الآية ٨١ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٨١ من سورة الأنبياء

وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةًۭ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦٓ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَـٰلِمِينَ ٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 161 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨١ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨١ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولسليمان الريح عاصفة ) أي : وسخرنا لسليمان الريح العاصفة ، ( تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ) يعني أرض الشام ، ( وكنا بكل شيء عالمين ) وذلك أنه كان له بساط من خشب ، يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة ، والخيل والجمال والخيام والجند ، ثم يأمر الريح أن تحمله فتدخل تحته ، ثم تحمله فترفعه وتسير به ، وتظله الطير من الحر ، إلى حيث يشاء من الأرض ، فينزل وتوضع آلاته وخشبه ، قال الله تعالى : ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ) ، وقال ( غدوها شهر ورواحها شهر ) [ سبأ : 12 ] .

قال ابن أبي حاتم : ذكر عن سفيان بن عيينة ، عن أبي سنان ، عن سعيد بن جبير قال : كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي ، فيجلس مما يليه مؤمنو الإنس ، ثم يجلس من ورائهم مؤمنو الجن ، ثم يأمر الطير فتظلهم ، ثم يأمر الريح فتحمله صلى الله عليه وسلم .

وقال عبد الله بن عبيد بن عمير : كان سليمان يأمر الريح ، فتجتمع كالطود العظيم ، كالجبل ، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها ، ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة ، فترتفع حتى تصعد على فراشه ، ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء ، وهو مطأطئ رأسه ، ما يلتفت يمينا ولا شمالا تعظيما لله عز وجل ، وشكرا لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله تعالى حتى تضعه الريح حيث شاء أن تضعه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره (وَ) سخرنا(لِسُلَيْمانَ) بن داود ( الرِّيحَ عَاصِفَةً ) وعصوفُها: شدة هبوبها؛( تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) يقول: تجري الريح بأمر سليمان إلى الأرض التي باركنا فيها، يعني: إلى الشام، وذلك أنها كانت تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان، ثم تعود به إلى منـزله بالشام، فلذلك قيل: ( إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ).

كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قال: كان سليمان إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجنّ والإنس حتى يجلس إلى سريره، وكان امرءا غزّاء، قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو، أمر بعسكره فضَرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدوابّ وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح، فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استقلت أمر الرخاء، فمدّته شهرا في روحته، وشهرا في غدوته إلى حيث أراد، يقول الله عزّ وجل فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ قال وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ قال: فذكر لي أن منـزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض صحابة سليمان، إما من الجنّ وإما من الإنس، نحن نـزلناه وما بنيناه، ومبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر فقلناه، ونحن راحلون منه إن شاء الله قائلون الشام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً )...

إلى قوله ( وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ) قال: ورث الله سليمان داود، فورثه نبوّته وملكه وزاده على ذلك أن سخر له الريح والشياطين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ ) قال: عاصفة شديدة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها، قال: الشام.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار بالنصب على المعنى الذي ذكرناه، وقرأ ذلك عبد الرحمن الأعرج ( الرِّيحُ) رفعا بالكلام في سليمان على ابتداء الخبر عن أن لسليمان الريح.

قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقوله ( وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ) يقول: وكنا عالمين بأن فعلنا ما فعلنا لسليمان من تسخيرنا له، وإعطائنا ما أعطيناه من الملك وصلاح الخلق، فعلى علم منا بموضع ما فعلنا به من ذلك فعلنا، ونحن عالمون بكل شيء لا يخفى علينا منه شيء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولسليمان الريح عاصفة أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة ، أي شديدة الهبوب .

يقال منه : عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح عاصف وعصوف .

وفي لغة بني أسد : أعصفت الريح فهي معصف ومعصفة .

والعصف التبن فسمي به شدة الريح ؛ لأنها تعصفه بشدة تطيرها .

وقرأ عبد الرحمن الأعرج والسلمي وأبو بكر ( ولسليمان الريح ) برفع الحاء على القطع مما قبله ؛ والمعنى ولسليمان تسخير الريح ؛ ابتداء وخبر .

تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها يعني الشام .

يروى أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد ، ثم ترده إلى الشام .

وقال وهب : كان سليمان بن داود إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير ، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره .

وكان امرأ غزاء لا يقعد عن الغزو ؛ فإذا أراد أن يغزو أمر بخشب فمدت ورفع عليها الناس والدواب وآلة الحرب ، وأمر العاصف فأقلت ذلك ، ثم أمر الرخاء فمرت به شهرا في رواحه وشهرا في غدوه ، وهو معنى قوله تعالى : تجري بأمره رخاء حيث أصاب .

والرخاء اللينة .

وكنا بكل شيء عالمين أي بكل شيء عملنا عالمين بتدبيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ } أي: سخرناها { عَاصِفَةً } أي: سريعة في مرورها، { تَجْرِي بِأَمْرِهِ } حيث دبرت امتثلت أمره، غدوها شهر ورواحها شهر { إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } وهي أرض الشام، حيث كان مقره، فيذهب على الريح شرقا وغربا، ويكون مأواها ورجوعها إلى الأرض المباركة، { وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ } قد أحاط علمنا بجميع الأشياء، وعلمنا من داود وسليمان، ما أوصلناهما به إلى ما ذكرنا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولسليمان الريح عاصفة ) أي وسخرنا لسليمان الريح وهي هواء متحرك وهو جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه ويظهر للحس بحركته والريح يذكر ويؤنث عاصفة شديدة الهبوب فإن قيل قد قال في موضع آخر تجري بأمره رخاء والرخاء اللين؟

قيل كانت الريح تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت وإن أراد أن تلين لانت ( تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ) يعني الشام ، وذلك أنها كانت تجري لسليمان وأصحابه حيث شاء سليمان ، ثم تعود إلى منزله بالشام ، ( وكنا بكل شيء ) علمناه ، ( عالمين ) بصحة التدبير فيه علمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه عز وجل قال وهب بن منبه : كان سليمان عليه السلام إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره وكان امرءا غزاء قل ما يقعد عن الغزو ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله كان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بمعسكره فضرب بخشب ثم نصب له على الخشب ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصفة من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمر به شهرا في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء وبالمزرعة فما تحركها ولا تثير ترابا ولا تؤذي طائرا .

قال وهب : ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه [ كتبه ] بعض صحابة سليمان إما من الجن وإما من الإنس نحن نزلناه وما بنيناه مبنيا وجدناه غدونا من إصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام .

قال مقاتل : نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة يقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين وتظله الطير بأجنحتها لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح وعن سعيد بن جبير قال : كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي فيجلس الإنس فيما يليه ثم يليهم الجن ثم تظلهم الطير ثم تحملهم الريح .

وقال الحسن : لما شغلت الخيل نبي الله سليمان عليه السلام حتى فاتته صلاة العصر غضب لله عز وجل فعقر الخيل فأبدله الله مكانها خيرا منها وأسرع الريح تجري بأمره كيف شاء فكان يغدو من إيلياء فيقيل بإصطخر ، ثم يروح منها فيكون رواحها ببابل .

وقال ابن زيد : كان له مركب من خشب وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه الجن والإنس تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب وإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فسارت به وبهم يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر ويمسي عند قوم بينه وبينهم شهر لا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش .

[ وروي أن سليمان سار من أرض العراق غاديا فقال بمدينة مرو ، وصلى العصر بمدينة بلخ ، تحمله وجنوده الريح وتظلهم الطير ثم سار من مدينة بلخ متخللا بلاد الترك ثم جاءهم إلى بلاد الصين يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثل ذلك ثم عطف يمنة عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى على أرض القندهار ، وخرج منها إلى أرض مكران وكرمان ، ثم جاوزها حتى أتى أرض فارس فنزلها أياما وغدا منها فقال بكسكر ثم راح إلى الشام وكان مستقره بمدينة تدمر ، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق ، فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأصفر وفي ذلك يقول النابغة : إلا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند وجيش الجن أني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» سخرنا «لسليمان الريح عاصفة» وفي آية أخرى: رخاء، أي شديدة الهبوب وخفيفته حسب إرادته «تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها» وهي الشام «وكنا بكل شيء عالمين» من ذلك علم الله تعالى بأن ما يعطيه سليمان يدعوه إلى الخضوع لربه ففعله تعالى على مقتضى علمه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وسخَّرنا لسليمان الريح شديدة الهبوب تحمله ومَن معه، تجري بأمره إلى أرض "بيت المقدس" بـ "الشام" التي باركنا فيها بالخيرات الكثيرة، وقد أحاط علمنا بجميع الأشياء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من نعمه على سليمان بن داود فقال : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا ) .وقوله : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح ) معطوف على معمول " سخرنا " فى قوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ ) و " عاصفة " حال من الريح .أى : وسخرنا لسليمان الريح حال كونها عاصفة أى : شديدة الهبوب ، كما سخرنا مع أبيه الجبال يسبحن والطير .يقال : عصفت الريح تعصف إذا اشتدت ، فهى عاصف وعاصفة وعصوف سميت بذلك لتحطيمها ما تمر عليه فتجعله كالعصف وهو التبن .وقوله - تعالى - : ( تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا ) أى : جعلناها مع قوتها وشدتها تجرى بأمر سليمان وإذنه إلى الأرض التى باركنا فيها وهى أرض الشام .

وقيل : يحتمل أن يكون المراد بها ما هو أعم من أرض الشام .ووصفت الريح هنا بأنها عاصفة ، وفى آية أخرى بأنها رخاء قال - تعالى - : ( تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ) لأنها تارة تكون عاصفة ، وتارة تكون لينة رخاء .

على حسب ما تقتضيه حكمته - سبحانه - .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " فإن قلت : وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى ، فما التوفيق بينهما؟قلت : كانت فى نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به فى مدة يسيرة ، على ما قال : " غدوها شهر ورواحها شهر " فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء فى نفسها وعاصفة فى عملها ، مع طاعتها لسليمان على حسب ما يريد " .وقال - سبحانه - هنا : ( تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا ) أى تجرى بأمره إلى تلك الأرض فى حال إيابه ورجوعه إليها ، حيث مقر مملكته ومسكنه .

فالمقصود من الآية الكريمة الإخبار عن جريانها فى حال عودته إلى مملكته .أما الآية الأخرى التى تقول : ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ) أى : حيث أراد لها أن تجرى ، فالمقصود منها الإخبار عن جربها بإذنه فى غير حال عودته إلى مملكته ، وبذلك أمكن الجمع بين الآيتين ، إذ الجهة فيهما منفكة .وقوله - تعالى - : ( وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ) أى : وكنا بكل شىء يجرى فى هذا الكون عالمين علما مطلقا لا كعلم غيرنا من خلقنا .فإنه علم محدود بما نشاؤه ونقدره .فالجملة الكريمة بيان لإحاطة علم الله - تعالى - بكل شىء ، والتنبيه بأن ما أعطاه الله - تعالى - لسليمان ، إنما كان بإرادته - سبحانه - وعلمه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

(القصة الخامسة، قصة داود وسليمان عليهما السلام) اعلم أن قوله تعالى: وداود وسليمان وأيوب وزكريا وذا النون، كله نسق على ما تقدم من قوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ مِن قَبْلُ  ﴾ ومن قوله: ﴿ وَلُوطاً اتيناه حُكْماً وَعِلْماً  ﴾ واعلم أن المقصود ذكر نعم الله تعالى على داود وسليمان فذكر أولاً النعمة المشتركة بينهما، ثم ذكر ما يختص به كل واحد منهما من النعم.

أما النعمة المشتركة فهي القصة المذكورة وهي قصة الحكومة، ووجه النعمة فيها أن الله تعالى زينهما بالعلم والفهم في قوله: ﴿ وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ ثم في هذا تنبيه على أن العلم أفضل الكمالات وأعظمها، وذلك لأن الله تعالى قدم ذكره هاهنا على سائر النعم الجليلة مثل تسخير الجبال والطير والريح والجن.

وإذا كان العلم مقدماً على أمثال هذه الأشياء فما ظنك بغيرها وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن السكيت النفش أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع، وهذا قول جمهور المفسرين، وعن الحسن أنه يجوز ذلك ليلاً ونهاراً.

المسألة الثانية: أكثر المفسرين على أن الحرث هو الزرع، وقال بعضهم: هو الكرم والأول أشبه بالعرف.

المسألة الثالثة: احتج من قال: أقل الجمع إثنان بقوله تعالى: ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين ﴾ مع أن المراد داود وسليمان.

جوابه: أن الحكم كما يضاف إلى الحاكم فقد يضاف إلى المحكوم له، فإذا أضيف الحكم إلى المتحاكمين كان المجموع أكثر من الإثنين، وقرئ وكنا لحكمهما شاهدين.

المسألة الرابعة: في كيفية القصة وجهان.

الأول: قال أكثر المفسرين: دخل رجلان على داود عليه السلام، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا دخلت حرثي وما أبقت منه شيئاً، فقال داود عليه السلام: «اذهب فإن الغنم لك.

فخرجا فمرا على سليمان، فقال: كيف قضى بينكما؟

فأخبراه: فقال: لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا.

فأخبر بذلك داود عليه السلام فدعاه وقال: كيف كنت تقضي بينهما، فقال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فيكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا كان الحرث من العام المستقبل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم إلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه».

الثاني: قال ابن مسعود وشريح ومقاتل رحمهم الله: أن راعياً نزل ذات ليلة بجنب كرم، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان وأفسدت الكرم، فذهب صاحب الكرم من الغد إلى داود عليه السلام فقضى له بالغنم لأنه لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الغنم تفاوت، فخرجوا ومروا بسليمان فقال لهم: كيف قضى بينكما؟

فأخبراه به، فقال غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر داود عليه السلام بذلك فدعا سليمان وقال له: بحق الأبوة والنبوة إلا أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، فقال: تسلم الغنم إلى صاحب الكرم حتى يرتفق بمنافعها ويعمل الراعي في إصلاح الكرم حتى يصير كما كان، ثم ترد الغنم إلى صاحبها، فقال داود عليه السلام: «إنما القضاء ما قضيت وحكم بذلك».

قال ابن عباس رضي الله عنهما: حكم سليمان بذلك وهو ابن إحدى عشرة سنة، وهاهنا أمور ولا بد من البحث عنها.

السؤال الأول: هل في الآية دلالة على أنهما عليهما السلام اختلفا في الحكم أم لا؟

فإن أبا بكر الأصم قال: إنهما لم يختلفا ألبتة، وأنه تعالى بين لهما الحكم لكنه بينه على لسان سليمان عليه السلام.

الجواب: الصواب أنهما اختلفا والدليل إجماع الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على ما رويناه، وأيضاً فقد قال الله تعالى: ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين ﴾ ثم قال: ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ والفاء للتعقيب فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقاً على هذا التفهيم، وذلك الحكم السابق إما أن يقال: اتفقا فيه أو اختلفا فيه، فإن اتفقا فيه لم يبق لقوله: ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ فائدة وإن اختلفا فيه فذلك هو المطلوب.

السؤال الثاني: سلمنا أنهما اختلفا في الحكم ولكن هل كان الحكمان صادرين عن النص أو عن الاجتهاد.

الجواب: الأمران جائزان عندنا وزعم الجبائي أنهما كانا صادرين عن النص، ثم إنه تارة يبني ذلك على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء، وأخرى على أن الاجتهاد وإن كان جائزاً منهم في الجملة، ولكنه غير جائز في هذه المسألة.

أما المأخذ الأول: فقد تكلمنا فيه في الجملة في كتابنا المسمى بالمحصول في الأصول ولنذكر هاهنا أصول الكلام من الطرفين احتج الجبائي على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء عليهم السلام بأمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى  ﴾ .

وثانيها: أن الاجتهاد طريقه الظن وهو قادر على إدراكه يقيناً فلا يجوز مصيره إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز له أن يجتهد.

ثالثها: أن مخالفة الرسول توجب الكفر لقوله تعالى: ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  ﴾ ومخالفة المظنون والمجتهدات لا توجب الكفر.

ورابعها: لو جاز أن يجتهد في الأحكام لكان لا يقف في شيء منها، ولما وقف في مسألة الظهار واللعان إلى ورود الوحي دل على أن الاجتهاد غير جائز عليه.

وخامسها: أن الاجتهاد إنما يجوز المصير إليه عند فقد النص، لكن فقدان النص في حق الرسول كالممتنع فوجب أن لا يجوز الاجتهاد منه.

وسادسها: لو جاز الاجتهاد من الرسول لجاز أيضاً من جبريل عليه السلام وحينئذ لا يحصل الأمان بأن هذه الشرائع التي جاء بها أهي من نصوص الله تعالى أو من اجتهاد جبريل؟

والجواب عن الأول: أن قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ  ﴾ لا يدل على قولكم لأنه وارد في إبدال آية بآية لأنه عقيب قوله: ﴿ قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدّلْهُ  ﴾ ولا مدخل للاجتهاد في ذلك.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى  ﴾ فبعيد لأن من يجوز له الاجتهاد يقول إن الذي اجتهد فيه هو عن وحي على الجملة وإن لم يكن كذلك على التفصيل، وإن الآية واردة في الأداء عن الله تعالى لا في حكمه الذي يكون بالعقل.

والجواب عن الثاني: أن الله تعالى إذا قال له إذا غلب على ظنك كون الحكم معللاً في الأصل بكذا، ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بذلك فهاهنا الحكم مقطوع به والظن غير واقع فيه بل في طريقه.

والجواب عن الثالث: أنا لا نسلم أن مخالفة المجتهدات جائزة مطلقاً بل جواز مخالفتها مشروط بصدورها عن غير المعصوم والدليل عليه أنه يجوز على الأمة أن يجمعوا اجتهاداً ثم يمتنع مخالفتهم وحال الرسول أوكد.

والجواب عن الرابع: لعله عليه السلام كان ممنوعاً من الاجتهاد في بعض الأنواع أو كان مأذوناً مطلقاً لكنه لم يظهر له في تلك الصورة وجه الاجتهاد، فلا جرم أنه توقف.

والجواب عن الخامس: لم لا يجوز أن يحبس النص عنه في بعض الصور فحينئذ يحصل شرط جواز الاجتهاد.

والجواب عن السادس: أن هذا الاحتمال مدفوع باجماع الأمة على خلافه فهذا هو الجواب عن شبه المنكرين والذي يدل على جواز الاجتهاد عليهم وجوه: أحدها: أنه عليه السلام إذا غلب على ظنه أن الحكم في الأصل معلل بمعنى ثم علم أو ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فلابد وأن يغلب على ظنه أن حكم الله تعالى في هذه الصورة مثل ما في الأصل، وعنده مقدمة يقينية وهي أن مخالفة حكم الله تعالى سبب لاستحقاق العقاب فيتولد من هاتين المقدمتين ظن استحقاق العقاب لمخالفة هذا الحكم المظنون.

وعند هذا، إما أن يقدم على الفعل والترك معاً وهو محال لاستحالة الجمع بين النقيضين.

أو يتركهما وهو محال لاستحالة الخلو عن النقيضين، أو يرجح المرجوح على الراجح وهو باطل ببديهة العقل، أو يرجح الراجح على المرجوح وذلك هو العمل بالقياس.

وهذه النكتة هي التي عليها التعويل في العمل بالقياس وهي قائمة أيضاً في حق الأنبياء عليهم السلام.

وهذا يتوجه على جواز الاجتهاد من جبريل عليه السلام.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ فاعتبروا ﴾ أمر للكل بالإعتبار فوجب اندراج الرسول عليه السلام فيه لأنه إمام المعتبرين وأفضلهم.

وثالثها: أن الإستنباط أرفع درجات العلماء فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل وإلا لكان كل واحد من آحاد المجتهدين أفضل منه في هذا الباب.

فإن قيل هذا إنما يلزم لو لم تكن درجة أعلى من الإعتبار، وليس الأمر كذلك، لأنه كان يستدرك الأحكام وحياً على سبيل اليقين، فكان أرفع درجة من الاجتهاد الذي ليس قصاراه إلا الظن.

قلنا: لا يمتنع أن لا يجد النص في بعض المواضع، فلو لم يتمكن من الاجتهاد لكان أقل درجة من المجتهد الذي يمكنه أن يعرف ذلك الحكم من الإجتهاد، وأيضاً قد بينا أن الله تعالى لما أمره بالإجتهاد كان ذلك مفيداً للقطع بالحكم.

ورابعها: قال عليه السلام: «العلماء ورثة الأنبياء» فوجب أن يثبت للأنبياء درجة الإجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك.

هذا تمام القول في هذه المسألة.

وخامسها: أنه تعالى قال: ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ فذاك الإذن إن كان بإذن الله تعالى استحال أن يقول: لم أذنت لهم، وإن كان بهوى النفس فهو غير جائز، وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب.

المأخذ الثاني: قال الجبائي: لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء عليهم السلام ففي هذه المسألة يجب أن لا يجوز لوجوه؛ أحدها: أن الذي وصل إلى صاحب الزرع من در الماشية ومن منافعها مجهول المقدار، فكيف يجوز في الاجتهاد جعل أحدهما عوضاً عن الآخر.

وثانيها: أن اجتهاد داود عليه السلام إن كان صواباً لزم أن لا ينقض لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.

وإن كان خطأ وجب أن يبين الله تعالى توبته كسائر ما حكاه عن الأنبياء عليهم السلام، فلما مدحهما بقوله: ﴿ وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ دل على أنه لم يقع الخطأ من داود.

وثالثها: لو حكم بالاجتهاد لكان الحاصل هناك ظناً لا علماً لأن الله تعالى قال: ﴿ وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ .

ورابعها: كيف يجوز أن يكون عن اجتهاد من مع قوله: ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ .

والجواب عن الأول: أن الجهالة في القدر لا تمنع من الاجتهاد كالجعالات وحكم المصراة.

وعن الثاني: لعله كان خطأ من باب الصغائر.

وعن الثالث: بينا أن من تمسك بالقياس فالظن واقع في طريق إثبات الحكم فأما الحكم فمقطوع به.

وعن الرابع: أنه إذا تأمل واجتهد فأداه اجتهاده إلى ما ذكرنا كان الله تعالى فهمه من حيث بين له طريق ذلك.

فهذه جملة الكلام في بيان أنه لا يمتنع أن يكون اختلاف داود وسليمان عليهما السلام في ذلك الحكم إنما كان بسبب الاجتهاد.

وأما بيان أنه لا يمتنع أيضاً أن يكون اختلافهما فيه بسبب النص فطريقه أن يقال: إن داود عليه السلام كان مأموراً من قبل الله تعالى في هذه المسألة بالحكم الذي حكم به، ثم إنه سبحانه نسخ ذلك بالوحي إلى سليمان عليه السلام خاصة وأمره أن يعرف داود ذلك فصار ذلك الحكم حكمهما جميعاً فقوله: ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ أي أوحينا إليه فإن قيل هذا باطل لوجهين: الأول: لما أنزل الله تعالى الحكم الأول على داود وجب أن ينزل نسخه أيضاً على داود لا على سليمان.

الثاني: أن الله تعالى مدح كلا منهما على الفهم ولو كان ذلك على سبيل النص لم يكن في فهمه كثير مدح إنما المدح الكثير على قوة الخاطر والحذاقة في الاستنباط.

المسألة الثالثة: إذا أثبتم أنه يجوز أن يكون اختلافهما لأجل النص وأن يكون لأجل الاجتهاد فأي القولين أولى.

والجواب: الاجتهاد أرجح لوجوه: أحدها: أنه روى في الأخبار الكثيرة أن داود عليه السلام لم يكن قد بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أن غير ذلك أولى، وفي بعضها أن داود عليه السلام ناشده لكي يورد ما عنده وكل ذلك لا يليق بالنص، لأنه لو كان نصاً لكان يظهره ولا يكتمه.

السؤال الرابع: بينوا أنه كيف كان طريق الاجتهاد.

الجواب: أن وجه الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن داود عليه السلام قوم قدر الضرر بالكرم فكان مساوياً لقيمة الغنم فكان عنده أن الواجب في ذلك الضرر أن يزال بمثله من النفع فلا جرم سلم الغنم إلى المجنى عليه كما قال أبو حنيفة رحمه الله في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وأما سليمان عليه السلام فإن اجتهاده أدى إلى أن يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد، فأما مقابلة الأصول بالزوائد فغير جائز لأنه يقتضي الحيف والجور، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازية لمنافع الكرم فحكم به، كما قال الشافعي رضي الله عنه: فيمن غصب عبداً فأبق من يده أنه يضمن القيمة لينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادا.

السؤال الخامس: على تقدير أن ثبت قطعاً أن تلك المخالفة كانت مبنية على الاجتهاد، فهل تدل هذه القصة على أن المصيب واحد أو الكل مصيبون.

الجواب: أما القائلون بأن المصيب واحد ففيهم من استدل بقوله تعالى: ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ قال ولو كان الكل مصيباً لم يكن لتخصيص سليمان عليه السلام بهذا التفهيم فائدة، وأما القائلون بأن الكل مصيبون ففيهم من استدل بقوله: ﴿ وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ ولو كان المصيب واحداً ومخالفه مخطئاً لما صح أن يقال: ﴿ وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ واعلم أن الإستدلالين ضعيفان.

أما الأول: فلأن الله تعالى لم يقل إنه فهمه الصواب فيحتمل أنه فهمه الناسخ ولم يفهم ذلك داود عليه السلام لأنه لم يبلغه وكل واحد منهما مصيب فيما حكم به، على أن أكثر ما في الآية أنها دالة على أن داود وسليمان عليهما السلام ما كانامصيبين وذلك لا يوجب أن يكون الأمر كذلك في شرعنا.

وأما الثاني: فلأنه تعالى لم يقل إن كلا آتيناه حكماً وعلماً بما حكم به، بل يجوز أن يكون آتيناه حكماً وعلماً بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام، على أنه لا يلزم من كون كل مجتهد مصيباً في شرعهم أن يكون الأمر كذلك في شرعنا.

السؤال السادس: لو وقعت هذه الواقعة في شرعنا ما حكمها؟

الجواب: قال الحسن البصري: هذه الآية محكمة، والقضاة بذلك يقضون إلى يوم القيامة، واعلم أن كثيراً من العلماء يزعمون أنه منسوخ بالإجماع ثم اختلفوا في حكمه فقال الشافعي رحمه الله: إن كان ذلك بالنهار لا ضمان لأن لصاحب الماشية تسييب ماشيته بالنهار، وحفظ الزرع بالنهار على صاحبه.

وإن كان ليلاً يلزمه الضمان لأن حفظها بالليل عليه.

وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا ضمان عليه ليلاً كان أو نهاراً إذا لم يكن متعدياً بالإرسال، لقوله صلى الله عليه وسلم: «جرح العجماء جبار».

واحتج الشافعي رحمه الله بما روي عن البراء بن عازب أنه قال: كانت ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدته فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل وهذا تمام القول في هذه الآية.

ثم إن الله تعالى ذكر بعد ذلك من النعم التي خص بها داود عليه أمرين: الأول: قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبّحْنَ والطير وَكُنَّا فاعلين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذا التسبيح وجهان: أحدهما: أن الجبال كانت تسبح ثم ذكروا وجوهاً: أحدها: قال مقاتل إذا ذكر داود عليه السلام ربه ذكرت الجبال والطير ربها معه.

وثانيها: قال الكلبي: إذا سبح داود أجابته الجبال.

وثالثها: قال سليمان بن حيان: كان داود عليه السلام إذا وجد فترة أمر الله تعالى الجبال فسبحت فيزداد نشاطاً واشتياقاً.

القول الثاني: وهو اختيار بعض أصحاب المعاني أنه يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله: ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ  ﴾ وتخصيص داود عليه السلام بذلك إنما كان بسبب أنه عليه السلام كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقيناً وتعظيماً، والقول الأول أقرب لأنه لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره.

وأما المعتزلة فقالوا: لو حصل الكلام من الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله تعالى فيه.

والأول: محال لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة، وما لا يكون حياً عالماً قادراً يستحيل منه الفعل.

والثاني: أيضاً محال لأن المتكلم عندهم من كان فاعلاً للكلام لا من كان محلاً للكلام، فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله تعالى لا الجبل، فثبت أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره فعند هذا قالوا في: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبّحْنَ ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿ ياجبال أَوّبِي مَعَهُ  ﴾ معناه تصرفي معه وسيري بأمره ويسبحن من السبح الذي السباحة خرج اللفظ فيه على التكثير ولو لم يقصد التكثير لقيل يسبحن فلما كثر قيل يسبحن معه، أي سيرى وهو كقوله: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً  ﴾ أي تصرفاً ومذهباً.

إذا ثبت هذا فنقول: إن سيرها هو التسبيح لدلالته على قدرة الله تعالى وعلى سائر ما تنزه عنه واعلم أن مدار هذا القول على أن بنية الجبل لا تقبل الحياة، وهذا ممنوع وعلى أن التكلم من فعل الله وهو أيضاً ممنوع.

المسألة الثانية: أما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام، ولكن أجمعت الأمة على أن المكلفين إما الجن أو الإنس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف، بل تكون على حالة كحال الطفل في أن يؤمر وينهي وإن لم يكن مكلفاً فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق، وأيضاً فيه دلالة على قدرة الله تعالى وعلى تنزهه عما لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: يسبحن حال بمعنى مسبحات أو استئناف كأن قائلاً قال: كيف سخرهن؟

فقال: يسبحن.

والطير إما معطوف على الجبال وإما مفعول معه.

فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟

قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان ناطق.

أما قوله: ﴿ وَكُنَّا فاعلين ﴾ فالمعنى أنا قادرون على أن نفعل هذا وإن كان عجباً عندكم وقيل نفعل ذلك بالأنبياء عليهم السلام.

الإنعام الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اللبوس اللباس، قال ألبس لكل حالة لبوسها.

المسألة الثانية: لتحصنكم قرئ بالنون والياء والتاء وتخفيف الصاد وتشديدها، فالنون لله عز وجل والتاء للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع والياء لله تعالى أو لداود أو للبوس.

المسألة الثالثة: قال قتادة: أول من صنع الدرع داود عليه السلام، وإنما كانت صفائح قبله فهو أول من سردها واتخذها حلقاً، ذكر الحسن أن لقمان الحكيم عليه السلام حضره وهو يعمل الدرع، فأراد أن يسأل عما يفعل ثم سكت حتى فرغ منها ولبسها على نفسه، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله قالوا إن الله تعالى ألان الحديد له يعمل منه بغير نار كأنه طين.

المسألة الرابعة: البأس هاهنا الحرب وإن وقع على السوء كله، والمعنى ليمنعكم ويحرسكم من بأسكم أي من الجرح والقتل والسيف والسهم والرمح.

المسألة الخامسة: فيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود ثم تعلم الناس منه، فتوارث الناس عنه ذلك.

فعمت النعمة بها كل المحاربين من الخلق إلى آخر الدهر، فلزمهم شكر الله تعالى على النعمة فقال: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون ﴾ أي اشكروا الله على ما يسر عليكم من هذه الصنعة، واعلم أنه سبحانه لما ذكر النعم التي خص داود بها ذكر بعده النعم التي خص بها سليمان عليه السلام، وقال قتادة: ورث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته وزاده عليه أمرين سخر له الريح والشياطين.

الإنعام الأول: قوله تعالى: ﴿ ولسليمان الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ ﴾ أي جعلناها طائعة منقادة له بمعنى أنه إن أرادها عاصفة كانت عاصفة وإن أرادها لينة كانت لينة والله تعالى مسخرها في الحالتين، فإن قيل: العاصف الشديدة الهبوب، وقد وصفها الله تعالى بالرخاوة في قوله: ﴿ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ ﴾ فكيف يكون الجمع بينهما.

والجواب: من وجهين: الأول: أنها كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ وكانت جامعة بين الأمرين رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان عليه السلام وهبوبها على حسب ما يريد ويحكم آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة.

الثاني: أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفاً، لأجل هبوبها على حكم إرادته.

المسألة السادسة: قرئ الريح والرياح بالرفع والنصب فيهما فالرفع على الابتداء والنصب للعطف على الجبال، فإن قيل: قال في دواد: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال ﴾ وقال في حق سليمان: ﴿ ولسليمان الريح ﴾ فذكره في حق داود عليه السلام بكلمة مع وفي حق سليمان عليه السلام باللام وراعى هذا الترتيب أيضاً في قوله: ﴿ ياجبال أَوّبِي مَعَهُ والطير ﴾ وقال: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ ﴾ فما الفائدة في تخصيص داود عليه السلام بلفظ مع، وسليمان باللام قلنا يحتمل أن الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف، فما أضيف إليه بلام التمليك، أما الريح فلم يصدر عنه إلا ما يجري مجرى الخدمة، فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك، وهذا إقناعي.

أما قوله: ﴿ إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا وكنا بكل شيءٍ عالمين ﴾ أي إلى المضي إلى بيت المقدس، قال الكلبي: كانت تسير في اصطخر إلى الشام يركب عليها سليمان وأصحابه.

أما قوله: ﴿ وَكُنَّا بِكُلّ شَيء عالمين ﴾ أي لعلمنا بالأشياء صح منا أن ندبر هذا التدبير في رسلنا وفي خلقنا، وأن نفعل هذه المعجزات القاهرة.

الإنعام الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الشياطين مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك وَكُنَّا لَهُمْ حافظين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد أنهم يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدن والقصور واختراع الصنائع العجيبة كما قال: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب وتماثيل وَجِفَانٍ ﴾ وأما الصناعات فكاتخاذ الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَمِنَ الشياطين مَن يَغُوصُونَ لَهُ ﴾ يعني وسخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له، فيكون في موضع النصب نسقاً على الريح قال الزجاج ويجوز أن يكون في موضع رفع من وجهين: أحدهما: النسق على الريح، وأن يكون المعنى: ولسليمان الريح وله من يغوصون له من الشياطين، ويجوز أن يكون رفعاً على الابتداء ويكون له هو الخبر.

المسألة الثالثة: يحتمل أن يكون من يغوص منهم هو الذي يعمل سائر الأعمال، ويحتمل أنهم فرقة أخرى ويكون الكل داخلين في لفظة من وإن كان الأول هو الأقرب.

المسألة الرابعة: ليس في الظاهر إلا أنه سخرهم، لكنه قد روى أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين وهو الأقرب من وجهين: أحدهما: إطلاق لفظ الشياطين.

والثاني: قوله: ﴿ وكنا لهم حافظين ﴾ فإن المؤمن إذا سخر في أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد، وإنما يجب ذلك في الكافر.

المسألة الخامسة: في تفسير قوله: ﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حافظين ﴾ وجوه: أحدها: أنه تعالى وكل بهم جمعاً من الملائكة أو جمعاً من مؤمني الجن.

وثانيها: سخرهم الله تعالى بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم من مخالفته.

وثالثها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد وسلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء، فإن قيل وعن أي شيء كانوا محفوظين قلنا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تعالى كان يحفظهم عليه لئلا يذهبوا ويتركوه.

وثانيها؛ قال الكلبي كان يحفظهم من أن يهيجوا أحداً في زمانه.

وثالثها: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا فكان دأبهم أنهم يعملون بالنهار ثم يفسدونه في الليل.

المسألة السادسة: سأل الجبائي نفسه، وقال: كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل، وإنما يمكنهم الوسوسة؟

وأجاب بأنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزاً لسليمان عليه السلام، فلما مات سليمان ردهم الله إلى الخلقة الأولى لأنه لو بقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس، ولو ادعى متنبى النبوة وجعله دلالة لكان كمعجزات الرسل فلذا ردهم إلى خلقتهم الأولى، واعلم أن هذا الكلام ساقط من وجوه: أحدها: لم قلت إن الجن من الأجسام، ولم لا يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ويكون الجن منهم؟

فإن قلت: لو كان الأمر كذلك لكان مثلاً للباري تعالى، قلت: هذا ضعيف لأن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فكيف اللوازم السلبية، سلمنا أنه جسم، لكن لا يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف، وكلامه بناء على البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف.

سلمنا أنه لابد من تكثيف أجسامهم لكن لم قلت بأنه لابد من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان عليه السلام، فإن قال: لئلا يفضي إلى التلبيس قلنا التلبيس غير لازم، لأن المتنبي إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعي أن يقول: لم لا يجوز أن يقال إن قوة أجسادهم كانت معجزة لنبي آخر قبلك، ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبي من الاستدلال به، واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة، أما الكثيف فأكثف الأجسام الحجارة والحديد وقد جعلهما الله تعالى معجزة لداود عليه السلام، فأنطق الحجر ولين الحديد وكل واحد منهما كما يدل على التوحيد والنبوة يدل على صحة الحشر، لأنه لما قدر على إحياء الحجارة فأي بعد في إحياء العظام الرميمة، وإذا قدر على أن يجعل في إصبع داود عليه السلام قوة النار مع كون الإصبع في نهاية اللطافة، فأي بعد في أن يجعل التراب اليابس جسماً حيوانياً، وألطف الأشياء في هذا العالم الهواء والنار، وقد جعلهما الله معجزة لسليمان عليه السلام، أما الهواء فقوله تعالى: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح ﴾ وأما النار فلأن الشياطين مخلوقون منها وقد سخرهم الله تعالى فكان يأمرهم بالغوص في المياه والنار تنطفيء بالماء وهم ما كان يضرهم ذلك، وذلك يدل على قدرته على إظهار الضد من الضد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ الريح ﴾ و ﴿ الرياح ﴾ بالرفع والنصب فيهما؛ فالرفع على الابتداء، والنصب على العطف على الجبال.

فإن قلت: وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى، فما التوفيق بينهما؟

قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ [سبأ: 12] فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها، مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم: آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة.

وقيل كانت في وقت رخاء، وفي وقت عاصفاً؛ لهبوبها على حكم إرادته [(وكنا بكل شيء عالمين)]، وقد أحاط علمنا بكل شيء فنجري الأشياء كلها على ما يقتضيه علمنا وحكمتنا.

أي: يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر، ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدائن والقصور واختراع الصنائع العجيبة، كما قال: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب وتماثيل ﴾ [سبأ: 13] والله حافظهم أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منهم فساد في الجملة فيما هم مسخرون فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِسُلَيْمانَ ﴾ وسَخَّرْنا لَهُ ولَعَلَّ اللّامَ فِيهِ دُونَ الأوَّلِ لِأنَّ الخارِقَ فِيهِ عائِدٌ إلى سُلَيْمانَ نافِعٌ لَهُ، وفي الأوَّلِ أمْرٌ يَظْهَرُ في الجِبالِ والطَّيْرِ مَعَ داوُدَ وبِالإضافَةِ إلَيْهِ.

﴿ الرِّيحَ عاصِفَةً ﴾ شَدِيدَةَ الهُبُوبِ مِن حَيْثُ إنَّها تَبْعُدُ بِكُرْسِيِّهِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ ﴾ وكانَتْ رُخاءً في نَفْسِها طَيِّبَةً.

وقِيلَ كانَتْ رُخاءً تارَةً وعاصِفَةً أُخْرى حَسَبَ إرادَتِهِ.

﴿ تَجْرِي بِأمْرِهِ ﴾ بِمَشِيئَتِهِ حالٌ ثانِيَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأُولى أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها.

﴿ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ إلى الشّامِ رَواحًا بَعْدَ ما سارَتْ بِهِ مِنهُ بُكَرَةً.

﴿ وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ﴾ فَنُجْرِيهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.

﴿ وَمِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ﴾ في البِحارِ ويُخْرِجُونَ نَفائِسَها، و ( مِنَ ) عُطِفَ عَلى ( الرِّيحَ ) أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما قَبْلَهُ وهي نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ.

﴿ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ ﴾ ويَتَجاوَزُونَ ذَلِكَ إلى أعْمالٍ أُخَرَ كَبِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ واخْتِراعِ الصَّنائِعِ الغَرِيبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ ﴾ .

﴿ وَكُنّا لَهم حافِظِينَ ﴾ أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ أوْ يُفْسِدُوا عَلى ما هو مُقْتَضى جِبِلَّتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولسليمان الريح} أي وسخرنا له الريح {عَاصِفَةً} حال أي شديدة الهبوب ووصفت في موضع آخر بالرخاء لأنها تجري باحتياره فكانت في وقت رخاء وفي وقت عاصة لهبوبها على حكم إرادته {تَجْرِى بِأَمْرِهِ} بأمر سليمان {إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا} بكثرة الأنهار والأشجار والثمار والمراد الشام وكان منزله بها وتحمله الريح من نواحي الأرض إليها {وَكُنَّا بِكُلّ شَىْء عالمين} وقد أحاط علمنا بكل شيء فتجري الأشياء كلهاعلى ما يقتضيه علمنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وجِيءَ بِاللّامِ هُنا دُونَ الأوَّلِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما بَيْنَ التَّسْخِيرَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ فَإنَّ تَسْخِيرَ ما سُخِّرَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِطَرِيقِ الِانْقِيادِ الكُلِّيِّ لَهُ والِامْتِثالِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ بِخِلافِ تَسْخِيرِ الجِبالِ والطَّيْرِ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ والِاقْتِداءِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ عاصِفَةً ﴾ حالٌ مِنَ الرِّيحِ والعامِلُ فِيها الفِعْلُ المُقَدَّرُ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ حالَ كَوْنِها شَدِيدَةَ الهُبُوبِ، ولا يُنافِي وصْفُها بِذَلِكَ هُنا وصْفَها في مَوْضِعٍ آخَرَ بِأنَّها رَخاءٌ بِمَعْنى طَيِّبَةٍ لَيِّنَةٍ لِأنَّ الرَّخاءَ وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ نَفْسِها والعَصْفُ وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ قَطْعِها المَسافَةَ البَعِيدَةَ في زَمانٍ يَسِيرٍ كالعاصِفَةِ في نَفْسِها فَهي مَعَ كَوْنِها لَيِّنَةً تَفْعَلُ فِعْلَ العاصِفَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُها بِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ، وقِيلَ وصْفُها بِالرَّخاءِ في الذَّهابِ ووَصْفُها بِالعَصْفِ بِالإيابِ عَلى عادَةِ البَشَرِ في الإسْراعِ إلى الوَطَنِ.

فَهي عاصِفَةٌ في وقْتٍ رَخاءٌ في آخَرَ.

وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ.

وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ (الرِّيحُ ) بِالرَّفْعِ مَعَ الإفْرادِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ (الرِّياحَ ) بِالنَّصْبِ والجَمْعِ، وأبُو حَيْوَةَ بِالرَّفْعِ والجَمْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ ظاهِرٌ، وأمّا الرَّفْعُ فَعَلى أنَّ المَرْفُوعَ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ ( وعاصِفَةً ) حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ ﴿ تَجْرِي بِأمْرِهِ ﴾ أيْ بِمَشِيئَتِهِ وعَلى وفْقِ إرادَتِهِ وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَأْمُرَها حَقِيقَةً ويَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَها فَهْمًا لِأمْرِهِ كَما قِيلَ في مَجِيءِ الشَّجَرَةِ لِلنَّبِيِّ  حِينَ دَعاها، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ ثانِيَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأُولى عَلى ما قِيلَ وقَدْ مَرَّ لَكَ غَيْرُ بَعِيدٍ الكَلامُ في إبْدالِ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ فَتَذَكَّرْ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الأُولى ﴿ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ وهي الشّامُ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْكَنُهُ فِيها فالمُرادُ أنَّها تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الشّامِ رَواحًا بَعْدَ ما سارَتْ بِهِ مِنها بَكْرَةً، ولِشُيُوعِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ساكِنًا في تِلْكَ الأرْضِ لَمْ يَذْكُرْ جَرَيانَها بِأمْرِهِ مِنها واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ جَرَيانِها إلَيْها وهو أظْهَرُ في الِامْتِنانِ، وقِيلَ كانَ مَسْكَنُهُ إصْطَخْرَ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْكَبُ الرِّيحَ مِنها فَتَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الشّامِ.

وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ أعَمَّ مِنَ الشّامِ، ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا حَلَّ أرْضًا أمَرَ بِقَتْلِ كُفّارِها وإثْباتِ الإيمانِ فِيها وبَثِّ العَدْلِ ولا بَرَكَةَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، ويَبْعُدُ أنَّ المُتَبادِرَ كَوْنُ تِلْكَ الأرْضِ مُبارَكًا فِيها قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها وما ذُكِرَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مُبارَكًا فِيها مِن بَعْدِهِ وأبْعَدُ جِدًّا مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ بِقَوْلِهِ: إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلى الأرْضِ ﴾ والَّتِي بارَكْنا فِيها صِفَةٌ لِلرِّيحِ وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والأصْلُ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ الَّتِي بارَكْنا فِيها عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ بَلْ لا يَخْفى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ وكَلامُ أدْنى البُلَغاءِ يَجِلُّ عَنْهُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالرِّيحِ هَذا العُنْصُرُ المَعْرُوفُ العامُّ لِجَمِيعِ أصْنافِهِ المَشْهُورَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الصَّبا.

وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ، فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: نَسَجَتْ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّياطِينُ بِساطًا مِن ذَهَبٍ وإبْرِيسَمَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ ووَضَعَتْ لَهُ مِنبَرًا مِن ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهِ وحَوْلَهُ كَراسِيُّ مِن ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَراسِيُّ مِن فِضَّةٍ يَقْعُدُ عَلَيْها العُلَماءُ وحَوْلَهم سائِرُ النّاسِ وحَوْلَ النّاسِ الجِنُّ والشَّياطِينُ والطَّيْرُ تَظُلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ وتَرْفَعُ رِيحَ الصَّبا البِساطَ مَسِيرَةَ شَهْرٍ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ ومِنَ الرَّواحِ إلى الصَّباحِ.

وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى البِساطِ هو المَشْهُورُ ولَعَلَّ ذَلِكَ في بَعْضِ الأوْقاتِ وإلّا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرْكَبٌ مِن خَشَبٍ وكانَ فِيهِ ألْفُ رُكْنٍ في كُلِّ رُكْنِ ألْفُ بَيْتٍ يَرْكَبُ مَعَهُ فِيهِ الجِنُّ والإنْسُ تَحْتَ كُلِّ رُكْنٍ ألْفُ شَيْطانٍ يَرْفَعُونَ ذَلِكَ المَرْكَبَ فَإذا ارْتَفَعَ أتَتِ الرِّيحُ الرَّخاءُ فَسارَتْ بِهِ فَسارُوا مَعَهُ فَلا يَدْرِي القَوْمُ إلّا وقَدْ أظَلَّهم مِنهُ الجُيُوشُ والجُنُودُ، وقِيلَ في وجْهِ الجَمْعِ إنَّ البِساطَ في المَرْكَبِ المَذْكُورِ ولَيْسَ بِذاكَ.

وذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ إكْرامَ اللَّهِ تَعالى لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَسْخِيرِ الرِّيحِ لِما فَعَلَ بِالخَيْلِ حِينَ فاتَتْهُ بِسَبَبِها صَلاةُ العَصْرِ وذَلِكَ أنَّهُ تَرَكَها لِلَّهِ تَعالى فَعَوَّضَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ خَيْرًا مِنها مِن حَيْثُ السُّرْعَةُ مَعَ الرّاحَةِ، ومِنَ العَجَبِ أنَّ أهْلَ لَنْدَنَ قَدْ أتْعَبُوا أنْفُسَهم مُنْذُ زَمانٍ بِعَمَلِ سَفِينَةٍ تَجْرِي مُرْتَفِعَةً في الهَواءِ إلى حَيْثُ شاؤُوا بِواسِطَةِ أبْخِرَةٍ يَحْبِسُونَها فِيها اغْتِرارًا بِما ظَهَرَ مُنْذُ سَنَواتٍ مِن عَمَلِ سَفِينَةٍ تَجْرِي في الماءِ بِواسِطَةِ آلاتٍ تُحَرِّكُها أبْخِرَةٌ فِيها فَلَمْ يَتِمَّ لَهم ذَلِكَ ولا أظُنُّهُ يَتِمَّ حَسْبَ إرادَتِهِمْ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، وأخْبَرَنِي بَعْضُ المُطَّلِعِينَ أنَّهم صَنَعُوا سَفِينَةً تَجْرِي في الهَواءِ لَكِنْ لا إلى حَيْثُ شاؤُوا بَلْ إلى حَيْثُ ألْقَتْ رَحْلَها ﴿ وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ﴾ فَما أعْطَيْناهُ ما أعْطَيْناهُ إلّا لِما نَعْلَمُهُ مِنَ الحِكْمَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ، يعني: دروع الحديد.

