الآية ٢٠ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٢٠ من سورة الأنبياء

يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) فهم دائبون في العمل ليلا ونهارا ، مطيعون قصدا وعملا قادرون عليه ، كما قال تعالى : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [ التحريم : 6 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي ، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن صفوان بن محرز ، عن حكيم بن حزام قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، إذ قال لهم : " هل تسمعون ما أسمع؟

" قالوا : ما نسمع من شيء .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأسمع أطيط السماء ، وما تلام أن تئط ، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم " .

غريب ولم يخرجوه .

ثم رواه ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة مرسلا .

وقال أبو إسحاق ، عن حسان بن مخارق ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام ، فقلت له : أرأيت قول الله [ للملائكة ] ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل؟

.

فقال : فمن هذا الغلام؟

فقالوا : من بني عبد المطلب ، قال : فقبل رأسي ، ثم قال لي : يا بني ، إنه جعل لهم التسبيح ، كما جعل لكم النفس ، أليس تتكلم وأنت تتنفس وتمشي وأنت تتنفس؟

.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: يسبح هؤلاء الذين عنده من ملائكة ربهم الليل والنهار لا يفترون من تسبيحهم إياه.

كما حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه أن ابن عباس سأل كعبا عن قوله: ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) و ( يسبحون الليل والنهار لا يسأمون) (2) فقال: هل يئودك طرفك؟

هل يَئُودك نَفَسُك؟

قال: لا قال: فإنهم ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْف والنَّفَس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن حسان بن مخارق، عن عبد الله بن الحارث، قال: قلت: لكعب الأحبار ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) أما يشغلهم رسالة أو عمل؟

قال: يا بن أخي إنهم جُعل لهم التسبيح، كما جُعل لكم النفس، ألست تأكل وتشرب وتقوم وتقعد وتجيء وتذهب وأنت تنفَّس؟

قلت: بلى قال: فكذلك جُعل لهم التسبيح.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن وأبو داود، قالا ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمرو البكالي، عن عبد الله بن عمر، قال: إن الله خلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الملائكة ، وجزءا سائر الخلق، وجزأ الملائكة عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءا لرسالته، وجزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الجنّ، وجزءا سائر بني آدم، وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فحمل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء وجزءا سائر بني آدم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) يقول: الملائكة الذين هم عند الرحمن لا يستكبرون عن عبادته، ولا يسأمون فيها.

وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه، إذ قال: " تَسْمَعُونَ ما أسْمَعُ؟

قالوا: ما نسمع من شيء يا نبيّ الله، قال: إنّي لأسْمَعُ أطِيطَ السَّماءِ، وما تُلامُ أنْ تَئِطَّ ولَيْسَ فِيها مَوْضِعُ رَاحَةٍ إلا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائمٌ".

------------------------ الهوامش : (2) التلاوة " يسبحون له بالليل والنهار وهم " .

.

إلخ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يسبحون الليل والنهار أي يصلون ويذكرون الله وينزهونه دائما .

لا يفترون أي لا يضعفون ولا يسأمون ، يلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس .

قال عبد الله بن الحارث سألت كعبا فقلت : أما لهم شغل عن التسبيح ؟

أما يشغلهم عنه شيء ؟

فقال : من هذا ؟

فقلت : من بني عبد المطلب ؛ فضمني إليه وقال : يا ابن أخي هل يشغلك شيء عن النفس ؟

!

إن التسبيح لهم بمنزلة النفس .

وقد استدل بهذه الآية من قال : إن الملائكة أفضل من بني آدم .

وقد تقدم والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ْ} أي: مستغرقين في العبادة والتسبيح في جميع أوقاتهم فليس في أوقاتهم وقت فارغ ولا خال منها وهم على كثرتهم بهذه الصفة، وفي هذا من بيان عظمته وجلالة سلطانه وكمال علمه وحكمته، ما يوجب أن لا يعبد إلا هو، ولا تصرف العبادة لغيره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) لا يضعفون ولا يسأمون ، قال كعب الأحبار : التسبيح لهم كالنفس لبني آدم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يسبحون الليل والنهار لا يفترون» عنه فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يذكرون الله وينزِّهونه دائمًا، لا يضْعُفون ولا يسأمون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

/بل هم ( يُسَبِّحُونَ ) الله - تعالى - ويحمدونه ويكبرونه .

طول الليل والنهار بدون فتور أو تراخ أو تقصير .

يقال : فتَر فلان عن الشىء يفتُر فتورا ، إذا سكن بعد حدة ، ولان بعد شدة ، ويقال : فتر الماء - من باب قعد - إذا سكن حره فهو فاتر .قالوا : وذلك لأن تسبيح الملائكة لله - تعالى - يجرى منهم مجرى التنفس منا ، فهو سجية وطبيعة فيهم وكما أن اشتغالنا لا يمنعنا من الكلام ، فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سار الأعمال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان.

الأول: أنه تعالى لما نفى اللعب عن نفسه ونفي اللعب لا يصح إلا بنفي الحاجة ونفي الحاجة لا يصح إلا بالقدرة التامة، لا جرم عقب تلك الآية بقوله: ﴿ وَلَهُ مَن فِي السموات والأرض ﴾ لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة.

الثاني: وهو الأقرب أنه تعالى لما حكى كلام الطاعنين في النبوات وأجاب عنها وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد وعدم الإنقياد بين في هذه الآية أنه تعالى منزه عن طاعتهم لأنه هو المالك لجميع المحدثات والمخلوقات، ولأجل أن الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع نهاية الضعف أولى أن يطيعوه.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَلَهُ مَن فِي السموات والأرض ﴾ معناه أن كل المكلفين في السماء والأرض فهم عبيده وهو الخالق لهم والمنعم عليهم بأصناف النعم، فيجب على الكل طاعته والانقياد لحكمه.

المسألة الثالثة: دلالة قوله: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ على أن الملك أفضل من البشر من ثلاثة أوجه قد تقدم بيانها في سورة البقرة.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ ﴾ المراد بهم الملائكة بإجماع الأمة ولأنه تعالى وصفهم بأنهم: ﴿ يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ وهذا لا يليق بالبشر وهذه العندية عندية الشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة، فكأنه تعالى قال: الملائكة مع كمال شرفهم ونهاية جلالتهم لا يستكبرون عن طاعته فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته.

المسألة الخامسة: قال الزجاج: ولا يستحسرون ولا يتعبون ولا يعيون قال صاحب الكشاف: فإن قلت الاستحسار مبالغة في الحسور فكأن الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور قلت في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه وأنهم أحقاء لتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا فيما يفعلون أما قوله تعالى: ﴿ يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ فالمعنى أن تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم لا يتخلله فترة بفراغ أو بشغل آخر، روي عن عبد الله بن الحرث بن نوفل، قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله تعالى: ﴿ يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ ثم قال: ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً  ﴾ أفلا تكون تلك الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح وأيضاً قال: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ  ﴾ فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح؟

أجاب كعب الأحبار فقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام فكذا اشتغالهم بالتبسيح لا يمنعهم من سائر الأعمال.

فإن قيل هذا القياس غير صحيح لأن الإشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام، لأن آلة التنفس غير آلة الكلام أما التسبيح واللعن فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال.

والجواب: أي استبعاد في أن يخلق الله تعالى لهم ألسنة كثيرة ببعضها يسبحون الله وببعضها يلعنون أعداء الله، أو يقال معنى قوله: ﴿ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: إن فلانا يواظب على الجماعات لا يفتر عنها لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها بل يراد به أنه مواظب على العزم على أدائها في أوقاتها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَنْ عِندَهُ ﴾ هم الملائكة.

والمراد أنهم مكرمون، منزلون- لكرامتهم عليه- منزلة المقرّبين عند الملوك على طريق التمثيل والبيان لشرفهم وفضلهم على جميع خلقه.

فإن قلت: الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور.

قلت: في الاستحسار بيان أنّ ما هم فيه يوجب غاية لحسور وأقصاه، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الباهظة بأن يستحسروا فيما يفعلون.

[ ﴿ يُسَبِّحُونَ اليل والنهار لا يَفْتُرُونَ ﴾ ] أي: تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم، لا يتخلله فترة بفراغ أو شغل آخر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ خَلْقًا ومَلَكًا.

﴿ وَمَن عِنْدَهُ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ المُنَزَّلِينَ مِنهُ لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ مَنزِلَةَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ المُلُوكِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ مَن في السَّماواتِ ﴾ وإفْرادُهُ لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِأنَّهُ أعَمُّ مِنهُ مِن وجْهٍ، أوِ المُرادُ بِهِ نَوْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ مُتَعالٍ عَنِ التَّبَوُّؤِ في السَّماءِ والأرْضِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ لا يَتَعَظَّمُونَ عَنْها.

﴿ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ولا يَعْيَوْنَ مِنها، وإنَّما جِيءَ بِالِاسْتِحْسارِ الَّذِي هو أبْلَغُ مِنَ الحُسُورِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عِبادَتَهم بِثِقَلِها ودَوامِها حَقِيقَةٌ بِأنْ يُسْتَحْسَرَ مِنها ولا يَسْتَحْسِرُونَ.

﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ يُنَزِّهُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ دائِمًا.

﴿ لا يَفْتُرُونَ ﴾ حالٌ مِنَ الواوِ في ( يُسَبِّحُونَ ) وهو اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)

{يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ} حال من فاعل يسبحون أي تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم لا تتخلله فتر بفراغ أو بشغل آخر فتسبيحهم جارٍ مجرى التنفس منا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ ماذا يَصْنَعُونَ في عِبادَتِهِمْ أوْ كَيْفَ يَعْبُدُونَ فَقِيلَ ( يُسَبِّحُونَ ) إلَخْ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( لا يَسْتَحْسِرُونَ ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَفْتُرُونَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( يُسَبِّحُونَ ) عَلى تَقْدِيرَيِ الِاسْتِئْنافِ والحالِيَّةِ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ أنْ يَكُونَ هَذا حالًا مِن ضَمِيرِ ( لا يَسْتَحْسِرُونَ ) أيْضًا ولا يَجُوزُ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ كَوْنُهُ حالًا مِنهُ لِلْفَصْلِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا والمَعْنى يُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعالى ويُعَظِّمُونَهُ ويُمَجِّدُونَهُ في كُلِّ الأوْقاتِ لا يَتَخَلَّلُ تَسْبِيحَهم فَتْرَةٌ أصْلًا بِفَراغٍ أوْ شُغُلٍ آخَرَ، واسْتُشْكِلَ كَوْنُ المَلائِكَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مَعَ أنَّ مِنهم رُسُلًا يُبَلِّغُونَ الرِّسالَةَ ولا يَتَأتّى التَّسْبِيحُ حالَ التَّبْلِيغِ ومِنهم مَن يَلْعَنُ الكَفَرَةَ كَما ورَدَ في آيَةٍ أُخْرى.

وقَدْ سَألَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَرْثِ بْنِ نَوْفَلَ كَعْبًا عَنْ ذَلِكَ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ فَأجابَ بِأنَّهُ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ كالتَّنَفُّسِ فَلا يَمْنَعُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِشَيْءٍ آخَرَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا، وقِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَهم ألْسِنَةً فَيُسَبِّحُونَ بِبَعْضٍ ويُبَلِّغُونَ مَثَلًا بِبَعْضٍ آخَرَ، وقِيلَ تَبْلِيغُهم ولَعْنُهُمُ الكَفَرَةَ تَسْبِيحٌ مَعْنًى.

وقالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى بَعْضِهِمْ فالمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ كَما يُقالُ فُلانٌ لا يَفْتُرُ عَنْ ثَنائِكَ وشُكْرِ آلائِكَ انْتَهى.

ولا يَخْفى حُسْنُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا التَّسْبِيحَ كالحُضُورِ والذِّكْرِ القَلْبِيِّ الَّذِي يَحْصُلُ لِكَثِيرٍ مِنَ السّالِكِينَ وذَلِكَ مِمّا يَجْتَمِعُ مَعَ التَّبْلِيغِ وغَيْرِهِ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المَلائِكَةِ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهم في السَّماءِ لَيْلٌ ونَهارٌ لِأنَّ المُرادَ إفادَةُ دَوامِهِمْ عَلى التَّسْبِيحِ عَلى الوَجْهِ المُتَعارَفِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ، يعني: نرمي بالحق عَلَى الْباطِلِ، ومعناه: نبيِّن الحق من الباطل.

فَيَدْمَغُهُ، أي: يبطله ويضمحل به.

ويقال: يكسره.

وقال أهل الله: أصل هذا إصابة الرأس والدماغ بالضرب وهو مقتل.

فَإِذا هُوَ زاهِقٌ، يعني: هالكا، ويقال: زاهق، أي: زائل ذاهب.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: في الآية دليل أن النكتة إذا قابلتها نكتة أخرى على ضدها، سقط الاحتجاج بها، لأنها لو كانت صحيحة ما عارضها غيرها، لأن الحق لا يعارضه الباطل، ولكن يغلب عليه فيدمغه.

ثم قال: وَلَكُمُ الْوَيْلُ، يعني: الشدة: من العذاب وهم النصارى.

مِمَّا تَصِفُونَ، يعني: تقولون من الكذب على الله عز وجل.

قوله عز وجل: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق.

وَمَنْ عِنْدَهُ من الملائكة لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، يعني: لا يتعظمون عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يعني لا يعيون يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفْتُرُونَ لا يملّون ولا يستريحون وقال أهل اللغة: الحسير المنقطع الواقف إعياء.

روي عن عبد الله بن الحارث أنه قال: قلت لكعب الأحبار أرأيت قوله: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفْتُرُونَ.

أما شغلهم رسالة، أما شغلهم عمل؟

فقال لي: ممن أنت؟

فقلت من بني عبد المطلب.

فضمني إليه فقال: «يا ابن أخي إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لنا التنفّس ألست تأكل وتشرب وتذهب وتجيء وأنت تتنفس؟

كذلك جعل لهم التسبيح» .

ثم قال عز وجل: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً؟

الميم صلة معناه: أعبدوا من دونه آلهةً؟

ويقال: بل عبدوا آلهة.

مِنَ الْأَرْضِ، يعني: اتخذوها من الأرض ويقال: من الأرض، أي: في الأرض.

هُمْ يُنْشِرُونَ، يعني: هل يحيون تلك الآلهة شيئا، وقرئ أيضاً يُنْشِرُونَ بضم الياء ونصب الشين يعني: هل يحيون أبداً لا يموتون.

ثم قال: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ يعني: لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله، لَفَسَدَتا يعني: لخربت السموات والأرض ولهلك أهلها، يعني: أن التدبير لم يكن مستوياً.

ثم نزه نفسه عن الشريك فقال: فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ يعني: عما يقولون من الكذب.

قوله عز وجل: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، يعني: لا يسأل عما يحكم في خلقه من المغفرة والعقوبة، لأنه عادل ليس بجائر.

وَهُمْ يُسْئَلُونَ، عما يفعلون بعضهم ببعض، لأنهم يجورون ولا يعدلون، ومعناه: لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ على وجه الاحتجاج عليه، ولكن يسأل عن معنى الاستكشاف والبيان، كقوله عز وجل: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى [طه: 125] .

وروي عن مجاهد أنه قال: لا يسأل عن قضائه وقدره، وهم يسألون عن أعمالهم، ويقال: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لأنه ليس فوقه أحد، وَهُمْ يُسْئَلُونَ لأنهم مملوكون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وهذا كُلَّهُ مَرْوِيٌّ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ: لاَ تَرْكُضُوا إلى آخر الآية.

مِنْ كلامِ ملائِكَةِ العذابِ على جِهَةِ الهُزْءِ بِهم.

وقوله: حَصِيداً أي: بالعذاب كحصيدِ الزَّرْعِ بالمِنْجَلِ، وخامِدِينَ أي: موتى مُشَبَّهينَ بالنارِ إذا طفئت، ثم وَعَظَ سبحانه السَّامِعِينَ بقوله: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ.

لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)

وقوله سبحانه: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً الآية: ظاهِرُ الآية: الرَّدُّ على مَنْ قال من الكُفَّارِ في أَمْرِ مريمَ- عليها السلام-، وما ضَارَعَهُ من الكُفْرِ تعالى الله عن قَوْلِ المُبْطِلِينَ و «إن» في قوله: إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ شرطيةً، ويحتمل أَنْ تكونَ نافِيَةً بمعنى:

ما كُنَّا فاعلين، وكُلُّ هذا قد قيل، و «الحَقَّ» عام في القرآن والرسالة والشَّرْعِ، وكُلِّ ما هو حَقًّ، فَيَدْمَغُهُ معناه: يُصِيبُ دِمَاغَهُ، وذلك مُهْلِكٌ في البشر فكذلك الحقّ يهلك الباطل، والْوَيْلُ: الخِزْيُ.

وقيل: هو اسمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وَأَنه المُرَاد في هذه الآية، وهذه مُخَاطَبَةٌ للكفّار الذين وصفوا الله عز وجل بما لا يجوزُ عليه تعالى اللَّه عن قولهم.

وقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ ...

الآية: عند هنا ليست في المسافات، وإنما هي تشريفٌ في المنزلة.

وَلا يَسْتَحْسِرُونَ أي: لا يكلون، والحسير من الإبل: المعِييُ.

وقوله: لاَ يَفْتُرُونَ وفي «الترمذي» عن أبي ذَرِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلاَّ وَمَلُكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِداً للَّهِ» «٢» الحديث.

قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وفي الباب عن عَائِشَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأَنَسٍ، انتهى من أصل الترمذي، أعني:

«جامعه» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمْ نَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا، إنَّما خَلَقْناهُما دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا ووَحْدانِيَّتِنا، لِيَعْتَبِرَ النّاسُ بِخَلْقِهِ، فَيَعْلَمُوا أنَّ العِبادَةَ لا تَصْلُحُ إلّا لِخالِقِهِ، لِنُجازِيَ أوْلِياءَنا ونُعَذِّبَ أعْداءَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والآلِهَةُ بَناتُهُ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا: إنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي المُرادِ بِاللَّهْوِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الوَلَدُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ ولَدًا ذا لَهْوٍ نُلْهى بِهِ.

والثّانِي: المَرْأةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: اللَّعِبُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لاتَّخَذْنا نِساءً، أوْ ولَدًا مِن أهْلِ السَّماءِ، لا مِن أهْلِ الأرْضِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصِلُ اللَّهْوِ: الجِماعُ، فَكُنِّيَ عَنْهُ بِاللَّهْوِ كَما كُنِّيَ عَنْهُ بِالسِّرِّ، والمَعْنى: لَوْ فَعَلْنا ذَلِكَ لاتَّخَذَناهُ مِن عِنْدِنا؛ لِأنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ وزَوْجَتَهُ يَكُونانِ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ " إنْ " بِمَعْنى ( ما )، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الشَّرْطِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: إنْ كُنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، ولَسْنا مِمَّنْ يَفْعَلُهُ، قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، والثّانِي قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ، وهم يَسْتَجِيدُونَ القَوْلَ الأوَّلَ أيْضًا؛ لِأنَّ " إنْ " تَكُونُ في مَوْضِعِ النَّفْيِ، إلّا أنَّ أكْثَرَ ما تَأْتِي مَعَ اللّامِ، تَقُولُ: إنْ كُنْتَ لَصالِحًا، مَعْناهُ: ما كُنْتَ إلّا صالِحًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ ﴾ ؛ أيْ: دَعْ ذاكَ الَّذِي قالُوا فَإنَّهُ باطِلٌ، ﴿ نَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: نُسَلِّطُ الحَقَّ وهو القُرْآنُ، ﴿ عَلى الباطِلِ ﴾ وهو كَذِبُهم، ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَكْسِرُهُ، وأصْلُ هَذا إصابَةُ الدِّماغِ بِالضَّرْبِ، وهو مَقْتَلٌ.

﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ ؛ أيْ: زائِلٌ ذاهِبٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنّا نُبْطِلُ كَذِبَهم بِما نُبَيِّنُ مِنَ الحَقِّ حَتّى يَضْمَحِلَّ، ﴿ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ ؛ أيْ: مِن وصْفِكُمُ اللَّهَ بِما لا يَجُوزُ، ﴿ وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَعْنِي: هم عَبِيدُهُ ومُلْكُهُ، ﴿ وَمَن عِنْدَهُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَرْجِعُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا يَنْقَطِعُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَعْيَوْنَ، والحَسْرُ: المُنْقَطِعُ الواقِفُ إعْياءً وكَلالًا.

والثّالِثُ: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَفْتُرُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لا يَسْأمُونَ.

وسُئِلَ كَعْبٌ: أما يَشْغَلُهم شَأْنٌ ؟

أما تَشْغَلُهم حاجَةٌ ؟!

فَقالَ لِلسّائِلِ: يابْنَ أخِي؛ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ كَما جُعِلَ لَكُمُ النَّفَسُ، ألَسْتَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، وتَقُومُ وتَجْلِسُ، وتَجِيءُ وتَذْهَبُ، وتَتَكَلَّمُ وأنْتَ تَتَنَفَّسُ ؟

فَكَذَلِكَ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عادَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ ﴾ ؛ لِأنَّ أصْنامَهم مِنَ الأرْضِ هي، سَواءٌ كانَتْ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، أوْ خَشَبٍ أوْ حِجارَةٍ، ﴿ هُمْ ﴾ يَعْنِي: الآلِهَةُ، ﴿ يُنْشِرُونَ ﴾ ؛ أيْ: يُحْيُونَ المَوْتى.

وقَرَأ الحَسَنُ: ( يَنْشُرُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ.

وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الجَحْدِ، والمَعْنى: ما اتَّخَذُوا آلِهَةً تَنْشُرُ مَيِّتًا.

﴿ لَوْ كانَ فِيهِما ﴾ يَعْنِي: السَّماءَ والأرْضَ، ﴿ آلِهَةً ﴾ يَعْنِي: مَعْبُودِينَ، ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: سِوى اللَّهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: غَيْرُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفَسَدَتا ﴾ ؛ أيْ: لَخَرَبَتا وبَطَلَتا، وهَلَكَ مَن فِيهِما؛ لِوُجُودِ التَّمانُعِ بَيْنَ الآلِهَةِ، فَلا يَجْرِي أمْرُ العالَمِ عَلى النِّظامِ؛ لِأنَّ كُلَّ أمْرٍ صَدَرَ عَنِ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخِلافِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴾ ؛ أيْ: عَمّا يَحْكُمُ في عِبادِهِ مِن هَدْيٍ وإضْلالٍ، وإعْزازٍ وإذْلالٍ؛ لِأنَّهُ المالِكُ لِلْخَلْقِ، والخَلْقُ يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم عَبِيدٌ يَجِبُ عَلَيْهِمُ امْتِثالُ أمْرِ مَوْلاهم.

ولَمّا أبْطَلَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ إلَهٌ سِواهُ مِن حَيْثُ العَقْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَفَسَدَتا ﴾ ، أبْطَلَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الأمْرِ، فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ.

﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى ما تَقُولُونَ، ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنُ خَبَرُ مَن مَعِي عَلى دِينِي مِمَّنْ يَتَّبِعُنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِما لَهم مِنَ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ.

﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ يَعْنِي: الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ، والمَعْنى: هَذا القُرْآنُ وهَذِهِ الكُتُبُ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَهُ، فانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِاتِّخاذِ إلَهٍ سِواهُ ؟

فَبَطَلَ بِهَذا البَيانِ جَوازُ اتِّخاذِ مَعْبُودٍ غَيْرِهِ مِن حَيْثُ الأمْرِ بِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ لَهم: هاتُوا بُرْهانَكم بِأنَّ رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ أخْبَرَ أُمَّتَهُ بِأنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّوْحِيدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

" فَهم مُعْرِضُونَ " عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَيْلَ والنَهارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَلَهُ" يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُعادِلًا لِقَوْلِهِ: "وَلَكُمُ الوَيْلُ"، كَأنَّهُ تَقْسِيمُ الأمْرِ في نَفْسِهِ، أيْ: لِلْمُخْتَلِقِينَ هَذِهِ المَقالَةَ الوَيْلُ ولَهُ تَعالى مَن في السَماواتِ والأرْضِ، واللامُ في "لَهُ" لامُ المِلْكِ، و ﴿ مَن في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ يَعُمُ المَلائِكَةَ والنَبِيِّينَ وغَيْرَهُمْ، ثُمْ خَصَّصَ مِن هَذا العُمُومِ مَن أرادَ تَشْرِيفَهُ مِنَ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: "وَمَن عِنْدَهُ"؛ لِأنَّ "عِنْدَ" هُنا لَيْسَتْ في المَسافاتِ، وإنَّما هي تَشْرِيفٌ في المَنزِلَةِ، فَوَصَفَهم تَعالى بِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَةِ اللهِ، ولا يَسْأمُونَها ولا يَكِلُّونَ فِيها.

و"الحَسِيرُ" مِنَ الإبِلِ: المُعْيِي، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: هُنَّ الوَجى كَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَوى ولا زالَ مِنها ضالِعٌ وحَسِيرُ و"حَسَرَ" و"اسْتَحْسَرَ" بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ الأفْعالِ، وإنْ كانَ في اسْتَفْعَلَ لِطَلَبِ الشَيْءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَفْتُرُونَ"، رُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ قالَ: جَعَلَ اللهُ لَهُمُ التَسْبِيحَ كالنَفَسِ وطَرْفِ العَيْنِ لِلْبَشَرِ، يَقَعُ مِنهم دائِمًا دُونَ أنْ تَلْحَقُهم فِيهِ سَآمَةٌ، وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ  بَيْنَما هو جالِسٌ مَعَ أصْحابِهِ إذْ قالَ: "تَسْمَعُونَ ما أسْمَعُ؟

" قالُوا: ما نَسْمَعُ مِن شَيْءٍ يا رَسُولَ اللهِ.

قالَ: "إنِّي لَأسْمَعُ أطِيطَ السَماءِ، وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ راحَةٍ إلّا وفِيها مَلَكٌ ساجِدٌ أو قائِمْ"».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدّنا ﴾ [الأنبياء: 17] مبيِّنةٌ أن كل من في السماوات والأرض عباد لله تعالى مخلوقون لقبول تكليفه والقياممِ بما خلقوا لأجله، وهو تخلص إلى إبطال الشرك بالحجة الدامغة بعد الإفاضة في إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحجية القرآن.

فاللام في ﴿ وله ﴾ للملك، والمجرور باللام خبر مقدم.

و ﴿ من في السموات ﴾ مبتدأ، وتقديم المجرور للاختصاص، أي له من في السماوات والأرض لا لغيره وهو قصر إفراد رداً على المشركين الذين جعلوا لله شركاء في الإلهية.

و ﴿ من في السماوات والأرض ﴾ يعم العقلاء وغيرهم وغُلِّب اسم الموصول الغالب في العقلاء لأنهم المقصود الأول.

وقوله تعالى ﴿ ومن عنده ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ من في السماوات والأرض ﴾ فيكون من عطف الخاص على العام للاهتمام به.

ووجه الاهتمام ظاهر وتكون جملة ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ حالاً من المعطوف عليه.

ويجوز أن يكون ﴿ مَنْ عنده ﴾ مبتدأ وجملة ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ خبراً.

وما صدَق (مَن) جماعة كما دل عليه قوله تعالى ﴿ لا يستكبرون ﴾ بصيغة الجمع.

﴿ ومن عنده ﴾ هم المقربون في العوالم المفضلة وهم الملائكة.

وعلى كلا الوجهين في موقع جملة ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ﴾ يكون المقصود منها التعريض بالذين يستكبرون عن عبادة الله ويعبدون الأصنام وهم المشركون.

والاستحسار: مصدر كالحُسور وهو التعب، فالسين والتاء فيه للمبالغة في الوصف كالاستكبار والاستنكار والاسيخار، أي لا يصدر منهم الاستحسار الذي هو التعب الشديد الذي يقتضيه عملهم العظيم، أي لا يقع منهم ما لو قام بعملهم غيرهم لاستحسر ثقلَ ذلك العمل، فعبر بالاستحسار هنا الذي هو الحسور القوي لأنه المناسب للعمل الشديد، ونفيه من قبيل نفي المقيد بقيد خرجَ مخرج الغالب في أمثاله.

فلا يفهم من نفي الحسور القوي أنهم قد يحسرون حسوراً ضعيفاً.

وهذا المعنى قد يعبر عنه أهل المعاني بأن المبالغة في النفي لا في المنفي.

وجملة ﴿ يسبحون الليل والنهار ﴾ بيان لجملة ﴿ ولا يستحسرون ﴾ لأن من لا يتعب من عمل لا يتركه فهو يواظب عليه ولا يَعيَا منه.

والليل والنهار: ظرفان.

والأصل في الظرف أن يستوعبَه الواقع فيه، أي يسبحون في جميع الليل والنهار.

وتسبيح الملائكة بأصوات مخلوقة فيهم لا يعطلها تبليغ الوحي ولا غيره من الأقوال.

والفتور: الانقطاع عن الفعل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ولَدًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهْوَ النِّساءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَقالَ قَتادَةُ: اللَّهْوُ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ المَرْأةُ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لِأنَّهم قالُوا: مَرْيَمُ صاحِبَتُهُ وعِيسى ولَدُهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهْوُ الَّذِي هو داعِي الهَوى ونازِعُ الشَّهْوَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ويُلْعِينُنِي في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبُّهُ ولِلَّهْوِ داعٍ لَبِيبٌ غَيْرُ غافِلِ ﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ أيْ مِن عِنْدِنا إنْ كُنّا فاعِلِينَ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لاتَّخَذْنا نِساءً ووَلَدًا مِن أهْلِ السَّماءِ وما اتَّخَذْنا مِن أهْلِ الأرْضِ.

﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كُنّا فاعِلِينَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ جاءَ بِمَعْنى الشَّرْطِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ لَوْ كُنّا لاتَّخَذْناهُ بِحَيْثُ لا يَصِلُ عِلْمُهُ إلَيْكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ الكَلامُ المَتْبُوعُ، والباطِلُ المَدْفُوعُ.

وَمَعْنى يَدْمَغُهُ أيْ يُذْهِبُهُ ويُهْلِكُهُ كالمَشْجُوجِ تَكُونُ دامِغَةً في أُمِّ رَأْسِهِ تُؤَدِّي لِهَلاكِهِ.

الثّانِي: أنَّ الحَقَّ القُرْآنُ، والباطِلَ إبْلِيسُ.

الثّالِثُ: أنَّ الحَقَّ المَواعِظُ والباطِلَ المَعاصِي، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ الخَواطِرِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ الحَقَّ الإسْلامُ، والباطِلَ الشِّرْكُ.

﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هالَكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ذاهِبٌ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لا يَعْيَوْنَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لا يَسْتَنْكِفُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: لا يَنْقَطِعُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَسِيرِ وهو البَعِيرُ المُنْقَطِعُ بِالإعْياءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبَيْضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: اللهو، الولد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ الآية.

يقول: لو أردت أن أتخذ ولداً لأتخذت من الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: النساء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اللهو بلسان اليمن، المرأة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: اللهو بلغة أهل اليمن، المرأة.

وفي قوله: ﴿ إن كنا فاعلين ﴾ أي، إن ذلك لا يكون ولا ينبغي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: نساء ﴿ لاتخذناه من لدنا ﴾ قال: من الحور العين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: لعباً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لاتخذناه من لدنا ﴾ قال: من عندنا ﴿ إن كنا فاعلين ﴾ أي ما كنا فاعلين.

يقول: وما خلقنا جنة ولا ناراً ولا موتاً ولا بعثاً ولا حساباً، وكل شيء في القرآن ﴿ إن ﴾ فهو إنكار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بل نقذف بالحق ﴾ قال: القرآن ﴿ على الباطل ﴾ قال: اللبس ﴿ فإذا هو زاهق ﴾ قال: هالك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ قال: هي والله لكل واصف كذب إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ومن عنده ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ يقول: لا يرجعون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ قال: لا يحسرون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ قال: لا يعيون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ قال: لا ينقطعون من العبادة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الشعب، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل رضي الله عنه، أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ أما شغلهم رسالة؟

أما شغلهم عمل؟

فقال: جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس، ألست تأكل وتشرب، وتجيء وتذهب، وتتكلم وأنت تتنفس؟

فكذلك جعل لهم التسبيح.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ قال: جعلت أنفاسهم تسبيحاً.

وأخرج أبو الشيخ عن يحيى بن أبي كثير قال: خلق الله الملائكة صمداً ليس لهم أجواف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ ينزهون الله دائمًا بقولهم سبحان الله ﴿ لَا يَفتُرُونَ ﴾ لا يضعفون ولا يملون (١) قال الكلبي: التسبيح منهم بمنزلة التبسم من الإنسان.

وقال كعب: سهل عليهم التسبيح كسهولة فتح الطرف والتنفس على الإنسان (٢) وقال الزجاج: مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شيء، فكذلك (٣) (٤) وهذا معنى (٥) (٦) (١) في (1): (يملكون)، وهو خطأ.

(٢) رواه الطبري 17/ 12، وأبو الشيخ في "العظمة" 2/ 738 - 739، والبيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 1/ 48، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 621 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والبيهقي في "شعب الإيمان".

(٣) في (أ): (فلذلك).

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 387، 388.

(٥) (معنى): ساقطة من (د)، (ع).

(٦) انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 28 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ اللهو في لغة اليمن: الولد، وقيل المرأة، و ﴿ مِن لَّدُنَّآ ﴾ : أي من الملائكة، فالمعنى على هذا لو أردنا أن نتخذ ولداً لاتخذناه من الملائكة، لا من بني آدم، فهو ردّ على من قال: إن المسيح ابن الله وعزيز ابن الله، والظاهر أن اللهو بمعنى اللعب لاتصاله بقوله لا عبين.

وقال الزمخشري: المعنى على هذا لو أردنا أن نتخذ لهواً لكان ذلك في قدرتنا، ولكن ذلك لا يليق بنا لأنه مناقض للحكمة، وفي كلا القولين نظر ﴿ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ يحتمل أن تكون إن شرطية وجوابها فيما قبلها، أو نافية، والأوّل أظهر ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل ﴾ ﴿ الحق ﴾ عام في القرآن والرسالة والشرع وكل ما هو حق، ﴿ الباطل ﴾ عام في أضداد ذلك ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ أي يقمعه ويبطله، وأصله من إصابة الدماغ ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ ﴾ يعني الملائكة ﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ أي لا يَعْيَوْن ولا يملون ﴿ أَمِ اتخذوا آلِهَةً مِّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ أم هنا للإضراب عما قبلها، والاستفهام على وجه الإنكار لما بعدها ﴿ مِّنَ الأرض ﴾ يتعلق بينشرون؛ والمعنى: أن الآلهة التي اتخذها المشركون لا يقدرون أن ينشروا الموتى من الأرض، فليست بآلهة في الحقيقة؛ لأن من صفة الإلهة القدرة على الإحياء والإماتة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ قال ربي ﴾ بالألف: حمزة وعلي وحفص.

الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ نوحي ﴾ بالنون مبنياً للفاعل: حفص غير الخراز.

الباقون: بالياء مجهولاً.

الوقوف: ﴿ معرضون ﴾ ج للآية مع احتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً.

﴿ يلعبون ﴾ لا لأن ﴿ لاهية ﴾ حال أخرى مترادفة أو متداخلة من ضمير ﴿ يلعبون ﴾ وهي لقلوبهم في المعنى.

﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مثلكم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع استغناء الثانية عن الأولى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ شاعر ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ أهلكناها ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ ذكركم ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ يركضون ﴾ ه ط لتقدير القول ﴿ تسألون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ خامدين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ من لدنا ﴾ ه على جعل "إن" نافية والأصح أنها للشرط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ زاهق ﴾ لا ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يستحسرون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً، ﴿ لا يفترون ﴾ ه.

التفسير: قال جار الله: اللام في قوله ﴿ للناس ﴾ إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيداً آخر من جهة وضع ضمير الحي مضافاً إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم.

والمراد اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ فإذا اقتربت الساعة فقد إقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في خاتمة السورة المتقدمة بقوله ﴿ فستعلمون ﴾ بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك العلم قريب.

فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر كان قال القائل: شعر فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس على أنه لم يمض بعد يوم من ايام الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي قوله  "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين وزجر للمذنبين.

فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين.

وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما.

والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرئ ﴿ محدث ﴾ بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول.

وزعم الإمام فخر الدين الرازي  أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله ﴿ من ذكر من ربهم محدث ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على أن ذكراً ما محدث، كما أن قول القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا "الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس" وإنه لا ينتج شيئاً لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف فيعلم الميزان.

قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله "بعض الذكر محدث" لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث.

وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميماً لقول المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ من ربهم محدث ﴾ لموافقة قوله بعد هذا ﴿ قل ربي يعلم ﴾ وقال في الشعراء ﴿ من ذكر من الرحمن محدث  ﴾ لكثرة الرحيم فيها.

فكان "الرحمن بالرحيم" أنسب.

قوله  ﴿ يلعبون ﴾ اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله ﴿ لاهية ﴾ هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل.

وفيه إن هم كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه.

ومعنى ﴿ وأسروا النجوى ﴾ بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي "واو" اسروا وجهان: أحدهما أن على لغة من يجوز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدماً على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم و ﴿ الذين ظلموا ﴾ بدل منهم.

أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره ﴿ أسروا النجوى ﴾ مقدماً عليه.

وعلى التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله ﴿ هل هذا إلاّ بشر ﴾ إلى قوله ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تعلمون أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟

وجوز بعضهم أن يكون قوله ﴿ هل هذا ﴾ إلى آخره مفعولاً لقالوا مضمراً، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه التشاور فيما بينهم تحرياً لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء.

ويرفع أيضاً إلى النبي  "استعينوا على حوائجكم بالكتمان" ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقاً فأخبرونا بما اسررنا.

من قرأ ﴿ قال ربي ﴾ فعلى حكاية الرسول  كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم الغيب، ووصف نفسه ههنا بأنه يعلم القول.

قال جار الله: هذا آكد لأنه عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا دلالة للعام على الخاص.

بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى ﴿ وهو السميع العليم ﴾ خصص علمه بالمسموعات أولاً ثم عمم وقال الإمام قدم "السميع" على "العليم" لأنه لا بد من استماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه.

قلت: هذا قياس للغائب على الحاضر قوله ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ﴾ معنى هذه الإضطرابات مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولاً كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم قالوا: سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزاً فقد يكون سحراً هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف.

سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده؟

سلمنا أنه كلام فصيح ولكنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا كان حال هذا المعجز هكذا.

﴿ فليأتنا بآية ﴾ لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات ﴿ كما أرسل الأولون ﴾ اي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن لإتيانهم بالآيات.

ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن أنهم عدلوا حين تحدوا به عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف.

ثم بين أن الآيات التي يقترحونها لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء الايات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك ﴿ افهم يؤمنون ﴾ مع شدة شكيمتهم فيه معنى الإنكار أي لا يؤمنون ألبتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولكن قد سبق القول من الله أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال.

ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم ﴿ هل هذا إلاّ بشر مثلكم ﴾ بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً ﴾ وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل.

وإنما جاز الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معادة رسول الله  فكان قولهم عندهم حجة.

وقيل: أهل الذكر أهل القرآن.

وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد  ، فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟

واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله ﴿ وما ارسلنا من قبلك ﴾ وقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك ﴾ بغير "من" وليس إلا ههنا وفي أوائل الفرقان ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم  ﴾ ثم أكد كون الرسل من جنس البشر بقوله ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف اي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسداً.

ووحد الجسد لإرادة الجنس اي ذوي ضرب من الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: ﴿ صدقناهم الوعد ﴾ أصله في الوعد فنصب بنزع الخافض، ثم فسر الوعد بقوله ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ وهم المؤمنون، ثم نبههم على عظيم نعمه عليهم بقوله، ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ أي شرفكم وصيتكم، أو فيه بيان مكارم الآخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال ﴿ وكم قصمنا ﴾ والقصم القطع الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى ﴿ من قرية ﴾ من أهل قرية لقوله ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ وللضمائر في قوله ﴿ فلما أحسوا ﴾ إلى آخر القصة.

والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه كالمحسوس المشاهد.

والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثاً لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجهلم فقيل لهم لا تركضوا.

والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ذلك فحدثوا به أنفسهم: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ من العيش الهنيء والإتراف إبطار النعمة ﴿ لعلكم تسألون ﴾ غداً عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولكن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم ﴿ فما زالت تلك ﴾ الدعوى وهي قولهم ﴿ يا ويلنا ﴾ لأن المولول كأنه يدعو الويل ﴿ دعواهم ﴾ الأول اسم "ما زال" والثاني خبره أو بالعكس.

والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والحصيد المحصود كقوله ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ شبهوا بالزرع المستأصل والنار التي تخمد فتصير رماداً أي جعلناهم مشبهين بالمحصود والخامد، ووحد ﴿ حصيداً ﴾ لأن المراد زرعاً حصيداً، ولأن "فعيلاً" قد يستوي فيه الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن تنسب إليهما الثياب.

وفي الحديث كفن رسول الله  في ثوبين سحوليين.

وروى حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء.

قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً ومجازاة لا عبثاً ولا مجازفة فقال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض ﴾ الاية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع ﴿ وما بينهما ﴾ من الأركان والمواليد كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول "البقرة" ويمكن أن يقال: المقصود من سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن كان صادقاً فهو المطلوب، وإن كان كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب وهو منفي عنه  .

قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعباً وعورض بمسألتي العلم والداعي.

ثم بين أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب ليس هو العجز والضعف ولكن لأن الحكمة تنافيه، معنى ﴿ من لدنا ﴾ من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو المرأة، وقيل: من لدنا اي من الملائكة لا من الإنس رداً على من قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.

ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل الخفية فلا تعرفونه ولا تسمعون اسمه فيكون الرد شاملاً لكل من ادعى الله ولداً ولو من الملائكة.

ثم اضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل العبث قائلاً ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ﴾ يعني الباطل ﴿ زاهق ﴾ اي ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة للرسالة فقال ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ اي تصفونه به.

ثم بين كمال قدرته ونهاية حلمه وحكمته فقال ﴿ وله من في السموات والأرض ﴾ والمراد بمن عنده الملائكة المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة.

فأما عندية المكان ففيها بحث طويل.

قال الزجاج: ﴿ لا يستحسرون ﴾ أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء.

قال جار الله: كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولكنه ذكر بلفظ المبالغة وهو "استفعل" لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدُّونها تعباً عليهم.

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار ﴾ منصوبان على الظرفية ﴿ لا يفترون ﴾ لا يلحقهم الفتور والكلال.

وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته؟

وقد مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب الأحبار: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ ثم قال: { ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة  ﴾ أليس الرسالة واللعن ما نعين لهم عن التسبيح؟

أجاب كعب بأن التسبيح لهم كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر.

واعترض بأن آلة التنفس فينا مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم.

وأجيب بأنه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به.

التأويل: اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم كقوله ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله  ﴾ ﴿ وما يأتيهم من ذكر ﴾ وعظ وتذكير من عالم رباني ﴿ محدث ﴾ إلهامه إلا أنكروه عليه ونسبوه إلى التخليط ونحوه ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ فيه أن الله قادر على أن لا يجعل النبي الولي ذا جسد ولكن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى.

قال بعض المشايخ، لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ والسر فيه أن يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي.

﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة ﴿ وأهلكناهم المسرفين ﴾ الذين اسرفوا على أنفسهم بالكون إلى أسفل سافلين الطبائع.

﴿ وكم قصمنا من ﴾ أهل ﴿ قرية ﴾ قالت ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف شديد ﴿ لا تركضوا ﴾ منا بل ففروا إلينا ﴿ وارجعوا ﴾ إلى التنعمات الروحاينة ﴿ ومساكنكم ﴾ الصلية ﴿ لعلكم تسألون ﴾ عزة وكرامة ﴿ وما خلقنا ﴾ سموات الأرواح وأرض الأجساد، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل ﴾ للحق ثلاث مراتب: مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى الحق فيها للعبد، ارهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه المراتب فيبقى متصفاً بالوجود المجازي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ .

أخبر أنه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما لتكونا سماء وأرضاً على ما هما عليه ثم تفنيان، ولكن خلقهما لعاقبة قصدها، وهو أن يمتحن أهلها؛ لأن من عمل في الشاهد عملا لا يقصد به عاقبة يأمل ويرجو أمراً فهو في عمله عابث لاهٍ، ولو كان على ما عند أولئك الكفرة بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا ثواب لكان إنشاؤهما وما بينهما باطلا لعباً؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\]، صير عدم الرجوع إليه [بعد] خلقهم عبثاً باطلا.

وقال الحسن: لم يخلقهما عبثا، ولكن خلقهما لحكمة من نظر إليهما دلاَّه على وحدانية منشئهما وسلطانه وقدرته وحكمته وعلى علمه وتدبيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَهْواً ﴾ أي: زوجة، لكن هذا بعيد؛ لأنه احتج عليهم على نفي الولد بنفي الصاحبة بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ  ﴾ ، فلولا أنهم أقروا وعرفوا أن لا صاحبة له، وإلا لم يكن للاحتجاج عليهم على نفي [الولد] بنفي الصاحبة معنى، ويكون قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً ﴾ أي: ولداً؛ لأن الناس يتلهون بالولد فسماه: لهواً لذلك، قال: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ بحيث لا تبلغه أفهامكم ولا يدركه علمكم؛ لأن الولد يكون من جنس الوالدين ومن شكلهما، وسبيل معرفته وعلمه الاستدلال الحسي، فإذا لم يعرفوه هو بالحسي فكيف يعرفون من هو يكون منه لو كان؟!

والثاني: أن الغائب إنما يعرف بالاستدلال بالشاهد، فلو كان له الولد على ما تزعمون لكان لا يعرف؛ لأنه لا صنع للولد في الشاهد؛ إذ هو الواحد المتفرد بإنشاء العالم، فيذهب معرفة الولد إدراكه لو كان على ما تزعمون.

وقوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ ، ليس على أنه يحتمل أن يكون له الولد، أو أن يحتمل أن يتخذ ولداً، ولكن لو احتمل أن يكون لم يحتمل أن يدرك ويعلم، وكذلك يخرج قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ ليس أنه يحتمل أن يكون فيهما آلهة، ولكن لو احتمل أن يكون فيهما آلهة لفسدتا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ ﴾ .

يشبه أن يكون الحق الذي أخبر أنه يقذف على الباطل القرآن الذي أنزله على رسوله أو الرسول نفسه، أو الآيات التي جعلها لوحدانيته أو ألوهيته.

﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ ، أي: يبطل ذلك الذي قالوا في الله ما قالوا من الولد والصاحبة وغيره مما لا يليق به.

﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ ، أي: هو ذاهب متلاشٍ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ : من الولد والصاحبة وجميع ما وصفوه مما لا يليق به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، كأنه ذكر هذا جوابا لقولهم، وردّاً على وصفهم إياه بالذي وصفوه، فقال: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له من في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ولا أحد في الشاهد يتخذ لنفسه ولداً من عبيده وإمائه، فإذا لم تروا هذا في الخلق أنفاً من ذلك واستنكافاً، فكيف قلتم ذلك في الله  وتعالى ، وأضفتم إليه.

أو أن يخبر غناه عن الخلق بأن له من في السماوات والأرض والولد في الشاهد إنما يطلب لحاجة تسبق، فإذا كان الله -  وتعالى - غنيّاً بذاته بما ذكر أن له كذا لا حاجة تقع له إلى الولد،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ .

يشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: "الملائكة بنات الله"، فأخبر أنهم ليسوا كما وصفوهم ولكنهم عبيد لي، هم لا يستريحون عن عبادتي ولا يفترون.

أو أن يكون ذكر هذا لمكان من عبد الملائكة واتخذهم آلهة دونه، فأخبر أنهم لا يستكبرون عن عبادتي ولا يفترون، ولم يدعوا هم الألوهية لأنفسهم، فكيف نسبتم الألوهية إليهم وعبدتموهم دوني؟

أو أن يكون قال ذلك: إنكم إن استكبرتم عن عبادتي، فلم يستكبر عنها من هو أرفع منزلة وأعظم قدراً منكم، ﴿ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ ينزهون الله ويبرئونه عما وصفه الملحدة من الولد وجميع ما قالوا فيه مما لا يليق به.

وهذه الآية تنقض قول المعتزلة ومذهبهم حيث قالوا: إن الأعمال لأنفسها متعبة منصبة، ولو كانت الأفعال لأنفسها متعبة على ما ذكروا، لكان البشر والملائكة فيها شرعاً سواء، فلما أخبر عنهم أنهم لا يعيون ولا يفترون ولا تتبعهم العبادة؛ دل أنها صارت متعبة لصنع غير فيها لا لأنفسها، وهذه المسألة في خلق أفعال العباد: هم ينكرون خلقها، ونحن نقول: هي خلق الله - عز وجل - كسب للعباد، وقد ذكرنا هذا في غير موضع كلاماً كافياً.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ أي: يبطله.

وقال غيره: يهلكه، وهو من قولك: ضربت الرجل فدمغته: إذا وصلت الضربة إلى الدماغ، وإذا كان كذلك مات؛ فكذلك يدمغ الحق الباطل، أي: يهلكه.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ ، أي: ذاهب وميت، زهق إذا مات وهلك، والزاهق في غير هذا السمين.

﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ أي: لا يعيون، ومنه حسير ومحسور أيضاً، ﴿ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ والفتور: الإعياء أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يواظبون على تسبيح الله دائمًا, لا يملون منه.

<div class="verse-tafsir" id="91.lvdOk"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله