطلع الله في كتابه الذي أنزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ; فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه ، ولم يدعه إلى هلاكها الحسد والبغي ، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصف ، من غير تعلم تعلمه من بشري ولا أخذ شيئا منه عن آدمي .

كما قال الضحاك ، عن ابن عباس : ( ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ) يقول : فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية ، وبين ذلك ، وأنت عندهم أمي لا تقرأ كتابا ، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه .

يقول الله : في ذلك لهم عبرة وبيان ، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال ابن صوريا الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك .

فأنزل الله في ذلك من قوله : ( ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولقد أنـزلنا إليك آيات)، أي أنـزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك: وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله الذي أنـزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم من خفايا علوم اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل, والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم - وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه، من أحكامهم التي كانت في التوراة.

فأطلعها الله في كتابه الذي أنـزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

(70) فكان، في ذلك من أمره، الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد والبغي.

إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصفت من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيء منه عن آدمي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.

1636 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (ولقد أنـزلنا إليك آيات بينات) يقول: فأنت تتلوه عليهم، وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك, وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا, وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه.

يقول الله: ففي ذلك لهم عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.

1637- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة مولى ابن عباس, وعن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا الفِطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (71) يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه, وما أنـزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها!

(72) فأنـزل الله عز وجل: (ولقد أنـزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون)!

(73) 1638 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكر مثله.

(74) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ (99) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وما يكفر بها إلا الفاسقون)، وما يجحد بها.

وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى " الكفر " الجحود، بما أغنى عن إعادته هنا.

(75) وكذلك بينا معنى " الفسق "، وأنه الخروج عن الشيء إلى غيره.

(76) * * * فتأويل الآية: ولقد أنـزلنا إليك، فيما أوحينا إليك من الكتاب علامات واضحات تبين لعلماء بني إسرائيل وأحبارهم - الجاحدين نبوتك، والمكذبين رسالتك - أنك لي رسول إليهم، ونبي مبعوث, وما يجحد تلك الآيات = الدالات على صدقك ونبوتك، التي أنـزلتها إليك في كتابي فيكذب بها منهم = إلا الخارج منهم من دينه, التارك منهم فرائضي عليه في الكتاب الذي يدين بتصديقه.

فأما المتمسك منهم بدينه، والمتبع منهم حكم كتابه, فإنه بالذي أنـزلت إليك من آياتي مصدق وهم الذين كانوا آمنوا بالله وصدقوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل.

------------------- الهوامش: (70) في المطبوعة : "فأطلع الله في كتابه .

.

" وهو كلام لا يستقيم ، والصواب ما أثبت .

يعني فأظهر الله هذه الخفايا ، وتلك الأخبار ، وما حرفوه من الأحكام في توراتهم .

(71) في المطبوعة"القطيوني" بالقاف ، وهو خطأ ، وهو من بني ثعلبة بن الفطيون (بكسر الفاء وسكون الطاء ، وضم الياء) .

قال السهيلي : "الفطيون : كلمة عبرانية تطلق على كل من ولي أمر اليهود وملكهم" .

ورواية ابن جرير : "ابن صوريا" ، والذي في سيرة ابن هشام 2 : 196"ابن صلوبا الفطيوني" .

وقد ذكر ابن هشام فيما روى من سيرة ابن إسحاق 1 : 160 - 161"الأعداء من يهود" ، فعد في بني ثعلبة: ابن الفطيون : "عبد الله بن صوريا الأعور ، ولم يكن في زمانه أحد أعلم بالتوارة منه ، وابن صلوبا ، ومخيريق .

وكان حبرهم ، أسلم" ، ولم أستطع أن أرجح أهو : ابن صوريا ، أو - ابن صلوبا - الذي كان من أمره ما كان .

ولعلهما روايتان مختلفتان عن ابن إسحاق .

وانظر أيضًا الأثر : 1638 .

(72) في ابن هشام : "من آية فنتبعك لها ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله : "ولقد أنزلنا إليك .

.

" (73) الأثران : 1637 - 1638 - في سيرة ابن هشام 2 : 196 .

(74) الأثران : 1637 - 1638 - في سيرة ابن هشام 2 : 196 .

(75) انظر ما سلف 1 : 255 ، 382 ، 552 ، وهذا الجزء 2 : 140 ، 337 .

(76) انظر ما سلف 1 : 409 - 410 ، وهذا الجزء 2 : 118 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون[ ص: 39 ] قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها ؟

فأنزل الله هذه الآية ، ذكره الطبري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } تحصل بها الهداية لمن استهدى, وإقامة الحجة على من عاند, وهي في الوضوح والدلالة على الحق, قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله, وخرج عن طاعة الله, واستكبر غاية التكبر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} واضحات مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام.

{وما يكفر بها إلا الفاسقون} الخارجون عن أمر الله عز وجل.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد أنزلنا إليك» يا محمد «آيات بينات» أي واضحات حال، رد لقول ابن صوريا للنبي ما جئتنا بشيء «وما يكفر بها إلا الفاسقون» كفروا بها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد أنزلنا إليك-أيها الرسول- آيات بينات واضحات تدل على أنّك رسول من الله صدقا وحقا، وما ينكر تلك الآيات إلا الخارجون عن دين الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أخذ القرآن في تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته عما يفعله معه اليهود فقال تعالى :( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ .

.

.

)أي : لقد أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالة على معانيها وعلى كونها من عند الله ، وبينا لك فيها علوم اليهود ، ومكنونات سرائرهم وأخبارهم ، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم من كتبهم ، وما بدلوه من أحكامهم قال تعالى :( إِنَّ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) وإن هذه الآيات التي أنزلها الله إليك يا محمد ، ما يكفر بها ، ويجحد صدقها إلا المتمردون من الكفرة ، الخارجون على حدود الله المنتهكون لحرماته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه: فقال لهم معاذ بن جبل يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته، فقال بعضهم ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: الأظهر أن المراد من الآيات البينات القرآن الذي لا يأتي بمثله الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وقال بعضهم: لا يمتنع أن يكون المراد من الآيات البينات القرآن مع سائر الدلائل نحو امتناعهم من المباهلة ومن تمني الموت وسائر المعجزات نحو إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ونبوع الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر.

قال القاضي: الأولى تخصيص ذلك بالقرآن؛ لأن الآيات إذا قرنت إلى التنزيل كانت أخصَّ بالقرآن؛ والله أعلم.

المسألة الثانية: الوجه في تسمية القرآن بالآيات وجوه، أحدها: أن الآية هي الدالة وإذا كانت أبعاضُ القرآن دالةً بفصاحتها على صدق المدعي كانت آيات.

وثانيها: أن منها ما يدل على الإخبار عن الغيوب فهي دالة على تلك الغيوب.

وثالثها: أنها دالة على دلائل التوحيد والنبوة والشرائع فهي آيات من هذه الجهة، فإن قيل: الدليل لا يكون إلا بيناً فما معنى وصف الآيات بكونها بينة، وليس لأحد أن يقول المراد كون بعضها أبين من بعض لأن هذا إنما يصح لو أمكن في العلوم أن يكون بعضها أقوى من بعض وذلك محال، وذلك لأن العالم بالشيء إما أن يحصل معه تجويز نقيض ما اعتقده أو لا يحصل، فإن حصل معه ذلك التجويز لم يكن ذلك الاعتقاد علماً وإن لم يحصل استحال أن يكون شيء آخر آكد منه.

قلنا: التفاوت لا يقع في نفس العلم بل في طريقه؛ فإن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصول إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب، وهذا هو الآية البينة.

المسألة الثالثة: الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل وذاك لا يتحقق إلا في الجسمي فهو على هذا الكلام محال لكن جبريل لما نزل من الأعلى إلى الأسفل وأخبر به سمي ذلك إنزالاً.

أما قوله: ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الكفر بها من وجهين.

أحدهما: جحودها مع العلم بصحتها.

والثاني: جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه.

المسألة الثانية: الفسق في اللغة خروج الإنسان عما حد له قال الله تعالى: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ  ﴾ وتقول العرب للنواة: إذا خرجت من الرطبة عند سقوطها فسقت النواة، وقد يقرب من معناه الفجور لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد إذا صار إليه فشبه تعدي الإنسان ما حد له إلى الفساد بالذي فجر السد حتى صار إلى حيث يفسد.

فإن قيل: أليس أن صاحب الصغيرة تجاوز أمر الله ولا يوصف بالفسق والفجور؟

قلنا: إنه إنما يسمى بهما كل أمر يعظم من الباب الذي ذكرنا لأن من فتح من النهر نقباً يسيراً لا يوصف بأنه فجر ذلك النهر وكذلك الفسق إنما يقال: إذا عظم التعدي.

إذا ثبت هذا فنقول في قوله: ﴿ إِلاَّ الفاسقون ﴾ وجهان، أحدهما: أن كل كافر فاسق ولا ينعكس فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره فكان أولى.

الثاني: أن يكون المراد ما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره والمعنى أن هذه الآيات لما كانت بينة ظاهرة لم يكفر بها إلا الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى وتجاوز عن كل حد مستحسن في العقل والشرع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلاَّ الفاسقون ﴾ إلا المتمرّدون من الكفرة.

وعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك لها فنزلت.

واللام في ﴿ الفاسقون ﴾ للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب ﴿ أوَ كُلَّمَا ﴾ الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا.

وقرأ أبو السَّمَّال بسكون الواو على أنّ الفاسقون بمعنى الذين فسقوا، فكأنه قيل: وما يكفر بها إلا الذين فسقوا، أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة.

وقرئ ﴿ عوهدوا وعهدوا ﴾ واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا.

وكم عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفوا ﴿ الذين عاهدت مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ ﴾ [الأنفال: 56] .

والنبذ الرمي بالذمام ورفضه.

وقرأ عبد الله ﴿ نقضه ﴾ ﴿ فَرِيقٌ مّنْهُمُ ﴾ وقال فريق منهم، لأنّ منهم من لم ينقض ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بالتوراة وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدّون نقض المواثيق ذنباً ولا يبالون به.

﴿ كتاب الله ﴾ يعني التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها.

وقيل: كتاب الله: القرآن، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول.

﴿ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنه كتاب الله لا يدخلهم فيه شك.

يعني أن علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا ونبذوه وراء ظهورهم، مثل لتركهم وإعراضهم عنه، مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه.

وعن الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤنه، ولكنهم نبذوا العمل به.

وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب، ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ ﴾ أيِ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، والفِسْقُ إذا اسْتُعْمِلَ في نَوْعٍ مِنَ المَعاصِي دَلَّ عَلى عِظَمِهِ كَأنَّهُ مُتَجاوِزٌ عَنْ حَدِّهِ.

نَزَلَ في ابْنِ صُورِيّا حِينَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ فَنَتْبَعُكَ.

﴿ أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أكَفَرُوا بِالآياتِ وكُلَّما عاهَدُوا، وقُرِئَ بِسُكُونِ الواوِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ إلّا الَّذِينَ فَسَقُوا، ﴿ أوَكُلَّما عاهَدُوا ﴾ ، وقُرِئَ « عُوهِدُوا» وَ « عَهِدُوا» .

﴿ نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ نَقَضَهُ، وأصْلُ النَّبْذِ الطَّرْحُ، لَكِنَّهُ يَغْلِبُ فِيما يُنْسى، وإنَّما قالَ فَرِيقٌ لِأنَّ بَعْضَهم لَمْ يُنْقَضْ ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ رَدٌّ لِما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ الفَرِيقَ هُمُ الأقَلُّونَ، أوْ أنَّ مَن لَمْ يَنْبِذْ جِهارًا فَهم مُؤْمِنُونَ بِهِ خَفاءً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون} المتمردون من الكفرة واللام للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشئ نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك بها فنزلت الواو فى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ ابْنِ صُورِيا، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: «(ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن آياتٍ فَنَتَّبِعَكَ)،» وجُعِلَتْ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا ﴾ إلَخْ، عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، (وما يَكْفُرُ) عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ، فَإنَّهُ كَما يُصَدَّرُ بِاللّامِ يُصَدَّرُ بِحَرْفِ النَّفْيِ، والآياتُ: القُرْآنُ، والمُعْجِزاتُ، والإخْبارُ عَمّا خَفِيَ، وأُخْفِيَ في الكُتُبِ السّابِقَةِ، أوِ الشَّرائِعُ، والفَرائِضُ، أوْ مَجْمُوعُ ما تَقَدَّمَ كُلُّهُ، والظّاهِرُ الإطْلاقُ، والفاسِقُونَ المُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ الخارِجُونَ عَنِ الحُدُودِ، فَإنَّ مَن لَيْسَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ الكَفَرَةِ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكُفْرِ بِمِثْلِ هاتِيكَ البَيِّناتِ، قالَ الحَسَنُ: إذا اسْتُعْمِلَ الفِسْقُ في نَوْعٍ مِنَ المَعاصِي وقَعَ عَلى أعْظَمِ أفْرادِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِن كُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا قِيلَ: هو فاسِقٌ في الشُّرْبِ، فَمَعْناهُ هو أكْثَرُ ارْتِكابًا لَهُ، وإذا قِيلَ: هو فاسِقٌ في الزِّنا، يَكُونُ مَعْناهُ هو أشَدُّ ارْتِكابًا لَهُ، وأصْلُهُ مِن فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ لِأنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ، وإمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ أي واضحات.

ويقال: مبينات للحلال والحرام.

وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ، يعني وما يجحد بالآيات إلاَّ الكَافِرُونَ والْفَاسِقُونَ واليهود ومشركو العرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: رأيْتُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ: جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك.

ت: يعني، واللَّه أعلم: مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ: والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها.

انتهى.

وذكر ابن عبَّاس وغيره أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى عَبْد وممْلُوك، وإِيلُ: اللَّهُ «١» .

وقوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الضمير في «إِنَّهُ» عائد على اللَّه تعالى، وفي «نَزَّلَهُ» عائدٌ على «جِبْرِيل» ، أي: بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل: الضمير في «إنَّهُ» عائدٌ على جبريل، وفي «نَزَّلَهُ» عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف.

وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، ومُصَدِّقاً: حال من ضمير القرآن في «نزّله» ، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى، وَهُدىً، أي: إرشاد.

مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)

وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ...

الآيةَ: وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عمَّهما تشريفاً لهما وقيل: خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما فذكرا لئلا تقول اليهود: إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوة العبد الله هي مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ تعذيبُهُ وإظهار أثر العداوة عليه.

وقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً ...

الآيةَ: قال سيبوَيْه «١» : «الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام» ، والنبذ: الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه: هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة من أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو محمّد صلّى الله عليه وسلم ومُصَدِّقٌ: نعْتٌ لرسولٍ، وكتابُ اللَّه: القُرْآن، وقيل: التوراة لأن مخالفتها نبذ لها، ووَراءَ ظُهُورِهِمْ مَثَلٌ لأن ما يجعل ظهريًّا، فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول: جَعَلَ هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه.

وكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ: تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم/ فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على ٣٠ ب عِلْمٍ.

وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ ...

الآية: يعني اليهود، وتَتْلُوا: قال عطاءٌ: معناه: تقرأ «٢» ، وقال ابن عبَّاس: تَتْلُوا: تتبع «٣» ، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريّ: اتَّبَعُوا: بمعنى: فضلّوا، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل: إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت: إن ذلك كان علم سليمان.

وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لما ذَكَر سليمانَ- عليه السلام- في الأنبياء، قال بعضُ اليهود: انظروا إلى محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحراً.

وقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئةٌ من اللَّه تعالى لسليمان- عليه السلام.

والسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك كُفْراً، ولا يستتابُ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ: يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفراً، استتيب منه، فإِن تاب، وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ: يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون: أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ: «مَا» عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعولةٌ، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر، أو «١» على القول أن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعْلَم على جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه.

قال ع «٢» : والتعليمُ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل:

«إِنَّمَا» عطف على «ما» في قوله: مَا تَتْلُوا، وقيل: «ما» نافية، ردٌّ على قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وذلك أنَّ اليهود قالُوا: إن اللَّه تعالى أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفى اللَّه ذلك.

ت: قال عِيَاضٌ: والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة «٣» ، وبَابِل: قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ: بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ وكذا قال: ع «٤» ت: قال عياض «٥» : وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة

هَارُوت ومَارُوت.

وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ- رضي اللَّه عنهما- في خَبَرِهما، وابتلائهما، فاعلم- أكرمك اللَّه- أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم، وليس «١» هو شَيْئاً يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم «٢» كما نصَّه اللَّه أول الآيات.

انتهى.

انظره.

وقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ ...

الآية: ذكر ابْنُ الأعرابيِّ «٣» في «اليَاقُوتَةِ» أنَّ يُعَلِّمانِ بمعنى «يُعْلِمَانِ «٤» ، ويشعران» كما قال كعب بن زهير «٥» : [الطويل]

تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي ...

وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ «١»

وحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر، وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ: بل التعليمُ على عرفه.

٣١ أص «٢» : وقوله تعالى: مِنْ أَحَدٍ: «مِنْ» هنا زائدةٌ مع المفعول لتأكيد/ استغراق الجنْس لأن أحداً من ألفاظ العموم.

انتهى.

ويُفَرِّقُونَ: معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل: معناه يُؤْخِّذُونَ «٣» الرجُلَ عن المرأة حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضا فرقة، وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلمه، وتمكينه، ويَضُرُّهُمْ: معناه: في الآخرة، والضميرُ في علموا عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال:

اشْتَراهُ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ: النصيب والحظُّ وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله: «لَمَن» للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط.

م: وَلَبِئْسَ مَا: أبو البقاء «٤» : جواب قسم محذوف، والمخصوص بالذم

محذوف، أي: السحر أو الكفر، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على السحر، أو الكفر.

انتهى.

وشَرَوْا: معناه: باعوا، والضمير في «يَعْلَمُونَ» عائدٌ على بني إسرائيل اتفاقا، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا: يعني: الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ: «لَوْ» : لَمَثُوبَةٌ، والمثوبةُ عند الجمهور: بمعنى الثواب.

وقوله سبحانه: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل: لو كانوا يعلمون عِلْماً ينفع.

وقرأ جمهورُ النَّاس «١» : راعِنا من المراعاة بمعنى: فَاعِلْنَا، أي: ارعنا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ: هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول سَدًّا للذريعةِ «٢» لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، وانْظُرْنا: معناه: انتظرنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقَّدنا من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بَعْدُ على السمع الذي في ضمنه الطاعةِ، وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر- عذاباً أليماً، وهو المؤلم، وَاسْمَعُوا: معطوفٌ على قُولُوا، لا على معمولها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «أقْبَلَتِ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ،  فَقالُوا: مَن يَأْتِيكَ مِنَ المَلائِكَةِ؟

قالَ: جِبْرِيلُ، فَقالُوا: ذاكَ يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والقِتالِ، ذاكَ عَدُوُّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي تَلِيها.» وَفِي جِبْرِيلَ إحْدى عَشْرَةَ لُغَةً.

إحْداها: جِبْرِيلُ، بِكَسْرِ الجِيمِ والرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو.

قالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: وجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ ومِيكالُ مَعَهُما مِنَ اللهِ وحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلَ وَقالَ عِمْرانُ بْنُ حَطّانٍ: والرُّوحُ جِبْرِيلُ فِيهِمْ لا كَفاءَ لَهُ ∗∗∗ وكانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللَّهِ مَأْمُونًا وَقالَ حَسّانُ: وجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ∗∗∗ ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ لَهُ كَفاءُ واللُّغَةُ الثّانِيَةِ: جَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ، وبَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ مِن غَيْرِ هَمْزٍ عَلى وزْنِ: فَعْلِيلٍ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: لا أشْتَهِيها، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فِعْلِيلٌ، ولا أرى الحَسَنَ قَرَأها إلّا وهو صَوابٌ، لِأنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.

والثّالِثَةُ: جَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ، وبَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ عَلى وزْنِ: جَبْرَعِيلَ، وبِها قَرَأ، الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ.

قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هي أجْوَدُ اللُّغاتِ، وقالَ جَرِيرٌ: عَبَدُوا الصَّلِيبَ وكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ∗∗∗ وبَجَبْرَئِيلَ وكَذَّبُوا مِيكالا والرّابِعَةُ: جَبْرَئِلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ وهَمْزَةٌ بَيْنَ الرّاءِ واللّامِ، مَكْسُورَةٌ مِن غَيْرِ مَدٍّ عَلى وزْنِ: جَبْرَعِلِ، رَواها أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.

والخامِسَةُ جَبْرَئِلُّ، بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ أبانَ عَنْ عاصِمٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ.

والسّادِسَةُ: جِبْرائِيلُ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ مَعَ الألِفِ.

والسّابِعَةُ: جِبْرايِيلُ بِيائَيْنِ بَعْدَ الألِفِ أوَّلَهُما مَكْسُورَةٌ.

والثّامِنَةُ: جَبْرِينُ، بِفَتْحِ الجِيمِ ونُونٍ مَكانَ اللّامِ.

والتّاسِعَةُ: جِبْرِينُ، بِكَسْرِ الجِيمِ وبَنُونٍ، قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ قالَ: في جِبْرِيلَ تِسْعُ لُغاتٍ، فَذَكَرَهُنَّ.

وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ "الرَّدِّ عَلى مَن خالَفَ مُصْحَفَ عُثْمانَ" جِبْرائِلَ، بِفَتْحِ الجِيمِ وإثْباتٍ الألِفِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ لَيْسَ بَعْدَها ياءٌ.

وجَبْرَئِينُ، بِفَتْحِ الجِيمِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ونُونٌ.

فَأمّا مِيكائِيلُ، فَفِيهِ خَمْسُ لُغاتٍ.

إحْداهُنَّ: مِيكالُ، مِثْلُ: مِفْعالُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ.

والثّانِيَةُ: مِيكائِيلَ بِإثْباتِ ياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، مِثْلُ: مِيكاعِيلُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.

والثّالِثَةُ: مِيكائِلُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الألِفِ مِن غَيْرِ ياءٍ، مِثْلُ مِيكاعِلُ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ شَنَبُوذَ، وابْنُ الصَّباحِ، جَمِيعًا عَنْ قُنْبُلٍ.

والرّابِعَةُ: مِيكَئِلُ، عَلى وزْنِ: مِيكَعِلُ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ.

والخامِسَةُ: مِيكائِينُ بِهَمْزَةٍ مَعَها ياءٌ ونُونٌ بَعْدَ الألِفِ، ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ الكِسائِيُّ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، اسْمانِ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُما، فَلَمّا جاءا عَرَّبَتْهُما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، ذَهَبَ إلى أنَّ "إيلَ" اسْمُ اللَّهِ، واسْمُ المَلِكِ، "جَبْرَ" و"مِيكا" .

وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنى جِبْرِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ، ومَعْنى مِيكائِيلَ: عُبَيْدُ اللهِ، وقَدْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ في المَلائِكَةِ، لَكِنَّهُ أعادَ ذِكْرَهُما لِشَرَفِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ  ﴾ .

وإنَّما قالَ: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم كافِرُونَ بِهَذِهِ العَداوَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الناسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرُ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ ﴾ "وَجَدَ" في هَذا المَعْنى تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّها مِن أفْعالِ النَفْسِ، ولِذَلِكَ صَحَّ تَعَدِّيها إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِ الشاعِرِ: تَلَفَّتَ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجُعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا «وَقالَ النَبِيُّ  في الضَبِّ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أُعافُهُ».

وحِرْصُهم عَلى الحَياةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأنْ لا خَيْرَ لَهم عِنْدَ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ ، قِيلَ: المَعْنى وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لا يَعْرِفُونَ إلّا هَذِهِ الحَياةَ الدُنْيا، ألا تَرى إلى قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: تَمَتَّعْ مِنَ الدُنْيا فَإنَّكَ فانٍ ∗∗∗..............

والضَمِيرُ في "أحَدُهُمْ" يَعُودُ في هَذا القَوْلِ عَلى اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ حَياةٍ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عن طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم ﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ ، وهي المَجُوسُ، لِأنَّ تَشْمِيتَهم لِلْعاطِسِ لَفْظٌ بِلُغَتِهِمْ مَعْناهُ "عِشْ ألْفَ سَنَةٍ" فَكَأنَّ الكَلامَ: ومِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمٌ ﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ ، وفي هَذا القَوْلِ تَشْبِيهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقَصَدَ الألِفَ بِالذِكْرِ لِأنَّها نِهايَةُ العَقْدِ في الحِسابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ ﴾ ، اخْتَلَفَ النُحاةُ في "هُوَ"، فَقِيلَ: هو ضَمِيرُ الأحَدِ المُتَقَدِّمِ، فالتَقْدِيرُ: وما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ في المَجْرُورِ، و ﴿ أنْ يُعَمَّرَ ﴾ فاعِلٌ بِمُزَحْزِحِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ التَعْمِيرِ، والتَقْدِيرُ: وما التَعْمِيرُ بِمُزَحْزِحِهِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، و"أنْ يَعْمُرَ" بَدَلٌ مِنَ التَعْمِيرِ في هَذا القَوْلِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ" ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ بِما حُفِظَ عَنِ النُحاةِ مِن أنَّ الأمْرَ والشَأْنَ إنَّما يُفَسَّرُ بِجُمْلَةٍ سالِمَةٍ مِن حَرْفِ جَرٍّ.

وقَدْ جَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ في بَعْضِ مَسائِلِهِ الحَلَبِيّاتِ،.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: هو عِمادٌ، وقِيلَ: "ما" عامِلَةٌ حِجازِيَّةٌ و"هُوَ" اسْمُها والخَبَرُ في "بِمُزَحْزِحِهِ".

والزَحْزَحَةُ الإبْعادُ والتَنْحِيَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ، والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وهَذا عَلى الرُجُوعِ إلى خِطابِ المُتَوَعِّدِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَ عَلى سَبَبٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِيما مَضى مِنَ الآياتِ، ولَكِنْ أجْمَعَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: «إنَّ يَهُودَ فَدْكٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : نَسْألُكَ عن أرْبَعَةِ أشْياءَ، فَإنَّ عَرَفْتَها اتَّبَعْناكَ، فَسَألُوهُ عَنِ الشَبَهِ في الوَلَدِ فَقالَ: أيُّ ماءٍ عَلا كانَ الشَبَهُ لَهُ، وسَألُوهُ عن نَوْمِهِ فَقالَ: تَنامُ عَيْنِي ولا يَنامُ قَلْبِي، وسَألُوهُ عَمَّنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمّا ذَكَرَهُ قالُوا: ذاكَ عَدُّونا، لِأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ والشَدائِدِ والجَدْبِ، ولَوْ كانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكائِيلُ مَلَكُ الرَحْمَةِ والخَصْبِ والأمْطارِ لاتَّبَعْناكَ».

وقِيلَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَتَكَرَّرُ عَلى بَيْتِ المَدارِسِ، فاسْتَحْلَفَهم يَوْمًا بِالَّذِي أنْزَلَ التَوْراةَ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، أتَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ؟

قالُوا نَعَمْ، قالَ فَلِمَ تَهْلَكُونَ في تَكْذِيبِهِ؟

قالُوا صاحِبَهُ جِبْرِيلُ، وهو عَدُوُّنا.

وذَكَرَ أنَّهم قالُوا سَبَبَ عَداوَتِهِمْ لَهُ: أنَّهُ حَمى بُخْتِ نَصَّرَ حِينَ بُعِثُوا إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَمْلِكَ مَن يَقْتُلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِقَوْلِهِمْ.

وفِي جِبْرِيلَ لُغاتٌ: "جِبْرِيلُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وجَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ النَبِيَّ  في النَوْمِ وهو يَقْرَأُ جِبْرِيلَ ومِيكالَ، فَلا أزالُ أقْرَؤُهُما أبَدًا كَذَلِكَ.

وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَيْنَ الراءِ واللامِ وبِها قَرَأ عاصِمٌ، وجَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الراءِ وياءٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ واللامِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَكاها الكِسائِيُّ عن عاصِمٍ، وجَبْرائِلُ بِألِفٍ بَعْدِ الراءِ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وبِها قَرَأ عِكْرِمَةُ، وجِبْرائِيلُ بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وجِبْرايِيلُ بِياءَيْنِ، وبِها قَرَأ الأعْمَشُ، وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ، وبِها قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وجَبْرالُ لُغَةٌ فِيهِ.

و"جِبْرِينُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ وياءٍ ونُونٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِها.

وجِبْرِيلُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَرَّبَتْهُ العَرَبُ فَلَها فِيهِ هَذِهِ اللُغاتُ، فَبَعْضُها هي مَوْجُودَةٌ في أبْنِيَةِ العَرَبِ وتِلْكَ أدْخَلُ في التَعْرِيبِ كَجِبْرِيلَ الَّذِي هو كَقِنْدِيلُ، وبَعْضُها خارِجٌ عن أبْنِيَةِ العَرَبِ، فَذَلِكَ كَمَثَلِ ما عَرَّبَتْهُ العَرَبُ ولَمْ تُدْخِلْهُ في بِناءٍ كَإبْرَيْسَمْ وفِرِنْدَ وآجِرَ ونَحْوِهِ.

وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أنَّ جَبْرَ، ومَيْكَ، وسَرافَ، هي كُلُّها بِالأعْجَمِيَّةِ بِمَعْنى عَبْدٍ ومَمْلُوكٍ، وإيلُ: اسْمُ اللهِ تَعالى، ويُقالُ فِيهِ: إلَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ سَمِعَ سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ﴾ الضَمِيرُ في "فَإنَّهُ" عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ في "نَزَّلَهُ" عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ  ، والمَعْنى بِالقُرْآنِ وسائِرُ الوَحْيِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، وفي "نَزَّلَهُ" عَلى القُرْآنِ، وخُصَّ القَلْبُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العَقْلِ والعِلْمِ وتَلَقِّي المَعارِفِ.

وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في "قَلْبِكَ" اتِّساعًا في العِبارَةِ، إذْ لَيْسَ ثُمَّ مَن يُخاطِبُهُ النَبِيُّ  بِهَذِهِ الكافِ، وإنَّما يَجِيءُ قَوْلُهُ: فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِي، لَكِنَّ حَسُنَ هَذا إذْ يَحْسُنُ فِي كَلامِ العَرَبِ أنْ تُحْرِزَ اللَفْظَ الَّذِي يَقُولُهُ المَأْمُورُ بِالقَوْلِ، ويَحْسُنُ أنْ تُقْصَدَ المَعْنى الَّذِي يَقُولُهُ فَتَسْرُدُهُ مُخاطَبَةً لَهُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِقَوْمِكَ لا يُهِينُوكَ، فَكَذَلِكَ هي الآيَةُ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ ألَمْ تَرَ أنِّي يَوْمَ جَوِّ سَوِيقَةٍ ∗∗∗ بَكَيْتُ فَنادَتْنِي هُنَيْدَةُ ما لِيا فَأحْرَزَ المَعْنى ونَكَبَ عن نِداءِ هُنَيْدَةَ: مالَكَ؟

و ﴿ بِإذْنِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، و"مُصَدِّقًا" حالٌ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في "نَزَّلَهُ"، و( ما بَيْنَ يَدَيْهِ ): ما تَقَدَّمَهُ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى، و"هُدًى": إرْشادٌ، و"البُشْرى": أكْثَرُ اسْتِعْمالِها في الخَيْرِ، ولا تَجِيءُ في الشَرِّ إلّا مُقَيَّدَةً بِهِ، ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفُ جِبْرِيلَ  وذَمُّ مُعادِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وذَمٌّ لِمُعادِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وإعْلامُ أنَّ عَداوَةَ البَعْضِ تَقْتَضِي عَداوَةَ اللهِ لَهم.

وعَداوَةُ العَبْدِ لِلَّهِ هي مَعْصِيَتُهُ واجْتِنابُ طاعَتِهِ، ومُعاداةُ أولِيائِهِ.

وعَداوَةُ اللهِ لِلْعَبْدِ تَعْذِيبُهُ وإظْهارُ أثَرِ العَداوَةِ عَلَيْهِ.

وذِكْرُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وقَدْ كانَ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَمَّهُما تَشْرِيفًا لَهُما.

وقِيلَ: خُصّا لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، فَذِكْرُهُما واجِبٌ، لِئَلّا تَقُولَ اليَهُودُ: إنّا لَمْ نُعادِ اللهَ وجَمِيعَ مَلائِكَتِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ مِيكائِلَ بِهَمْزَةٍ دُونَ ياءٍ.

وقَرَأ بِها ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مِيكائِيلَ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ "مِيكالَ"، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مُنْذُ رَآها في النَوْمِ كَما ذَكَرْنا.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "مِيكَئِلَ" بِهَمْزَةٍ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِيكايِيلَ" بِياءَيْنِ.

وظَهَرَ الِاسْمُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ ﴾ ، لِئَلّا يُشْكَلَ عَوْدُ الضَمِيرِ.

وجاءَتِ العِبارَةُ بِعُمُومِ الكافِرِينَ لِأنَّ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى "مَن" يُشَكِّلُ سَواءً أفْرَدَتْهُ أو جَمَعَتْهُ، ولَوْ لَمْ نُبالِ بِالإشْكالِ وقُلْنا: المَعْنى يَدُلُّ السامِعَ عَلى المَقْصِدِ لَلَزِمَ تَعْيِينُ قَوْمٍ بِعَداوَةِ اللهِ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تُطْلِقَ عَلَيْهِ عَداوَةَ اللهِ لِلْمَآلِ.

ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ جِبْرِيلَ الَّذِي يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّهُ يَجِيئُهُ؟

ذَلِكَ عَدُوُّنا.

فَقالَ لَهُ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخَبَرُ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ مَعْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ ابْنَ صُورِيّا قالَ لِلنَّبِيِّ  : يا مُحَمَّدُ.

ما جِئْتَ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ.

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» و"الفاسِقُونَ" هُنا: الخارِجُونَ عَنِ الإيمانِ، فَهو فِسْقُ الكُفْرِ، والتَقْدِيرُ: ما يَكْفُرُ بِها أحَدٌ إلّا الفاسِقُونَ، لِأنَّ الإيجابَ لا يَأْتِي إلّا بَعْدَ تَمامِ جُمْلَةِ النَفْيِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ قل من كان عدواً لجبريل ﴾ [البقرة: 97] عطف القصة على القصة لذكر كفرهم بالقرآن فهومن أحوالهم.

وهاته الجملة جواب لقسم محذوف فعطفها على ﴿ قل من كان عدواً ﴾ من عطف الإنشاء على الإنشاء وفيه زيادة إبطال لقولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91].

وفي الانتقال إلى خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم إقبال عليه وتسلية له عما لقي منهم وأن ما أنزل إليه لا يكذب به إلا من لا يؤبه بتكذيبه لكون هذا المنزل دلائل واضحة لا تقصر عن إقناعهم بأحقيتها ولكنهم يظهرون أنفسهم أنهم لم يوقنوا بحقيتها.

واللام موطئة لقسم محذوف فهنا جملة قسم وجوابه حذف القسم لدلالة اللام عليه.

وقوله: ﴿ وما يكفر بها إلا الفاسقون ﴾ عطف على ﴿ لقد أنزلنا ﴾ فهو جواب للقسم أيضاً.

والفاسق هو الخارج عن شيء من فسقت التمرة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ [البقرة: 26] وقد شاع إطلاقه على الخارج عن طريق الخير لأن ذلك الوصف في التمرة وصف مذموم وقد شاع في القرآن وصف اليهود به، والمعنى ما يكفر بهاته الآيات إلا من كان الفسق شأنه ودأبه لأن ذلك بهيئه للكفر بمثل هذه الآيات، فالمراد بالفاسقين المتجاوزون الحد في الكفر المتمردون فيه.

والإخبار وقع بالمضارع الدال على التجدد.

والتوصيف وقع باسم الفاعل المعروف باللام.

وقوله: ﴿ أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم ﴾ استفهام مستعمل في التوبيخ معطوف على جملة القسم لا على خصوص الجواب وقدمت الهمزة محافظة على صدارتها كما هو شأنها مع حروف العطف.

والقول بأن الهمزة للاستفهام عن مقدر محذوف والواوعاطفة ما بعدها على المحذوف علمتم إبطاله عند قوله تعالى: ﴿ أفكلما جاءكم رسول ﴾ .

وتقديم (كلما) تبع لتقديم حرف الاستفهام وقد تقدم توجيهه عند قوله تعالى: ﴿ أفكلما جاءكم رسول بمالا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴾ [البقرة: 87].

والنبذ إلقاء الشيء من اليد وهو هنا استعارة لنقض العهد شبه إبطال العهد وعدم الوفاء به بطرح شيء كان ممسوكاً باليد كما سموا المحافظة على العهد والوفاء به تمسكاً قال كعب: ولا تمسك بالوعد الذي وعدت *** والمراد بالعهد عهد التوراة أي ما اشتملت عليه من أخذ العهد على بني إسرائيل بالعمل بما أمروا به أخذاً مكرراً حتى سميت التوراة بالعهد، وقد تكرر منهم نقض العهد مع أنبيائهم.

ومن جملة العهد الذي أخذ عليهم أن يؤموا بالرسول المصدق للتوراة.

وأسند النبذ إلى فريق إما باعتبار العصور التي نقضوا فيها العهودكما تؤذن به (كلما) أو احتراساً من شمول الذم للذين آمنوا منهم.

وليس المراد أن ذلك الفريق قليل منهم فنبه على أنه أكثرهم بقوله: ﴿ بل أكثرهم لا يؤمنون ﴾ وهذا من أفانين البلاغة وهو أن يظهر المتكلم أنه يوفي حق خصمه في الجدال فلا ينسب له المذمة إلا بتدرج وتدبر قبل الإبطال.

ولك أن تجعلها للانتقال من شيء إلى ما هو أقوى منه في ذلك الغرض لأن النبذ قد يكون بمعنى عدم العمل دون الكفر والأول أظهر.

وقوله: ﴿ ولما جاءهم رسول ﴾ إلخ معطوف على قوله: ﴿ أو كلما ﴾ عطف القصة على القصة لغرابة هاته الشؤون.

والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: ﴿ مصدق لما معهم ﴾ .

والنبذ طرح الشيء من اليد فهو يقتضي سبق الأخذ.

وكتاب الله ظاهر في أنه المراد به القرآن لأنه الأتم في نسبته إلى الله.

فالنبذ على هذا مراد به تركه بعد سماعه فنزل السماع منزلة الأخذ ونزل الكفر به بعد سماعه منزلة النبذ.

وقيل: المراد بكتاب الله التوراة وأشار في «الكشاف» إلى ترجيحه بالتقديم لأن النبذ يقتضي سابقة أخذ المنبوذ وهم لم يتمسكوا بالقرآن، والأصل في إطلاق اللفظ المفرد أنه حقيقة لفظاً ومعنى وقيل المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى وفيه نظر لأن ذلك في إعادة الاسم المعرف باللام، أو تجعل النبذ تمثيلاً لحال قلة اكتراث المعرض بالشيء فليس مراداً به معناه.

وقوله: ﴿ وراء ظهورهم ﴾ تمثيل للإعراض لأن من أعرض عن شيء تجاوزه فخلفه وراء ظهره وإضافة الوراء إلى الظهر لتأكيد بُعد المتروك بحيث لا يلقاه بعد ذلك فجعل للظهر وراء وإن كان هو هنا بمعنى الوراء.

فالإضافة كالبيانية وبهذا يجاب عما نقله ابن عرفة عن الفقيه أبي العباس أحمد بن عبلون أنه كان يقول: مقتضى هذا أنهم طرحوا كتاب الله أمامهم لأن الذي وراء الظهر هو الوجه وكما أن الظهر خلف للوجه كذلك الوجه وراء للظهر قال ابن عرفة: وأجيب بأن المراد أي بذكر الظهر تأكيد لمعنى وراء كقولهم من وراءِ وراء.

وقوله: ﴿ كأنهم لا يعلمون ﴾ تسجيل عليهم بأنهم عالمون بأن القرآن كتاب الله أو كأنهم لا يعلمون التوراة وما فيها من البشارة ببعثة الرسول من ولد إسماعيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ ذَلِكَ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ويَسْتَخْرِجُونَ السِّحْرَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ سُلَيْمانَ ابْنَ داوُدَ عَلَيْهِ، فاسْتَخْرَجَهُ مِن أيْدِيهِمْ، ودَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَلَمْ تَكُنِ الجِنُّ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَدْنُوَ مِنَ الكُرْسِيِّ، فَقالَتِ الإنْسُ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ: إنَّ العِلْمَ الَّذِي كانَ سُلَيْمانُ يُسَخِّرُ بِهِ الشَّياطِينَ والرِّياحَ هو تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فاسْتَخْرَجُوهُ وقالُوا: كانَ ساحِرًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَتَعَلَّمُوهُ وعَلَّمُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَراءَةَ سُلَيْمانَ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والثّانِي: أنْ (آصِفَ بْنَ بَرْخِيا) وهو كاتِبُ سُلَيْمانَ واطَأ نَفَرًا مِنَ الشَّياطِينِ عَلى كِتابٍ كَتَبُوهُ سِحْرًا ودَفَنُوهُ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ اسْتَخْرَجُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وقالُوا: هَذا سِحْرُ سُلَيْمانَ، فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ ، وهم ما نَسَبُوهُ إلى الكُفْرِ، ولَكِنَّهم نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ السِّحْرُ كُفْرًا صارُوا بِمَنزِلَةِ مَن نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ.

قالَ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كَفَرُوا بِما نَسَبُوهُ إلى سُلَيْمانَ مِنَ السِّحْرِ.

والثّانِي: أنَّهم كَفَرُوا بِما اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ السِّحْرِ.

﴿ يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم ألْقَوْهُ في قُلُوبِهِمْ فَتَعَلَّمُوهُ.

والثّانِي: أنَّهم دَلُّوهم عَلى إخْراجِهِ مِن تَحْتِ الكُرْسِيِّ فَتَعَلَّمُوهُ.

﴿ وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ وفي ( ما ) هَهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى الَّذِي، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي أنْزَلَ عَلى المَلَكَيْنِ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى النَّفْيِ، وتَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَنْزِلْ عَلى المَلَكَيْنِ.

وَفي المَلَكَيْنِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِكَسْرِ اللّامِ، كانا مِن مُلُوكِ بابِلَ وعُلُوجِها هارُوتُ ومارُوتُ، وهَذا قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِفَتْحِ اللّامِ مِنَ المَلائِكَةِ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ سَحَرَةَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ السِّحْرَ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ إلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: وما كَفَرَ سُلَيْمانَ، وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ هارُوتُ ومارُوتُ، وهُما رَجُلانِ بِبابِلَ.

والثّانِي: أنَّ هارُوتَ ومارُوتَ مَلَكانِ، أهْبَطَهُما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى الأرْضِ، وسَبَبُ ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أطْلَعَ المَلائِكَةَ عَلى مَعاصِي بَنِي آدَمَ، عَجِبُوا مِن مَعْصِيَتِهِمْ لَهُ مَعَ كَثْرَةِ أنْعُمِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُمْ: أما أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ مَكانَهم لَعَمِلْتُمْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، فَقالُوا: سُبْحانَكَ ما يَنْبَغِي لَنا، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَخْتارُوا مَلَكَيْنِ لِيَهْبِطا إلى الأرْضِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وأحَلَّ لَهُما كُلَّ شَيْءٍ، عَلى ألّا يُشْرِكا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا يَسْرِقا، ولا يَزْنِيا، ولا يَشْرَبا الخَمْرَ، ولا يَقْتُلا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، فَعَرَضَتْ لَهُما امْرَأةٌ وكانَ يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ تُخاصِمُ زَوْجَها واسْمُها بِالعَرَبِيَّةِ: الزُّهَرَةُ، وبِالفارِسِيَّةِ: فَنْدَرِخْتُ، فَوَقَعَتْ في أنْفُسِهِما، فَطَلَباها، فامْتَنَعَتْ عَلَيْهِما إلّا أنْ يَعْبُدا صَنَمًا ويَشْرَبا الخَمْرَ، فَشَرِبا الخَمْرَ، وعَبَدا الصَّنَمَ، وواقَعاها، وقَتَلا سابِلًا مَرَّ بِهِما خافا أنْ يُشْهِرَ أمْرَهُما، وعَلَّماها الكَلامَ الَّذِي إذا تَكَلَّمَ بِهِ المُتَكَلِّمُ عَرَجَ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتْ وعَرَجَتْ، ثُمَّ نَسِيَتْ ما إذا تَكَلَّمَتْ بِهِ نَزَلَتْ فَمُسِخَتْ كَوْكَبًا، قالَ كَعْبٌ: فَواللَّهِ ما أمْسَيا مِن يَوْمِهِما الَّذِي هَبَطا فِيهِ، حَتّى اسْتَكْمَلا جَمِيعَ ما نُهِيا عَنْهُ، فَتَعَجَّبَ المَلائِكَةُ مِن ذَلِكَ.

ثُمَّ لَمْ يَقْدِرْ هارُوتُ ومارُوتُ عَلى الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، فَكانا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ.

وَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ نُزُولَهُما كانَ في زَمانِ ( إدْرِيسَ ).

وأمّا السِّحْرُ فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْناهُ: فَقالَ قَوْمٌ: يَقْدِرُ السّاحِرُ أنْ يَقْلِبَ الأعْيانَ بِسِحْرِهِ، فَيُحَوِّلُ الإنْسانَ حِمارًا، ويُنْشِئُ أعْيانًا وأجْسامًا.

وَقالَ آخَرُونَ: السِّحْرُ خِدَعٌ ومَعانٍ يَفْعَلُها السّاحِرُ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ بِخِلافِ ما هُوَ، كالَّذِي يَرى السَّرابَ مِن بَعِيدٍ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ ماءٌ، وكَواكِبُ السَّفِينَةِ السّائِرَةِ سَيْرًا حَثِيثًا، يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّ ما عايَنَ مِنَ الأشْجارِ والجِبالِ سائِرَةٌ مَعَهُ.

وَقَدْ رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «سَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ  يَهُودِيٌّ مِن يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ، حَتّى كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما فَعَلَهُ.

» قالُوا: ولَوْ كانَ في وُسْعِ السّاحِرِ إنْشاءُ الأجْسامِ وقَلْبُ الأعْيانِ عَمّا هي بِهِ مِنَ الهَيْئاتِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الباطِلِ والحَقِّ فَصْلٌ، ولَجازَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأجْسامِ مِمّا سَحَرَتْهُ السَّحَرَةُ، فَقُلِبَتْ أعْيانُها، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ ﴿ فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ﴾ وقالَ آخَرُونَ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ: إنَّ السّاحِرَ قَدْ يُوَسْوِسُ بِسِحْرِهِ فَيُمْرِضُ ورُبَّما قَتَلَ، لِأنَّ التَّخَيُّلَ بَدْءُ الوَسْوَسَةِ، والوَسْوَسَةُ بَدْءُ المَرَضِ، والمَرَضُ بَدْءُ التَّلَفِ.

فَأمّا أرْضٌ بِبابِلَ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكُوفَةُ وسَوادُها، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ حَيْثُ تَبَلْبَلَتِ الألْسُنُ بِها وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها مِن نُصَيْبِينَ إلى رَأْسِ عَيْنٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها جَبَلُ نَهاوَنْدَ.

وَهي [فَطْرٌ] مِنَ الأرْضِ.

﴿ وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ بِما تَتَعَلَّمُهُ مِن سِحْرِنا.

﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ ﴾ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: (مِنهُما) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مِن هارُوتَ ومارُوتَ.

والثّانِي: مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ.

والثّالِثُ: مِنَ الشَّيْطانِ والمَلَكَيْنِ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ الشَّياطِينِ السِّحْرَ، ومِنَ المَلَكَيْنِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

﴿ وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ ﴾ يَعْنِي السِّحْرَ.

﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِأمْرِ اللَّهِ.

والثّانِي: بِعِلْمِ اللَّهِ.

﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ يَعْنِي ما يَضُرُّهم في الآخِرَةِ، ولا يَنْفَعُهم في الدُّنْيا.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ﴾ يَعْنِي السِّحْرَ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

﴿ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الخَلاقَ النَّصِيبُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ الخَلاقَ الجِهَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الخَلاقَ الدِّينُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ولَبِئْسَ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ في تَعْلِيمِهِ وفِعْلِهِ.

والثّانِي: مِن إضافَتِهِمُ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ، وتَحْرِيضِهِمْ عَلى الكَذِبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «قال ابن صوريا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه ما أنزل الله عليك من آية بينة، فأنزل الله في ذلك ﴿ ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ﴾ وقال مالك بن الصيف: حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد إليهم في محمد، والله ما عهد إلينا في محمد ولا أخذ علينا ميثاقاً، فأنزل الله تعالى ﴿ أو كلما عاهدوا عهداً...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ﴾ يقول: فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك.

وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتاباً، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، ففي ذلك عبرة لهم وبيان وحجة عليهم لو كانوا يعلمون.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ نبذه ﴾ قال: نقضه.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ نبذه فريق منهم ﴾ قال: لم يكن في الأرض عهد يعاهدون إليه إلا نقضوه ويعاهدون اليوم وينقضون غداً قال: وفي قراءة عبدالله: نقضه فريق منهم.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم...

﴾ الآية.

قال: ولما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت، كأنهم لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا [[هو: عبد الله بن صوريا، تقدمت ترجمته [البقرة:1].]]، حيث قال لرسول  : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك لها، فأنزل الله هذه الآية (١) والبينات: جمع بينة، والبين: من باب الصيّب والسيّد، وقد مرّ (٢) والبينة: الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة؛ لأنها من إبانة أحد شيئين عن الآخر، فيزول الالتباس بها.

واستقصاء الكلام في هذا عند قوله: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ﴾ أي: الخارجون عن أديانهم، واليهود خرجت بالكفر بمحمد  عن شريعة موسى  (٣) (١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 441، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 183 من طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1051 والواحدي في "أسباب النزول" ص 34، والسيوطي في "لباب القول" ص 18.

(٢) في تفسير الآية رقم 19.

(٣) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 441.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ ﴾ الآية: سببها أنّ اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: جبريل عدوّنا لأنه ملك الشدائد والعذاب؛ فلذلك لا نؤمن به، ولو جاءك ميكائيل لآمنا بك؛ لأنه ملك الأمطار والرحمة ﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ﴾ فيه وجهان: الأول فإن الله نزل جبريل، والآخر فإن جبريل نزل القرآن، وهذا أظهر، لأن قوله: مصدّقاً لما بين يديه من أوصاف القرآن، والمعنى: الرد على اليهود بأحد وجهين: أحدهما من كان عدواً لجبريل فلا ينبغي له أن يعاديه؛ لأنه نزله على قلبك فهو مستحق للمحبة، ويؤكد هذا قوله وهدى وبشرى، والثاني: من كان عدوّاً لجبريل فإنما عاداه لأنه نزله على قلبك، فكان هذا تعليل لعداوتهم لجبريل ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ ذُكرا بعد الملائكة تجديداً للتشريف والتعظيم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جبريل ﴾ مفتوحة الجيم مكسورة الراء غير مهموز: ابن كثير.

وقرأ حمزه وعلي وخلف وعاصم غير حفص ويحيى مفتوحة الراء والجيم مهموزة مشبعاً.

وقرأ يحيى مختلساً.

الباقون: مكسورة الراء والجيم غير مهموز.

﴿ ميكال ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص، وقرأ أبو جعفر ونافع مختلساً مهموزاً.

الباقون: ميكائيل مهموزاً مشبعاً.

الوقوف: ﴿ للمؤمنين ﴾ (ه) ﴿ للكافرين ﴾ (ه) ﴿ بينات ﴾ (ج) لأن هذه الواو للابتداء أو الحال والحال أوجه لاتحاد القصة ﴿ الفاسقون ﴾ (ه) ﴿ فريق منهم ﴾ (ط) لأن "بل" للإعراض عن الأول ﴿ لا يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ أوتوا الكتاب ﴾ (ط) قد قيل يوقف لبيان أن كتاب الله مفعول "نبذ" لا بدل مما قبله ﴿ لا يعلمون ﴾ (ه) قد يجوز للآية، والوصل للعطف على ﴿ نبذ ﴾ لإتمام سوء اختيارهم في النبذ والاتباع.

التفسير: هذا نوع آخر من قبائح أفعال اليهود، والسبب في نزوله أنه  لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا من أحبار فدك فقال: يا محمد، كيف نومك؟

فقد أخبرنا عن نوم النبي  الذي يجيء في آخر الزمان، فقال  تنام عيناي ولا ينام قلبي.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرنا عن الولد من الرجل يكون أو من المرأة؟

فقال: أما العظام والعصب والغضروف فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة.

فقال صدقت.

قال: فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله، أو يشبه أخواله دون أعمامه؟

فقال: أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له.

قال: صدقت.

قال: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه، فقال  : "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً إن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحب الطعام والشراب على نفسه وهو لحمان الإبل وألبانها" ؟

فقالوا: اللهم نعم.

فقال له: بقيت خصلة إن قلتها آمنت بك.

أيّ ملك يأتيك بما تقول عن الله؟

قال: جبريل قال: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي باليسر والرخاء.

فإن كان هو يأتيك آمنا بك.

فقال عمر: ما مبدأ هذا العداوة؟

فقال ابن صوريا: إن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس يخرب في زمان رجل يقال له بختنصر، ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله على قتله.

فهذا ليس هو ذاك وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه.

ثم إنه كبر وقوي وملك وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدواً.

وأما ميكائيل فإنه عدو لجبريل.

فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل، وهما عدوان لمن عاداهما، فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.

وقيل: كان لعمر أرض بالمدينة أعلاها، وكان ممره على مدراس اليهود، وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم.

فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك.

فقال: والله لا أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد  وأرى آثاره في كتابكم.

ثم سألوه فقالوا: من صاحب صاحبكم؟

فقال عمر: جبريل.

فقالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلام.

فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟

قالوا: أقرب منزلة جبريل وهو عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدوّ لجبريل.

فقال عمر: إن كان كما تقولون فما هما بعدوّين، ولأنتم أكفر من الحمير.

ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدواً لله.

ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال النبي  : "لقد وافقك ربك يا عمر" .

قال: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر.

وعن مقاتل: زعمت اليهود أن جبريل عدونا أمر بأن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا.

والأقرب في سبب عداوتهم إياه أنه كان ينزل بالقرآن على محمد  كما يشعر بذلك قوله ﴿ فإنه نزله ﴾ أي إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقاً لكتابهم وموافقاً له وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرّفونه ويجحدون موافقته له كقولك "إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه" أو إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في النزول بما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.

ويمكن أن يتوجه الجزاء إلى قوله ﴿ بإذن الله ﴾ إلى آخره.

أي إن عاداه أحد فلا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وباختياره وإنما جاء به بإذن الله وأمره الذي لا محيص عنه ولا سبيل إلى مخالفته وجاء به مصدقاً هادياً مبشراً، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يلزم أن يكون مشكوراً.

فعداوة من هذا سبيله عداوة الله، ولو أنه  أمر ميكائيل بذلك لانقاد لأمره أيضاً لا محالة ولتوجه الإشكال عليه، فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟

وجبريل ممتنع من الصرف للعلمية والعجمة بشرطها.

وعن ابن عباس وغيره أن معناه عبد الله، والضمير في نزله للقرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم مثل قوله  ﴿ ما ترك على ظهرها من دابة  ﴾ وهذا النوع من الإضمار فيه فخامة لشأن صاحبه حيث جعله لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه.

وأكثر الأمة على أن القرآن إنما نزل على محمد لا على قلبه، لكن خص القلب بالذكر لأن السبب في تمكنه  من الأداء ثباته في قلبه، فمعنى على قلبك حفظه إياك وفهمه.

وقيل: أي جعل قلبك متصفاً بأخلاق القرآن ومتأدباً بآدابه كما في حديث عائشة "كان خلقه  القرآن" وكان حق الكلام أن يقال على قلبي إلا أنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي ﴿ من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك ﴾ ومعنى ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ موافقاً لما قبله من كتب الأنبياء فيما يرجع إلى المبادئ والغايات دون الأوساط التي يتطرق إليها الاختلاف بتبدل الأزمان والأوقات.

ومعنى قوله ﴿ وهدى وبشرى ﴾ أن القرآن يشتمل على أمرين.

أحدهما بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأفعال الجوارح فهو من هذا الوجه هدى، وثانيهما بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه فهو من هذا الوجه بشرى، والأول مقدم على الثاني في الوجود فقدم في الذكر أيضاً.

ولا ريب أن البشرى تختص بالمؤمنين، وأما الهدى فلأنهم هم المنتفعون به كما مر في ﴿ هدى للمتقين ﴾ .

ولما بين في الآية المتقدمة أن من كان عدواً لجبريل لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد  وجب أن يكون عدواً لله  ، بين في الآية التالية أن من كان عدواً لله وللمخصوصين بكرامته فإن الله يعاديهم وينتقم منهم.

والعداوة بالحقيقة لا تصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وهذا التصور يستحيل في حقه  من العاقل المتفطن لا الغافل المتغابي.

فمعنى قوله ﴿ من كان عدواً لله ﴾ أي لأولياء الله كقوله ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله  ﴾ .

أو يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وبعدهم عن التمسك بدينه، لأن العدو لا يكاد يوافق عدوه وينقاد لأمره.

قال أهل التحقيق: عداوتهم لله وملائكته نتيجة عداوة الله لهم ونظره إليهم في الأزل بالقهر " هؤلاء في النار ولا أبالي" كما أن محبة المؤمنين لله نتيجة محبة الله إياهم ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ وذلك أن صفات الله  قديمة وصفات الخلق محدثة، والأولى علة الثانية.

وأفرد الملكان بالذكر دلالة على فضلها كأنهما من جنس آخر، فإن التغاير في الوصف قد ينزل منزلة التغاير في الذات، ولأن الآية نزلت فيما يتعلق بهما فحسن أن ينص على اسميهما.

وتقديم جبريل في الذكر يدل على أنه أفضل من ميكائيل وأيضاً أن جبريل ينزل بالوحي والعلم وذلك سبب بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والرزق وهو سبب بقاء الأبدان.

والواو في جبريل وميكائيل بمعنى "أو" لأن عداوة أحد هؤلاء توجب عداوة الله كما أن عداوة كلهم توجب ذلك، ويحتمل أن يكون الواو على الأصل ويعرف ما ذكرنا من القرينة.

وقوله ﴿ للكافرين ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن عداوة هؤلاء كفر.

الآيات البينات هي آيات القرآن، ولا يبعد أن تشمل سائر معجزاته وإن كان لفظ الإنزال نابياً عنه بضع النبوّ.

ومعنى كون الآية بينة أن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله، والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصل إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب وهذا هو الآية البينة.

والكفر بها إما جحودها مع العلم بصحتها، وإما جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها، وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه، والفسق هو خروج الإنسان عما حد له إلى الفساد ويقرب منه الفجور، لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد.

عن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره.

ولهذا لا يوصف صاحب الصغيرة بالفسق وإن تجاوز عن أمر الله  كمن فتح من النهر نقباً صغيراً لا يقال: إنه فجر النهر.

وفي قوله ﴿ إلا الفاسقون ﴾ وجهان: أحدهما أن كل كافر فاسق ولا ينعكس، وكان ذكر الفاسق أولى ليأتي على الكافر وغيره.

الثاني أن المراد وما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره.

وهذه الآيات لما كانت بينة لم يكفر بها إلا الكافر الذي بلغ في الكفر النهاية القصوى، وهذا نوع آخر من فضائح اليهود.

عن ابن عباس أنهم كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله  قبل مبعثه، فلما بعث  من العرب كفروا به وجحدوا بما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد  ونحن أهل الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته.

فقال بعضهم: ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فنزلت.

واللام في ﴿ الفاسقون ﴾ للجنس أو إشارة إلى أهل الكتاب.

﴿ أو كلما ﴾ الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات؟

وكلما عاهدوا واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله  فلم يفوا الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة.

وفيه تسلية لرسول الله  لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس من مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك.

والنبذ الرمي بالذمام ورفضه، وإنما قيل ﴿ فريق منهم ﴾ لأن منهم من لم ينقض بل أكثرهم لا يؤمنون بالتوراة وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً.

﴿ ولما جاءهم رسول ﴾ أي كتاب لتلازمهما بدليل كتاب الله وهو القرآن، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، يعني أن علمهم بذلك رصين من قبل التوراة ولكن المكابرة هجيراهم، ونبذه وراء ظهورهم مثل لإعراضهم عنه وتركهم العمل به.

وقيل: كتاب الله التوراة لأنهم لكفرهم برسول الله كافرون بها.

وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه.

اللهم ارزقنا العلم بكتابك والعمل به.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .

بيَّن فيها الحلالَ والحرام، وما يُؤْتى وما يُتَّقى، وما يُنْهى وما يُؤْمر.

ويحتمل: الآيات التي أنزلها عليه ليُنْصر بها على المعاندين له، والمكابرين، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

يقول: كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم.

يحتمل: العهودَ التي أُخذت عليهم - في التوراة - أَن يؤمنوا بمحمد  ، ولا يكفروا به بعد الإيمان.

أَو أَخذ عليهم: ألا يكتموا نعته، وصفته، الذي في التوراة لأَحد، فنبذوا ذلك، ونقضوا تلك المواثيق والعهود التي أخذت عليهم.

ثم في الآية دلالة جعل القرآن حجة؛ لأنه قال: ﴿ نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ﴾ ، ولو كان في كتبهم ما ادعوا من الحجة والاتباع لأَتوا به معارضاً؛ لدفع ما احتج به عليهم؛ فثبت أَنهم كانوا كذبة في دعاويهم؛ حيث امتنعوا عن معارضته.

وقوله: ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ ﴾ .

أي: وما يكفر بتلك الآيات إلا الفاسقون.

وقوله: ﴿ وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .

يعني محمداً  .

﴿ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

أي: نَعْتُه الذي كان في التوراة موافق لمحمد  .

وقيل: لما جاءَهم محمد  عارضوه بالتوراة؛ فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة والقرآن، وأَخذوا بكتاب السحر الذي كتبه الشياطين.

ويحتمل: أَن محمداً  لما جاءَهم كان موافقاً لما مضى من الرسل، غير مخالف لهم؛ لأَن الرسل كلهم آمنوا به، وصدق بعضهم بعضاً.

وقوله: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ .

يحتمل: كتاب الله: التوراة، على ما ذكرنا.

ويحتمل: كتاب الله، القرآن العظيم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: يعلمون، ولكن تركوا العمل به، والإيمان بما معهم؛ كأَنهم لا يعلمون؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم خرج فعلهم فعل من لا يعلم.

أَخبر: أَنهم نبذوا نبذ من لا يعلم، لا أَنهم لم يعلموا، ولكن نبذوه، سفهاً، وتعنتاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ ﴾ .

قيل: تتلو: ما كتبت الشياطين من السحر.

وقيل: تتلو؛ من التلاوة.

وقيل: ما تتلو: ما يروى الشياطينُ من السحر.

وهو قول ابن عباس -  ما - وهو يرجع إلى واحد.

والآية في موضع الاحتجاج على اليهود؛ لأَنهم ادعوا: أَن الذي هم عليه أُخِذَ عن سليمان  ، فإن كان كفراً فقد كفر سليمان.

فأَخبر الله - عز وجل - نبيَّه  : أَن سليمان ما كفر، ولكن الشياطين كفروا بما علَّموا الناس من السحر.

ويحتمل: لكن أَتْباع الشياطين كفروا باعتقادهم السحر، وعملهم به بتعليم الشياطين، فنسب ذلك إلى الشياطين بما بهم كفروا، كما نسبت عبادة الأصنام إلى الشياطين بما بهم عبدوا، والله أعلم.

وروي عن ابن عباس -  ما - قال: كان آصفُ كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأَعظم، وكان يكتب كل شيء بأَمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه؛ فلما مات سليمان أَخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً، وكفراً، وكذباً؛ فقالوا: هذا الذي كان يعمل به سليمان؛ فأَكفرَه جهالُ الناس وسبوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالُهم يسبونَه؛ حتى أَنزل الله - عز وجل - على محمد  : ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: إن الشياطين ابتدعت كتاباً من السحر والأَمر العظيم، ثم أَفشته في الناس وعلمته إياهم؛ فلما سمع بذلك سليمان تتبع تلك الكتبَ، فدفنها تحت كرسيه كراهية أَن يتعلمها الناس.

فلما قُبض نبيُّ الله سليمان -  - عمدت الشياطين إلى تلك الكتب فاستخرجتها من مكانها، وعلموها الناس، وأَخبروهم أَنه علم كان سليمان يكتمه، ويستأثره؛ فَعَذر الله نبيَّه سليمان، وبرأَه من ذلك على لسان نبينا محمد  بقوله  : ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ...

﴾ الآية.

وقيل أيضاً: لما مات سليمان -  - وقع في الناس أوصابٌ وأَوجاعٌ؛ فقال الناس: لو كان سليمان -  - حيّاً لكان عنده من هذا فرج، فظهرت الشياطينُ لهم فقالوا: نحن ندلكم على ما كان يعمل به سليمان -  - فكتبوا كتباً، فجعلوها في البيوت، فاستخرجوا الكتب التي كتبت لهم الشياطينُ من السحر، فقالوا: هذا ما كان يعمل به سليمان.

فأَنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ...

﴾ الآية.

فلا ندري كيف كانت القصة، غير أن اليهود تركت كتب الأَنبياءِ والرسل، واتبعوا كتب الشياطين وما دعوهم إليه من السحر والكفر، وبالله التوفيق.

وفيه دلالةُ رسالة محمد  ؛ بما أَخبرهم عن قصتهم - على ما كان - فدل أَنه كان عرف ذلك بالله عز وجل.

وفي ذلك أَن قد نسب إلى سليمان ما برأَه الله عنه من غير أَن يُبَيِّن ماهيَّته.

ذكره الله عز وجل لوجهين: دلالة لرسوله، وتكذيباً للذين نَحَلوه بما هو كفر.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ﴾ .

أي: في ملكه؛ إذ كان ذلك الوقت هو وقت ظهورهم، ثم سخَّرهم الله لسليمان، فأَمكن ذلك منهم.

أَلقاهُ على أَلسن المعاندين لسليمان في السِّر؛ فَروَوْه عنه بعد الوفاة؛ فكذبهم الله - عز وجل - وبرأَ نبيَّه -  - عن ذلك، وبين كيف كان بَدْؤُه.

فإِنما بينها للخلق؛ لئلا يتبعوا في الرواية كلَّ من لقي النبي؛ إذ قد يكون من أَمثالهم: اختراعُ الرواية، وإِلزامُ السامعين الأُمورَ المعتادة من الرسل، ورد ما لا يوافق ذلك من الرواية؛ ولذلك أَبطل أصحابُنا خبر الخاصِّ فيما يُبلى به العام.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ .

قيل: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ ﴾ على النفي، والجحد، معطوفاً على قوله: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ ﴾ .

وقيل: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ﴾ : والذي أُنزل على الملكين بِبَابل.

وقيل: سميت بابل لما تبلبلت به الأَلسن، يعني: اختلفت؛ فلا يعلم ذلك إلا بالسمع.

ثم اختُلِفَ في "هاروت" و"ماروت": فقال الحسن: لم يكونا ملكين، ولكنهما كانا رجلين فاسقين متمردين؛ وذلك أَن الله - عز وجل - وصف ملائكته بالطاعة له والائتمار بأَمره، بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6]، وكقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وكذلك يقول الحسن في إبليس: إنه لم يكن من الملائكة.

وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم.

ثم عارض نفسه بقولهما: ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ .

فقال: إن المُخبِرَ بمثله إِذا عرف ولوع السامع به، وبما يعرض مثله - على العلم منه: أَنه يفعل، ولا يرتدع عن ذلك - يقول ذلك له؛ ترغيباً منه، والله أعلم.

ومنهم من يقول: كانا ملكين، لكنهما علما الاسمَ والأَعظم، فيقضيان به الحوائج إلى أَن حل بهما ما حل.

وبهذا يحتج في بَلْعَم بقوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ...

﴾ الآية [الأعراف: 175].

ثم اختلف بعد هذا على أَوجه: قال بعضهم: لم يكن ذلك منهما سحراً، بل هو تعويذ الفرقة يقدر عليه.

وقال قائلون: إن ما أُنزل على الملكين أُنزل كلاماً حسناً صواباً، لكنه خلط بالذي لقنهم الشيطان؛ فصار سحراً.

وقال آخرون: بلى.

كان هو في نفسه سحراً، يعلمان الناس ذلك، لكنه لا يُنهى عن تعليمه، ولا يكفر الذي تعلم.

إنما ينهى عن الاعتقاد له، فكان كالكفر الذي يعلم، لا يُنهى عن ذلك؛ لأَنه ما لم يعلم لم نعلم قبحهُ وفساده، ولكن إنما يُنهى عن الاعتقاد له؛ فكان كالكفر الذي في تعلمه، والله أعلم.

ثم نقول: إن قولهما: ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ على الاختيار منهما، وكلمة السحر جار عليهما في اللسان، من غير صنع لهما فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: إلا بعلم الله وقضائه.

وقيل: بخذلانه وتخليه.

وقيل: بمشيئة الله وإرادته.

وأَما ظاهر الإذن فهو يخرج على الإباحة؛ فالعقل يدفعه.

وقيل: إنه لا يصل إلى هاروت وماروت أَحد من بني آدم، وإنما يختلف بينهم شيطان في كل مسألة، والله أعلم.

ثم السحر يكون على وجهين.

سحر يكفر به صاحبه؛ فإن كان ذلك منه بعد الإسلام، يُقْتل به صاحبُه؛ لأَنه ارتداد منه.

وسحرُ لا يكفر به صاحبه؛ فلا يقتل به، إلا أَن يسعى في الأَرض بالفساد: من قتل الناس، وأَخذ الأَموال.

فهو كقاطع الطريق، يُحكم بحكمهم من القتل وسائر العقوبات، وإذا تاب قُبِلت توبتُه.

أَلاَ ترى أَن سحرةَ فرعون لما رأَوا الآيات آمنوا بالله -  - وتابوا توبة لا يطمع في مثل تلك التوبة من المسلم الذي نشأَ على الإسلام، حيث أَوعدهم فرعون بقطع الأَيدي والأَرجل، والصلب، وأَنواع العذاب، فقالوا: ﴿ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ  ﴾ .

وذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - في الساحرة: أَنها لا تقتل مرةً، وذكر عنه مرةً: أنها تقتل.

وقال في الساحر بالقولين.

فأَما ما روي عنه فيه بالقتل بعمل السحر، فهو على ما ذكرنا من قتله الناس بالسحر؛ فهو كالساعي في الأَرض بالفساد، لا بِعَيْن السحر.

أَو كفر بسحره بعد الإسلام؛ فيقتل كالمرتد عن الإسلام.

وما ذكر عنه: أَنه لا يُقْتل؛ فهو إذا لم يكن سحره سحرَ كفرٍ، ولا يسعى بالقتل في الأَرض لم يقتل به.

ثم قوله - في الساعي في الأَرض بالفساد: إنه إذا تاب قبل أن يُقدر عليه، سقط عنه القتل؛ فكذا الساحر.

وأما الذي هو لأجل الكفر يلزم القتل قبل التوبة، بعد القدرة عليه.

وعلى هذا يخرج قوله في الساحرة أيضاً.

ففيما قال: إنها لا تقتل؛ لما كان سحرها سحر كفر، والنساءُ لا يُقتلن للكفر.

وفيما قال: يقتلن؛ فلأَنهن يقتلن للسعي في الأَرض بالفساد كالرجل، والله أعلم.

وقال بعض الناس: لا تقبل توبة الساحر.

وهو غلط.

وأَحقُّ من يقبل توبتُه الساحرُ؛ إذ هو أَبلغ في تمييز ما هو حجة مما لا حجة.

وهذا هو الأَصل: أَن المُدَّعِيَ لشيء - على عهد الأَنبياءِ - إذا استقبلهم بمثله الأَنبياء - عليهم السلام - فهو أَحق من يلزمهم الإيمان به؛ لعلمهم بالحق منه.

والعوَامُّ منهم لا يعرفون إلا ظاهر ما يلزمهم، من تصديق الحجج، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ﴾ - من الدنيا - ﴿ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ في آخرتهم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ ﴾ .

يعني: اليهود في التوراة.

وقوله: ﴿ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ ﴾ .

يعني: اختاره للسحر.

وقيل: يتعلمون ما يضرهم في آخرتهم، ولا ينفعهم إن علموه.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ ﴾ يقول: لقد علمت اليهود أَن في التوراة آية لمن اختار السحر.

وقوله: ﴿ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ ﴾ .

يقول: نصيب في الثواب.

وقيل: ﴿ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أَي: ما له عند الله وجه.

وقوله: ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: بئس ما باعوا به أنفسهم، يعني: اليهود الذين يعلِّمون الفرقة والسحر.

وقيل: ﴿ مَا شَرَوْاْ بِهِ ﴾ يقول: ما باعوا به أَنفسهم من السحر والكفر.

يعني: من لا يقرأَ التوراة.

أَو يعني: أن لو كانوا يعلمون ما باعوا به أنفسهم، ولكنهم لا يعلمون.

أي: لو علموا أنهم بم باعوا أَنفسهم من العذاب الدائم، لعلموا أنهم بئس ما باعوا به.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ ﴾ .

بتوحيد الله.

﴿ وٱتَّقَوْا ﴾ .

الشركَ، والسحر.

﴿ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ ﴾ .

يقول: لكان ثوابهم عند الله خيراً من السحر والكفر.

﴿ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

ولكنهم لا يعلمون علم الانتفاع به، وهو كقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ ليسوا بصم ولا بكم ولا عمي في الحقيقة، ولكنهم صم من حيث لا ينتفعون به؛ إذ الحاجة من العلم، والبصر، والسمع الانتفاعُ به، فإذا ذهبت المنافع بهما فكان كمن لا علم معه ولا بصر له ولا سمع؛ حيث لا ينتفع، ولا يعمل به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أنزلنا إليك -أيها النبي- علامات واضحات على صدقك فيما جئت به من النبوة والوحي، وما يكفر بها مع وضوحها وبيانها إلا الخارجون عن دين الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.mbk8q"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام متصل بما قبله من ذكر تعلات اليهود واعتذارهم عن الإيمان بالنبي  وبما جاء به من البينات والهدى.

زعموا أنهم مؤمنون بكتاب لا حاجة لهم بهداية في غيره، فاحتج عليهم بما ينقض دعواهم، وزعموا أنهم ناجون في الأخرة على كل حال لأنهم شعب الله وأبناؤه فأبطل زعمهم، ثم ذكر تعلة أخرى أغرب مما سبقها، وفندها كما فند ما قبلها، وهي أن جبريل الذي ينزل بالوحي على النبي  عدوهم فلا يؤمنون بوحي يجئ هو به.

وقد جاء في أسباب النزول روايات عنهم في ذلك منها أن عبد الله بن صوريا، من علمائهم، سأل النبي  عن الملك الذي ينزل عليه بالوحي فقال هو جبريل فزعم أنه عدو اليهود وذكر من عداوته أنه أنذرهم خراب بيت المقدس فكان.

ومنها أن عمر بن الخطاب  دخل مدارسهم فذكر جبريل فقالوا: ذاك عدونا، يطلع محمدًا على أسرارنا وأنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلم: إلخ وهذا القول هراء وخطله بين، وإنما عني القرآن بذكره ورده لأنه مؤذن بتعنتهم وعنادهم، وشاهد على فساد تصورهم وعدم تدبرهم، ليعلم الذين كانوا ينتظرون ما يقول أهل الكتاب فيه أنه لا قيمة لأقوالهم، ولا اعتداد بمرائهم وجدالهم.

قال تعالى ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي قل لهم أيها الرسول حكاية عن الله تعالى: من كان عدوًا لجبريل فإن شأن جبريل كذا -فهو إذًا عدو لوحي الله الذي يشمل التوراة وغيرها ولهداية الله تعالى لخلقه وبشراه للمؤمنين على ما يأتي في بيان ذلك- وإذا كان يناجي روحك ويخاطب قلبك بإذن الله لا افتياتًا من نفسه فعداوته لا يصح أن تصد عن الإيمان بك، وليس للعاقل أن يتخذها تعلة وينتحلها عذرًا، فإن القرآن من عند الله لا من عنده.

فقوله ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ حجة أولى عليهم ثم قال ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  ﴾ أي حال كونه موافقًا للكتب التي تقدمته في الأصول التي تدعو إليها من التوحيد واتباع الحق والعمل الصالح ومطابقًا لما فيها من البشارات بالنبي الذي يجئ من أبناء إسماعيل، كأنه يقول فآمنوا به لهذه المطابقة والموافقة لا لأن جبريل واسطة في تبليغه وتنزيله، وهذه حجة ثانية، ثم عززهما بثالثة وهي قوله ﴿ وَهُدًى  ﴾ أي نزله هاديًا من الضلالات والبدع التي طرأت على الأديان، فألقت أهلها في حضيض الهوان، والعاقل لا يرفض الهداية التي تأتيه، وتنقذه من ضلال هو فيه، لأن الواسطة في مجيئها كان عدوًا له من قبل، فإن هذا الرفض من عمل الغبي الجاهل الذي لا يعرف الخير بذاته وإنما يعرفه بمن كان سببًا في حصوله : ثم أيد الحجج الثلاث برابعة فقال ﴿ وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي إذا كنتم تعادون جبريل لأنه أنذر بخراب بيت المقدس فهو إنما أنذر المفسدين، وقد أنزل هذا القرآن عَلَيَّ بشرى للمؤمنين فما لكم أن تتركوا هذه البشرى إن كنتم من أهل الإيمان، لأن الذي نزل فيها قد نزل بإنذار أهل الفساد والطغيان.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن جبريل اسم أعجمي مركب من "جبر" ومعناه بالعبرانية أو السريانية القوة ومن "ايل" ومعناه الإله أي قوة الله وقيل معناه عبد الله وفيه ١٣ لغة منها ثمان لغات قرئ بهن أربع في المشهورات: جبرئيل كسلسبيل قرأ بها حمزة والكسائي وجبريل بفتح الراء وحذف الهمزة قرأ بها ابن كثير والحسن وابن محيصن وجبرئل كجحمرش قرأ بها عاصم برواية أبي بكر، وجبريل كقنديل قرأ بها الباقون.

وأربع في الشواذ جبرال وجبرائيل وجبرئل وجبرين.

ومنها أن قوله ﴿ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ  ﴾ ورد على طريق الالتفات عن التكلم إلى الخطاب اذ كان مقتضى السباق أن يقول"نزله على قلبي"وقد قالوا في نكتته إنها حكاية ما خاطبه الله تعالى به.

ولا أرى صاحب الذوق السليم إلا مستنكرًا صيغة التكلم في هذا المقام، والعلة في ذلك لا تبعد عن الأفهام، ومنها أن الضمير المنصوب البارز في ﴿ نَزَّلَهُ  ﴾ للقرآن وهو لم يذكر فيها قبلها وإنما عينته قرينة الحال، وذلك يدل على فخامة شأنه، كأنه لشهرته قد استغني عن ذكره.

أقام الحجج على حماقتهم وسخفهم في دعوى عداوة جبريل وبيان أنها لا يصح أن تكون مانعة من الإيمان بكتاب أنزله الله بتلك الصفات التي طويت فيها الحجج، ثم بين في آية أخرى حقيقة حالهم في هذه العداوة فقال ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّه  ﴾ بكفره بما ينزله من الهداية ﴿ وَمَلائِكَتِهِ  ﴾ برفض الحق والخير الذي فطروا عليه وكراهة القيام بما يعهد به إليهم ربهم  ، لأنهم ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ ﴿ وَرُسُلِهِ  ﴾ به بتكذيب بعض و قتل بعض ﴿ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ  ﴾ بأن الأول ينزل بالآيات والنذر، ومن كان عدوًا لجبريل فهو عدو لميكال لأن فطرتهما واحدة وحقيقتهما واحدة من مقتها وعاداها في أحدهما فقد عاداها في الآخر ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ أي من عادى الله وعادى هؤلاء المقربين من الله الذين جعلهم رحمة لخلقه فإن الله عدو له لأنه كافر بالله ومعاد له والله عدو للكافرين أن يعاملهم معاملة الأعداء للأعداء، وهم الظالمون لأنفسهم إذ دعاهم فلم يقبلوا أن يكونوا مع الأولياء ﴿ مِيكَالَ  ﴾ بوزن ميعاد قراءة أبي عمرو ويعقوب وعاصم برواية حفص، وقرأ نافع ميكائيل وحمزة والكسائي وابن عامر ميكائيل وفي الشواذ ميكئل وميكئيل ميكائل.

هذا وعيد لهم بعد بيان فساد العلة التي جاءوا بها وهم لم يدَّعوا عداوة هؤلاء كلهم ولكنهم كذلك في نفس الأمر، فأراد أن يبين حقيقة حالهم في الواقع، وهي أنهم أعداء الحق وأعداء كل من يمثله وينقله ويدعو إليه، فالتصريح بعداوة جبريل كالتصريح بعداوة ميكال الذي يزعمون أنهم يحبونه وأنهم كانوا يؤمنون بالنبي لو كان هو الذي ينزل بالوحي عليه.

ومعاداة القرآن كمعاداة سائر الكتب الإلهية لأن الغرض من الجميع واحد.

ومعاداة محمد  كمعاداة سائر رسل الله لأن وظيفتهم واحدة.

فقولهم السابق وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر وهذا من ضروب إيجاز القرآن التي انفرد بها.

وفي قوله تعالى ﴿ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ وضع للمظهر في موضع المضمر لبيان أن سبب عداوته تعالى لهم هو الكفر فإن الله لا يعادي قومًا لذواتهم ولا لأنسابهم، وإنما يكره لهم الكفر ويعاقبهم عليه معاقبة العدو للعدو.

وقد بينا غير مرة أن عذاب الله وانتقامه من الكفرة والفجرة لا يشبه انتقام ملوك الدنيا وزعمائها، وإنما قضت سنته تعالى بأن يكون لكل عمل يعمله الانسان في ظاهره أو في نفسه وضميره أثر في نفس العامل يزكيها ويدسيها، وسعادة الإنسان في الآخر أو شقاؤه تابع لآثار اعتقاداته وأعماله في نفسه، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ  ﴾ .

ثم صرح بأن القرآن منزل من عند الله وحده، وأنه في نفسه آيات بينات لا يحتاج إلى آية أخرى تبينه وتشهد له، فإن ما كان بينا في نفسه أولى بالقبول مما يحتاج في بيانه إلى غيره، فقال ﴿ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ  ﴾ وقد تقدم أن الوحي من الله للنبي يسمى تنزيلًا وإنزالًا ونزولًا لبيان علو مرتبة الربوبية لا أن هناك نزولًا حسيًا من مكان مرتفع إلى مكان منخفض.

وأما كون آيات القرآن بينات فهي أنها بإعجازها البشر وبقرن المسائل الاعتقادية فيها ببراهينها والأحكام الأدبية والعملية بوجوه منافعها، لا تحتاج إلى دليل آخر يدل على أنها هداية من الله تعالى وأنها جديرة بالاتباع، بل هي دليل على نفسها عند صاحب الفطرة السليمة كالنور يظهر الأشياء وهو ظاهر بنفسه لا يحتاج إلى شيء آخر يظهره ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ  ﴾ الذين خرجوا من نور الفطرة وانغمسوا في ظلمة التقليد فتركوا طلب الحق بذاته لاعتقادهم أن فطرتهم ناقصة لا استعداد فيها لإدراكه بذاته على شدة ظهوره، وإنما يطلبونه من كلام مقلديهم.

وكذلك الذين ظهر لهم الحق فاستحبوا العمى على الهدى حسدًا لمن ظهر الحق على يديه وعنادًا له.

بعد هذا كله بين الله تعالى شأنين من شؤون أهل الكتاب وهما: أنه لا ثقة بهم في شيء، لما عرف عنهم من نقض العهود وأنه لا رجاء في إيمان أكثرهم لأن الضلالة قد ملكت عليهم أمرهم، إلا قليلًا منهم، فإن كل ما تقدم من الأعمال والأقوال قد صدر عن بعضهم، وإن كان نقض العهود قد وقع في كل زمن من فريق منهم دون فريق، فلا يتوهمن أحد أن أولئك هم الأقلون، كلا بل هم الأكثرون، ولذلك قال ﴿ أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم  ﴾ همزة الاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف أي أكفروا بالآيات وقالوا ما قالوا وكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم؟.

النبذ طرح الشيء وإلقاؤه والمراد بالعهود هنا عهودهم للنبي  ، ولما كان لفظ فريق وهم العدد القليل، وكان الواقع أن الذين كانوا يرون الوفاء له  قليلون، والناقضين هم الأكثرون، أضرب عنه وقال ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ فهم لا إيمان لهم لأنهم لا أيمان لهم، أي لا عهود لهم.

وفيه من خبر الغيب أن أكثر اليهود لا يؤمنون بالنبي  ، وكذلك كان، وصدق الله العظيم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل