الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٣٦ من سورة الأنبياء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 80 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٦ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه ، ( وإذا رآك الذين كفروا ) يعني : كفار قريش كأبي جهل وأشباهه ( إن يتخذونك إلا هزوا ) أي : يستهزئون بك وينتقصونك ، يقولون : ( أهذا الذي يذكر آلهتكم ) يعنون : أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم ، قال تعالى : ( وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) أي : وهم كافرون بالله ، ومع هذا يستهزئون برسول الله ، كما قال في الآية الأخرى : ( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا .
إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ) [ الفرقان : 41 ، 42 ] .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( وَإِذَا رَآكَ ) يا محمد ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله، ( إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا ) يقول: ما يتخذونك إلا سخريا يقول بعضهم لبعض ( أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ) يعني بقوله: يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها، تعجبا منهم من ذلك، يقول الله تعالى ذكره: فيعجبون من ذكرك يا محمد آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بسوء ( وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ ) الذي خلقهم وأنعم عليهم، ومنه نفعهم، وبيده ضرّهم، وإليه مرجعهم بما هو أهله منهم؛ أن يذكروه به ( كافرون ) والعرب تضع الذكر موضع المدح والذمّ، فيقولون: سمعنا فلانا يذكر فلانا، وهم يريدون سمعناه يذكره بقبيح ويعيبه؛ ومن ذلك قول عنترة: لا تَذْكُــرِي مُهْـرِي ومَـا أطْعَمْتُـهُ فَيكُـونَ جِـلْدُكِ مِثـلَ جِـلْدِ الأجْرَبِ (1) يعني بذلك: لا تعيبي مهري.
وسمعناه يُذكر بخير.
------------------------------- الهوامش : (1) البيت لعنترة بن عمرو بن شداد العبسي ( مختار الشعر الجاهلي ، بشرح مصطفى السقا ، طبعة الحلبي ، ص 396 ) يقول : لا تلوميني بذكر مهري وطعامه ، وإلا نفرت منك كما ينفر الصحيح من الأجرب .
يعني لا تعيبي مهري ولا تلوميني من أجل اهتمامي به ، فهو وسيلتي للدفاع عنك وعن قومي .
قوله تعالى : وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرونقوله تعالى : وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أي ما يتخذونك .
والهزء السخرية ؛ وقد تقدم وهم المستهزئون المتقدمو الذكر في آخر سورة ( الحجر ) في قوله : إنا كفيناك المستهزئين .
كانوا يعيبون من جحد إلهية أصنامهم وهم جاحدون لإلهية الرحمن ؛ وهذا غاية الجهل .
أهذا الذي أي يقولون : أهذا الذي ؟
فأضمر القول وهو جواب إذا وقوله : إن يتخذونك إلا هزوا كلام معترض بين إذا وجوابه .
يذكر آلهتكم أي بالسوء والعيب .
ومنه قول عنترة :لا تذكري مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجربأي لا تعيبي مهري .
وهم بذكر الرحمن أي بالقرآن .
هم كافرون هم الثانية توكيد كفرهم ، أي هم الكافرون مبالغة في وصفهم بالكفر .
وهذا من شدة كفرهم، فإن المشركين إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، استهزأوا به وقالوا: { أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ْ} أي: هذا المحتقر بزعمهم، الذي يسب آلهتكم ويذمها، ويقع فيها، أي: فلا تبالوا به، ولا تحتفلوا به.
هذا استهزاؤهم واحتقارهم له، بما هو من كماله، فإنه الأكمل الأفضل الذي من فضائله ومكارمه، إخلاص العبادة لله، وذم كل ما يعبد من دونه وتنقصه، وذكر محله ومكانته، ولكن محل الازدراء والاستهزاء، هؤلاء الكفار، الذين جمعوا كل خلق ذميم، ولو لم يكن إلا كفرهم بالرب وجحدهم لرسله فصاروا بذلك، من أخس الخلق وأرذلهم، ومع هذا، فذكرهم للرحمن، الذي هو أعلى حالاتهم، كافرون بها، لأنهم لا يذكرونه ولا يؤمنون به إلا وهم مشركون فذكرهم كفر وشرك، فكيف بأحوالهم بعد ذلك؟
ولهذا قال: { وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ْ} وفي ذكر اسمه { الرَّحْمَنِ ْ} هنا، بيان لقباحة حالهم، وأنهم كيف قابلوا الرحمن - مسدي النعم كلها، ودافع النقم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع السوء إلا إياه - بالكفر والشرك.
( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ) [ ما يتخذونك ] ( إلا هزوا ) [ سخريا ] قال السدي : نزلت في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وسلم فضحك ، وقال : هذا نبي بني عبد مناف ( أهذا الذي ) أي يقول بعضهم لبعض أهذا الذي ، ( يذكر آلهتكم ) أي يعيبها ، يقال : فلان يذكر فلانا أي يعيبه ، وفلان يذكر الله أي يعظمه ويجله ، ( وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) وذلك أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة ، " وهم " الثانية صلة .
«وإذا رآك الذين كفروا إن» ما «يتخذونك إلا هزواً» أي مهزوءاً به يقولون «أهذا الذي يذكر آلهتكم» أي يعيبها «وهم بذكر الرحمن» لهم «هم» تأكيد «كافرون» به إذا قالوا ما نعرفه.
وإذا رآك الكفار - أيها الرسول - أشاروا إليك ساخرين منك بقول بعضهم لبعض: أهذا الرجل الذي يسبُّ آلهتكم؟
وجحدوا بالرحمن ونعمه، وبما أنزله من القرآن والهدى.
ثم حكى - سبحانه - جانبا من السفاهات التى كان المشركون يقابلون بها النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً ) .أى : وإذا أبصرك المشركون - أيها الرسول الكريم - سخروا منك ، واستخفوا بك وقالوا على سبيل التهوين من شأنك : ( أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ) أى : أهذا هو مدعى النبوة الذى يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها ، وينفى شفاعتها لنا ، وأنها تقربنا إلى الله زلفى .وقوله - سبحانه - : ( وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ ) فى محل نصب حال من ضمير القول المقدر .أى : أنهم يقولون فيما بينهم أهذا هو الرسول الذى يذكر آلهتكم بسوء ، والحال أن هؤلاء المشركين الجاهلين ، كافرون بالقرآن الذى أنزله الله - تعالى - عليك - أيها الرسول الكريم - لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور .فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء المشركين جهالاتهم وسفاهاتهم ، حيث استكثروا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يذم آلهتهم التى لا تنفع ولا تضر ولم يستكثروا على أنفسهم ، أن يكفروا بخالقهم وبذكره الذى أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليكون رحمة لهم .قال صاحب الكشاف : الذكر يكون بخير وبخلافه .
فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد .
كقولك للرجل : سمعت فلانا يذكرك ، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء ، وإن كان عدوا فهو ذم ، ومنه قوله : ( أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ) .والمعنى : أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم ، وربما يجب أن لا تذكر به من كونهم شفعاء وشهداء .ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك .
وأما ذكر الله - تعالى - وما يجب أن يذكر به من الوحدانية ، فهم به كافرون لا يصدقون به أصلا ، فهم أحق بأن يُتَّخَذُوا هزوا منك ، فإنك محق وهم مبطلون .
.
.
فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان ، وأساءوا الأدب مع الرحمن " .
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استدل بالأشياء الستة التي شرحناها في الفصل المتقدم وكانت تلك الأشياء من أصول النعم الدنيوية أتبعه بما نبه به على أن هذه الدنيا جعلها كذلك لا لتبقى وتدوم أو يبقى فيها من خلقت الدنيا له، بل خلقها سبحانه وتعالى للإبتلاء والامتحان، ولكي يتوصل بها إلى الآخرة التي هي دار الخلود.
فأما قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الخلد ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: قال مقاتل: أنا أناساً كانوا يقولون إن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يموت فنزلت هذه الآية.
وثانيها: كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا أي قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا بشراً فلا أنت ولا هم إلا عرضة للموت أفائن مت أنت أيبقى هؤلاء لا وفي معناه قول القائل: فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا وثالثها: يحتمل أنه لما ظهر أنه عليه السلام خاتم الأنبياء جاز أن يقدر مقدر أنه لا يموت إذ لو مات لتغير شرعه فنبه الله تعالى على أن حاله كحال غيره من الأنبياء عليهم السلام في الموت.
أما قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: أن هذا العموم مخصوص فإنه تعالى نفس لقوله: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ مع أن الموت لا يجوز عليه وكذا الجمادات لها نفوس وهي لا تموت، والعام المخصوص حجة فيبقى معمولاً به فيما عدا هذه الأشياء، وذلك يبطل قول الفلاسفة في أن الأرواح البشرية والعقول المفارقة والنفوس الفلكية لا تموت.
والثاني: الذوق هاهنا لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق بل الذوق إدراك خاص فيجوز جعله مجازاً عن أصل الإدراك، وأما الموت فالمراد منه هاهنا مقدماته من الآلام العظيمة لأن الموت قبل دخوله في الوجود يمتنع إدراكه وحال وجوده يصير الشخص ميتاً ولا يدرك شيئاً.
والثالث: الإضافة في ذائقة الموت في تقدير الإنفصال لأنه لما يستقبل كقوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلّى الصيد ﴾ ، و ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الابتلاء لا يتحقق إلا مع التكليف، فالآية دالة على حصول التكليف وتدل على أنه سبحانه وتعالى لم يقتصر بالمكلف على ما أمر ونهى وإن كان فيه صعوبة بل ابتلاه بأمرين: أحدهما: ما سماه خيراً وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور والتمكين من المرادات.
والثاني: ما سماه شراً وهو المضار الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين، فبين تعالى أن العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين، لكي يشكر على المنح ويصبر في المحن، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم.
المسألة الثانية: إنما سمي ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال العالمين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار.
المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: ﴿ فِتْنَةً ﴾ مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه.
المسألة الرابعة: احتجت التناسخية بقوله: ﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ فإن الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه.
والجواب: أنه مذكور مجازاً.
المسألة الخامسة: المراد من قوله: ﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ أنهم يرجعون إلى حكمه ومحاسبته ومجازاته، فبين بذلك بطلان قولهم في نفي البعث والمعاد، واستدلت التناسخية بهذه الآية، وقالوا: إن الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه، وقد كنا موجودين قبل دخولنا في هذا العالم واستدلت المجسمة بأنا أجسام، فرجوعنا إلى الله تعالى يقتضي كون الله تعالى جسماً.
والجواب عنه قد تقدم في مواضع كثيرة.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَاكَ الذين كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هزؤاً ﴾ قال السدي ومقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو سفيان مع أبي جهل، فقال أبو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف، فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف.
فسمع النبي صلى الله عليه وسلم قولهما فقال لأبي جهل: «ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان: فإنما قلت ما قلت حمية» فنزلت هذه الآية، ثم فسر الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ أهذا الذي يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ ﴾ والذكر يكون بخير وبخلافه، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل سمعت فلاناً يذكرك، فإن كان الذاكر صديقاً فهو ثناء، وإن كان عدواً فهو ذم، ومنه قوله تعالى: ﴿ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إبراهيم ﴾ والمعنى أنه يبطل كونها معبودة ويقبح عبادتها.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كافرون ﴾ فالمعنى أنه يعيبون عليه ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، مع ﴿ أَنَّهُمْ بِذِكْرِ الرحمن ﴾ الذي هو المنعم الخالق المحيي المميت ﴿ كافرون ﴾ ولا فعل أقبح من ذلك، فيكون الهزؤ واللعب والذم عليهم يعود من حيث لا يشعرون، ويحتمل أن يراد ﴿ بِذِكْرِ الرحمن ﴾ القرآن والكتب، والمعنى في أعادة (هم) أن الأولى إشارة إلى القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل، والثانية إبانة لاختصاصهم به، وأيضاً فإن في أعادتها تأكيداً وتعظيماً لفعلهم.
<div class="verse-tafsir"
الذكر يكون بخير وبخلافه، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد، كقولك للرجل: سمعت فلاناً يذكرك، فإن كان الذاكر صديقاً فهو ثناء، وإن كان عدوّاً فذم.
ومنه قوله تعالى: ﴿ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 60] وقوله: ﴿ أهذا الذى يَذْكُرُ الِهَتَكُمْ ﴾ والمعنى أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم وما يجب أن لا تذكر به، من كونهم شفعاء وشهداء.
ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك.
وأما ذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، فهم به كافرون لا يصدّقون به أصلاً فهم أحق بأن يتخذوا هزؤا منك، فإنك محق وهم مبطلون.
وقيل معنى ﴿ بِذِكْرِ الرحمن ﴾ قولهم: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة.
وقولهم ﴿ وَمَا الرحمن أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ [الفرقان: 60] وقيل: ﴿ بِذِكْرِ الرحمن ﴾ بما أنزل عليك من القرآن.
والجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزؤا.
وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ ﴾ ما يَتَّخِذُونَكَ.
﴿ إلا هُزُوًا ﴾ إلّا مَهْزُوءًا بِهِ ويَقُولُونَ: ﴿ أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ﴾ أيْ بِسُوءٍ، وإنَّما أطْلَقَهُ لِدَلالَةِ الحالِ فَإنَّ ذِكْرَ العَدُوِّ لا يَكُونُ إلّا بِسُوءٍ.
﴿ وَهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ بِالتَّوْحِيدِ أوْ بِإرْشادِ الخَلْقِ بِبَعْثِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ أوْ بِالقُرْآنِ.
﴿ هم كافِرُونَ ﴾ مُنْكِرُونَ فَهم أحَقُّ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّخْصِيصِ ولِحَيْلُولَةِ الصِّلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ.
﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ كَأنَّهُ خُلِقَ مِنهُ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ وقِلَّةِ ثَباتِهِ كَقَوْلِكَ: خُلِقَ زَيْدٌ مِنَ الكَرَمِ، جُعِلَ ما طُبِعَ عَلَيْهِ بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ وهو مِنهُ مُبالَغَةٌ في لُزُومِهِ لَهُ ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُ عَلى القَلْبِ ومِن عَجَلَتِهِ مُبادَرَتُهُ إلى الكُفْرِ واسْتِعْجالِ الوَعِيدِ.
رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ حِينَ اسْتَعْجَلَ العَذابَ.
﴿ سَأُرِيكم آياتِي ﴾ نِقَماتِي في الدُّنْيا كَوَقْعَةِ بَدْرٍ وفي الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ.
﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ بِالإتْيانِ بِها، والنَّهْيُ عَمّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم لِيُقْعِدُوها عَنْ مُرادِها.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذَا رَاكَ الذين كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ} ما يتخذونك {إلا هزوا} مفعول ثان ليتخذونك نزلت في أبي جهل مربه النبي صلى الله عليه وسلم فضحك وقال هذا نبي بني عبد مناف {أهذا الذي يذكر} يعيب {آلهتكم} والذكر يكون بخير وبخلافه فإن كان الذاكر صديقاً فهو ثناء وإن كان عدواً فذم {وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن} أي بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية {هُمْ كافرون} لا يصدقون به أصلافهم أحق أن يتخذوا هزواً منك فإنك محق وهم مبطلون وقيل بذكر الرحمن أي
بما أنزل عليك من القرآن هم كافرون جاحدون والجملة في موضع الحال أي يتخذونك هزواً وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله تعالى وكررهم للتأكيد أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبرا فأعيد المبتدأ
﴿ وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ ﴿ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا ﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوًّا بِهِ عَلى مَعْنى قَصْرِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ عامَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ هُزُوًا لا عَلى مَعْنى قَصْرِ اتِّخاذِهِمْ عَلى كَوْنِهِ هُزُوًا كَما هو المُتَبادَرُ كَأنَّهُ قِيلَ ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتِّخاذَكَ هُزُوًا.
والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ( إنْ يَتَّخِذُونَكَ ) إلَخْ جَوابُ ( إذا ) ولَمْ يُحْتَجْ إلى الفاءِ كَما لَمْ يُحْتَجْ جَوابُها المُقْتَرِنُ بِما إلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ ﴾ وهَذا بِخِلافِ جَوابِ غَيْرِ إذا مِن أدَواتِ الشَّرْطِ المُقْتَرِنِ بِما فَإنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ الِاقْتِرانُ بِالفاءِ نَحْوُ إنْ تَزُرْنا فَما نُسِيءُ إلَيْكَ، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ وهو يَقُولُونَ المَحْكِيُّ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ يَتَّخِذُونَكَ ﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ ولَيْسَ بِذاكَ، نَعَمْ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ فِيما ذُكِرَ وهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ( إنْ يَتَّخِذُونَكَ ) أوْ حالٌ أيْ ويَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ ويُفِيدانِ أنَّ المُرادَ يَذْكُرُ آلِهَتَكم بِسُوءٍ وقَدْ يُكْتَفى بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾ فَإنَّ ذِكْرَ العَدُوِّ لا يَكُونُ إلّا بِسُوءٍ وقَدْ تَحاشَوْا عَنِ التَّصْرِيحِ أدَبًا مَعَ آلِهَتِهِمْ.
وفي مَجْمَعِ البَيانِ تَقُولُ العَرَبُ ذَكَرْتَ فُلانًا أيْ عِبْتَهُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: لا تَذْكُرِي مَهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكِ مِثْلَ جِلْدِ الأجْرَبِ انْتَهى والإشارَةُ مِثْلُها في قَوْلِهِ: هَذا أبُو الصَّقْرِ فَرْدًا في مَحاسِنِهِ ∗∗∗ مِن نَسْلِ شَيْبانَ بَيْنَ الضّالِّ والسَّلَمِ فَيَكُونُ في ذَلِكَ نَوْعُ بَيانٍ لِلِاتِّخاذِ هُزُوًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ القَوْلِ المُقَدَّرِ، والمَعْنى أنَّهم يَعِيبُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ والحالُ أنَّهم بِالقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ رَحْمَةً كافِرُونَ فَهم أحِقّاءُ بِالعَيْبِ والإنْكارِ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( كافِرُونَ ) وبِهِ يَتَعَلَّقُ ( بِذِكْرِ ) وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ وإضافَتُهُ لامِيَّةٌ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأوَّلِ، والفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالمُؤَكِّدِ وبَيْنَ المُؤَكَّدِ والمُؤَكِّدِ بِالمَعْمُولِ جائِزٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ﴿ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ تَوْحِيدُهُ عَلى أنَّ ذِكْرَ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ وهم كافِرُونَ بِتَوْحِيدِ الرَّحْمَنِ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَدْعِي تَوْحِيدَهُ والإيمانَ بِهِ سُبْحانَهُ، وأنْ يُرادَ بِهِ عِظَتُهُ تَعالى وإرْشادُهُ الخَلْقَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وقِيلَ المُرادُ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ ذِكْرُهُ هَذا اللَّفْظَ وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى، والمُرادُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ قَوْلُهم ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ فَهو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ لا غَيْرَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجُمْلَةَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( يَتَّخِذُونَكَ ) أيْ يَتَّخِذُونَكَ هُزُوًا وهم عَلى حالٍ هي أصْلُ الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ وهي الكُفْرُ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّهُ مَرَّ عَلى أبِي سُفْيانَ.
وأبِي جَهْلٍ وهُما يَتَحَدَّثانِ فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تَنْكِرُ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ فَسَمِعَها النَّبِيُّ فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أما إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً».
وأنا أرى أنَّ القَلْبَ لا يُثْلَجُ لِكَوْنِ هَذا سَبَبًا لِلنُّزُولِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذلك أن النبيّ مر بأبي سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، فقال أبو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف كالمستهزئ، فنزل قوله: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً، يعني: ما يقولون لك إلا سخرية.
ثم قال: أَهذَا الَّذِي يعني: يقولون أهذا الذى يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ بالسوء؟
ويقال: أهذا الذي يعيب آلهتكم؟
وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ، يعني: جاحدين تاركين، وهذا كقوله عز وجل وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر: 45] قال الكلبي: وذلك حين نزل قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] فقال أهل مكة: ما يعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب، فنزل: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ [الأنبياء: 36] .
<div class="verse-tafsir"
أَفَهُمُ الخالدون، إنْ مِتَّ؟!
وقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ...
الآية: موعظةٌ «١» بليغةٌ لِمَنْ وُفِّقَ قال أَبو نُعَيْم: كان الثَّوْرِيُّ (رضي الله عنه) إذَا ذَكَرَ الموتَ لا يُنْتَفَعُ به أَيَّاماً» .
انتهى.
من «التذكرة» «٢» للقرطبيِّ.
قال عبدُ الحقِّ في «العاقبة» : وقد أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم بذكر الموتِ، وأَعَادَ القولَ فيه تهويلاً لأَمرهِ، وتعظيماً لشأْنِهِ، ثم قال: واعلم أَنّ كثرةَ ذِكْرِ الموت يُرْدِعُ عن المعاصي، ويلين القلب القاسي.
قال الحسن: ما رأيت عاقلا قطُّ إلا وجدته حَذِراً من الموت، حزيناً من أَجْلِهِ، ثم قال: واعلم: أَنَّ طُولَ الأَمَلِ يكسل عن العمل، ويُورِثُ التواني، ويخلد إلى الأرض، ويُمِيلُ إلى الهوى، وهذا أَمرٌ قد شُوهِدَ بالعيان فلا يحتاج إلى بيان، ولا يُطَالَبُ صَاحِبُهُ بالبرهان كما أَنَّ قِصَرَهُ يبعث على العَمَلِ، وَيَحْمِلُ على المُبَادَرَةِ، ويَحُثُّ على المسابقة قال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: «أنا النَّذِيرُ، والمَوْتُ المُغِيرُ، والسَّاعَةَ المَوْعِدُ» «٣» ذكره القاضي أبو الحسن بنُ صَخْرٍ في الفوائد.
