الآية ١ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ١ من سورة الأنبياء

ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ مُّعْرِضُونَ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

سورة الأنبياء وهي مكية .

قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق : سمعت عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله قال : بنو إسرائيل ، والكهف ، ومريم ، وطه ، والأنبياء ، هن من العتاق الأول ، وهن من تلادي .

هذا تنبيه من الله ، عز وجل ، على اقتراب الساعة ودنوها ، وأن الناس في غفلة عنها ، أي : لا يعملون لها ، ولا يستعدون من أجلها .

وقال النسائي : حدثنا أحمد بن نصر ، حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( في غفلة معرضون ) قال : " في الدنيا " ، وقال تعالى : ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) [ النحل : 1 ] ، وقال [ تعالى ] : ( اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) [ القمر : 1 ، 2 ] وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن هانئ أبي نواس الشاعر أنه قال : أشعر الناس الشيخ الطاهر أبو العتاهية حيث يقول : الناس في غفلاتهم ورحا المنية تطحن فقيل له : من أين أخذ هذا؟

قال : من قوله تعالى : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ) .

[ وروى في ترجمة " عامر بن ربيعة " ، من طريق موسى بن عبيدة الآمدي ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ، عن عامر بن ربيعة : أنه نزل به رجل من العرب ، فأكرم عامر مثواه ، وكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءه الرجل فقال : إني استقطعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم واديا في العرب ، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك .

فقال عامر : لا حاجة لي في قطيعتك ، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ) ] .

ثم أخبر تعالى أنهم لا يصغون إلى الوحي الذي أنزل الله على رسوله ، والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم ونعمهم التي أنعمها عليهم فيها في أبدانهم، وأجسامهم، ومطاعمهم، ومشاربهم، وملابسهم وغير ذلك من نعمه عندهم، ومسألته إياهم ماذا عملوا فيها؛ وهل أطاعوه فيها، فانتهوا إلى أمره ونهيه في جميعها، أم عصوه فخالفوا أمره فيها؟( وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ) يقول: وهم في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم القيامة، وعن دنو محاسبته إياهم منهم، واقترابه لهم في سهو وغفلة، وقد أعرضوا عن ذلك، فتركوا الفكر فيه، والاستعداد له، والتأهب، جهلا منهم بما هم لاقوه عند ذلك من عظيم البلاء، وشديد الأهوال.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ( وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ) قال أهل التأويل، وجاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثني أبو معاوية، قال: أخبرنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ) قال: في الدنيا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة الأنبياءمكية في قول الجميع ، وهي مائة واثنتا عشرة آيةقال : قوله تعالى : اقترب للناس حسابهم قال عبد الله بن مسعود : الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول ، وهن من تلادي يريد من قديم ما كسب وحفظ من القرآن كالمال التلاد .

وروي أن رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبني جدارا فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة ، فقال الذي كان يبني الجدار : ماذا نزل اليوم من القرآن ؟

فقال الآخر : نزل اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون فنفض يده من البنيان ، وقال : والله لا بنيت أبدا وقد اقترب الحساب ، اقترب أي قرب الوقت الذي يحاسبون فيه على أعمالهم .

للناس قال ابن عباس : المراد بالناس هنا المشركون بدليل قوله تعالى : إلا استمعوه وهم يلعبون إلى قوله : أفتأتون السحر وأنتم تبصرون .

وقيل : الناس عموم وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش ؛ يدل على ذلك ما بعد من الآيات ؛ ومن علم اقتراب الساعة قصر أمله ، وطابت نفسه بالتوبة ، ولم يركن إلى الدنيا ، فكأن ما كان لم يكن إذا ذهب ، وكل آت قريب ، والموت لا محالة آت ؛ وموت كل إنسان قيام ساعته ؛ والقيامة أيضا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان ، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى .

وقال الضحاك : معنى [ ص: 178 ] اقترب للناس حسابهم أي عذابهم يعني أهل مكة ؛ لأنهم استبطئوا ما وعدوا به من العذاب تكذيبا ، وكان قتلهم يوم بدر .

النحاس : ولا يجوز في الكلام اقترب حسابهم للناس ؛ لئلا يتقدم مضمر على مظهر لا يجوز أن ينوي به التأخير .

وهم في غفلة معرضون ابتداء وخبر .

ويجوز النصب في غير القرآن على الحال .

وفيه وجهان : أحدهما : وهم في غفلة معرضون يعني بالدنيا عن الآخرة .

الثاني : عن التأهب للحساب وعما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وهذه الواو عند سيبويه بمعنى ( إذ ) وهي التي يسميها النحويون واو الحال ؛ كما قال الله تبارك وتعالى : يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا تعجب من حالة الناس، وأنه لا ينجع فيهم تذكير، ولا يرعون إلى نذير، وأنهم قد قرب حسابهم، ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة والطالحة، والحال أنهم في غفلة معرضون، أي: غفلة عما خلقوا له، وإعراض عما زجروا به.

كأنهم للدنيا خلقوا، وللتمتع بها ولدوا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( اقترب للناس ) قيل اللام بمعنى من ، أي اقترب من الناس حسابهم ، أي : وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم ، يعني يوم القيامة ، نزلت في منكري البعث ، ( وهم في غفلة معرضون ) عن التأهب له .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«اقترب» قرب «للناس» أهل مكة منكري البعث «حسابهم» يوم القيامة «وهم في غفلة» عنه «معرضون» عن التأهب له بالإيمان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

دنا وقت حساب الناس على ما قدَّموا من عمل، ومع ذلك فالكفار يعيشون لاهين عن هذه الحقيقة، معرضين عن هذا الإنذار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - سبحانه - : ( اقترب ) من القرب الذى هو ضد البعد .والمعنى : قرب الزمن الذى يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا ، والحال أن الكافرين منهم فى غفلة تامة عن هذا الحساب ، وفى إعراض مستمر عن الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح .قال الإمام ابن كثير : هذا تنبيه من الله - عز وجل - على اقتراب الساعة ودنوها ، وأن الناس فى غفلة عنها ، أى لا يعملون لها ، ولا يستعدون من أجلها .قال - تعالى - : ( أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ .

.

.

) وقال : ( اقتربت الساعة وانشق القمر وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ) وعبر سبحانه - بالقرب مع أنه قد مضى على نزول هذه الآية وأمثالها أكثر من أربعة عشر قرنا ، لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه ، قريب الوقوع ، ولأن ذلك الوقت وإن كان كبيرا فى عرف الناس ، إلا أنه عند الله - تعالى - قليل ، كما قال - سبحانه - : ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) وقال - تعالى - : ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً ) وقال - تعالى - : ( اقترب لِلنَّاسِ .

.

.

) بلفظ العموم ، مع أن ما بعده من ألفاظ الغفلة والإعراض يشعر بأن المراد بهم الكافرون ، للتنبيه على أن الحساب سيشمل الجميع ، إلا أنه بالنسبة للكافرين سيكون حسابا عسيرا .قال صاحب الكشاف : وصفهم بالغفلة مع الإعراض ، على معنى : أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون فى عاقبتهم ، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم ، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسىء .

وإذا قرعت لهم العصا ، ونبهوا عن سنة الغفلة ، وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر ، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا .وفى التعبير عن اقتراب يوم القيامة باقتراب الحساب ، زيادة فى الترهيب والتخويف ، وفىالحض على الاستعداد لهذاليوم ، لأنه يوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا حسابا دقيقا ، ولن تملك فيه نفس لنفس شيئا ، وإ ، ما يجازى فيه كل إنسان بحسب عمله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ اقترب لِلنَّاسِ حسابهم ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: القرب لا يعقل إلا في المكان والزمان، والقرب المكاني هاهنا ممتنع فتعين القرب الزماني، والمعنى اقترب للناس وقت حسابهم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول كيف وصف بالاقتراب، وقد عبر بعد هذا القول قريب من ستمائة عام والجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقترب عند الله تعالى والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ  ﴾ .

وثانيها: أن كل آت قريب وإن طالت أوقات ترقبه، وإنما البعيد هو الذي انقرض قال الشاعر: فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس وثالثها: أن المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر، فإنه لا يقال اقترب الأجل أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال: اقترب الأجل، فعلى هذا الوجه قال العلماء: إن فيه دلالة على قرب القيامة، ولهذا الوجه قال عليه السلام: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وهذا الوجه قيل إنه عليه السلام ختم به النبوة، كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي.

المسألة الثالثة: إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة للمكلفين فيكون أقرب إلى تلافي الذنوب والتحرر عنها خوفاً من ذلك، والله أعلم.

المسألة الرابعة: إنما لم يعين الوقت لأجل أن كتمانه أصلح، كما أن كتمان وقت الموت أصلح.

المسألة الخامسة: الفائدة في تسمية يوم القيامة بيوم الحساب أن الحساب هو الكاشف عن حال المرء فالخوف من ذكره أعظم.

المسألة السادسة: يجب أن يكون المراد بالناس من له مدخل في الحساب وهم المكلفون دون من لا مدخل له، ثم قال ابن عباس: المراد بالناس المشركون.

وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين أما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ فاعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين الغفلة والإعراض.

أما الغفلة فالمعنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لابد من جزاء المحسن والمسئ ثم إذا انتبهوا من سنة الغفلة ورقدة الجهالة مما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم.

أما قوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن أبي عبلة محدث بالرفع صفة للمحل.

المسألة الثانية: إنما ذكر الله تعالى ذلك بياناً لكونهم معرضين، وذلك لأن الله تعالى يجدد لهم الذكر وقتاً فوقتاً ويظهر لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم ذلك إلا لعباً واستسخاراً.

المسألة الثالثة: المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا: القرآن ذكر والذكر محدث فالقرآن محدث، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ وقوله: ﴿ ص والقرءان ذِي الذكر  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ﴾ وقوله: ﴿ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين  ﴾ وقوله: ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أنزلناه  ﴾ وبيان أن الذكر محدث قوله في هذا الموضع: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ وقوله في سورة الشعراء: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن الرحمن مُحْدَثٍ  ﴾ ثم قالوا: فصار مجموع هاتين المقدمتين المنصوصتين كالنص في أن القرآن محدث والجواب من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين ﴾ وقوله: ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ ﴾ إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات فإذا ضممنا إليه قوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ لزم حدوث المركب من الحروف والأصوات وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر.

الثاني: أن قوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على ذكر ما محدث كما أن قول القائل لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يبغضونه، فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً بل على أن في الرجال من هو فاضل وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث فيصير نظم الكلام هكذا القرآن ذكر وبعض الذكر محدث وهذا لا ينتج شيئاً كما أن قول القائل: الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا ينتج شيئاً فظهر أن الذي ظنوه قاطعاً لا يفيد ظناً ضعيفاً فضلاً عن القطع.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ استمعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن ذلك ذم للكفار وزجر لغيرهم عن مثله لأن الإنتفاع بما يسمع لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر، وإذا كانوا عند استماعه لاعبين حصلوا على مجرد الاستماع الذي قد تشارك البهيمة فيه الإنسان ثم أكد تعالى ذمهم بقوله: ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ واللاهية من لهى عنه إذا ذهل وغفل، وإنما ذكر اللعب مقدماً على اللهو كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ  ﴾ تنبيهاً على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه السخرية والإستهزاء معلل باللهو الذي معناه الذهول والغفلة، فإنهم أقدموا على اللعب للهوهم وذهولهم عن الحق، والله أعلم بالصواب.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: ﴿ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ حالان مترادفان أو متداخلان ومن قرأ لاهية بالرفع فالحال واحدة لأن لاهية قلوبهم خبر بعد خبر لقوله: ﴿ وَهُمْ ﴾ .

أما قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية فما معنى قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى ﴾ .

الجواب: معناه بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم.

السؤال الثاني: لم قال: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ .

الجواب: أبدل الذين ظلموا من أسروا إشعاراً بأنهم هم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به أو جاء على لغة من قال: أكلوني البراغيث أو هو منصوب المحل على الذم أو هو مبتدأ خبره: ﴿ أَسَرُّواْ النجوى ﴾ قدم عليه والمعنى وهؤلاء أسروا النجوى فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم.

أما قوله: ﴿ هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويحتمل أن يكون التقدير وأسروا النجوى وقالوا هذا الكلام.

المسألة الثانية: إنما أسروا هذا الحديث لوجهين: أحدهما: أنه كان ذلك شبهة التشاور فيما بينهم والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم.

الثاني: يجوز أن يسروا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين إن كان ما تدعونه حقاً فأخبرونا بما أسررناه.

المسألة الثالثة: أنهم طعنوا في نبوته بأمرين: أحدهما: أنه بشر مثلهم.

والثاني: أن الذي أتى به سحر، وكلا الطعنين فاسد.

أما الأول: فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل لا على الصور إذ لو بعث الملك إليهم لما علم كونه نبياً لصورته، وإنما كان يعلم بالعلم فإذا ظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبياً، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشراً لأن المرء إلى القبول من أشكاله أقرب وهو به آنس.

وأما الثاني: وهو أن ما أتى به الرسول عليه السلام سحر وأنهم يرون كونه سحراً فجهل أيضاً، لأن كل ما أتى به الرسول من القرآن وغيره ظاهر الحال لا تمويه فيه ولا تلبيس فيه.

فقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن حالاً بعد حال مدة من الزمان وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها لأن الفعل عند توافر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها دلنا ذلك على أنه في نفسه معجزة وأنهم عرفوا حاله.

فكيف يجوز أن يقال: إنه سحر والحال على ما ذكرناه، وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه، إلا أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول وإن كانوا فيه مكابرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذه اللام: لا تخلو من أن تكون صلة لاقترب، أو تأكيداً لإضافة الحساب إليهم، كقولهم: (أزف للحيّ رحيلهم) الأصل أزف رحيل الحيّ ثم أزف للحيّ الرحيل، ثم أزف للحيّ رحيلهم.

ونحوه ما أورده سيبويه في (باب ما يثني فيه المستقرّ توكيداً) عليك زيد حريص عليك.

وفيك زيد راغب فيك.

ومنه قولهم: لا أبالك لأنّ اللام مؤكدة لمعنى الإضافة، وهذا الوجه أغرب من الأوّل.

والمراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك.

ونحوه: ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ [الأنبياء: 97] فإن قلت: كيف وصف بالاقتراب وقد عدّت دون هذا القول أكثر من خمسمائة عام؟

قلت: هو مقترب عند الله والدليل عليه قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج: 47] ولأنّ كلّ آت- وإن طالت أوقات استقباله وترقبه- قريب، إنما البعيد هو الذي وجد وانقرض، ولأنّ ما بقي في الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها، بدليل انبعاث خاتم النبيين الموعود مبعثه في آخر الزمان.

وقال عليه الصلاة والسلام: حذاء، ولم تبق إلا صبابة كصبابة الإناء.

وإذا كانت بقية الشيء وإن كثرت في نفسها قليلة بالإضافة إلى معظمه، كانت خليقة بأن توصف بالقلة وقصر الذرع.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ المراد بالناس: المشركون.

وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم.

وهو ما يتلوه من صفات المشركين.

وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون، لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لابد من جزاء للمحسن والمسيء.

وإذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر.

أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

( 21 سُورَةُ الأنْبِياءِ مَكِّيَّةٌ وآيُها مِائَةٌ واثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ بِالإضافَةِ إلى ما مَضى أوْ عِنْدَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ ﴿ وَنَراهُ قَرِيبًا ﴾ وقَوْلُهُ ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ أوْ لِأنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ وإنَّما البَعِيدُ ما انْقَرَضَ ومَضى، واللّامُ صِلَةٌ لِـ ﴿ اقْتَرَبَ ﴾ أوْ تَأْكِيدٌ لِلْإضافَةِ وأصْلُهُ اقْتَرَبَ حِسابُ النّاسِ ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ الحِسابُ ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم، وخُصَّ النّاسُ بِالكُفّارِ لِتَقْيِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهم في غَفْلَةٍ ﴾ أيْ في غَفْلَةٍ عَنِ الحِسابِ.

﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ وهُما خِبْرانِ لِلضَّمِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ .

﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ ﴾ يُنَبِّهُهم عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ والجَهالَةِ.

﴿ مِن رَبِّهِمْ ﴾ صِفَةٌ لِـ ﴿ ذِكْرٍ ﴾ أوْ صِلَةٌ لِـ ﴿ يَأْتِيهِمْ ﴾ .

﴿ مُحْدَثٍ ﴾ تَنْزِيلَهُ لِيُكَرِّرَ عَلى أسْماعِهِمُ التَّنْبِيهَ كَيْ يَتَّعِظُوا، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ حَمْلًا عَلى المَحَلِّ.

﴿ إلا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويَسْتَسْخِرُونَ مِنهُ لِتَناهِي غَفْلَتِهِمْ وفَرْطِ إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الأُمُورِ والتَّفَكُّرِ في العَواقِبِ ﴿ وَهم يَلْعَبُونَ ﴾ حالٌ مِنَ الواوِ وكَذَلِكَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ} شيء من القرآن {مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ} في التنزيل إتيانه مبتدأة تلاوته قريب عهده باستماعهم والمراد به الحروف المنظومة ولا خلاف في حدوثها {إِلاَّ استمعوه} من النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره ممن يتلوه {وهم يلعبون} يستهزؤون به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الأنْبِياءِ 21 نَزَلَتْ بِمَكَّةَ كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وفي البَحْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ وأطْلَقَ ذَلِكَ فِيها، واسْتَثْنى مِنها في الإتْقانِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ  ﴾ الآيَةَ وهي مِائَةٌ واثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً في عَدِّ الكُوفِيِّ وإحْدى عَشْرَةَ في عَدِّ الباقِينَ كَما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ والدّانِيُّ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وهي سُورَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها مَوْعِظَةٌ فَخِيمَةٌ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ فَأكْرَمَ عامِرٌ مَثْواهُ وكَلَّمَ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ  فَجاءَهُ الرَّجُلُ فَقالَ: إنِّي اسْتَقْطَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  وادِيًا ما في العَرَبِ وادٍ أفْضَلُ مِنهُ وقَدْ أرَدْتُ أنْ أقْطَعَ لَكَ مِنهُ قِطْعَةً تَكُونُ لَكَ ولِعَقِبِكَ مِن بَعْدِكَ فَقالَ عامِرٌ: لا حاجَةَ لِي في قَطِيعَتِكَ نَزَلَتِ اليَوْمَ سُورَةٌ أذْهَلَتْنا عَنِ الدُّنْيا ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ  ﴾ إلى آخِرِهِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما قالَ الإمامُ، والقُرْطُبِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ المُشْرِكُونَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَتَسْمَعُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الآياتِ فَإنَّها ظاهِرَةٌ في وصْفِ المُشْرِكِينَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ ما فِيها مِن قَبِيلِ نِسْبَةِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ فَلا يُنافِي كَوْنَ تَعْرِيفِهِ لِلْجِنْسِ، ووَجْهُ حُسْنِهِ ها هُنا كَوْنُ أُولَئِكَ البَعْضِ هُمُ الأكْثَرُونَ ولِلْأكْثَرِ حُكْمُ الكُلِّ شَرْعًا وعُرْفًا.

ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ إرادَةَ الجِنْسِ والضَّمائِرُ فِيما بَعْدُ لِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهم في هَذِهِ السُّورَةِ ولَيْسَ بِأبْعَدَ مِمّا سَبَقَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ دَلالَةَ ما ذُكِرَ عَلى التَّخْصِيصِ لَيْسَتْ إلّا عَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الأوْصافِ بِما فَسَّرُوها بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ كُلٌّ مِنها عَلى مَعْنًى يَشْتَرِكُ فِيهِ عُصاةُ المُوَحِّدِينَ ولا يَخْفى أنَّ في ذَلِكَ ارْتِكابَ خِلافِ الظّاهِرِ جِدًّا، واللّامُ صِلَةٌ لِاقْتَرَبَ كَما هو الظّاهِرُ وهي بِمَعْنى إلى أوْ بِمَعْنى مِن فَإنَّ اقْتَرَبَ افْتَعَلَ مِنَ القُرْبِ ضِدُّ البُعْدِ وهو يَتَعَدّى بِإلى وبِمِن، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى القَوْلِ بِأنَّها بِمَعْنى إلى فَقِيلَ فِيهِ تَحَكُّمٌ لِحَدِيثِ تَعَدِّي القُرْبِ بِهِما، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ كُلًّا مِن مِن وإلى اللَّتَيْنِ هُما صِلَتا القُرْبِ بِمَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ إلّا أنَّ إلى عَرِيقَةٌ في هَذا المَعْنى ومِن عَرِيقَةٌ في ابْتِداءِ الغايَةِ فَلِذا أُوثِرَ التَّعْبِيرُ عَنْ كَوْنِ اللّامِ المَذْكُورَةِ بِمَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها  ﴾ القَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى إلى واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وفي الكَشْفِ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِلَةً لِاقْتَرَبَ اقْتَرَبَ مِنَ النّاسِ لِأنَّ مَعْنى الِاخْتِصاصِ وابْتِداءِ الغايَةِ كِلاهُما مُسْتَقِيمٌ يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ فَإنَّ المَفْهُومَ مِنهُ أنْ يَكُونَ كَلِمَةُ مِنَ الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ الِاقْتِرابِ بِمَعْنى ابْتِداءِ الغايَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِعَدَمِ مُلاءَمَةِ ذَلِكَ المَعْنى مَواقِعَ اسْتِعْمالِ تِلْكَ الكَلِمَةِ فالحَقُّ أنَّها بِمَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّ مِن يَجِيءُ لِذَلِكَ، قالَ الشَّمْنِيُّ: وفي الجَنْيِ الدّانِيِّ مَثَّلَ ابْنُ مالِكٍ لِانْتِهاءِ الغايَةِ بِقَوْلِهِمْ تَقَرَّبْتُ مِنهُ فَإنَّهُ مُساوٍ لِتَقَرَّبْتُ إلَيْهِ، ومِمّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ فِعْلَ الِاقْتِرابِ كَما يُسْتَعْمَلُ بِمِن يُسْتَعْمَلُ بِإلى، وقَدْ ذُكِرَ في مَعانِي مِنَ انْتِهاءِ الغايَةِ كَما سَمِعْتَ ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ في مَعانِي إلى ابْتِداءَ الغايَةِ والأصْلُ أنْ تَكُونَ الصِّلَتانِ بِمَعْنًى فَتُحْمَلُ مِن عَلى إلى في كَوْنِ المُرادِ بِها الِانْتِهاءَ وغايَةُ ما يُقالُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أنَّ صاحِبَ الكَشْفِ حَمَلَها عَلى ابْتِداءِ الغايَةِ لِأنَّهُ أشْهَرُ مَعانِيها حَتّى ذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى إرْجاعِ سائِرِها إلَيْهِ وجَعَلَ تَعْدِيَتَهُ بِها حَمْلًا عَلى ضِدِّهِ المُتَعَدِّي بِها وهو فِعْلُ البُعْدِ كَما أنَّ فِعْلَ البَيْعِ يُعَدّى بِمِن حَمْلًا لَهُ عَلى فِعْلِ الشِّراءِ المُتَعَدِّي بِها عَلى ما ذَكَرَهُ نَجْمُ الأئِمَّةِ الرَّضِيُّ في بَحْثِ الحُرُوفِ الجارَّةِ والمَشْهُورُ أنَّ ( اقْتَرَبَ ) بِمَعْنى قَرُبَ كارْتَقَبَ بِمَعْنى رَقَبَ، وحُكِيَ في البَحْرِ أنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ لِزِيادَةِ مَبْناهُ والمُرادُ مِنِ اقْتِرابِ الحِسابِ اقْتِرابُ زَمانِهِ وهو السّاعَةُ، ووَجْهُ إيثارِ بَيانِ اقْتِرابِهِ مَعَ أنَّ الكَلامَ مَعَ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِأصْلِ بَعْثِ الأمْواتِ ونَفْسِ إحْياءِ العِظامِ الرُّفاتِ فَكانَ ظاهِرُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ أنْ يُؤْتى بِما يُفِيدُ أصْلَ الوُقُوعِ بَدَلَ الِاقْتِرابِ وأنْ يُسْنِدَ ذَلِكَ إلى نَفْسِ السّاعَةِ لا إلى الحِسابِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ وُقُوعَ القِيامِ وحُصُولَ بَعْثِ الأجْسادِ والأجْسامِ أمْرٌ ظاهِرٌ بِلا تَمْوِيهٍ وشَيْءٌ واضِحٌ لا رَيْبَ فِيهِ وأنَّهُ وصَلَ في الظُّهُورِ والجَلاءِ إلى حَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى العُقَلاءِ، وأنَّ الَّذِي يُرْخى في بَيانِهِ أعِنَّةُ المَقالِ بَعْضُ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ كالحِسابِ المُوجِبِ لِلِاضْطِرابِ بَلْ نَفْسُ وُقُوعِ الحِسابِ أيْضًا غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ لا يَنْبَغِي أنْ تَرْتابَ فِيهِ العُقُولُ والأذْهانُ وأنَّ الَّذِي قُصِدَ بَيانُهُ هَهُنا أنَّهُ دَنا أوانُهُ واقْتَرَبَ زَمانُهُ فَيَكُونُ الكَلامُ مُفْصِحًا عَنْ تَحَقُّقِ القِيامِ الَّذِي هو مُقْتَضى المَقامِ عَلى وجْهٍ وجِيهٍ أكِيدٍ ونَهْجٍ بَدِيعٍ سَدِيدٍ لا يَخْفى لُطْفُهُ عَلى مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَعَ المُشْرِكِينَ السّائِلِينَ عَنْ زَمانِ السّاعَةِ المُسْتَعْجِلِينَ لَها اسْتِهْزاءً كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا  ﴾ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الإخْبارُ عَنِ الِاقْتِرابِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وإيثارُ بَيانِ اقْتِرابِ الحِسابِ عَلى بَيانِ اقْتِرابِ سائِرِ وُقُوعِ مُسْتَتْبِعاتِ البَعْثِ كَفُنُونِ العَذابِ وشُجُونِ العِقابِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مُجَرَّدَ اقْتِرابِ الحِسابِ الَّذِي هو مِن مَبادِي العَذابِ ومُقَدِّماتِهِ كافٍ في التَّحْذِيرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ ووافٍ بِالرَّدْعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُلُوِّ والِاسْتِكْبارِ فَكَيْفَ الحالُ في نَفْسِ العَذابِ والنَّكالِ.

وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ مَوْلانا أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى الحِسابِ لا إلى السّاعَةِ لِانْسِياقِ الكَلامِ إلى بَيانِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ وإعْراضِهِمْ عَمّا يُذَكِّرُهم إيّاهُ وفِيهِ ما فِيهِ، ثُمَّ الوَجْهُ اللّائِحُ في النَّظَرِ الجَلِيلِ لِإسْنادِ الِاقْتِرابِ إلى الحِسابِ دُونَ النّاسِ مَعَ جَوازِ العَكْسِ هو أنَّ الِاقْتِرابَ إذا حَصَلَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُسْنَدُ إلى ما هو مُقْبِلٌ عَلى الآخَرِ مُتَحَرِّكٌ ومُتَوَجِّهٌ إلى جِهَتِهِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا حَتّى أنَّهُ لَوْ كانَ كُلٌّ مِنهُما مُتَوَجِّهًا إلى الآخَرِ يَصِحُّ إلى كُلٍّ مِنهُما، وقَدْ سَمِعْتَ أنَّ المُرادَ مِنَ اقْتِرابِ الحِسابِ اقْتِرابُ زَمانِهِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الشّائِعَ المُسْتَفِيضَ اعْتِبارُ الوَجْهِ والإتْيانِ مِنَ الزَّمانِ إلى ذِي الزَّمانِ لا بِالعَكْسِ فَلِذَلِكَ يُوصَفُ الزَّمانُ بِالمُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ فَكانَ الجَدِيرُ أنْ يُسْنَدَ الِاقْتِرابُ إلى زَمانِ الحِسابِ ويُجْعَلَ النّاسُ مَدْنُوًّا إلَيْهِمْ.

وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ في هَذا الإسْنادِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ ما لا يَخْفى لِما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ ذَلِكَ بِصُورَةِ شَيْءٍ مُقْبِلٍ عَلَيْهِمْ لا يَزالُ يَطْلُبُهم فَيُصِيبُهم لا مَحالَةَ انْتَهى، وهو مَعْنًى زائِدٌ عَلى ما ذَكَرْنا لا يَخْفى لُطْفُهُ عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ واليَلْمَعِيِّ الخَبِيرِ، والمُرادُ مِنَ اقْتِرابِ ذَلِكَ مِنَ النّاسِ عَلى ما اخْتارَهُ الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ دُنُوُّهُ مِنهم بَعْدَ بُعْدِهِ عَنْهم فَإنَّهُ في كُلِّ ساعَةٍ يَكُونُ أقْرَبَ إلَيْهِمْ مِنهُ في السّاعَةِ السّابِقَةِ، واعْتُرِضَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ المُرادُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الباقِي مِن مُدَّةِ الدُّنْيا أقَلَّ وأقْصَرَ مِمّا مَضى مِنها فَإنَّهُ كَصُبابَةِ الإناءِ ودُرْدِيِّ الوِعاءِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الِاقْتِرابِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الماضِي ولا حاجَةَ إلَيْهِ في تَحْقِيقِ مَعْناهُ.

نَعَمْ قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ عُرْفًا كَوْنُهُ قَرِيبًا في نَفْسِهِ أيْضًا فَيُصارُ حِينَئِذٍ إلى هَذا التَّوْجِيهِ وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ بِأنَّ القَوْلَ بِعَدَمِ التَّعَلُّقِ بِالِاقْتِرابِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الماضِي خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ فَإنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالحُدُوثِ المُسْتَفادِ مِنها فَلا وجْهَ لَهُ إذِ الِاقْتِرابُ بِالمَعْنى المَذْكُورِ أمْرٌ حَدَثَ بِمُضِيِّ الأكْثَرِ مِن مُدَّةِ الدُّنْيا وإنْ أرادَ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمُضِيِّ المُسْتَفادِ مِنها فَلا وجْهَ لَهُ أيْضًا إذِ الدَّلائِلُ دَلَّتْ عَلى حُصُولِ هَذا الِاقْتِرابِ حِينَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ  المَوْعُودِ في آخِرِ الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ عَلى نُزُولِ الآيَةِ.

ثُمَّ قالَ: فَلَيْتَ شِعْرِي ما مَعْنى عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِما نَحْنُ فِيهِ بَلْ رُبَّما يُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَ عَدَمَ المُناسَبَةِ في المَعْنى الَّذِي اخْتارَهُ نَفْسَهُ فَإنَّ الِاقْتِرابَ بِذَلِكَ المَعْنى مُسْتَمِرٌّ مِن أوَّلِ بَدْءِ الدُّنْيا إلى يَوْمِ نُزُولِ الآيَةِ بَلْ إلى ما بَعْدُ فالَّذِي يُناسِبُهُ هو الصِّيغَةُ المُنْبِئَةُ عَنِ الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ، ثُمَّ لا يَخْفى عَلى أصْحابِ الأفْهامِ أنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي اعْتَرَضَهُ أنْسَبُ بِما هو مُقْتَضى المَقامِ مِن إخافَةِ الكَفَرَةِ اللِّئامِ المُرْتابِينَ في أمْرِ القِيامِ لِما فِيهِ مِن بَيانِ قُرْبِهِ الواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ أ.ه.

فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ المُرادُ اقْتِرابُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا نِسْبَةَ لِلْكائِناتِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالقُرْبِ والبُعْدِ.

ورُدَّ بِأنَّهُ غَفْلَةٌ أوْ تَغافُلٌ عَنِ المُرادِ فَإنَّ المُرادَ مِن عِنْدِ اللَّهِ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ أوْ في حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ لا الدُّنُوُّ والِاقْتِرابُ المَعْرُوفُ، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِنَ القُرْبِ تَحَقُّقَهُ في عِلْمِهِ تَعالى أوْ تَقْدِيرِهِ.

وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: لَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى نِسْبَتَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجْعَلَ هو عَزَّ وجَلَّ مَدْنُوًّا مِنهُ ومُقَرَّبًا إلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا بَلِ المُرادُ قُرْبُ الحِسابِ لِلنّاسِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لِبُلُوغِ تَأنِّيهِ إلى حَدِّ الكَمالِ يَسْتَقْصِرُ المُدَدَ الطِّوالَ فَيَكُونُ الحِسابُ قَرِيبًا مِنَ النّاسِ عِنْدَ جَنابِهِ المُتَعالِ وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم أعْوامٌ وأحْوالٌ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ ﴿ ونَراهُ قَرِيبًا  ﴾ وهَذا المَعْنى يُفِيدُ وراءَ إفادَتِهِ تَحَقُّقَ الثُّبُوتِ لا مَحالَةَ أنَّ المُدَّةَ الباقِيَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الحِسابِ شَيْءٌ قَلِيلٌ في الحَقِيقَةِ وما عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ اسْتِطالَتِهِ واسْتِكْثارِهِ فَمِنَ التَّسْوِيلاتِ الشَّيْطانِيَّةِ وأنَّ اللّائِقَ بِأصْحابِ البَصِيرَةِ أنْ يَعُدُّوا تِلْكَ المُدَّةَ قَصِيرَةً فَيُشَمِّرُوا الذَّيْلَ لِيَوْمٍ يُكْشَفُ فِيهِ عَنْ ساقٍ ويَكُونُ إلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ المَساقُ، وقَوْلُ شَيْخِ الإسْلامِ في الاعْتِراضِ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اعْتِبارِهِ ها هُنا لِأنَّ قُرْبَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّجَدُّدُ والتَّفاوُتُ حَتْمًا وإنَّما اعْتِبارُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ  ﴾ ونَظائِرِهِ مِمّا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحُدُوثِ مَبْنِيٌّ عَلى حَمْلِ القُرْبِ عِنْدَهُ تَعالى عَلى القُرْبِ إلَيْهِ تَعالى بِمَعْنى حُضُورِ ذَلِكَ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ فَإنَّهُ الَّذِي لا يَجْرِي فِيهِ التَّفاوُتُ حَتْمًا وأمّا قُرْبُ الأشْياءِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ زَمانًا أوْ مَكانًا فَلا رَيْبَ أنَّهُ يَتَجَدَّدُ تَعَلُّقاتُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ فَيَعْلَمُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ صِفَةِ العِلْمِ نَفْسِها قَدِيمَةً عَلى ما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ اهَـ.

واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالعِنْدِيَّةِ ما سَمِعْتَهُ أوَّلًا وهو مَعْنًى شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ وجُعِلَ التَّجَدُّدُ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ كَما قِيلَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ  ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ المُرادُ مِنَ اقْتِرابِهِ تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ فَإنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ والبَعِيدُ ما وقَعَ ومَضى ولِذا قِيلَ: فَلا زالَ ما تَهْواهُ أقْرَبَ مِن غَدٍ ولا زالَ ما تَخْشاهُ أبْعَدَ مِن أمْسِ ولا بُدَّ أنْ يُرادَ مِن تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ تَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ لا تَحَقُّقُهُ في العِلْمِ الأزَلِيِّ لِيُغايِرَ القَوْلَ السّابِقَ.

وبَعْضُ الأفاضِلِ قالَ: إنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالِاقْتِرابِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الماضِي إلّا أنْ يُصارَ إلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِ الصِّيغَةِ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ كَما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ مَن تَقَدَّسَ عَنِ الأنْدادِ وتَنَزَّهَ عَنِ الأضْدادِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ كَما صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الإسْلامِ لِلْمُسارَعَةِ إلى إدْخالِ الرَّوْعَةِ فَإنَّ نِسْبَةَ الِاقْتِرابِ إلى المُشْرِكِينَ مِن أوَّلِ الأمْرِ يَسُوؤُهم ويُورِثُهم رَهْبَةً وانْزِعاجًا مِنَ المُقْتَرِبِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لا يَحْصُلُ لَهُمُ التَّرْوِيعُ والِانْزِعاجُ لِما سَتَسْمَعُ مِن غَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ وعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِالآياتِ النّازِلَةِ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَتَأتّى تَعْجِيلُ المَساءَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنْ لا يُزْعِجَهُمُ الإنْذارُ والتَّذْكِيرُ ولا يُرَوِّعَهُمُ التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ لِجَوازِ أنْ يَخْتَلِجَ في ذِهْنِهِمُ احْتِمالُ الصِّدْقِ ولَوْ مَرْجُوحًا فَيَحْصُلُ لَهُمُ الخَوْفُ والإشْفاقُ.

وأُيِّدَ بِما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ  ﴾ قالَ الكُفّارُ فِيما بَيْنَهم: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدْ قَرُبَتْ فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما تَعْمَلُونَ حَتّى نَنْظُرَ ما هو كائِنٌ فَلَمّا تَأخَّرَتْ قالُوا: ما نَرى شَيْئًا فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ فَأشْفَقُوا فانْتَظَرُوا قُرْبَها فَلَمّا امْتَدَّتِ الأيّامُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ انْتَهى.

وقالَ بَعْضُهم في بَيانِ ذَلِكَ: إنَّ الِاقْتِرابَ مُنْبِئٌ عَنِ التَّوَجُّهِ والإقْبالِ نَحْوَ شَيْءٍ فَإذا قِيلَ اقْتَرَبَ أشْعَرَ أنَّ هُناكَ أمْرًا مُقْبِلًا عَلى شَيْءٍ طالِبًا لَهُ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى خُصُوصِيَّةِ المُقْتَرَبِ مِنهُ فَإذا قِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ ( لِلنّاسِ ) دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ طالِبٌ لَهم مُقْبِلٌ عَلَيْهِمْ وهم هارِبُونَ مِنهُ فَأفادَ أنَّ المُقْتَرِبَ مَمّا يَسُوؤُهم فَيَحْصُلُ لَهُمُ الخَوْفُ والِاضْطِرابُ قَبْلَ ذِكْرِ الحِسابِ بِخِلافِ ما إذا قِيلَ اقْتَرَبَ الحِسابُ لِلنّاسِ فَإنَّ كَوْنَ إقْبالِ الحِسابِ نَحْوَهم لا يُفْهَمُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إلّا بَعْدَ ذِكْرٍ لِلنّاسِ فَتَحَقُّقُ فائِدَةِ التَّعْجِيلِ في التَّقْدِيمِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ بَلْ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي ذَهابُ الوَهْمِ في تَعْيِينِ ذَلِكَ الأمْرِ الهائِلِ إلى كُلِّ مَذْهَبٍ إلى أنْ يُذَكَرَ الفاعِلُ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ في وجْهِ تَعْجِيلِ التَّهْوِيلِ: إنَّ جَرَيانَ عادَتِهِ الكَرِيمَةِ  عَلى إنْذارِ المُشْرِكِينَ وتَحْذِيرِهِمْ وبَيانِ ما يُزْعِجُهم يَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَيَّنَ اقْتِرابَهُ مِنهم شَيْءٌ سَيِّئٌ هائِلٌ فَإذا قُدِّمَ الجارُّ يَحْصُلُ التَّخْوِيفُ حَيْثُ يُعْلَمُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ الكَلامَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ الجارِي عادَتُهُ الكَرِيمَةُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تَحْذِيرِهِمْ بِخِلافِ ما إذا قُدِّمَ الفاعِلُ حَيْثُ لا يُعْلَمُ المُقْتَرَبُ مِنهُ إلى أنْ يُذْكَرَ الجارُّ والمَجْرُورُ والقَرِينَةُ المَذْكُورَةُ لا تَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ المُقْتَرَبِ كَما تَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ المُقْتَرِبِ إذْ مِنَ المَعْلُومِ مِن عادَتِهِ الكَرِيمَةِ  أنَّهُ إذا تَكَلَّمَ في شَأْنِهِمْ يَتَكَلَّمُ غالِبًا بِما يَسُوؤُهم لا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَتَكَلَّمُ في غالِبِ أحْوالِهِ بِما يَسُوؤُهم وفَرْقٌ بَيْنَ العادَتَيْنِ، ولا يَقْدَحُ في تَمامِيَّةِ المَرامِ تَوَقُّفُ تَحَقُّقِ نُكْتَةِ التَّقْدِيمِ عَلى ضَمِّ ضَمِيمَةِ العادَةِ إذْ يَتِمُّ المُرادُ بِأنْ يَكُونَ لِلتَّقْدِيمِ مَدْخَلٌ في حُصُولِ تِلْكَ النُّكْتَةِ بِحَيْثُ لَوْ فاتَ التَّقْدِيمُ لَفاتَتِ النُّكْتَةُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ولَيْسَ في كَلامِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسارَعَةَ المَذْكُورَةَ حاصِلَةٌ مِنَ التَّقْدِيمِ وحْدَهُ كَذا قِيلَ.

ولَكَ أنْ تَقُولَ: التَّقْدِيمُ لِتَعْجِيلِ التَّخْوِيفِ ولا يُنافِي ذَلِكَ عَدَمُ حُصُولِهِ كَما لا يُنافِي عَدَمَ حُصُولِ التَّخْوِيفِ كَوْنُ إنْزالِ الآياتِ لِلتَّخْوِيفِ فافْهَمْ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ اللّامِ تَأْكِيدًا لِإضافَةِ الحِسابِ إلَيْهِمْ قالَ في الكَشْفِ: فالأصْلُ اقْتَرَبَ حِسابُ النّاسِ لِأنَّ المُقْتَرَبَ مِنهُ مَعْلُومٌ ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ الحِسابُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ مُقَدَّمٌ لا أنَّهُ يَحْتاجُ إلى مُضافٍ مُقَدَّرٍ حُذِفَ لِأنَّ المُتَأخِّرَ مُفَسِّرٌ أيِ اقْتَرَبَ الحِسابُ لِلنّاسِ الحِسابُ كَما زَعَمَ الطَّيِّبِيُّ وفي التَّقْدِيمِ والتَّصْرِيحِ بِاللّامِ وتَعْرِيفِ الحِسابِ مُبالَغاتٌ لَيْسَتْ في الأصْلِ ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم فَصارَتِ اللّامُ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الِاخْتِصاصِ الإضافِيِّ لا لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَما في لا أبا لَهُ وما ثُنِّيَ فِيهِ الظَّرْفُ مِن نَحْوِ فِيكَ زَيْدٌ راغِبٌ فِيكَ انْتَهى.

وادَّعى الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ هَذا الوَجْهَ أغْرَبُ بِناءً عَلى أنَّ فِيهِ مُبالَغاتٍ ونُكَتًا لَيْسَتْ في الوَجْهِ الأوَّلِ وادَّعى شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ تَعَسُّفًا تامًّا بِمَعْزِلٍ عَمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وبَحَثَ فِيهِ أيْضًا أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ ومِنَ النّاسِ مَنِ انْتَصَرَ لَهُ وذَبَّ عَنْهُ، وبِالجُمْلَةِ لِلْعُلَماءِ في ذَلِكَ مُناظَرَةٌ عُظْمى ومَعْرَكَةٌ كُبْرى، والأوْلى بَعْدَ كُلِّ حِسابٍ جَعْلُ اللّامِ صِلَةَ الِاقْتِرابِ هَذا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى ثُبُوتِ الحِسابِ، وذَكَرَ البَيْضاوِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ  ﴾ أنَّ المُعْتَزِلَةَ والخَوارِجَ يُنْكِرُونَهُ ويُعَضِّدُهُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ النَّسَفِيُّ في بَعْضِ مُؤَلَّفاتِهِ حَيْثُ قالَ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لا مِيزانَ ولا حِسابَ ولا صِراطَ ولا حَوْضَ ولا شَفاعَةَ وكُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ المِيزانَ أوِ الحِسابَ أرادَ سُبْحانَهُ بِهِ العَدْلَ انْتَهى.

لَكِنَّ المَذْكُورَ في عامَّةِ المُعْتَبَراتِ الكَلامِيَّةِ أنَّ أكْثَرَهم يَنْفِي الصِّراطَ وجَمِيعَهم يَنْفِي المِيزانَ ولَمْ يُتَعَرَّضْ فِيهِ لِنَفْيِهِمُ الحِسابَ، والحَقُّ أنَّ الحِسابَ بِمَعْنى المُجازاةِ مِمّا لا يُنْكِرُهُ إلّا المُشْرِكُونَ ﴿ وهم في غَفْلَةٍ ﴾ أيْ في غَفْلَةٍ عَظِيمَةٍ وجَهالَةٍ فَخِيمَةٍ عَنْهُ، وقِيلَ الأوْلى التَّعْمِيمُ أيْ في غَفْلَةٍ تامَّةٍ وجَهالَةٍ عامَّةٍ مِن تَوْحِيدِهِ تَعالى والإيمانِ بِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ووُقُوعِ الحِسابِ ووُجُودِ الثَّوابِ والعِقابِ وسائِرِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ الكَرِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّسْلِيمُ، وذِكْرُ غَفْلَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ عُقَيْبَ بَيانِ اقْتِرابِ الحِسابِ لا يَقْتَضِي قَصْرَ الغَفْلَةِ عَلَيْهِ فَإنَّ وُقُوعَ تَأسُّفِهِمْ ونَدامَتِهِمْ وظُهُورَ أثَرِ جَهْلِهِمْ وحَماقَتِهِمْ لِما كانَ مِمّا يَقَعُ في يَوْمِ الحِسابِ كانَ سَبَبًا لِلتَّعْقِيبِ المَذْكُورِ انْتَهى.

وقَدْ يُقالُ: إنَّ ظاهِرَ التَّعْقِيبِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، ومَن غَفَلَ عَنْ مُجازاةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ المُرادُ مِنَ الحِسابِ صَدَرَ مِنهُ كُلُّ ضَلالَةٍ ورَكِبَ مَتْنَ كُلِّ جَهالَةٍ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا - لَهم - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ أيْ عَنِ الآياتِ والنُّذُرِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ المُنَجِّي مِنَ المَهالِكِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، واجْتِماعُ الغَفْلَةِ والإعْراضِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، ولِلْإشارَةِ إلى تَمَكُّنِهِمْ في الغَفْلَةِ الَّتِي هي مَنشَأُ الإعْراضِ المُسْتَمِرِّ جِيءَ بِالكَلامِ عَلى ما سَمِعْتَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَهم بِالغَفْلَةِ مَعَ الإعْراضِ عَلى مَعْنى أنَّهم غافِلُونَ عَنْ حِسابِهِمْ ساهُونَ لا يَتَفَكَّرُونَ في عاقِبَتِهِمْ ولا يَتَفَطَّنُونَ لِما تَرْجِعُ إلَيْهِ خاتِمَةُ أمْرِهِمْ مَعَ اقْتِضاءِ عُقُولِهِمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن جَزاءٍ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ ولِذا إذا قُرِعَتْ لَهُمُ العَصا ونُبِّهُوا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ وفَطِنُوا لِذَلِكَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ أعْرَضُوا وسَدُّوا أسْماعَهم ونَفَرُوا إلى آخِرِ ما قالَ.

وحاصِلُهُ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ التَّنافِي بَيْنَ الغَفْلَةِ الَّتِي هي عَدَمُ التَّنَبُّهِ والإعْراضُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ المُتَنَبَّهِ بِأنَّ الغَفْلَةَ عَنِ الحِسابِ في أوَّلِ أمْرِهِمْ والإعْراضَ بَعْدَ قَرْعِ عَصا الإنْذارِ أوْ بِأنَّ الغَفْلَةَ عَنِ الحِسابِ والإعْراضَ عَنِ التَّفَكُّرِ في عاقِبَتِهِمْ وأمْرِ خاتِمَتِهِمْ، وفي الكَشْفِ أرادَ أنَّ حالَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ الغَفْلَةُ عَنْ مُقْتَضى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ ثُمَّ إذا عاضَدَتْها الأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وأُرْشِدُوا لِطَرِيقِ النَّظَرِ أعْرَضُوا، وفِيهِ بَيانُ فائِدَةِ إيرادِ الأوَّلِ جُمْلَةً ظَرْفِيَّةً لِما في حَرْفِ الظَّرْفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ وإيرادِ الثّانِي وصْفًا مُنْتَقِلًا دالًّا عَلى نَوْعٍ تَجَدَّدَ، ومِنهُ يَظْهَرُ ضَعْفُ الحَمْلِ عَلى أنَّ الظَّرْفِيَّةَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في ( مُعْرِضُونَ ) قُدِّمَتْ عَلَيْهِ انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِاقْتِضاءِ العُقُولِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ لا يَتَسَنّى إلّا عَلى القَوْلِ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ والأشاعِرَةُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ أشَدَّ الإنْكارِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الإعْراضُ عَلى الِاتِّساعِ كَما في قَوْلِهِ: عَطاءُ فَتًى تَمَكَّنَ في المَعالِي ∗∗∗ واعْرَضَّ في المَعالِي واسْتَطالا وذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ  ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى وهم مُتَّسِعُونَ في الغَفْلَةِ مُفْرِطُونَ فِيها.

ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالغَفْلَةِ مَعْنى الإهْمالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ  ﴾ فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

(١) كلّها مكية وهي: مائة واثنتا عشرة آية قول الله سبحانه وتعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ، يعني: قربت القيامة كقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر: 1] ، ويقال: معناه اقترب وقت حسابهم، ويقال: دنا للناس ما وعدوا في هذا القرآن، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، يعني: في جهل وعمى من أمر آخرتهم.

مُعْرِضُونَ، يعني: جاحدين مكذبين، وهم كفار مكة ومن كان مثل حالهم.

ثم نعتهم فقال: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ، يعني: ما يأتيهم جبريل بالقرآن محدث، والمحدث: إتيان جبريل  بالقرآن مرة بعد مرة، ويقال: قراءة النبيّ  القرآن مرة بعد مرة إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، يعني: يستمعون لاعبين، ويقال: وَهُمْ يَلْعَبُونَ يعني: يهزئون ويسخرون.

قوله عز وجل: لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ، يعني: ساهية قلوبهم عن أمر الآخرة.

وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، يعني: أخفوا تكذيبهم بمحمد  والقرآن ويتناجون فيما بينهم، ثم بين أمرهم فقال: الَّذِينَ ظَلَمُوا، معناه: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى يعني: الذين ظلموا.

ثم بين ما يسرون فقال: هَلْ هذا، يعني: يقولون ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي: آدميّ مِثلكم؟

أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ، يعني: أفتصدقون الكذب؟

وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ وتعلمون أنه سحر.

(١) في نسخة «أ» سورة الأنبياء عليهم السلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: أَيَّها الأَخُ أَشْعرِ قلبك مَهَابَةَ رَبِّك، فإليه مآلك وتأهب للقدوم عليه فقد أنَ ارتحالك أنت في سكرة لذاتِك وغشية شهواتكِ وإغماء غفلاتِك ومِقْراضُ/ الفناء يعمل في ثوب حياتك ويفصل أجزاء عمرك جُزْءاً جزءاً في سائر ساعاتك كل نفس من أنفاسك جزءٌ منفصل من جملة ذاتك وبذهاب الأجزاء تذهبُ الجمل، أنت جملة تؤخذ، آحادها وأبعاضها، إلى أن تستوفي سائرها عساكر الأقضية، والأقدار مُحْدقة بأسوار الإعمار تهدمُها بمعاول الليل والنهار فلو أضاء لنا مِصْباحُ الاعتبار لم يبقَ لنا في جَمِيع أوقاتنا سكونٌ ولاَ قَرار.

انتهى من «الكلم الفارقية والحكم الحقيقة» .

ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)

وقوله: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ وما بعده مختصٌ بالكُفَّارِ، والذكر: القرآن، ومعناه محدث نزوله، لا هو في نفسه.

وقوله: وَهُمْ يَلْعَبُونَ جملة في موضع الحال، أيْ: استماعهم في حال لعب فهو غير نافع، ولا وَاصِلٍ إلى النفس.

وقوله لاهِيَةً حال بعد حال، واختلف النحاةُ في إعراب قوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فمذهبُ سيبويه «١» (رحمه الله تعالى) : أن الضمير في أَسَرُّوا: فاعل، وأن الَّذِينَ بدل مِنْه، وقال: ليس في القرآن لغةُ مَنْ قال: أكلوُنِي البَرَاغِيثُ «٢» ، ومعنى:

أَسَرُّوا النَّجْوَى تكلَّمُوا بينهم في السرِّ، ومُنَاجَاتِ بعضهم لبعض.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الأنْبِياءِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ مِن غَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اقْتَرَبَ ﴾ افْتَعَلَ، مِنَ القُرْبِ، يُقالُ: قَرُبَ الشَّيْءُ واقْتَرَبَ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اقْتَرَبَ لِلنّاسِ وقْتَ حِسابِهِمْ.

وقِيلَ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ لِلنّاسِ ﴾ بِمَعْنى ( مِن ) .

والمُرادُ بِالحِسابِ: مُحاسَبَةُ اللَّهِ لَهم عَلى أعْمالِهِمْ.

وَفِي مَعْنى قُرْبِهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آتٍ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.

والثّانِي: لِأنَّ الزَّمانَ - لِكَثْرَةِ ما مَضى وقِلَّةِ ما بَقِيَ - قَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم في غَفْلَةٍ ﴾ ؛ أيْ: عَمّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمِ، ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ عَنِ التَّأهُّبِ لَهُ.

وقِيلَ: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ ﴾ عامٌّ، والغَفْلَةُ والإعْراضُ خاصٌّ في الكُفّارِ، بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ﴾ ، وفي هَذا الذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ إلى إنْزالِهِ لَهُ؛ لِأنَّهُ أُنْزِلَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ الأذْكارِ، ولَيْسَ بِالقُرْآنِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وقالَ النِّقاشُ: هو ذِكْرٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ، ولَيْسَ بِالقُرْآنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في سِياقِ الآيَةِ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ مُسْتَهْزِئِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: غافِلَةً عَمّا يُرادُ بِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إلّا اسْتَمَعُوهُ لاعِبِينَ لاهِيَةً قُلُوبُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ .

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( لاهِيَةٌ ) بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ ؛ أيْ: تَناجَوْا فِيما بَيْنَهم، يَعْنِي: المُشْرِكِينَ.

ثُمَّ بَيَّنَ مَن هم، فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ.

و " الَّذِينَ " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في " وأسَرُّوا " .

ثُمَّ بَيَّنَ سِرِّهُمُ الَّذِي تَناجَوْا بِهِ، فَقالَ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ؛ أيْ: آدَمِيٌّ، فَلَيْسَ بِمَلِكٍ، وهَذا إنْكارٌ لِنُبُوَّتِهِ.

وبَعْضُهم يَقُولُ: " أسَرُّوا " هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ ﴾ ؛ أيْ: أفَتَقْبَلُونَ السِّحْرَ، ﴿ وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ أنَّهُ سَحْرٌ ؟

يَعْنُونَ: أنَّ مُتابِعَةَ مُحَمَّدٍ  مُتابَعَةُ السِّحْرِ.

﴿ قالَ رَبِّي ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( قُلْ رَبِّي ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( قالَ رَبِّي )، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الكُوفِيِّينَ، وهَذا عَلى الخَبَرِ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: ﴿ يَعْلَمُ القَوْلَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ يُقالُ في السَّماءِ والأرْضِ، فَهو عالِمٌ بِما أسْرَرْتُمْ» .

﴿ بَلْ قالُوا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: رَدٌّ بِـ " بَلْ " عَلى مَعْنى تَكْذِيبِهِمْ، وإنْ لَمْ يَظْهَرْ قَبْلَهُ الكَلامُ بِجُحُودِهِمْ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ عَنِ الجاحِدِينَ، وأعْلَمَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ تَحَيَّرُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فاخْتَلَفَتْ أقْوالُهم فِيهِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هَذا الَّذِي يَأْتِي بِهِ سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: أضْغاثُ أحْلامٍ، وهي الأشْياءُ المُخْتَلَطَةُ تُرى في المَنامِ، وقَدْ شَرَحْناها في ( يُوسُفَ: ٤٤ )، وبَعْضُهم يَقُولُ: افْتَراهُ؛ أيِ: اخْتَلَقَهُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو شاعِرٌ، ﴿ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ ﴾ كالنّاقَةِ والعَصا، فاقْتَرَحُوا الآياتِ الَّتِي لا إمْهالَ بَعْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿ مِن قَرْيَةٍ ﴾ وصَفَ القَرْيَةِ، والمُرادُ: أهْلُها، والمَعْنى: أنَّ الأُمَمَ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِتَكْذِيبِ الآياتِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ لَمّا أتَتْهم، فَكَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ ؟

وهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ، إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا ﴾ هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( يُوحى ) بِالياءِ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( نُوحِي ) بِالنُّونِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في ( النَّحْلِ: ٤٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: الرُّسُلَ، ﴿ جَسَدًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ: أجْسادًا؛ لِأنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ.

قالَ مُجاهِدٌ: وما جَعَلْناهم جَسَدًا لَيْسَ فِيهِمْ رُوحٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ما جَعَلْنا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ أجْسادًا لا تَأْكُلُ الطَّعامَ، ولا تَمُوتُ فَنَجْعَلُهُ كَذَلِكَ.

قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ جَمِيعًا: العَرَبُ إذا جاءَتْ بَيْنَ الكَلامِ بِجَحْدَيْنِ، كانَ الكَلامُ إخْبارًا، فَمَعْنى الآيَةِ: إنَّما جَعَلْناهم جَسَدًا لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ.

قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: وما جَعَلْناهم جَسَدًا إلّا لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ ﴾ يَعْنِي: الأنْبِياءَ أنْجَزْنا وعْدَهُمُ الَّذِي وعَدْناهم بِإنْجائِهِمْ وإهْلاكِ مُكَذِّبِيهِمْ، ﴿ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوهم، ﴿ وَأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ الشِّرْكِ؛ وهَذا تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ.

ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ، فَقالَ: ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فِيهِ شَرَفُكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فِيهِ دِينُكم، قالَهُ الحَسَنُ، يَعْنِي: فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ دِينِكم.

والثّالِثُ: فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَكم لِما تَلْقَوْنَهُ مِن رَجْعَةٍ أوْ عَذابٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ما فَضَّلْتُكم بِهِ عَلى غَيْرِكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأنْبِياءِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: (الكَهْفُ ومَرْيَمُ وطَهَ والأنْبِياءُ مِنَ العَتاقِ الأوَّلِ، وهي مِن تِلادِي)، يُرِيدُ: مِن قَدِيمِ ما كَسَبْتُ وحَفِظْتُ مِنَ القُرْآنِ كالمالِ التِلادِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ ﴾ رَوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ  كانَ يَبْنِي جِدارًا، فَمَرَّ بِهِ آخَرُ في يَوْمِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ، فَقالَ الَّذِي كانَ يَبْنِي الجِدارَ: ماذا نَزَلَ اليَوْمَ مِنَ القُرْآنِ؟

فَقالَ لَهُ الآخَرُ: نَزَلَ اليَوْمَ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ ، فَنَفَضَ يَدَهُ مِنَ البُنْيانِ وقالَ: واللهِ لا بُنِيَتْ أبَدًا وقَدِ اقْتَرَبَ الحِسابُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ الناسِ وإنْ كانَ المُشارُ إلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كَفارَّ قُرَيْشٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما بَعْدُ مِنَ الآياتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ يُرِيدُ الكُفّارَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ قِسْطُهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ ﴾ وما بَعْدَهُ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ مِمّا يَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: "مُحْدَثٍ" يُرِيدُ نُزُولَهُ وإتْيانَهُ إيّاهُمْ، لا هو في نَفْسِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالذِكْرِ أقْوالُ النَبِيِّ  في أمْرِ الشَرِيعَةِ، ووَعْظُهُ وتَذْكِيرُهُ، فَهو مُحْدَثٌ عَلى الحَقِيقَةِ، وجَعْلِهِ "مِن رَبِّهِمْ" مِن حَيْثُ إنَّ النَبِيَّ  لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، ولا يَقُولُ إلّا ما هو مِن عِنْدِ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الذِكْرُ" الرَسُولُ نَفْسُهُ، واحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا  ﴾ ﴿ رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ  ﴾ ، فَهو مُحْدَثٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَكُونُ مَعْنى "اسْتَمَعُوهُ" بِمَعْنى: اسْتَمَعُوا إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم يَلْعَبُونَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ: اسْتِماعُهم في حالِ لَعِبٍ، فَهو غَيْرُ نافِعٍ ولا واصِلُ النَفْسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح الكلام بهذه الجملة أسلوب بديع في الافتتاح لما فيه من غرابة الأسلوب وإدخال الروع على المنذَرين، فإن المراد بالناس مشركو مكة، والاقتراب مبالغة في القرب، فصيغة الافتعال الموضوعة للمطاوعة مستعملة في تحقق الفعل أي اشتد قرب وقوعه بهم.

وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب استعارة تمثيلية شبه حال إظلال الحساب لهم بحالة شخص يسعى ليقرب من ديار ناس، ففيه تشبيه هيئة الحساب المعقولة بهيئة محسوسة، وهي هيئة المغير والمُعَجِّل في الإغارة على القوم فهو يلح في السير تكلفاً للقرب من ديارهم وهم غافلون عن تطلب الحساب إياهم كما يكون قوم غارّين معرضين عن اقتراب العدوّ منهم، فالكلام تمثيل.

والمراد من الحساب إما يوم الحساب، ومعنى اقترابه أنه قريب عند الله لأنه محقق الوقوع، أو قريب بالنسبة إلى ما مضى من مدة بقاء الدنيا كقول النبي صلى الله عليه وسلم " بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين " أو اقترب الحساب كناية عن اقتراب موتهم لأنهم إذا ماتوا رأوْا جَزاء أعمالهم، وذلك من الحساب.

وفي هذا تعريض بالتهديد بقرب هلاكهم وذلك بفنائهم يوم بدر.

أو المراد بالحساب المؤاخذة بالذنب كما في قوله تعالى: ﴿ إنْ حسابهم إلاّ على ربي ﴾ [الشعراء: 113] وعليه فالاقتراب مستعمل في حقيقته أيضاً فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.

واللام في قوله ﴿ للناس ﴾ إن أبقيت على معناها الأصلي من الاختصاص فذكرها تأكيد لمعنى اللام المقدرة في الإضافة في قوله ﴿ حسابهم ﴾ لأن تقديره: حسابٌ لهم.

والضمير عائد إلى ﴿ الناس ﴾ فصار قوله ﴿ للناس ﴾ مساوياً للضمير الذي أضيف إليه (حساب) فكأنه قيل: اقترب حساب للناس لهم فكانَ تأكيداً لفظياً، وكما تقول: أزف للحي رَحيلُهم، أصله أزف الرحيلُ للحيّ ثم صار أزف للحي رحيلُهم، ومنه قول العرب: لا أبَا لك، أصله لا أباكَ، فكانت لام (لك) مؤكدة لمعنى الإضافة لإمكان إغناء الإضافة عن ذكر اللام.

قال الشاعر: أبالموت الذي لا بد أني مُلاق لا أباك تخوّفيني وأصل النظم: اقترب للناس الحساب.

وإنما نظم التركيب على هذا النظم بأن قدم ما يدل على المضاف إليه وعُرِّف ﴿ الناس ﴾ تعريف الجنس ليحصل ضرب من الإبهام ثم يقع بعده التبيين، ولِما في تقديم الجار والمجرور من الاهتمام بأن الاقتراب للناس ليعلم السامع أن المراد تهديد المشركين لأنهم الذين يُكنَّى عنهم بالناس كثيراً في القرآن، وعند التقديم احتيج إلى تقدير مضاف فصار مثل: اقترب حساب للناس الحساب، وحذف المضاف لدلالة مفسره عليه.

ولما كان الحساب حساب الناس المذكورين جيء بضمير الناس ليعود إلى لفظ الناس فيحصل تأكيد آخر وهذا نمط بديع من نسج الكلام، ويجوز أن تكون اللام بمعنى (من) أو بمعنى (إلى) متعلقة ب ﴿ اقترب ﴾ فيكون المجرور ظرفاً لغواً، وعن ابن مالك أنه مَثّل لانتهاء الغاية بقولهم: «تقربت منك».

وجملة ﴿ وهم في غفلة معرضون ﴾ حال من ﴿ الناس، ﴾ أي اقترب منهم الحساب في حال غفلتهم وإعراضهم.

والمراد بالناس المشركون لأنهم المقصود بهذا الكلام كما يدل عليه ما بعده.

والغفلة: الذهول عن الشيء وعن طرق علمه، وقد تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ وإن كنا عن دراستهم لغافلين ﴾ في سورة [الأنعام: 156]، وقوله تعالى: ﴿ ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ﴾ في [سورة الأعراف: 146].

والإعراض: صرف العقل عن الاشتغال بالشيء.

وتقدم في قوله: ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ في سورة [النساء: 63]، وقوله: ﴿ فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ في سورة [الأنعام: 68].

ودلت (في) على الظرفية المجازية التي هي شدة تمكن الوصف منهم، أي وهم غافلون أشد الغفلة حتى كأنهم منغمسون فيها أو مظروفون في محيطها، ذلك أن غفلتهم عن يوم الحساب متأصلة فيهم بسبب سابق كفرهم.

والمعنى: أنهم غافلون عن الحساب وعن اقترابه.

وإعراضهم هو إبايتهم التأمل في آيات القرآن التي تذكرهم بالبعث وتستدل لهم عليه، فمتعلق الإعراض غير متعلق الغفلة لأن المعرض عن الشيء لا يعد غافلاً عنه، أي أنهم لما جاءتهم دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان وإنذارهم بيوم القيامة استمروا على غفلتهم عن الحساب بسبب إعراضهم عن دلائل التذكير به.

فكانت الغفلة عن الحساب منهم غير مقلوعة من نفوسهم بسبب تعطيلهم ما شأنه أن يقلع الغفلة عنهم بإعراضهم عن الدلائل المثبتة للبعث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الأنْبِياءِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ أيِ اقْتَرَبَ مِنهم، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَرُبَ وقْتُ عَذابِهِمْ، يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَبْطَئُوا ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ تَكْذِيبًا، فَكانَ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: قَرُبَ وقْتُ حِسابِهِمْ وهو قِيامُ السّاعَةِ.

وَفي قُرْبِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا بُدَّ آتٍ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.

الثّانِي: لِأنَّ الزَّمانَ لِكَثْرَةِ ما مَضى وقِلَّةِ ما بَقِيَ قَرِيبٌ.

﴿ وَهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في غَفْلَةٍ بِالدُّنْيا مُعْرِضُونَ عَنِ الآخِرَةِ.

الثّانِي: في غَفْلَةٍ بِالضَّلالِ، مُعْرِضُونَ عَنِ الهُدى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ﴾ التَّنْزِيلُ مُبْتَدَأُ التِّلاوَةِ لِنُزُولِهِ سُورَةً بَعْدَ سُورَةٍ.

وَآيَةً بَعْدَ آيَةٍ، كَما كانَ يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ في وقْتٍ بَعْدَ وقْتٍ.

﴿ إلا اسْتَمَعُوهُ ﴾ أيِ اسْتَمَعُوا تَنْزِيلَهُ فَتَرَكُوا قَبُولَهُ.

﴿ وَهم يَلْعَبُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ يَلْهُونَ.

الثّانِي: يَشْتَغِلُونَ.

فَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى اللَّهْوِ احْتَمَلَ ما يَلْهُونَ بِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِلَذّاتِهِمْ.

الثّانِي: بِسَماعِ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ.

وَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى الشُّغُلِ احْتَمَلَ ما يَشْتَغِلُونَ بِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالدُّنْيا؛ لِأنَّها لَعِبٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ  ﴾ .

الثّانِي: يَتَشاغَلُونَ بِالقَدْحِ فِيهِ والِاعْتِراضِ عَلَيْهِ.

قالَ الحَسَنُ: كُلَّما جَدَّدَ لَهُمُ الذِّكْرَ اسْتَمَرُّوا عَلى الجَهْلِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي غافِلَةً بِاللَّهْوِ عَنِ الذِّكْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مُشْغَلَةً بِالباطِلِ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَمِثْلُكِ حُبْلى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٌ فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمِ مِحْوَلِ أيْ شَغَلَتُها عَنْ ولَدِها.

وَلِبَعْضِ أصْحابِ الخَواطِرِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّها غافِلَةٌ عَمّا يُرادُ بِها ومِنها.

﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذَكَرَهُ ابْنُ كامِلٍ أنَّهم أخْفَوْا كَلامَهُمُ الَّذِي يَتَناجَوْنَ بِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: يَعْنِي أنَّهم أظْهَرُوهُ وأعْلَنُوهُ، وأسَرُّوا مِنَ الأضْدادِ المُسْتَعْمَلَةِ وإنْ كانَ الأظْهَرُ في حَقِيقَتِها أنْ تُسْتَعْمَلَ في الإخْفاءِ دُونَ الإظْهارِ إلّا بِدَلِيلٍ.

﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ إنْكارًا مِنهم لِتُمَيِّزُهُ عَنْهم بِالنُّبُوَّةِ.

﴿ أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أفَتَقْبَلُونِ السِّحْرَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ سِحْرٌ.

الثّانِي: أفَتَعْدِلُونَ إلى الباطِلِ وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ الحَقَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أهاوِيلُ أحْلامٍ رَآها في المَنامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: تَخالِيطُ أحْلامٍ رَآها في المَنامِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: كَضِغْثِ حُلْمٍ غُرَّ مِنهُ حالِمُهْ الثّالِثُ: أنَّهُ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْوِيلٌ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

وَفي الأحْلامِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْوِيلٌ ولا تَفْسِيرٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: إنَّها الرُّؤْيا الكاذِبَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أحادِيثُ طَسْمٍ أوْ سَرابٌ بِفَدْفَدِ ∗∗∗ تَرَقْرَقَ لِلسّارِي وأضْغاثُ حالِمِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ﴾ قال: من أمر الدنيا» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ قال: ما يوعدون.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ما يأتيهم من ذكر من ربهم ﴾ يقول: ما ينزل عليهم شيء من القرآن.

وفي قوله: ﴿ لاهية قلوبهم ﴾ قال: غافلة.

وفي قوله: ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ يقول: أسروا الذين ظلموا النجوى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأسروا النجوى ﴾ قال: أسروا نجواهم بينهم ﴿ هل هذا إلا بشر مثلكم ﴾ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ أفتأتون السحر ﴾ يقولون: إن متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعة السحر.

وفي قوله: ﴿ قال ربي يعلم القول ﴾ قال: الغيب وفي قوله: ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام ﴾ قال: أباطيل أحلام.

وأخرج ابن منده وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في سننه وابن عدي، عن جندب البجلي أنه قتل ساحراً كان عند الوليد بن عقبة ثم قال: ﴿ أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام ﴾ أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها ﴿ بل افتراه بل هو شاعر ﴾ كل هذا قد كان منه ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون ﴾ كما جاء موسى وعيسى بالبينات والرسل ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ﴾ أي أن الرسل كانوا إذا جاؤوا قومهم بالآيات فلم يؤمنوا لم ينظروا.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: «قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقاً ويسرك أن نؤمن، فحوّل لنا الصفا ذهباً.

فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا؛ وإن شئت استأنيت بقومك.

قال: بل أستأني بقومي» فأنزل الله: ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أفهم يؤمنون ﴾ قال: يصدقون بذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام ﴾ يقول: لم نجعلهم جسداً ليس يأكلون الطعام، إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ قال: لا بد لهم من الموت أن يموتوا.

وفي قوله: ﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ إلى قوله: ﴿ وأهلكنا المسرفين ﴾ قال: هم المشركون.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه شرفكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه حديثكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه دينكم، أمسك عليكم دينكم بكتابكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ يقول: فيه ذكر ما تعنون به وأمر آخرتكم ودنياكم.

وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن ابن عباس قال: بعث الله نبياً من حمير يقال له شعيب، فوثب إليه عبد فضربه بعصا فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء، وفيهم أنزل الله: ﴿ وكم أهلكنا من قرية كانت ظالمة ﴾ إلى قوله: ﴿ خامدين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الكلبي ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ قال: هي حصون بني أزد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ قال: أهلكناها.

وفي قوله: ﴿ لا تركضوا ﴾ قال: لا تفروا.

وفي قوله: ﴿ لعلكم تسألون ﴾ قال: تتفهمون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: كانوا إذا أحسوا بالعذاب وذهبت عنهم الرسل من بعد ما أنذروهم فكذبوهم، فلما فقدوا الرسل وأحسوا بالعذاب أرادوا الرجعة إلى الإيمان وركضوا هاربين من العذاب، فقيل لهم؛ لا تركضوا.

فعرفوا أنه لا محيص لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إذا هم منها يركضون ﴾ قال: يفرون.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ يقول: ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها ﴿ لعلكم تسألون ﴾ من دنياكم شيئاً استهزاء بهم.

وفي قوله: ﴿ فما زالت تلك دعواهم ﴾ قال: لما رأوا العذاب وعاينوه، لم يكن لهم هجيري إلا قولهم: ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ حتى دمر الله عليهم وأهلكهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ قال: ارجعوا إلى دوركم وأموالكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فما زالت تلك دعواهم ﴾ قال: هم أهل حصون، كانوا قتلوا نبيهم فأرسل الله عليهم بختنصر فقتلهم.

وفي قوله: ﴿ حتى جعلناهم حصيداً خامدين ﴾ قال: بالسيف ضربت الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى مساكنهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب قال: حدثني رجل من المحررين قال: كان باليمن قريتان، يقال لإحداهما حضور، والأخرى فلانة، فبطروا وأترفوا حتى كانوا يغلقون أبوابهم، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبياً فدعاهم فقتلوه، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم فجهز إليهم جيشاً فقاتلوهم فهزموا جيشه، ثم رجعوا منهزمين إليه فجهز إليهم جيشاً آخر أكثف من الأول فهزموهم أيضاً، فلما رأى بختنصر ذلك غزاهم هو بنفسه فقاتلوه فهزمهم حتى خرجوا منها يركضون، فسمعوا منادياً يقول: ﴿ لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم ﴾ فرجعوا فسمعوا منادياً يقول: يا لثارات النبي، فقتلوا بالسيف فهي التي قال الله: ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ إلى قوله: ﴿ خامدين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى جعلناهم حصيداً ﴾ قال: الحصاد ﴿ خامدين ﴾ قال: كخمود النار إذا طفئت.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ خامدين ﴾ قال: ميتين.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: خلوا ثيابهم على عوراتهم ** فهم بأفنية البيوت خمود <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ اقْتَرَبَ ﴾ افتعل من القُرْب (١) قال المبرِّد: هما (٢) (٣) ومعنى الاقتراب هاهنا: قصر (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ لِلنَّاسِ ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة (٦) ﴿ حِسَابُهُمْ ﴾ قال المفسرون: محاسبة الله إياهم على أعمالهم (٧) (٨) (٩) فعلى هذا الحساب: يعني به (١٠) (١١) (١٢) وعلى (١٣) ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ  ﴾ .

قال أهل المعاني: واقتراب (١٤)  - "بعثت أنا والساعة كهاتين" [رواه البخاري في صحيحه (11/ 347) كتاب الرقاق].

وذكر الرازي قولاً ثالثًا: أن معنى اقتراب حسابهم أنه مقترب عند الله تعالى.

قال: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ  ﴾ .]].

وقوله تعالى: ﴿ فِي غَفْلَةٍ ﴾ قال الكلبي: جهالة (١٥) وقال المفسرون: عما الله فاعل بهم ذلك اليوم (١٦) ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ عن [التأهب] له (١٧) (١٨) وقال عطاء، عن ابن عباس: أعرضوا عمّا جاء به (١٩)  - (٢٠) (١) القرب: نقيض البعد، وهو الدنو.

انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 124 (قرب)، "لسان العرب" لابن منظور 1/ 662، 663، 666 (قرب).

(٢) في (ع): (وهما).

(٣) لم أجد من ذكره عنه.

قال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 295: (اقترب) افتعل بمعنى الفعل المجرد وهو (قرب)، كما تقول: ارتقب ورقب.

وقيل: هو أبلغ من "قرب" للزيادة التي في البناء.

ا.

هـ.

وذكر الزبيدي في "تاج العروس" 4/ 13 (قرب) أن شيخه أبا عبد الله الفاسي نقل عن ابن عرفه: (اقترب) أخص من (قرب) فإنه يدل على المبالغة في القرب.

قال الزبيدي: ولعل وجهه أنَّ افتعل يدل على اعتمال ومشقة في تحصيل الفعل، فهو أخص مما يدل على القرب بلا قيد، كما قالوه في نظائره.

اهـ.

وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 8/ 17: والاقتراب مبالغة في القرب، فصيغة الافتعال الموضوعة للمطاوعة مستعملة في تحقق الفعل، أي: اشتد قرب وقوعه بهم.

(٤) في (ع): (قصد)، وهو خطأ.

(٥) انظر: "التبيان" للطوسي 7/ 202.

(٦) ورد هذا القول في "تنوير المقباس" ص 200، الذي هو من رواية الكلبي.

وذكر الزمخشري في "الكشاف" 2/ 561 نحو هذا القول عن ابن عباس ثم قال: هذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين.

قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 122: عام في جميع الناس، وإن كان اليسار إليه في ذلك الوقت كفار قريش، ويدل على ذلك ما بعده من الآيات، وقوله (وهم في غفلة معرضون) يريد الكفار.

(٧) هذا نص كلام الثعلبي في "تفسيره الكشف والبيان" 3/ 27 أ.

وأصله عند الطبري في "جامع البيان" 1/ 17: حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم.

(٨) في (ع): (عن الكلبي)، وهو خطأ.

(٩) لم أجده من رواية عطاء، عن ابن عباس.

وهذه الرواية عن ابن عباس باطلة، وقد تقدم الكلام عنها.

وجاء في "تنوير المقباس" من تفسير ابن عباس ص 200: (دنا لأهل مكة ما وعد لهم في الكتاب من العذاب.

وهذا التفسير لا يصح عن ابن عباس  ما؛ لأنه مروي عنه من طريق محمد بن مروان السدي، عن الكلبي، عن أبي صالح، وهذا الإسناد من أضعف الأسانيد عن ابن عباس.

انظر: "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (3 ب).

وقد نسب هذا القول -يعني أن المراد بالحساب هنا العذاب- إلى الضحاك.

وذكره الماروردي في "النكت والعيون" 3/ 435 والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 167.

(١٠) به: زيادة (١١) في (ع) زيادة بعد قوله: (للناس).

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 383.

(١٣) في (ع): (فعلى).

(١٤) في (أ): (واقترب).

(١٥) لم أجده.

(١٦) هذا كلام الطبري في "تفسيره" 1/ 17 مع تصرف يسير.

(١٧) ساقط من (ع).

(١٨) الطبري 17/ 2، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 27 أ.

(١٩) في (أ، د): (جاتة)، وفي (ت): (جاءه).

(٢٠) ذكر هذا القول القرطبي 11/ 267، ولم ينسبه لأحد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

سورة الأنبياء عليهم السلام.

﴿ اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ الناس لفظ عام، وقال ابن عباس: المراد به هنا المشركون من قريش بدليل ما بعد ذلك، لأنه من صفاتهم، وإنما أخبر عن الساعة بالقرب، لأن الذي مضى من الزمان قبلها أكثر مما بقي لها ولأن كل آت قريب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ قال ربي ﴾ بالألف: حمزة وعلي وحفص.

الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ نوحي ﴾ بالنون مبنياً للفاعل: حفص غير الخراز.

الباقون: بالياء مجهولاً.

الوقوف: ﴿ معرضون ﴾ ج للآية مع احتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً.

﴿ يلعبون ﴾ لا لأن ﴿ لاهية ﴾ حال أخرى مترادفة أو متداخلة من ضمير ﴿ يلعبون ﴾ وهي لقلوبهم في المعنى.

﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مثلكم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع استغناء الثانية عن الأولى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ شاعر ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ أهلكناها ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ ذكركم ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ يركضون ﴾ ه ط لتقدير القول ﴿ تسألون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ خامدين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ من لدنا ﴾ ه على جعل "إن" نافية والأصح أنها للشرط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ زاهق ﴾ لا ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يستحسرون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً، ﴿ لا يفترون ﴾ ه.

التفسير: قال جار الله: اللام في قوله ﴿ للناس ﴾ إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيداً آخر من جهة وضع ضمير الحي مضافاً إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم.

والمراد اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ فإذا اقتربت الساعة فقد إقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في خاتمة السورة المتقدمة بقوله ﴿ فستعلمون ﴾ بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك العلم قريب.

فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر كان قال القائل: شعر فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس على أنه لم يمض بعد يوم من ايام الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي قوله  "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين وزجر للمذنبين.

فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين.

وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما.

والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرئ ﴿ محدث ﴾ بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول.

وزعم الإمام فخر الدين الرازي  أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله ﴿ من ذكر من ربهم محدث ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على أن ذكراً ما محدث، كما أن قول القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا "الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس" وإنه لا ينتج شيئاً لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف فيعلم الميزان.

قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله "بعض الذكر محدث" لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث.

وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميماً لقول المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ من ربهم محدث ﴾ لموافقة قوله بعد هذا ﴿ قل ربي يعلم ﴾ وقال في الشعراء ﴿ من ذكر من الرحمن محدث  ﴾ لكثرة الرحيم فيها.

فكان "الرحمن بالرحيم" أنسب.

قوله  ﴿ يلعبون ﴾ اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله ﴿ لاهية ﴾ هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل.

وفيه إن هم كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه.

ومعنى ﴿ وأسروا النجوى ﴾ بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي "واو" اسروا وجهان: أحدهما أن على لغة من يجوز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدماً على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم و ﴿ الذين ظلموا ﴾ بدل منهم.

أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره ﴿ أسروا النجوى ﴾ مقدماً عليه.

وعلى التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله ﴿ هل هذا إلاّ بشر ﴾ إلى قوله ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تعلمون أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟

وجوز بعضهم أن يكون قوله ﴿ هل هذا ﴾ إلى آخره مفعولاً لقالوا مضمراً، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه التشاور فيما بينهم تحرياً لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء.

ويرفع أيضاً إلى النبي  "استعينوا على حوائجكم بالكتمان" ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقاً فأخبرونا بما اسررنا.

من قرأ ﴿ قال ربي ﴾ فعلى حكاية الرسول  كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم الغيب، ووصف نفسه ههنا بأنه يعلم القول.

قال جار الله: هذا آكد لأنه عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا دلالة للعام على الخاص.

بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى ﴿ وهو السميع العليم ﴾ خصص علمه بالمسموعات أولاً ثم عمم وقال الإمام قدم "السميع" على "العليم" لأنه لا بد من استماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه.

قلت: هذا قياس للغائب على الحاضر قوله ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ﴾ معنى هذه الإضطرابات مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولاً كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم قالوا: سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزاً فقد يكون سحراً هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف.

سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده؟

سلمنا أنه كلام فصيح ولكنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا كان حال هذا المعجز هكذا.

﴿ فليأتنا بآية ﴾ لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات ﴿ كما أرسل الأولون ﴾ اي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن لإتيانهم بالآيات.

ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن أنهم عدلوا حين تحدوا به عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف.

ثم بين أن الآيات التي يقترحونها لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء الايات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك ﴿ افهم يؤمنون ﴾ مع شدة شكيمتهم فيه معنى الإنكار أي لا يؤمنون ألبتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولكن قد سبق القول من الله أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال.

ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم ﴿ هل هذا إلاّ بشر مثلكم ﴾ بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً ﴾ وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل.

وإنما جاز الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معادة رسول الله  فكان قولهم عندهم حجة.

وقيل: أهل الذكر أهل القرآن.

وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد  ، فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟

واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله ﴿ وما ارسلنا من قبلك ﴾ وقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك ﴾ بغير "من" وليس إلا ههنا وفي أوائل الفرقان ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم  ﴾ ثم أكد كون الرسل من جنس البشر بقوله ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف اي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسداً.

ووحد الجسد لإرادة الجنس اي ذوي ضرب من الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: ﴿ صدقناهم الوعد ﴾ أصله في الوعد فنصب بنزع الخافض، ثم فسر الوعد بقوله ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ وهم المؤمنون، ثم نبههم على عظيم نعمه عليهم بقوله، ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ أي شرفكم وصيتكم، أو فيه بيان مكارم الآخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال ﴿ وكم قصمنا ﴾ والقصم القطع الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى ﴿ من قرية ﴾ من أهل قرية لقوله ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ وللضمائر في قوله ﴿ فلما أحسوا ﴾ إلى آخر القصة.

والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه كالمحسوس المشاهد.

والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثاً لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجهلم فقيل لهم لا تركضوا.

والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ذلك فحدثوا به أنفسهم: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ من العيش الهنيء والإتراف إبطار النعمة ﴿ لعلكم تسألون ﴾ غداً عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولكن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم ﴿ فما زالت تلك ﴾ الدعوى وهي قولهم ﴿ يا ويلنا ﴾ لأن المولول كأنه يدعو الويل ﴿ دعواهم ﴾ الأول اسم "ما زال" والثاني خبره أو بالعكس.

والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والحصيد المحصود كقوله ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ شبهوا بالزرع المستأصل والنار التي تخمد فتصير رماداً أي جعلناهم مشبهين بالمحصود والخامد، ووحد ﴿ حصيداً ﴾ لأن المراد زرعاً حصيداً، ولأن "فعيلاً" قد يستوي فيه الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن تنسب إليهما الثياب.

وفي الحديث كفن رسول الله  في ثوبين سحوليين.

وروى حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء.

قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً ومجازاة لا عبثاً ولا مجازفة فقال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض ﴾ الاية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع ﴿ وما بينهما ﴾ من الأركان والمواليد كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول "البقرة" ويمكن أن يقال: المقصود من سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن كان صادقاً فهو المطلوب، وإن كان كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب وهو منفي عنه  .

قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعباً وعورض بمسألتي العلم والداعي.

ثم بين أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب ليس هو العجز والضعف ولكن لأن الحكمة تنافيه، معنى ﴿ من لدنا ﴾ من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو المرأة، وقيل: من لدنا اي من الملائكة لا من الإنس رداً على من قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.

ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل الخفية فلا تعرفونه ولا تسمعون اسمه فيكون الرد شاملاً لكل من ادعى الله ولداً ولو من الملائكة.

ثم اضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل العبث قائلاً ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ﴾ يعني الباطل ﴿ زاهق ﴾ اي ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة للرسالة فقال ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ اي تصفونه به.

ثم بين كمال قدرته ونهاية حلمه وحكمته فقال ﴿ وله من في السموات والأرض ﴾ والمراد بمن عنده الملائكة المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة.

فأما عندية المكان ففيها بحث طويل.

قال الزجاج: ﴿ لا يستحسرون ﴾ أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء.

قال جار الله: كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولكنه ذكر بلفظ المبالغة وهو "استفعل" لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدُّونها تعباً عليهم.

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار ﴾ منصوبان على الظرفية ﴿ لا يفترون ﴾ لا يلحقهم الفتور والكلال.

وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته؟

وقد مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب الأحبار: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ ثم قال: { ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة  ﴾ أليس الرسالة واللعن ما نعين لهم عن التسبيح؟

أجاب كعب بأن التسبيح لهم كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر.

واعترض بأن آلة التنفس فينا مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم.

وأجيب بأنه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به.

التأويل: اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم كقوله ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله  ﴾ ﴿ وما يأتيهم من ذكر ﴾ وعظ وتذكير من عالم رباني ﴿ محدث ﴾ إلهامه إلا أنكروه عليه ونسبوه إلى التخليط ونحوه ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ فيه أن الله قادر على أن لا يجعل النبي الولي ذا جسد ولكن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى.

قال بعض المشايخ، لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ والسر فيه أن يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي.

﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة ﴿ وأهلكناهم المسرفين ﴾ الذين اسرفوا على أنفسهم بالكون إلى أسفل سافلين الطبائع.

﴿ وكم قصمنا من ﴾ أهل ﴿ قرية ﴾ قالت ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف شديد ﴿ لا تركضوا ﴾ منا بل ففروا إلينا ﴿ وارجعوا ﴾ إلى التنعمات الروحاينة ﴿ ومساكنكم ﴾ الصلية ﴿ لعلكم تسألون ﴾ عزة وكرامة ﴿ وما خلقنا ﴾ سموات الأرواح وأرض الأجساد، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل ﴾ للحق ثلاث مراتب: مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى الحق فيها للعبد، ارهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه المراتب فيبقى متصفاً بالوجود المجازي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ .

قال الحسن: أي: محاسبتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ .

ظاهر هذا أنه نزل في المشركين؛ لأنها نزلت بمكة وكان أكثر أهلها أهل شرك، لكن لأهل الإسلام في ذلك حظ وشرك فيما وصفهم بالغفلة عن ذلك والإعراض عنه، وأهل الإسلام قد يغفلون عن الحساب إلا أن غفلة الكفرة غفلة تكذيب وإعراضهم إعراض تكذيب بالحساب والآيات التي أنزلها عليهم، وغفلة أهل الإسلام ليست كذا، قد آمنوا بالحساب وصدقوا بآياته وعرفوها، لكنهم غفلوا عن الحساب؛ لشهوات مكنت فيهم وغلبت شهواتهم وأغفلتهم عنه، فمن هذه الجهة [كانوا] كأولئك، فأما من جهة الإيمان به والتصديق بالآيات فليسوا كأولئك.

ثم وصف الحساب والساعة بالقرب والدنو والإتيان؛ كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ وأمثاله: هي قريبة كالماهية عند الله؛ لأن الله  عرف جملة الأوقات فهي في جملة ما عرف قريبة كالماهية، وأما الخلق فإنهم قد استبعدوها؛ لأنهم إنما يقدرون ذلك بآجالهم وأعمارهم وما جاوز أعمارهم، فهو عندهم بعيد ليس بقريب، وهذا إِنما يكون بعد ذهاب أعمارهم.

وقال قتادة: ذكر أنه لما نزلت هذه الآية ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ ، و ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ  ﴾ قال ناس من أهل الضلال: يزعم هذا الرجل أن الساعة قد اقتربت فتناهوا قليلا، ثم عادوا إلى أعمالهم، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ  ﴾ تناهوا عنها، ثم لما تأخر ذلك عنهم عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ هذا لأنهم فهموا من قرب الساعة وإتيان أمره وقتاً يقرب ومدة تدنو، فلما مضى ذلك وقع عندهم أن الخبر كذب فكذبوه؛ لأنهم إنما قدروه بآجالهم وما عرفوا هم من القرب والدنو.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ ما ذكرنا من غفلة تكذيب وإعراض، تكذيب بعد ما عرفوا أنها آيات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ .

قوله: ﴿ مِّن ذِكْرٍ ﴾ ما يذكرهم ما يأتون وما يتقون.

أو ما يذكر ما أوعدوا وخوفوا.

أو ﴿ مِّن ذِكْرٍ ﴾ يذكرهم ما لهم وما عليهم.

وقوله: ﴿ مُّحْدَثٍ ﴾ قال بعضهم: محدث: محكم أحكمه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأحكمه لما أعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله.

وقال بعضهم: محدث؛ لأن الله أنزل هذا القرآن بالتفاريق وأحدث إنزاله في كل وقت على قدر الحاجة، فعلى ما نزل بالتفاريق أحدثوا هم - أعني الكفرة - تكذيبه ورده على ما ذكر، فزادهم رجساً إلى رجسهم ونحوه، فهو محدث من الوجوه التي ذكرنا؛ لأن كل موصوف بالإتيان فهو محدث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ .

دل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ أن استماعهم إياه استماع استهزاء به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ هذا الذي أسروا فيما بينهم ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ ﴾ ، هذا كان نجواهم.

وقوله: ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ ، قيل: غافلة قلوبهم عن الذكر، ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ الذي أسروه هو ما ذكرنا قولهم: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ السحر.

وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وأسروا النجوى الذين كفروا منهم)، وقال الكسائي: وفي بعض الحروف: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، قال: وفي حرفنا: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ﴾ .

ثم أخبر - عز وجل - عنهم خبراً مستأنفاً فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ؛ كقول الله  : ﴿ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ  ﴾ ثم قال: ﴿ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ  ﴾ ، وهذا على كلامين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

يشبه أن يكون قوله: ﴿ يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ القول الذي أسروا فيما بينهم: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾ ، وأمثال ما قالوا فيه ونسبوه إليه، أي: قل لهم: ربي يعلم ذلك القول منكم في السماء والأرض لينتهوا عن ذلك؛ لأن من يعلم في الشاهد أن أحداً يطلع على جميع ما يختاره من القول والفعل، ترك ذلك وامتنع عن التفوه به والإقدام على ما يختاره.

أو أن يكون قال ذلك على الابتداء والاستئناف أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : السميع لقولهم، العليم بأفعالهم.

ثم أخبر عن سفههم وقلة نظرهم في قولهم وكلامهم وحفظهم عن التناقض فقال: ﴿ بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾ فيما نسبوه إلى الشعر والسحر والافتراء وأنه أضغاث أحلام تناقض في قولهم؛ لأن السحر هو غير الافتراء، والسحر غير أضغاث الأحلام، كل حرف من هذه الحروف التي نسبوه إليها يناقض الآخر ويبطله؛ فدل أنهم إنما قالوا ذلك ونسبوه إلى ما نسبوا متعنتين مكابرين لا عن معرفة وعلم قالوا ذلك؛ إذ تناقض قولهم وكلامهم؛ إذ السحر لا يدوم ولا يبقى في وقت آخر، فإذا عرفوا وعلموا أنه دام وبقي إلى آخر الدهر، وكذلك ما قالوا من أضغاث أحلام والافتراء، أعني: ما أتى رسول الله به، وبعد فإنه لو كان ما أتاهم به سحرا كان ذلك آية وعلامة على صدقه ونبوته؛ لأن السحر لا يعرفه أحد إلا بالتعليم، فإذا رأوه نشأ بين أظهرهم ولم يكن في قومه ساحر حتى يتعلم منه، ولا اختلف إلى أحد من السحرة يتعلم منهم السحر، ثم أتى به - لكان ذلك يدل على أنه إنما عرف ذلك بالله  ، فكيف وقد أتاهم بالحجج المنيرة الواضحة والآيات المعجزة الخارجة عن وسع البشر وطوقهم؟

لكنهم كابروا وعاندوا في ردها وتكذيبها، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ ﴾ .

قد علموا علم حقيقة أنه قد أتاهم بآيات وحجج ما لو تأملوا فيها ولم يكابروا، لدلهم على صدقه ورسالته، وقد عرفوا أنه صادق، لكنهم سألوا في قلوبهم: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ ﴾ الآية التي تنزل عند المكابرة والعناد، وهي الآية التي نزلت في الأمم الخالية عند مكابرتهم الآيات والحجج، وهو إهلاكهم واستئصالهم؛ إذ من سنته وحكمه في الأولين الإهلاك والاستئصال عند مكبارتهم الآيات والحجج، وسنته وحكمه في هذه الآية ختم النبوة بهم وإبقاء شريعة محمد - صلوات الله عليه - إلى الساعة، وسنته في الأمم الماضية نسخ شرائعهم واستبدال أحكامهم، فإذا كان ما ذكرنا جعل وقت إهلاكهم الساعة، وهو ما قال: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ...

﴾ الآية [القمر: 46].

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ ﴾ .

أي: ما آمنت قبلهم من قرية سألوا الآية سؤال مكابرة وعناد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

أي: لا يؤمن هؤلاء وإن أتاهم بآية فإنهم لا يؤمنون، كما لم يؤمن من أولئك المتقدمون؛ لأنهم يسألون سؤال عناد ومكابرة لا سؤال استرشاد واستهداء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ .

كأن هذا خرج جواباً لقولهم: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ...

﴾ كذا، وجواب قولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ ، وجواب قولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ  ﴾ ، فقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ ، أي: بشراً، ﴿ نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ إلى عامة الخلق، أي: الرسالة في الأمم الذين من قبله إلى عامة الخلق كانت في البشر لم تكن في الملائكة، وإلا كانت الرسالة إلى الخواص في الملائكة وهم الرسل، فعلى ذلك لا تجعل الرسالة في هذه الأمة إلى عامة الخلق في الملائكة، ولكن تجعل في البشر على ما جعلت في الأمم الأولى في البشر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ ، أي: جعلها في الذكور منهم لم يجعلها في النساء والإناث؛ لما لم يستكملن شرائط الرسالة والنبوة، فكأن الأول في بيان الجنس، أي: لم يجعل الرسالة إلى عامة الخلق في الملائكة، ولكن جعلها في البشر، والثاني في بيان استكمال شرائط الرسالة واستحقاقها.

وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وما أرسلنا قبله إلا رجالا نوحي إليهم)، فعلى حرفهما كأنه خاطب به أولئك الكفرة، أي: ما أرسلنا قبل محمد إلا رجالا نوحي إليهم، وفي القراءة الظاهرة المشهورة يكون الخطاب لرسول الله، أي: قل لهم: إنه ما أرسل الله من قبلك إلا رجالا يوحي إليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: إنما خاطب به مشركي العرب وأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالرسل المتقدمة؛ ليخبروكم: أنه لم تجعل الرسالة فيهم إلى عامة الخلق إلا في البشر، وقال بعضهم: إنما خاطب من كفر من أهل الكتاب - من لا يعرف الكتاب وغيره - بمحمد أن اسألوا أهل الذكر، أي: من آمن منهم؛ ليخبروكم أن محمدا رسول الله إليكم إن كنتم لا تعلمون أنتم أنه رسول الله، [فهذا التأويل في محمد] خاصة والتأويل الأول في جميع الرسل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ ﴾ .

قال بعضهم: ما جعلنا أجساداً لا أرواح فيها لا يأكلون ولا يشربون، ولكن جعلناهم أجسادا فيها أرواح يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ﴾ من نحو الملائكة والجن، ولكن جعلناهم بشراً.

وحاصله: أنهم كانوا يطعنون الرسل بأشياء، مرة قالوا: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ ، وقالوا: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ونحوه، كانوا لا يرون الرسالة في البشر، ولا يرون الرسول يكون من نوع المبعوث إليه، فألزمهم أن الرسل الذين كانوا من قبل الذين صدقهم آباؤهم وآمنوا بهم كانوا من البشر بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ ، ومرة طعنوا الرسل أنهم يأكلون الطعام ويشربون وينكحون ويمشون في الأسواق كغيرهم من الناس؛ كقوله: ﴿ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ  ﴾ ونحوه، فألزمهم - عز وجل - وأخبرهم أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا يأكلون ويشربون ويقضون حوائجهم؛ حيث قال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ ﴾ في الدنيا، وما قال في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً  ﴾ ؛ فعلى ذلك الرسول المبعوث إليكم هو كسائر الرسل الذين كانوا من قبل، هو ممن يأكل ويشرب وينكح وهو رسول، وأنه بشر كسائر الرسل، وهو رسول الله؛ على هذا يخرج تأويل الآية.

وهذه الآية ترد على الباطنية قولهم ومذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الرسالة لا تكون في الجوهر الكثيف الجسداني الذي يأكل ويشرب ويفنى ويبيد، إنما تكون في الجوهر البسيط الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يبيد ولا يفنى، فأخبر - عز وجل - أنه لم يجعلهم جسداً لا يأكلون الطعام ولا يبيدون، بل جعلهم أجساداً يأكلون ويموتون بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ ﴾ .

أخبر أنه وعد الرسل وعداً، لكنه لم يبين ما كان ذلك الوعد الذي وعد رسله؟

لكن في آخره بيان أن الوعد الذي وعدهم كان وعد إهلاك وتعذيب؛ لأنه قال: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ ﴾ ، دل قوله: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ ﴾ : أن الوعد كان وعد إهلاك، فنقول: كان وعد - عز وجل - الرسل الذين من قبل إهلاك من كذبهم، فكان كما وعدوا، وإن تأخر ذلك الموعود عن وقت الوعد؛ فعلى ذلك ما وعدكم محمد من العذاب فإنه نازل بكم وإن تأخر نزوله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذِكْرُكُمْ ﴾ ما يذكركم ما تأتون وتتقون، أو يذكركم ما لكم وما عليكم.

وقال بعضهم: ﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، أي: شرفكم ونبلكم لو اتبعتم.

وقال الحسن في قوله: ﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ أي: فيه دينكم الذي أمسك عليكم به.

وقال غيره: فيه شرفكم ونبلكم لو اتبعتموه؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ ، أي: شرف لك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قَرُب للناس حسابهم على أعمالهم يوم القيامة، وهم في غفلة معرضون عن الآخرة؛ لانشغالهم بالدنيا عنها.

<div class="verse-tafsir" id="91.Ll4on"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده