الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٨٤ من سورة الأنبياء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 164 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٤ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) قد تقدم عن ابن عباس أنه قال : ردوا عليه بأعيانهم .
وكذا رواه العوفي ، عن ابن عباس أيضا .
وروي مثله عن ابن مسعود ومجاهد ، وبه قال الحسن وقتادة .
وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة ، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة ، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب ، وصح ذلك عنهم ، فهو مما لا يصدق ولا يكذب .
وقد سماها ابن عساكر في تاريخه - رحمه الله تعالى - قال : ويقال : اسمها ليا ابنة منشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، قال : ويقال : ليا بنت يعقوب ، عليه السلام ، زوجة أيوب كانت معه بأرض البثنية .
وقال مجاهد : قيل له : يا أيوب ، إن أهلك لك في الجنة ، فإن شئت أتيناك بهم ، وإن شئت تركناهم لك في الجنة ، وعوضناك مثلهم .
قال : لا ، بل اتركهم لي في الجنة .
فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا .
وقال حماد بن زيد ، عن أبي عمران الجوني ، عن نوف البكالي قال : أوتي أجرهم في الآخرة ، وأعطي مثلهم في الدنيا .
قال : فحدثت به مطرفا ، فقال : ما عرفت وجهها قبل اليوم .
وهكذا روي عن قتادة ، والسدي ، وغير واحد من السلف ، والله أعلم .
وقوله : ( رحمة من عندنا ) أي : فعلنا به ذلك رحمة من الله به ، ( وذكرى للعابدين ) أي : وجعلناه في ذلك قدوة ، لئلا يظن أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا ، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء ، وله الحكمة البالغة في ذلك .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن جرير، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: فقيل له: ارفع رأسك فقد استجيب لك.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن ومخلد، عن هشام، عن الحسن، دخل حديث أحدهما في الآخر، قالا فقيل له: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ فركض برجله فنبعت عين، فاغتسل منها، فلم يبق عليه من دائه شيء ظاهر إلا سقط، فأذهب الله كل ألم وكل سقم، وعاد إليه شبابه وجماله، أحسن ما كان وأفضل ما كان، ثم ضرب برجله، فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، فقام صحيحا، وكُسِي حُلة، قال: فجعل يتلفت ولا يرى شيئا ما كان له من أهل ومال إلا وقد أضعفه الله له، حتى والله ذُكر لنا أن الماء الذي اغتسل به، تطاير على صدره جرادا من ذهب، قال: فجعل يضمه بيده، فأوحى الله إليه: يا أيوب ألم أغنك؟
قال: بلى، ولكنها بركتك، فمن يشبع منها، قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت: أرأيت إن كان طردني إلى من أكله؟
أدعه يموت جوعا أو يضيع فتأكله السباع؟
لأرجعنّ إليه فرجعت، فلا كُناسة ترى، ولا من تلك الحال التي كانت، وإذا الأمور قد تغيرت، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي، وذلك بعين أيوب، قالت: وهابت صاحب الحُلة أن تأتيه فتسأل عنه، فأرسل إليها أيوب فدعاها، فقال: ما تريدين يا أمة الله؟
فبكت وقالت: أردت ذلك المبتَلى الذي كان منبوذا على الكُناسة، لا أدري أضاع أم ما فعل؟
قال لها أيوب: ما كان منك؟
فبكت وقالت: بعلي، فهل رأيته؟
وهي تبكي إنه قد كان هاهنا؟
قال: وهل تعرفينه إذا رأيتيه؟
قالت: وهل يخفى على أحد رآه؟
ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه، ثم قالت: أما إنه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا، قال: فإني أنا أيوب الذي أمرتيني أن أذبح للشيطان، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان، فدعوت الله فردّ علي ما ترين، قال الحسن: ثم إن الله رحمها بصبرها معه على البلاء أن أمره تخفيفا عنها أن يأخذ جماعة من الشجر فيضربها ضربة واحدة تخفيفا عنها بصبرها معه.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ )...
إلى آخر الآيتين، فإنه لما مسه الشيطان بنصب وعذاب، أنساه الله الدعاء أن يدعوه فيكشف ما به من ضرّ، غير أنه كان يذكر الله كثيرا، ولا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيمان، فلما انتهى الأجل، وقضى الله أنه كاشف ما به من ضرّ أذن له في الدعاء، ويسرَّه له، وكان قبل ذلك يقول تبارك وتعالى: لا ينبغي لعبدي أيوب أن يدعوني، ثم لا أستجيب له، فلما دعا استجاب له، وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين، ردّ إليه أهله ومثلهم معهم، وأثنى عليه فقال: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ .
واختلف أهل التأويل في الأهل الذي ذكر الله في قوله ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) أهم أهله الذين أوتيهم في الدنيا، أم ذلك وعد وعده الله أيوب أن يفعل به في الآخرة؟
فقال بعضهم: إنما آتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا، فإنهم لم يُرَدّوا عليه في الدنيا، وإنما وعد الله أيوب أن يؤتيه إياهم في الآخرة.
حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: أرسل مجاهد رجلا يقال له قاسم إلى عكرمة يسأله عن قول الله لأيوب ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) فقال: قيل له: إن أهلك لك في الآخرة، فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم في الدنيا، فقال: يكونون لي في الآخرة، وأُوتي مثلهم في الدنيا، قال: فرجع إلى مجاهد فقال: أصاب.
وقال آخرون: بل ردّهم إليه بأعيانهم وأعطاه مثلهم معهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك، عن ابن مسعود ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) قال: أهله بأعيانهم.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: لما دعا أيوب استجاب الله له، وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين، ردّ إليه أهله ومثلهم معهم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ قال: أحياهم بأعيانهم، وردّ إليه مثلهم (8) .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) قال: قيل له: إن شئت أحييناهم لك، وإن شئت كانوا لك في الآخرة وتعطى مثلهم في الدنيا، فاختار أن يكونوا في الآخرة ومثلهم في الدنيا.
حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) قال الحسن وقتادة: أحيا الله أهله بأعيانهم ، وزاده إليهم مثلهم.
وقال آخرون: بل آتاه المثل من نسل ماله الذي ردّه عليه وأهله ، فأما الأهل والمال فإنه ردّهما عليه.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن رجل ، عن الحسن ( وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) قال: من نسلهم.
وقوله ( رَحْمَةَ ) نصبت بمعنى: فعلنا بهم ذلك رحمة منا له.
وقوله ( وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) يقول: وتذكرة للعابدين ربهم فعلنا ذلك به ليعتبروا به ، ويعلموا أن الله قد يبتلي أولياءه ومن أحبّ من عباده في الدنيا بضروب من البلاء في نفسه وأهله وماله ، من غير هوان به عليه ، ولكن اختبارا منه له ليبلغ بصبره عليه واحتسابه إياه وحسن يقينه منـزلته التي أعدها له تبارك وتعالى من الكرامة عنده ، وقد: حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ، في قوله رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ وقوله رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) قال: أيما مؤمن أصابه بلاء فذكر ما أصاب أيوب فليقل: قد أصاب من هو خير منا نبيا من الأنبياء.
------------------- الهوامش : (8) هذا يناسب الاستشهاد على عدم ردهم بأعيانهم .
فلعله مؤخر من تقديم .
قوله تعالى : فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم قال مجاهد وعكرمة قيل لأيوب - صلى الله عليه وسلم - : قد آتيناك أهلك في الجنة فإن شئت تركناهم لك في الجنة وإن شئت آتيناكهم في [ ص: 232 ] الدنيا .
قال مجاهد : فتركهم الله - عز وجل - له في الجنة وأعطاه مثلهم في الدنيا .
قال النحاس : والإسناد عنهما بذلك صحيح .قلت : وحكاه المهدوي عن ابن عباس .
وقال الضحاك : قال عبد الله بن مسعود كان أهل أيوب قد ماتوا إلا امرأته فأحياهم الله - عز وجل - في أقل من طرف البصر ، وآتاه مثلهم معهم .
وعن ابن عباس أيضا : كان بنوه قد ماتوا فأحيوا له وولد له مثلهم معهم .
وقال قتادة وكعب الأحبار والكلبي وغيرهم .
قال ابن مسعود : مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي نشروا له ، وولدت امرأته سبعة بنين وسبع بنات .
الثعلبي : وهذا القول أشبه بظاهر الآية .قلت : لأنهم ماتوا ابتلاء قبل آجالهم حسب ما تقدم بيانه في سورة ( البقرة ) في قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت .
وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة فماتوا ثم أحيوا ؛ وذلك أنهم ماتوا قبل آجالهم ، وكذلك هنا والله أعلم .
وعلى قول مجاهد وعكرمة يكون المعنى : وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا .
وفي الخبر : إن الله بعث إليه جبريل - عليه السلام - حين ركض برجله على الأرض ركضة فظهرت عين ماء حار ، وأخذ بيده ونفضه نفضة فتناثرت عنه الديدان ، وغاص في الماء غوصة فنبت لحمه وعاد إلى منزله ، ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم ، ونشأت سحابة على قدر قواعد داره فأمطرت ثلاثة أيام بلياليها جرادا من ذهب .
فقال له جبريل : أشبعت ؟
فقال : ومن يشبع من فضل الله !
.
فأوحى الله إليه : قد أثنيت عليك بالصبر قبل وقوعك في البلاء وبعده ، ولولا أني وضعت تحت كل شعرة منك صبرا ما صبرت .رحمة من عندنا أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا .
وقيل : ابتليناه ليعظم ثوابه غدا .
وذكرى للعابدين أي وتذكيرا للعباد ؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له وهو أفضل أهل زمانه وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب ، فيكون هذا تنبيها لهم على إدامة العبادة ، واحتمال الضرر .
واختلف في مدة إقامته في البلاء ؛ فقال ابن عباس : كانت مدة البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام [ ص: 233 ] وسبع ليال .
وهب : ثلاثين سنة .
الحسن سبع سنين وستة أشهر .
قلت : وأصح من هذا والله أعلم ثماني عشرة سنة ؛ رواه ابن شهاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ ذكره ابن المبارك وقد تقدم .
وبرحمة ربه الواسعة العامة فاستجاب الله له، وقال له: { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } فركض برجله فخرجت من ركضته عين ماء باردة فاغتسل منها وشرب، فأذهب الله عنه ما به من الأذى، { وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ } أي: رددنا عليه أهله وماله.
{ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } بأن منحه الله العافية من الأهل والمال شيئا كثيرا، { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } به، حيث صبر ورضي، فأثابه الله ثوابا عاجلا قبل ثواب الآخرة.
{ وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } أي: جعلناه عبرة للعابدين، الذين ينتفعون بالعبر، فإذا رأوا ما أصابه من البلاء، ثم ما أثابه الله بعد زواله، ونظروا السبب، وجدوه الصبر، ولهذا أثنى الله عليه به في قوله: { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر.
قوله عز وجل ( فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ) وذلك أنه قال اركض برجلك فركض برجله فنبعت عين [ ماء ] فأمره أن يغتسل منها ففعل فذهب كل داء كان بظاهره ثم مشى أربعين خطوة فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل فنبعت عين ماء بارد فأمره فشرب منها فذهب كل داء كان بباطنه فصار كأصح ما يكون من الرجال وأجملهم ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) واختلفوا في ذلك فقال ابن مسعود وقتادة ، وابن عباس ، والحسن ، وأكثر المفسرين رد الله عز وجل إليه أهله وأولاده بأعيانهم أحياهم الله له وأعطاه مثلهم معهم وهو ظاهر القرآن .
قال الحسن : آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رده الله [ إليه وأهله ] يدل عليه ما روى الضحاك وابن عباس أن الله عز وجل رد إلى المرأة شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكرا .
قال وهب كان له سبع بنات وثلاثة بنين وقال ابن يسار : كان له سبع بنين وسبع بنات وروي عن أنس يرفعه أنه كان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله عز وجل سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض .
وروي أن الله تعالى بعث إليه ملكا وقال إن ربك يقرئك السلام بصبرك فاخرج إلى أندرك فخرج إليه فأرسل الله عليه جرادا من ذهب فطارت واحدة فاتبعها وردها إلى أندره فقال له الملك أما يكفيك ما في أندرك؟
فقال هذه بركة من بركات ربي ولا أشبع من بركته .
أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، أخبرنا محمد بن الحسين القطان ، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن همام بن منبه ، قال أخبرنا أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينا أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه [ يا أيوب ] ألم أكن أغنيك عما ترى؟
قال بلى يا رب وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك " .
وقال قوم أتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا فأما الذين هلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا قال عكرمة : قيل لأيوب : إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا فقال يكونون لي في الآخرة وأوتى مثلهم في الدنيا فعلى هذا يكون معنى الآية وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا وأراد بالأهل الأولاد ( رحمة من عندنا ) أي نعمة من عندنا ، ( وذكرى للعابدين ) أي عظة وعبرة لهم
«فاستجبنا له» نداءه «فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله» أولاده الذكور والإناث بأن أحيوا له وكل من الصنفين ثلاث أو سبع «ومثلهم معهم» من زوجته وزيد في شبابها، وكان له أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين أفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض «رحمة» مفعول له «من عندنا» صفة «وذكرى للعابدين» ليصبروا فيثابوا.
فاستجبنا له دعاءه، ورفعنا عنه البلاء، ورددنا عليه ما فقده من أهل وولد ومال مضاعفًا، فَعَلْنا به ذلك رحمة منَّا، وليكون قدوة لكل صابر على البلاء، راجٍ رحمة ربه، عابد له.
فى قوله - تعالى - : ( فاستجبنا لَهُ ) أى دعاءه وتضرعه ( فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ) أى : فأنزلنا ما نزل به من بلاء فى جسده ، وجعلناه سليما معافى .
بأن أمرناه أن يضرب برجله الأرض ففعل ، فنبعت له عين فاغتسل منها ، فزال عن بدنه كل مرض أصابه بإذن الله - تعالى - .قال - سبحانه - : ( واذكر عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ .
.
) وقال - تعالى - : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ) أى : لم نخيب رجاء أيوب حين دعانا ، بل استجبنا له دعاءه ، بفضلنا وكرمنا ، فأزلنا عنه المرض الذى نزل به ، ولم نكتف بهذا - أيضا - بل عوضناه عمن فقده من أولاده ، ورزقناه مثلهم معهم .قال الآلوسى ما ملخصه : " قوله : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ) أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال : سالت النبى - صلى الله عليه وسلم - عن قوله : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ) فقال : " رد الله - تعالى - امرأته إليه ، وزاد فى شبابها ، حتى ولدت له ستا وعشرين ذكرا " .فالمعنى على هذا : آتيناه فى الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر .وعن قتادة : إن الله أحيا له أولاده الذين هلكوا فى بلائه ، وأوتى مثلهم فى الدنيا .
.
.ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله - تعالى - : ( رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وذكرى لِلْعَابِدِينَ ) أى : أجبنا له دعاءه ، وفعلنا معه ما فعلناه من ألوان الخيرات ، من أجل رحمتنا به ، ومن أجل أن يكون ما فعلناه معه عبرة وعظة وذكر لغيره من العابدين حتى يقتدوا به فى صبره على البلاء ، وفى المداومة على شكرنا فى السراء والضراء .وخص - سبحانه - العابدين بالذكرى ، لأنهم أكثر الناس بلاء وامتحانا .
ففى الحديث الشريف : " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل " .وفى حديث آخر : " يبتلى الرجل على قدر دينه ، فإن كان فى دينه صلابة زيد فى بلائه " .وقد كان أيوب آية فى الصبر ، وبه يضرب المثل فى ذلك .هذا ، وقصة أيوب - عليه السلام - ستأتى بصورة أكثر تفصيلا فى سورة " ص " ، وقد تركنا هنا أقوالا عن كيفية مرضه ، وعم مدة هذا المرض .
.
.
نظرا لضعفها ، ومنافاتها لعصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من الأمراض المنفرة .
(القصة السادسة، قصة أيوب عليه السلام) اعلم أن في أمر أيوب عليه السلام وما ذكره الله تعالى من شأنه هاهنا وفي غيره من القرآن من العبر والدلائل ما ليس في غيره، لأنه تعالى مع عظيم فضله أنزل به من المرض العظيم ما أنزله مما كان غبرة له ولغيره ولسائر من سمع بذلك وتعريفاً لهم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الواجب على المرء أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها، ويجتهد في القيام بحق الله تعالى ويصبر على حالتي الضراء والسراء وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال وهب بن منبه: كان أيوب عليه السلام رجلاً من الروم وهو أيوب ابن أنوص وكان من ولد عيص بن إسحاق وكانت أمه من ولد لوط، وكان الله تعالى قد اصطفاه وجعله نبياً، وكان مع ذلك قد أعطاه من الدنيا حظاً وافراً من النعم والدواب والبساتين وأعطاه أهلاً وولداً من رجال ونساء، وكان رحيماً بالمساكين، وكان يكفل الأيتام والأرامل ويكرم الضيف وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وعرفوا فضله، قال وهب: وإن لجبريل عليه السلام بين يدي الله تعالى مقاماً ليس لأحد من الملائكة مثله في القربة والفضيلة، وهو الذي يتلقى الكلام فإذا ذكر الله عبداً بخير تلقاه جبريل عليه السلام ثم تلقاه ميكائيل عليه السلام ثم من حوله من الملائكة المقربين، فإذا شاع ذلك فهم يصلون عليه.
ثم صلت ملائكة السموات ثم ملائكة الأرض.
وكان إبليس لم يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهن حيثما أراد، ومن هناك وصل إلى آدم عليه السلام حتى أخرجه من الجنة.
ولم يزل على ذلك حتى رفع عيسى عليه السلام فحجب عن أربع.
فكان يصعد بعد ذلك إلى ثلاث إلى زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فحجب عند ذلك عن جميع السموات إلا من استرق السمع، قال: فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب فأدركه الحسد، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه، فقال: يا رب إنك أنعمت على عبدك أيوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجربه بشدة ولا بلاء وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك، فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله.
فانقض الملعون حتى وقع إلى الأرض وجمع عفاريت الشياطين، وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال أيوب؟
قال عفريت: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار فأحرقت كل شيء آتى عليه، فقال إبليس: فأت الإبل ورعاءها فذهب ولم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها شيء إلا احترق فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها، فذهب إبليس على شكل بعض أولئك الرعاة إلى أيوب فوجده قائماً يصلي، فلما فرغ من الصلاة قال: يا أيوب هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته بإبلك ورعائها؟
فقال أيوب: إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه.
قال إبليس: فإن ربك أرسل عليها ناراً من السماء فاحترقت ورعاؤها كلها وتركت الناس مبهوتين متعجبين منها.
فمن قائل يقول: ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور، ومن قائل يقول: لو كان إله أيوب يقدر على شيء لمنع من وليه، ومن قائل آخر يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت عدوه به ويفجع به صديقه.
فقال أيوب عليه السلام: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عرياناً خرجت من بطن أمي، وعرياناً أعود في التراب، وعرياناً أحشر إلى الله تعالى، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيداً وآجرني فيك، ولكن الله علم منك شراً فأخرك.
فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئاً.
فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتاً لا يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه، فقال إبليس: فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها.
فخرج إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول: ورد عليه أيوب الرد الأول، فرجع إبليس صاغراً.
فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه، قال فاذهب إلى الحرث والثيران فأتاهم فأهلكهم ثم رجع إبليس متمثلاً حتى جاء أيوب وهو يصلي، فقال مثل قوله الأول فرد عليه أيوب الرد الأول، فجعل إبليس يصيب أمواله شيئاً فشيئاً حتى أتى على جميعها.
فلما رأى إبليس صبره على ذلك وقف الموقف الذي كان يقفه عند الله تعالى، وقال: يا إلهي هل أنت مسلطي على ولده، فإنها الفتنة المضلة.
فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ولده، فأتى أولاد أيوب في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده حتى قلب القصر عليهم، ثم جاء إلى أيوب متمثلاً بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه ودماغه، فقال: لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل أدمغتهم من أنوفهم لتقطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب عليه السلام وبكى وقبض قبضة من التراب ووضعها على رأسه، فاغتنم ذلك إبليس، ثم لم يلبث أيوب عليه السلام حتى استغفر واسترجع فصعد إبليس ووقف موقفه وقال: يا إلهي إنما يهون على أيوب خطر المال والولد، لعلمه أنك تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على جسده وإني لك زعيم لو ابتليته في جسده ليكفرن بك، فقال تعالى: انطلق فقد سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه فانقض عدو الله سريعاً فوجد أيوب عليه السلام ساجداً لله تعالى فأتاه من قبل الأرض فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده وخرج به من فرقه إلى قدمه ثآليل وقد وقعت فيه حكة لا يملكها، وكان يحك بأظفاره حتى سقطت أظفاره، ثم حكها بالمسوح الخشنة ثم بالفخار والحجارة، ولم يزل يحكها حتى تقطع لحمه وتغير ونتن، فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشاً ورفضه الناس كلهم غير امرأته رحمة بنت افرايم بن يوسف عليه السلام فكانت تصلح أموره، ثم إن وهبا طول في الحكاية إلى أن قال: إن أيوب عليه السلام أقبل على الله تعالى مستغيثاً متضرعاً إليه فقال: يا رب لأي شيء خلقتني يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، ويا ليتني كنت عرفت الذنب الذي أذنبته، والعمل الذي عملت حتى صرفت وجهك الكريم عني، ألم أكن للغريب داراً، وللمسكين قراراً، ولليتيم ولياً، وللأرملة قيماً، إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضاً، وللفتنة نصباً، وسلطت علي ما لو سلطته على جبل لضعف من حمله.
إلهي تقطعت أصابعي، وتساقطت لهواتي، وتناثر شعري وذهب المال، وصرت أسأل اللقمة فيطعمني من يمن بها علي ويعيرني بفقري وهلاك أولادي.
قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله، وفي جملة هذا الكلام: ليتك لو كرهتني لم تخلقني، ثم قال: ولو كان ذلك صحيحاً لاغتنمه إبليس، فإن قصده أن يحمله على الشكوى، وأن يخرجه عن حلية الصابرين، والله تعالى لم يخبر عنه إلا قوله: ﴿ أَنّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين ﴾ ثم قال: ﴿ إِنَّا وجدناه صَابِراً نّعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ واختلف العلماء في السبب الذي قال لأجله: ﴿ أَنّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين ﴾ وفي مدة بلائه.
فالرواية الأولى: روى ابن شهاب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أيوب عليه السلام بقي في البلاء ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان ويروحان إليه، فقال أحدهما للآخر ذات يوم: والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟
فقال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله تعالى ولم يكشف ما به.
فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك لأيوب عليه السلام.
فقال أيوب: ما أدري ما تقولون، غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله عز وجل فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق.
وفي رواية أخرى: أن الرجلين لما دخلا عليه وجدا ريحاً فقالا: لو كان لأيوب عند الله خير ما بلغ إلى هذه الحالة، قال: فما شق على أيوب شيء مما ابتلى به أشد مما سمع منهما، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعاناً وأنا أعلم بمكان جائع فصدقني فصدقه وهما يسمعان، ثم خر أيوب عليه السلام ساجداً ثم قال: اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي قال فكشف الله ما به».
الرواية الثانية: قال الحسن رحمه الله: مكث أيوب عليه السلام بعد ما ألقى على الكناسة سبع سنين وأشهراً، ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته رحمة صبرت معه وكانت تأتيه بالطعام وتحمد الله تعالى مع أيوب وكان أيوب مواظباً على حمد الله تعالى والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه، فصرخ إبليس صرخة جزعاً من صبر أيوب، فاجتمع جنوده من أقطار الأرض وقالوا له ما خبرك؟
قال: أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فلم أدع له مالاً ولا ولداً ولم يزدد بذلك إلا صبراً وحمداً لله تعالى، ثم سلطت على جسده فتركته ملقى في كناسة وما يقربه إلا امرأته، وهو مع ذلك لا يفتر عن الذكر والحمد لله، فاستعنت بكم لتعينوني عليه فقالوا له: أين مكرك!
أين عملك الذي أهلكت به من مضى؟
قال: بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا علي، قالوا: أدليت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته؟
قال من قبل امرأته، قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها لأنه لا يقربه أحد غيرها.
قال: أصبتم فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟
قالت: هو هذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده، فلما سمعها طمع أن يكون ذلك كله جزعاً، فوسوس إليها وذكرها ما كان لها من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه.
قال الحسن رحمه الله: فصرخت، فلما صرخت علم أنها قد جزعت فأتاها بسخلة، وقال ليذبح هذه لي أيوب ويبرأ، قال: فجاءت تصرخ إلى أيوب يا أيوب حتى متى يعذبك ربك، ألا يرحمك أين المال، أين الماشية، أين الولد، أين الصديق، أين اللون الحسن، أين جسمك الذي قد بلى وصار مثل الرماد، وتردد فيه الدواب أذبح هذه السخلة واسترح؟
فقال أيوب عليه السلام: أتاك عدو الله ونفخ فيك فأجبتيه!
ويلك أترين ما تبكين عليه مما تذكرين مما كنا فيه من المال والولد والصحة، من أعطانا ذلك؟
قالت الله.
قال: فكم متعنا به؟
قالت: ثمانين سنة.
قال: فمنذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟
قالت: منذ سبع سنين وأشهر، قال ويلك، والله ما أنصفت ربك، ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة.
والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة.
أمرتيني أن أذبح لغير الله، وحرام علي أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذي تأتيني به، فطردها فذهبت، فلما نظر أيوب في شأنه وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق، وقد ذهبت امرأته خر ساجداً، وقال: ﴿ رَبِّ إِنّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين ﴾ فقال: ارفع رأسك فقد استجبت لك ﴿ اركض بِرِجْلِكَ ﴾ فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت منه، ثم ضرب برجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً، وعاد إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن ما كان، ثم كسى حلة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والولد والمال، إلا وقد ضعفه الله تعالى حتى صار أحسن مما كان، حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب، قال: فجعل يضمه بيده فأوحى الله إليه يا أيوب ألم أغنك؟
قال: بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها، قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعاً وتأكله السباع لأرجعن إليه، فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة ولا تلك الحال وإذا بالأمور قد تغيرت، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعين أيوب عليه السلام، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه وتسأله عنه فأرسل إليها أيوب عليه السلام ودعاها وقال: ما تريدين يا أمة الله؟
فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلي الذي كان ملقى على الكناسة، فقال لها أيوب عليه السلام: ما كان منك، فبكت وقالت بعلي، فقال: أتعرفينه إذا رأيتيه، قالت وهل يخفى على أحد يراه!
فتبسم وقال: أنا هو، فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال إنك أمرتيني أن أذبح سخلة لإبليس، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله تعالى فرد علي ما ترين.
الرواية الثالثة: قال الضحاك ومقاتل: بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات وقال وهب رحمه الله بقي في البلاء ثلاث سنين، فلما غلب أيوب إبليس لعنه الله ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها: أنت صاحبة أيوب؟
قالت: نعم، قال: فهل تعرفيني؟
قالت لا: قال: أنا إله الأرض أنا صنعت بأيوب ما صنعت، وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليك وعليه جميع مالكما من مال وولد فإن ذلك عندي، قال وهب وسمعت أنه قال: لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله تعالى لعوفي مما هو فيه من البلاء، وفي رواية أخرى: بل قال لها لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك المال والولد وأعافي زوجك، فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها، فقال لها أيوب: أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجدلنك مائة جلدة، وقال عند ذلك ﴿ مَسَّنِىَ الضر ﴾ يعني من طمع إبليس في سجودي له وسجود زوجتي ودعائه إياها وإياي إلى الكفر.
الرواية الرابعة: قال وهب: كانت امرأة أيوب عليه السلام تعمل للناس وتأتيه بقوته، فلما طال عليه البلاء سئمها الناس فلم يستعملوها فالتمست ذات يوم شيئاً من الطعام فلم تجد شيئاً فجزت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها: أين قرنك فأخبرته بذلك، فحينئذ قال: ﴿ مَسَّنِىَ الضر ﴾ .
الرواية الخامسة: قال إسماعيل السدي: لم يقل أيوب مسني الضر إلا لأشياء ثلاث.
أحدها: قول الرجلين له لو كان عملك الذي كنا نرى لله تعالى لما أصابك الذي أصابك.
وثانيها: كان لامرأته ثلاث ذوائب فعمدت إلى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً فجاءت إلى أيوب عليه السلام فقال من أين هذا؟
فقالت: كل فإنه حلال فلما كان من الغد لم تجد شيئاً فباعت الثانية وكذلك فعلت في اليوم الثالث، وقالت: كل فإنه حلال فقال: لا آكل ما لم تخبريني فأخبرته، فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم، وقيل: إنما باعت ذوائبها لأن إبليس تمثل لقوم في صورة بشر، وقال: لئن تركتم أيوب في قريتكم فإني أخاف أن يعدي إليكم ما به من العلة فأخرجوه إلى باب البلد، ثم قال لهم: إن امرأته تدخل في بيوتكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون أن تعدي إليكم علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فباعت ضفيرتها.
وثالثها: حين قالت له امرأته ما قالت فحينئذ دعا.
الرواية السادسة: قيل: سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها إلى موضعها، وقال قد جعلني الله تعالى طعمة لك فعضته عضة شديدة، فقال: مسني الضر.
فأوحى الله تعالى إليه لولا أني جعلت تحت كل شعرة منك صبراً لما صبرت.
المسألة الثانية: إعلم أن المعتزلة قد طعنوا في هذه القصة من وجوه: أحدها: قال الجبائي: ذهب بعض الجهال إلى أن ما كان به من المرض كان فعلاً للشيطان سلطه الله عليه، لقوله تعالى حكاية عنه: ﴿ مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ وهذا جهل، أما أولاً فلأنه لو قدر على إحداث الأمراض والأسقام وضدهما من العافية لتهيأ له فعل الأجسام، ومن هذا حاله يكون إلهاً، وأما ثانياً فلأن الله تعالى أخبر عنه وعن جنوده بأنه قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى ﴾ والواجب تصديق خبر الله تعالى، دون الرجوع إلى ما يروى عن وهب بن منبه رضي الله عنه.
واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف لأن المذكور في الحكاية أن الشيطان نفخ في منخره فوقعت الحكة فيه، فلم قلتم إن القادر على النفخة التي تولد مثل هذه الحكة لابد وأن يكون قادراً على خلق الأجسام، وهل هذا إلا محض التحكم، وأما التمسك بالنص فضعيف لأنه إنما يقدم على هذا الفعل متى علم أنه لو أقدم عليه لما منعه الله تعالى عنه، وهذه الحالة لم تحصل إلا في حق أيوب عليه السلام على ما دلت الحكاية عليه من أنه استأذن الله تعالى فأذن له فيه، ومتى كان كذلك لم يبق بين ذلك النص وبين هذه الحكاية مناقضة.
وثانيها: قالوا: ما روي أنه عليه السلام لم يسأل إلا عند أمور مخصوصة فبعيد، لأن الثابت في العقل أنه يحسن من المرء أن يسأل في ذلك ربه ويفزع إليه كما يحسن منه المداواة، وإذا جاز أن يسأل ربه عند الغم مما يراه من إخوانه وأهله جاز أيضاً أن يسأل ربه من قبل نفسه، فإن قيل: أفلا يجوز أنه تعالى تعبده بأن لا يسأل الكشف إلا في آخر أمره، قلنا: يجوز ذلك بأن يعلمه بأن إنزال ذلك به مدة مخصوصة من مصالحه ومصالح غيره لا محالة، فعلم عليه السلام أنه لا وجه للمسألة في هذا الأمر الخاص، فإذا قرب الوقت جاز أن يسأل ذلك، من حيث يجوز أن يدوم ويجوز أن ينقطع.
وثالثها: قالوا: انتهاء ذلك المرض إلى حد التنفير عنه غير جائز، لأن الأمراض المنفرة من القبول غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام فهذا جملة ما قيل في هذه الحكاية.
المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف قوله تعالى: ﴿ أَنّي مَسَّنِيَ الضر ﴾ أي ناداه بأني مسني الضر، وقرئ إني بالكسر على إضمار القول أو لتضمين النداء معناه، والضر بالفتح الضرر في كل شيء، وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال.
المسألة الرابعة: أنه عليه السلام ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب، فإن قيل: أليس أن الشكوى تقدح في كونه صابراً.
والجواب: قال سفيان بن عيينة رحمه الله من شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله تعالى إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء، ألم تسمع قول يعقوب عليه السلام: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّي وَحُزْنِي إِلَى الله ﴾ أما قوله: ﴿ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين ﴾ فالدليل على أنه سبحانه: ﴿ أَرْحَمُ الرحمين ﴾ أمور.
أحدها: أن كل من رحم غيره فأما أن يرحمه طلباً للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو دفعاً للرقة الجنسية عن الطبع، وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم منفعة نفسه، أما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه، ومن غير أن يعود إليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء ومن صفات الكمال، فكان سبحانه أرحم الراحمين.
وثانيها: أن كل من يرحم غيره فلا يكون ذلك إلا بمعونة رحمة الله تعالى لأن من أعطى غيره طعاماً أو ثوباً أو دفع عنه بلاء، فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء، ثم بعد وصول تلك العطية إليه، فلولا أنه سبحانه جعله سبباً للراحة لما حصل النفع بذلك، فإذاً رحمة العباد مسبوقة برحمة الله تعالى وملحوقة برحمته بل رحمتهم فيما بين الطرفين كالقطرة في البحر، فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين.
وثالثها: أن الله تعالى لو لم يخلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور ذلك الفعل عنه، فكان الراحم هو الحق سبحانه، من حيث إنه هو الذي أنشأ تلك الداعية، فثبت أنه أرحم الراحمين فإن قيل كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه سبحانه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض والآلام وسلط البعض على البعض بالذبح والكسر والإيذاء، وكان قادراً على أن يغني كل واحد عن إيلام الآخر وإيذائه؟
والجواب: أن كونه سبحانه ضاراً لا ينافي كونه نافعاً، بل هو الضار النافع فإضراره ليس لدفع مشقة وإنفاعه ليس لجلب منفعة، بل لا يسأل عما يفعل.
أما قوله تعالى: ﴿ فاستجبنا لَهُ ﴾ فإنه يدل على أنه دعا ربه، لكن هذا الدعاء قد يجوز أن يكون واقعاً منه على سبيل التعريض، كما يقال إن رأيت أو أردت أو أحببت فافعل كذا.
ويجوز أن يكون على سبيل التصريح وإن كان الأليق بالأدب وبدلالة الآية هو الأول، ثم إنه سبحانه بين أن كشف ما به من ضر وذلك يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله، وبين الله تعالى أنه آتاه أهله ويدخل فيه من ينسب إليه من زوجة وولد وغيرهما ثم فيه قولان: أحدهما: وهو قول ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومقاتل والكلبي وكعب رضي الله عنهم أن الله تعالى أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم.
والثاني: روى الليث رضي الله عنه، قال: أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية فقال: قيل له إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا.
فقال: يكونون لي في الآخرة وأوتي مثلهم في الدنيا.
والقول الأول أولى لأن قوله: ﴿ وآتيناه أهله ﴾ يدل بظاهره على أنه تعالى أعادهم في الدنيا وأعطاه معهم مثلهم أيضاً.
وأما قوله تعالى: ﴿ وذكرى للعابدين ﴾ ففيه دلالة على أنه تعالى فعل ذلك لكي يتفكر فيه فيكون داعية للعابدين في الصبر والإحتساب، وإنما خص العابدين بالذكر؛ لأنهم يختصون بالانتفاع بذلك.
<div class="verse-tafsir"
أي: ناداه بأني مسني الضر.
وقرئ: (إني) بالكسر على إضمار القول أو لتضمن النداء معناه والضر- بالفتح-: الضرر في كل شيء، وبالضم: الضرر في النفس من مرض وهزال، فرق بين البناءين لافتراق المعنيين.
ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب.
ويحكى أنّ عجوزاً تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان بيتي على العصي!
فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حباً.
كان أيوب عليه السلام رومياً من ولد إسحاق بن يعقوب عليهم السلام، وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله: كان له سبعة بنين وسبع بنات، وله أصناف البهائم، وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ونخيل، فابتلاه الله بذهاب ولده- انهدم عليهم البيت فهلكوا- وبذهاب ماله، وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة.
وعن قتادة: ثلاث عشرة سنة.
وعن مقاتل: سبعا وسبعة أشهر وسبع ساعات، وقالت له امرأته يوماً: لو دعوت الله، فقال لها: كم كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة، فقال: أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم.
وروي: أن امرأته ولدت بعدُ ستة وعشرين ابنا أي: لرحمتنا العابدين وأنا نذكرهم بالإحسان لا ننساهم أو رحمة منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ بِأنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ والضَّرُّ بِالفَتْحِ شائِعٌ في كُلِّ ضَرَرٍ، وبِالضَّمِّ خاصٌّ بِما في النَّفْسِ كَمَرَضٍ وهُزالٍ.
﴿ وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ وصَفَ رَبَّهُ بِغايَةِ الرَّحْمَةِ بَعْدَ ما ذَكَرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُها واكْتَفى بِذَلِكَ عَنْ عَرْضِ المَطْلُوبِ لُطْفًا في السُّؤالِ، وكانَ رُومِيًّا مِن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ اسْتَنْبَأهُ اللَّهُ وكَثُرَ أهْلُهُ ومالُهُ فابْتَلاهُ اللَّهُ بِهَلاكِ أوْلادِهِ بِهَدْمِ بَيْتٍ عَلَيْهِمْ وذَهابِ أمْوالِهِ، والمَرَضِ في بَدَنِهِ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعًا وسَبْعَةَ أشْهُرٍ وسَبْعَ ساعاتٍ.
رُوِيَ «أنَّ امْرَأتَهُ ماخِيرُ بَنَتُ مِيشا بْنِ يُوسُفَ، أوْ رَحْمَةُ بِنْتُ افْراثِيمَ بْنِ يُوسُفَ قالَتْ لَهُ يَوْمًا: لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَقالَ: كَمْ كانَتْ مُدَّةُ الرَّخاءَ فَقالَتْ ثَمانِينَ سَنَةً فَقالَ: أسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أدْعُوَهُ وما بَلَغَتْ مُدَّةُ بَلائِي مُدَّةَ رَخائِي» .
﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ ﴾ بِالشِّفاءِ مِن مَرَضِهِ.
﴿ وَآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ ﴾ بِأنْ وُلِدَ لَهُ ضِعْفُ ما كانَ أوْ أُحْيِيَ ولَدُهُ ووُلِدَ لَهُ مِنهم نَوافِلُ.
﴿ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ ﴾ رَحْمَةً عَلى أيُّوبَ وتَذْكِرَةً لِغَيْرِهِ مِنَ العابِدِينَ لِيَصْبِرُوا كَما صَبَرَ فَيُثابُوا كَما أُثِيبَ، أوْ لِرَحْمَتِنا لِلْعابِدِينَ فَإنّا نُذَكِّرُهم بِالإحْسانِ ولا نَنْساهم.
<div class="verse-tafsir"
{فاستجبنا لَهُ} أجبنا دعاءه {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ من ضر} فكشفنا ضره نعاما عليه {وآتيناه أهله ومثلهم معهم}
روي أن أيوب عليه السلام كان رومياً من ولد اسحق بن إبراهيم عليه السلام وله سبعة بنين وسبع بنات وثلاثة آلاف بعير وسبعة الاف شاة وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده وماله وبمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو ثلاث سنين
قالت له امرأته يوما لو دعوت الله عز وجل فقال كما كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده بأعيانهم ورزقه مثلهم معهم {رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا} هو مفعول له {وذكرى للعابدين} يعني رحمة لأيوب وتذكرة لغيره من العبادين ليصبروا كصبره فيثابوا به
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ ﴾ ثُمَّ كُسِيَ حُلَّةً وجَلَسَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ ولَمْ تَعْلَمِ امْرَأتُهُ بِذَلِكَ فَأدْرَكَتْها الرِّقَّةُ عَلَيْهِ فَقالَتْ في نَفْسِها: هَبْ أنَّهُ طَرَدَنِي أفَأتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا وتَأْكُلَهُ السِّباعُ لَأرْجِعَنَّ فَلَمّا رَجَعَتْ ما رَأتْ تِلْكَ الكُناسَةَ ولا تِلْكَ الحالَ فَجَعَلَتْ تَطُوفُ حَيْثُ الكُناسَةُ وتَبْكِي وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أنْ تَأْتِيَهُ وتَسْألَهُ فَدَعاها أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ما تُرِيدِينَ يا أمَةَ اللَّهِ ؟
فَبَكَتْ وقالَتْ: أُرِيدُ ذَلِكَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ مُلْقًى عَلى الكُناسَةِ قالَ لَها: ما كانَ مِنكِ ؟
فَبَكَتْ وقالَتْ: بَعْلِي قالَ: أتَعْرِفِينَهُ إذا رَأيْتِهِ ؟
قالَتْ: وهَلْ يَخْفى عَلَيَّ فَتَبَسَّمَ فَقالَ: أنا ذَلِكَ فَعَرَفَتْهُ بِضَحِكِهِ فاعْتَنَقَتْهُ ﴿ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (كَشَفْنا ) فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ داخِلًا مَعَهُ في حَيِّزِ تَفْصِيلِ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ، وفِيهِ خَفاءٌ لِعَدَمِ ظُهُورِ كَوْنِ الإتْيانِ المَذْكُورِ مَدْعُوًّا بِهِ وإذا عُطِفَ عَلى (اسْتَجَبْنا ) لا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وقَدْ سُئِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبَرَ عَنِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآتَيْناهُ ﴾ إلَخْ قالَ: رَدَّ اللَّهُ تَعالى امْرَأتَهُ إلَيْهِ وزادَ في شَبابِها حَتّى ولَدَتْ لَهُ سِتًّا وعِشْرِينَ ذَكَرًا»» فالمَعْنى عَلى هَذا آتَيْناهُ في الدُّنْيا مِثْلَ أهْلِهِ عَدَدًا مَعَ زِيادَةِ مِثْلٍ آخَرَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودَ والحَسَنُ وقَتادَةُ في الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا لَهُ أوْلادَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا في بَلائِهِ وأُوتِيَ مِثْلُهم في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ المِثْلَ مِن صُلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وقِيلَ: كانُوا نَوافِلَ وجاءَ في خَبَرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لَهُ أنْدَرانِ أنْدَرُ لِلْقَمْحِ وأنْدَرُ لِلشَّعِيرِ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى سَحابَتَيْنِ فَأفْرَغَتْ إحْداهُما في أنْدَرِ القَمْحِ الذَّهَبَ حَتّى فاضَ وأفْرَغَتِ الأُخْرى في أنْدَرِ الشَّعِيرِ الوَرِقَ حَتّى فاضَ، وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: ««بَيْنَما أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرادٌ مِن ذَهَبٍ فَجَعَلَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْثِي في ثَوْبِهِ فَناداهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ يا أيُّوبُ ألَمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمّا تَرى: قالَ: بَلى وعِزَّتِكَ لَكِنْ لا غِنى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ»»، وعاشَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الخَلاصِ مِنَ البَلاءِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما سَبْعِينَ سَنَةً، ويَظْهَرُ مِن هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ عُمْرَهُ حِينَ أصابَهُ البَلاءُ سَبْعُونَ أنَّ مُدَّةَ عُمْرِهِ فَوْقَ ثَلاثٍ وتِسْعِينَ بِكَثِيرٍ، ولَمّا ماتَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْصى إلى ابْنِهِ حَرْمَلَ كَما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الأهْلَ لَيْسَ المَرْأةَ ﴿ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ ﴾ أيْ وآتَيْناهُ ما ذُكِرَ لِرَحْمَتِنا أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَذْكِرَةً لِغَيْرِهِ مِنَ العابِدِينَ لِيَصْبِرُوا كَما صَبَرَ فَيُثابُوا كَما أُثِيبَ، فَرَحْمَةً نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ( ولِلْعابِدِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( رَحْمَةً وذِكْرى ) تَنازُعًا فِيهِ عَلى مَعْنى وآتَيْناهُ العابِدِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذِكْرِنا إيّاهم بِالإحْسانِ وعَدَمِ نِسْيانِنا لَهم.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَ (رَحْمَةً ) عَلى المَصْدَرِ وهو كَما تَرى <div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى: فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ، يعني: رفعنا ما به من شدة وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ قال مقاتل: ولدت امرأة أيوب منه سبعة بنين وثلاث بنات قبل البلاء، فأحياهم الله تعالى، ثم ولدت بعد كشف البلاء سبعة بنين وثلاث بنات، فذلك قوله: وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ.
وقال الكلبي: ولدت سبعة بنين وسبع بنات.
فنشروا له، وولدت امرأته مثلهم سبعة بنين وسبع بنات ويقال: آتاه الله عز وجل أهله في الدنيا، ومثلهم معهم في الآخرة.
وروى وكيع، عن ابن سفيان، عن الضحاك: أن ابن مسعود بلغه أن مروان بن الحكم قال: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أي أهلاً غير أهله.
فقال ابن مسعود: «لا بل أهله بأعيانهم ومثلهم معهم» .
ثم قال: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا، يعني: نعمة منا.
وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ يعني: عظة للمطيعين، وهم أمة محمد ليعتبروا به، لأن أيوب لم يفتر عن عبادة ربه عز وجل في بلائه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً ...
الآية.
رُوِيَ أَنَّ إبراهيمَ عليه السلام لما خرج من النار أحضره نمرودُ، وقال له في بعض قوله: يا إبراهيمُ، أين جنودُ ربِّك الذي تَزْعُمُ؟
فقال له عليه السلام: سيريك فِعْلَ أضعفِ جنوده، فبعث اللَّه تعالى على نمرودَ وأصحابه سحابةً من بعوضٍ فأكلتهم عن آخرهم ودوابَّهُم حتى كانتِ العظام تلوح بيضاءَ، ودخلت منها بعوضةٌ في رأس نمرودَ، فكان رأسه يُضْرَبُ بالعيدانِ وغيرِها، ثم هلك منها، وخرج إبراهيمُ وابن أخيه لوط- عليهما السلام- من تلك الأرضِ مهاجرين، وهي «كُوثى» من العراق، ومع إبراهيمَ بنتُ عَمِّهِ، سارَةُ زوجتُه، وفي تلك السفرة لَقِيَ الجبارَ الذي رام أخذها منه، واخْتُلِفَ في الإرض التي بُورِكَ فيها ونحا إليها إبراهيم ولوط- عليهما السلام-، فقالت فرقة: هي مَكَّةُ، وقال الجمهور: هي الشام، فنزل إبراهيم بالسبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتكفة، «والنافلة» : العطيَّةُ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وخبائِثُ قرية لوط هي إتيانُ الذكور، وتَضَارُطُهُمْ في مجالسهم، إلى غير ذلك من قبيح أفعالهم.
وقوله سبحانه في نوح- عليه السلام-: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ ...
الآية، لما كان جُلُّ نُصْرَتِهِ النجاةَ، وكانت غلبة قومه بأَمر أجنبيٍّ منه- حَسُنَ أنْ يقول: «نصرناه من» ، ولا تتمكن هنا «على» .
قال ص: عُدِّي «نصرناه» ب «مِنْ» لتضمنه معنى: نجينا، وعصمنا، ومنعنا.
وقال أبو عبيدة: «مِنْ» بمعنى «على» .
قلت: وهذا أولى، وأَمَّا الأول ففيه نظر لأَنَّ تلك الأَلفاظَ المُقَدِّمَةَ كلها غير مرادفة ل «نصرنا» ، انتهى.
قلت: وكذا يظهر من كلام ابن هشام: ترجيحُ الثاني، وذِكْرُ هؤلاء الأنبياء- عليهم السلام- ضَرْبُ مَثَلٍ لقصة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلّم مع قومه، ونجاةُ الأنبياء، وهلاكُ مكذبيهم ضمنها تَوَعُّدٌ لِكُفَّارِ قريش.
وقوله تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ المعنى: واذكر داود وسليمان، هكذا قَدَّرَهُ جماعة من المفسرين، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ المعنى: وآتينا داود، و «النفش» : هو الرعي ليلاً، ومضى الحكم في الإسلام بتضمين أربابِ النعم ما أفسدت بالليل لأنَّ على أهلها أَنْ يثقفوها، وعلى أهل الزروع حفظها بالنهار، هذا هو مُقْتَضَى الحديث في ناقة ابن عازب، وهو مذهب مالك وجمهور الأُمَّةِ، وفي كتاب ابن سحنون: إن الحديث إنَّما جاء في أمثالِ المدينة التي هي حيطان محدقة، وأمَّا البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة فيضمن أربابُ النَّعَمِ ما أفسدتْ بالليل والنهار.
قال ص: والضمير في قوله: لِحُكْمِهِمْ يعودُ على الحاكمين والمحكوم له وعليه أبو البقاء.
وقيل: الضمير لداودَ وسليمانَ- عليهما السلام- فقط، وجُمِعَ لأَنَّ الاثنين جمع.
انتهى.
قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : المواشي على قسمين: ضوار «٢» ، وغير ضوار، وهكذا قَسَّمَهَا مالك، فالضواري: هي المعتادة بأكل الزرع والثمار، فقال مالك: تُغَرَّبُ وتُبَاعُ في بلد لا زرعَ فيه، ورواه ابن القاسم في الكتاب وغيره.
قال ابن حبيب: وإنْ كَرِهَ ذلك أربابُها، وكان قول مالك في الدَّابَّةِ التي ضربت بفساد الزرع أَنْ تُغَرِّبَ وتُبَاعَ، وأَمَّا ما يُسْتَطَاعُ الاحتراز منه فلا يُؤْمَرُ صاحبه بإخراجه عن ملكه، وهذا بَيِّنٌ.
انتهى.
وقوله: يُسَبِّحْنَ، أي: يقلن: سبحان اللَّه هذا قول الأكثر، وذهبت فرقة منهم
منذرُ بن سعيد إلى أنه بمعنى: يُصَلِّينَ معه بصلاته، واللبوس في اللغة: هو السلاح، فمنه الدرع وغيره.
قال ص: ولَبُوسٍ معناه: مَلْبُوسٌ كالرُّكُوب بمعنى المَرْكُوب قال الشاعر [الطويل] .
عَلَيْهَا أَسُودٌ ضَارِيَاتٌ لَبُوسُهُم ...
سَوَابِعُ بِيضٌ لاَ تُخَرِّقُهَا النَّبْلُ
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ، أي: وسخرنا لسليمانَ الريحَ، هذا على قراءة [النصب] «١» وقرأت «٢» فرقة «الريحُ» بالرفع، ويروى أَنَّ الريح العاصفة كانت تهبُّ على سرير سليمانَ الذي فيه بساطه، وقد مد حول البساط بالخشب والألواح حتى صَنَعَ سريراً يَحْمِلُ جميع عسكره وأقواته، فتقله من الأرض في الهواء، ثم تتولاه الريح الرُّخَاءُ بعد ذلك فتحمله إلى حيث أراد سليمان.
قال ص: والعَصْفُ: الشِّدَّةُ، والرُّخَاءُ: اللين.
انتهى.
وقوله تعالى: إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها اخْتُلِفَ فيها، فقالت فرقة: هي الشام، وكانت مسكنَه وموضعَ ملكه، وقد قال بعضهم: إنَّ العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدَّوابِّ في الإسراع إلى الوطن، وإنَّ الرُّخَاء كانت في البدأة حيث أصاب، أي: حيث يقصد لأَنَّ ذلك وقت تأنٍ/ وتدبير وتقلُّبِ رأي، ويحتمل: أنْ يريد الأَرض التي يسير ١٩ أإليها سليمان كائنةً ما كانت، وذلك أَنَّهُ لم يكن يسير إلى أَرض إلاَّ أصلحها اللَّه تعالى به صلى الله عليه وسلّم، ولا بركةَ أَعظَمُ من هذا، والغوصُ: الدخول في الماء والأرض، والعمل دون ذلك البنيان وغيره من الصنائع والخدمة ونحوها، وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ قيل: معناه: مِنْ إفسادهم ما صنعوه، وقيل: غير هذا.
قلت: وقوله سبحانه: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ هذا الاسم المُبَارَكُ مناسب لحال أَيُّوبَ عليه السلام، وقد روى أسامة بن زيد (رضي اللَّه عنه) أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ لِلَّهِ تعالى مَلَكاً مُوَكَّلاً بِمَنْ يَقُولُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينٍ، فَمَنْ قَالَهَا ثَلاَثاً، قال له الملك: إنّ
أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكَ فَاسْأَلْ» «١» رواه الحاكم في «المَسْتَدْرَكِ» ، وعن أنس بن مالك (رضي اللَّه عنه) قال: «مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم بِرَجُلٍ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، فَقَالَ له رسول الله صلى الله عليه وسلّم: سَلْ فَقَدْ نَظَرَ اللَّهُ إلَيْكَ» «٢» رواه الحاكم، انتهى من «السلاح» .
وفي قصص أيوبَ عليه السلام طُولٌ واختلاف، وتلخيصُ بعض ذلك: أَنَّ أيوبَ عليه السلام أصابه اللَّه تعالى بأكلة في بدنه، فلما عَظُمَتْ، وتقطَّع بدنه، أخرجه الناس من بينهم، ولم يبقَ معه غيرُ زوجته، ويقال: كانت بنتَ يوسفَ الصديق عليه السلام قيل:
اسمها رحمة، وقيل في أيوب: إنَّه من بني إسرائيل وقيل: إنه من «الروم» من قرية «عيصو» ، فكانت زوجته تسعى عليه، وتأْتيه بما يأكل، وتقوم عليه، ودامَ عليه ضُرُّهُ مدَّة طويلة، وروي أَنَّ أيوب (عليه السلام) لم يزل صابراً شاكراً، لا يدعو في كشف ما به، حتى إنَّ الدودة تسقط منه فيردها، فمرَّ به قوم كانوا يعادونه فشمتوا به فحينئذٍ دعا رَبَّهُ سبحانه فاستجاب له، وكانت امرأته غائبةً عنه في بعض شأنها، فأنبع اللَّه تعالى له عيناً، وأُمِرَ بالشرب منها فبرىء باطنه، وأُمِرَ بالاغتسال فبرىء ظاهره، ورُدَّ إلى أفضل جماله، وأوتي بأحسن ثياب، وهبَّ عليه رجل من جراد من ذهب فجعل يحتفن منه في ثوبه، فناداه ربه سبحانه وتعالى: «يا أيوب ألمْ أكنْ أغنيتك عن هذا؟
فقال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك» فبينما هو كذلك إذ جاءت امرأته، فلم تره في الموضع، فجزعت وَظَنَّتْ أَنَّهُ أزيل عنه، فجعلت تتولَّهُ رضي اللَّه عنها، فقال لها: ما شَأْنُكِ أيتها المرأة؟
فهابته لحسن هيئته، وقالت: إنِّي فقدت مريضاً «٣» لي في هذا الموضع، ومعالم المكانِ قد تغيرت، وتأملته في أثناءِ المقاولة «٤» فرأت أيوبَ، فقالت له: أنت أيوبُ؟
فقال لها:
نعم، واعتنقها، وبكى، فَرُوِيَ أنه لم يُفَارِقْهَا حَتَّى أراه اللَّه جميعَ مالِهِ حاضراً بين يديه.
واختلف الناس في أهله وولده الذين آتاه اللَّه، فقيل: كان ذلك كله في الدنيا فَرَدَّ اللَّه عليه ولده بأعيانهم، وجعل مثلهم له عدة في الآخرة، وقيل: بل أُوتي جميع ذلك في الدنيا من أهل ومال.
ت: وقد قَدَّمَ ع «٥» في صدر القصة: إن اللَّه سبحانه أَذِنَ لإبليس (لعنه الله)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ ﴾ ؛ أيْ: دَعا رَبَّهُ، ﴿ أنِّي ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( إنِّي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ: ( مَسَّنِي ) بِتَسْكِينِ الياءِ؛ أيْ: أصابَنِيَ الجُهْدُ.
﴿ وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: أكْثَرُهم رَحْمَةً، وهَذا تَعْرِيضٌ مِنهُ بِسُؤالِ الرَّحْمَةِ؛ إذْ أثْنى عَلَيْهِ بِأنَّهُ الأرْحَمُ وسَكَتَ.
الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أغْنى أهْلِ زَمانِهِ، وكانَ كَثِيرَ الإحْسانِ.
فَقالَ إبْلِيسُ: يا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلى مالِهِ ووَلَدِهِ - وكانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا - فَإنْ فَعَلْتَ رَأيْتَهُ كَيْفَ يُطِيعُنِي ويَعْصِيكَ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى مالِهِ ووَلَدِهِ، فَرَجَعَ إبْلِيسُ فَجَمَعَ شَياطِينَهُ ومَرَدَتَهُ، فَبَعَثَ بَعْضَهم إلى دَوابِّهِ ورُعاتِهِ، فاحْتَمَلُوها حَتّى قَذَفُوها في البَحْرِ، وجاءَ إبْلِيسُ في صُورَةِ قَيِّمِهِ، فَقالَ: يا أيُّوبُ ألا أراكَ تُصَلِّي وقَدْ أقْبَلَتْ رِيحٌ عاصِفٌ، فاحْتَمَلَتْ دَوابَّكَ ورُعاتَها حَتّى قَذَفَتْها في البَحْرِ ؟
فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتّى فَرَغَ مِن صِلاتِهِ، ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي ثُمَّ قَبِلَهُ مِنِّي، فانْصَرَفَ خائِبًا، ثُمَّ أرْسَلَ بَعْضَ الشَّياطِينِ إلى جِنانِهِ وزُرُوعِهِ فَأحْرَقُوها، وجاءَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأرْسَلَ بَعْضَ الشَّياطِينِ، فَزَلْزَلُوا مَنازِلَ أيُّوبَ وفِيها ولَدُهُ وخَدَمُهُ فَأهْلَكُوهم، وجاءَ فَأخْبَرَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وقالَ لِإبْلِيسَ وهو يَظُنُّهُ قَيِّمَهُ في مالِهِ: لَوْ كانَ فِيكَ خَيْرٌ لَقَبَضَكَ مَعَهم، فانْصَرَفَ خائِبًا، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ رَأيْتَ عَبْدِي أيُّوبَ ؟
قالَ: يا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلى جَسَدِهِ فَسَوْفَ تَرى، قِيلَ لَهُ: قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى جَسَدِهِ، فَجاءَ فَنَفَخَ في إبْهامِ قَدَمَيْهِ، فاشْتَعَلَ فِيهِ مِثْلَ النّارِ، ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ أكْثَرُ بُكاءً مِنهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا نَزَلَ بِهِ البَلاءُ لَمْ يَبْكِ مَخافَةَ الجَزَعِ، وبَقِيَ لِسانُهُ لِلذِّكْرِ وقَلْبُهُ لِلْمَعْرِفَةِ والشُّكْرِ، وكانَ يَرى أمْعاءَهُ وعُرُوقَهُ وعِظامَهُ، وكانَ مَرَضُهُ أنَّهُ خَرَجَ في جَمِيعِ جَسَدِهِ ثَآلِيلُ كَألْياتِ الغَنَمِ، ووَقَعَتْ بِهِ حَكَّةٌ لا يَمْلِكُها، فَحَكَّ بِأظْفارِهِ حَتّى سَقَطَتْ، ثُمَّ بِالمُسُوحِ، ثُمَّ بِالحِجارَةِ، فَأُنْتِنَ جِسْمُهُ وتَقَطَّعَ، وأخْرَجَهُ أهْلُ القَرْيَةِ، فَجَعَلُوا لَهُ عَرِيشًا عَلى كُناسَةٍ، ورَفَضَهُ الخَلْقُ سِوى زَوْجَتِهِ، واسْمُها رَحْمَةُ بِنْتُ إفْرايِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، فَكانَتْ تَخْتَلِفُ إلَيْهِ بِما يُصْلِحُهُ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ القُرَشِيُّ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قالَ: كانَ مَلِكٌ يَظْلِمُ النّاسَ، فَكَلَّمَهُ في ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، وسَكَتَ عَنْهُ أيُّوبُ لِأجْلِ خَيْلٍ كانَتْ لَهُ في سُلْطانِهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: تَرَكْتَ كَلامَهُ مِن أجْلِ خَيْلِكَ ؟
لَأُطِيلَنَّ بَلاءَكَ.
واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِ في البَلاءِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، رَواهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ .
والثّانِي: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَعْبٌ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ.
والثّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ وأشْهَرٌ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: ثَلاثُ سِنِينَ، قالَهُ وهْبٌ.
وَفِي سَبَبِ سُؤالِهِ العافِيَةَ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: [ أنَّهُ ] اشْتَهى إدامًا، فَلَمْ تَصُبْهُ امْرَأتُهُ حَتّى باعَتْ قَرْنًا مِن شَعْرِها، فَلَمّا عَلِمَ ذَلِكَ قالَ: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْساهُ الدُّعاءَ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ اللَّهَ، فَلَمّا انْتَهى أجَلُ البَلاءِ، يَسَّرَ لَهُ الدُّعاءَ فاسْتَجابَ لَهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ نَفَرًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَرُّوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما أصابَهُ هَذا إلّا بِذَنْبٍ عَظِيمٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ ، قالَهُ نَوْفٌ البِكِالِيُّ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: كانَ لَهُ أخَوانِ، فَأتَياهُ يَوْمًا، فَوَجَدا رِيحًا، فَقالا: لَوْ كانَ اللَّهُ عَلِمَ مِنهُ خَيْرًا ما بَلَغَ بِهِ كُلُّ هَذا، فَما سَمِعَ شَيْئًا أشَدَّ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي لَمْ أبِتْ لَيْلَةً شَبْعانَ وأنا أعْلَمُ مَكانَ جائِعٍ فَصَدِّقْنِي، فَصُدِّقَ وهُما يَسْمَعانِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي لَمْ ألْبَسْ قَمِيصًا وأنا أعْلَمُ مَكانَ عارٍ فَصَدِّقْنِي، فَصُدِّقَ وهُما يَسْمَعانِ، فَخَرَّ ساجِدًا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ لا أرْفَعُ رَأْسِي حَتّى تَكْشِفَ ما بِي، فَكَشَفَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما بِهِ.
والرّابِعُ: أنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى زَوْجَتِهِ بِسَخْلَةٍ، فَقالَ: لِيَذْبَحْ أيُّوبُ هَذِهِ لِي وقَدْ بَرَأ، فَجاءَتْ فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: إنْ شَفانِي اللَّهُ لِأجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، أمَرْتِنِي أنْ أذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ !
ثُمَّ طَرَدَها عَنْهُ، فَذَهَبَتْ، فَلَمّا رَأى أنَّهُ لا طَعامَ لَهُ ولا شَرابَ ولا صَدِيقَ، خَرَّ ساجِدًا وقالَ: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وهو في عُنْفُوانِ شَبابِهِ: إنِّي مُبْتَلِيكَ، قالَ: يا رَبِّ؛ وأيْنَ يَكُونُ قَلْبِي ؟
قالَ: عِنْدِي، فَصَبَّ عَلَيْهِ مِنَ البَلاءِ ما سَمِعْتُمْ، حَتّى إذا بَلَغَ البَلاءُ مُنْتَهاهُ، أوْحى إلَيْهِ أنِّي مُعافِيكَ.
قالَ: يا رَبِّ؛ وأيْنَ يَكُونُ قَلْبِي ؟
قالَ: عِنْدَكَ.
قالَ: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ ، قالَهُ إبْراهِيمُ بْنُ شَيْبانَ القَرْمِيسِيُّ فِيما حَدَّثْنا بِهِ عَنْهُ.
والسّادِسُ: أنَّ الوَحْيَ انْقَطَعَ عَنْهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَخافَ هِجْرانَ رَبِّهِ، فَقالَ: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
فَإنْ قِيلَ: أيْنَ الصَّبْرُ وهَذا لَفْظُ الشَّكْوى ؟
فالجَوابُ: أنَّ الشَّكْوى إلى اللَّهِ لا تُنافِي الصَّبْرَ، وإنَّما المَذْمُومُ الشَّكْوى إلى الخَلْقِ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ يَعْقُوبَ: ﴿ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ ﴾ .
قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وكَذَلِكَ مَن شَكا إلى النّاسِ، وهو في شَكْواهُ راضٍ بِقَضاءِ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَزَعًا، ألَمْ تُسْمَعْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ لِجِبْرِيلَ في مَرَضِهِ: " أجِدُنِي مَغْمُومًا "، و" أجِدُنِي مَكْرُوبًا "، وقَوْلَهُ: " بَلْ أنا وا رَأْساهُ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ أهْلَهُ ﴾ يَعْنِي: أوْلادَهُ، ﴿ وَمِثْلَهم مَعَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا لَهُ أهْلَهُ بِأعْيانِهِمْ، وآتاهُ مِثْلَهم مَعَهم في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَتِ امْرَأتُهُ ولَدَتْ لَهُ سَبْعَةَ بَنِينَ وسَبْعَ بَناتٍ، فَنَشَرُوا لَهُ، ووَلَدَتْ لَهُ امْرَأتُهُ سَبْعَةَ بَنِينَ وسَبْعَ بَناتٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَدْ غُيِّبُوا عَنْهُ ولَمْ يَمُوتُوا، فَآتاهُ إيّاهم في الدُّنْيا ومِثْلَهم مَعَهم في الآخِرَةِ، رَواهُ هِشامٌ عَنِ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: آتاهُ اللَّهُ أُجُورَ أهْلِهِ في الآخِرَةِ، وآتاهُ مِثْلَهم في الدُّنْيا، قالَهُ نَوْفٌ ومُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: آتاهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم في الآخِرَةِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا ﴾ ؛ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا، ﴿ وَذِكْرى ﴾ ؛ أيْ: عِظَةٌ لِلْعابِدِينَ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: مَن أصابَهُ بَلاءٌ فَلْيَذْكُرْ ما أصابَ أيُّوبَ، فَلْيَقُلْ: إنَّهُ قَدْ أصابَ مَن هو خَيْرٌ مِنِّي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذا الكِفْلِ ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، ولَكِنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ ومُجاهِدٌ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ في عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي الكِفْلِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ رَجُلًا كانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلاةٍ فَتُوفِّيَ، فَكَفَلَ بِصَلاتِهِ، فَسُمِّيَ ذا الكِفْلِ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ تَكَفَّلَ لِلنَّبِيِّ بِقَوْمِهِ أنْ يَكْفِيَهُ أمْرَهم، ويُقِيمَهُ ويَقْضِيَ بَيْنَهم بِالعَدْلِ، فَفَعَلَ، فَسُمِّيَ ذا الكِفْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ مَلِكًا قَتَلَ في يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةِ نَبِيٍّ، وفَرَّ مِنهُ مِائَةُ نَبِيٍّ، فَكَفَلَهم ذُو الكِفْلِ يُطْعِمُهم ويَسْقِيهِمْ حَتّى أفْلَتُوا، فَسُمِّيَ ذا الكِفْلِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ.
قالَ عَطاءٌ: أوْحى اللَّهُ تَعالى [ إلى ] نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ: إنِّي أُرِيدُ قَبْضَ رُوحِكَ، فاعْرِضْ مُلْكَكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَمَن تَكَفَّلَ لَكَ بِأنَّهُ يُصَلِّي اللَّيْلَ لا يَفْتُرُ، ويَصُومُ النَّهارَ لا يُفْطِرُ، ويَقْضِي بَيْنَ النّاسِ ولا يَغْضَبُ، فادْفَعْ مُلْكَكَ إلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقامَ شابٌّ فَقالَ: أنا أتَكَفَّلُ لَكَ بِهَذا، فَتَكَفَّلَ بِهِ، فَوَفّى، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ونَبَّأهُ، وسُمِّيَ ذا الكِفْلِ.
وقَدْ ذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في الكِفْلِ: " أنَّهُ كانَ رَجُلًا لا يَنْزِعُ عَنْ ذَنْبٍ، وأنَّهُ خَلا بِامْرَأةٍ لِيَفْجُرَ بِها، فَبَكَتْ وقالَتْ: ما فَعَلْتُ هَذا قَطُّ، فَقامَ عَنْها تائِبًا، وماتَ مِن لَيْلَتِهِ، فَأصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِلْكِفْلِ "»، والحَدِيثُ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ذَكَرْتُهُ في " الحَدائِقِ "، فَجَعَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ أحَدَ الوُجُوهِ في بَيانِ ذِي الكِفْلِ، وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اسْمُهُ الكِفْلُ، والمَذْكُورُ في القُرْآنِ يُقالُ لَهُ: ذُو الكِفْلِ، ولِأنَّ الكِفْلَ ماتَ في لَيْلَتِهِ الَّتِي تابَ فِيها، فَلَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ زَمانٌ طَوِيلٌ يُعالِجُ فِيهِ الصَّبْرَ عَنِ الخَطايا.
وإذا قُلْنا: إنَّهُ نَبِيٌّ، فَإنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ عَنْ مِثْلِ هَذا الحالِ.
وذَكَرْتُ هَذا لِشَيْخِنا أبِي الفَضْلِ بْنِ ناصِرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَوافَقَنِي، وقالَ: لَيْسَ هَذا بِذاكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ ﴾ ؛ أيْ: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ.
﴿ وَأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا ﴾ في هَذِهِ الرَّحْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: النِّعْمَةُ والمُوالاةُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الشَياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ ﴾ ﴿ وَأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الراحِمِينَ ﴾ ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "يَغُوصُونَ لَهُ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: وسَخَّرْنا مِنَ الشَياطِينِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَتَناسَبُ هَذا مَعَ القِراءَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلِسُلَيْمانَ الرِيحَ" بِالنَصْبِ والرَفْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَغُوصُونَ" جَمْعٌ عَلى مَعْنى "مِن" لا عَلى لَفْظِها، و"الغَوْصُ": الدُخُولُ في الماءِ والأرْضِ، والعَمَلُ دُونَ ذَلِكَ البُنْيانِ وغَيْرِهِ مِنَ الصَنائِعِ والخِدْمَةِ ونَحْوِهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَكُنّا لَهم حافِظِينَ ﴾ ، قِيلَ: مَعْناهُ: مِن إفْسادِهِمْ ما صَنَعُوهُ، فَإنَّهم كانَ لَهُ حِرْصٌ عَلى ذَلِكَ لَوْلا ما حالَ اللهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: عادِلِينَ وحاضِرِينَ، أيْ لا يَشِذُّ عن عِلْمِنا وتَسْخِيرِنا أحَدٌ مِنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: " وأيُّوبَ "، أحْسَنُ ما فِيهِ النَصْبُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ أيُّوبَ، وفي قَصَصِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ طُولٌ واخْتِلافٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وتَلْخِيصُ ذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ نَبِيًّا مَبْعُوثًا إلى قَوْمٍ، وكانَ كَثِيرَ المالِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وكانَ صاحِبَ البَثَنِيَّةِ مِن أرْضِ الشامِ، فَغَبَرَ كَذَلِكَ مُدَّةً، ثُمْ إنَّ اللهَ تُبارِكُ وتَعالى لَمّا أرادَ مِحْنَتَهُ وابْتِلاهُ أذِنَ لِإبْلِيسَ في أنْ يُفْسِدَ مالَهُ، فاسْتَعانَ بِذُرِّيَّتِهِ فَأحْرَقُوا مالَهُ ونِعَمَهُ أجْمَعَ، فَكانَ كُلَّما أُخْبِرَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَمِدَ اللهَ تَعالى وقالَ: هي عارِيَةٌ اسْتَرَدَّها صاحِبُها والمُنْعِمْ بِها، فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ ذَلِكَ جاءَ فَأخْبَرَ بِعَجْزِهِ عنهُ، فَأذِنَ اللهُ لَهُ في إهْلاكِ بَنِيهِ وقَرابَتِهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ أجْمَعَ فَدامَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى شُكْرِهِ، فَأخْبَرَهُ إبْلِيسُ بِعَجْزِهِ، فَأذِنَ اللهُ تَعالى لَهُ في إصابَتِهِ في بَدَنِهِ، وحَجَرَ عَلَيْهِ لِسانَهُ وعَيْنَيْهِ وقَلْبَهُ، فَجاءَ إبْلِيسُ وهو ساجِدٌ فَنَفَخَ في أنْفِهِ نَفْخَةً احْتَرَقَ بَدَنُهُ مِنها، وجَعَلَها اللهُ أكَلَةً في بَدَنِهِ، فَلَمّا عَظُمَتْ وتَقْطَّعَ أخْرَجَهُ الناسُ مِن بَيْنِهِمْ وجَعَلُوهُ عَلى سُباطَةٍ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ بَشَرٌ حاشا زَوْجَتِهِ، ويُقالُ: كانَتْ بِنْتَ يُوسُفَ الصَدِيقِ، وقِيلَ: اسْمُها رَحْمَةٌ، وقِيلَ في أيُّوبَ: إنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ مِنَ الرُومِ مِن ذُرِّيَّةِ عِيصُو، فَكانَتْ زَوْجَتُهُ تَسْعى عَلَيْهِ وتَأْتِيهِ يَأْكُلُ وتَقُومُ عَلَيْهِ، فَدامَ في هَذا العَذابِ مُدَّةً طَوِيلَةً، قِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: تِسْعَةُ أعْوامٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ، وهو في كُلِّ ذَلِكَ صابِرٌ شاكِرٌ حَتّى جاءَهُ - فِيما رُوِيَ - ثَلاثَةٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ فَوَقَرُوهُ بِالقَوْلِ وأنَّبُوهُ ونَجَهُوهُ وقالُوا: ما صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ هَذا إلّا لِخُبْثِ باطِنِهِ فِيكَ، فَراجَعَهم أيُّوبُ في آخِرِ قَوْلِهِمْ بِكَلامٍ مُقْتَضاهُ أنَّهُ ذَلِيلٌ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّةٍ ولا بَيانِ ظُلامَةٍ، فَخاطَبَهُ اللهُ تَعالى مُعاتِبًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ ومُبِينًا أنَّهُ لا حُجَّةَ لِأحَدٍ مَعَ اللهِ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، ثُمْ عَرَّفَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهُ قَدْ أذِنَ في صَلاحِ حالِهِ، وعادَ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ، فَدَعا أيُّوبُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ ذَلِكَ فاسْتُجِيبَ لَهُ.
ويُرْوى أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَزَلْ صابِرًا لا يَدْعُو في كَشْفِ ما بِهِ، وكانَ - فِيما رُوِيَ - تَقَعُ مِنهُ الدُودُ فَيَرُدُّها بِيَدِهِ حَتّى مَرَّ بِهِ قَوْمٌ كانُوا يُعادُونَهُ فَشَمِتُوا بِهِ فَتَألَّمَ لِذَلِكَ ودَعا حِينَئِذٍ فاسْتُجِيبَ لَهُ، وكانَتِ امْرَأتُهُ غائِبَةً عنهُ في بَعْضِ شَأْنِها فَأنْبَعَ اللهُ لَهُ عَيْنًا وأمْرَ بِالشُرْبِ مِنها فَبَرِئَ باطِنُهُ، وأُمِرَ بِالِاغْتِسالِ فَبَرِئَ ظاهِرُهُ ورُدَّ إلى أفْضَلِ حالهِ، وأُتِيَ بِأحْسَنِ الثِيابِ، وهَبَّ عَلَيْهِ رِجْلٌ مِن جَرادٍ مِن ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنها في ثَوْبِهِ، فَناداهُ اللهُ تَعالى: يا أيُّوبُ ألَمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عن هَذا؟
قالَ: بَلى يا رَبِّ ولَكِنْ لا غِنى لِي عن بَرَكَتِكَ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ جاءَتِ امْرَأتُهُ فَلَمْ تَرَهُ عَلى السُباطَةِ فَجَزِعَتْ وظَنَّتْ أنَّهُ أُزِيلَ عنها وجَعَلَتْ تَتَوَلَّهُ.
فَقالَ لَها: ما شَأْنُكِ أيَّتُها المَرْأةُ؟
فَهابَتْهُ لِحُسْنِ هَيْئَتِهِ، فَقالَتْ: إنِّي فَقَدْتُ مَرِيضًا كانَ لِي في هَذا المَوْضِعِ، ومَعالِمُ المَكانِ قَدْ تَغَيَّرَتْ، وتَأمَّلَتْهُ في أثْناءِ المُقاوَلَةِ فَرَأتْ أيُّوبَ، فَقالَتْ لَهُ: أنْتَ أيُّوبُ ؟
فَقالَ لَها: نَعِمْ، فاعْتَنَقَها وبَكى، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمْ يُفارِقْها حَتّى أراهُ اللهُ جَمِيعَ مالِهِ حاضِرًا بَيْنَ يَدَيْهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أهْلِهِ ووَلَدَهُ الَّذِينَ آتاهُ اللهُ، فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ في الدُنْيا، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ووَلَدَهُ بِأعْيانِهِمْ، وجَعَلَ مِثْلَهم لَهُ عِدَّةً في الآخِرَةِ، وقِيلَ: بَلْ أُوُتِيَ جَمِيعَ ذَلِكَ في الدُنْيا مِن أهْلٍ ومالٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ﴾ أيْ: وتَذْكِرَةً ومَوْعِظَةً، ولا يَعْبُدُ اللهَ إلّا مُؤْمِنٌ، والذِكْرى إنَّما هي في مِحْنَتِهِ، والرَحْمَةُ في زَوالِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أنِّي مَسَّنِيَ الضُرُّ ﴾ تَقْدِيرُهُ: بِأنِّي مَسَّنِي، فَحُذِفَ الجارُّ وبَقِيَتْ "أنِّي" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ مِحْنَةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ دَخَلَ مَعَ قَوْمٍ عَلى مَلِكٍ جارٍ عَلَيْهِمْ فَأغْلَظَ لَهُ القَوْمُ ولَيَّنَ لَهُ أيُّوبُ القَوْلَ خَوْفًا مِنهُ عَلى مالِهِ، فَعاقَبَهُ اللهُ عَلى ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُقالُ لَهُ: ما لَكَ لا تَدْعُو في العافِيَةِ؟
فَكانَ يَقُولُ: إنِّي لَأسْتَحِيِي مِنَ اللهِ أنْ أسْألَهُ زَوالَ عَذابِهِ حَتّى يَمُرَّ عَلَيَّ فِيهِ ما مَرَّ مِنَ الرَخاءِ، وأصابَهُ البَلاءُ - فِيما رُوِيَ - وهو ابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً.
<div class="verse-tafsir"
عطف على ﴿ وداوود وسليمان ﴾ [الأنبياء: 78] أي وآتينا أيوب حكماً وعلماً إذ نادى ربه.
وتخصيصه بالذكر مع من ذكر من الأشياء لما اختصّ به من الصبر حتى كان مثلاً فيه.
وتقدمت ترجمة أيوب في سورة الأنعام.
وأما القصة التي أشارت إليها هذه الآية فهي المفصلة في السفر الخاص بأيوب من أسفار النبيئين الإسرائلية.
وحاصلها أنه كان نبيئاً وذا ثروة واسعة وعائلة صالحة متواصلة، ثم ابتلي بإصابات لحقت أمواله متتابعة فأتت عليها، وفقد أبناءه السبعة وبناته الثلاثَ في يوم واحد، فتلقى ذلك بالصبر والتسليم.
ثم ابتلي بإصابة قروح في جسده وتلقى ذلك كله بصبر وحكمة وهو يبْتهل إلى الله بالتمجيد والدعاء بكشف الضر.
وتلقى رثاءَ أصحابه لحاله بكلام عزيز الحكمة والمعرفة بالله، وأوحى الله إليه بمواعظ.
ثم أعاد عليه صحته وأخلفه مالاً أكثر من ماله وولدت له زوجه أولاداً وبناتتٍ بعدد من هَلكوا له من قبلُ.
وقد ذكرت قصته بأبْسط من هنا في سورة ص، ولأهل القصص فيها مبالغات لا تليق بمقام النبوءة.
و (إذْ) ظرف قيّد به إيتاءُ أيوب رباطة القلب وحكمة الصبر لأن ذلك الوقت كان أجلى مظاهر علمه وحكمته كما أشارت إليه القصة.
وتقدم نظيره آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ ونوحاً إذ نادى من قبل ﴾ [الأنبياء: 76] فصار أيوب مضرب المثل في الصبر.
وقوله ﴿ أنِّي مسنِي الضرُ ﴾ بفتح الهمزة على تقدير باء الجر، أي نادى ربه بأني مسني الضر.
والمسّ: الإصابة الخفيفة.
والتعبير به حكاية لما سلكه أيوب في دعائه من الأدب مع الله إذ جعل ما حلّ به من الضر كالمس الخفيف.
والضرّ بضمّ الضاد ما يتضرر به المرء في جسده من مرض أو هزال، أو في ماله من نقص ونحوه.
وفي قوله تعالى: ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ التعريض بطلب كشف الضرّ عنه بدون سؤال فجعل وصفَ نفسه بما يقتضي الرحمة له، ووصفَ ربه بالأرحمية تعريضاً بسؤاله، كما قال أمية بن أبي الصلت: إذا أثنى عليك المرء يوماً *** كفاه عن تعرضه الثناء وكونُ الله تعالى أرحم الراحمين لأن رحمته أكمل الرحمات لأن كل من رحِم غيرَه فإما أن يرحمه طلباً للثناء في الدنيا أو للثواب في الآخرة أو دفعاً للرقة العارضة للنفس من مشاهدة من تحق الرحمة له فلم يخل من قصد نفع لنفسه، وإما رحمته تعالى عباده فهي خلية عن استجلاب فائدة لذاته العلية.
ولكون ثناء أيوب تعريضاً بالدعاء فرع عليه قوله تعالى: ﴿ فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ﴾ .
والسين والتاء للمبالغة في الإجابة، أي استجبنا دعوته العُرْضية بإثر كلامه وكشفنا ما به من ضرّ، إشارة إلى سرعة كشف الضرّ عنه، والتعقيب في كل شيء بحَسَبه، وهو ما تقتضيه العادة في البُرء وحصوللِ الرزق وولادة الأولاد.
والكشف: مستعمل في الإزالة السريعة.
شبهت إزالة الأمراض والأضرار المتمكنة التي يعتاد أنها لا تزول إلا بطول بإزالة الغطاء عن الشيء في السرعة.
والموصول في قوله تعالى: ﴿ ما به من ضر ﴾ مقصود منه الإبهام.
ثم تفسيره ب (مِن) البيانية لقصد تهويل ذلك الضرّ لكثرة أنواعه بحيث يطول عدّها.
ومثله قوله تعالى: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ [النحل: 53] إشارة إلى تكثيرها.
ألا ترى إلى مقابلته ضدها بقوله تعالى: ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ [النحل: 53]، لإفادة أنهم يهرعون إلى الله في أقل ضرّ وينسون شكره على عظيم النعم، أي كشفنا ما حلّ به من ضرّ في جسده وماله فأعيدت صحته وثروته.
والإيتاء: الإعطاء، أي أعطيناه أهله، وأهل الرجل أهل بيته وقرابته.
وفهم من تعريف الأهل بالإضافة أن الإيتاء إرجاع ما سلب منه من أهل، يعني بموت أولاده وبناته، وهو على تقدير مضاف بيّن من السياق، أي مثل أهله بأن رُزق أولاداً بعدد ما فَقَد، وزاده مثلهم فيكون قد رزق أربعة عشر ابناً وست بنات من زوجه التي كانت بلغت سنّ العقم.
وانتصب ﴿ رحمةً ﴾ على المفعول لأجله.
ووصفت الرحمة بأنها من عند الله تنويهاً بشأنها بذكر العندية الدالة على القرب المراد به التفضيل.
والمراد رحمة بأيوب إذ قال ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ .
والذكرى: التذكير بما هو مظنة أن ينسى أو يغفل عنه.
وهو معطوف ﴿ على رحمة ﴾ فهو مفعول لأجله، أي وتنبيهاً للعابدين بأن الله لا يترك عنايته بهم.
وبما في ﴿ العابدين ﴾ من العموم صارت الجملة تذييلاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي ﴾ الآيَةِ.
حَكى الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنَّ أيُّوبَ آتاهُ اللَّهُ مالًا ووَلَدًا فَهَلَكَ مالُهُ، وماتَ أوْلادُهُ، فَقالَ: رَبِّ قَدْ أحْسَنْتَ إلَيَّ الإحْسانَ كُلَّهُ، كُنْتُ قَبْلَ اليَوْمِ شَغَلَنِي حُبُّ المالِ بِالنَّهارِ، وشَغَلَنِي حُبُّ الوَلَدِ بِاللَّيْلِ، فالآنَ أُفْرِغُ لَكَ سَمْعِي وبَصَرِي ولَيْلِي ونَهارِي بِالحَمْدِ والذِّكْرِ فَلَمْ يَنْفُذْ لِإبْلِيسَ فِيهِ مَكْرٌ، ولا قَدَرَ لَهُ عَلى فِتْنَةٍ، فَبُلِيَ في بَدَنِهِ حَتّى قَرَحَ وسَعى فِيهِ الدُّودُ، واشْتَدَّ بِهِ البَلاءُ حَتّى طُرِحَ عَلى مَزْبَلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ يَدْنُو مِنهُ غَيْرُ زَوْجَتِهِ صَبَرَتْ مَعَهُ، تَتَصَدَّقُ وتُطْعِمُهُ، وقَدْ كانَ آمَنَ بِهِ ثَلاثَةٌ مِن قَوْمِهِ، رَفَضُوا عِنْدَ بَلائِهِ، وأيُّوبَ يَزْدادُ حَمْدًا لِلَّهِ وذِكْرًا، وإبْلِيسُ يَجْتَهِدُ في افْتِتانِهِ فَلا يَصِلُ إلَيْهِ حَتّى شاوَرَ أصْحابَهُ، فَقالُوا: أرَأيْتَ آدَمَ حِينَ أخْرَجْتَهُ مِنَ الجَنَّةِ مِن أيْنَ أتَيْتَهُ؟
قالَ: مِن قِبَلِ امْرَأتِهِ، فَقالُوا شَأْنَكَ أيُّوبُ مِن قِبَلِ امْرَأتِهِ.
قالَ: أصَبْتُمْ، فَأتاها فَذَكَرَ لَها ضُرَّ أيُّوبَ بَعْدَ جَمالِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ، فَصَرَخَتْ، فَطَمِعَ عَدُوُّ اللَّهِ فِيها، فَأتاها بِسَخْلَةٍ، فَقالَ لِيَذْبَحْ أيُّوبُ هَذِهِ السَّخْلَةَ لِي ويَبْرَأُ، فَجاءَتْ إلى أيُّوبَ فَصَرَخَتْ وقالَتْ يا أيُّوبُ حَتّى مَتى يُعَذِّبُكُ رَبُّكَ ولا يَرْحَمُكَ؟
أيْنَ المالُ؟
أيْنَ الوَلَدُ؟
أيْنَ لَوْنُكَ الحَسَنُ؟
قَدْ بَلِيَ، وقَدْ تَرَدَّدَ الدَّوابُّ، اذْبَحْ هَذِهِ السَّخْلَةَ واسْتَرِحْ.
قالَ لَها أيُّوبُ أتاكِ عَدُوُّ اللَّهِ فَنَفَخَ فِيكِ فَوَجَدَ فِيكِ رِفْقًا فَأجَبْتِيهِ؟
أرَأيْتِ ما تَبْكِينَ عَلَيْهِ مِنَ المالِ والوَلَدِ والشَّبابِ والصِّحَّةِ مَن أعْطانِيهِ؟
فَقالَتِ: اللَّهُ، قالَ: فَكَمْ مَتَّعَنا بِهِ؟
قالَتْ: ثَمانِينَ سَنَةً، قالَ: مُنْذُ كَمِ ابْتَلانا اللَّهُ بِهَذا البَلاءِ؟
فَقالَتْ: مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ وأشْهُرٍ.
قالَ: ويْلَكِ واللَّهِ ما أنْصَفْتِ رَبَّكِ، ألا صَبَرْتِ حَتّى نَكُونَ في هَذا البَلاءِ ثَمانِينَ سَنَةً واللَّهِ لَئِنْ شَفانِي اللَّهُ لِأجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، ثُمَّ طَرَدَها وقالَ: ما تَأْتِينِي بِهِ عَلَيَّ حَرامٌ إنْ أكَلْتُهُ، فَيَئِسَ إبْلِيسُ مِن فِتْنَتِهِ.
ثُمَّ بَقِيَ أيُّوبُ وحِيدًا فَخَرَّ ساجِدًا وقالَ: رَبِّ، ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الضُّرَّ المَرَضُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ البَلاءُ الَّذِي في جَسَدِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، حَتّى قِيلَ إنَّ الدُّودَةَ كانَتْ تَقَعُ مِن جَسَدِهِ فَيَرُدُّها في مَكانِها ويَقُولُ: كُلِي مِمّا رَزَقَكِ اللَّهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ ﴾ قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ وثَبَ لِيُصَلِّيَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى النُّهُوضِ، فَقالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ، إخْبارًا عَنْ حالِهِ، لا شَكْوى لِبَلائِهِ، رَواهُ أنَسٌ مَرْفُوعًا.
الخامِسُ: أنَّهُ انْقَطَعَ الوَحْيُ عَنْهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَخافَ هِجْرانَ رَبِّهِ، فَقالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ، وهَذا قَوْلُ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفي مَخْرَجِ قَوْلِهِ: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ، وتَقْدِيرُهُ أيَمَسَّنِي الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ.
الثّانِي: أنْتَ أرْحَمُ بِي أنْ يَمَسَّنِيَ الضُّرُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ [ذَلِكَ] اسْتِقالَةً مِن ذَنْبِهِ ورَغْبَةً إلى رَبِّهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ شَكا ضَعْفَهُ وضُرَّهُ اسْتِعْطافًا لِرَحْمَتِهِ، فَكَشَفَ بَلاءَهُ فَقِيلَ لَهُ: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ ﴾ فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فاغْتَسَلَ مِنها وشَرِبَ فَذَهَبَ باطِنُ دائِهِ وعادَ إلَيْهِ شَبابُهُ وجِمالُهُ، وقامَ صَحِيحًا، وضاعَفَ اللَّهُ لَهُ ما كانَ مِن أهْلٍ ومالٍ ووَلَدٍ.
ثُمَّ إنَّ امْرَأتَهُ قالَتْ: إنْ طَرَدَنِي فَإلى مَن أكِلُهُ؟
فَرَجَعَتْ فَلَمْ تَرَهُ، فَجَعَلَتْ تَطُوفُ وتَبْكِي، وأيُّوبُ يَراها وتَراهُ فَلا تَعْرِفُهُ فَلَمّا سَألَتْهُ عَنْهُ وكَلَّمَتْهُ فَعَرَفَتْهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ رَحِمَها لِصَبْرِها مَعَهُ عَلى البَلاءِ، فَأمَرَهُ أنْ يَضْرِبَها بِضِغْثٍ لِيَبَرَّ في يَمِينِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَكانَتِ امْرَأتُهُ ماخِيرا بِنْتَ مِيشا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ.
﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ أهْلَهُ الَّذِينَ أهْلَكَهم بِأعْيانِهِمْ، وأعْطاهُ مِثْلَهم مَعَهم.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ لِأيُّوبَ سَبْعُ بَنِينَ وسَبْعُ بَناتٍ فَماتُوا في بَلائِهِ، فَلَمّا كَشَفَ اللَّهُ ضَرَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ بَنِيهِ وبَناتِهِ ووُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلُهم، قالَ الحَسَنُ: وكانُوا ماتُوا قَبْلَ آجالِهِمْ فَأحْياهُمُ اللَّهُ فَوَفّاهم آجالَهم، وأنَّ اللَّهَ أبْقاهُ حَتّى أعْطاهم مِن نَسْلِهِمْ مِثْلَهَمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الحاكم من طريق سمرة عن كعب قال: كان أيوب بن أموص نبي الله الصابر طويلاً جعد الشعر واسع العينين حسن الخلق، وكان على جبينه مكتوب: المبتلى الصابر، وكان قصير العنق عريض الصدر غليظ الساقين والساعدين، كان يعطي الأرامل ويكسوهم جاهداً ناصحاً لله.
وأخرج الحاكم عن وهب قال: أيوب بن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.
وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال: أول نبي بعث إدريس، ثم نوح ثم إبراهيم، ثم إسماعيل وإسحاق، ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود، ثم صالح ثم شعيب ثم موسى وهارون، ثم إلياس ثم اليسع ثم يونس ثم أيوب.
وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: كان أيوب أعبد أهل زمانه وأكثرهم مالاً، فكان لا يشبع حتى يشبع الجائع، وكان لا يكتسي حتى يكسي العاري، وكان إبليس قد أعياه أمر أيوب لقوته فلا يقدر عليه، وكان عبداً معصوماً.
وأخرج أحمد في الزهد وابن عساكر، عن وهب أنه سئل: ما كانت شريعة قوم أيوب؟
قال: التوحيد وإصلاح ذات البين.
وإذا كانت لأحد منهم حاجة خر لله ساجداً ثم طلب حاجته.
قيل: فما كان ماله؟
قال: كان له ثلاثة آلاف فدان، مع كل فدان عبد، مع كل عبد وليدة ومع كل وليدة أتان وأربعة عشرة ألف شاة، ولم يبت ليلة له إلا وضيف وراء بابه، ولم يأكل طعامه إلا ومعه مسكين.
وأخرج البيهقي في الشعب عن سفيان الثوري قال: ما أصاب إبليس من أيوب في مرضه إلا الأنين.
وأخرج ابن عساكر عن عقبة بن عامر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم.
«قال الله لأيوب: تدري ما جرمك إليّ حتى ابتليتك؟
فقال: لا يا رب.
قال: لأنك دخلت على فرعون فداهنت عنده في كلمتين» .
وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنما كان ذنب أيوب، أنه استعان به مسكين على ظلم يدرؤه عنه فلم يعنه، ولم يأمر بمعروف وينه الظالم عن ظلم المسكين فابتلاه الله.
وأخرج ابن عساكر عن الليث بن سعد قال: كان السبب الذي ابتلي فيه أيوب، أنه دخل أهل قريته على ملكهم- وهو جبار من الجبابرة- وذكر بعض ما كان ظلمه الناس، فكلموه فأبلغوا في كلامه ورفق أيوب في كلامه له مخافة منه لزرعه، فقال الله: «اتقيت عبداً من عبادي من أجل زرعك؟» فأنزل الله به ما أنزل من البلاء.
وأخرج ابن عساكر عن أبي إدريس الخولاني، قال: أجدب الشام، فكتب فرعون إلى أيوب: أن هلم إلينا فإن لك عندنا سعة.
فأقبل بخيله وماشيته وبنيه فأقطعهم، فدخل شعيب فقال فرعون: أما تخاف أن يغضب غضبة فيغضب لغضبه أهل السموات والأرض والجبال والبحار؟
فسكت أيوب، فلما خرجا من عنده أوحى الله إلى أيوب: أوسكت عن فرعون لذهابك إلى أرضه؟
استعد للبلاء.
قال: فديني؟
قال: أسلمه لك.
قال: لا أبالي.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم وابن عساكر، عن يزيد بن ميسرة قال: لما ابتلى الله أيوب بذهاب المال والأهل والولد، فلم يبق له شيء، أحسن الذكر والحمد لله رب العالمين.
ثم قال: أحمدك رب الذي أحسنت إليّ....
قد أعطيتني المال والولد لم يبق من قلبي شعبة إلا قد دخلها ذلك، فأخذت ذلك كله مني وفزعت قلبي، فليس يحول بيني وبينك شيء لا يعلم عدوي إبليس الذي وصفت إلا حسدني، فلقي إبليس من ذها شيئاً منكراً.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن عبدالله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب أخوان فجاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع من شيء قط مثله، قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعاً، وأنا أعلم مكان جائع فصدقني.
فصدّق من في السماء وهما يسمعان، ثم خر ساجداً وقال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني.
فما رفع رأسه حتى كشف الله عنه.
وأخرح ابن عساكر عن الحسن قال: ضرب أيوب بالبلاء، ثم بالبلاء بعد البلاء بذهاب الأهل والمال، ثم ابتلي في بدنه، ثم ابتلي حتى قذف في بعض مزابل بني إسرائيل، فما يعلم أيوب دعا الله يوماً أن يكشف ما به ليس إلا صبراً وإحتساباً، حتى مر به رجلان فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله في هذا حاجة ما بلغ به هذا كله.
فسمع أيوب فشق عليه فقال: رب ﴿ مسني الضر ﴾ ثم رد ذلك إلى ربه فقال: ﴿ وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال: ﴿ وآتيناه أهله ﴾ في الدنيا ﴿ ومثلهم معهم ﴾ في الآخرة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال: قيل له: يا أيوب، إن أهلك لك في الجنة، فإن شئت آتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوّضناك مثلهم.
قال: لا، بل اتركهم لي في الجنة، فتركوا له في الجنة وعوّض مثلهم في الدنيا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن نوف البكالي في قوله: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال: إني أدخرهم في الآخرة وأعطي مثلهم في الدنيا.
فحدث بذلك مطرف فقال: ما عرفت وجهها قبل اليوم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني، عن الضحاك قال: بلغ ابن مسعود أن مروان قال في هذه الآية: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال: أوتي بأهل غير أهله، فقال ابن مسعود: بل أوتي بأعيانهم ومثلهم معهم.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال: لم يكونوا ماتوا ولكنهم غيبوا عنه، فأتاه أهله ﴿ ومثلهم معهم ﴾ في الآخرة.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال: أحياهم بأعيانهم وزاد إليهم مثلهم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال: أحيا الله له أهله بأعيانهم وزاده الله مثلهم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ ومثلهم معهم ﴾ قال: من نسلهم.
وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال: ما كان بقي من أيوب عليه السلام إلا عيناه وقلبه ولسانه، فكانت الدواب تختلف في جسده؛ ومكث في الكناسة سبع سنين وأياماً.
وأخرج أحمد عن نوف البكالي قال: مر نفر من بني إسرائيل بأيوب فقالوا: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه.
فسمعها أيوب فعند ذلك قال: ﴿ مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ وكان قبل ذلك لا يدعو.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: لقد مكث أيوب مطروحاً على كناسة سبع سنين وأشهراً ما يسأل الله أن يكشف ما به وما على وجه الأرض، خلق أكرم من أيوب، فيزعمون أن بعض الناس قال: لو كان لرب هذا فيه حاجة ما صنع به هذا.
فعند ذلك دعا.
وأخرج ابن جريرعن وهب بن منبه قال: لم يكن بأيوب الأكلة، إنما يخرج منه مثل ثدي النساء ثم يتفقأ.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ قال: إنه لما مسه الضر أنساه الله الدعاء أن يدعوه فيكشف ما به من ضر، غير أنه كان يذكر الله كثيراً ولا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيقان، فلما انتهى الأجل وقضى الله أنه كاشف ما به من ضر أذن له في الدعاء ويسرّه له، كان قبل ذلك يقول تبارك وتعالى: «لا ينبغي لعبدي أيوب أن يدعوني ثم لا أستجيب له» فلما دعا استجاب له وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين، رد أهله ومثلهم معهم، وأثنى عليه فقال: ﴿ إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أوّاب ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلاً يقال له قاسم إلى عكرمة يسأله عن قول الله لأيوب ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ فقال: قيل له: إن أهلك لك في الآخرة، فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا؛ وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا.
فقال: يكونون في الآخرة وأوتى مثلهم في الدنيا.
فرجع إلى مجاهد فقال: أصاب.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ﴾ وقوله: ﴿ رحمة منا وذكرى لأولي الألباب ﴾ [ ص: 43] قال: إنما هو من أصابه بلاء فذكر ما أصاب أيوب فليقل: إنه قد أصاب من هو خير مني نبي من الأنبياء.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: بقي أيوب على كناسةٍ لبني إسرائيل سبع سنين وأشهراً تختلف فيه الدواب.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: «إن أيوب آتاه الله تعالى مالاً وولداً وأوسع عليه، فله من الشياه والبقر والغنم والإبل.
وإن عدو الله إبليس قيل له: هل تقدر أن تفتن أيوب؟
قال: رب، إن أيوب أصبح في دنيا من مال وولد فلا يستطيع إلا شكرك، فسلطني على ماله وولده فسترى كيف يطيعني ويعصيك.
فسلط على ماله وولده فكان يأتي الماشية من ماله من الغنم فيحرقها بالنيران، ثم يأتي أيوب وهو يصلي متشبهاً براعي الغنم فيقول: يا أيوب، تصلي لرب؟
ما ترك الله لك من ماشيتك شيئاً من الغنم إلا أحرقها بالنيران.
وكنت ناحية فجئت لأخبرك.
فيقول أيوب: اللهم أنت أعطيت وأنت أخذت، مهما يبق شيء أحمدك على حسن بلائك.
فلا يقدر منه على شيء مما يريد، ثم يأتي ماشيته من البقر فيحرقها بالنيران.
ثم يأتي أيوب فيقول له ذلك، ويرد عليه أيوب مثل ذلك.
وكذلك فعل بالإبل حتى ما ترك له ماشية حتى هدم البيت على ولده، فقال: يا أيوب، أرسل الله على ولدك من هدم عليهم البيوت حتى يهلكوا!
فيقول أيوب مثل ذلك.
وقال: رب هذا حين أحسنت إلي الإحسان كله قد كنت قبل اليوم يشغلني حب المال بالنهار ويشغلني حب الولد بالليل شفقة عليهم، فالآن أفرغ سمعي لك وبصري وليلي ونهاري بالذكر والحمد والتقديس والتهليل.
فينصرف عدو الله من عنده ولم يصب منه شيئاً مما يريد.
ثم إن الله تعالى قال: كيف رأيت أيوب؟
قال إبليس: إن أيوب قد علم أنك سترد عليه ماله وولده، ولكن سلطني على جسده فإن أصابه الضر فيه أطاعني وعصاك.
فسلط على جسده، فأتاه فنفخ فيه نفخة أقرح من لدن قرنه إلى قدمه، فأصابه البلاء بعد البلاء حتى حمل فوضع على مزبلة كناسة لبني إسرائيل، فلم يبق له مال ولا ولد ولا صديق ولا أحد يقربه غير رحمة صبرت عليه، تصدق عليه وتأتيه بطعام وتحمد الله معه إذا حمده، وأيوب على ذلك لا يفر من ذكر الله والتحميد والثناء على الله والصبر على ما ابتلاه الله، فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطاء الأرضين جزعاً من صبر أيوب، فاجتمعوا إليه وقالوا له: اجتمعنا إليك، ما أحزنك؟!
ما أعياك؟
قال: أعياني هذا العبد الذي سألت ربي أن يسلطني على ماله وولده، فلم أدع له مالاً ولا ولداً فلم يزدد بذلك إلا صبراً وثناء على الله تعالى وتحميداً له، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل لا تقربه إلا امرأته، فقد افتضحت بربي فاستعنت بكم لتعينوني عليه.
فقالوا له: أين مكرك؟
أين علمك الذي أهلكت به من مضى؟
قال: بطل ذلك كله في أيوب، فأشيروا علي.
قالوا: نشير عليك، أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة؟
من أين أتيته؟
قال: من قبل امرأته.
قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته، فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقربه غيرها.
قال: أصبتم.
فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدق، فتمثل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة الله؟
قالت: ها هو ذاك يحك قروحه ويتردد الدود في جسده.
فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع، فوضع في صدرها فوسوس إليها فذكرها ما كانت فيه من النعم والمال والدواب، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر، وإن ذلك لا ينقطع عنهم أبداً فصرخت، فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة فقال: ليذبح هذا إلى أيوب ويبرأ.
فجاءت تصرخ: يا أيوب، يا أيوب....
حتى متى يعذبك ربك؟
ألا يرحمك؟
أين المال؟
أين الشباب؟
أين الولد؟
أين الصديق؟
أين لونك الحسن الذي بلي وتلدد فيه الدواب..؟
اذبح هذه السخلة واسترح.
قال: أيوب: أتاكِ عدو الله فنفخ فيك فوجد فيك رفقاً فأجبِتِه، ويلكِ أرأيتِ ما تبكين عليه مما تذكرين مما كنا فيه من المال والولد والصحة والشباب من أعطانيه؟
قالت: الله..
قال: فكم متعنا؟
قالت: ثمانين سنة.
قال: فمذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء الذي ابتلانا به؟
قالت: سبع سنين وأشهراً.
قال: ويلكِ...
والله ما عدلت ولا أنصفت ربك، إلا صبرت حتى نكون في هذا البلاء الذي ابتلانا ربنا ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة!
والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة حيت أمرتني أن أذبح لغير الله.
طعامك وشرابك الذي أتيتني به عليّ حرام أن أذوق شيئاً مما تأتي به بعد إذ قلتِ لي هذا، فاعزبي عني فلا أراكِ.
فطردت فذهبت، فقال الشيطان: هذا قد وطّن نفسه ثمانين سنة على هذا البلاء الذي هو فيه، فباء بالغلبة ورفضه.
ونظر إلى أيوب قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق، ومرّ به رجلان وهو على تلك الحال ولا والله، ما على ظهر الأرض يومئذ أكرم على الله من أيوب فقال أحد الرجلين لصاحبه: لو كان الله في هذا حاجة ما بلغ به هذا.
فلم يسمع أيوب شيئاً كان أشد عليه من هذه الكلمة فقال: رب، ﴿ مسني الضر ﴾ ثم رد ذلك إلى الله فقال: ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ فقيل له: ﴿ اركض برجلك هذا مغتسل بارد ﴾ [ ص: 42] فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط، فأذهب الله عنه كل ألم وكل سقم وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج.
فقام صحيحاً وكسي حلة فجعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من أهل ومال إلا وقد أضعفه الله له، حتى ذكر لنا أن الماء الذي اغتسل به تطاير على صدره جراد من ذهب، فجعل يضمه بيده فأوحى الله إليه: يا أيوب، ألم أغنك عن هذا؟
قال: بلى، ولكنها بركتك فمن يشبع منها؟
فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت: أرأيت إن كان طردني، إلى من أكله؟
أدعه يموت جوعاً أو يضيع فتأكله السباع؟
لأرجعن إليه.
فرجعت فلا كناسة ترى ولا تلك الحال التي كانت، وإذا الأمور قد تغيرت فجعلت تطوف حيث الكناسة وتبكي، وذلك بعين أيوب، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأل عنه.
فأرسل إليها أيوب فدعاها فقال: ما تريدين يا أمة الله؟
فبكت وقالت: أريد ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة، لا أدري أضاع أم ما فعل!
قال لها أيوب: ما كان منكِ؟
فبكت وقال: بعلي، فهل رأيته؟
فقال: وهل تعرفيته إذا رأيته؟
قالت: وهل يخفى على أحد رآه؟
ثم جعلت تنظر إليه ويعرّفها به، ثم قالت: أما إنه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحاً.
قال: فإني أيوب الذي أمرتني أن أذبح للشيطان، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله فرّد علي ما ترين.
ثم إن الله رحمها لصبرها معه على البلاء فأمره تخفيفاً عنها أن يأخذ جماعة من الشجر فيضربها ضربة واحدة تخفيفاً عنها بصبرها معه» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر، عن وهب قال: لم يكن الذي أصاب أيوب الجذام ولكنه أصابه أشد من ذلك، كان يخرج في جسده مثل ثدي المرأة ثم يتفقأ.
وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن الحسن قال: إن كانت الدودة لتقع من جسد أيوب فيأخذها إلى مكانها ويقول: كلي من رزق الله.
وأخرج الحاكم والبيهقي في الشعب وابن عساكر، عن ابن عباس أن امرأة أيوب قالت له: والله قد نزل بي من الجهد والفاقة ما إن بعت قرني برغيف فأطعمتك، وإنك رجل مجاب الدعوة فادع الله أن يشفيك.
فقال: ويحك...
كنا في النعماء سبعين عاماً فنحن في البلاء سبع سنين.
وأخرج ابن أبي الدنيا وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن عساكر، عن طلحة بن مطرف قال: قال إبليس: ما أصبت من أيوب شيئاً قط أفرح به، إلا أني كنت إذا سمعت أنينه علمت أني أوجعته.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن مجاهد قال: أن أول من أصابه الجدري أيوب عليه السلام.
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد.
قال: وما ذاك؟
قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف عنه ما به.
فلما جاء إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك، فقال أيوب: لا أدري ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتباعدان يذكران الله فأرجع إلى بيتي فاؤلف بينهما كراهة أن يذكر الله لا في حق.
وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن ﴿ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ﴾ [ ص: 42] فاستبطأته فأتته فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله المبتلى؟
والله على ذاك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً.
قال: فإني أنا هو.
قال: وكان له اندران، اندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض» .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ قال: رد الله امرأته وزاد في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ذكراً، وأهبط الله إليه ملكاً فقال: يا أيوب، ربك يقرئك السلام بصبرك على البلاء، فاخرج إلى اندرك.
فبعث الله سحابة حمراء فهبطت عليه بجراد الذهب والملك قائم يجمعه، فكانت الجراد تذهب فيتبعها حتى يردها في أندره.
قال الملك: يا أيوب، أو ما تشبع من الداخل حتى تتبع الخارج؟
فقال: إن هذه بركة من بركات ربي ولست أشبع منها.
وأخرج أحمد والبخاري والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أيوب يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟
قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك» .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما عافى الله أيوب أمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذه بيده ويجعله في ثوبه، فقيل له: يا أيوب، أما تشبع؟
قال: ومن يشبع من فضلك ورحمتك؟» .
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس أن أيوب عاش بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنفية، وعلى ذلك مات، وتغيروا بعد ذلك وغيروا دين إبراهيم كما غيره من كان قبلهم.
وأخرج الحاكم عن وهب قال: عاش أيوب ثلاثاً وتسعين سنة وأوصى عند موته إلى ابنه حرمل، وقد بعث الله بعده بشر بن أيوب نبياً وسماه ذا الكفل، وكان مقيماً بالشام عمره حتى مات ابن خمس وسبعين سنة، وأن بشراً أوصى إلى ابنه عبدان ثم بعث الله بعدهم شعيباً.
وأخرج ابن عساكر عن أبي عبدالله الجدلي قال: كان أيوب عليه السلام يقول: «اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة أطفأها وإن رأى سيئة أذاعها» .
وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي في الشعب عن مجاهد قال: يؤتى بثلاثة يوم القيامة: بالغني، والمريض، والعبد المملوك، فيقال للغني: ما منعك من عبادتي؟
فيقول: يا رب، أكثرت لي من المال فطغيت.
فيؤتى بسليمان عليه السلام في ملكه فيقول: أنت كنت أشد شغلاً من هذا؟
فيقول: لا، بل هذا.
قال: فإن هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني.
ثم يؤتى بالمريض فيقول: ما منعك من عبادتي؟
فيقول: شغلت على جسدي، فيؤتى بأيوب في ضره فيقول: أنت كنت أشد ضراً من هذا؟
قال: لا، بل هذا.
قال: فإن هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني.
ثم يؤتى بالمملوك فيقول: ما منعك من عبادتي؟
فيقول: يا رب، جعلت علي أرباباً يملكونني.
فيؤتى بيوسف في عبوديته فيقول: أنت كنت أشد عبودية أم هذا؟
قال: لا بل هذا قال: فإن هذا لم يمنعه أن عبدني.
والله أعلم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وذا الكفل ﴾ قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك فسمي ﴿ ذا الكفل ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي، حتى أنظر كيف يعمل فجمع الناس فقال: من يتكفل لي بثلاث: أستخلفه يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب؟
قال: فقام رجل تزدريه العين فقال: أنا.
فقال: أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب؟
قال: نعم.
قال: فردّه من ذلك اليوم وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال: أنا.
فاستخلفه.
قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم ذلك فقال: دعوني وإياه...
فأتاه في صورة شيخ كبير فقير فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة- وكان لا ينام من الليل والنهار إلا تلك النومة- فدق الباب فقال: من هذا؟
قال: شيخ كبير مظلوم.
قال: فقام ففتح الباب، فجعل يكثر عليه فقال: إن بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا...
وجعل يطول عليه حتى حضره وقت الرواح وذهبت القائلة، وقال: إذا رحت فائتني آخذ لك بحقك.
فانطلق وراح وكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ الكبير المظلوم، فلم يره فقام يبغيه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس فينتظره فلا يراه، فلما راح إلى بيته جاء فدق عليه الباب فقال: من هذا؟
قال: الشيخ الكبير المظلوم، ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فائتني؟
قال: إنهم أخبث قوم.
قال: إذا رحت فائتني، ففاتته القائلة فراح فجعل ينظر ولا يراه، وشق عليه النعاس فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: ما وراءك؟
قال: إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري.
فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا يدع أحداً يقربه.
فلما أعياه نظر فرأى كوّة في البيت فتسوّر منها فإذا هو في البيت، فإذا هو يدق الباب من داخل فاستيقظ الرجل فقال: يا فلان، ألم آمرك؟
قال: من قبلي والله لم تؤت، فانظر من أين أتيت.
فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا برجل معه في البيت فعرفه فقال له: عدو الله؟!
قال: نعم، أعييتني في كل شيء ففعلت ما ترى لأغضبك.
فسماه الله ﴿ ذا الكفل ﴾ لأنه تكفل بأمر فوفى به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان قاض في بني إسرائيل فحضره الموت فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟
فقال رجل: أنا فسمي ﴿ ذا الكفل ﴾ فكان ليله جميعاً يصلي ثم يصبح صائماً فيقضي بين الناس، وله ساعة يقيلها فكان بذلك فأتاه الشيطان عند نومته فقال له أصحابه: ما لك؟
قال: إنسان مسكين له على رجل حق قد غلبني عليه.
فقالوا: كما أنت حتى يستيقظ.
قال وهو فوق نائم: فجعل يصيح عمداً حتى يغضبه.
فسمع فقال: ما لك؟
قال: إنسان مسكين لي على رجل حق.
قال: اذهب فقل له يعطيك.
قال: قد أبى.
قال: اذهب أنت إليه.
فذهب ثم جاء من الغد فقال: ما لك؟
قال: ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأساً.
قال: اذهب إليه أنت.
فذهب ثم جاء من الغد حين قال فقال له أصحابه: أخرج فعل الله بك تجيء كل يوم حين ينام لا تدعه ينام؟
فجعل يصيح: من أجل أني إنسان مسكين؟
لو كنت غنياً...
فسمع أيضاً قال: ما لك؟
قال: ذهبت إليه فضربني.
قال: امش حتى أجيء معك، فهو ممسك بيده فلما رآه ذهب معه نثر يده منه فذهب ففر.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الحارث قال: قال نبي من الأنبياء لمن معه: أيكم يكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب، ويكون معي في درجتي ويكون بعدي في مقامي؟
قال شاب من القوم: أنا.
ثم أعاد فقال الشاب: أنا، ثم أعاد فقال الشاب أنا، ثم أعاد فقال الشاب أنا، فلما مات قام بعده في مقامه فأتاه إبليس بعدما قال ليغضبه يستعديه فقال لرجل: اذهب معه.
فجاء فأخبره أنه لم ير شيئاً، ثم أتاه فأرسل معه آخر فجاءه فأخبره أنه لم ير شيئاً، ثم أتاه فقام معه فأخذ بيده فانفلت منه، فسمي ﴿ ذا الكفل ﴾ لأنه كفل أن لا يغضب.
وأخرج ابن سعيد النقاش في كتاب القضاة، عن ابن عباس قال: كان نبي جمع أمته فقال: أيكم يتكفل لي بالقضاء بين أمتي، على أن لا يغضب؟
فقام فتى فقال: أنا يا رسول الله، ثم عاد فقال الفتى أنا، ثم قال لهم الثالثة أيكم يتكفل لي بالقضاء بين الناس على أن لا يغضب؟
فقال الفتى أنا فاستخلفه، فأتاه الشيطان بعد حين وكان يقضي حتى إذا انتصف النهار، ثم رجع ثم راح فأتاه الشيطان نصف النهار وهو نائم، فناداه حتى أيقظه فاستعداه فقال: إن كتابك رده ولم يرفع به رأساً ثنتين وثلاثاً، فأخذ الرجل بيده ثم مشى معه ساعة، فلما رأى الشيطان ذلك نزع يده من يده ثم فر فسمي ﴿ ذا الكفل ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن حجيرة الأكبر، أنه بلغه أنه كان ملك من ملوك بني إسرائيل عتى في ملكه، فلما حضرته الوفاة أتاه رؤوسهم فقالوا: استخلف علينا ملكاً نفزع إليه.
فجمع إليه رؤوسهم فقال: من رجل تكفل لي بثلاث وأوليه ملكي؟
فلم يتكلم إلا فتى من القوم قال أنا.
قال: اجلس.
ثم قالها ثانية فلم يتكلم أحد إلا الفتى، قال: تكفل لي بثلاث وأوليك ملكي؟
قال: نعم.
قال: تقوم الليل فلا ترقد، وتصوم النهار فلا تفطر، وتحكم فلا تغضب.
قال: نعم.
قال: قد وليتك ملكي، فلما أن كان مكانه قام الليل وصام النهار وحكم فلا يعجل ولا يغضب، يغدو فيجلس لهم فتمثل له الشيطان في صورة رجل، فأتاه وقد تحين مقيله فقال: أعدني على رجل ظلمني.
فأرسل معه رسولاً فجعل يطوف به وذو الكفل ينظره حتى فاتته رقدته، ثم انسل من وسط الناس فأتاه رسول فأخبره، فراح للناس فجلس لهم فقال الشيطان: لعله يرقد الليل ولم يصم النهار، فلما أمسى صلى صلاته التي كان يصلي، ثم أتاه الغد وقد تحين مقيله فقال: أعدني على صاحبي.
فأرسل معه وانتظره وتبطأ حتى فات ذو الكفل رقدته، ثم أتاه الرسول فأخبره فراح ولم ينم فقال الشيطان: الليلة يرقد.
فأمسى يصلي صلاته كما كان يصلي.
ثم أتاه فقال: قد صنعت به ما صنعت لعله يغضب.
قال: أعدني على صاحبي.
فقال: ألم أرسل معك رسولاً؟
قال: بلى...
ولكن لم أجده.
فقال له ذو الكفل: انطلق فأنا ذاهب معك.
فانطلق فطاف به ثم قال له: أتدري من أنا؟
قال: لا.
قال: أنا الشيطان، كنت تكفلت لصاحبك بأمر فأردت أن تدع بعضه، وإن الله قد عصمك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ما كان ذو الكفل بنبي، ولكن كان في بني إسرائيل رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة.
فتوفي فتكفل له ذو الكفل من بعده.
فكان يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق سعيد مولى طلحة، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت.
فقال: ما يبكيك؟
أكرهتك؟...
قالت: لا، ولكنه عمل ما عملته قط وما حملني عليه إلا الحاجة.
فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته، اذهبي فهي لك.
وقال: والله لا أعصي الله بعدها أبداً.
فمات من ليلته فأصبح مكتوباً على بابه: إن الله قد غفر لذي الكفل» .
وأخرجه ابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمرو: قال فيه ذو الكفل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ﴾ قال ابن عباس يريد الأوجاع (١) ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ﴾ قال: إن الله تعالى رد إليه أهله ومثلهم معهم (٢) والمراد بالأهل: الأولاد (٣) (٤) وهذا قول ابن مسعود، وقتادة، وكعب، [والحسن، قالوا (٥) (٦) وقال عكرمة: إن الله خيره، فاختار إحياء أهله في الآخرة، ومثلهم (٧) (٨) (٩) وهذا (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ﴾ قال الفراء: فعلنا ذلك رحمة من عندنا (١٢) ﴿ وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمطيعين (١٣) قال محمد بن كعب: أيما مؤمن أصابه بلاءً فليذكر ما أصاب أيوب، وليقل إنه قد أصاب من هو خير مني أعظم من هذا (١٤) (١) ذكر الرازي 22/ 10 والقرطبي 11/ 326 القول بأن الله رد على أيوب أهله بأعيانهم ومثلهم معهم.
ونسباه إلى جماعة منهم الكلبي.
وروى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 27 عن الكلبي قال: آتاه الله أهله في الدنيا، ومثلهم معهم في الآخرة.
(٢) رواه الطبري 17/ 72 من طريق العوفي.
(٣) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 40 أ.
(٤) ذكر الفراء مثل هذا النص -مع اختلاف يسير- في "معانيه" 2/ 209 وصدره بقوله: وذُكر.
وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 378 - 379 مثله وعزاه إلى أبي صالح عن ابن عباس، ومعلوم أن هذه الرواية في الغالب من طريق الكلبي.
(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 40 أعن ابن مسعود وقتادة وكعب، ثم ذكر عن الحسن نحوه.
ورواه عن ابن مسعود الطبري في "تفسيره" 17/ 72، والطبراني في "الكبير" 9/ 254، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 654، 655 وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني.
وهو من رواية الضحاك عن ابن مسعود، والضحاك لم يلق ابن مسعود، فهي رواية منقطعة ولذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 67: وإسناد منقطع.
ورواه الطبري 17/ 73 عن الحسن وقتادة وروى عبد الرزاق 2/ 27 عن الحسن قال: آتاه الله أهله في الدنيا ومثلهم معهم من نسلهم.
وقد وردت رواية عن الحسن أخرجها ابن عساكر وابن المنذر (كما في "الدر المنثور" 5/ 654 - 655) أنه قال: (وآتيناه أهله) في الدنيا (ومثلهم معهم) في الآخرة.
(٦) ما بين المعقوفين كشط في (أ).
(٧) في (د)، (ع): (وأوتي مثلهم)، والصواب ما في (ت).
(٨) في (ت): (مثلهم معهم)، والصواب ما في (د)، (ع).
(٩) رواه الطبري 17/ 72 بنحوه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 656 وعزاه لابن جرير.
(١٠) في (د)، (ع): (وذلك).
(١١) رواية ليث عن مجاهد رواها الطبري 17/ 72 - 73.
(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 209.
(١٣) انظر البغوي 5/ 347، وابن الجوزي 5/ 379.
قال القرطبي 11/ 327: أي: وتذكيرًا للعباد؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له -وهو أفضل أهل زمانه- وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب، فيكون هذا تنبيهًا لم على إدامة العبادة واحتمال الضرر.
وقال ابن كثير 3/ 190: أي: وجعلناه في ذلك قدوة لئلا يظن أهل البلاء إنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء وله الحكمة البالغة في ذلك.
(١٤) رواه الطبري 17/ 73، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 656 وعزاه لابن جرير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ ﴾ كان أيوب عليه السلام نبياً من الروم، وقيل من بني إسرائيل، وكان له أولاد ومال كثير فأذهب الله ماله فصبر، ثم أهلك الأولاد فصبر، ثم سلط البلاء على جسمه فصبر إلى أن مر به قومه فشمتوا به، فحينئذ دعا الله تعالى، على أن قوله: ﴿ مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين ﴾ ليس تصريحاً بالدعاء، ولكنه ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه، فكان في ذلك من حسن التلطف ما ليس في التصريح بالطلب ﴿ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ﴾ لما استجاب الله له أنبع له عيناً من ماء فشرب منه واغتسل فبرىء من المرض والبلاء ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ﴾ روى أن الله أحيا أولاده الموتى ورزقهم مثلهم معهم في الدنيا وقيل: في الآخرة، وقيل: ولدت امرأته مثل عدد الموتى، ومثلهم معهم، وأخلف الله عليه أكثر مما ذهب من ماله ﴿ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ﴾ أي رحمة لأيوب، وذكرى لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، ويحتمل أن تكون الرحمة والذكرى معاً للعابدين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ جذاذاً ﴾ بكسر الجيم: علي.
الآخرون بضمها ﴿ اف ﴾ بفتح الفاء: ابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: ابو جعفر ونافع وحفص.
الباقون بالكسر من غير تنوين ﴿ لنحصنكم ﴾ بالنون: أبو بكر وحماد ورويس وبالتاء الفوقانية والضمير للصنعة أو للدرع لأنها مؤنثة سماعاً: ابن عامر ويزيد وحفص والمفضل وروح وزيد.
الباقون بالياء التحتانية والضمير لداود أو للبوس والكل بتخفيف الصاد والرياح على الجمع: يزيد بطريق المفضل الآخرون على التوحيد.
﴿ مسني الضر ﴾ و ﴿ عبادي الصالحون ﴾ في آخر السورة مرسلة الياء: حمزة.
الباقون بفتحها ﴿ وأن لن ﴾ يقدر بالياء مجهولاً: يعقوب ﴿ ننجي ﴾ بضم النون الواحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء: ابن عامر وعباس وأبو بكر وحماد.
الآخرون من الإنجاء مخففاً.
الوقوف: ﴿ عالمين ﴾ ج ه لأن "إذ" يصلح ظرفاً لآتينا أو ﴿ لرشده ﴾ أو للعلم به مفعولاً لأذكر محذوفاً ﴿ عاكفون ﴾ ه ﴿ عابدين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ اللاعبين ﴾ ه ﴿ فطرهن ﴾ .
ز لواو الابتداء والحال أولى ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ يشهدون ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه ط ﴿ فعله ﴾ .
وفيه بعد ويجيء في التفسير ﴿ ينطقون ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه لا للعطف ﴿ على رؤوسهم ﴾ ج لاتحاد المقصود مع إضمار القول ﴿ ينطقون ﴾ ه ﴿ ولا يضركم ﴾ ط لاستئناف الدعاء عليهم ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ على إبراهيم ﴾ ه لا بناء على أن التقدير وقد أرادوا ﴿ الأخسرين ﴾ ج ه للعطف والآية ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط بناء على أن المراد ووهبنا له يعقوب حال كونه نافلة ﴿ نافلة ﴾ ط ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ الزكاة ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ عابدين ﴾ ه وكان ينبغي أن لا يوقف للعطف ولكنهم حكموا بالوقف لتمام القصة وكذلك أمثالها ﴿ الخبائث ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه لا بناء على أن التقدير وقد أدخلناه ﴿ رحمتنا ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ج للعطف مع الآية ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ غنم القوم ﴾ ج لاحتمال الواو بعده الاستئناف والحال ﴿ شاهدين ﴾ ه لا للعطف بالفاء ﴿ سليمان ﴾ ج لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتحاد الكلام ﴿ وعلماً ﴾ ز لعطف المتفقين مع نوع عدول ﴿ والطير ﴾ ط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ من بأسكم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ شاكرون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عالمين ﴾ ه ﴿ دون ذلك ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ حافظين ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ط للفاء وللآية ﴿ للعابدين ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه وقد يوصل لعطف ﴿ وأدخلناهم ﴾ على ﴿ نجينا ﴾ للقدرة ﴿ في رحمتنا ﴾ ط الصالحين ه ﴿ سبحانك ﴾ قد يوقف لأجل "أن" ولكنه داخل في حكم النداء ﴿ الظالمين ﴾ ج ه على ما ذكر في الوجهين ﴿ فاستجبنا له ﴾ لا لاتفاق الجملتين واتصال النجاة بالاستجابة ﴿ من الغم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ فاستجبنا له ﴾ ه لا مكان الفصل بين الإستجابة المعجلة وحصول الولد الموهوب على المهلة ﴿ زوجه ﴾ ط ﴿ ورهباً ﴾ ط ﴿ خاشعين ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه.
التفسير: الرشد الاهتداء لوجوه المصالح في الدين والدنيا وقد يخص ههنا بالنبوة لقوله ﴿ رشده ﴾ ومعنى الإضافة أن لهذا الرشد شأناً ولقوله ﴿ وكنا به عالمين ﴾ وفيه أنه علم منه أسراراً عجيبة وأحوالاً بديعة حتى اتخذه خليلاً واصطفاه نبياً نظيره ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ من قبل ﴾ اي من قبل موسى وهارون قاله ابن عباس: وعلى الأول يحتمل هذا وأن يراد من قبل البلوغ حين استدل بالكواكب قاله مقاتل.
وعن ابن عباس في رواية الضحاك حين أخذ الله ميثاق النبيين في صلب آدم.
قالت الأشاعرة: أراد بإيتاء الرشد خلق ذلك فيه إذ لو حمل على أسباب ذلك تناول الكفار.
أجاب الكعبي بأن هذا إنما يقال فيمن قبل لا فيمن رد، نظيره بأن يعطي الأب كل واحد من ولديه ألفاً فقبله أحدهما وثمره ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه فيقال: أغنى فلان ابنه فيمن ثمر المال، ولا يقال مثله فيمن ضيع.
واعترض بأن قبوله على هذا التقدير يكون جزءاً من مسمى الرشد وحينئذ لا يصح إستناد إيتاء الرشد إلى الله وحده، وهذا بخلاف نص القرآن.
والتمثال اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله من مثلت الشيء بالشيء شبهته به، وإسم ذلك الممثل تمثال جعل إبراهيم هذا التجاهل والتغابي ابتداء كلامه لينظر فيما عساهم يوردونه من شبهة فيحلها لهم مع ما في هذا السؤال من تحقير آلهتهم وتسفيه أخلافهم.
وفي قوله ﴿ أنتم لها عاكفون ﴾ دون أن يقول عليها كقوله ﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ نوع آخر من التجهيل والتوبيخ لأنه ادعى عليهم أنهم جعلوا العكوف مختصاً بها دون خالقها وخالق كل شيء ﴿ قالوا وجدنا آبائنا لها عابدين ﴾ لا يمكن لهم أن يتمسكوا بشيء آخر سوى التقليد فزيف طريقتهم بالتنبيه على خطئهم وخطأ أسلافهم فقال: ﴿ لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ﴾ لأن كل مذهب لا يستند إلى دليل كان صاحبه ضالاً أو في حكم ذلك.
ثم إن القوم تعجبوا من تضليلهم مع كثرتهم ووحدته ومنعهم عما ألفوه وضروا به فقالوا ﴿ أجئتنا بالحق ﴾ أي بما ليس بهزل ودعابة ﴿ أم أنت من اللاعبين ﴾ فحينئذ عدل إبراهيم عن مجرد التنبيه إلى إثبات الدعوى بالبينة والدليل وجاهدهم أولاً باللسان قائلاً ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن ﴾ الظاهر أن الضمير للسموات والأرض إلا أنه قيل: كونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم.
وقوله ﴿ وأنا على ذلكم من الشهداء ﴾ فيه تأكيد وتحقيق لما قاله كقول الرجل إذا بالغ في مدح أحد أو ذمه "أشهد إنه كريم أو لئيم" لأن الشهادة خبر قاطع.
وفيه أنه قادر على إثبات ما ادعاه بالحجج والبينات كما شاؤوا ثم أخبر أنه سيجاهدهم جهاداً بالفعل من غير تقية وخوف قال ﴿ وتالله لأكيدن أصنامكم ﴾ قال جار الله: في تاء القسم مع أنه عوض عن الباء زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من سهولة الكيد على يده لأن ذلك لصعوبته كان كالمقنوط منه خصوصاً في زمن نمرود مع شدة شكيمته وقوة سلطانه.
قلت: لا ريب أن هذا مستبعد عادة ولكنه سهل لمن ايده الله ونصره كما قال علي : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة رحمانية.
سؤال: الكيد هو الاحتيال على الغير في ضرر لا يشعر به فكيف يتصور ذلك في حق الأصنام؟
وجوابه أنه قال ذلك بناء على زعمهم أنه يجوز ذلك عليها، أو أراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل أهمهم وأحزنهم.
قال السدي: كانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم: لو خرجت معنا؟
فخرج معهم.
فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي، فلما بقي هو وضعفاء الناس نادى وقال الله لأكيدن أصنامكم.
وروى الكلبي أن إبراهيم كان من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلا مريضاً، فلما هم إبراهيم بالذي هم به من كسر الصنام نظر قبل يوم العيد إلى السماء فقال لأصحابه: إني أراني أشتكي عدا فذلك قوله في الصافات ﴿ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ﴾ وأصبح من الغد معصوباً رأسه، فخرج القوم لعيدهم ولم يتخلف أحد غيره فقال سراً: أما والله لأكيدن أصنامكم، فسمعه رجل واحد وأخبر به غيره وانتشر الخبر.
وعلى الوجهين يصح قوله فيما بعد ﴿ قالوا سمعنا فتى يذكرهم ﴾ وروي أن آزر خرج به في عيد لهم فبدأوا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا: إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا، فذهبوا وبقي إبراهيم فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنماً مصطفة وثمة صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الكبير علق الفأس في عنقه ﴿ فجعلهم جذاذاً ﴾ قال الجوهري: جذذت الشيء جذاً قطعته وكسرته، والجذاذ ما كسر منه وضمه أفصح من كسره.
قلت: فعلى هذا هو اسم جمع لا جمع ﴿ إلا كبيراً لهم ﴾ أي في الخلقة كما روينا.
وقيل: في التعظيم.
ويحتمل أن يكون جامعاً للأمرين.
أما الضمير الواحد في قوله ﴿ لعلهم إليه يرجعون ﴾ فيحتمل عوده إلى إبراهيم أي جعلهم جذاذاً واستبقى الكبير رجاء أنهم يرجعون إلى دينه أو غلى السؤال عنه لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم فيبكتهم بقوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ﴾ ويحتمل عوده الكبير كما ذهب إليه الكلبي.
والمعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحاً والفأس على عاتقك، وهذا بناء على ظنهم أن الأصنام قد تتكلم وتجيب، على أن نفس ذلك الكبير كان دليلاً على فساد مذهبهم لأن الآلهة يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء لأنهم كانوا يعظمونها ويقولون: إن المستخف بها يلحقه ضرر عظيم، فحين كسرها إبراهيم ولم ينله ضرر من تلك الجهة بطل ما اعتقدوه.
فلما انكشفت لهم جلية الحال و ﴿ قالوا من فعل هذا ﴾ الكسر والحطم والاستخفاف ﴿ بآلهتنا إنه لمن الظالمين ﴾ المعدودين في جملة من يضع الشيء في غير موضعه لأنه وضع الإهانة مكان التعظيم ﴿ قالوا سمعنا ﴾ احتمل أن يكون القائل واحداً، ونسب القول إلى الجماعة لأنه منهم، واحتمل أن يكون جمعاً على الوجهين اللذين رويناهما، أو لأنهم سمعوا منه قوله على وجه الاستهزاء ﴿ ما هذه التماثيل ﴾ والفعلان بعد ﴿ فتى ﴾ صفتان له إلا أن، الأول ضروري ذكره لأنك لا تقول "سمعت زيداً" وتسكت حتى تذكر شيئاً مما تسمع، والثاني ليس كذلك.
والأصح أن قوله ﴿ إبراهيم ﴾ فاعل ﴿ يقال ﴾ لأن المراد الاسم لا المسمى وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف أو منادى.
﴿ قالوا ﴾ اي فيما بينهم ﴿ فأتوا به على أعين الناس ﴾ الجار والمجرور في محل الحال اي بمرأى منهم ومنظر أو معايناً ومشاهداً قال.
في الكشاف: معنى الاستعلاء في "على" أنه يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن ثبات الراكب على المركوب وتمكنه منه ﴿ لعلهم يشهدون ﴾ عليه بما سمع منه وبما فعله فيكون حجة عليه قاله الحسن وقتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس.
وقال محمد بن إسحق: معناه لعلهم يحضرون عقوبتنا له ليكون ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على مثل فعله.
وههنا إضمار أي فأتوا به ثم ﴿ قالوا أأنت فعلت هذا ﴾ الظلم والاستخفاف ﴿ بآلهتنا يا إبراهيم ﴾ طلبوا منه الاعتراف ليقدموا على إيذائه ﴿ فقال بل فعله كبيرهم ﴾ وقوله ﴿ هذا ﴾ صفة كبيرهم.
زعم الطاعنون في عصمة الأنبياء أن هذا القول من إبراهيم كذب وأكدوا قولهم بما جاء في الحديث "إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات" وللعلماء في جوابهم طريقان: أحدهما تسليم أنه كذب ولكنهم قالوا: الكذب ليس قبيحاً لذاته وإنما يقبح لاشتماله على مفسدة.
وقد يحسن الكذب إذا اشتمل على مصلحة كتخليص نبي ونحوه، وزيف هذا الطريق بأنا لو جوزنا أن يكذب النبي لمصلحة لبطل الوثوق بالشرائع، فلعل الأنبياء أخبروا عما أخبروا لمصلحة المكلفين في باب المعاش مع أنه ليس للمخبر عنه وجود كما في الواقع.
الطيق الثاني وعليه جمهور المحققين المنع من أنه كذب وبيانه من وجوه: الأول أنه من المعاريض التي يقصد بها الحق وهو إلزام الخصم وتبكيته كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط في غاية الحسن، أنت كتبت هذا وصاحبك أمي لا يحسن الخط فقلت له: بل كتبته أنت.
كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع استهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي.
الثاني أن إبراهيم غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزينة، وكأن غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي تسبب لاستهانته بها.
الثالث أن يكون ذلك حكاية لما يؤل إليه مذهبهم كأنه قال: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبدو يدعى إلهاً أن يقدر على أمثال هذه الأفعال، ويؤيد هذا الوجه ما يحكى أنه قال ﴿ فعله كبيرهم هذا ﴾ غضب أن تعبد معه هذه الصغار، الرابع ما يروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله ﴿ بل فعله ﴾ ثم يبتدئ ﴿ كبيرهم هذا ﴾ أي فعله من فعله.
الخامس عن بعضهم أنه يقف عند قوله ﴿ كبيرهم هذا فاسئلوهم ﴾ وأراد بالكبير نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم.
السادس أن في الكلام تقديماً وتأخيراً والتقدير "بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم".
فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطاً بكونهم ناطقين، فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين، السابع قراءة محمد بن السميفع ﴿ فعله كبيرهم ﴾ بالتشديد أي فلعل الفاعل ﴿ كبيرهم ﴾ وفيه تعسف.
وأما قول إبراهيم ﴿ إني سقيم ﴾ فلعله كان به سقم قليل وسوف يجيء تمام البحث فيه.
وأما قوله لسارة "إنها أختي" فالمراد أنها أخته في الدين فلم يكن وقتئذ على وجه الأرض مسلم سواهما ﴿ فرجعوا إلى أنفسهم ﴾ حين نبههم على قبح طريقتهم ﴿ فقالوا إنكم أنتم الظالمون ﴾ لأنكم تعبدون من لا يستحق العبادة.
وقال مقاتل: معناه فلاموا أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير.
وقيل: أنتم الظالمون لأنفسكم إذا سألتم منه ذلك حتى أخذ يستهزئ بكم في الجواب.
يقال: نكسته اي قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وانتكس انقلب، وانتكاس الإنسان هو أن يكون رأسه من تحت فلهذا قال ﴿ ثم نكسوا على رؤوسهم ﴾ والمراد أنهم استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاؤوا بالفكرة الصالحة، ثم انقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا في المجادلة قائلين ﴿ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ﴾ وفيه أنهم رضوا بإلاهتها مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق.
وقال ابن جرير: المعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم وبيان انتكاس الحجة قولهم ﴿ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ﴾ فإن هذه حجة عليهم لا لهم.
وقيل: المراد بانتكاس رؤوسهم إطراقهم خجلاً وانكساراً.
ثم زاد إبراهيم في توبيخهم قائلاً ﴿ أفتعبدون ﴾ الآية وقد مر في سورة سبحان أن "أف" صوت يدل على التضجر، والام لبيان المتأفف به، أي لكم ولآلهتكم هذا التأفف وذلك أنه أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم.
﴿ قالوا حرقوه ﴾ المشهور أن الذي اشار بتحريقه هو نمرود بن كنعان ابن سنجاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح.
وقال مجاهد: سمعت ابن عمر يقول: إنه رجل من أعراب العجم يريد الأكراد.
وعن ابن جريج عن وهب أن الذي قال هذا القول قد خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
روى مقاتل أن نمرود وقومه أجمعوا على إحراقه فحبسوه ثم بنوا بيتاً كالحظيرة بكوثى وهي من قرى الأنباط وذلك قوله ﴿ ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ ثم جمعوا له الحطب الكثير اربعين يوماً حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم.
فلما اشتعلت النار اشتدت وصار الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق ثم أخذوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً فضجت السماء والأرض ومن فيهما من الملائكة إلا الثقلين ضجة واحدة: أي ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم وإنه يحرق فيك، فأذن لنا في نصرته، فقال : إن استغاث بأحد منكم فأغيثوه وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه.
فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن الرياح وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليك.
ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل.
وروي أنه قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك.
ثم أتاه جبرائيل في الهواء فقال: يا إبراهيم هل لك حاجة؟
قال: أما إليك فلا.
قال: فسل ربك.
قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي: فأرسل الله ملائكة أخذوا بضبعيه وأقعدوه في الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس ولم تحرق النار منه إلا وثاقه.
وأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة وقال: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي.
قال المنهال بن عمرو: أخبرت أن إبراهيم مكث في النار أربعين يوماً أو خمسين.
وقال: ما كنت أياماً أطيب عيشاً مني إذ كنت فيها قلت: وذلك لاستغراقه في بحر الفيوض والآثار الربانية ولو لم يكن فيه إلا القرب من لطف خليله والبعد من قهر عدوه لكفى.
ثم نظر نمرود من صرح له مشرف على إبراهيم فرآه جالساً في روضة ومعه جليس له من الملائكة والحطب يحترق حواليه فناداه يا إبراهيم: هل تستطيع أن تخرج منها؟
قال: نعم.
فقام يمشي حتى خرج.
فقال نمرود: إني مقرب إلى ربك قرباناً فذبح أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم، وكان إبراهيم إذ ذاك ابن ست عشرة سنة.
قال العلماء: اختاروا العقاب بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه ولهذا جاء في الحديث "لا يعذب في النار إلا خالقها" ومن ثم قالوا ﴿ وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ﴾ أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصراً قوياً فاختاروا له أشد العقاب وهو الإحراق وإلا كنتم مقصرين في نصرتها ﴿ قلنا ﴾ عن السدي أن القائل هو جبرائيل والأكثرون على أنه .
وذهب ابو مسلم الأصفهاني إلى أنه لا قول هناك بل أراد به الجعل لأن النار جماد فلا فائدة في خطابه.
ويمكن أن يجاب بأن الله قادر على أن يخلق لها فهماً يصح به التخاطب، ولو سلم فلعل في ذلك الخطاب مصلحة للملائكة.
والظاهر أن قوله ﴿ يا نار ﴾ خطاب لتلك النار المخصوصة فإن الغرض يتعلق ببردها فقط وفي النار منافع للخلائق، فلا يحسن من الكريم إبطالها.
وقيل: المذكور اسم الماهية فلا بد من حصول البرد في تلك الماهية أينما وجدت، ويناسبه رواية مجاهد عن ابن عباس أنه لم يبق يومئذ في الدنيا ونار إلا طفئت.
واختلفوا في أن النار كيف بردت؟
فقيل: إنه أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق والله على كل شيء قدير.
وقيل: خلق في جسد إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار كما يفعل بخزنة جهنم، وكذلك في النعامة لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة، والسمندل ولا يؤذيه المقام في النار.
وقيل: جعل بينه وبين النار حائلاً منع وصول اثر النار إليه.
والمحققون على القول الأول لأن النص دل ظاهره على أن نفس النار صارت باردة، وليست الحرارة جزءاً من مسمى النار حتى يمتنع كونها ناراً وهي باردة، وأما على القولين الآخرين فيلزم أن لا يحصل البرد فيها وهو خلاف النص قوله ﴿ وسلاماً ﴾ أي ذات برد وسلام فبولغ في ذلك حتى كأن ذاتها برد وسلام.
والمعنى ابردي حتى يسلم منك إبراهيم، أو ابردي برداً غير ضار ويناسبه ما روي عن ابن عباس لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها.
وقوله ﴿ على إبراهيم ﴾ حال من فاعل الكون أو متعلق بالبرد والسلام، ولولا هذا القيد لكانت النار برداً على كافة الخلق، قوله ﴿ فجعلناهم الأخسرين ﴾ وفي الصافات ﴿ فجعلناهم الأسفلين ﴾ لأن في هذه السورة كادهم إبراهيم لقوله ﴿ لأكيدن أصنامكم ﴾ وكادوه لقوله ﴿ وارادوا به كيداً ﴾ فغلبهم إبراهيم لأنه كسر أصنامهم وسلم من نارهم فكانوا هم الأخسرين.
وفي الصافات ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ فأججوا ناراً عظيمة وبنوا بناء عالياً ورفعوه إليه ورموا به إلى أسفل فرفعه الله وجعلهم في الدنيا من السافلين وفي العُقبى في السافلين.
ويروى أنهم بنوا لإبراهيم بنياناً وألقوه فيه، ثم أوقد عليه النار سبعة أيام ثم أطبقوا عليه، ثم فتحوا عنه فإذا هو غير محترق يعرق عرقاً.
فقال لهم حارث أبو لوط: إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله، فجعلوا فوق بئر وأوقدوا تحته فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته فآمن له لوط كما يجيء في العنكبوت، وهاجر إلى ارض الشام فذلك قوله ﴿ ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها ﴾ اي بالخصب وسعة الأرزاق أو بالمنافع الدينية لأن أكثر الأنبياء بعثوا فيها.
وقيل: ما من أرض عذب إلا وينبع أصله من تحت صخرة بيت المقدس.
يروى أنه نزل بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة.
وقيل: الأرض مكة ﴿ ووهبنا له ﴾ أي لإبراهيم ﴿ إسحق ويعقوب نافلة ﴾ هي ولد الولد وهي حال من يعقوب فقط، وقيل: النافلة العطية الزائدة ومنه الصلاة النافلة.
ونوفل للرجل الكثير العطاء، وعلى هذا احتمل أن يكون حالاً من يعقوب فقط أي سأل إسحق فأعطيه وأعطى يعقوب زيادة وفضلاً من غير سؤال.
واحتمل أن يكون حالاً من كليهما أي وهبناهما له عطية منا، والأول قول مجاهد وعطاء، والثاني وهو أن النافلة العطية قول ابن عباس وأبي بن كعب وقتادة والفراء والزجاج ﴿ وكلا ﴾ من إبراهيم وإسحق ويعقوب ﴿ جعلنا صالحين ﴾ قال الضحاك: اي مرسلين وقال غيره: عالمين عاملين.
وفي قوله ﴿ جعلنا صالحين ﴾ وكذا قوله ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ دلالة الأشاعرة على أن الصلاح بجعل الله وكذا الإمامة وغيرها من الأفعال أجاب الجبائي بأنه اراد تسميتهم بذلك ومدحهم وأنه حكم به لهم كما يقال: إن الحاكم عدل فلاناً وجرحه إذا حكم بالعدالة والجرح، وضعف بأنه خلاف الظاهر.
وقوله ﴿ يهدون بأمرنا ﴾ اي يدعون الناس إلى دين الله بأمرنا وإرادتنا.
قال أهل السنة: فيه أن الدعوة إلى الحق والمنع من الباطل لا يجوز إلا بأمر الله .
وقالت المعتزلة: فيه أن من صلح لأن يقتدى به في الدين فالهداية واجبة عليه ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها.
ولا خلاف في أن الهادي إذا كان مهتدياً بنفسه كان الإنتفاع بهداه أعم والنفوس إلى الاقتداء به أميل فلذلك قال ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات ﴾ اي أن يفعلوها لأن المراد هو إيحاء أن يحدثوا الخيرات من انفسهم ونفس الفعل الخير لا يمكن إيحاؤه فرد إلى فعل الخيرات تخفيفاً، فإن المقصود معلوم، ثم أضيف المصدر إلى المفعول لإفادة تخفيف آخر في اللفظ وكذلك ﴿ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ﴾ أي أوحينا إليهم أن يقيموا ويؤتوا، قال الزجاج، حذف الهاء من إقامة لأن المضاف إليه عوض منها.
وقال غيره: الإقام والإقامة مصدران.
ولا ريب أن تخصيص هاتين الخصلتين بالذكر دليل على شرفهما والأولى أصل التعظيم لأمر الله، والثانية أصل الشفقة على خلق الله.
﴿ وكانوا لنا عابدين ﴾ فيه أنه لما وفى بعهد الربوبية فآتاهم النبوّة والدرجات العالية فهم ايضاً وفوا بعهد العبودية فلم يغفلوا عنها طرفة عين.
قوله ﴿ ولوطاً ﴾ عن الزجاج أنه معطوف على ﴿ أوحينا ﴾ وعن أبي مسلم أنه معطوف على قوله ﴿ ولقد آتينا إبراهيم ﴾ والحكم الحكمة، وقيل الفصل بين الخصوم، وقيل النبوة والقرية سذوم والمراد أهلها وخبائثهم مشهورة قد عددت في "الأعراف" وفي "هود".
و ﴿ قوم سوء ﴾ نقيض رجل صدق ﴿ وأدخلناه في رحمتنا ﴾ أي أهل رحمتنا أو في الجنة والثواب.
عن ابن عباس والضحاك.
وقال مقاتل: هي النبوة أي أنه لما كان من الصالحين آتيناه النبوة كي يقوم بحقها.
وقال أهل التحقيق: حين آتاه الحكم والعلم وتخلص من جلساء السوء فتحت عليه أبواب المكاشفات وتجلت له أنوار الذات والصفات وإنها هي الرحمة في الحقيقة.
قوله ﴿ ونوحاً ﴾ وكذا نظائره معطوف على قوله ﴿ ولقد آتينا ﴾ أو المراد واذكر نوحاً.
و ﴿ إذ نادى ﴾ بدل منه اي اذكر وقت ندائه ﴿ من قبل ﴾ هؤلاء المذكورين والنداء هو دعاؤه على قومه بنحو قوله ﴿ فدعا ربَّه أنّي مغلوب فانتصر ﴾ .
وقوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ بدليل قوله ﴿ فاستجبنا له فنجيناه وأهله ﴾ أي أهل دينه وهم من معه في الفلك ﴿ من الكرب العظيم ﴾ وهو الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه وإيذائهم.
وفي لفظ الكرب وهو الغم الذي يأخذ بالنفس، ثم وصفه بالعظم إشعار بأنه لقي من قومه أذى شديداً لا يكتنه كنهه.
ثم زاده بياناً بقوله ﴿ ونصرناه ﴾ الاية.
تقول: نصرته منه فانتصر إذا جعلته منتصراً منه أي منتقماً.
﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في ﴾ شأن ﴿ الحرث إذ نفشت ﴾ ظرف ﴿ ليحكمان ﴾ وهو حكاية حال ماضية.
قال ابن السكيت.
النفش بالتحريك أن ينتشر الغنم بالليل من غير راع وعليه جمهور المفسرين.
وعن الحسن: إنه يكون ليلاً ونهاراً.
وليس في قوله ﴿ وكنا لحكمهم ﴾ دلالة على أن أقل الجمع اثنان لاحتمال أنه أرادهما والمتحاكمين إليهما.
والضمير في ﴿ ففهمناها ﴾ للحكومة أو الفتوى.
ويروى أنه دخل رجلن على داود أحدهما صاحب حرث.
اي زرع.
وقيل كرم- والآخر صاحب غنم.
فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا دخلت حرثي وأكلت منه شيئاً.
فقال داود: اذهب فإن الغنم لك.
فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟
فأخبراه.
فقال: لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا.
فأخبر بذلك أبوه فدعاه وقال: كيف كنت تقضي بينهما؟
قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث فتكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا عاد الحرث من العام القابل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم غلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه.
قال أبو بكر الأصم: الحكمان واحد لأن الثاني بيان للأول.
والمشهور عن الصحابة ومن بعدهم أنهما متغايران لقوله ﴿ وكنا لحكمهم ﴾ ولقوله: ﴿ ففهمناها ﴾ والفاء للتعقيب فدل على أنه فهم حكماً خلاف الأول.
وعلى تقدير الاختلاف فهما بالوحي أو بالاجتهاد، فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من لم يجوز الاجتهاد على الأنبياء أصلاً كالجبائي لقوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ ﴿ أن أتبع إلا ما يوحى إليّ ﴾ ولأن النبي قادر على تحصيل حكم الواقعة بالنص، ولأن مقتضى الاجتهاد مظنون وخلاف المظنون لا يوجب الكفر وخلاف الرسول يوجب الكفر، ولما ثبت أن النبي كان يتوقف في بعض الأحكام انتظاراً للوحي ولو جاز له الاجتهاد لم يتوقف، ولأنه لو جاز على النبي لجاز على جبرائيل ايضاً وحينئذ يرتفع الأمان عن الوحي فلعل هذه الشرائع من مجتهدات جبرائيل.
وأجيب بأنه إذا أوحي إليه جواز الاجتهاد له صح قوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﴾ وبأن الحكم الحاصل عن الاجتهاد مقطوع لا مظنون لأنه إذا قال له مهما غلب على ظنك كون الحكم في الأصل معللاً بكذا ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بذلك فهذا الحكم مقطوع به والظن واقع في طريقه.
سلمنا جواز المخالفة لكنه مشروط بصدوره عن غير معصوم، ولهذا لو اجتمعت الأمة على مسألة اجتهادية امتنع خلافهم.
وكان الرسول أوكد، وبأن التوقف لعله وجد منه حين لم يظهر له وجه الاجتهاد وبأن الأمة أجمعوا على عدم جواز اجتهاد جبرائيل.
ومما يدل على جواز الاجتهاد لنا أنه إذا غلب على ظن المجتهد أحد الطرفين فإن عمل بهما كان جمعاً بين النقيضين، وان أهملهما لزم ارتفاع النقيضين، وإن عمل بالمرجوح دون الراجح فذلك باطل بالاتفاق فلم يبق إلا العمل بالراجح.
قال الجبائي: ولئن سلمنا أن الاجتهاد على الأنبياء جائز لكن هذه المسألة غير اجتهادية لأن الذي أتلفه صاحب الماشية مجهول المقدار، فكيف يجعل الغنم في مقابلة ذلك؟
وأيضاً إن اجتهاد داود إن كان صواباً فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان خطأ فكيف لم يذكر الله توبته بل مدحه بقوله ﴿ وكلا آتينا حكماً وعلماً ﴾ وايضاً لو حكم بالاجتهاد لم يسم ذلك علماً، وأيضاً قوله ﴿ ففهمناها ﴾ يدل على أنه من الله لا من سليمان.
وأجيب بأن الجهالة بعد تسليمها قد تكون معفواً عنها كما في حكم المصراة، ولعل الخطأ في اجتهاده كان من الصغائر فلهذا أهمل ذكره والاجتهاد من باب العلوم والظن في الطريق كما مر، والذي يحصل في نظر المجتهد مستند إلى الله.
أما الذين منعوا من الاجتهاد مطلقاً أو في هذه المسألة، فذهبوا إلى أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان، ولا استبعاد في أن يوحي الناسخ إلى غير من أوحى إليه المنسوخ.
قال الفقهاء: مثال حكومة داود في شرعنا قول أبي حنيفة في العبد إذا جنى على النفس خطأ يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وعند الشافعي يبيعه في ذلك ويفديه، ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث.
ومثال حكومة سليمان قول الشافعي فمن غصب عبداً فأبق من يده فإنه يضمن القيمة فينتفع به المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر العبد يرد ويقال له ضمان الحيلولة.
هذا ولو وقعت هذه القضية في شرعنا فلا ضمان عند أبي حنيفة وأصحابه لا بالليل ولا بالنهار، لأن (جرح العجماء جبار.) إلا أن يكون معها راع.
والشافعي يوجب الضمان بالليل دون النهار لأن الليل وقت الهدوء وجمع الماشية، فتسريحها تقصير من صاحبها بخلاف النهار.
وعن البراء بن عازب أنه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدته، فذكروا ذلك لرسول الله فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، لأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.
قال بعض الأصوليين: كل مجتهد مصيب لقوله ﴿ وكلا آتينا حكماً وعلماً ﴾ وقال بعضهم: المصيب واحد لقوله ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ ولو كان كلاهما مصيباً لم يكن لتخصيص سليمان بالفهم فائدة.
وضعف بعضهم كلا الاستدلالين بعد تسليمهما بأن ما ثبت في شرعهم لا يلزم أن يكون ثابتاً في شرعنا.
ولما مدح داود على سبيل الاشتراك ذكر ما يختص بكل منهما فبدأ بداود قائلاً: ﴿ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ﴾ أي حال كونهن مسبحات أو هو استئناف كأنه قيل: كيف سخرهن؟
فقال: ﴿ يسبحن ﴾ ﴿ والطير ﴾ وهو معطوف على الجبال أو مفعول معه، وتسبيح الجبال إما حقيقة أو مجاز وعلى الأول قال مقاتل: كان إذا سبح داود سبح الجبال والطير معه.
وقال الكلبي: إذا سبح داود أجابته الجبال.
وقال سليمان بن حيان: كان داود إذا وجد فترة أمر الله الجبال فسبحت فيزداد نشاطاً واشتياقاً.
وعلى الثاني قيل: كانت الجبال تسير معه حيث سار فكل من رآها كان يسبح الله ، فلما حملت على التسبيح وصفت به وهذا القول اختيار كثير من أصحاب المعاني والمعتزلة، لأن الجماد غير قابل للحياة والفهم عندهم، ولأن المتكلم هو الذي يفعل الكلام لا الذي يكون محلاً للكلام، ولهذا يقال: إن المتكلم هو الله حين كلم موسى لا الشجرة.
وإنما قدم التسبيح الجبال على الطير لأن ذلك أدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، فإن الطير أقرب إلى الحيوان الناطق من الجماد ولا يلزم من نطق الطير أو الجبل أن يكونا مكلفين فليس كل ناطق مكلفاً كالأطفال والمجانين: ﴿ وكنا فاعلين ﴾ اي قادرين على أن نفعل أمثال هذه الخوارق على أيدي الأنبياء لأجلهم وإن كانت عجيبة عندكم.
واللبوس اللباس يقال: البس لكل حالة لبوسها والمراد الدرع.
عن قتادة أنها كانت صفائح فسردها وحلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وتوارث الناس منه وعمت النعمة بها لكل المحاربين فلذلك قال ﴿ فهل أنتم شاكرون ﴾ قال علماء المعاني: هذا التركيب أدخل في الإنباء عن طلب الشكر من قولنا "فهل أنتم تشكرون" إذ المختار فيه أن يقدر مفسر محذوف اي هل تشكرون تشكرون.
ومن قولنا" أفأنتم شاكرون" لأنه وإن كان ينبئ عن عدم التجدد لمكان الجملة الاسمية إلا أنه دون المذكور في القرآن فإن "هل" ادعى للفعل من الهمزة، فترك الفعل معه يكون أدخل في الإنباء عن استدعاء المقام عدم التجدد لأن تخلف المعلوم عن العلة القوية يدل على وجود مانع أقوى منه إذا تخلف عن العلة الضعيفة.
ثم حكى ما أنعم به على سليمان فقال ﴿ ولسليمان ﴾ أي وسخرنا له ﴿ الريح ﴾ حال كونها ﴿ عاصفة ﴾ ولا ينافي هذا قوله في ﴿ فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ﴾ لأن المراد أنها مع كونها في نفسها رخية طيبة كالنسيم كانت في عملها عاصفة تحمل كرسيه من اصطخر إلى الشام، أو أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفاً لهبوبها على حسب إرادته وأمره.
وفي قوله ﴿ وكنا بكل شيء عالمين ﴾ إشارة أنه فعل كل ما فعل بالأنبياء المذكورين عن حكمة بالغة وتدبير محكم وإحاطة بأحوالهم وعلم باستئهالهم.
قوله ﴿ ومن الشياطين ﴾ أي سخرنا من الشياطين ﴿ من يغوصون له ﴾ ويجوز أن يكون الكلام خبر أو مبتدأ و "من" موصولة أو موصوفة.
كانوا يغوصون لأجله في البحار فيستخرجون الجواهر ﴿ ويعملون عملاً دون ذلك ﴾ أي متجاوزاً ما ذكر من بناء المدائن والقصور وسائر الصنائع العجيبة.
قالت العلماء: الظاهر أن التسخير لكفارهم دون المؤمنين منهم لإطلاق الشياطين ولقوله: ﴿ وكنا لهم حافظين ﴾ أي من أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم فساد في الجملة إذ كان من دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار.
والحفظ إما بسبب الملائكة أو مؤمني الجن الموكلين بهم، أو بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم مخالفته.
قال ابن عباس في تفسيره: يريد أن سلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء.
قبل الجبائي: كيف تتهيأ منهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة وإنما تمكنهم الوسوسة فقط، فلعل الله كثف أجسامهم خاصة وقواهم على تلك الأعمال الشاقة وزاد في عظمهم معجزة لسليمان فلما مات سليمان ردهم إلى الخلقة الأولى.
إذ لو أبقاهم على الخلقة الثانية لكان شبهة على الناس، فلعل بعض الناس يدعي النبوة ويجعله دلالة عليها.
واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأنك لم قلت: إن الجن أجسام فلعلهم من الموجودات التي ليست متحيزة ولا حالة في المتحيز.
ولا يلزم منه الاشتراك مع الباري فإن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فضلاً عن اللوازم السلبية.
سلمنا أن الجن أجسام لكن لم قلت: إن البنية شرط للقدرة وليس في يدكم إلا الاستقراء الضعيف؟
سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم فمن اين يلزم ردهم إلى الخلقة الأولى؟
فإن قال: لئلا يفضي إلى التلبيس.
قلنا: إذا ثبت أن ذلك كان معجزة لنبي قبله لم يتمكن المتنبي من الاستدلال ومن عجيب قدرة الله أن أصلب الأجسام في هذا العالم الحجارة والحديد، وقد سخرهما الله لداود فأنطق الحجر ولين الحديد، وفي ذلك دلالة باهرة على أنه قادر على إحياء العظام الرميمة.
ومن الغرائب أن الشياطين مخلوقة من النار وكان يأمرهم بالغوص في الماء، وفيه إظهار الضد بالضد فتبارك الله رب العالمين.
ومن عجائب القصص والأخبار حكاية أيوب وصبره على بلائه حتى صار مثلاً.
عن وهب بن منبه أنه كان من الروم من ولد عيص بن إسحاق وكانت أمه من ولد لوط اصطفاه الله وجعله نبياً، ومع ذلك بسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف المواشي وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل.
وكان إبليس لا يحجب عن السموات حين اخرجه الله من الجنة حتى رفع عيسى فحجب عن أربع حتى إذا ولد نبينا حجب عن جميع السموات إلا من استرق السمع.
قال: فسمع غبليس تحاور الملائكة في شأن أيوب فأدركه الحسد فقال: يا رب إنك أنعمت على عبدك ايوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجرّبه بشدة ولا بلاء، وأنا زعيم إن ضربته بالبلاء ليكفرن بك.
فقال الله : انطلق فقد سلطتك على ماله.
فجمع إبليس عفاريت الجن وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال ايوب.
فقال عفريت أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من النار فأحرقت كل شيء فقال إبليس: فأت الإبل ورعاتها.
فذهب ولم يشعر الناس حتى ظهر من تحت الأرض، إعصار لا يدنو منها شيء إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها.
فذهب إبليس على شكل أولئك الرعاء إلى أيوب فوجده قائماً يصلي، فلما فرغ من الصلاة قال: يا ايوب هل تدري ما الذي صنع ربك؟
وأخبره بحال الإبل ورعاتها.
فقال أيوب: إنها ماله إذا شاء نزعه.
فقال إبليس: إن الناس منهم من يقول ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول: لو كان إلهه يقدر على شيء لمنع من وليه.
ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت به أعداءه ويفجع به أصدقاءه فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، خرجت من بطن أمي عُرياناً وأضجع في التراب عُرياناً وأحشر إلى الله عُرياناً، ولو علم الله عرياناً، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الرواح وصرت شهيداً وأوجر فيك.
فرجع غبليس إلى أصحابه خاسئاً فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتاً لا يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه.
فقال إبليس: فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها، فخرج إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول، ورد عليه أيوب الرد الأول، فرجع إبليس صاغراً فقال له عفريت آخر: عندي من القوة إذا شئت تحولت رياحاً عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه قال: فاذهب إلى الحرث والثيران، فأتاهم فأهلكهم وأخبر إبليس به ايوب فرد عليه مثل الرد الأوّل، فجعل إبليس يصيب أمواله شيئاً فشيئاً حتى أتى على جميعها.
فلما رأى إبليس صبره على ذلك صعد إلى السماء وقال: إلهي هل أنت مسلطي على ولده فإنها الفتنة الكاملة.
فقال الله: انطلق فقد سلطتك، فأتى أولاد ايوب في قصرهم فقلب القصر عليهم ثم جاء إلى أيوب متمثلاً بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه ودماغه فقال: لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل جميع أدمغتهم من أنوفهم لتقطع قلبك!
فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب وبكى وقبض قبضة من التراب فحثاها على رأه، فاغتنم ذلك إبليس، ثم يلبث أيوب حتى استغفر واسترجع فصعد إبليس ووقف موقفه وقال: إلهي إنما هون أيوب خطب المال والولد لعلمه أنك تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده وإني لك زعيم لو ابتليته في جسده ليكفرن بك.
فقال : انطلق فقد سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه.
فأتاه فنفخ في منخره حين هو ساجد فاشتعل منه جسده وخرج من فرقه إلى قدمه ثآليل، وقد وقعت فيه حكة لا يملكها فكان يحك بأظفاره حتى كشطت أظفاره، ثم حكها بالمسوح الخشنة ثم حكها بالفخار والحجارة، ولم يزل يحكها حتى تقطع لحمه وتغير وأنتن فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشاً، ورفضه الناس كلهم غير امرأته رحمة بنت إفرايم بن يوسف فكانت تصلح أموره.
ثم إن وهباً طول في الحكاية إلى أن قال: إن أيوب أقبل على الله مستغيثاً متضرعاً إليه قائلاً: يا رب لأي شيء خلقتني يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، يا ليتني كنت عرفت الذي أذنبته والعمل الذي عملت حتى صرفت وجهك الكريم عني.
ألم أكن للغريب داراً وللمسكين قراراً ولليتيم ولياً وللأرملة قيماً.
إلهي أنا عبد ذليل فإن أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي.
جعلتني للبلاء غرضاً وسلطت عليّ ما لو سطته على جبل لضعف عن حمله.
إلهي تقطعت أصابعي وسقطت لهواتي وتناثر شعري وذهب المال وصرت أسال اللقمة فيطعمني من يمن بها عليّ ويعيرني بفقري وهلاك أولادي.
قال الإمام أبو القاسم الأنصاري في جملة هذا الكلام: ليتك لو كرهتني لم تخلقني.
ثم قال: ولو كان ذلك صحيحاً لاغتنمه إبليس فإن قصده أن يحمله على الشكوى وأن يخرجه من زمرة الصابرين.
قلت: إن غرض إبليس لا يحصل بمجرد الشكوى وإنما كان غرضه أن يرتد أيوب ولهذا قال سفيان بن عيينة: من شكا إلى الله فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء.
الم تسمع قول يعقوب : ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ .
ومما حكاه الله من شكوى أيوب قوله ﴿ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ الضر بالفتح الضرر في كل شيء، وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال.
قال جار الله: ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة عليه وذكر ربه بما يجب أن يصدر دعاء الرحمة عنه ولم يصرح بالمطلوب، وحسن الطلب باب من أبواب الأدب.
يحكى أن عجوزاً تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصا.
فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثبة الفهود وملأ بيتها حباً.
وفي قوله: ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ رمز إلى أنه جواد مطلق لا يرحم لمنفعة تعود إليه، ولا لمضرة يدفعها عنه، ولا يطلب شيئاً، ولا يجلب مدحاً وكل رحيم سواه.
فأما رحمته لغرض من الأغراض أو لرقة طبع ونحو ذلك على أن تلك الرحمة أيضاً تتوقف على داعية يخلقها الله فيه، والآفات والآلام التي تراها في هذا العالم كلها مستندة إلى صفة قهره التي لا بد لكل ملك منه أو مستتبعة لمصالح وغايات لا يعلمها إلا هو، وإنها ضرورية في الوجود لاشتمالها على خيرات أكثر من الشرور.
واختلف العلماء في السبب الذي لأجله دعا الله ايوب؛ فعن أنس أن رسول الله قال: "إن أيوب بقي في البلاء ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان فدخلا عليه ذات يوم فوجدا ريحاً فقالا: لو كان أيوب عند الله خير ما بلغ إلى هذه الحالة.
قال: فما شق على أيوب شيء مما ابتلي به مثل ما سمع منهما.
فقال: اللهم إن كنت تعلم إني لم أبت شبعان وأنا أعلم بمكان جائع فصدق وهما يسمعان ثم خر أيوب ساجداً.
وقال: اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي فكشف الله ما به" .
وقال الحسن: مكث أيوب بعدما ألقي على الكناسة سبع سنين وأشهراً ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته صبرت معه وكانت تأتيه بالطعام.
وكان أيوب مواظباً على حمد الله والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه فصرخ إبليس صرخة جزعاً من صبر أيوب فاجتمع جنوده من أقطار الأرض قالوا له: ما خبرك؟
قال: أعياني هذا العبد الذي سالت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فإنه لا يزيد بالبلاء إلاّ صبراً وحمداً لله .
فقالوا له: أي مكرك أين عملك الذي أهلكت به من مضى؟
من اين أتيت آدم حين أخرجته من الجنة؟
قال: من قبل امرأته.
قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإِنه لا يستطيع أن يعصيها لأنه لا يقربه أحد غيرها.
قال: أصبتم فانطلق حتى إذا أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة الله؟
قالت: هو هذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده.
فظن إبليس أنها جزعت فطمع فيها ووسوس إليها وذكر لها ما كان بها من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه.
قال الحسن: فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة وقال: لتذبح هذه باسم أيوب ويبرأ.
قال: فجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك أين المال وأين الماشية؟
أين الولد؟
أين الصديق؟
أين اللون؟
أين الحسن؟
أين جسمك الذي قد بلى وقد صار مثل الرماد وتتردد فيه الدواب؟
اذبح هذه السخلة واسترح، فقال أيوب: أتاك عدوّ الله ونفخ فيك ويلك من أعطانا الذي تذكرين من المال والولد والصحة؟
قالت: الله.
قال: كم متعنا به؟
قالت: ثمانين سنة.
قال: فمنذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟
قالت: منذ سبع سنين وأشهر.
قال: ويلك ما أنصفت ربك ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة!
والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، أمرتني أن نذبح لغير الله وحرام عليّ أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذي تأتيني به فطردها.
فلما نظر ايوب في شأنه وليس عنده لا طعام ولا شراب ولا صديق وقد ذهبت امرأته خر ساجداً وقال ﴿ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ فقال: ارفع رأسك فقد استجبت لك ﴿ اركض برجلك ﴾ فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق في ظاهر بدنه دابة.
إلا سقطت ثم ضرب رجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً، وعاد غلى شبابه وجماله حتى صار أحسن مما كان حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب فجعل يضكه بيده فأوحي إليه: يا أيوب ألم أغنك؟
قال: بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها.
قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف.
ثم إن امرأته قالت: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت وتأكله السباع لأرجعن إليه.
فلما رجعت ما رأته في تلك الكناسة ولا تلك الحالة فجعلت تطوف وتبكي فدعاها أيوب وقال: ما تريدين يا أمة الله؟
فقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة.
فقال: تعرفينه إذا رايته؟
قالت: وهل يخفى علي أحد يراه.
فتبسم قائلاً: أنا هو.
فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال: إنك أمرتني أن أذبح لإبليس وإني أطعت الله وعصيت الشيطان فعافاني الله ببركة ذلك.
الرواية الثالثة: قال الضحاك ومقاتل: بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، فلما غلب أيوب إبليس ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والحجسم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها: أنت صاحبة أيوب؟
قالت: نعم.
قال: فهل تعرفيني؟
قالت: لا.
قال: أنا إله الأرض، أنا صنعت بأيوب ما صنعت وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك جميع ما لكما من مال وولد فإن ذلك عندي.
قال وهب: وسمعت أنه قال: لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله لعوفي مما فيه من البلاء.
وايضاً قال لها: لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى ارد عليك المال والولد وأعافي زوجك.
فرجعت إلى أيوب فأخبرته فقال: أتاك عدوّ الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجلدنك مائة جلدة وقال عند ذلك ﴿ مسني الضر ﴾ يعني من طمع إبليس في سجودي وسجود زوجتي له.
الرواية الرابعة قال إسماعيل السدي: إن إبليس تمثل للقوم في صورة بشر وقال: تركتم أيوب في قريتكم أعدى إليكم ما به من العلة، فأخرجوه إلى باب البلد ثم قال لهم: إن امرأته تدخل عليكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون أن تعدي إليكم علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فتحيرت وكان لها ثلاث ذوائب فعمدت غلى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً فقال أيوب: من أين هذا؟
قالت: كل فإنه حلال.
فلما كان من الغد لم تجد شيئاً فباعت الثانية، وكذلك فعلت في اليوم الثالث وقالت: كل فإنه حلال.
فقال: لا آكل أو تخبريني فأخبرته فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم فقال: ﴿ رب إني مسني الضر ﴾ .
والرواية الخامسة قيل: سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها غلى موضعها وقال: قد جعلني الله طعمة لك فعضته عضة شديدة فقال: ﴿ مسني الضر ﴾ فأوحى الله إليه: لولا أني جعلت في كل شعرة منك صبراً لما صبرت.
واعلم أن مس الضر ههنا مطلق إلا أنه ورد في "ص" مقيداً وذلك قوله ﴿ أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ﴾ فصح أن يكون سنداً لهذه الروايات إلا أن الجبائي طعن فيها بأن الشيطان كيف يقدر على إحداث الأمراض والاسقام والقادر على ذلك قادر على خلق الأجسام وحينئذ يكون إلهاً.
وأيضاً إن هذه التأثيرات تنافي قوله حكاية عنه ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ﴾ والجواب أنه كان بإذن من الله كما حكينا فلا محذور ولا تنافي.
وقال ومن البعيد أنه لم يسأل الله إلا عند أمور مخصوصة والجواب أن الأمور مرهونة بأوقاتها.
وقال انتهاء أمراض الأنبياء إلى حد التنفير من القبول غير جائز.
والجواب المنع ولا سيما بشرط العافية في العاقبة.
قوله ﴿ فكشفنا ما به من ضر ﴾ مجمل يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله.
وقوله: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ تفصيل لذلك المجمل وفيه قولان: الأول قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومقاتل والكلبي: إن الله أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم.
والثاني قال الليث: ارسل مجاهد إلى عكرمة وسئل عن الآية فقال: أراد أهلك لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا.
فقد روي أن زوجته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين ابناً له.
ثم بين الحكمة في ذلك الابتلاء ثم الاستجابة بقوله ﴿ رحمة من عندنا ﴾ لأيوب ﴿ وذكرى ﴾ لغيره من العابدين للرحمن أو الرحمة والذكرى كلاهما ﴿ للعابدين ﴾ لكي يتفكروا فيصبروا كما صبر حتى يثابوا في الدارين كما أثيب.
وإنما خص الرحمة والتذكرة بالعابدين لأنهم هم المنتفعون بذلك لا الذين يعبدون الهوى والشيطان.
قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ رحمة من عندنا ﴾ وقال في "ص" ﴿ رحمة منا ﴾ لأنه بالغ ههنا في الدعاء بزيادة قوله: ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ فبالغ في الاستجابة لأن لفظ "عند" يدل على مزيد التخصيص وأنه تولى ذلك من غير واسطة.
وحين ذكر صبر أيوب وانقطاعه إليه ذكر غيره من الأنبياء المشهورين بالصبر منهم إسماعيل ، صبر على الانقياد للذبح وعلى الإقامة بوادٍ لا زرع فيه ولا ضرع، وصبر على بناء البيت ورفع قواعده، فلا جرم أخرج الله ببركة ذلك من صلبه خاتم النبيين، ومنهم إدريس وقد مر ذكره في سورة مريم.
قال ابن عمر: بعث إلى قومه داعياً لهم إلى الله فأبوا فأهلكهم الله ورفع إدريس إلى السماء.
ومنهم ذو الكفل قيل: هو زكريا وعلى هذا فقد تقدمت قصته أيضاً.
وفي هذا القول نظر، لأن قصة زكريا تجيء عن عقيب فيلزم التكرار.
وقيل: هو إلياس وكان خمسة من الأنبياء ذوي اسمين: إسرائيل ويعقوب، وإلياس وذو الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذو النون، ومحمد وأحمد.
وقيل: يوشع بن نون سمي بذلك لأنه ذو الحظ من الله ديناً ودنيا، أو لأنه كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم.
وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد: إنه لم يكن نبياً ولكن كان عبداً صالحاً، وقال الحسن والأكثرون: إنه من الأنبياء وهذا أقرب لأنه معطوف عليهم معدود فيما بينهم.
يروى عن ابن عباس أن اليسع أو نبياً آخر في بني إسرائيل قربت وفاته فأراد أن يستخلف رجلاً على الناس فقال: من يقبل مني خلافتي على أن يصلي بالليل ويصوم بالنهار ويقضي بين الناس فلا يغضب؟
فقام رجل وقال: أنا أتكفل لك هذه الثلاثة فدفع إليه ملكه ووفى بما ضمن، فحسده إبليس فأتاه وقت القيلولة فقال: إني لي غريماً قد ظلمني حقي وقد دعوته إليك فأبى فأرسل معي من يأتيك به، فأرسل معه وقعد حتى فاتته القيلولة وعاد إلى صلاته وصلى ليله إلى الصباح، ثم أتاه من الغد وقال مثل ذلك حتى شغله عن القيلولة وهكذا في اليوم الثالث.
وقيل: إنه في اليوم الثالث قال للبواب: قد غلب عليّ النعاس فجاء إبليس فلم يأذن له البواب فدخل من كوة البيت ودق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل وعاتب البواب فقال: أما من قبلي فلم تؤت فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق وإبليس على صورة شيخ في البيت فقال له: أتنام والخصوم على الباب فعرفه وقال: إبليس؟
قال: نعم.
أعييتني في كل شيء فعلت هذه الأفعال لأغضبك فعصمك الله مني فسمي ذا الكفل لأنه قد وفى بالكفالة.
ولا خلاف أن ذا النون هو يونس لأن النون هو المسكة والاسم إذا دار بين أن يكون لقباً محضاً وبين أن يكون مقيداً فحمله على المقيد أولى.
واختلفوا في أن وقوعه في بطن الحوت كان قبل اشتغاله بأداء الرسالة أو بعد.
أما القول الأوّل فعن ابن عباس أن يونس وقومه كانوا من فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله إلى شعيب أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبياً قوياً فإني ألقي في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل.
فقال له الملك: من ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء؟
فقال: يونس بن متى.
فإنه قويّ أمين.
فدعاه الملك وأمره أن يخرج فقال له يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟
قال: لا.
قال: فههنا أنبياء غيري فألحوا عليه فخرج مغاضباً للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوماً هناك وسفينة فركب معهم فاضطربت السفينة حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملاحون: ههنا رجل عاصٍ أو عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح، إلا وفيها رجل عاصٍ، ومن عادتنا في مثل هذا البلاء أن نقترع فمن خرجت له القرعة ألقيناه في البحر حتى تسلم السفينة.
فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة كلها على يونس.
فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق وألقى نفسه في البحر فابتلعه حوت، فأوحى الله إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً لك.
ثم نجاه الله من بطن الحوت فنبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرتها حتى اشتد، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس فقيل له.
أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب سلامتهم؟.
فتوجه يونس نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فقال لملكهم: إن الله أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل.
فقالوا: ما نعرف ما تقول ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ولقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم، فلو كان كما تقول لمنعنا الله منكم.
فطاف فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله إليه قل لهم: إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب.
فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه.
فقال علماؤهم: اطلبوه فإِن كان في المدينة فليس ما ذكره بشيء، وإن كان قد خرج فهو كما قال.
فطلبوه فلم يجدوه، فلما أيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم وغنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات، فلما طلع الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاح الصبيان وثغت المواشي فرفع الله عنهم فبعثوا إلى يونس وآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل.
القول الثاني وعليه أكثر المفسرين: أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم كما مر في سورة يونس.
واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه القصة من وجوه: الأوّل أنه ذهب مغاضباً لربه هكذا فسره ابن عباس وابن مسعود والحسن والشعبي وسعيد وابن جبير ووهب واختاره ابن قتيبة ومحمد بن جرير، ومن المعلوم أن مغاضبة الله من أعظم الذنوب.
ولئن سلم أنه كان مغاضباً لقومه فذلك ايضاً محظور لأنه كان يجب أن يصبر معهم.
الثاني قوله ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ وهو شك في قدرة الله.
الثالث اعترافه بأنه من الظالمين والظلم من صفات الذم.
الرابع: إخبار الله في موضع آخر بقوله ﴿ فالتقمه الحوت وهو مليم ﴾ والمليم ذو الملامة.
الخامس: قوله للنبي ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ وقال في موضع آخر ﴿ فاصبر كما صبر أُوْلُوْا العزم ﴾ والجواب أنه غضب لأجل ربه أنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله، وغاضب قومه بمفارقته كي يخوّفهم حلول العقاب عليهم عندها.
فغاية ما في الباب أن تلك المغاضبة ترك الأولى وهو الصبر على مشاق الرسالة بعد ادائها إلى أن يأذن الله له في المهاجرة.
وعن الثاني أن معنى.
﴿ لن نقدر عليه ﴾ لن نضيق كقوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ ﴿ ومن قدر عليه رزقه ﴾ فهو من القدر لا من القدرة، ويجوز أن يكون من القدر بمعنى القضاء.
قال الزجاج: يقال قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً.
والمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وابن عباس في رواية واختاره الفراء والزجاج.
يقال: قدر الله عليه الضراء وقدر له السراء كما يقال: قدر القاضي على فلان أوله.
ولئن سلمنا أنه من القدرة فالمراد القدرة بالفعل أي فظن أن لن نعمل فيه قدرتنا، فالقدرة غير وإعمالها غير، فظن انتفاء الأول كفر دون الثاني أو هو وارد على سبيل التمثيل والاستعارة أي كانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله، أو هو استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه: عن ابن زيد.
سلمنا الكل لكن هذه الواقعة لعلها قبل رسالته كما حكينا ومثل هذا الظن في حق غير الأنبياء لا يبعد بوسوسة الشيطان، ولكن المؤمن يرده بعد ذلك بالبرهان.
وعن البواقي أن الكل راجع إلى ترك الأولى ونحن لا ننكر ذلك وكفى بذكر يونس في عدد الأنبياء الصابرين الصالحين دليلاً على أنه لم يصدر عنه شيء ينافي عصمته والله أعلم.
أما قوله ﴿ فنادى في الظلمات ﴾ فمعنى الجمع راجع إلى شدة الظلمة وتكاثفها أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله ﴿ يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل.
وقيل: ابتلع حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطن الحوتين وظلمة البحر.
وقيل: إن الحوت إذا عظم غوصه في البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة.
ومعنى ﴿ أن لا إله إلا أنت ﴾ أي لا إله إلا أنت أو بأنه لا إله إلا أنت ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه له عن كل النقائص.
منها الظن المذكور على أي وجه فرض، ومنها العجز عن تخليصه، ومنها خلو ذلك الفعل عن حكمة كاملة.
﴿ إني كنت من الظالمين ﴾ بالفرار من غير إذن وأنا الآن من التائبين وفيه من حسن الطلب ما فيه فلذلك قال ﴿ فاستجبنا له ﴾ ثم بين الاستجابة بقوله ﴿ ونجيناه من الغم ﴾ أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته ﴿ و ﴾ كما أنجينا يونس من كرب الحبس إذ دعانا ﴿ كذلك ننجي المؤمنين ﴾ من كل كرب إذا استغاثوا بنا.
عن النبي "ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له" .
وعن الحسن: ما نجاه الله إلا إقراره على نفسه بالظلم.
وقد بقي في الآية بحث لفظي وهو أن بعض أهل العربية غلطوا عاصماً في قراءته ﴿ نجي ﴾ بالتشديد والنون لا تدغم في الجيم.
واستخرج بعضهم له وجهاً وهو أن يكون ﴿ نجي ﴾ فعلاً ماضياً مجهولاً من التنجية لكنه أرسل الياء وأسند الفعل إلى المصدر المضمر ونصب المؤمنين بذلك المصدر أي نجى نجاء المؤمنين كقولك "ضرب الضرب زيداً" ثم ضرب زيداً على إضمار المصدر، وأنشد ابن قتيبة حجة لهذه القراءة: ولو ولدت فقيرة جرو كلب *** لسب بذلك الجرو الكلابا وقال أبو علي الفارسي وغيره من الأئمة المحققين: إن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر وإنما الوجه الصحيح في قراءة عاصم أن يحمل ذلك على الإخفاء، فلعل الراوي التبس عليه فظنه إدغاماً.
ثم بين انقطاع زكريا وتبتله غليه رغبة فيمن يؤنسه ويعينه في أمر دينه ودنياه وإن انتهى الحال به وبزوجته في الكبر إلى حد اليأس من ذلك عادة.
وفي قوله ﴿ وأنت خير الوارثين ﴾ وجهان: أحدهما أنه ثناء على الرب بأن مآل كل الأمور إليه فيكون مؤكداً لما فوض إليه أمر الولد.
والثاني أنه اراد إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث.
وفي إصلاح زوجه وجوه: منها أنها جعلت صالحة للولادة بعد عقرها.
ومنها أنها جعلت حسنة الخلق وكانت سيئة الخلق، ولا شك أن حسن خلق الزوج نعمة عظيمة.
ومنها أن الإصلاح يتعلق بأمر الدين كأنه سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعاً.
ويرد على الوجه الأول إن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد، والجواب أن الواو لا تفيد الترتيب أو أراد بالهبة إرادة الهبة.
أما الضمير في قوله ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ﴾ فقد قيل: إنه عائد إلى زكريا وولده وأهله.
وقال جار الله: إنه للمذكورين من الأنبياء عليهم السلام يريد أنهم ما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم إلا لمسارعتهم في تحصيل الخيرات، وهذا من أجلّ ما يمدح به المؤمن لأنه يدل على الجد والرغبة في الطاعة.
﴿ ويدعوننا رغباً ﴾ في ثوابنا ﴿ ورهباً ﴾ عن عقابنا.
ومعنى ﴿ خاشعين ﴾ قال الحسن: ذللاً لأمر الله.
وقيل: متواضعين.
وعن مجاهد: الخشوع الخوف الدائم في القلب.
وفي تقديم الجار والمجرور على ﴿ خاشعين ﴾ إشارة إلى أنهم لا يخشون أحداً إلا الله.
وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه الذي إذا ارخى ستره وأغلق بابه رأى الله منه خيراً ليس هو الذي يأكل خشباً اي علقاً ويبلس خشناً ويطأطئ رأسه.
ولما فرغ من ذكر الرجال الكاملين ذكر من هي سيدة نساء العالمين فمدحها بإحصان فرجها إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً حتى إنها منعت جبرائيل جيب درعها قبل أن عرفته.
والنفخ فيها عبارة عن إحياء عيسى في بطنها أي فنفخنا الروح في عيسى فيها كقول الزامر "فنفخت في بيت فلان" أي نفخت في المزمار في بيته، أو المراد وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا -وهو جبرائيل- لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ غلى جوفها.
وهذا البيان هو المراد في سورة التحريم فلذلك قال { ﴿ فنفخنا فيه ﴾ أراد فرج الجيب أو غيره.
وإنما قال ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ لأنه أراد أن مجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير أب.
التأويل: الإشارات المفهومة من قصص الأنبياء أكثرها مرّ فلنذكر ما يختص بالمقام.
منها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم ﴾ أي الله الكبير لأن كسر الأصنام ليس من طبيعة الإنسانية بل من طبيعتها أن تنحتها، فإن صدر من أحدهم كسرها فإنما ذلك بتوفيق الله وتأييده.
فقوله ﴿ هذا ﴾ بدل الكلِ من الضمير في فعله: ﴿ قالوا حرقوه ﴾ إذا أراد الله أن يكمل عبداً من عباده المخلصين فداه خلقاً عظيماً كما أراد استكمال حوت في البحر فداه كثيراً من الحيتان الصغار، فلما أراد تخليص جسد الخلة من غش البشرية جعل نمرود وقومه فداء له حتى أجمعوا على تحريقه ولم يعلموا أن تلك النار له نور.
وذلك العذاب له روح وريحان، لأن نار العشق قد احرقت أنانيته حتى لم ير غير الله بل لم يبق إلا هو فلم يمكن للنار أن تتصرف فيه فوقع قوله: ﴿ قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ تمثيلاً لهذا المعنى.
بالنار خوفني قومي فقلت لهم *** النار ترحم من في قلبه نار ونجينا إبراهيم الروح ولوط القلب من أرض البشرية إلى أرض الروحانية المتبركة المشرفة المشرقة لتجلي الذات والصفات.
﴿ ونجيناه ﴾ من قرية القالب.
﴿ التي كانت تعمل الخبائث ﴾ بالأوصاف البهيمية والسبعية ﴿ وداود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ إذ يحكمان في ﴾ شأن حرث الدنيا ﴿ إذ نفشت ﴾ اي دخلت فيه في ظلمة ليل البشرية ﴿ غنم القوم ﴾ أي الصفات البشرية من غير راعي العقل فأفسدت الحرث بالإفراط والإسراف.
فحكم الروح بانجذابه إلى عالمه بالكلية أن يمنع الأوصاف عن التصرف فيها مطلقاً.
﴿ ففهمناها سليمان ﴾ القلب لكونه متقلباً في طودي الروح والجسد أن يحكم بمنع التصرف فيها إلى أن يعود الحرث من حالة الإسراف فيه المؤدي إلى الفساد إلى حالة التوسط والاعتدال الذي هو المعتبر في باب الكمال والإكمال جمعاً بين المصلحتين ورعاية للجانبين.
﴿ وسخرنا مع داود الجبال ﴾ وهي الأعضاء والجوارح التي فيها ثقل وكثافة ﴿ يسبحن ﴾ بتسبيحه ﴿ والطير ﴾ وهن القوى الحيوانية السيارة بل الطيارة بين قضاء القلب والقالب.
هذا في الباطن، وأما في الظاهر فإذا استولى سلطان الذكر على أجزاء البدن انعكس نوره في مرآة القلب إلى ما يحاذيها من الجمادات والحيوانات فيذكر ما يذكره كالحصاة سبحت في يد رسول الله .
وعن بعض الصحابة أنه قال: كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه ﴿ وعلمنا صنعة لبوس لكم ﴾ إن الله ألهم داود الروح كيفية إلانة القلب الذي هو في القساوة بمنزلة الحديد حتى يتولد من ذلك القلب أوصاف حميدة تحصن الإنسان من بأس الأعداء التي هي النفس والهوى والشيطان.
وسخرنا لسليمان} القلب ريح الروح الحيواني فإنه مركب الروح الإنساني به يتهيأ له السير إلى مقام بورك له فيه ﴿ ومن الشياطين ﴾ وهم الأوصاف النفسية ﴿ من يغوصون له ﴾ في بحر الحديد فيستخرجون درر الفضائل الإنسية ﴿ ويعملون عملاً دون ذلك ﴾ من الوسائط والوسائل إلى تلك الفضائل: ﴿ وكنا لهم حافظين ﴾ من أن يزيغوا عن سواء السبيل ويميلوا عن جادة الشريعة وقانون الطريقة.
قال أهل التحقيق: إذا بلغ الإنسان مبلغ الرجال البالغين سخر الله له بحسب مقامه السفليات والعلويات كما سخر لسليمان الريح والجن والشياطين والطير ومن العلويات الشمس حين ردت أجل صلاته، وسخر لنبينا جميع السفليات والعلويات حتى قال "زويت لي الأرض" وقال "أوتيت مفاتيح خزائن الأرض" وكان الماء ينبع من بين أصابعه.
وقال "نصرت بالصبا" وكانت الأشجار تسلم عليه وتسجد له وتنقلع بإشارته من مكانها وترجع، والحيوانات تتكلم معه وتشهد بنبوته.
وقال "أسلم شيطاني على يدي" .
وأما من العلويات فقد انشق القمر بإشارته وسخر له البراق وجبرائيل، وعبر السموات والجنة والنار والعرش والكرسي إلى مقام قاب قوسين أو أدنى.
﴿ وأيوب ﴾ القلب المبتلى بديوان الهواجس والوساوس الذي فارقه أوصافه الحميدة وأخلاقه الشريفة لشدة تألمه بالعلائق البدنية وعوائق الأمور الدنيوية ﴿ فكشفنا ما به من ضر ﴾ بأن قلنا له ﴿ اركض برجلك ﴾ نظيره ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لينبع ماء حياة العلم والمعرفة فتسلم من تعلقات الكونين المؤذية للقلب والروح ﴿ إذ ذهب ﴾ من عالمه ﴿ مغاضباً ﴾ لغيره من المجردات فألقي في بحر الدنيا فالتقمه حوت النفس الأمارة بالسوء، وابتلع حوت النفس حوت القالب ﴿ فنادى ﴾ في ظلمات حجب النفس والقالب والدنيا ﴿ وزكريا ﴾ الروح ﴿ وهبنا له يحيى ﴾ القلب ﴿ واصلحنا له ﴾ زوج القالب ﴿ ويدعوننا رغباً ﴾ في الفناء فينا ﴿ ورهباً ﴾ من البقاء بأنانيتهم ﴿ وكانوا لنا خاشعين ﴾ أما القالب فبأعمال الشريعة، وأما النفس فبتهذيب الأخلاق، وأما القلب فبالاطمئنان بذكر الله، وأما السر فباجتهاده في كشف الأسرار، وأما الروح فببذل الوجود في طلب المعبود، وأما الخفي فبإفنائه في الله وبقائه بالله.
﴿ ومريم ﴾ النفس ﴿ التي أحصنت ﴾ قلبها عن تصرفات الكونين فأحييناها بالحياة الأبدية.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ ذكر في سليمان أنه سلطه على الشيطان، وجعلهم مسخرين له يستعملهم في كل أمر وعمل شاء، وذكر في أيوب على أثر قصة سليمان أنه سلط الشياطين عليه وصار كالمسخر لهم؛ حيث قال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ ؛ حتى يعلم أن تسخير الشياطين لسليمان كان له إفضالاً وإنعاماً، لم يكن سبق منه ما يستوجب به ذلك ويستحقه، ولا كان من أيوب إليه من العصيان ما يستحق ذلك، وما أصابه من البلاء منه عدل، وكان ما يعطي من السلامة والصحة رحمة منه ونعمة، وله أن يعطي من شاء ما شاء، ويحرم من شاء ما شاء، ألا ترى أنه قال في آخره لما رد عليه ما أخذ وكشف عنه البلاء: ﴿ رَحْمَةً مِّنَّا ﴾ ، ولو كان ذلك حقّاً له على الله لم يكن لذكر الرحمة معنى، فهذا يرد على المعتزلة مذهبهم: أن على الله الأصلح لهم في دينهم؛ لأن ما أصاب أيوب من البلايا أضاف ذلك إلى الشياطين حيث قال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ ، ولو كان ذلك أصلح له في دينه لكان لا يضيف فعل الأصلح له في الدين إلى الشياطين؛ فدل على أنه ليس على ما يذهبون إليه.
ثم قوله: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ ﴾ شبيه أن يكون فيه إضمار دعاء؛ كأنه قال: أني مسني الضر فارحمني وعافني وأنت أرحم الراحمين؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ﴾ دل أنه على الدعاء خرج.
والثاني في قوله: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ ﴾ وصرت بحال يرحمني من رآني من الخلق وأنت أرحم بي من كل الراحمين.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ﴾ هو ظاهر أنه كشف عنه ما أصابه من البلاء في بدنه وأهله حتى عاد إلى الحال التي كان قبل ذلك.
وقال بعضهم: أوتي أهله في الدنيا ومثل أجورهم في الآخرة.
وقال بعضهم: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ ﴾ فأحياهم الله ﴿ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ﴾ ، وكانت امرأة أيوب ولدت قبل البلاء أولاداً بنين وبنات، فأحياهم الله.
وقال بعضهم: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ ﴾ أي: ما يتأهل به من الأهل والأنصار على ما كان له من قبل.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن من ابتلي ببلاء، فصبر على ما صبر أيوب على بلائه، ففرجه الله عن ذلك البلاء - فيفرجه عنه كما فرج لأيوب.
والثاني: يعلم أن ما أصابه ليس لأمر يسبق منه، ولكن ابتلاء محنة من الله امتحنه بها، وله أن يمتحن من شاء بما شاء من المحن.
<div class="verse-tafsir"
فأجبنا دعوته، وصرفنا عنه ما أصابه من ضر، وأعطيناه ما فقد من أهله وأولاده، وأعطيناه مثلهم معهم، كل ذلك فعلناه رحمة من عندنا، وتذكيرا لكل منقاد لله بالعبادة؛ ليصبر كما صبر أيوب.
<div class="verse-tafsir" id="91.Eg9w7"