وذلك أن داود  خرج يوماً متنكراً ليسأل عن سيرته في مملكته، فاستقبله جبريل  على صورة آدميّ فلم يعرفه داود فقال: كيف ترى سيرة داود في مملكته؟

فقال له جبريل  : نِعْمَ الرجل هو، لولا أن فيه خصلة واحدة.

قال: وما هي؟

قال: بلغني أنه يأكل من بيت المال، وليس شيء أفضل من أن يأكل الرجل من كدّ يده.

فرجع داود  وسأل الله عز وجل أن يجعل رزقه من كدّ يديه، فألان له الحديد، وكان يتخذ منها الدروع ويبيعها ويأكل من ذلك، فذلك قوله: وَعَلَّمْناهُ يعني: ألهمناه، ويقال: عَلَّمْناهُ بالوحي صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ.

لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ، يعني: يمنعكم قتال عدوكم.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص بالتاء لِتُحْصِنَكُمْ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر لنحصنكم بالنون بدليل قوله وعلمناه وقرأ الباقون بالياء بلفظ التذكير يعني: ليحصنكم الله عز وجل، ويقال: يعني: اللبوس.

ومن قرأ بالتاء فهو كناية عن الصنعة، واختار أبو عبيد بالتاء لِتُحْصِنَكُمْ، لأن اللبوس أقرب إليه.

ثم قال: فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ.

اللفظ لفظ الاستفهام، يعني: اشكروا رب هذه النعم ووحّدوه.

قوله عز وجل: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ قرأ أبو عبد الرحمن الأعرج الريح بضم الحاء على معنى الابتداء، وقراءة العامة الرِّيحَ بالنصب، ومعناه: وسخرنا لسليمان الريح عاصِفَةً، يعني: قاصفة شديدة، وقال في موضع آخر تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً [ص: 36] أي: لينة، فإنها كانت تشتد إذا أراد وتلين إذا أراد تَجْرِي بِأَمْرِهِ، يعني: تسير بأمر الله عَزَّ وَجَلَّ، ويقال: بأمر سليمان.

إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها بالماء والشجر وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ، يعني: من أمر سليمان وغيره.

قوله عز وجل: وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ، يعني: سخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر، وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ من البنيان وغيره، وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ من أن يهيجوا أحداً في زمانه، ويقال: يحفظهم أن لا يفسدوا ما عملوا، ويقال: وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ليطيعوا سليمان  ولا يعصوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً ...

الآية.

رُوِيَ أَنَّ إبراهيمَ عليه السلام لما خرج من النار أحضره نمرودُ، وقال له في بعض قوله: يا إبراهيمُ، أين جنودُ ربِّك الذي تَزْعُمُ؟

فقال له عليه السلام: سيريك فِعْلَ أضعفِ جنوده، فبعث اللَّه تعالى على نمرودَ وأصحابه سحابةً من بعوضٍ فأكلتهم عن آخرهم ودوابَّهُم حتى كانتِ العظام تلوح بيضاءَ، ودخلت منها بعوضةٌ في رأس نمرودَ، فكان رأسه يُضْرَبُ بالعيدانِ وغيرِها، ثم هلك منها، وخرج إبراهيمُ وابن أخيه لوط- عليهما السلام- من تلك الأرضِ مهاجرين، وهي «كُوثى» من العراق، ومع إبراهيمَ بنتُ عَمِّهِ، سارَةُ زوجتُه، وفي تلك السفرة لَقِيَ الجبارَ الذي رام أخذها منه، واخْتُلِفَ في الإرض التي بُورِكَ فيها ونحا إليها إبراهيم ولوط- عليهما السلام-، فقالت فرقة: هي مَكَّةُ، وقال الجمهور: هي الشام، فنزل إبراهيم بالسبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتكفة، «والنافلة» : العطيَّةُ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وخبائِثُ قرية لوط هي إتيانُ الذكور، وتَضَارُطُهُمْ في مجالسهم، إلى غير ذلك من قبيح أفعالهم.

وقوله سبحانه في نوح- عليه السلام-: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ ...

الآية، لما كان جُلُّ نُصْرَتِهِ النجاةَ، وكانت غلبة قومه بأَمر أجنبيٍّ منه- حَسُنَ أنْ يقول: «نصرناه من» ، ولا تتمكن هنا «على» .

قال ص: عُدِّي «نصرناه» ب «مِنْ» لتضمنه معنى: نجينا، وعصمنا، ومنعنا.

وقال أبو عبيدة: «مِنْ» بمعنى «على» .

قلت: وهذا أولى، وأَمَّا الأول ففيه نظر لأَنَّ تلك الأَلفاظَ المُقَدِّمَةَ كلها غير مرادفة ل «نصرنا» ، انتهى.

قلت: وكذا يظهر من كلام ابن هشام: ترجيحُ الثاني، وذِكْرُ هؤلاء الأنبياء- عليهم السلام- ضَرْبُ مَثَلٍ لقصة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلّم مع قومه، ونجاةُ الأنبياء، وهلاكُ مكذبيهم ضمنها تَوَعُّدٌ لِكُفَّارِ قريش.

وقوله تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ المعنى: واذكر داود وسليمان، هكذا قَدَّرَهُ جماعة من المفسرين، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ المعنى: وآتينا داود، و «النفش» : هو الرعي ليلاً، ومضى الحكم في الإسلام بتضمين أربابِ النعم ما أفسدت بالليل لأنَّ على أهلها أَنْ يثقفوها، وعلى أهل الزروع حفظها بالنهار، هذا هو مُقْتَضَى الحديث في ناقة ابن عازب، وهو مذهب مالك وجمهور الأُمَّةِ، وفي كتاب ابن سحنون: إن الحديث إنَّما جاء في أمثالِ المدينة التي هي حيطان محدقة، وأمَّا البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة فيضمن أربابُ النَّعَمِ ما أفسدتْ بالليل والنهار.

قال ص: والضمير في قوله: لِحُكْمِهِمْ يعودُ على الحاكمين والمحكوم له وعليه أبو البقاء.

وقيل: الضمير لداودَ وسليمانَ- عليهما السلام- فقط، وجُمِعَ لأَنَّ الاثنين جمع.

انتهى.

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : المواشي على قسمين: ضوار «٢» ، وغير ضوار، وهكذا قَسَّمَهَا مالك، فالضواري: هي المعتادة بأكل الزرع والثمار، فقال مالك: تُغَرَّبُ وتُبَاعُ في بلد لا زرعَ فيه، ورواه ابن القاسم في الكتاب وغيره.

قال ابن حبيب: وإنْ كَرِهَ ذلك أربابُها، وكان قول مالك في الدَّابَّةِ التي ضربت بفساد الزرع أَنْ تُغَرِّبَ وتُبَاعَ، وأَمَّا ما يُسْتَطَاعُ الاحتراز منه فلا يُؤْمَرُ صاحبه بإخراجه عن ملكه، وهذا بَيِّنٌ.

انتهى.

وقوله: يُسَبِّحْنَ، أي: يقلن: سبحان اللَّه هذا قول الأكثر، وذهبت فرقة منهم

منذرُ بن سعيد إلى أنه بمعنى: يُصَلِّينَ معه بصلاته، واللبوس في اللغة: هو السلاح، فمنه الدرع وغيره.

قال ص: ولَبُوسٍ معناه: مَلْبُوسٌ كالرُّكُوب بمعنى المَرْكُوب قال الشاعر [الطويل] .

عَلَيْهَا أَسُودٌ ضَارِيَاتٌ لَبُوسُهُم ...

سَوَابِعُ بِيضٌ لاَ تُخَرِّقُهَا النَّبْلُ

وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ، أي: وسخرنا لسليمانَ الريحَ، هذا على قراءة [النصب] «١» وقرأت «٢» فرقة «الريحُ» بالرفع، ويروى أَنَّ الريح العاصفة كانت تهبُّ على سرير سليمانَ الذي فيه بساطه، وقد مد حول البساط بالخشب والألواح حتى صَنَعَ سريراً يَحْمِلُ جميع عسكره وأقواته، فتقله من الأرض في الهواء، ثم تتولاه الريح الرُّخَاءُ بعد ذلك فتحمله إلى حيث أراد سليمان.

قال ص: والعَصْفُ: الشِّدَّةُ، والرُّخَاءُ: اللين.

انتهى.

وقوله تعالى: إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها اخْتُلِفَ فيها، فقالت فرقة: هي الشام، وكانت مسكنَه وموضعَ ملكه، وقد قال بعضهم: إنَّ العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدَّوابِّ في الإسراع إلى الوطن، وإنَّ الرُّخَاء كانت في البدأة حيث أصاب، أي: حيث يقصد لأَنَّ ذلك وقت تأنٍ/ وتدبير وتقلُّبِ رأي، ويحتمل: أنْ يريد الأَرض التي يسير ١٩ أإليها سليمان كائنةً ما كانت، وذلك أَنَّهُ لم يكن يسير إلى أَرض إلاَّ أصلحها اللَّه تعالى به صلى الله عليه وسلّم، ولا بركةَ أَعظَمُ من هذا، والغوصُ: الدخول في الماء والأرض، والعمل دون ذلك البنيان وغيره من الصنائع والخدمة ونحوها، وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ قيل: معناه: مِنْ إفسادهم ما صنعوه، وقيل: غير هذا.

قلت: وقوله سبحانه: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ هذا الاسم المُبَارَكُ مناسب لحال أَيُّوبَ عليه السلام، وقد روى أسامة بن زيد (رضي اللَّه عنه) أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ لِلَّهِ تعالى مَلَكاً مُوَكَّلاً بِمَنْ يَقُولُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينٍ، فَمَنْ قَالَهَا ثَلاَثاً، قال له الملك: إنّ

أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكَ فَاسْأَلْ» «١» رواه الحاكم في «المَسْتَدْرَكِ» ، وعن أنس بن مالك (رضي اللَّه عنه) قال: «مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم بِرَجُلٍ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، فَقَالَ له رسول الله صلى الله عليه وسلّم: سَلْ فَقَدْ نَظَرَ اللَّهُ إلَيْكَ» «٢» رواه الحاكم، انتهى من «السلاح» .

وفي قصص أيوبَ عليه السلام طُولٌ واختلاف، وتلخيصُ بعض ذلك: أَنَّ أيوبَ عليه السلام أصابه اللَّه تعالى بأكلة في بدنه، فلما عَظُمَتْ، وتقطَّع بدنه، أخرجه الناس من بينهم، ولم يبقَ معه غيرُ زوجته، ويقال: كانت بنتَ يوسفَ الصديق عليه السلام قيل:

اسمها رحمة، وقيل في أيوب: إنَّه من بني إسرائيل وقيل: إنه من «الروم» من قرية «عيصو» ، فكانت زوجته تسعى عليه، وتأْتيه بما يأكل، وتقوم عليه، ودامَ عليه ضُرُّهُ مدَّة طويلة، وروي أَنَّ أيوب (عليه السلام) لم يزل صابراً شاكراً، لا يدعو في كشف ما به، حتى إنَّ الدودة تسقط منه فيردها، فمرَّ به قوم كانوا يعادونه فشمتوا به فحينئذٍ دعا رَبَّهُ سبحانه فاستجاب له، وكانت امرأته غائبةً عنه في بعض شأنها، فأنبع اللَّه تعالى له عيناً، وأُمِرَ بالشرب منها فبرىء باطنه، وأُمِرَ بالاغتسال فبرىء ظاهره، ورُدَّ إلى أفضل جماله، وأوتي بأحسن ثياب، وهبَّ عليه رجل من جراد من ذهب فجعل يحتفن منه في ثوبه، فناداه ربه سبحانه وتعالى: «يا أيوب ألمْ أكنْ أغنيتك عن هذا؟

فقال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك» فبينما هو كذلك إذ جاءت امرأته، فلم تره في الموضع، فجزعت وَظَنَّتْ أَنَّهُ أزيل عنه، فجعلت تتولَّهُ رضي اللَّه عنها، فقال لها: ما شَأْنُكِ أيتها المرأة؟

فهابته لحسن هيئته، وقالت: إنِّي فقدت مريضاً «٣» لي في هذا الموضع، ومعالم المكانِ قد تغيرت، وتأملته في أثناءِ المقاولة «٤» فرأت أيوبَ، فقالت له: أنت أيوبُ؟

فقال لها:

نعم، واعتنقها، وبكى، فَرُوِيَ أنه لم يُفَارِقْهَا حَتَّى أراه اللَّه جميعَ مالِهِ حاضراً بين يديه.

واختلف الناس في أهله وولده الذين آتاه اللَّه، فقيل: كان ذلك كله في الدنيا فَرَدَّ اللَّه عليه ولده بأعيانهم، وجعل مثلهم له عدة في الآخرة، وقيل: بل أُوتي جميع ذلك في الدنيا من أهل ومال.

ت: وقد قَدَّمَ ع «٥» في صدر القصة: إن اللَّه سبحانه أَذِنَ لإبليس (لعنه الله)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ عِنَبًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: كانَ زَرْعًا، قالَهُ قَتادَةُ.

" إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ " قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: رَعَتْ لَيْلًا، يُقالُ: نَفَشَتِ الغَنَمُ بِاللَّيْلِ، وهي إبِلٌ نَفَشٌ ونُفّاشٌ ونِفاشٌ، والواحِدُ نافِشٌ، وسَرَحَتْ وسَرَبَتْ بِالنَّهارِ.

قالَ قَتادَةُ: النَّفْشُ بِاللَّيْلِ، والهَمَلُ بِالنَّهارِ.

وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: النَّفْشُ: أنْ تَنْتَشِرَ الغَنَمُ بِاللَّيْلِ تَرْعى بِلا راعٍ.

الإشارَةُ إلى القِصَّةِ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا عَلى عَهْدِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أحَدُهُما صاحِبُ حَرْثٍ، والآخَرُ صاحِبُ غَنَمٍ، فَتَفَلَّتَتِ الغَنَمُ فَوَقَعَتْ في الحَرْثِ، فَلَمْ تُبْقِ مِنهُ شَيْئًا، فاخْتَصَما إلى داوُدَ، فَقالَ لِصاحِبِ الحَرْثِ: لَكَ رِقابُ الغَنَمِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: أوَغَيْرُ ذَلِكَ ؟

قالَ: ما هو ؟

قالَ: يَنْطَلِقُ أصْحابُ الحَرْثِ بِالغَنَمِ فَيُصِيبُونَ مِن ألْبانِها ومَنافِعِها، ويَقْبَلُ أصْحابُ الغَنَمِ عَلى الكَرْمِ، حَتّى إذا كانَ كَلَيْلَةِ نَفَشَتْ فِيهِ الغَنَمُ، دَفَعَ هَؤُلاءِ إلى هَؤُلاءِ غَنَمَهم، ودَفَعَ هَؤُلاءِ إلى هَؤُلاءِ كَرْمَهم، فَقالَ داوُدُ: قَدْ أصَبْتَ القَضاءَ، ثُمَّ حَكَمَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ﴾ ، وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: داوُدُ وسُلَيْمانُ، فَذَكَرَهُما بِلَفْظِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّهم داوُدُ وسُلَيْمانُ والخُصُومُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " وكُنّا لِحُكْمِهِما " عَلى التَّثْنِيَةِ.

ومَعْنى ﴿ شاهِدِينَ ﴾ : أنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنّا مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ.

﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ﴾ يَعْنِي: القَضِيَّةَ والحُكُومَةَ.

وإنَّما كُنِّيَ عَنْها؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن ذِكْرِ الحُكْمِ، ﴿ وَكُلا ﴾ مِنهُما ﴿ آتَيْنا حُكْمًا ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.

قالَ الحَسَنُ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَرَأيْتَ أنَّ القُضاةَ قَدْ هَلَكُوا، ولَكِنَّهُ أثْنى عَلى سُلَيْمانَ لِصَوابِهِ، وعَذَرَ داوُدَ بِاجْتِهادِهِ.

* فَصْلٌ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: كانَ قَضاءُ داوُدَ وسُلَيْمانَ جَمِيعًا مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ، ولَمْ يَكُنْ نَصًّا؛ إذْ لَوْ كانَ نَصًّا ما اخْتَلَفا.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الغَنَمِ إذا نَفَشَتْ لَيْلًا في زَرْعِ رَجُلٍ فَأفْسَدَتْهُ، فَمَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ عَلَيْهِ الضَّمانَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا ضَمانَ عَلَيْهِ لَيْلًا ونَهارًا، إلّا أنْ يَكُونَ صاحِبُها هو الَّذِي أرْسَلَها، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ أصْحابِنا؛ لِأنَّ داوُدَ حَكَمَ بِالضَّمانِ، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ نَسْخُ هَذا الحُكْمِ؛ لِأنَّ داوُدَ حَكَمَ بِدَفْعِ الغَنَمِ إلى صاحِبِ الحَرْثِ، وحَكَمَ سُلَيْمانُ لَهُ بِأوْلادِها وأصْوافِها، ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى مَن نَفَشَتْ غَنَمُهُ في حَرْثِ رَجُلٍ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.

قِيلَ: الآيَةُ تَضَمَّنَتْ أحْكامًا؛ مِنها: وُجُوبُ الضَّمانِ وكَيْفِيَّتُهُ، فالنَّسْخُ حَصَلَ عَلى كَيْفِيَّتِهِ، ولَمْ يَحْصُلْ عَلى أصْلِهِ، فَوَجَبَ التَّعَلُّقُ بِهِ.

وقَدْ رَوى حَرامُ بْنُ مُحَيِّصَةَ عَنْ أبِيهِ: «أنَّ ناقَةً لِلْبَراءِ دَخَلَتْ حائِطَ رَجُلٍ فَأفْسَدَتْ، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ  عَلى أهْلِ الأمْوالِ حِفْظُها بِالنَّهارِ، وعَلى أهْلِ المَواشِي حِفْظُها بِاللَّيْلِ» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: وسَخَّرْنا الجِبالَ يُسَبِّحْنَ مَعَ داوُدَ.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: كانَ إذا سَبَّحَ أجابَتْهُ الجِبالُ والطَّيْرُ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ.

وقالَ غَيْرُهُ: كانَ إذا وجَدَ فَتْرَةً، أمَرَ الجِبالَ فَسَبَّحَتْ حَتّى يَشْتاقَ هو فَيُسَبِّحَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنّا فاعِلِينَ ﴾ ؛ أيْ: لِذَلِكَ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وكُنّا نَقْدِرُ عَلى ما نُرِيدُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ ﴾ في المُرادِ بِاللَّبُوسِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الدُّرُوعُ، وكانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ صَفائِحَ، وكانَ داوُدُ أوَّلَ مَن صَنَعَ هَذِهِ الحِلَقَ وسَرَدَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ اللَّبُوسَ: السِّلاحُ كُلُّهُ مِن دِرْعٍ إلى رُمْحٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " لُبُوسٍ " بِضَمِّ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُحْصِنَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لِيُحْصِنَكم ) بِالياءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( لِتُحْصِنَكم ) بِالتّاءِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( لِنُحْصِنَكم ) بِالنُّونِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو حَيَوَةَ: ( لِتُحَصِّنَكم ) بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( لِتُحَصِّنَكم ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ فَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ مَعَ ضَمِّها.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ومُجاهِدٌ: ( لِنُحَصِّنَكم ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الصّادِ مَعَ تَشْدِيدِها.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( لِيُحْصِنَّكم ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وسُكُونِ الحاءِ وكَسْرِ الصّادِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ.

فَمَن قَرَأ بِالياءِ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اسْمَ اللَّهِ لِتَقَدُّمِ مَعْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللِّباسَ؛ لِأنَّ اللَّبُوسَ بِمَعْنى اللِّباسِ مِن حَيْثُ كانَ ضَرْبًا مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ داوُدَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْلِيمَ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ " عَلَّمْناهُ " .

وَمَن قَرَأ بِالتّاءِ حَمَلَهُ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ الدِّرْعُ.

وَمَن قَرَأ بِالنُّونِ فَلِتَقَدُّمِ قَوْلُهُ: " وعَلَّمْناهُ " .

وَمَعْنى ﴿ لِتُحْصِنَكُمْ ﴾ : لِتُحْرِزَكم وتَمْنَعَكم، ﴿ مِن بَأْسِكُمْ ﴾ يَعْنِي: الحَرْبَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو حَيَوَةَ الحَضْرَمِيُّ: ( الرِّياحُ ) بِألِفٍ مَعَ رَفْعِ الحاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ بِالألِفِ ونَصْبِ الحاءِ، والمَعْنى: وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ، ﴿ عاصِفَةً ﴾ ؛ أيْ: شَدِيدَةَ الهُبُوبِ، ﴿ تَجْرِي بِأمْرِهِ ﴾ يَعْنِي: بِأمْرِ سُلَيْمانَ، ﴿ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ وهي أرْضُ الشّامِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ بَرَكَتِها في هَذِهِ السُّورَةِ [ الأنْبِياءِ: ٧٢ ]، والمَعْنى: أنَّها كانَتْ تَسِيرُ بِهِ إلى حَيْثُ شاءَ، ثُمَّ تَعُودُ بِهِ إلى مَنزِلِهِ بِالشّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ﴾ عَلِمْنا أنَّ ما نُعْطِي سُلَيْمانَ يَدْعُوهُ إلى الخُضُوعِ لِرَبِّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ مَن ﴾ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، مِنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا يَغُوصُونَ في البَحْرِ فَيَسْتَخْرِجُونَ الجَواهِرَ، ﴿ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: سِوى ذَلِكَ.

﴿ وَكُنّا لَهم حافِظِينَ ﴾ أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوا.

وقالَ غَيْرُهُ: أنْ يَخْرُجُوا عَنْ أمْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ ﴾ ﴿ وَلِسُلَيْمانَ الرِيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ﴾ عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلى البَشَرِ أنْ عَلَّمَ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ صَنْعَةَ الدُرُوعِ وألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَكانَ يَصْنَعُها أحْكَمَ صَنْعَةٍ لِتَكَوُّنَ وِقايَةً مِنَ الحَرْبِ وسَبَبَ نَجاةٍ مِنَ العَدُوِّ، و"اللَبُوسِ" في اللُغَةِ: السِلاحُ، فَمِنهُ الدِرْعُ والسَيْفُ والرُمْحُ وغَيْرُ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ومَعِيَ لَبُوسٌ لِلْبَئِيسِ كَأنَّهُ رَوْقَ بِجَبْهَةِ ذِي نَعاجٍ مُجْفَلِ يَعْنِي الرُمْحَ.

وقَرَأ نافِعٌ والجُمْهُورُ: "لِيُحْصِنَكُمْ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: لِيُحْصِنَكم داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ أوِ اللَبُوسُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "لِتُحْصِنَكُمْ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: لِتُحْصِنَكُمُ الصَنْعَةُ أوِ الدُرُوعُ الَّتِي أوقَعَ عَلَيْها اللَبُوسَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "لِنُحْصِنَكُمْ" بِالنُونِ عَلى مَعْنى رَدِّ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى، ويُرْوى أنَّهُ كانَ الناسُ يَتَّخِذُ القَوِيُّ مِنهم لِباسًا مِن صَفائِحِ الحَدِيدِ، فَكانَ ثِقْلُهُ يَقْطَعُ بِأكْثَرِ الناسِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الرِيحَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: وسَخَّرَنا الرِيحَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الرِيحُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ في المَجْرُورِ قَبْلَهُ.

ويُرْوى أنَّ الرِيحَ العاصِفَةَ كانَتْ تَهُبُّ عَلى سَرِيرِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ الَّذِي فِيهِ بِساطُهُ، وقَدْ مَدَّ حَوْلَ البِساطِ بِالخَشَبِ والألْواحِ حَتّى صَنَّعَ سَرِيرًا يَحْمِلُ جَمِيعَ عَسْكَرِهِ وأقْواتِهِ، فَتُقِلُّهُ مِنَ الأرْضِ في الهَواءِ ثُمْ تَتَوَلّاهُ الرِيحُ الرُخاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَحْمِلُهُ إلى حَيْثُ أرادَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أرْضُ الشامِ وكانَتْ مَسْكَنَهُ ومَوْضِعَ مُلْكِهِ، وخَصَّصَ في هَذِهِ الآيَةِ انْصِرافَهُ في سَفَراتِهِ إلى أرْضِهِ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي سَفَرَهُ إلى المَواضِعِ الَّتِي سافَرَ إلَيْها، و"البَرَكَةُ" في أرْضِ الشامِ بَيِّنَةُ الوُجُوهِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ العاصِفَةَ هي في القُبُولِ عَلى عادَةِ البَشَرِ والدَوابِّ في الإسْراعِ إلى الوَطَنِ، والرُخاءَ كانَتْ في البَدْأةِ حَيْثُ أصابَ، أيْ حَيْثُ يَقْصِدُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وقْتُ تَأنٍّ وتَدْبِيرِ وتَقَلُّبِ رَأْيٍ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٍ، والكَلامُ تامٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ: "إلى الأرْضِ"، وقَوْلِهِ: "الَّتِي بارَكْنا فِيها" صِفَةٌ لَلرِّيحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأرْضَ الَّتِي يَسِيرُ إلَيْها سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ كائِنَةً ما كانَتْ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسِيرُ إلى أرْضٍ إلّا أصْلَحَها، وقَتَلَ كُفّارَها، وأثْبَتَ فِيها الإيمانَ، وبَثَّ فِيها العَدْلَ، ولا بَرَكَةَ أعْظَمُ مِن هَذا، فَكَأنَّهُ قالَ: إلى أيِّ أرْضٍ بارَكْنا فِيها فَبَعَثْنا سُلَيْمانَ إلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن ﴾ [الأنبياء: 79] بمناسبة تسخيرٍ خارق للعادة في كلتا القصتين معجزة للنبئين عليهما السلام.

والأرض التي بارك الله فيها هي أرض الشام.

وتسخير الريح: تسخيرها لما تصلح له، وهو سير المراكب في البحر.

والمراد أنها تجري إلى الشام راجعة عن الأقطار التي خرجت إليها لمصالح مُلك سليمان من غزو أو تجارة بقرينة أنها مسخرة لسليمان فلا بد أن تكون سائرة لفائدة الأمة التي هُو مَلِكها.

وعلم من أنها تجري إلى الأرض التي بارك الله فيها أنها تخرج من تلك الأرض حاملة الجنود أو مصدّرة البضائع التي تصدرها مملكة سليمان إلى بلاد الأرض وتقفل راجعة بالبضائع والميرة ومواد الصناعة وأسلحة الجند إلى أرض فلسطين، فوقع في الكلام اكتفاء اعتماداً على القرينة.

وقد صرح بما اكتفى عنه هنا في آية سورة سبأ (12) ﴿ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ﴾ ووصفها هنا ب عاصفة } بمعنى قوية.

ووصفها في سورة ص (36) بأنها ﴿ رُخاء ﴾ في قوله تعالى: ﴿ فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ﴾ والرخاء: الليلة المناسبة لسير الفُلك.

وذلك باختلاف الأحوال فإذا أراد الإسراع في السير سارت عاصفة وإذا أراد اللين سارت رُخاء، والمقام قرينة على أن المراد المَواتاه لإرادة سليمان كما دل عليه قوله تعالى: تجري بأمره } في الآيتين المشعر باختلاف مقصد سليمان منها كما إذا كان هو راكباً في البحر فإنه يريدها رُخاء لئلا تزعجه وإذا أصدرت مملكتُه بضاعة أو اجتلبتها سارت عاصفة وهذا بيّن بالتأمل.

وعبر ﴿ بأمره ﴾ عن رغبته وما يلائم أسفار سفائنه وهي رياح مَوْسمية منتظمة سخرها الله له.

وأمر سليمان دعاؤه الله أن يُجري الريحَ كما يريد سليمانُ: إما دعوة عامة كقوله ﴿ وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ [ص: 35] فيشمل كل ما به استقامة أمور المُلك وتصاريفه، وإما دعوة خاصة عند كل سفر لمراكب سليمان فجعل الله الرياح الموسمية في بحار فلسطين مدة ملك سليمان إكراماً له وتأييداً إذا كان همه نشر دين الحقّ في الأرض.

وإنما جعل الله الريح تجري بأمر سليمان ولم يجعلها تجري لسفنه لأن الله سخر الريح لكل السفن التي فيها مصلحة مُلك سليمان فإنه كانت تأتيه سفن (ترشيش) يُظن أنها طرطوشة بالأندلس أو قرطجنة بإفريقية وسفن حيرام ملك صور حاملة الذهب والفضة والعاج والقِردة والطواويس وهدَايا الآنية والحلل والسلاح والطيب والخيل والبغال كما في الإصحاح 10 من سفر الملوك الأول.

وجملة ﴿ وكنا بكل شيء عالمين ﴾ معترضة بين الجمل المسوقة لذكر عناية الله بسليمان.

والمناسبةُ أن تسخير الريح لمصالح سليمان أثر من آثار علم الله بمختلف أحوال الأمم والأقاليم وما هو منها لائق بمصلحة سليمان فيُجري الأمور على ما تقتضيه الحكمة التي أرادها سبحانه إذ قال: ﴿ وشددنا ملكه ﴾ [ص: 20].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ زَرْعًا وقَعَتْ فِيهِ الغَنَمُ لَيْلًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: كانَ كَرْمًا نَبَتَتْ عَناقِيدُهُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وشُرَيْحٌ.

﴿ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: النَّفْشُ رَعْيُ اللَّيْلِ، والهَمَلُ: رَعْيُ النَّهارِ، قالَ الشّاعِرُ: مُتَعَلِّقَةٌ بِأفْناءِ البُيُوتِ نافِشًا في عَشا التُّرابِ ﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ﴾ وفي حُكْمِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مُتَّفِقًا لَمْ يَخْتَلِفا فِيهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ حِينَ أثْنى عَلَيْهِمْ دَلَّ عَلى اتِّقاقِهِما في الصَّوابِ ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَفَهَّمْناها ﴾ عَلى أنَّهُ فَضِيلَةٌ لَهُ عَلى داوُدَ؛ لِأنَّهُ أُوتِيَ الحُكْمَ في صِغَرِهِ، وأُوتِيَ داوُدُ الحُكْمُ في كِبَرِهِ، وإنِ اتَّفَقا عَلَيْهِ ولَمْ يَخْتَلِفا فِيهِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الغَلَطِ والخَطَأِ لِئَلّا يَقَعَ الشَّكُّ في أُمُورِهِمْ وأحْكامِهِمْ، وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ والمُفَسِّرِينَ أنَّ حُكْمَهُما كانَ مُخْتَلِفًا أصابَ فِيهِ سُلَيْمانُ، وأخْطَأ داوُدُ، فَأمّا حُكْمُ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ قَضى لِصاحِبِ الحَرْثِ، وأمّا حُكْمِ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ رَأى أنْ يَدْفَعَ الغَنَمَ إلى صاحِبِ الحَرْثِ لِيَنْتَفِعَ بِدَرِّها ونَسْلِها، ويَدْفَعَ الحَرْثَ إلى صاحِبِ الغَنَمِ لِيَأْخُذَ بِعِمارَتِهِ، فَإذا عادَ في السَّنَةِ المُقْبِلَةِ إلى مِثْلِ حالِهِ رُدَّتِ الغَنَمُ إلى صاحِبِها، ورُدَّ الحَرْثُ إلى صاحِبِهِ، حَكاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ.

فَرَجَعَ داوُدُ إلى قَضاءِ سُلَيْمانَ فَحَكَمَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ﴾ فَجَعَلَ الحَقِّ مَعَهُ وفي حُكْمِهِ، ولا يَمْتَنِعُ وُجُودُ الغَلَطِ والخَطَأِ مِنَ الأنْبِياءِ كَوُجُودِهِ مِن غَيْرِهِمْ.

لَكِنْ لا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ وإنْ أقَرَّ عَلَيْهِ غَيْرُهم؛ لِيَعُودَ اللَّهُ بِالحَقائِقِ لَهم دُونَ خَلْقِهِ؛ ولِذَلِكَ تُسَمّى بِالحَقِّ وتُمَيَّزُ بِهِ عَنِ الخَلْقِ.

واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا في حَمْلِهِ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا  مَخْصُوصٌ مِنهم بِجَوازِ الخَطَأِ عَلَيْهِمْ دُونَهُ قالَهُ أبُو عَلِيِّ بْنُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ مَن يَسْتَدْرِكُ غَلَطَهُ؛ ولِذَلِكَ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنهُ، وقَدْ بُعِثَ بَعْدَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ مَن يَسْتَدْرِكُ غَلَطَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ الأنْبِياءِ، وأنَّ نَبِيَّنا وغَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ في تَجْوِيزِ الخَطَأِ عَلى سَواءٍ، إلّا أنَّهم لا يُقَرُّونَ عَلى إمْضائِهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ اسْتِدْراكُ مَن بَعْدَهم مِنَ الأنْبِياءِ، فَهَذا رَسُولُ اللَّهِ  قَدْ «سَألَتْهُ امْرَأةٌ عَنِ العِدَّةِ، فَقالَ لَها: (اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ) ثُمَّ قالَ: (يا سُبْحانَ اللَّهِ، امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ)» «وَقالَ رَجُلٌ: أرَأيْتَ إنْ قُتِلْتُ صابِرًا مُحْتَسِبًا أيَحْجُزُنِي عَنِ الجَنَّةِ شَيْءٌ؟

فَقالَ: (لا)، ثُمَّ دَعاهُ فَقالَ: (إلّا الدَّيْنُ كَما أخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ)» .

ولا يُوجَدُ مِنهُ إلّا ما جازَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا ﴾ قالَ الحَسَنُ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَرَأيْتُ أنَّ القُضاةَ قَدْ هَلَكُوا، ولَكِنَّهُ أثْنى عَلى سُلَيْمانَ عَلى صَوابِهِ وعَذَرَ داوُدَ بِاجْتِهادِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ نَقَضَ داوُدُ حُكْمَهُ بِاجْتِهادِ سُلَيْمانَ؟

فالجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داوُدُ ذَكَرَ حُكْمَهُ عَلى الإطْلاقِ وكانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلى طَرِيقِ الفُتْيا فَذَكَرَهُ لَهم لِيُلْزِمَهم إيّاهُ، فَلَمّا ظَهَرَ لَهُ ما هو أقْوى في الِاجْتِهادِ مِنهُ عادَ إلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أوْحى بِهَذا الحُكْمِ إلى سُلَيْمانَ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، ولِأجْلِ النَّصِّ الوارِدِ بِالوَحْيِ رَأى أنْ يَنْقُضَ اجْتِهادَهُ؛ لِأنَّ عَلى الحاكِمِ أنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ بِالِاجْتِهادِ إذا خالَفَ نَصًّا.

عَلى أنَّ العُلَماءَ قَدِ اخْتَلَفُوا في الأنْبِياءِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُمُ الِاجْتِهادُ في الأحْكامِ؟

فَقالَتْ طائِفَةٌ يَجُوزُ لَهُمُ الِاجْتِهادُ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الِاجْتِهادَ في الِاجْتِهادِ فَضِيلَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُحْرَمَها الأنْبِياءُ.

الثّانِي: أنَّ الِاجْتِهادَ أقْوى فَكانَ أحَبَّها، وهم [فِي] التِزامِ الحُكْمِ بِهِ أوْلى، وهَذا قَوْلُ مَن جَوَّزَ مِنَ الأنْبِياءِ وُجُودَ الغَلَطِ.

وَقالَ الآخَرُونَ: لا يَجُوزُ لِلْأنْبِياءِ أنْ يَجْتَهِدُوا في الأحْكامِ؛ لِأنَّ الِاجْتِهادَ إنَّما يَلْجَأُ إلَيْهِ الحاكِمُ لِعَدَمِ النَّصِّ، والأنْبِياءُ لا يُعْدَمُونَ النَّصَّ لِنُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ الِاجْتِهادُ وهَذا قَوْلُ مَن قالَ بِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ مِنَ الغَلَطِ والخَطَأِ، فَأمّا ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ شَرْعُنا فِيما أفْسَدَتْهُ البَهائِمُ مِنَ الزَّرْعِ فَقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ «أنَّ ناقَةَ البَراءِ بْنِ عازِبٍ دَخَلَتْ حائِطًا وأفْسَدَتْهُ، فَقَضى النَّبِيُّ  عَلى أهْلِ المَواشِي بِحِفْظِ مَواشِيهِمْ لَيْلًا، وعَلى أهْلِ الحَوائِطِ بِحِفْظِ حَوائِطِهِمْ نَهارًا»، فَصارَ ما أفْسَدَتْهُ البَهائِمُ بِاللَّيْلِ مَضْمُونًا، وما أفْسَدَتْهُ نَهارًا غَيْرَ مَضْمُونٍ لِأنَّ حِفْظَها شاقٌّ عَلى أرْبابِها، ولا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ حِفْظُها نَهارًا، فَصارَ الحِفْظُ في اللَّيْلِ واجِبًا عَلى أرْبابِ المَواشِي فَضَمِنُوا ما أفْسَدَتْهُ مَواشِيهِمْ، والحِفْظُ في النَّهارِ واجِبًا عَلى أرْبابِ الزُّرُوعِ، فَلَمْ يَحْكم لَهم - مَعَ تَقْصِيرِهِمْ - بِضَمانِ زَرْعِهِمْ، وهَذا مِن أصَحِّ قَضاءٍ وأعْدَلِ حُكْمٍ، رِفْقًا بِالفَرِيقَيْنِ، وتَسْهِيلًا عَلى الطّائِفَتَيْنِ، فَلَيْسَ يُنافِي هَذا ما حَكَمَ داوُدُ [بِهِ] وسُلَيْمانُ عَلَيْهِما السَّلامُ مَن أصْلِ الضَّمانِ؛ لِأنَّهُما حَكَما بِهِ في رَعْيِ اللَّيْلِ، وإنَّما يُخالَفُ مِن صِفَتِهِ، فَإنَّ الزَّرْعَ في شَرْعِنا مَضْمُونٌ لِأنَّهُما حَكَما بِنُقْصانِهِ مِن زائِدٍ وناقِصٍ، ولا تَعْرِضُ لِلْبَهائِمِ المَفْسَدَةُ إذا وصَلَ الضَّمانُ إلى المُسْتَحِقِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أتى كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ مِثْلَ ما آتى الآخَرَ، وفي المُرادِ بِالحُكْمِ والعِلْمِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحُكْمَ القَضاءُ، والعِلْمَ الفُتْيا.

الثّانِي: أنَّ الحُكْمَ الِاجْتِهادُ، والعِلْمَ النَّصُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ذَلَّلْنا.

الثّانِي: ألْهَمْنا.

﴿ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ ﴾ وفي تَسْبِيحِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ سَيْرَها مَعَهُ هو تَسْبِيحُها، قالَهُ ابْنُ عِيسى، والتَّسْبِيحُ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّباحَةِ.

الثّانِي: أنَّها صَلَواتُها مَعَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَسْبِيحٌ مَسْمُوعٌ كانَ يَفْهَمُهُ، وهَذا قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلامٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اللَّبُوسُ الدِّرْعُ المَلْبُوسُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ السِّلاحِ لَبُوسٌ عِنْدَ العَرَبِ.

﴿ لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن سِلاحِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: حَرْبُ أعْدائِكم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً ﴾ مَعْناهُ وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ، والعُصُوفُ شِدَّةُ حَرَكَتِها والعَصْفُ التِّبْنُ، فَسُمِّيَ بِهِ شِدَّةُ الرِّيحِ لِأنَّها تَعْصِفُهُ لِشِدَّةِ تَكْسِيرِها لَهُ.

﴿ تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ هي أرْضُ الشّامِ، وفي بَرَكَتِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِمَن بُعِثَ فِيها مِنَ الأنْبِياءِ.

الثّانِي: أنَّ مِياهَ أنْهارِ الأرْضِ تَجْرِي مِنها.

الثّالِثُ: بِما أوْدَعَها اللَّهُ مِنَ الخَيْراتِ، قالَهُ قَتادَةُ: ما نَقَصَ مِنَ الأرْضِ زِيدَ في أرْضِ الشّامِ، وما نَقَصَ مِنَ الشّامِ زِيدَ في فِلَسْطِينَ، وكانَ يُقالُ هي أرْضُ المَحْشَرِ والمَنشَرِ.

وَكانَتِ الرِّيحُ تَجْرِي بِسُلَيْمانَ وأصْحابِهِ إلى حَيْثُ شاءَ.

قالَ مُقاتِلٌ: وسُلَيْمانُ أوَّلُ مَنِ اسْتَخْرَجَ اللُّؤْلُؤَ بِغَوْصِ الشَّياطِينِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم عن وهب قال: داود بن إيشا بن عويد بن عابر من ولد يهوذا بن يعقوب، وكان قصيراً أزرق قليل الشعر طاهر القلب.

وأخرج ابن جرير عن مرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ يحكمان في الحرث ﴾ قال: كان الحرث نبتاً، فنفشت فيه ليلاً فاختصموا فيه إلى داود فقضى بالغنم لأصحاب الحرث، فمروا على سليمان فذكروا ذلك له فقال: لا تدفع الغنم.

فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم، فإذا عاد كما كان ردوا عليهم فنزلت ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ﴾ قال: كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته الغنم، فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: أغير هذا يا نبي الله؟

قال: وما ذاك؟

قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا عاد الكرم كما كان دفعت الكرم لصاحبه ودفعت الغنم إلى صاحبها.

فذلك قوله: ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مسروق قال: الحرث الذي ﴿ نفشت فيه غنم القوم ﴾ إنما كان كرماً نفشت فيه غنم القوم فلم تدع فيه ورقة ولا عنقوداً من عنب إلا أكلته، فأتوا داود فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: إن صاحب الكرم قد بقي له أصل كرمه وأصل أرضه، بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم فيكون لهم لبنها وصوفها ونفعها، ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمرونه ويصلحونه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم وأهل الكرم كرمهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وداود وسليمان ﴾ إلى قوله: ﴿ وكنا لحكمهم شاهدين ﴾ يقول: كنا لما حكما شاهدين، وذلك أن رجلين دخلا على داود: أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا أرسل غنمه في حرثي فلم تبق من حرثي شيئاً.

فقال له داود: اذهب فإن الغنم كلها لك.

فقضى بذلك داود، ومر صاحب الغنم بسليمان فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود فقال: يا نبي الله، إن القضاء سوى الذي قضيت.

فقال: كيف؟

قال سليمان: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام، فله من صاحب الغنم أن ينتفع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث، فإن الغنم لها نسل كل عام.

فقال داود: قد أصبت، القضاء كما قضيت.

ففهمها الله سليمان.

وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق عن مجاهد في الآية قال: أعطاهم داود رقاب الغنم بالحرث، وحكم سليمان بجزة الغنم وألبانها لأهل الحرث، وعليهم رعاؤها ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون الحرث كهيئته يوم أكل، ثم يدفعونه إلى أهله ويأخذون غنمهم.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: النفش بالليل والهمل بالنهار.

ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلاً فرفع ذلك إلى داود، فقضى بالغنم لأصحاب الزرع فقال سليمان: ليس كذلك، ولكن له نسلها ورسلها وعوارضها وجزازها، حتى إذا كان من العام المقبل كهيئته يوم أكل، دفعت الغنم إلى أربابها وقبض صاحب الزرع زرعه.

قال الله: ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن قتادة والزهري في الآية قال: نفشت غنم في حرث قوم فقضى داود أن يأخذوا الغنم ففهمها الله سليمان، فلما أخبر بقضاء داود قال: لا، ولكن خذوا الغنم ولكم ما خرج من رسلها وأولادها وأصوافها إلى الحول.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت امرأة عابدة من بني إسرائيل، وكانت تبتلت وكان لها جاريتان جميلتان، وقد تبتلت المرأة لا تريد الرجال، فقالت إحدى الجاريتين للأخرى: قد طال علينا هذا البلاء، أما هذه فلا تريد الرجال ولا نزال بشر ما كنا لها، فلو أنا فضحناها فرجمت فصرنا إلى الرجال.

فأتيا ماء البيض فأتياها وهي ساجدة، فكشفتا عن ثوبها ونضحتا في دبرها ماء البيض، وصرختا: إنها قد بغت.

وكان من زنى فيهم حدّه الرجم، فرفعت إلى داود وماء البيض في ثيابها فأراد رجمها، فقال سليمان: ائتوا بنار، فإنه إن كان ماء الرجال تفرق؛ وإن كان ماء البيض اجتمع.

فأتي بنار فوضعها عليه فاجتمع فدرأ عنها الرجم، فعطف داود على سليمان فأحبه.

ثم كان بعد ذلك أصحاب الحرث وأصحاب الشياه، فقضى داود عليه السلام بالغنم لأصحاب الحرث فخرجوا وأخرجت الرعاة معهم الكلاب فقال سليمان: كيف قضى بينكم؟

فأخبروه فقال: لو وليت أمرهم لقضيت بغير هذا القضاء.

فقيل لداود عليه السلام: إن سليمان يقول كذا وكذا.

فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟

فقال: أدفع الغنم إلى أصحاب الحرث هذا العام فيكون لهم أولادها وسلالها وألبانها ومنافعها، ويذر أصحاب الحرث الحرث هذا العام، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه أخذ هؤلاء الحرث ودفعوا إلى هؤلاء الغنم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ نفشت ﴾ قال: رعت.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ نفشت ﴾ قال: النفش، الرعي بالليل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد: بدلن بعد النفش الوجيفا ** وبعد طول الحزن الصريفا وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي شيبة وأحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حرام بن محيصة، أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدت فيه، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وإن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن ناقة البراء بن عازب رضي الله عنه دخلت حائطاً لقوم فأفسدت عليهم، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «على أهل الحائط حفظ حائطهم بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظ مواشيهم بالليل» ، ثم تلا هذه الآية ﴿ وداود وسليمان ﴾ الآية.

ثم قال: «نفشت ليلاً» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ فافهمناها سليمان ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه قال: كان الحكم بما قضى به سليمان، ولم يعب داود في حكمه.

وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهون أهل النار عذاباً، رجل يطأ جمرة يغلي منها دماغه.

فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وما جرمه يا رسول الله؟

قال: كانت له ماشية يغشى بها الزرع ويؤذيه، وحرم الله الرزع وما حوله غلوة سهم، فاحذروا أن لا ستحب الرجل ما له في الدنيا ويهلك نفسه في الآخرة» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما امرأتان معهما ابنان لهما، جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكما إلى داود فقضى له للكبرى فخرجتا فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينهما.

فقالت الصغرى: يرحمك الله، هو ابنها لا تشقه.

فقضى به للصغرى» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن امرأة حسناء من بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم فامتنعت على كل واحد منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود أنها مكنت من نفسها كلباً لها قد عوّدته ذلك منها، فأمر برجمها.

فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان واجتمع معه ولدان مثله فانتصب حاكماً، وتزيا أربعة منهم بزي أولئك وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلباً.

