الآية ٤٧ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٤٧ من سورة الأنبياء

وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ) أي : ونضع الموازين العدل ليوم القيامة .

الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد ، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه .

وقوله : ( فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) كما قال تعالى : ( ولا يظلم ربك أحدا ) [ الكهف : 49 ] ، وقال : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) [ النساء : 40 ] ، وقال لقمان : ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ) [ لقمان : 16 ] .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني ، حدثنا ابن المبارك ، عن ليث بن سعد ، حدثني عامر بن يحيى ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة ، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا ، كل سجل مد البصر ، ثم يقول أتنكر من هذا شيئا؟

أظلمتك كتبتي الحافظون؟

قال : لا يا رب ، قال : أفلك عذر ، أو حسنة؟

" قال : فيبهت الرجل فيقول : لا يا رب .

فيقول : بلى ، إن لك عندنا حسنة واحدة ، لا ظلم اليوم عليك .

فيخرج له بطاقة فيها : " أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله " فيقول : أحضروه ، فيقول : يا رب ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟

فيقول : إنك لا تظلم ، قال : " فتوضع السجلات في كفة [ والبطاقة في كفة ] " ، قال : " فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " قال : " ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم " .

ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث الليث بن سعد ، به ، وقال الترمذي : حسن غريب .

وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا ابن لهيعة ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " توضع الموازين يوم القيامة ، فيؤتى بالرجل ، فيوضع في كفة ، فيوضع ما أحصي عليه ، فتمايل به الميزان " قال : " فيبعث به إلى النار " قال : فإذا أدبر به إذا صائح من عند الرحمن عز وجل يقول : [ لا تعجلوا ] ، فإنه قد بقي له ، فيؤتى ببطاقة فيها " لا إله إلا الله " فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان " .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو نوح قراد أنبأنا ليث بن سعد ، عن مالك بن أنس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة; أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جلس بين يديه ، فقال : يا رسول الله ، إن لي مملوكين ، يكذبونني ، ويخونونني ، ويعصونني ، وأضربهم وأشتمهم ، فكيف أنا منهم؟

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم ، إن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم ، كان فضلا لك [ عليهم ] وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم ، كان كفافا لا لك ولا عليك ، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم ، اقتص لهم منك الفضل الذي يبقى قبلك " .

فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويهتف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما له أما يقرأ كتاب الله؟

: ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) فقال الرجل : يا رسول الله ، ما أجد شيئا خيرا من فراق هؤلاء - يعني عبيده - إني أشهدك أنهم أحرار كلهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ ) العدل وهو (القِسْطَ) وجعل القسط وهو موحد من نعت الموازين، وهو جمع لأنه في مذهب عدل ورضا ونظر.

وقوله ( لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) يقول: لأهل يوم القيامة، ومن ورد على الله في ذلك اليوم من خلقه، وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك إلى " في" كأن معناه عنده: ونضع الموازين القسط في يوم القيامة، وقوله ( فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ) يقول: فلا يظلم الله نفسا ممن ورد عليه منهم شيئا بأن يعاقبه بذنب لم يعمله أو يبخسه ثواب عمل عمله، وطاعة أطاعه بها، ولكن يجازي المحسن بإحسانه، ولا يعاقب مسيئا إلا بإساءته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ )...

إلى آخر الآية، وهو كقوله وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ يعني بالوزن: القسط بينهم بالحقّ في الأعمال الحسنات والسيئات، فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه، يقول: أذهبت حسناته سيئاته، ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفَّت موازينه وأمه هاوية، يقول: أذهبت سيئاته حسناته.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) قال: إنما هو مثل، كما يجوز الوزن كذلك يجوز الحقّ، قال الثوري: قال ليث عن مجاهد ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ) قال: العدل.

وقوله ( وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ) يقول: وإن كان الذي من عمل الحسنات، أو عليه من السيئات وزن حبة من خردل أتينا بها: يقول: جئنا بها فأحضرناها إياه.

كما حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد، في قوله ( وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ) قال: كتبناها وأحصيناها له وعليه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ) قال: يؤتي بها لك وعليك، ثم يعفو إن شاء أو يأخذ، ويجزي بما عمل له من طاعة ، وكان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ) قال: جازينا بها.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد أنه كان يقول ( وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ) قال: جازينا بها ، وقال أتينا بها، فأخرج قوله بها مخرج كناية المؤنث، وإن كان الذي تقدم ذلك قوله مثقال حبة، لأنه عني بقوله بها الحبة دون المثقال، ولو عني به المثقال لقيل به، وقد ذكر أن مجاهدا إنما تأوّل قوله ( أَتَيْنَا بِهَا ) على ما ذكرنا عنه، لأنه كان يقرأ ذلك ( آتَيْنا بها) بمدّ الألف.

وقوله: ( وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) يقول: وحسب من شهد ذلك الموقف بنا حاسبين، لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم وما سلف في الدنا من صالح أو سيئ منا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا الموازين جمع ميزان .

فقيل : إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله ، فتوضع الحسنات في كفة ، والسيئات في كفة .

وقيل : يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد ، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله ؛ كما قال :ملك تقوم الحادثات لعدله فلكل حادثة لها ميزانويمكن أن يكون ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع .

وخرج اللالكائي الحافظ أبو القاسم في سننه عن أنس يرفعه : إن ملكا موكلا بالميزان فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي [ ص: 202 ] الميزان فإن رجح نادى الملك بصوت يسمع الخلائق : سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف نادى الملك : شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا .

وخرج عن حذيفة - رضي الله عنه - قال : صاحب الميزان يوم القيامة جبريل - عليه السلام - وقيل : للميزان كفتان وخيوط ولسان والشاهين ؛ فالجمع يرجع إليها .

وقال مجاهد وقتادة والضحاك : ذكر الميزان مثل وليس ثم ميزان وإنما هو العدل .

والذي وردت به الأخبار وعليه السواد الأعظم القول الأول .

وقد مضى في ( الأعراف ) بيان هذا ، وفي ( الكهف ) أيضا .

وقد ذكرناه في كتاب ( التذكرة ) مستوفى والحمد لله .

والقسط العدل أي ليس فيها بخس ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا .

والقسط صفة الموازين ووحد لأنه مصدر ؛ يقال : ميزان قسط ، وميزانان قسط ، وموازين قسط .

مثل رجال عدل ورضا .

وقرأت فرقة ( القصط ) بالصاد .

ليوم القيامة أي لأهل يوم القيامة .

وقيل : المعنى في يوم القيامة .

فلا تظلم نفس شيئا أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء .وإن كان مثقال حبة من خردل قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر ( مثقال حبة ) بالرفع هنا ؛ وفي ( لقمان ) على معنى إن وقع أو حضر ؛ فتكون كان تامة ولا تحتاج إلى خبر .

الباقون مثقال بالنصب على معنى وإن كان العمل أو ذلك الشيء مثقال .

ومثقال الشيء ميزانه من مثله .

أتينا بها مقصورة الألف قراءة الجمهور أي أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها ولها .

يجاء بها أي بالحجة ولو قال به أي بالمثقال لجاز .

وقيل : مثقال الحبة ليس شيئا غير الحبة فلهذا قال : أتينا بها .

وقرأ مجاهد وعكرمة ( آتينا ) بالمد على معنى جازينا بها .

يقال آتى يؤاتي مؤاتاة .

وكفى بنا حاسبين أي محاسبين على ما قدموه من خير وشر .

وقيل : حاسبين إذ لا أحد أسرع حسابا منا .

والحساب العد .

روى الترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - : أن رجلا قعد بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم ؟

قال : يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك ، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك ، وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل ، قال : فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما تقرأ كتاب الله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا فقال الرجل : والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم ، أشهدك أنهم أحرار كلهم .

قال حديث غريب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حكمه العدل، وقضائه القسط بين عباده إذا جمعهم في يوم القيامة، وأنه يضع لهم الموازين العادلة، التي يبين فيها مثاقيل الذر، الذي توزن بها الحسنات والسيئات، { فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ ْ} مسلمة أو كافرة { شَيْئًا ْ} بأن تنقص من حسناتها، أو يزاد في سيئاتها.

{ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ْ} التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، من خير أو شر { أَتَيْنَا بِهَا ْ} وأحضرناها، ليجازى بها صاحبها، كقوله: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ْ} وقالوا { يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ْ} { وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ْ} يعني بذلك نفسه الكريمة، فكفى به حاسبا، أي: عالما بأعمال العباد، حافظا لها، مثبتا لها في الكتاب، عالما بمقاديرها ومقادير ثوابها وعقابها واستحقاقها، موصلا للعمال جزاءها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ونضع الموازين القسط ) أي : ذوات القسط ، والقسط : العدل ، ( ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ) لا ينقص من ثواب حسناته ولا يزاد على سيئاته ، وفي الأخبار : إن الميزان له لسان وكفتان .

روي أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب ، فغشي عليه ، ثم أفاق فقال : يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟

فقال : يا داود إني [ إذا ] رضيت على عبدي ملأتها بتمرة .

( وإن كان مثقال حبة من خردل ) قرأ أهل المدينة ( مثقال ) برفع اللام هاهنا وفي سورة لقمان ، أي وإن وقع مثقال حبة ، ونصبها الآخرون على معنى : وإن كان ذلك الشيء مثقال حبة أي : زنة حبة من خردل ، ( أتينا بها ) أحضرناها لنجازي بها .

( وكفى بنا حاسبين ) قال السدي : محصين ، والحسب معناه : العد ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : عالمين حافظين ، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ونضع الموازين القسط» ذوات العدل «ليوم القيامة» أي فيه «فلا تظلم نفس شيئاً» من نقص حسنة أو زيادة سيئة «وإن كان» العمل «مثقال» زنة «حبة من خردل أتينا بها» بموزونها «وكفى بنا حاسبين» مُحْصين كل شيء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويضع الله تعالى الميزان العادل للحساب في يوم القيامة، ولا يظلم هؤلاء ولا غيرهم شيئًا، وإن كان هذا العمل قدْرَ ذرة مِن خير أو شر اعتبرت في حساب صاحبها.

وكفى بالله محصيًا أعمال عباده، ومجازيًا لهم عليها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال : ( وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً .

.

.

) .أى : ونحضر الموازين العادلة لمحاسبة الناس على أعمالهم يوم القيامة ولإعطاء كل واحد منهم ما يستحقه من ثواب أو عقاب ، دون أن يظلم ربك أحداً من خلقه .( وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ) أى : وإن كانت الأعمال التى عملها الإنسان فى الدنيا فى نهاية الحقارة والقلة ، أتينا بها فى صحيفة عمله لتوزن ، وكفى بنا عادِّين ومحصين على الناس أعمالهم ، إذ لا يخفى علينا شىء منها سواء أكان قليلا أم كثيراً .قال ابن كثير : قوله : ( وَنَضَعُ الموازين ) الأكثر على أنه ميزان واحد ، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه .وقال القرطبى : " الموازين : جمع ميزان ، فقيل : إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله ، فتوضع الحسنات فى كفة ، والسيئات فى كفة .وقيل : يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد ، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله .

.

.

وقيل : ذِكْر الميزان مثَل وليس ثَمَّ ميزان وإنما هو العدل ، والذى وردت به الأخبار ، وعليه السواد الأعظم القول الأول .

و " القسط " صفة الموازين ووحد لأنه مصدر .

.

.واللام فى قوله ( لِيَوْمِ القيامة ) قيل للتوقيت .

أى للدلالة على الوقت ، كقولهم : جاء فلان لخمس ليال بقين من الشهر .

وقيل هى لام كى ، أى : لأجل يوم القيامة ، أو بمعنى فى أى : في يوم القيامة .وقوله - سبحانه - ( فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ) بيان للعدل الإلهى ، وأنه - سبحانه - لا يظلم أحدا شيئا مما له أو عليه ، أى : فلا تظلم نفس شيئا من الظلم لا قليلا ولا كثيراً .وقوله ( وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ) تصوير لدقة الحساب ، وعدم مغادرته لشىء من أعمال الناس ، إذ الخردل حب فى غاية الصغر والدقة .

ومثقال الشىء : وزنه .وأنث الضمير فى قوله " بها " وهو راجع إلى المضاف الذى هو " حبة من خردل " .وقوله - سبحانه - : ( وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ) بيان لإحاطة الله - تعالى - : بعلم كل شىء .

كما قال - تعالى - ( إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء ) وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) وقوله - سبحانه - : ( يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أولئك المشركين بجانب من نعم الله - تعالى - عليهم ، وحضهم على التدبر والاتعاظ ، وأنذرتهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا فى كفرهم وشركهم ، وصورت لهم دقة الحساب يوم القيامة ، وأن كل إنسان سيحاسب على عمله سواء أكان صغيرا أم كبيرا ، ولا يظلم ربك أحدا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما كرر في القرآن الأدلة وبالغ في التنبيه عليها على ما تقدم أتبعه بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بالوحى ﴾ أي بالقرآن الذي هو كلام ربكم فلا تظنوا أن ذلك من قبلي بل الله آتيكم به وأمرني بإنذاركم فإذا قمت بما ألزمني ربي فلم يقع منكم القبول والإجابة فالوبال عليكم يعود، ومثلهم من حيث لم ينتفعوا بما سمعوا من إنذاره مع كثرته وتواليه بالصم الذين لا يسمعون أصلاً إذ الغرض بالإنذار ليس السماع بل التمسك به في إقدام على واجب وتحرز عن محرم ومعرفة بالحق.

فإذا لم يحصل هذا الغرض صار كأنه لم يسمع.

قال صاحب الكشاف: قرئ ولا تسمع الصم الدعاء بالتاء والياء أي لا تسمع أنت أو لا يسمع رسول الله أو لا يسمع الصم من أسمع، فإن قلت: الصم لا تسمع دعاء البشر كما لا يسمعون دعاء المنذر.

فكيف قال إذا ما ينذرون؟

قلت: اللام في الصم إشارة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس، والأصل ولا يسمعون الدعاء إذا ما ينذرون فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصاممهم وسدهم أسماعهم إذا أنذروا أي هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامم عن آيات الإنذار.

ثم بين تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما أنذروا به فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حين لا ينتفعون وهذا هو المراد بقوله: ﴿ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مّنْ عَذَابِ رَبّكَ لَيَقُولُنَّ ياويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين ﴾ وأصل النفح من الريح اللينة والمعنى ولئن مسهم شيء قليل من عذاب الله كالرائحة من الشيء دون جسمه لتنادوا بالويل واعترفوا على أنفسهم بالظلم.

قال صاحب الكشاف في المس والنفحة ثلاث مبالغات: لفظ المس وما في النفح من معنى القلة والنزارة، يقال: نفحته الدابة وهو رمح يسير ونفحه بعطية رضخه، ولفظ المرة.

ثم بين سبحانه وتعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلا عدلاً فهم وإن ظلموا أنفسهم في الدنيا فلن يظلموا في الآخرة وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَنَضَعُ الموازين القسط ﴾ وصفها الله تعالى بذلك لأن الميزان قد يكون مستقيماً وقد يكون بخلافه، فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل والقسط، وأكد ذلك بقوله: ﴿ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: معنى وضعها إحضارها، قال الفراء: القسط صفة الموازين وإن كان موحداً وهو كقولك للقوم: أنتم عدل، وقال الزجاج: ونضع الموازين ذوات القسط وقوله: ﴿ لِيَوْمِ القيامة ﴾ قال الفراء في يوم القيامة وقيل لأهل يوم القيامة.

المسألة الثانية: في وضع الموازين قولان: أحدهما: قال مجاهد هذا مثل والمراد بالموازين العدل ويروى مثله عن قتادة والضحاك والمعنى بالوزن القسط بينهم في الأعمال فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه يعني أن حسناته تذهب بسيئاته ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت موازينه أي أن سيئاته تذهب بحسناته، حكاه ابن جرير هكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.

الثاني: وهو قول أئمة السلف أنه سبحانه يضع الموازين الحقيقية فتوزن بها الأعمال، وعن الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل عليه السلام.

ويروى: أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه، فلما أفاق قال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة ثم على هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان.

أحدهما: أن توزن صحائف الأعمال.

والثاني: يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل: أهل القيامة إما أن يكونوا عالمين بكونه سبحانه وتعالى عادلاً غير ظالم أو لا يعلمون ذلك.

فإن علموا ذلك كان مجرد حكمة كافياً في معرفة أن الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا يكون في وضع الميزان فائدة ألبتة، وإن لم يعلموا لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف لاحتمال أنه سبحانه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلماً فثبت أن وضع الميزان على كلا التقديرين خالٍ عن الفائدة.

وجوابه على قولنا قوله تعالى: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ  ﴾ وأيضاً ففيه ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق، فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور وللآخر أعظم الغم، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره.

إذا ثبت هذا فنقول: الدليل على وجود الموازين الحقيقية أن حمل هذا اللفظ على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز، لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب.

المسألة الثالثة: قال قوم: إن هذه الآية يناقضها قوله تعالى: ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً  ﴾ ، والجواب: أنه لا يكرمهم ولا يعظمهم.

المسألة الرابعة: إنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع تفخيم، ويجوز أن يرجع إلى الموزونات.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ﴾ فالمعنى أنه لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيئ، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ: ﴿ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ﴾ على كان التامة كقوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أَتَيْنَا بِهَا ﴾ وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، وقرأ حميد: أثبنا بها من الثواب، وفي حرف أبي جئنا بها.

المسألة الثانية: لم أنث ضمير المثقال؟

قلنا: لإضافته إلى الحبة كقولهم ذهبت بعض أصابعه.

المسألة الثالثة: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزء من الثواب فهذا الأقل يتحبط بالأكثر ويبقى الأكثر كما كان.

واعلم أن هذه الآية تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة قوله: ﴿ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ﴾ فيه دلالة على أن مثل ذلك لو ابتدأه الله تعالى لكان قد ظلم، فدل هذا الوجه على أنه تعالى لا يعذب من لا يستحق ولا يفعل المضار في الدنيا إلا للمنافع والمصالح.

والجواب: الظلم هو التصرف في ملك الغير وذلك في حق الله تعالى محال لأنه المالك المطلق، ثم الذي يدل على استحالة الظلم عليه عقلاً أن الظلم عند الخصم مستلزم للجهل أو الحاجة المحالين على الله تعالى ومستلزم المحال محال، فالظلم على الله تعالى محال.

وأيضاً فإن الظالم سفيه خارج عن الإلهية فلو صح منه الظلم لصح خروجه عن الإلهية، فحينئذ يكون كونه إلهاً من الجائزات لا من الواجبات، وذلك يقدح في إلهيته.

المسألة الخامسة: إن قيل الحبة أعظم من الخردلة، فكيف قال حبة من خردل؟

قلنا: الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار.

والغرض المبالغة في أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ وكفى بِنَا حاسبين ﴾ فالغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء، حقيق بالعاقل أن يكون في أشد الخوف منه، ويروي عن الشبلي رحمه الله تعالى أنه رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك فقال: حاسبونا فدققوا *** ثم منوا فأعتقوا <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وصفت ﴿ الموازين ﴾ بالقسط وهو العدل، مبالغة، كأنها في أنفسها قسط.

أو على حذف المضاف، أي: ذوات القسط.

واللام في ﴿ لِيَوْمِ القيامة ﴾ مثلها في قولك: جئته لخمس ليال خلون من الشهر.

ومنه بيت النابغة: تَرَسَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ** لِسِتَّةِ أعْوَامِ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ وقيل: لأهل يوم القيامة، أي لأجلهم.

فإن قلت: ما المراد بوضع الموازين؟

قلت: فيه قولان، أحدهما: إرصاد الحساب السويّ، والجزاء على حسب الأعمال بالعدل والنصفة، من غير أن يظلم عباده مثقال ذرّة، فمثل ذلك بوضع الموازين لتوزن بها الموزونات.

والثاني: أنه يضع الموازين الحقيقية ويزن بها الأعمال.

عن الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان.

ويروى: أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه، ثم أفاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال: يا داود، إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.

فإن قلت: كيف توزن الأعمال وإنما هي أعراض؟

قلت: فيه قولان، أحدهما: توزن صحائف الأعمال.

والثاني: تجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة.

وقرئ: (مِثْقَالُ حَبَّةٍ) على (كان) التامة، كقوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ [البقرة: 280] وقرأ ابن عباس ومجاهد: ﴿ أَتَيْنَا بِهَا ﴾ وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء وقرأ حميد ﴿ أثبنا بها ﴾ من الثواب.

وفي حرف أُبيّ ﴿ جئنا بها ﴾ .

وأنث ضمير المثقال لإضافته إلى الحبة، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه، أي: آتيناهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ ﴾ العَدْلَ تُوزَنُ بِها صَحائِفُ الأعْمالِ.

وقِيلَ وضْعُ المَوازِينِ تَمْثِيلٌ لِإرْصادِ الحِسابِ السَّوِيِّ والجَزاءُ عَلى حَسَبِ الأعْمالِ بِالعَدْلِ، وإفْرادُ القِسْطِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ لِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ لِجَزاءِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ لِأهْلِهِ، أوْ فِيهِ كَقَوْلِكَ: جِئْتُ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ.

﴿ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ مِن حَقِّها أوْ مِنَ الظُّلْمِ.

﴿ وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ ﴾ أيْ وإنْ كانَ العَمَلُ أوِ الظُّلْمُ مِقْدارَ حَبَّةٍ، ورَفَعَ نافِعٌ ﴿ مِثْقالَ ﴾ عَلى ﴿ كانَ ﴾ التّامَّةِ.

﴿ أتَيْنا بِها ﴾ أحْضَرْناها، وقُرِئَ «آتَيْنا» بِمَعْنى جازَيْنا بِها مِنَ الإيتاءِ فَإنَّهُ قَرِيبٌ مِن أعْطَيْنا، أوْ مِنَ المُؤاتاةِ فَإنَّهم أتَوْهُ بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ وأثَبْنا مِنَ الثَّوابِ وجِئْنا، والضَّمِيرُ لِلْمِثْقالِ وتَأْنِيثُهُ لِإضافَتِهِ إلى الـ ( حَبَّةٍ ) .

﴿ وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ﴾ إذْ لا مَزِيدَ عَلى عِلْمِنا وعَدْلِنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَنَضَعُ الموازين} جمع ميزان وهو ما يوزن به الشيء فتعرف كميته عن الحسن هو ميزان له كفتان ولسان وإنما جمع الموازين بالقسط وهو العدل مبالغة كأنها في نفسها قسط أو على حذف المضاف أي ذوات القسط {لِيَوْمِ القيامة} لأهل يوم القيامة أي لأجلهم {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} من الظلم {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ} وإن كان الشيء مثقال حبة مثقال بالرفع مدني وكذا في لقمان على كان التامة {مّنْ خَرْدَلٍ}

الأنبياء (٥٥ - ٤٧)

صفة لحية {أتينا بها} احضرناها وأنث ضمير المثقال لإضافته إلى الحبة كقولهم ذهبت بعض أصابعه {وكفى بِنَا حاسبين} عالمين حافظين عن ابن عباس رضي الله عنهما لأن من حفظ شيئا حسبه وعلمه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ ﴾ بَيانٌ لِما سَيَقَعُ عِنْدَ إتْيانِ ما أُنْذِرُوهُ.

وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ الجُمْلَةَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ لَيَقُولُنَّ ﴾ بِتَقْدِيرِ ونَحْنُ نَضَعُ، وهي في الخُلُوِّ عَنِ العائِدِ نَحْوُ جِئْتُكَ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: أُقِيمَ العُمُومُ في ﴿ نَفْسٌ ﴾ الآتِي بَعْدَ مَقامِ العائِدِ وهو كَما تَرى أيْ ونُحْضِرُ المَوازِينَ العادِلَةَ الَّتِي تُوزَنُ بِها صَحائِفُ الأعْمالِ كَما يَقْضِي بِذَلِكَ حَدِيثُ السِّجِلّاتِ والبِطاقَةِ الَّتِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ أوْ نَفْسُ الأعْمالِ كَما قِيلَ، وتَظْهَرُ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُشْرِقَةٍ إنْ كانَتْ حَسَناتٍ ومُظْلِمَةٍ إنْ كانَتْ سَيِّئاتٍ، وجَمْعُ المَوازِينِ ظاهِرٌ في تَعَدُّدِ المِيزانِ حَقِيقَةً وقَدْ قِيلَ بِهِ فَقِيلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ مِيزانٌ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِ مَوازِينُ بِعَدَدِ خَيْراتِهِ وأنْواعِ حَسَناتِهِ، والأصَحُّ الأشْهَرُ أنَّهُ مِيزانٌ واحِدٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ولِجَمِيعِ الأعْمالِ كِفَّتاهُ كَأطْباقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِصِحَّةِ الأخْبارِ بِذَلِكَ، والتَّعَدُّدُ اعْتِبارِيٌّ وقَدْ يُعَبِّرُ عَنِ الواحِدِ بِما يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ ﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا  ﴾ وقَوْلُهُ فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ، وإحْضارُ ذَلِكَ تُجاهَ العَرْشِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ ويَأْخُذُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَمُودِهِ ناظِرًا إلى لِسانِهِ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمِينٌ عَلَيْهِ كَما في نَوادِرِ الأُصُولِ، وهَلْ هو مَخْلُوقٌ اليَوْمَ أوْ سَيُخْلَقُ غَدًا ؟

.

قالَ اللَّقانِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ في ذَلِكَ كَما لَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّهُ مِن أيِّ الجَواهِرِ هو اهَـ، وما رُوِيَ مِن أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُرِيَهُ المِيزانَ فَلَمّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فَقالَ: يا إلَهِي مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَمْلَأ كِفَّتَهُ حَسَناتٍ ؟

فَقالَ تَعالى: يا داوُدُ إنِّي إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُها بِتَمْرَةٍ، نَصٌّ في أنَّهُ مَخْلُوقٌ اليَوْمَ لَكِنْ لا أدْرِي حالَ الحَدِيثِ فَلْيُنْقَرْ.

وأنْكَرَ المُعْتَزِلَةُ المِيزانَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ وقالُوا: يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ عَلى رِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ، ووَضْعُ المَوازِينِ عِنْدَهم تَمْثِيلٌ لِإرْصادِ الحِسابِ السَّوِيِّ والجَزاءِ عَلى حَسَبِ الأعْمالِ، ورُوِيَ هَذا عَنِالضَّحّاكِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والأعْمَشِ ولا داعِيَ إلى العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، وإفْرادُ القِسْطِ مَعَ كَوْنِهِ صِفَةَ الجَمْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ووُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذَواتُ القِسْطِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: لا أقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجاءِ وحِينَئِذٍ يُسْتَغْنى عَنْ تَوْجِيهِ إفْرادِهِ.

وقُرِئَ (القِصْطَ ) بِالصّادِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ بِمَعْنى في كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ لِمَجِيئِها كَذَلِكَ قَوْلَ مِسْكِينَ الدّارِمِيِّ: أُولَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمُ كَما مَضى مِن قَبْلُ عادٌ وتُبَّعُ وهُوَ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ ووافَقَهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ نَضَعُ المَوازِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ لِأجْلِ أهْلِهِ وجَعَلَها بَعْضُهم لِلِاخْتِصاصِ كَما هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ في قَوْلِكَ جِئْتُ لِخَمْسِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ، والمَشْهُورُ فِيهِ وهو الِاحْتِمالُ الثّانِي أنَّ اللّامَ بِمَعْنى في: ﴿ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الظُّلْمِ فَلا يُنْقَصُ ثَوابُها المَوْعُودُ ولا يُزادُ عَذابُها المَعْهُودُ.

فالشَّيْءُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والظُّلْمُ هو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( شَيْئًا ) مَفْعُولًا بِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ والظُّلْمُ بِحالِهِ أيْ فَلا تُظْلَمُ في شَيْءٍ بِأنْ تُمْنَعَ ثَوابًا أوْ تُزادَ عَذابًا، وبَعْضُهم فَسَّرَ الظُّلْمَ بِالنَّقْصِ وجُوِّزَ في ( شَيْئًا ) المَصْدَرِيَّةُ والمَفْعُولِيَّةُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الحَذْفِ والإيصالِ أيْ فَلا تَنْقُصُ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ أوْ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ، ويُفْهَمُ عَدَمُ الزِّيادَةِ في العِقابِ مِن إشارَةِ النَّصِّ واللُّزُومِ المُتَعارَفِ، واخْتِيرَ ما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الإشارَةِ واللُّزُومِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ انْتِفاءِ الظُّلْمِ عَلى وضْعِ المَوازِينِ.

ورُبَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ تُوزَنُ أعْمالُهُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: المِيزانُ حَقٌّ ولا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ بِدَلِيلِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عَلَيْهِ مِنَ البابِ الأيْمَنِ الحَدِيثَ وأحْرى الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ  ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا  ﴾ .

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا  ﴾ .

وإنَّما يَبْقى الوَزْنُ لِمَن شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.

وذَكَرَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُ أنَّ أهْلَ الصَّبْرِ لا تُوزَنُ أعْمالُهم وإنَّما يُصَبُّ لَهُمُ الأجْرُ صَبًّا، وظَواهِرُ أكْثَرِ الآياتِ والأحادِيثِ تَقْتَضِي وزْنَ أعْمالِ الكُفّارِ، وأُوِّلَ لَها ما اقْتَضى ظاهِرُهُ خِلافَ ذَلِكَ وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وعِنْدِي لا قاطِعَ في عُمُومِ الوَزْنِ وأمِيلُ إلى عَدَمِ العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ كَما اخْتُلِفَ في عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى أفْرادِ الإنْسِ اخْتُلِفَ في عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى نَوْعَيِ الإنْسِ والجِنِّ، والحَقُّ أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ كَمُؤْمِنِي الإنْسِ وكافِرَهم كَكافِرِهِمْ كَما بَحَثَهُ القُرْطُبِيُّ واسْتَنْبَطَهُ مِن عِدَّةِ آياتٍ، وبَسَطَ اللَّقانِيُّ القَوْلَ في ذَلِكَ في شَرْحِهِ الكَبِيرِ لِلْجَوْهَرَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ الخِلافِ في كَيْفِيَّةِ الوَزْنِ ﴿ وإنْ كانَ ﴾ أيِ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ لِشَيْئًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى فَلا تُظْلَمُ جَزاءَ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ ﴿ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ ﴾ أيْ مِقْدارَ حَبَّةٍ كائِنَةٍ مِن خَرْدَلٍ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِحَبَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمِثْقالَ والأوَّلُ أقْرَبُ، والمُرادُ وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبُو جَعْفَرَ وشَيْبَةُ ونافِعٌ (مِثْقالُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ ﴿ أتَيْنا بِها ﴾ أيْ جِئْنا بِها وبِهِ قَرَأ أُبَيُّ، والمُرادُ أحْضَرْناها، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والضَّمِيرُ لِلْمِثْقالِ وأُنِّثَ لِاكْتِسابِ التَّأْنِيثِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ والجُمْلَةُ جَوابُ إنِ الشَّرْطِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ إنْ وصْلِيَّةً والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي إسْحَقَ والعَلاءُ بْنُ سَيابَةَ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ شُرَيْحٍ الأصْبَهانِيُّ (آتَيْنا ) بِمَدَّةٍ عَلى أنَّهُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المُجازاةِ والمُكافَأةِ لِأنَّهم أتَوْهُ تَعالى بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ، وقِيلَ هو مِنَ الإيتاءِ وأصْلُهُ أأْتَيْنا فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ألِفًا، والمُرادُ جازَيْنا أيْضًا مَجازًا ولِذا عُدِّيَ بِالباءِ ولَوْ كانَ المُرادُ أعْطَيْنا كَما قالَ بَعْضُهم لَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما قالَ ابْنُ جِنِّي وغَيْرُهُ.

وقَرَأ حُمَيْدٌ (أثَبْنا ) مِنَ الثَّوابِ ﴿ وكَفى بِنا حاسِبِينَ ﴾ قِيلَ أيْ عادِّينَ ومُحْصِينَ أعْمالَهم عَلى أنَّهُ مِنَ الحِسابِ مُرادًا بِهِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو العَدُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُجازاةِ.

وذَكَرَ اللَّقانِيُّ أنَّ الحِسابَ في عُرْفِ الشَّرْعِ تَوْقِيفُ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ إلّا مَنِ اسْتُثْنِيَ مِنهم قَبْلَ الِانْصِرافِ مِنَ المَحْشَرِ عَلى أعْمالِهِمْ خَيْرًا كانَتْ أوْ شَرًّا تَفْصِيلًا لا بِالوَزْنِ، وأنَّهُ كَما ذَكَرَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ وجَزَمَ بِهِ صاحِبُ كَنْزِ الأسْرارِ قَبْلَ الوَزْنِ، ولا يَخْفى أنَّ في الآيَةِ إشارَةً ما إلى أنَّ الحِسابَ المَذْكُورَ فِيها بَعْدَ وضْعِ المَوازِينِ فَتَأمَّلْ، ونَصْبُ الوَصْفِ إمّا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ واسْتُظْهِرَ الأوَّلُ في البَحْرِ.

* * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ إلَخْ فِيهِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ المَحْجُوبِينَ بِحُبِّ الدُّنْيا عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِلْأُخْرى فَغَفَلُوا عَنْ إصْلاحِ أمْرِهِمْ وأعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ رَبِّهِمْ وغَدَتْ قُلُوبُهم عَنِ الذِّكْرِ لاهِيَةً وعَنِ التَّفَكُّرِ في جَلالِهِ وجَمالِهِ سُبْحانَهُ ساهِيَةً، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ بَعْضِ المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ نُفُوسَهُمُ الخَبِيثَةَ الشَّيْطانِيَّةَ تَأْبى اتِّباعَهم لِما يَرَوْنَ مِنَ المُشارَكَةِ في العَوارِضِ البَشَرِيَّةِ ﴿ وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ في الظُّلْمِ خَرابَ العُمْرانِ فَمَتى ظَلَمَ الإنْسانُ خَرِبَ قَلْبُهُ وجَرَّ ذَلِكَ إلى خَرابِ بَدَنِهِ وهَلاكِهِ بِالعَذابِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ مُداوَمَةَ الذِّكْرِ سَبَبٌ لِانْجِلاءِ الظُّلْمَةِ عَنِ القَلْبِ وتَطَهُّرِهِ مِن دَنَسِ الأغْيارِ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ سِواهُ سُبْحانَهُ دِيارٌ ﴿ ومَن عِنْدَهُ ﴾ قِيلَ هُمُ الكامِلُونَ الَّذِينَ في الحَضْرَةِ فَإنَّهم لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَسْكُنُونَ إلّا مَعَ الحُضُورِ ولا تَشُقُّ عَلَيْهِمْ عِبادَةٌ ولا تُلْهِيهِمْ عَنْهُ تَعالى تِجارَةٌ بَواطِنُهم مَعَ الحَقِّ وظَواهِرُهم مَعَ الخَلْقِ أنْفاسُهم تَسْبِيحٌ وتَقْدِيسٌ وهو سُبْحانَهُ لَهم خَيْرُ أنِيسٍ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الكامِلَ لا يَخْتارُ شَيْئًا بَلْ شَأْنُهُ التَّفْوِيضُ والجَرَيانُ تَحْتَ مَجارِي الأقْدارِ مَعَ طِيبِ النَّفْسِ، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ القُطْبَ الرَّبّانِيَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القادِرِ الكِيلانِيَّ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَمَرَنا بِرُّهُ لَمْ يُتَوَفَّ حَتّى تَرَقّى عَنْ مَقامِ الإدْلالِ إلى التَّفْوِيضِ المَحْضِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعَرانِيُّ في كِتابِهِ الجَواهِرُ واليَواقِيتُ ﴿ وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَن كانَتْ حَياتُهُ بِرُوحِهِ يَكُونُ مَماتُهُ بِذَهابِها ومَن كانَتْ حَياتُهُ بِرَبِّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُنْقَلُ مِن حَياةِ الطَّبْعِ إلى حَياةِ الأصْلِ وهي الحَياةُ عَلى الحَقِيقَةِ ﴿ ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ قِيلَ أيْ بِالقَهْرِ واللُّطْفِ والفِراقِ والوِصالِ والإدْبارِ والإقْبالِ والجَهْلِ والعِلْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَثِيرًا ما يُمْتَحَنُ السّالِكُ بِالقَبْضِ والبَسْطِ فَيَنْبَغِي لَهُ التَّثَبُّتُ فِي كُلٍّ عَمّا يَحُطُّهُ عَنْ دَرَجَتِهِ، ولَعَلَّ فِتْنَةَ البَسْطِ أشَدُّ مِن فِتْنَةِ القَبْضِ فَلْيُتَحَفَّظْ هُناكَ أشَدَّ تَحَفُّظٍ ﴿ ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ قالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: المَوازِينُ مُتَعَدِّدَةٌ فَلِلْعاشِقِينَ مِيزانٌ ولِلْوالِهِينَ مِيزانٌ ولِلْعامِلِينَ مِيزانٌ وهَكَذا، ومِن ذَلِكَ مِيزانٌ لِلْعارِفِينَ تُوزَنُ بِهِ أنْفاسُهم ولا يَزِنُ نَفْسًا مِنها السَّماواتُ والأرْضُ.

وذَكَرُوا أنَّ في الدُّنْيا مَوازِينَ أيْضًا أعْظَمُ مَوازِينِها الشَّرِيعَةُ وكِفَّتا الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ عَطَّلَ هَذا المِيزانُ مُتَصَوِّفَةَ هَذا الزَّمانِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُتَفَضِّلُ بِأنْواعِ الأفْضالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ، يعني: ميزان العدل لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، يعني: في يوم القيامة.

قال ابن عباس: «هو ميزان له لسانان وكفّتان توزن فيه أعمال الحسنات والسيئات، فيجاء بالحسنات في أحسن صورة، ويجاء بالسيئات في أقبح صورة.

فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، يعني: لا ينقص من ثواب أعمالهم شيئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ، يعني: وزن حبة مِنْ خَرْدَلٍ.

قرأ نافع مِثْقالَ حَبَّةٍ بضم اللام، وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالرفع فمعناه: وإن حصل للعبد مثقال حبة من خردل، ومن قرأ بالنصب معناه: وإن كان العمل مِثْقَالَ حَبَّة يصير خبر كان أَتَيْنا بِها، يعني: جئنا بها وأحضرناها، وقرأ بعضهم أَتَيْنا بالمد، يعني: جازينا بها وأعطينا بها وأثبتنا، وقراءة العامة بغير مد.

ثم قال: وَكَفى بِنا حاسِبِينَ، أي: مجازين.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ يقول: النصرة والنجاة، فنصر موسى وهارون عليهما السلام، وأهلك عدوهما فرعون.

وَضِياءً، يعني: الذي أنزل عليهما من الحلال والحرام في الكتاب.

قرأ ابن كثير وَضِياءً بهمزتين، وقرأ الباقون بهمزة واحدة.

وَذِكْراً، يعني: عظة لِلْمُتَّقِينَ الذين يتقون الكفر والفواحش والكبائر، وقال مجاهد: الفرقان الكتاب، وقال السدي: الفرقان والنصر والضياء النور وذكراً قال: التوراة، وقال مقاتل: الفرقان والتوراة.

وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضِيَاء وَذِكْراً، يعني: أعطيناهما التوراة نورا وعظة وروي عن عكرمة قال: كان ابن عباس أنه كان يقرأ: الذين استجابوا لِلَّهِ والرسول اقرءوا بالواو، يعني: والذين استجابوا.

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً بغير واو وقال: اجعلوا هذه الواو عند قوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.

ثم قال عز وجل: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ، يعني: يعملون لربهم في غيب عنه، والله تعالى لا يغيب عنه شيء.

وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ، يعني: من عذاب الساعة خائفون.

قوله عز وجل: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ، يعني: هذا القرآن ذِكْرٌ مُبارَكٌ يعني: فيه السعادة والمغفرة للذنوب والنجاة لمن آمن به.

أَنْزَلْناهُ لكم أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ؟

يعني: أفأنتم للقرآن مكذبون جاحدون؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال ص: «إنْ» : نافية، والظاهِرُ أَنَّها وما دَخَلَتْ عليه جَوَابُ إذَا، انتهى.

قوله سبحانه: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ رُوِيَ: أَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ أنكروا هذه اللَّفْظَةَ، وقالوا: ما نعرفُ الرحمن إلاَّ في اليمامة، وظاهِرُ الكلامِ: أَنَّ الرَّحْمنِ قُصِدَ به العبارة عنِ الله عز وجل، وَوَصَفَ سبحانه الإنسانَ الذي هو اسمُ جنسٍ بأَنه خُلِقَ من عَجَلٍ، وهذا على جهة المُبَالَغَةِ كما تقول للرجل البطال: أَنْتَ من لعب ولهو.

لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)

وقوله سبحانه: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ ...

الآية: حُذِفَ جوابُ «لو» إيجازاً لدلالة الكلامِ عليه، وتقديرُ المحذوف: لما استعجلوا، ونحوه، وذَكَرَ الوجوهَ لشرفها من الإنسانِ، ثم ذَكَرَ الظهورَ ليُبَيِّنَ عُمُومَ النَّارِ لجميع أَبْدَانِهِمْ، والضميرُ في قوله: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً: للسَّاعَةِ التي تُصَيِّرُهُم إلى العذاب، ويحتمل أن يكون للنار، ويُنْظَرُونَ معناه: يؤخّرون، وفَحاقَ معناه: حلّ ونزل، ويَكْلَؤُكُمْ، أي: يَحْفَظُكُمْ.

وقوله سبحانه: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ يحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ:

أحدهما: يجارون ويمنعون.

والآخر: ولا هم مِنَّا يُصْحَبُون بخيرٍ وتَزْكِيَةٍ ونحو هذا.

وقوله سبحانه: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ...

الآية نَأْتِي الْأَرْضَ معناه: بالقُدْرَة، ونقصُّ الأَرْض: إمَّا أنْ يُرِيدَ بتخريبِ المعمور، وإمَّا بموتِ البَشَرِ.

وقال قوم: النَّقْصُ من الأَطْرَاف: موتُ العلماءِ، ثم خاطب سبحانه نبيّه صلى الله عليه وسلّم متوعّدا ١٨ ألهؤلاء/ الكَفَرَةِ بقوله: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ ...

الآية، والنَّفْحَةُ: الخَطْرَةُ والمَسَّةُ، والمعنى: ولئن مَسَّتْهُمْ صَدْمَةَ عذابٍ لَيَنْدَمُنَّ، ولَيُقِرُّنَّ بظلمهم، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقال الثعلبي: نَفْحَةٌ، أي: طَرَفٌ قاله ابن عباسٌ «١» ، انتهى.

وقوله سبحانه: لِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال أبو حيان «٢» : اللام للظرفية بمعنى «في» انتهى.

قال القرطبي «٣» في «تذكرته» : قال العلماء: إذا انقضى الحسابُ كان بعدَه وَزْنُ الأَعمالِ لأَنَّ الوَزْنَ للجزاءِ، فينبغي أَنْ يكونَ بعد المُحَاسبَةِ، واخْتُلِفَ في الميزانِ والحَوْضِ: أَيُّهُمَا قَبْلَ الآخرِ، قال أبو الحسن القابسيُّ: والصحيحُ أَنَّ الحوضَ قبل الميزانِ، وذهب صاحِبُ «القوت» وغيره إلى: أنّ حوض النبي صلى الله عليه وسلّم إنما هو بَعْدَ الصِّرَاط.

قال القرطبي «٤» : والصحيح: «أنّ للنبي صلى الله عليه وسلّم حَوْضَيْنِ، وكلاهما يُسَمَّى كَوْثَراً، وأَنَّ الحَوْضَ الذي يذاد عنه مَنْ بَدَّلَ وغَيَّرَ، يكونُ في المَوْقِفِ قبل الصراط، وكذا حِيَاضُ الأنبياءِ- عليهم الصلاة والسلام- تكونُ في الموقف على ما وَرَدَ في ذلك من الأخبار» «٥» انتهى.

والفُرْقَانُ الذي أُوتي موسى وهارونُ قيل: التوراةُ، وهي الضِّيَاءُ والذّكر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ونَضَعُ المَوازِينَ ذَواتِ القِسْطِ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وهو مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، يُقالُ: مِيزانُ قِسْطٌ، ومِيزانانِ قِسْطٌ، ومَوازِينُ قِسْطٌ.

قالَ الفَرّاءُ: القِسْطُ مِن صِفَةِ المَوازِينِ وإنْ كانَ مُوَحَّدًا، كَما تَقُولُ: أنْتُمْ عَدْلٌ، وأنْتُمْ رِضًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ لِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ و" في يَوْمِ القِيامَةِ " ﴿ سَواءٍ ﴾ ، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ في المِيزانِ في أوَّلِ ( الأعْرافِ: ٨ ) .

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المِيزانُ واحِدًا، فَما المَعْنى بِذِكْرِ المَوازِينِ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كانَتْ أعْمالُ الخَلائِقِ تُوزَنُ وزْنَةً بَعْدَ وزْنَةٍ، سُمِّيَتْ مَوازِينُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ ؛ أيْ: لا يُنْقَصُ مُحْسِنٌ مِن إحْسانِهِ، ولا يُزادُ مُسِيءٌ عَلى إساءَتِهِ.

﴿ وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ ﴾ ؛ أيْ: وزَنَ حَبَّةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ: ( مِثْقالُ ) بِرَفْعِ اللّامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ ( مِثْقالَ ) عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ العَمَلُ مِثْقالَ حَبَّةٍ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ .

قالَ: ومَن رَفَعَ أسْنَدَ الفِعْلَ إلى المِثْقالِ، كَما أُسْنِدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَيْنا بِها ﴾ ؛ أيْ: جِئْنا بِها.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ: ( آتَيْنا ) مَمْدُودَةً؛ أيْ: جازَيْنا بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: التَّمْيِيزُ، والثّانِي: الحالُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ الساعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ ﴿ وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ لَمّا تَوَعَدَهم بِنَفْحَةٍ مِن عَذابِ الدُنْيا عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَوَعُّدٍ بِوَضْعِ المَوازِينَ، وإنَّما جَمَعَها وهي مِيزانٌ واحِدٌ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ وزْنًا يَخُصُّهُ، ووَحَّدَ "القِسْطَ" وهو قَدْ جاءَ بِلَفْظِ المَوازِينَ مَجْمُوعًا مِن حَيْثُ "القِسْطُ" مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهَ، كَما تَقُولُ: "قَوْمٌ عَدْلٌ ورِضًى".

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "القِصْطَ" بِالصادِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "لِيَوْمِ القِيامَةِ" أيْ: لِحِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ، أو لِحُكْمِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو بِتَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ.

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المِيزانَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الأعْمالُ، لِيُبَيَّنَ لِلنّاسِ المَحْسُوسَ المَعْرُوفَ عِنْدَهُمْ، والخِفَّةُ والثِقَلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأجْسامٍ يُقْرِنُها اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأعَمْالِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ صُحُفَ الأعْمالِ أو مِثالاتٍ تُخْلَقُ أو ما شاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "مِثْقالُ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ تَكُونَ مُسْتَأنْفَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِثْقالَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ الشَيْءُ أوِ العَمَلُ مِثْقالَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أتَيْنا" عَلى مَعْنى: جِئْنا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: "آتَيْنا" عَلى مَعْنى: واتَيْنا مِنَ المُواتاةِ، ولا يَقْدِرُ يُفَسِّرُ "آتَيْنا" بِأعْطَيْنا لَمّا تَعَدَّتْ بِحَرْفِ جَرٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُوَهِّنُ هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ تَبْدِيلَ الواوِ المَفْتُوحَةِ هَمْزَةً لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وإنَّما يُعْرَفُ ذَلِكَ في المَضْمُومَةِ أوِ المَكْسُورَةِ، وفي قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ﴾ تَوَعُّدٌ.

ثُمْ عَقَّبَ سَبْحانَهُ وتَعالى بِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

و"الفُرْقانُ" فِيما قالَتْ فِرْقَةٌ: التَوْراةُ، وهي "الضِياءُ والذِكْرُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ: "ضِئاءُ" بِهَمْزَتَيْنِ قَبْلَ الألِفِ وبَعْدَها، وقَرَأ الباقُونَ: "ضِياءُ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَ الألِفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "الفُرْقانُ ضِياءٌ" بِغَيْرِ واوٍ، وهي قِراءَةُ عِكْرِمَةَ والضَحاكِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ كُلِّهِ التَوْراةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الفُرْقانُ" هو ما رَزَقَهُ اللهُ مِن نَصْرٍ وظُهُورِ حُجَّةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فَرَّقَ بِينَ أمْرِهِ وبَيْنَ أمْرِ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ، و"الضِياءُ" التَوْراةُ، و"الذِكْرُ" بِمَعْنى التَذْكِرِ.

وقَوْلُهُ: "بِالغَيْبِ" يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها في غَيْبِهِمْ وخَلَواتِهِمْ وحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، وهَذا أرْجَحُها، والثانِي أنَّهم يَخْشَوْنَ اللهَ عَلى أنَّ أمْرَهُ تَعالى غائِبٌ عنهُمْ، وإنَّما اسْتَدَلُّوا بِدَلائِلَ لا بِمُشاهَدَةٍ، والثالِثُ أنَّهم يَخْشَوْنَ اللهَ رَبَّهم بِما أعْلَمَهم بِهِ مِمّا غابَ عنهم مِن أمْرِ آخِرَتِهِمْ ودُنْياهُمْ، و"الإشْفاقُ": أشَدُّ الخَشْيَةِ، و"الساعَةُ": القِيامَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهَذا" إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، و"أنْزَلْناهُ" إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى أثْبَتْناهُ، كَما تَقُولُ: أنْزَلَ الشَيْطانُ فُلانًا بِمَكانِ كَذا إذا أثْبَتَهُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ النُزُولُ بِالمَلَكِ، ثُمْ وقَفَهم تَبارَكَ وتَعالى تَقْرِيرًا وتَوْبِيخًا، هَلْ يَصِحُّ لَهم إنْكارُ بَرَكَتِهِ وما فِيهِ مِنَ الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى وإلى صالِحِ العَمَلِ؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون الواو عاطفة هذه الجملة على جملة ﴿ ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ﴾ [الأنبياء: 46] الخ لمناسبة قولهم ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ [الأنبياء: 46]، ولبيان أنهم مجازَون على جميع ما أسلفوه من الكفر وتكذيب الرسول بياناً بطريق ذكر العموم بعد الخصوص في المُجَازَيْن، فشابه التذييل من أجل عموم قوله تعالى ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ ، وفي المجازَى عليه من أجل قوله تعالى ﴿ وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ﴾ .

ويجوز أن تكون الواو للحال من قوله ﴿ رَبِّك ﴾ [الأنبياء: 46]، وتكون نون المتكلم المعظّم التفاتاً لمناسبة الجزاء للأعمال كما يقال: أدّى إليه الكيل صاعاً بصاع، ولذلك فرع عليه قوله تعالى: ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ .

ويجوز أن تكون الجملة معترضة وتكون الواو اعتراضية.

والوضع حقيقته: حط الشيء ونَصْبه في مكان، وهو ضد الرفع.

ويطلق على صنع الشيء وتعيينه للعمل به وهو في ذلك مجاز.

والميزان: اسم آلة الوزن.

وله كيفيات كثيرة تختلف باختلاف العوائد، وهي تتّحد في كونها ذات طبقين متعادليْن في الثقل يُسميان كِفتين بكسر الكاف وتشديد الفاء تكونان من خشب أو من حديد، وإذا كانتا من صُفر سُميتا صنجتين بصاد مفتوحة ونون ساكنة، معلق كل طبق بخيوط في طرف يجمعهما عود من حديد أو خشب صلب، في طرفيه عروتان يشد بكل واحدة منهما طبق من الطبقين يسمى ذلك العود (شَاهين) وهو موضوع مَمدوداً، وتجعَل بوسطه على السواء عروة لتمسكه مِنها يدُ الوازن، وربما جعلوا تلك العروة مستطيلة من معدن وجعلوا فيها إبرة غليظة من المعدن منوطة بعروة صغيرة من معدن مَصُوغَة في وسط (الشاهين) فإذا ارتفع الشاهين تحركتْ تلك الإبرة فإذا ساوت وسط العروة الطويلة على سواء عُرف اعتدال الوزن وإن مالت عرف عدم اعتداله، وتسمى تلك الإبرة لساناً، فإذا أريد وزن شيئين ليعلم أنهما مستويان أو أحدهما أرجح وضع كلّ واحد منهما في كِفّة، فالتي وضع فيها الأثقل منهما تنزل والأخرى ذات الأخف ترتفع وإن استويتا فالموزونان مستويان، وإذا أريد معرفة ثِقل شيء في نفسه دون نسبته إلى شيء آخر جعلوا قطعاً من معدن: صُفرٍ أو نُحَاس أو حديدٍ أو حَجر ذات مقادير مضبوطةٍ مصطلح عليها مثل الدرهم والأوقية والرَّطل، فجعلوها تقديراً لثقل الموزون ليعلم مقدار ما فيه لدفع الغبن في التعاوض، ووحدتها هو المثقال، ويسمى السَّنْج بفتح السين المهملة وسكون النون بعدها جيم.

والقِسْط بكسر القاف وسكون السين اسم المفعول، وهو مصدر وفعله أقسط مهموزاً.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ في [سورة آل عمران: 18].

وقد اختلف علماء السلف في المراد من الموازين هنا: أهو الحقيقةُ أم المجاز، فذهب الجمهور إلى أنه حقيقة وأن الله يجعل في يوم الحشر موازين لوزن أعمال العباد تشبه الميزان المتعارف، فمنهم من ذهب إلى أن لكل أحد من العباد ميزاناً خاصاً به توزن به أعماله، وهو ظاهر صيغة الجمع في هذه الآية وقوله تعالى: ﴿ فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ﴾ في [سورة القارعة: 67].

ومنهم من ذهب إلى أنه ميزان واحد توزن فيه أعمال العباد واحداً فواحداً، وأنه بيد جبريل، وعليه فالجَمع باعتبار ما يوزن فيها ليوافق الآثار الواردة في أنه ميزان عام.

واتفق الجميع على أنه مناسب لعظمة ذلك لا يشبه ميزانَ الدنيا ولكنه على مثاله تقريباً.

وعلى هذا التفسير يكون الوضع مستعملاً في معناه الحقيقي وهو النصْبُ والإرصاد.

وذهب مجاهد وقتادة والضحّاك وروي عن ابن عباس أيضاً أن الميزان الواقع في القرآن مثَلٌ للعدل في الجزاء كقوله ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾ في [سورة الأعراف: 8]، ومال إليه الطبري.

قال في «الكشاف»: «الموازين الحساب السوي والجزاء على الأعمال بالنّصفَة من غير أن يُظلم أحدٌ» ه.

أي فهو مستعار للعدل في الجزاء لمشابهته للميزان في ضبط العدل في المعاملة كقوله تعالى ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ﴾ [الحديد: 25].

والوضع: ترشيحٌ ومستعار للظهور.

وذهب الأشاعرة إلى أخذ الميزان على ظاهره.

وللمعتزلة في ذلك قولان ففريق قالوا: الميزان حقيقة، وفريق قالوا: هو مجاز.

وقد ذكر القولين في «الكشاف» فدل صنيعه على أن القولين جاريان على أقوال أيمتهم وصرح به في «تقرير المواقف».

وفي «المقاصد»: «ونسبة القول بانتفاء حقيقة الميزان إلى المعتزلة على الإطلاق قصور من بعض المتكلمين» ه.

قلت: لعلّه أراد به النسفيّ في «عقائده».

قال أبو بكر بن العربي في كتاب «العواصم من القواصم»: «انفرد القرآن بذكر الميزان، وتفردت السنة بذكر الصراط والحوض، فلما كان هذا الأمر هكذا اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال إن الأعمال توزن حقيقة في ميزان له كفّتان وشاهين وتجعل في الكفتين صحائف الحسنات والسيئات ويخلق الله الاعتماد فيها على حسب علمه بها.

ومنهم من قال إنما يرجع الخبر عن الوزن إلى تعريف الله العبادَ بمقادير أعمالهم.

ونقل الطبري وغيره عن مجاهد أنه كان يميل إلى هذا.

وليس بممتنع أن يكون الميزان والوزن على ظاهره وإنما يبقى النظر في كيفية وزن الأعمال وهي أعراض فها هنا يقف من وقف ويمشي على هذا من مشى.

فمن كان رأيه الوقوف فمن الأول ينبغي أن يقف، ومن أراد المشي ليجدَنّ سبيلاً مِئْتاء إذ يجد ثلاثة معان ميزاناً ووزناً وموزوناً، فإذا مشى في طريق الميزان والوزن ووجده صحيحاً في كلّ لفظةٍ حتى إذا بلغ تمييز الموزون ولم يتبين له لا ينبغي أن يرجع القهقرى فيبطل ما قد أثبت بل يُبقي ما تقدم على حقيقته وصحته ويسعى في تأويل هذا وتبيينه اه.

وقلت: كلا القولين مقبول والكلّ متفقون على أن أسماء أحوال الآخرة إنما هي تقريب لنا بمتعارفنا والله تعالى قادر على كل شيء.

وليس بمثل هذه المباحث تعرف قدرة الله تعالى ولا بالقياس على المعتاد المتعارف تُجحد تصرفاته تعالى.

ويظهر لي أن التزام صيغة جمع الموازين في الآيات الثلاث التي ذكر فيها الميزان يرجح أن المراد بالوزن فيها معناه المجازي وأن بيانه بقوله ﴿ القسط ﴾ في هذه الآية يزيد ذلك ترجيحاً.

وتقدم ذكر الوزن في قوله تعالى: ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾ في [سورة الأعراف: 8].

والقسط: العدل، ويقال: القسطاس، وهو كلمة معرّبة من اللغة الرومية (اللاطينية).

وقد نقل البخاري في آخر «صحيحه» ذلك عن مجاهد.

فعلى اعتبار جعل الموازين حقيقة في آلات وزن في الآخرة يكون لفظ القسط الذي هو مصدر بمعنى العدل للموازين على تقدير مضاف، أي ذات القسط، وعلى اعتبار في الموازين في العدل يكون لفظ القسط بدلاً من الموازين فيكون تجريداً بعد الترشيح.

ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله فإنه مصدر صالح لذلك.

واللام في قوله تعالى ﴿ ليوم القيامة ﴾ تحتمل أن تكون للعلة مع تقدير مضاف، أي لأجل يوم القيامة، أي الجزاء في يوم القيامة.

وتحتمل أن تكون للتوقيت بمعنى (عند) التي هي للظرفية الملاصقة كما يقال: كتبَ لثلاث خلون من شهر كذا، وكقوله تعالى: ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ [الطلاق: 1] أي نضع الموازين عند يوم القيامة.

وتفريع ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ على وضع الموازين تفريع العلة على المعلول أو المعلول على العلة.

والظلم: ضد العدل، ولذلك فرع نفيه على إثبات وضع العدل.

و ﴿ شيئاً ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، أي شيئاً من الظلم.

ووقوعه في سياق النفي دل على تأكيد العموم، أي شيئاً من الظلم.

ووقوعه في سياق النفي دلّ على تأكيد العموم من فعل {تُظلم الواقع أيضاً في سياق النفي، أي لا تظلم بنقص من خير استحقته ولا بزيادة شيء لم تستحقه، فالظلم صادق بالحالين والشيء كذلك.

وهذه الجملة كلمة جامعة لمعان عدة مع إيجاز لفظها، فنُفِيَ جنس الظلم ونُفي عن كل نفس فأفاد أن لا بقاء لظلم بدون جزاء.

وجملة ﴿ وإن كان مثقال حبة من خردل ﴾ في موضع الحال.

و(إنْ) وصلية دالة على أن مضمون ما بعدها من شأنه أن يُتوهم تخلف الحكم عنه فإذا نُصّ على شمول الحكم إياه علم أن شموله لما عداه بطريق الأولى.

وقد يرد هذا الشرط بحرف (لو) غالباً كما في قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في [آل عمران: 91].

ويرد بحرف (إن) كما هنا، وقول عمرو بن معد يكرب: ليس الجمال بمِئْزَر *** فاعلم وإن رديتَ بُردا وقد تقدم في سورة آل عمران.

وقرأ الجمهور ﴿ مثقالَ ﴾ بالنصب على أنه خبر ﴿ كان ﴾ وأن اسمها ضمير عائد إلى ﴿ شيئاً.

﴾ وجواب الشرط محذوف دل عليه الجملة السابقة.

وقرأ نافع وأبو جعفر ﴿ مثقالُ ﴾ مرفوعاً على أن ﴿ كان ﴾ تامّة و ﴿ مثقال ﴾ فاعل.

ومعنى القراءتين متّحد المآل، وهو: أنه إن كان لنفس مثقال حبّة من خردل من خير أو من شرّ يؤتَ بها في ميزان أعمالها ويجازَ عليها.

وجملة ﴿ أتينا بها ﴾ على القراءة الأولى مستأنفة، وعلى القراءة الثانية إما جواب للشرط أو مستأنفة وجواب الشرط محذوف.

وضمير ﴿ بها ﴾ عائد إلى ﴿ مثقال حبة ﴾ .

واكتسب ضميرهُ التأنيث لإضافة معاده إلى مؤنث وهو والمثقال: ما يماثل شيئاً في الثقل، أي الوزن، فمِثقال الحبة: مقدارها.

والحبَة: الواحدة من ثمر النبات الذي يخرج من السنبل أو في المزادات التي كالقرون أو العبَابيد كالقطاني.

والخردل: حبوب دقيقة كحَبّ السمسم هي بزور شجر يسمى عند العرب الخَردل.

واسمه في علم النبات (سينَابيس).

وهو صنفان بري وبستاني.

وينبت في الهند ومصر وأوروبا.

وشجرته ذات ساق دقيقة ينتهي ارتفاعها إلى نحو متر.

وأوراقها كبيرة.

يُخرج أزهاراً صُفراً منها تتكون بزوره إذْ تخرج في مزادات صغيرة مملوءة من هذا الحب، تخرج خضراء ثم تصير سوداء مثل الخرنوب الصغير.

وإذا دُقّ هذا الحب ظهرت منه رائحة معطّرة إذا قُربت من الأنف شماً دَمَعت العينان، وإذا وضع معجونها على الجلد أحدث فيه بعد هنيهة لذعاً وحرارة ثم لا يستطيع الجلد تحملها طويلاً ويترك موضعه من الجلد شديد الحمرة لتجمُّع الدم بظاهر الجلد ولذلك يجعل معجونُه بالماء دَواء يوضع على المحل المصاب باحتقان الدم مثل ذات الجَنب والنُزلات الصدرية.

وجملة وكفى بنا حاسبين } عطف على جملة ﴿ وإن كان مثقال حبة من خردل ﴾ ومفعول ﴿ كفى ﴾ محذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ .

والتقدير: وكفى الناسَ نحن في حال حسابهم.

ومعنى كفاهم نحن حاسبين أنهم لا يتطلعون إلى حاسب آخر يعدل مثلَنا.

وهذا تأمين للناس من أن يجازى أحد منهم بما لا يستحقه.

وفي ذلك تحذير من العذاب وترغيب في الثواب.

وضمير الجمع في قوله تعالى ﴿ حاسبين ﴾ مراعىً فيه ضمير العظمة من قوله تعالى ﴿ بنا، ﴾ والباء مزيدة للتوكيد، وأصل التركيب: كَفينا الناسَ، وهذه الباء تدخل بعد فعل (كفَى) غالباً فتدخل على فاعله في الأكثر كما هنا وقوله تعالى: ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ في [سورة النساء: 79].

وتدخل على مفعوله كما في الحديث: «كفى بالمرء إثماً أن يحدّث بكل ما سمع».

وانتصب ﴿ حاسبين ﴾ على الحال أو التمييز لنسبة ﴿ كفى ﴾ .

وتقدمت نظائر هذا التركيب غير مرّة منها في قوله تعالى ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ في [سورة النساء: 79].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نَنْقُصُها مِن أطْرافِها عِنْدَ الظُّهُورِ عَلَيْها أرْضًا بَعْدَ أرْضٍ، وفَتْحُها بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: بِنُقْصانِ أهْلِها وقِلَّةِ بَرَكَتِها، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.

الثّالِثُ: بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: بِمَوْتِ فُقَهائِها وعُلَمائِها، قالَهُ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: بِجَوْرِ وُلاتِها وأُمَرائِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والترمذي وابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن عائشة أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم؟

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك؛ وإن عقابك إياك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل» .

فجعل الرجل يبكي ويهتف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما تقرأ كتاب الله ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ﴾ ؟» فقال الرجل: يا رسول الله، ما أجد لي ولهم شيئاً خيراً من مفارقتهم...

أشهدك أنهم أحرار.

وأخرج الحكيم الترمذي ي نوادر الأصول وابن أبي حاتم، عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: «قال رجل: يا رسول الله، كيف ترى في رقيقنا نضربهم؟

فقال: توزن ذنوبهم وعقوبتكم إياهم، فإن كانت عقوبتكم أكثر من ذنوبهم أخذوا منكم.

قال: أفرأيت سبّنا إياهم؟

قال: توزن ذنوبهم وأذاكم إياهم، فإن كان أذاكم إياهم أكثر أعطوا منكم.

قال: أرأيت يا رسول الله ولدي أضربهم؟

قال: إنك لا تتهم في ولدك ولا تطيب نفسك، تشبع ويجوعون وتكسى ويعرون» .

وأخرج الحكيم عن زيد بن أسلم قال: «قال رجل: يا رسول الله، ما تقول في ضرب المماليك؟

قال: إن كان ذلك في كنهه، وإلا أقيد منكم يوم القيامة.

قيل: يا رسول الله، ما تقول في سبهم؟

قال: مثل ذلك.

قال: يا رسول الله، فإنا نعاقب أولادنا ونسبهم!

قال: إنهم ليسوا أولادكم؛ لأنكم لا تتهمون على أولادكم» .

وأخرج الحكيم عن زياد بن أبي زياد قال: «قال رجل: يا رسول الله، إن لي مالاً وإن لي خدماً، وإني أغضب فأعرم وأشتم وأضرب.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توزن ذنوبه بعقوبتك، فإن كانت سواء فلا لك ولا عليك؛ وإن كانت العقوبة أكثر فإنما هو شيء يؤخذ من حسناتك يوم القيامة.

فقال الرجل: أوه...

أوه!...

يؤخذ من حسناتي؟!

أشهدك يا رسول الله أن مماليكي أحرار، أنا لا أمسك شيئاً يؤخذ من حسناتي له.

قال: فحسبت ماذا؟

ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿ ونضع الموازين القسط ﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود قال: يجاء بالناس يوم القيامة إلى الميزان فيتجادلون عنده أشد الجدال.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونضع الموازين القسط...

﴾ الآية.

قال: هو كقوله: ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾ [ الأعراف: 8] .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ وإن كان مثقال حبة من خردل آتينا بها ﴾ بمد الألف.

قال: جازينا بها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم بن أبي النجود، أنه كان يقرأ ﴿ وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ﴾ على معنى جئنا بها لا يمد أتينا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وإن كان مثقال حبة ﴾ قال: وزن حبة.

وفي قوله: ﴿ وكفى بنا حاسبين ﴾ قال: محصين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ﴾ القسط معناه في اللغة: العدل (١) ﴿ أَلَّا تُقْسِطُوا  ﴾ .

قال الفراء: ﴿ الْقِسْطَ ﴾ من صفة الموازين وإن كان موحدًا، وهو كقوله (٢) (٣) وقال (٤) (٥) واختلفوا في ﴿ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ﴾ فقال الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان (٦) وروي أحاديث كثيرة في الميزان الذي يوزن به الأعمال (٧) ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ  ﴾ .

وقال مجاهد: هذا مَثَلٌ وإنّما أراد بالميزان العدل (٨) ونحو هذا روى عن قتادة والضحاك (٩) قال أبو إسحاق: وهذا سائغ في باب اللغة، إلا أنّ الأولى أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح (١٠) وقوله تعالى: ﴿ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ قال الفراء: في يوم القيامة (١١) ﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ لا ينقص من إحسان محسن (١٢) ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ﴾ قال الزَّجَّاج: وإن كان العمل مثقال حبة (١٣) وقال أبو علي: وإن كان الظلامة مثقال حبة.

قال: وهذا حسن لتقدم قوله: ﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ وإذا (١٤) (١٥) وقرأ نافع: ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ﴾ رفعًا (١٦) (١٧) ومثقال الشيء ميزانه من مثله (١٨) ﴿ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ﴾ .

﴿ أَتَيْنَا بِهَا ﴾ قال أبو إسحاق: أي: جئنا بها (١٩) ﴿ وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ قال ابن عباس: أي عالمين حافظين (٢٠) (٢١) والكلام في الباء التي في (٢٢) ﴿ بِنَا ﴾ (٢٣) (٢٤) قال الزَّجَّاج: موضع الباء رفع (٢٥) (٢٦) و ﴿ حَاسِبِينَ ﴾ (٢٧) (٢٨) وقال السدي في قوله: ﴿ وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ - قال: محصين (٢٩) والحَسْبُ في اللغة معناه: العد (٣٠) (١) انظر: (قسط) في "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 388، "الصحاح" للجوهري 3/ 1152، "لسان العرب" لابن منظور 7/ 377.

(٢) عند الفراء 2/ 205: كقولك.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 205.

(٤) في (أ): (قال).

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 394 مع تصرف يسير.

(٦) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 418 وعزاه لابن المنذر واللالكائي.

(٧) ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: التوحيد - باب "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة" 13/ 537 من حديث أبي هريرة -  - قال: قال رسول الله -  -: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".

وما رواه الحاكم في "مستدركه" 4/ 586 من حديث سلمان -  -، عن النبي -  - قال: "يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السموات والأرض لو سعت ..

" الحديث.

وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 2/ 656.

(٨) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 أبهذا اللفظ.

ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 28، والطبري 17/ 33.

(٩) ذكره عن قتادة والضحاك الرازي 22/ 176، والقرطبي 14/ 293، وأبو حيان في البحر 6/ 316.

وذكره عن الضحاك أيضًا: الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 319.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 2/ 391 عند قوله تعالى: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ الآية (8) من سورة الأعراف.

قال القشيري (كما في تفسير القرطبي == 7/ 165) -معلقًا على قول الزجاج-: وقد أحسن فيما قال إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجنّ على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل.

وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصا.

اهـ.

(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 205.

وحكى أبو حيان هذا القول عن الكوفيين، قال: ووافقهم عليه ابن قتيبة من المتقدّمين، وابن مالك من أصحابنا المتأخرين.

اهـ.

وعلى هذا فاللام بمعنى "في" فيكون المعنى: ونضع الموازين القسط في يوم القيامة.

وفي اللّام وجهان آخران: أحدهما: قال الزمخشري: مثلها: جئتك لخمس ليال خلون من الشهر.

فعلى هذه القول تكون اللام للتوقيت بمعنى "عند"، فيكون معنى الآية: ونضع الموازين القسط عند يوم القيامة.

ثانيهما: أنها على بابها من التعليل، ولكن على حذف مضاف، أي: لأهل يوم القيامة، أو: لحساب يوم القيامة وبه قال الطبري وابن عطية وغير واحد.

انظر: "الطبري" 17/ 33، "المحرر" لابن عطية 10/ 158، "الكشاف" للزمخشري 2/ 574، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 316، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 164 - 165، "التحرير والتنوير" لابن عاشور 17/ 84، "أضواء البيان" للشنقيطي 4/ 585 - 586.

(١٢) في (ع): (مسيء)، وهو خطأ.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 394.

(١٤) في "الحجة": فإذا.

(١٥) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 256.

(١٦) وقرأ الباقون: "مثقال" نصبًا.

"السبعة" ص 429، "التبصرة" ص 263، "التيسير" ص 155.

(١٧) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 256.

فمن رفع "مثقال" جعل "كان" تامّة لا تحتاج إلى خبر، وتكون بمعنى: حصل ووجد ووقع.

ويكون "مثقال" فاعل لـ"كان" والمعنى: وإن حصل للعبد مثقال ..

"علل القراءات" للأزهري 2/ 407، "إعراب القراءات السبع" وعللها 2/ 61 - 62، "الكشف" لمكي 2/ 111.

(١٨) "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 80 (ثقل).

(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 394.

(٢٠) (حافظين): ساقطة من (د)، (ع).

(٢١) ذكره البغوي 5/ 322.

ومثله في "تنوير المقباس" ص 202.

(٢٢) (في): ساقطة من (أ).

(٢٣) في (د)، (ع): (البناء).

(٢٤) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا  ﴾ (٢٥) قال ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 141: وقوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ إنَّما هو: كفى الله، وكفينا ..

فالباء وما عملت فيه في موضع مرفوع -رفع- بفعله، كقولك: ما قام من أحد، فالجار والمجرور في موضع مرفوع بفعله.

(٢٦) (المعنى): ساقط من (د)، (ع).

(٢٧) (حاسبين): في هامش (أ).

(٢٨) انظر: "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 1/ 168.

(٢٩) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 634.

(٣٠) "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 329 (حسب).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء ﴾ أي متعناهم بالنعم والعافية في الدنيا، فطغوا بذلك ونسوا عقاب الله، والإضراب ببل عن معنى الكلام المتقدم: أي لم يحملهم على الكفر والاستهزاء نصر ولا حفظ، بل حملهم على ذلك أنا متعناهم وآباءهم.

﴿ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ﴾ ذكر في [الرعد: 43] ﴿ وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعآء ﴾ إشارة إلى الكفار، والصم استعارة في إفراط إعراضهم ﴿ نَفْحَةٌ ﴾ أي خطرة وفيها تقليل العذاب، والمعنى أنهم لو رأوا أقل شيء من عذاب الله لأذعنوا واعترفروا بذنوبهم ﴿ وَنَضَعُ الموازين القسط ﴾ أي العدل، وإنما أفرد القسط وهو صفة للجمع، لأنه مصدر وصف به كالعدل والرضا، وعلى تقدير ذوات القسط، ومذهب أهل السنة أن الميزان يوم القيامة حقيقة، له كفتان ولسان وعمود توزن فيه الأعمال، والخفة والثقل متعلقة بالأجسام، وإما صحف الأعمال، أو ما شاء الله، وقالت: المعتزلة: إن الميزان عبارة عن العدل، في الجزاء ﴿ لِيَوْمِ القيامة ﴾ ، وقال ابن عطية تقديره: لحساب يوم القيامة، أو لحكمة، فهو على حذف مضاف وقال الزمخشري: هو كقولك كتبت الكتاب لست خلون من الشعر ﴿ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ﴾ أي وزنها والرفع على أن كان تامة، والنصب على أها ناقصة واسمها مضمر ﴿ الفرقان ﴾ هنا التوراة، وقل التفرقة بين الحق والباطل بالنصر وإقامة الحجة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إلا نوحي إليه ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ إني إله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ابن ذكوان.

﴿ ألم ير ﴾ بغير واو: ابن كثير الآخرون بواو متوسطة بين همزة الاستفهام والفعل ونظائرها كثيرة ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

﴿ ولا تسمع ﴾ من الاسماع خطأ بالنبي  الصم بالنصب: ابن عامر.

الآخرون على الغيبة من السماع.

﴿ الصم ﴾ بالرفع ﴿ مثقال حبة ﴾ بالرفع على "كان" التامة وكذلك في سورة لقمان: أبو جعفر ونافع.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ ينشرون ﴾ ه ﴿ لفسدتا ﴾ ج للابتداء ﴿ بسبحان ﴾ للتعظيم مع فاء التعقيب تعجيلاً للتنزيه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يسالون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ برهانكم ﴾ ج لاتحاد المقول من غير عاطف ﴿ قبلي ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ه {  } ط ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لأن ما بعده صفة بعد صفة ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا يشفعون ﴾ ه لا للاستثناء ﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ففتقناهما ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ حي ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ محفوظاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف والحال ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ط ﴿ الخالدون ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ هزوا ﴾ ط ﴿ آلهتكم ﴾ ج لاحتمال الواو الإستئناف والحال ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ من عجل ﴾ ط ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ يستهزئون ﴾ ه ط ﴿ من الرحمن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ من دوننا ﴾ ط فصلاً بين الاستفهام والإخبار ﴿ يصبحون ﴾ ه ﴿ العمر ﴾ ط ﴿ من أطرافها ﴾ ط ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ بالوحي ﴾ ط لاستئناف ولا يسمع بالياء التحتانية والوصل أجوز لتتميم المقول، ومن قرأ على الخطاب وقف لأنه خرج عن المقول ﴿ ينذرون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أتينا بها ﴾ ط ﴿ حاسبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه لا لاتصال الصفة ولا يخفى أنه يحتمل النصب أو الرفع على المدح فيجوز أن لا يوصل.

﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ أنزلناه ﴾ ط ﴿ منكرون ﴾ .

التفسير: إنه  بدأ في أول السورة بذكر المعاد ثم انجر الكلام إلى النبوات وما يتصل بها سؤالاً وجواباً فختم الكلام بالإلهيات لأنها المقصود بالذات فقال على سبيل الإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها بواسطة "أم" المنقطعة ﴿ أم اتخذوا آلهة من الأرض ﴾ نسبت إلى الأرض كما يقال "فلان من مكة" لأنها اصنام تعبد من الأرض، لأن الالهة على ضربين أرضية وسماوية.

أو أراد أنها من جنس الأرض لأنها تُنحت من حجر أو تعمل من جوهر آخر أرضي.

ويقال: أنشر الله الموتى ونشرها اي أحياها.

ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات كأنهم بإدعائهم لها الإلهية أدعوا لها الإنشار وإن كانوا منكرين البعث فضلاً عن قدرة الأصنام عليه لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور.

والإنشار من جملة المقدورات بالدلائل الباهرة وفيه باب من التهكم والتسجيل وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الاقتدار على الإبداء والإعادة من لوازم الإلهية.

ومعنى ﴿ هم ﴾ افادت الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم، وفيه رمز إلى أن الأمر المختص بالاهتداء هو وحده.

ولما قدم الإنكار شرع في دليل التوحيد فقال: ﴿ لو كان فيهما ﴾ أي في السموات والأرض وقد مر ذكرهما ﴿ آلهة إلا الله ﴾ اي غير الله.

قال النحويون: إلا ههنا بمعنى لتعذر حمل إلا على الاستثناء لأنها تابعة لجمع منكور غير محصور، والاستثناء لا يصح إلا إذا كان المستثنى داخلاً في المستثنى منه لولا الاستثناء وقد يقال: إن "إلا" في هذه المادة لا يمكن أن تكون للاستثناء لأنا لو حملناها على الاستثناء لصار المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله لم يحصل الفساد.

وللمفسرين في تفسير الآية طريقان: أحدهما حمل الغائب على الشاهد والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة غير الواحد الذي هو فاطرهما ﴿ لفسدتا ﴾ وفيه دلالة على أمرين: الأول وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً، والثاني أن لاي كون ذلك الواحد إلا إياه لقوله ﴿ غير الله ﴾ وإنما وجب الأمر أن لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف.

وثانيهما طريق التمانع بأن يقال: لو فرضنا إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، فإن وقع مرادهما لزم اجتماع الضدين في محل واحد، وإن لم يقع مرادهما لزم عجزهما، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر فذلك الآخر عاجز لا يصلح لإلهية.

والاعتراض على هذا التقدير من وجهين: الأول أن اختلافهما في الإرادة أمر ممكن والممكن لا يجب أن يقع.

والثاني أن الفساد في السموات والأرض كيف يترتب على اختلافهما وفي الجواب طريقان: أحدهما الرجوع إلى التفسير الأول وهو إحالة الأمر على ما هو الغالب المعتاد من أن الملك عقيم ولا يجتمع فحلان على شول، والشول جماعة النوق التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، فلا بد من وقوع التنازع والاختلاف وحدوث الهرج والمرج عند ذلك.

الطريق الثاني العدول إلى ضرب آخر من البيان، وهو أن اتفاق الإلهين على مقدور واحد محال لأن كلاً منهما مستقل بالتأثير كامل في القدرة، فإذا وقع المقدور بأحدهما استحال أن يقع بالآخر مرة أخرى على أنه لو اراد كل واحد منهما أن يوجده هو فهذا أيضاً اختلاف.

ولو قيل: إنه يريد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما لا بعينه فهذه إرادة مبهمة لا تصلح للتأثير، فلا بد من الاختلاف وقد عرفت حاله ولزوم الفساد حينئذ ظاهر، لأن كل ما يصدر عن إلهين عاجزين أو إله عاجز لم يكن على الوجه الأصلح والنمط الأصوب، بل العاجز لا يصلح للإيجاد أصلاً فلا يوجد على ذلك التقدير شيء من الممكنات وهو الفساد الكلي.

ومنهم من يقرر دليل التمانع على وجوه أخر منها: أنا لو قدرنا إلهين فهل يقدر كل واحد منهما على أن يمنع صاحبه عن مراده أم لا؟

فإن قلت: يقدر.

كان كل منهما مقهوراً للآخر، وإن قلت: لا يقدر فقد ثبت عجز كل واحد منهما.

ومنها أن أحدهما هل يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا؟

فإِن قدر فالمستور عنه جاهل عاجز وإلا فالأول عاجز.

ولا يخفى ما في أمثال هذين الوجهين من الضعف لأن عدم القدرة على المحال لا يسمى عجزاً ولهذا لا يمكن أن يقال: إنه  عاجز عن خلق مثله أو إنه إذا أوجد شيئاً نفذت قدرته عن خلق ذلك الشيء وحصل له عجز.

ومن الطاعنين في دليل التمانع من فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله كما تزعم عبدة الأصنام لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على وجوه التدبير والتصرف لأنفسها فضلاً عن غيرها.

ولقائل أن يقول: إن الآلهة لو كانت منفردة بالتدبير يلزم الفساد.

أما أنها لو كانت وسائط أو معاونة للإله الأعظم كما تزعم عبدة الأوثان فمن أين يلزم الفساد.

واعلم أنا قد بينا دلائل التوحيد في مواضع من هذا الكتاب ولا سيما في سورة البقرة في تفسير قوله ﴿ وإلهكم إله واحد  ﴾ ولنا في هذا المقام طريقة أخرى ما أظنها وطئت قبلي فأقول وبالله التوفيق: إن الوحدة من صفات الكمال وقد ركز ذلك في العقول حتى إن كل عامل مهما تم له أمر بواحد لم يتعد فيه إلى اثنين، وإذا اضطر إلى الشركة والتعاون راعى فيه الأبسط فالأبسط لا يزيد العدد إلا بقدر الافتقار وعلى هذا مدار الأمور السياسية والمنزلية هذا في المؤثر.

وأما في الأثر فلا ريب أنه استند إلى ما هو بسيط حقيقي لم يكن فيه إلا جهة واحدة افتقارية وإذا استند إلى ما فوق ذلك كان فيه من الجهات الافتقارية بحسب ذلك فيكون النقص تابعاً لقلة جهات الافتقار وكثرتها، وكل مرتبة للممكنات تفرض من العقول والنفوس والأفلاك والعناصر والمواليد، فإن كان مبدأ تلك السلسلة الطويلة واحداً كانت الجهات الاعتبارية الافتقارية فيها أقل مما لو كان المبدأ أزيد من واحد.

وهذه قضية يقينية إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه  أراد أن يدفع هذا النقص من الممكنات و "لو" هذه بمعنى "أن" والمراد أن هذا النقص والفساد لازم لوجود آلهة غير الله سواء كان الله من جملتهم أم لا، ولن يرضى العاقل بما فيه نقصه وفساده فوجب أن لا يعتقد إلهاً غير الله وهذه النتيجة هي المراد بقوله ﴿ فسبحان الله رب العرش عما يصفون ﴾ من الأنداد والشركاء فتكون هذه الآية نظيره قوله ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً  ﴾ وفيه قول زيد بن عمرو بن انفيل حين فارق قومه: أرباً واحداً أم الـــــــف رب *** أدين إذا تقسمت الأمـــــور تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الرجل البصير ثم أكد تفرده بالإِلهية بقوله ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ وفيه رد على الثنوية والمجوس الذين أثبتوا لله شريكاً فاعلاً للشرور والآلام، وذلك أنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله  فقالوا: لو كان مدبر العالم واحداً لم يخص هذا بأنواع الخيرات من الصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور من المرض والفقر، فذكر  أن الاعتراض على أفعاله ينافي الديانة وأن له أن يفعل ما يشاء ولا مجال للسؤال عن أفعاله، فكل من الأشاعرة والمعتزلة سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت، ولكنهم حملوا عدم جواز السؤال على مأخذ آخر.

أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن أفعاله لا تعلل بالمصالح والأغراض ولم بحكم المالكية أن يفعل في مخلوقاته ما شاء فإن من تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت، وكيف يتصور في حقه استحقاق الذم واستحقاق المدح له قديم؟

وما يثبت للشيء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات.

وكما أن ذاته غير معللة بشيء فكذلك صفاته وأفعاله، وإنه غير محتاج إلى الأسباب والوسائط والأغراض والمقاصد.

وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه  عالم بقبح المقابح وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح.

وإذا عرف المكلف إجمالاً أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب وجب أن يسكت عن "لم" وإذا كان الملوك المجازيون لا يسألهم من في مملكتهم عما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً لهم مع جواز الخطأ والزلل عليهم، فملك الملوك ورب الأرباب أولى بأن لا يسال عن أفعاله مع ما ركز في العقول من أن كل ما يفعله فهو حسن مشتمل على الغايات الصحيحة.

ثم زاد الإلهية تأكيداً بقوله ﴿ وهم يسألون ﴾ وفيه رد على منكري التكليف الذاهبين إلى أن العباد لا يسألون عما فعلوا في دار الدنيا قالوا: إن التكليف أمر غير معقول لأنه إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك وهو محال لأن صدور الفعل عن المكلف يستدعي الترجيح فالتكليف بالترجيح في حال عدم الترجيح تكليف بالمحال، وإما أن يتوجه حال الرجحان ويكون الفعل حينئذ واجب الوقوع فيكون التكليف عبثاً.

وأيضاً التكليف بما هو معلوم الوقوع لله عبث لأنه واجب الوقوع وبما هو غير معلوم الوقوع تكليف بما لا يطاق، وأيضاً سؤال العبد لعبد إن لم يكن فيه فائدة فعبث، وإن كان فيه فائدة فإِن عادت إلى الله  كان محتاجاً مستكملاً، وإن عادت إلى العبد فالله  قادر على إيصالها إليه من غير واسطة التكليف، على أن السؤال إن كان لأجل إيصال الضرر فذلك لا يليق بالكريم الرحيم، وجوابهم أن الأسباب والوسائط معتبرة في كل شيء من عالم الأسباب حتى الثواب والعقاب، على أن حاصل الشبهات يرجع إلى أن المنكر كأنه قال: إنه تعالى لم كلف عباده ولم كلفهم مالا يطيقون وهو يناقص القاعدة الممهدة أنه لا يسال عما يفعل.

ثم كرر ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة ﴾ استفظاعاً لكفرهم وليرتب عليه قوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ على ذلك عقلاً أو نقلاً.

أما العقل فقد مر أنه يقضي بعدم الشريك حذراً من الفساد، وأما النقل فقوله ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ هو من إضافة المصدر إلى المفعول أي عظة لأمتي.

عن ابن عباس واختاره القفال والزجاج أنه اراد هذا هو الكتاب المنزل على من معي من الأمة وهذا هو الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وأممهم يعني التوراة والإنجيل والزبور والصحف والكل وارد في معنى التوحيد ونفي الشركاء.

وعن سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله ﴿ وذكر من قبلي ﴾ صفة للقرآن ايضاً لأنه اشتمل على أحوال الأمم الماضية كما اشتمل على أحوال هذه الأمة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ بل أكثرهم ﴾ تنبيهاً على أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد وهو عدم العلم وفقد التمييز بين الحق والباطل، فلذلك أعرضوا عن استماع الحق وطلبه، وفي لفظ الأكثر إشارة إلى أن فيهم من يعلم ولكنه يعاند، أو أجري لفظ الأكثر على الكل على عادة الفصحاء كي لا يكون الكلام بصدد المنع.

ثم قرر آي التوحيد خصوصاً قوله ﴿ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ﴾ على أحد التفسيرين بقوله ﴿ وما أرسلناك ﴾ الآية.

ثم رد على خزاعة وأمثالهم القائلين بأن الملائكة بنات الله بقوله ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ﴾ ثم نزه نفسه عن ذلك بقوله {  } ثم أخبر عما هم عليه في الواقع وهو أن الملائكة عباد الله ﴿ مكرمون ﴾ مقربون ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ أي بقولهم اي يتبعون قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ فهم التابعون لأمر الله في أقوالهم وافعالهم ﴿ يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ﴾ وقد مر تفسيره في "طه" وفي آية الكرسي ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ كقوله في طه ﴿ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً  ﴾ وقد مر البحث فيه.

قال في الكشاف ﴿ وهم من خشيته مشفقون ﴾ أي متوقعون من أمارة بخلاف البشر فإنهم لا يتوقعون ذلك إلا من أمارة قوية.

ويحتمل أن يقال: إنهم يخشون الله ومع ذلك يحذرون من أن تلك الخشية يقع فيها تقصير.

"عن رسول الله  أنه رأى جبرئيل  ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله عز وجل." ثم نبه على غاية عظمته ونهاية جبروته بقوله ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه ﴾ فيحتمل أن يدعي الإلهية لنفسه دون الله أو يدعي أنه إله مع الله أي بعد مجاوزة إلهيته وهذا على سبيل الفرض والتقدير كقوله ﴿ ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون  ﴾ وفي قوله ﴿ فذلك ﴾ دون أن يقول فهو تبعيد للمشرك الجاحد عن ساحة عزته وفيه تفظيع لأمر الشرك وتهديد عظيم لمن أشرك، وأراد بالظلم ههنا الشرك، والمعتزلة عمموه والأول أظهر.

ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من البيان وهو الاستدلال بالآفاق والأنفس قائلاً ﴿ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض ﴾ أي جماعة السموات وجماعة الأرض ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ الرتق بالسكون السد.

رتقت الشيء فارتتق أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك، والفتقاء ضدها أي كانتا مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين.

عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن، وقتادة أن المراد كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض.

ومثله قول كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما فحصل الفتق، وقال أبو صالح ومجاهد: كانت السموات متلاصقات لا فرج بينها ففتقها الله بأن جعلها سبعاً وكذلك الأرضون.

وعن ابن عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين، أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر.

ويشبه أن يراد بالسموات على هذا التفسير السحب نظيره قوله ﴿ والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع  ﴾ ويؤيده قوله عقيبه ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ وقيل: إنهما جمع السموات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهن، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون كقولهم "ثوب أخلاق" "وبرمة أعشار" وقريب من هذا قول من قال: المعنى أن السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما الله  بإظهار النور فيهما كقوله ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار  ﴾ وقال أبو مسلم الاصفهاني: الرتق حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه، والفتق الإِيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض  ﴾ والفطر الشق.

وعن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه بعد.

وههنا سؤال: وهو أن الكفار متى رأوهما رتقاً حتى صح هذا الاستفهام للتقرير؟

كيف وقد قال الله  ﴿ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ﴾ ؟

[الكهف: 51] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة، وكذا إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم.

وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي  .

وقال صاحب الكشاف في الجواب: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم  .

قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال السكاكي صاحب المفتاح: اي جعلنا مبدأ كل حي من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

واعترض عليه بأنه كيف يصح ذلك وآدم من تراب والجن من نار والمشهور أن الملائكة ليست أجساماً مائية؟

وأجاب بأنه يأتي في الروايات أنه جل وعز خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.

وقال صاحب الكشاف: إنما قال خلقنا كل شيء حي من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله ﴿ خلق الإنسان من علق ﴾ وجوز أن لا يكون الجعل بمعنى الخلق بل يكون بمعنى التصيير متعدياً إلى مفعولين، فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه.

وقال في التفسير الكبير: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة قائمة فإن الدليل لا بد أن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، فبهذا الطريق تخرج الملائكة والجن وآدم لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك: قلت: فعلى هذا يكون قوله ﴿ وجعلنا ﴾ داخلاً في حيز الاستفهام كأنه قيل: ألم يروا أنا فتقنا السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل حيوان.

ومن المفسرين من جعل الحي شاملاً للنبات أيضاً كقوله ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها  ﴾ قوله ﴿ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ﴾ قد مر تفسيره في أول "النحل" وباقي الآية كقوله في طه ﴿ وسلك لكم فيها سبلاً  ﴾ والفجاج جمع الفج وهو الطريق الواسع وهي صفة ﴿ سبلاً ﴾ قدمت عليه فصارت حالاً عنه أراد أنه حين خلقها جعلها على تلك الصفة فهذا كالبيان لما أبهم في قوله: ﴿ لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً  ﴾ والاهتداء إما حسي أي تهتدون إلى البلاد، وإما عقلي وهو الاهتداء إلى وحدانية الله  .

ومنهم من زعم أن الضمير في قوله ﴿ وجعلنا ﴾ فيها عائد إلى الجبال وهذا قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس, وروي عن ابن عمر أنه قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً.

قال علماء الإسلام: ليس في قوله ﴿ وجعلنا السماء سقفاً ﴾ إن السماء للأرض كالسقف للبيت لأنها فوق لا يقابله مثله، ولكنه أطلق عليها اسم السقف لأنها كذلك في النظر بالنسبة إلى سكان كل بقعة.

وفي المحفوظ وجهان: أي ﴿ محفوظاً ﴾ بقدرته من أن يقع على الأرض أو محفوظ بالشهب عن الشياطين.

﴿ وهم عن آياتها معرضون ﴾ فلا يتدبرون في ترتيبها ومسيراتها وطلوع أجرامها وغروبها واتصالاتها وانصرافاتها وتأثيراتها فيما دونها بإذن خالقها ومبدعها.

قوله ﴿ كل في فلك ﴾ من مقلوب الكل.

والفلك في اللغة كل شيء دائر وجمعه أفلاك.

وزعم الضحاك أنه ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم.

والأكثرون على أن الفلك جسم تدور النجوم عليه.

ثم اختلفوا في حقيقته فقال الكلبي: ماء مكفوف أي مجموع تجري فيه الكواكب بدليل قوله ﴿ يسبحون ﴾ والسباحة لا تكون إلا في الماء.

ورد بأنه يقال فرس سابح إذا امتد في الجري.

وقالت الحكماء: هو جسم كروي لا ثقيل ولا خفيف غير قابل للخرق والاتئام والنمو والذبول، ولذلك منعوا من كون الفلك ساكناً، والكواكب متحركة فيه كالسمك في الماء واعتذروا عن السباحة بأنها في النظر كذلك.

قال صاحب الكشاف: التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي كلهم فورد عليه إشكالان: أحدهما أنه لم يسبق إلا ذكر الشمس والقمر فكيف يعود ضمير الجمع إليهما؟

وأجاب بأن ذلك باعتبار كثرة مطالعهما كما يجمع بالشموس والقمار لذلك.

ويمكن أن يقال: أقل الجمع اثنان أو أنه جعل النجوم تبعاً لذكرهما.

الثاني أن كلهم ليسوا في فلك ولكن كل منهم في فلك آخر على ما يشهد به علم الهيئة، وأجاب بأنه اراد جنس الفلك كقولك "كسانا الأمير حلة"، أو اراد كل واحد.

قلت: لو صح هذا التقدير الثاني لم يرد الإشكال الأول ولكنه ينافي قوله ﴿ يسبحون ﴾ مجموعاً.

قال بعض الحكماء في هذا الجمع دلالة على أن الكواكب أحياء ناطقة.

وأجيب بأنه إنما جمع جمع العقلاء لأن السباحة من فعلهم.

قلت: قد يسبح كثير من الحيوانات، فلعل المختص بالعقلاء هو السباحة الصناعية المكتسبة.

وههنا بحث وهو أن الإمام فخر الدين الرازي استحسن قول بعض الأوائل أن الحركة السماوية صنف واحد وهي الآخذة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض كالحركات الغربية، وكذا اختلافات تلك الحركات بسبب تلك المختلفات.

قال: وهذا أقرب ليكون غاية سرعة الحركة للفلك الأعظم وغاية السكون للجرم الذي هو أبعد عن المحيط وهو الأرض، ولئلا يلزم بسبب حركة ما دون الفك الأعظم بحركته وبحركتها الخاصة تحرك الجرم الواحد في زمان واحد بحركتين مختلفتين إلى جهتين فإنه يستلزم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين.

قلت: أما حديث كون ما هو أبعد عن المركز اسرع حركة فإقناعي، وأما لزوم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين فممنوع لأن التي تظهر في المتحرك هي الحركة المركبة الحاصلة من فضل الأسرع على الأبطأ لا كل من الحركتين، وهذا مشاهد من حركة النملة إلى خلاف جهة حركة الرحى، ومن حركة راكب السفينة فيها إلى خلاف جهة حركتها.

وأما الذي استحسنه من كلام الأوائل فباطل لأنه لو كان كذلك لحصلت الأظلال اللائقة بكل جزء من أجزاء فلك البروج في يوم بليلة، وكذا الارتفاعات المناسبة لها في البلاد المتفقة العرض وليس كذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى في كتبنا النجومية ايضاً.

وحين فرغ من بيان طرف من هيئة الأجرام السماوية ومنافعها الدنيوية نبه بقوله ﴿ وما جعلنا البشر من قبل الخلد ﴾ على أن هذه الآثار لا تدوم ولا تخلق للبقاء وإنما خلقت للابتداء والامتحان ولكي يتوصل بها المكلفون إلى السعادات المدخرة لهم في الآخرة وهي دار الخلود.

وبوجه آخر لما فرغ من دلائل الآفاق شرع في دلائل الأنفس فقال: ﴿ وما جعلنا ﴾ الآية، عن مقاتل أن ناساً كانوا يقولون إن محمداً لا يموت فنزلت وقيل: لعلهم ظنوا أنه لو مات لتغير الشرع وهذا ينافي كونه خاتم الأنبياء، فبين الله  أن حاله كحال من تقدمه من الأنبياء في المفارقة من دار الدنيا.

والأكثرون على أن سبب النزول هو أنهم كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله عنه الشماتة لهذه وفي معناه قول القائل: فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا.

قوله ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قد تقدم في آخر آل عمران تفسيره.

قوله ﴿ ونبلوكم ﴾ أي نعاملكم معاملة المختبر بما نسوق إليكم من الشرور والخيرات فيظهر عندهما صبركم وشكركم.

وقدم الشر لأن الموت من باب الشرور في نظر أهل الظاهر.

و ﴿ فتنة ﴾ مصدر مؤكد ﴿ لنبلوكم ﴾ من غير لفظه.

وحين أثبت الموت الذي هو الفراق عن دار التكليف بين بقوله ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ أن الجزاء على الأعمال ثابت مرئي ألبتة بعد المفارقة.

استدلت المجسمة بقوله ﴿ وإلينا ﴾ أنه  جسم ليمكن الرجوع إلى حيث هو، والتناسخية بأن الرجوع مسبوق بالكون في المكان المرجوع إليه، وجواب الأولين أنه أراد الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له، وجواب الآخرين التسليم لكنه لا يفيد مطلوبهم لأن الرجوع إلى المبدأ غير الرجوع إلى دار الدنيا، واعلم أن مثل هذه الآية سيجيء في سورة العنكبوت إلا أنه قال هناك ﴿ ثم إلينا ﴾ ولم يذكر قوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ فكأن هذه الفاصلة قامت مقام التراخي في "ثم" قال السدي ومقاتل: "مر النبي  بأبي جهل وأبي سفيان فقال ابو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف.

فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف!

فسمع النبي  قولهما فقال لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلت حمية" فأنزل الله  ﴿ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ﴾ اي ما يتخذونك ﴿ إلا هزوا ﴾ ثم فسر ذلك بقوله ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ والذكر أعم من أن يكون بالخير أو بالشر إلا أنه إذا كان من العدو يفهم منه الذم لا الثناء، والمعنى أنه يبطل معبوديتها وينكر عبادتها ويقبح أمرها ثم بين غاية جهالتهم وتعكيس قضيتهم بقوله ﴿ وهم بذكر الرحمن هم كافرون ﴾ قدم الجار والمجرور وكرر الضمير ليفيد أنهم عاكفون هممهم على ذكر آلهتهم من كونها شفعاء وشهداء، ولو ذكرها بخلاف ذلك ساءهم.

وأما ذكر الرحمن الذي منه جلائل النعم ودقائقها وأصولها وفروعها فلا يخطر منهم ببال، ولو ذكره ذاكر استهزؤا به حتى إن بعضهم يقولون: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فهم أحق أن يتخذوا هزواً.

ويحتمل أن تكون الباء للسببية أي هم كافرون بسبب ذكرهم الرحمن لا على ما ينبغي، فيكون الذكر في الموضعين بمعنى واحد.

وقيل ﴿ بذكر الرحمن ﴾ أي بما أنزل إليك من القرآن وكانوا يستعجلون بعذاب الله كما يجيء من قوله ﴿ ويقولون متى هذا الوعد ﴾ فقدم لذلك أولاً مقدمة هي قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ من عجل ﴾ أراد أنه مجبول على إفراط العجلة كما مر في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولاً  ﴾ وعن ابن عباس أنه آدم اراد أن يقوم حين بلغ الروح صدره، وعن مجاهد أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يا رب عجل خلقي قبل أن تغيب الشمس.

وعن ابن عباس أيضاً أنه النضر بن الحرث والأول أظهر.

وقيل: العجل الطين بلغة حمير، وقال الأخفش: اي من العجل في الأمر وهو قوله ﴿ كن ﴾ وقيل: هو على القلب أي خلق العجل من الإنسان ﴿ سأريكم آياتي ﴾ وهي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإنها كائنة لا محالة في وقتها وقيل: هي أدلة التوحيد وصدق الرسول.

وقيل: آثار القرون الخالية بالشام واليمن.

سؤال: ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ فيه أن الآدمي معذور على الاستعجال لأنه له كالأمر الطبيعي الذي لا بد منه، فلم رتب عليه النهي بقوله ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ؟

وأجيب بأن فيه تنبيهاً على أن ترك العجلة حالة شريفة وخصلة عزيزة.

وقال جار الله: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها.

آخر: القوم استعجلوا الوعد على جهة التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً في الحقيقة؟

أجيب بأن الاستعجال على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه استعجال على أمر موهوم عندهم لا معلوم ﴿ لو يعلم ﴾ جواب "لو" محذوف و ﴿ حين ﴾ مفعول به ﴿ ليعلم ﴾ والمعنى لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه وهو وقت إحاطة النار بهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال.

ويجوز أن يكون ﴿ يعلم ﴾ متروك المفعول أي لو كانوا من أهل العلم لما كانوا مستعجلين، وعلى هذا يكون ﴿ حين ﴾ منصوباً بمضمر أي حين لا يكفون يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وخص الوجوه والظهور بالذكر لأن نكاية النار في هذين العضوين اشد مع أن الإحاطة التامة تفهم منهما.

ثم بين أن وقت مجيء العذاب غير معلوم لهم فإن مجيء الساعة مخفي عن المكلفين ليكونوا أقرب إلى تلاقي الذنوب فقال ﴿ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ﴾ قال جار الله: أي لا يكفونها بل تفجؤهم فتغلبهم.

قلت: فائدة "بل" في هذه المقامات للانتقال من جملة إلى أخرى أهم من الأولى، ويحتمل أن تكون "لو" لظاهر التمني والضمير للنار.

وقيل: للساعة.

وفي قوله ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ تذكير بإمهالهم في دار الدنيا أي ثم يهلكون بعد طول الإمهال.

ثم سلى رسوله  بقوله ﴿ ولقد استهزئ ﴾ الآية.

وقد مرت في أول الأنعام.

ولما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار ذكر أنهم في الدنيا ايضاً مفترقون إلى حراسة الله وكلاءته فقال ﴿ قل من يكلؤكم بالليل ﴾ إذا نمتم ﴿ والنهار ﴾ إذا تقلبتم في وجوه المصالح ﴿ من الرحمن ﴾ أي من بأسه وعذابه كالقتل والسبي ونحوهما.

قيل: إنما خص الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ونظيره ﴿ ما غرك بربك الكريم  ﴾ ثم أضرب عن الأمر بالاستفهام قائلاً ﴿ بل هم عن ذكر ربهم معرضون ﴾ لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه كأنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.

أما قوله ﴿ أم لهم آلهة تمنعهم ﴾ فذكر في الكشاف أنه إضراب عن الكلام السابق بما في "أم" من معنى "بل".

وقال غيره: الميم زائدة وإنه استفهام مستأنف والتقدير ألهم آلهة تمنعهم من دوننا من العذاب، ومعنى ﴿ من دوننا ﴾ أن تلك الآلهة لا تتجاوز منعنا وحفظنا ثم استأنف فقال ﴿ لا يستطيعون ﴾ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف اي تلك الآلهة ليست تقدر على نصر أنفسها فكيف تحفظ غيرها وتنصرها.

وقوله ﴿ ولا هم منا يصبحون ﴾ قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته.

والأكثرون على أنه من الصحبة بمعنى النصرة والمعونة ومنه قولهم "صبحك الله".

والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة والنصرة كيف يتوقع منه دفع ضر أو جلب نفع!

ولما ابطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الحفظ والكلاءة والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الإهلاك ولا من ناصر يعينهم على أسباب التمتع سوى الله.

وفي قوله ﴿ حتى طال عليهم العمر ﴾ إشارة إلى أنه لما امتدت أيام الروح والطمأنينة حسبوا أن ذلك لن يزول عنهم فاغتروا به ونسوا المنعم فاستأهلوا العقاب كما أشار إليه بقوله ﴿ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ وفي لفظ الإتيان تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين الذين هم حزب الله من نقص ديار الكفر وتخريبها وعمارة حوزة الإسلام وتشييد مبانيه وقد مر مثله في آخر سورة الرعد.

والاستفهام في قوله ﴿ أفهم الغالبون ﴾ للتقرير أي لنحن الغالبون وهم المغلوبون.

ثم بين أن هذه الإنذارات ليست من قبل الرسول ولكنه بالوحي، ثم مهد عذر الرسول إن لم تنجع فيهم رسالته بأن الصم لا يسمعون دعاء المنذر.

واللام في ﴿ الصم ﴾ للعهد أي لا يسمع هؤلاء الإنذار فوضع ﴿ الصم ﴾ في موضع اسم الإشارة إيذاناً بأنهم هم الموسومون بالصمم عن استماع الحق، ولو كان اللام للجنس لكان الأنسب إطلاق الدعاء لأن الصم لا تسمع الدعاء بشروا أو أنذروا.

ثم ذكر أنهم لا يعترفون بالتقصير والظلم إلا عند معاينة العذاب فقال: ﴿ ولئن مستهم نفحة ﴾ وفي ذكر المس وبناء المرة من النفح الذي هو بمعنى القلة والنزارة.

منه قولهم "نفحه بعطية" اي رضخة، "ونفحته الدابة" وهو رمح يسير دليل على أنهم في غاية الضعف يجزعون من أدنى أثر من عذاب الله.

قوله ﴿ ونضع الموازين القسط ﴾ المراد من الوضع الإحضار والقسط اي العدل صفة الموازين وإن كان موحداً كقولهم للقوم "إنهم عدل" قاله الفراء.

وعن الزجاج أراد ذوات القسط.

واللام في ﴿ ليوم القيامة ﴾ بمعنى الوقت كما يقال "جئت لتاريخ كذا".

وقيل: أراد لأجل الحساب يوم القيامة.

وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول سورة الأعراف.

يروي أن داود  سال ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم افاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟

فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.

وفي قوله ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً ﴿ وإن كان ﴾ أي الوزن والعمل ﴿ مثقال حبة من خردل أتينا بها ﴾ أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة.

قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: حبة من خردل؟

وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة.

وقوله ﴿ من خردل ﴾ بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه.

والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه.

رؤي الشبلي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟

فقال: حاسبوني فدققوا *** ثم منوا فأعتقوا قال في التفسير الكبير: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان.

والآية تبطل قوله لأن الله  تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة.

قلت: للجبائي أن يقول: الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو.

﴿ وكفى بنا حاسبين ﴾ كقوله ﴿ وكفى بالله حسيباً  ﴾ وحين فرغ من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء تسلية لنبيه وتثبيتاً وعظة لأمته وتذكيراً، وقد مر قصة موسى إلا أنه أوجز فيها ههنا والموجز تقدمه الفصحاء غالباً، ولأن موسى أقوى حالاً ومعجزة، ولأن ذكر التوراة يناسب ما تقدم من قوله ﴿ قل إنما أنذركم بالوحي ﴾ وصف التوراة بأنها جامعة لكونها فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وقد مر سائر تفاسير الفرقان في أول البقرة ﴿ وضياء ﴾ كقوله ﴿ فيها هدى ونور  ﴾ ﴿ وذكراً للمتقين ﴾ اي شرفاً وموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم وقوله ﴿ بالغيب ﴾ إما حال من الرب أي حال كونه غائباً عن حسهم والله لا يغيب عنه شيء فيكون كقوله  "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وإما حال منهم أي حال كونهم غائبين عن عذاب الآخرة وأهوالها، أو غائبين عن الناس أي يخشون ربهم في الخلوات.

ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ وهذا ذكر مبارك ﴾ أي كثير البركة ﴿ أنزلناه أفأنتم له منكرون ﴾ أي أنتم دون سائر الناس مع علمكم بفصاحته وإعجازه تخصونه بالإنكار.

ولا يخفى ما فيه من التوبيخ للعرب ومن داناهم.

التأويل: ﴿ أم اتخذوا آلهة ﴾ من ارض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية ﴿ آلهة إلا الله ﴾ كالعقل والهوى ﴿ لفسدتا ﴾ كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين اثبتت عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ لأن أفعاله  صادرة عن الحكمة والقدرة ﴿ وهم يسألون ﴾ لأن أفعالهم منشؤها الظلومية والجهولية ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ لأنه ليس فيهم ما يخالف داعية العقل وهو الطبع الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في قوله ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ففي التكريم تكثير ليس في الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من خجالة قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ ﴿ وما خلفهم ﴾ من الأمر بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض ﴿ أو لم ير الذين كفروا ﴾ يعني أنهم رأوها في عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة ألاف سنة ﴿ كانتا رتقاً ﴾ أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب ﴿ ففتقناهما ﴾ بالمفارقة وقطع التعلق ﴿ وجعلنا من ﴾ ماء حياة العلم ﴿ كل شيء حي ﴾ بالحياة الأبدية ﴿ وجعلنا في الأرض ﴾ أرض القالب ﴿ رواسي ﴾ هي هموم العلائق البدنية ﴿ أن تميد بهم ﴾ فلولاها لمالت كل نفس إلى عمالها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس ﴿ فجاجاً سبلاً ﴾ هي طرق الإرشاد والتسليك ﴿ وجعلنا ﴾ سماء القلب ﴿ سقفاً محفوظاً ﴾ من وساوس شياطين الإنس والجن ﴿ وهو الذي خلق ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك الطريقة، وأهل الولاية في فلك اطوار الحقيقة ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أما النفس الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعملية التي هي فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ربه ﴿ ونبلوكم ﴾ بالمكروهات التي تسمونها شراً بالمحبوبات التي تحسبونها خيراً ﴿ فتنة ﴾ فربما كان الأمر عكس ما تصورتم ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ اختياراً وقهراً ﴿ وإذا رآك الذين كفروا ﴾ فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ستة أيام وخمرت طينة آدم أربعين صباحاً مع أن فيها أنموذجاً من الكل واستعداداً لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ سأريكم آياتي ﴾ اي في مظاهر الآفاق ومرايا أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإن حد الاستكمال من المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا سليمان الوقت.

ويمكن أيضاً أن يقال: إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿ بالليل والنهار ﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿ بل متعنا هؤلاء ﴾ الجهال ﴿ وآباءهم ﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة.

ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ البشرية ﴿ ونضع الموازين ﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿ نحن قسمنا ﴾ ﴿ تلك الرسل فضلنا ﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ .

أي: من يحفظكم ويحرسكم من عذاب الرحمن.

وقيل: من يدفع عنكم عذاب الرحمن.

ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أي: لو سألتم من يكلؤكم من عذاب الرحمن لأقروا لك أن الرحمن هو الذي يكلؤكم ويحفظهم من عذابه، لا الآلهة التي يعبدونها، وهو كقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ وقل ﴿ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ \[المؤمنون: 88\] ونحوه، فسيقولون: الله، لا الآلهة التي يعبدونها، فقل: أن كيف صرفتم عن عبادته وعبدتم دونه من لا يكلؤكم ولا يدفع عنكم العذاب، وقد عرفتم أن الرحمن هو الذي يكلؤكم بالليل والنهار، وهو إله السماوات والأرض، فكيف عبدتم من ليس هو بإله؟!

فيخرج عن الاحتجاج عليهم ولزوم الحجة لهم؛ لئلا يقولوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ .

والثاني: يخرج على التذكير والتنبيه لهم؛ لأنهم كانوا ينكرون الرحمن ويقولون: ما الرحمن؟

وقوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ فيخرج قوله: ﴿ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ أي: كيف تنكرون الرحمن وتكفرون به وهو يكلؤكم بالليل والنهار عن عذابه، وعلى هذا يخرج: ﴿ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ ، أي: بل هم عن ذكر ربهم الرحمن معرضون، أي: منكرون له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا ﴾ ، أي: ليس لهم آلهة من دوننا تمنعهم من عذابنا، هو على النفي، أي: ليس لهم الآلهة من دونه وإن كان ظاهره استفهاماً، ثم بين موضع الاحتجاج عليهم، وهو ما أخبر عن عجزهم حيث قال: ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ ﴾ أي: لا يستطيع الآلهة نصر أنفسها إذا أرادوا بها سوءاً، ﴿ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ ﴾ أي: ينصرون، تأويله: أن كيف عبدتم من دونه واتخذتموهم آلهة رجاء شفاعتهم ووسيلتهم حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ونحوه، وفي قولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فإذا كانوا لا يملكون نصر أنفسهم إن أصابها سوء ولا يصحبها من يدفع عنها السوء، فكيف اتخذتم آلهة دونه، فمن كان عن دفع السوء عن نفسه ونصرها عاجزاً، فهو عن دفعه عن الآخر ونصره أعجز.

ثم بين الذي حملهم على ذلك وهو ما قال: ﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ ﴾ ، ولم يأخذهم بالعقوبة بأعمالهم التي عملوها [فظنوا] أن الله راض عنهم وأنهم على الحق؛ ولهذا قالوا: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا  ﴾ ادعوا رضاء الله بما هم عليه وآباؤهم.

ثم بين أنه وإن تركهم وقتاً طويلا ومتعهم عليه أنه قد نقص عما كانوا يملكون هم؛ حيث غلب عليهم رسول الله على بعض أملاكهم وجعله ملكاً للمسلمين وهو قوله: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ﴾ ، وجعلناها ملكا للمسلمين.

ثم اختلف في تأويل هذا؛ قال الحسن: قوله: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ﴾ أي: اعلموا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها، أي: نحشرهم يوم القيامة من أطراف الأرض إلى المحشر، فذلك نقصها.

وقال غيره: أفلا يرون أن رسول الله كلما بعث إلى أرض ظهر عليها، قال: ننقصها بالظهور عليها أرضاً فأرضاً، ﴿ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ ، أي: ليسوا هم الغالبين، ولكن رسول الله هو الغالب عليهم.

وقال ابن عباس: ننقصها: ذهاب فقهائها وخيار أهلها.

وقال قتادة: ننقصها بالحرث، وكذلك قال عكرمة: ننقصها من أطرافها بالموت، وقال: لو كانت الأرض تنقص لم يوجد للرجل مجلس يجلس فيه، ونحو هذا قد قالوا فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ ﴾ .

هذا - والله أعلم - يخرج على وجهين: أحدهما: خرج جواباً لقولهم: ﴿ مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ أنهم كانوا ينكرون رسالته ويقولون: إنه بشر كيف خص هو به؟

فيقول: إني لست أنذركم لأني بشر، ولكن إنما أنذركم بالوحي من الله، وأنتم ممن لا تقبلون بشارة ربي ونذارته.

والثاني: قال ذلك لما تقدم منه في الآيات النذارةُ المرسلة غير مضافة إلى الله، فأمره أن يقول لهم: إني فيما أنذركم من النذارات، ولم أنذركم من ذات نفسي، ولكن إنما أنذركم بالوحي من ربي، فمعناه - والله أعلم - أي: فيما أنذرتكم مما نزل بالأمم المتقدمة والأنباء التي أخبرتكم عنها مما لم أشهدها ولا أنتم، بل إنما أنذركم بالوحي، فذلك موضع الاحتجاج عليهم في إثبات رسالته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - يقول: إن الأصم إذا أريد أن يدفع عن المهالك لا سبيل أن يدفع عنها ويكف بالدعاء والنداء، ولكن إنما يكف ويدفع عن المهالك بالأيدي والراحات، كأنه قال ذلك لما أكثر دعاءهم إلى ما به نجاتهم فأبوا ذلك ولم يجيبوه، فقال عند ذلك: إنكم لا تسمعون الدعاء والنداء إلى ما به نجاتكم، ولكن تعرفون ذلك بالقتل والسيف.

أو أن يقول ذلك: إنكم صم عن الحق حتى لا تسمعونه كالأصم بالسمع، والأصم بالسمع لا يدعى ولا ينادى؛ لأنه لا يسمع، ولكن يدعى باليد والإشارة، فعلى ذلك أنتم صم عن الحق لا تدعون بالنداء، ولكن بالذي يعرف الدعاء وهو اليد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ ﴾ .

قال الحسن: ﴿ نَفْحَةٌ ﴾ أي: طائفة من عذاب ربك.

وقال بعضهم: نقمة من ربك.

وقال بعضهم: عقوبة ربك، وأصل النفحة: الرمية؛ ولذلك سمي نفحة الدابة: أي: رميها، وهو ما ذكر من رمي الشرر؛ كقوله: ﴿ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

في ظاهر الآية أن الموازين هي القسط، والقسط هو العدل؛ لأنه قال: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ ﴾ ؛ فكأنه قال: ونضع الموازين التي توضع في الدنيا ويعرف بها حقوق الناس في الآخرة العدل الذي يعرف به حدود الأشياء وأقدارها، فيكون الموازين العدل ما ذكر بقوله: ﴿ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ﴾ ، أي: لا ينقص من حسناته أو يزاد على جزاء سيئاته، ولكن يوفى كل جزاء عمله.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ ﴾ على الإضمار، أي: نضع الموازين التي تكون في الدنيا يوم القيامة بالعدل لا تطفف ولا تنقص ولا تحسر كما تفعلون في الدنيا، ولكن العدل لا تطفف ولا تنقص ذلك تسوى وتستوفى مستويا من غير زيادة ولا نقصان؛ لأن الزيادة والنقصان إنما تكون في الشاهد لوجوه: الجهالة، أو للحاجة، أو للجور، فيحمله كله على الزيادة والنقصان، والله -  وتعالى - يتعالى عن ذلك كله؛ لأنه عالم بذاته غني بذاته عادل، فلا وجه للخسران منه والزيادة فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ﴾ .

أي: أتينا بجزائها، أو أتينا بها، أي: بعينها لا يفوت شيء ولا يغيب عنه.

وليس المراد من ذكر ﴿ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ﴾ و ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  ﴾ الذرة، والحبة، ولكن ذكر على التمثيل، أي: لا يفوت عنه شيء ولا يغيب ذلك المقدار من الخير والشر غير فائت عنه ولا منسي، ولكن محفوظ محاسب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ .

لا يشغله كثرة الحساب وازدحامه، ليس كمن يحاسب آخر في الشاهد أنه إذا كثر الحساب عليه وازدحم شغله ذلك عن حفظ الحساب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ونَنْصِب الموازين العادلة لأهل القيامة لتوزن بها أعمالهم، فلا تُظْلَم في ذلك اليوم نفس بنقص حسناتها أو زيادة سيئاتها, وإن كان الموزون قليلا مثل ما تزنه حبة خردل جئنا به , وكفى بنا محصين نحصي أعمال عبادنا.

<div class="verse-tafsir" id="91.LLZoK"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله