الآية ٨٧ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٨٧ من سورة الأنبياء

وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًۭا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٨٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 194 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٧ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٧ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه القصة مذكورة هاهنا وفي سورة " الصافات " وفي سورة " ن " وذلك أن يونس بن متى ، عليه السلام ، بعثه الله إلى أهل قرية " نينوى " ، وهي قرية من أرض الموصل ، فدعاهم إلى الله ، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم ، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم ، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث .

فلما تحققوا منه ذلك ، وعلموا أن النبي لا يكذب ، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم ، وفرقوا بين الأمهات وأولادها ، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل ، وجأروا إليه ، ورغت الإبل وفصلانها ، وخارت البقر وأولادها ، وثغت الغنم وحملانها ، فرفع الله عنهم العذاب ، قال الله تعالى : ( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) [ يونس : 98 ] .

وأما يونس ، عليه السلام ، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم ، وخافوا أن يغرقوا .

فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه ، فوقعت القرعة على يونس ، فأبوا أن يلقوه ، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضا ، فأبوا ، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا ، قال الله تعالى : ( فساهم فكان من المدحضين ) [ الصافات : 141 ] ، أي : وقعت عليه القرعة ، فقام يونس ، عليه السلام ، وتجرد من ثيابه ، ثم ألقى نفسه في البحر ، وقد أرسل الله ، سبحانه وتعالى ، من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتا يشق البحار ، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة ، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحما ، ولا تهشم له عظما; فإن يونس ليس لك رزقا ، وإنما بطنك له يكون سجنا .

وقوله : ( وذا النون ) يعني : الحوت ، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة .

وقوله : ( إذ ذهب مغاضبا ) : قال الضحاك : لقومه ، ( فظن أن لن نقدر عليه ) [ أي : نضيق عليه في بطن الحوت .

يروى نحو هذا عن ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وغيرهم ، واختاره ابن جرير ، واستشهد عليه بقوله تعالى : ( ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ) [ الطلاق : 7 ] .

وقال عطية العوفي : ( فظن أن لن نقدر عليه ) ، أي : نقضي عليه ، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير ، فإن العرب تقول : قدر وقدر بمعنى واحد ، وقال الشاعر : فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يكن ، فلك الأمر ومنه قوله تعالى : ( فالتقى الماء على أمر قد قدر ) [ القمر : 12 ] ، أي : قدر .

وقوله : ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) قال ابن مسعود : ظلمة بطن الحوت ، وظلمة البحر ، وظلمة الليل .

وكذا روي عن ابن عباس ، وعمرو بن ميمون ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن كعب ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة .

وقال سالم بن أبي الجعد : ظلمة حوت في بطن حوت في ظلمة البحر .

قال ابن مسعود ، وابن عباس وغيرهما : وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقها ، حتى انتهى به إلى قرار البحر ، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره ، فعند ذلك وهنالك قال : ( لا إله إلا أنت سبحانك ) وقال عوف : لما صار يونس في بطن الحوت ، ظن أنه قد مات ، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه ، ثم نادى : يا رب ، اتخذت لك مسجدا في موضع ما اتخذه أحد .

وقال سعيد بن أبي الحسن البصري : مكث في بطن الحوت أربعين يوما .

رواهما ابن جبير .

وقال محمد بن إسحاق بن يسار ، عمن حدثه ، عن عبد الله بن رافع - مولى أم سلمة - سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت ، أوحى الله إلى الحوت أن خذه ، ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما ، فلما انتهى به إلى أسفل البحر ، سمع يونس حسا ، فقال في نفسه : ما هذا؟

فأوحى الله إليه ، وهو في بطن الحوت : إن هذا تسبيح دواب البحر .

قال : فسبح وهو في بطن الحوت ، فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا : يا ربنا ، إنا نسمع صوتا ضعيفا [ بأرض غريبة ] قال : ذلك عبدي يونس ، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر .

قالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟

.

قال : نعم " .

قال : " فشفعوا له عند ذلك ، فأمر الحوت فقذفه في الساحل ، كما قال الله عز وجل : ( وهو سقيم ) [ الصافات : 145 ] .

ورواه ابن جرير ، ورواه البزار في مسنده ، من طريق محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن رافع ، عن أبي هريرة ، فذكره بنحوه ، ثم قال : لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ، وروى ابن عبد الحق من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن علي مرفوعا : لا ينبغي لعبد أن يقول : " أنا خير من يونس بن متى " ; سبح لله في الظلمات .

وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة ، من حديث ابن عباس ، وابن مسعود ، وعبد الله بن جعفر ، وسيأتي أسانيدها في سورة " ن " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب ، حدثنا عمي : حدثني أبو صخر : أن يزيد الرقاشي حدثه قال : سمعت أنس بن مالك - ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن يونس النبي ، عليه السلام ، حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت ، قال : " اللهم ، لا إله إلا أنت ، سبحانك ، إني كنت من الظالمين " .

فأقبلت هذه الدعوة تحف بالعرش ، فقالت الملائكة : يا رب ، صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة؟

فقال : أما تعرفون ذاك ؟

قالوا : لا يا رب ، ومن هو؟

قال : عبدي يونس .

قالوا : عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ، ودعوة مجابة؟

.

[ قال : نعم ] .

قالوا : يا رب ، أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟

قال : بلى .

فأمر الحوت فطرحه في العراء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد ذا النون ، يعني صاحب النون، والنون: الحوت، وإنما عنى بذي النون، يونس بن متى ، وقد ذكرنا قصته في سورة يونس بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع ، وقوله ( إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ) يقول: حين ذهب مغاضبا.

واختلف أهل التأويل في معنى ذهابه مغاضبا ، وعمن كان ذهابه ، وعلى من كان غضبه ، فقال بعضهم: كان ذهابه عن قومه وإياهم غاضب.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبي ، قال: ثني عمي ، قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ) يقول: غضب على قومه.

حُدثت عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ) أما غضبه فكان على قومه.

وقال آخرون: ذهب عن قومه مغاضبا لربه ، إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه.

*ذكر من قال ذلك: وذكر سبب مغاضبته ربه في قولهم: حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن زياد ، عن عبد الله بن أبي سلمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: بعثه الله ، يعني يونس إلى أهل قريته ، فردّوا عليه ما جاءهم به وامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه: إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا ، فاخرج من بين أظهرهم، فأعلم قومه الذي وعده الله من عذابه إياهم ، فقالوا: ارمقوه ، فإن خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كانت الليلة التي وُعدوا بالعذاب في صبحها أدلج ورآه القوم ، فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم ، وفرّقوا بين كل دابة وولدها ، ثم عجوا إلى الله ، فاستقالوه ، فأقالهم ، وتنظّر يونس الخبر عن القرية وأهلها ، حتى مر به مار ، فقال: ما فعل أهل القرية؟

فقال: فعلوا أن نبيهم خرج من بين أظهرهم ، عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب ، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض ، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها ، وعجُّوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم ، وأخَّر عنهم العذاب، قال: فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذّابا أبدا ، وعدتهم العذاب في يوم ثم رُدّ عنهم، ومضى على وجهه مغاضبا.

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا عوف ، عن سعيد بن أبي الحسن ، قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب ، انطلق مغاضبا لربه ، واستزله الشيطان ، حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، في قوله ( إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ) قال: مغاضبا لربه.

حدثنا الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن إسماعيل بن عبد الملك ، عن سعيد بن جبير، فذكر نحو حديث ابن حميد ، عن سلمة ، وزاد فيه: قال: فخرج يونس ينظر العذاب ، فلم ير شيئا ، قال: جرّبوا عليّ كذبا، فذهب مغاضبا لربه حتى أتى البحر.

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن وهب بن منبه اليماني ، قال: سمعته يقول: إن يونس بن متى كان عبدا صالحا ، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوّة ، ولها أثقال لا يحملها إلا قليل ، تفسخ تحتها تفسخ الربع (9) تحت الحمل ، فقذفها بين يديه ، وخرج هاربا منها ، يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ : أي لا تلق أمري كما ألقاه، وهذا القول ، أعني قول من قال: ذهب عن قومه مغاضبا لربه ، أشبه بتأويل الآية ، وذلك لدلالة قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) على ذلك، على أن الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أنه ذهب مغاضبا لقومه ، إنما زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكارا منهم أن يغاضب نبيّ من الأنبياء ربه، واستعظاما له، وهم بقيلهم أنه ذهب مغاضبا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم ما أنكروا ، وذلك أن الذين قالوا: ذهب مغاضبا لربه اختلفوا في سبب ذهابه كذلك ، فقال بعضهم: إنما فعل ما فعل من ذلك كراهة أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم ، واستحيا منهم ، ولم يعلم السبب الذي دفع به عنهم البلاء، وقال بعض من قال هذا القول: كان من أخلاق قومه الذين فارقهم قتل من جرّبوا عليه الكذب ، عسى أن يقتلوه من أجل أنه وعدهم العذاب ، فلم ينـزل بهم ما وعدهم من ذلك ، وقد ذكرنا الرواية بذلك في سوره يونس ، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.

وقال آخرون: بل إنما غاضب ربه من أجل أنه أمر بالمصير إلى قوم لينذرهم بأسه ، ويدعوهم إليه ، فسأل ربه أن ينظره، ليتأهب للشخوص إليهم ، فقيل له: الأمر أسرع من ذلك ، ولم ينظر حتى شاء أن ينظر إلى أن يأخذ نعلا ليلبسها ، فقيل له نحو القول الأول ، وكان رجلا في خلقه ضيق ، فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلا فذهب مغاضبا.

*وممن ذُكر هذا القول عنه: الحسن البصري، حدثني بذلك الحارث ، قال : ثنا الحسن بن موسى ، عن أبي هلال ، عن شهر بن حوشب ، عنه.

قال أبو جعفر: وليس في واحد من هذين القولين من وصف نبيّ الله يونس صلوات الله عليه شيء إلا وهو دون ما وصفه بما وصفه الذين قالوا: ذهب مغاضبا لقومه ، لأن ذهابه عن قومه مغاضبا لهم ، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم ، ليبلغهم رسالته ، ويحذّرهم بأسه ، وعقوبته على تركهم الإيمان به ، والعمل بطاعتك لا شك أن فيه ما فيه ، ولولا أنه قد كان صلى الله عليه وسلم أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة ، لم يكن الله تعالى ذكره ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه ، ويصفه بالصفة التي وصفه بها ، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ وَيَقُولُ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .

وقوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم: معناه: فظنّ أن لن نعاقبه بالتضييق عليه من قولهم قدرت على فلان: إذا ضيقت عليه ، كما قال الله جلّ ثناؤه وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ .

*ذكر من قال ذلك: حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال: ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) يقول: ظنّ أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه.

حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبي ، قال: ثني عمي ، قال: ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) يقول: ظنّ أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه إذ غضب عليهم ، وفراره وعقوبته أخذ النون إياه.

حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، أنه قال في هذه الآية ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) قال: فظنّ أن لن نعاقبه بذنبه.

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا زيد بن حباب ، قال: ثني شعبة ، عن مجاهد ، ولم يذكر فيه الحكم.

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) قال: يقول: ظنّ أن لن نعاقبه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة والكلبي ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) قالا ظنّ أن لن نقضي عليه العقوبة.

حُدثت عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ ) يقول: ظنّ أن الله لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء في غضبه الذي غضب على قومه ، وفراقه إياهم.

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن ابن عباس ، في قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) قال: البلاء الذي أصابه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا عوف ، عن سعيد بن أبي الحسن ، قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب ، انطلق مغاضبا لربه ، واستزلَّه الشيطان ، حتى ظن أن لن نقدر عليه ، قال: وكان له سلف وعبادة وتسبيح ، فأبى الله أن يدعه للشيطان ، فأخذه فقذفه في بطن الحوت ، فمكث في بطن الحوت أربعين من بين ليلة ويوم ، فأمسك الله نفسه فلم يقتله هناك ، فتاب إلى ربه في بطن الحوت ، وراجع نفسه ، قال: فقال ( سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) قال: فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته ، بما كان سلف من العبادة والتسبيح ، فجعله من الصالحين ، قال عوف: وبلغني أنه قال في دعائه: وبنيت لك مسجدا في مكان لم يبنه أحد قبلي.

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا هوذة ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) وكان له سلف من عبادة وتسبيح ، فتداركه الله بها فلم يدعه للشيطان.

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن إياس بن معاوية المدني ، أنه كان إذا ذكر عنده يونس ، وقوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) يقول إياس: فلِم فرّ؟

وقال آخرون: بل ذلك بمعنى الاستفهام ، وإنما تأويله: أفظنّ أن لن نقدر عليه؟

ذكر من قال ذلك: حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد ، في قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) قال: هذا استفهام ، وفي قوله فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ قال: استفهام أيضا.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ، قول من قال: عَنَى به: فظنّ يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه ، عقوبة له على مغاضبته ربه.

وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة ، لأنه لا يجوز أن ينسب إلى الكفر وقد اختاره لنبوته ، ووصفه بأن ظنّ أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه ، ووصف له بأنه جهل قدرة الله ، وذلك وصف له بالكفر ، وغير جائز لأحد وصفه بذلك، وأما ما قاله ابن زيد ، فإنه قول لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام حسن ، ولكنه لا دلالة فيه على أن ذلك كذلك، والعرب لا تحذف من الكلام شيئا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلا على أنه مراد في الكلام ، فإذا لم يكن في قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) دلالة على أن المراد به الاستفهام كما قال ابن زيد ، كان معلوما أنه ليس به وإذا فسد هذان الوجهان ، صح الثالث وهو ما قلنا.

وقوله ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الظلمات ، فقال بعضهم: عني بها ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: ظلمة بطن الحوت ، وظلمة البحر ، وظلمة الليل ، وكذلك قال أيضا ابن جريج.

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن زياد ، عن عبد الله بن أبي سلمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: نادى في الظلمات: ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت ( لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) .

حدثني محمد بن إبراهيم السلمي ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال: أخبرنا محمد بن رفاعة ، قال: سمعت محمد بن كعب يقول في هذه الآية ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت.

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: ظلمة بطن الحوت ، وظلمة البحر ، وظلمة الليل.

وقال آخرون: إنما عنى بذلك أنه نادى في ظلمة جوف حوت في جوف حوت آخر في البحر ، قالوا: فذلك هو الظلمات.

*ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: أوحى الله إلى الحوت أن لا تضرّ له لحما ولا عظما ، ثم ابتلع الحوت حوت آخر ، قال ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: ظلمة الحوت ، ثم حوت ، ثم ظلمة البحر.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن يونس أنه ناداه في الظلمات ( أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) ولا شك أنه قد عنى بإحدى الظلمات: بطن الحوت ، وبالأخرى: ظلمة البحر ، وفي الثالثة اختلاف ، وجائز أن تكون تلك الثالثة : ظلمة الليل ، وجائز أن تكون كون الحوت في جوف حوت آخر ، ولا دليل يدلّ على أيّ ذلك من أيّ ، فلا قول في ذلك أولى بالحقّ من التسليم لظاهر التنـزيل.

وقوله ( لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ) يقول: نادى يونس بهذا القول معترفا بذنبه تائبا من خطيئته ( إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) في معصيتي إياك .

كما حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن زياد ، عن عبد الله بن أبي سلمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) معترفا بذنبه ، تائبا من خطيئته.

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، قال ، أبو معشر: قال محمد بن قيس: قوله ( لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ) ما صنعتُ من شيء فلم أعبد غيرك ، (إني كنت من الظالمين ) حين عصيتك.

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا جعفر بن سليمان ، عن عوف الأعرابي ، قال: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات ، ثم حرّك رجله ، فلما تحركت سجد مكانه ، ثم نادى: يا ربّ اتخذت لك مسجدا في موضع ما اتخذه أحد.

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال: ثني ابن إسحاق عمن حدثه ، عن عبد الله بن رافع ، مولى أم سلمة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَمَّا أَرَادَ اللهُ حَبْسَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الحُوتِ ، أَوْحَى اللهُ إِلَى الحُوتِ: أَنْ خُذْهُ وَلا تَخْدِشْ لَهُ لَحْما وَلا تَكْسِرْ عَظْما، فَأَخَذهُ ، ثُمّ هَوَى بِهِ إلى مسْكَنِهِ مِنَ البَحْرِ ، فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إلى أَسْفَلِ البَحْرِ ، سَمِعَ يُونُسُ حِسًّا ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا هَذَا؟

قالَ: فَأَوْحَى اللهُ إِليْهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: إِنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ البَحْرِ ، قَالَ: فَسَبَّحَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ ، فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ ، فَقَالُوا: يَا ربَنّا إِنَّا نَسْمَعُ صَوْتا ضَعِيفا بِأَرْضِ غَرِيبَهٍ؟

قَالَ: ذَاكَ عَبْدِي يُونُسُ ، عَصَانِي فَحَبَسْتُه فِي بَطْنِ الحُوتِ فِي البَحْرِ ، قَالُوا: العَبْد الصَالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ؟

قَالَ: نَعَم ْ، قَالَ: فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذَلكَ ، فَأَمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَه فِي السَّاحِلِ ، كما قالَ اللهُ تَبَارَك َ وَتَعالى: وَهُوَ سَقِيمٌ".

------------------------------- الهوامش : (9) الربع : ولد الناقة أول ما يحمل عليه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذا النون أي واذكر ذا النون وهو لقب ليونس بن متى لابتلاع النون إياه .

والنون الحوت .

وفي حديث عثمان - رضي الله عنه - أنه رأى صبيا مليحا فقال : دسموا نونته كي لا تصيبه العين .

روى ثعلب عن ابن الأعرابي : النونة النقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير ، ومعنى دسموا سودوا .

إذ ذهب مغاضبا قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير : مغاضبا لربه - عز وجل - .

واختاره الطبري والقتبي واستحسنه المهدوي ، وروي عن ابن مسعود .

وقال النحاس : وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة وهو قول صحيح .

والمعنى : مغاضبا من أجل ربه ، كما تقول : غضبت لك أي من أجلك .

والمؤمن يغضب لله - عز وجل - إذا عصي .[ ص: 235 ] وأكثر أهل اللغة يذهب إلى أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة : اشترطي لهم الولاء من هذا .

وبالغ القتبي في نصرة هذا القول .

وفي الخبر في وصف يونس : إنه كان ضيق الصدر فلما حمل أعباء النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل ، فمضى على وجهه مضي الآبق الناد .

وهذه المغاضبة كانت صغيرة .

ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم .

وقال ابن مسعود : أبق من ربه أي من أمر ربه حتى أمره بالعود إليهم بعد رفع العذاب عنهم .

فإنه كان يتوعد قومه بنزول العذاب في وقت معلوم ، وخرج من عندهم في ذلك الوقت ، فأظلهم العذاب فتضرعوا فرفع عنهم ولم يعلميونس بتوبتهم ؛ فلذلك ذهب مغاضبا وكان من حقه ألا يذهب إلا بإذن محدد .

وقال الحسن : أمره الله تعالى بالمسير إلى قومه فسأل أن ينظر ليتأهب ، فأعجله الله حتى سأل أن يأخذ نعلا ليلبسها فلم ينظر ، وقيل له : الأمر أعجل من ذلك - وكان في خلقه ضيق - فخرج مغاضبا لربه ، فهذا قول وقول النحاس أحسن ما قيل في تأويله .

أي خرج مغاضبا من أجل ربه ، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه .

وقيل : إنه غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وتعنتهم فذهب فارا بنفسه ، ولم يصبر على أذاهم وقد كان الله أمره بملازمتهم والدعاء ، فكان ذنبه خروجه من بينهم من غير إذن من الله .

روي عن ابن عباس والضحاك ، وأن يونس كان شابا ولم يحمل أثقال النبوة ؛ ولهذا قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ولا تكن كصاحب الحوت .

وعن الضحاك أيضا خرج مغاضبا لقومه ؛ لأن قومه لما لم يقبلوا منه وهو رسول من الله - عز وجل - كفروا بهذا فوجب أن يغاضبهم ، وعلى كل أحد أن يغاضب من عصى الله - عز وجل - .

وقالت فرقة منهم الأخفش : إنما خرج مغاضبا للملك الذي كان على قومه .

قال ابن عباس : أراد شعيا النبي ، والملك الذي كان في وقته اسمه حزقيا أن يبعثوا يونس إلى ملك نينوى ، وكان غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه بني [ ص: 236 ] إسرائيل ، وكان الأنبياء في ذلك الزمان يوحى إليهم ، والأمر والسياسة إلى ملك قد اختاروه ، فيعمل على وحي ذلك النبي ، وكان أوحى الله لشعيا : أن قل لحزقيا الملك أن يختار نبيا قويا أمينا من بني إسرائيل فيبعثه إلى أهل نينوى فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل فإني ملق في قلوب ملوكهم وجبابرتهم التخلية عنهم .

فقال يونس لشعيا : هل أمرك الله بإخراجي ؟

قال : لا .

قال : فهل سماني لك ؟

قال : لا .

قال فهاهنا أنبياء أمناء أقوياء .

فألحوا عليه فخرج مغاضبا للنبي والملك وقومه ، فأتى بحر الروم وكان من قصته ما كان ؛ فابتلي ببطن الحوت لتركه أمر شعيا ؛ ولهذا قال الله تعالى : فالتقمه الحوت وهو مليم والمليم من فعل ما يلام عليه .

وكان ما فعله إما صغيرة أو ترك الأولى .

وقيل : خرج ولم يكن نبيا في ذلك الوقت ولكن أمره ملك من ملوك بني إسرائيل أن يأتي نينوى ؛ ليدعو أهلها بأمر شعيا فأنف أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله ، فخرج مغاضبا للملك ؛ فلما نجا من بطن الحوت بعثه الله إلى قومه فدعاهم وآمنوا به .

وقال القشيري : والأظهر أن هذه المغاضبة كانت بعد إرسال الله تعالى إياه ، وبعد رفع العذاب عن القوم بعد ما أظلهم ؛ فإنه كره رفع العذاب عنهم .قلت : هذا أحسن ما قيل فيه على ما يأتي بيانه في ( والصافات ) إن شاء الله تعالى .

وقيل : إنه كان من أخلاق قومه قتل من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتل فغضب ، وخرج فارا على وجهه حتى ركب في سفينة فسكنت ولم تجر .

فقال أهلها : أفيكم آبق ؟

فقال : أنا هو .

وكان من قصته ما كان ، وابتلي ببطن الحوت تمحيصا من الصغيرة كما قال في أهل أحد : حتى إذا فشلتم إلى قوله : وليمحص الله الذين آمنوا فمعاصي الأنبياء مغفورة ، ولكن قد يجري تمحيص ويتضمن ذلك زجرا عن المعاودة .

وقول رابع : إنه لم يغاضب ربه ، ولا قومه ، ولا الملك ، وأنه من قولهم غضب إذا أنف .

وفاعل قد يكون من واحد ؛ فالمعنى أنه لما وعد قومه بالعذاب وخرج عنهم تابوا وكشف عنهم العذاب ، فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف من ذلك فخرج آبقا .

وينشد هذا البيت :[ ص: 237 ]وأغضب أن تهجى تميم بدارمأي آنف .

وهذا فيه نظر ؛ فإنه يقال لصاحب هذا القول : إن تلك المغاضبة وإن كانت من الأنفة ، فالأنفة لا بد أن يخالطها الغضب وذلك الغضب وإن دق على من كان ؟

!

وأنت تقول : لم يغضب على ربه ولا على قومه !

.قوله تعالى : فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات قيل : معناه استنزله إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته .

وهذا قول مردود مرغوب عنه ؛ لأنه كفر .

روي عن سعيد بن جبير حكاه عنه المهدوي ، والثعلبي عن الحسن .

وذكره الثعلبي وقال عطاء وسعيد بن جبير وكثير من العلماء معناه : فظن أن لن نضيق عليه .

قال الحسن : هو من قوله تعالى : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي يضيق .

وقوله ومن قدر عليه رزقه .قلت : وهذا الأشبه بقول سعيد والحسن .

وقدر وقدر وقتر وقتر بمعنى ، أي ضيق وهو قول ابن عباس فيما ذكره الماوردي والمهدوي .

وقيل : هو من القدر الذي هو القضاء والحكم ؛ أي فظن أن لن نقضي عليه بالعقوبة ؛ قاله قتادة ومجاهد والفراء .

مأخوذ من القدر وهو الحكم دون القدرة والاستطاعة .

وروي عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب ، أنه قال في قول الله - عز وجل - : فظن أن لن نقدر عليه هو من التقدير ليس من القدرة ، يقال منه : قدر الله لك الخير يقدره قدرا ، بمعنى قدر الله لك الخير .

وأنشد ثعلب :فليست عشيات اللوى برواجع لنا أبدا ما أورق السلم النضرولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يقع ولك الشكريعني ما تقدره وتقضي به يقع .

وعلى هذين التأويلين العلماء .

وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري : ( فظن أن لن نقدر عليه ) بضم النون وتشديد الدال من التقدير .

وحكى هذه القراءة الماوردي عن ابن عباس .

وقرأ عبيد بن عمير وقتادة والأعرج : ( أن لن يقدر عليه ) بضم الياء مشددا على الفعل المجهول .

وقرأ يعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن وابن عباس أيضا ( يقدر عليه ) بياء مضمومة وفتح الدال مخففا على الفعل المجهول .

وعن الحسن أيضا ( فظن أن لن يقدر عليه ) .

الباقون نقدر بفتح النون وكسر الدال وكله بمعنى التقدير .[ ص: 238 ] قلت : وهذان التأويلان تأولهما العلماء في قول الرجل الذي لم يعمل خيرا قط لأهله إذا مات فحرقوه فوالله لئن قدر الله علي الحديث فعلى التأويل الأول يكون تقديره : والله لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي ليكونن ذلك ، ثم أمر أن يحرق بإفراط خوفه .

وعلى التأويل الثاني : أي لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين غيري .

وحديثه خرجه الأئمة في الموطأ وغيره .

والرجل كان مؤمنا موحدا .

وقد جاء في بعض طرقه لم يعمل خيرا إلا التوحيد وقد قال حين قال الله تعالى : لم فعلت هذا ؟

قال : من خشيتك يا رب .

والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق ؛ قال الله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء .

.

وقد قيل : إن معنى فظن أن لن نقدر عليه الاستفهام وتقديره : أفظن ، فحذف ألف الاستفهام إيجازا ؛ وهو قول سليمان أبو المعتمر .

وحكى القاضي منذر بن سعيد : أن بعضهم قرأ ( أفظن ) بالألف .قوله تعالى : فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : فنادى في الظلمات اختلف العلماء في جمع الظلمات ما المراد به ، فقالت فرقة منهم ابن عباس وقتادة : ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة الحوت .

وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال حدثنا عبد الله بن مسعود في بيت المال قال : لما ابتلع الحوت يونس - عليه السلام - أهوى به إلى قرار الأرض ، فسمع يونس تسبيح الحصى فنادى في الظلمات ظلمات ثلاث : ظلمة بطن الحوت ، وظلمة الليل ، وظلمة البحر [ ص: 239 ] أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فنبذناه بالعراء وهو سقيم كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش .

وقالت فرقة منهم سالم بن أبي الجعد : ظلمة البحر ، وظلمة حوت التقم الحوت الأول .

ويصح أن يعبر بالظلمات عن جوف الحوت الأول فقط ؛ كما قال : في غيابة الجب وفي كل جهاته ظلمة فجمعها سائغ .

وذكر الماوردي : أنه يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة ، وظلمة الشدة ، وظلمة الوحدة .

وروي : أن الله تعالى أوحى إلى الحوت : ( لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعامك ) وروي : أن يونس - عليه السلام - سجد في جوف الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر .

وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا العباس بن يزيد العبدي حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا جعفر بن سليمان عن عوف عن سعيد بن أبي الحسن قال : لما التقم الحوت يونس - عليه السلام - ظن أنه قد مات فطول رجليه فإذا هو لم يمت فقام إلى عادته يصلي فقال في دعائه : ( واتخذت لك مسجدا حيث لم يتخذه أحد ) .

وقال أبو المعالي : قوله - صلى الله عليه وسلم - لا تفضلوني على يونس بن متى المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه ، وهو في قعر البحر في بطن الحوت .

وهذا يدل على أن الباري سبحانه وتعالى ليس في جهة .

وقد تقدم هذا المعنى في ( البقرة ) و ( الأعراف ) .

أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين يريد فيما خالف فيه من ترك مداومة قومه والصبر عليهم وقيل : في الخروج من غير أن يؤذن له .

ولم يكن ذلك من الله عقوبة ؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا ، وإنما كان ذلك تمحيصا .

وقد يؤدب من لا [ ص: 240 ] يستحق العقاب كالصبيان ؛ ذكره الماوردي .

وقيل : من الظالمين في دعائي على قومي بالعذاب .

وقد دعا نوح على قومه فلم يؤاخذ .

وقال الواسطي في معناه : نزه ربه عن الظلم وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا .

ومثل هذا قول آدم وحواء : ربنا ظلمنا أنفسنا إذ كانا السبب في وضعهما أنفسهما في غير الموضع الذي أنزلا فيه .الثانية : روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : دعاء ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له وقد قيل : إنه اسم الله الأعظم .

ورواه سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وفي الخبر : في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه كما أجابه وينجيه كما أنجاه ، وهو قوله : وكذلك ننجي المؤمنين وليس هاهنا صريح دعاء وإنما هو مضمون قوله : إني كنت من الظالمين فاعترف بالظلم فكان تلويحا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: واذكر عبدنا ورسولنا ذا النون وهو: يونس، أي: صاحب النون، وهي الحوت، بالذكر الجميل، والثناء الحسن، فإن الله تعالى أرسله إلى قومه، فدعاهم، فلم يؤمنوا فوعدهم بنزول العذاب بأمد سماه لهم.

[فجاءهم العذاب] ورأوه عيانا، فعجوا إلى الله، وضجوا وتابوا، فرفع الله عنهم العذاب كما قال تعالى: { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } وقال: { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } وهذه الأمة العظيمة، الذين آمنوا بدعوة يونس، من أكبر فضائله.

ولكنه عليه الصلاة والسلام، ذهب مغاضبا، وأبق عن ربه لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها [لقوله: { إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ } { وَهُوَ مُلِيمٌ } أي: فاعل ما يلام عليه] والظاهر أن عجلته ومغاضبته لقومه وخروجه من بين أظهرهم قبل أن يأمره الله بذلك، ظن أن الله لا يقدر عليه، أي: يضيق عليه في بطن الحوت أو ظن أنه سيفوت الله تعالى، ولا مانع من عروض هذا الظن للكمل من الخلق على وجه لا يستقر، ولا يستمر عليه، فركب في السفينة مع أناس، فاقترعوا، من يلقون منهم في البحر؟

لما خافوا الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات: { لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( وذا النون ) أي اذكر صاحب الحوت وهو يونس بن متى ، ( إذ ذهب مغاضبا ) اختلفوا في معناه فقال الضحاك : مغاضبا لقومه وهو رواية العوفي وغيره عن ابن عباس ، قال كان يونس وقومه يسكنون فلسطين 1 فغزاهم ملك فسبى منهم تسعة أسباط ونصفا وبقي سبط ونصف فأوحى الله إلى شعياء النبي أن سر إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبيا قويا فإني ألقي [ الرعب ] في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل ، فقال له الملك فمن ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء فقال يونس : إنه قوي أمين فدعا الملك يونس فأمره أن يخرج فقال له يونس : هل أمرك الله بإخراجي؟

قال لا قال فهل سماني لك؟

قال لا قال فهاهنا غيري أنبياء أقوياء فألحوا عليه فخرج من بينهم مغاضبا للنبي وللملك ولقومه فأتى بحر الروم فركبه .

وقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وجماعة ذهب عن قومه مغاضبا لربه إذ كشف عن قومه العذاب بعدما أوعدهم وكره أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما أوعدهم واستحيا منهم ولم يعلم السبب الذي به رفع العذاب وكان غضبه أنفة من ظهور خلف وعده وأنه يسمى كذابا لا كراهية لحكم الله تعالى .

وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أن يقتلوا من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتلوه لما لم يأتهم العذاب للميعاد فغضب والمغاضبة هاهنا كالمفاعلة التي تكون من واحد كالمسافرة والمعاقبة فمعنى قوله مغاضبا أي : غضبان وقال الحسن : إنما غضب ربه عز وجل من أجل أنه أمره بالمسير إلى قومه لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم فقيل له إن الأمر أسرع من ذلك حتى سأل أن ينظر إلا أن يأخذ نعلا يلبسها فلم ينظر وكان في خلقه ضيق [ فذهب مغاضبا ] .

وعن ابن عباس ، قال أتى جبريل يونس فقال انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم قال ألتمس دابة قال الأمر أعجل من ذلك فغضب فانطلق إلى السفينة .

وقال وهب بن منبه : إن يونس بن متى كان عبدا صالحا وكان في خلقه ضيق فلما حمل عليه أثقال النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل فقذفها من يده وخرج هاربا منها فلذلك أخرجه الله من أولي العزم من الرسل وقال لنبيه [ محمد صلى الله عليه وسلم ] ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) ( الأحقاف 35 ) ، وقال : ( ولا تكن كصاحب الحوت ) ( القلم 48 ) .

قوله عز وجل ( فظن أن لن نقدر عليه ) أي لن نقضي بالعقوبة قاله مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ، وهو رواية العوفي عن ابن عباس يقال قدر الله الشيء تقديرا وقدر يقدر قدرا بمعنى واحد ومنه قوله : ( نحن قدرنا بينكم الموت ) ( الواقعة 60 ) في قراءة من قرأها بالتخفيف دليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري : " فظن أن لن نقدر عليه " بالتشديد وقال عطاء وكثير من العلماء معناه فظن أن لن نضيق عليه الحبس من قوله تعالى : ( الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) ( الرعد : 26 ) ، أي يضيق وقال ابن زيد : هو استفهام معناه أفظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه وقرأ يعقوب يقدر [ بضم الياء ] على المجهول خفيفا وعن الحسن قال بلغني أن يونس لما أصاب الذنب انطلق مغاضبا لربه واستزله الشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه وكان له سلف وعبادة فأبى الله أن يدعه للشيطان فقذفه في بطن الحوت فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة .

وقال عطاء : سبعة أيام [ وقيل ثلاثة أيام ] .

وقيل إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة .

وقيل بلغ به تخوم الأرض السابعة فتاب إلى ربه تعالى في بطن الحوت وراجع نفسه فقال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين حين عصيتك وما صنعت من شيء فلن أعبد غيرك فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته والتأويلات المتقدمة أولى بحال الأنبياء أنه ذهب مغاضبا لقومه أو للملك ( فنادى في الظلمات ) أي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت ( أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) وروي عن أبي هريرة مرفوعا أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا؟

فأوحى الله إليه أن هذا تسبيح دواب البحر ، قال فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا يا ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة وفي رواية صوتا معروفا من مكان مجهول ، فقال ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت فقالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟

قال نعم فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه إلى الساحل كما قال الله تعالى ( فنبذناه بالعراء وهو سقيم ) ( الصافات 145 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «ذا النون» صاحب الحوت وهو يونس بن متى ويبدل منه «إذ ذهب مغاضباً» لقومه أي غضبان عليهم مما قاسى منهم ولم يؤذن له في ذلك «فظن أن لن نقدر عليه» أي نقضي عليه بما قضيناه من حبسه في بطن الحوت، أو نضيق عليه بذلك «فنادى في الظلمات» ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت «أن» أي بأن «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» في ذهابي من بين قومي بلا إذن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر قصة صاحب الحوت، وهو يونس بن مَتَّى عليه السلام، أرسله الله إلى قومه فدعاهم فلم يؤمنوا، فتوعَّدهم بالعذاب فلم ينيبوا، ولم يصبر عليهم كما أمره الله، وخرج مِن بينهم غاضبًا عليهم، ضائقًا صدره بعصيانهم، وظن أن الله لن يضيِّق عليه ويؤاخذه بهذه المخالفة، فابتلاه الله بشدة الضيق والحبس، والتقمه الحوت في البحر، فنادى ربه في ظلمات الليل والبحر وبطن الحوت تائبًا معترفًا بظلمه؛ لتركه الصبر على قومه، قائلا: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة يونس - عليه السلام - فقال : ( وَذَا النون .

.

.

) .المراد بذى النون : يونس بن متى - عليه السلام - ، والنون : الحوت .

وجمعه نينان وأنوان .

وسمى بذلك لابتلاع الحوت له .قال - تعالى - : ( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلك المشحون فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المدحضين فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ .

.

) وملخص قصة يونس " أن الله - تعالى - ارسله إلى أهل نينوى بالعراق فى حوالى القرن الثامن قبل الميلاد ، فدعاهم إلى إخلاص العبادة لله - عز وجل - فاستعصوا عليه ، فضاق بهم ذرعا ، وتركهم وهو غضبان ليذهب إلى غيرهم ، فوصل إلى شاطىء البحر ، فوجد سفينة فركب فيها ، وفى خلال سيرها فى البحر ضاقت بركابها ، فقال ربانها : إنه لا بد من أحد الركاب يلقى بنفسه فى البحر لينجو الجميع من الغرق .

فجاءت القرعة على يونس ، فألقى بنفسه فى اليم فالتقمه الحوت .

.

.

ثم نبذه إلى الساحل بعد وقت يعلمه الله - تعالى - ، فأرسله - سبحانه - إلى قومه مرة أخرى فآمنوا .وسيأتى تفصيل هذه القصة فى سورة الصافات - بإذن الله - .والمعنى : واذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ - عبدنا ذان النون .

وقت أن فارق قومه وهو غضبان عليهم ، لأنهم لم يسارعوا إلى الاستجابة له .قال الجمل : وقوله : ( إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ) أى : غضبان على قومه ، فالمفاعة ليست على بابها فلا مشاركة كعاقبت وسافرت ، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة ، أى غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا فى أول الأمر " .وقوله - تعالى - : ( فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ) بيان لما ظنه يونس - عليه السلام - حين فارق قومه غاضبا عليهم بدون إذن من ربه - عز وجل - .أى : أن يونس قد خرج غضبان على قومه لعدم استجابتهم لدعوته فظن أن لن نضيق عليه ، عقابا له على مفارقته لهم من غير أمرنا ، أو فظن أننا لن نقضى عليه بعقوبة معينة فى مقابل تركه لقومه بدون إذننا .فقوله : ( نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ) بمعنى نضيق عليه ونعاقبه .

يقال : قدر الله الرزق يقدره - بكسر الدال وضمها - إذا ضيقه .

ومنه قوله - تعالى - : ( الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ ) وقوله : ( وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ .

.

) أى : ضيقه عليه .ثم بين - سبحانه - ما كان يردده يونس وهو فى بطن الحوت فقال : ( فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين .والفاء فى قوله ( فنادى ) فصيحة .والمراد بالظلمات : ظلمات البحر ، وبطن الحوت ، والليل .أى : خرج يونس غضبان على قومه .

فحدث له ما حدث من التقام الحوت له ، فلما صار فى جوفه المظلم ، بداخل البحر المظلم ، أخذ يتضرع إلينا بقوله : أشهد أن لا إله إلا أنت يا إلهى مستحق للعبادة ، ( سُبْحَانَكَ ) أى : أنزهك تنزيها عظيما ( إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين ) لنفسى حين فارقت قومى بدون إذن منك .وإنى أعترف بخطىء - يا إلهى - فتقبل توبتى ، واغسل حوبتى .هذا وقد ذكر ابن جرير وابن كثير وغيرهما من المفسرين هنا روايات متعددة عن المدة التى مكثها يونس فى بطن الحوت ، وعن فضل الدعاء الذى تضرع به إلى الله - تعالى - ، ومن ذلك ما رواه ابن جرير عن سعد بن أبى وقاص - رضى الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " " بسم الله الذى إذا دعى به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ، دعوة يونس بن متى " .

قال : قلت : يا رسول الله ، هى ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟

قال : " هى ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة ، إذا دعوا بها .

ألم تسمع قول الله - تعالى - : ( فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم وكذلك نُنجِي المؤمنين ) فهو شرط من الله لمن دعاه به " " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

(القصة الثامنة، قصة يونس عليه السلام) اعلم أن هاهنا مسائل: المسألة الأولى: أنه لا خلاف في أن ذا النون هو يونس عليه السلام لأن النون هو السمكة، وقد ذكرنا أن الاسم إذا دار بين أن يكون لقباً محضاً وبين أن يكون مفيداً، فحمله على المفيد أولى، خصوصاً إذا علمت الفائدة التي يصلح لها ذلك الوصف.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن وقوعه عليه السلام في بطن السمكة كان قبل اشتغاله بأداء رسالة الله تعالى أو بعده.

أما القول الأول: فقال ابن عباس رضي الله عنه: كان يونس عليه السلام وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً، وبقي سبطان ونصف.

فأوحى الله تعالى إلى شعيب النبي عليه السلام أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبياً قوياً أميناً فإني ألقى في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل.

فقال له الملك: فمن ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال يونس بن متى: فإنه قوي أمين فدعا الملك بيونس وأمره أن يخرج فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟

قال: لا، قال فهل سماني لك؟

قال: لا قال فهاهنا أنبياء غيري، فألحوا عليه فخرج مغاضباً للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوماً هيأوا سفينة فركب معهم فلما تلججت السفينة تكفأت بهم وكادوا أن يغرقوا، فقال الملاحون: هاهنا رجل عاص أو عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح إلا وفيها رجل عاص، ومن رسمنا أنا إذا ابتلينا بمثل هذا البلاء أن نقترع فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، ولأن يغرق وأحد خير من أن تغرق السفينة، فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فيها كلها على يونس عليه السلام، فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، وألقى نفسه في البحر فجاء حوت فابتلعه، فأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة.

فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً لك، ثم لما نجاه الله تعالى من بطن الحوت نبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس عليه السلام فقيل له: أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون، حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم.

ثم أوحى الله إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه يونس عليه السلام نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فأتاهم يونس عليه السلام، وقال لملكهم إن الله تعالى أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل، فقالوا: ما نعرف ما تقول، ولو علمنا أنك صادق لفعلنا، ولقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم فلو كان كما تقول لمنعنا الله عنكم، فطاف ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله تعالى إليه: قل لهم إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب فأبلغهم فأبوا، فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه، ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس للعلماء الذين كانوا في دينهم، فقالوا انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس مما ذكر من نزول العذاب شيء، وإن كان قد خرج فهو كما قال: فطلبوه فقيل لهم إنه خرج العشي فلما آيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم ولا غنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات، ثم قاموا ينتظرون الصبح.

فلما انشق الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها، وصاح الصبيان وثغت الأغنام والبقر، فرفع الله تعالى عنهم العذاب، فبعثوا إلى يونس عليه السلام فآمنوا به، وبعثوا معه بني إسرائيل.

فعلى هذا القول كانت رسالة يونس عليه السلام بعد ما نبذه الحوت، ودليل هذا القول قوله تعالى في سورة الصافات: ﴿ فَنَبَذْنَٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ  وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ  وَأَرْسَلْنَٰهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  ﴾ وفي هذا القول رواية أخرى وهي أن جبريل عليه السلام قال ليونس عليه السلام: انطلق إلى أهل نينوى وأنذرهم أن العذاب قد حضرهم، فقال يونس عليه السلام: التمس دابة فقال الأمر أعجل من ذلك فغضب وانطلق إلى السفينة، وباقي الحكاية كما مرت إلى أن التقمه الحوت فانطلق إلى أن وصل إلى نينوى فألقاه هناك.

أما القول الثاني: وهو أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم قالوا إنهم لما لم يؤمنوا وعدهم بالعذاب، فلما كشف العذاب عنهم بعد ما توعدهم به خرج منهم مغاضباً، ثم ذكروا في سبب الخروج والغضب أموراً.

أحدها: أنه استحى أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الكذب.

وثانيها: أنه كان من عادتهم قتل الكاذب.

وثالثها: أنه دخلته الأنفة.

ورابعها: لما لم ينزل العذاب بأولئك، وأكثر العلماء على القول بأن قصة الحوت وذهاب يونس عليه السلام مغاضباً بعد أن أرسله الله تعالى إليهم، وبعد رفع العذاب عنهم.

المسألة الثالثة: احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه: أحدها: أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضباً لربه ويقال، هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير فإذا كان كذلك فيلزم أن مغاضبته لله تعالى من أعظم الذنوب، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله تعالى بل كانت مع ذلك الملك أو مع القوم فهو أيضاً كان محظوراً لأن الله تعالى قال: ﴿ فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت  ﴾ وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس كان محظوراً.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ وذلك يقتضي كونه شاكاً في قدرة الله تعالى.

وثالثها: قوله: ﴿ إِنّي كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين  ﴾ .

ورابعها: أنه لو لم يصدر منه الذنب، فلم عاقبه الله بأن ألقاه في بطن الحوت.

وخامسها: قوله تعالى في آية أخرى: ﴿ فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ  ﴾ والمليم هو ذو الملامة، ومن كان كذلك فهو مذنب.

وسادسها: قوله: ﴿ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت ﴾ فإن لم يكن صاحب الحوت مذنباً لم يجز النهي عن التشبه به وإن كان مذنباً فقد حصل الغرض.

وسابعها: أنه قال: ﴿ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت ﴾ وقال: ﴿ فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل  ﴾ فلزم أن لا يكون يونس من أولي العزم وكان موسى من أولي العزم، ثم قال: في حقه لو كان ابن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي، وقال في يونس: لا تفضلوني علىِّ يونس بن متى وهذا خارج عن تفسير الآية.

والجواب عن الأول أنه ليس في الآية من غاضبه، لكنا نقطع على أنه لا يجوز على نبي الله أن يغاضب ربه؛ لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكاً للأمر والنهي والجاهل بالله لا يكون مؤمناً فضلاً عن أن يكون نبياً، وأما ما روي أنه خرج مغاضباً لأمر يرجع إلى الاستعداد، وتناول النفل فمما يرتفع حال الأنبياء عليهم السلام عنه، لأن الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ  ﴾ فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم، وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله تعالى، وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضباً لغير الله، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصيه فيما يأمره به فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعاً، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العذاب عليهم عندها، وقرأ أبو شرف مغضباً.

أما قوله مغاضبة القوم أيضاً كانت محظورة لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت  ﴾ قلنا لا نسلم أنها كانت محظورة، فإن الله تعالى أمره بتبليغ تلك الرسالة إليهم، وما أمره بأن يبقى معهم أبداً فظاهر الأمر لا يقتضي التكرار، فلم يكن خروجه من بينهم معصية، وأما الغضب فلا نسلم أنه معصية وذلك لأنه لما لم يكن منهياً عنه قبل ذلك فظن أن ذلك جائز، من حيث إنه لم يفعله إلا غضباً لله تعالى وأنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله، بل كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى في المهاجرة عنهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت ﴾ كأن الله تعالى أراد لمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل المنازل وأعلاها.

والجواب عن الشبهة الثانية: وهي التمسك بقوله تعالى: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ أن نقول من ظن عجز الله تعالى فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين، فكيف إلى الأنبياء عليهم السلام فإذن لابد فيه من التأويل وفيه وجوه: أحدها: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ لن نضيق عليه وهو كقوله تعالى: ﴿ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ  ﴾ أي يضيق: ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ  ﴾ أي ضيق: ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ  ﴾ أي ضيق ومعناه أن لن نضيق عليه، واعلم أن على هذا التأويل تصير الآية حجة لنا، وذلك لأن يونس عليه السلام ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره، وكان في المعلوم أن الصلاح في تأخر خروجه، وهذا من الله تعالى بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج، لا على تعمد المعصية لكن لظنه أن الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر، وكان الصلاح خلاف ذلك.

وثانيها: أن يكون هذا من باب التمثيل بمعنى فكانت حالته ممثلة بحالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر الله تعالى.

وثالثها: أن تفسر القدرة بالقضاء فالمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم واختيار الفراء والزجاج، قال الزجاج: نقدر بمعنى نقدر.

يقال: قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً، فالقدر بمعنى التقدير وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري: ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ بضم النون والتشديد من التقدير، وقرأ عبيد بن عمر بالتشديد على المجهول وقرأ يعقوب: (يقدر عليه) بالتخفيف على المجهول، وروي أنه دخل ابن عباس رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه، فقال معاوية: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فعرفت فيها فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك فقال: وما هي؟

قال: يظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه؟

فقال ابن عباس رضي الله عنهما هذا من القدر لا من القدرة.

ورابعها: فظن أن لن نقدر: أي فظن أن لن نفعل لأن بين القدرة والفعل مناسبة فلا يبعد جعل أحدهما مجازاً عن الآخر.

وخامسها: أنه استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه عن ابن زيد.

وسادسها: أن على قول من يقول هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس عليه السلام كان هذا الظن حاصلاً قبل الرسالة، ولا يبعد في حق غير الأنبياء والرسل أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان.

ثم إنه يرده بالحجة والبرهان.

والجواب عن الثالث: وهو التمسك بقوله: ﴿ إِنّي كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ فهو أن نقول إنا لو حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام، ولو حملناه على ما بعدها فهي واجبة التأويل لأنا لو أجريناها على ظاهرها، لوجب القول بكون النبي مستحقاً للعن، وهذا لا يقوله مسلم، وإذا وجب التأويل فنقول لا شك أنه كان تاركاً للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلماً.

والجواب عن الرابع: أنا لا نسلم أن ذلك كان عقوبة إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، بل المراد به المحنة، لكن كثير من المفسرين يذكرون في كل مضرة تفعل لأجل ذنب أنها عقوبة.

والجواب عن الخامس: أن الملامة كانت بسبب ترك الأفضل.

المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف في الظلمات أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله تعالى: ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات  ﴾ وقوله: ﴿ يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات  ﴾ ومنهم من اعتبر أنواعاً مختلفة من الظلمات فإن كان النداء في الليل فهناك ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت، وإن كان في النهار أضيف إليه ظلمة أمعاء الحوت، أو أن حوتاً ابتلع الحوت الذي هو في بطنه، أو لأن الحوت إذا عظم غوصه في قعر البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة، أما قول من قال: إن الحوت الذي ابتلعه غاص في الأرض السابعة فإن ثبت ذلك بخبر فلا كلام، وإن قيل بذلك لكي يقع نداؤه في الظلمات فما قدمناه يغني عن ذلك.

أما قوله: ﴿ أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ ﴾ فالمعنى بأنه لا إله إلا أنت، أو بمعنى أي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له» وعن الحسن: ما نجاه الله تعالى إلا بإقراره عن نفسه بالظلم.

أما قوله سبحانك فهو تنزيه عن كل النقائص ومنها العجز، وهذا يدل على أنه ما كان مراده من قوله: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ أنه ظن العجز، وإنما قال: ﴿ سبحانك ﴾ لأن تقديره سبحانك أن تفعل ذلك جوراً أو شهوة للانتقام، أو عجزاً عن تخليصي عن هذا الحبس، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة.

أما قوله: ﴿ إِنّي كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ فالمعنى ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك، كأنه قال: كنت من الظالمين، وأنا الآن من التائبين النادمين، فاكشف عني المحنة، يدل عليه قوله: ﴿ فاستجبنا لَهُ ﴾ وفيه وجه آخر وهو أنه عليه السلام وصفه بقوله: ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ ﴾ بكمال الربوبية ووصف نفسه بقوله: ﴿ إِنّي كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ بضعف البشرية والقصور في أداء حق الربوبية، وهذا القدر يكفي في السؤال على ما قال المتنبي: وفي النفس حاجات وفيك فطانة *** سكوتي كلام عندها وخطاب وروى عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما أراد الله حبس يونس عليه السلام، أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً» فأخذه وهوى به إلى أسفل البحر، فسمع يونس عليه السلام حساً، فقال في نفسه: ما هذا؟

فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر، قال فسبح، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا مثله.

أما قوله: ﴿ ونجيناه مِنَ الغم ﴾ أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت، وبسبب خطيئته، وكما أنجينا يونس عليه السلام من كرب الحبس إذ دعانا: كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا.

روى سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، ما دعا بها عبد مسلم قط وهو مكروب إلا استجاب الله دعاءه» قال صاحب الكشاف: قرئ ننجي وننجي ونجى والنون لا تدغم في الجيم، ومن تمحل لصحته فجعله فعل وقال: نجى النجاء المؤمنين فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره، ونصب المؤمنين بالنجاء، فتعسف بارد التعسف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ النون ﴾ الحوت، فأضيف إليه.

برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يذكروا وأقاموا على كفرهم، فراغمهم وظنّ أنّ ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضباً لله وأنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم، فابتلي ببطن الحوت.

ومعنى مغاضبته لقومه: أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها.

وقرأ أبو شرف ﴿ مغضباً ﴾ قريء: ﴿ نقدر ﴾ و ﴿ نقدّر ﴾ مخففاً ومثقلاً ويقدر، بالياء بالتخفيف.

ويقدر.

ويقدّر، على البناء للمفعول مخففاً ومثقلاً.

وفسرت بالتضييق عليه، وبتقدير الله عليه عقوبة.

وعن ابن عباس: أنه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك.

قال: وما هي يا معاوية، فقرأ هذه الآية وقال: أو يظن نبيّ الله أن لا يقدر عليه؟

قال: هذا من القدر لامن القدرة.

والمخفف يصح أن يفسر بالقدرة، على معنى: أن لن نعمل فيه قدرتنا، وأن يكون من باب التمثيل، بمعنى: فكانت حاله ممثلة بحال من ظنّ أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه، من غير انتظار لأمر الله.

ويجوز أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان، ثم يردعه ويرده بالبرهان، كما يفعل المؤمن المحقق بنزغات الشيطان وما يوسوس إليه في كل وقت.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا ﴾ [الأحزاب: 10] والخطاب للمؤمنين ﴿ فِى الظلمات ﴾ أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت، كقوله: ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات ﴾ [البقرة: 17] وقوله: ﴿ يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات ﴾ [البقرة: 257] وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل.

وقيل: ابتلع حوتَهُ حوتٌ أكبر منه، فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمة البحر.

﴿ أَنْ ﴾ أي بأنه ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ ﴾ أو بمعنى (أي) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ مكروبٍ يدعَو بهذا الدعاءِ إلا استجيبَ له» وعن الحسن: ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَذا النُّونِ ﴾ وصاحِبَ الحُوتِ يُونُسَ بْنَ مَتّى ﴿ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا ﴾ لِقَوْمِهِ لَمّا بَرِمَ بِطُولِ دَعْوَتِهِمْ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَمادِي إصْرارِهِمْ مُهاجِرًّا عَنْهم، قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ وقِيلَ وعَدَهم بِالعَذابِ فَلَمْ يَأْتِهِمْ لِمِيعادِهِمْ بِتَوْبَتِهِمْ ولَمْ يَعْرِفِ الحالَ فَظَنَّ أنَّهُ كَذَّبَهم وغَضِبَ مِن ذَلِكَ، وهو مِن بِناءِ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِأنَّهُ أغْضَبَهم بِالمُهاجَرَةِ لِخَوْفِهِمْ لُحُوقَ العَذابِ عِنْدَها وقُرِئَ «مُغْضَبًا» .

﴿ فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ أوْ لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالعُقُوبَةِ مِنَ القَدَرِ، ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ مُثَقَّلًا أوْ لَنْ نَعْمَلَ فِيهِ قُدْرَتَنا وقِيلَ هو تَمْثِيلٌ لِحالِهِ بِحالِ مَن ظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ في مُراغَمَتِهِ قَوْمَهُ مِن غَيْرِ انْتِظارٍ لِأمْرِنا، أوْ خَطْرَةٌ شَيْطانِيَّةٌ سَبَقَتْ إلى وهْمِهِ فَسُمِّيَتْ ظَنًّا لِلْمُبالَغَةِ.

وقُرِئَ بِالياءِ وقَرَأ يَعْقُوبُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وقُرِئَ بِهِ مُثَقَّلًا.

﴿ فَنادى في الظُّلُماتِ ﴾ في الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَكاثِفَةِ أوْ ظُلُماتِ بَطْنِ الحُوتِ والبَحْرِ واللَّيْلِ.

﴿ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ ﴾ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلا أنْتَ.

﴿ سُبْحانَكَ ﴾ مِن أنْ يُعْجِزَكَ شَيْءٌ.

﴿ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ لِنَفْسِي بِالمُبادَرَةِ إلى المُهاجَرَةِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما مِن مَكْرُوبٍ يَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ» .

﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ ﴾ بِأنْ قَذَفَهُ الحُوتُ إلى السّاحِلِ بَعْدَ أرْبَعِ ساعاتٍ كانَ في بَطْنِهِ.

وقِيلَ ثَلاثَةُ أيّامِ والغَمُّ غَمُّ الِالتِقامِ وقِيلَ غَمُّ الخَطِيئَةِ.

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ ﴾ مِن غُمُومٍ دَعَوُا اللَّهَ فِيها بِالإخْلاصِ وفي الإمامِ: «نُجِّيَ» ولِذَلِكَ أخْفى الجَماعَةُ النُّونَ الثّانِيَةَ فَإنَّها تُخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى أنَّ أصَّلَهُ نُنَجِّي فَحُذِفَتِ النُّونُ الثّانِيَةُ كَما حُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في ( تَظاهَرُونَ )، وهي وإنْ كانَتْ فاءً فَحَذْفُها أوْقَعُ مِن حَذْفِ حَرْفِ المُضارَعَةِ الَّتِي لِمَعْنى ولا يَقْدَحُ فِيهِ اخْتِلافُ حَرَكَتَيِ النُّونَيْنِ فَإنَّ الدّاعِيَ إلى الحَذْفِ اجْتِماعُ المِثْلَيْنِ مَعَ تَعَذُّرِ الإدْغامِ وامْتِناعُ الحَذْفِ في ﴿ تَتَجافى ﴾ ، لِخَوْفِ اللَّبْسِ.

وقِيلَ هو ماضٍ مَجْهُولٌ أُسْنِدَ إلى ضَمِيرِ المَصْدَرِ وسُكِّنَ آخِرُهُ تَخْفِيفًا ورُدَّ بِأنَّهُ لا يُسْنَدُ إلى المَصْدَرِ والمَفْعُولُ مَذْكُورٌ والماضِي لا يَسَكَّنُ آخِرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَذَا النون} أي اذكر صاحب الحوت والنون الحوت فأضيف إليه {إِذ ذَّهَبَ مغاضبا} حال أي مراغما لقومه ومعن مغاضبته لقومه أن أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها روي أنه برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يتعظوا وأقاموا على كفرهم فراغمهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضباً لله وبغضاً للكفر وأهله وكان عليه ان يصابروا وينتظر الإذن من الله تعالى في المهاجرة عنهم فابتلي ببطن الحوت {فَظَنَّ أَن لَّن نقدر} نضيق {عليه} وعنى ابن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دخل يوماً على معاوية فقال لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك قال وما هي يا معاوية فقرأ الآية فقال أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه قال هذا من القدر لا من القدرة {فنادى فِى الظلمات} أي في الظلمة الشديدة المتكائفة في بطن الحوت كقوله ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وتركهم في ظلمات أو ظلمة الليل والبحر بطن الحوت

{أن} أي بأنه {لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ} أو بمعنى أي {سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين} لنفسي في خروجي من قومي قبل أن تأذن لي في الحديث ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له وعن الحسن ما نجاه الله الا باقراره على نفسه بالظلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وذا النُّونِ ﴾ أيْ واذْكُرْ صاحِبَ الحُوتِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ مَتّى وهو اسْمُ أبِيهِ عَلى ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ وصَحَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ قالَ: ولَمْ أقِفْ في شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ عَلى اتِّصالِ نَسَبِهِ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ في زَمَنِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ مِنَ الفُرْسِ، وقالَ ابْنُ الأثِيرِ كَغَيْرِهِ إنَّهُ اسْمُ أُمِّهِ ولَمْ يُنْسَبْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ إلى أُمِّهِ غَيْرُهُ وغَيْرُ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

واليَهُودُ قالُوا بِما تَقَدَّمَ إلّا أنَّهم سَمَّوْهُ يُونَهَ بْنَ أمِيتايَ، وبَعْضُهم يَقُولُ يُونانُ بْنُ أمافِي، والنُّونُ الحُوتُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ويُجْمَعُ عَلى نِينانٍ كَما في البَحْرِ وأنْوانٍ أيْضًا كَما في القامُوسِ.

﴿ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا ﴾ أيْ غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَمادِي إصْرارِهِمْ مَعَ طُولِ دَعْوَتِهِ إيّاهم، وكانَ ذَهابُهُ هَذا هِجْرَةً عَنْهم لَكِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ.

وقِيلَ: غَضْبانَ عَلى المَلِكِ حَزْقِيلَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ يُونُسُ وقَوْمُهُ يَسْكُنُونَ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى شَعْياءَ النَّبِيِّ أنِ اذْهَبْ إلى حَزْقِيلَ المَلِكِ وقُلْ لَهُ يُوَجِّهُ خَمْسَةً مِنَ الأنْبِياءِ لِقِتالِ هَذا المَلِكِ فَقالَ: أُوَجِّهُ يُونُسَ بْنَ مَتّى فَإنَّهُ قَوِيٌّ أمِينٌ فَدَعاهُ المَلِكُ يَخْرُجُ فَقالَ يُونُسُ: هَلْ أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِإخْراجِي ؟

قالَ: لا قالَ: هَلْ سَمّانِي لَكَ ؟

قالَ: لا فَقالَ يُونُسُ: فَها هُنا أنْبِياءٌ غَيْرِي فَألَحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُغاضِبًا فَأتى بَحْرَ الرُّومِ فَوَجَدَ قَوْمًا هَيَّؤُوا سَفِينَةً فَرَكِبَ مَعَهم فَلَمّا وصَلُوا اللُّجَّةَ تَكَفَّأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ وأشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ فَقالَ المَلّاحُونَ: مَعَنا رَجُلٌ عاصٍ أوْ عَبْدٌ آبِقٌ ومِن رَسْمِنا إذا ابْتُلِينا بِذَلِكَ أنْ نَقْتَرِعَ فَمَن وقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةُ ألْقَيْناهُ في البَحْرِ ولَأنْ يَغْرَقَ أحَدُنا خَيْرٌ مِن أنْ تَغْرَقَ السَّفِينَةُ فاقْتَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ فِيها كُلِّها عَلى يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: أنا الرَّجُلُ العاصِي والعَبْدُ الآبِقُ فَألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ فَجاءَتْ حُوتٌ فابْتَلَعَتْهُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها أنْ لا تُؤْذِيَهُ بِشَعْرَةٍ فَإنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكِ سِجْنًا لَهُ ولَمْ أجْعَلْهُ طَعامًا ثُمَّ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن بَطْنِها ونَبَذَهُ بِالعَراءِ وقَدْ رَقَّ جِلْدُهُ فَأنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى اشْتَدَّ فَلَمّا يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ حَزِنَ عَلَيْها يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: أتَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ ولَمْ تَحْزَنْ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ حَيْثُ لَمْ تَذْهَبْ إلَيْهِمْ ولَمْ تَطْلُبْ راحَتَهم ؟

فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وأمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ فَتَوَجَّهَ نَحْوَهم حَتّى دَخَلَ أرْضَهم وهم مِنهُ غَيْرُ بَعِيدٍ فَأتاهم وقالَ لِمَلِكِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَنِي إلَيْكَ فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ ولَوْ عَلِمْنا عِلْمَنا أنَّكَ صادِقٌ لَفَعَلْنا وقَدْ آتَيْناكم في دِيارِكم وسَبَيْناكم فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ لَمَنَعَنا اللَّهُ تَعالى عَنْكم فَطافَ فِيهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ يَدْعُوهم إلى ذَلِكَ فَأبَوْا عَلَيْهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ قُلْ لَهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جاءَهُمُ العَذابُ فَأبْلَغَهم فَأبَوْا فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِمْ فَلَمّا فَقَدُوهُ نَدِمُوا عَلى فِعْلِهِمْ فانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرُوا أمْرَهم وأمْرَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْعُلَماءِ الَّذِينَ عِنْدَهم فَقالُوا: انْظُرُوا واطْلُبُوهُ في المَدِينَةِ فَإنْ كانَ فِيها فَلَيْسَ كَما ذَكَرَ مِن نُزُولِ العَذابِ وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ فَهو كَما قالَ فَطَلَبُوهُ فَقِيلَ لَهم: إنَّهُ خَرَجَ العَشِيَّةَ فَلَمّا أيِسُوا غَلَّقُوا بابَ مَدِينَتِهِمْ ولَمْ يُدْخِلُوا فِيها دَوابَّهم ولا غَيْرَها وعَزَلُوا كُلَّ واحِدَةٍ عَنْ ولَدِها وكَذا الصِّبْيانَ والأُمَّهاتِ ثُمَّ قامُوا يَنْتَظِرُونَ الصُّبْحَ فَلَمّا انْشَقَّ الصُّبْحُ نَزَلَ العَذابُ مِنَ السَّماءِ فَشَقُّوا جُيُوبَهم ووَضَعَتِ الحَوامِلُ ما في بُطُونِها وصاحَتِ الصِّبْيانُ والدَّوابُّ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى العَذابَ عَنْهم فَبَعَثُوا إلى يُونُسَ حَتّى لَقُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وبَعَثُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وحُكِيَ في هَذِهِ المُغاضَبَةِ كَيْفِيّاتٌ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ يَجِبُ إطْراحُ هَذا القَوْلِ إذْ لا يُناسِبُ ذَلِكَ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ لِمَن قالَ ذَلِكَ مِنَ العُلَماءِ كالحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ التّابِعِينَ.

وابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِمْ لِرَبِّهِ لِأجْلِ رَبِّهِ تَعالى وحِمْيَةً لِدِينِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ لا اللّامُ المُوَصِّلَةُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ انْتَهى.

وكَوْنُ المُرادِ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ مُقْتَضى زَعْمِ اليَهُودِ فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلى نِينَوى ويُنْذِرَ أهْلَها فَهَرَبَ إلى تَرْسِيسَ مِن ذَلِكَ وانْحَدَرَ إلى يافا ونَزَلَ في السَّفِينَةِ فَعَظُمَتِ الأمْواجُ وأشْرَفَتِ السَّفِينَةُ عَلى الغَرَقِ فاقْتَرَعَ أهْلُها فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ فَرَمى بِنَفْسِهِ إلى البَحْرِ فالتَقَمَهُ الحُوتُ ثُمَّ ألْقاهُ وذَهَبَ إلى نِينَوى فَكانَ ما كانَ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الهَرَبِ مِمّا يَجِلُّ عَنْهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واليَهُودُ قَوْمُ بُهْتٍ.

ونَصْبُ ﴿ مُغاضِبًا ﴾ عَلى الحالِ وهو مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي اشْتِراكًا نَحْوُ عاقَبْتُ اللِّصَّ وسافَرْتُ، وكَأنَّهُ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ هُنا لِلْمُبالَغَةِ وقِيلَ المُفاعَلَةُ عَلى ظاهِرِها فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَضِبَ عَلى قَوْمِهِ لِكُفْرِهِمْ وهم غَضِبُوا عَلَيْهِ بِالذَّهابِ لِخَوْفِهِمْ لُحُوقَ العَذابِ.

وقَرَأ أبُو سَرَفٍ (مُغْضَبًا ) اسْمُ مَفْعُولٍ ﴿ فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ أيْ إنَّهُ أيِ الشَّأْنُ لَنْ نَقْدِرَ ونَقْضِيَ عَلَيْهِ بِعُقُوبَةٍ ونَحْوِها أوْ لَنْ نَضِيقَ عَلَيْهِ في أمْرِهِ بِحَبْسٍ ونَحْوِهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ والزُّهْرِيِّ ( نُقَدِّرَ ) بِالنُّونِ مَضْمُومَةً وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً، وقِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

واليَمانِيِّ ( يُقَدِّرَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ والدّالُ مُشَدَّدَةٌ فَإنَّ الفِعْلَ فِيهِما مِنَ التَّقْدِيرِ بِمَعْنى القَضاءِ والحُكْمِ كَما هو المَشْهُورُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّضَيُّقِ فَإنَّهُ ورَدَ بِهَذا المَعْنى أيْضًا كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، وظَنَّ مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مِنَ القُدْرَةِ فاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ إذْ لا يَظُنُّ أحَدٌ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وفَزِعَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَأجابَهُ بِما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ وتَكُونَ مَجازًا عَنْ أعْمالِها أيْ فَظَنَّ أنْ لَنْ نُعْمِلَ قُدْرَتَنا فِيهِ أوْ يَكُونُ الكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ أيْ فَعَلَ فِعْلَ مَن ظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ في مُراغَمَتِهِ قَوْمَهُ مِن غَيْرِ انْتِظارٍ لِأمْرِنا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَسْبِقَ ذَلِكَ إلى وهْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ثُمَّ يَرْدَعُهُ ويَرُدُّ بِالبُرْهانِ كَما يَفْعَلُ المُؤْمِنُ المُحَقِّقُ نَزَعاتِ الشَّيْطانِ وما يُوَسْوِسُ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ، ومِنهُ ﴿ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا  ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ مِثْلَهُ عَنِ المُؤْمِنِ بَعِيدٌ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ المَعْصُومِ لِأنَّهُ كُفْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( تَظُنُّونَ ) إلَخْ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى أنَّهُ شامِلٌ لِلْخُلَّصِ وغَيْرِهِمْ، وبِأنَّ ما هَجَسَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ لا يُسَمّى ظَنًّا، وبِأنَّ الخَواطِرَ لا عَتَبَ عَلَيْها، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ حامِلَهُ عَلى الخُرُوجِ لَمْ يَكُنْ مِن قَبِيلِ الوَسْوَسَةِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى الهَجْسِ في الخاطِرِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ والعَتَبُ عَلى ذَهابِهِ مُغاضِبًا ولا وجْهَ لِجَعْلِهِ حامِلًا عَلى الخُرُوجِ ومَعَ هَذا هو وجْهٌ لا وجاهَةَ لَهُ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى وأبُو سَرَفَ والكَلْبِيُّ وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ ( يُقَدَرَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ مُخَفَّفًا، وعِيسى والحَسَنُ بِالياءِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الدّالِ.

﴿ فَنادى ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَكانَ ما كانَ مِنَ المُساهَمَةِ والتِقامِ الحُوتِ فَنادى ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ أيْ في الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَكاثِفَةِ في بَطْنِ الحُوتِ جَعَلَتِ الظُّلْمَةَ لِشِدَّتِها كَأنَّها ظُلُماتٌ، وأنْشَدَ السِّيرافِيُّ: ولَيْلٍ تَقُولُ النّاسُ في ظُلُماتِهِ سَواءٌ صَحِيحاتُ العُيُونِ وعُورُها أوِ الجَمْعُ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ ظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: ابْتَلَعَ حُوتَهُ حُوتٌ أكْبَرُ مِنهُ فَحَصَلَ في ظُلْمَتِي بَطْنَيِ الحُوتَيْنِ وظُلْمَتَيِ البَحْرِ واللَّيْلِ ﴿ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ ﴾ أيْ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّ أنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ والجارَّ مُقَدَّرٌ وضَمِيرَ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أوْ أيْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ أيْ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا لائِقًا بِكَ مِن أنْ يُعْجِزَكَ شَيْءٌ أوْ أنْ يَكُونَ ابْتِلائِي بِهَذا مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِن جِهَتِي ﴿ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِهِمْ لِلْهَلَكَةِ حَيْثُ بادَرْتُ إلى المُهاجَرَةِ مِن غَيْرِ أمْرٍ عَلى خِلافِ مُعْتادِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَنْبِهِ وإظْهارٌ لِتَوْبَتِهِ لِيُفَرِّجَ عَنْهُ كُرْبَتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَذَا النُّونِ، يعني: واذكر ذا النون، يعني: ذا السمكة.

وهو يونس بن متى  إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً، يعني: مصارعاً من قومه.

ويقال: كان ضيق الصدر سريع الغضب، وذلك أنه لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ إلى الله تعالى، كذبوه فأخبرهم بأن العذاب نازل بهم، فأتاهم العذاب، فأخلصوا لله تعالى بالدعاء، فصرف عنهم.

وكان يونس  اعتزلهم ينتظر هلاكهم، فسأل بعض من مر عليه من أهل تلك المدينة، فلما علم أنهم لم يهلكوا، أنف أن يرجع إليهم مخافة أن ينسب إلى الكذب وَيُعَيَّرَ به، وذَهَبَ مُغاضِباً، يعني: أنفاً.

قال القتبي: غضب وأنف بمعنى واحد لقربهما.

وقال بعضهم: إنما غضب على الملك.

وذلك أن ملكاً من الملوك، يقال له ابن تغلب، غزا بني إسرائيل فسبى منهم تسعة أسباط ونصف، فلمّا ذهب أيام عقوبتهم، يعني عقوبة بني إسرائيل، ونزل أيام عافيتهم، أوحى الله عَزَّ وَجَلَّ إلَى نبي من أنبياء بني إسرائيل، يسمَّى شعياء أن ائت إلى حزقيا الملك فأخبره بذلك، فدعا الملك يونس بن متى، وأمره بأن يخرج، فأبى أن يخرج وقال: إن في بني إسرائيل أنبياء أقوياء غيري، فعزم عليه الملك ليخرج فخرج وهو كاره، فغضب على الملك.

فوجد قوماً قد شحنوا سفينتهم، فقال لهم: أتحملونني معكم؟

فعرفوه فحملوه.

فلما شحنت السفينة بهم وأسرعت في البحر، انكفأت بهم وغرقت، فقال ملاحوها: يا هؤلاء إن فيكم رجلاً عاصياً، لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح إلا وفيكم رجل عاصٍ، فاقترعوا، فخرج سهم يونس  فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله تعالى.

ثم أعادوا الثانية والثالثة، فخرج سهم يونس، فقال: يا هؤلاء، أنا والله العاصي.

قال: فتلفف في كسائه وقام على رأس السفينة، فرمى بنفسه في البحر فابتلعته السمكة فذلك قوله تعالى: إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يعني: لن نقضي عليه بالعقوبة، ويقال: إن ذنبه لم يبلغ مبلغ الذي نقدر عليه العقوبة، ويقال: ظن أنا لن نضيق عليه الحبس، كقوله: فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر: 16] أي ضيق.

وقرأ بعضهم: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ بالتشديد، فهو من التقدير، وقراءة العامة بالتخفيف.

فَنادى فِي الظُّلُماتِ، يعني: في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت: أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، أي ليس أحد له سجن كسجنك.

سُبْحانَكَ إني تبت إليك.

إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لنفسي.

قال الله عزّ وجلّ: فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ، يعني: غم الماء في بطن الحوت، ويقال: من غم الذنب وقد بقي في بطن الحوت أربعين يوماً، ويقال: أقل من ذلك.

ثم قال: وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر في إحدى الروايتين نجي المؤمنين بنون واحدة وتشديد الجيم.

وقال الزجاج: هو لحن، لأن فعل ما لم يسم فاعله لا يكون بغير فاعل وإنما كتب في المصحف بنون واحدة، لأن الثانية تخفى مع الجيم.

وقال أبو عبيد: والذي عندنا أنه ليس بلحن، وله مخرجان في العربية: أحدهما: أنه يريد نُنَجّى مشددة كقوله: وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ ثم يدغم النون الثانية في الجيم والآخر: معناه نجِّي نجاة المؤمنين.

قال: هذه القراءة أحب إلي، لأن المصاحف كلها كتبت بنون واحدة، وهكذا رأيت في مصحف الإمام عثمان  وقرأ الباقون نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ بنونين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في إهلاك مال أيوبَ، وفي إهلاك بنيه وقرابته، ففعل ذلك أجمع، واللَّه أعلم بصحة ذلك، ولو صَحَّ لوجب تأويله.

وقوله سبحانه: وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ، أي: وتذكرة وموعظة للمؤمنين، ولا يعبد الله إلّا مؤمن.

وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)

وقوله سبحانه: وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ المعنى: واذكر إسماعيلَ، وقوله سبحانه:

وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً التقدير واذكر ذا النون، قال السُّهَيْلِيُّ: لما ذكر اللَّه تعالى يُونُسَ هنا في معرض الثناء، قال: وَذَا النُّونِ، وقال في الآية الأخرى: وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [القلم: ٤٨] / والمعنى واحدٌ، ولكن بين اللفظين تفاوتٌ كثير في حسن ١٩ ب الإشارة إلى الحالتين، وتنزيلُ الكلام في الموضعين والإضافة بذي أشرف من الإضافة بصاحب لأنَّ قولك «١» : ذو يضاف بها إلى التابع، وصاحبُ يُضَافُ بها إلى المتبوع.

انتهى.

والنون: الحوتُ، والصاحب: يونس بن متى- عليه السلام- وهو نبيٌّ من أهل نَيْنَوَى.

وقوله: مُغاضِباً قيل: إنَّهُ غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وَتَعَنُّتُهُمْ، فذهب فارّاً بنفسه، وقد كان اللَّه تعالى أمره بملازمتهم والصبرِ على دعائهم، فكان ذلك ذَنْبَه، أي: في خروجه عن قومه بغير إذن ربه.

قال عِيَاض: والصحيح في قوله تعالى: إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً أَنَّهُ مُغَاضِبٌ لقومه لكفرهم، وهو قول ابن عباس، والضَّحَّاكِ «٢» وغيرهما، لا لربه إذْ مغاضبة اللَّه تعالى معاداة له، ومعاداةُ اللَّه كفر لا يليق بالمؤمنين، فكيف بالأنبياء- عليهم السلام-؟!

وفرار

يونس عليه السلام خشيةَ تكذيب قومه بما وعدهم به من العذاب.

وقوله سبحانه: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ معناه: أَنْ لن نضيق عليه، وقيل: معناه:

نقدر عليه ما أصابه، وقد قُرِىء «نقَدِّرَ» عليه بالتشديد «١» ، وذلك، كما قيل لحسن ظَنِّهِ بربه:

أَنه لا يقضى عليه بعقوبة، وقال عياض في موضع آخر: وليس في قصة يونس عليه السلام نَصٌّ على ذنب، وإنما فيها أَبَقَ وذهب مغاضباً، وقد تكلمنا عليه، وقيل: إنما نقم الله- تعالى- عليه خروجه عن قومه، فارّا من نزول العذاب.

وقيل: بل لَمَّا وعدهم العذابَ، ثم عفا اللَّه عنهم، قال: واللَّهِ لا ألقاهم بوجه كذَّابٍ أبداً، وهذا كله ليس فيه نَصٌّ على معصية.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ.

قالت فرقة: معناه: أن لن نضيق عليه في مذهبه من قوله تعالى: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦] ، وقرأ الزُّهْرِيُّ:

«نُقَدِّرُ» «٢» بضم النون، وفتح القاف، وشَدِّ الدال، ونحوه عن الحسن.

وروي: أَنَّ يونس عليه السلام سجد في جوفِ الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر.

وقوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ: يريد فيما خالف فيه من ترك ملازمة قومه والصبر عليهم، هذا أحسن الوجوه، فاستجاب اللَّه له.

ت وليس في هذه الكلمة ما يَدُلُّ أَنَّهُ اعترف بذنب، كما أشار إليه بعضهم، وفي الحديث الصحيح: «دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ، في بَطْنِ الْحُوتِ: لاَ إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، مَا دَعَا بِهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ- أَوْ قَالَ: مُسْلِمٌ-، إلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ» «٣»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذا النُّونِ ﴾ يَعْنِي: يُونُسَ بْنَ مَتّى.

والنُّونُ: السَّمَكَةُ، أُضِيفَ إلَيْها لِابْتِلاعِها إيّاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُغاضَبَةُ: مُفاعَلَةٌ، وأكْثَرُ المُفاعَلَةِ مِنِ اثْنَيْنِ، كالمُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ والمُخاصَمَةِ، ورُبَّما تَكُونُ مِن واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: سافَرْتُ وشارَفْتُ الأمْرَ، وهي هاهُنا مِن هَذا البابِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( مُغْضَبًا ) بِإسْكانِ الغَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

واخْتَلَفُوا في مُغاضَبَتِهِ لِمَن كانَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ غَضِبَ عَلى قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

وفي سَبَبِ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى نَبِيٍّ يُقالُ لَهُ: شَعْيا: أنِ ائْتِ فُلانًا المَلِكَ، فَقُلْ لَهُ: يَبْعَثُ نَبِيًّا أمِينًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ قَدْ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ مَلِكٌ وسَبى مِنهُمُ الكَثِيرَ، فَأرادَ النَّبِيُّ والمَلِكُ أنْ يَبْعَثا يُونُسَ إلى ذَلِكَ المَلِكِ لِيُكَلِّمَهُ حَتّى يُرْسِلَهم، فَقالَ يُونُسُ لِشَعْيا: هَلْ أمَرَكَ اللَّهُ بِإخْراجِي ؟

قالَ: لا.

قالَ: فَهَلْ سَمّانِي لَكَ ؟

قالَ: لا.

قالَ: فَهاهُنا غَيْرِي مِنَ الأنْبِياءِ، فَألَحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُغاضِبًا لِلنَّبِيِّ والمَلِكِ ولِقَوْمِهِ، هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ زِدْناهُ شَرْحًا في ( يُونُسَ: ٩٨ ) .

والثّانِي: أنَّهُ عانى مِن قَوْمِهِ أمْرًا صَعْبًا مِنَ الأذى والتَّكْذِيبِ، فَخَرَجَ عَنْهم قَبْلَ أنْ يُؤْمِنُوا ضَجَرًا، وما ظَنَّ أنَّ هَذا الفِعْلَ يُوجِبُ عَلَيْهِ ما جَرى مِنَ العُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: لَمّا حُمِلَتْ عَلَيْهِ أثْقالُ النُّبُوَّةِ، ضاقَ بِها ذَرْعًا ولَمْ يَصْبِرْ، فَقَذَفَها مِن يَدِهِ وخَرَجَ هارِبًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا أوْعَدَهُمُ العَذابَ فَتابُوا ورِفِعَ عَنْهم، قِيلَ لَهُ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فَقالَ: كَيْفَ أرْجِعُ فَيَجِدُونِي كاذِبًا ؟

فانْصَرَفَ مُغاضِبًا لِقَوْمِهِ عاتِبًا عَلى رَبِّهِ.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في ( يُونُسَ: ٩٨ ) .

والثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيُّ، وعُرْوَةُ.

وقالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: المَعْنى: مُغاضِبًا مِن أجْلِ رَبِّهِ، وإنَّما غَضِبَ لِأجْلِ تَمَرُّدِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَ مَغِيظًا عَلَيْهِمْ لِطُولِ ما عاناهُ مِن تَكْذِيبِهِمْ، مُشْتَهِيًا أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِهِمْ، فَعاقَبَهُ اللَّهُ عَلى كَراهِيَتِهِ العَفْوَ عَنْ قَوْمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ( يُقَدَّرَ ) بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وفَتْحِها.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي لَيْلى: ( يُقْدَرَ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ مَعَ سُكُونِ القافِ وتَخْفِيفِ الدّالِ وفَتْحِها.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَقْدِرَ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الدّالِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( نُقَدِّرَ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِها.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنْ لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالعُقُوبَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: فَظَنَّ أنْ لَنْ نُقَدِّرَ عَلَيْهِ ما قَدَّرْنا مِنَ العُقُوبَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدَرَ بِمَعْنى: قَدَّرَ، قالَ أبُو صَخْرٍ: ولا عائِدًا ذاكَ الزَّمانُ الَّذِي مَضى تَبارَكْتَ ما تَقْدِرْ يَكُنْ ولَكَ الشُّكْرُ أرادَ: ما تُقَدِّرْ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: فَظَنَّ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: فُلانٌ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِ، ومُقَتَّرٌ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ  ﴾ ؛ أيْ: ضَيَّقَ عَلَيْهِ فِيهِ.

قالَ النِّقاشُ: والمَعْنى: فَظَنَّ أنْ لَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ الخُرُوجَ، فَكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّ اللَّهَ قَدْ وسَّعَ لَهُ، إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَ، وإنْ شاءَ أنْ يَخْرُجَ، ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في الخُرُوجِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: فَظَنَّ أنَّهُ يُعْجِزُ رَبَّهُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ !

رَواهُ عَوْفٌ عَنِ الحَسَنِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: المَعْنى: أفَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ؛ فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ اسْتِفْهامًا قَدْ حُذِفَتْ ألِفُهُ، وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ القُدْرَةِ، ولا يُتَصَوَّرُ إلّا مَعَ تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهامِ، ولا أعْلَمَ لَهُ وجْهًا إلّا أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ، تَقْدِيرُهُ: ما ظَنَّ عَجْزَنا، فَأيْنَ يَهْرُبُ مِنّا ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنادى في الظُّلُماتِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ظُلْمَةُ البَحْرِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ، وظُلْمَةُ اللَّيْلِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّ حُوتًا جاءَ فابْتَلَعَ الحُوتَ الَّذِي هو في بَطْنِهِ، فَنادى في ظُلْمَةِ حُوتٍ، ثُمَّ في ظُلْمَةِ حُوتٍ، ثُمَّ في ظُلْمَةِ البَحْرِ، قالَهُ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ.

والثّالِثُ: أنَّها ظُلْمَةُ الماءِ، وظُلْمَةُ مِعى السَّمَكَةِ، وظُلْمَةُ بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقَدْ رَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُها مَكْرُوبٌ إلّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ، كَلِمَةَ أخِي يُونُسَ: فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ "» .

قالَ الحَسَنُ: وهَذا اعْتِرافٌ [ مِن ] يُونُسَ بِذَنْبِهِ وتَوْبَةٌ مِن خَطِيئَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ﴾ ؛ أيْ: أجَبْناهُ، ﴿ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ ﴾ ؛ أيْ: مِنَ الظُّلُماتِ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ ﴾ إذا دَعُونا.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ( نُجِّي المُؤْمِنِينَ ) بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةِ الجِيمِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَحْنٌ لا وجْهَ لَهُ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: غَلِطَ الرّاوِي عَنْ عاصِمٍ، ويَدُلُّ عَلى هَذا إسْكانُهُ الياءَ مِن ( نُجِّي ) ونَصْبُ ( المُؤْمِنِينَ )، ولَوْ كانَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ما سَكَّنَ الياءَ، ولَرَفَعَ ( المُؤْمِنِينَ ) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَذا النُونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ ﴾ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ ذا النُونِ، والنُونُ: الحُوتُ، وصاحِبُهُ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، ونُسِبَ إلى الحُوتِ الَّذِي التَقَمَهُ عَلى الحالَةِ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُها في مَوْضِعِها الَّذِي يَقْتَضِيهِ، وهو نَبِيُّ أهْلِ نِينَوى، وهَذا هو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ  : «مَن قالَ أنّا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى فَقَدْ كَذَبَ»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى»، وهَذا الحَدِيثُ وقَوْلُهُ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى مُوسى» يُتَوَهَّمُ أنَّهُما يُعارِضانِ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى المِنبَرِ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ».

والِانْفِصالُ عن هَذا بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما ذِكْرُهُ الناسَ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ» يَتَأخَّرُ في التارِيخِ، وأنَّها مَنزِلَةٌ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِها لَمْ يَكُنْ عَلِمَها وقْتَ تِلْكَ المَقالاتِ الأُخَرِ، والوَجْهُ الثانِي وهو عِنْدِي أجْرى مَعَ حالِ النَبِيِّ  ، أنَّهُ إنَّما نُهِيَ عَنِ التَفْضِيلِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ مَذْكُورَيْنِ وذَهَبَ مَذْهَبَ التَواضُعِ ولَمْ يَزَلْ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ، ولَكِنَّهُ نَهى أنْ يُفَضَّلَ عَلى مُوسى كَراهَةَ أنْ يَغْضَبَ لِذَلِكَ اليَهُودُ فَيَزِيدُ نِفارَها عَنِ الإيمانِ، وسَبَبُ الحَدِيثِ يَقْتَضِي هَذا، وذَلِكَ أنْ يَهُودِيًّا قالَ: لا والَّذِي فَضَّلَ مُوسى عَلى العالَمِينَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: أتَقُولُ هَذا ورَسُولُ اللهِ  بَيْنَ أظْهَرْنا؟

١٤ فُسَرى الأمْرُ وارْتَفَعَ إلى النَبِيِّ  فَنَهى عن تَفْضِيلِهِ عَلى مُوسى، ونَهى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن تَفْضِيلِهِ عَلى يُونُسَ لِئَلا يَظُنَّ أحَدٌ بِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ نَقْصَ فَضِيلَةٍ بِسَبَبِ ما وقَعَ لَهُ، فَنَهْيُهُ  عَنِ التَفْضِيلِ عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في حَدِيثٍ ثالِثٍ: «لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ».

وهَذا كُلُّهُ مَعَ قَوْلِهِ: «أنا سَيْدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرٍ» وإطْلاقُ الفَضْلِ لَهُ دُونَ اقْتِرانٍ بِأحَدٍ بَيِّنٌ صَحِيحٌ.

وتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ يَلُوحُ، فَقَدْ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِلْحُطَيْئَةِ: امْدَحْ مَمْدُوحَكَ ولا تُفَضِّلْ بَعْضَ الناسِ عَلى بَعْضٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَفْظَةُ "سَيِّدٍ" ولَفْظَةُ "خَيْرٍ" سِيّانِ، فَهَذا مَبْدَأُ جَمْعٍ آخَرَ بَيْنَ الأحادِيثِ يُذْهِبُ ما يُظَنُّ مِنَ التَعارُضِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُغاضِبًا"، قِيلَ: إنَّهُ غاضَبَ قَوْمَهُ حِينَ طالَ عَلَيْهِ أمْرُهم وتَعَنُّتُهم فَذَهَبَ فارًّا بِنَفْسِهِ، وقَدْ كانَ اللهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُلازَمَتِهِمْ والصَبْرِ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ ذَنْبُهُ في مُخالَفَةِ هَذا الأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ شابًّا فَلَمْ يَحْتَمِلْ أثْقالَ النُبُوَّةِ وتَفَسَّخَ تَحْتَها كَما يَتَفَسَّخُ الرُبَعُ تَحْتَ الحِمْلِ، ولِهَذا قِيلَ لِلنَّبِيِّ  : ﴿ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ  ﴾ أيْ: فاصْبِرْ ودُمْ عَلى الشَقاءِ بِقَوْمِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غاضَبَ المَلِكَ الَّذِي كانَ عَلى قَوْمِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوٌ مِنَ الأوَّلِ فِيما يَلْحَقُ مِنهُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: إنَّما ذَهَبَ مُغاضِبًا رَبَّهُ واسْتَفَزَّهُ إبْلِيسُ، ورَوَوْا في ذَلِكَ أنْ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا طالَ عَلَيْهِ أمْرُ قَوْمِهِ طَلَبَ مِنَ اللهِ عَذابَهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ العَذابَ يَجِيئُهم يَوْمَ كَذا، فَأخْبَرَهم يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ بِذَلِكَ، فَقالُوا: إنْ رَحَلَ عَنّا فالعَذابُ نازِلٌ، وإنْ أقامَ بَيْنَنا لَمْ نُبالِ، فَلَمّا كانَ سَحَرَ ذَلِكَ اليَوْمِ قامَ يُونُسُ فَرَحَلَ فَأيْقَنُوا بِالعَذابِ فَخَرَجُوا بِأجْمَعِهِمْ إلى البَرازِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ صِغارِ البَهائِمْ وأُمَّهاتِها وتَضَرَّعُوا وتابُوا فَرَفَعَ اللهُ عنهُمُ العَذابَ، وبَقِيَ يُونُسُ في مَوْضِعِهِ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ يَنْتَظِرُ الخَبَرَ، فَلَمّا عَرَفَ أنَّهم لَمْ يُعَذَّبُوا ساءَهُ أنْ عَدُّوهُ كاذِبًا، وقالَ: واللهِ لا انْصَرَفْتُ إلَيْهِمْ أبَدًا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مِن دِينِهِمْ قَتْلُ الكَذّابِ، فَغَضِبَ حِينَئِذٍ عَلى رَبِّهِ وخَرَجَ عَلى وجْهِهِ حَتّى دَخَلَ في سَفِينَةٍ في البَحْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القَوْلِ مِنَ الضَعْفِ ما لا خَفاءَ بِهِ مِمّا لا يُتَّصَفُ بِهِ نَبِيٌّ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَفَزَّهُ إبْلِيسُ ووَقَّعَ في ظَنِّهِ إمْكانَ أنْ لَنْ يَقْدِرَ اللهُ عَلَيْهِ بِمُعاقَبَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى: " ظَن أن له نقدر عليه " أنْ لَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ في مَذْهَبِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: " يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر "، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ القَدَرِ، أيْ ظَنَّ أنْ لَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِعُقُوبَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكَلامُ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: أفَظَنَ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ؟

وحَكى مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: "أفَظَنَّ" بِالألِفِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "نُقَدِّرَ" بِضَمِّ النُونِ وفَتْحِ القافِ وشَدِّ الدالِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَظَنَّ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ"، وعنهُ أيْضًا: "نَقْدِرَ"، وبَعْدَ هَذا الكَلامِ حَذَفٌ كَثِيرٌ اقْتُضِبَ لِبَيانِهِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

المَعْنى: فَدَخَلَ البَحْرَ وكَذا وكَذا حَتّى التَقَمَهُ الحُوتُ وصارَ في ظُلْمَةِ جَوْفِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في جَمْعِ "الظُلُماتِ" ما المُرادُ بِهِ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ظُلْمَةُ اللَيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ، وظُلْمَةُ الحُوتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ظُلْمَةُ البَحْرِ، وظُلْمَةُ حُوتٍ التَقَمَ الحُوتَ الأوَّلَ، وظُلْمَةُ الحُوتِ الأوَّلِ الَّذِي التَقَمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يُعَبَّرَ بِالظُلُماتِ عن جَوْفِ الحُوتِ الأوَّلِ فَقَطْ، كَما قالَ: ﴿ فِي غَيابَتِ الجُبِّ  ﴾ ، وكُلُّ جِهاتِهِ ظُلْمَةٌ فَجَمْعُها سائِغٌ، ورُوِيَ أنْ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ سَجَدَ في جَوْفِ الحُوتِ حِينَ سَمِعَ تَسْبِيحَ الحِيتانِ في قَعْرِ البَحْرِ، ثُمْ قالَ في دُعائِهِ: "اللهم إنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ لَكَ مَسْجِدًا في مَوْضِعٍ لَمْ يَتَّخِذْهُ أحَدٌ قَبْلِي".

و"أنْ" مُفَسِّرَةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: "أنِ امْشُوا"، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَوْلُهُ: "مِنَ الظالِمِينَ" يُرِيدُ فِيما خالَفَ فِيهِ مِن تَرْكِ مُداوَمَةِ قَوْمِهِ والصَبْرِ عَلَيْهِمْ، هَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ غَيْرِهِ، فاسْتَجابَ اللهُ لَهُ وأخْرَجَهُ إلى البَرِّ، ووَصْفُ هَذا يَأْتِي في مَوْضِعِهِ.

و"الغَمُّ" ما كانَ نالَهُ حِينَ التَقَمَهُ الحُوتُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نُنْجِي" بِنُونَيْنِ الثانِيَةُ ساكِنَةٌ، وقَرَأ عاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "نُجِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وشَدِّ الجِيمِ، ورُوَيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نُنَجِّي" بِنُونَيْنِ الأُولى مَضْمُومَةٌ والثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ والجِيمُ مُشَدَّدَةٌ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى والثالِثَةُ فَبَيِّنَتانِ، والأُولى فِعْلُها مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ، والأُخْرى بِالتَضْعِيفِ، وأمّا القِراءَةُ الوُسْطى الَّتِي هي بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ وياءٍ ساكِنَةٍ فَقالَ أبُو عَلَيٍّ: لا وجْهَ لَها، وإنَّما هي وهْمٌ مِنَ السامِعِ، وذَلِكَ أنَّ عاصِمًا قَرَأ: "نُنْجِي" والنُونُ الثانِيَةُ لا يَجُوزُ إظْهارُها لِأنَّها تُخْفى مَعَ هَذِهِ الحُرُوفِ، يَعْنِي الجِيمَ وما جَرىَ مَجْراها، فَجاءَ الإخْفاءُ يُشْبِهُها بِالإدْغامِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ "نُنْجِي" ثُمْ يَدَعُو اجْتِماعُ النُونَيْنِ إلى إدْغامِ إحْداهِما في الجِيمِ؛ لِأنَّ اجْتِماعَ المِثْلَيْنِ إنَّما يَدْعُو إلى ذَلِكَ إذا كانَتِ الحَرَكَةُ فِيهِما مُتَّفِقَةً، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ "نُنَجِّي" وتُسَكَّنُ الياءُ ويَكُونُ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَّمَ فاعِلُهُ المَصْدَرَ، كَأنَّهُ قالَ: نُجِّيَ النَجاءُ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ هَذِهِ لا تَجِيءُ إلّا في ضَرُورَةٍ، فَلَيْسَتْ في كِتابِ اللهِ تَعالى، والشاهِدُ فِيها قَوْلُ الشاعِرِ: ولَوْ ولَدَتْ قُفَيْرَةُ جَرْوَ كَلْبٍ لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلابا وأيْضًا فَإنَّ الفِعْلَ الَّذِي بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ إذا كانَ ماضِيًا لَمْ يُسَكَّنْ آخِرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَصاحِفُ فِيها نُونٌ واحِدَةٌ كُتِبَتْ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ النُونُ الثانِيَةُ مَخْفِيَّةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ وذا الكفل ﴾ [الأنبياء: 85].

وذكر ذي النون في جملة من خُصّوا بالذكر من الأنبياء لأجل ما في قصته من الآيات في الالتجاء إلى الله والندم على ما صدر منه من الجزع واستجابة الله تعالى له.

و (ذو النون) وصفٌ، أي صاحب الحوت.

لقب به يونس بن متَى عليه السلام.

وتقدمت ترجمته في سورة الأنعام وتقدمت قصته مع قومه في سورة يونس.

وذهابُه مغاضباً قيل خروجه غضبان من قومه أهل (نينَوى) إذْ أبَوا أن يؤمنوا بما أرسل إليهم به وهم غاضبون من دعوته، فالمغاضبة مفاعلة.

وهذا مقتضى المروي عن ابن عباس.

وقيل: إنه أوحي إليه أن العذاب نازل بهم بعد مدة فلما أشرفت المدّة على الانقضاء آمنوا فخرج غضبانَ من عدم تحقق ما أنذرهم به، فالمغاضبة حينئذ للمبالغة في الغضب لأنه غَضب غريب.

وهذا مقتضى المروي عن ابن مسعود والحسن والشعبي وسعيد بن جبير، وروي عن ابن عباس أيضاً واختاره ابن جرير.

والوجه أن يكون ﴿ مغاضباً ﴾ حالاً مراداً بها التشبيه، أي خرج كالمغاضب.

وسيأتي تفصيل هذا المعنى في سورة الصافات.

وقوله تعالى: ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ يقتضي أنه خرج خروجاً غير مأذون له فيه من الله.

ظن أنه إذا ابتعد عن المدينة المرسل هو إليها يرسل الله غيره إليهم.

وقد روي عن ابن عباس أن (حزقيال) ملكَ إسرائيل كان في زمنه خمسةُ أنبياء منهم يونس، فاختاره الملِك ليذهب إلى أهل (نينوَى) لدعوتهم فأبى وقال: ههنا أنبياء غيري وخرج مغاضباً للملِك.

وهذا بعيد من القرآن في آيات أخرى ومن كتب بني إسرائيل.

ومحلّ العبرة من الآية لا يتوقف على تعيين القصة.

ومعنى ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ قيل نقدر مضارع قَدَر عليه أمراً بمعنى ضيّق كقوله تعالى: ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ [الرعد: 26] وقوله تعالى: ﴿ ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ﴾ [الطلاق: 7]، أي ظن أن لن نضيّق عليه تَحْتيم الإقامة مع القوم الذين أرسل إليهم أو تحتيم قيامه بتبليغ الرسالة، وأنه إذا خرج من ذلك المكان سقطَ تعلق تكليف التبليغ عنه اجتهاداً منه، فعوتب بما حلّ به إذ كان عليه أن يستعلم ربه عما يريد فعله.

وفي «الكشاف»: أن ابن عباس دخل على معاوية فقال له معاويةُ: «لقد ضربتني أمواجُ القرآن البارحة فغرِقت فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك.

قال: وما هي؟

فقرأ معاوية هذه الآية وقال: أو يظن نبيءُ الله أن الله لا يقدر عليه؟

قال ابن عباس: هذا من القَدرْ لا من القُدرة».

يعني التضييق عليه.

وقيل ﴿ نقدر ﴾ هنا بمعنى نحكم مأخوذ من القُدرة، أي ظن أن لن نؤاخذه بخروجه من بين قومه دون إذننٍ.

ونقل هذا عن مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وهو رواية عن ابن عباس واختاره الفرّاء والزجاج.

وعلى هذا يكون يونس اجتهد وأخطأ.

وعلى هذا الوجه فالتفريع تفريع خُطور هذا الظن في نفسه بعد أن كان الخروج منه بادرةً بدافع الغضب عن غير تأمل في لوازمه وعواقبه، قالوا: وكان في طبعه ضيق الصدر.

وقيل معنى الكلام على الاستفهام حذفت همزته.

والتقدير: أفظن أن لن نقدر عليه؟

ونسب إلى سليمان بن المعتمر أو أبي المعتمر.

قال منذر بن سعيد في «تفسيره»: وقد قرئ به.

وعندي فيه تأويلان آخران وهما: أنه ظن وهو في جوف الحوت أن الله غير مخلصه في بطن الحوت لأنه رأى ذلك مستحيلاً عادة، وعلى هذا يكون التعقيب بحسب الواقعة، أي ظن بعد أن ابتلعَه الحوت.

وأما نداؤه ربه فذلك توبة صدرت منه عن تقصيره أو عجلته أو خطأ اجتهاده، ولذلك قال: ﴿ إني كنت من الظالمين ﴾ مبالغة في اعترافه بظلم نفسه، فأسند إليه فعل الكون الدال على رسوخ الوصف، وجعل الخبر أنه واحد من فريق الظالمين وهو أدل على أرسخية الوصف، أو أنه ظن بحسب الأسباب المعتادة أنه يهاجر من دار قومه، ولم يظن أن الله يعوقه عن ذلك إذ لم يسبق إليه وحي من الله.

و ﴿ إني ﴾ مفسرة لفعل } وتقديمه الاعتراف بالتوحيد مع التسبيح كنّى به عن انفراد الله تعالى بالتدبير وقدرته على كل شيء.

والظلمات: جمع ظلمة.

والمراد ظلمة الليل، وظلمة قعر البحر، وظلمة بطن الحوت.

وقيل: الظلمات مبالغة في شدة الظلمة كقوله تعالى: ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ [البقرة: 257].

وقد تقدم أنا نظن أن «الظلمة» لم ترد مفردة في القرآن.

والاستجابة: مبالغة في الإجابة.

وهي إجابة توبته مما فرط منه.

والإنجاء وقع حين الاستجابة إذ الصحيح أنه ما بقي في بطن الحوت إلا ساعة قليلة، وعطف بالواو هنا بخلاف عطف ﴿ فكشفْنا ﴾ على ﴿ فاستجبنا ﴾ وإنجاؤه هو بتقدير وتكوين في مزاج الحوت حتى خرج الحوت إلى قرب الشاطئ فتقاياه فخرج يسبَح إلى الشاطئ.

وهذا الحوت هو من صنف الحوت العظيم الذي يبتلع الأشياء الضخمة ولا يقضمها بأسنانه.

وشاع بين الناس تسمية صنففٍ من الحوت بحوت يونس رجماً بالغيب.

وجملة ﴿ وكذلك ننجي المؤمنين ﴾ تذييل.

والإشارة ب ﴿ كذلك ﴾ إلى الإنجاء الذي أُنجي به يونس، أي مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين من غُموم بحسب من يقع فيها أن نجاته عسيرة.

وفي هذا تعريض للمشركين من العرب بأن الله منجي المؤمنين من الغمّ والنكد الذي يلاقونه من سوء معاملة المشركين إياهم في بلادهم.

واعلم أن كلمة ﴿ فنجّيَ ﴾ كتبت في المصاحف بنون واحدة كما كتبت بنون واحدة في قوله في [سورة يوسف: 110] ﴿ فننجي من نشاء ﴾ ووجّه أبو علي هذا الرسم بأن النون الثانية لما كانت ساكنة وكان وقوع الجيم بعدها يقتضي إخفاءها لأن النون الساكنة تخفى مع الأحرف الشجرية وهي الجيم والشين والضاد فلما أُخفيت حذفت في النطق فشابَه إخفاؤُها حالةَ الإدغام فحذَفَها كاتبُ المصحف في الخطّ لخفاء النطق بها في اللفظ، أي كما حذفوا نون (إن) مع (لا) في نحو إلا فعلوه من حيث إنها تدغم في اللام.

وقرأ جمهور القراء بإثبات النونين في النطق فيكون حذف إحدى النونين في الخط مجرد تنبيه على اعتبارٍ من اعتبارات الأداء.

وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم بنون واحدة وبتشديد الجيم على اعتبار إدغام النون في الجيم كما تدغم في اللام والراء.

وأنكر ذلك عليهما أبو حاتم والزجّاج وقالا: هو لَحن.

ووجّه أبو عبيد والفراء وثعلب قراءتهما بأن نُجِي سكنت ياؤه ولم تحرك على لغة من يقول بَقِي ورضِي فيسكن الياء كما في قراءة الحسن ﴿ وذروا ما بقِي من الرِبا ﴾ [البقرة: 278] بتسكين ياء ووجّه ابن جني متابعاً للأخفش الصغير بأن أصل هذه القراءة: نُنَجّي بفتح النون الثانية وتشديد الجيم فحذفت النون الثانية لتوالي المثلين فصار نُجي.

وعن بعض النحاة تأويل هذه القراءة بأن نُجِّي فعل مضي مبني للنائب وأن نائب الفاعل ضمير يعود إلى النجاء المأخوذ من الفعل، أو المأخوذ من اسم الإشارة في قوله وكذلك.

وانتصب المؤمنين } على المفعول به على رأي من يجوز إنابة المصدر مع وجود المفعول به.

كما في قراءة أبي جعفر ﴿ ليُجزَى بفتح الزاي قوماً بما كانوا يكسبون ﴾ [الجاثية: 14] بتقدير ليجزَى الجزاءُ قوماً.

وقال الزمخشري في «الكشاف»: إن هذا التوجيه بارد التعسف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذا النُّونِ ﴾ وهو يُونُسُ بْنُ مَتّى، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ صاحِبُ الحُوتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ  ﴾ والحُوتُ النُّونُ، نُسِبَ إلَيْهِ لِأنَّهُ ابْتَلَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: يا جَيِّدَ القَصْرِ نِعْمَ القَصْرُ والوادِي وجَيِّدًا أهْلُهُ مِن حاضِرٍ بادِي ∗∗∗ تُوفِي قَراقِرُهُ والوَحْشُ راتِعُهُ ∗∗∗ والضَّبُّ والنُّونُ والمَلّاحُ والحادِي يَعْنِي أنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَيْدُ البَرِّ والبَحْرِ، وأهْلُ المالِ والظَّهْرِ، وأهْلُ البَدْوِ والحَضَرِ.

﴿ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مُراغِمًا لِلْمَلِكِ وكانَ اسْمُهُ حِزْقِيا ولَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: مُغاضِبًا لِقَوْمِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ومُغاضَبَتُهُ لَيْسَتْ مُراغَمَةً؛ لِأنَّ مُراغَمَةُ اللَّهِ كُفْرٌ لا تَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، وإنَّما هي خُرُوجُهُ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَكانَتْ هي مَعْصِيَتُهُ.

وَفي سَبَبِ ذَهابِهِ لِقَوْمِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في خُلُقِهِ ضِيقٌ، فَلَمّا حُمِّلَتْ عَلَيْهِ أثْقالُ النُّبُوَّةِ ضاقَ ذَرْعُهُ بِها ولَمْ يَصْبِرْ لَها، وكَذَلِكَ قالَ اللَّهُ: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ  ﴾ قالَهُ وهْبٌ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ مِن عادَةِ قَوْمِهِ أنَّ مِن كَذِبَ قَتَلُوهُ، ولَمْ يُجَرِّبُوا عَلَيْهِ كَذِبًا، فَلَمّا أخْبَرَهم أنَّ العَذابَ يَحِلُّ بِهِمْ ورَفَعَهُ اللَّهُ عَنْهم، قالَ لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا، وخافَ أنْ يَقْتُلُوهُ فَخَرَجَ هارِبًا.

﴿ فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَظَنَّ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ طُرُقَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ  ﴾ أيْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فَظَنَّ أنْ لَنْ نُعاقِبَهُ بِما صَنَعَ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: فَظَنَّ أنْ لَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ بِما حَكَمْنا، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ مِنَ العُقُوبَةِ ما قَدَّرْنا، مَأْخُوذٌ مِنَ القَدْرِ، وهو الحُكْمُ دُونَ القُدْرَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: نُقَدِّرُ بِالتَّشْدِيدِ، وهو مَعْنى ما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى العَجْزِ عَنِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ كُفْرٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَلى مَعْنى اسْتِفْهامٍ، تَقْدِيرُهُ: أفَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَحُذِفَ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ إيجازًا، قالَهُ سُلَيْمانُ بْنُ المُعْتَمِرِ.

﴿ فَنادى في الظُّلُماتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ جَوْفِ الحُوتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها ظُلْمَةُ الحُوتِ في بَطْنِ الحُوتِ، قالَهُ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها ظُلْمَةُ الخَطِيئَةِ، وظُلْمَةُ الشِّدَّةِ، وظُلْمَةُ الوَحْدَةِ.

﴿ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي لِنَفْسِي في الخُرُوجِ مِن غَيْرِ أنْ تَأْذَنَ لِي، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَجُوزُ أنْ يُعاقَبُوا، وإنَّما كانَ تَأْدِيبًا، وقَدْ يُؤَدَّبُ مَن لا يَسْتَحِقُّ العِقابَ كالصِّبْيانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ﴾ وفي اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ثَوابٌ مِنَ اللَّهِ لِلدّاعِي ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ثَوابٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِصْلاحٌ فَرُبَّما كانَ ثَوابًا ورُبَّما كانَ غَيْرَ ثَوابٍ.

﴿ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الغَمِّ بِخَطِيئَتِهِ.

الثّانِي: مِن بَطْنِ الحُوتِ لِأنَّ الغَمَّ التَّغْطِيَةُ.

وَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أوْحى إلى الحُوتِ ألّا تَكْسِرَ لَهُ عَظْمًا، ولا تَخْدِشَ لَهُ جِلْدًا.

وَحِينَما صارَ في بَطْنِهِ: قالَ يا رَبِّ اتَّخَذْتَ لِي مَسْجِدًا في مَواضِعَ ما اتَّخَذَها أحَدٌ.

وَفي مُدَّةِ لُبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْبَعُونَ يَوْمًا.

الثّانِي: ثَلاثَةُ أيّامٍ.

الثّالِثُ: مِنَ ارْتِفاعِ النَّهارِ إلى آخِرِهِ.

قالَ الشَّعْبِيُّ: أرْبَعُ ساعاتٍ، ثُمَّ فَتَحَ الحُوتُ فاهُ فَرَأى يُونُسُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَقالَ: سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَلَفَظَهُ الحُوتُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضباً ﴾ يقول: غضب على قومه ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ يقول: أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه عليهم وفراره.

قال: وعقوبته أخذ النون إياه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضباً ﴾ قال: مغاضباً لقومه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس قال: كانت تكون أنبياء جميعاً يكون عليهم واحد، فكان يوحى إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: أرسل فلان إلى بني فلان، فقال الله: ﴿ إذ ذهب مغاضباً ﴾ قال: مغاضباً لذلك النبي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ قال: ظن أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه.

وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ ذهب مغاضباً ﴾ قال: انطلق آبقا ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ فكان له سلف من عمل صالح فلم يدعه الله، فبه أدركه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ قال: ظن أن لن نعاقبه بذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله: ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ قال: أن لن نقضي عليه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ يقول: ظن أن الله لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء في غضبه الذي غضب على قومه وفراقه إياهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن الحارث قال: لما التقم الحوت يونس نبذ به إلى قرار الأرض، فسمع تسبيح الأرض فذاك الذي حاجه فناداه.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ قال: ظن أن لن نعاقبه ﴿ فنادى في الظلمات ﴾ قال: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت ﴿ أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ قال الملائكة: صوت معروف في أرض غريبة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة والكلبي ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ قالا: ظن أن لن نقضي عليه العقوبة.

وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فنادى في الظلمات ﴾ قال: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب وعمرو بن ميمون وقتادة مثله.

وأخرج أحمد في الزهد عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ فنادى في الظلمات ﴾ قال: ظلمة الليل وظلمة بطن الحوت وظلمة البحر.

وأخرج ابن جرير عن سالم بن أبي الجعد قال: أوحى الله تعالى إلى الحوت أن «لا تضر له لحماً ولا عظماً» ثم ابتلع الحوت حوت آخر، قال: ﴿ فنادى في الظلمات ﴾ قال: ظلمة الحوت، ثم حوت، ثم ظلمة البحر.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كل تسبيح في القرآن صلاة، إلا قوله: ﴿ سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ .

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات من طريق الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن معاوية قال له يوماً: إني قد ضربتني أمواج القرآن البارحة في آيتين لم أعرف تأويلهما ففزعت إليك.

قال: وما هما؟

قال: قول الله: ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ﴾ وأنه يفوته إن أراده، وقول الله: ﴿ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ [ يوسف: 110] كيف هذا يظنون أنه قد كذبهم ما وعدهم؟

فقال ابن عباس: أما يونس، فظن أن لن تبلغ خطيئته أن يقدر الله عليه فيها العقاب ولم يشك أن الله إن أراده قدر عليه.

وأما الآية الأخرى، فإن الرسل استيأسوا من إيمان قومهم وظنوا أن من عصاهم لرضا في العلانية قد كذبهم في السر، وذلك لطول البلاء عليهم ولم تستيئس الرسل من نصر الله، ولم يظنوا أنهم كذبهم ما وعدهم.

فقال معاوية: فرجت عني يا ابن عباس فرج الله عنك.

وأخرج ابن أبي حاتم ن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دعا يونس قومه أوحى الله إليه أن العذاب يصبحهم، فقال لهم فقالوا: ما كذب يونس وليصبحنا العذاب، فتعالوا حتى نخرج سخال كل شيء فنجعلها من أولادنا لعل الله أن يرحمهم.

فأخرجوا النساء مع الولدان وأخرجوا الإبل مع فصلانها، وأخرجوا البقر مع عجاجيلها وأخرجوا الغنم مع سخالها فجعلوه أمامهم، وأقبل العذاب...

فلما رأوه جأروا إلى الله ودعوا، وبكى النساء والولدان ورغت الإبل وفصلانها وخارت البقر وعجاجيلها وثغت الغنم وسخالها فرحمهم الله فصرف ذلك العذاب عنهم، وغضب يونس فقال: كذبت، فهو قوله: ﴿ إذ ذهب مغاضباً ﴾ فمضى إلى البحر، وقوم رست سفينتهم فقال: احملوني معكم فحملوه، فأخرج الجعل فأبوا أن يقبلوه منه فقال: إذاً أخرج عنكم.

فقبلوه، فلما لجت السفينة في البحر أخذهم البحر والأمواج، فقال لهم يونس: اطرحوني تنجوا.

قالوا: بل نمسكك ننجوا.

قال: فساهموني- يعني قارعوني- فساهموه ثلاثاً فوقعت عليه القرعة، فأوحى إلى سمكة يقال لها النجم من البحر الأخضر، أن «شقي البحار حتى تأخذي يونس، فليس يونس لك رزقاً ولكن بطنك له سجن، فلا تخدشي له جلداً ولا تكسري له عظماً , فجاءت حتى استقبلت السفينة، فقارعوه الثالثة فوقعت عليه القرعة فاقتحم الماء، فالتقمته السمكة فشقت به البحار حتى انتهت به إلى البحر الأخضر» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما التقم الحوت يونس ذهب به حتى أوقفه بالأرض السابعة، فسمع تسبيح الأرض فهيجه على التسبيح فقال: ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ فأخرجته حتى ألقته على الأرض بلا شعر ولا ظفر مثل الصبي المنفوس، فأنبتت عليه شجرة تظله ويأكل من تحتها من حشرات الأرض، فبينا هو نائم تحتها إذ تساقط ورقها قد يبست.

فشكا ذلك إلى ربه فقال: تحزن على شجرة يبست ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون يعذبون؟» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في الفرج وابن مردويه، عن أنس رفعه: «أن يونس حين بدا له أن يدعو الله بالكلمات حين ناداه في بطن الحوت قال: اللهم ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ فأقبلت الدعوة تحف بالعرش فقالت الملائكة: هذا صوت ضعيف معروف في بلاد غريبة!

فقال: أما تعرفون ذلك؟

قال: يا رب، ومن هو؟

قال: ذاك عبدي يونس.

قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوه مجابة؟!

قال: نعم.

قالوا: يا رب، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟

قال: بلى.

فأمر الحوت فطرحه بالعراء فأنبت الله عليه اليقطينة» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر، عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: ليس لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى، سبح الله في الظلمات.

وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحكيم في نوادر الأصول، والحاكم وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له» .

وأخرج ابن جرير عن سعد رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اسم الله الذي دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى.

قلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟

قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله: ﴿ وكذلك ننجي المؤمنين ﴾ فهو شرط من الله لمن دعاه» .

وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذه الآية مفزع للأنبياء ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ نادى بها يونس في ظلمة بطن الحوت» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ .

وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل أدلكم على اسم الله الأعظم؟

دعاء يونس ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ فأيما مسلم دعا ربه به في مرضه أربعين مرة فمات في مرضه ذلك، أعطي أجر شهيد.

وإن برأ برأ مغفوراً له» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على ثنية فقال: ما هذه؟

قالوا: ثنية كذا وكذا.

قال: كأني أنظر إلى يونس على ناقة خطامها ليف وعليه جبة من صوف وهو يقول: لبيك اللهم لبيك!...» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى- نسبة إلى أبيه- أصاب ذنباً ثم اجتباه ربه» .

وأخرج عبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ ﴾ أي: واذكر ذا النون.

وهو يونس بن متى (١) ﴿ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ﴾ قال الضحاك: مغاضبًا لقومه (٢) وهو قول ابن عباس في رواية العوفي، قال: إن شعيا (٣) (٤)  - وللملك ولقومه، فأتى بحر الروم فكان من قصته ما كان (٥) وعلى هذا عوقب بتركه ما أمره به شعيا وقومه لأن الله تعالى قال فيه: ﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ والمليم: الذي أتى ما يلام عليه.

وقال آخرون: إنه ذهب مغاضبا لربه.

وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦) قال ابن عباس: لما وعد قومه العذاب، وخرج من بينهم، ورُفع عنهم العذاب بعد ما أظلهم على ما ذكر في القصة، فلما بلغ ذلك يونس أبق من ربه إلى الفلك المشحون.

وروى مسروق عن عبد الله في قوله: ﴿ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ﴾ قال: عبد أبق من ربه (٧) وقال سعيد بن جبير: ذهب مغاضبًا لربه (٨) (٩) وإلى هذه الطريقة مال ابن قتيبة، فإنه يقول في هذه الآية: يستوحش كثير (١٠) (١١) (١٢) (١٣) ولذلك قال (١٤)  : ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ  ﴾ يريد: ما أضمره وحدث به نفسه [عند حدوث الشهوة.

فإن كان ذو النون] (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ والمليم الذي أجرم جرمًا استوجب به اللوم.

ولم أخرجه من أولي العزم من الرسل حين يقول لنبيه: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ  ﴾ ؟

وإن كان مغاضبًا لقومه (١٩) (٢٠) (٢١)  لمّا أخبرهم (٢٢) (٢٣) وقد روي في الحديث (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ  ﴾ انتهى كلامه (٢٩) وأكثر أهل المعاني اختاروا قول ابن عباس في رواية العوفي.

قال الأخفش: إنه قد أذنب بتركه قومه، وإنما غاضب بعض الملوك، ولم يغاضب ربه، كان (٣٠) (٣١) وأما وجه قول (٣٢) وأما قول ابن عباس وابن مسعود: عبد (٣٣) ويدُل على صحة ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس في قصته: أنه لمّا خرج من بطن الحوت أنبت الله له شجرة من يقطين (٣٤) (٣٥) (٣٦) وهذا يدل على أنه اشتهى نزول عذاب الله بقومه، وكره دفعه عنهم، وأن ركوبه البحر كان معصية لله (٣٧) وروي وجه آخر من التأويل في قوله: ﴿ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ﴾ وهو أن معنى المغاضبة هاهنا: الأنفة؛ لأن الآنف من الشيء يغضب، فتُسمى الأنفة غضبًا، والغضب أنفة؛ إذ (٣٨) (٣٩) ﴿ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ﴾ ذهب (٤٠) وهذا الوجه اختيار ابن قتيبة (٤١) وفي رواية أبي صالح: أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل كان أمره بالمسير (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) وعلى هذا مغاضبته كانت قبل رسالته.

ولكن الصحيح الذي تواترت به الرواية أن (٤٧) (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ فيه قولان: أحدهما: ظن أن لن نقضي عليه العقوبة.

وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ورواية عطية عن ابن عباس (٤٩) قال ابن عباس: أراد الظن بعينه.

يعني (٥٠) واختار الفراء والزجاج هذا القول.

قال الفراء: ظن أن لن نقدر عليه من العقوبة ما قدرنا (٥١) وقال الزجاج: ونَقْدر بمعنى: نُقَدِّر (٥٢) ويقال: قدَّر الله الشيء وقَدَرَهُ، أي: قضاه.

والقَدْر يكون بمعنى التقدير، ويدل عليه قوله: ومُفْرهَةٍ عَنْسٍ قَدَرْتُ لساقها ...

فَخَرَّت كما تتَّايَع (٥٣) (٥٤) ويدل على صحة هذا قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري (فظن أن لن نُقَدِّر عليه) [بالتشديد (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى  ﴾ بالوجهين من التخفيف والتشديد (٥٩) القول الثاني: فظن أن لن يضيق عليه الحبس.

وهذا معنى قول ابن عباس [في رواية عطاء ومنصور.

قال] (٦٠) (٦١) وقال في رواية منصور: يعني (٦٢) (٦٣) قال أبو الهيثم: المعنى: فظن أن لن يضيّق عليه، من قوله عز وجل {وَمَن ﴿ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ  ﴾ أي: من ضيق عليه (٦٤) ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ  ﴾ بمعنى: ضيّق عليه] (٦٥) (٦٦) (٦٧) وقال ابن قتيبة: ﴿ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ أي: لن نضيّق عليه، وأنا نخليه ونمهله، والعرب تقول: فلان مقدّر (٦٨) عاقب الله يونس عن حميته وأنفته (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) وروى عوف، عن الحسن، أنه (٧٣) (٧٤) وهذا التأويل بعيد، ولا يجوز مثله على الأنبياء (٧٥) قال أبو الهيثم: من اعتقد أن يونس ظن أن لن يقدر الله عليه فهو كافر؛ لأن يونس رسول، لا يجوز ذلك الظن عليه (٧٦) وقال الأزهري: قوله (أن لن نقدر عليه) لا يجوز أن يكون من القدرة؛ لأن من ظن هذا فقد كفر، والظن شك، والشك في قدرة الله كفر، وقد عصم الله أنبياءه عن مثل ما ذهب إليه هذا المتأول، ولا يتأول مثله إلا جاهل بكلام العرب ولغاتها (٧٧) وقد ذهب الأخفش إلى مثل ما روي عن الحسن، فقال: فظن أن يفوتنا (٧٨) فقال أبو حاتم: لم يدر الأخفش ما معنى (نقدر) وذهب إلى القدرة ولو علم أن معنى (نقدر) نضيق لم يخبط هذا الخبط، ولم يكن عالمًا بكلام العرب، وكان عالمًا بقياس النحو (٧٩) وروي عن ابن زيد أنه قال: هذا إستيفاه (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) وقوله تعالى: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾ يعني: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.

قاله ابن عباس (٨٤) (٨٥) وروي عن سالم بن أبي الجعد أنه قال: ظلمة جوف الحوت، ثم ظلمة جوف الحوت الآخر (٨٦) (٨٧) قال الفراء: يقال: ظلمة البحر، وبطن الحوت ومعاؤها الذي كان فيه يونس فتلك الظلمات (٨٨) (٨٩) وقوله تعالى: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ قال محمد بن قيس (٩٠) ﴿ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ حين عصيتك، وما صنعت من شيء.

فلم أعبد غيرك (٩١) ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ﴾ (٩٢) وروى محمد بن سعد (٩٣)  - قال: "دعاء ذي النون (٩٤) ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له" (٩٥) وقال الحسن وقتاده: هذا القول من يونس اعتراف بذنبه، وتوبة من خطيئة، تاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه، فقال: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ (٩٦) (١) متى: بفتح الميم، وتشديد المثناه، مقصور.

وهو اسم أبيه -على الصحيح- كما ورد ذلك في حديث ابن عباس، انظر: "فتح الباري" 8/ 451.

(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 أ.

ورواه الطبري 17/ 76، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 665 وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٣) هو شعيا بن أمصيا، وقيل: ابن آموس.

أحد أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان، وكان قبل زكريا ويحيى، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام، قتله بنو إسرائيل لما وعظهم وذكرهم بالله.

تاريخ الطبري 1/ 532 - 537، "الكامل" لابن الأثير 1/ 143 - 145، "البداية والنهاية" لابن كثير 2/ 32 - 33، "دائرة المعارف الإسلامية" 13/ 316.

(٤) في (ت): (فقالوا)، وهو خطأ.

(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 أمن رواية العوفي عن ابن عباس.

وقد رواه الطبري 17/ 76 مختصرًا جدًا قال: غضب على قومه.

(٦) ذكره عن ابن عباس الرازي 22/ 214، والقرطبي 11/ 329، وأبو حيان في "البحر" 6/ 335.

(٧) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" 9/ 255 من طريق مسروق، عن عبد الله قال: عبد أبق من سيده.

الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 68: وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف.

(٨) رواه عنه الثوري في "تفسيره" ص 204، والطبري 17/ 77.

(٩) رواه الطبري 17/ 77.

(١٠) كثير: ساقط من (أ)، (ت).

(١١) ما بين المعقوفين كشط في (أ).

(١٢) إلا: ساقطة من (ت).

(١٣) روى الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 254، وأبو يعلى في "مسنده" 4/ 418 عن ابن عباس  ما قال: قال رسول الله -  -: "ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم ليس يحيى بن زكريا".

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 209: وفيه علي بن زيد ضعفه الجمهور، وقد وثق، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.

وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 114 بعد ذكره للحديث عن ابن عباس: وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة.

(١٤) هذا أحد وجهين في قائل هذه المقالة، والوجه الثاني أن قائل هذا هي امرأة العزيز حيث قال تعالى: ﴿ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي  ﴾ .

قال أبو العباس بن تيمية في "الفتاوى" 10/ 298: وقوله ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ...

﴾ الآية من كلام امرأة العزيز، كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة، لا يرتاب فيها من تدبر القرآن.

ثم ساق الآيات ثم قال: فهذا كله كلام امرأة العزيز، ويوسف إذ ذاك في السجن، لم يحضر بعد إلى الملك، ولا سمع كلامه ولا رآه.

ثم ذكر قول من قال إن هذا من كلام يوسف وتعقبه بقوله: وهذا قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدل على نقيضه.

وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 481، وهذا القول -يعين أن هذا من كلام امرأة العزيز- هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام ..

لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف  عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك.

واستظهر هذا القول أيضًا أبو حيان في "البحر" 5/ 317 هذا القول، ثم ذكر قول من قال إن هذا من كلام يوسف، وتعقبه بقوله: ومن ذهب إلى أن قوله (ليعلم) إلى آخره من كلام يوسف يحتاج إلى تكلف ربط بينه وبين ما قبله، ولا دليل يدل على أنه من قول يوسف.

(١٥) ما بين المعقوفين كشط في (أ).

(١٦) في (أ): (من غير ذنب).

(١٧) بعد قوله: (والحبس) يبدأ السقط في نسخة (أ).

(١٨) في (ت): (فعناه).

(١٩) (لقومه) ساقطة من (ت).

(٢٠) العبارة في "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 405: (فإن كان نبي الله -  - ذهب مغاضبًا على قومه قبل أن يؤمنوا، فإنما راغم من استحق -في الله- أن يراغم، وهجر من وجب أن يهجر، واعتزل من علم أن قد حقت عليه كلمة العذاب.

(٢١) في "المشكل" لابن قتيبة ص 407: (فكأن).

(٢٢) في (د)، (ع): (خبرهم).

(٢٣) في (ت): (فأخذته)، وما أثبتناه هو الموافق لما في "مشكل ابن قتيبة" ص 407.

(٢٤) روى الطبري في "تفسيره" 17/ 77 والحاكم في "مستدركه" 2/ 584 - 585 عن وهب بن منبه اليماني قال: إن يونس بن متى كان عبدًا صالحًا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة -وهلا أحمال لا يحملها إلا قليل- تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فقذفها تحت يديه، وخرج هاربًا منها، يقول الله == لنبيه -  - ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ  ﴾ ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ  ﴾ .

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 124 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.

والرواية كما ترى عن وهب بن منبه فهي من أخبار بني إسرائيل، وليس لها ما يعضدها من كتاب أو سنة صحيحة، فالله أعلم بصحتها.

(٢٥) الرُّبع: هو الفَصيل يُنتج في الربيع، وهو أول النتاج.

"الصحاح" للجوهري 3/ 1212 (ربع)، "لسان العرب" لابن منظور 8/ 105 (ربع).

(٢٦) الآبق: هو الهارب من العبيد من غير خوف ولا كد عمل، أو استخفى ثم ذهب.

"لسان العرب" 10/ 3 (أبق)، "القاموس المحيط" 3/ 208.

(٢٧) موضع (الناد) بياض في (د)، (ع).

والناد: الشارد.

"القاموس المحيط" 1/ 341.

(٢٨) هكذا في جميع النسخ، وفي "المشكل" لابن قتيبة ص 408: (يقول).

(٢٩) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 402 - 408 بتصرف.

(٣٠) في (د)، (ع): (وكان).

(٣١) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 635.

(٣٢) في (ت): (وجه قوله).

(٣٣) (عبد) زيادة من (د)، (ع).

(٣٤) يقطين: هو كل شجر لا يقوم على ساق، نحو الدباء والقرع والبطخ، "لسان العرب" لابن منظور 13/ 345 (قطن).

(٣٥) في (د)، (ع): (وكان).

(٣٦) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 578 - 579 من طريق عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه.

وعبد الله بن مسلم وابن هرمز المكي ضعيف كما قال الحافظ بن حجر في "التقريب" 1/ 323.

لكن روى ابن أبي شيبة 11/ 542 عن ابن مسعود نحو هذا.

قال ابن حجر في "الفتح" 6/ 452: وإسناده صحيح أهـ.

ويظهر أنه من أخبار بني إسرائيل.

والله أعلم.

(٣٧) في (ت): (الله)، وهو خطأ.

(٣٨) في "المشكل" ص 406: (إذا).

(٣٩) في "المشكل" ص 406: (بسبب).

(٤٠) في (ت): (وذهب).

(٤١) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 406.

قال القرطبي في "تفسيره" 11/ 331 بعد حكايته لهذا القول، وأنه من قولهم غضب إذا أنف: وهذا فيه نظر، فإنه يقال لصاحب هذا القول: إن تلك المغاضبة -وإن كانت من الأنفة- فالأنفة لابد أن يخالطها الغضب، وذلك الغضب -وإن دق- على من كان؟

وأنت تقول لهم يغضب على ربه ولا على قومه.

أهـ (٤٢) في (د)، (ع): (بالمصير).

(٤٣) نينوى: بكسر أوله وسكون ثنانية وفتح النون والواو، قرية بالموصل.

انظر: "معجم البلدان" 8/ 368، "مراصد الاطلاع" 3/ 1414.

(٤٤) لفظ الجلالة ليس في (ت) في الموضعين.

(٤٥) لفظ الجلالة ليس في (ت) في الموضعين.

(٤٦) ذكر رواية أبي صالح: ابن قتيبة في "مشكل القرآن" ص 409 بهذا النص.

(٤٧) في (ت): (أو).

(٤٨) في (د)، (ع): (المعصية).

(٤٩) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 ب عن مجاهد، وقتادة، والضحاك، والعوفي عن ابن عباس.

وعن مجاهد رواه الطبري 17/ 78 والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 654، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 665 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات.

وعن قتادة والكلبي: رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 27، والطبري في "تفسيره" 17/ 78.

وقول الضحاك رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 78، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 665 - 666 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.

ورواية عطية عن ابن عباس رواها الطبري في "تفسيره" 17/ 78، والبيهقي في الأسماء والصفات ص 653 وذكرها السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 666 وعزاه لابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات.

(٥٠) (يعني) ساقطة من (ت).

(٥١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 209.

(٥٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 402 وفيه: ويقْدر بمعنى: يُقدِّر.

(٥٣) في (ت): (سايغ)، وفي (د)، (ع): (تتابع).

والمثبت من "تهذيب اللغة"، و"اللسان" وغيرهما.

(٥٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي.

وهو في "ديوان الهذليين" 1/ 38 وروايته فيه: لرجلها في موضع (لساقها)، و (تتابع) في موضع تتابع، و"لسان العرب" 8/ 38 (تبع)، 11/ 561 (قفل).

والشطر الأخير في "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 145 (تاع)، 9/ 160 (قفل).

قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 145: (يقال: اتايعتت الريح بورق الشجر إذا ذهبت به.

وأصله: تتايعت به.

وقال أبو ذؤيب يذكر عقره ناقته، وأنها كاست على رأسها فخرت) - ثم ذكر شطر البيت ثم قال: (والقفل: ما يبس من الشجر).

وبين السكري في "شرح ديوان الهذليين" 1/ 39 معنى هذا البيت على رواية -تتابع- فقال: قوله (ومفرهة): (يعني ناقة تأتي بأولاده فواره، و (عنس): (شديدة)، (قدرت لرجلها): (أي: هيأت وضربت رجلها فخرت لما عرقبتها، (كما تتابع الريح بالقفل): (القفل: النبات اليابس)، و (تتابع): (تتابع.

يقول: خرت هذه الناقة حين ضربت رجلها كما تمر الريح باليبس فيتبع بعضه بعضًا.

أهـ (٥٥) بنون مضمومة وفتح القاف وكسر الدال.

وذكر هذه القراءة عنهما: الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 ب، البغوي 5/ 35، الرازي 22/ 215، القرطبي 11/ 332.

وذكرها عن الزهري وحده: ابن الجوزي 5/ 382، أبو حيان 6/ 335، السمين الحلبي 8/ 191.

(٥٦) ساقط من (ت).

(٥٧) ذكر هذه القراءة عنهما الثعلبي 3/ 41 ب، القرطبي 11/ 332، وذكرها عن عبيد ابن عمير وحده: الرازي 22/ 215.

(٥٨) (قوله) زيادة من (د)، (ع).

(٥٩) قرأ ابن كثير: (نحن قدرنا) بتخفيف الدال، وقرأ الباقون: (قدرنا) بتشديدها.

"السبعة" ص 623، "التبصرة" ص 344، "التيسير" ص 207.

وقرأ الكسائي: (والذي قدر) بتخفيف الدال، وقرأ الباقون: (قدر) بتشديدها.

"السبعة" ص 680، "التبصرة" ص 377، "التيسير" ص 221.

(٦٠) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).

(٦١) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 ب عن عطاء وكثير من العلماء.

(٦٢) (يعني) زيادة من (د)، (ع).

(٦٣) رواه الطبري 17/ 79 من رواية منصور، عنه.

وهي رواية منقطعة فإن منصور بن المعتمر لم يدرك ابن عباس، وفيها ضعف من جهة محمد الرازي شيخ الطبري، لأنه ضعيف.

انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 156.

(٦٤) في (ت): (يعني: نضيق عليه)، وما أثبتناه من (د)، (ع).

وهو الموافق لما في "تهذيب اللغة" 9/ 20.

(٦٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ت).

(٦٦) (قد) ليست في (د)، (ع).

(٦٧) قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 20 (قدر).

(٦٨) في "المشكل" مقدر ..

في (ع): (يقدر)، وفي (د): (يقدر) غير منقوط الأول، وفي (ت): (مغيزر) وقد أثبتنا ما في "المشكل"؛ لأنه الموافق لما بعد: ومُقتر.

(٦٩) في (ت): (وأبقته).

وهو خطأ.

(٧٠) في (ت): (وإباقه).

وما أثبتنا من (د)، (ع).

وهو الموافق لما في "المشكل".

(٧١) في (ت) زيادة: (وأبقته بعد، وإباقته)، وهو تكرار من الناسخ، وليست في نسختي (د)، (ع)، ولا في "المشكل".

(٧٢) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 408 - 409 بتصرف.

(٧٣) (أنه) بياض في (ت).

(٧٤) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 ب من رواية عوف عن الحسن.

ورواه الطبري في "تفسيره" 17/ 79 من رواية عوف، عن سعيد بن أبي الحسن.

(٧٥) قال الطبري 17/ 79 عن هذا القول: ووصفه -يعني يونس- بأنه ظن أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه، وصف له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصف له بالكفر وغير جائز لأحد وصفه بذلك.

وقال القرطبي 11/ 331: وهذا قول مردود مرغوب عنه؛ لأنه كفر.

ثم ذكر أن المهدوي حكاه عن سعيد بن جبير أو الثعلبي عن الحسن.

ثم ذكر رواية أخرى عن الحسن أنه قال: هو من قوله تعالى ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ  ﴾ أي: يضيق، ثم قال القرطبي: وهذا الأشبه بقول سعيد والحسن.

(٧٦) قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 20 (قدر) مع حذف.

(٧٧) "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 21.

(٧٨) ذكره عن الأخفش: أبو بكر بن الأنباري في كتابه "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ ص 777، والأزهري في "تهذيب اللغة" 9/ 20.

(٧٩) قول أبي حاتم في "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 20 (قدر).

(٨٠) في (ت، د): (استنفاه)، وفي (ع): (اسعاه)، غير منقوطة.

(٨١) ذكره بهذا اللفظ عن ابن زيد: النحاس في "القطع والائتناف" ص 479 في إحدى النسخ.

وقد رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 79 بلفظ: استفهام، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 ب، بمثل رواية الطبري.

(٨٢) في (د)، (ع): (لم).

(٨٣) هذا كلام النحاس في كتابه "القطع والائتناف" ص 479، وقال الطبري 17/ 79 - 80: وأما ما قاله ابن زيد، فإنه قول لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فيه على أن ذلك كذلك، والعرب لا تحذف من الكلام شيئًا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلًا على أنه مراد في الكلام.

(٨٤) رواه الطبري 17/ 80.

(٨٥) انظر: "الطبري" 17/ 80، و"الكشف والبيان" للثعلي 3/ 42 أ، وابن كثير 3/ 192، و"الدر المنثور" للسيوطي 5/ 666.

(٨٦) في (ت): (الأخرى).

(٨٧) ذكره عن ابن أبي الجعد -بهذا اللفظ- الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 42 أ.

وقد رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 11/ 543 - 544 مختصرًا عنه قال: حوت في حوت، وظلمة البحر.

ورواه الطبري 17/ 80 عنه قال: أوحى الله إلى الحوت ألا تضر له لحمًا ولا عظمًا، ثم ابتلع الحوت حوت آخر (فنادى في الظلمات) ظلمة الحوت، ثم حوت، ثم ظلمة البحر.

والقول بأن الحوت ابتلعه حوت آخر قول الله أعلم بصحته، وهو من الإسرائيليات.

(٨٨) في (ت): (الكلمات)، وهو خطأ.

(٨٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 209.

قال ابن عطية 10/ 197: ويصح أن يعبر بالظلمات عن جوف الحوت الأول كما قال (في غيابات الجب) وكل جهاته ظلمة فجمعه سائغ.

وقال الزمخشري 2/ 851: أي: في الظلمة الشديدة المتكاتفة في بطن الحوت كقوله ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ  ﴾ وقال أبو حيان 6/ 335: وجمع الظلمات لشدة تكاتفها، فكأنها ظلمة مع ظلمة.

(٩٠) هو محمد بن قيس المدني، قاص عمر بن عبد العزيز، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو أيوب، مولى معاوية بن أبي سفيان.

روى عن أبي هريرة وجابر وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.

وعنه ابن أبي ذئب والليث بن سعد وأبو معشر وغيرهم.

وكان ثقة عالمًا كثير الحديث.

توفي بالمدينة أيام الوليد بن يزيد سنة 125 هـ أو 126 هـ.

"طبقات ابن سعد" (القسم المتمم) ص 325، "الكاشف" للذهبي 3/ 91، "تهذيب التهذيب" 9/ 414.

(٩١) ذكره بهذا الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 42 أ.

وقد رواه الطبري 17/ 81 من طريق أبي معشر قال: قال محمد بن قيس: قوله (لا إله إلا أنت سبحانك) ما صنعت من شيء فلم أعبد غيرك (إني كنت من الظالمين) حين عصيتك.

(٩٢) قال أبو العباس أحمد بن تيمية: فإن يونس  ذهب مغاضبا، وقال تعالى ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ﴾ وقال تعالى ﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ ففعل ما يلام عليه، فكان المناسب لحاله أن يبدأ بالثناء على ربه، والاعتراف بأنه لا إله إلا هو، فهو الذي يستحق أن يعبد دون غيره فلا يطاع الهوى، فإن اتباع الهوى يضعف عبادة الله وحده، وذو النون شهد ما حصل من التقصير في حق الإلهية بما حصل من المغاضبة ففي ذلك من المعارضة في الفعل لحب شيء آخر ما يوجب تجريد محبته لله وتألهه له وأن يقول (لا إله إلا أنت) وهذا الكلام يتضمن براءة ما سوى الله من الإلهية سواء صدر ذلك عن هوى النفس أو طاعة الخلق أو غير ذلك فإن قول العبد: لا إله إلا أنت يمحو أن يتخذ إلهه هواه.

فكمل يونس صلوات الله عليه تحقيق إلهيته لله، ومحو الهوى الذي يتخذ إلها من دونه، لم يبق له صلوات الله عليه وسلامه عند تحقيق قوله (لا إله إلا أنت) إرادة تزاحكم إلهية الحق، بل كان مخلصًا لله الذين إذ كان من أفضل عباد الله المخلصين.

وقوله ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ ، يتضمن تعظيمه وتنزيهه عن الظلم وغيره من النقائص، والمقام يقتضي تنزيهه عن الظلم والعقوبة بغير ذنب، يقول: أنت مقدس ومنزه عن ظلمي وعقوبتي بغير ذنب، بل أنا الظالم الذي ظلمت نفسي.

انتهى كلامه رحمه ملخصا مع تصرف.

انظر: "الفتاوى" 10/ 248 - 287.

(٩٣) هو محمد بن سعد بن أبي وقاص، أبو القاسم، القرشي، الزهري، المدني.

روى عن أبيه وعثمان وطائفة.

وكان ثقة عالماً.

قام على الحجاج مع ابن الأشعث، فأسر يوم دعي الجماجم، فقتله الحجاج سنة 82 هـ.

"طبقات ابن سعد" 5/ 167، 6/ 221، "سير أعلام النبلاء" 4/ 348، "تهذيب التهذيب" 9/ 183.

(٩٤) في (أ)، (ت): (قال ذو النون).

(٩٥) رواه الترمذي في جامعه كتاب: الدعوات، باب: 85/ 9/ 479 تحفة، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" ص 416، والحاكم في "مستدركه" 1/ 505، والطبراني في الدعاء 2/ 838.

ورواه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 170، وأبو يعلى في "مسنده" 2/ 110 - 111 وفي أوله قصة، كلهم من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، به.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 68 رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص وهو ثقة.

والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه العلامة أحمد شاكر في تعليقه عن المسند 3/ 35 وصححه الألباني كما في "صحيح الجامع" 1/ 637.

(٩٦) ذكر الزمخشري 2/ 582 عن الحسن قال: ما نجاه الله إلا بإقراره على نفسه بالظلم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَذَا النون ﴾ هو يونس عليه السلام، والنون هو الحوت نسب إليه لأنه التقمه ﴿ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ﴾ أي مغاضباً لقومه، إذ كان يدعهم إلى الله فيكفرون، حتى أدركه ضجر منهم فخرج عنهم، ولذلك قال الله: ﴿ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت ﴾ [القلم: 48]، ولا يصح قول من قال مغاضباً لربه ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ أي ظن أن لن نضيق عليه، فهو من معنى قوله قدر عليه رزقه، وقيل: هو من القدر والقضاء: أي ظنّ أن لن نضيق عليه بعقوبة، ولا يصح قول من قال: إنه من القدرة ﴿ فنادى فِي الظلمات ﴾ قيل هذا الكلام محذوف؛ لبيانه في غير هذه الآية، وأنه لما خرج ركب السفينة فرمي في البحر فالتقمه الحوت؛ ﴿ فنادى فِي الظلمات ﴾ ، وهي ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت، ويحتمل أنه عبر بالظلمة عن بطن الحوت، لشدّة ظلمته كقوله: ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ﴾ [البقرة: 17] ﴿ أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ أن مفسرة أو مصدرية على تقدير نادى بأن، والظلم الذي اعترف به كونه لم يصبر على قومه وخرج عنهم ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم ﴾ يعني من بطن الحوت وإخراجه إلى البرّ ﴿ وكذلك نُنجِي المؤمنين ﴾ يحتمل أن يكون مطلقاً أو لمن دعا بدعاء يونس، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوة أخي يونس ذي النون ما دعا بها مكروب إلا استجيب له» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ جذاذاً ﴾ بكسر الجيم: علي.

الآخرون بضمها ﴿ اف ﴾ بفتح الفاء: ابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: ابو جعفر ونافع وحفص.

الباقون بالكسر من غير تنوين ﴿ لنحصنكم ﴾ بالنون: أبو بكر وحماد ورويس وبالتاء الفوقانية والضمير للصنعة أو للدرع لأنها مؤنثة سماعاً: ابن عامر ويزيد وحفص والمفضل وروح وزيد.

الباقون بالياء التحتانية والضمير لداود  أو للبوس والكل بتخفيف الصاد والرياح على الجمع: يزيد بطريق المفضل الآخرون على التوحيد.

﴿ مسني الضر ﴾ و ﴿ عبادي الصالحون ﴾ في آخر السورة مرسلة الياء: حمزة.

الباقون بفتحها ﴿ وأن لن ﴾ يقدر بالياء مجهولاً: يعقوب ﴿ ننجي ﴾ بضم النون الواحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء: ابن عامر وعباس وأبو بكر وحماد.

الآخرون من الإنجاء مخففاً.

الوقوف: ﴿ عالمين ﴾ ج ه لأن "إذ" يصلح ظرفاً لآتينا أو ﴿ لرشده ﴾ أو للعلم به مفعولاً لأذكر محذوفاً ﴿ عاكفون ﴾ ه ﴿ عابدين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ اللاعبين ﴾ ه ﴿ فطرهن ﴾ .

ز لواو الابتداء والحال أولى ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ يشهدون ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه ط ﴿ فعله ﴾ .

وفيه بعد ويجيء في التفسير ﴿ ينطقون ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه لا للعطف ﴿ على رؤوسهم ﴾ ج لاتحاد المقصود مع إضمار القول ﴿ ينطقون ﴾ ه ﴿ ولا يضركم ﴾ ط لاستئناف الدعاء عليهم ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ على إبراهيم ﴾ ه لا بناء على أن التقدير وقد أرادوا ﴿ الأخسرين ﴾ ج ه للعطف والآية ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط بناء على أن المراد ووهبنا له يعقوب حال كونه نافلة ﴿ نافلة ﴾ ط ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ الزكاة ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ عابدين ﴾ ه وكان ينبغي أن لا يوقف للعطف ولكنهم حكموا بالوقف لتمام القصة وكذلك أمثالها ﴿ الخبائث ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه لا بناء على أن التقدير وقد أدخلناه ﴿ رحمتنا ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ج للعطف مع الآية ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ غنم القوم ﴾ ج لاحتمال الواو بعده الاستئناف والحال ﴿ شاهدين ﴾ ه لا للعطف بالفاء ﴿ سليمان ﴾ ج لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتحاد الكلام ﴿ وعلماً ﴾ ز لعطف المتفقين مع نوع عدول ﴿ والطير ﴾ ط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ من بأسكم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ شاكرون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عالمين ﴾ ه ﴿ دون ذلك ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ حافظين ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ط للفاء وللآية ﴿ للعابدين ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه وقد يوصل لعطف ﴿ وأدخلناهم ﴾ على ﴿ نجينا ﴾ للقدرة ﴿ في رحمتنا ﴾ ط الصالحين ه ﴿ سبحانك ﴾ قد يوقف لأجل "أن" ولكنه داخل في حكم النداء ﴿ الظالمين ﴾ ج ه على ما ذكر في الوجهين ﴿ فاستجبنا له ﴾ لا لاتفاق الجملتين واتصال النجاة بالاستجابة ﴿ من الغم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ فاستجبنا له ﴾ ه لا مكان الفصل بين الإستجابة المعجلة وحصول الولد الموهوب على المهلة ﴿ زوجه ﴾ ط ﴿ ورهباً ﴾ ط ﴿ خاشعين ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: الرشد الاهتداء لوجوه المصالح في الدين والدنيا وقد يخص ههنا بالنبوة لقوله ﴿ رشده ﴾ ومعنى الإضافة أن لهذا الرشد شأناً ولقوله ﴿ وكنا به عالمين ﴾ وفيه أنه علم منه أسراراً عجيبة وأحوالاً بديعة حتى اتخذه خليلاً واصطفاه نبياً نظيره ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ من قبل ﴾ اي من قبل موسى وهارون قاله ابن عباس: وعلى الأول يحتمل هذا وأن يراد من قبل البلوغ حين استدل بالكواكب قاله مقاتل.

وعن ابن عباس في رواية الضحاك حين أخذ الله ميثاق النبيين في صلب آدم.

قالت الأشاعرة: أراد بإيتاء الرشد خلق ذلك فيه إذ لو حمل على أسباب ذلك تناول الكفار.

أجاب الكعبي بأن هذا إنما يقال فيمن قبل لا فيمن رد، نظيره بأن يعطي الأب كل واحد من ولديه ألفاً فقبله أحدهما وثمره ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه فيقال: أغنى فلان ابنه فيمن ثمر المال، ولا يقال مثله فيمن ضيع.

واعترض بأن قبوله على هذا التقدير يكون جزءاً من مسمى الرشد وحينئذ لا يصح إستناد إيتاء الرشد إلى الله وحده، وهذا بخلاف نص القرآن.

والتمثال اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله  من مثلت الشيء بالشيء شبهته به، وإسم ذلك الممثل تمثال جعل إبراهيم  هذا التجاهل والتغابي ابتداء كلامه لينظر فيما عساهم يوردونه من شبهة فيحلها لهم مع ما في هذا السؤال من تحقير آلهتهم وتسفيه أخلافهم.

وفي قوله ﴿ أنتم لها عاكفون ﴾ دون أن يقول عليها كقوله ﴿ يعكفون على أصنام لهم  ﴾ نوع آخر من التجهيل والتوبيخ لأنه ادعى عليهم أنهم جعلوا العكوف مختصاً بها دون خالقها وخالق كل شيء ﴿ قالوا وجدنا آبائنا لها عابدين ﴾ لا يمكن لهم أن يتمسكوا بشيء آخر سوى التقليد فزيف طريقتهم بالتنبيه على خطئهم وخطأ أسلافهم فقال: ﴿ لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ﴾ لأن كل مذهب لا يستند إلى دليل كان صاحبه ضالاً أو في حكم ذلك.

ثم إن القوم تعجبوا من تضليلهم مع كثرتهم ووحدته ومنعهم عما ألفوه وضروا به فقالوا ﴿ أجئتنا بالحق ﴾ أي بما ليس بهزل ودعابة ﴿ أم أنت من اللاعبين ﴾ فحينئذ عدل إبراهيم عن مجرد التنبيه إلى إثبات الدعوى بالبينة والدليل وجاهدهم أولاً باللسان قائلاً ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن ﴾ الظاهر أن الضمير للسموات والأرض إلا أنه قيل: كونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم.

وقوله ﴿ وأنا على ذلكم من الشهداء ﴾ فيه تأكيد وتحقيق لما قاله كقول الرجل إذا بالغ في مدح أحد أو ذمه "أشهد إنه كريم أو لئيم" لأن الشهادة خبر قاطع.

وفيه أنه قادر على إثبات ما ادعاه بالحجج والبينات كما شاؤوا ثم أخبر أنه سيجاهدهم جهاداً بالفعل من غير تقية وخوف قال ﴿ وتالله لأكيدن أصنامكم ﴾ قال جار الله: في تاء القسم مع أنه عوض عن الباء زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من سهولة الكيد على يده لأن ذلك لصعوبته كان كالمقنوط منه خصوصاً في زمن نمرود مع شدة شكيمته وقوة سلطانه.

قلت: لا ريب أن هذا مستبعد عادة ولكنه سهل لمن ايده الله ونصره كما قال علي  : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة رحمانية.

سؤال: الكيد هو الاحتيال على الغير في ضرر لا يشعر به فكيف يتصور ذلك في حق الأصنام؟

وجوابه أنه قال ذلك بناء على زعمهم أنه يجوز ذلك عليها، أو أراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل أهمهم وأحزنهم.

قال السدي: كانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم: لو خرجت معنا؟

فخرج معهم.

فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي، فلما بقي هو وضعفاء الناس نادى وقال الله لأكيدن أصنامكم.

وروى الكلبي أن إبراهيم كان من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلا مريضاً، فلما هم إبراهيم بالذي هم به من كسر الصنام نظر قبل يوم العيد إلى السماء فقال لأصحابه: إني أراني أشتكي عدا فذلك قوله في الصافات ﴿ فنظر نظرة في النجوم  فقال إني سقيم  ﴾ وأصبح من الغد معصوباً رأسه، فخرج القوم لعيدهم ولم يتخلف أحد غيره فقال سراً: أما والله لأكيدن أصنامكم، فسمعه رجل واحد وأخبر به غيره وانتشر الخبر.

وعلى الوجهين يصح قوله فيما بعد ﴿ قالوا سمعنا فتى يذكرهم ﴾ وروي أن آزر خرج به في عيد لهم فبدأوا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا: إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا، فذهبوا وبقي إبراهيم فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنماً مصطفة وثمة صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الكبير علق الفأس في عنقه ﴿ فجعلهم جذاذاً ﴾ قال الجوهري: جذذت الشيء جذاً قطعته وكسرته، والجذاذ ما كسر منه وضمه أفصح من كسره.

قلت: فعلى هذا هو اسم جمع لا جمع ﴿ إلا كبيراً لهم ﴾ أي في الخلقة كما روينا.

وقيل: في التعظيم.

ويحتمل أن يكون جامعاً للأمرين.

أما الضمير الواحد في قوله ﴿ لعلهم إليه يرجعون ﴾ فيحتمل عوده إلى إبراهيم أي جعلهم جذاذاً واستبقى الكبير رجاء أنهم يرجعون إلى دينه أو غلى السؤال عنه لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم فيبكتهم بقوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ﴾ ويحتمل عوده الكبير كما ذهب إليه الكلبي.

والمعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحاً والفأس على عاتقك، وهذا بناء على ظنهم أن الأصنام قد تتكلم وتجيب، على أن نفس ذلك الكبير كان دليلاً على فساد مذهبهم لأن الآلهة يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء لأنهم كانوا يعظمونها ويقولون: إن المستخف بها يلحقه ضرر عظيم، فحين كسرها إبراهيم ولم ينله ضرر من تلك الجهة بطل ما اعتقدوه.

فلما انكشفت لهم جلية الحال و ﴿ قالوا من فعل هذا ﴾ الكسر والحطم والاستخفاف ﴿ بآلهتنا إنه لمن الظالمين ﴾ المعدودين في جملة من يضع الشيء في غير موضعه لأنه وضع الإهانة مكان التعظيم ﴿ قالوا سمعنا ﴾ احتمل أن يكون القائل واحداً، ونسب القول إلى الجماعة لأنه منهم، واحتمل أن يكون جمعاً على الوجهين اللذين رويناهما، أو لأنهم سمعوا منه قوله على وجه الاستهزاء ﴿ ما هذه التماثيل ﴾ والفعلان بعد ﴿ فتى ﴾ صفتان له إلا أن، الأول ضروري ذكره لأنك لا تقول "سمعت زيداً" وتسكت حتى تذكر شيئاً مما تسمع، والثاني ليس كذلك.

والأصح أن قوله ﴿ إبراهيم ﴾ فاعل ﴿ يقال ﴾ لأن المراد الاسم لا المسمى وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف أو منادى.

﴿ قالوا ﴾ اي فيما بينهم ﴿ فأتوا به على أعين الناس ﴾ الجار والمجرور في محل الحال اي بمرأى منهم ومنظر أو معايناً ومشاهداً قال.

في الكشاف: معنى الاستعلاء في "على" أنه يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن ثبات الراكب على المركوب وتمكنه منه ﴿ لعلهم يشهدون ﴾ عليه بما سمع منه وبما فعله فيكون حجة عليه قاله الحسن وقتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس.

وقال محمد بن إسحق: معناه لعلهم يحضرون عقوبتنا له ليكون ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على مثل فعله.

وههنا إضمار أي فأتوا به ثم ﴿ قالوا أأنت فعلت هذا ﴾ الظلم والاستخفاف ﴿ بآلهتنا يا إبراهيم ﴾ طلبوا منه الاعتراف ليقدموا على إيذائه ﴿ فقال بل فعله كبيرهم ﴾ وقوله ﴿ هذا ﴾ صفة كبيرهم.

زعم الطاعنون في عصمة الأنبياء أن هذا القول من إبراهيم كذب وأكدوا قولهم بما جاء في الحديث "إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات" وللعلماء في جوابهم طريقان: أحدهما تسليم أنه كذب ولكنهم قالوا: الكذب ليس قبيحاً لذاته وإنما يقبح لاشتماله على مفسدة.

وقد يحسن الكذب إذا اشتمل على مصلحة كتخليص نبي ونحوه، وزيف هذا الطريق بأنا لو جوزنا أن يكذب النبي لمصلحة لبطل الوثوق بالشرائع، فلعل الأنبياء أخبروا عما أخبروا لمصلحة المكلفين في باب المعاش مع أنه ليس للمخبر عنه وجود كما في الواقع.

الطيق الثاني وعليه جمهور المحققين المنع من أنه كذب وبيانه من وجوه: الأول أنه من المعاريض التي يقصد بها الحق وهو إلزام الخصم وتبكيته كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط في غاية الحسن، أنت كتبت هذا وصاحبك أمي لا يحسن الخط فقلت له: بل كتبته أنت.

كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع استهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي.

الثاني أن إبراهيم  غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزينة، وكأن غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي تسبب لاستهانته بها.

الثالث أن يكون ذلك حكاية لما يؤل إليه مذهبهم كأنه قال: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبدو يدعى إلهاً أن يقدر على أمثال هذه الأفعال، ويؤيد هذا الوجه ما يحكى أنه قال ﴿ فعله كبيرهم هذا ﴾ غضب أن تعبد معه هذه الصغار، الرابع ما يروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله ﴿ بل فعله ﴾ ثم يبتدئ ﴿ كبيرهم هذا ﴾ أي فعله من فعله.

الخامس عن بعضهم أنه يقف عند قوله ﴿ كبيرهم هذا فاسئلوهم ﴾ وأراد بالكبير نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم.

السادس أن في الكلام تقديماً وتأخيراً والتقدير "بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم".

فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطاً بكونهم ناطقين، فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين، السابع قراءة محمد بن السميفع ﴿ فعله كبيرهم ﴾ بالتشديد أي فلعل الفاعل ﴿ كبيرهم ﴾ وفيه تعسف.

وأما قول إبراهيم  ﴿ إني سقيم ﴾ فلعله كان به سقم قليل وسوف يجيء تمام البحث فيه.

وأما قوله لسارة "إنها أختي" فالمراد أنها أخته في الدين فلم يكن وقتئذ على وجه الأرض مسلم سواهما ﴿ فرجعوا إلى أنفسهم ﴾ حين نبههم على قبح طريقتهم ﴿ فقالوا إنكم أنتم الظالمون ﴾ لأنكم تعبدون من لا يستحق العبادة.

وقال مقاتل: معناه فلاموا أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير.

وقيل: أنتم الظالمون لأنفسكم إذا سألتم منه ذلك حتى أخذ يستهزئ بكم في الجواب.

يقال: نكسته اي قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وانتكس انقلب، وانتكاس الإنسان هو أن يكون رأسه من تحت فلهذا قال ﴿ ثم نكسوا على رؤوسهم ﴾ والمراد أنهم استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاؤوا بالفكرة الصالحة، ثم انقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا في المجادلة قائلين ﴿ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ﴾ وفيه أنهم رضوا بإلاهتها مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق.

وقال ابن جرير: المعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم وبيان انتكاس الحجة قولهم ﴿ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ﴾ فإن هذه حجة عليهم لا لهم.

وقيل: المراد بانتكاس رؤوسهم إطراقهم خجلاً وانكساراً.

ثم زاد إبراهيم في توبيخهم قائلاً ﴿ أفتعبدون ﴾ الآية وقد مر في سورة سبحان أن "أف" صوت يدل على التضجر، والام لبيان المتأفف به، أي لكم ولآلهتكم هذا التأفف وذلك أنه أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم.

﴿ قالوا حرقوه ﴾ المشهور أن الذي اشار بتحريقه هو نمرود بن كنعان ابن سنجاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح.

وقال مجاهد: سمعت ابن عمر يقول: إنه رجل من أعراب العجم يريد الأكراد.

وعن ابن جريج عن وهب أن الذي قال هذا القول قد خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.

روى مقاتل أن نمرود وقومه أجمعوا على إحراقه فحبسوه ثم بنوا بيتاً كالحظيرة بكوثى وهي من قرى الأنباط وذلك قوله ﴿ ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم  ﴾ ثم جمعوا له الحطب الكثير اربعين يوماً حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم.

فلما اشتعلت النار اشتدت وصار الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق ثم أخذوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً فضجت السماء والأرض ومن فيهما من الملائكة إلا الثقلين ضجة واحدة: أي ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم وإنه يحرق فيك، فأذن لنا في نصرته، فقال  : إن استغاث بأحد منكم فأغيثوه وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه.

فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن الرياح وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليك.

ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل.

وروي أنه قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك.

ثم أتاه جبرائيل في الهواء فقال: يا إبراهيم هل لك حاجة؟

قال: أما إليك فلا.

قال: فسل ربك.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي: فأرسل الله ملائكة أخذوا بضبعيه وأقعدوه في الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس ولم تحرق النار منه إلا وثاقه.

وأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة وقال: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي.

قال المنهال بن عمرو: أخبرت أن إبراهيم مكث في النار أربعين يوماً أو خمسين.

وقال: ما كنت أياماً أطيب عيشاً مني إذ كنت فيها قلت: وذلك لاستغراقه في بحر الفيوض والآثار الربانية ولو لم يكن فيه إلا القرب من لطف خليله والبعد من قهر عدوه لكفى.

ثم نظر نمرود من صرح له مشرف على إبراهيم فرآه جالساً في روضة ومعه جليس له من الملائكة والحطب يحترق حواليه فناداه يا إبراهيم: هل تستطيع أن تخرج منها؟

قال: نعم.

فقام يمشي حتى خرج.

فقال نمرود: إني مقرب إلى ربك قرباناً فذبح أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم، وكان إبراهيم  إذ ذاك ابن ست عشرة سنة.

قال العلماء: اختاروا العقاب بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه ولهذا جاء في الحديث "لا يعذب في النار إلا خالقها" ومن ثم قالوا ﴿ وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ﴾ أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصراً قوياً فاختاروا له أشد العقاب وهو الإحراق وإلا كنتم مقصرين في نصرتها ﴿ قلنا ﴾ عن السدي أن القائل هو جبرائيل  والأكثرون على أنه  .

وذهب ابو مسلم الأصفهاني إلى أنه لا قول هناك بل أراد به الجعل لأن النار جماد فلا فائدة في خطابه.

ويمكن أن يجاب بأن الله قادر على أن يخلق لها فهماً يصح به التخاطب، ولو سلم فلعل في ذلك الخطاب مصلحة للملائكة.

والظاهر أن قوله ﴿ يا نار ﴾ خطاب لتلك النار المخصوصة فإن الغرض يتعلق ببردها فقط وفي النار منافع للخلائق، فلا يحسن من الكريم إبطالها.

وقيل: المذكور اسم الماهية فلا بد من حصول البرد في تلك الماهية أينما وجدت، ويناسبه رواية مجاهد عن ابن عباس أنه لم يبق يومئذ في الدنيا ونار إلا طفئت.

واختلفوا في أن النار كيف بردت؟

فقيل: إنه  أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق والله على كل شيء قدير.

وقيل: خلق في جسد إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار كما يفعل بخزنة جهنم، وكذلك في النعامة لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة، والسمندل ولا يؤذيه المقام في النار.

وقيل: جعل بينه وبين النار حائلاً منع وصول اثر النار إليه.

والمحققون على القول الأول لأن النص دل ظاهره على أن نفس النار صارت باردة، وليست الحرارة جزءاً من مسمى النار حتى يمتنع كونها ناراً وهي باردة، وأما على القولين الآخرين فيلزم أن لا يحصل البرد فيها وهو خلاف النص قوله ﴿ وسلاماً ﴾ أي ذات برد وسلام فبولغ في ذلك حتى كأن ذاتها برد وسلام.

والمعنى ابردي حتى يسلم منك إبراهيم، أو ابردي برداً غير ضار ويناسبه ما روي عن ابن عباس لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها.

وقوله ﴿ على إبراهيم ﴾ حال من فاعل الكون أو متعلق بالبرد والسلام، ولولا هذا القيد لكانت النار برداً على كافة الخلق، قوله ﴿ فجعلناهم الأخسرين ﴾ وفي الصافات ﴿ فجعلناهم الأسفلين  ﴾ لأن في هذه السورة كادهم إبراهيم لقوله ﴿ لأكيدن أصنامكم ﴾ وكادوه لقوله ﴿ وارادوا به كيداً ﴾ فغلبهم إبراهيم لأنه كسر أصنامهم وسلم من نارهم فكانوا هم الأخسرين.

وفي الصافات ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم  ﴾ فأججوا ناراً عظيمة وبنوا بناء عالياً ورفعوه إليه ورموا به إلى أسفل فرفعه الله وجعلهم في الدنيا من السافلين وفي العُقبى في السافلين.

ويروى أنهم بنوا لإبراهيم بنياناً وألقوه فيه، ثم أوقد عليه النار سبعة أيام ثم أطبقوا عليه، ثم فتحوا عنه فإذا هو غير محترق يعرق عرقاً.

فقال لهم حارث أبو لوط: إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله، فجعلوا فوق بئر وأوقدوا تحته فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته فآمن له لوط كما يجيء في العنكبوت، وهاجر إلى ارض الشام فذلك قوله ﴿ ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها ﴾ اي بالخصب وسعة الأرزاق أو بالمنافع الدينية لأن أكثر الأنبياء بعثوا فيها.

وقيل: ما من أرض عذب إلا وينبع أصله من تحت صخرة بيت المقدس.

يروى أنه نزل بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة.

وقيل: الأرض مكة ﴿ ووهبنا له ﴾ أي لإبراهيم ﴿ إسحق ويعقوب نافلة ﴾ هي ولد الولد وهي حال من يعقوب فقط، وقيل: النافلة العطية الزائدة ومنه الصلاة النافلة.

ونوفل للرجل الكثير العطاء، وعلى هذا احتمل أن يكون حالاً من يعقوب فقط أي سأل إسحق فأعطيه وأعطى يعقوب زيادة وفضلاً من غير سؤال.

واحتمل أن يكون حالاً من كليهما أي وهبناهما له عطية منا، والأول قول مجاهد وعطاء، والثاني وهو أن النافلة العطية قول ابن عباس وأبي بن كعب وقتادة والفراء والزجاج ﴿ وكلا ﴾ من إبراهيم وإسحق ويعقوب ﴿ جعلنا صالحين ﴾ قال الضحاك: اي مرسلين وقال غيره: عالمين عاملين.

وفي قوله ﴿ جعلنا صالحين ﴾ وكذا قوله ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ دلالة الأشاعرة على أن الصلاح بجعل الله وكذا الإمامة وغيرها من الأفعال أجاب الجبائي بأنه اراد تسميتهم بذلك ومدحهم وأنه حكم به لهم كما يقال: إن الحاكم عدل فلاناً وجرحه إذا حكم بالعدالة والجرح، وضعف بأنه خلاف الظاهر.

وقوله ﴿ يهدون بأمرنا ﴾ اي يدعون الناس إلى دين الله بأمرنا وإرادتنا.

قال أهل السنة: فيه أن الدعوة إلى الحق والمنع من الباطل لا يجوز إلا بأمر الله  .

وقالت المعتزلة: فيه أن من صلح لأن يقتدى به في الدين فالهداية واجبة عليه ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها.

ولا خلاف في أن الهادي إذا كان مهتدياً بنفسه كان الإنتفاع بهداه أعم والنفوس إلى الاقتداء به أميل فلذلك قال ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات ﴾ اي أن يفعلوها لأن المراد هو إيحاء أن يحدثوا الخيرات من انفسهم ونفس الفعل الخير لا يمكن إيحاؤه فرد إلى فعل الخيرات تخفيفاً، فإن المقصود معلوم، ثم أضيف المصدر إلى المفعول لإفادة تخفيف آخر في اللفظ وكذلك ﴿ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ﴾ أي أوحينا إليهم أن يقيموا ويؤتوا، قال الزجاج، حذف الهاء من إقامة لأن المضاف إليه عوض منها.

وقال غيره: الإقام والإقامة مصدران.

ولا ريب أن تخصيص هاتين الخصلتين بالذكر دليل على شرفهما والأولى أصل التعظيم لأمر الله، والثانية أصل الشفقة على خلق الله.

﴿ وكانوا لنا عابدين ﴾ فيه أنه  لما وفى بعهد الربوبية فآتاهم النبوّة والدرجات العالية فهم ايضاً وفوا بعهد العبودية فلم يغفلوا عنها طرفة عين.

قوله ﴿ ولوطاً ﴾ عن الزجاج أنه معطوف على ﴿ أوحينا ﴾ وعن أبي مسلم أنه معطوف على قوله ﴿ ولقد آتينا إبراهيم ﴾ والحكم الحكمة، وقيل الفصل بين الخصوم، وقيل النبوة والقرية سذوم والمراد أهلها وخبائثهم مشهورة قد عددت في "الأعراف" وفي "هود".

و ﴿ قوم سوء ﴾ نقيض رجل صدق ﴿ وأدخلناه في رحمتنا ﴾ أي أهل رحمتنا أو في الجنة والثواب.

عن ابن عباس والضحاك.

وقال مقاتل: هي النبوة أي أنه لما كان من الصالحين آتيناه النبوة كي يقوم بحقها.

وقال أهل التحقيق: حين آتاه الحكم والعلم وتخلص من جلساء السوء فتحت عليه أبواب المكاشفات وتجلت له أنوار الذات والصفات وإنها هي الرحمة في الحقيقة.

قوله ﴿ ونوحاً ﴾ وكذا نظائره معطوف على قوله ﴿ ولقد آتينا ﴾ أو المراد واذكر نوحاً.

و ﴿ إذ نادى ﴾ بدل منه اي اذكر وقت ندائه ﴿ من قبل ﴾ هؤلاء المذكورين والنداء هو دعاؤه على قومه بنحو قوله ﴿ فدعا ربَّه أنّي مغلوب فانتصر  ﴾ .

وقوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاستجبنا له فنجيناه وأهله ﴾ أي أهل دينه وهم من معه في الفلك ﴿ من الكرب العظيم ﴾ وهو الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه وإيذائهم.

وفي لفظ الكرب وهو الغم الذي يأخذ بالنفس، ثم وصفه بالعظم إشعار بأنه  لقي من قومه أذى شديداً لا يكتنه كنهه.

ثم زاده بياناً بقوله ﴿ ونصرناه ﴾ الاية.

تقول: نصرته منه فانتصر إذا جعلته منتصراً منه أي منتقماً.

﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في ﴾ شأن ﴿ الحرث إذ نفشت ﴾ ظرف ﴿ ليحكمان ﴾ وهو حكاية حال ماضية.

قال ابن السكيت.

النفش بالتحريك أن ينتشر الغنم بالليل من غير راع وعليه جمهور المفسرين.

وعن الحسن: إنه يكون ليلاً ونهاراً.

وليس في قوله ﴿ وكنا لحكمهم ﴾ دلالة على أن أقل الجمع اثنان لاحتمال أنه أرادهما والمتحاكمين إليهما.

والضمير في ﴿ ففهمناها ﴾ للحكومة أو الفتوى.

ويروى أنه دخل رجلن على داود  أحدهما صاحب حرث.

اي زرع.

وقيل كرم- والآخر صاحب غنم.

فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا دخلت حرثي وأكلت منه شيئاً.

فقال داود: اذهب فإن الغنم لك.

فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟

فأخبراه.

فقال: لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا.

فأخبر بذلك أبوه فدعاه وقال: كيف كنت تقضي بينهما؟

قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث فتكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا عاد الحرث من العام القابل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم غلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه.

قال أبو بكر الأصم: الحكمان واحد لأن الثاني بيان للأول.

والمشهور عن الصحابة ومن بعدهم أنهما متغايران لقوله ﴿ وكنا لحكمهم ﴾ ولقوله: ﴿ ففهمناها ﴾ والفاء للتعقيب فدل على أنه فهم حكماً خلاف الأول.

وعلى تقدير الاختلاف فهما بالوحي أو بالاجتهاد، فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من لم يجوز الاجتهاد على الأنبياء أصلاً كالجبائي لقوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ ﴿ أن أتبع إلا ما يوحى إليّ  ﴾ ولأن النبي قادر على تحصيل حكم الواقعة بالنص، ولأن مقتضى الاجتهاد مظنون وخلاف المظنون لا يوجب الكفر وخلاف الرسول يوجب الكفر، ولما ثبت أن النبي  كان يتوقف في بعض الأحكام انتظاراً للوحي ولو جاز له الاجتهاد لم يتوقف، ولأنه لو جاز على النبي لجاز على جبرائيل ايضاً وحينئذ يرتفع الأمان عن الوحي فلعل هذه الشرائع من مجتهدات جبرائيل.

وأجيب بأنه إذا أوحي إليه جواز الاجتهاد له صح قوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى  ﴾ وبأن الحكم الحاصل عن الاجتهاد مقطوع لا مظنون لأنه  إذا قال له مهما غلب على ظنك كون الحكم في الأصل معللاً بكذا ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بذلك فهذا الحكم مقطوع به والظن واقع في طريقه.

سلمنا جواز المخالفة لكنه مشروط بصدوره عن غير معصوم، ولهذا لو اجتمعت الأمة على مسألة اجتهادية امتنع خلافهم.

وكان الرسول أوكد، وبأن التوقف لعله وجد منه حين لم يظهر له وجه الاجتهاد وبأن الأمة أجمعوا على عدم جواز اجتهاد جبرائيل.

ومما يدل على جواز الاجتهاد لنا أنه إذا غلب على ظن المجتهد أحد الطرفين فإن عمل بهما كان جمعاً بين النقيضين، وان أهملهما لزم ارتفاع النقيضين، وإن عمل بالمرجوح دون الراجح فذلك باطل بالاتفاق فلم يبق إلا العمل بالراجح.

قال الجبائي: ولئن سلمنا أن الاجتهاد على الأنبياء جائز لكن هذه المسألة غير اجتهادية لأن الذي أتلفه صاحب الماشية مجهول المقدار، فكيف يجعل الغنم في مقابلة ذلك؟

وأيضاً إن اجتهاد داود إن كان صواباً فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان خطأ فكيف لم يذكر الله توبته بل مدحه بقوله ﴿ وكلا آتينا حكماً وعلماً ﴾ وايضاً لو حكم بالاجتهاد لم يسم ذلك علماً، وأيضاً قوله ﴿ ففهمناها ﴾ يدل على أنه من الله لا من سليمان.

وأجيب بأن الجهالة بعد تسليمها قد تكون معفواً عنها كما في حكم المصراة، ولعل الخطأ في اجتهاده كان من الصغائر فلهذا أهمل ذكره والاجتهاد من باب العلوم والظن في الطريق كما مر، والذي يحصل في نظر المجتهد مستند إلى الله.

أما الذين منعوا من الاجتهاد مطلقاً أو في هذه المسألة، فذهبوا إلى أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان، ولا استبعاد في أن يوحي الناسخ إلى غير من أوحى إليه المنسوخ.

قال الفقهاء: مثال حكومة داود في شرعنا قول أبي حنيفة في العبد إذا جنى على النفس خطأ يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وعند الشافعي يبيعه في ذلك ويفديه، ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث.

ومثال حكومة سليمان قول الشافعي فمن غصب عبداً فأبق من يده فإنه يضمن القيمة فينتفع به المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر العبد يرد ويقال له ضمان الحيلولة.

هذا ولو وقعت هذه القضية في شرعنا فلا ضمان عند أبي حنيفة وأصحابه لا بالليل ولا بالنهار، لأن (جرح العجماء جبار.) إلا أن يكون معها راع.

والشافعي يوجب الضمان بالليل دون النهار لأن الليل وقت الهدوء وجمع الماشية، فتسريحها تقصير من صاحبها بخلاف النهار.

وعن البراء بن عازب أنه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدته، فذكروا ذلك لرسول الله  فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، لأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.

قال بعض الأصوليين: كل مجتهد مصيب لقوله ﴿ وكلا آتينا حكماً وعلماً ﴾ وقال بعضهم: المصيب واحد لقوله ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ ولو كان كلاهما مصيباً لم يكن لتخصيص سليمان بالفهم فائدة.

وضعف بعضهم كلا الاستدلالين بعد تسليمهما بأن ما ثبت في شرعهم لا يلزم أن يكون ثابتاً في شرعنا.

ولما مدح داود على سبيل الاشتراك ذكر ما يختص بكل منهما فبدأ بداود قائلاً: ﴿ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ﴾ أي حال كونهن مسبحات أو هو استئناف كأنه قيل: كيف سخرهن؟

فقال: ﴿ يسبحن ﴾ ﴿ والطير ﴾ وهو معطوف على الجبال أو مفعول معه، وتسبيح الجبال إما حقيقة أو مجاز وعلى الأول قال مقاتل: كان إذا سبح داود سبح الجبال والطير معه.

وقال الكلبي: إذا سبح داود أجابته الجبال.

وقال سليمان بن حيان: كان داود إذا وجد فترة أمر الله  الجبال فسبحت فيزداد نشاطاً واشتياقاً.

وعلى الثاني قيل: كانت الجبال تسير معه حيث سار فكل من رآها كان يسبح الله  ، فلما حملت على التسبيح وصفت به وهذا القول اختيار كثير من أصحاب المعاني والمعتزلة، لأن الجماد غير قابل للحياة والفهم عندهم، ولأن المتكلم هو الذي يفعل الكلام لا الذي يكون محلاً للكلام، ولهذا يقال: إن المتكلم هو الله حين كلم موسى لا الشجرة.

وإنما قدم التسبيح الجبال على الطير لأن ذلك أدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، فإن الطير أقرب إلى الحيوان الناطق من الجماد ولا يلزم من نطق الطير أو الجبل أن يكونا مكلفين فليس كل ناطق مكلفاً كالأطفال والمجانين: ﴿ وكنا فاعلين ﴾ اي قادرين على أن نفعل أمثال هذه الخوارق على أيدي الأنبياء لأجلهم وإن كانت عجيبة عندكم.

واللبوس اللباس يقال: البس لكل حالة لبوسها والمراد الدرع.

عن قتادة أنها كانت صفائح فسردها وحلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وتوارث الناس منه وعمت النعمة بها لكل المحاربين فلذلك قال ﴿ فهل أنتم شاكرون ﴾ قال علماء المعاني: هذا التركيب أدخل في الإنباء عن طلب الشكر من قولنا "فهل أنتم تشكرون" إذ المختار فيه أن يقدر مفسر محذوف اي هل تشكرون تشكرون.

ومن قولنا" أفأنتم شاكرون" لأنه وإن كان ينبئ عن عدم التجدد لمكان الجملة الاسمية إلا أنه دون المذكور في القرآن فإن "هل" ادعى للفعل من الهمزة، فترك الفعل معه يكون أدخل في الإنباء عن استدعاء المقام عدم التجدد لأن تخلف المعلوم عن العلة القوية يدل على وجود مانع أقوى منه إذا تخلف عن العلة الضعيفة.

ثم حكى ما أنعم به على سليمان فقال ﴿ ولسليمان ﴾ أي وسخرنا له ﴿ الريح ﴾ حال كونها ﴿ عاصفة ﴾ ولا ينافي هذا قوله في ﴿ فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب  ﴾ لأن المراد أنها مع كونها في نفسها رخية طيبة كالنسيم كانت في عملها عاصفة تحمل كرسيه من اصطخر إلى الشام، أو أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفاً لهبوبها على حسب إرادته وأمره.

وفي قوله ﴿ وكنا بكل شيء عالمين ﴾ إشارة أنه فعل كل ما فعل بالأنبياء المذكورين عن حكمة بالغة وتدبير محكم وإحاطة بأحوالهم وعلم باستئهالهم.

قوله ﴿ ومن الشياطين ﴾ أي سخرنا من الشياطين ﴿ من يغوصون له ﴾ ويجوز أن يكون الكلام خبر أو مبتدأ و "من" موصولة أو موصوفة.

كانوا يغوصون لأجله في البحار فيستخرجون الجواهر ﴿ ويعملون عملاً دون ذلك ﴾ أي متجاوزاً ما ذكر من بناء المدائن والقصور وسائر الصنائع العجيبة.

قالت العلماء: الظاهر أن التسخير لكفارهم دون المؤمنين منهم لإطلاق الشياطين ولقوله: ﴿ وكنا لهم حافظين ﴾ أي من أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم فساد في الجملة إذ كان من دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار.

والحفظ إما بسبب الملائكة أو مؤمني الجن الموكلين بهم، أو بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم مخالفته.

قال ابن عباس في تفسيره: يريد أن سلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء.

قبل الجبائي: كيف تتهيأ منهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة وإنما تمكنهم الوسوسة فقط، فلعل الله  كثف أجسامهم خاصة وقواهم على تلك الأعمال الشاقة وزاد في عظمهم معجزة لسليمان فلما مات سليمان ردهم إلى الخلقة الأولى.

إذ لو أبقاهم على الخلقة الثانية لكان شبهة على الناس، فلعل بعض الناس يدعي النبوة ويجعله دلالة عليها.

واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي  بأنك لم قلت: إن الجن أجسام فلعلهم من الموجودات التي ليست متحيزة ولا حالة في المتحيز.

ولا يلزم منه الاشتراك مع الباري فإن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فضلاً عن اللوازم السلبية.

سلمنا أن الجن أجسام لكن لم قلت: إن البنية شرط للقدرة وليس في يدكم إلا الاستقراء الضعيف؟

سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم فمن اين يلزم ردهم إلى الخلقة الأولى؟

فإن قال: لئلا يفضي إلى التلبيس.

قلنا: إذا ثبت أن ذلك كان معجزة لنبي قبله لم يتمكن المتنبي من الاستدلال ومن عجيب قدرة الله  أن أصلب الأجسام في هذا العالم الحجارة والحديد، وقد سخرهما الله  لداود فأنطق الحجر ولين الحديد، وفي ذلك دلالة باهرة على أنه  قادر على إحياء العظام الرميمة.

ومن الغرائب أن الشياطين مخلوقة من النار وكان يأمرهم بالغوص في الماء، وفيه إظهار الضد بالضد فتبارك الله رب العالمين.

ومن عجائب القصص والأخبار حكاية أيوب  وصبره على بلائه حتى صار مثلاً.

عن وهب بن منبه أنه كان من الروم من ولد عيص بن إسحاق وكانت أمه من ولد لوط اصطفاه الله وجعله نبياً، ومع ذلك بسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف المواشي وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل.

وكان إبليس لا يحجب عن السموات حين اخرجه الله من الجنة حتى رفع عيسى  فحجب عن أربع حتى إذا ولد نبينا  حجب عن جميع السموات إلا من استرق السمع.

قال: فسمع غبليس تحاور الملائكة في شأن أيوب فأدركه الحسد فقال: يا رب إنك أنعمت على عبدك ايوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجرّبه بشدة ولا بلاء، وأنا زعيم إن ضربته بالبلاء ليكفرن بك.

فقال الله  : انطلق فقد سلطتك على ماله.

فجمع إبليس عفاريت الجن وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال ايوب.

فقال عفريت أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من النار فأحرقت كل شيء فقال إبليس: فأت الإبل ورعاتها.

فذهب ولم يشعر الناس حتى ظهر من تحت الأرض، إعصار لا يدنو منها شيء إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها.

فذهب إبليس على شكل أولئك الرعاء إلى أيوب فوجده قائماً يصلي، فلما فرغ من الصلاة قال: يا ايوب هل تدري ما الذي صنع ربك؟

وأخبره بحال الإبل ورعاتها.

فقال أيوب: إنها ماله إذا شاء نزعه.

فقال إبليس: إن الناس منهم من يقول ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول: لو كان إلهه يقدر على شيء لمنع من وليه.

ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت به أعداءه ويفجع به أصدقاءه فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، خرجت من بطن أمي عُرياناً وأضجع في التراب عُرياناً وأحشر إلى الله عُرياناً، ولو علم الله عرياناً، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الرواح وصرت شهيداً وأوجر فيك.

فرجع غبليس إلى أصحابه خاسئاً فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتاً لا يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه.

فقال إبليس: فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها، فخرج إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول، ورد عليه أيوب الرد الأول، فرجع إبليس صاغراً فقال له عفريت آخر: عندي من القوة إذا شئت تحولت رياحاً عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه قال: فاذهب إلى الحرث والثيران، فأتاهم فأهلكهم وأخبر إبليس به ايوب فرد عليه مثل الرد الأوّل، فجعل إبليس يصيب أمواله شيئاً فشيئاً حتى أتى على جميعها.

فلما رأى إبليس صبره على ذلك صعد إلى السماء وقال: إلهي هل أنت مسلطي على ولده فإنها الفتنة الكاملة.

فقال الله: انطلق فقد سلطتك، فأتى أولاد ايوب في قصرهم فقلب القصر عليهم ثم جاء إلى أيوب متمثلاً بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه ودماغه فقال: لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل جميع أدمغتهم من أنوفهم لتقطع قلبك!

فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب وبكى وقبض قبضة من التراب فحثاها على رأه، فاغتنم ذلك إبليس، ثم يلبث أيوب حتى استغفر واسترجع فصعد إبليس ووقف موقفه وقال: إلهي إنما هون أيوب خطب المال والولد لعلمه أنك تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده وإني لك زعيم لو ابتليته في جسده ليكفرن بك.

فقال  : انطلق فقد سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه.

فأتاه فنفخ في منخره حين هو ساجد فاشتعل منه جسده وخرج من فرقه إلى قدمه ثآليل، وقد وقعت فيه حكة لا يملكها فكان يحك بأظفاره حتى كشطت أظفاره، ثم حكها بالمسوح الخشنة ثم حكها بالفخار والحجارة، ولم يزل يحكها حتى تقطع لحمه وتغير وأنتن فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشاً، ورفضه الناس كلهم غير امرأته رحمة بنت إفرايم بن يوسف  فكانت تصلح أموره.

ثم إن وهباً طول في الحكاية إلى أن قال: إن أيوب  أقبل على الله  مستغيثاً متضرعاً إليه قائلاً: يا رب لأي شيء خلقتني يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، يا ليتني كنت عرفت الذي أذنبته والعمل الذي عملت حتى صرفت وجهك الكريم عني.

ألم أكن للغريب داراً وللمسكين قراراً ولليتيم ولياً وللأرملة قيماً.

إلهي أنا عبد ذليل فإن أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي.

جعلتني للبلاء غرضاً وسلطت عليّ ما لو سطته على جبل لضعف عن حمله.

إلهي تقطعت أصابعي وسقطت لهواتي وتناثر شعري وذهب المال وصرت أسال اللقمة فيطعمني من يمن بها عليّ ويعيرني بفقري وهلاك أولادي.

قال الإمام أبو القاسم الأنصاري في جملة هذا الكلام: ليتك لو كرهتني لم تخلقني.

ثم قال: ولو كان ذلك صحيحاً لاغتنمه إبليس فإن قصده أن يحمله على الشكوى وأن يخرجه من زمرة الصابرين.

قلت: إن غرض إبليس لا يحصل بمجرد الشكوى وإنما كان غرضه أن يرتد أيوب  ولهذا قال سفيان بن عيينة: من شكا إلى الله  فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله  إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء.

الم تسمع قول يعقوب  : ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله  ﴾ .

ومما حكاه الله  من شكوى أيوب قوله ﴿ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ الضر بالفتح الضرر في كل شيء، وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال.

قال جار الله: ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة عليه وذكر ربه بما يجب أن يصدر دعاء الرحمة عنه ولم يصرح بالمطلوب، وحسن الطلب باب من أبواب الأدب.

يحكى أن عجوزاً تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصا.

فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثبة الفهود وملأ بيتها حباً.

وفي قوله: ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ رمز إلى أنه جواد مطلق لا يرحم لمنفعة تعود إليه، ولا لمضرة يدفعها عنه، ولا يطلب شيئاً، ولا يجلب مدحاً وكل رحيم سواه.

فأما رحمته لغرض من الأغراض أو لرقة طبع ونحو ذلك على أن تلك الرحمة أيضاً تتوقف على داعية يخلقها الله فيه، والآفات والآلام التي تراها في هذا العالم كلها مستندة إلى صفة قهره التي لا بد لكل ملك منه أو مستتبعة لمصالح وغايات لا يعلمها إلا هو، وإنها ضرورية في الوجود لاشتمالها على خيرات أكثر من الشرور.

واختلف العلماء في السبب الذي لأجله دعا الله ايوب؛ فعن أنس أن رسول الله  قال: "إن أيوب  بقي في البلاء ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان فدخلا عليه ذات يوم فوجدا ريحاً فقالا: لو كان أيوب عند الله خير ما بلغ إلى هذه الحالة.

قال: فما شق على أيوب شيء مما ابتلي به مثل ما سمع منهما.

فقال: اللهم إن كنت تعلم إني لم أبت شبعان وأنا أعلم بمكان جائع فصدق وهما يسمعان ثم خر أيوب ساجداً.

وقال: اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي فكشف الله ما به" .

وقال الحسن: مكث أيوب بعدما ألقي على الكناسة سبع سنين وأشهراً ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته صبرت معه وكانت تأتيه بالطعام.

وكان أيوب مواظباً على حمد الله والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه فصرخ إبليس صرخة جزعاً من صبر أيوب فاجتمع جنوده من أقطار الأرض قالوا له: ما خبرك؟

قال: أعياني هذا العبد الذي سالت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فإنه لا يزيد بالبلاء إلاّ صبراً وحمداً لله  .

فقالوا له: أي مكرك أين عملك الذي أهلكت به من مضى؟

من اين أتيت آدم حين أخرجته من الجنة؟

قال: من قبل امرأته.

قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإِنه لا يستطيع أن يعصيها لأنه لا يقربه أحد غيرها.

قال: أصبتم فانطلق حتى إذا أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة الله؟

قالت: هو هذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده.

فظن إبليس أنها جزعت فطمع فيها ووسوس إليها وذكر لها ما كان بها من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه.

قال الحسن: فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة وقال: لتذبح هذه باسم أيوب ويبرأ.

قال: فجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك أين المال وأين الماشية؟

أين الولد؟

أين الصديق؟

أين اللون؟

أين الحسن؟

أين جسمك الذي قد بلى وقد صار مثل الرماد وتتردد فيه الدواب؟

اذبح هذه السخلة واسترح، فقال أيوب: أتاك عدوّ الله ونفخ فيك ويلك من أعطانا الذي تذكرين من المال والولد والصحة؟

قالت: الله.

قال: كم متعنا به؟

قالت: ثمانين سنة.

قال: فمنذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟

قالت: منذ سبع سنين وأشهر.

قال: ويلك ما أنصفت ربك ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة!

والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، أمرتني أن نذبح لغير الله وحرام عليّ أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذي تأتيني به فطردها.

فلما نظر ايوب في شأنه وليس عنده لا طعام ولا شراب ولا صديق وقد ذهبت امرأته خر ساجداً وقال ﴿ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ فقال: ارفع رأسك فقد استجبت لك ﴿ اركض برجلك  ﴾ فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق في ظاهر بدنه دابة.

إلا سقطت ثم ضرب رجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً، وعاد غلى شبابه وجماله حتى صار أحسن مما كان حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب فجعل يضكه بيده فأوحي إليه: يا أيوب ألم أغنك؟

قال: بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها.

قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف.

ثم إن امرأته قالت: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت وتأكله السباع لأرجعن إليه.

فلما رجعت ما رأته في تلك الكناسة ولا تلك الحالة فجعلت تطوف وتبكي فدعاها أيوب وقال: ما تريدين يا أمة الله؟

فقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة.

فقال: تعرفينه إذا رايته؟

قالت: وهل يخفى علي أحد يراه.

فتبسم قائلاً: أنا هو.

فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال: إنك أمرتني أن أذبح لإبليس وإني أطعت الله وعصيت الشيطان فعافاني الله ببركة ذلك.

الرواية الثالثة: قال الضحاك ومقاتل: بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، فلما غلب أيوب إبليس ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والحجسم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها: أنت صاحبة أيوب؟

قالت: نعم.

قال: فهل تعرفيني؟

قالت: لا.

قال: أنا إله الأرض، أنا صنعت بأيوب ما صنعت وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك جميع ما لكما من مال وولد فإن ذلك عندي.

قال وهب: وسمعت أنه قال: لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله  لعوفي مما فيه من البلاء.

وايضاً قال لها: لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى ارد عليك المال والولد وأعافي زوجك.

فرجعت إلى أيوب فأخبرته فقال: أتاك عدوّ الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجلدنك مائة جلدة وقال عند ذلك ﴿ مسني الضر ﴾ يعني من طمع إبليس في سجودي وسجود زوجتي له.

الرواية الرابعة قال إسماعيل السدي: إن إبليس تمثل للقوم في صورة بشر وقال: تركتم أيوب في قريتكم أعدى إليكم ما به من العلة، فأخرجوه إلى باب البلد ثم قال لهم: إن امرأته تدخل عليكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون أن تعدي إليكم علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فتحيرت وكان لها ثلاث ذوائب فعمدت غلى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً فقال أيوب: من أين هذا؟

قالت: كل فإنه حلال.

فلما كان من الغد لم تجد شيئاً فباعت الثانية، وكذلك فعلت في اليوم الثالث وقالت: كل فإنه حلال.

فقال: لا آكل أو تخبريني فأخبرته فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم فقال: ﴿ رب إني مسني الضر ﴾ .

والرواية الخامسة قيل: سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها غلى موضعها وقال: قد جعلني الله طعمة لك فعضته عضة شديدة فقال: ﴿ مسني الضر ﴾ فأوحى الله إليه: لولا أني جعلت في كل شعرة منك صبراً لما صبرت.

واعلم أن مس الضر ههنا مطلق إلا أنه ورد في "ص" مقيداً وذلك قوله ﴿ أني مسني الشيطان بنصب وعذاب  ﴾ فصح أن يكون سنداً لهذه الروايات إلا أن الجبائي طعن فيها بأن الشيطان كيف يقدر على إحداث الأمراض والاسقام والقادر على ذلك قادر على خلق الأجسام وحينئذ يكون إلهاً.

وأيضاً إن هذه التأثيرات تنافي قوله  حكاية عنه ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم  ﴾ والجواب أنه كان بإذن من الله كما حكينا فلا محذور ولا تنافي.

وقال ومن البعيد أنه لم يسأل الله إلا عند أمور مخصوصة والجواب أن الأمور مرهونة بأوقاتها.

وقال انتهاء أمراض الأنبياء إلى حد التنفير من القبول غير جائز.

والجواب المنع ولا سيما بشرط العافية في العاقبة.

قوله  ﴿ فكشفنا ما به من ضر ﴾ مجمل يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله.

وقوله: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ تفصيل لذلك المجمل وفيه قولان: الأول قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومقاتل والكلبي: إن الله  أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم.

والثاني قال الليث: ارسل مجاهد إلى عكرمة وسئل عن الآية فقال: أراد أهلك لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا.

فقد روي أن زوجته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين ابناً له.

ثم بين الحكمة في ذلك الابتلاء ثم الاستجابة بقوله ﴿ رحمة من عندنا ﴾ لأيوب ﴿ وذكرى ﴾ لغيره من العابدين للرحمن أو الرحمة والذكرى كلاهما ﴿ للعابدين ﴾ لكي يتفكروا فيصبروا كما صبر حتى يثابوا في الدارين كما أثيب.

وإنما خص الرحمة والتذكرة بالعابدين لأنهم هم المنتفعون بذلك لا الذين يعبدون الهوى والشيطان.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ رحمة من عندنا ﴾ وقال في "ص" ﴿ رحمة منا  ﴾ لأنه بالغ ههنا في الدعاء بزيادة قوله: ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ فبالغ في الاستجابة لأن لفظ "عند" يدل على مزيد التخصيص وأنه  تولى ذلك من غير واسطة.

وحين ذكر صبر أيوب وانقطاعه إليه ذكر غيره من الأنبياء المشهورين بالصبر منهم إسماعيل  ، صبر على الانقياد للذبح وعلى الإقامة بوادٍ لا زرع فيه ولا ضرع، وصبر على بناء البيت ورفع قواعده، فلا جرم أخرج الله ببركة ذلك من صلبه خاتم النبيين، ومنهم إدريس وقد مر ذكره في سورة مريم.

قال ابن عمر: بعث إلى قومه داعياً لهم إلى الله فأبوا فأهلكهم الله ورفع إدريس إلى السماء.

ومنهم ذو الكفل قيل: هو زكريا وعلى هذا فقد تقدمت قصته أيضاً.

وفي هذا القول نظر، لأن قصة زكريا تجيء عن عقيب فيلزم التكرار.

وقيل: هو إلياس وكان خمسة من الأنبياء ذوي اسمين: إسرائيل ويعقوب، وإلياس وذو الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذو النون، ومحمد وأحمد.

وقيل: يوشع بن نون سمي بذلك لأنه ذو الحظ من الله ديناً ودنيا، أو لأنه كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم.

وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد: إنه لم يكن نبياً ولكن كان عبداً صالحاً، وقال الحسن والأكثرون: إنه من الأنبياء وهذا أقرب لأنه معطوف عليهم معدود فيما بينهم.

يروى عن ابن عباس أن اليسع أو نبياً آخر في بني إسرائيل قربت وفاته فأراد أن يستخلف رجلاً على الناس فقال: من يقبل مني خلافتي على أن يصلي بالليل ويصوم بالنهار ويقضي بين الناس فلا يغضب؟

فقام رجل وقال: أنا أتكفل لك هذه الثلاثة فدفع إليه ملكه ووفى بما ضمن، فحسده إبليس فأتاه وقت القيلولة فقال: إني لي غريماً قد ظلمني حقي وقد دعوته إليك فأبى فأرسل معي من يأتيك به، فأرسل معه وقعد حتى فاتته القيلولة وعاد إلى صلاته وصلى ليله إلى الصباح، ثم أتاه من الغد وقال مثل ذلك حتى شغله عن القيلولة وهكذا في اليوم الثالث.

وقيل: إنه في اليوم الثالث قال للبواب: قد غلب عليّ النعاس فجاء إبليس فلم يأذن له البواب فدخل من كوة البيت ودق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل وعاتب البواب فقال: أما من قبلي فلم تؤت فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق وإبليس على صورة شيخ في البيت فقال له: أتنام والخصوم على الباب فعرفه وقال: إبليس؟

قال: نعم.

أعييتني في كل شيء فعلت هذه الأفعال لأغضبك فعصمك الله مني فسمي ذا الكفل لأنه قد وفى بالكفالة.

ولا خلاف أن ذا النون هو يونس لأن النون هو المسكة والاسم إذا دار بين أن يكون لقباً محضاً وبين أن يكون مقيداً فحمله على المقيد أولى.

واختلفوا في أن وقوعه في بطن الحوت كان قبل اشتغاله بأداء الرسالة أو بعد.

أما القول الأوّل فعن ابن عباس أن يونس وقومه كانوا من فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله  إلى شعيب  أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبياً قوياً فإني ألقي في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل.

فقال له الملك: من ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء؟

فقال: يونس بن متى.

فإنه قويّ أمين.

فدعاه الملك وأمره أن يخرج فقال له يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟

قال: لا.

قال: فههنا أنبياء غيري فألحوا عليه فخرج مغاضباً للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوماً هناك وسفينة فركب معهم فاضطربت السفينة حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملاحون: ههنا رجل عاصٍ أو عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح، إلا وفيها رجل عاصٍ، ومن عادتنا في مثل هذا البلاء أن نقترع فمن خرجت له القرعة ألقيناه في البحر حتى تسلم السفينة.

فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة كلها على يونس.

فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق وألقى نفسه في البحر فابتلعه حوت، فأوحى الله  إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً لك.

ثم نجاه الله من بطن الحوت فنبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرتها حتى اشتد، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس فقيل له.

أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب سلامتهم؟.

فتوجه يونس نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فقال لملكهم: إن الله أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل.

فقالوا: ما نعرف ما تقول ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ولقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم، فلو كان كما تقول لمنعنا الله منكم.

فطاف فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله إليه قل لهم: إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب.

فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه.

فقال علماؤهم: اطلبوه فإِن كان في المدينة فليس ما ذكره بشيء، وإن كان قد خرج فهو كما قال.

فطلبوه فلم يجدوه، فلما أيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم وغنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات، فلما طلع الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاح الصبيان وثغت المواشي فرفع الله عنهم فبعثوا إلى يونس وآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل.

القول الثاني وعليه أكثر المفسرين: أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم كما مر في سورة يونس.

واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه القصة من وجوه: الأوّل أنه ذهب مغاضباً لربه هكذا فسره ابن عباس وابن مسعود والحسن والشعبي وسعيد وابن جبير ووهب واختاره ابن قتيبة ومحمد بن جرير، ومن المعلوم أن مغاضبة الله من أعظم الذنوب.

ولئن سلم أنه كان مغاضباً لقومه فذلك ايضاً محظور لأنه كان يجب أن يصبر معهم.

الثاني قوله ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ وهو شك في قدرة الله.

الثالث اعترافه بأنه من الظالمين والظلم من صفات الذم.

الرابع: إخبار الله  في موضع آخر بقوله ﴿ فالتقمه الحوت وهو مليم  ﴾ والمليم ذو الملامة.

الخامس: قوله للنبي  ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت  ﴾ وقال في موضع آخر ﴿ فاصبر كما صبر أُوْلُوْا العزم  ﴾ والجواب أنه  غضب لأجل ربه أنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله، وغاضب قومه بمفارقته كي يخوّفهم حلول العقاب عليهم عندها.

فغاية ما في الباب أن تلك المغاضبة ترك الأولى وهو الصبر على مشاق الرسالة بعد ادائها إلى أن يأذن الله له في المهاجرة.

وعن الثاني أن معنى.

﴿ لن نقدر عليه ﴾ لن نضيق كقوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر  ﴾ ﴿ ومن قدر عليه رزقه  ﴾ فهو من القدر لا من القدرة، ويجوز أن يكون من القدر بمعنى القضاء.

قال الزجاج: يقال قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً.

والمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وابن عباس في رواية واختاره الفراء والزجاج.

يقال: قدر الله عليه الضراء وقدر له السراء كما يقال: قدر القاضي على فلان أوله.

ولئن سلمنا أنه من القدرة فالمراد القدرة بالفعل أي فظن أن لن نعمل فيه قدرتنا، فالقدرة غير وإعمالها غير، فظن انتفاء الأول كفر دون الثاني أو هو وارد على سبيل التمثيل والاستعارة أي كانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله، أو هو استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه: عن ابن زيد.

سلمنا الكل لكن هذه الواقعة لعلها قبل رسالته كما حكينا ومثل هذا الظن في حق غير الأنبياء لا يبعد بوسوسة الشيطان، ولكن المؤمن يرده بعد ذلك بالبرهان.

وعن البواقي أن الكل راجع إلى ترك الأولى ونحن لا ننكر ذلك وكفى بذكر يونس في عدد الأنبياء الصابرين الصالحين دليلاً على أنه لم يصدر عنه شيء ينافي عصمته والله  أعلم.

أما قوله ﴿ فنادى في الظلمات ﴾ فمعنى الجمع راجع إلى شدة الظلمة وتكاثفها أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله ﴿ يخرجونهم من النور إلى الظلمات  ﴾ وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل.

وقيل: ابتلع حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطن الحوتين وظلمة البحر.

وقيل: إن الحوت إذا عظم غوصه في البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة.

ومعنى ﴿ أن لا إله إلا أنت ﴾ أي لا إله إلا أنت أو بأنه لا إله إلا أنت ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه له عن كل النقائص.

منها الظن المذكور على أي وجه فرض، ومنها العجز عن تخليصه، ومنها خلو ذلك الفعل عن حكمة كاملة.

﴿ إني كنت من الظالمين ﴾ بالفرار من غير إذن وأنا الآن من التائبين وفيه من حسن الطلب ما فيه فلذلك قال ﴿ فاستجبنا له ﴾ ثم بين الاستجابة بقوله ﴿ ونجيناه من الغم ﴾ أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته ﴿ و ﴾ كما أنجينا يونس من كرب الحبس إذ دعانا ﴿ كذلك ننجي المؤمنين ﴾ من كل كرب إذا استغاثوا بنا.

عن النبي  "ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له" .

وعن الحسن: ما نجاه الله إلا إقراره على نفسه بالظلم.

وقد بقي في الآية بحث لفظي وهو أن بعض أهل العربية غلطوا عاصماً في قراءته ﴿ نجي ﴾ بالتشديد والنون لا تدغم في الجيم.

واستخرج بعضهم له وجهاً وهو أن يكون ﴿ نجي ﴾ فعلاً ماضياً مجهولاً من التنجية لكنه أرسل الياء وأسند الفعل إلى المصدر المضمر ونصب المؤمنين بذلك المصدر أي نجى نجاء المؤمنين كقولك "ضرب الضرب زيداً" ثم ضرب زيداً على إضمار المصدر، وأنشد ابن قتيبة حجة لهذه القراءة: ولو ولدت فقيرة جرو كلب *** لسب بذلك الجرو الكلابا وقال أبو علي الفارسي وغيره من الأئمة المحققين: إن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر وإنما الوجه الصحيح في قراءة عاصم أن يحمل ذلك على الإخفاء، فلعل الراوي التبس عليه فظنه إدغاماً.

ثم بين انقطاع زكريا وتبتله غليه رغبة فيمن يؤنسه ويعينه في أمر دينه ودنياه وإن انتهى الحال به وبزوجته في الكبر إلى حد اليأس من ذلك عادة.

وفي قوله ﴿ وأنت خير الوارثين ﴾ وجهان: أحدهما أنه ثناء على الرب بأن مآل كل الأمور إليه فيكون مؤكداً لما فوض إليه أمر الولد.

والثاني أنه اراد إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث.

وفي إصلاح زوجه وجوه: منها أنها جعلت صالحة للولادة بعد عقرها.

ومنها أنها جعلت حسنة الخلق وكانت سيئة الخلق، ولا شك أن حسن خلق الزوج نعمة عظيمة.

ومنها أن الإصلاح يتعلق بأمر الدين كأنه سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعاً.

ويرد على الوجه الأول إن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد، والجواب أن الواو لا تفيد الترتيب أو أراد بالهبة إرادة الهبة.

أما الضمير في قوله ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ﴾ فقد قيل: إنه عائد إلى زكريا وولده وأهله.

وقال جار الله: إنه للمذكورين من الأنبياء عليهم السلام يريد أنهم ما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم إلا لمسارعتهم في تحصيل الخيرات، وهذا من أجلّ ما يمدح به المؤمن لأنه يدل على الجد والرغبة في الطاعة.

﴿ ويدعوننا رغباً ﴾ في ثوابنا ﴿ ورهباً ﴾ عن عقابنا.

ومعنى ﴿ خاشعين ﴾ قال الحسن: ذللاً لأمر الله.

وقيل: متواضعين.

وعن مجاهد: الخشوع الخوف الدائم في القلب.

وفي تقديم الجار والمجرور على ﴿ خاشعين ﴾ إشارة إلى أنهم لا يخشون أحداً إلا الله.

وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه الذي إذا ارخى ستره وأغلق بابه رأى الله منه خيراً ليس هو الذي يأكل خشباً اي علقاً ويبلس خشناً ويطأطئ رأسه.

ولما فرغ من ذكر الرجال الكاملين ذكر من هي سيدة نساء العالمين فمدحها بإحصان فرجها إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً حتى إنها منعت جبرائيل جيب درعها قبل أن عرفته.

والنفخ فيها عبارة عن إحياء عيسى في بطنها أي فنفخنا الروح في عيسى فيها كقول الزامر "فنفخت في بيت فلان" أي نفخت في المزمار في بيته، أو المراد وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا -وهو جبرائيل- لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ غلى جوفها.

وهذا البيان هو المراد في سورة التحريم فلذلك قال { ﴿ فنفخنا فيه  ﴾ أراد فرج الجيب أو غيره.

وإنما قال ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ لأنه أراد أن مجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير أب.

التأويل: الإشارات المفهومة من قصص الأنبياء أكثرها مرّ فلنذكر ما يختص بالمقام.

منها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم ﴾ أي الله الكبير لأن كسر الأصنام ليس من طبيعة الإنسانية بل من طبيعتها أن تنحتها، فإن صدر من أحدهم كسرها فإنما ذلك بتوفيق الله وتأييده.

فقوله ﴿ هذا ﴾ بدل الكلِ من الضمير في فعله: ﴿ قالوا حرقوه ﴾ إذا أراد الله أن يكمل عبداً من عباده المخلصين فداه خلقاً عظيماً كما أراد استكمال حوت في البحر فداه كثيراً من الحيتان الصغار، فلما أراد تخليص جسد الخلة من غش البشرية جعل نمرود وقومه فداء له حتى أجمعوا على تحريقه ولم يعلموا أن تلك النار له نور.

وذلك العذاب له روح وريحان، لأن نار العشق قد احرقت أنانيته حتى لم ير غير الله بل لم يبق إلا هو فلم يمكن للنار أن تتصرف فيه فوقع قوله: ﴿ قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ تمثيلاً لهذا المعنى.

بالنار خوفني قومي فقلت لهم *** النار ترحم من في قلبه نار ونجينا إبراهيم الروح ولوط القلب من أرض البشرية إلى أرض الروحانية المتبركة المشرفة المشرقة لتجلي الذات والصفات.

﴿ ونجيناه ﴾ من قرية القالب.

﴿ التي كانت تعمل الخبائث ﴾ بالأوصاف البهيمية والسبعية ﴿ وداود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ إذ يحكمان في ﴾ شأن حرث الدنيا ﴿ إذ نفشت ﴾ اي دخلت فيه في ظلمة ليل البشرية ﴿ غنم القوم ﴾ أي الصفات البشرية من غير راعي العقل فأفسدت الحرث بالإفراط والإسراف.

فحكم الروح بانجذابه إلى عالمه بالكلية أن يمنع الأوصاف عن التصرف فيها مطلقاً.

﴿ ففهمناها سليمان ﴾ القلب لكونه متقلباً في طودي الروح والجسد أن يحكم بمنع التصرف فيها إلى أن يعود الحرث من حالة الإسراف فيه المؤدي إلى الفساد إلى حالة التوسط والاعتدال الذي هو المعتبر في باب الكمال والإكمال جمعاً بين المصلحتين ورعاية للجانبين.

﴿ وسخرنا مع داود الجبال ﴾ وهي الأعضاء والجوارح التي فيها ثقل وكثافة ﴿ يسبحن ﴾ بتسبيحه ﴿ والطير ﴾ وهن القوى الحيوانية السيارة بل الطيارة بين قضاء القلب والقالب.

هذا في الباطن، وأما في الظاهر فإذا استولى سلطان الذكر على أجزاء البدن انعكس نوره في مرآة القلب إلى ما يحاذيها من الجمادات والحيوانات فيذكر ما يذكره كالحصاة سبحت في يد رسول الله  .

وعن بعض الصحابة أنه قال: كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه ﴿ وعلمنا صنعة لبوس لكم ﴾ إن الله  ألهم داود الروح كيفية إلانة القلب الذي هو في القساوة بمنزلة الحديد حتى يتولد من ذلك القلب أوصاف حميدة تحصن الإنسان من بأس الأعداء التي هي النفس والهوى والشيطان.

وسخرنا لسليمان} القلب ريح الروح الحيواني فإنه مركب الروح الإنساني به يتهيأ له السير إلى مقام بورك له فيه ﴿ ومن الشياطين ﴾ وهم الأوصاف النفسية ﴿ من يغوصون له ﴾ في بحر الحديد فيستخرجون درر الفضائل الإنسية ﴿ ويعملون عملاً دون ذلك ﴾ من الوسائط والوسائل إلى تلك الفضائل: ﴿ وكنا لهم حافظين ﴾ من أن يزيغوا عن سواء السبيل ويميلوا عن جادة الشريعة وقانون الطريقة.

قال أهل التحقيق: إذا بلغ الإنسان مبلغ الرجال البالغين سخر الله له بحسب مقامه السفليات والعلويات كما سخر لسليمان الريح والجن والشياطين والطير ومن العلويات الشمس حين ردت أجل صلاته، وسخر لنبينا جميع السفليات والعلويات حتى قال "زويت لي الأرض" وقال "أوتيت مفاتيح خزائن الأرض" وكان الماء ينبع من بين أصابعه.

وقال "نصرت بالصبا" وكانت الأشجار تسلم عليه وتسجد له وتنقلع بإشارته من مكانها وترجع، والحيوانات تتكلم معه وتشهد بنبوته.

وقال "أسلم شيطاني على يدي" .

وأما من العلويات فقد انشق القمر بإشارته وسخر له البراق وجبرائيل، وعبر السموات والجنة والنار والعرش والكرسي إلى مقام قاب قوسين أو أدنى.

﴿ وأيوب ﴾ القلب المبتلى بديوان الهواجس والوساوس الذي فارقه أوصافه الحميدة وأخلاقه الشريفة لشدة تألمه بالعلائق البدنية وعوائق الأمور الدنيوية ﴿ فكشفنا ما به من ضر ﴾ بأن قلنا له ﴿ اركض برجلك  ﴾ نظيره ﴿ وألق ما في يمينك  ﴾ لينبع ماء حياة العلم والمعرفة فتسلم من تعلقات الكونين المؤذية للقلب والروح ﴿ إذ ذهب ﴾ من عالمه ﴿ مغاضباً ﴾ لغيره من المجردات فألقي في بحر الدنيا فالتقمه حوت النفس الأمارة بالسوء، وابتلع حوت النفس حوت القالب ﴿ فنادى ﴾ في ظلمات حجب النفس والقالب والدنيا ﴿ وزكريا ﴾ الروح ﴿ وهبنا له يحيى ﴾ القلب ﴿ واصلحنا له ﴾ زوج القالب ﴿ ويدعوننا رغباً ﴾ في الفناء فينا ﴿ ورهباً ﴾ من البقاء بأنانيتهم ﴿ وكانوا لنا خاشعين ﴾ أما القالب فبأعمال الشريعة، وأما النفس فبتهذيب الأخلاق، وأما القلب فبالاطمئنان بذكر الله، وأما السر فباجتهاده في كشف الأسرار، وأما الروح فببذل الوجود في طلب المعبود، وأما الخفي فبإفنائه في الله وبقائه بالله.

﴿ ومريم ﴾ النفس ﴿ التي أحصنت ﴾ قلبها عن تصرفات الكونين فأحييناها بالحياة الأبدية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ ﴾ : قال بعضهم: "ذا النون" هو اسم من أسمائه سُمِّيَ.

وقال بعضهم: سماه ذا النون؛ لكونه في بطن النون وهو الحوت، أي: صاحب النون، سمي باسمين مختلفين: أحدهما: اسم موضوع، والآخر: مشتق من فعله وما كان، وهو ما سمى عيسى مرة، وسماه مسيحاً أخرى، أحدهما: اسم موضوع، والآخر: مشتق من فعله، وهو مما كان يمسح به المرضى والموتى فيبرءون.

وكذلك "ذا الكفل" يخرج على هذين الاسمين: أحدهما موضوع له، والآخر: مشتق من فعله على ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ مُغَاضِباً ﴾ لربه، أي: حزيناً له؛ لأنه كان أراد أن يهلك الله قومه لما أيس من إيمان قومه، وقد كثر عنادهم ومكابرتهم، فخرج حزيناً لذلك.

وقال بعضهم: مغاضباً للملك، وذلك أو قومه قد أسرهم عدوّهم، وقد كان الله أوحى إليهم فقال: إذا أسركم عدوّكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني، فإذا دعوتموني أستجب لكم، فلما أسروا نسوا أن يدعوه زماناً حتى إذا ذهبت أيام عقوبتهم ونزلت أيام عافيتهم أوحى الله  إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن ابعثوا رجلا قوياً أميناً فإني ملقٍ في قلوب الذين أسروا قومهم أن يرسلوهم، وفي القصّة طول، غير أنا نختصر، فبعث ملكهم يونس إلى أولئك الأسارى ليستنقذهم من أيديهم، فخرج وائتمر بأمره، لكنه غضب عليه لما اشتد عليه، فذلك قوله: ﴿ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ﴾ للملك، حيث أمره بالخروج إلى أولئك الأسرى.

وقال بعضهم: ذهب مغاضباً لقومه، وذلك يخرج على وجوه: أحدها: خرج من عندهم لما أيس من إيمان قومه خرج مكيدة لقومه؛ لأن السنة فيهم أنه إذا خرج رسوله من بين أظهرهم نزل بهم العذاب، فخرج من عندهم ليخافوا العذاب فيؤمنوا.

والثاني: خرج إشفاقاً على نفسه؛ لئلا يقتل؛ لما أن قومه هموا بقتله، فخرج لئلا يقتل إشفاقاً على نفسه، كما خرج رسول الله من بين أظهر قومه لما هموا بقتله، لكن رسول الله خرج بإذن، ويونس بغير إذن.

والثالث: خرج من عندهم لما أكثروا العناد والمكابرة وأيس من إيمانهم خرج ليفرغ لعبادته؛ إذ كان مأموراً بعبادة ربه ودعاء قومه إلى ذلك، فلما أيس من إيمانهم خرج كما ذكرنا بغير إذن من ربّه، وإن كان في خروجه منفعة له ولقومه، فعوتب لذلك، ولله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ أي: لن نضيق عليه، ولا نبتليه بالضيق الشديد لما خرج من عندهم، فيقال: فلان مقدر عليه، ومقتر، ومضيق عليه الأمر، وهو كقوله: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ  ﴾ أي: يضيق، وقوله: ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ  ﴾ أي: ضيق عليه رزقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ قالوا: في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.

وقال بعضهم: التقم الحوت حوت آخر، فكان في بطن حوت، وحوت آخر، وظلمة البحر، فقال: ﴿ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ وحد ربّه ونزهه عن جميع ما قيل فيه، ثم اعترف بذلته وذنبه فقال: ﴿ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ فسمع الله دعاءه، وقبل توبته، وأخبر أنه كشف عنه الغم الذي كان له حيث قال: ﴿ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ﴾ وأخبر أنه كذلك ينجي المؤمنين، فيرجى أن من ابتلاه الله بالبلاء والشدة فدعا بما دعا به يونس أن يفرجه الله عنه، حيث قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ وعلى ذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "مَنْ دَعَا بدَعْوةِ ذِي النونِ اسْتُجِيبَ له" ثم قال بعضهم: الْتَقَنَ ذلك من الأرض لما بلغ إلى قرار الأرض فقال ذلك.

وقال بعضهم: كان رجلا صالحا عابدا وكان عود نفسه ذلك قبل أن يدخل بطن الحوت، فلما دخل فيه فكان يقول فيه على ما كان يقول من قبل، وهو كقوله: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ...

﴾ الآية [الصافات: 143-144].

قال بعضهم: هذا أنه كان من المسبحين قبل هذا وإلا للبث فيه إلى ما ذكر.

وقال بعضهم: لولا أنه كان قال هذا القول: ﴿ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ، للبث فيه، فيكون على هذا التأويل: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ  ﴾ ، أي: صار من المسبحين، والأوّل أشبه، ثم اختلف في قوله: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ﴾ : قال بعضهم: ذلك الغم هو ما ابتلاه الله بالضيق في بطن الحوت والبحر، فنجاه من ذلك الغم، ولكن جائز أن يكون نجاه من الغم الذي كان به سبب خروجه من بين أظهرهم.

وقول أهل التأويل: إن يونس مكث في بطن الحوت أربعين يوماً، أو ثلاثة أيام، ونحو هذا فذلك لا يعلم إلا بالوحي، فإن ثبت الوحي فهو هو، وإلا ليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقال القتبي: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ ﴾ يعني: ذا الحوت، والنون: الحوت.

وقال أبو عوسجة: إنما سمي: ذا النون؛ لأن الحوت التقمه، والنون: الحوت، والنينان: الجمع.

وقال القتبي: قوله: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ أي: لن نضيق عليه، قال: فلان مقدر عليه ومقتر، ومنه: ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ  ﴾ أي: ضيق عليه، ومنه قوله أيضاً: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ  ﴾ أي: ضيق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- قصة صاحب الحوت يونس  ، إذ ذهب دون إذن من ربه مغاضبًا قومه لتماديهم في العصيان، فظن أننا لن نُضَيِّق عليه؛ بعقابه على ذهابه، فابتُلِي بشدة الضيق والحبس حين التقمه الحوت، فدعا في ظلمات بطن الحوت والبحر والليل؛ مقرًّا بذنبه تائبًا إلى الله منه، فقال: لا معبود بحق غيرك، تنزهتَ وتقدستَ، إني كنت من الظالمين.

<div class="verse-tafsir" id="91.bWaly"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله