الآية ١٢ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ١٢ من سورة الأنبياء

فَلَمَّآ أَحَسُّوا۟ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 56 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( فلما أحسوا بأسنا ) أي : تيقنوا أن العذاب واقع بهم ، كما وعدهم نبيهم ، ( إذا هم منها يركضون ) أي : يفرون هاربين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا ) يقول: فلما عاينوا عذابنا قد حلّ بهم ورأوه قد وجدوا مسه، يقال منه: قد أحسست من فلان ضعفا، وأحسته منه ( إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ) يقول: إذا هم مما أحسوا بأسنا النازل بهم يهربون سراعا عَجْلَى، يَعْدُون منهزمين، يقال منه: ركض فلان فرسه: إذا كَدَّه سياقته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فلما أحسوا أي رأوا عذابنا ؛ يقال : أحسست منه ضعفا .

وقال الأخفش : أحسوا خافوا وتوقعوا .

إذا هم منها يركضون أي يهربون ويفرون .

والركض العدو بشدة الوطء .

والركض تحريك الرجل ؛ ومنه قوله تعالى : اركض برجلك وركضت الفرس برجلي استحثثته ليعدو ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا وليس بالأصل ، والصواب ركض الفرس على ما لم يسم فاعله فهو مركوض .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأن هؤلاء المهلكين، لما أحسوا بعذاب الله وعقابه، وباشرهم نزوله، لم يمكن لهم الرجوع ولا طريق لهم إلى النزوع وإنما ضربوا الأرض بأرجلهم، ندما وقلقا، وتحسرا على ما فعلوا وهروبا من وقوعه

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فلما أحسوا بأسنا ) أي [ رأوا ] عذابنا بحاسة البصر ، ( إذا هم منها يركضون ) أي يسرعون هاربين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما أحسُّوا بأسنا» شعر أهل القرية بالإهلاك «إذا هم منها يركضون» يهربون مسرعين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما رأى هؤلاء الظالمون عذابنا الشديد نازلا بهم، وشاهدوا بوادره، إذا هم من قريتهم يسرعون هاربين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صور - سبحانه - حال هؤلاء الظالمين عندما أحسوا بالعذاب وهو نازل بهم فقال : ( فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ) .وقوله : ( أَحَسُّواْ ) من الإحساس .

وهو إدراك الشىء بالحاسة .

يقال : أحس فلان الشى ، إذا علمه بالحس ، وأحس بالشىء ، إذا شعر به بحاسته .وقوله : ( يَرْكُضُونَ ) من الركض وهو السير السريع ، وأصله : أن يضرب الرجل دابته برجله ليحثها على الجرى والسرعة فى المشى .

والمقصود به هنا : الهرب بسرعة .أى : فلما أحس هؤلاء الظالمون عذابنا المدمر ، وأيقنوا نزوله بهم ، وعلموا ذلك علما مؤكدا ، إذا هم يخرجون من قريتهم ( يَرْكُضُونَ ) أى : يهربون بسرعة وذعر ، حتى لكأنهم من اضطرابهم وخوفهم يظنون أن ذلك سينجيهم .وإذا هنا فجائية ، والجملة بعدها جواب " لما " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الاعتراضات وكانت تلك الاعتراضات ظاهرة السقوط لأن شرائط الإعجاز لما تمت في القرآن ظهر حينئذ لكل عاقل كونه معجزاً، وعند ذلك ظهر أن اشتغالهم بإيراد تلك الاعتراضات كان لأجل حب الدنيا وحب الرياسة فيها فبالغ سبحانه في زجرهم عن ذلك فقال: ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ ﴾ قال صاحب الكشاف القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم وذكر القرية وأنها ظالمة وأراد أهلها توسعاً لدلالة العقل على أنها لا تكون ظالمة ولا مكلفة ولدلالة قوله تعالى: ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ فالمعنى أهلكنا قوماً وأنشأنا قوماً آخرين وقال: ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا ﴾ إلى قوله: ﴿ قَالُواْ يا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين ﴾ وكل ذلك لا يليق إلا بأهلها الذين كلفوا بتصديق الرسل فكذبوهم ولولا هذه الدلائل لما جاز منه سبحانه ذكر المجاز لأنه يكون ذلك موهماً للكذب، واختلفوا في هذا الإهلاك فقال ابن عباس: المراد منه القتل بالسيوف والمراد بالقرية حضور وهي وسحول قريتان باليمن ينسب إليهما الثياب.

وفي الحديث: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين» وروى: «حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم» وروى: «أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء» فندموا واعترفوا بالخطأ، وقال الحسن: المراد عذاب الاستئصال، واعلم أن هذا أقرب لأن إضافة ذلك إلى الله تعالى أقرب من إضافته إلى القاتل، ثم بتقدير أن يحمل ذلك على عذاب القتل فما الدليل على قول ابن عباس ولعل ابن عباس ذكر حضور بأنها إحدى القرى التي أرادها الله تعالى بهذه الآية، وأما قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾ فالمعنى لما علموا شدة عذابنا وبطشنا علم حس ومشاهدة ركضوا في ديارهم، والركض ضرب الدابة بالرجل، ومنه قوله تعالى: ﴿ اركض بِرِجْلِكَ ﴾ فيجوز أن يكونوا ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب، ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين، أما قوله: ﴿ لاَ تَرْكُضُواْ ﴾ قال صاحب الكشاف: القول محذوف، فإن قلت من القائل قلنا يحتمل أن يكون بعض الملائكة ومن ثم من المؤمنين، أو يكونوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل، أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم أو يلهمهم ذلك فيحدثون به نفوسهم، أما قوله: ﴿ وارجعوا إلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومساكنكم ﴾ أي من العيش والرفاهية والحال الناعمة، والإتراف إبطار النعمة وهي الترفه، أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾ فهو تهكم بهم وتوبيخ، ثم فيه وجوه: أحدها: أي ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غداً عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة.

وثانيها: ارجعوا كما كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم بم تأمرون وماذا ترسمون كعادة المخدومين.

وثالثها: تسألكم الناس في أنديتكم لتعاونوهم في نوازل الخطوب ويستشيرونكم في المهمات ويستعينون بآرائكم.

ورابعها: يسألكم الوافدون عليكم والطامعون فيكم إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكماً إلى تهكم وتوبيخاً إلى توبيخ، أما قوله تعالى: ﴿ فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ ﴾ فقال صاحب الكشاف تلك إشارة إلى ﴿ يا ويلنا ﴾ لأنها عدوى كأنه قيل فما زالت تلك الدعوى دعواهم، والدعوى بمعنى الدعوة قال تعالى: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ فإن قلت: لم سميت دعوى؟

قلت: لأنهم كانوا دعوا بالويل: ﴿ فَقَالُواْ يا ويلَنَا ﴾ أي يا ويل احضر فهذا وقتك، وتلك مرفوع أو منصوب إسماً أو خبراً وكذلك: ﴿ كَانَ دَعْوَاهُمْ ﴾ قال المفسرون: لم يزالوا يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك كقوله تعالى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ أما قوله: ﴿ حتى جعلناهم حَصِيداً خامدين ﴾ فالحصيد الزرع المحصود أي جعلناهم مثل الحصيد شبههم به في استئصالهم، كما تقول جعلناهم رماداً أي مثل الرماد فإن قيل: كيف ينصب جعل ثلاثة مفاعيل، قلت: حكم الاثنين الأخيرين حكم الواحد والمعنى جعلناهم جامعين لهذين الوصفين، والمراد أنهم أهلكوا بذلك العذاب حتى لم يبق لهم حس ولا حركة وجفوا كما يجف الحصيد، وخمدوا كما تخمد النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ ﴾ واردة عن غضب شديد ومنادية على سخط عظيم؛ لأنّ القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء، بخلاف الفصم.

وأراد بالقرية: أهلها، ولذلك وصفها بالظلم، وقال: ﴿ قَوْماً ءاخَرِينَ ﴾ لأن المعنى: أهلكنا قوماً وأنشأنا قوماً آخرين.

وعن ابن عباس: أنها (حضور) وهي و (سحول) قريتان باليمن، تنسب إليهما الثياب.

وفي الحديث: «كُفنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثوبَيْنِ سحوليَيْن» وروي (حضورَيْين).

بعث الله إليهم نبياً فقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم.

وروي: أنهم لما أخذتهم السيوف ونادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء ندموا واعترفوا بالخطأ.

وذلك حين لم ينفعهم الندم.

وظاهر الآية على الكثرة.

ولعل ابن عباس ذكر (حضور) بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية.

فلما علموا شدّة عذابنا وبطشتنا علم حس ومشاهدة، لم يشكوا فيها، ركضوا من ديارهم، والركض: ضرب الدابة بالرجل.

ومنه قوله تعالى: ﴿ اركض بِرِجْلِكَ ﴾ [ص: 42] فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب.

ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم، فقيل لهم، ﴿ لاَ تَرْكُضُواْ ﴾ والقول محذوف.

فإن قلت: من القائل؟

قلت يحتمل أن يكون بعض الملائكة أو من ثم من المؤمنين أو يجعلوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل.

أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم.

أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم ﴿ وارجعوا إلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ﴾ من العيش الرافه والحال الناعمة.

والإتراف: إبطار النعمة وهي الترفة ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾ تهكم بهم وتوبيخ، أي: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسئلون غداً عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة.

أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم.

وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم: بم تأمرون؟

وبماذا ترسمون؟

وكيف نأتي ونذر كعادة المنعمين المخدَّمين؟

أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب، ويستشيرونكم في المهمات والعوارض ويستشفون بتدابيركم، ويستضيئون بآرائكم أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع ويستمطرون سحائب أكفكم، ويمترون أخلاف معروفكم وأياديكم: إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء.

أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكماً إلى تهكم، وتوبيخاً إلى توبيخ ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى يا ولينا، لأنها دعوى، كأنه قيل: فما زالت تلك الدعوى ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ والدعوى بمعنى الدعوة.

قال تعالى: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ [يونس: 10] .

فإن قلت: لم سميت دعوى؟

قلت: لأن المولول كأنه يدعو الويل، فيقول تعالى: يا ويل فهذا وقتك.

و ﴿ تِلْكَ ﴾ مرفوع أو منصوب اسماً أو خبراً وكذلك دعواهم.

﴿ حصيداً ﴾ الحصيد: الزرع المحصود.

أي: جعلناهم مثل الحصيد، شبههم به في استئصالهم واصطلامهم كما تقول: جعلناهم رماداً، أي مثل الرماد.

والضمير المنصوب هو الذي كان مبتدأ والمنصوبان بعده كانا خبرين له، فلما دخل عليها جعل نصبها جميعاً على المفعولية.

فإن قلت كيف ينصب (جعل) ثلاثة مفاعيل؟

قلت: حكم الاثنين الآخرين حكم الواحد؛ لأنّ معنى قولك (جعلته حلواً حامضاً) جعلته جامعاً للطعمين.

وكذلك معنى ذلك: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ ﴾ وارِدَةٍ عَنْ غَضَبٍ عَظِيمٍ لِأنَّ القَصْمَ كَسْرٌ يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ بِخِلافِ الفَصْمِ.

﴿ كانَتْ ظالِمَةً ﴾ صِفَةٌ لِأهْلِها وُصِفَتْ بِها لِما أُقِيمَتْ مَقامَهُ.

﴿ وَأنْشَأْنا بَعْدَها ﴾ بَعْدَ إهْلاكِ أهْلِها.

﴿ قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ مَكانَهم.

﴿ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا ﴾ فَلَمّا أدْرَكُوا شِدَّةَ عَذابِنا إدْراكَ المُشاهَدِ المَحْسُوسِ، والضَّمِيرُ لِلْأهْلِ المَحْذُوفِ.

﴿ إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ ﴾ يَهْرُبُونَ مُسْرِعِينَ راكِضِينَ دَوابَّهم، أوْ مُشَبَّهِينَ بِهِمْ مِن فَرْطِ إسْراعِهِمْ.

﴿ لا تَرْكُضُوا ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قِيلَ لَهُمُ اسْتِهْزاءً لا تَرْكُضُوا إمّا بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ، والقائِلُ مَلَكٌ أوْ مَن ثَمَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ﴾ مِنَ التَّنَعُّمِ والتَّلَذُّذِ والإتْرافُ إبْطارُ النِّعْمَةِ.

﴿ وَمَساكِنِكُمْ ﴾ الَّتِي كانَتْ لَكم.

﴿ لَعَلَّكم تُسْألُونَ ﴾ غَدًا عَنْ أعْمالِكم أوْ تُعَذَّبُونَ فَإنَّ السُّؤالَ مِن مُقَدِّماتِ العَذابِ، أوْ تُقْصَدُونَ لِلسُّؤالِ والتَّشاوُرِ في المَهامِّ والنَّوازِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَلَمَّا أَحَسُّواْ} أي المهلكون {بَأْسَنَا} عذابنا أي علموا علم حسن ومشاهدة {إذا هم منها} من القرية وإذا للمفاجأة وهم مبتدأ والخبر {يَرْكُضُونَ} يهربون مسرعين والركض ضرب الدابة بالرجل فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب

الأنبياء (١٨ - ١٣)

أو شبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراضين لدوابهم فقيل لهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا ﴾ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأهْلِ لا لِقَوْمٍ آخَرِينَ إذْ لا ذَنْبَ لَهم يَقْتَضِي ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكَلامُ، والإحْساسُ الإدْراكُ بِالحاسَّةِ أيْ فَلَمّا أدْرَكُوا بِحاسَّتِهِمْ عَذابَنا الشَّدِيدَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مِمّا يُدْرَكُ بِإحْدى الحَواسِّ الظّاهِرَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في البَأْسِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ ويَكُونَ الإحْساسُ تَخْيِيلًا وأنْ يَكُونَ الإحْساسُ مَجازًا عَنْ مُطْلَقِ الإدْراكِ أيْ فَلَمّا أدْرَكُوا ذَلِكَ ﴿ إذا هم مِنها ﴾ أيْ مِنَ القَرْيَةِ فَمِنَ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ مِنَ البَأْسِ والتَّأْنِيثُ لِأنَّهُ في مَعْنى النِّقْمَةِ والبَأْساءِ فَمِن تَعْلِيلِيَّةٌ وهي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَرْكُضُونَ ﴾ وإذا فُجائِيَّةٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ لَمّا، ورَكَضَ مِن بابِ قَتَلَ بِمَعْنى ضَرَبَ الدّابَّةَ بِرِجْلِهِ وهو مُتَعَدٍّ، وقَدْ يُرادُ لازِمًا كَرَكَضَ الفَرَسُ بِمَعْنى جَرى كَما قالَهُ أبُو زَيْدٍ ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ، والرَّكْضُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الهَرَبِ أيْ فَإذا هم يَهْرُبُونَ مُسْرِعِينَ راكِضِينَ دَوابَّهم.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُشَبَّهِينَ بِمَن يَرْكُضُ الدَّوابَّ عَلى أنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً ولا مانِعَ مِن حَمَلِ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى ما قِيلَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ، يعني: القرآن فيه ذِكْرُكُمْ يعني: في القرآن عزكم وشرفكم، يعني: شرف العرب.

والذكر يوضع موضع الشرف، لأن الشرف يذكر، ويقال فِيهِ ذِكْرُكُمْ أي: فيه تذكرة لكم ما ترجون من رحمته وتخافون من عذابه كما قال: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ [عبس: 11] .

وقال السدي: فِيهِ ذِكْرُكُمْ يعني: ما تُعْنون به من أمر دنياكم وآخرتكم وما بينكم، وقال الحسن رحمه الله: فِيهِ ذِكْرُكُمْ، يعني: أمسك به عليكم دينكم، وفيه بيان حلالكم وحرامكم، ويقال: وعدكم ووعيدكم.

ثم قال: أَفَلا تَعْقِلُونَ أن فيه عزكم وشرفكم فتؤمنون به؟

قوله عز وجل: وَكَمْ قَصَمْنا القَصم الكسر، يعني: كم أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ، يعني: أهل قرية؟

كانَتْ ظالِمَةً، يعني: كافرة، وَأَنْشَأْنا بَعْدَها يعني: خلقنا بعد هلاكها قَوْماً آخَرِينَ خيراً منهم، فسكنوا ديارهم.

فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا، يعني: رأوا عذابنا، إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ يعني: يهربون ويعدون.

وقال القتبي: أصل الركض، تحريك الرجلين.

يقال: ركضت الفرس إذا أعديته بتحريك رجليك.

ومنه قوله: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ص: 42] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال أبو عبيدة «١» : أسَرُّوا: أظْهرُوا، وهو مِنَ الأضدَادِ، ثم بيَّن تعالى الأمر الذي تَنَاجوا به، وهو قولُ بعضهم لبعض على جهة التَّوبِيخ بزعمهم: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ المعنى:

أفَتَتَّبِعُون السحر وأنتم تبصرون، ثم أمر اللَّه تعالى نبيه صلى الله عليه وسلّم، أن يقول لهم وللناس جميعاً:

قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أيْ: يعلم أقوالكم هذه، وهو بالمرصاد في المَجَازاةِ عليها، ثُمَّ عَدَّد سبحانه جَمِيعَ ما قَالتْهُ طوائِفُهم ووقع الآضرابُ بكُلِّ مقالة عن المتقدمة لها ليبيّن اضطرابَ أمرهم فقال تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ والأَضْغَاثُ: الأَخْلاطُ، ثم حكى سبحانه اقتراحهم، آيةً تضطرهم كناقة صالح وغيرها، وقولهم: كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ دَالٌّ على معرفتهم بإتيان الرُّسُلِ الأَمَمَ المتقدمة.

وقوله سبحانه: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ فيه محذوفٌ يَدُلُّ عليه المعنى تقديره: والآيةُ التي طلبوها عَادَتُنَا أَنَّ القومَ إنْ كفروا بها عَاجَلْنَاهُم، وما آمنت قبلهم قَرْيَةٌ من القُرَى التي نزلتْ بها هذه النازِلَةُ، أفهذه كانت تؤمن؟.

وقوله: أَهْلَكْناها جملة في موضع الصِّفَةِ ل قَرْيَةٍ والجُمَلُ: إذا اتَّبَعَتِ النَّكِرَاتِ فهي صفاتٌ لها، وإذا اتبعت المعارف فهي أحوالٌ منها.

وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ هذه الآية رَدُّ على مَنِ استبعد منهم أَنْ يبعث الله بشرا رسولا والذِّكْرِ هو كُلُّ ما يأتي من تذكير اللَّه عِبادَهُ، فأهل القرآن أَهْلُ ذكر، وأَمَّا المُحَالُ على سؤالهم في هذه الآية فلا يَصِحُّ أن يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت لأنهم كانوا خُصُومَهُم، وإنما أَحيلوا على سؤالِ أحبارِ أهْلِ الكتابِ من حيثُ كانوا موافقين لكفّار قريش على ترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلّم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿ وَكَمْ قَصَمْنا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ واللُّغَوِيُّونَ: مَعْناهُ: وكَمْ أهْلَكْنا، وأصْلُ القَصْمِ: الكَسْرُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ كانَتْ ظالِمَةً ﴾ ؛ أيْ: كافِرَةً، والمُرادُ: أهْلُها.

﴿ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا ﴾ ؛ أيْ: رَأوْا عَذابَنا بِحاسَّةِ البَصَرِ، ﴿ إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَعْدُونَ، وأصْلُ الرَّكْضِ: تَحْرِيكُ الرِّجْلَيْنِ، يُقالُ: رَكَضْتُ الفَرَسَ: إذا أعْدَيْتُهُ بِتَحْرِيكِ رِجْلَيْكَ فَعَدا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَرْكُضُوا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم، ﴿ وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ﴾ ؛ أيْ: إلى نِعَمِكُمُ الَّتِي أتْرَفَتْكم، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّكم تُسْألُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تُسْألُونَ مِن دُنْياكم شَيْئًا، اسْتِهْزاءً بِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: تُسْألُونَ عَنْ قَتْلِ نَبِيِّكم، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

فَلَمّا أيْقَنُوا بِالعَذابِ ﴿ قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ بِكُفْرِنا، وقِيلَ: بِتَكْذِيبِ نَبِيِّنا.

﴿ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ ﴾ ؛ أيْ: ما زالَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ الَّتِي هي ﴿ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ قَوْلَهم يُرَدِّدُونَها، ﴿ حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا ﴾ بِالعَذابِ، وقِيلَ: بِالسُّيُوفِ، ﴿ خامِدِينَ ﴾ ؛ أيْ: مَيِّتِينَ كَخُمُودِ النّارِ إذا طُفِئَتْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ ﴾ هَذِهِ وعِيدٌ في ضِمْنِ وصْفِهِ تَعالى سِيرَتَهُ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِن أنَّهُ يُصَدِّقُ مَواعِيدَهُمْ، فَكَذَلِكَ يُصَدِّقُ لِمُحَمَّدٍ  ولِأصْحابِهِ ما وعَدَهم مِنَ النَصْرِ وظُهُورِ الكَلِمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن نَشاءُ ﴾ يَعْنِي مِنَ المُؤْمِنِينَ.

و"المُسْرِفُونَ": الكُفّارُ المُفَرِّطُونَ في غَيِّهِمْ وكُفْرِهِمْ، وكُلُّ مِن تَرَكَ الإيمانَ مُسْرِفٌ.

ثُمْ وبَّخَهم تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، والكِتابُ: القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فِيهِ الذِكْرُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللهُ إلَيْكم بِأمْرِ دِينِكم وآخِرَتِكم ونَجاتِكم مِن عَذابِهِ، فَأضافَ الذِكْرَ إلَيْهِمْ حَيْثُ هو في أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فِيهِ شَرَفُكم وذِكْرُكم آخِرَ الدَهْرِ كَما تُذْكَرُ عِظامُ الأُمُورِ، وفي هَذا تَحْرِيضٌ، ثُمْ تَأكَّدَ التَحْرِيضُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ، وحَرَّكَهم ذَلِكَ إلى النَظَرِ.

ثُمْ مَثَّلَ لَهم عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، و"كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "قَصَمْنا"، و"قَصَمْنا" مَعْناهُ: أهْلَكْنا، وأصْلُ القَصْمِ: الكَسْرُ في الأجْرامِ، فَإذا اسْتُعِيرَ لِلْقَوْمِ أوِ القَرْيَةِ ونَحْوِهِ فَهو ما يُشْبِهُ الكَسْرَ، وهو إهْلاكُهُمْ، فَأوقَعَ هَذِهِ الأُمُورَ عَلى القَرْيَةِ، والمُرادُ أهْلُها، وهَذا مَهِيعٌ كَثِيرٌ، ومِنهُ: ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْشَأْنا بَعْدَها ﴾ مَعْناهُ: خَلَقْنا وأثْبَتْنا أُمَّةً أُخْرى غَيْرَ المُهْلَكَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا ﴾ وصْفٌ عن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى المُجْمَلَةِ أوَّلًا، قِيلَ: كانَتْ بِاليَمَنِ تُسَمّى حَضُوراءُ بَعَثَ اللهُ تَعالى إلى أهْلِها رَسُولًا فَقَتَلُوهُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ بُخْتَ نَصْرَ صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَهَزَمُوا جَيْشَهُ مَرَّتَيْنِ، فَنَهَضَ في الثالِثَةِ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَلَمّا هَزَمَهم وأعْمَلَ القَتْلَ فِيهِمْ رَكَضُوا هارِبِينَ، ويُحْتَمَلُ ألّا يُرِيدَ بِالآيَةِ قَرْيَةً بِعَيْنِها، وأنَّهُ واصِفُ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى المُعَذَّبَةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ قَرْيَةٍ كانُوا إذا أحَسُّوا العَذابَ مِن أيِّ نَوْعٍ كانَ أخَذُوا في الفِرارِ، و"أحَسُّوا": باشَرُوهُ بِالحَواسِّ.

و"الرَكْضُ": تَحْرِيكُ القَدَمِ عَلى الصِفَةِ المَعْهُودَةِ، والفارُّ والجارِي بِالجُمْلَةِ راكِضٌ، إمّا دابَّةٌ وإمّا الأرْضُ تَشْبِيهًا بِالدابَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ﴾ [الأنبياء: 6] أو على قوله تعالى ﴿ وأهلكنا المسرفين ﴾ ، وهو تعريض بالتهديد.

ومناسبة موقعها أنه بعد أن أخبر أنه صَدَق رُسُلَه وعْدَه وهو خبر يفيد ابتداءً التنويه بشأن الرسل ونصرَهم وبشأن الذين آمنوا بهم.

وفيه تعريض بنصر محمد صلى الله عليه وسلم وذكر إهلاك المكذبين له تبعاً لذلك، فأعقب ذلك بذكر إهلاك أمم كثيرة من الظالمين ووصففِ ما حل بهم ليكون ذلك مقصوداً بذاته ابتداءً اهتماماً به ليَقرع أسماعهم، فهو تعريض بإنذار المشركين بالانقراض بقاعدة قياس المساواة، وأن الله يُنشئ بعدهم أُمّة مؤمنة كقوله تعالى ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ في سورة [إبراهيم: 19].

و (كم) اسم، له حقّ صدر الكلام لأن أصله اسم استفهام عن العدد، وشاع استعماله للإخبار عن كثرة الشيء على وجه المجاز لأن الشيء الكثير من شأنه أن يُستفهَم عنه، والتقدير: قصمنا كثيراً من القرى ف (كم) هنا خبرية.

وهي واقعة في محل نصب بفعل ﴿ قصمنا ﴾ .

وفي (كم) الدالة على كثرة العدد إيماء إلى أن هذه الكثرة تستلزم عدم تخلف إهلاك هذه القرى، وبضميمة وصف تلك الأمم بالظلم أي الشرك إيماءٌ إلى سبب الإهلاك فحصل منه ومن اسم الكثرة معنى العموم، فيَعلم المشركون التهديد بأن ذلك حالٌّ بهم لا محالة بحكم العموم، وأن هذا ليس مراداً به قرية معينة، فما روي عن ابن عباس: أن المراد بالقرية (حَضوراء) بفتح الحاء مدينة باليمن قتلوا نبيئاً اسمه شُعيب بن ذي مهدم في زمن أرمياء نبيء بني إسرائيل فسلط الله عليهم بختنصر فأفناهم.

فإنما أراد أن هذه القرية ممن شملتهم هذه الآية، والتقدير: قصمنا كثيراً.

وقد تقدم الكلام على قوله تعالى ﴿ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ﴾ في سورة [الأنعام: 6].

وأطلق القرية على أهلها كما يدل عليه قوله تعالى ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ .

ووجه اختيار لفظ ﴿ قرية ﴾ هنا نظير ما قدمناه آنفاً في قوله تعالى ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ﴾ [الأنبياء: 6].

وحرف (مِن) في قوله تعالى ﴿ من قرية ﴾ لبيان الجنس، وهي تدخل على ما فيه معنى التمييز وهي هنا تمييز لإبهام (كم).

والقصْم: الكسر الشديد الذي لا يرجى بعده التئام ولا انتفاع.

واستعير للاستيصال والإهلاك القوي كإهلاك عاد وثمود وسبأ.

وجملة ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ معترضة بين جملة ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ وجملة ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ الخ.

فجملة ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ الخ تفريع على جملة ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ .

وضمير ﴿ منها ﴾ عائد إلى ﴿ قرية ﴾ .

والإحساس: الإدراك بالحس فيكون برؤية ما يزعجهم أو سماع أصوات مؤذنة بالهلاك كالصواعق والرياح.

والبأس: شدة الألم والعذاب.

وحرف (مِن) في قوله منها يركضون} يجوز أن يكون للابتداء، أي خارجين منها، ويجوز أن يكون للتعليل بتأويل (يركضون) معنى (يهربون)، أي من البأس الذي أحسوا به فلا بدّ من تقدير مضاف، أي من بأسنا الذي أحسوه في القرية.

وذلك بحصول أشراط إنذار مثل الزلازل والصواعق.

والركض: سرعة سير الفرس، وأصله الضرب بالرّجل فيسمى به العدو، لأن العدو يقتضي قوة الضرب بالرّجل وأطلق الركض في هذه الآية على سرعة سير الناس على وجه الاستعارة تشبيهاً لسرعة سيرهم بركض الأفراس.

و ﴿ منها ﴾ ظرف مستقر في موضع الحال من الضمير المنفصل المرفوع.

ودخلت (إذا) الفجائية في جواب (لما) للدلالة على أنهم ابتدروا الهروب من شدة الإحساس بالبأس تصويراً لشدة الفزع.

وليست (إذا) الفجائية برابطة للجواب بالشرط لأن هذا الجواب لا يحتاج إلى رابط، و(إذا) الفجائية قد تكون رابطة للجواب خَلفاً من الفاء الرابطة حيث يحتاج إلى الرابط لأن معنى الفجاءة يصلح للربط ولا يلازمه.

وجملة ﴿ لا تركضوا ﴾ معترضة وهي خطاب للراكضين بتخيل كونهم الحاضرين المشاهَدين في وقت حكاية قصتهم، ترشيحاً لمِا اقتضى اجتلاب حرف المفاجأة وهذا كقول مَالك بن الرّيب: دعَاني الهوى من أهل وُدي وجيرتِي *** بذِي الطبَسيْن فالتفتُّ ورائيا أي لما دعاه الهوى، أي ذكّره أحبابَه وهو غازٍ بذي الطّبسين التفتَ وراءه كالذي يدعوه داع من خلفه فتخيل الهوى داعياً وراءه.

وتكون هذه الجملة معترضة بين جملة ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ وبين جملة ﴿ قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين ﴾ .

ويجوز جعل الجملة مقول قول محذوف خوطبوا به حينئذ بأن سمعوه بخلق من الله تعالى أو من ملائكة العذاب.

وهذا ما فسر به المفسرون ويبعده استبعادُ أن يكون ذلك واقعاً عند كل عذاب أصيبت به كل قرية.

وأياً ما كان فالكلام تهكم بهم.

والإتراف: إعطاء الترف، وهو النعيم ورفه العيش، أي ارجعوا إلى ما أعطيتم من الرفاهية وإلى مساكنكم.

وقوله تعالى ﴿ لعلكم تسألون ﴾ من جملة التهكم.

وذكر المفسرون في معنى ﴿ تُسألون ﴾ احتمالات ستة.

أظهرها: أن المعنى: ارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعيم لتروا ما آل إليه فلعلكم يسألكم سائل عن حال ما أصابكم فتعلموا كيف تجيبون لأن شأن المسافر أن يسأله الذين يقدَم إليهم عن حال البلاد التي تركها من خصب ورخاء أو ضد ذلك، وفي هذا تكملة للتهكم.

وجملة ﴿ قالوا يا ويلنا ﴾ إن جَعَلْتَ جملة ﴿ لا تركضوا ﴾ معترضة على ما قررتُه آنفاً تكون هذه مستأنفة استئنافاً بيانياً عن جملة ﴿ إذا هم منها يركضون ﴾ كأن سائلاً سأل عما يقولونه حين يسرعون هاربين لأن شأن الهارب الفزِع أن تصدر منه أقوال تدل على الفزع أو الندم عن الأسباب التي أحلت به المخاوف فيجاب بأنهم أيقنوا حين يرون العذاب أنهم كانوا ظالمين فيُقرون بظلمهم ويُنشئون التلهف والتندم بقولهم ﴿ يا ويلنا إنا كنا ظالمين ﴾ .

وإن جَعَلتَ جملة ﴿ لا تركضوا ﴾ مقول قول محذوف على ما ذهب إليه المفسرون كانت جملة ﴿ قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين ﴾ جواباً لقول من قال لهم ﴿ لا تركضوا ﴾ على وجه التهكم بهم ويكون فصل الجملة لأنها واقعة في موقع المحاورة كما بيّناه غير مرة، أي قالوا: قد عرفنا ذنبنا وحق التهكم بنا.

فاعترفوا بذنبهم.

قال تعالى: ﴿ فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير ﴾ في سورة [الملك: 11].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ الآيَةِ.

فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فِيهِ حَدِيثُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَكارِمُ أخْلاقِكم ومَحاسِنُ أعْمالِكم، قالَهُ سُفْيانٌ.

الثّالِثُ: شَرُفُكم إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ وعَمِلْتُمْ بِما فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: ذِكْرُ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ دِينِكم.

الخامِسُ: العَمَلُ بِما فِيهِ حَياتُكم، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا ﴾ أيْ عايَنُوا عَذابَنا.

﴿ إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ القَرْيَةِ.

الثّانِي: مِنَ العَذابِ، والرَّكْضُ: الإسْراعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ﴾ أيْ نِعَمِكم، والمُتْرَفُ المُنَعَّمُ.

﴿ لَعَلَّكم تُسْألُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَعَلَّكم تُسْألُونَ عَنْ دُنْياكم شَيْئًا، اسْتِهْزاءً بِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لَعَلَّكم تَقْنَعُونَ بِالمَسْألَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: لِتَسْألُوا عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ ﴾ يَعْنِي ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ ﴿ حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالعَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: بِالسَّيْفِ، قالَ مُجاهِدٌ: حَتّى قَتَلَهم بُخْتُنَصَّرُ.

والحَصِيدُ قَطْعُ الِاسْتِئْصالُ كَحَصادِ الزَّرْعِ.

والخُمُودُ: الهُمُودُ كَخُمُودِ النّارِ إذا أُطْفِئَتْ، فَشَبَّهَ خُمُودَ الحَياةِ بِخُمُودِ النّارِ، كَما يُقالُ لِمَن ماتَ قَدْ طُفِئَ تَشْبِيهًا بِانْطِفاءِ النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ﴾ قال: من أمر الدنيا» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ قال: ما يوعدون.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ما يأتيهم من ذكر من ربهم ﴾ يقول: ما ينزل عليهم شيء من القرآن.

وفي قوله: ﴿ لاهية قلوبهم ﴾ قال: غافلة.

وفي قوله: ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ يقول: أسروا الذين ظلموا النجوى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأسروا النجوى ﴾ قال: أسروا نجواهم بينهم ﴿ هل هذا إلا بشر مثلكم ﴾ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ أفتأتون السحر ﴾ يقولون: إن متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعة السحر.

وفي قوله: ﴿ قال ربي يعلم القول ﴾ قال: الغيب وفي قوله: ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام ﴾ قال: أباطيل أحلام.

وأخرج ابن منده وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في سننه وابن عدي، عن جندب البجلي أنه قتل ساحراً كان عند الوليد بن عقبة ثم قال: ﴿ أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام ﴾ أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها ﴿ بل افتراه بل هو شاعر ﴾ كل هذا قد كان منه ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون ﴾ كما جاء موسى وعيسى بالبينات والرسل ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ﴾ أي أن الرسل كانوا إذا جاؤوا قومهم بالآيات فلم يؤمنوا لم ينظروا.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: «قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقاً ويسرك أن نؤمن، فحوّل لنا الصفا ذهباً.

فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا؛ وإن شئت استأنيت بقومك.

قال: بل أستأني بقومي» فأنزل الله: ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أفهم يؤمنون ﴾ قال: يصدقون بذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام ﴾ يقول: لم نجعلهم جسداً ليس يأكلون الطعام، إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ قال: لا بد لهم من الموت أن يموتوا.

وفي قوله: ﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ إلى قوله: ﴿ وأهلكنا المسرفين ﴾ قال: هم المشركون.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه شرفكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه حديثكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه دينكم، أمسك عليكم دينكم بكتابكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ يقول: فيه ذكر ما تعنون به وأمر آخرتكم ودنياكم.

وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن ابن عباس قال: بعث الله نبياً من حمير يقال له شعيب، فوثب إليه عبد فضربه بعصا فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء، وفيهم أنزل الله: ﴿ وكم أهلكنا من قرية كانت ظالمة ﴾ إلى قوله: ﴿ خامدين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الكلبي ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ قال: هي حصون بني أزد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ قال: أهلكناها.

وفي قوله: ﴿ لا تركضوا ﴾ قال: لا تفروا.

وفي قوله: ﴿ لعلكم تسألون ﴾ قال: تتفهمون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: كانوا إذا أحسوا بالعذاب وذهبت عنهم الرسل من بعد ما أنذروهم فكذبوهم، فلما فقدوا الرسل وأحسوا بالعذاب أرادوا الرجعة إلى الإيمان وركضوا هاربين من العذاب، فقيل لهم؛ لا تركضوا.

فعرفوا أنه لا محيص لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إذا هم منها يركضون ﴾ قال: يفرون.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ يقول: ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها ﴿ لعلكم تسألون ﴾ من دنياكم شيئاً استهزاء بهم.

وفي قوله: ﴿ فما زالت تلك دعواهم ﴾ قال: لما رأوا العذاب وعاينوه، لم يكن لهم هجيري إلا قولهم: ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ حتى دمر الله عليهم وأهلكهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ قال: ارجعوا إلى دوركم وأموالكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فما زالت تلك دعواهم ﴾ قال: هم أهل حصون، كانوا قتلوا نبيهم فأرسل الله عليهم بختنصر فقتلهم.

وفي قوله: ﴿ حتى جعلناهم حصيداً خامدين ﴾ قال: بالسيف ضربت الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى مساكنهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب قال: حدثني رجل من المحررين قال: كان باليمن قريتان، يقال لإحداهما حضور، والأخرى فلانة، فبطروا وأترفوا حتى كانوا يغلقون أبوابهم، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبياً فدعاهم فقتلوه، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم فجهز إليهم جيشاً فقاتلوهم فهزموا جيشه، ثم رجعوا منهزمين إليه فجهز إليهم جيشاً آخر أكثف من الأول فهزموهم أيضاً، فلما رأى بختنصر ذلك غزاهم هو بنفسه فقاتلوه فهزمهم حتى خرجوا منها يركضون، فسمعوا منادياً يقول: ﴿ لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم ﴾ فرجعوا فسمعوا منادياً يقول: يا لثارات النبي، فقتلوا بالسيف فهي التي قال الله: ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ إلى قوله: ﴿ خامدين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى جعلناهم حصيداً ﴾ قال: الحصاد ﴿ خامدين ﴾ قال: كخمود النار إذا طفئت.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ خامدين ﴾ قال: ميتين.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: خلوا ثيابهم على عوراتهم ** فهم بأفنية البيوت خمود <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا ﴾ أي: رأوا عذابنا بحاسة البصر.

ويجوز أن يكون المعنى لما ذاقوا عذابنا (١) قال المفسرون: هؤلاء كانوا عربا كذبوا بنبيهم وقتلوه؛ فسلط الله عليهم بُخْتُنَصّر (٢) (٣) (٤) ومعنى البأس هاهنا: القتل بالسيوف.

وقوله تعالى: ﴿ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾ يفرون، وينهزمون، ويهربون من العذاب.

هذا قول المفسرين (٥) وأصل معنى الركض في اللغة: ضرب الرجل مَرْكَلَي (٦) يقال: ركض الفرس، إذا كده (٧) (٨) يقال: ركضت المرأة ذيلها عند المشي، إذا ضربنه برجلها، وركض (٩) ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ  ﴾ أي: اضرب الأرض بها، وقد ركض الرجل إذا فَرَّ وعدا (١٠) والأصمعي يقول: ركضت الدابة (١١) (١٢) وقال شِمْر (١٣) (١٤) لو كان يُدْرِكُه رَكضُ اليعاقيب (١٥) وقال سيبويه (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾ \[يجوز أن يكون المعنى: يركضون دوابهم\] (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (١) انظر: البغوي 5/ 312، وابن الجوزي 5/ 342، والقرطبي 11/ 274.

(٢) بضم الباء والتاء وفتح النون والصاد المشددة قيل هو ابن الملك "نابو بولصر" ملك بابل، فتولى بعد أبيه.

وقال الأصمعي: إنما هو"بوختنصر".

(٣) في (أ)، (ت): (ونكأ فيهم)، مهملة.

(٤) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 28 أ.

وانظر ما تقدم من التعليق على قول ابن عباس.

(٥) كمجاهد والسدي والربيع وغيرهم.

انظر: "الطبري" 17/ 8، "الدر المنثور" للسيوطي 5/ 618.

(٦) في جميع النسخ: (من كلي)، والصواب: (مر كلي) كما في "التهذيب" للأزهري 10/ 37، وغيره.

قال الجوهري في "الصحاح" 4/ 7112 (ركل): (ومَرَاكل الدابة: حيث يركلها الفارس برجله إذا حركه للركض، وهما مركلان.

(٧) في (د)، (ع): (أكده).

(٨) الضرب: ساقط من (أ)، (ت).

(٩) في (أ): (فركض).

(١٠) هذا الكلام في معنى الركض منقول عن "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 37 - 39 "ركض" مع تصرف وحذف.

وانظر: (ركض) في "الصحاح"، للجوهري 3/ 1079 - 1080.

(١١) (الدابة): ساقطة من (أ)، (ت).

(١٢) قول الأصمعي في "تهذيب اللغة" 10/ 39 (ركض).

(١٣) ضبط هذا الاسم محقق "تهذيب اللغة" للأزهري هكذا: شِمْر، بكسر الشين وسكون الميم.

وضبط في بعض مصادر ترجمته المطبوعة هكذا: شَمِر، بفح الشين وكسر الميم.

وضبط في بعضها: شَمْر.

(١٤) قول شمر في "تهذيب اللغة" 10/ 39 مادة (ركض).

(١٥) هذا عجز بيت لسلامة بن جندل السعدي يصف فيه الشباب الذاهب، وصدره: ولى حثيثا وهذا الشيب يطلبه وهو في "ديوانه" ص 91، "المفضليات" ص 119، "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 166، "مقاييس اللغة" 2/ 29 (حث)، "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 278 (عقب)، المحكم لابن سيده 6/ 434 (ركض)، "لسان العرب" 2/ 622 (عقب).

واليعاقيب في البيت قيل: يعني اليعاقيب من الخيل، سميت بذلك تشبيها بيعاقيب الحجل لسرعتها، وقيل: يعني ذكرر الحجل.

انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 278، "لسان العرب" 1/ 622.

(١٦) (سيبويه): ساقط ميت (أ).

(١٧) هكذا في (ع).

وفي باقي النسخ: (ركض)، والمثبت هو الموافق لما في الكتاب.

(١٨) "الكتاب" 4/ 58، وفيه: (وركضتها).

(١٩) ساقط من (ت).

(٢٠) ساقط من (د)، (ع).

(٢١) في (د)، (ع): (الأمر).

(٢٢) انظر: "التبيان" للطوسي 7/ 208.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَصَمْنَا ﴾ أي أهلكنا، وأصله من قصم الظهر أي كسره ﴿ مِن قَرْيَةٍ ﴾ يريد أهل القرية: قال ابن عباس: هي قرية باليمن يقال لها حضور، بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر ملك بابل فأهلكهم بالقتل، وظاهر اللفظ أنه على العموم لأن كم للتكثير، فلا يريد قرية معينة ﴿ يَرْكُضُونَ ﴾ عبارة عن فرارهم، فيحتمل أن يكونوا ركبوا الدواب، وركضوها لتسرع الجري أو شبهوا في سرعة جريهم على أرجلهم بمن يركض الدابة ﴿ لاَ تَرْكُضُواْ ﴾ أي قيل لهم لا تركضوا والقائل لذلك هم الملائكة.

قالوه تهكماً بهم، أو رجال بختنصر إن كانت القرية المعينة، قالوا ذلك لهم خداعاً ليرجعوا فيقتلوهم ﴿ أُتْرِفْتُمْ ﴾ أي نعمتم ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾ تهكم بهم وتوبيخ أي: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون عما جرى عليكم، ويحتمل أن يكون ﴿ تُسْأَلُونَ ﴾ بمعنى يطلب لكم الناس معروفكم وهذا أيضا تهكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ قال ربي ﴾ بالألف: حمزة وعلي وحفص.

الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ نوحي ﴾ بالنون مبنياً للفاعل: حفص غير الخراز.

الباقون: بالياء مجهولاً.

الوقوف: ﴿ معرضون ﴾ ج للآية مع احتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً.

﴿ يلعبون ﴾ لا لأن ﴿ لاهية ﴾ حال أخرى مترادفة أو متداخلة من ضمير ﴿ يلعبون ﴾ وهي لقلوبهم في المعنى.

﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مثلكم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع استغناء الثانية عن الأولى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ شاعر ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ أهلكناها ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ ذكركم ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ يركضون ﴾ ه ط لتقدير القول ﴿ تسألون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ خامدين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ من لدنا ﴾ ه على جعل "إن" نافية والأصح أنها للشرط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ زاهق ﴾ لا ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يستحسرون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً، ﴿ لا يفترون ﴾ ه.

التفسير: قال جار الله: اللام في قوله ﴿ للناس ﴾ إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيداً آخر من جهة وضع ضمير الحي مضافاً إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم.

والمراد اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ فإذا اقتربت الساعة فقد إقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في خاتمة السورة المتقدمة بقوله ﴿ فستعلمون ﴾ بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك العلم قريب.

فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر كان قال القائل: شعر فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس على أنه لم يمض بعد يوم من ايام الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي قوله  "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين وزجر للمذنبين.

فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين.

وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما.

والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرئ ﴿ محدث ﴾ بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول.

وزعم الإمام فخر الدين الرازي  أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله ﴿ من ذكر من ربهم محدث ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على أن ذكراً ما محدث، كما أن قول القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا "الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس" وإنه لا ينتج شيئاً لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف فيعلم الميزان.

قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله "بعض الذكر محدث" لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث.

وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميماً لقول المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ من ربهم محدث ﴾ لموافقة قوله بعد هذا ﴿ قل ربي يعلم ﴾ وقال في الشعراء ﴿ من ذكر من الرحمن محدث  ﴾ لكثرة الرحيم فيها.

فكان "الرحمن بالرحيم" أنسب.

قوله  ﴿ يلعبون ﴾ اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله ﴿ لاهية ﴾ هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل.

وفيه إن هم كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه.

ومعنى ﴿ وأسروا النجوى ﴾ بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي "واو" اسروا وجهان: أحدهما أن على لغة من يجوز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدماً على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم و ﴿ الذين ظلموا ﴾ بدل منهم.

أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره ﴿ أسروا النجوى ﴾ مقدماً عليه.

وعلى التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله ﴿ هل هذا إلاّ بشر ﴾ إلى قوله ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تعلمون أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟

وجوز بعضهم أن يكون قوله ﴿ هل هذا ﴾ إلى آخره مفعولاً لقالوا مضمراً، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه التشاور فيما بينهم تحرياً لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء.

ويرفع أيضاً إلى النبي  "استعينوا على حوائجكم بالكتمان" ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقاً فأخبرونا بما اسررنا.

من قرأ ﴿ قال ربي ﴾ فعلى حكاية الرسول  كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم الغيب، ووصف نفسه ههنا بأنه يعلم القول.

قال جار الله: هذا آكد لأنه عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا دلالة للعام على الخاص.

بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى ﴿ وهو السميع العليم ﴾ خصص علمه بالمسموعات أولاً ثم عمم وقال الإمام قدم "السميع" على "العليم" لأنه لا بد من استماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه.

قلت: هذا قياس للغائب على الحاضر قوله ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ﴾ معنى هذه الإضطرابات مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولاً كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم قالوا: سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزاً فقد يكون سحراً هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف.

سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده؟

سلمنا أنه كلام فصيح ولكنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا كان حال هذا المعجز هكذا.

﴿ فليأتنا بآية ﴾ لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات ﴿ كما أرسل الأولون ﴾ اي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن لإتيانهم بالآيات.

ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن أنهم عدلوا حين تحدوا به عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف.

ثم بين أن الآيات التي يقترحونها لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء الايات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك ﴿ افهم يؤمنون ﴾ مع شدة شكيمتهم فيه معنى الإنكار أي لا يؤمنون ألبتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولكن قد سبق القول من الله أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال.

ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم ﴿ هل هذا إلاّ بشر مثلكم ﴾ بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً ﴾ وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل.

وإنما جاز الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معادة رسول الله  فكان قولهم عندهم حجة.

وقيل: أهل الذكر أهل القرآن.

وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد  ، فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟

واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله ﴿ وما ارسلنا من قبلك ﴾ وقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك ﴾ بغير "من" وليس إلا ههنا وفي أوائل الفرقان ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم  ﴾ ثم أكد كون الرسل من جنس البشر بقوله ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف اي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسداً.

ووحد الجسد لإرادة الجنس اي ذوي ضرب من الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: ﴿ صدقناهم الوعد ﴾ أصله في الوعد فنصب بنزع الخافض، ثم فسر الوعد بقوله ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ وهم المؤمنون، ثم نبههم على عظيم نعمه عليهم بقوله، ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ أي شرفكم وصيتكم، أو فيه بيان مكارم الآخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال ﴿ وكم قصمنا ﴾ والقصم القطع الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى ﴿ من قرية ﴾ من أهل قرية لقوله ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ وللضمائر في قوله ﴿ فلما أحسوا ﴾ إلى آخر القصة.

والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه كالمحسوس المشاهد.

والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثاً لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجهلم فقيل لهم لا تركضوا.

والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ذلك فحدثوا به أنفسهم: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ من العيش الهنيء والإتراف إبطار النعمة ﴿ لعلكم تسألون ﴾ غداً عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولكن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم ﴿ فما زالت تلك ﴾ الدعوى وهي قولهم ﴿ يا ويلنا ﴾ لأن المولول كأنه يدعو الويل ﴿ دعواهم ﴾ الأول اسم "ما زال" والثاني خبره أو بالعكس.

والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والحصيد المحصود كقوله ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ شبهوا بالزرع المستأصل والنار التي تخمد فتصير رماداً أي جعلناهم مشبهين بالمحصود والخامد، ووحد ﴿ حصيداً ﴾ لأن المراد زرعاً حصيداً، ولأن "فعيلاً" قد يستوي فيه الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن تنسب إليهما الثياب.

وفي الحديث كفن رسول الله  في ثوبين سحوليين.

وروى حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء.

قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً ومجازاة لا عبثاً ولا مجازفة فقال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض ﴾ الاية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع ﴿ وما بينهما ﴾ من الأركان والمواليد كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول "البقرة" ويمكن أن يقال: المقصود من سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن كان صادقاً فهو المطلوب، وإن كان كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب وهو منفي عنه  .

قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعباً وعورض بمسألتي العلم والداعي.

ثم بين أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب ليس هو العجز والضعف ولكن لأن الحكمة تنافيه، معنى ﴿ من لدنا ﴾ من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو المرأة، وقيل: من لدنا اي من الملائكة لا من الإنس رداً على من قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.

ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل الخفية فلا تعرفونه ولا تسمعون اسمه فيكون الرد شاملاً لكل من ادعى الله ولداً ولو من الملائكة.

ثم اضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل العبث قائلاً ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ﴾ يعني الباطل ﴿ زاهق ﴾ اي ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة للرسالة فقال ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ اي تصفونه به.

ثم بين كمال قدرته ونهاية حلمه وحكمته فقال ﴿ وله من في السموات والأرض ﴾ والمراد بمن عنده الملائكة المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة.

فأما عندية المكان ففيها بحث طويل.

قال الزجاج: ﴿ لا يستحسرون ﴾ أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء.

قال جار الله: كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولكنه ذكر بلفظ المبالغة وهو "استفعل" لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدُّونها تعباً عليهم.

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار ﴾ منصوبان على الظرفية ﴿ لا يفترون ﴾ لا يلحقهم الفتور والكلال.

وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته؟

وقد مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب الأحبار: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ ثم قال: { ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة  ﴾ أليس الرسالة واللعن ما نعين لهم عن التسبيح؟

أجاب كعب بأن التسبيح لهم كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر.

واعترض بأن آلة التنفس فينا مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم.

وأجيب بأنه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به.

التأويل: اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم كقوله ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله  ﴾ ﴿ وما يأتيهم من ذكر ﴾ وعظ وتذكير من عالم رباني ﴿ محدث ﴾ إلهامه إلا أنكروه عليه ونسبوه إلى التخليط ونحوه ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ فيه أن الله قادر على أن لا يجعل النبي الولي ذا جسد ولكن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى.

قال بعض المشايخ، لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ والسر فيه أن يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي.

﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة ﴿ وأهلكناهم المسرفين ﴾ الذين اسرفوا على أنفسهم بالكون إلى أسفل سافلين الطبائع.

﴿ وكم قصمنا من ﴾ أهل ﴿ قرية ﴾ قالت ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف شديد ﴿ لا تركضوا ﴾ منا بل ففروا إلينا ﴿ وارجعوا ﴾ إلى التنعمات الروحاينة ﴿ ومساكنكم ﴾ الصلية ﴿ لعلكم تسألون ﴾ عزة وكرامة ﴿ وما خلقنا ﴾ سموات الأرواح وأرض الأجساد، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل ﴾ للحق ثلاث مراتب: مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى الحق فيها للعبد، ارهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه المراتب فيبقى متصفاً بالوجود المجازي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً ﴾ .

قصمنا: أهلكنا، وأصل القصم: الكسر، يخوف أهل مكة بتكذيبهم محمداً ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ أَحَسُّواْ ﴾ قال بعضهم: علموا بالعذاب، إذا هم يركضون، أي: يفرون ويهربون.

وقال بعضهم: يعدون، وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ﴾ .

أي: أنعمتم فيه: مساكنكم، مثل هذا يخرج مخرج الاستهزاء بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾ .

قال بعضهم: تعذبون.

وقال بعضهم: تحاسبون.

وقال بعضهم: لعلكم تسألون الإيمان كما سئلتموه قبل نزول العذاب.

وقيل: لعلكم تسألون عن قتل نبيكم؛ لأنهم قتلوا نبيهم، تسألون فيم قتلتموه؟

وقال بعضهم: كان هذا في نازلة - والله أعلم - تلقتهم الملائكة وهم هاربون فارون، فقالوا لهم: ﴿ لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾ استهزاء بهم.

وقال بعضهم: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾ : تفقهون.

قال أبو عوسجة: ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ﴾ : قال: الضغث: ما لا تأويل له، ويقال: حلم وأحلام، ويقال: حلم يحلم حلما فهو حالم: إذا رأى شيئاً في النوم، واحتلم يحتلم، لا يكون مثل حلم يحلم، ويقال من الحلم: حلم حلما فهو حليم، ويقال: حلمته، أي: جعلته حليما، والافتراء: الكذب، والشاعر: إنما سمي: شاعراً؛ لأنه يشعر من الكلام ما لا يشعر به غيره، والقصم: الكسر، والمراد منه الهلاك، قصمه غيره وانقصم بنفسه، أي: انكسر، وقال: ﴿ أَحَسُّواْ ﴾ ، أي: استيقنوا بعذابنا، ويقال: أحسست، أي: وجدت، وأحسست: علمت واستيقنت، يقال: أحسست: قطعت، وتحسست، أي: تخبرت، والمحسسة الفِرْجَون.

وقال: يركضون: يهربون ﴿ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ﴾ أي: أنعمتم ومتعتم، والإتراف: الإكرام.

وقال أبو عبيدة: ﴿ يَرْكُضُونَ ﴾ يعدون، وقوله: ﴿ لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾ ، ليس على الأمر، ولكن أي: لو رجعتم إلى ما أترفتم فيه، وكذلك ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ...

 ﴾ كذا، ليس على الأمر، ولكن لو سرتم فانظروا كذا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ﴾ ، أي: لو رجعتم لعلكم تسألون [كما كنتم تسألون] من قبل، فيخرج ذلك مخرج الاستهزاء جزاء لصنيعهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ .

يقرون يومئذ بالظلم، لكن لا ينفعهم ذلك ويندمون على سوء صنيعهم، فيطلبون العودة إلى دنياهم؛ كقوله: ﴿ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ ﴾ .

أي: ما زالت تلك، أي قولهم: ﴿ قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ دعواهم، ﴿ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ ﴾ ، فإن كان هذا القول منهم في الدنيا فيكون قوله: ﴿ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ ﴾ بالقتل بالسيف والإهلاك.

وإن كان ذلك في الآخرة فيكون قوله: ﴿ حَصِيداً خَامِدِينَ ﴾ في النار في الآخرة، والله أعلم.

و ﴿ حَصِيداً ﴾ ، أي: هالكاً وهو محصود، و ﴿ خَامِدِينَ ﴾ : كما يقال: خمدت النار: إذا طفيت.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما شاهد المهلَكون عذابنا المُسْتَأصِل، إذا هم من قريتهم يسرعون هربًا من الهلاك.

<div class="verse-tafsir" id="91.55mrZ"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد