الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٤٢ من سورة الأنبياء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٢ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم ذكر تعالى نعمته على عبيده في حفظه لهم بالليل والنهار ، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام ، فقال : ( قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ) ؟
أي : بدل الرحمن بمعنى غيره كما قال الشاعر جارية لم تلبس المرققا ولم تذق من البقول الفستقا أي : لم تذق بدل البقول الفستق .
وقوله تعالى : ( بل هم عن ذكر ربهم معرضون ) أي : لا يعترفون بنعمه عليهم وإحسانه إليهم ، بل يعرضون عن آياته وآلائه
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد بهؤلاء المستعجليك بالعذاب، القائلين: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين من يكلؤكم أيها القوم: يقول: من يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا تصرّفتم من الرحمن؟
يقول: من أمر الرحمن إن نـزل بكم، ومن عذابه إن حلّ بكم، وترك ذكر الأمر، وقيل من الرحمن اجتزاء بمعرفة السامعين لمعناه من ذكره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله ( قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ) قال: يحرسكم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة ( قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ) قل من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن، يقال منه: كلأت القوم: إذا حرستهم، أكلؤهم، كما قال ابن هَرْمة: إنَّ سُـــلَيْمَى ( واللــهُ يَكْلَؤُهــا) ضَنَّـتْ بِشَـيْءٍ مـا كـانَ يَرْزَؤُهـا (6) قوله ( بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ) وقوله بل: تحقيق لجحد قد عرفه المخاطبون بهذا الكلام، وإن لم يكن مذكورا في هذا الموضع ظاهرا.
ومعنى الكلام: وما لهم أن لا يعلموا أنه لا كالئ لهم من أمر الله إذا هو حلّ بهم ليلا أو نهارا، بل هم عن ذكر مواعظ ربهم وحججه التي احتجّ بها عليهم معرضون لا يتدبرون ذلك فلا يعتبرون به، جهلا منهم وسفها.
--------------------------- الهوامش : (6) البيت لإبراهيم بن هرمة ، كما قال المؤلف .
وقد جاء في ( اللسان : كلأ ) غير منسوب .
وفيه " بزاد " في موضع " بشيء " .
قال : يقال : كلأك الله كلاءة ( بالكسر ) حفظك الله وحرسك .
وأنشد " إن سليمي ...
البيت " وجملة ( والله يكلؤها ) اعتراضية للدعاء .
ويرزؤها : ينقص منها ويضيرها .
يريد : ضنت بشيء هين عليها لو بذلته لنا واستشهد المؤلف به على أن معنى يكلأ يحفظ ، كما قال أهل اللغة .
قوله تعالى : قل من يكلؤكم أي يحرسكم ويحفظكم .
والكلاءة الحراسة والحفظ ؛ كلأه الله كلاء ( بالكسر ) أي حفظه وحرسه .
يقال : اذهب في كلاءة الله ؛ واكتلأت منهم أي احترست ، قال الشاعر هو ابن هرمة :إن سليمى والله يكلؤها ضنت بشيء ما كان يرزؤهاوقال آخر [ كعب بن زهير ] :أنخت بعيري واكتلأت بعينهوحكى الكسائي والفراء قل من يكلؤكم بفتح اللام وإسكان الواو .
وحكيا ( من يكلاكم ) على تخفيف الهمزة في الوجهين ، والمعروف تحقيق الهمزة وهي قراءة العامة .
فأما ( يكلاكم ) فخطأ من وجهين فيما ذكره النحاس : أحدهما : أن بدل الهمزة يكون في الشعر .
والثاني : أنهما يقولان في الماضي كليته ، فينقلب المعنى ؛ لأن كليته أوجعت كليته ، ومن قال لرجل : كلاك الله فقد دعا عليه بأن يصيبه الله بالوجع في كليته .ثم قيل : مخرج اللفظ مخرج الاستفهام والمراد به النفي .
وتقديره : قل لا حافظ لكم بالليل إذا نمتم والنهار إذا قمتم وتصرفتم في أموركم .
من الرحمن أي من عذابه وبأسه ؛ كقوله تعالى : فمن ينصرني من الله أي من عذاب الله .
والخطاب لمن اعترف منهم بالصانع ؛ أي إذا أقررتم بأنه الخالق ، فهو القادر على إحلال العذاب الذي [ ص: 200 ] تستعجلونه .
بل هم عن ذكر ربهم أي عن القرآن .
وقيل : عن مواعظ ربهم .
وقيل : عن معرفته .
معرضون لاهون غافلون .
يقول تعالى - ذاكرا عجز هؤلاء، الذين اتخذوا من دونه آلهة، وأنهم محتاجون مضطرون إلى ربهم الرحمن، الذي رحمته، شملت البر والفاجر، في ليلهم ونهارهم - فقال: { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ ْ} أي: يحرسكم ويحفظكم { بِاللَّيْلِ ْ} إذ كنتم نائمين على فرشكم، وذهبت حواسكم { وَالنَّهَارِ ْ} وقت انتشاركم وغفلتكم { مِنَ الرَّحْمَنِ ْ} أي: بدله غيره، أي: هل يحفظكم أحد غيره؟
لا حافظ إلا هو.
{ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ْ} فلهذا أشركوا به، وإلا فلو أقبلوا على ذكر ربهم، وتلقوا نصائحه، لهدوا لرشدهم، ووفقوا في أمرهم.
( قل من يكلؤكم ) يحفظكم ، ( بالليل والنهار من الرحمن ) إن أنزل بكم عذابه ، وقال ابن عباس : من يمنعكم من عذاب الرحمن ، ( بل هم عن ذكر ربهم ) عن القرآن ومواعظ الله ، ( معرضون )
«قل» لهم «من يكلؤكم» يحفظكم «بالليل والنهار من الرحمن» من عذابه إن نزل بكم، أي: لا أحد يفعل ذلك، والمخاطبون لا يخافون عذاب الله لإنكارهم له «بل هم عن ذكر ربهم» أي القرآن «معرضون» لا يتفكرون فيه.
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: لا أحد يحفظكم ويحرسكم في ليلكم أو نهاركم، في نومكم أو يقظتكم، مِن بأس الرحمن إذا نزل بكم.
بل هم عن القرآن ومواعظ ربهم لاهون غافلون.
ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذَكِّر هؤلاء الجاحدين بنعمه - تعالى - وأن ينذرهم بأسه وعقابه إذا ما استمروا فى كفرهم ، فقال - عز وجل - : ( قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم .
.
.
) .قوله - تعالى - : ( يَكْلَؤُكُم ) أى : يرعاكم ويحفظكم .
يقال : فلان كَلأَ فلانا كَلأً وكِلاءَة - بالكسر - إذا حرسه ، واكتلأ فلان من غيره ، إذا احترس منه .والاستفهام للإنكار والتقريع .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المستهزئين بك وبما جئت به من عند ربك : قل لهم من الذى يحرسكم ويحفظكم " بالليل " وأنتم نائمون " والنهار " وأنتم متيقظون " من الرحمن " أى : من عذاب الرحمن وبأسه إذا أراد أن يهلككم بسبب عكوفكم على كفركم وشرككم .وتقديم الليل على النهار ، لما أن الدواهى فيه أكثر ، والأخذ فيه أشد ، واختار - سبحانه - لفظ الرحمن ، للإشعار بأنهم يعيشون فى خيره ورحمته .
ومع ذلك لا يشكرونه - تعالى - على نعمه .ولذا - أخبر - سبحانه - عنهم بقوله : ( بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ ) أى : بل هم بعد كل هذا الإنكار عليهم ، والتنبيه لهم عن ذكر ربهم وكتابه الذى أنزله لهدايتهم ، معرضون شاردون ، لا يحاولون الانتفاع بتوجيهاته ، ولا يستمعون إلى إرشاداته .فالجملة الكريمة تنفى عنهم الانتفاع بما يوجهه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم من هدايات وعظات .
اعلم أنه تعالى لما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة فقال لرسوله: قل لهؤلاء الكفار الذين يستهزءون ويغترون بما هم عليه: ﴿ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار ﴾ وهذا كقول الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص له منه إلى أين مفرّك منى!
هل لك محيص عني!
والكالئ الحافظ.
وأما قوله: ﴿ مِّنَ الرحمن ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في معناه وجوه: أحدها: ﴿ مَن يَكْلَؤُكُم مِنَ الرحمن ﴾ أي مما يقدر على إنزاله بكم من عذاب تستحقونه.
وثانيها: من بأس الله في الآخرة.
وثالثها: من القتل والسبي وسائر ما أباحه الله لكفرهم فبين سبحانه أنه لا حافظ لهم ولا دافع عن هذه الأمور لو أنزلها بهم ولولا تفضله بحفظهم لما عاشوا ولما متعوا بالدنيا.
المسألة الثانية: إنما خص هاهنا اسم الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل: أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك، كما في قوله: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم ﴾ إنما خص اسم الكريم بالذكر تلقيناً للجواب.
المسألة الثالثة: إنما ذكر الليل والنهار لأن لكل واحد من الوقتين آفات تختص به والمعنى من يحفظكم بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معايشكم.
أما قوله: ﴿ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ فالمعنى أنه تعالى مع إنعامه عليهم ليلاً ونهاراً بالحفظ والحراسة فهم عن ذكر ربهم الذي هو الدلائل العقلية والنقلية ولطائف القرآن معرضون فلا يتأملون في شيء منها ليعرفوا أنه لا كالئ لهم سواه ويتركون عبادة الأصنام التي لا حظ لها في حفظهم ولا في الإنعام عليهم.
أما قوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ ﴾ فاعلم أن الميم صلة يعني ألهم آلهة تكلؤهم من دوننا، والتقدير ألهم آلهة من تمنعهم.
وتم الكلام ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال: ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ وهذا خبر مبتدأ محذوف أي فهذه الآلهة لا تستطيع حماية أنفسها عن الآفات، وحماية النفس أولى من حماية الغير.
فإذا لم تقدر على حماية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها، وفي قوله: ﴿ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ ﴾ قولان: الأول: قال المازني: أصحبت الرجل إذا منعته فقوله: ﴿ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ ﴾ من ذلك لا من الصحبة.
الثاني: أن الصحبة هاهنا بمعنى النصرة والمعونة وكلها سواء في المعنى يقال: صحبك الله ونصرك الله ويقال للمسافر: في صحبة الله وفي حفظ الله فالمعنى ولا هم منا في نصرة ولا إعانة، والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة، كيف يقدر على شيء ثم بين سبحانه تفضله عليهم مع كل ذلك بقوله: ﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاء وَءابَاءهُمْ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر ﴾ يعني ما حملهم على الإعراض إلا الإغترار بطول المهلة.
يعني طالت أعمارهم في الغفلة فنسوا عهدنا وجهلوا موقع مواقع نعمتنا واغتروا بذلك.
أما قوله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا ﴾ فالمعنى أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد ونفتح البلاد والقرى مما حول مكة ونزيدها في ملك محمد صلى الله عليه وسلم ونميت رؤساء المشركين الممتعين بالدنيا وننقص من الشرك بإهلاك أهله أما كان لهم في ذلك عبرة فيؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلموا أنهم لا يقدرون على الامتناع من الله وإرادته فيهم ولا يقدرون على مغالبته ثم قال: ﴿ أَفَهُمُ الغالبون ﴾ أي فهؤلاء هم الغالبون أم نحن وهو استفهام بمعنى التقرير والتقريع والمعنى بل نحن الغالبون وهم المغلوبون وقد مضى الكلام في هذه الآية في سورة الرعد.
وفي تفسير النقصان وجوه: أحدها: قال ابن عباس ومقاتل والكلبي رضي الله عنهم ننقصها بفتح البلدان.
وثانيها: قال ابن عباس في رواية أخرى يريد نقصان أهلها وبركتها.
وثالثها: قال عكرمة: تخريب القرى عند موت أهلها.
ورابعها: بموت العلماء وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر من الأقاويل ما يتعلق بالغلبة فلذلك قال: ﴿ أَفَهُمُ الغالبون ﴾ والذي يليق بذلك أنه ينقصها عنهم ويزيدها في بلاد الإسلام، قال القفال: نزلت هذه الآية في كفار مكة فكيف يدخل فيها العلماء والفقهاء فبين تعالى أن كل ذلك من العبر التي لو استعملوا عقلهم فيها لأعرضوا عن جهلهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مّنَ الرحمن ﴾ أي من بأسه وعذابه ﴿ بَلْ هُمْ ﴾ معرضون عن ذكره لا يخطرونه ببالهم، فضلاً أن يخافوا بأسه، حتى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكاليء وصلحوا للسؤال عنه.
والمراد أنه أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بسؤالهم عن الكاليء، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ .
﴿ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ وعْدٌ لَهُ بِأنَّ ما يَفْعَلُونَهُ بِهِ يَحِيقُ بِهِمْ كَما حاقَ بِالمُسْتَهْزِئِينَ بِالأنْبِياءِ ما فَعَلُوا يَعْنِي جَزاءَهُ.
﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ.
﴿ مَن يَكْلَؤُكُمْ ﴾ يَحْفَظُكم.
﴿ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ مِن بَأْسِهِ إنْ أرادَ بِكم، وفي لَفْظِ الرَّحْمَنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ لا كالِئَ غَيْرُ رَحْمَتِهِ العامَّةِ وأنَّ انْدِفاعَهُ بِمُهْلَتِهِ ﴿ بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ لا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ فَضْلًا أنْ يَخافُوا بَأْسَهُ حَتّى إذا كُلِئُوا مِنهُ عَرَفُوا الكالِئَ.
وصَلَحُوا لِلسُّؤالِ عَنْهُ.
<div class="verse-tafsir"
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)
{قل من يكلؤكم} يحفظكم {بالليل والنهار مِنَ الرحمن} أي من عذابه إن أتاكم ليلاً أو نهاراً {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ} أي بل هم معرضون عن ذكره ولا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه حتى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكلي وصلحوا للسؤال عنه والمعنى أنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكالئ ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم ثم أضرب عن ذلك بقوله
﴿ قُلْ ﴾ أمْرٌ لَهُ أنْ يَسْألَ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَنْبِيهٍ كَيْلا يَغْتَرُّوا بِما غَشِيَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى ويَقُولُ ﴿ مَن يَكْلَؤُكُمْ ﴾ أيْ يَحْفَظُكم ﴿ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ أيْ مِن بَأْسِهِ بِقَرِينَةِ الحِفْظِ، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ لِما أنَّ الدَّواهِيَ فِيهِ أكْثَرُ وُقُوعًا وأشَدُّ وقْعًا.
وفِي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا حِفْظَ لَهم إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى وتَلْقِينٌ لِلْجَوابِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ بَأْسَهُ تَعالى إذا أرادَ شَدِيدٌ ألِيمٌ ولِذا يُقالُ نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَضَبِ الحَلِيمُ وتَنْدِيمٌ لَهم حَيْثُ عَذَّبَهم مَن غَلَبَتْ رَحْمَتُهُ ودَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ خُبْثِهِمْ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ والزُّهْرِيُّ وشَيْبَةُ (يَكْلُوكم ) بِضَمَّةٍ خَفِيفَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ (يَكْلَوْكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ إضْرابٌ عَنْ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ السَّماعِ وأنَّهم قَوْمٌ ألْهَتْهُمُ النِّعَمُ عَنِ المُنْعِمِ فَلا يَذْكُرُونَهُ عَزَّ وجَلَّ حَتّى يَخافُوا بَأْسَهُ أوْ يَعُدُّوا ما كانُوا فِيهِ مِنَ الأمْنِ والدَّعَةِ حِفْظًا وكِلاءَةً لِيَسْألُوا عَنِ الكالِئِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: عَوَّجُوا فَحَيَّوْا لِنَعْمى دِمْنَةَ الدّارِ ماذا تَحْيَوْنَ مِن نَوْءٍ وأحْجارِ وفِيهِ أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ ذُكِّرُوا ونُبِّهُوا أوَّلًا، وفي تَعْلِيقِ الإعْراضِ بِذِكْرِهِ تَعالى وإيرادِ اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمُ المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِمْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وتَدْبِيرِهِ وتَرْبِيَتِهِ تَعالى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الضَّلالَةِ والغَيِّ ما لا يَخْفى، وقِيلَ إنَّهُ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ أيْ إنَّهم غَيْرُ غافِلِينَ عَنِ اللَّهِ تَعالى حَتّى لا يُجْدِيَ السُّؤالُ عَنْهُ سُبْحانَهُ كَيْفَ وهم إنَّما اتَّخَذُوا الآلِهَةَ وعَبَدُوها لِتَشْفَعَ لَهم عِنْدَهُ تَعالى وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ زُلْفًى بَلْ هم مُعْرِضُونَ عَنْ ذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَّذْكِيرُ يُناسِبُهم، وهَذا مَعَ ظُهُورِهِ مِن مَساقِ الكَلامِ ووُضُوحِ انْطِباقِهِ عَلى مُقْتَضى المَقامِ قَدْ خَفِيَ عَنِ النّاظِرِينَ وغَفَلُوا عَنْهُ أجْمَعِينَ اهَـ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ لِتَجْهِيلِهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ألا يُرى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ ﴾ وما ذُكِرَ يَقْتَضِي العَكْسَ لِتَضَمُّنِهِ وصْفَهم بِإجْداءِ الإنْذارِ والدُّعاءِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ غافِلِينَ مُنافٍ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ فالحَقُّ ما تَقَدَّمَ، <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزأ بك قومك، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ يعني: نزل بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ، مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ، يعني: العذاب الذي كانوا به يستهزئون.
قوله عز وجل قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ أي: من يحفظكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ أي: من عذاب الرحمن، معناه: من يمنعكم من عذاب الرحمن إلا الرحمن؟
بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ، يعني: عن التوحيد والقرآن.
مُعْرِضُونَ مكذبون تاركون.
قوله عز وجل: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ الميم صلة يعني: ألهم آلهة.
تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا، يعني: من عذابنا.
لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ، يعني: لا تقدر الآلهة أن تمنع نفسها من العذاب أو السوء، إن أرادوا بها فكيف ينصرونكم؟
وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ، يعني: يأمنون من عذابنا.
وقال مجاهد: يعني: ولا هم منا ينصرون وقال السدي: لا نصحبهم فندفع عنهم في أسفارهم، وقال القتبي: أي لا يجارون، لأن المجير صاحب لمجاره.
<div class="verse-tafsir"
وقال ص: «إنْ» : نافية، والظاهِرُ أَنَّها وما دَخَلَتْ عليه جَوَابُ إذَا، انتهى.
قوله سبحانه: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ رُوِيَ: أَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ أنكروا هذه اللَّفْظَةَ، وقالوا: ما نعرفُ الرحمن إلاَّ في اليمامة، وظاهِرُ الكلامِ: أَنَّ الرَّحْمنِ قُصِدَ به العبارة عنِ الله عز وجل، وَوَصَفَ سبحانه الإنسانَ الذي هو اسمُ جنسٍ بأَنه خُلِقَ من عَجَلٍ، وهذا على جهة المُبَالَغَةِ كما تقول للرجل البطال: أَنْتَ من لعب ولهو.
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)
وقوله سبحانه: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ ...
الآية: حُذِفَ جوابُ «لو» إيجازاً لدلالة الكلامِ عليه، وتقديرُ المحذوف: لما استعجلوا، ونحوه، وذَكَرَ الوجوهَ لشرفها من الإنسانِ، ثم ذَكَرَ الظهورَ ليُبَيِّنَ عُمُومَ النَّارِ لجميع أَبْدَانِهِمْ، والضميرُ في قوله: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً: للسَّاعَةِ التي تُصَيِّرُهُم إلى العذاب، ويحتمل أن يكون للنار، ويُنْظَرُونَ معناه: يؤخّرون، وفَحاقَ معناه: حلّ ونزل، ويَكْلَؤُكُمْ، أي: يَحْفَظُكُمْ.
وقوله سبحانه: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ يحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ:
أحدهما: يجارون ويمنعون.
والآخر: ولا هم مِنَّا يُصْحَبُون بخيرٍ وتَزْكِيَةٍ ونحو هذا.
وقوله سبحانه: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ...
الآية نَأْتِي الْأَرْضَ معناه: بالقُدْرَة، ونقصُّ الأَرْض: إمَّا أنْ يُرِيدَ بتخريبِ المعمور، وإمَّا بموتِ البَشَرِ.
وقال قوم: النَّقْصُ من الأَطْرَاف: موتُ العلماءِ، ثم خاطب سبحانه نبيّه صلى الله عليه وسلّم متوعّدا ١٨ ألهؤلاء/ الكَفَرَةِ بقوله: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ ...
الآية، والنَّفْحَةُ: الخَطْرَةُ والمَسَّةُ، والمعنى: ولئن مَسَّتْهُمْ صَدْمَةَ عذابٍ لَيَنْدَمُنَّ، ولَيُقِرُّنَّ بظلمهم، وباقي الآية بَيِّنٌ.
وقال الثعلبي: نَفْحَةٌ، أي: طَرَفٌ قاله ابن عباسٌ «١» ، انتهى.
وقوله سبحانه: لِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال أبو حيان «٢» : اللام للظرفية بمعنى «في» انتهى.
قال القرطبي «٣» في «تذكرته» : قال العلماء: إذا انقضى الحسابُ كان بعدَه وَزْنُ الأَعمالِ لأَنَّ الوَزْنَ للجزاءِ، فينبغي أَنْ يكونَ بعد المُحَاسبَةِ، واخْتُلِفَ في الميزانِ والحَوْضِ: أَيُّهُمَا قَبْلَ الآخرِ، قال أبو الحسن القابسيُّ: والصحيحُ أَنَّ الحوضَ قبل الميزانِ، وذهب صاحِبُ «القوت» وغيره إلى: أنّ حوض النبي صلى الله عليه وسلّم إنما هو بَعْدَ الصِّرَاط.
قال القرطبي «٤» : والصحيح: «أنّ للنبي صلى الله عليه وسلّم حَوْضَيْنِ، وكلاهما يُسَمَّى كَوْثَراً، وأَنَّ الحَوْضَ الذي يذاد عنه مَنْ بَدَّلَ وغَيَّرَ، يكونُ في المَوْقِفِ قبل الصراط، وكذا حِيَاضُ الأنبياءِ- عليهم الصلاة والسلام- تكونُ في الموقف على ما وَرَدَ في ذلك من الأخبار» «٥» انتهى.
والفُرْقَانُ الذي أُوتي موسى وهارونُ قيل: التوراةُ، وهي الضِّيَاءُ والذّكر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ ﴾ المَعْنى: قُلْ لِهَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلِينَ بِالعَذابِ: مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ إنْ أرادَ إنْزالَهُ بِكم ؟
وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ أيْ: لا أحَدَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
﴿ بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ ﴾ ؛ أيْ: عَنْ كَلامِهِ ومَواعِظِهِ، ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ ولا يَعْتَبِرُونَ.
﴿ أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم ؟
وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.
ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم بِالضَّعْفِ، فَقالَ: ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ﴾ والمَعْنى: مَن لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ عَمّا يُرادُ بِهِ، فَكَيْفَ يَنْصُرُ غَيْرَهُ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هُمْ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمَ الكُفّارُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الأصْنامُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي مَعْنى ﴿ يُصْحَبُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يُجارُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: لا يُجِيرُهم مِنّا أحَدٌ؛ لِأنَّ المُجِيرَ صاحِبٌ لِجارِهِ.
والثّانِي: يُمْنَعُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: يُنْصَرُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: لا يُصْحَبُونَ بِخَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ اغْتِرارَهم بِالإمْهالِ، فَقالَ: ﴿ بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، ﴿ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ، ﴿ أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الرَّعْدِ: ٤١ )، ﴿ أفَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ ؛ أيْ: مَعَ هَذِهِ الحالِ، وهو نَقْصُ الأرْضِ، والمَعْنى: لَيْسُوا بِغالِبِينَ ولَكِنَّهُمَ المَغْلُوبُونَ.
﴿ قُلْ إنَّما أُنْذِرُكُمْ ﴾ ؛ أيْ: أُخَوِّفُكم، ﴿ بِالوَحْيِ ﴾ ؛ أيْ: بِالقُرْآنِ، والمَعْنى: إنَّنِي ما جِئْتُ بِهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ فَبَلَّغْتُ.
﴿ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( ولا تُسْمِعُ ) بِالتّاءِ مَضْمُومَةً ( الصُّمَّ ) نَصْبًا.
وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ والحَسَنُ: ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ( الصُّمُّ ) بِضَمِّ المِيمِ.
شَبَّهَ الكُفّارَ بِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ نِداءَ مُنادِيهِمْ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما سَمِعُوا، كالصُّمِّ لا يُفِيدُهم صَوْتُ مُنادِيهِمْ.
﴿ وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ ﴾ ؛ أيْ: أصابَتْهم، ﴿ نَفْحَةٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طَرَفَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ: أدْنى شَيْءٍ مِنَ العَذابِ، ﴿ لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا ﴾ والوَيْلُ يُنادِي بِهِ كُلُّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَيْلِ والنَهارِ مَن الرَحْمَنِ بَلْ هم عن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ ﴾ ﴿ بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُسْتَهْزِئِينَ بِكَ وبِما جِئْتَ بِهِ الكافِرِينَ بِذْكِرِ الرَحْمَنِ الجاهِلِينَ بِهِ، قُلْ لَهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ: مَن يَحْفَظُكُمْ؟
و"كَلَأ" مَعْناهُ حَفِظَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ «اكْلَأْ لَنا الفَجْرَ»، وفي آخِرِ الكَلامِ تَقْدِيرٌ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهم مانِعٌ ولا كالِئٌ، وعَلى هَذا المَعْنى تَرَكَّبَتْ "بَلْ" في قَوْلِهِ سُبِحانَهُ: ﴿ بَلْ هم عن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ، ثُمْ يَقْضِي عَلَيْهِمُ التَقْرِيرُ في أنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنَ اللهِ بِأنْ كَشَفَ أمْرَ آلِهَتِهِمْ، والمَعْنى: يَظُنُّونَ أنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي بِهَذِهِ الصِفَةِ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا، بَلْ لا يَمْنَعُهم أحَدٌ إلّا نَحْنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم مِنّا يُصْحَبُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: يُجارُونَ ويُمْنَعُونَ، والآخَرُ: ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ بِخَيْرٍ ولا بَرَكَةٍ ونَحْوُ هَذا، وفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ مِن هَذا كُلِّهِ، بَلْ ضَلَّ هَؤُلاءِ لَأنّا مَتَّعْناهم ومَتَّعْنا آباءَهم فَنَسُوا عِقابَ اللهِ وظَنُّوا أنَّ حالَهم لا تَبِيدُ، والمَعْنى: طالَ العُمُرُ في رَخاءٍ.
ثُمْ وقَفَهم تَعالى عَلى مَواضِعِ العِبْرَةِ في الأُمَمِ وفي البَشَرِ بِحَسَبِ الخِلافِ والأطْرافِ، و"الرُؤْيَةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَلا يَرَوْنَ" رُؤْيَةُ العَيْنِ تَتْبَعُها رُؤْيَةُ القَلْبِ، و"نَأْتِي" مَعْناهُ: بِالقُدْرَةِ والبَأْسِ، و"الأرْضَ" عامَّةٌ في الجِنْسِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "مِن أطْرافِها" إمّا أنْ يُرِيدَ: فِيما يَخْرَبُ مِنَ المَعْمُورِ فَذاكَ بَعْضُ الأرْضِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ مَوْتَ البَشَرِ فَهو تَنَقُّصٌ لِلْقُرُونِ، ويَكُونُ المُرادُ حِينَئِذٍ أهْلَ الأرْضِ، وقالَ قَوْمٌ: النَقْصُ مِنَ الأطْرافِ مَوْتُ العُلَماءِ، ثُمْ وقَفَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - أهم يَغْلِبُونَ مَن غَلَبَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ وقَهَرَ الكُلَّ بِسُلْطانِهِ وعَظَمَتِهِ؟
أيْ إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ بَيِّنٌ، بَلْ هم مَغْلُوبُونَ مَقْهُورُونَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار مِنَ الرحمن بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ * بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وءابَاءهم حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ العُمُرُ ﴾ بعد أن سُلِّيَ الرسول صلى الله عليه وسلم على استهزائهم بالوعيد أُمر أن يذكرهم بأن غرورهم بالإمهال من قِبل الله رحمة منه بهم كشأنه في الرحمة بمخلوقاته بأنهم إذا نزل بهم عذابه لا يجدون حافظاً لهم من العذاب غيره ولا تمنعهم منه آلهتهم.
والاستفهام إنكار وتقريع، أي لا يكلؤُهم منه أحد فكيف تجهلون ذلك، تنبيهاً لهم إذ نسوا نعمه.
وذكر الليل والنهار لاستيعاب الأزمنة كأنه قيل: من يكلؤكم في جميع الأوقات.
وقدم الليل لأنه زمن المخاوف لأن الظلام يُعين أسباب الضر على الوصول إلى مبتغاها من إنسان وحيوان وعلل الأجسام.
وذكر النهار بعده للاستيعاب.
ومعنى ﴿ من الرحمان ﴾ من بأسه وعذابه.
وجيء بعد هذا التفريع بإضرابات ثلاثة انتقالية على سبيل التدريج الذي هو شأن الإضراب.
فالإضراب الأول قوله تعالى: ﴿ بل هم عن ذكر ربهم معرضون ﴾ ، وهو ارتقاء من التقريع المجعول للإصلاح إلى التأييس من صلاحهم بأنهم عن ذكر ربهم معرضون فلا يُرجَى منهم الانتفاع بالقوارع، أي أخِّرْ السؤال والتقريع واتركهم حتى إذا تورّطوا في العذاب عرفوا أن لا كالئ لهم.
ثم أضرب إضراباً ثانياً ب (أم) المنقطعة التي هي أخت (بل) مع دلالتها على الاستفهام لقصد التقريع فقال: ﴿ أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا ﴾ ، أي بل ألهم آلهة.
والاستفهام إنكار وتقريع، أي ما لهم آلهة مانعة لهم من دوننا.
وهذا إبطال لمعتقدهم أنهم اتخذوا الأصنام شفعاء.
وجملة ﴿ لا يستطيعون نصر أنفسهم ﴾ مستأنفة معترضة.
وضمير ﴿ يستطيعون ﴾ عائد إلى آلهة أجري عليهم ضمير العقلاء مجاراة لما يجريه العرب في كلامهم.
والمعنى: كيف ينصرونهم وهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا هم مؤيدون من الله بالقبول.
ثم أضرب إضراباً ثالثاً انتقل به إلى كشف سبب غرورهم الذي من جهلهم به حسبوا أنفسهم آمنين من أخَذ الله إياهم بالعذاب فجرّأهم ذلك على الاستهزاء بالوعيد، وهو قوله تعالى: ﴿ بل متعنا هؤلاء وآباءهم ﴾ ، أي فما هم مستمرون فيه من النعمة إنما هو تمتيع وإمهال كما متعنا آباءهم من قبل، وكما كان لآبائهم آجال انتهوا إليها كذلك يكون لهؤلاء، ولكن الآجال تختلف بحسب ما علم الله من الحكمة في مَداها حتى طالت أعمار آبائهم.
وهذا تعريض بأن أعمار هؤلاء لا تبلغ أعمار آبائهم، وأن الله يحل بهم الهلاك لتكذيبهم إلى أمدٍ عَلِمَه.
وقد وُجه الخطاب إليهم ابتداء بقوله تعالى: ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ ، ثم أُعرض عنهم من طريق الخطاب إلى طريق الغيبة لأن ما وجه إليهم من إنكار أن يكلأهم أحد من عذاب الله جعلهم أحرياء بالإعراض عنهم كما في قوله تعالى: ﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ﴾ الآية في سورة [يونس: 22].
و ﴿ يصحبون ﴾ إما مضارع صحبهُ إذا خالطه ولازمه، والصحبة تقتضي النصر والتأييد، فيجوز أن يكون الفاعل الذي ناب عنه من أسند إليه الفعلُ المبنيّ للنائب مراداً به الله تعالى، أي لا يصحبهم الله، أي لا يؤيدهم؛ فيكون قوله تعالى: ﴿ منا ﴾ متعلقاً ب ﴿ يصحبون ﴾ على معنى (مِن) الاتصالية، أي صحبة متصلةً بنا بمعنى صحبة متينة.
وهذا نفي لما اعتقده المشركون بقولهم ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ [الزمر: 3].
ويجوز أن يكون الفاعل المحذوف محذوفاً لقصد العموم، أي لا يصحبهم صاحب، أي لا يجيرهم جار فإن الجوار يقتضي حِماية الجار فيكون قوله تعالى: ﴿ منا ﴾ متعلقاً ب ﴿ يصحبون ﴾ على معنى (مِن) التي بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ﴾ [غافر: 29].
وإما مضارع أصحبه المهموز بمعنى حفظه ومنعه، أي من السوء.
والإشارة ب ﴿ هؤلاء ﴾ لحَاضرين في الأذهان وهم كفار قريش.
وقد استقريْت أن القرآن إذا ذكرت فيه هذه الإشارة دون وجود مشار إليه في الكلام فهو يعني بها كفارَ قريش.
﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الارض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الغالبون ﴾ قريع على إحالتهم نصر المسلمين وعدّهم تأخير الوعد به دليلاً على تكذيب وقوعه حتى قالوا: ﴿ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [الأنبياء: 38] تهكماً وتكذيباً.
فلما أنذرهم بما سيحل بهم في قوله تعالى: ﴿ لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفّون عن وجوههم النار ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ ما كانوا به يستهزئون ﴾ [الأنبياء: 3941] فرّع على ذلك كله استفهاماً تعجيبياً من عدم اهتدائهم إلى إمارات اقتران الوعد بالموعود استدلالاً على قربه بحصول أماراته.
والرؤية علمية، وسَدت الجملة مسَدّ المفعولين لأنها في تأويل مصدر، أي أعجبوا من عدم اهتدائهم إلى نقصان أرضهم من أطرافها، وأن ذلك من صنع الله تعالى بتوجه عناية خاصة، لكونه غير جار على مقتضى الغالب المعتاد، فمَن تأمّل علم أنه من عجيب صنع الله تعالى، وكفى بذلك دليلاً على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى صدق ما وعدهم به وعنايةِ ربه به كما دلّ عليه فعل {نأتي.
فالإتيان تمثيل بِحال الغازي الذي يسعى إلى أرض قوم فيقتُل ويأسِرُ كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ [النحل: 26].
والتعريف في ﴿ الأرض ﴾ تعريف العهد، أي أرض العرب كما في قوله تعالى في [سورة يوسف: 80] ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ أي أرضَ مصر.
والنقصان: تقليل كمية شيء.
والأطراف: جمع طَرف بفتح الطاء والراء.
وهو ما ينتهي به الجسم من جهة من جهاته، وضده الوسط.
والمراد بنقصان الأرض: نقصان مَن عليها من الناس لا نقصان مساحتها لأن هذه السورة مكية فلم يكن ساعتئذ شيء من أرض المشركين في حوزة المسلمين، والقرينة المشاهدة.
والمراد: نقصان عدد المشركين بدخول كثير منهم في الإسلام ممن أسلم من أهل مكة، ومن هاجر منهم إلى الحبشة، ومَن أسلم من أهل المدينة إن كانت الآية نزلت بعد إسلام أهل العقبة الأولى أو الثانية، فكان عدد المسلمين يومئذ يتجاوز المائتين.
وتقدم نظير هذه الجملة في ختام سورة الرعد.
وجملة ﴿ أفَهمُ الغالبون ﴾ مفرعة على جملة التعجيب من عدم اهتدائهم إلى هذه الحالة.
والاستفهام إنكاري، أي فكيف يحسبون أنهم غلَبوا المسلمين وتمكنوا من الحجة عليهم.
واختيار الجملة الاسمية في قوله تعالى: ﴿ أفهم الغالبون ﴾ دون الفعلية لدلالتها بتعريف جُزْأيْهَا على القصر، أي ما هم الغالبون بل المسلمون الغالبون، إذ لو كان المشركون الغالبين لما كان عددهم في تناقص، ولَمَا خلت بلدتهم من عدد كثير منهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ ﴾ الآيَةِ.
أيْ يَحْفَظُكم، قالَ ابْنُ هَرْمَةَ: إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها وَمَخْرَجُ اللَّفْظِ مَخْرَجُ الِاسْتِفْهامِ، والمُرادُ بِهِ النَّفْيُ، تَقْدِيرُهُ: قُلْ لا حافِظَ لَكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم مِنّا يُصْحَبُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُجارُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ لَكَ مِن فُلانٍ صاحِبًا، أيْ مُجِيرًا، قالَ الشّاعِرُ يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ∗∗∗ لِيُصْحَبَ مِنها والرِّماحُ دَوانِي الثّانِي: يُحْفَظُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: يُنْصَرُونَ، وهو مَأْثُورٌ.
الرّابِعُ: ولا يُصْحَبُونَ مِنَ اللَّهِ بِخَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ قال: يحرسكم.
وفي قوله: ﴿ ولا هم منا يصحبون ﴾ قال: لا ينصرون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا هم منا يصحبون ﴾ قال: لا ينصرون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ قال: يحفظكم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا هم منا يصحبون ﴾ قال: لا يجارون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا هم منا يصحبون ﴾ قال: لا يمنعون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ﴾ يعني الآلهة ﴿ ولا هم منا يصحبون ﴾ يقول: لا يصحبون من الله بخير.
وفي قوله: ﴿ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ قال: كان الحسن يقول: ظهور النبي صلى الله عليه وسلم على من قاتله أرضاً أرضاً وقوماً قوماً، وقوله: ﴿ أفهم الغالبون ﴾ أي ليسوا بغالبين، ولكن الرسول هو الغالب.
وفي قوله: ﴿ قل إنما أنذركم بالوحي ﴾ أي بهذا القرآن ﴿ ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ﴾ يقول: إن الكافر أصم عن كتاب الله، لا يسمعه ولا ينتفع به ولا يعقله كما يسمعه أهل الإيمان.
وفي قوله: ﴿ ولئن مستهم نفحة ﴾ يقول: لئن أصابتهم عقوبة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ ﴾ يقال: كلأك (١) (٢) إنَّ سُليمي واللهُ يَكْلَؤهَا (٣) (٤) (٥) وقال المبرد: أكتلأت بهذه الدار إذا تحصَّنت بها وجعلتها تحفظك.
قال ابن عباس: يريد من يمنعكم (٦) ﴿ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ .
وقال الكلبي: ﴿ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ من عذاب الرحمن (٧) قال أبو إسحاق: معناه: من يحفظكم من بأس الرحمن (٨) ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ ﴾ أي: عذاب الله، كما قال في موضع آخر: ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ ﴾ .
ونحو هذا قال الفراء (٩) والمعنى: من يحفظكم مما يريد الرحمن إحلاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة.
وهو استفهام إنكار، أي: لا أحد يفعل ذلك (١٠) وقال مجاهد في هذه الآية: من يدفع عنكم بالليل والنهار إلا الرحمن (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن (١٣) وقال غيره: عن مواعظ ربهم (١٤) ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ أي لا يعتبرون.
(١) في (ت): (كلال).
(٢) "تهذيب اللغة" 15/ 365 (كلأ) منسوبًا إلى الليث.
وهو في كتاب "العين" 5/ 407 مادة (كلأ).
(٣) هذا صدر البيت، وعجزه: ضنَّت بشيء ما كان يرْزؤها وهو في "ديوانه" ص 55 و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 39، والطبري 17/ 30، و"تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 360 (كلأ).
(٤) في "تهذيب اللغة" 10/ 362.
فسهرت له.
(٥) "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 361 - 362 (كلأ) نقلاً عن أبي زيد.
(٦) ذكره البغوي 5/ 325 منسوبًا إلى ابن عباس.
وقد روى الطبري 17/ 29 عن ابن عباس قال: يحرسكم.
(٧) ذكر هذا القول الرازي 22/ 174، والقرطبي 11/ 29، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 160 من غير نسبة لأحد.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 293.
(٩) انظر: "معاني القرآن" 2/ 204.
(١٠) وعلى هذا يكون المعنى: لا كالئ لكم يحفظكم من عذاب الله البتة إلا الله تعالى؛ أي: فكيف تعبدون غيره؟.
وقال أبو حيان في "البحر" 6/ 314: هو استفهام وتوبيخ.
فعلى هذا يكون توجه إليهم بالتقريع والتوبيخ: كيف يصرفون حقوق الذي يحفظهم بالليل والنهار إلى ما لا ينفع ولا يضر.
(١١) رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 201 عن مجاهد دون قوله إلا الرحمن.
وفي "الدر المنثور" 5/ 632: وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ..
قال: يحفظكم.
(١٢) وحكى الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 478 القولين، واستظهر قول من قال: "من الرحمن" أي: من عذابه وبأسه قال: ونظيره من القرآن ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ﴾ .
وقال أبو العباس ابن تيمية في "الفتاوى" 27/ 441، 35/ 372: "قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن" بدلًا عن الرحمن.
وهذا أصح القولين كقوله تعالى ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ أي: لجعلنا بدلاً منكم كما قاله عامة المفسرين، ومنه قول الشاعر: فليت لنا من ماء زمزم شربة ...
مبردة باتت على طهيان أي بدلاً من ماء زمزم.
اهـ.
واقتصر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 179 على هذا القول ولم يحك غيره واستشهد له يقول الراجز: جارية لم تلبس المرققا ...
ولم تذق من البقول الفستقا أي لم تذق بدل البقول الفستق.
اهـ.
(١٣) ذكره القرطبي 11/ 291 من غير نسبة.
(١٤) قاله الطبري 17/ 30.
وقد جمع البغوي 5/ 320 القولين، فقال: عن القرآن ومواعظ الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن يَكْلَؤُكُم ﴾ أي من يحفظكم من أمر الله، ومن استفهامية، والمعنى تهديد، وإقامة حجة، لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا أنهم ليس لهم مانع ولا حافظ، ثم جاء قوله: ﴿ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ بمعنى أنهم إذا سئلوا عن ذلك السؤال لم يجيبوا عنه لأنهم تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله: أي عن الجواب الذي فيه ذكر الله، وقال الزمخشري: معنى الإضراب هنا أنهم معرضون عن ذكره، فضلاً عن أن يخافوا بأسه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إلا نوحي إليه ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ إني إله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ابن ذكوان.
﴿ ألم ير ﴾ بغير واو: ابن كثير الآخرون بواو متوسطة بين همزة الاستفهام والفعل ونظائرها كثيرة ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
﴿ ولا تسمع ﴾ من الاسماع خطأ بالنبي الصم بالنصب: ابن عامر.
الآخرون على الغيبة من السماع.
﴿ الصم ﴾ بالرفع ﴿ مثقال حبة ﴾ بالرفع على "كان" التامة وكذلك في سورة لقمان: أبو جعفر ونافع.
الباقون بالنصب.
الوقوف: ﴿ ينشرون ﴾ ه ﴿ لفسدتا ﴾ ج للابتداء ﴿ بسبحان ﴾ للتعظيم مع فاء التعقيب تعجيلاً للتنزيه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يسالون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ برهانكم ﴾ ج لاتحاد المقول من غير عاطف ﴿ قبلي ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ه { } ط ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لأن ما بعده صفة بعد صفة ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا يشفعون ﴾ ه لا للاستثناء ﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ففتقناهما ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ حي ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ محفوظاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف والحال ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ط ﴿ الخالدون ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ هزوا ﴾ ط ﴿ آلهتكم ﴾ ج لاحتمال الواو الإستئناف والحال ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ من عجل ﴾ ط ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ يستهزئون ﴾ ه ط ﴿ من الرحمن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ من دوننا ﴾ ط فصلاً بين الاستفهام والإخبار ﴿ يصبحون ﴾ ه ﴿ العمر ﴾ ط ﴿ من أطرافها ﴾ ط ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ بالوحي ﴾ ط لاستئناف ولا يسمع بالياء التحتانية والوصل أجوز لتتميم المقول، ومن قرأ على الخطاب وقف لأنه خرج عن المقول ﴿ ينذرون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أتينا بها ﴾ ط ﴿ حاسبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه لا لاتصال الصفة ولا يخفى أنه يحتمل النصب أو الرفع على المدح فيجوز أن لا يوصل.
﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ أنزلناه ﴾ ط ﴿ منكرون ﴾ .
التفسير: إنه بدأ في أول السورة بذكر المعاد ثم انجر الكلام إلى النبوات وما يتصل بها سؤالاً وجواباً فختم الكلام بالإلهيات لأنها المقصود بالذات فقال على سبيل الإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها بواسطة "أم" المنقطعة ﴿ أم اتخذوا آلهة من الأرض ﴾ نسبت إلى الأرض كما يقال "فلان من مكة" لأنها اصنام تعبد من الأرض، لأن الالهة على ضربين أرضية وسماوية.
أو أراد أنها من جنس الأرض لأنها تُنحت من حجر أو تعمل من جوهر آخر أرضي.
ويقال: أنشر الله الموتى ونشرها اي أحياها.
ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات كأنهم بإدعائهم لها الإلهية أدعوا لها الإنشار وإن كانوا منكرين البعث فضلاً عن قدرة الأصنام عليه لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور.
والإنشار من جملة المقدورات بالدلائل الباهرة وفيه باب من التهكم والتسجيل وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الاقتدار على الإبداء والإعادة من لوازم الإلهية.
ومعنى ﴿ هم ﴾ افادت الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم، وفيه رمز إلى أن الأمر المختص بالاهتداء هو وحده.
ولما قدم الإنكار شرع في دليل التوحيد فقال: ﴿ لو كان فيهما ﴾ أي في السموات والأرض وقد مر ذكرهما ﴿ آلهة إلا الله ﴾ اي غير الله.
قال النحويون: إلا ههنا بمعنى لتعذر حمل إلا على الاستثناء لأنها تابعة لجمع منكور غير محصور، والاستثناء لا يصح إلا إذا كان المستثنى داخلاً في المستثنى منه لولا الاستثناء وقد يقال: إن "إلا" في هذه المادة لا يمكن أن تكون للاستثناء لأنا لو حملناها على الاستثناء لصار المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله لم يحصل الفساد.
وللمفسرين في تفسير الآية طريقان: أحدهما حمل الغائب على الشاهد والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة غير الواحد الذي هو فاطرهما ﴿ لفسدتا ﴾ وفيه دلالة على أمرين: الأول وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً، والثاني أن لاي كون ذلك الواحد إلا إياه لقوله ﴿ غير الله ﴾ وإنما وجب الأمر أن لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف.
وثانيهما طريق التمانع بأن يقال: لو فرضنا إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، فإن وقع مرادهما لزم اجتماع الضدين في محل واحد، وإن لم يقع مرادهما لزم عجزهما، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر فذلك الآخر عاجز لا يصلح لإلهية.
والاعتراض على هذا التقدير من وجهين: الأول أن اختلافهما في الإرادة أمر ممكن والممكن لا يجب أن يقع.
والثاني أن الفساد في السموات والأرض كيف يترتب على اختلافهما وفي الجواب طريقان: أحدهما الرجوع إلى التفسير الأول وهو إحالة الأمر على ما هو الغالب المعتاد من أن الملك عقيم ولا يجتمع فحلان على شول، والشول جماعة النوق التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، فلا بد من وقوع التنازع والاختلاف وحدوث الهرج والمرج عند ذلك.
الطريق الثاني العدول إلى ضرب آخر من البيان، وهو أن اتفاق الإلهين على مقدور واحد محال لأن كلاً منهما مستقل بالتأثير كامل في القدرة، فإذا وقع المقدور بأحدهما استحال أن يقع بالآخر مرة أخرى على أنه لو اراد كل واحد منهما أن يوجده هو فهذا أيضاً اختلاف.
ولو قيل: إنه يريد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما لا بعينه فهذه إرادة مبهمة لا تصلح للتأثير، فلا بد من الاختلاف وقد عرفت حاله ولزوم الفساد حينئذ ظاهر، لأن كل ما يصدر عن إلهين عاجزين أو إله عاجز لم يكن على الوجه الأصلح والنمط الأصوب، بل العاجز لا يصلح للإيجاد أصلاً فلا يوجد على ذلك التقدير شيء من الممكنات وهو الفساد الكلي.
ومنهم من يقرر دليل التمانع على وجوه أخر منها: أنا لو قدرنا إلهين فهل يقدر كل واحد منهما على أن يمنع صاحبه عن مراده أم لا؟
فإن قلت: يقدر.
كان كل منهما مقهوراً للآخر، وإن قلت: لا يقدر فقد ثبت عجز كل واحد منهما.
ومنها أن أحدهما هل يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا؟
فإِن قدر فالمستور عنه جاهل عاجز وإلا فالأول عاجز.
ولا يخفى ما في أمثال هذين الوجهين من الضعف لأن عدم القدرة على المحال لا يسمى عجزاً ولهذا لا يمكن أن يقال: إنه عاجز عن خلق مثله أو إنه إذا أوجد شيئاً نفذت قدرته عن خلق ذلك الشيء وحصل له عجز.
ومن الطاعنين في دليل التمانع من فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله كما تزعم عبدة الأصنام لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على وجوه التدبير والتصرف لأنفسها فضلاً عن غيرها.
ولقائل أن يقول: إن الآلهة لو كانت منفردة بالتدبير يلزم الفساد.
أما أنها لو كانت وسائط أو معاونة للإله الأعظم كما تزعم عبدة الأوثان فمن أين يلزم الفساد.
واعلم أنا قد بينا دلائل التوحيد في مواضع من هذا الكتاب ولا سيما في سورة البقرة في تفسير قوله ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ ولنا في هذا المقام طريقة أخرى ما أظنها وطئت قبلي فأقول وبالله التوفيق: إن الوحدة من صفات الكمال وقد ركز ذلك في العقول حتى إن كل عامل مهما تم له أمر بواحد لم يتعد فيه إلى اثنين، وإذا اضطر إلى الشركة والتعاون راعى فيه الأبسط فالأبسط لا يزيد العدد إلا بقدر الافتقار وعلى هذا مدار الأمور السياسية والمنزلية هذا في المؤثر.
وأما في الأثر فلا ريب أنه استند إلى ما هو بسيط حقيقي لم يكن فيه إلا جهة واحدة افتقارية وإذا استند إلى ما فوق ذلك كان فيه من الجهات الافتقارية بحسب ذلك فيكون النقص تابعاً لقلة جهات الافتقار وكثرتها، وكل مرتبة للممكنات تفرض من العقول والنفوس والأفلاك والعناصر والمواليد، فإن كان مبدأ تلك السلسلة الطويلة واحداً كانت الجهات الاعتبارية الافتقارية فيها أقل مما لو كان المبدأ أزيد من واحد.
وهذه قضية يقينية إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه أراد أن يدفع هذا النقص من الممكنات و "لو" هذه بمعنى "أن" والمراد أن هذا النقص والفساد لازم لوجود آلهة غير الله سواء كان الله من جملتهم أم لا، ولن يرضى العاقل بما فيه نقصه وفساده فوجب أن لا يعتقد إلهاً غير الله وهذه النتيجة هي المراد بقوله ﴿ فسبحان الله رب العرش عما يصفون ﴾ من الأنداد والشركاء فتكون هذه الآية نظيره قوله ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً ﴾ وفيه قول زيد بن عمرو بن انفيل حين فارق قومه: أرباً واحداً أم الـــــــف رب *** أدين إذا تقسمت الأمـــــور تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الرجل البصير ثم أكد تفرده بالإِلهية بقوله ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ وفيه رد على الثنوية والمجوس الذين أثبتوا لله شريكاً فاعلاً للشرور والآلام، وذلك أنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله فقالوا: لو كان مدبر العالم واحداً لم يخص هذا بأنواع الخيرات من الصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور من المرض والفقر، فذكر أن الاعتراض على أفعاله ينافي الديانة وأن له أن يفعل ما يشاء ولا مجال للسؤال عن أفعاله، فكل من الأشاعرة والمعتزلة سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت، ولكنهم حملوا عدم جواز السؤال على مأخذ آخر.
أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن أفعاله لا تعلل بالمصالح والأغراض ولم بحكم المالكية أن يفعل في مخلوقاته ما شاء فإن من تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت، وكيف يتصور في حقه استحقاق الذم واستحقاق المدح له قديم؟
وما يثبت للشيء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات.
وكما أن ذاته غير معللة بشيء فكذلك صفاته وأفعاله، وإنه غير محتاج إلى الأسباب والوسائط والأغراض والمقاصد.
وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه عالم بقبح المقابح وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح.
وإذا عرف المكلف إجمالاً أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب وجب أن يسكت عن "لم" وإذا كان الملوك المجازيون لا يسألهم من في مملكتهم عما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً لهم مع جواز الخطأ والزلل عليهم، فملك الملوك ورب الأرباب أولى بأن لا يسال عن أفعاله مع ما ركز في العقول من أن كل ما يفعله فهو حسن مشتمل على الغايات الصحيحة.
ثم زاد الإلهية تأكيداً بقوله ﴿ وهم يسألون ﴾ وفيه رد على منكري التكليف الذاهبين إلى أن العباد لا يسألون عما فعلوا في دار الدنيا قالوا: إن التكليف أمر غير معقول لأنه إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك وهو محال لأن صدور الفعل عن المكلف يستدعي الترجيح فالتكليف بالترجيح في حال عدم الترجيح تكليف بالمحال، وإما أن يتوجه حال الرجحان ويكون الفعل حينئذ واجب الوقوع فيكون التكليف عبثاً.
وأيضاً التكليف بما هو معلوم الوقوع لله عبث لأنه واجب الوقوع وبما هو غير معلوم الوقوع تكليف بما لا يطاق، وأيضاً سؤال العبد لعبد إن لم يكن فيه فائدة فعبث، وإن كان فيه فائدة فإِن عادت إلى الله كان محتاجاً مستكملاً، وإن عادت إلى العبد فالله قادر على إيصالها إليه من غير واسطة التكليف، على أن السؤال إن كان لأجل إيصال الضرر فذلك لا يليق بالكريم الرحيم، وجوابهم أن الأسباب والوسائط معتبرة في كل شيء من عالم الأسباب حتى الثواب والعقاب، على أن حاصل الشبهات يرجع إلى أن المنكر كأنه قال: إنه تعالى لم كلف عباده ولم كلفهم مالا يطيقون وهو يناقص القاعدة الممهدة أنه لا يسال عما يفعل.
ثم كرر ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة ﴾ استفظاعاً لكفرهم وليرتب عليه قوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ على ذلك عقلاً أو نقلاً.
أما العقل فقد مر أنه يقضي بعدم الشريك حذراً من الفساد، وأما النقل فقوله ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ هو من إضافة المصدر إلى المفعول أي عظة لأمتي.
عن ابن عباس واختاره القفال والزجاج أنه اراد هذا هو الكتاب المنزل على من معي من الأمة وهذا هو الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وأممهم يعني التوراة والإنجيل والزبور والصحف والكل وارد في معنى التوحيد ونفي الشركاء.
وعن سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله ﴿ وذكر من قبلي ﴾ صفة للقرآن ايضاً لأنه اشتمل على أحوال الأمم الماضية كما اشتمل على أحوال هذه الأمة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ بل أكثرهم ﴾ تنبيهاً على أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد وهو عدم العلم وفقد التمييز بين الحق والباطل، فلذلك أعرضوا عن استماع الحق وطلبه، وفي لفظ الأكثر إشارة إلى أن فيهم من يعلم ولكنه يعاند، أو أجري لفظ الأكثر على الكل على عادة الفصحاء كي لا يكون الكلام بصدد المنع.
ثم قرر آي التوحيد خصوصاً قوله ﴿ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ﴾ على أحد التفسيرين بقوله ﴿ وما أرسلناك ﴾ الآية.
ثم رد على خزاعة وأمثالهم القائلين بأن الملائكة بنات الله بقوله ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ﴾ ثم نزه نفسه عن ذلك بقوله { } ثم أخبر عما هم عليه في الواقع وهو أن الملائكة عباد الله ﴿ مكرمون ﴾ مقربون ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ أي بقولهم اي يتبعون قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ فهم التابعون لأمر الله في أقوالهم وافعالهم ﴿ يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ﴾ وقد مر تفسيره في "طه" وفي آية الكرسي ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ كقوله في طه ﴿ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً ﴾ وقد مر البحث فيه.
قال في الكشاف ﴿ وهم من خشيته مشفقون ﴾ أي متوقعون من أمارة بخلاف البشر فإنهم لا يتوقعون ذلك إلا من أمارة قوية.
ويحتمل أن يقال: إنهم يخشون الله ومع ذلك يحذرون من أن تلك الخشية يقع فيها تقصير.
"عن رسول الله أنه رأى جبرئيل ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله عز وجل." ثم نبه على غاية عظمته ونهاية جبروته بقوله ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه ﴾ فيحتمل أن يدعي الإلهية لنفسه دون الله أو يدعي أنه إله مع الله أي بعد مجاوزة إلهيته وهذا على سبيل الفرض والتقدير كقوله ﴿ ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ وفي قوله ﴿ فذلك ﴾ دون أن يقول فهو تبعيد للمشرك الجاحد عن ساحة عزته وفيه تفظيع لأمر الشرك وتهديد عظيم لمن أشرك، وأراد بالظلم ههنا الشرك، والمعتزلة عمموه والأول أظهر.
ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من البيان وهو الاستدلال بالآفاق والأنفس قائلاً ﴿ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض ﴾ أي جماعة السموات وجماعة الأرض ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ الرتق بالسكون السد.
رتقت الشيء فارتتق أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك، والفتقاء ضدها أي كانتا مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين.
عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن، وقتادة أن المراد كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض.
ومثله قول كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما فحصل الفتق، وقال أبو صالح ومجاهد: كانت السموات متلاصقات لا فرج بينها ففتقها الله بأن جعلها سبعاً وكذلك الأرضون.
وعن ابن عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين، أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر.
ويشبه أن يراد بالسموات على هذا التفسير السحب نظيره قوله ﴿ والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع ﴾ ويؤيده قوله عقيبه ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ وقيل: إنهما جمع السموات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهن، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون كقولهم "ثوب أخلاق" "وبرمة أعشار" وقريب من هذا قول من قال: المعنى أن السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما الله بإظهار النور فيهما كقوله ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ وقال أبو مسلم الاصفهاني: الرتق حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه، والفتق الإِيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ والفطر الشق.
وعن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه بعد.
وههنا سؤال: وهو أن الكفار متى رأوهما رتقاً حتى صح هذا الاستفهام للتقرير؟
كيف وقد قال الله ﴿ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ﴾ ؟
[الكهف: 51] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة، وكذا إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم.
وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي .
وقال صاحب الكشاف في الجواب: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم .
قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال السكاكي صاحب المفتاح: اي جعلنا مبدأ كل حي من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.
واعترض عليه بأنه كيف يصح ذلك وآدم من تراب والجن من نار والمشهور أن الملائكة ليست أجساماً مائية؟
وأجاب بأنه يأتي في الروايات أنه جل وعز خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.
وقال صاحب الكشاف: إنما قال خلقنا كل شيء حي من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله ﴿ خلق الإنسان من علق ﴾ وجوز أن لا يكون الجعل بمعنى الخلق بل يكون بمعنى التصيير متعدياً إلى مفعولين، فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه.
وقال في التفسير الكبير: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة قائمة فإن الدليل لا بد أن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، فبهذا الطريق تخرج الملائكة والجن وآدم لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك: قلت: فعلى هذا يكون قوله ﴿ وجعلنا ﴾ داخلاً في حيز الاستفهام كأنه قيل: ألم يروا أنا فتقنا السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل حيوان.
ومن المفسرين من جعل الحي شاملاً للنبات أيضاً كقوله ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ قوله ﴿ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ﴾ قد مر تفسيره في أول "النحل" وباقي الآية كقوله في طه ﴿ وسلك لكم فيها سبلاً ﴾ والفجاج جمع الفج وهو الطريق الواسع وهي صفة ﴿ سبلاً ﴾ قدمت عليه فصارت حالاً عنه أراد أنه حين خلقها جعلها على تلك الصفة فهذا كالبيان لما أبهم في قوله: ﴿ لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ﴾ والاهتداء إما حسي أي تهتدون إلى البلاد، وإما عقلي وهو الاهتداء إلى وحدانية الله .
ومنهم من زعم أن الضمير في قوله ﴿ وجعلنا ﴾ فيها عائد إلى الجبال وهذا قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس, وروي عن ابن عمر أنه قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً.
قال علماء الإسلام: ليس في قوله ﴿ وجعلنا السماء سقفاً ﴾ إن السماء للأرض كالسقف للبيت لأنها فوق لا يقابله مثله، ولكنه أطلق عليها اسم السقف لأنها كذلك في النظر بالنسبة إلى سكان كل بقعة.
وفي المحفوظ وجهان: أي ﴿ محفوظاً ﴾ بقدرته من أن يقع على الأرض أو محفوظ بالشهب عن الشياطين.
﴿ وهم عن آياتها معرضون ﴾ فلا يتدبرون في ترتيبها ومسيراتها وطلوع أجرامها وغروبها واتصالاتها وانصرافاتها وتأثيراتها فيما دونها بإذن خالقها ومبدعها.
قوله ﴿ كل في فلك ﴾ من مقلوب الكل.
والفلك في اللغة كل شيء دائر وجمعه أفلاك.
وزعم الضحاك أنه ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم.
والأكثرون على أن الفلك جسم تدور النجوم عليه.
ثم اختلفوا في حقيقته فقال الكلبي: ماء مكفوف أي مجموع تجري فيه الكواكب بدليل قوله ﴿ يسبحون ﴾ والسباحة لا تكون إلا في الماء.
ورد بأنه يقال فرس سابح إذا امتد في الجري.
وقالت الحكماء: هو جسم كروي لا ثقيل ولا خفيف غير قابل للخرق والاتئام والنمو والذبول، ولذلك منعوا من كون الفلك ساكناً، والكواكب متحركة فيه كالسمك في الماء واعتذروا عن السباحة بأنها في النظر كذلك.
قال صاحب الكشاف: التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي كلهم فورد عليه إشكالان: أحدهما أنه لم يسبق إلا ذكر الشمس والقمر فكيف يعود ضمير الجمع إليهما؟
وأجاب بأن ذلك باعتبار كثرة مطالعهما كما يجمع بالشموس والقمار لذلك.
ويمكن أن يقال: أقل الجمع اثنان أو أنه جعل النجوم تبعاً لذكرهما.
الثاني أن كلهم ليسوا في فلك ولكن كل منهم في فلك آخر على ما يشهد به علم الهيئة، وأجاب بأنه اراد جنس الفلك كقولك "كسانا الأمير حلة"، أو اراد كل واحد.
قلت: لو صح هذا التقدير الثاني لم يرد الإشكال الأول ولكنه ينافي قوله ﴿ يسبحون ﴾ مجموعاً.
قال بعض الحكماء في هذا الجمع دلالة على أن الكواكب أحياء ناطقة.
وأجيب بأنه إنما جمع جمع العقلاء لأن السباحة من فعلهم.
قلت: قد يسبح كثير من الحيوانات، فلعل المختص بالعقلاء هو السباحة الصناعية المكتسبة.
وههنا بحث وهو أن الإمام فخر الدين الرازي استحسن قول بعض الأوائل أن الحركة السماوية صنف واحد وهي الآخذة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض كالحركات الغربية، وكذا اختلافات تلك الحركات بسبب تلك المختلفات.
قال: وهذا أقرب ليكون غاية سرعة الحركة للفلك الأعظم وغاية السكون للجرم الذي هو أبعد عن المحيط وهو الأرض، ولئلا يلزم بسبب حركة ما دون الفك الأعظم بحركته وبحركتها الخاصة تحرك الجرم الواحد في زمان واحد بحركتين مختلفتين إلى جهتين فإنه يستلزم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين.
قلت: أما حديث كون ما هو أبعد عن المركز اسرع حركة فإقناعي، وأما لزوم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين فممنوع لأن التي تظهر في المتحرك هي الحركة المركبة الحاصلة من فضل الأسرع على الأبطأ لا كل من الحركتين، وهذا مشاهد من حركة النملة إلى خلاف جهة حركة الرحى، ومن حركة راكب السفينة فيها إلى خلاف جهة حركتها.
وأما الذي استحسنه من كلام الأوائل فباطل لأنه لو كان كذلك لحصلت الأظلال اللائقة بكل جزء من أجزاء فلك البروج في يوم بليلة، وكذا الارتفاعات المناسبة لها في البلاد المتفقة العرض وليس كذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى في كتبنا النجومية ايضاً.
وحين فرغ من بيان طرف من هيئة الأجرام السماوية ومنافعها الدنيوية نبه بقوله ﴿ وما جعلنا البشر من قبل الخلد ﴾ على أن هذه الآثار لا تدوم ولا تخلق للبقاء وإنما خلقت للابتداء والامتحان ولكي يتوصل بها المكلفون إلى السعادات المدخرة لهم في الآخرة وهي دار الخلود.
وبوجه آخر لما فرغ من دلائل الآفاق شرع في دلائل الأنفس فقال: ﴿ وما جعلنا ﴾ الآية، عن مقاتل أن ناساً كانوا يقولون إن محمداً لا يموت فنزلت وقيل: لعلهم ظنوا أنه لو مات لتغير الشرع وهذا ينافي كونه خاتم الأنبياء، فبين الله أن حاله كحال من تقدمه من الأنبياء في المفارقة من دار الدنيا.
والأكثرون على أن سبب النزول هو أنهم كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله عنه الشماتة لهذه وفي معناه قول القائل: فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا.
قوله ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قد تقدم في آخر آل عمران تفسيره.
قوله ﴿ ونبلوكم ﴾ أي نعاملكم معاملة المختبر بما نسوق إليكم من الشرور والخيرات فيظهر عندهما صبركم وشكركم.
وقدم الشر لأن الموت من باب الشرور في نظر أهل الظاهر.
و ﴿ فتنة ﴾ مصدر مؤكد ﴿ لنبلوكم ﴾ من غير لفظه.
وحين أثبت الموت الذي هو الفراق عن دار التكليف بين بقوله ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ أن الجزاء على الأعمال ثابت مرئي ألبتة بعد المفارقة.
استدلت المجسمة بقوله ﴿ وإلينا ﴾ أنه جسم ليمكن الرجوع إلى حيث هو، والتناسخية بأن الرجوع مسبوق بالكون في المكان المرجوع إليه، وجواب الأولين أنه أراد الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له، وجواب الآخرين التسليم لكنه لا يفيد مطلوبهم لأن الرجوع إلى المبدأ غير الرجوع إلى دار الدنيا، واعلم أن مثل هذه الآية سيجيء في سورة العنكبوت إلا أنه قال هناك ﴿ ثم إلينا ﴾ ولم يذكر قوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ فكأن هذه الفاصلة قامت مقام التراخي في "ثم" قال السدي ومقاتل: "مر النبي بأبي جهل وأبي سفيان فقال ابو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف.
فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف!
فسمع النبي قولهما فقال لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلت حمية" فأنزل الله ﴿ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ﴾ اي ما يتخذونك ﴿ إلا هزوا ﴾ ثم فسر ذلك بقوله ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ والذكر أعم من أن يكون بالخير أو بالشر إلا أنه إذا كان من العدو يفهم منه الذم لا الثناء، والمعنى أنه يبطل معبوديتها وينكر عبادتها ويقبح أمرها ثم بين غاية جهالتهم وتعكيس قضيتهم بقوله ﴿ وهم بذكر الرحمن هم كافرون ﴾ قدم الجار والمجرور وكرر الضمير ليفيد أنهم عاكفون هممهم على ذكر آلهتهم من كونها شفعاء وشهداء، ولو ذكرها بخلاف ذلك ساءهم.
وأما ذكر الرحمن الذي منه جلائل النعم ودقائقها وأصولها وفروعها فلا يخطر منهم ببال، ولو ذكره ذاكر استهزؤا به حتى إن بعضهم يقولون: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فهم أحق أن يتخذوا هزواً.
ويحتمل أن تكون الباء للسببية أي هم كافرون بسبب ذكرهم الرحمن لا على ما ينبغي، فيكون الذكر في الموضعين بمعنى واحد.
وقيل ﴿ بذكر الرحمن ﴾ أي بما أنزل إليك من القرآن وكانوا يستعجلون بعذاب الله كما يجيء من قوله ﴿ ويقولون متى هذا الوعد ﴾ فقدم لذلك أولاً مقدمة هي قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ من عجل ﴾ أراد أنه مجبول على إفراط العجلة كما مر في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ وعن ابن عباس أنه آدم اراد أن يقوم حين بلغ الروح صدره، وعن مجاهد أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يا رب عجل خلقي قبل أن تغيب الشمس.
وعن ابن عباس أيضاً أنه النضر بن الحرث والأول أظهر.
وقيل: العجل الطين بلغة حمير، وقال الأخفش: اي من العجل في الأمر وهو قوله ﴿ كن ﴾ وقيل: هو على القلب أي خلق العجل من الإنسان ﴿ سأريكم آياتي ﴾ وهي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإنها كائنة لا محالة في وقتها وقيل: هي أدلة التوحيد وصدق الرسول.
وقيل: آثار القرون الخالية بالشام واليمن.
سؤال: ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ فيه أن الآدمي معذور على الاستعجال لأنه له كالأمر الطبيعي الذي لا بد منه، فلم رتب عليه النهي بقوله ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ؟
وأجيب بأن فيه تنبيهاً على أن ترك العجلة حالة شريفة وخصلة عزيزة.
وقال جار الله: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها.
آخر: القوم استعجلوا الوعد على جهة التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً في الحقيقة؟
أجيب بأن الاستعجال على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه استعجال على أمر موهوم عندهم لا معلوم ﴿ لو يعلم ﴾ جواب "لو" محذوف و ﴿ حين ﴾ مفعول به ﴿ ليعلم ﴾ والمعنى لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه وهو وقت إحاطة النار بهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال.
ويجوز أن يكون ﴿ يعلم ﴾ متروك المفعول أي لو كانوا من أهل العلم لما كانوا مستعجلين، وعلى هذا يكون ﴿ حين ﴾ منصوباً بمضمر أي حين لا يكفون يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وخص الوجوه والظهور بالذكر لأن نكاية النار في هذين العضوين اشد مع أن الإحاطة التامة تفهم منهما.
ثم بين أن وقت مجيء العذاب غير معلوم لهم فإن مجيء الساعة مخفي عن المكلفين ليكونوا أقرب إلى تلاقي الذنوب فقال ﴿ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ﴾ قال جار الله: أي لا يكفونها بل تفجؤهم فتغلبهم.
قلت: فائدة "بل" في هذه المقامات للانتقال من جملة إلى أخرى أهم من الأولى، ويحتمل أن تكون "لو" لظاهر التمني والضمير للنار.
وقيل: للساعة.
وفي قوله ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ تذكير بإمهالهم في دار الدنيا أي ثم يهلكون بعد طول الإمهال.
ثم سلى رسوله بقوله ﴿ ولقد استهزئ ﴾ الآية.
وقد مرت في أول الأنعام.
ولما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار ذكر أنهم في الدنيا ايضاً مفترقون إلى حراسة الله وكلاءته فقال ﴿ قل من يكلؤكم بالليل ﴾ إذا نمتم ﴿ والنهار ﴾ إذا تقلبتم في وجوه المصالح ﴿ من الرحمن ﴾ أي من بأسه وعذابه كالقتل والسبي ونحوهما.
قيل: إنما خص الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ونظيره ﴿ ما غرك بربك الكريم ﴾ ثم أضرب عن الأمر بالاستفهام قائلاً ﴿ بل هم عن ذكر ربهم معرضون ﴾ لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه كأنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.
أما قوله ﴿ أم لهم آلهة تمنعهم ﴾ فذكر في الكشاف أنه إضراب عن الكلام السابق بما في "أم" من معنى "بل".
وقال غيره: الميم زائدة وإنه استفهام مستأنف والتقدير ألهم آلهة تمنعهم من دوننا من العذاب، ومعنى ﴿ من دوننا ﴾ أن تلك الآلهة لا تتجاوز منعنا وحفظنا ثم استأنف فقال ﴿ لا يستطيعون ﴾ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف اي تلك الآلهة ليست تقدر على نصر أنفسها فكيف تحفظ غيرها وتنصرها.
وقوله ﴿ ولا هم منا يصبحون ﴾ قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته.
والأكثرون على أنه من الصحبة بمعنى النصرة والمعونة ومنه قولهم "صبحك الله".
والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة والنصرة كيف يتوقع منه دفع ضر أو جلب نفع!
ولما ابطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الحفظ والكلاءة والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الإهلاك ولا من ناصر يعينهم على أسباب التمتع سوى الله.
وفي قوله ﴿ حتى طال عليهم العمر ﴾ إشارة إلى أنه لما امتدت أيام الروح والطمأنينة حسبوا أن ذلك لن يزول عنهم فاغتروا به ونسوا المنعم فاستأهلوا العقاب كما أشار إليه بقوله ﴿ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ وفي لفظ الإتيان تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين الذين هم حزب الله من نقص ديار الكفر وتخريبها وعمارة حوزة الإسلام وتشييد مبانيه وقد مر مثله في آخر سورة الرعد.
والاستفهام في قوله ﴿ أفهم الغالبون ﴾ للتقرير أي لنحن الغالبون وهم المغلوبون.
ثم بين أن هذه الإنذارات ليست من قبل الرسول ولكنه بالوحي، ثم مهد عذر الرسول إن لم تنجع فيهم رسالته بأن الصم لا يسمعون دعاء المنذر.
واللام في ﴿ الصم ﴾ للعهد أي لا يسمع هؤلاء الإنذار فوضع ﴿ الصم ﴾ في موضع اسم الإشارة إيذاناً بأنهم هم الموسومون بالصمم عن استماع الحق، ولو كان اللام للجنس لكان الأنسب إطلاق الدعاء لأن الصم لا تسمع الدعاء بشروا أو أنذروا.
ثم ذكر أنهم لا يعترفون بالتقصير والظلم إلا عند معاينة العذاب فقال: ﴿ ولئن مستهم نفحة ﴾ وفي ذكر المس وبناء المرة من النفح الذي هو بمعنى القلة والنزارة.
منه قولهم "نفحه بعطية" اي رضخة، "ونفحته الدابة" وهو رمح يسير دليل على أنهم في غاية الضعف يجزعون من أدنى أثر من عذاب الله.
قوله ﴿ ونضع الموازين القسط ﴾ المراد من الوضع الإحضار والقسط اي العدل صفة الموازين وإن كان موحداً كقولهم للقوم "إنهم عدل" قاله الفراء.
وعن الزجاج أراد ذوات القسط.
واللام في ﴿ ليوم القيامة ﴾ بمعنى الوقت كما يقال "جئت لتاريخ كذا".
وقيل: أراد لأجل الحساب يوم القيامة.
وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول سورة الأعراف.
يروي أن داود سال ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم افاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟
فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.
وفي قوله ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً ﴿ وإن كان ﴾ أي الوزن والعمل ﴿ مثقال حبة من خردل أتينا بها ﴾ أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة.
قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: حبة من خردل؟
وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة.
وقوله ﴿ من خردل ﴾ بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه.
والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه.
رؤي الشبلي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟
فقال: حاسبوني فدققوا *** ثم منوا فأعتقوا قال في التفسير الكبير: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان.
والآية تبطل قوله لأن الله تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة.
قلت: للجبائي أن يقول: الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو.
﴿ وكفى بنا حاسبين ﴾ كقوله ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ وحين فرغ من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء تسلية لنبيه وتثبيتاً وعظة لأمته وتذكيراً، وقد مر قصة موسى إلا أنه أوجز فيها ههنا والموجز تقدمه الفصحاء غالباً، ولأن موسى أقوى حالاً ومعجزة، ولأن ذكر التوراة يناسب ما تقدم من قوله ﴿ قل إنما أنذركم بالوحي ﴾ وصف التوراة بأنها جامعة لكونها فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وقد مر سائر تفاسير الفرقان في أول البقرة ﴿ وضياء ﴾ كقوله ﴿ فيها هدى ونور ﴾ ﴿ وذكراً للمتقين ﴾ اي شرفاً وموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم وقوله ﴿ بالغيب ﴾ إما حال من الرب أي حال كونه غائباً عن حسهم والله لا يغيب عنه شيء فيكون كقوله "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وإما حال منهم أي حال كونهم غائبين عن عذاب الآخرة وأهوالها، أو غائبين عن الناس أي يخشون ربهم في الخلوات.
ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ وهذا ذكر مبارك ﴾ أي كثير البركة ﴿ أنزلناه أفأنتم له منكرون ﴾ أي أنتم دون سائر الناس مع علمكم بفصاحته وإعجازه تخصونه بالإنكار.
ولا يخفى ما فيه من التوبيخ للعرب ومن داناهم.
التأويل: ﴿ أم اتخذوا آلهة ﴾ من ارض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية ﴿ آلهة إلا الله ﴾ كالعقل والهوى ﴿ لفسدتا ﴾ كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين اثبتت عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ لأن أفعاله صادرة عن الحكمة والقدرة ﴿ وهم يسألون ﴾ لأن أفعالهم منشؤها الظلومية والجهولية ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ لأنه ليس فيهم ما يخالف داعية العقل وهو الطبع الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في قوله ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ ففي التكريم تكثير ليس في الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من خجالة قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ وما خلفهم ﴾ من الأمر بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض ﴿ أو لم ير الذين كفروا ﴾ يعني أنهم رأوها في عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة ألاف سنة ﴿ كانتا رتقاً ﴾ أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب ﴿ ففتقناهما ﴾ بالمفارقة وقطع التعلق ﴿ وجعلنا من ﴾ ماء حياة العلم ﴿ كل شيء حي ﴾ بالحياة الأبدية ﴿ وجعلنا في الأرض ﴾ أرض القالب ﴿ رواسي ﴾ هي هموم العلائق البدنية ﴿ أن تميد بهم ﴾ فلولاها لمالت كل نفس إلى عمالها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس ﴿ فجاجاً سبلاً ﴾ هي طرق الإرشاد والتسليك ﴿ وجعلنا ﴾ سماء القلب ﴿ سقفاً محفوظاً ﴾ من وساوس شياطين الإنس والجن ﴿ وهو الذي خلق ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك الطريقة، وأهل الولاية في فلك اطوار الحقيقة ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أما النفس الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعملية التي هي فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ربه ﴿ ونبلوكم ﴾ بالمكروهات التي تسمونها شراً بالمحبوبات التي تحسبونها خيراً ﴿ فتنة ﴾ فربما كان الأمر عكس ما تصورتم ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ اختياراً وقهراً ﴿ وإذا رآك الذين كفروا ﴾ فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ستة أيام وخمرت طينة آدم أربعين صباحاً مع أن فيها أنموذجاً من الكل واستعداداً لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ سأريكم آياتي ﴾ اي في مظاهر الآفاق ومرايا أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإن حد الاستكمال من المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا سليمان الوقت.
ويمكن أيضاً أن يقال: إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿ بالليل والنهار ﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿ بل متعنا هؤلاء ﴾ الجهال ﴿ وآباءهم ﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة.
ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ البشرية ﴿ ونضع الموازين ﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿ نحن قسمنا ﴾ ﴿ تلك الرسل فضلنا ﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ .
أي: من يحفظكم ويحرسكم من عذاب الرحمن.
وقيل: من يدفع عنكم عذاب الرحمن.
ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أي: لو سألتم من يكلؤكم من عذاب الرحمن لأقروا لك أن الرحمن هو الذي يكلؤكم ويحفظهم من عذابه، لا الآلهة التي يعبدونها، وهو كقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ وقل ﴿ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ \[المؤمنون: 88\] ونحوه، فسيقولون: الله، لا الآلهة التي يعبدونها، فقل: أن كيف صرفتم عن عبادته وعبدتم دونه من لا يكلؤكم ولا يدفع عنكم العذاب، وقد عرفتم أن الرحمن هو الذي يكلؤكم بالليل والنهار، وهو إله السماوات والأرض، فكيف عبدتم من ليس هو بإله؟!
فيخرج عن الاحتجاج عليهم ولزوم الحجة لهم؛ لئلا يقولوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ .
والثاني: يخرج على التذكير والتنبيه لهم؛ لأنهم كانوا ينكرون الرحمن ويقولون: ما الرحمن؟
وقوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ فيخرج قوله: ﴿ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ أي: كيف تنكرون الرحمن وتكفرون به وهو يكلؤكم بالليل والنهار عن عذابه، وعلى هذا يخرج: ﴿ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ ، أي: بل هم عن ذكر ربهم الرحمن معرضون، أي: منكرون له، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا ﴾ ، أي: ليس لهم آلهة من دوننا تمنعهم من عذابنا، هو على النفي، أي: ليس لهم الآلهة من دونه وإن كان ظاهره استفهاماً، ثم بين موضع الاحتجاج عليهم، وهو ما أخبر عن عجزهم حيث قال: ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ ﴾ أي: لا يستطيع الآلهة نصر أنفسها إذا أرادوا بها سوءاً، ﴿ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ ﴾ أي: ينصرون، تأويله: أن كيف عبدتم من دونه واتخذتموهم آلهة رجاء شفاعتهم ووسيلتهم حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ونحوه، وفي قولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، فإذا كانوا لا يملكون نصر أنفسهم إن أصابها سوء ولا يصحبها من يدفع عنها السوء، فكيف اتخذتم آلهة دونه، فمن كان عن دفع السوء عن نفسه ونصرها عاجزاً، فهو عن دفعه عن الآخر ونصره أعجز.
ثم بين الذي حملهم على ذلك وهو ما قال: ﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ ﴾ ، ولم يأخذهم بالعقوبة بأعمالهم التي عملوها [فظنوا] أن الله راض عنهم وأنهم على الحق؛ ولهذا قالوا: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا ﴾ ادعوا رضاء الله بما هم عليه وآباؤهم.
ثم بين أنه وإن تركهم وقتاً طويلا ومتعهم عليه أنه قد نقص عما كانوا يملكون هم؛ حيث غلب عليهم رسول الله على بعض أملاكهم وجعله ملكاً للمسلمين وهو قوله: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ﴾ ، وجعلناها ملكا للمسلمين.
ثم اختلف في تأويل هذا؛ قال الحسن: قوله: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ﴾ أي: اعلموا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها، أي: نحشرهم يوم القيامة من أطراف الأرض إلى المحشر، فذلك نقصها.
وقال غيره: أفلا يرون أن رسول الله كلما بعث إلى أرض ظهر عليها، قال: ننقصها بالظهور عليها أرضاً فأرضاً، ﴿ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ ، أي: ليسوا هم الغالبين، ولكن رسول الله هو الغالب عليهم.
وقال ابن عباس: ننقصها: ذهاب فقهائها وخيار أهلها.
وقال قتادة: ننقصها بالحرث، وكذلك قال عكرمة: ننقصها من أطرافها بالموت، وقال: لو كانت الأرض تنقص لم يوجد للرجل مجلس يجلس فيه، ونحو هذا قد قالوا فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ ﴾ .
هذا - والله أعلم - يخرج على وجهين: أحدهما: خرج جواباً لقولهم: ﴿ مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ أنهم كانوا ينكرون رسالته ويقولون: إنه بشر كيف خص هو به؟
فيقول: إني لست أنذركم لأني بشر، ولكن إنما أنذركم بالوحي من الله، وأنتم ممن لا تقبلون بشارة ربي ونذارته.
والثاني: قال ذلك لما تقدم منه في الآيات النذارةُ المرسلة غير مضافة إلى الله، فأمره أن يقول لهم: إني فيما أنذركم من النذارات، ولم أنذركم من ذات نفسي، ولكن إنما أنذركم بالوحي من ربي، فمعناه - والله أعلم - أي: فيما أنذرتكم مما نزل بالأمم المتقدمة والأنباء التي أخبرتكم عنها مما لم أشهدها ولا أنتم، بل إنما أنذركم بالوحي، فذلك موضع الاحتجاج عليهم في إثبات رسالته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - يقول: إن الأصم إذا أريد أن يدفع عن المهالك لا سبيل أن يدفع عنها ويكف بالدعاء والنداء، ولكن إنما يكف ويدفع عن المهالك بالأيدي والراحات، كأنه قال ذلك لما أكثر دعاءهم إلى ما به نجاتهم فأبوا ذلك ولم يجيبوه، فقال عند ذلك: إنكم لا تسمعون الدعاء والنداء إلى ما به نجاتكم، ولكن تعرفون ذلك بالقتل والسيف.
أو أن يقول ذلك: إنكم صم عن الحق حتى لا تسمعونه كالأصم بالسمع، والأصم بالسمع لا يدعى ولا ينادى؛ لأنه لا يسمع، ولكن يدعى باليد والإشارة، فعلى ذلك أنتم صم عن الحق لا تدعون بالنداء، ولكن بالذي يعرف الدعاء وهو اليد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ ﴾ .
قال الحسن: ﴿ نَفْحَةٌ ﴾ أي: طائفة من عذاب ربك.
وقال بعضهم: نقمة من ربك.
وقال بعضهم: عقوبة ربك، وأصل النفحة: الرمية؛ ولذلك سمي نفحة الدابة: أي: رميها، وهو ما ذكر من رمي الشرر؛ كقوله: ﴿ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
في ظاهر الآية أن الموازين هي القسط، والقسط هو العدل؛ لأنه قال: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ ﴾ ؛ فكأنه قال: ونضع الموازين التي توضع في الدنيا ويعرف بها حقوق الناس في الآخرة العدل الذي يعرف به حدود الأشياء وأقدارها، فيكون الموازين العدل ما ذكر بقوله: ﴿ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ﴾ ، أي: لا ينقص من حسناته أو يزاد على جزاء سيئاته، ولكن يوفى كل جزاء عمله.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ ﴾ على الإضمار، أي: نضع الموازين التي تكون في الدنيا يوم القيامة بالعدل لا تطفف ولا تنقص ولا تحسر كما تفعلون في الدنيا، ولكن العدل لا تطفف ولا تنقص ذلك تسوى وتستوفى مستويا من غير زيادة ولا نقصان؛ لأن الزيادة والنقصان إنما تكون في الشاهد لوجوه: الجهالة، أو للحاجة، أو للجور، فيحمله كله على الزيادة والنقصان، والله - وتعالى - يتعالى عن ذلك كله؛ لأنه عالم بذاته غني بذاته عادل، فلا وجه للخسران منه والزيادة فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ﴾ .
أي: أتينا بجزائها، أو أتينا بها، أي: بعينها لا يفوت شيء ولا يغيب عنه.
وليس المراد من ذكر ﴿ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ﴾ و ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ الذرة، والحبة، ولكن ذكر على التمثيل، أي: لا يفوت عنه شيء ولا يغيب ذلك المقدار من الخير والشر غير فائت عنه ولا منسي، ولكن محفوظ محاسب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ .
لا يشغله كثرة الحساب وازدحامه، ليس كمن يحاسب آخر في الشاهد أنه إذا كثر الحساب عليه وازدحم شغله ذلك عن حفظ الحساب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول - لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: من يحفظكم بالليل والنهار مما يريد بكم الرحمن من إنزال العذاب والهلاك بكم؟
بل هم عن ذكر مواعظ ربهم وحججه معرضون, لا يتدبّرون شيئًا منها جهلًا وسفهًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.WvZLz"