الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٢٤ من سورة الأنبياء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 109 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٤ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : بل ( اتخذوا من دونه آلهة قل ) يا محمد : ( هاتوا برهانكم ) أي : دليلكم على ما تقولون ، ( هذا ذكر من معي ) يعني : القرآن ، ( وذكر من قبلي ) يعني : الكتب المتقدمة على خلاف ما تقولون وتزعمون ، فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ، ناطق بأنه لا إله إلا الله ، ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق ، فأنتم معرضون عنه
يقول تعالى ذكره: أتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضرّ، وتخلق وتحيي وتميت ، قل يا محمد لهم: هاتوا برهانكم، يعني حجتكم يقول: هاتوا إن كنتم تزعمون أنكم محقون في قيلكم ذلك حجة ودليلا على صدقكم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) يقول: هاتوا بينتكم على ما تقولون.
وقوله ( هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ) يقول: هذا الذي جئتكم به من عند الله من القرآن والتنـزيل، ( ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ) يقول: خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم به، وطاعتهم إياه، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه وكفرهم به ( وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ) يقول: وخبر من قبلي من الأمم التي سلفت قبلي، وما فعل الله بهم في الدنيا وهو فاعل بهم في الآخرة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني بِشْر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ) يقول: هذا القرآن فيه ذكر الجلال والحرام ( وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ) يقول: ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم إلى ما صاروا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج ( هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ) قال: حديث من معي، وحديث من قبلي.
وقوله ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ) يقول: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الصواب فيما يقولون ولا فيما يأتون ويذرون، فهم معرضون عن الحق جهلا منهم به، وقلَّة فهم.
وكان قَتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ) عن كتاب الله.
قوله تعالى : أم اتخذوا من دونه آلهة أعاد التعجب في اتخاذ الآلهة من دون الله مبالغة في التوبيخ ، أي صفتهم كما تقدم في الإنشاء والإحياء ، فتكون أم بمعنى هل على ما تقدم ، فليأتوا بالبرهان على ذلك .
وقيل : الأول احتجاج من حيث المعقول ؛ لأنه قال : هم ينشرون ويحيون الموتى ؛ هيهات !
والثاني احتجاج بالمنقول ، أي هاتوا برهانكم من هذه الجهة ، ففي أي كتاب نزل هذا ؟
في القرآن ، أم في الكتب المنزلة على سائر الأنبياء ؟
هذا ذكر من معي بإخلاص التوحيد في القرآن وذكر من قبلي في التوراة والإنجيل ، وما أنزل الله من الكتب ؛ فانظروا هل في كتاب من هذه الكتب أن الله أمر باتخاذ آلهة سواه ؟
فالشرائع لم تختلف فيما يتعلق بالتوحيد ، وإنما اختلفت في الأوامر والنواهي وقال قتادة : الإشارة إلى القرآن ؛ المعنى : هذا ذكر من معي بما يلزمهم من الحلال والحرام وذكر من قبلي من الأمم ممن نجا بالإيمان وهلك بالشرك .وقيل : ذكر من معي بما لهم من الثواب على الإيمان والعقاب على الكفر وذكر من قبلي من الأمم السالفة فيما يفعل بهم في الدنيا ، وما يفعل بهم في الآخرة .
وقيل : معنى الكلام الوعيد والتهديد ، أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء .
وحكى أبو حاتم : أن يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف قرآ ( هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ) بالتنوين وكسر الميم ، وزعم أنه لا وجه لهذا .
وقال أبو إسحاق الزجاج في هذه القراءة : المعنى ؛ هذا ذكر مما أنزل إلي ومما هو معي وذكر من قبلي .
وقيل : ذكر كائن من قبلي ، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي .
بل أكثرهم لا يعلمون الحق وقرأ ابن محيصن والحسن ( الحق ) بالرفع بمعنى هو الحق وهذا هو الحق .
وعلى هذا يوقف على ( لا يعلمون ) ولا يوقف عليه على قراءة النصب .
فهم معرضون أي عن الحق وهو القرآن ، فلا يتأملون حجة التوحيد .
رجع إلى تهجين حال المشركين، وأنهم اتخذوا من دونه آلهة فقل لهم موبخا ومقرعا: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ْ} أي: حجتكم ودليلكم على صحة ما ذهبتم إليه، ولن يجدوا لذلك سبيلا، بل قد قامت الأدلة القطعية على بطلانه، ولهذا قال: { هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ْ} أي: قد اتفقت الكتب والشرائع على صحة ما قلت لكم، من إبطال الشرك، فهذا كتاب الله الذي فيه ذكر كل شيء، بأدلته العقلية والنقلية، وهذه الكتب السابقة كلها، براهين وأدلة لما قلت.
ولما علم أنهم قامت عليهم الحجة والبرهان على بطلان ما ذهبوا إليه، علم أنه لا برهان لهم، لأن البرهان القاطع، يجزم أنه لا معارض له، وإلا لم يكن قطعيا، وإن وجد في معارضات، فإنها شبه لا تغني من الحق شيئا.
وقوله: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ْ} أي: وإنما أقاموا على ما هم عليه، تقليدا لأسلافهم يجادلون بغير علم ولا هدى، وليس عدم علمهم بالحق لخفائه وغموضه، وإنما ذلك، لإعراضهم عنه، وإلا فلو التفتوا إليه أدنى التفات، لتبين لهم الحق من الباطل تبينا واضحا جليا ولهذا قال: { فَهُمْ مُعْرِضُونَ ْ}
( أم اتخذوا من دونه آلهة ) استفهام إنكار وتوبيخ ، ( قل هاتوا برهانكم ) أي : حجتكم على ذلك ، ثم قال مستأنفا ، ( هذا ) يعني القرآن .
( ذكر من معي ) فيه خبر من معي على ديني ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية .
( وذكر ) خبر ، ( من قبلي ) من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة .
وعن ابن عباس في رواية عطاء : ذكر من معي : القرآن ، وذكر من قبلي : التوراة والإنجيل ، ومعناه : راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولدا ، ( بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون )
«أم اتخذوا من دونه» تعالى أي سواه «آلهة» فيه استفهام توبيخ «قل هاتوا برهانكم» على ذلك ولا سبيل إليه «هذا ذكر من معي» أمتي وهو القرآن «وذكر من قبلي» من الأمم وهو التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله ليس في واحد منها أن مع الله إلهاً مما قالوا، تعالى عن ذلك «بل أكثرهم لا يعلمون الحق» توحيد الله «فهم معرضون» عن النظر الموصل إليه.
هل اتخذ هؤلاء المشركون مِن غير الله آلهة تنفع وتضر وتحيي وتميت؟
قل - أيها الرسول - لهم: هاتوا ما لديكم من البرهان على ما اتخذتموه آلهة، فليس في القرآن الذي جئتُ به ولا في الكتب السابقة دليل على ما ذهبتم إليه، وما أشركوا إلا جهلا وتقليدًا، فهم معرضون عن الحق منكرون له.
وبعد أن ساق - سبحانه - دليلا عقليا على وحدانيته ، أتبعه بدليل آخر نقلى ، فقال - تعالى - : ( أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي .
.
.
) .قال الآلوسى ما ملخصه : هذا إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة ، لخلوها من خصائصها التى من جملتها الإنشار ، إلى تبكيتهم ومطالبتهم بالبرهان على دعواهم الباطلة ، وتحقيق أن جميع الكتب السماوية ناطقة بحقية التوحيد ، وبطلان الإشراك .أى : إن هؤلاء الكافرين قد أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة ، بسبب جهلهم وعنادهم وجحودهم للحق .
.
.
قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التبكيت والتوبيخ ( هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ) على أن مع الله - تعالى - آلهة أخرى تستحق مشاركته فى العبادة والطاعة؟
ولا شك أنهم لا برهان لهم على ذلك .وقوله - تعالى - : ( هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ) زيادة فى تبكيتهم وفى إظهار عجزهم ، أى : هذا الوحى الإلهى الناطق بتوحيد الله - تعالى - موجود فى القرآن الكريم المشتمل على ذكر بالمعاصرين لى من أتباعى ، وموجود فى كتب الأنبياء السابقين ، كالتوراة التى أنزلها الله على موسى ، والإنجيل الذى أنزله على عيسى ، فمن أين أتيتم أنتم بهؤلاء الشركاء ، وكيف اتخذتموهم آلهة مع أنهم لا برهان عليهم لا من جهة العقل ولا من جهة النقل؟فاسم الإشارة ( هذا ) فى قوله : ( هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ ) مبتدأ ، مشار به إلى الوحى الإلهى ، وقد أخبر عنه - سبحانه - بخبرين - كما يقول الشيخ الجمل - : " بالنظر للخبر الأول يراد به القرآن ، وبالنظر للخبر الثانى يراد به ما عداه من الكتب السماوية " .وقوله - تعالى - : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق فَهُمْ مُّعْرِضُونَ ) إضراب من جهته - تعالى - عن مناقشتهم ومطالبتهم بالبرهان ، وانتقال من الأمر بتبكيتهم إلى الأمر بإهمالهم استصغارا لشأنهم .أى : دعهم - أيها الرسول الكريم - فى باطلهم بعمهون فإنهم قوم أكثرهم يجهلون الحق ، ولا يستطيعون التمييز بينه وبين الباطل .
فهم لأجل ذلك منصرفون عن الهدى ، ومتجهون إلى الضلال ، ومن جهل شيئا عاداه .
اعلم أن الكلام من أول السورة إلى هاهنا كان في النبوات وما يتصل بها من الكلام سؤالاً وجواباً، وأما هذه الآيات فإنها في بيان التوحيد ونفي الأضداد والأنداد.
أما قوله تعالى: ﴿ أَمِ اتخذوا الِهَةً مّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: أم هاهنا هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة قد أذنت بالإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها، والمنكر هو اتخاذهم آلهم من الأرض ينشرون الموتى، ولعمري إن من أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات، فإن قلت: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة ينشرون وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله وبأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث، ويقولون: ﴿ مَن يُحييِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾ فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة ألبتة؟
قلت: لأنهم لما اشتغلوا بعبادتها ولا بد للعبادة من فائدة هي الثواب فإقدامهم على عبادتها يوجب عليهم الإقرار بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم والتجهيل، يعني إذا كانوا غير قادرين على أن يحيوا ويميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ مّنَ الأرض ﴾ كقولك فلان من مكة أو من المدينة، تريد مكي أو مدني إذ معنى نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض لأن الآلهة على ضربين: أرضية وسماوية ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض، لأنها إما أن تكون منحوتة من بعض الحجارة أو معمولة من بعض جواهر الأرض.
المسألة الثالثة: النكتة في ﴿ هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ معنى الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة من الأرض لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم.
المسألة الرابعة: قرأ الحسن ﴿ ينشرون ﴾ وهما لغتان أنشر الله الموتى ونشرها.
أما قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال أهل النحو إلا هاهنا بمعنى غير أي لو كان يتولاهما ويدير أمورهما شيء غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا، ولا يجوز أن يكون بمعنى الاستثناء لأنا لو حملناه على الإستثناء لكان المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله لفسدتا وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله أن لا يحصل الفساد، وذلك باطل لأنه لو كان فيهما آلهة فسواء لم يكن الله معهم أو كان فالفساد لازم.
ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت أن المراد ما ذكرناه.
المسألة الثانية: قال المتكلمون: القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال فوجب أن يكون القول بوجود إلهين محالاً، إنما قلنا إنه يفضي إلى المحال لأنا لو فرضنا وجود إلهين فلابد وأن يكون كل واحد منهما قادراً على كل المقدورات ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادراً على تحريك زيد وتسكينه فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه والآخر تسكينه، فإما أن يقع المرادان وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين أو لا يقع واحد منهما وهو محال لأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر، فلا يمتنع مراد هذا إلا عند وجود مراد ذلك وبالعكس، فلو امتنعا معاً لوجدا معاً وذلك محال أو يقع مراد أحدهما دون الثاني وذلك محال أيضاً لوجهين: أحدهما: أنه لو كان كل واحد منهما قادراً على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر بل لابد وأن يستويا في القدرة.
وإذا استويا في القدرة استحال أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع من مراد الثاني وإلا لزم ترجيح الممكن من غير مرجح.
وثانيهما: أنه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر فالذي وقع مراده يكون قادراً والذي لم يقع مراده يكون عاجزاً والعجز نقص وهو على الله محال.
فإن قيل الفساد إنما يلزم عند اختلافهما في الإرادة وأنتم لا تدعون وجوب اختلافهما في الإرادة بل أقصى ما تدعونه أن اختلافهما في الإرادة ممكن، فإذا كان الفساد مبنياً على الإختلاف في الإرادة وهذا الإختلاف ممكن والمبني على الممكن ممكن فكان الفساد ممكناً لا واقعاً فكيف جزم الله تعالى بوقوع الفساد؟
قلنا الجواب من وجهين: أحدهما: لعله سبحانه أجرى الممكن مجرى الواقع بناء على الظاهر من حيث إن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب.
والثاني: وهو الأقوى أن نبين لزوم الفساد لا من الوجه الذي ذكرناه بل من وجه آخر، فنقول: لو فرضنا إلهين لكان كل واحد منهما قادراً على جميع المقدّورات فيفضي إلى وقوع مقدور من قادرين مستقلين من وجه واحد وهو محال لأن استناد الفعل إلى الفاعل لإمكانه فإذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد فالفعل لكونه مع هذا يكون واجب الوقوع فيستحيل إسناده إلى هذا لكونه حاصلاً منهما جميعاً فيلزم استغناؤه عنهما معاً واحتياجه إليهما معاً وذلك محال.
وهذه حجة تامة في مسألة التوحيد، فنقول القول بوجود الإلهين يفضي إلى امتناع وقوع المقدور لواحد منهما وإذا كان كذلك وجب أن لا يقع ألبتة وحينئذ يلزم وقوع الفساد قطعاً، أو نقول لو قدرنا إلهين، فإما أن يتفقا أو يختلفا فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه بهما وهو محال وإن اختلفا، فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما أو يقع أحدهما دون الآخر والكل محال فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات، فإن قلت: لم لا يجوز أن يتفقا على الشيء الواحد ولا يلزم الفساد لأن الفساد إنما يلزم لو أراد كل واحد منهما أن يوجده هو وهذا اختلاف، أما إذا أراد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما بعينه فهناك لا يلزم وقوع مخلوق بين خالقين، قلت: كونه موجداً له، إما أن يكون نفس القدرة والإرادة أو نفس ذلك الأثر أو أمراً ثالثاً، فإن كان الأول لزم الإشتراك في القدرة والإرادة والاشتراك في الموجد، وإن كان الثاني فليس وقوع ذلك الأثر بقدرة أحدهما وإرادته أولى من وقوعه بقدرة الثاني، لأن لكل واحد منهما إرادة مستقلة بالتأثير، وإن كان الثالث وهو أن يكون الموجد له أمراً ثالثاً فذلك الثالث إن كان قديماً استحال كونه متعلق الإرادة.
وإن كان حادثاً فهو نفس الأثر، ويصير هذا القسم هو القسم الثاني الذي ذكرناه.
واعلم أنك لما وقفت على حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في هذا العالم العلوي والسفلي من المحدثات والمخلوقات فهو دليل وحدانية الله تعالى بل وجود كل واحد من الجواهر والأعراض دليل تام على التوحيد من الوجه الذي بيناه.
وهذه الدلالة قد ذكرها الله تعالى في مواضع من كتابه، واعلم أن هاهنا أدلة أخرى على وحدانية الله تعالى.
أحدها: وهو الأقوى أن يقال: لو فرضنا موجودين واجبي الوجود لذاتيهما فلابد وأن يشتركا في الوجود ولا بد وأن يمتاز كل واحد منهما عن الآخر بنفسه وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد منهما مركباً مما به يشارك الآخر ومما به امتاز عنه، وكل مركب فهو مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته.
هذا خلف، فإذن واجب الوجود ليس إلا الواحد وكل ما عداه فهو ممكن مفتقر إليه وكل مفتقر في وجوده إلى الغير فهو محدث فكل ما سوى الله تعالى محدث، ويمكن جعل هذه الدلالة تفسيراً لهذه الآية.
لأنا إنما دللنا على أنه يلزم من فرض موجودين واجبين أن لا يكون شيء منهما واجباً وإذا لم يوجد الواجب لم يوجد شيء من هذه الممكنات، وحينئذ يلزم الفساد فثبت أنه يلزم من وجود إلهين وقوع الفساد في كل العالم.
وثانيها: أنا لو قدرنا إلهين لوجب أن يكون كل واحد منهما مشاركاً للآخر في الإلهية، ولا بد وأن يتميز كل واحد منهما عن الآخر بأمر ما وإلا لما حصل التعدد، فما به الممايزة إما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال فالخالي عنه يكون خالياً عن الكمال فيكون ناقصاً والناقص لا يكون إلهاً، وإن لم يكن صفة كمال فالموصوف به يكون موصوفاً بما لايكون صفة كمال فيكون ناقصاً، ويمكن أن يقال: ما به الممايزة إن كان معتبراً في تحقق الإلهية فالخالي عنه لا يكون إلهاً وإن لم يكن معتبراً في الإلهية لم يكن الاتصاف به واجباً، فيفتقر إلى المخصص فالموصوف به مفتقر ومحتاج.
وثالثها: أن يقال: لو فرضنا إلهين لكان لابد وأن يكونا بحيث يتمكن الغير من التمييز بينهما، لكن الامتياز في عقولنا لا يحصل إلا بالتباين في المكان أو في الزمان أو في الوجوب والإمكان وكل ذلك على الإله محال فيمتنع حصول الإمتياز.
ورابعها: أن أحد الإلهين إما أن يكون كافياً في تدبير العالم أو لا يكون فإن كان كافياً كان الثاني ضائعاً غير محتاج إليه، وذلك نقص والناقص لا يكون إلهاً.
وخامسها: أن العقل يقتضي احتياج المحدث إلى الفاعل ولا امتناع في كون الفاعل الواحد مدبراً لكل العالم.
فأما ما وراء ذلك فليس عدد أولى من عدد فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها وذلك محال فالقول بوجود الآلهة محال.
وسادسها: أن أحد الإلهين إما أن يقدر على أن يخص نفسه بدليل يدل عليه ولا يدل على غيره أو لا يقدر عليه.
والأول محال لأن دليل الصانع ليس إلا بالمحدثات وليس في حدوث المحدثات ما يدل على تعيين أحدهما دون الثاني والتالي محال لأنه يفضي إلى كونه عاجزاً عن تعريف نفسه على التعيين والعاجز لا يكون إلهاً.
وسابعها: أن أحد الإلهين إما أن يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر لزم أن يكون المستور عنه جاهلاً، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزاً.
وثامنها: لو قدرنا إلهين لكان مجموع قدرتيهما بينهما أقوى من قدرة كل واحد منهما وحده، فيكون كل واحد من القدرتين متناهياً والمجموع ضعف المتناهي فيكون الكل متناهياً.
وتاسعاً: العدد ناقص لاحتياجه إلى الواحد، والواحد الذي يوجد من جنسه عدد ناقص ناقص، لأن العدد أزيد منه، والناقص لا يكون إلهاً فالإله واحد لا محالة.
وعاشرها: أنا لو فرضنا معدوماً ممكن الوجود ثم قدرنا إلهين فإن لم يقدر واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزاً والعاجز لا يكون إلهاً، وإن قدر أحدهما دون الآخر فهذا الآخر يكون إلهاً، وإن قدرا جميعاً فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجاً إلى إعانة الآخر، وإن قدر كل واحد على إيجاده بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادراً عليه وهو محال لأن إيجاد الموجود محال، وإن لم يبق فحينئذ يكون الأول قد أزال قدرة الثاني وعجزه فيكون مقهوراً تحت تصرفه فلا يكون إلهاً.
فإن قيل الواجد إذا أوجد مقدوره فقد زالت قدرته عنه فيلزمكم العجز، قلنا: الواحد إذا أوجده فقد نفذت قدرته فنفاذ القدرة لا يكون عجزاً، أما الشريك فإنه لما نفذت قدرته لم يبق لشريكه قدرة ألبتة بل زالت قدرته بسبب قدرة الأول فيكون تعجيزاً.
الحادي عشر: أن نقرر هذه الدلالة على وجه آخر وهو أن نعين جسماً وتقول هل يقدر كل واحد منهما على خلق الحركة فيه بدلاً عن السكون وبالعكس، فإن لم يقدر كان عاجزاً وإن قدر فنسوق الدلالة إلى أن نقول إذا خلق أحدهما فيه حركة امتنع على الثاني خلق السكون، فالأول أزال قدرة الثاني وعجزه فلا يكون إلهاً، وهذان الوجهان يفيدان العجز نظراً إلى قدرتيهما والدلالة الأولى إنما تفيد العجز بالنظر إلى أرادتيهما.
وثاني عشرها: أنهما لما كانا عالمين بجميع المعلومات كان علم كل واحد منهما متعلقاً بعين معلوم الآخر فوجب تماثل علميهما والذات القابلة لأحد المثلين قابلة للمثل الآخر، فاختصاص كل واحد منهما بتلك الصفة مع جواز اتصافه بصفة الآخر على البدل يستدعي مخصصاً يخصص كل واحد منهما بعلمه وقدرته فيكون كل واحد منهما عبداً فقيراً ناقصاً.
وثالث عشرها: أن الشركة عيب ونقص في الشاهد، والفردانية والتوحد صفة كمال، ونرى الملوك يكرهون الشركة في الملك الحقير المختصر أشد الكراهية.
ونرى أنه كلما كان الملك أعظم كانت النفرة عن الشركة أشد، فما ظنك بملك الله عز وجل وملكوته فلو أراد أحدهما استخلاص الملك لنفسه، فإن قدر عليه كان المغلوب فقيراً عاجزاً فلا يكون إلهاً، وإن لم يقدر عليه كان في أشد الغم والكراهية فلا يكون إلهاً.
ورابع عشرها: أنا لو قدرنا إلهين لكان إما أن يحتاج كل واحد منهما إلى الآخر أو يستغني كل واحد منهما عن الآخر أو يحتاج أحدهما إلى الآخر والآخر يستغني عنه، فإن كان الأول كان كل واحد منهما ناقصاً لأن المحتاج ناقص وإن كان الثاني كان كل واحد منهما مستغنياً عنه، والمستغني عنه ناقص، ألا ترى أن البلد إذا كان له رئيس والناس يحصلون مصالح البلد من غير رجوع منهم إليه ومن غير التفات منهم إليه عد ذلك الرئيس ناقصاً، فالإله هو الذي يستغني به ولا يستغنى عنه، وإن احتاج أحدهما إلى الآخر من غير عكس كان المحتاج ناقصاً والمحتاج إليه هو الإله.
واعلم أن هذه الوجوه ظنية إقناعية والاعتماد على الوجوه المتقدمة، أما الدلائل السمعية فمن وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ هُوَ الأول والآخر والظاهر والباطن ﴾ فالأول هو الفرد السابق، ولذلك لو قال أول عبد اشتريته فهو حر فلو اشترى أولا عبدين لم يحنث لأن شرط الأول أن يكون فرداً.
وهذا ليس بفرد فلو اشترى بعد ذلك واحداً لم يحنث أيضاً لأن شرط الفرد أن يكون سابقاً وهذا ليس بسابق.
فلما وصف الله تعالى نفسه بكونه أولاً وجب أن يكون فرداً سابقاً فوجب أن لا يكون له شريك.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ فالنص يقتضي أن لا يكون أحد سواه عالماً بالغيب ولو كان له شريك لكان عالماً بالغيب وهو خلاف النص.
وثالثها: أن الله تعالى صرح بكلمة ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ في سبعة وثلاثين موضعاً من كتابه وصرح بالوحدانية في مواضع نحو قوله: ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ وكل ذلك صريح في الباب.
ورابعها: قوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ حكم بهلاك كل ما سواه، ومن عدم بعد وجوده لا يكون قديماً، ومن لا يكون قديماً لا يكون إلهاً.
وخامسها: قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ وهو كقوله: ﴿ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ وقوله: ﴿ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِى العرش سَبِيلاً ﴾ .
وسادسها: قوله: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلاَ كاشف لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾ ﴿ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ قُلْ أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرّ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هن ممسكات رحمته ﴾ .
وسابعها: قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وأبصاركم وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ مَّنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ ﴾ وهذا الحصر يدل على نفي الشريك.
وثامنها: قوله تعالى: ﴿ الله خالق كُلّ شَيْء ﴾ فلو وجد الشريك لم يكن خالقاً فلم يكن فيه فائدة، واعلم أن كل مسألة لا تتوقف معرفة صدق الرسل عليها فإنه يمكن إثباتها بالسمع والوحدانية لا تتوقف معرفة صدق الرسل عليها، فلا جرم يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، واعلم أن من طعن في دلالة التمانع فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة تقول بإلهيتها عبدة الأوثان لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فيلزم فساد العالم قالوا وهذا أولى لأنه تعالى حكى عنهم قوله: ﴿ أَمِ اتخذوا آلِهَةً مّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ ثم ذكر الدلالة على فساد هذا فوجب أن يختص الدليل به وبالله التوفيق.
أما قوله تعالى: ﴿ فسبحان الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه سبحانه لما أقام الدلالة القاطعة على التوحيد قال بعده: ﴿ فسبحان الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أي هو منزه لأجل هذه الأدلة عن وصفهم بأن معه إلهاً، وهذا تنبيه على أن الإشتغال بالتسبيح إنما ينفع بعد إقامة الدلالة على كونه تعالى منزهاً وعلى أن طريقة التقليد طريقة مهجورة.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول أي فائدة لقوله: ﴿ فسبحان الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ ولمَ لم يكتف بقوله: ﴿ فَسُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ ؟
وجوابه أن هذه المناظرة إنما وقعت مع عبدة الأصنام، إلا أن الدليل الذي ذكره الله تعالى يعم جميع المخالفين، ثم إنه تعالى بعد ذكر الدليل العام نبه على نكتة خاصة بعبدة الأصنام، وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكاً في الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السموات والأرضين ومدبر الخلائق من النور والظلمة واللوح والقلم والذات والصفات والجماد والنبات وأنواع الحيوانات أجمعين.
أما قوله تعالى: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ فاعلم أنه مشتمل على بحثين: أحدهما: أن الله تعالى لا يسأل عن شيء من أفعاله ولا يقال له لم فعلت.
والثاني: أن الخلائق مسؤولون عن أفعالهم، أما البحث الأول ففيه مسألتان: المسألة الأولى: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن عمدة من أثبت لله شريكاً ليست إلا طلب اللمية في أفعال الله تعالى، وذلك لأن الثنوية والمجوس وهم الذين أثبتوا الشريك لله تعالى قالوا: رأينا في العالم خيراً وشراً ولذة وألماً وحياة وموتاً وصحة وسقماً وغنى وفقراً، وفاعل الخير خير وفاعل الشر شرير، ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيراً وشريراً معاً، فلابد من فاعلين ليكون أحدهما فاعلاً للخير والآخر فاعلاً للشر.
ويرجع حاصل هذه الشبهة إلى أن مدبر العالم لو كان واحداً لما خص هذا بالحياة والصحة والغنى، وخص ذلك بالموت والألم والفقر.
فيرجع حاصله إلى طلب اللمية في أفعال الله تعالى.
فلما كان مدار أمر القائلين بالشريك على طلب اللمية لا جرم أنه سبحانه وتعالى بعد أن ذكر الدليل على التوحيد ذكر ما هو النكتة الأصلية في الجواب عن شبهة القائلين بالشريك، لأن الترتيب الجيد في المناظرة أن يقع الإبتداء بذكر الدليل المثبت للمطلوب.
ثم يذكر بعده ما هو الجواب عن شبهة الخصم.
المسألة الثانية: في الدلالة على أنه سبحانه: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ أما أهل السنة فإنهم استدلوا عليه بوجوه: أحدها: أنه لو كان كل شيء معللاً بعلة لكانت علية تلك العلة معللة بعلة أخرى ويلزم التسلسل فلابد في قطع التسلسل من الإنتهاء إلى ما يكون غنياً عن العلة وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى وصفاته، وكما أن ذاته منزهة عن الإفتقار إلى المؤثر والعلة، وصفاته مبرأة عن الافتقار إلى المبدع والمخصص فكذا فاعليته يجب أن تكون مقدسة عن الإستناد إلى الموجب والمؤثر.
وثانيها: أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة، إما أن تكون واجبة أو ممكنة فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونه فاعلاً، وحينئذ يكون موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار، وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلاً لله تعالى أيضاً فتفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال.
وثالثها: أن علة فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم قديمة فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقر إلى علة أخرى ولزم التسلسل.
ورابعها: أن من فعل فعلاً لغرض، فإما أن يكون متمكناً من تحصل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة أو لا يكون متمكناً منه.
فإن كان متمكناً منه كان توسط تلك الواسطة عبثاً وإن لم يكن متمكناً منه كان عاجزاً والعجز على الله تعالى محال، أما العجز علينا فغير ممتنع فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض، وكل ذلك في حق الله تعالى محال.
وخامسها: أنه لو كان فعله معللاً بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائداً إلى الله تعالى أو إلى العباد والأول محال لأنه منزه عن النفع والضر، وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لابد وأن يكون عائداً إلى العباد، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذات وعدم حصول الآلام، والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء من غير شيء من الوسائط.
وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئاً لأجل شيء.
وسادسها: هو أنه لو فعل فعلاً لغرض لكان وجود ذلك الغرض وعدمه بالنسبة إليه إما أن يكون على السواء أو لا يكون، فإن كان على السواء استحال أن يكون غرضاً، وإن لم يكن على السواء لزم كونه تعالى ناقصاً بذاته كاملاً بغيره وذلك محال، فإن قلت وجود ذلك الغرض وعدمه وإن كان بالنسبة إليه على السواء.
أما بالنسبة إلى العباد فالوجود أولى من العدم، قلنا: تحصيل تلك الأولوية للعبد وعدم تحصيلها له إما أن يكون بالنسبة إليه على السوية أو لا على السوية، ويعود التقسيم الأول.
وسابعها: وهو أن الموجود إما هو سبحانه أو ملكه وملكه ومن تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت ذلك.
وثامنها: وهو أن من قال لغيره لم فعلت ذلك؟
فهذا السؤال إنما يحسن حيث يحتمل أن يقدر السائل على منع المسؤول منه عن فعله وذلك من العبد في حق الله تعالى محال، فإنه لو فعل أي فعل شاء فالعبد كيف يمنعه عن ذلك؟
إما بأن يهدده بالعقاب والإيلام وذلك على الله تعالى محال، أو بأن يهدده باستحقاق الذم والخروج عن الحكمة والإنصاف بالسفاهة على ما يقوله المعتزلة وذلك أيضاً محال، لأن استحقاقه للمدح واتصافه بصفات الحكمة والجلال أمور ذاتية له، وما ثبت للشيء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات العرضية الخارجية، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز أن يقال لله في أفعاله لم فعلت هذا الفعل؟
فإن كل شيء صنعه ولا علة لصنعه، وأما المعتزلة فإنهم سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت هذا الفعل ولكنهم بنوا ذلك على أصل آخر، وهو أنه تعالى عالم بقبح القبائح، وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح، وإذا عرفنا ذلك عرفنا إجمالاً أن كل ما يفعله الله تعالى فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك لم يجز للعبد أن يقول لله لم فعلت هذا.
أما البحث الثاني: وهو قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ فهذا يدل على كون المكلفين مسؤولين عن أفعالهم وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الكلام في هذا السؤال إما في الإمكان العقلي أو في الوقوع السمعي، أما الإمكان العقلي فالخلاف فيه مع منكري التكاليف، واحتجوا على قولهم بوجوه: أحدها: قالوا: التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحدهما على الآخر.
والأول محال لأن حال الاستواء يمتنع الترجيح وحال امتناع الترجيح يكون التكليف بالترجيح تكليفاً بالمحال، والثاني محال لأن حال الرجحان يكون الراجح واجب الوقوع والمرجوع ممتنع الوقوع.
والتكليف بإيقاع ما يكون واجب الوقوع عبث، وبإيقاع ما هو ممتنع الوقوع تكليف بما لا يطاق.
وثانيها: قالوا كل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع فيكون التكليف به عبثاً، وكل ما علم الله تعالى عدمه كان ممتنع الوقوع، فيكون التكليف به تكليفاً بما لا يطاق.
وثالثها: قالوا: سؤال العبد ما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة فإن كان لفائدة فتلك الفائدة إن عادت إلى الله تعالى كان محتاجاً وهو محال، وإن عادت إلى العبد فهو محال، لأن سؤاله لما كان سبباً لتوجيه العقاب عليه، لم يكن هذا نفعاً عائداً إلى العبد بل ضرراً عائداً إليه، وإن لم يكن في السؤال فائدة كان عبثاً وهو غير جائز على الحكيم، بل كان إضراراً وهو غير جائز على الرحيم.
والجواب عنها من وجهين: الأول: أن غرضكم من إيراد هذه الشبهة النافية للتكليف أن تلزمونا نفي التكليف فكأنكم تكلفونا بنفي التكليف وهو متناقض.
والثاني: وهو أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد وهو أن التكاليف كلها تكاليف بما لا يطاق فلا يجوز من الحكيم أن يوجبها على العباد فيرجع حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال له تعالى: لم كلفت عبادك، إلا أن قد بينا أنه سبحانه: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ فظهر بهذا أن قوله: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ كالأصل والقاعدة لقوله: ﴿ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ فتأمل في هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن، وأما الوقوع السمعي فلقائل أن يقول إن قوله: ﴿ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ وإن كان متأكداً بقوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وبقوله: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولونَ ﴾ إلا أنه يناقضه قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ ﴾ والجواب: أن يوم القيامة يوم طويل وفيه مقامات فيصرف كل واحد من السلب والإيجاب إلى مقام آخر دفعاً للتناقض.
المسألة الثانية: قالت المعتزلة فيه وجوه: أحدها: أنه تعالى لو كان هو الخالق للحسن والقبيح لوجب أن يسأل عما يفعل، بل كان يذم بما حقه الذم، كما يحمد بما حقه المدح.
وثانيها: أنه كان يجب أن لا يسأل عن الأمور إذا كان لا فاعل سواه.
وثالثها: أنه كان لا يجوز أن يسألوا عن عملهم إذ لا عمل لهم.
ورابعها: أن أعمالهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنها من حيث خلقها وأوجدها فيهم.
وخامسها: أنه تعالى صرح في كثير من المواضع بأنه يقبل حجة العباد عليه كقوله: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ وهذا يقتضي أن لهم عليه الحجة قبل بعثة الرسل، وقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى ﴾ ونظائر هذه الآيات كثيرة وكلها تدل على أن حجة العبد متوجهة على الله تعالى.
وسادسها: قال ثمامة إذا وقف العبد يوم القيامة فيقول الله تعالى: ما حملك على معصيتي؟
فيقول على مذهب الجبر: يا رب إنك خلقتني كافراً وأمرتني بما لا أقدر عليه وحلت بيني وبينه، ولا شك أنه على مذهب الجبر يكون صادقاً، وقال الله تعالى: ﴿ هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ ﴾ فوجب أن ينفعه هذا الكلام فقيل له، ومن يدعه يقول: هذا الكلام أو يحتج؟
فقال ثمامة: أليس إذا منعه الله الكلام والحجة فقد علم أنه منعه مما لو لم يمنعه منه لانقطع في يده، وهذا نهاية الانقطاع.
والجواب عن هذه الوجوه: أنها معارضة بمسألة الداعي ومسألة العلم ثم بالوجوه الثمانية التي بينا فيها أنه يستحيل طلب لمية أفعال الله تعالى وأحكامه.
وأما قوله تعالى: ﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً قُلْ هَاتُواْ برهانكم ﴾ فاعلم أنه سبحانه كرر قوله: ﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً ﴾ استعظاماً لكفرهم أي وصفتم الله بأن له شريكاً فهاتوا برهانكم على ذلك.
أما من جهة العقل، أو من جهة النقل فإنه سبحانه لما ذكر دليل التوحيد أولاً وقرر الأصل الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالتثنية ثانياً، أخذ يطالبهم بذكر شبهتهم ثالثاً.
أما قوله تعالى: ﴿ هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسيره وفيه أقوال: أحدها: ﴿ هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ ﴾ أي هذا هو الكتاب المنزل على من معي: ﴿ وهذا ذِكْرٌ مِّن قَبْلِي ﴾ أي الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وهو التوراة والإنجيل والزبور والصحف، وليس في شيء منها أني أذنت بأن تتخذوا إلهاً من دوني بل ليس فيها إلا: ﴿ إِنّى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ ﴾ كما قال بعد هذا: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون ﴾ وهذا قول ابن عباس واختيار القفال والزجاج.
والثاني: وهو قول سعيد ابن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله: ﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ صفة للقرآن فإنه كما يشتمل على أحوال هذه الأمة فكذا يشتمل على أحوال الأمم الماضية.
الثالث: ما ذكره القفال وهو أن المعنى قل لهم هذا الكتاب الذي جئتكم به قد اشتمل على بيان أحوال من معي من المخالفين والموافقين وعلى بيان أحوال من قبلي من المخالفين والموافقين فاختاروا لأنفسكم، كأن الغرض منه التهديد.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرئ: ﴿ هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ بالتنوين ومن مفعول منصوب بالذكر كقوله: ﴿ أَوْ إِطْعَٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾ وهو الأصل والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله: ﴿ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ وقرئ: من معي ومن قبلي، بكسر ميم من على ترك الإضافة في هذه القراءة وإدخال الجار على مع غريب والعذر فيه أنه اسم هو ظرف نحو قبل وبعد فدخل من عليه كما يدخل على إخواته وقرئ: ذكر معي وذكر قبلي.
وأما قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق فَهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه سبحانه لما ذكر دليل التوحيد وطالبهم بالدلالة على ما ادعوه وبين أنه لا دليل لهم ألبتة عليه لا من جهة العقل ولا من جهة السمع، ذكر بعده أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه، بل ذلك لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد كله وهو عدم العلم، ثم ترتب على عدم العلم الإعراض عن استماع الحق وطلبه.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قرئ: ﴿ الحق ﴾ بالرفع على توسط التوكيد بين السبب والمسبب، والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون ﴾ فاعلم أن يوحى ونوحى قراءتان مشهورتان، وهذه الآية مقررة لما سبقها من آيات التوحيد.
<div class="verse-tafsir"
كرّر ﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً ﴾ استفظاعاً لشأنهم واستعظاماً لكفرهم، أي: وصفتم الله تعالى بأنّ له شريكاً، فهاتوا برهانكم على ذلك: إمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الوحي، فإنكم لا تجدون كتاباً من كتب الأوّلين إلا وتوحيد الله وتنزيهه عن الأنداد مدعوّ إليه، والإشراك به منهي عنه متوعد عليه.
أي ﴿ هذا ﴾ الوحي الوارد في معنى توحيد الله ونفي الشركاء عنه، كما ورد عليّ فقد ورد على جميع الأنبياء، فهو ذكر: أي عظة للذين معي: يعني أمّته، وذكر للذين من قبلي: يريد أمم الأنبياء عليهم السلام.
وقرئ: ﴿ ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى ﴾ بالتنوين ومن مفعول منصوب بالذكر كقوله: ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ﴾ [البلد: 14 15] وهو الأصل والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله: ﴿ غُلِبَتِ الروم فِي أَدْنَى الأرض وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ [الروم: 3] وقرئ: ﴿ من معي ﴾ و ﴿ من قبلي ﴾ على من الإضافية في هذه القراءة.
وإدخال الجار على (مع) غريب، والعذر فيه أنه اسم هو ظرف، نحو: قبل، وبعد، وعند، ولدن، وما أشبه ذلك، فدخل عليه (من) كما يدخل على أخواته.
وقرئ ﴿ ذكر معي وذكر قبلي ﴾ كأنه قيل: بل عندهم ما هو أصل الشرّ والفساد كله وهو الجهل وفقد العلم، وعدم التمييز بين الحق والباطل، فمن ثم جاء هذا الإعراض، ومن هناك ورد هذا الإنكار.
وقرئ: ﴿ الحق ﴾ بالرفع على توسيط التوكيد بين السبب والمسبب.
والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل.
ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على هذا المعنى، كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ كَرَّرَهُ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ واسْتِفْظاعًا لِأمْرِهِمْ وتَبْكِيتًا وإظْهارًا لِجَهْلِهِمْ، أوْ ضَمًّا لِإنْكارِ ما يَكُونُ لَهم سَنَدًا مِنَ النَّقْلِ إلى إنْكارِ ما يَكُونُ لَهم دَلِيلًا مِنَ العَقْلِ عَلى مَعْنى أوْجَدُوا آلِهَةً يَنْشُرُونَ المَوْتى فاتَّخَذُوهم آلِهَةً، لِما وجَدُوا فِيهِمْ مِن خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ، أوْ وجَدُوا في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ الأمْرَ بِإشْراكِهِمْ فاتَّخَذُوهم مُتابَعَةً لِلْأمْرِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ رَتَّبَ عَلى الأوَّلِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ عَقْلًا وعَلى الثّانِي ما يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ نَقْلًا.
﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى ذَلِكَ إمّا مِنَ العَقْلِ أوْ مِنَ النَّقْلِ، فَإنَّهُ لا يَصِحُّ القَوْلُ بِما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَيْفَ وقَدْ تَطابَقَتِ الحُجَجُ عَلى بُطْلانِهِ عَقْلًا ونَقْلًا.
﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ فانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيها إلّا الأمْرَ بِالتَّوْحِيدِ والنَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ، والتَّوْحِيدُ لَمّا لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى صِحَّتِهِ بِعْثَةُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ صَحَّ الِاسْتِدْلالُ فِيهِ بِالنَّقْلِ و ﴿ مَن مَعِيَ ﴾ أُمَّتُهُ و ﴿ مَن قَبْلِي ﴾ الأُمَمُ المُتَقَدِّمَةُ وإضافَةُ الـ ( ذِكْرُ ) إلَيْهِمْ لِأنَّهُ عِظَتُهم، وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإعْمالِ وبِهِ وبِـ ( مِن ) الجارَّةِ عَلى أنَّ مَعَ اسْمِ هو ظَرْفٌ كَقَبْلُ وبَعْدُ وشِبْهُهُما وبِعَدَمِها.
﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ ﴾ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ، وقُرِئَ «الحَقُّ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ وسَطٌ لِلتَّأْكِيدِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ.
﴿ فَهم مُعْرِضُونَ ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ واتِّباعِ الرَّسُولِ مِن أجْلِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{أم اتخذوا من دونه آلهة} الإعادة لزيادة الإفادة فالأول للإنكار من حيث العقل والاثني من حيث النقل أي وصفتم الله تعالى بأن يكون له شريك فقيل لمحمد {قُلْ هَاتُواْ برهانكم} حجتكم على ذلك وذا عقلي وهو يأباه كما مر أو نقلي وهو الوحي وهو أيضاً يأباه فإنكم لا تجدون كتاباً من الكتب السماوية إلا وفيه توحيده وتنزيهه عن الانذار {هذا} أي القرآن {ذِكْرُ مَن مَّعِىَ} يعني أمته {وَذِكْرُ مَن قَبْلِى} يعني أمم الأنبياء من قبلي وهو وراد في توحيد الله ونفي الشركاء عنه معي حفص فلمالم يمتنعوا عن كفرهم أضرب عنهم فقال {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق} أي القرآن وهو نصب بيعلمون وقرئ الحق أي هو الحق {فهم} أجل ذلك {مُّعْرِضُونَ} عن النظر فيما يجب عليهم
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن إظْهارِ بُطْلانِ كَوْنِ ما اتَّخَذُوهُ آلِهَةً حَقِيقِيَّةً بِإظْهارِ خُلُوِّها عَنْ خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشارُ وإقامَةُ البُرْهانِ القَطْعِيِّ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الإلَهِ مُطْلَقًا وتَفَرُّدُهُ سُبْحانَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى بُطْلانِ اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةَ مَعَ عَرائِها عَنْ تِلْكَ الخَصائِصِ بِالمَرَّةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وتَبْكِيتُهم بِإلْجائِهِمْ إقامَةَ البُرْهانِ عَلى دَعْواهُمُ الباطِلَةِ وتَحْقِيقُ أنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ناطِقَةٌ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الإشْراكِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا انْتِقالًا لِإظْهارِ بُطْلانِ الآلِهَةِ مُطْلَقًا بَعْدَ إظْهارِ بُطْلانِ الآلِهَةِ الأرْضِيَّةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ واسْتِقْباحِهِ واسْتِعْظامِهِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِاتَّخَذُوا، والمَعْنى بَلِ اتَّخَذُوا مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ تَعالى مَعَ ظُهُورِ شُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ آلِهَةً مَعَ ظُهُورِ أنَّها عارِيَةٌ عَنْ خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿ قُلْ ﴾ لَهم بِطَرِيقِ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ ﴿ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى ما تَدَّعُونَهُ مِن جِهَةِ العَقْلِ الصَّرِيحِ أوِ النَّقْلِ الصَّحِيحِ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ القَوْلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وما في إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ لَهم بُرْهانًا ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ إنارَةٌ لِبُرْهانِهِ وإشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ قاطِبَةً وزِيادَةُ تَهْيِيجٍ لَهم عَلى إقامَةِ البُرْهانِ لِإظْهارِ كَمالِ عَجْزِهِمْ أيْ هَذا الوَحْيُ الوارِدُ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ المُتَضَمِّنُ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ ذِكْرُ أُمَّتِي وعِظَتُهم وذِكْرُ الأُمَمِ السّالِفَةَ قَدْ أقَمْتُهُ فَأقِيمُوا أنْتُمْ أيْضًا بُرْهانَكم، وأُعِيدَ لَفْظُ ( ذِكْرُ ) ولَمْ يُكْتَفَ بِعَطْفِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُولِ المُسْتَدْعِي لِلِانْسِحابِ لِأنَّ كَوْنَ المُشَخَّصِ ذِكْرَ مَن مَعَهُ وكَوْنَهُ ذِكْرَ مَن قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ اتِّحادِهِ بِالحَقِيقَةِ مَعَ الوَحْيِ المُتَضَمِّنِ ذَلِكَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الكِتابُ أيْ هَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَّتِي وهَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ والصُّحُفِ فَراجِعُوها وانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها غَيْرُ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ والنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ فَفِيهِ تَبْكِيتٌ لَهم مُتَضَمِّنٌ لِنَقِيضِ مُدَّعاهم وقُرِئَ بِتَنْوِينِ ذِكْرٍ الأوَّلِ والثّانِي وجُعِلَ ما بَعْدَهُ مَنصُوبَ المَحَلِّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لَهُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ وإعْمالُهُ هو الأصْلُ نَحْوُ ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا ﴾ .
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وطَلْحَةُ بِالتَّنْوِينِ وكَسْرِ مِيمِ (مِن ) فَهي عَلى هَذا حَرْفُ جَرٍّ ومَعَ مَجْرُورَةٌ بِها وهي اسْمٌ يَدُلُّ عَلى الصُّحْبَةِ والِاجْتِماعِ جُعِلَتْ هُنا ظَرْفًا كَقَبْلُ وبَعْدُ فَجازَ إدْخالُ مِن عَلَيْها كَما جازَ إدْخالُها عَلَيْهِما لَكِنَّ دُخُولَها عَلَيْها نادِرٌ، ونَصَّ أبُو حَيّانَ أنَّها حِينَئِذٍ بِمَعْنى عِنْدَ.
وقِيلَ: مِن داخِلَةٌ عَلى مَوْصُوفِها أيْ عِظَةٌ مِن كِتابٍ مَعِيَ وعِظَةٌ مِن كِتابٍ مِن قَبْلِي، وأبُو حاتِمٍ ضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ لِما فِيها مِن دُخُولِ مَن عَلى مَعَ ولَمْ يَرَ لَهُ وجْهًا وعَنْ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ (هَذا ذِكْرٌ مَعِيَ وذِكْرٌ قَبْلِي ) بِتَنْوِينِ (ذِكْرٍ ) وإسْقاطِ (مَن ) وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (هَذا ذِكْرُ مَن ) بِالإضافَةِ (وذِكْرٌ مِن قَبْلِي ) بِالتَّنْوِينِ وكَسْرِ المِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ ﴾ إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ وانْتِقالٌ مِنَ الأمْرِ بِتَبْكِيتِهِمْ بِمُطالَعَةِ البُرْهانِ إلى بَيانِ أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ لا يَنْفَعُ لِفَقْدِهِمُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿ فَهُمْ ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّوْحِيدِ واتِّباعِ الرَّسُولِ لا يَرْعَوُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ وإنْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّناتُ والحُجَجِ أوْ فَهم مُعْرِضُونَ عَمّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَراهِينِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وحَمِيدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ تَأْكِيدًا لِلرَّبْطِ بَيْنَهُما، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ المَنصُوبُ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُونِ والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً الميم صلة، يعني: أعبدوا من دونه آلهة؟
قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ، يعني: حجتكم وكتابكم الذي فيه عذركم.
هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ هذا القرآن خبر مَن مَّعِىَ إلى يوم القيامة وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي يعني: خبر من قبلي، فلا أجد فيه أن الشرك كان مباحاً في وقت من الأوقات ويقال: هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي، يعني: القرآن وكتب الأولين.
ثم قال: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ يعني لا يصدقون بالقرآن، ويقال بالتوحيد.
فَهُمْ مُعْرِضُونَ، يعني: مكذّبين بالقرآن والتوحيد.
ثم بين ما أمر في جميع الكتب للرسل، فقال عز وجل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ، كما يوحى إليك أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ، يعني: فوحّدوني.
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً وذلك حين قال مشركو قريش في الملائكة عليهم السلام ما قالوا، فقال الله تعالى سُبْحانَهُ نزه نفسه عن الولد.
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، يعني: بل عبيد أكرمهم الله عز وجل بعبادته.
لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، أي: لا يقولون ولا يعملون شيئاً ما لم يأمرهم.
وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يعني: يعملون ما يأمرهم به يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الآخرة.
وَما خَلْفَهُمْ من أمر الدنيا، وَلا يَشْفَعُونَ يعني: الملائكة عليهم السلام.
إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى أي: لمن رضي عنه بشهادة أن لا إله إلا الله.
وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ، يعني: من هيبته خائفون، لأنهم عاينوا أمر الآخرة فيخافون عاقبة الأمر.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، أي: يُحْيُونَ غَيْرَهُمُ، ثم بيَّنَ تعالى أَمْرَ التمانُعِ بقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا وقد تَقَدَّمَ إيضاحُ ذلك عند قوله تعالى: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: ٤٢] .
١٧ أ/ وقوله: هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي يُحْتَمَلُ أَنْ يريدَ بالإشارة بقوله:
هذا إلى جميعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَدِيمِهَا وَحَدِيثهَا- أَنَّهَا تُبَيِّنُ أَنَّ اللَّه الخالِقَ وَاحِدٌ لا شريكَ له، ويحتمل أَنْ يريدَ بقوله: هذا القرآنَ والمعنى: فيه نَبأ الأَوَّلِينَ والآخرينَ فَنَصَّ أخبارَ الأَولين، وذَكَرَ الغُيُوبَ في أُمُورِهِمْ، حسبما هي في الكتب المُتَقَدِّمَةِ، وَذكَرَ الآخرين بالدعوة، وبيانِ الشرع لهم، ثم حَكَمَ عليهم سبحانه بأَنَّ أَكْثرهم لا يعلمون الحقَّ، لإعراضهم عنه، وليس المعنى: فهم معرضون لأنَّهُم لا يعلمون بلِ المعنى: فهم معرضون، ولذلك لا يعلمون الحَقَّ، وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم بَيَّنَ سبحانه نوعاً آخرَ من كُفْرِهِم بقوله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً الآية كقول بعضهم: اتَّخَذَ المَلاَئِكَةَ بناتاً، وكما قالتِ النَّصَارَى في عيسى ابن مريم، واليهود في عزيز.
وقوله سبحانه: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ عبارةٌ تَشْمَلُ الملائِكَةَ وعيسى وعزير.
وقال ص: بل إِضْرَابٌ عن نسبة الولد إليه تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
وعِبادٌ خبرُ مبتدإِ محذوف، أي: هم عباد.
قاله أبو البقاء انتهى.
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)
وقوله سبحانه: لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ عبارةٌ عن حُسْن طاعتهم ومراعاتهم لامتثال
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمْ نَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا، إنَّما خَلَقْناهُما دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا ووَحْدانِيَّتِنا، لِيَعْتَبِرَ النّاسُ بِخَلْقِهِ، فَيَعْلَمُوا أنَّ العِبادَةَ لا تَصْلُحُ إلّا لِخالِقِهِ، لِنُجازِيَ أوْلِياءَنا ونُعَذِّبَ أعْداءَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والآلِهَةُ بَناتُهُ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا: إنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي المُرادِ بِاللَّهْوِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الوَلَدُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ ولَدًا ذا لَهْوٍ نُلْهى بِهِ.
والثّانِي: المَرْأةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: اللَّعِبُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لاتَّخَذْنا نِساءً، أوْ ولَدًا مِن أهْلِ السَّماءِ، لا مِن أهْلِ الأرْضِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصِلُ اللَّهْوِ: الجِماعُ، فَكُنِّيَ عَنْهُ بِاللَّهْوِ كَما كُنِّيَ عَنْهُ بِالسِّرِّ، والمَعْنى: لَوْ فَعَلْنا ذَلِكَ لاتَّخَذَناهُ مِن عِنْدِنا؛ لِأنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ وزَوْجَتَهُ يَكُونانِ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ " إنْ " بِمَعْنى ( ما )، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الشَّرْطِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: إنْ كُنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، ولَسْنا مِمَّنْ يَفْعَلُهُ، قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، والثّانِي قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ، وهم يَسْتَجِيدُونَ القَوْلَ الأوَّلَ أيْضًا؛ لِأنَّ " إنْ " تَكُونُ في مَوْضِعِ النَّفْيِ، إلّا أنَّ أكْثَرَ ما تَأْتِي مَعَ اللّامِ، تَقُولُ: إنْ كُنْتَ لَصالِحًا، مَعْناهُ: ما كُنْتَ إلّا صالِحًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ ﴾ ؛ أيْ: دَعْ ذاكَ الَّذِي قالُوا فَإنَّهُ باطِلٌ، ﴿ نَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: نُسَلِّطُ الحَقَّ وهو القُرْآنُ، ﴿ عَلى الباطِلِ ﴾ وهو كَذِبُهم، ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَكْسِرُهُ، وأصْلُ هَذا إصابَةُ الدِّماغِ بِالضَّرْبِ، وهو مَقْتَلٌ.
﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ ؛ أيْ: زائِلٌ ذاهِبٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنّا نُبْطِلُ كَذِبَهم بِما نُبَيِّنُ مِنَ الحَقِّ حَتّى يَضْمَحِلَّ، ﴿ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ ؛ أيْ: مِن وصْفِكُمُ اللَّهَ بِما لا يَجُوزُ، ﴿ وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَعْنِي: هم عَبِيدُهُ ومُلْكُهُ، ﴿ وَمَن عِنْدَهُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَرْجِعُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا يَنْقَطِعُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَعْيَوْنَ، والحَسْرُ: المُنْقَطِعُ الواقِفُ إعْياءً وكَلالًا.
والثّالِثُ: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَفْتُرُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لا يَسْأمُونَ.
وسُئِلَ كَعْبٌ: أما يَشْغَلُهم شَأْنٌ ؟
أما تَشْغَلُهم حاجَةٌ ؟!
فَقالَ لِلسّائِلِ: يابْنَ أخِي؛ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ كَما جُعِلَ لَكُمُ النَّفَسُ، ألَسْتَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، وتَقُومُ وتَجْلِسُ، وتَجِيءُ وتَذْهَبُ، وتَتَكَلَّمُ وأنْتَ تَتَنَفَّسُ ؟
فَكَذَلِكَ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عادَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ ﴾ ؛ لِأنَّ أصْنامَهم مِنَ الأرْضِ هي، سَواءٌ كانَتْ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، أوْ خَشَبٍ أوْ حِجارَةٍ، ﴿ هُمْ ﴾ يَعْنِي: الآلِهَةُ، ﴿ يُنْشِرُونَ ﴾ ؛ أيْ: يُحْيُونَ المَوْتى.
وقَرَأ الحَسَنُ: ( يَنْشُرُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ.
وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الجَحْدِ، والمَعْنى: ما اتَّخَذُوا آلِهَةً تَنْشُرُ مَيِّتًا.
﴿ لَوْ كانَ فِيهِما ﴾ يَعْنِي: السَّماءَ والأرْضَ، ﴿ آلِهَةً ﴾ يَعْنِي: مَعْبُودِينَ، ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: سِوى اللَّهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: غَيْرُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفَسَدَتا ﴾ ؛ أيْ: لَخَرَبَتا وبَطَلَتا، وهَلَكَ مَن فِيهِما؛ لِوُجُودِ التَّمانُعِ بَيْنَ الآلِهَةِ، فَلا يَجْرِي أمْرُ العالَمِ عَلى النِّظامِ؛ لِأنَّ كُلَّ أمْرٍ صَدَرَ عَنِ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخِلافِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴾ ؛ أيْ: عَمّا يَحْكُمُ في عِبادِهِ مِن هَدْيٍ وإضْلالٍ، وإعْزازٍ وإذْلالٍ؛ لِأنَّهُ المالِكُ لِلْخَلْقِ، والخَلْقُ يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم عَبِيدٌ يَجِبُ عَلَيْهِمُ امْتِثالُ أمْرِ مَوْلاهم.
ولَمّا أبْطَلَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ إلَهٌ سِواهُ مِن حَيْثُ العَقْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَفَسَدَتا ﴾ ، أبْطَلَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الأمْرِ، فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ.
﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى ما تَقُولُونَ، ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنُ خَبَرُ مَن مَعِي عَلى دِينِي مِمَّنْ يَتَّبِعُنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِما لَهم مِنَ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ.
﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ يَعْنِي: الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ، والمَعْنى: هَذا القُرْآنُ وهَذِهِ الكُتُبُ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَهُ، فانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِاتِّخاذِ إلَهٍ سِواهُ ؟
فَبَطَلَ بِهَذا البَيانِ جَوازُ اتِّخاذِ مَعْبُودٍ غَيْرِهِ مِن حَيْثُ الأمْرِ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ لَهم: هاتُوا بُرْهانَكم بِأنَّ رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ أخْبَرَ أُمَّتَهُ بِأنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: التَّوْحِيدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
" فَهم مُعْرِضُونَ " عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ ﴾ ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهُ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ ﴾ ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم هَذا ذِكْرُ مِن مَعِيَ وذِكْرُ مِن قَبْلِي بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ ﴾ هَذِهِ "أمُ" الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي هُنا تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها بِمَنزِلَةِ "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّ في القَوْلِ إضْرابًا عَنِ الأوَّلِ ووَقَفَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: هَلِ اتَّخَذُوا آلِهَةً يُحْيُونَ ويَخْتَرِعُونَ؟
أيْ: لَيْسَتْ آلِهَتُكم كَذَلِكَ، فَهي غَيْرُ آلِهَةٍ؛ لِأنَّ مِن صِفَةِ الإلَهِ القُدْرَةَ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُنْشِرُونَ" بِضَمِّ الياءِ، بِمَعْنى: يُحْيُونَ غَيْرَهُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: "يَنْشُرُونَ" بِمَعْنى يَحْيَوْنَ هم وتُدُومُ حَياتُهُمْ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتُ وأنْشَرَهُ اللهُ.
ثُمْ بَيَّنَ تَبارَكَ وتَعالى أمْرَ التَمانُعِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا ﴾ ، وذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَذْهَبُ بِما خَلَقَ، واقْتِضابُ القَوْلِ في هَذا أنَّ إلَهَيْنِ لَوْ فُرِضا فَرَّقَ بَيْنَهُما الِاخْتِلافُ في تَحْرِيكِ جِرْمٍ وتَسْكِينِهِ، فَمُحالٌ أنْ تَتِمُ الإرادَتانِ، ومُحالٌ ألّا تَتِمّا جَمِيعًا، وإذا تَمَّتِ الواحِدَةُ كانَ صاحِبُ الأُخْرى عاجِزًا، وهَذا لَيْسَ بِإلَهٍ، وجَوازُ الِاخْتِلافِ عَلَيْهِما بِمَنزِلَةِ وُقُوعِهِ مِنهُما.
ونَظَرٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ جُزْءٍ يَخْرُجُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ فَمُحالٌ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ قُدْرَتانِ، فِإذا كانَتْ قُدْرَةُ أحَدِهِما تُوجِدُ بَقِيَ الآخَرُ فَضْلًا لا مَعْنًى لَهُ في ذَلِكَ الجُزْءِ، ثُمْ يَتَمادى النَظَرُ هَكَذا جُزْءًا جُزْءًا.
ثُمْ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا وصَفَهُ أهْلُ الجَهالَةِ والكُفْرِ.
ثُمْ وصَفَ نَفْسَهُ تَعالى بِأنَّهُ ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴾ ، وهَذا وصْفٌ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ بِحَقِّ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ لا يُعارَضُ ولا يُسْألُ عن شَيْءٍ يَفْعَلُهُ؛ إذْ لَهُ أنْ يَفْعَلَ في مُلْكِهِ ما يَشاءُ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مُحْكًمُ الأفْعالِ وواضِعُ كُلِّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ، فَلَيْسَ في أفْعالِهِ سُؤالٌ ولا اعْتِراضٌ.
وهَؤُلاءِ مِنَ البَشَرِ يُسْألُونَ لِهاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مالِكِينَ، ولِأنَّهم في أفْعالِهِمْ خَلَلٌ كَثِيرٌ.
ثُمْ قَرَّرَهم تَعالى ثانِيَةً عَلى اتْخِاذِ الآلِهَةِ، وفي تَكْرارِ هَذا التَقْرِيرِ مُبالَغَةٌ في نَكِيرِهِ وبَيانِ فَسادِهِ، وفي هَذا التَقْرِيرِ زِيادَةٌ عَلى الأوَّلِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ ، فَكَأنَّهُ قَرَّرَهم هُنا عَلى قَصْدِ الكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمْ دَعاهم إلى الحُجَّةِ والإتْيانِ بِالبُرْهانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "هَذا" جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَدِيمَها وحَدِيثَها، أيْ: لَيْسَ فِيها بُرْهانٌ عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ مِن دُونِ اللهِ، بَلْ فِيها ضِدُّ ذَلِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "هَذا" القُرْآنَ، والمَعْنى: فِيهِ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وذِكْرُ الآخِرِينَ، فَذِكْرُ الآخِرِينَ بِالدَعْوَةِ وبَيانِ الشَرْعِ لَهم ورَدِّهم عَلى طَرِيقِ النَجاةِ، وذِكْرُ الأوَّلِينَ بَقَصِّ أخْبارِهِمْ وذِكْرِ الغُيُوبِ في أُمُورِهِمْ.
ومَعْنى الكَلامِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَرْضُ القُرْآنِ في مَعْرِضِ البُرْهانِ، أيْ: هاتُوا بُرْهانَكم فَهَذا بُرْهانِي أنا ظاهِرٌ في ذِكْرِ مَن مَعِي وذِكْرِ مَن قَبْلِي.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "هَذا ذِكْرُ مَن وذِكْرُ مَن" بِالإضافَةِ فِيهِما، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ" بِالإضافَةِ "وَذِكْرٌ مِن قَبْلِي" بِتَنْوِينِ "ذِكْرٌ" الثانِي وكَسْرِ المِيمِ مِن قَوْلِهِ: "مِن قَبْلِي"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، وابْنُ مُصَرِّفِ بِالتَنْوِينِ في "ذِكْرٌ" مِنَ المَوْضِعَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ في "مِن" في المَوْضِعَيْنِ، وضَعَّفَ أبُو حاتِمْ هَذِهِ القِراءَةَ، كَسْرَ المِيمِ في الأُولى، ولَمْ يَرَ لَها وجْهًا.
ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ تَعالى بَأنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَ لِإعْراضِهِمْ عنهُ، ولَيْسَ المَعْنى: فَهم مُعْرِضُونَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ، بَلِ المَعْنى: فَهم مُعْرِضُونَ ولِذَلِكَ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هَذا القَوْلُ هو الحَقُّ، والوَقْفُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى "لا يَعْلَمُونَ".
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة ﴾ تأكيد لجملة ﴿ أم اتخذوا آلهة من الأرض ﴾ [الأنبياء: 21].
أُكد ذلك الإضراب الانتقالي بمثله استعظاماً لِفظاعته وليُبنَى عليه استدلالٌ آخر كما بُني على نظيره السابق؛ فإن الأول بني عليه دليلُ استحالةٍ من طريق العقل، وهذا بني عليه دليل بطلان بشهادة الشرائع سابِقِها ولاحقها، فلقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ أي، هاتوا دليلاً على أنّ لله شركاء من شواهد الشرائع والرسل.
والبرهان: الحجة الواضحة.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ﴾ في سورة النساء (174).
والإشارة في قوله تعالى ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ إلى مقدّر في الذهن يفسره الخبر.
والمقصود من الإشارة تمييزه وإعلانه بحيث لا يستطيع المخاطب المغالطة فيه ولا في مضمونه، كقوله تعالى: ﴿ هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ في سورة لقمان (11)، أي أن كتب الذكر أي الكتب الدينية في متناول الناس فانظروا هل تجدون في أحد منها أن لله شركاء وأن الله أذن باتخاذهم آلهة.
وإضافة ﴿ ذِكر ﴾ إلى ﴿ مَن معي ﴾ من إضافة المصدر إلى مفعوله وهم المذكَّرون بفتح الكاف.
والمعية في قوله تعالى ﴿ مَن معي ﴾ معيَّة المتابعة، أي مَن معي من المسلمين، فما صْدق (مَن) الموصولة الأمم، أي هذا ذكر الأمة التي هي معي، أي الذكر المنزل لأجلكم.
فالإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله تعالى: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ [الأنبياء: 10].
والمراد بقوله تعالى: ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ القرآن، وأما قوله تعالى: ﴿ وذكر من قبلي ﴾ فمعناه ذكر الأمم الذين هم قبلي يشمل جميع الكتب السالفة المعروفة: التوراة والزبور والإنجيل وكتاب لقمان.
وهذا كقوله تعالى: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط في ﴾ [آل عمران: 18].
وأضرب عن الاستدلال بأنه استدلال مضيع فيهم بقوله تعالى: ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ﴾ ، أي لا تَرجُ منهم اعترافاً ببطلان شركهم من دليل العقل المتقدم ولا من دليل شهادة الشرائع المذكور ثانياً، فإن أكثرهم لا يعلمون الحق ولا يكتسبون عِلمه.
والمراد بكونهم لا يعلمون الحق أنهم لا يتطلبون علمه كما دلت عليه قرينة التفريع عليه بقوله تعالى ﴿ فهم معرضون ﴾ ، أي معرضون عن النظر في الأدلة التي تدعوهم أنت إلى معرفتها والنظر فيها.
وإنما أسند هذا الحكم إلى أكثرهم لا لجميعهم تسجيلاً عليهم بأن قليلاً منهم يعلمون الحق ويجحدونه، أو إيماء إلى أن قليلاً منهم تهيّأت نفوسهم لقبول الحقّ.
وتلك هي الحالة التي تعرض للنفس عند هبوب نسمات التوفيق عليها مثل ما عرض لعمر بن الخطاب حين وجد اللوح عند أخته مكتوباً فيه سورة طه فأقبل على قراءته بشَرَاشِرِه فما أتمها حتى عزم على الإسلام.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ بِما يَلْزَمُهم مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وذِكْرُ مَن قَبْلِي مِمَّنْ يُخاطَبُ مِنَ الأُمَمِ بِالإيمانِ، وهَلَكَ بِالشِّرْكِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ذِكْرُ مَن مَعِيَ بِإخْلاصِ التَّوْحِيدِ في القُرْآنِ، وذِكْرُ مَن قَبْلِي في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الدُّنْيا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: ما قَدَّمُوا وما أخَّرُوا مِن عَمَلِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفِيهِ الثّالِثُ: ما قَدَّمُوا: ما عَمِلُوا، وما أخَّرُوا: يَعْنِي ما لَمْ يَعْمَلُوا، قالَهُ عَطِيَّةُ.
﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَغْفِرُونَ في الدُّنْيا إلّا لِمَنِ ارْتَضى.
الثّانِي: لا يَشْفَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا لِمَنِ ارْتَضى.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِمَنِ ارْتَضى عَمَلَهُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم ﴾ يقول: هاتوا بينتكم على ما تقولون ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ يقول: هذا القرآن فيه ذكر الحلال والحرام ﴿ وذكر من قبلي ﴾ يقول: فيه ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم وإلى ما صاروا ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ﴾ عن كتاب الله ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ﴾ قال: أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد لله، لا يقبل منهم حتى يقولوه ويقروا به، والشرائع تختلف في التوراة شريعة وفي الإنجيل شريعة وفي القرآن شريعة، حلال وحرام فهذا كله في الإخلاص لله وتوحيد الله.
<div class="verse-tafsir"
ولما أبطل الله تعالى أن يكون إله سواه من حيث العقل بقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ أبطل جواز اتخاذ آلهة سواه من حيث الأمر بقوله: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ﴾ وهذا استفهام إنكار وتبكيت كما ذكرنا في قوله: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ ﴾ وأعيد هاهنا لأنه أعيد عليهم احتجاج من وجه آخر وهو (١) ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي: بينتكم (٢) ﴿ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ﴾ (٣) (٤) ﴿ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ﴾ من المفسرين من يجعل هذا أيضًا من صفة القرآن يقول: معناه: وخبر من قبلي من الأمم السالفة وما فعل الله بهم في الدنيا وما هو فاعل بهم في الآخرة.
وهذا مذهب السدي والكلبي (٥) وعلى هذا المعنى: أنه لما طالبهم بالبرهان على ما هم عليه من الشرك أمره أن يذكر لهم برهانه على ما هو عليه من التوحيد وهو القرآن الذي فيه ما تحتاج إليه هذه الأمة من الأحكام مع أخبار الأمم السالفة.
وقال ابن عباس -في رواية عطاء- في قوله: ﴿ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ﴾ : يريد التوراة والإنجيل وما أنزل الله من الكتب (٦) وهذا القول هو اختيار الزجاج وعبد الله بن مسلم (٧) والمعنى على هذا القول: ﴿ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾ هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي، فانظروا هل في واحد من الكتب أن الله أقر باتخاذ إله [سواه؟
فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود] (٨) (٩) قال أبو إسحاق: قيل لهم: هاتوا برهانكم بأن رسولاً من الرسل (١٠) (١١) وقال صاحب النظم: لما قال عز وجل: ﴿ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾ ، أي: حجتكم على ما تفعلون قال لنبيه - - قل لهم: ﴿ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ﴾ أي القرآن الذي أنزل علي ﴿ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ﴾ أي: ما عند اليهود والنصارى، هل فيه شيء (١٢) (١٣) فلما توجهت الحجة عليهم ذمهم على جهلهم بمواضع الحق وتركهم للتأمل والتفكر فقال: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ .
ويدل (١٤) ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (١) (وهو): ساقط من (د)، (ع).
(٢) في (ت): (بينكم).
(٣) موضع هذا بياض في (ت).
(٤) في (ت): (خير).
(٥) ذكره الرازي 22/ 158 عن السدي، ونسبه أيضًا لسعيد بن جُبير وقتادة ومقاتل.
ولم أجد من ذكره عن الكلبي وقد روى الطبري 17/ 15 هذا المعنى عن قتادة.
(٦) ذكره البغوي 5/ 314 من رواية عطاء، عن ابن عباس.
(٧) هو ابن قتيبة، وقوله في كتابه "غريب القرآن" ص 285.
(٨) ساقط من (أ)، (ت).
(٩) موضع (سواه من) بياض في (ت).
(١٠) في (أ)، (ت): (الرسول)، وهو خطأ.
(١١) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 389.
(١٢) شيء: ليست في (د)، (ع).
(١٣) في (أ)، (ت): (ذكر).
(١٤) في (ع): (يدل).
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ هذا برهان على وحدانية الله تعالى، والضمير في قوله: ﴿ فِيهِمَآ ﴾ للسموات والأرض، ﴿ إِلاَّ الله ﴾ صفة لآلهة، و ﴿ إِلاَّ ﴾ بمعنى غير، فاقتضى الكلام أمرين: أحدهما نفي كثرة الآلهة، ووجوب أن يكون الإله واحداً، والأمر الثاني: أن يكون ذلك الواحد هو الله دون غيره، ودل على ذلك قوله: ﴿ إِلاَّ الله ﴾ ، وأما الأوّل فكانت الآية تدل عليه لو لم تذكر هذه الكلمة، وقال ابن كثير من الناس في معنى الآية: إنها دليل على التمانع الذي أورده الأصوليون، وذلك أنا لو فرضنا إليهن، فأراد أحدهما شيئاً وأراد الآخر نقيضه، فإما أن تنفذ إرادة كل واحد منهما، وذلك محال؛ لأن النقيضين لا يجتمعان، وإما أن لا تنفذ إرادة واحدة منهما، وذلك أيضاً محال، لأن النقيضين لا يرتفعان معاً، ولأن ذلك يؤدّي إلى عجزهما وقصورهما، فلا يكونان إليهن، وإما أن ينفذ أرادة واحدة منهما دون الآخر، فالذي تنفذ إرادته هو الإله، والذي لا تنفذ إرادته ليس بإله، فالإله واحد.
وهذا الدليل إن سلمنا صحته فلفظ الآية لا يطابقه، بل الظاهر من اللفظ استدلال آخر أصح من دليل التمانع، وهو أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، لما يحدث بينهما من الاختلاف والتنازع في التدبير وقصد المغالبة، ألا ترى أنه لا يوجد ملكان اثنان لمدينة واحدة، ولا ولّيان لخطة واحدة ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ لأنه مالك كل شيء، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ولأنه حكيم، فأفعاله كلها جارية على الحكمة ﴿ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ لفقد العلتين ﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ كرر هذا الإنكار استعظاماً للشرك، ومبالغة في تقبيحه، لأن قبله من صفات الله ما يوجب توحيده، وليناط به ما ذكر بعده من تعجيز المشركين، وأنهم ليس لهم على الشرك برهان؛ لا من جهة العقل، ولا من جهة الشرع.
﴿ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ تعجيز لهم وقد تكلمنا على هاتوا في [البقرة: 111] ﴿ هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ ردّ على المشركين والمعنى هذا الكتاب الذي معي، والكتب التي من قبلي ليس فيهما ما يقتضي الإشراك بالله، بل كلها متفقة على التوحيد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إلا نوحي إليه ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ إني إله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ابن ذكوان.
﴿ ألم ير ﴾ بغير واو: ابن كثير الآخرون بواو متوسطة بين همزة الاستفهام والفعل ونظائرها كثيرة ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
﴿ ولا تسمع ﴾ من الاسماع خطأ بالنبي الصم بالنصب: ابن عامر.
الآخرون على الغيبة من السماع.
﴿ الصم ﴾ بالرفع ﴿ مثقال حبة ﴾ بالرفع على "كان" التامة وكذلك في سورة لقمان: أبو جعفر ونافع.
الباقون بالنصب.
الوقوف: ﴿ ينشرون ﴾ ه ﴿ لفسدتا ﴾ ج للابتداء ﴿ بسبحان ﴾ للتعظيم مع فاء التعقيب تعجيلاً للتنزيه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يسالون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ برهانكم ﴾ ج لاتحاد المقول من غير عاطف ﴿ قبلي ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ه { } ط ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لأن ما بعده صفة بعد صفة ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا يشفعون ﴾ ه لا للاستثناء ﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ففتقناهما ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ حي ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ محفوظاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف والحال ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ط ﴿ الخالدون ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ هزوا ﴾ ط ﴿ آلهتكم ﴾ ج لاحتمال الواو الإستئناف والحال ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ من عجل ﴾ ط ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ يستهزئون ﴾ ه ط ﴿ من الرحمن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ من دوننا ﴾ ط فصلاً بين الاستفهام والإخبار ﴿ يصبحون ﴾ ه ﴿ العمر ﴾ ط ﴿ من أطرافها ﴾ ط ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ بالوحي ﴾ ط لاستئناف ولا يسمع بالياء التحتانية والوصل أجوز لتتميم المقول، ومن قرأ على الخطاب وقف لأنه خرج عن المقول ﴿ ينذرون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أتينا بها ﴾ ط ﴿ حاسبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه لا لاتصال الصفة ولا يخفى أنه يحتمل النصب أو الرفع على المدح فيجوز أن لا يوصل.
﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ أنزلناه ﴾ ط ﴿ منكرون ﴾ .
التفسير: إنه بدأ في أول السورة بذكر المعاد ثم انجر الكلام إلى النبوات وما يتصل بها سؤالاً وجواباً فختم الكلام بالإلهيات لأنها المقصود بالذات فقال على سبيل الإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها بواسطة "أم" المنقطعة ﴿ أم اتخذوا آلهة من الأرض ﴾ نسبت إلى الأرض كما يقال "فلان من مكة" لأنها اصنام تعبد من الأرض، لأن الالهة على ضربين أرضية وسماوية.
أو أراد أنها من جنس الأرض لأنها تُنحت من حجر أو تعمل من جوهر آخر أرضي.
ويقال: أنشر الله الموتى ونشرها اي أحياها.
ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات كأنهم بإدعائهم لها الإلهية أدعوا لها الإنشار وإن كانوا منكرين البعث فضلاً عن قدرة الأصنام عليه لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور.
والإنشار من جملة المقدورات بالدلائل الباهرة وفيه باب من التهكم والتسجيل وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الاقتدار على الإبداء والإعادة من لوازم الإلهية.
ومعنى ﴿ هم ﴾ افادت الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم، وفيه رمز إلى أن الأمر المختص بالاهتداء هو وحده.
ولما قدم الإنكار شرع في دليل التوحيد فقال: ﴿ لو كان فيهما ﴾ أي في السموات والأرض وقد مر ذكرهما ﴿ آلهة إلا الله ﴾ اي غير الله.
قال النحويون: إلا ههنا بمعنى لتعذر حمل إلا على الاستثناء لأنها تابعة لجمع منكور غير محصور، والاستثناء لا يصح إلا إذا كان المستثنى داخلاً في المستثنى منه لولا الاستثناء وقد يقال: إن "إلا" في هذه المادة لا يمكن أن تكون للاستثناء لأنا لو حملناها على الاستثناء لصار المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله لم يحصل الفساد.
وللمفسرين في تفسير الآية طريقان: أحدهما حمل الغائب على الشاهد والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة غير الواحد الذي هو فاطرهما ﴿ لفسدتا ﴾ وفيه دلالة على أمرين: الأول وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً، والثاني أن لاي كون ذلك الواحد إلا إياه لقوله ﴿ غير الله ﴾ وإنما وجب الأمر أن لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف.
وثانيهما طريق التمانع بأن يقال: لو فرضنا إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، فإن وقع مرادهما لزم اجتماع الضدين في محل واحد، وإن لم يقع مرادهما لزم عجزهما، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر فذلك الآخر عاجز لا يصلح لإلهية.
والاعتراض على هذا التقدير من وجهين: الأول أن اختلافهما في الإرادة أمر ممكن والممكن لا يجب أن يقع.
والثاني أن الفساد في السموات والأرض كيف يترتب على اختلافهما وفي الجواب طريقان: أحدهما الرجوع إلى التفسير الأول وهو إحالة الأمر على ما هو الغالب المعتاد من أن الملك عقيم ولا يجتمع فحلان على شول، والشول جماعة النوق التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، فلا بد من وقوع التنازع والاختلاف وحدوث الهرج والمرج عند ذلك.
الطريق الثاني العدول إلى ضرب آخر من البيان، وهو أن اتفاق الإلهين على مقدور واحد محال لأن كلاً منهما مستقل بالتأثير كامل في القدرة، فإذا وقع المقدور بأحدهما استحال أن يقع بالآخر مرة أخرى على أنه لو اراد كل واحد منهما أن يوجده هو فهذا أيضاً اختلاف.
ولو قيل: إنه يريد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما لا بعينه فهذه إرادة مبهمة لا تصلح للتأثير، فلا بد من الاختلاف وقد عرفت حاله ولزوم الفساد حينئذ ظاهر، لأن كل ما يصدر عن إلهين عاجزين أو إله عاجز لم يكن على الوجه الأصلح والنمط الأصوب، بل العاجز لا يصلح للإيجاد أصلاً فلا يوجد على ذلك التقدير شيء من الممكنات وهو الفساد الكلي.
ومنهم من يقرر دليل التمانع على وجوه أخر منها: أنا لو قدرنا إلهين فهل يقدر كل واحد منهما على أن يمنع صاحبه عن مراده أم لا؟
فإن قلت: يقدر.
كان كل منهما مقهوراً للآخر، وإن قلت: لا يقدر فقد ثبت عجز كل واحد منهما.
ومنها أن أحدهما هل يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا؟
فإِن قدر فالمستور عنه جاهل عاجز وإلا فالأول عاجز.
ولا يخفى ما في أمثال هذين الوجهين من الضعف لأن عدم القدرة على المحال لا يسمى عجزاً ولهذا لا يمكن أن يقال: إنه عاجز عن خلق مثله أو إنه إذا أوجد شيئاً نفذت قدرته عن خلق ذلك الشيء وحصل له عجز.
ومن الطاعنين في دليل التمانع من فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله كما تزعم عبدة الأصنام لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على وجوه التدبير والتصرف لأنفسها فضلاً عن غيرها.
ولقائل أن يقول: إن الآلهة لو كانت منفردة بالتدبير يلزم الفساد.
أما أنها لو كانت وسائط أو معاونة للإله الأعظم كما تزعم عبدة الأوثان فمن أين يلزم الفساد.
واعلم أنا قد بينا دلائل التوحيد في مواضع من هذا الكتاب ولا سيما في سورة البقرة في تفسير قوله ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ ولنا في هذا المقام طريقة أخرى ما أظنها وطئت قبلي فأقول وبالله التوفيق: إن الوحدة من صفات الكمال وقد ركز ذلك في العقول حتى إن كل عامل مهما تم له أمر بواحد لم يتعد فيه إلى اثنين، وإذا اضطر إلى الشركة والتعاون راعى فيه الأبسط فالأبسط لا يزيد العدد إلا بقدر الافتقار وعلى هذا مدار الأمور السياسية والمنزلية هذا في المؤثر.
وأما في الأثر فلا ريب أنه استند إلى ما هو بسيط حقيقي لم يكن فيه إلا جهة واحدة افتقارية وإذا استند إلى ما فوق ذلك كان فيه من الجهات الافتقارية بحسب ذلك فيكون النقص تابعاً لقلة جهات الافتقار وكثرتها، وكل مرتبة للممكنات تفرض من العقول والنفوس والأفلاك والعناصر والمواليد، فإن كان مبدأ تلك السلسلة الطويلة واحداً كانت الجهات الاعتبارية الافتقارية فيها أقل مما لو كان المبدأ أزيد من واحد.
وهذه قضية يقينية إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه أراد أن يدفع هذا النقص من الممكنات و "لو" هذه بمعنى "أن" والمراد أن هذا النقص والفساد لازم لوجود آلهة غير الله سواء كان الله من جملتهم أم لا، ولن يرضى العاقل بما فيه نقصه وفساده فوجب أن لا يعتقد إلهاً غير الله وهذه النتيجة هي المراد بقوله ﴿ فسبحان الله رب العرش عما يصفون ﴾ من الأنداد والشركاء فتكون هذه الآية نظيره قوله ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً ﴾ وفيه قول زيد بن عمرو بن انفيل حين فارق قومه: أرباً واحداً أم الـــــــف رب *** أدين إذا تقسمت الأمـــــور تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الرجل البصير ثم أكد تفرده بالإِلهية بقوله ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ وفيه رد على الثنوية والمجوس الذين أثبتوا لله شريكاً فاعلاً للشرور والآلام، وذلك أنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله فقالوا: لو كان مدبر العالم واحداً لم يخص هذا بأنواع الخيرات من الصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور من المرض والفقر، فذكر أن الاعتراض على أفعاله ينافي الديانة وأن له أن يفعل ما يشاء ولا مجال للسؤال عن أفعاله، فكل من الأشاعرة والمعتزلة سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت، ولكنهم حملوا عدم جواز السؤال على مأخذ آخر.
أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن أفعاله لا تعلل بالمصالح والأغراض ولم بحكم المالكية أن يفعل في مخلوقاته ما شاء فإن من تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت، وكيف يتصور في حقه استحقاق الذم واستحقاق المدح له قديم؟
وما يثبت للشيء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات.
وكما أن ذاته غير معللة بشيء فكذلك صفاته وأفعاله، وإنه غير محتاج إلى الأسباب والوسائط والأغراض والمقاصد.
وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه عالم بقبح المقابح وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح.
وإذا عرف المكلف إجمالاً أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب وجب أن يسكت عن "لم" وإذا كان الملوك المجازيون لا يسألهم من في مملكتهم عما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً لهم مع جواز الخطأ والزلل عليهم، فملك الملوك ورب الأرباب أولى بأن لا يسال عن أفعاله مع ما ركز في العقول من أن كل ما يفعله فهو حسن مشتمل على الغايات الصحيحة.
ثم زاد الإلهية تأكيداً بقوله ﴿ وهم يسألون ﴾ وفيه رد على منكري التكليف الذاهبين إلى أن العباد لا يسألون عما فعلوا في دار الدنيا قالوا: إن التكليف أمر غير معقول لأنه إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك وهو محال لأن صدور الفعل عن المكلف يستدعي الترجيح فالتكليف بالترجيح في حال عدم الترجيح تكليف بالمحال، وإما أن يتوجه حال الرجحان ويكون الفعل حينئذ واجب الوقوع فيكون التكليف عبثاً.
وأيضاً التكليف بما هو معلوم الوقوع لله عبث لأنه واجب الوقوع وبما هو غير معلوم الوقوع تكليف بما لا يطاق، وأيضاً سؤال العبد لعبد إن لم يكن فيه فائدة فعبث، وإن كان فيه فائدة فإِن عادت إلى الله كان محتاجاً مستكملاً، وإن عادت إلى العبد فالله قادر على إيصالها إليه من غير واسطة التكليف، على أن السؤال إن كان لأجل إيصال الضرر فذلك لا يليق بالكريم الرحيم، وجوابهم أن الأسباب والوسائط معتبرة في كل شيء من عالم الأسباب حتى الثواب والعقاب، على أن حاصل الشبهات يرجع إلى أن المنكر كأنه قال: إنه تعالى لم كلف عباده ولم كلفهم مالا يطيقون وهو يناقص القاعدة الممهدة أنه لا يسال عما يفعل.
ثم كرر ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة ﴾ استفظاعاً لكفرهم وليرتب عليه قوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ على ذلك عقلاً أو نقلاً.
أما العقل فقد مر أنه يقضي بعدم الشريك حذراً من الفساد، وأما النقل فقوله ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ هو من إضافة المصدر إلى المفعول أي عظة لأمتي.
عن ابن عباس واختاره القفال والزجاج أنه اراد هذا هو الكتاب المنزل على من معي من الأمة وهذا هو الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وأممهم يعني التوراة والإنجيل والزبور والصحف والكل وارد في معنى التوحيد ونفي الشركاء.
وعن سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله ﴿ وذكر من قبلي ﴾ صفة للقرآن ايضاً لأنه اشتمل على أحوال الأمم الماضية كما اشتمل على أحوال هذه الأمة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ بل أكثرهم ﴾ تنبيهاً على أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد وهو عدم العلم وفقد التمييز بين الحق والباطل، فلذلك أعرضوا عن استماع الحق وطلبه، وفي لفظ الأكثر إشارة إلى أن فيهم من يعلم ولكنه يعاند، أو أجري لفظ الأكثر على الكل على عادة الفصحاء كي لا يكون الكلام بصدد المنع.
ثم قرر آي التوحيد خصوصاً قوله ﴿ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ﴾ على أحد التفسيرين بقوله ﴿ وما أرسلناك ﴾ الآية.
ثم رد على خزاعة وأمثالهم القائلين بأن الملائكة بنات الله بقوله ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ﴾ ثم نزه نفسه عن ذلك بقوله { } ثم أخبر عما هم عليه في الواقع وهو أن الملائكة عباد الله ﴿ مكرمون ﴾ مقربون ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ أي بقولهم اي يتبعون قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ فهم التابعون لأمر الله في أقوالهم وافعالهم ﴿ يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ﴾ وقد مر تفسيره في "طه" وفي آية الكرسي ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ كقوله في طه ﴿ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً ﴾ وقد مر البحث فيه.
قال في الكشاف ﴿ وهم من خشيته مشفقون ﴾ أي متوقعون من أمارة بخلاف البشر فإنهم لا يتوقعون ذلك إلا من أمارة قوية.
ويحتمل أن يقال: إنهم يخشون الله ومع ذلك يحذرون من أن تلك الخشية يقع فيها تقصير.
"عن رسول الله أنه رأى جبرئيل ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله عز وجل." ثم نبه على غاية عظمته ونهاية جبروته بقوله ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه ﴾ فيحتمل أن يدعي الإلهية لنفسه دون الله أو يدعي أنه إله مع الله أي بعد مجاوزة إلهيته وهذا على سبيل الفرض والتقدير كقوله ﴿ ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ وفي قوله ﴿ فذلك ﴾ دون أن يقول فهو تبعيد للمشرك الجاحد عن ساحة عزته وفيه تفظيع لأمر الشرك وتهديد عظيم لمن أشرك، وأراد بالظلم ههنا الشرك، والمعتزلة عمموه والأول أظهر.
ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من البيان وهو الاستدلال بالآفاق والأنفس قائلاً ﴿ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض ﴾ أي جماعة السموات وجماعة الأرض ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ الرتق بالسكون السد.
رتقت الشيء فارتتق أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك، والفتقاء ضدها أي كانتا مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين.
عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن، وقتادة أن المراد كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض.
ومثله قول كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما فحصل الفتق، وقال أبو صالح ومجاهد: كانت السموات متلاصقات لا فرج بينها ففتقها الله بأن جعلها سبعاً وكذلك الأرضون.
وعن ابن عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين، أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر.
ويشبه أن يراد بالسموات على هذا التفسير السحب نظيره قوله ﴿ والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع ﴾ ويؤيده قوله عقيبه ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ وقيل: إنهما جمع السموات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهن، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون كقولهم "ثوب أخلاق" "وبرمة أعشار" وقريب من هذا قول من قال: المعنى أن السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما الله بإظهار النور فيهما كقوله ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ وقال أبو مسلم الاصفهاني: الرتق حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه، والفتق الإِيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ والفطر الشق.
وعن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه بعد.
وههنا سؤال: وهو أن الكفار متى رأوهما رتقاً حتى صح هذا الاستفهام للتقرير؟
كيف وقد قال الله ﴿ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ﴾ ؟
[الكهف: 51] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة، وكذا إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم.
وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي .
وقال صاحب الكشاف في الجواب: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم .
قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال السكاكي صاحب المفتاح: اي جعلنا مبدأ كل حي من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.
واعترض عليه بأنه كيف يصح ذلك وآدم من تراب والجن من نار والمشهور أن الملائكة ليست أجساماً مائية؟
وأجاب بأنه يأتي في الروايات أنه جل وعز خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.
وقال صاحب الكشاف: إنما قال خلقنا كل شيء حي من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله ﴿ خلق الإنسان من علق ﴾ وجوز أن لا يكون الجعل بمعنى الخلق بل يكون بمعنى التصيير متعدياً إلى مفعولين، فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه.
وقال في التفسير الكبير: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة قائمة فإن الدليل لا بد أن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، فبهذا الطريق تخرج الملائكة والجن وآدم لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك: قلت: فعلى هذا يكون قوله ﴿ وجعلنا ﴾ داخلاً في حيز الاستفهام كأنه قيل: ألم يروا أنا فتقنا السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل حيوان.
ومن المفسرين من جعل الحي شاملاً للنبات أيضاً كقوله ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ قوله ﴿ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ﴾ قد مر تفسيره في أول "النحل" وباقي الآية كقوله في طه ﴿ وسلك لكم فيها سبلاً ﴾ والفجاج جمع الفج وهو الطريق الواسع وهي صفة ﴿ سبلاً ﴾ قدمت عليه فصارت حالاً عنه أراد أنه حين خلقها جعلها على تلك الصفة فهذا كالبيان لما أبهم في قوله: ﴿ لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ﴾ والاهتداء إما حسي أي تهتدون إلى البلاد، وإما عقلي وهو الاهتداء إلى وحدانية الله .
ومنهم من زعم أن الضمير في قوله ﴿ وجعلنا ﴾ فيها عائد إلى الجبال وهذا قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس, وروي عن ابن عمر أنه قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً.
قال علماء الإسلام: ليس في قوله ﴿ وجعلنا السماء سقفاً ﴾ إن السماء للأرض كالسقف للبيت لأنها فوق لا يقابله مثله، ولكنه أطلق عليها اسم السقف لأنها كذلك في النظر بالنسبة إلى سكان كل بقعة.
وفي المحفوظ وجهان: أي ﴿ محفوظاً ﴾ بقدرته من أن يقع على الأرض أو محفوظ بالشهب عن الشياطين.
﴿ وهم عن آياتها معرضون ﴾ فلا يتدبرون في ترتيبها ومسيراتها وطلوع أجرامها وغروبها واتصالاتها وانصرافاتها وتأثيراتها فيما دونها بإذن خالقها ومبدعها.
قوله ﴿ كل في فلك ﴾ من مقلوب الكل.
والفلك في اللغة كل شيء دائر وجمعه أفلاك.
وزعم الضحاك أنه ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم.
والأكثرون على أن الفلك جسم تدور النجوم عليه.
ثم اختلفوا في حقيقته فقال الكلبي: ماء مكفوف أي مجموع تجري فيه الكواكب بدليل قوله ﴿ يسبحون ﴾ والسباحة لا تكون إلا في الماء.
ورد بأنه يقال فرس سابح إذا امتد في الجري.
وقالت الحكماء: هو جسم كروي لا ثقيل ولا خفيف غير قابل للخرق والاتئام والنمو والذبول، ولذلك منعوا من كون الفلك ساكناً، والكواكب متحركة فيه كالسمك في الماء واعتذروا عن السباحة بأنها في النظر كذلك.
قال صاحب الكشاف: التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي كلهم فورد عليه إشكالان: أحدهما أنه لم يسبق إلا ذكر الشمس والقمر فكيف يعود ضمير الجمع إليهما؟
وأجاب بأن ذلك باعتبار كثرة مطالعهما كما يجمع بالشموس والقمار لذلك.
ويمكن أن يقال: أقل الجمع اثنان أو أنه جعل النجوم تبعاً لذكرهما.
الثاني أن كلهم ليسوا في فلك ولكن كل منهم في فلك آخر على ما يشهد به علم الهيئة، وأجاب بأنه اراد جنس الفلك كقولك "كسانا الأمير حلة"، أو اراد كل واحد.
قلت: لو صح هذا التقدير الثاني لم يرد الإشكال الأول ولكنه ينافي قوله ﴿ يسبحون ﴾ مجموعاً.
قال بعض الحكماء في هذا الجمع دلالة على أن الكواكب أحياء ناطقة.
وأجيب بأنه إنما جمع جمع العقلاء لأن السباحة من فعلهم.
قلت: قد يسبح كثير من الحيوانات، فلعل المختص بالعقلاء هو السباحة الصناعية المكتسبة.
وههنا بحث وهو أن الإمام فخر الدين الرازي استحسن قول بعض الأوائل أن الحركة السماوية صنف واحد وهي الآخذة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض كالحركات الغربية، وكذا اختلافات تلك الحركات بسبب تلك المختلفات.
قال: وهذا أقرب ليكون غاية سرعة الحركة للفلك الأعظم وغاية السكون للجرم الذي هو أبعد عن المحيط وهو الأرض، ولئلا يلزم بسبب حركة ما دون الفك الأعظم بحركته وبحركتها الخاصة تحرك الجرم الواحد في زمان واحد بحركتين مختلفتين إلى جهتين فإنه يستلزم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين.
قلت: أما حديث كون ما هو أبعد عن المركز اسرع حركة فإقناعي، وأما لزوم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين فممنوع لأن التي تظهر في المتحرك هي الحركة المركبة الحاصلة من فضل الأسرع على الأبطأ لا كل من الحركتين، وهذا مشاهد من حركة النملة إلى خلاف جهة حركة الرحى، ومن حركة راكب السفينة فيها إلى خلاف جهة حركتها.
وأما الذي استحسنه من كلام الأوائل فباطل لأنه لو كان كذلك لحصلت الأظلال اللائقة بكل جزء من أجزاء فلك البروج في يوم بليلة، وكذا الارتفاعات المناسبة لها في البلاد المتفقة العرض وليس كذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى في كتبنا النجومية ايضاً.
وحين فرغ من بيان طرف من هيئة الأجرام السماوية ومنافعها الدنيوية نبه بقوله ﴿ وما جعلنا البشر من قبل الخلد ﴾ على أن هذه الآثار لا تدوم ولا تخلق للبقاء وإنما خلقت للابتداء والامتحان ولكي يتوصل بها المكلفون إلى السعادات المدخرة لهم في الآخرة وهي دار الخلود.
وبوجه آخر لما فرغ من دلائل الآفاق شرع في دلائل الأنفس فقال: ﴿ وما جعلنا ﴾ الآية، عن مقاتل أن ناساً كانوا يقولون إن محمداً لا يموت فنزلت وقيل: لعلهم ظنوا أنه لو مات لتغير الشرع وهذا ينافي كونه خاتم الأنبياء، فبين الله أن حاله كحال من تقدمه من الأنبياء في المفارقة من دار الدنيا.
والأكثرون على أن سبب النزول هو أنهم كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله عنه الشماتة لهذه وفي معناه قول القائل: فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا.
قوله ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قد تقدم في آخر آل عمران تفسيره.
قوله ﴿ ونبلوكم ﴾ أي نعاملكم معاملة المختبر بما نسوق إليكم من الشرور والخيرات فيظهر عندهما صبركم وشكركم.
وقدم الشر لأن الموت من باب الشرور في نظر أهل الظاهر.
و ﴿ فتنة ﴾ مصدر مؤكد ﴿ لنبلوكم ﴾ من غير لفظه.
وحين أثبت الموت الذي هو الفراق عن دار التكليف بين بقوله ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ أن الجزاء على الأعمال ثابت مرئي ألبتة بعد المفارقة.
استدلت المجسمة بقوله ﴿ وإلينا ﴾ أنه جسم ليمكن الرجوع إلى حيث هو، والتناسخية بأن الرجوع مسبوق بالكون في المكان المرجوع إليه، وجواب الأولين أنه أراد الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له، وجواب الآخرين التسليم لكنه لا يفيد مطلوبهم لأن الرجوع إلى المبدأ غير الرجوع إلى دار الدنيا، واعلم أن مثل هذه الآية سيجيء في سورة العنكبوت إلا أنه قال هناك ﴿ ثم إلينا ﴾ ولم يذكر قوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ فكأن هذه الفاصلة قامت مقام التراخي في "ثم" قال السدي ومقاتل: "مر النبي بأبي جهل وأبي سفيان فقال ابو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف.
فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف!
فسمع النبي قولهما فقال لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلت حمية" فأنزل الله ﴿ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ﴾ اي ما يتخذونك ﴿ إلا هزوا ﴾ ثم فسر ذلك بقوله ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ والذكر أعم من أن يكون بالخير أو بالشر إلا أنه إذا كان من العدو يفهم منه الذم لا الثناء، والمعنى أنه يبطل معبوديتها وينكر عبادتها ويقبح أمرها ثم بين غاية جهالتهم وتعكيس قضيتهم بقوله ﴿ وهم بذكر الرحمن هم كافرون ﴾ قدم الجار والمجرور وكرر الضمير ليفيد أنهم عاكفون هممهم على ذكر آلهتهم من كونها شفعاء وشهداء، ولو ذكرها بخلاف ذلك ساءهم.
وأما ذكر الرحمن الذي منه جلائل النعم ودقائقها وأصولها وفروعها فلا يخطر منهم ببال، ولو ذكره ذاكر استهزؤا به حتى إن بعضهم يقولون: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فهم أحق أن يتخذوا هزواً.
ويحتمل أن تكون الباء للسببية أي هم كافرون بسبب ذكرهم الرحمن لا على ما ينبغي، فيكون الذكر في الموضعين بمعنى واحد.
وقيل ﴿ بذكر الرحمن ﴾ أي بما أنزل إليك من القرآن وكانوا يستعجلون بعذاب الله كما يجيء من قوله ﴿ ويقولون متى هذا الوعد ﴾ فقدم لذلك أولاً مقدمة هي قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ من عجل ﴾ أراد أنه مجبول على إفراط العجلة كما مر في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ وعن ابن عباس أنه آدم اراد أن يقوم حين بلغ الروح صدره، وعن مجاهد أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يا رب عجل خلقي قبل أن تغيب الشمس.
وعن ابن عباس أيضاً أنه النضر بن الحرث والأول أظهر.
وقيل: العجل الطين بلغة حمير، وقال الأخفش: اي من العجل في الأمر وهو قوله ﴿ كن ﴾ وقيل: هو على القلب أي خلق العجل من الإنسان ﴿ سأريكم آياتي ﴾ وهي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإنها كائنة لا محالة في وقتها وقيل: هي أدلة التوحيد وصدق الرسول.
وقيل: آثار القرون الخالية بالشام واليمن.
سؤال: ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ فيه أن الآدمي معذور على الاستعجال لأنه له كالأمر الطبيعي الذي لا بد منه، فلم رتب عليه النهي بقوله ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ؟
وأجيب بأن فيه تنبيهاً على أن ترك العجلة حالة شريفة وخصلة عزيزة.
وقال جار الله: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها.
آخر: القوم استعجلوا الوعد على جهة التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً في الحقيقة؟
أجيب بأن الاستعجال على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه استعجال على أمر موهوم عندهم لا معلوم ﴿ لو يعلم ﴾ جواب "لو" محذوف و ﴿ حين ﴾ مفعول به ﴿ ليعلم ﴾ والمعنى لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه وهو وقت إحاطة النار بهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال.
ويجوز أن يكون ﴿ يعلم ﴾ متروك المفعول أي لو كانوا من أهل العلم لما كانوا مستعجلين، وعلى هذا يكون ﴿ حين ﴾ منصوباً بمضمر أي حين لا يكفون يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وخص الوجوه والظهور بالذكر لأن نكاية النار في هذين العضوين اشد مع أن الإحاطة التامة تفهم منهما.
ثم بين أن وقت مجيء العذاب غير معلوم لهم فإن مجيء الساعة مخفي عن المكلفين ليكونوا أقرب إلى تلاقي الذنوب فقال ﴿ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ﴾ قال جار الله: أي لا يكفونها بل تفجؤهم فتغلبهم.
قلت: فائدة "بل" في هذه المقامات للانتقال من جملة إلى أخرى أهم من الأولى، ويحتمل أن تكون "لو" لظاهر التمني والضمير للنار.
وقيل: للساعة.
وفي قوله ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ تذكير بإمهالهم في دار الدنيا أي ثم يهلكون بعد طول الإمهال.
ثم سلى رسوله بقوله ﴿ ولقد استهزئ ﴾ الآية.
وقد مرت في أول الأنعام.
ولما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار ذكر أنهم في الدنيا ايضاً مفترقون إلى حراسة الله وكلاءته فقال ﴿ قل من يكلؤكم بالليل ﴾ إذا نمتم ﴿ والنهار ﴾ إذا تقلبتم في وجوه المصالح ﴿ من الرحمن ﴾ أي من بأسه وعذابه كالقتل والسبي ونحوهما.
قيل: إنما خص الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ونظيره ﴿ ما غرك بربك الكريم ﴾ ثم أضرب عن الأمر بالاستفهام قائلاً ﴿ بل هم عن ذكر ربهم معرضون ﴾ لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه كأنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.
أما قوله ﴿ أم لهم آلهة تمنعهم ﴾ فذكر في الكشاف أنه إضراب عن الكلام السابق بما في "أم" من معنى "بل".
وقال غيره: الميم زائدة وإنه استفهام مستأنف والتقدير ألهم آلهة تمنعهم من دوننا من العذاب، ومعنى ﴿ من دوننا ﴾ أن تلك الآلهة لا تتجاوز منعنا وحفظنا ثم استأنف فقال ﴿ لا يستطيعون ﴾ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف اي تلك الآلهة ليست تقدر على نصر أنفسها فكيف تحفظ غيرها وتنصرها.
وقوله ﴿ ولا هم منا يصبحون ﴾ قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته.
والأكثرون على أنه من الصحبة بمعنى النصرة والمعونة ومنه قولهم "صبحك الله".
والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة والنصرة كيف يتوقع منه دفع ضر أو جلب نفع!
ولما ابطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الحفظ والكلاءة والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الإهلاك ولا من ناصر يعينهم على أسباب التمتع سوى الله.
وفي قوله ﴿ حتى طال عليهم العمر ﴾ إشارة إلى أنه لما امتدت أيام الروح والطمأنينة حسبوا أن ذلك لن يزول عنهم فاغتروا به ونسوا المنعم فاستأهلوا العقاب كما أشار إليه بقوله ﴿ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ وفي لفظ الإتيان تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين الذين هم حزب الله من نقص ديار الكفر وتخريبها وعمارة حوزة الإسلام وتشييد مبانيه وقد مر مثله في آخر سورة الرعد.
والاستفهام في قوله ﴿ أفهم الغالبون ﴾ للتقرير أي لنحن الغالبون وهم المغلوبون.
ثم بين أن هذه الإنذارات ليست من قبل الرسول ولكنه بالوحي، ثم مهد عذر الرسول إن لم تنجع فيهم رسالته بأن الصم لا يسمعون دعاء المنذر.
واللام في ﴿ الصم ﴾ للعهد أي لا يسمع هؤلاء الإنذار فوضع ﴿ الصم ﴾ في موضع اسم الإشارة إيذاناً بأنهم هم الموسومون بالصمم عن استماع الحق، ولو كان اللام للجنس لكان الأنسب إطلاق الدعاء لأن الصم لا تسمع الدعاء بشروا أو أنذروا.
ثم ذكر أنهم لا يعترفون بالتقصير والظلم إلا عند معاينة العذاب فقال: ﴿ ولئن مستهم نفحة ﴾ وفي ذكر المس وبناء المرة من النفح الذي هو بمعنى القلة والنزارة.
منه قولهم "نفحه بعطية" اي رضخة، "ونفحته الدابة" وهو رمح يسير دليل على أنهم في غاية الضعف يجزعون من أدنى أثر من عذاب الله.
قوله ﴿ ونضع الموازين القسط ﴾ المراد من الوضع الإحضار والقسط اي العدل صفة الموازين وإن كان موحداً كقولهم للقوم "إنهم عدل" قاله الفراء.
وعن الزجاج أراد ذوات القسط.
واللام في ﴿ ليوم القيامة ﴾ بمعنى الوقت كما يقال "جئت لتاريخ كذا".
وقيل: أراد لأجل الحساب يوم القيامة.
وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول سورة الأعراف.
يروي أن داود سال ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم افاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟
فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.
وفي قوله ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً ﴿ وإن كان ﴾ أي الوزن والعمل ﴿ مثقال حبة من خردل أتينا بها ﴾ أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة.
قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: حبة من خردل؟
وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة.
وقوله ﴿ من خردل ﴾ بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه.
والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه.
رؤي الشبلي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟
فقال: حاسبوني فدققوا *** ثم منوا فأعتقوا قال في التفسير الكبير: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان.
والآية تبطل قوله لأن الله تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة.
قلت: للجبائي أن يقول: الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو.
﴿ وكفى بنا حاسبين ﴾ كقوله ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ وحين فرغ من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء تسلية لنبيه وتثبيتاً وعظة لأمته وتذكيراً، وقد مر قصة موسى إلا أنه أوجز فيها ههنا والموجز تقدمه الفصحاء غالباً، ولأن موسى أقوى حالاً ومعجزة، ولأن ذكر التوراة يناسب ما تقدم من قوله ﴿ قل إنما أنذركم بالوحي ﴾ وصف التوراة بأنها جامعة لكونها فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وقد مر سائر تفاسير الفرقان في أول البقرة ﴿ وضياء ﴾ كقوله ﴿ فيها هدى ونور ﴾ ﴿ وذكراً للمتقين ﴾ اي شرفاً وموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم وقوله ﴿ بالغيب ﴾ إما حال من الرب أي حال كونه غائباً عن حسهم والله لا يغيب عنه شيء فيكون كقوله "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وإما حال منهم أي حال كونهم غائبين عن عذاب الآخرة وأهوالها، أو غائبين عن الناس أي يخشون ربهم في الخلوات.
ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ وهذا ذكر مبارك ﴾ أي كثير البركة ﴿ أنزلناه أفأنتم له منكرون ﴾ أي أنتم دون سائر الناس مع علمكم بفصاحته وإعجازه تخصونه بالإنكار.
ولا يخفى ما فيه من التوبيخ للعرب ومن داناهم.
التأويل: ﴿ أم اتخذوا آلهة ﴾ من ارض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية ﴿ آلهة إلا الله ﴾ كالعقل والهوى ﴿ لفسدتا ﴾ كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين اثبتت عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ لأن أفعاله صادرة عن الحكمة والقدرة ﴿ وهم يسألون ﴾ لأن أفعالهم منشؤها الظلومية والجهولية ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ لأنه ليس فيهم ما يخالف داعية العقل وهو الطبع الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في قوله ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ ففي التكريم تكثير ليس في الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من خجالة قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ وما خلفهم ﴾ من الأمر بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض ﴿ أو لم ير الذين كفروا ﴾ يعني أنهم رأوها في عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة ألاف سنة ﴿ كانتا رتقاً ﴾ أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب ﴿ ففتقناهما ﴾ بالمفارقة وقطع التعلق ﴿ وجعلنا من ﴾ ماء حياة العلم ﴿ كل شيء حي ﴾ بالحياة الأبدية ﴿ وجعلنا في الأرض ﴾ أرض القالب ﴿ رواسي ﴾ هي هموم العلائق البدنية ﴿ أن تميد بهم ﴾ فلولاها لمالت كل نفس إلى عمالها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس ﴿ فجاجاً سبلاً ﴾ هي طرق الإرشاد والتسليك ﴿ وجعلنا ﴾ سماء القلب ﴿ سقفاً محفوظاً ﴾ من وساوس شياطين الإنس والجن ﴿ وهو الذي خلق ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك الطريقة، وأهل الولاية في فلك اطوار الحقيقة ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أما النفس الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعملية التي هي فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ربه ﴿ ونبلوكم ﴾ بالمكروهات التي تسمونها شراً بالمحبوبات التي تحسبونها خيراً ﴿ فتنة ﴾ فربما كان الأمر عكس ما تصورتم ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ اختياراً وقهراً ﴿ وإذا رآك الذين كفروا ﴾ فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ستة أيام وخمرت طينة آدم أربعين صباحاً مع أن فيها أنموذجاً من الكل واستعداداً لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ سأريكم آياتي ﴾ اي في مظاهر الآفاق ومرايا أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإن حد الاستكمال من المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا سليمان الوقت.
ويمكن أيضاً أن يقال: إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿ بالليل والنهار ﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿ بل متعنا هؤلاء ﴾ الجهال ﴿ وآباءهم ﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة.
ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ البشرية ﴿ ونضع الموازين ﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿ نحن قسمنا ﴾ ﴿ تلك الرسل فضلنا ﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ .
قوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ ﴾ استفهام في الظاهر من الخلق، لكن ذلك من الله على الإيجاب كأنه قال: قد اتخذوا آلهة، وهكذا كل ما خرج في الظاهر من الله على الاستفهام فإنه على الإيجاب؛ لأنه عالم بما كان ويكون لا يخفى عليه شيء، وأما الخلق فإنه يجوز أن يستفهم بعض من بعض لما يخفى على بعض أمور بعض، فيطلب بعضهم من بعض العلم والفهم بذلك، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ \[يحتمل\] وجهين: أحدهما: ﴿ هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ أي يخلقون، أي: اتخذوا آلهة لا يخلقون؛ كقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ ﴾ وكيف اتخذوا آلهة لا يخلقون؟
وإنما يعرف الإله بالخلق وبآثار تكون في الخلق، فإذا لم يكن من هؤلاء خلق كيف اتخذوها آلهة؟!
والثاني: ﴿ هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ ، أي: يبعثون ويحيون.
فإن كان على البعث والإحياء فكأنه يقول: كيف اتخذوا من لا يملك البعث والإحياء آلهة؟!
وخلق الخلق [لا] للبعث والإحياء بعد الموت يخرج على غير الحكمة في الظاهر؛ لأن من بني في الشاهد بناء للنقض خاصة لا لعاقبة تقصد به كان غير حكيم في فعله عابثاً في بنائه، وكذلك قوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\]، جعل خلق الخلائق لا للرجوع إليه عبثاً، فيخرج هذا على وجهين: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً ﴾ ، أي: قد اتخذوا آلهة من الأرض ﴿ هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ .
أو لم يتخذوا آلهة من الأرض هم يملكون النشر أو النشور، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة: (لو كان فيهن آلهة لفسدن).
ثم يحتمل قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ وجوهاً: أحدها: ﴿ لَفَسَدَتَا ﴾ ، أي: لم يكونا من الأصل؛ لأن العرف في الملوك أن ما بني هذا وأثبته يريد الآخر نقضه وإفناءه، فلم يثبتا ولم يكونا من الأصل لو كانا لعدد.
والثاني: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ : لم تكن منافع إحداهما متصلة بمنافع الأخرى للخلق؛ إذ يمنع كل واحد منهما منافع ما خلق هو من أن تصل إلى الأخرى، فإذا اتصلت منافع إحداهما بالأخرى، دل أنه صنع واحد وتدبير واحد لا عدد.
والثالث: لو كان عدداً، لكان لا يخرج تدبيرهما على حد واحد في كل عام، فإذا اتسق التدبير وجرى الأمر في كل عام على سنن واحد؛ دل أنه تدبير واحد لا عدد؛ إذ لو كان لعدد لكان يختلف الأمر في كل عام ولم يتسق على سنن واحد، ولا جرى على أمر واحد.
وقال بعضهم: هو قول الله: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ \[المؤمنون: 91\] على ما هو من عادة ملوك الأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ من الولد والشريك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه لا يسأل؛ لأن ما يفعل يفعل في ملكه وسلطانه، وإنما يسأل من فعل في سلطان غيره وملك غيره، ففي ذلك دلالة أنه لا يجوز التناول في شيء إلا بالأمر والإباحة من مالكه، فيبطل قول من يقول: هو على الإطلاق والإباحة في الأصل.
والثاني: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ ؛ لأنه حكيم بذاته لا يخرج فعله عن الحكمة، فإنما يسأل من يحتمل فعله السفه، فأما من لا يحتمل فعله إلا الحكمة، فإنه لا يحتمل السؤال: لم فعلت؟
ولماذا فعلت؟
والثالث: لو احتمل السؤال عما يفعل لاحتمل الأمر والنهي: أن افعل كذا، ولا تفعل كذا، وذلك محال، ولو ثبت الأمر فيه لكان يخرج سؤاله سؤال حاجة؛ لأن من يأمر من فوقه بأمر فإنما يكون أمره سؤال حاجة، ومن يأمر من دونه فيكون أمره أمراً.
وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ .
فيه دلالة لزوم الدليل على النافي؛ لأنه لما قال: ﴿ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ كان لهم أن يقولوا: هات أنت البرهان على ما ادعيت من الألوهية، ونحن ننكر ذلك، فإذا لم يكونوا يقولون ذلك، دل أن الدلالة تلزم النافي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ .
أي: هذا القرآن ﴿ ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ .
قال بعضهم: هذا القرآن فيه ذكر من معي من الحلال والحرام، ﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ ، أي: فيه ذكر أعمال الأمم السالفة وأخبارهم وما صنع الله بهم إلى ما صاروا إليه.
أو أن يكون قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ ﴾ أي: خبر من معي وخبر من قبلي؛ فيكون فيه دليل رسالته؛ لأنه أخبر عن أنباء الأمم السالفة وأخبارهم على ما ذكرت في كتبهم من غير أن علم ما في كتبهم بتعلم منهم أو بنظر كان منه فيها؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله.
ويشبه أن يكون تأويل قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ ما ذكر: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ ﴾ ، أي: هذا ذكر من معي وذكر الرسل من قبلي ومن معهم، أي: هذا الذكر أرسلني إلى من معي وأرسل الذين من قبلي إلى قومهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ : كذلك كانوا لا يعلمون الحق بإعراضهم عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ ﴾ ، أخبر: أنه لم يرسل رسولاً من قبل إلا بما ذكر من قوله: ﴿ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ فَٱعْبُدُونِ ﴾ أي: وحدوني في الألوهية لا تصرفوا الألوهية إلى غيري، ولا تشركوا من دوني في ألوهيتي.
أو أن يكون: ﴿ فَٱعْبُدُونِ ﴾ أي: إليَّ؛ فاصرفوا العبادة إليَّ، ولا تصرفوا العبادة إلى من دوني، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
بل اتخذوا من دون الله معبودات، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هاتوا حجتكم على استحقاقها للعبادة، فهذا الكتاب المنزل علي، والكتب المنزلة على الرسل لا حجة لكم فيها، بل معظم المشركين لا يستندون إلا إلى الجهل والتقليد، فهم معرضون عن قبول الحق.
من فوائد الآيات الظلم سبب في الهلاك على مستوى الأفراد والجماعات.
ما خلق الله شيئًا عبثًا؛ لأنه سبحانه مُنَزَّه عن العبث.
غلبة الحق، ودحر الباطل سُنَّة إلهية.
إبطال عقيدة الشرك بدليل التَّمَانُع.
<div class="verse-tafsir" id="91.AnbAN"