فقال سليمان: فرقوا بينهم.

فسأل أولهم: ما كان لون الكلب؟

فقال: أسود.

فعزله واستدعى الآخر فسأله عن لونه فقال: أحمر، وقال الآخر أغبش، وقال الآخر أبيض.

فأمر عند ذلك بقتلهم، فحكي ذلك لداود فاستدعى من فوره أولئك الأربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب فاختلفوا فيه فأمر بقتلهم.

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن أبي نجيح قال: قال سليمان عليه السلام: أوتينا ما أوتي الناس ولم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس ولم يعلموا.

فلم يجد شيئاً أفضل من ثلاث كلمات: الحلم في الغضب، والرضا والقصد في الفقر، والغنى وخشية الله في السر والعلانية.

وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان عليه السلام لابنه: يا بني، إياك وغضب الملك الظلوم فإن غضبه كغضب ملك الموت.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن خيثمة قال: قال سليمان عليه السلام: جربنا العيش لينه وشديده فوجدناه يكفي منه أدناه.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان لابنه: يا بني، لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك وإن كانت بريئة.

يا بني، إن من الحياء صمتاً ومنه وقاراً يا بني، إن أحببت أن تغيظ عدوك فلا ترفع العصا عن ابنك.

يا بني، كما يدخل الوتد بين الحجرين وكما تدخل الحية بين الحجرين، كذلك تدخل الخطيئة بين البيعين.

وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: بلغنا أن سليمان قال لابنه: امش وراء الأسد ولا تمش وراء امرأة.

وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان لابنه: يا بني، إن من سوء العيش نقلاً من بيت إلى بيت.

وقال لابنه: عليك بخشية الله فإنها غلبت كل شيء.

وأخرج أحمد عن بكر بن عبدالله، أن داود عليه السلام قال لابنه سليمان: أي شيء أبرد، وأي شيء أحلى، وأي شيء أقرب، وأي شيء أبعد، وأي شيء أقل، وأي شيء أكثر، وأي شيء آنس، وأي شيء أوحش؟؟

قال: أحلى شيء روح الله من عباده، وأبرد شيء عفو الله عن عباده، وعفو العباد بعضهم عن بعض.

وآنس شيء الروح تكون في الجسد، وأوحش شيء الجسد تنزع منه الروح، وأقل شيء اليقين، وأكثر شيء الشك، وأقرب شيء الآخرة من الدنيا، وأبعد شيء الدنيا من الآخرة.

وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان لابنه: لا تقطعن أمراً حتى تؤامر مرشداً، فإذا فعلت ذلك فلا تحزن عليه.

وقال: يا بني، ما أقبح الخطيئة مع المسكنة!

وأقبح الضلالة بعد الهدى!

وأقبح من ذلك رجل كان عابداً فترك عبادة ربه.

وأخرج أحمد عن قتادة قال: قال سليمان عليه السلام: عجباً للتاجر: كيف يخلص يحلف بالنهار وينام بالليل؟؟

وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان لابنه: يا بني، إياك والنميمة فإنها كحد السيف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق حماد بن سلمة، عن حميد الطويل: أن إياس بن معاوية لما استقضى، آتاه الحسن فرآه حزيناً فبكى إياس فقال: ما يبكيك؟!

فقال: يا أبا سعيد، بلغني أن القضاة ثلاثة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة.

فقال الحسن: إن فيما قص الله من نبأ داود ما يرد ذلك.

ثم قرأ ﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ﴾ حتى بلغ ﴿ وكلاً آتينا حكماً وعلماً ﴾ فأثنى على سليمان ولم يذم داود.

ثم قال: أخذ الله على الحكام ثلاثة: أن لا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً، ولا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس.

ثم تلا هذه الآية ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ [ ص: 26] الآية وقال: ﴿ فلا تخشوا الناس واخشون ﴾ [ المائدة: 44] وقال: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ [ المائدة: 44] .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن قتادة في قوله: ﴿ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير ﴾ قال: يصلين مع داود إذا صلى ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم ﴾ قال: كانت صفائح، فأول من مدها وحلقها داود عليه السلام.

وأخرج عن السدي في قوله: ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم ﴾ قال: هي دروع الحديد ﴿ لتحصنكم من بأسكم ﴾ قال: من رتع السلاح فيكم.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ ﴿ لنحصنكم ﴾ بالنون.

وأخرج الفريابي عن سليمان بن حيان قال: كان داود إذا وجد فترة، أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان عمر آدم ألف سنة، وكان عمر داود ستين سنة.

فقال آدم: أي رب، زده من عمري أربعين سنة.

فأكمل لآدم ألف سنة وأكمل لداود مائة سنة» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي الدنيا في ذكر الموت والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة، فعكفت الطير عليه تظله.

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كان سليمان عليه السلام يوضع له ستمائة ألف كرسي، ثم يجيء أشراف الناس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي أشراف الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتحملهم فيسير مسيرة شهر في الغداة الواحدة.

وأخرج الحاكم عن محمد بن كعب قال: بلغنا أن سليمان عليه السلام كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلثمائة حرة وسبعمائة سرية، فأمر الريح العاصف فرفعته فأمر الريح فسارت به، فأوحى الله إليه «أني أزيد في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا جاءت الريح فأخبرتك» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن عبيد بن عمير قال: كان سليمان يأمر الريح فتجتمع كالطود العظيم، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها، ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة فترتفع حتى تصعد على فراشه، ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء، فهو يطأطئ رأسه ما يلتفت يميناً ولا شمالاً تعظيماً لله وشكراً لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله، يضعه الريح حيث يشاء أن يضعه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كان لسليمان مركب من خشب وكان فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب، فإذا ارتفع جاءت الريح الرخاء فسارت به وساروا معه فلا يدري القوم إلا قد أظلهم من الجيوش والجنود.

وأخرج ابن عساكر عن السدي في قوله: ﴿ ولسليمان الريح عاصفة ﴾ قال: الريح الشديدة ﴿ تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ﴾ قال: أرض الشام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولسليمان الريح ﴾ الآية.

قال: ورث الله لسليمان داود فورثه نبوته وملكه، وزاده على ذلك أنه سخر له الرياح والشياطين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه قرأ ﴿ ولسليمان الريح ﴾ يقول: سخرنا له الريح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن الشياطين من يغوصون له ﴾ قال: يغوصون في الماء.

وأخرج الطبراني والديلمي عن ابن مسعود قال: «ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رقية الحية فقال: اعرضها علي.

فعرضها عليه بسم الله شجنية قرنية ملحة بحر قفطا.

فقال: هذه مواثيق أخذها سليمان على الهوام ولا أرى بها بأساً» .

وأخرج الحاكم عن الشعبي قال: أرخ بنو إسحاق من مبعث موسى إلى ملك سليمان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ ﴾ قال أبو إسحاق: الريح نسق على الجبال.

المعنى: وسخرنا لسليمان الريح (١) وقوله تعالى: ﴿ عَاصِفَةً ﴾ أي شديدة الهبوب (٢) ﴿ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ  ﴾ والمعنى: أنها كانت تشتد (٣) (٤) ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ قال ابن عباس: يريد أرض الشام.

وقال الكلبي: يعني فلسطين بارك الله فيها بالماء والشجر والنخل.

وينا هذا عند قوله: ﴿ بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ  ﴾ .

قال الفراء: كانت تجري بسليمان إلى كل موضع، ثم تعود به من يومه إلى منزله، فذلك قوله: ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ﴾ [قال (٦) وقال أهل المعاني] (٧) (٨) (٩) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 400 مع اختلاف بعض الألفاظ.

ويجوز أن ينصب (الريح) بفعل مقدر.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 67، "الإملاء" للعكبري 2/ 135 - 136، "الدر المصون" 8/ 187.

(٢) الطبري 17/ 55، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 34 ب.

(٣) تشتد: ساقطة من (ع).

(٤) هذا أحد الوجوه في التوفيق بين قوله تعالى في آية الأنبياء واصفًا الريح المسخرة لسليمان بأنها (عاصفة) وفي سورة ص (رخاء).

وعلى ذلك فالريح تكون عاصفة تارة ورخاء تارة بحسب اختلاف مقصد سليمان منها.

وهناك وجهان آخران في == التوفيق بين الآيتين: أحدهما: أن هذه الريح المسخرة لسليمان قد جمعت أمرين: فهي رخاءٌ في نفسها أي: رخية طيبة كالنسيم، وعاصفة في عملها كما قال تعالى: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ  ﴾ ، مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد، فهي آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة.

ذكره الزمخشري 2/ 580.

الثاني: قال بعضهم: إن العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدواب في الإسراع إلى الوطن ولذلك قال ﴿ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ وهي الشام مسكن سليمان، والرخاء في البدأة ﴿ حَيْثُ أَصَابَ  ﴾ أي: حيث يقصد؛ لأن ذلك وقت تأن وتدبير وتقلب رأي.

ذكره ابن عطية 10/ 186.

وانظر: "البحر المحيط" 6/ 332.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 209.

وهذا من أخبار بني إسرائيل، فالله أعلم بصحته.

قال أبو حيان في "البحر" 6/ 333: وقد أكثر الأخباريون في ملك سليمان، ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما قصه الله في كتابه وفي حديث رسول الله -  -.

أهـ يعني ما صح من حديثه -  -.

(٦) إلى قوله (قال) ينتهي الخرم من نسخة شستربتي، ويبدأ الموجود من قوله: ابن عباس.

(٧) ما بين المعتقوفين ساقط من (د)، (ع).

(٨) (ما) ساقطة من (د)، (ع).

(٩) ذكره البغوي 5/ 335 بنصه، ولم ينسبه لأحد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ﴾ كان داود نبياً ملكاً، وكان ابنه سليمان ابن أحد عشر عاماً ﴿ فِي الحرث ﴾ قيل: زرع، وقيل: كرم والحرث يقال فيهما ﴿ إِذْ نَفَشَتْ ﴾ رعت فيه بالليل ﴿ لِحُكْمِهِمْ ﴾ الضمير لداود وسليمان المتخاصمين، وقيل لداود وسليمان خاصة، على أن يكون أقل الجمع اثنان ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ تخاصم إلى ﴿ دَاوُودَ ﴾ رجلان دخلت غنم أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته فقضى ﴿ دَاوُودَ ﴾ بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم، ووجه هذا الحكم أن قيمة الزرع كانت مثل قيمة الغنم، فخرج الرجلان على سليمان وهو بالباب، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه فقال: يا نبيّ الله لو حكمت بغير هذا كان أرفق للجميع، قال وما هو؟

قال يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم وينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا أكمل الزرع ردت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال له داود: وفقت يا بنيّ، وقضى بينهما بذلك، ووجه حكم سليمان أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الزرع، وواجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، ويحتمل أن يكون ذلك إصلاحاً لا حكماً.

واختلف الناس هل كان حكمهما بوحي أو اجتهاد؟

فمن قال كان باجتهاد أجاز الاجتهاط للأنبياء، وروي أن داود رجع عن حكمه لما تبين له أن الصواب خلافه، وقد اختلف في جواز الاجتهاد في حق الأنبياء، وعلى القول بالجواز اختلف، هل وقع أم لا؟

وظاهر قوله: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ : أنه كان اجتهاد فخص الله به سليمان ففهم القضية، ومن قال: كان بوحي، جعل حكم سليمان ناسخاً لحكم داود.

وأما حكم إفساد المواشي الزرع في شرعنا، فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك، وعلى هذا يدل حكم داود وسليمان، لأن النفش لا يكون إلا بالليل، وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار، لقول صلى الله عليه وسلم: «العجماء جرحها جبار» ﴿ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ قيل: يعني في هذه النازلة، وأن داود لم يخطىء فيها، ولكنه رجع إلى ما هو أرجح، ويدل على هذا القول أن كل مجتهد مصيب، وقيل: بل يعني حكماً وعلماً في غير هذه النازلة، وعلى هذا القول فإنه أخطأ فيها، وأن المصيب واحد من المجتهدين ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ والطير ﴾ كان هذا التسبيح قول سبحانه الله، وقيل: الصلاة معه إذا صلى، وقدم الجبال على الطير، لأن تسبيحها أغرب إذ هي جماد ﴿ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ أي قادرين على أن نفعل هذا.

وقال ابن عطية: معناه كان ذلك في حقه لأجل أن داود استوجب ذلك مناصفة كذا!

﴿ صَنْعَةَ لَبُوسٍ ﴾ يعني دروع الحديد، وأول من صنعها داود عليه السلام، وقال ابن عطية اللبوس في اللغة: السلاح وقال الزمخشري: اللبوس اللباس ﴿ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ﴾ أي لتقيكم في القتال وقرئ بالياء والتاء والنون، فالنون لله تعالى، والتاء للصنعة، والياء لداود أو للبوس ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ﴾ لفظ استفهام، ومعناه استدعاء إلى الشكر ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً ﴾ عطف الريح على الجبال والعاصفة هي الشديدة فإن قيل: كيف يقال عاصفة؟

وقال في [ص: 36] ﴿ رُخَآءً ﴾ أي لينة؟

فالجواب: أنها كانت في نفسها لينة طيبة، وكانت تسرع في جريها كالعاصف فجمعت الوصفين، وقيل: كانت رخاء في ذهابه، وعاصفة في رجوعه إلى وطنه، لأن عادة المسافرين الإسراع في الرجوع؛ وقيل: كانت تشتدّ إذا رفعت البساط وتلين إذا حملته ﴿ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ يعني أرض الشام، وكانت مسكنة وموضع ملكه، فخص في الآية الرجوع إليها لأنه يدل على الانتقال منها ﴿ يَغُوصُونَ لَهُ ﴾ أي يدخلون في الماء ليستخرجوا له الجواهر من البحار ﴿ عَمَلاً دُونَ ذلك ﴾ أقل من الغوص كالبنيان والخدمة ﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ﴾ أي نحفظهم عن أن يزيغوا عن أمره، أو نحفظهم من إفساد ما صنعوه، وقيل: معناه عالمين بعددهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ جذاذاً ﴾ بكسر الجيم: علي.

الآخرون بضمها ﴿ اف ﴾ بفتح الفاء: ابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: ابو جعفر ونافع وحفص.

الباقون بالكسر من غير تنوين ﴿ لنحصنكم ﴾ بالنون: أبو بكر وحماد ورويس وبالتاء الفوقانية والضمير للصنعة أو للدرع لأنها مؤنثة سماعاً: ابن عامر ويزيد وحفص والمفضل وروح وزيد.

الباقون بالياء التحتانية والضمير لداود  أو للبوس والكل بتخفيف الصاد والرياح على الجمع: يزيد بطريق المفضل الآخرون على التوحيد.

﴿ مسني الضر ﴾ و ﴿ عبادي الصالحون ﴾ في آخر السورة مرسلة الياء: حمزة.

الباقون بفتحها ﴿ وأن لن ﴾ يقدر بالياء مجهولاً: يعقوب ﴿ ننجي ﴾ بضم النون الواحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء: ابن عامر وعباس وأبو بكر وحماد.

الآخرون من الإنجاء مخففاً.

الوقوف: ﴿ عالمين ﴾ ج ه لأن "إذ" يصلح ظرفاً لآتينا أو ﴿ لرشده ﴾ أو للعلم به مفعولاً لأذكر محذوفاً ﴿ عاكفون ﴾ ه ﴿ عابدين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ اللاعبين ﴾ ه ﴿ فطرهن ﴾ .

ز لواو الابتداء والحال أولى ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ يشهدون ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه ط ﴿ فعله ﴾ .

وفيه بعد ويجيء في التفسير ﴿ ينطقون ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه لا للعطف ﴿ على رؤوسهم ﴾ ج لاتحاد المقصود مع إضمار القول ﴿ ينطقون ﴾ ه ﴿ ولا يضركم ﴾ ط لاستئناف الدعاء عليهم ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ على إبراهيم ﴾ ه لا بناء على أن التقدير وقد أرادوا ﴿ الأخسرين ﴾ ج ه للعطف والآية ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط بناء على أن المراد ووهبنا له يعقوب حال كونه نافلة ﴿ نافلة ﴾ ط ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ الزكاة ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ عابدين ﴾ ه وكان ينبغي أن لا يوقف للعطف ولكنهم حكموا بالوقف لتمام القصة وكذلك أمثالها ﴿ الخبائث ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه لا بناء على أن التقدير وقد أدخلناه ﴿ رحمتنا ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ج للعطف مع الآية ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ غنم القوم ﴾ ج لاحتمال الواو بعده الاستئناف والحال ﴿ شاهدين ﴾ ه لا للعطف بالفاء ﴿ سليمان ﴾ ج لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتحاد الكلام ﴿ وعلماً ﴾ ز لعطف المتفقين مع نوع عدول ﴿ والطير ﴾ ط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ من بأسكم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ شاكرون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عالمين ﴾ ه ﴿ دون ذلك ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ حافظين ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ط للفاء وللآية ﴿ للعابدين ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه وقد يوصل لعطف ﴿ وأدخلناهم ﴾ على ﴿ نجينا ﴾ للقدرة ﴿ في رحمتنا ﴾ ط الصالحين ه ﴿ سبحانك ﴾ قد يوقف لأجل "أن" ولكنه داخل في حكم النداء ﴿ الظالمين ﴾ ج ه على ما ذكر في الوجهين ﴿ فاستجبنا له ﴾ لا لاتفاق الجملتين واتصال النجاة بالاستجابة ﴿ من الغم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ فاستجبنا له ﴾ ه لا مكان الفصل بين الإستجابة المعجلة وحصول الولد الموهوب على المهلة ﴿ زوجه ﴾ ط ﴿ ورهباً ﴾ ط ﴿ خاشعين ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: الرشد الاهتداء لوجوه المصالح في الدين والدنيا وقد يخص ههنا بالنبوة لقوله ﴿ رشده ﴾ ومعنى الإضافة أن لهذا الرشد شأناً ولقوله ﴿ وكنا به عالمين ﴾ وفيه أنه علم منه أسراراً عجيبة وأحوالاً بديعة حتى اتخذه خليلاً واصطفاه نبياً نظيره ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ من قبل ﴾ اي من قبل موسى وهارون قاله ابن عباس: وعلى الأول يحتمل هذا وأن يراد من قبل البلوغ حين استدل بالكواكب قاله مقاتل.

وعن ابن عباس في رواية الضحاك حين أخذ الله ميثاق النبيين في صلب آدم.

قالت الأشاعرة: أراد بإيتاء الرشد خلق ذلك فيه إذ لو حمل على أسباب ذلك تناول الكفار.

أجاب الكعبي بأن هذا إنما يقال فيمن قبل لا فيمن رد، نظيره بأن يعطي الأب كل واحد من ولديه ألفاً فقبله أحدهما وثمره ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه فيقال: أغنى فلان ابنه فيمن ثمر المال، ولا يقال مثله فيمن ضيع.

واعترض بأن قبوله على هذا التقدير يكون جزءاً من مسمى الرشد وحينئذ لا يصح إستناد إيتاء الرشد إلى الله وحده، وهذا بخلاف نص القرآن.

والتمثال اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله  من مثلت الشيء بالشيء شبهته به، وإسم ذلك الممثل تمثال جعل إبراهيم  هذا التجاهل والتغابي ابتداء كلامه لينظر فيما عساهم يوردونه من شبهة فيحلها لهم مع ما في هذا السؤال من تحقير آلهتهم وتسفيه أخلافهم.

وفي قوله ﴿ أنتم لها عاكفون ﴾ دون أن يقول عليها كقوله ﴿ يعكفون على أصنام لهم  ﴾ نوع آخر من التجهيل والتوبيخ لأنه ادعى عليهم أنهم جعلوا العكوف مختصاً بها دون خالقها وخالق كل شيء ﴿ قالوا وجدنا آبائنا لها عابدين ﴾ لا يمكن لهم أن يتمسكوا بشيء آخر سوى التقليد فزيف طريقتهم بالتنبيه على خطئهم وخطأ أسلافهم فقال: ﴿ لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ﴾ لأن كل مذهب لا يستند إلى دليل كان صاحبه ضالاً أو في حكم ذلك.

ثم إن القوم تعجبوا من تضليلهم مع كثرتهم ووحدته ومنعهم عما ألفوه وضروا به فقالوا ﴿ أجئتنا بالحق ﴾ أي بما ليس بهزل ودعابة ﴿ أم أنت من اللاعبين ﴾ فحينئذ عدل إبراهيم عن مجرد التنبيه إلى إثبات الدعوى بالبينة والدليل وجاهدهم أولاً باللسان قائلاً ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن ﴾ الظاهر أن الضمير للسموات والأرض إلا أنه قيل: كونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم.

وقوله ﴿ وأنا على ذلكم من الشهداء ﴾ فيه تأكيد وتحقيق لما قاله كقول الرجل إذا بالغ في مدح أحد أو ذمه "أشهد إنه كريم أو لئيم" لأن الشهادة خبر قاطع.

وفيه أنه قادر على إثبات ما ادعاه بالحجج والبينات كما شاؤوا ثم أخبر أنه سيجاهدهم جهاداً بالفعل من غير تقية وخوف قال ﴿ وتالله لأكيدن أصنامكم ﴾ قال جار الله: في تاء القسم مع أنه عوض عن الباء زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من سهولة الكيد على يده لأن ذلك لصعوبته كان كالمقنوط منه خصوصاً في زمن نمرود مع شدة شكيمته وقوة سلطانه.

قلت: لا ريب أن هذا مستبعد عادة ولكنه سهل لمن ايده الله ونصره كما قال علي  : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة رحمانية.

سؤال: الكيد هو الاحتيال على الغير في ضرر لا يشعر به فكيف يتصور ذلك في حق الأصنام؟

وجوابه أنه قال ذلك بناء على زعمهم أنه يجوز ذلك عليها، أو أراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل أهمهم وأحزنهم.

قال السدي: كانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم: لو خرجت معنا؟

فخرج معهم.

فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي، فلما بقي هو وضعفاء الناس نادى وقال الله لأكيدن أصنامكم.

وروى الكلبي أن إبراهيم كان من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلا مريضاً، فلما هم إبراهيم بالذي هم به من كسر الصنام نظر قبل يوم العيد إلى السماء فقال لأصحابه: إني أراني أشتكي عدا فذلك قوله في الصافات ﴿ فنظر نظرة في النجوم  فقال إني سقيم  ﴾ وأصبح من الغد معصوباً رأسه، فخرج القوم لعيدهم ولم يتخلف أحد غيره فقال سراً: أما والله لأكيدن أصنامكم، فسمعه رجل واحد وأخبر به غيره وانتشر الخبر.

وعلى الوجهين يصح قوله فيما بعد ﴿ قالوا سمعنا فتى يذكرهم ﴾ وروي أن آزر خرج به في عيد لهم فبدأوا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا: إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا، فذهبوا وبقي إبراهيم فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنماً مصطفة وثمة صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الكبير علق الفأس في عنقه ﴿ فجعلهم جذاذاً ﴾ قال الجوهري: جذذت الشيء جذاً قطعته وكسرته، والجذاذ ما كسر منه وضمه أفصح من كسره.

قلت: فعلى هذا هو اسم جمع لا جمع ﴿ إلا كبيراً لهم ﴾ أي في الخلقة كما روينا.

وقيل: في التعظيم.

ويحتمل أن يكون جامعاً للأمرين.

أما الضمير الواحد في قوله ﴿ لعلهم إليه يرجعون ﴾ فيحتمل عوده إلى إبراهيم أي جعلهم جذاذاً واستبقى الكبير رجاء أنهم يرجعون إلى دينه أو غلى السؤال عنه لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم فيبكتهم بقوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ﴾ ويحتمل عوده الكبير كما ذهب إليه الكلبي.

والمعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحاً والفأس على عاتقك، وهذا بناء على ظنهم أن الأصنام قد تتكلم وتجيب، على أن نفس ذلك الكبير كان دليلاً على فساد مذهبهم لأن الآلهة يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء لأنهم كانوا يعظمونها ويقولون: إن المستخف بها يلحقه ضرر عظيم، فحين كسرها إبراهيم ولم ينله ضرر من تلك الجهة بطل ما اعتقدوه.