انتهى.
وَنَبْلُوكُمْ معناه: نختبركم، وقدّم بِالشَّرِّ على لَفْظَةِ الْخَيْرِ لأَنَّ العَرَبَ من عادتها أن تقدّم الأقلّ والأردى ومنه قوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فاطر: ٣٢] .
فبدأ تعالى في تقسيم أمّة سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلّم بالظالم «٤» .
وفِتْنَةً معناه: امتحانا.
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)
وقوله تعالى: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا: كأبي جَهْلٍ وغيرِهِ، «وإن» بمعنى: «ما» ، وفي الكلام حَذْفٌ تقديره: يقولون: أهذا الذي؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ ناسًا قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا لا يَمُوتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: ما خَلَّدْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِن بَنِي آدَمَ، والخُلْدُ: البَقاءُ الدّائِمُ.
" أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ " يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ؛ لِأنَّهم قالُوا: ﴿ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخْتَبِرُكم بِما تُحِبُّونَ لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُكم، وبِما تَكْرَهُونَ لِنَنْظُرَ كَيْفَ صَبْرُكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَيْنا تُرْجَعُونَ ﴾ \[ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَرْجِعُونَ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ.
ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( يَرْجِعُونَ ) \] بِياءٍ مَضْمُومَةٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: المُسْتَهْزِئِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَحِكَ وقالَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ.
و" إنْ " بِمَعْنى ( ما )، ومَعْنى ﴿ هُزُوًا ﴾ : مَهْزُوءًا بِهِ.
﴿ أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَعِيبُ أصْنامَكم، وفِيهِ إضْمارٌ يَقُولُونَ.
﴿ وَهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم وهم بِذِكْرِ الرَحْمَنِ هم كافِرُونَ ﴾ ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ رَأيا رَسُولَ اللهِ في المَسْجِدِ فاسْتَهْزَءا بِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ وعُظَماءَهم يَعُمَّهم هَذا المَعْنى مِن أنَّهم يُنْكِرُونَ أخْذَ رَسُولِ اللهِ في أمْرِ آلِهَتِهِمْ، وذِكْرِهِ لَهم بِفَسادٍ.
و"إنْ" بِمَعْنى "ما"، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ: أهَذا الَّذِي؟
وقَوْلُهُ: "يَذْكُرُ" لَفْظٌ يَعُمُ المَدْحَ والذَمَ لَكِنَّ قَرِينَةَ المَقالِ أبَدًا تَدُلُّ عَلى المُرادِ مِنَ الذِكْرِ، وتَمَّ ما حَكى عنهم في قَوْلِهِ: "آلِهَتَكُمْ".
ثُمْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ قَرَنَ بِإنْكارِهِمْ ذِكْرَ الأصْنامِ كُفْرَهم بِذِكْرِ اللهِ، أيْ: فَهم أحَقُّ بِالمَلامِ، وهُمُ المُخْطِئُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذِكْرِ" أيْ: بِما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ بِهِ، و"لا إلَهَ إلّا اللهُ" مِنهُ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِذِكْرِ الرَحْمَنِ ﴾ ، رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ أنْكَرُوا هَذِهِ اللَفْظَةَ وقالُوا: ما نَعْرِفُ الرَحْمَنَ إلّا بِاليَمامَةِ، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ "الرَحْمَنِ" قُصِدَ بِهِ العِبارَةُ عَنِ اللهِ تَعالى، كَما لَوْ قالَ: وهم بِذِكْرِ اللهِ، وهَذا التَأْوِيلُ أغْرَقَ في ضَلالِهِمْ وخَطَئِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ تَوْطِئَةٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمُ العَذابَ، وطَلَبِهِمْ آيَةً مُقْتَرَحَةً، وهي مَقْرُونَةٌ بِعَذابٍ مُجْهِزٍ إنْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
ووَصَفَ تَعالى الإنْسانَ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ بِأنَّهُ خُلِقَ مِن عَجَلٍ، وهَذا عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ البَطّالِ: أنْتَ مِن لَعِبٍ ولَهْوٍ، وكَما قالَ رَسُولُ اللهِ : «لَسْتُ مِن دَدٍ ولا دَدٌ مِنِّي».
وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: وأنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ عَلى الفَمِ كَأنَّهم مِمّا كانُوا أهْلَ ضَرْبٍ لِلْهامِّ، ومُلازَمَةِ الضَرْبِ قالَ: إنَّهم مِنَ الضَرْبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يَتِمْ بِهِ مَعْنى الآيَةِ المَقْصُودُ في أنْ ذُمَّتْ عَجَلَتُهم وقِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ: إنَّ الآياتِ سَتَأْتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ : إنَّهُ عَلى المَقْلُوبِ، كَأنَّهُ أرادَ: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ جُعِلَ طَبِيعَةً مِن طَبائِعِهِ وجُزَءًا مِن أخْلاقِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ لَيْسَ فِيهِ مُبالَغَةٌ، وإنَّما هو إخْبارٌ مُجَرَّدٌ، وإنَّما حَمَلَ قائِلِيهِ عَلَيْهِ عَدَمُهم وجْهَ التَجْوُّزِ والِاسْتِعارَةِ في أنْ يَبْقى الكَلامُ عَلى تَرْتِيبِهِ، ونَظِيرُ هَذا القَلْبِ الَّذِي قالُوهُ قَوْلُ العَرَبِ: "إذا طَلَعَتِ الشِعْرى اسْتَوَتِ العُودُ عَلى الحِرْباءِ"، وكَما قالُوا: "عُرِضَتِ الناقَةُ عَلى الحَوْضِ"، وكَما قالَ الشاعِرُ: حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِرْبالِ آخُذُهُ ∗∗∗ فَرْدًا يُجَرُّ عَلى أيِدِي المُفْدِينا وَأمّا المَعْنى في تَأْوِيلِ مَن رَأى الكَلامَ مِنَ المَقْلُوبِ فَكالمَعْنى الَّذِي قَدَّمْناهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ: ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ إنَّما أرادَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ خَلَقَهُ اللهُ تَعالى في آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَتَعَجَّلَ بِهِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَمْسِ، ورَوى بَعْضُهم أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: يا رَبِّ أكْمِلْ خَلْقِي فَإنَّ الشَمْسَ عَلى الغُرُوبِ أو قَدْ غَرَبَتْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، ومَعْناهُ لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَجَلُ: الطِينُ، والمَعْنى: خُلِقَ آدَمُ مِن طِينٍ، وأنْشَدَ النَقّاشُ: ...................
∗∗∗ والنَخْلُ يَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ مُغايِرٌ لِمَعْنى الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ أيْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كُنْ"، فَهو حالُ عَجَلَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، وفِيهِ تَخْصِيصُ ابْنِ آدَمَ بِشَيْءٍ كُلُّ مَخْلُوقٍ يُشارِكُهُ فِيهِ، ولَيْسَ في هَذِهِ الأقْوالِ ما يَصِحُّ مَعْناهُ ويَلْتَئِمُ مَعَ الآيَةِ إلّا القَوْلُ الأوَّلُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خُلِقَ الإنْسانُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خَلَقَ الإنْسانَ" عَلى مَعْنى: خَلَقَ اللهُ الإنْسانَ، فَمَعْنى الآيَةِ بْجُمْلَتِها ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ ، عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن تَعَجُّلِ هَؤُلاءِ المَقْصُودِينَ بِالرَدِ.
ثُمْ تَوَعَدَّهم بِقَوْلِهِ: ﴿ سَأُرِيكم آياتِي ﴾ ، أيْ: سَيِأْتِي ما يَسُوؤُكم إذا مِتُّمْ عَلى كُفْرِكِمْ، يُرِيدُ يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرَهُ، ثُمْ فَسَّرَ تَعالى اسْتِعْجالَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ وكانَ اسْتِفْهامُهم عَلى جِهَةِ الهُزْءِ والتَكْذِيبِ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ يُرِيدُونَ مُحَمَّدًا ومَن آمَنَ بِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَتَوَعَّدُونَهم عَلى لِسانِ الشَرْعِ، ومَوْضِعُ "مَتى" رَفْعٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: يَكُونُ أو يَجِيءُ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
<div class="verse-tafsir"
هذا وصف آخر لما يؤذي به المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرونه فهو أخص من أذاهم إياه في مغيبه، فإذا رأوه يقول بعضهم لبعض: ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ .
والهُزُؤُ بضم الهاء وضم الزاي مصدر هَزَأ به، إذا جعله للعبث والتفكه.
ومعنى اتِّخاذه هُزْؤاً أنهم يجعلونه مستهزأ به فهذا من الإخبار بالمصدر للمبالغة، أو هو مصدر بمعنى المفعول كالخَلق بمعنى المخلوق.
وتقدم في سورة [الكهف: 106] قوله تعالى: ﴿ واتخذوا آياتي ورسلي هزؤاً ﴾ وجملة ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ مبيّنة لجملة ﴿ إن يتخذونك إلا هزؤاً ﴾ فهي في معنى قول محذوف دل عليه ﴿ إن يتخذونك إلا هزؤاً ﴾ لأن الاستهزاء يكون بالكلام.
وقد انحصر اتخاذُهم إياه عند رؤيته في الاستهزاء به دون أن يخلطوه بحديث آخر في شأنه.
والاستفهام مستعمل في التعجيب، واسم الإشارة مستعمل في التحقير، بقرينة الاستهزاء.
ومعنى ﴿ يذكر آلهتكم ﴾ يذكرهم بسوء، بقرينة المقام، لأنهم يعلمون ما يذكر به آلهتهم مما يسوءهم، فإن الذكر يكون بخير وبشرَ فإذا لم يصرح بمتعلقه يصار إلى القرينة كما هنا وكما في قوله تعالى الآتي: ﴿ قالوا سمعنا فتى يذكرهم ﴾ [الأنبياء: 60].
وكلامهم مسوق مساق الغيظ والغضب، ولذلك أعْقبه الله بجملة الحال وهي ﴿ وهم بذكر الرحمن هم كافرون ﴾ ، أي يغضَبون من أن تذكر آلهتهم بما هو كشف لكُنْهِها المطابق للواقع في حال غفلتهم عن ذكر الرحمان الذي هو الحقيق بأن يذكروه.
فالذكر الثاني مستعمل في الذكر بالثناء والتمجيد بقرينة المقام.
والأظهر أن المراد بذكر الرحمان هنا القرآن، أي الذكر الوارد من الرحمان.
والمناسبة الانتقال من ذكر إلى ذكر.
ومعنى كفرهم بذكر الرحمان إنكارهم أن يكون القرآن آية دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ﴾ [الأنبياء: 5].
وأيضاً كفرهم بما جاء به القرآن من إثبات البعث.
وعبر عن الله تعالى باسم ﴿ الرحمان ﴾ تَورُّكاً عليهم إذ كانوا يأبون أن يكون الرحمان اسماً لله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ﴾ في سورة [الفرقان: 60].
وضمير الفصل في قوله تعالى: ﴿ هم كافرون ﴾ يجوز أن يفيد الحصر، أي هم كافرون بالقرآن دون غيرهم ممن أسلم من أهل مكة وغيرهم من العرب لإفادة أنّ هؤلاء باقون على كفرهم مع توفر الآيات والنذر.
ويجوز أن يكون الفصل لمجرد التأكيد تحقيقاً لدوام كفرهم مع ظهور ما شأنه أن يقلعهم عن الكفر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنِيَّ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ مِن عَجَلٍ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ مُعَجَّلٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ وهو آخِرُ الأيّامِ السِّتَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ بَعْدَ إكْمالِ صُورَتِهِ ونَفْخِ الرُّوحِ في عَيْنَيْهِ ولِسانِهِ أنْ يُعَجِّلَ إتْمامَ خَلْقِهِ وإجْراءَ الرُّوحِ في جَمِيعِ جَسَدِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى ﴿ مِن عَجَلٍ ﴾ أيْ مِن طِينٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: والنَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ مَنبَتُهُ والنَّخْلُ يَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنِيَّ بِالإنْسانِ النّاسُ كُلُّهم، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ مِن عَجَلٍ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي خُلِقَ الإنْسانُ عَجُولًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: خُلِقَتِ العَجَلَةُ في الإنْسانِ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّالِثُ: يَعْنِي أنَّهُ خُلِقَ عَلى حُبِّ العَجَلَةِ.
والعَجَلَةُ تَقْدِيمُ الشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، والسُّرْعَةُ تَقْدِيمُهُ في أوَّلِ أوْقاتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: «مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف.
فغضب أبو سفيان فقال: ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي.
فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوّفه وقال: ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمك.
وقال لأبي سفيان: أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية» فنزلت هذه الآية ﴿ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً ﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قال ابن عباس: يعني المستهزئين.
[وهم الذين ذكرناهم في قوله: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ (١) (٢) ﴿ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ﴾ أي: ما يتخذونك إلا مهزوا به، كقوله: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ وقد مرَّ.
وقال السدي: نزلت في أبي جهل، مرَّ به النبي -صلي الله عليه وسلم- فضحك، وقال: هذا (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ ﴾ [فيه إضمار القول (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ﴾ كلام معترض بين إذا وجوابه.
قال ابن عباس في قوله: ﴿ يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ﴾ ] (٨) (٩) قال الفراء: وأنت قائل للرجل: لئن ذكرتني لتندمنّ.
وأنت تريد: بسوء، فيجوز ذلك.
وأنشد قول عنترة: لا تذكري فرسي وما أطْعَمْتُهُ ...
فيكون جلدك مثل جلد الأجرب (١٠) أي: لا تعيبي (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: يقال: فلان يذكر الناس، أي: يغتابهم، ويذكرهم بالعيوب.
[ويقال: فلان يذكر الله، أي: يصفه بالعظمة، ويثني عليه] (١٣) (١٤) وقال أهل المعاني: الذكر لا يكون بمعنى العيب (١٥) (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ وذلك أنهم قالوا ما نعرف الرحمن (١٨) قال صاحب النظم: "هم" الثانية (١٩) (٢٠) (٢١) وقيل (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (١) الحجر: 95.
قال الواحدي في "البسيط": (إنا كفيناك المستهزئين) بك، وهم خمسة نفر من المشركين: الوليد بن المغيرة.
والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث.
سلط الله عليهم جبريل حتى قتل كل واحد منهم أي: بآفة وكفى نبيه شرهم.
هذا قول عامة المفسرين.
اهـ.
والأولى أنها عامة في كل مستهزئ.
(٢) ساقط من (د)، (ع).
(٣) (هذا): ساقطة من (أ)، (ت).
(٤) بنو عبد مناف بطن من بطون قريش، من العدنانية.
وهم بنو عبد مناف -ومناف اسم صنم وأصل اسم عبد مناف المغيرة- بن قصي بن كلاب بن مرة.
ومن أفخاد بني عبد مناف: بنو هاشم وبنو المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل.
وكان بنو هاشم وبنو عبد شمس متقاسمين رئاسة بني عبد مناف.
انظر: "نسب قريش" للمصعب الزبيري ص 14 - 15، "البداية والنهاية" 2/ 254 - 255، "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" للقلقشندي ص 311، "معجم قبائل العرب" لكحالة 2/ 735.
(٥) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 630.
وهي رواية ضعيفة، لأنها مرسلة، فلا يعتمد كونها سببًا لنزول هذه الآية.
وقال الألوسي 17/ 48: وأنا أرى أن القلب لا يثلج لكون هذا سببا للنزول.
اهـ.
قال ابن عطية 10/ 148: وظاهر الآية أن كفار مكة وعظماءهم يعمهم هذا المعنى من أنهم ينكرون أخذ رسول الله - - في أمر آلهتهم، وذكره لهم بفساد.
(٦) في (د)، (ع): (من القول)، والمعنى: أن فيه إصمار "يقولون"، فيكون المعنى: وإذا رآك الذين كفروا -إن يتخذونك إلا هزوا- يقولون: أهذا ...
(٧) وفي جواب إذا وجه آخر وهو "إن" النافية وما في حيزها في قوله "إن يتخذونك" واستظهره أبو حيان.
انظر: "البحر المحيط" 6/ 312.
"الدر المصون" 8/ 155.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٩) ذكر ابن الجوزي 5/ 350 هذا القول من غير نسبة.
وانظر.
"تنوير المقباس" ص 202.
(١٠) البيت في "ديوانه" ص 272: لا تذكري مهري ...
وفي "معاني القرآن" للفراء 2/ 203: لا تذكري مهري ...
جلد الأشهب.
وفي "معاني القرآن" للزجاج 3/ 392 من غير نسبة: وفيه: (لونك) في موضع (جلدك).
وعند الطبري 17/ 25: لا تذكري مهري ...
الأجرب.
وهو من قصيدة يقولها لامرأة له تذكر خيله وتلومه في فرس كان يؤثرها.
انظر: "شرح ديوان" عنترة للشنتمري ص 272.
(١١) في (أ)، (ت): (تعيين)، وعند الفراء في "معانيه" 2/ 203: لا تعيبين بأثرة مُهري.
(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 203.
(١٣) ساقط من (ع).
(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 392.
(١٥) في (أ)، (ت): (اللعب)، وهو خطأ.
(١٦) في (د)، (ع): (بشر).
(١٧) (كما): ساقطة من (أ)، (ت).
(١٨) قال ابن عطية في "المحرر" 10/ 148: وظاهر الكلام أن "الرحمن" قصد به العبارة عن الله تعالى، كما لو قال: وهم بذكر الله، وهذا التأويل أغرق في ضلالهم وخطئهم.
وقال ابن جزي 3/ 55: "وهم كافرون" والجملة في موضع الحال، أي: كيف ينكرون ذمك لآلهتهم وهم يكفرون بالرحمن، فهم أحق بالملامة، وقيل -فذكر سبب النزول- ثم قال: والأولى أغرق في ضلالهم.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي 3/ 279: وفي ذكر اسمه الرحمن هنا بيان لقباحة حالهم، وأنهم كيف قابلوا الرحمن -مسدي النعم كلها، ودافع النقم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع السوء إلا هو- بالكفر والشرك.
اهـ (١٩) في (ت): (البائنة)، وهو خطأ.
(٢٠) ساقط من (أ)، (ع).
(٢١) ذكر الرازي 23/ 170 هذا المعنى باختصار.
(٢٢) انظر: "تفسير الرازي" 23/ 170، "البحر" 6/ 312، "الدر المصون" 8/ 155.
(٢٣) في (د)، (ع): (وقد).
(٢٤) في (د)، (ع): (الإلهية).
(٢٥) في (ع): (ممن).
(٢٦) في (أ)، (ت) زيادة: (وهم يجحدون إلهية من لا نعمة له)، وهي خطأ.
(٢٧) في (أ): (فهي منه ومنه)، وفي (ت): (فهي منه منه).
(٢٨) انظر: القرطبي 11/ 288.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ﴾ أي يذكرهم بالذم دلت على ذلك قرينة الحالن فإن الذكر قد يكون بذمّ أو مدح، والجملة تفسير للهزء أي يقولون: أهذا الذي ﴿ وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ ﴾ الجملة في موضع الحال أي كيف ينكرون ذمّك لآلهتهم وهم يكفرون بالرحمن، فهم أحق بالملامة، وقيل: معنى بذكر الرحمن تسميته بهذا الاسم، لأنهم أنكروها، والأول أغرق في ضلالهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إلا نوحي إليه ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ إني إله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ابن ذكوان.
﴿ ألم ير ﴾ بغير واو: ابن كثير الآخرون بواو متوسطة بين همزة الاستفهام والفعل ونظائرها كثيرة ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
﴿ ولا تسمع ﴾ من الاسماع خطأ بالنبي الصم بالنصب: ابن عامر.
الآخرون على الغيبة من السماع.
﴿ الصم ﴾ بالرفع ﴿ مثقال حبة ﴾ بالرفع على "كان" التامة وكذلك في سورة لقمان: أبو جعفر ونافع.
الباقون بالنصب.
الوقوف: ﴿ ينشرون ﴾ ه ﴿ لفسدتا ﴾ ج للابتداء ﴿ بسبحان ﴾ للتعظيم مع فاء التعقيب تعجيلاً للتنزيه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يسالون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ برهانكم ﴾ ج لاتحاد المقول من غير عاطف ﴿ قبلي ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ه { } ط ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لأن ما بعده صفة بعد صفة ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا يشفعون ﴾ ه لا للاستثناء ﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ففتقناهما ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ حي ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ محفوظاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف والحال ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ط ﴿ الخالدون ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ هزوا ﴾ ط ﴿ آلهتكم ﴾ ج لاحتمال الواو الإستئناف والحال ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ من عجل ﴾ ط ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ يستهزئون ﴾ ه ط ﴿ من الرحمن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ من دوننا ﴾ ط فصلاً بين الاستفهام والإخبار ﴿ يصبحون ﴾ ه ﴿ العمر ﴾ ط ﴿ من أطرافها ﴾ ط ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ بالوحي ﴾ ط لاستئناف ولا يسمع بالياء التحتانية والوصل أجوز لتتميم المقول، ومن قرأ على الخطاب وقف لأنه خرج عن المقول ﴿ ينذرون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أتينا بها ﴾ ط ﴿ حاسبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه لا لاتصال الصفة ولا يخفى أنه يحتمل النصب أو الرفع على المدح فيجوز أن لا يوصل.
﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ أنزلناه ﴾ ط ﴿ منكرون ﴾ .
التفسير: إنه بدأ في أول السورة بذكر المعاد ثم انجر الكلام إلى النبوات وما يتصل بها سؤالاً وجواباً فختم الكلام بالإلهيات لأنها المقصود بالذات فقال على سبيل الإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها بواسطة "أم" المنقطعة ﴿ أم اتخذوا آلهة من الأرض ﴾ نسبت إلى الأرض كما يقال "فلان من مكة" لأنها اصنام تعبد من الأرض، لأن الالهة على ضربين أرضية وسماوية.
أو أراد أنها من جنس الأرض لأنها تُنحت من حجر أو تعمل من جوهر آخر أرضي.
ويقال: أنشر الله الموتى ونشرها اي أحياها.
ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات كأنهم بإدعائهم لها الإلهية أدعوا لها الإنشار وإن كانوا منكرين البعث فضلاً عن قدرة الأصنام عليه لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور.
والإنشار من جملة المقدورات بالدلائل الباهرة وفيه باب من التهكم والتسجيل وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الاقتدار على الإبداء والإعادة من لوازم الإلهية.
ومعنى ﴿ هم ﴾ افادت الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم، وفيه رمز إلى أن الأمر المختص بالاهتداء هو وحده.
ولما قدم الإنكار شرع في دليل التوحيد فقال: ﴿ لو كان فيهما ﴾ أي في السموات والأرض وقد مر ذكرهما ﴿ آلهة إلا الله ﴾ اي غير الله.
قال النحويون: إلا ههنا بمعنى لتعذر حمل إلا على الاستثناء لأنها تابعة لجمع منكور غير محصور، والاستثناء لا يصح إلا إذا كان المستثنى داخلاً في المستثنى منه لولا الاستثناء وقد يقال: إن "إلا" في هذه المادة لا يمكن أن تكون للاستثناء لأنا لو حملناها على الاستثناء لصار المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله لم يحصل الفساد.
وللمفسرين في تفسير الآية طريقان: أحدهما حمل الغائب على الشاهد والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة غير الواحد الذي هو فاطرهما ﴿ لفسدتا ﴾ وفيه دلالة على أمرين: الأول وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً، والثاني أن لاي كون ذلك الواحد إلا إياه لقوله ﴿ غير الله ﴾ وإنما وجب الأمر أن لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف.
وثانيهما طريق التمانع بأن يقال: لو فرضنا إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، فإن وقع مرادهما لزم اجتماع الضدين في محل واحد، وإن لم يقع مرادهما لزم عجزهما، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر فذلك الآخر عاجز لا يصلح لإلهية.
والاعتراض على هذا التقدير من وجهين: الأول أن اختلافهما في الإرادة أمر ممكن والممكن لا يجب أن يقع.
والثاني أن الفساد في السموات والأرض كيف يترتب على اختلافهما وفي الجواب طريقان: أحدهما الرجوع إلى التفسير الأول وهو إحالة الأمر على ما هو الغالب المعتاد من أن الملك عقيم ولا يجتمع فحلان على شول، والشول جماعة النوق التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، فلا بد من وقوع التنازع والاختلاف وحدوث الهرج والمرج عند ذلك.
الطريق الثاني العدول إلى ضرب آخر من البيان، وهو أن اتفاق الإلهين على مقدور واحد محال لأن كلاً منهما مستقل بالتأثير كامل في القدرة، فإذا وقع المقدور بأحدهما استحال أن يقع بالآخر مرة أخرى على أنه لو اراد كل واحد منهما أن يوجده هو فهذا أيضاً اختلاف.
ولو قيل: إنه يريد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما لا بعينه فهذه إرادة مبهمة لا تصلح للتأثير، فلا بد من الاختلاف وقد عرفت حاله ولزوم الفساد حينئذ ظاهر، لأن كل ما يصدر عن إلهين عاجزين أو إله عاجز لم يكن على الوجه الأصلح والنمط الأصوب، بل العاجز لا يصلح للإيجاد أصلاً فلا يوجد على ذلك التقدير شيء من الممكنات وهو الفساد الكلي.
ومنهم من يقرر دليل التمانع على وجوه أخر منها: أنا لو قدرنا إلهين فهل يقدر كل واحد منهما على أن يمنع صاحبه عن مراده أم لا؟
فإن قلت: يقدر.
كان كل منهما مقهوراً للآخر، وإن قلت: لا يقدر فقد ثبت عجز كل واحد منهما.
ومنها أن أحدهما هل يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا؟
فإِن قدر فالمستور عنه جاهل عاجز وإلا فالأول عاجز.
ولا يخفى ما في أمثال هذين الوجهين من الضعف لأن عدم القدرة على المحال لا يسمى عجزاً ولهذا لا يمكن أن يقال: إنه عاجز عن خلق مثله أو إنه إذا أوجد شيئاً نفذت قدرته عن خلق ذلك الشيء وحصل له عجز.
ومن الطاعنين في دليل التمانع من فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله كما تزعم عبدة الأصنام لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على وجوه التدبير والتصرف لأنفسها فضلاً عن غيرها.
ولقائل أن يقول: إن الآلهة لو كانت منفردة بالتدبير يلزم الفساد.
أما أنها لو كانت وسائط أو معاونة للإله الأعظم كما تزعم عبدة الأوثان فمن أين يلزم الفساد.
واعلم أنا قد بينا دلائل التوحيد في مواضع من هذا الكتاب ولا سيما في سورة البقرة في تفسير قوله ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ ولنا في هذا المقام طريقة أخرى ما أظنها وطئت قبلي فأقول وبالله التوفيق: إن الوحدة من صفات الكمال وقد ركز ذلك في العقول حتى إن كل عامل مهما تم له أمر بواحد لم يتعد فيه إلى اثنين، وإذا اضطر إلى الشركة والتعاون راعى فيه الأبسط فالأبسط لا يزيد العدد إلا بقدر الافتقار وعلى هذا مدار الأمور السياسية والمنزلية هذا في المؤثر.
وأما في الأثر فلا ريب أنه استند إلى ما هو بسيط حقيقي لم يكن فيه إلا جهة واحدة افتقارية وإذا استند إلى ما فوق ذلك كان فيه من الجهات الافتقارية بحسب ذلك فيكون النقص تابعاً لقلة جهات الافتقار وكثرتها، وكل مرتبة للممكنات تفرض من العقول والنفوس والأفلاك والعناصر والمواليد، فإن كان مبدأ تلك السلسلة الطويلة واحداً كانت الجهات الاعتبارية الافتقارية فيها أقل مما لو كان المبدأ أزيد من واحد.
وهذه قضية يقينية إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه أراد أن يدفع هذا النقص من الممكنات و "لو" هذه بمعنى "أن" والمراد أن هذا النقص والفساد لازم لوجود آلهة غير الله سواء كان الله من جملتهم أم لا، ولن يرضى العاقل بما فيه نقصه وفساده فوجب أن لا يعتقد إلهاً غير الله وهذه النتيجة هي المراد بقوله ﴿ فسبحان الله رب العرش عما يصفون ﴾ من الأنداد والشركاء فتكون هذه الآية نظيره قوله ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً ﴾ وفيه قول زيد بن عمرو بن انفيل حين فارق قومه: أرباً واحداً أم الـــــــف رب *** أدين إذا تقسمت الأمـــــور تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الرجل البصير ثم أكد تفرده بالإِلهية بقوله ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ وفيه رد على الثنوية والمجوس الذين أثبتوا لله شريكاً فاعلاً للشرور والآلام، وذلك أنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله فقالوا: لو كان مدبر العالم واحداً لم يخص هذا بأنواع الخيرات من الصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور من المرض والفقر، فذكر أن الاعتراض على أفعاله ينافي الديانة وأن له أن يفعل ما يشاء ولا مجال للسؤال عن أفعاله، فكل من الأشاعرة والمعتزلة سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت، ولكنهم حملوا عدم جواز السؤال على مأخذ آخر.
أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن أفعاله لا تعلل بالمصالح والأغراض ولم بحكم المالكية أن يفعل في مخلوقاته ما شاء فإن من تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت، وكيف يتصور في حقه استحقاق الذم واستحقاق المدح له قديم؟
وما يثبت للشيء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات.
وكما أن ذاته غير معللة بشيء فكذلك صفاته وأفعاله، وإنه غير محتاج إلى الأسباب والوسائط والأغراض والمقاصد.
وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه عالم بقبح المقابح وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح.
وإذا عرف المكلف إجمالاً أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب وجب أن يسكت عن "لم" وإذا كان الملوك المجازيون لا يسألهم من في مملكتهم عما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً لهم مع جواز الخطأ والزلل عليهم، فملك الملوك ورب الأرباب أولى بأن لا يسال عن أفعاله مع ما ركز في العقول من أن كل ما يفعله فهو حسن مشتمل على الغايات الصحيحة.
ثم زاد الإلهية تأكيداً بقوله ﴿ وهم يسألون ﴾ وفيه رد على منكري التكليف الذاهبين إلى أن العباد لا يسألون عما فعلوا في دار الدنيا قالوا: إن التكليف أمر غير معقول لأنه إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك وهو محال لأن صدور الفعل عن المكلف يستدعي الترجيح فالتكليف بالترجيح في حال عدم الترجيح تكليف بالمحال، وإما أن يتوجه حال الرجحان ويكون الفعل حينئذ واجب الوقوع فيكون التكليف عبثاً.
وأيضاً التكليف بما هو معلوم الوقوع لله عبث لأنه واجب الوقوع وبما هو غير معلوم الوقوع تكليف بما لا يطاق، وأيضاً سؤال العبد لعبد إن لم يكن فيه فائدة فعبث، وإن كان فيه فائدة فإِن عادت إلى الله كان محتاجاً مستكملاً، وإن عادت إلى العبد فالله قادر على إيصالها إليه من غير واسطة التكليف، على أن السؤال إن كان لأجل إيصال الضرر فذلك لا يليق بالكريم الرحيم، وجوابهم أن الأسباب والوسائط معتبرة في كل شيء من عالم الأسباب حتى الثواب والعقاب، على أن حاصل الشبهات يرجع إلى أن المنكر كأنه قال: إنه تعالى لم كلف عباده ولم كلفهم مالا يطيقون وهو يناقص القاعدة الممهدة أنه لا يسال عما يفعل.
ثم كرر ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة ﴾ استفظاعاً لكفرهم وليرتب عليه قوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ على ذلك عقلاً أو نقلاً.
أما العقل فقد مر أنه يقضي بعدم الشريك حذراً من الفساد، وأما النقل فقوله ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ هو من إضافة المصدر إلى المفعول أي عظة لأمتي.
عن ابن عباس واختاره القفال والزجاج أنه اراد هذا هو الكتاب المنزل على من معي من الأمة وهذا هو الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وأممهم يعني التوراة والإنجيل والزبور والصحف والكل وارد في معنى التوحيد ونفي الشركاء.
وعن سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله ﴿ وذكر من قبلي ﴾ صفة للقرآن ايضاً لأنه اشتمل على أحوال الأمم الماضية كما اشتمل على أحوال هذه الأمة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ بل أكثرهم ﴾ تنبيهاً على أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد وهو عدم العلم وفقد التمييز بين الحق والباطل، فلذلك أعرضوا عن استماع الحق وطلبه، وفي لفظ الأكثر إشارة إلى أن فيهم من يعلم ولكنه يعاند، أو أجري لفظ الأكثر على الكل على عادة الفصحاء كي لا يكون الكلام بصدد المنع.
ثم قرر آي التوحيد خصوصاً قوله ﴿ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ﴾ على أحد التفسيرين بقوله ﴿ وما أرسلناك ﴾ الآية.
ثم رد على خزاعة وأمثالهم القائلين بأن الملائكة بنات الله بقوله ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ﴾ ثم نزه نفسه عن ذلك بقوله { } ثم أخبر عما هم عليه في الواقع وهو أن الملائكة عباد الله ﴿ مكرمون ﴾ مقربون ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ أي بقولهم اي يتبعون قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ فهم التابعون لأمر الله في أقوالهم وافعالهم ﴿ يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ﴾ وقد مر تفسيره في "طه" وفي آية الكرسي ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ كقوله في طه ﴿ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً ﴾ وقد مر البحث فيه.
قال في الكشاف ﴿ وهم من خشيته مشفقون ﴾ أي متوقعون من أمارة بخلاف البشر فإنهم لا يتوقعون ذلك إلا من أمارة قوية.
ويحتمل أن يقال: إنهم يخشون الله ومع ذلك يحذرون من أن تلك الخشية يقع فيها تقصير.
"عن رسول الله أنه رأى جبرئيل ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله عز وجل." ثم نبه على غاية عظمته ونهاية جبروته بقوله ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه ﴾ فيحتمل أن يدعي الإلهية لنفسه دون الله أو يدعي أنه إله مع الله أي بعد مجاوزة إلهيته وهذا على سبيل الفرض والتقدير كقوله ﴿ ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ وفي قوله ﴿ فذلك ﴾ دون أن يقول فهو تبعيد للمشرك الجاحد عن ساحة عزته وفيه تفظيع لأمر الشرك وتهديد عظيم لمن أشرك، وأراد بالظلم ههنا الشرك، والمعتزلة عمموه والأول أظهر.
ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من البيان وهو الاستدلال بالآفاق والأنفس قائلاً ﴿ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض ﴾ أي جماعة السموات وجماعة الأرض ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ الرتق بالسكون السد.
رتقت الشيء فارتتق أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك، والفتقاء ضدها أي كانتا مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين.
عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن، وقتادة أن المراد كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض.
ومثله قول كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما فحصل الفتق، وقال أبو صالح ومجاهد: كانت السموات متلاصقات لا فرج بينها ففتقها الله بأن جعلها سبعاً وكذلك الأرضون.
وعن ابن عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين، أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر.
ويشبه أن يراد بالسموات على هذا التفسير السحب نظيره قوله ﴿ والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع ﴾ ويؤيده قوله عقيبه ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ وقيل: إنهما جمع السموات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهن، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون كقولهم "ثوب أخلاق" "وبرمة أعشار" وقريب من هذا قول من قال: المعنى أن السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما الله بإظهار النور فيهما كقوله ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ وقال أبو مسلم الاصفهاني: الرتق حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه، والفتق الإِيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ والفطر الشق.
وعن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه بعد.
وههنا سؤال: وهو أن الكفار متى رأوهما رتقاً حتى صح هذا الاستفهام للتقرير؟
كيف وقد قال الله ﴿ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ﴾ ؟
[الكهف: 51] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة، وكذا إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم.
وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي .
وقال صاحب الكشاف في الجواب: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم .
قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال السكاكي صاحب المفتاح: اي جعلنا مبدأ كل حي من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.
واعترض عليه بأنه كيف يصح ذلك وآدم من تراب والجن من نار والمشهور أن الملائكة ليست أجساماً مائية؟
وأجاب بأنه يأتي في الروايات أنه جل وعز خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.
وقال صاحب الكشاف: إنما قال خلقنا كل شيء حي من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله ﴿ خلق الإنسان من علق ﴾ وجوز أن لا يكون الجعل بمعنى الخلق بل يكون بمعنى التصيير متعدياً إلى مفعولين، فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه.
وقال في التفسير الكبير: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة قائمة فإن الدليل لا بد أن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، فبهذا الطريق تخرج الملائكة والجن وآدم لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك: قلت: فعلى هذا يكون قوله ﴿ وجعلنا ﴾ داخلاً في حيز الاستفهام كأنه قيل: ألم يروا أنا فتقنا السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل حيوان.
ومن المفسرين من جعل الحي شاملاً للنبات أيضاً كقوله ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ قوله ﴿ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ﴾ قد مر تفسيره في أول "النحل" وباقي الآية كقوله في طه ﴿ وسلك لكم فيها سبلاً ﴾ والفجاج جمع الفج وهو الطريق الواسع وهي صفة ﴿ سبلاً ﴾ قدمت عليه فصارت حالاً عنه أراد أنه حين خلقها جعلها على تلك الصفة فهذا كالبيان لما أبهم في قوله: ﴿ لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ﴾ والاهتداء إما حسي أي تهتدون إلى البلاد، وإما عقلي وهو الاهتداء إلى وحدانية الله .
ومنهم من زعم أن الضمير في قوله ﴿ وجعلنا ﴾ فيها عائد إلى الجبال وهذا قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس, وروي عن ابن عمر أنه قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً.
قال علماء الإسلام: ليس في قوله ﴿ وجعلنا السماء سقفاً ﴾ إن السماء للأرض كالسقف للبيت لأنها فوق لا يقابله مثله، ولكنه أطلق عليها اسم السقف لأنها كذلك في النظر بالنسبة إلى سكان كل بقعة.
وفي المحفوظ وجهان: أي ﴿ محفوظاً ﴾ بقدرته من أن يقع على الأرض أو محفوظ بالشهب عن الشياطين.
﴿ وهم عن آياتها معرضون ﴾ فلا يتدبرون في ترتيبها ومسيراتها وطلوع أجرامها وغروبها واتصالاتها وانصرافاتها وتأثيراتها فيما دونها بإذن خالقها ومبدعها.
قوله ﴿ كل في فلك ﴾ من مقلوب الكل.
والفلك في اللغة كل شيء دائر وجمعه أفلاك.
وزعم الضحاك أنه ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم.
والأكثرون على أن الفلك جسم تدور النجوم عليه.
ثم اختلفوا في حقيقته فقال الكلبي: ماء مكفوف أي مجموع تجري فيه الكواكب بدليل قوله ﴿ يسبحون ﴾ والسباحة لا تكون إلا في الماء.
ورد بأنه يقال فرس سابح إذا امتد في الجري.
وقالت الحكماء: هو جسم كروي لا ثقيل ولا خفيف غير قابل للخرق والاتئام والنمو والذبول، ولذلك منعوا من كون الفلك ساكناً، والكواكب متحركة فيه كالسمك في الماء واعتذروا عن السباحة بأنها في النظر كذلك.
قال صاحب الكشاف: التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي كلهم فورد عليه إشكالان: أحدهما أنه لم يسبق إلا ذكر الشمس والقمر فكيف يعود ضمير الجمع إليهما؟
وأجاب بأن ذلك باعتبار كثرة مطالعهما كما يجمع بالشموس والقمار لذلك.
ويمكن أن يقال: أقل الجمع اثنان أو أنه جعل النجوم تبعاً لذكرهما.
الثاني أن كلهم ليسوا في فلك ولكن كل منهم في فلك آخر على ما يشهد به علم الهيئة، وأجاب بأنه اراد جنس الفلك كقولك "كسانا الأمير حلة"، أو اراد كل واحد.
قلت: لو صح هذا التقدير الثاني لم يرد الإشكال الأول ولكنه ينافي قوله ﴿ يسبحون ﴾ مجموعاً.
قال بعض الحكماء في هذا الجمع دلالة على أن الكواكب أحياء ناطقة.
وأجيب بأنه إنما جمع جمع العقلاء لأن السباحة من فعلهم.
قلت: قد يسبح كثير من الحيوانات، فلعل المختص بالعقلاء هو السباحة الصناعية المكتسبة.
وههنا بحث وهو أن الإمام فخر الدين الرازي استحسن قول بعض الأوائل أن الحركة السماوية صنف واحد وهي الآخذة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض كالحركات الغربية، وكذا اختلافات تلك الحركات بسبب تلك المختلفات.
قال: وهذا أقرب ليكون غاية سرعة الحركة للفلك الأعظم وغاية السكون للجرم الذي هو أبعد عن المحيط وهو الأرض، ولئلا يلزم بسبب حركة ما دون الفك الأعظم بحركته وبحركتها الخاصة تحرك الجرم الواحد في زمان واحد بحركتين مختلفتين إلى جهتين فإنه يستلزم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين.
قلت: أما حديث كون ما هو أبعد عن المركز اسرع حركة فإقناعي، وأما لزوم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين فممنوع لأن التي تظهر في المتحرك هي الحركة المركبة الحاصلة من فضل الأسرع على الأبطأ لا كل من الحركتين، وهذا مشاهد من حركة النملة إلى خلاف جهة حركة الرحى، ومن حركة راكب السفينة فيها إلى خلاف جهة حركتها.
وأما الذي استحسنه من كلام الأوائل فباطل لأنه لو كان كذلك لحصلت الأظلال اللائقة بكل جزء من أجزاء فلك البروج في يوم بليلة، وكذا الارتفاعات المناسبة لها في البلاد المتفقة العرض وليس كذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى في كتبنا النجومية ايضاً.
وحين فرغ من بيان طرف من هيئة الأجرام السماوية ومنافعها الدنيوية نبه بقوله ﴿ وما جعلنا البشر من قبل الخلد ﴾ على أن هذه الآثار لا تدوم ولا تخلق للبقاء وإنما خلقت للابتداء والامتحان ولكي يتوصل بها المكلفون إلى السعادات المدخرة لهم في الآخرة وهي دار الخلود.
وبوجه آخر لما فرغ من دلائل الآفاق شرع في دلائل الأنفس فقال: ﴿ وما جعلنا ﴾ الآية، عن مقاتل أن ناساً كانوا يقولون إن محمداً لا يموت فنزلت وقيل: لعلهم ظنوا أنه لو مات لتغير الشرع وهذا ينافي كونه خاتم الأنبياء، فبين الله أن حاله كحال من تقدمه من الأنبياء في المفارقة من دار الدنيا.
والأكثرون على أن سبب النزول هو أنهم كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله عنه الشماتة لهذه وفي معناه قول القائل: فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا.
قوله ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قد تقدم في آخر آل عمران تفسيره.
قوله ﴿ ونبلوكم ﴾ أي نعاملكم معاملة المختبر بما نسوق إليكم من الشرور والخيرات فيظهر عندهما صبركم وشكركم.
وقدم الشر لأن الموت من باب الشرور في نظر أهل الظاهر.
و ﴿ فتنة ﴾ مصدر مؤكد ﴿ لنبلوكم ﴾ من غير لفظه.
وحين أثبت الموت الذي هو الفراق عن دار التكليف بين بقوله ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ أن الجزاء على الأعمال ثابت مرئي ألبتة بعد المفارقة.
استدلت المجسمة بقوله ﴿ وإلينا ﴾ أنه جسم ليمكن الرجوع إلى حيث هو، والتناسخية بأن الرجوع مسبوق بالكون في المكان المرجوع إليه، وجواب الأولين أنه أراد الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له، وجواب الآخرين التسليم لكنه لا يفيد مطلوبهم لأن الرجوع إلى المبدأ غير الرجوع إلى دار الدنيا، واعلم أن مثل هذه الآية سيجيء في سورة العنكبوت إلا أنه قال هناك ﴿ ثم إلينا ﴾ ولم يذكر قوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ فكأن هذه الفاصلة قامت مقام التراخي في "ثم" قال السدي ومقاتل: "مر النبي بأبي جهل وأبي سفيان فقال ابو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف.
فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف!
فسمع النبي قولهما فقال لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلت حمية" فأنزل الله ﴿ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ﴾ اي ما يتخذونك ﴿ إلا هزوا ﴾ ثم فسر ذلك بقوله ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ والذكر أعم من أن يكون بالخير أو بالشر إلا أنه إذا كان من العدو يفهم منه الذم لا الثناء، والمعنى أنه يبطل معبوديتها وينكر عبادتها ويقبح أمرها ثم بين غاية جهالتهم وتعكيس قضيتهم بقوله ﴿ وهم بذكر الرحمن هم كافرون ﴾ قدم الجار والمجرور وكرر الضمير ليفيد أنهم عاكفون هممهم على ذكر آلهتهم من كونها شفعاء وشهداء، ولو ذكرها بخلاف ذلك ساءهم.
وأما ذكر الرحمن الذي منه جلائل النعم ودقائقها وأصولها وفروعها فلا يخطر منهم ببال، ولو ذكره ذاكر استهزؤا به حتى إن بعضهم يقولون: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فهم أحق أن يتخذوا هزواً.
ويحتمل أن تكون الباء للسببية أي هم كافرون بسبب ذكرهم الرحمن لا على ما ينبغي، فيكون الذكر في الموضعين بمعنى واحد.
وقيل ﴿ بذكر الرحمن ﴾ أي بما أنزل إليك من القرآن وكانوا يستعجلون بعذاب الله كما يجيء من قوله ﴿ ويقولون متى هذا الوعد ﴾ فقدم لذلك أولاً مقدمة هي قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ من عجل ﴾ أراد أنه مجبول على إفراط العجلة كما مر في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ وعن ابن عباس أنه آدم اراد أن يقوم حين بلغ الروح صدره، وعن مجاهد أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يا رب عجل خلقي قبل أن تغيب الشمس.
وعن ابن عباس أيضاً أنه النضر بن الحرث والأول أظهر.
وقيل: العجل الطين بلغة حمير، وقال الأخفش: اي من العجل في الأمر وهو قوله ﴿ كن ﴾ وقيل: هو على القلب أي خلق العجل من الإنسان ﴿ سأريكم آياتي ﴾ وهي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإنها كائنة لا محالة في وقتها وقيل: هي أدلة التوحيد وصدق الرسول.
وقيل: آثار القرون الخالية بالشام واليمن.
سؤال: ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ فيه أن الآدمي معذور على الاستعجال لأنه له كالأمر الطبيعي الذي لا بد منه، فلم رتب عليه النهي بقوله ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ؟
وأجيب بأن فيه تنبيهاً على أن ترك العجلة حالة شريفة وخصلة عزيزة.
وقال جار الله: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها.
آخر: القوم استعجلوا الوعد على جهة التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً في الحقيقة؟
أجيب بأن الاستعجال على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه استعجال على أمر موهوم عندهم لا معلوم ﴿ لو يعلم ﴾ جواب "لو" محذوف و ﴿ حين ﴾ مفعول به ﴿ ليعلم ﴾ والمعنى لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه وهو وقت إحاطة النار بهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال.
ويجوز أن يكون ﴿ يعلم ﴾ متروك المفعول أي لو كانوا من أهل العلم لما كانوا مستعجلين، وعلى هذا يكون ﴿ حين ﴾ منصوباً بمضمر أي حين لا يكفون يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وخص الوجوه والظهور بالذكر لأن نكاية النار في هذين العضوين اشد مع أن الإحاطة التامة تفهم منهما.
ثم بين أن وقت مجيء العذاب غير معلوم لهم فإن مجيء الساعة مخفي عن المكلفين ليكونوا أقرب إلى تلاقي الذنوب فقال ﴿ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ﴾ قال جار الله: أي لا يكفونها بل تفجؤهم فتغلبهم.
قلت: فائدة "بل" في هذه المقامات للانتقال من جملة إلى أخرى أهم من الأولى، ويحتمل أن تكون "لو" لظاهر التمني والضمير للنار.
وقيل: للساعة.
وفي قوله ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ تذكير بإمهالهم في دار الدنيا أي ثم يهلكون بعد طول الإمهال.
ثم سلى رسوله بقوله ﴿ ولقد استهزئ ﴾ الآية.
وقد مرت في أول الأنعام.
ولما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار ذكر أنهم في الدنيا ايضاً مفترقون إلى حراسة الله وكلاءته فقال ﴿ قل من يكلؤكم بالليل ﴾ إذا نمتم ﴿ والنهار ﴾ إذا تقلبتم في وجوه المصالح ﴿ من الرحمن ﴾ أي من بأسه وعذابه كالقتل والسبي ونحوهما.
قيل: إنما خص الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ونظيره ﴿ ما غرك بربك الكريم ﴾ ثم أضرب عن الأمر بالاستفهام قائلاً ﴿ بل هم عن ذكر ربهم معرضون ﴾ لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه كأنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.
أما قوله ﴿ أم لهم آلهة تمنعهم ﴾ فذكر في الكشاف أنه إضراب عن الكلام السابق بما في "أم" من معنى "بل".
وقال غيره: الميم زائدة وإنه استفهام مستأنف والتقدير ألهم آلهة تمنعهم من دوننا من العذاب، ومعنى ﴿ من دوننا ﴾ أن تلك الآلهة لا تتجاوز منعنا وحفظنا ثم استأنف فقال ﴿ لا يستطيعون ﴾ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف اي تلك الآلهة ليست تقدر على نصر أنفسها فكيف تحفظ غيرها وتنصرها.
وقوله ﴿ ولا هم منا يصبحون ﴾ قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته.
والأكثرون على أنه من الصحبة بمعنى النصرة والمعونة ومنه قولهم "صبحك الله".
والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة والنصرة كيف يتوقع منه دفع ضر أو جلب نفع!
ولما ابطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الحفظ والكلاءة والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الإهلاك ولا من ناصر يعينهم على أسباب التمتع سوى الله.
وفي قوله ﴿ حتى طال عليهم العمر ﴾ إشارة إلى أنه لما امتدت أيام الروح والطمأنينة حسبوا أن ذلك لن يزول عنهم فاغتروا به ونسوا المنعم فاستأهلوا العقاب كما أشار إليه بقوله ﴿ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ وفي لفظ الإتيان تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين الذين هم حزب الله من نقص ديار الكفر وتخريبها وعمارة حوزة الإسلام وتشييد مبانيه وقد مر مثله في آخر سورة الرعد.
والاستفهام في قوله ﴿ أفهم الغالبون ﴾ للتقرير أي لنحن الغالبون وهم المغلوبون.
ثم بين أن هذه الإنذارات ليست من قبل الرسول ولكنه بالوحي، ثم مهد عذر الرسول إن لم تنجع فيهم رسالته بأن الصم لا يسمعون دعاء المنذر.
واللام في ﴿ الصم ﴾ للعهد أي لا يسمع هؤلاء الإنذار فوضع ﴿ الصم ﴾ في موضع اسم الإشارة إيذاناً بأنهم هم الموسومون بالصمم عن استماع الحق، ولو كان اللام للجنس لكان الأنسب إطلاق الدعاء لأن الصم لا تسمع الدعاء بشروا أو أنذروا.
ثم ذكر أنهم لا يعترفون بالتقصير والظلم إلا عند معاينة العذاب فقال: ﴿ ولئن مستهم نفحة ﴾ وفي ذكر المس وبناء المرة من النفح الذي هو بمعنى القلة والنزارة.
منه قولهم "نفحه بعطية" اي رضخة، "ونفحته الدابة" وهو رمح يسير دليل على أنهم في غاية الضعف يجزعون من أدنى أثر من عذاب الله.
قوله ﴿ ونضع الموازين القسط ﴾ المراد من الوضع الإحضار والقسط اي العدل صفة الموازين وإن كان موحداً كقولهم للقوم "إنهم عدل" قاله الفراء.
وعن الزجاج أراد ذوات القسط.
واللام في ﴿ ليوم القيامة ﴾ بمعنى الوقت كما يقال "جئت لتاريخ كذا".
وقيل: أراد لأجل الحساب يوم القيامة.
وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول سورة الأعراف.
يروي أن داود سال ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم افاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟
فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.
وفي قوله ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً ﴿ وإن كان ﴾ أي الوزن والعمل ﴿ مثقال حبة من خردل أتينا بها ﴾ أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة.
قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: حبة من خردل؟
وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة.
وقوله ﴿ من خردل ﴾ بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه.
والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه.
رؤي الشبلي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟
فقال: حاسبوني فدققوا *** ثم منوا فأعتقوا قال في التفسير الكبير: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان.
والآية تبطل قوله لأن الله تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة.
قلت: للجبائي أن يقول: الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو.
﴿ وكفى بنا حاسبين ﴾ كقوله ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ وحين فرغ من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء تسلية لنبيه وتثبيتاً وعظة لأمته وتذكيراً، وقد مر قصة موسى إلا أنه أوجز فيها ههنا والموجز تقدمه الفصحاء غالباً، ولأن موسى أقوى حالاً ومعجزة، ولأن ذكر التوراة يناسب ما تقدم من قوله ﴿ قل إنما أنذركم بالوحي ﴾ وصف التوراة بأنها جامعة لكونها فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وقد مر سائر تفاسير الفرقان في أول البقرة ﴿ وضياء ﴾ كقوله ﴿ فيها هدى ونور ﴾ ﴿ وذكراً للمتقين ﴾ اي شرفاً وموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم وقوله ﴿ بالغيب ﴾ إما حال من الرب أي حال كونه غائباً عن حسهم والله لا يغيب عنه شيء فيكون كقوله "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وإما حال منهم أي حال كونهم غائبين عن عذاب الآخرة وأهوالها، أو غائبين عن الناس أي يخشون ربهم في الخلوات.
ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ وهذا ذكر مبارك ﴾ أي كثير البركة ﴿ أنزلناه أفأنتم له منكرون ﴾ أي أنتم دون سائر الناس مع علمكم بفصاحته وإعجازه تخصونه بالإنكار.
ولا يخفى ما فيه من التوبيخ للعرب ومن داناهم.
التأويل: ﴿ أم اتخذوا آلهة ﴾ من ارض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية ﴿ آلهة إلا الله ﴾ كالعقل والهوى ﴿ لفسدتا ﴾ كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين اثبتت عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ لأن أفعاله صادرة عن الحكمة والقدرة ﴿ وهم يسألون ﴾ لأن أفعالهم منشؤها الظلومية والجهولية ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ لأنه ليس فيهم ما يخالف داعية العقل وهو الطبع الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في قوله ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ ففي التكريم تكثير ليس في الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من خجالة قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ وما خلفهم ﴾ من الأمر بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض ﴿ أو لم ير الذين كفروا ﴾ يعني أنهم رأوها في عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة ألاف سنة ﴿ كانتا رتقاً ﴾ أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب ﴿ ففتقناهما ﴾ بالمفارقة وقطع التعلق ﴿ وجعلنا من ﴾ ماء حياة العلم ﴿ كل شيء حي ﴾ بالحياة الأبدية ﴿ وجعلنا في الأرض ﴾ أرض القالب ﴿ رواسي ﴾ هي هموم العلائق البدنية ﴿ أن تميد بهم ﴾ فلولاها لمالت كل نفس إلى عمالها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس ﴿ فجاجاً سبلاً ﴾ هي طرق الإرشاد والتسليك ﴿ وجعلنا ﴾ سماء القلب ﴿ سقفاً محفوظاً ﴾ من وساوس شياطين الإنس والجن ﴿ وهو الذي خلق ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك الطريقة، وأهل الولاية في فلك اطوار الحقيقة ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أما النفس الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعملية التي هي فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ربه ﴿ ونبلوكم ﴾ بالمكروهات التي تسمونها شراً بالمحبوبات التي تحسبونها خيراً ﴿ فتنة ﴾ فربما كان الأمر عكس ما تصورتم ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ اختياراً وقهراً ﴿ وإذا رآك الذين كفروا ﴾ فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ستة أيام وخمرت طينة آدم أربعين صباحاً مع أن فيها أنموذجاً من الكل واستعداداً لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ سأريكم آياتي ﴾ اي في مظاهر الآفاق ومرايا أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإن حد الاستكمال من المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا سليمان الوقت.
ويمكن أيضاً أن يقال: إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿ بالليل والنهار ﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿ بل متعنا هؤلاء ﴾ الجهال ﴿ وآباءهم ﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة.
ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ البشرية ﴿ ونضع الموازين ﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿ نحن قسمنا ﴾ ﴿ تلك الرسل فضلنا ﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ ﴾ .
كأنه خرج جواباً لقول أولئك الكفرة في رسول الله صلوات الله عليه، والأشبه أن يكون ما أصابهم من الشدائد والفتن والهلاك كانوا يتشاءمون برسول الله ويتطيرون به أن ذلك إنما يصيبهم به، وقالوا: لولا هو ما يصيبنا من ذلك شيء، فقال جواباً لهم: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ ﴾ بل حكمه أن يموت الكل على ما أخبر: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾ فإذا لم يكن لأحد من قبلك الخلد بل كلهم قد ماتوا كيف يتشاءمون بلك أن ذلك إنما يصيبهم بسببك وشؤمك؟!
﴿ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ ﴾ ، أي: وإن مت أنت وتخرج من بينهم لا يخلدون هم فيها؛ لأن من حكمه أن كل نفس ذائقة الموت.
﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ قد ذكرنا تأويله فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ﴾ .
كان رسول الله يذكر آلهتهم بسوء ويعيبها، يهزءون به مكان ما يعيب هو آلهتهم ويقولون: ﴿ أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ﴾ .
ثم يحتمل أن يكون من القادة منهم والرؤساء؛ إغراء لأتباعهم عليه أنه يذكر آلهتكم بسوء.
أو أن يقول بعضهم لبعض إذا خلوا عنه؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم...
﴾ الآية [البقرة: 76].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ .
قال بعضهم: كانوا يقولون: لا نعرف ما الرحمن؟
فيكفرون باسم الرحمن.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ بنعمة الرحمن وهو محمد ، أي: يكفرون بنعمته.
أو أن يذكر هذا، ليصبر رسوله ويعزيه على تكذيبهم، ليس أياديك بأكثر من أيادي الرحمن، فهم يكفرون به ويكذبونه ويقولون فيه ما يقولون، فاصبر أنت على أذاهم وما قالوا فيك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾ قال الحسن: عجولا، أي: ضعيفا، وضعفه هو أن يضيق صدره ويحرج عند إصابة أدنى شيء، حتى يحمله ضيق صدره على أن يدعو [على] نفسه وعلى مجيئه بالهلاك لضيق صدره وذلك لضعف فيه.
وعندنا: أنه خلقه عجولا حتى لا يصبر على حالة واحدة وإن كانت الحالة حالة نعمة ورخاء حتى يمل عنها ويسأم ويريد التحول إلى حالة هي دون تلك الحالة ويرضى بشيء دون، لكنه وإن خلقه على ما أخبر جعل في وسعه رياضة [نفسه] حتى يصير صبوراً حليماً، وهو ما أخبر ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ﴾ أخبر أنه خلقه هلوعاً، ثم استثنى المصلين؛ دل أنه بالرياضة يتحول عن الحالة التي خلقه إلى حالة أخرى، وهي حالة الحلم والصبر، وكذلك ما أخبر: ﴿ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً ﴾ كان كذلك في الابتداء، لكنه بالرياضة والعادة يصير سخيّاً جوادا، وكذلك ما قال: ﴿ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ ، أخبر أن الأنفس أحضرت الشح، ثم أخبر أن من يوق شح نفسه فله كذا؛ دل بهذا كله أنه بالرياضة والعادة يحتمل التحول إلى حالة السخاء والجود بعد ما كان شحيحاً قتوراً بخيلا؛ فعلى ذلك ما ذكر من العجلة والهلع والجزع فيه يحتمل بالرياضة والعادة إلى أن يصير حليماً صبوراً في الأمور غير ملول فيها، وليست المحنة إلا الرياضة والعادة، فأمره أن يروض نفسه ويعودها القيام بجميع ما أمره الله، ويكفها عن جميع ما نهى عنه، فيعتاد اتباع أمره والانتهاء عن نهيه، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ .
يشبه أن يكونوا سألوا رسول الله الآيات على رسالته أنه رسول، أو سألوه آيات على وحدانية الله وربوبيته، فقال: ﴿ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي ﴾ ، من الوجه الذي يريد ربي ويبين لكم ذلك، لا من الوجه الذي تريدون أنتم وتسألونه.
وقال بعض أهل التأويل: سأريكم آياتي فيما نزل من العذاب فيهم وفي منازلهم، فلا تستعجلون أنتم العذاب على من كان قبلكم من الأمم بتكذيبهم الرسل، فإن سافرتم وضربتم في الأرض رأيتم آثار العذاب فيهم وفي منازلهم؛ فلا تستعجلون أنتم العذاب الذي يعد لكم الرسول، كأنه يخوفهم العذاب ويعد لهم إياه، فكذبوه في ذلك فقال عند ذلك ما قال، ويقولون أيضاً: ﴿ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ ﴾ الذي وعدنا ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ بأنا نعذب.
وجائز أن تكون الآية فيهم بتكذيبهم الساعة والقيامة وإنكارهم إياها، فقال: ﴿ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي ﴾ التي تكون قبل وقوعها ﴿ فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ وقوعها ووجوبها؛ دليله ما ذكر: ﴿ لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً...
﴾ الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ما نزل بهم بوقوع القيامة حتى لا يملكون كفها عن وجوههم ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون، إنما تحيط بهم حتى لا يملكون هم دفعها عن أنفسهم، ولا يملك ما اتخذوا أنصاراً وأعواناً في الدنيا دفع ذلك أيضاً، وهو كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ...
﴾ الآية [الزمر: 16]، وقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً ﴾ .
أخبر أنها تأتيهم بغتة - أي: فجأة - لا يعلم أهلها عن وقت وقوعها ﴿ فَتَبْهَتُهُمْ ﴾ ، قال أهل التأويل: ﴿ فَتَبْهَتُهُمْ ﴾ : فتفجأهم، والبهتة كأنها حيرة، يقول: تأتيهم بغتة فجأة فتحيرهم، وهو ما أخبر: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ ﴾ ؛ وذلك لحيرتهم في أنفسهم، وهو ما ذكر: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ...
﴾ الآية [إبراهيم: 42]؛ يصيرون حيارى؛ لشدة أهوالها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ .
أخبر أنهم لا يملكون دفعها إذا وقعت بهم، ﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ في وقوعها أن من ابتلى بالبلايا في الشاهد فإنما يملك دفعه عن نفسه إما بقوة نفسه، وإما بأعوان وأنصار ينصرونه ويعينونه في دفعه عنه، وإما بالتضرع والابتهال والاستسلام، كقوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ...
﴾ الآية [الأنعام: 43]، فأخبر عز وجل: لا يملكون دفعها بقوى أنفسهم ولا بأنصارهم الذين استنصروا؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ، ﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ بالتضرع والاستسلام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .
فيه تصبير رسول الله على ما يستهزئون به؛ لأنه قال: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ ، أي: لست بأول رسول لله استهزأ به قومه، فيه تخويف أولئك باستهزائهم به بما نزل بأوائلهم باستهزائهم برسلهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَاقَ ﴾ قال أهل التأويل: حاق: نزل ووجب ووقع وأمثاله.
وقال بعض أهل المعاني: الحيق: هو ما اشتمل على الإنسان من مكروه، أي: بفعله؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ ، وقال [بعضهم]: حاق، أي: رجع عليهم وأحاط بهم.
<div class="verse-tafsir"
وإذا رآك -أيها الرسول- هؤلاء المشركون لا يتخذونك إلا سخرية منفّرين أتباعهم بقولهم: أهذا هو الذي يسبّ آلهتكم التي تعبدونها؟!
وهم مع السخرية بك جاحدون بما أنزل الله عليهم من القرآن وبما أعطاهم من النعم كافرون؛ فهم أولى بالعيب لجمعهم كل سوء.
<div class="verse-tafsir" id="91.MNKrw"