فلما انكشفت لهم جلية الحال و ﴿ قالوا من فعل هذا ﴾ الكسر والحطم والاستخفاف ﴿ بآلهتنا إنه لمن الظالمين ﴾ المعدودين في جملة من يضع الشيء في غير موضعه لأنه وضع الإهانة مكان التعظيم ﴿ قالوا سمعنا ﴾ احتمل أن يكون القائل واحداً، ونسب القول إلى الجماعة لأنه منهم، واحتمل أن يكون جمعاً على الوجهين اللذين رويناهما، أو لأنهم سمعوا منه قوله على وجه الاستهزاء ﴿ ما هذه التماثيل ﴾ والفعلان بعد ﴿ فتى ﴾ صفتان له إلا أن، الأول ضروري ذكره لأنك لا تقول "سمعت زيداً" وتسكت حتى تذكر شيئاً مما تسمع، والثاني ليس كذلك.

والأصح أن قوله ﴿ إبراهيم ﴾ فاعل ﴿ يقال ﴾ لأن المراد الاسم لا المسمى وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف أو منادى.

﴿ قالوا ﴾ اي فيما بينهم ﴿ فأتوا به على أعين الناس ﴾ الجار والمجرور في محل الحال اي بمرأى منهم ومنظر أو معايناً ومشاهداً قال.

في الكشاف: معنى الاستعلاء في "على" أنه يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن ثبات الراكب على المركوب وتمكنه منه ﴿ لعلهم يشهدون ﴾ عليه بما سمع منه وبما فعله فيكون حجة عليه قاله الحسن وقتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس.

وقال محمد بن إسحق: معناه لعلهم يحضرون عقوبتنا له ليكون ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على مثل فعله.

وههنا إضمار أي فأتوا به ثم ﴿ قالوا أأنت فعلت هذا ﴾ الظلم والاستخفاف ﴿ بآلهتنا يا إبراهيم ﴾ طلبوا منه الاعتراف ليقدموا على إيذائه ﴿ فقال بل فعله كبيرهم ﴾ وقوله ﴿ هذا ﴾ صفة كبيرهم.

زعم الطاعنون في عصمة الأنبياء أن هذا القول من إبراهيم كذب وأكدوا قولهم بما جاء في الحديث "إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات" وللعلماء في جوابهم طريقان: أحدهما تسليم أنه كذب ولكنهم قالوا: الكذب ليس قبيحاً لذاته وإنما يقبح لاشتماله على مفسدة.

وقد يحسن الكذب إذا اشتمل على مصلحة كتخليص نبي ونحوه، وزيف هذا الطريق بأنا لو جوزنا أن يكذب النبي لمصلحة لبطل الوثوق بالشرائع، فلعل الأنبياء أخبروا عما أخبروا لمصلحة المكلفين في باب المعاش مع أنه ليس للمخبر عنه وجود كما في الواقع.

الطيق الثاني وعليه جمهور المحققين المنع من أنه كذب وبيانه من وجوه: الأول أنه من المعاريض التي يقصد بها الحق وهو إلزام الخصم وتبكيته كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط في غاية الحسن، أنت كتبت هذا وصاحبك أمي لا يحسن الخط فقلت له: بل كتبته أنت.

كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع استهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي.

الثاني أن إبراهيم  غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزينة، وكأن غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي تسبب لاستهانته بها.

الثالث أن يكون ذلك حكاية لما يؤل إليه مذهبهم كأنه قال: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبدو يدعى إلهاً أن يقدر على أمثال هذه الأفعال، ويؤيد هذا الوجه ما يحكى أنه قال ﴿ فعله كبيرهم هذا ﴾ غضب أن تعبد معه هذه الصغار، الرابع ما يروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله ﴿ بل فعله ﴾ ثم يبتدئ ﴿ كبيرهم هذا ﴾ أي فعله من فعله.

الخامس عن بعضهم أنه يقف عند قوله ﴿ كبيرهم هذا فاسئلوهم ﴾ وأراد بالكبير نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم.

السادس أن في الكلام تقديماً وتأخيراً والتقدير "بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم".

فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطاً بكونهم ناطقين، فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين، السابع قراءة محمد بن السميفع ﴿ فعله كبيرهم ﴾ بالتشديد أي فلعل الفاعل ﴿ كبيرهم ﴾ وفيه تعسف.

وأما قول إبراهيم  ﴿ إني سقيم ﴾ فلعله كان به سقم قليل وسوف يجيء تمام البحث فيه.

وأما قوله لسارة "إنها أختي" فالمراد أنها أخته في الدين فلم يكن وقتئذ على وجه الأرض مسلم سواهما ﴿ فرجعوا إلى أنفسهم ﴾ حين نبههم على قبح طريقتهم ﴿ فقالوا إنكم أنتم الظالمون ﴾ لأنكم تعبدون من لا يستحق العبادة.

وقال مقاتل: معناه فلاموا أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير.

وقيل: أنتم الظالمون لأنفسكم إذا سألتم منه ذلك حتى أخذ يستهزئ بكم في الجواب.

يقال: نكسته اي قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وانتكس انقلب، وانتكاس الإنسان هو أن يكون رأسه من تحت فلهذا قال ﴿ ثم نكسوا على رؤوسهم ﴾ والمراد أنهم استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاؤوا بالفكرة الصالحة، ثم انقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا في المجادلة قائلين ﴿ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ﴾ وفيه أنهم رضوا بإلاهتها مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق.

وقال ابن جرير: المعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم وبيان انتكاس الحجة قولهم ﴿ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ﴾ فإن هذه حجة عليهم لا لهم.

وقيل: المراد بانتكاس رؤوسهم إطراقهم خجلاً وانكساراً.

ثم زاد إبراهيم في توبيخهم قائلاً ﴿ أفتعبدون ﴾ الآية وقد مر في سورة سبحان أن "أف" صوت يدل على التضجر، والام لبيان المتأفف به، أي لكم ولآلهتكم هذا التأفف وذلك أنه أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم.

﴿ قالوا حرقوه ﴾ المشهور أن الذي اشار بتحريقه هو نمرود بن كنعان ابن سنجاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح.

وقال مجاهد: سمعت ابن عمر يقول: إنه رجل من أعراب العجم يريد الأكراد.

وعن ابن جريج عن وهب أن الذي قال هذا القول قد خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.

روى مقاتل أن نمرود وقومه أجمعوا على إحراقه فحبسوه ثم بنوا بيتاً كالحظيرة بكوثى وهي من قرى الأنباط وذلك قوله ﴿ ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم  ﴾ ثم جمعوا له الحطب الكثير اربعين يوماً حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم.

فلما اشتعلت النار اشتدت وصار الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق ثم أخذوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً فضجت السماء والأرض ومن فيهما من الملائكة إلا الثقلين ضجة واحدة: أي ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم وإنه يحرق فيك، فأذن لنا في نصرته، فقال  : إن استغاث بأحد منكم فأغيثوه وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه.

فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن الرياح وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليك.

ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل.

وروي أنه قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك.

ثم أتاه جبرائيل في الهواء فقال: يا إبراهيم هل لك حاجة؟

قال: أما إليك فلا.

قال: فسل ربك.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي: فأرسل الله ملائكة أخذوا بضبعيه وأقعدوه في الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس ولم تحرق النار منه إلا وثاقه.

وأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة وقال: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي.

قال المنهال بن عمرو: أخبرت أن إبراهيم مكث في النار أربعين يوماً أو خمسين.

وقال: ما كنت أياماً أطيب عيشاً مني إذ كنت فيها قلت: وذلك لاستغراقه في بحر الفيوض والآثار الربانية ولو لم يكن فيه إلا القرب من لطف خليله والبعد من قهر عدوه لكفى.

ثم نظر نمرود من صرح له مشرف على إبراهيم فرآه جالساً في روضة ومعه جليس له من الملائكة والحطب يحترق حواليه فناداه يا إبراهيم: هل تستطيع أن تخرج منها؟

قال: نعم.

فقام يمشي حتى خرج.

فقال نمرود: إني مقرب إلى ربك قرباناً فذبح أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم، وكان إبراهيم  إذ ذاك ابن ست عشرة سنة.

قال العلماء: اختاروا العقاب بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه ولهذا جاء في الحديث "لا يعذب في النار إلا خالقها" ومن ثم قالوا ﴿ وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ﴾ أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصراً قوياً فاختاروا له أشد العقاب وهو الإحراق وإلا كنتم مقصرين في نصرتها ﴿ قلنا ﴾ عن السدي أن القائل هو جبرائيل  والأكثرون على أنه  .

وذهب ابو مسلم الأصفهاني إلى أنه لا قول هناك بل أراد به الجعل لأن النار جماد فلا فائدة في خطابه.

ويمكن أن يجاب بأن الله قادر على أن يخلق لها فهماً يصح به التخاطب، ولو سلم فلعل في ذلك الخطاب مصلحة للملائكة.

والظاهر أن قوله ﴿ يا نار ﴾ خطاب لتلك النار المخصوصة فإن الغرض يتعلق ببردها فقط وفي النار منافع للخلائق، فلا يحسن من الكريم إبطالها.

وقيل: المذكور اسم الماهية فلا بد من حصول البرد في تلك الماهية أينما وجدت، ويناسبه رواية مجاهد عن ابن عباس أنه لم يبق يومئذ في الدنيا ونار إلا طفئت.

واختلفوا في أن النار كيف بردت؟

فقيل: إنه  أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق والله على كل شيء قدير.

وقيل: خلق في جسد إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار كما يفعل بخزنة جهنم، وكذلك في النعامة لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة، والسمندل ولا يؤذيه المقام في النار.

وقيل: جعل بينه وبين النار حائلاً منع وصول اثر النار إليه.

والمحققون على القول الأول لأن النص دل ظاهره على أن نفس النار صارت باردة، وليست الحرارة جزءاً من مسمى النار حتى يمتنع كونها ناراً وهي باردة، وأما على القولين الآخرين فيلزم أن لا يحصل البرد فيها وهو خلاف النص قوله ﴿ وسلاماً ﴾ أي ذات برد وسلام فبولغ في ذلك حتى كأن ذاتها برد وسلام.

والمعنى ابردي حتى يسلم منك إبراهيم، أو ابردي برداً غير ضار ويناسبه ما روي عن ابن عباس لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها.

وقوله ﴿ على إبراهيم ﴾ حال من فاعل الكون أو متعلق بالبرد والسلام، ولولا هذا القيد لكانت النار برداً على كافة الخلق، قوله ﴿ فجعلناهم الأخسرين ﴾ وفي الصافات ﴿ فجعلناهم الأسفلين  ﴾ لأن في هذه السورة كادهم إبراهيم لقوله ﴿ لأكيدن أصنامكم ﴾ وكادوه لقوله ﴿ وارادوا به كيداً ﴾ فغلبهم إبراهيم لأنه كسر أصنامهم وسلم من نارهم فكانوا هم الأخسرين.

وفي الصافات ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم  ﴾ فأججوا ناراً عظيمة وبنوا بناء عالياً ورفعوه إليه ورموا به إلى أسفل فرفعه الله وجعلهم في الدنيا من السافلين وفي العُقبى في السافلين.

ويروى أنهم بنوا لإبراهيم بنياناً وألقوه فيه، ثم أوقد عليه النار سبعة أيام ثم أطبقوا عليه، ثم فتحوا عنه فإذا هو غير محترق يعرق عرقاً.

فقال لهم حارث أبو لوط: إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله، فجعلوا فوق بئر وأوقدوا تحته فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته فآمن له لوط كما يجيء في العنكبوت، وهاجر إلى ارض الشام فذلك قوله ﴿ ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها ﴾ اي بالخصب وسعة الأرزاق أو بالمنافع الدينية لأن أكثر الأنبياء بعثوا فيها.

وقيل: ما من أرض عذب إلا وينبع أصله من تحت صخرة بيت المقدس.

يروى أنه نزل بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة.

وقيل: الأرض مكة ﴿ ووهبنا له ﴾ أي لإبراهيم ﴿ إسحق ويعقوب نافلة ﴾ هي ولد الولد وهي حال من يعقوب فقط، وقيل: النافلة العطية الزائدة ومنه الصلاة النافلة.

ونوفل للرجل الكثير العطاء، وعلى هذا احتمل أن يكون حالاً من يعقوب فقط أي سأل إسحق فأعطيه وأعطى يعقوب زيادة وفضلاً من غير سؤال.

واحتمل أن يكون حالاً من كليهما أي وهبناهما له عطية منا، والأول قول مجاهد وعطاء، والثاني وهو أن النافلة العطية قول ابن عباس وأبي بن كعب وقتادة والفراء والزجاج ﴿ وكلا ﴾ من إبراهيم وإسحق ويعقوب ﴿ جعلنا صالحين ﴾ قال الضحاك: اي مرسلين وقال غيره: عالمين عاملين.

وفي قوله ﴿ جعلنا صالحين ﴾ وكذا قوله ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ دلالة الأشاعرة على أن الصلاح بجعل الله وكذا الإمامة وغيرها من الأفعال أجاب الجبائي بأنه اراد تسميتهم بذلك ومدحهم وأنه حكم به لهم كما يقال: إن الحاكم عدل فلاناً وجرحه إذا حكم بالعدالة والجرح، وضعف بأنه خلاف الظاهر.

وقوله ﴿ يهدون بأمرنا ﴾ اي يدعون الناس إلى دين الله بأمرنا وإرادتنا.

قال أهل السنة: فيه أن الدعوة إلى الحق والمنع من الباطل لا يجوز إلا بأمر الله  .

وقالت المعتزلة: فيه أن من صلح لأن يقتدى به في الدين فالهداية واجبة عليه ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها.

ولا خلاف في أن الهادي إذا كان مهتدياً بنفسه كان الإنتفاع بهداه أعم والنفوس إلى الاقتداء به أميل فلذلك قال ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات ﴾ اي أن يفعلوها لأن المراد هو إيحاء أن يحدثوا الخيرات من انفسهم ونفس الفعل الخير لا يمكن إيحاؤه فرد إلى فعل الخيرات تخفيفاً، فإن المقصود معلوم، ثم أضيف المصدر إلى المفعول لإفادة تخفيف آخر في اللفظ وكذلك ﴿ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ﴾ أي أوحينا إليهم أن يقيموا ويؤتوا، قال الزجاج، حذف الهاء من إقامة لأن المضاف إليه عوض منها.

وقال غيره: الإقام والإقامة مصدران.

ولا ريب أن تخصيص هاتين الخصلتين بالذكر دليل على شرفهما والأولى أصل التعظيم لأمر الله، والثانية أصل الشفقة على خلق الله.

﴿ وكانوا لنا عابدين ﴾ فيه أنه  لما وفى بعهد الربوبية فآتاهم النبوّة والدرجات العالية فهم ايضاً وفوا بعهد العبودية فلم يغفلوا عنها طرفة عين.

قوله ﴿ ولوطاً ﴾ عن الزجاج أنه معطوف على ﴿ أوحينا ﴾ وعن أبي مسلم أنه معطوف على قوله ﴿ ولقد آتينا إبراهيم ﴾ والحكم الحكمة، وقيل الفصل بين الخصوم، وقيل النبوة والقرية سذوم والمراد أهلها وخبائثهم مشهورة قد عددت في "الأعراف" وفي "هود".

و ﴿ قوم سوء ﴾ نقيض رجل صدق ﴿ وأدخلناه في رحمتنا ﴾ أي أهل رحمتنا أو في الجنة والثواب.

عن ابن عباس والضحاك.

وقال مقاتل: هي النبوة أي أنه لما كان من الصالحين آتيناه النبوة كي يقوم بحقها.

وقال أهل التحقيق: حين آتاه الحكم والعلم وتخلص من جلساء السوء فتحت عليه أبواب المكاشفات وتجلت له أنوار الذات والصفات وإنها هي الرحمة في الحقيقة.

قوله ﴿ ونوحاً ﴾ وكذا نظائره معطوف على قوله ﴿ ولقد آتينا ﴾ أو المراد واذكر نوحاً.

و ﴿ إذ نادى ﴾ بدل منه اي اذكر وقت ندائه ﴿ من قبل ﴾ هؤلاء المذكورين والنداء هو دعاؤه على قومه بنحو قوله ﴿ فدعا ربَّه أنّي مغلوب فانتصر  ﴾ .

وقوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاستجبنا له فنجيناه وأهله ﴾ أي أهل دينه وهم من معه في الفلك ﴿ من الكرب العظيم ﴾ وهو الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه وإيذائهم.

وفي لفظ الكرب وهو الغم الذي يأخذ بالنفس، ثم وصفه بالعظم إشعار بأنه  لقي من قومه أذى شديداً لا يكتنه كنهه.

ثم زاده بياناً بقوله ﴿ ونصرناه ﴾ الاية.

تقول: نصرته منه فانتصر إذا جعلته منتصراً منه أي منتقماً.

﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في ﴾ شأن ﴿ الحرث إذ نفشت ﴾ ظرف ﴿ ليحكمان ﴾ وهو حكاية حال ماضية.

قال ابن السكيت.

النفش بالتحريك أن ينتشر الغنم بالليل من غير راع وعليه جمهور المفسرين.

وعن الحسن: إنه يكون ليلاً ونهاراً.

وليس في قوله ﴿ وكنا لحكمهم ﴾ دلالة على أن أقل الجمع اثنان لاحتمال أنه أرادهما والمتحاكمين إليهما.

والضمير في ﴿ ففهمناها ﴾ للحكومة أو الفتوى.

ويروى أنه دخل رجلن على داود  أحدهما صاحب حرث.

اي زرع.

وقيل كرم- والآخر صاحب غنم.

فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا دخلت حرثي وأكلت منه شيئاً.

فقال داود: اذهب فإن الغنم لك.

فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟

فأخبراه.

فقال: لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا.

فأخبر بذلك أبوه فدعاه وقال: كيف كنت تقضي بينهما؟

قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث فتكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا عاد الحرث من العام القابل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم غلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه.

قال أبو بكر الأصم: الحكمان واحد لأن الثاني بيان للأول.

والمشهور عن الصحابة ومن بعدهم أنهما متغايران لقوله ﴿ وكنا لحكمهم ﴾ ولقوله: ﴿ ففهمناها ﴾ والفاء للتعقيب فدل على أنه فهم حكماً خلاف الأول.

وعلى تقدير الاختلاف فهما بالوحي أو بالاجتهاد، فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من لم يجوز الاجتهاد على الأنبياء أصلاً كالجبائي لقوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ ﴿ أن أتبع إلا ما يوحى إليّ  ﴾ ولأن النبي قادر على تحصيل حكم الواقعة بالنص، ولأن مقتضى الاجتهاد مظنون وخلاف المظنون لا يوجب الكفر وخلاف الرسول يوجب الكفر، ولما ثبت أن النبي  كان يتوقف في بعض الأحكام انتظاراً للوحي ولو جاز له الاجتهاد لم يتوقف، ولأنه لو جاز على النبي لجاز على جبرائيل ايضاً وحينئذ يرتفع الأمان عن الوحي فلعل هذه الشرائع من مجتهدات جبرائيل.

وأجيب بأنه إذا أوحي إليه جواز الاجتهاد له صح قوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى  ﴾ وبأن الحكم الحاصل عن الاجتهاد مقطوع لا مظنون لأنه  إذا قال له مهما غلب على ظنك كون الحكم في الأصل معللاً بكذا ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بذلك فهذا الحكم مقطوع به والظن واقع في طريقه.

سلمنا جواز المخالفة لكنه مشروط بصدوره عن غير معصوم، ولهذا لو اجتمعت الأمة على مسألة اجتهادية امتنع خلافهم.

وكان الرسول أوكد، وبأن التوقف لعله وجد منه حين لم يظهر له وجه الاجتهاد وبأن الأمة أجمعوا على عدم جواز اجتهاد جبرائيل.

ومما يدل على جواز الاجتهاد لنا أنه إذا غلب على ظن المجتهد أحد الطرفين فإن عمل بهما كان جمعاً بين النقيضين، وان أهملهما لزم ارتفاع النقيضين، وإن عمل بالمرجوح دون الراجح فذلك باطل بالاتفاق فلم يبق إلا العمل بالراجح.

قال الجبائي: ولئن سلمنا أن الاجتهاد على الأنبياء جائز لكن هذه المسألة غير اجتهادية لأن الذي أتلفه صاحب الماشية مجهول المقدار، فكيف يجعل الغنم في مقابلة ذلك؟

وأيضاً إن اجتهاد داود إن كان صواباً فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان خطأ فكيف لم يذكر الله توبته بل مدحه بقوله ﴿ وكلا آتينا حكماً وعلماً ﴾ وايضاً لو حكم بالاجتهاد لم يسم ذلك علماً، وأيضاً قوله ﴿ ففهمناها ﴾ يدل على أنه من الله لا من سليمان.

وأجيب بأن الجهالة بعد تسليمها قد تكون معفواً عنها كما في حكم المصراة، ولعل الخطأ في اجتهاده كان من الصغائر فلهذا أهمل ذكره والاجتهاد من باب العلوم والظن في الطريق كما مر، والذي يحصل في نظر المجتهد مستند إلى الله.

أما الذين منعوا من الاجتهاد مطلقاً أو في هذه المسألة، فذهبوا إلى أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان، ولا استبعاد في أن يوحي الناسخ إلى غير من أوحى إليه المنسوخ.

قال الفقهاء: مثال حكومة داود في شرعنا قول أبي حنيفة في العبد إذا جنى على النفس خطأ يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وعند الشافعي يبيعه في ذلك ويفديه، ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث.

ومثال حكومة سليمان قول الشافعي فمن غصب عبداً فأبق من يده فإنه يضمن القيمة فينتفع به المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر العبد يرد ويقال له ضمان الحيلولة.

هذا ولو وقعت هذه القضية في شرعنا فلا ضمان عند أبي حنيفة وأصحابه لا بالليل ولا بالنهار، لأن (جرح العجماء جبار.) إلا أن يكون معها راع.

والشافعي يوجب الضمان بالليل دون النهار لأن الليل وقت الهدوء وجمع الماشية، فتسريحها تقصير من صاحبها بخلاف النهار.

وعن البراء بن عازب أنه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدته، فذكروا ذلك لرسول الله  فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، لأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.

قال بعض الأصوليين: كل مجتهد مصيب لقوله ﴿ وكلا آتينا حكماً وعلماً ﴾ وقال بعضهم: المصيب واحد لقوله ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ ولو كان كلاهما مصيباً لم يكن لتخصيص سليمان بالفهم فائدة.

وضعف بعضهم كلا الاستدلالين بعد تسليمهما بأن ما ثبت في شرعهم لا يلزم أن يكون ثابتاً في شرعنا.

ولما مدح داود على سبيل الاشتراك ذكر ما يختص بكل منهما فبدأ بداود قائلاً: ﴿ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ﴾ أي حال كونهن مسبحات أو هو استئناف كأنه قيل: كيف سخرهن؟

فقال: ﴿ يسبحن ﴾ ﴿ والطير ﴾ وهو معطوف على الجبال أو مفعول معه، وتسبيح الجبال إما حقيقة أو مجاز وعلى الأول قال مقاتل: كان إذا سبح داود سبح الجبال والطير معه.

وقال الكلبي: إذا سبح داود أجابته الجبال.

وقال سليمان بن حيان: كان داود إذا وجد فترة أمر الله  الجبال فسبحت فيزداد نشاطاً واشتياقاً.

وعلى الثاني قيل: كانت الجبال تسير معه حيث سار فكل من رآها كان يسبح الله  ، فلما حملت على التسبيح وصفت به وهذا القول اختيار كثير من أصحاب المعاني والمعتزلة، لأن الجماد غير قابل للحياة والفهم عندهم، ولأن المتكلم هو الذي يفعل الكلام لا الذي يكون محلاً للكلام، ولهذا يقال: إن المتكلم هو الله حين كلم موسى لا الشجرة.

وإنما قدم التسبيح الجبال على الطير لأن ذلك أدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، فإن الطير أقرب إلى الحيوان الناطق من الجماد ولا يلزم من نطق الطير أو الجبل أن يكونا مكلفين فليس كل ناطق مكلفاً كالأطفال والمجانين: ﴿ وكنا فاعلين ﴾ اي قادرين على أن نفعل أمثال هذه الخوارق على أيدي الأنبياء لأجلهم وإن كانت عجيبة عندكم.

واللبوس اللباس يقال: البس لكل حالة لبوسها والمراد الدرع.

عن قتادة أنها كانت صفائح فسردها وحلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وتوارث الناس منه وعمت النعمة بها لكل المحاربين فلذلك قال ﴿ فهل أنتم شاكرون ﴾ قال علماء المعاني: هذا التركيب أدخل في الإنباء عن طلب الشكر من قولنا "فهل أنتم تشكرون" إذ المختار فيه أن يقدر مفسر محذوف اي هل تشكرون تشكرون.

ومن قولنا" أفأنتم شاكرون" لأنه وإن كان ينبئ عن عدم التجدد لمكان الجملة الاسمية إلا أنه دون المذكور في القرآن فإن "هل" ادعى للفعل من الهمزة، فترك الفعل معه يكون أدخل في الإنباء عن استدعاء المقام عدم التجدد لأن تخلف المعلوم عن العلة القوية يدل على وجود مانع أقوى منه إذا تخلف عن العلة الضعيفة.

ثم حكى ما أنعم به على سليمان فقال ﴿ ولسليمان ﴾ أي وسخرنا له ﴿ الريح ﴾ حال كونها ﴿ عاصفة ﴾ ولا ينافي هذا قوله في ﴿ فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب  ﴾ لأن المراد أنها مع كونها في نفسها رخية طيبة كالنسيم كانت في عملها عاصفة تحمل كرسيه من اصطخر إلى الشام، أو أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفاً لهبوبها على حسب إرادته وأمره.

وفي قوله ﴿ وكنا بكل شيء عالمين ﴾ إشارة أنه فعل كل ما فعل بالأنبياء المذكورين عن حكمة بالغة وتدبير محكم وإحاطة بأحوالهم وعلم باستئهالهم.

قوله ﴿ ومن الشياطين ﴾ أي سخرنا من الشياطين ﴿ من يغوصون له ﴾ ويجوز أن يكون الكلام خبر أو مبتدأ و "من" موصولة أو موصوفة.

كانوا يغوصون لأجله في البحار فيستخرجون الجواهر ﴿ ويعملون عملاً دون ذلك ﴾ أي متجاوزاً ما ذكر من بناء المدائن والقصور وسائر الصنائع العجيبة.

قالت العلماء: الظاهر أن التسخير لكفارهم دون المؤمنين منهم لإطلاق الشياطين ولقوله: ﴿ وكنا لهم حافظين ﴾ أي من أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم فساد في الجملة إذ كان من دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار.

والحفظ إما بسبب الملائكة أو مؤمني الجن الموكلين بهم، أو بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم مخالفته.

قال ابن عباس في تفسيره: يريد أن سلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء.

قبل الجبائي: كيف تتهيأ منهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة وإنما تمكنهم الوسوسة فقط، فلعل الله  كثف أجسامهم خاصة وقواهم على تلك الأعمال الشاقة وزاد في عظمهم معجزة لسليمان فلما مات سليمان ردهم إلى الخلقة الأولى.

إذ لو أبقاهم على الخلقة الثانية لكان شبهة على الناس، فلعل بعض الناس يدعي النبوة ويجعله دلالة عليها.

واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي  بأنك لم قلت: إن الجن أجسام فلعلهم من الموجودات التي ليست متحيزة ولا حالة في المتحيز.

ولا يلزم منه الاشتراك مع الباري فإن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فضلاً عن اللوازم السلبية.

سلمنا أن الجن أجسام لكن لم قلت: إن البنية شرط للقدرة وليس في يدكم إلا الاستقراء الضعيف؟

سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم فمن اين يلزم ردهم إلى الخلقة الأولى؟

فإن قال: لئلا يفضي إلى التلبيس.

قلنا: إذا ثبت أن ذلك كان معجزة لنبي قبله لم يتمكن المتنبي من الاستدلال ومن عجيب قدرة الله  أن أصلب الأجسام في هذا العالم الحجارة والحديد، وقد سخرهما الله  لداود فأنطق الحجر ولين الحديد، وفي ذلك دلالة باهرة على أنه  قادر على إحياء العظام الرميمة.

ومن الغرائب أن الشياطين مخلوقة من النار وكان يأمرهم بالغوص في الماء، وفيه إظهار الضد بالضد فتبارك الله رب العالمين.

ومن عجائب القصص والأخبار حكاية أيوب  وصبره على بلائه حتى صار مثلاً.

عن وهب بن منبه أنه كان من الروم من ولد عيص بن إسحاق وكانت أمه من ولد لوط اصطفاه الله وجعله نبياً، ومع ذلك بسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف المواشي وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل.

وكان إبليس لا يحجب عن السموات حين اخرجه الله من الجنة حتى رفع عيسى  فحجب عن أربع حتى إذا ولد نبينا  حجب عن جميع السموات إلا من استرق السمع.

قال: فسمع غبليس تحاور الملائكة في شأن أيوب فأدركه الحسد فقال: يا رب إنك أنعمت على عبدك ايوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجرّبه بشدة ولا بلاء، وأنا زعيم إن ضربته بالبلاء ليكفرن بك.

فقال الله  : انطلق فقد سلطتك على ماله.

فجمع إبليس عفاريت الجن وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال ايوب.

فقال عفريت أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من النار فأحرقت كل شيء فقال إبليس: فأت الإبل ورعاتها.

فذهب ولم يشعر الناس حتى ظهر من تحت الأرض، إعصار لا يدنو منها شيء إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها.

فذهب إبليس على شكل أولئك الرعاء إلى أيوب فوجده قائماً يصلي، فلما فرغ من الصلاة قال: يا ايوب هل تدري ما الذي صنع ربك؟

وأخبره بحال الإبل ورعاتها.

فقال أيوب: إنها ماله إذا شاء نزعه.

فقال إبليس: إن الناس منهم من يقول ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول: لو كان إلهه يقدر على شيء لمنع من وليه.

ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت به أعداءه ويفجع به أصدقاءه فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، خرجت من بطن أمي عُرياناً وأضجع في التراب عُرياناً وأحشر إلى الله عُرياناً، ولو علم الله عرياناً، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الرواح وصرت شهيداً وأوجر فيك.

فرجع غبليس إلى أصحابه خاسئاً فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتاً لا يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه.

فقال إبليس: فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها، فخرج إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول، ورد عليه أيوب الرد الأول، فرجع إبليس صاغراً فقال له عفريت آخر: عندي من القوة إذا شئت تحولت رياحاً عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه قال: فاذهب إلى الحرث والثيران، فأتاهم فأهلكهم وأخبر إبليس به ايوب فرد عليه مثل الرد الأوّل، فجعل إبليس يصيب أمواله شيئاً فشيئاً حتى أتى على جميعها.

فلما رأى إبليس صبره على ذلك صعد إلى السماء وقال: إلهي هل أنت مسلطي على ولده فإنها الفتنة الكاملة.

فقال الله: انطلق فقد سلطتك، فأتى أولاد ايوب في قصرهم فقلب القصر عليهم ثم جاء إلى أيوب متمثلاً بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه ودماغه فقال: لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل جميع أدمغتهم من أنوفهم لتقطع قلبك!

فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب وبكى وقبض قبضة من التراب فحثاها على رأه، فاغتنم ذلك إبليس، ثم يلبث أيوب حتى استغفر واسترجع فصعد إبليس ووقف موقفه وقال: إلهي إنما هون أيوب خطب المال والولد لعلمه أنك تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده وإني لك زعيم لو ابتليته في جسده ليكفرن بك.

فقال  : انطلق فقد سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه.

فأتاه فنفخ في منخره حين هو ساجد فاشتعل منه جسده وخرج من فرقه إلى قدمه ثآليل، وقد وقعت فيه حكة لا يملكها فكان يحك بأظفاره حتى كشطت أظفاره، ثم حكها بالمسوح الخشنة ثم حكها بالفخار والحجارة، ولم يزل يحكها حتى تقطع لحمه وتغير وأنتن فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشاً، ورفضه الناس كلهم غير امرأته رحمة بنت إفرايم بن يوسف  فكانت تصلح أموره.

ثم إن وهباً طول في الحكاية إلى أن قال: إن أيوب  أقبل على الله  مستغيثاً متضرعاً إليه قائلاً: يا رب لأي شيء خلقتني يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، يا ليتني كنت عرفت الذي أذنبته والعمل الذي عملت حتى صرفت وجهك الكريم عني.

ألم أكن للغريب داراً وللمسكين قراراً ولليتيم ولياً وللأرملة قيماً.

إلهي أنا عبد ذليل فإن أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي.

جعلتني للبلاء غرضاً وسلطت عليّ ما لو سطته على جبل لضعف عن حمله.

إلهي تقطعت أصابعي وسقطت لهواتي وتناثر شعري وذهب المال وصرت أسال اللقمة فيطعمني من يمن بها عليّ ويعيرني بفقري وهلاك أولادي.

قال الإمام أبو القاسم الأنصاري في جملة هذا الكلام: ليتك لو كرهتني لم تخلقني.

ثم قال: ولو كان ذلك صحيحاً لاغتنمه إبليس فإن قصده أن يحمله على الشكوى وأن يخرجه من زمرة الصابرين.

قلت: إن غرض إبليس لا يحصل بمجرد الشكوى وإنما كان غرضه أن يرتد أيوب  ولهذا قال سفيان بن عيينة: من شكا إلى الله  فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله  إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء.

الم تسمع قول يعقوب  : ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله  ﴾ .

ومما حكاه الله  من شكوى أيوب قوله ﴿ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ الضر بالفتح الضرر في كل شيء، وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال.

قال جار الله: ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة عليه وذكر ربه بما يجب أن يصدر دعاء الرحمة عنه ولم يصرح بالمطلوب، وحسن الطلب باب من أبواب الأدب.

يحكى أن عجوزاً تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصا.

فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثبة الفهود وملأ بيتها حباً.

وفي قوله: ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ رمز إلى أنه جواد مطلق لا يرحم لمنفعة تعود إليه، ولا لمضرة يدفعها عنه، ولا يطلب شيئاً، ولا يجلب مدحاً وكل رحيم سواه.

فأما رحمته لغرض من الأغراض أو لرقة طبع ونحو ذلك على أن تلك الرحمة أيضاً تتوقف على داعية يخلقها الله فيه، والآفات والآلام التي تراها في هذا العالم كلها مستندة إلى صفة قهره التي لا بد لكل ملك منه أو مستتبعة لمصالح وغايات لا يعلمها إلا هو، وإنها ضرورية في الوجود لاشتمالها على خيرات أكثر من الشرور.

واختلف العلماء في السبب الذي لأجله دعا الله ايوب؛ فعن أنس أن رسول الله  قال: "إن أيوب  بقي في البلاء ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان فدخلا عليه ذات يوم فوجدا ريحاً فقالا: لو كان أيوب عند الله خير ما بلغ إلى هذه الحالة.

قال: فما شق على أيوب شيء مما ابتلي به مثل ما سمع منهما.

فقال: اللهم إن كنت تعلم إني لم أبت شبعان وأنا أعلم بمكان جائع فصدق وهما يسمعان ثم خر أيوب ساجداً.

وقال: اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي فكشف الله ما به" .

وقال الحسن: مكث أيوب بعدما ألقي على الكناسة سبع سنين وأشهراً ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته صبرت معه وكانت تأتيه بالطعام.

وكان أيوب مواظباً على حمد الله والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه فصرخ إبليس صرخة جزعاً من صبر أيوب فاجتمع جنوده من أقطار الأرض قالوا له: ما خبرك؟

قال: أعياني هذا العبد الذي سالت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فإنه لا يزيد بالبلاء إلاّ صبراً وحمداً لله  .

فقالوا له: أي مكرك أين عملك الذي أهلكت به من مضى؟

من اين أتيت آدم حين أخرجته من الجنة؟

قال: من قبل امرأته.

قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإِنه لا يستطيع أن يعصيها لأنه لا يقربه أحد غيرها.

قال: أصبتم فانطلق حتى إذا أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة الله؟

قالت: هو هذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده.

فظن إبليس أنها جزعت فطمع فيها ووسوس إليها وذكر لها ما كان بها من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه.

قال الحسن: فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة وقال: لتذبح هذه باسم أيوب ويبرأ.

قال: فجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك أين المال وأين الماشية؟

أين الولد؟

أين الصديق؟

أين اللون؟

أين الحسن؟

أين جسمك الذي قد بلى وقد صار مثل الرماد وتتردد فيه الدواب؟

اذبح هذه السخلة واسترح، فقال أيوب: أتاك عدوّ الله ونفخ فيك ويلك من أعطانا الذي تذكرين من المال والولد والصحة؟

قالت: الله.

قال: كم متعنا به؟

قالت: ثمانين سنة.

قال: فمنذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟

قالت: منذ سبع سنين وأشهر.

قال: ويلك ما أنصفت ربك ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة!

والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، أمرتني أن نذبح لغير الله وحرام عليّ أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذي تأتيني به فطردها.

فلما نظر ايوب في شأنه وليس عنده لا طعام ولا شراب ولا صديق وقد ذهبت امرأته خر ساجداً وقال ﴿ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ فقال: ارفع رأسك فقد استجبت لك ﴿ اركض برجلك  ﴾ فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق في ظاهر بدنه دابة.

إلا سقطت ثم ضرب رجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً، وعاد غلى شبابه وجماله حتى صار أحسن مما كان حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب فجعل يضكه بيده فأوحي إليه: يا أيوب ألم أغنك؟

قال: بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها.

قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف.

ثم إن امرأته قالت: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت وتأكله السباع لأرجعن إليه.

فلما رجعت ما رأته في تلك الكناسة ولا تلك الحالة فجعلت تطوف وتبكي فدعاها أيوب وقال: ما تريدين يا أمة الله؟

فقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة.

فقال: تعرفينه إذا رايته؟

قالت: وهل يخفى علي أحد يراه.

فتبسم قائلاً: أنا هو.

فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال: إنك أمرتني أن أذبح لإبليس وإني أطعت الله وعصيت الشيطان فعافاني الله ببركة ذلك.

الرواية الثالثة: قال الضحاك ومقاتل: بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، فلما غلب أيوب إبليس ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والحجسم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها: أنت صاحبة أيوب؟

قالت: نعم.

قال: فهل تعرفيني؟

قالت: لا.

قال: أنا إله الأرض، أنا صنعت بأيوب ما صنعت وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك جميع ما لكما من مال وولد فإن ذلك عندي.

قال وهب: وسمعت أنه قال: لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله  لعوفي مما فيه من البلاء.

وايضاً قال لها: لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى ارد عليك المال والولد وأعافي زوجك.

فرجعت إلى أيوب فأخبرته فقال: أتاك عدوّ الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجلدنك مائة جلدة وقال عند ذلك ﴿ مسني الضر ﴾ يعني من طمع إبليس في سجودي وسجود زوجتي له.

الرواية الرابعة قال إسماعيل السدي: إن إبليس تمثل للقوم في صورة بشر وقال: تركتم أيوب في قريتكم أعدى إليكم ما به من العلة، فأخرجوه إلى باب البلد ثم قال لهم: إن امرأته تدخل عليكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون أن تعدي إليكم علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فتحيرت وكان لها ثلاث ذوائب فعمدت غلى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً فقال أيوب: من أين هذا؟

قالت: كل فإنه حلال.

فلما كان من الغد لم تجد شيئاً فباعت الثانية، وكذلك فعلت في اليوم الثالث وقالت: كل فإنه حلال.

فقال: لا آكل أو تخبريني فأخبرته فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم فقال: ﴿ رب إني مسني الضر ﴾ .

والرواية الخامسة قيل: سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها غلى موضعها وقال: قد جعلني الله طعمة لك فعضته عضة شديدة فقال: ﴿ مسني الضر ﴾ فأوحى الله إليه: لولا أني جعلت في كل شعرة منك صبراً لما صبرت.

واعلم أن مس الضر ههنا مطلق إلا أنه ورد في "ص" مقيداً وذلك قوله ﴿ أني مسني الشيطان بنصب وعذاب  ﴾ فصح أن يكون سنداً لهذه الروايات إلا أن الجبائي طعن فيها بأن الشيطان كيف يقدر على إحداث الأمراض والاسقام والقادر على ذلك قادر على خلق الأجسام وحينئذ يكون إلهاً.

وأيضاً إن هذه التأثيرات تنافي قوله  حكاية عنه ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم  ﴾ والجواب أنه كان بإذن من الله كما حكينا فلا محذور ولا تنافي.

وقال ومن البعيد أنه لم يسأل الله إلا عند أمور مخصوصة والجواب أن الأمور مرهونة بأوقاتها.

وقال انتهاء أمراض الأنبياء إلى حد التنفير من القبول غير جائز.

والجواب المنع ولا سيما بشرط العافية في العاقبة.

قوله  ﴿ فكشفنا ما به من ضر ﴾ مجمل يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله.

وقوله: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ تفصيل لذلك المجمل وفيه قولان: الأول قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومقاتل والكلبي: إن الله  أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم.

والثاني قال الليث: ارسل مجاهد إلى عكرمة وسئل عن الآية فقال: أراد أهلك لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا.

فقد روي أن زوجته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين ابناً له.

ثم بين الحكمة في ذلك الابتلاء ثم الاستجابة بقوله ﴿ رحمة من عندنا ﴾ لأيوب ﴿ وذكرى ﴾ لغيره من العابدين للرحمن أو الرحمة والذكرى كلاهما ﴿ للعابدين ﴾ لكي يتفكروا فيصبروا كما صبر حتى يثابوا في الدارين كما أثيب.

وإنما خص الرحمة والتذكرة بالعابدين لأنهم هم المنتفعون بذلك لا الذين يعبدون الهوى والشيطان.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ رحمة من عندنا ﴾ وقال في "ص" ﴿ رحمة منا  ﴾ لأنه بالغ ههنا في الدعاء بزيادة قوله: ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ فبالغ في الاستجابة لأن لفظ "عند" يدل على مزيد التخصيص وأنه  تولى ذلك من غير واسطة.

وحين ذكر صبر أيوب وانقطاعه إليه ذكر غيره من الأنبياء المشهورين بالصبر منهم إسماعيل  ، صبر على الانقياد للذبح وعلى الإقامة بوادٍ لا زرع فيه ولا ضرع، وصبر على بناء البيت ورفع قواعده، فلا جرم أخرج الله ببركة ذلك من صلبه خاتم النبيين، ومنهم إدريس وقد مر ذكره في سورة مريم.

قال ابن عمر: بعث إلى قومه داعياً لهم إلى الله فأبوا فأهلكهم الله ورفع إدريس إلى السماء.

ومنهم ذو الكفل قيل: هو زكريا وعلى هذا فقد تقدمت قصته أيضاً.

وفي هذا القول نظر، لأن قصة زكريا تجيء عن عقيب فيلزم التكرار.

وقيل: هو إلياس وكان خمسة من الأنبياء ذوي اسمين: إسرائيل ويعقوب، وإلياس وذو الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذو النون، ومحمد وأحمد.

وقيل: يوشع بن نون سمي بذلك لأنه ذو الحظ من الله ديناً ودنيا، أو لأنه كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم.

وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد: إنه لم يكن نبياً ولكن كان عبداً صالحاً، وقال الحسن والأكثرون: إنه من الأنبياء وهذا أقرب لأنه معطوف عليهم معدود فيما بينهم.

يروى عن ابن عباس أن اليسع أو نبياً آخر في بني إسرائيل قربت وفاته فأراد أن يستخلف رجلاً على الناس فقال: من يقبل مني خلافتي على أن يصلي بالليل ويصوم بالنهار ويقضي بين الناس فلا يغضب؟

فقام رجل وقال: أنا أتكفل لك هذه الثلاثة فدفع إليه ملكه ووفى بما ضمن، فحسده إبليس فأتاه وقت القيلولة فقال: إني لي غريماً قد ظلمني حقي وقد دعوته إليك فأبى فأرسل معي من يأتيك به، فأرسل معه وقعد حتى فاتته القيلولة وعاد إلى صلاته وصلى ليله إلى الصباح، ثم أتاه من الغد وقال مثل ذلك حتى شغله عن القيلولة وهكذا في اليوم الثالث.

وقيل: إنه في اليوم الثالث قال للبواب: قد غلب عليّ النعاس فجاء إبليس فلم يأذن له البواب فدخل من كوة البيت ودق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل وعاتب البواب فقال: أما من قبلي فلم تؤت فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق وإبليس على صورة شيخ في البيت فقال له: أتنام والخصوم على الباب فعرفه وقال: إبليس؟

قال: نعم.

أعييتني في كل شيء فعلت هذه الأفعال لأغضبك فعصمك الله مني فسمي ذا الكفل لأنه قد وفى بالكفالة.

ولا خلاف أن ذا النون هو يونس لأن النون هو المسكة والاسم إذا دار بين أن يكون لقباً محضاً وبين أن يكون مقيداً فحمله على المقيد أولى.

واختلفوا في أن وقوعه في بطن الحوت كان قبل اشتغاله بأداء الرسالة أو بعد.

أما القول الأوّل فعن ابن عباس أن يونس وقومه كانوا من فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله  إلى شعيب  أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبياً قوياً فإني ألقي في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل.

فقال له الملك: من ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء؟

فقال: يونس بن متى.

فإنه قويّ أمين.

فدعاه الملك وأمره أن يخرج فقال له يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟

قال: لا.

قال: فههنا أنبياء غيري فألحوا عليه فخرج مغاضباً للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوماً هناك وسفينة فركب معهم فاضطربت السفينة حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملاحون: ههنا رجل عاصٍ أو عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح، إلا وفيها رجل عاصٍ، ومن عادتنا في مثل هذا البلاء أن نقترع فمن خرجت له القرعة ألقيناه في البحر حتى تسلم السفينة.

فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة كلها على يونس.

فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق وألقى نفسه في البحر فابتلعه حوت، فأوحى الله  إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً لك.

ثم نجاه الله من بطن الحوت فنبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرتها حتى اشتد، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس فقيل له.

أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب سلامتهم؟.

فتوجه يونس نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فقال لملكهم: إن الله أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل.

فقالوا: ما نعرف ما تقول ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ولقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم، فلو كان كما تقول لمنعنا الله منكم.

فطاف فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله إليه قل لهم: إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب.

فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه.

فقال علماؤهم: اطلبوه فإِن كان في المدينة فليس ما ذكره بشيء، وإن كان قد خرج فهو كما قال.

فطلبوه فلم يجدوه، فلما أيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم وغنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات، فلما طلع الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاح الصبيان وثغت المواشي فرفع الله عنهم فبعثوا إلى يونس وآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل.

القول الثاني وعليه أكثر المفسرين: أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم كما مر في سورة يونس.

واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه القصة من وجوه: الأوّل أنه ذهب مغاضباً لربه هكذا فسره ابن عباس وابن مسعود والحسن والشعبي وسعيد وابن جبير ووهب واختاره ابن قتيبة ومحمد بن جرير، ومن المعلوم أن مغاضبة الله من أعظم الذنوب.

ولئن سلم أنه كان مغاضباً لقومه فذلك ايضاً محظور لأنه كان يجب أن يصبر معهم.

الثاني قوله ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ وهو شك في قدرة الله.

الثالث اعترافه بأنه من الظالمين والظلم من صفات الذم.

الرابع: إخبار الله  في موضع آخر بقوله ﴿ فالتقمه الحوت وهو مليم  ﴾ والمليم ذو الملامة.

الخامس: قوله للنبي  ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت  ﴾ وقال في موضع آخر ﴿ فاصبر كما صبر أُوْلُوْا العزم  ﴾ والجواب أنه  غضب لأجل ربه أنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله، وغاضب قومه بمفارقته كي يخوّفهم حلول العقاب عليهم عندها.

فغاية ما في الباب أن تلك المغاضبة ترك الأولى وهو الصبر على مشاق الرسالة بعد ادائها إلى أن يأذن الله له في المهاجرة.

وعن الثاني أن معنى.

﴿ لن نقدر عليه ﴾ لن نضيق كقوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر  ﴾ ﴿ ومن قدر عليه رزقه  ﴾ فهو من القدر لا من القدرة، ويجوز أن يكون من القدر بمعنى القضاء.

قال الزجاج: يقال قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً.

والمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وابن عباس في رواية واختاره الفراء والزجاج.

يقال: قدر الله عليه الضراء وقدر له السراء كما يقال: قدر القاضي على فلان أوله.

ولئن سلمنا أنه من القدرة فالمراد القدرة بالفعل أي فظن أن لن نعمل فيه قدرتنا، فالقدرة غير وإعمالها غير، فظن انتفاء الأول كفر دون الثاني أو هو وارد على سبيل التمثيل والاستعارة أي كانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله، أو هو استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه: عن ابن زيد.

سلمنا الكل لكن هذه الواقعة لعلها قبل رسالته كما حكينا ومثل هذا الظن في حق غير الأنبياء لا يبعد بوسوسة الشيطان، ولكن المؤمن يرده بعد ذلك بالبرهان.

وعن البواقي أن الكل راجع إلى ترك الأولى ونحن لا ننكر ذلك وكفى بذكر يونس في عدد الأنبياء الصابرين الصالحين دليلاً على أنه لم يصدر عنه شيء ينافي عصمته والله  أعلم.

أما قوله ﴿ فنادى في الظلمات ﴾ فمعنى الجمع راجع إلى شدة الظلمة وتكاثفها أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله ﴿ يخرجونهم من النور إلى الظلمات  ﴾ وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل.

وقيل: ابتلع حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطن الحوتين وظلمة البحر.

وقيل: إن الحوت إذا عظم غوصه في البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة.

ومعنى ﴿ أن لا إله إلا أنت ﴾ أي لا إله إلا أنت أو بأنه لا إله إلا أنت ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه له عن كل النقائص.

منها الظن المذكور على أي وجه فرض، ومنها العجز عن تخليصه، ومنها خلو ذلك الفعل عن حكمة كاملة.

﴿ إني كنت من الظالمين ﴾ بالفرار من غير إذن وأنا الآن من التائبين وفيه من حسن الطلب ما فيه فلذلك قال ﴿ فاستجبنا له ﴾ ثم بين الاستجابة بقوله ﴿ ونجيناه من الغم ﴾ أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته ﴿ و ﴾ كما أنجينا يونس من كرب الحبس إذ دعانا ﴿ كذلك ننجي المؤمنين ﴾ من كل كرب إذا استغاثوا بنا.

عن النبي  "ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له" .

وعن الحسن: ما نجاه الله إلا إقراره على نفسه بالظلم.

وقد بقي في الآية بحث لفظي وهو أن بعض أهل العربية غلطوا عاصماً في قراءته ﴿ نجي ﴾ بالتشديد والنون لا تدغم في الجيم.

واستخرج بعضهم له وجهاً وهو أن يكون ﴿ نجي ﴾ فعلاً ماضياً مجهولاً من التنجية لكنه أرسل الياء وأسند الفعل إلى المصدر المضمر ونصب المؤمنين بذلك المصدر أي نجى نجاء المؤمنين كقولك "ضرب الضرب زيداً" ثم ضرب زيداً على إضمار المصدر، وأنشد ابن قتيبة حجة لهذه القراءة: ولو ولدت فقيرة جرو كلب *** لسب بذلك الجرو الكلابا وقال أبو علي الفارسي وغيره من الأئمة المحققين: إن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر وإنما الوجه الصحيح في قراءة عاصم أن يحمل ذلك على الإخفاء، فلعل الراوي التبس عليه فظنه إدغاماً.

ثم بين انقطاع زكريا وتبتله غليه رغبة فيمن يؤنسه ويعينه في أمر دينه ودنياه وإن انتهى الحال به وبزوجته في الكبر إلى حد اليأس من ذلك عادة.

وفي قوله ﴿ وأنت خير الوارثين ﴾ وجهان: أحدهما أنه ثناء على الرب بأن مآل كل الأمور إليه فيكون مؤكداً لما فوض إليه أمر الولد.

والثاني أنه اراد إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث.

وفي إصلاح زوجه وجوه: منها أنها جعلت صالحة للولادة بعد عقرها.

ومنها أنها جعلت حسنة الخلق وكانت سيئة الخلق، ولا شك أن حسن خلق الزوج نعمة عظيمة.

ومنها أن الإصلاح يتعلق بأمر الدين كأنه سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعاً.

ويرد على الوجه الأول إن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد، والجواب أن الواو لا تفيد الترتيب أو أراد بالهبة إرادة الهبة.

أما الضمير في قوله ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ﴾ فقد قيل: إنه عائد إلى زكريا وولده وأهله.

وقال جار الله: إنه للمذكورين من الأنبياء عليهم السلام يريد أنهم ما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم إلا لمسارعتهم في تحصيل الخيرات، وهذا من أجلّ ما يمدح به المؤمن لأنه يدل على الجد والرغبة في الطاعة.

﴿ ويدعوننا رغباً ﴾ في ثوابنا ﴿ ورهباً ﴾ عن عقابنا.

ومعنى ﴿ خاشعين ﴾ قال الحسن: ذللاً لأمر الله.

وقيل: متواضعين.

وعن مجاهد: الخشوع الخوف الدائم في القلب.

وفي تقديم الجار والمجرور على ﴿ خاشعين ﴾ إشارة إلى أنهم لا يخشون أحداً إلا الله.

وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه الذي إذا ارخى ستره وأغلق بابه رأى الله منه خيراً ليس هو الذي يأكل خشباً اي علقاً ويبلس خشناً ويطأطئ رأسه.

ولما فرغ من ذكر الرجال الكاملين ذكر من هي سيدة نساء العالمين فمدحها بإحصان فرجها إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً حتى إنها منعت جبرائيل جيب درعها قبل أن عرفته.

والنفخ فيها عبارة عن إحياء عيسى في بطنها أي فنفخنا الروح في عيسى فيها كقول الزامر "فنفخت في بيت فلان" أي نفخت في المزمار في بيته، أو المراد وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا -وهو جبرائيل- لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ غلى جوفها.

وهذا البيان هو المراد في سورة التحريم فلذلك قال { ﴿ فنفخنا فيه  ﴾ أراد فرج الجيب أو غيره.

وإنما قال ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ لأنه أراد أن مجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير أب.

التأويل: الإشارات المفهومة من قصص الأنبياء أكثرها مرّ فلنذكر ما يختص بالمقام.

منها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم ﴾ أي الله الكبير لأن كسر الأصنام ليس من طبيعة الإنسانية بل من طبيعتها أن تنحتها، فإن صدر من أحدهم كسرها فإنما ذلك بتوفيق الله وتأييده.

فقوله ﴿ هذا ﴾ بدل الكلِ من الضمير في فعله: ﴿ قالوا حرقوه ﴾ إذا أراد الله أن يكمل عبداً من عباده المخلصين فداه خلقاً عظيماً كما أراد استكمال حوت في البحر فداه كثيراً من الحيتان الصغار، فلما أراد تخليص جسد الخلة من غش البشرية جعل نمرود وقومه فداء له حتى أجمعوا على تحريقه ولم يعلموا أن تلك النار له نور.

وذلك العذاب له روح وريحان، لأن نار العشق قد احرقت أنانيته حتى لم ير غير الله بل لم يبق إلا هو فلم يمكن للنار أن تتصرف فيه فوقع قوله: ﴿ قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ تمثيلاً لهذا المعنى.

بالنار خوفني قومي فقلت لهم *** النار ترحم من في قلبه نار ونجينا إبراهيم الروح ولوط القلب من أرض البشرية إلى أرض الروحانية المتبركة المشرفة المشرقة لتجلي الذات والصفات.

﴿ ونجيناه ﴾ من قرية القالب.

﴿ التي كانت تعمل الخبائث ﴾ بالأوصاف البهيمية والسبعية ﴿ وداود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ إذ يحكمان في ﴾ شأن حرث الدنيا ﴿ إذ نفشت ﴾ اي دخلت فيه في ظلمة ليل البشرية ﴿ غنم القوم ﴾ أي الصفات البشرية من غير راعي العقل فأفسدت الحرث بالإفراط والإسراف.

فحكم الروح بانجذابه إلى عالمه بالكلية أن يمنع الأوصاف عن التصرف فيها مطلقاً.

﴿ ففهمناها سليمان ﴾ القلب لكونه متقلباً في طودي الروح والجسد أن يحكم بمنع التصرف فيها إلى أن يعود الحرث من حالة الإسراف فيه المؤدي إلى الفساد إلى حالة التوسط والاعتدال الذي هو المعتبر في باب الكمال والإكمال جمعاً بين المصلحتين ورعاية للجانبين.

﴿ وسخرنا مع داود الجبال ﴾ وهي الأعضاء والجوارح التي فيها ثقل وكثافة ﴿ يسبحن ﴾ بتسبيحه ﴿ والطير ﴾ وهن القوى الحيوانية السيارة بل الطيارة بين قضاء القلب والقالب.

هذا في الباطن، وأما في الظاهر فإذا استولى سلطان الذكر على أجزاء البدن انعكس نوره في مرآة القلب إلى ما يحاذيها من الجمادات والحيوانات فيذكر ما يذكره كالحصاة سبحت في يد رسول الله  .

وعن بعض الصحابة أنه قال: كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه ﴿ وعلمنا صنعة لبوس لكم ﴾ إن الله  ألهم داود الروح كيفية إلانة القلب الذي هو في القساوة بمنزلة الحديد حتى يتولد من ذلك القلب أوصاف حميدة تحصن الإنسان من بأس الأعداء التي هي النفس والهوى والشيطان.

وسخرنا لسليمان} القلب ريح الروح الحيواني فإنه مركب الروح الإنساني به يتهيأ له السير إلى مقام بورك له فيه ﴿ ومن الشياطين ﴾ وهم الأوصاف النفسية ﴿ من يغوصون له ﴾ في بحر الحديد فيستخرجون درر الفضائل الإنسية ﴿ ويعملون عملاً دون ذلك ﴾ من الوسائط والوسائل إلى تلك الفضائل: ﴿ وكنا لهم حافظين ﴾ من أن يزيغوا عن سواء السبيل ويميلوا عن جادة الشريعة وقانون الطريقة.

قال أهل التحقيق: إذا بلغ الإنسان مبلغ الرجال البالغين سخر الله له بحسب مقامه السفليات والعلويات كما سخر لسليمان الريح والجن والشياطين والطير ومن العلويات الشمس حين ردت أجل صلاته، وسخر لنبينا جميع السفليات والعلويات حتى قال "زويت لي الأرض" وقال "أوتيت مفاتيح خزائن الأرض" وكان الماء ينبع من بين أصابعه.

وقال "نصرت بالصبا" وكانت الأشجار تسلم عليه وتسجد له وتنقلع بإشارته من مكانها وترجع، والحيوانات تتكلم معه وتشهد بنبوته.

وقال "أسلم شيطاني على يدي" .

وأما من العلويات فقد انشق القمر بإشارته وسخر له البراق وجبرائيل، وعبر السموات والجنة والنار والعرش والكرسي إلى مقام قاب قوسين أو أدنى.

﴿ وأيوب ﴾ القلب المبتلى بديوان الهواجس والوساوس الذي فارقه أوصافه الحميدة وأخلاقه الشريفة لشدة تألمه بالعلائق البدنية وعوائق الأمور الدنيوية ﴿ فكشفنا ما به من ضر ﴾ بأن قلنا له ﴿ اركض برجلك  ﴾ نظيره ﴿ وألق ما في يمينك  ﴾ لينبع ماء حياة العلم والمعرفة فتسلم من تعلقات الكونين المؤذية للقلب والروح ﴿ إذ ذهب ﴾ من عالمه ﴿ مغاضباً ﴾ لغيره من المجردات فألقي في بحر الدنيا فالتقمه حوت النفس الأمارة بالسوء، وابتلع حوت النفس حوت القالب ﴿ فنادى ﴾ في ظلمات حجب النفس والقالب والدنيا ﴿ وزكريا ﴾ الروح ﴿ وهبنا له يحيى ﴾ القلب ﴿ واصلحنا له ﴾ زوج القالب ﴿ ويدعوننا رغباً ﴾ في الفناء فينا ﴿ ورهباً ﴾ من البقاء بأنانيتهم ﴿ وكانوا لنا خاشعين ﴾ أما القالب فبأعمال الشريعة، وأما النفس فبتهذيب الأخلاق، وأما القلب فبالاطمئنان بذكر الله، وأما السر فباجتهاده في كشف الأسرار، وأما الروح فببذل الوجود في طلب المعبود، وأما الخفي فبإفنائه في الله وبقائه بالله.

﴿ ومريم ﴾ النفس ﴿ التي أحصنت ﴾ قلبها عن تصرفات الكونين فأحييناها بالحياة الأبدية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ...

﴾ الآية.

قال بعض الناس: دل تخصيص سليمان بالتفهيم على أنه لم يفهم داود ذلك، ويدل على ذلك وجوه: أحدها: إشراكه - عز وجل - إياهما جميعاً في الحكم والعلم وغيره؛ حيث قال: ﴿ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ ، ذكر ما كانا مشتركين فيه، وخص سليمان بالتفهيم؛ فدل التخصيص بالشيء أحدهما والإشراك في الآخر على أنه كان مخصوصاً به دون الآخر.

والثاني: أن هذه الأنباء إنما ذكرت لنا لنستفيد بها علماً لم يكن، فلو لم يكن سليمان مخصوصاً بالفهم دون داود، لكان [لا] يفيدنا سوى الحكم والعلم، وكنا نعلم أنهما قد أوتيا حكما وعلما، وكانا يحكمان بالعلم، فإذا كان كذلك، فدل التخصيص بالتفهيم لأحدهما على أن الآخر لم يكن مفهما ذلك، والله أعلم.

والثالث: فيه دلالة: أن المجتهد إذا حكم وأصاب الحكم أنه إنما أصاب بتفهيم الله إياه وبتوفيقه؛ حيث أخبر أنه قد آتاهما جميعاً العلم، ثم خص سليمان بالتفهيم، والتفهيم هو فعل الله؛ حيث أضاف ذلك إلى نفسه.

ثم إن كان ما ذكرنا كان في ذلك دلالة لأصحابنا، فيمن قتل مسلما في دار الحرب أسلم هنالك: أن عليه الكفارة، وليست عليه الدية؛ حيث قال: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ  ﴾ ذكر في الأولين الدية والكفارة جميعاً، ثم خص الثالثة بذكر الكفارة دون الدية؛ فدل التخصيص له بأحدهما على أن ليس عليه الآخر؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لكان يذكر في الأول الدية والكفارة، ولا يذكر في الآخرين، فيكون ما ذكر في الأول غير مذكور في الآخرين، أو لا يذكر ذلك كله في الكل، فإذا لم يفعل هكذا، ولكنه ذكر كل الواجب في الاثنين على الإبلاغ، وترك في الواحد أحدهما وذكر الآخر؛ فدل تخصيص الثالث بأحد الحكمين على أن ليس عليه الآخر.

ثم استدلوا بهذه الآية على جواز العمل والقضاء باجتهاد الرأي، فمنهم من استدل بإصابة المجتهد فيما يجتهد، وإن لم يصب هو الحكم الذي هو حكم عند الله فيه حقيقة، وهو قول من يقول: كل مجتهد مصيب فيما عليه من الاجتهاد في تلك الحادثة، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.

ومنهم من يستدل به بخطأ أحد المجتهدين وعذره في خطئه، فيذهب إلى أن المقصود مما كلف من الحكم في ذلك واحد لا حكمين مختلفين، فإذا كان المقصود مما كلف من الحكم فيه واحد؛ فلا يجوز أن يحكم اثنان في شيء واحد بحكمين مختلفين والمقصود فيه واحد، فيكونان جميعاً مصيبين، خص أحدهما بالتفهيم بقوله: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ ، فلو كانا جميعاً مصيبين كانا جميعاً مفهمين، فإذا أخبر أنه فهم سليمان ولم يفهم الآخر، دل أن المصيب هو المفهم منهما، وهو قول أبي حنيفة وبشر وغيرهما.

ومن استدل بإصابته يستدل بقوله: ﴿ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ أخبر أنه آتاهما حكما وعلما؛ فدل ذلك على أنه لم يكن عليهما غير ما فعلا وحكما فيه، وإن لم يصيبا الحكم الذي هو حكم حقيقة عند الله.

ثم ذكر في الآية: أنهما يحكمان في الحرث، ولم يذكر أنهما حكما بالضمان والبراءة عن الضمان وأي شيء كان حكمهما؛ فدل ترك بيان ما حكما فيه على أن ليس علينا ذلك الحكم؛ إذ بين لنا ما علينا العمل فيه وهو العمل بالاجتهاد؛ حيث قال: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ ، ولم يبين لنا الحكم الذي حكما فيه، فدل بيان أحدهما وترك بيان الآخر على أن ليس علينا الذي ترك ذكره وبيانه، إلا أن أهل التأويل حملوا حكمهما على الضمان والبراءة، وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول الله  : روي: "أن ناقة لرجل هاربة دخلت حائط رجل فأفسدت ما فيه، فكلم رسول الله فيها، فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ المواشي بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ما شيتهم بالليل" .

وروي أن رسول الله  قال: "مَا أَصَابَتِ الماشيةُ بالليلِ فعَلَى أهلِهَا، ومَا أَصَابَتْ بالنهارِ فليسَ على أهلِهَا منه شَيءٌ" ، لكن الخبر إنما جاء في المدينة، وفي المدينة إنما ترعى الماشية في السكك؛ إذ ليس لها مراعٍ، ونحن نقول: إن من أرسل ماشية في مكان لا مرعى لها إلا كرم إنسان أو حائط فأفسدته، فالواجب عليه الضمان: ضمان ما أفسدت، وهو كمن يرسل الماء في ملكه في مكان لا يقر فيه، فتعدى إلى ملك جاره فأفسده - فعليه ضمان ما أفسده منه.

ومن الناس من يجعل الخبر منسوخاً بما جاء: (جرح العجماء جبار)، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، وإنما يكون جرحها جبارا إذا تعدت هي من غير إرسال صاحبها، فأما إذا كان يصنع صاحبها فعليه الضمان، والله أعلم.

وقال القتبي: ﴿ نَفَشَتْ ﴾ أي: رعت ليلا، يقال: نفشت الغنم بالليل، وهي إبل نفش وأنفاش واحدها: نافش، وسرحت وسربت بالنهار.

وقال أبو عوسجة: ﴿ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ ﴾ ، يقال: أنفشنا الغنم: إذا أثرناها في الليل فرعت، وهو النفش ونفشت، أي: انتشرت بغير علم أهلها، ونفشت تنفش نفشاً فهي نافشة.

قال أبو عبيدة: النفش بالليل: أن تدخل في زرع فتأكله، أو رعت فتأكل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ﴾ .

ذكر التسبيح هنا في الجبال ولم يذكر في الطير، ولكن ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ  ﴾ : أي: يسبح له.

ثم يحتمل أن يكون تسبيح الجبال هاهنا والطير تسبيح خلقة، لكنه لو كان تسبيح خلقة لكان تسبيحها مع داود وغيره سواء، وقد ذكر يسبحن مع داود؛ ليعلم أن الله جعل لهذه الأشياء تسبيحاً يسبحن الله ويذكرونه، كذلك ما روي في الأخبار "أن الطعام يسبح في كف رسول الله  " ، وروي "أنه أخذ حجراً فسبح في يده" ، وأنه أخذ كذا فسلم عليه، وأمثال هذا كثير، وذلك كله آية لرسل الله على رسالتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ .

أي: كنا فاعلين ما نريد: إن أردنا أن يسبحن، يسبحن، وإن أردنا ألا يسبحن، لا يسبحن، أي: كنا فاعلين جميع ما نريد، ليس كالخلائق؛ لأنهم يريدون أشياء لا تلتئم لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ * أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ...

﴾ الآية [سبأ: 10-11].

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ  ﴾ أي: علمناه السبب الذي به يلين الحديد فيصنع به ما شاء، كما علم غيره من الخلق السبب الذي يلين به الحديد.

ويحتمل أن جعل له الحديد ليناً بلا سبب؛ تسخيراً له كما سخر له غيره من الأشياء الشديدة الصلبة، كما أعطى ولده عين القطر حيث قال: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ  ﴾ وذلك لم يكن لأحد سواه.

وكذلك الحديدَ ألان لوالده حتى يعمل به ما شاء ما لم يكن ذلك في حديد سواه، ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ ﴾ قيل: دروع الحديد ﴿ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ﴾ أي: تقيكم من بأسكم، أي: من عدوكم ومن أمر حربكم، وفيه قرأت: ﴿ لِتُحْصِنَكُمْ ﴾ بالتاء: و(ليحصنكم) بالياء: و (لنحصنكم) بالنون.

قال الكسائي: من قرأ بالتاء: ﴿ لِتُحْصِنَكُمْ ﴾ أي: الصنعة تحصنكم من بأسكم، ومن قرأ بالياء (ليحصنكم) أي: اللبوس يحصنكم من بأسكم، ومن قرأ بالنون: (لنحصنكم) فإنه يقول: نحصنكم بهن من بأسكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ﴾ ما أعطاكم من النعمة التي ذكر من تسخير الجبال له والطير والحديد والرياح وغيره، فهل أنتم شاكرون ذلك، أي: اشكروا له في نعمه؛ لأن الاستفهام من الله على الإيجاب والإلزام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ ﴾ ذكر هاهنا "عاصفة"، وقال في آية أخرى: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ  ﴾ أي: لينة، فهو يحتمل وجوهاً: قال بعضهم: كأنها تشتد إذا أراد سليمان وتلين إذا أراد.

وقال بعضهم: كانت تشتد وقت حمل السرير وتلين وقت سيره.

ويحتمل أن تكون عاصفة شديدة في الخلقة، لكنها كانت تلين له وترخو؛ فكأنه يقول: سخرنا لسليمان الريح العاصفة الشديدة حتى كانت تلين له.

وقوله: ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ لا تقصد غيرها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ ﴾ ذكر نعمه التي كانت عليهم حيث أخبر أنه سخر لهما أشد الأشياء وأصلبها من نحو الجبال والرياح والبحار والحديد والشياطين أيضاً - وهم أعداءٌ لبني آدم سخر لهم الأعداء: الشياطين، والرياح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: وكنا لهم حافظين، حتى لا يضلوا الناس.

وقال بعضهم: وكنا لهم حافظين على سليمان؛ لئلا يتفرقوا عنه؛ لأن سليمان كان لا يملك إمساكهم واستعمالهم، لكن الله سخرهم له حتى عملوا له وذَلُّوا له وخضعوا.

والثالث: وكنا لهم حافظين عن الخلاف له.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وطوّعنا لسليمان الريح شديدة الهبوب تجري بأمره إذا أمرها إلى أرض الشام التي باركنا فيها بما بعثنا فيها من الأنبياء، وبما بسط فيها من الخيرات، وكنا بكل شيء عالمين، لا يخفى علينا منه شيء.

من فوائد الآيات فعل الخير والصلاة والزكاة، مما اتفقت عليه الشرائع السماوية.

ارتكاب الفواحش سبب في وقوع العذاب المُسْتَأصِل.

الصلاح سبب في الدخول في رحمة الله.

الدعاء سبب في النجاة من الكروب.

<div class="verse-tafsir" id="91.k1NyY"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله