الآية ٩٣ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٩٣ من سورة الأنبياء

وَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَٰجِعُونَ ٩٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٣ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٣ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وتقطعوا أمرهم بينهم ) أي : اختلفت الأمم على رسلها ، فمن بين مصدق لهم ومكذب; ولهذا قال : ( كل إلينا راجعون ) أي : يوم القيامة ، فيجازى كل بحسب عمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وتفرّق الناس في دينهم الذي أمرهم الله به ودعاهم إليه ، فصاروا فيه أحزابا ، فَهَودت اليهود ، وتنصَّرت النصارى وعُبدت الأوثان ، ثم أخبر جلّ ثناؤه عما هم إليه صائرون ، وأن مرجع جميع أهل الأديان إليه ، متوعدا بذلك أهل الزيغ منهم والضلال ، ومعلمهم أنه لهم بالمرصاد ، وأنه مجاز جميعهم جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ( وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد ، في قوله ( وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) قال: تقطَّعوا: اختلفوا ، في الدين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبونقوله تعالى : وتقطعوا أمرهم بينهم أي تفرقوا في الدين ؛ قاله الكلبي .

الأخفش : اختلفوا فيه .

والمراد المشركون ؛ ذمهم لمخالفة الحق ، واتخاذهم آلهة من دون الله .

قال الأزهري : أي تفرقوا في أمرهم ؛ فنصب أمرهم بحذف ( في ) .

فالمتقطع على هذا لازم وعلى الأول متعد .

والمراد جميع الخلق ؛ أي جعلوا أمرهم في أديانهم قطعا وتقسموه بينهم ، فمن موحد ، ومن يهودي ، ومن نصراني ، ومن عابد ملك أو صنم .

كل إلينا راجعون أي إلى حكمنا فنجازيهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وكان اللائق، الاجتماع على هذا الأمر، وعدم التفرق فيه، ولكن البغي والاعتداء، أبيا إلا الافتراق والتقطع.

ولهذا قال: { وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أي: تفرق الأحزاب المنتسبون لاتباع الأنبياء فرقا، وتشتتوا، كل يدعي أن الحق معه، والباطل مع الفريق الآخر و { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } وقد علم أن المصيب منهم، من كان سالكا للدين القويم، والصراط المستقيم، مؤتما بالأنبياء وسيظهر هذا، إذا انكشف الغطاء، وبرح الخفاء، وحشر الله الناس لفصل القضاء، فحينئذ يتبين الصادق من الكاذب، ولهذا قال: { كُلٌّ } من الفرق المتفرقة وغيرهم { إِلَيْنَا رَاجِعُونَ } أي: فنجازيهم أتم الجزاء

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وتقطعوا أمرهم بينهم ) أي اختلفوا في الدين فصاروا فرقا وأحزابا قال الكلبي : [ فرقوا دينهم بينهم ] يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض والتقطع هاهنا بمعنى التقطيع ( كل إلينا راجعون ) فنجزيهم بأعمالهم

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وتَقطَّعوا» أي بعض المخاطبين «أمرهم بينهم» أي تفرقوا أمر دينهم متخالفين فيه، وهم طوائف اليهود والنصارى قال تعالى: «كل إلينا راجعون» أي فنجازيه بعمله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لكن الناس اختلفوا على رسلهم، وتفرَّق كثير من أتباعهم في الدين شيعًا وأحزابًا، فعبدوا المخلوقين والأهواء، وكلهم راجعون إلينا ومحاسبون على ما فعلوا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال الناس من الدين الواحد الذى جاء به الرسل ، وعاقبة من اتبع الرسل وعاقبة من خالفهم فقال : ( وتقطعوا أَمْرَهُمْ .

.

.

) .والضمير فى قوله - تعالى - : ( وتقطعوا ) يعود للناس الذى تفرقوا فى شأن الدين شيعا وأحزابا .

أى : وافترق الناس فى شأن الدين الحق فرقا متعددة ، وسنحاسبهم جميعا على أعمالهم حسابا دقيقا ، يجازى فيه المحسن خيرا ، ويعاقب فيه المسىء على إساءته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال صاحب الكشاف: الأمة الملة وهو إشارة إلى ملة الإسلام، أي أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها يشار إليها بملة واحدة غير مختلفة، وأنا إلهكم إله واحد فاعبدون، ونصب الحسن (أمتكم) على البدل من هذه ورفع أمة خبراً وعنه رفعهما جميعاً خبرين أو نوى للثاني المبتدأ.

أما قوله تعالى: ﴿ وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريق الالتفات كأنه ينقل عنهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء، والمعنى جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً كما تتوزع الجماعة الشيء ويقسمونه فيصير لهذا نصيب ولذلك نصيب تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى.

أما قوله تعالى: ﴿ كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون ﴾ فقد توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو محاسبهم ومجازيهم، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة فتهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة واحدة، قالوا: يا رسول الله من تلك الفرقة الناجية؟

قال: الجماعة الجماعة الجماعة» فتبين بهذا الخبر أن المراد بقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ ﴾ الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من التوحيد والنبوات، وأن في قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الناجية إنها الجماعة إشارة إلى أن هذه أشار بها إلى أمة الإيمان وإلا كان قوله في تعريف الفرقة الناجية إنها الجماعة لغواً إذ لا فرقة تمسكت بباطل أو بحق إلا وهي جماعة من حيث العدد وطعن بعضهم في صحة هذا الخبر، فقال: إن أراد بالثنتين والسبعين فرقة أصول الأديان فلم يبلغ هذا القدر، وإن أراد الفروع فإنها تتجاوز هذا القدر إلى أضعاف ذلك، وقيل أيضاً: قد روى ضد ذلك، وهو أنها كلها ناجية إلا فرقة واحدة.

والجواب: المراد ستفترق أمتي في حال ما وليس فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال لا يجوز أن يزيد وينقص.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

والأصل: وتقطعتم، إلا أن الكلام حرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله.

والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً، كما يتوزع الجماعة الشيء ويتقسمونه، فيطير لهذا نصيب ولذاك نصيب، تمثيلاً لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى.

ثم توعدهم بأنّ هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو محاسبهم ومجازيهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ صَرَفَهُ إلى الغَيْبَةِ التِفاتًا لِيَنْعى عَلى الَّذِينَ تَفَرَّقُوا في الدِّينِ وجَعَلُوا أمْرَهُ قِطَعًا مُوَزَّعَةً بِقَبِيحِ فِعْلِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.

﴿ كُلٌّ ﴾ مِنَ الفِرَقِ المُتَحَزِّبَةِ.

﴿ إلَيْنا راجِعُونَ ﴾ فَنُجازِيهِمْ.

﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ ﴾ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ.

﴿ فَلا كُفْرانَ ﴾ فَلا تَضْيِيعَ.

﴿ لِسَعْيِهِ ﴾ اسْتُعِيرَ لِمَنعِ الثَّوابِ كَما اسْتُعِيرَ الشُّكْرُ لِإعْطائِهِ ونَفْيُ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ وَإنّا لَهُ ﴾ لِسَعْيِهِ.

﴿ كاتِبُونَ ﴾ مُثْبِتُونَ في صَحِيفَةِ عَمَلِهِ لا يَضِيعُ بِوَجْهٍ ما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أصل الكلام وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة

الأنبياء (٩٨ - ٩٣)

الالتفات والمعنى وجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً وصاروا فرقاً وأحزاباً ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة {كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون} فنجازيهم على أعمالهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ لَمّا عَلِمَ إصْرارَهم قِيلَ: ﴿ وتَقَطَّعُوا ﴾ إلَخْ، وحاصِلُ المَعْنى المِلَّةُ واحِدَةٌ والرَّبُّ واحِدٌ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَّفِقُونَ عَلَيْها وهَؤُلاءِ البُعَداءُ جَعَلُوا أمْرَ الدِّينِ الواحِدِ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا كَما يَتَوَزَّعُ الجَماعَةُ الشَّيْءَ الواحِدَ انْتَهى، والأظْهَرُ العُمُومُ، وأمْرُ النَّظْمِ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ مِن كَلامِ الطَّيِّبِيِّ بِأدْنى التِفاتٍ وقَرَأ الحَسَنُ ( أُمَّتَكم ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( هَذِهِ ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ و(أُمَّةٌ واحِدَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ.

وقَرَأ هو أيْضًا وابْنُ إسْحاقَ والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَعْفِيُّ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو.

والزَّعْفَرانِيُّ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّهُما خَبَرُ إنَّ، وقِيلَ: الأوَّلُ خَبَرٌ والثّانِي بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي أُمَّةٌ واحِدَةٌ ﴿ وأنا رَبُّكُمْ ﴾ أيْ أنا إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴿ فاعْبُدُونِ ﴾ خاصَّةً، وتَفْسِيرُ الرَّبِّ بِالإلَهِ لِأنَّهُ رُتِّبَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالعِبادَةِ، والدَّلالَةُ عَلى الوَحْدَةِ مِن حِدَةِ المِلَّةِ، وفي لَفْظِ الرَّبِّ إشْعارٌ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ الرَّبَّ إنْ تُوُهِّمَ جَوازُ تَعَدُّدِهِ في نَفْسِهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَرْبُوبٍ إلّا رَبٌّ واحِدٌ لِأنَّهُ مُفِيضُ الوُجُودِ وكِمالاتِهِ مَعًا، وفي العُدُولِ إلى لَفْظِ الرَّبِّ تَرْجِيحُ جانِبِ الرَّحْمَةِ وأنَّهُ تَعالى يَدْعُوهم إلى عِبادَتِهِ بِلِسانِ التَّرْغِيبِ والبَسْطِ قالَهُ في الكَشْفِ.

﴿ وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ جَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا عَلى أنَّ تَقَطَّعَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَعْلِ فَلِذا تَعَدّى إلى ﴿ أمْرَهُمْ ﴾ بِنَفْسِهِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: تَقَطَّعُوا أمْرَهم أيْ في أمْرِهِمْ أيْ تَفَرَّقُوا، وقِيلَ: عُدِّيَ بِنَفْسِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى قَطَّعُوا أيْ فَرَّقُوا، وقِيلَ.

﴿ أمْرَهُمْ ﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ أيْ تَقَطَّعَ أمْرُهُمُ انْتَهى، وما ذُكِرَ أوَّلًا أظْهَرُ وأمْرُ التَّمْيِيزِ لا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، ثُمَّ أصْلُ الكَلامِ وتَقَطَّعْتُمْ أمْرَكم بَيْنَهم عَلى الخِطابِ فالتَفَتَ إلى الغَيْبَةِ لِيَنْعى عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ وجَعْلِهِ قِطَعًا مُوَزَّعَةً ويُنْهِي ذَلِكَ إلى الآخَرِينَ كَأنَّهُ قِيلَ ألا تَرَوْنَ إلى عِظَمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أجْمَعَتْ عَلَيْهِ كافَّةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفي ذَلِكَ ذَمٌّ لِلِاخْتِلافِ في الأُصُولِ.

﴿ كُلٌّ ﴾ أيْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الفِرَقِ المُتَقَطِّعَةِ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِن آحادِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الفِرَقِ ﴿ إلَيْنا راجِعُونَ ﴾ بِالبَعْثِ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيهِمْ حِينَئِذٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الثُّبُوتِ والتَّحَقُّقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، يعني: دينكم دين الإسلام ديناً واحداً، قرأ بعضهم: أُمَّةً واحِدَةً بضمّ التائين ومعناه: إن هذه أمتكم، وقد تم الكلام.

ثم يقول: أُمَّةً، يعني: هذه أمة واحدة.

وقرأ العامة: بالنصب على معنى التفسير ثم قال: وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، يعني: فوحدوني.

ثم قال: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ يعني: تفرّقوا فيما بينهم وهم اليهود والنصارى.

كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ في الآخرة، فهذا تهديد للذين تفرقوا في الدين.

ثم بين ثواب الذين ثبتوا على الإسلام، فقال عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ، يعني: الطاعات وَهُوَ مُؤْمِنٌ، يعني: مصدقا بتوحيد الله عز وجل، فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ، يعني: لا يُجحد ولا يُنسى ثواب عمله.

والكفران مصدر مثل شكران وغفران.

وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ، يعني: حافظين مجازين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها المعنى: واذكر التي أحصنت فرجها، وهي الجارحة المعروفة، هذا قول الجمهور، وفي أحصانها هو المدح، وقالت فرقة: الفرج هنا هو فرج ثوبها [الذي منه نفخ الملك] «١» .

وهذا قول ضعيف، وقد تقدم أمرها.

ت: وعكس (رحمه الله) في سورة التحريم النقل، فقال: قال الجمهور: هو فرج الدرع.

وقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ يُحْتَمَلُ أن يكون منقطعاً خطابا لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلّم ثم أخبر عن الناس أَنَّهُمْ تقطعوا، ثم وعد وأوعد، ويحتمل أنْ يكون مُتَّصِلاً بقصة مريمَ وابنها- عليهما السلام.

ص: أبو البقاء: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ أي، في أمرهم، يريد أنه منصوب على إسقاط حرف الجر.

وقيل: عُدِّيَ بنفسه لأنَّه بمعنى قطعوا، أي فرقوا، انتهى.

وقال البخاري: أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، أي: دينكم دينٌ واحد «٢» .

انتهى.

وقرأ جمهور السبعة: «وحرام» ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «٣» :

«وحِرْم» - بكسر الحاء وسكون الراء- وهما مصدران بمعنى، فأَمَّا معنى الآية، فقالت فرقة:

حَرَامٌ وحَرْمٌ معناه: جزم وحتم، فالمعنى: وحتم على قرية أهلكناها، أَنَّهم لا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون ويستعتبون، بل هم صائرون إلى العقاب.

وقالت طائفة: حرام وحرم، أي: ممتنع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وحَرامٌ ) بِألِفٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: حِرْمٌ وحَرامٌ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( حَرْمٌ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ والمِيمُ مَرْفُوعَةٌ مُنَوَّنَةٌ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( وحَرْمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ المِيمِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( وحَرِمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( وحَرُمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ ونَصْبِ المِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَحَرامٌ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: واجِبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنْشَدُوا في مَعْناهُ: فَإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو أيْ: واجِبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى العَزْمِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ عَطاءٌ: حَتْمٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها.

ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: واجِبٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَتُوبُونَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: واجِبٌ عَلَيْها أنَّها إذا أُهْلِكَتْ لا تَرْجِعُ إلى دُنْياها، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ.

والثّالِثُ: أنَّ " لا " زائِدَةٌ، والمَعْنى: حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ مُهْلَكَةٍ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّ الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ ﴾ ، أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَرَّمَ قَبُولَ أعْمالِ الكُفّارِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّ يُتَقَبَّلَ مِنهم عَمَلٌ؛ لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَحْرُمَ عَلى الإنْسانِ ما لَيْسَ مِن فِعْلِهِ، ورُجُوعُهم بَعْدَ المَوْتِ لَيْسَ إلَيْهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: مُنِعُوا مِن ذَلِكَ كَما يُمْنَعُ الإنْسانُ مِنَ الحَرامِ وإنَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَكانَ التَّشْبِيهُ بِالتَّحْرِيمِ لِلْحالَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَنعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( فُتِّحَتْ ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى: فُتِحَ الرَّدْمُ عَنْهم.

﴿ وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ وأكَمَةٍ، ﴿ يَنْسِلُونَ ﴾ مِنَ النَّسَلانِ، وهو مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ، كَمَشْيِ الذِّئْبِ إذا بادَرَ، والعَسَلانُ مِثْلُهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الحَدَبُ: كُلُّ أكَمَةٍ، و ﴿ يَنْسِلُونَ ﴾ : يُسْرِعُونَ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يَنْسُلُونَ ) بِضَمِّ السِّينِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: إلى جَمِيعِ النّاسِ، فالمَعْنى: وهم يُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والأوَّلُ أصَحُّ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ ﴿ حَتّى ﴾ ؟

فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ ﴾ ، والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واقْتَرَبَ ﴾ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قالَ: ومِثْلُهُ: ﴿ حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ﴿ وَنادَيْناهُ  ﴾ ، المَعْنى: نادَيْنا.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: السّاعَةُ مِنَ النّاسِ بَعْدَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، كالحامِلِ المُتِمِّ، لا يَدْرِي أهْلُها مَتى تَفْجَؤُهم بِوَلَدِها، لَيْلًا أوْ نَهارًا.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ في قَوْلِهِ: ﴿ يا ويْلَنا ﴾ ، فالمَعْنى: حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ، قالُوا: يا ويْلَنا.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ.

فَأمّا ﴿ الوَعْدُ الحَقُّ ﴾ فَهو القِيامَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا هِيَ ﴾ ، في " هي " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ الأبْصارِ، والأبْصارُ تَفْسِيرٌ لَها، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: لَعَمْرُو أبِيها لا تَقُولُ ظَعِينَتِي ∗∗∗ ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبِ فَذَكَرَ الظَّعِينَةَ، وقَدْ كَنّى عَنْها في ( لَعَمْرُو أبِيها ) .

والثّانِي: أنَّ " هي " [ ضَمِيرُ فَصْلٍ ] وعِمادٌ، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها " هو "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ أنا اللَّهُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ  ﴾ ، وأنْشَدُوا: بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ ∗∗∗ فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بِما هاهُنا رَأْسُ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " هي " عَلى مَعْنى: فَإذا هي بارِزَةٌ واقِفَةٌ، يَعْنِي: مِن قُرْبِها، كَأنَّها آتِيَةٌ حاضِرَةٌ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ شاخِصَةٌ ﴾ ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ القِصَّةِ، والمَعْنى: القِصَّةُ أنَّ أبْصارَهم شاخِصَةٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: تَشْخَصُ أبْصارُ الكُفّارِ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، ويَقُولُونَ: ﴿ يا ويْلَنا قَدْ كُنّا ﴾ ؛ أيْ: في الدُّنْيا، ﴿ فِي غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ ؛ أيْ: عَنْ هَذا، ﴿ بَلْ كُنّا ظالِمِينَ ﴾ أنْفُسَنا بِكُفْرِنا ومَعاصِينا.

ثُمَّ خاطَبَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، " حَصَبُ جَهَنَّمَ " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ( حَطَبُ ) بِالطّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ.

وقَرَأ عُرْوَةُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( حَضْبُ جَهَنَّمَ ) بِإسْكانِ الضّادِ المُعْجَمَةِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو حَيَوَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( حِضْبُ ) بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ تَسْكِينِ الضّادِ المُعْجَمَةِ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وَأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( حَصْبُ ) بِفَتْحِ الحاءِ وبِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) فَمَعْناهُ: كُلُّ ما يُرْمى بِهِ فِيها، ومَن قَرَأ: ( حَطَبُ ) فَمَعْناهُ: ما تُوقَدُ بِهِ.

ومَن قَرَأ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فَمَعْناهُ: ما تُهَيَّجُ بِهِ النّارُ وتَذْكى بِهِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَصَبُ: ما أُلْقِيَ فِيها، وأصْلُهُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو الحَصى، يُقالُ: حَصَبْتُ فُلانًا: إذا رَمَيْتَهُ حَصْبًا، بِتَسْكِينِ الصّادِ، وما رَمَيْتَ بِهِ فَهو حَصَبٌ، بِفَتْحِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْتُمْ ﴾ يَعْنِي: العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ، ﴿ لَها وارِدُونَ ﴾ ؛ أيْ: داخِلُونَ.

﴿ لَوْ كانَ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿ آلِهَةٌ ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ، ﴿ ما ورَدُوها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ، والمَعْنى: لَوْ كانُوا آلِهَةً ما دَخَلُوا النّارَ.

والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى عابِدِيها، فالمَعْنى: لَوْ كانَتِ الأصْنامُ آلِهَةً، مَنَعَتْ عابِدِيها دُخُولَ النّارِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الآلِهَةِ وعابِدِيها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ ﴾ يَعْنِي: العابِدَ والمَعْبُودَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الزَّفِيرِ في ( هُودٍ: ١٠٦ ) .

وفي عِلَّةِ كَوْنِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُوضَعُ في مَسامِعِهِمْ مَسامِيرُ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْذَفُونَ في تَوابِيتَ مِن نارٍ مُقْفَلَةٍ عَلَيْهِمْ، رَواهُ أبُو أمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا بَقِيَ في النّارِ مَن يَخْلُدُ فِيها جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن نارٍ، ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوابِيتُ في تَوابِيتَ أُخْرى، فَلا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، ولا يَرى أحَدُهم أنَّ في النّارِ أحَدًا يُعَذَّبُ غَيْرَهُ.

والثّانِي: أنَّ السَّماعَ أُنْسٌ، واللَّهُ لا يُحِبُّ أنْ يُؤْنِسَهم، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عُمارَةَ.

والثّالِثُ: إنَّما لَمْ يَسْمَعُوا لِشِدَّةِ غَلَيانِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ ﴾ ﴿ وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ ﴾ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ ﴾ ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرِ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها: وهي مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ أُمْ عِيسى عَلَيْهِما السَلامُ.

و"الفَرْجُ" - فِيما قالَ الجُمْهُورُ، وهو ظاهِرُ القُرْآنِ -: الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ، وفي إحْصانِها هو المَدْحُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفَرْجُ هُنا فَرْجُ ثَوْبِها الَّذِي مِنهُ نَفَخَ المَلَكُ، وهَذا ضَعِيفٌ، وأمّا نَفْخُ الوَلَدِ فِيها فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّما نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، وأضافَ "الرُوحَ" إضافَةَ المِلْكِ إلى المالِكِ، و"ابْنُها": هو عِيسى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأرادَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ مَجْمُوعَ قِصَّةِ عِيسى وقِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها آيَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ.

و"لِلْعالَمِينَ" يُرِيدُ: لِمَن عاصَرَ فَما بَعْدَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا خِطابًا لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ثُمْ أخْبَرَ عَنِ الناسِ أنَّهم تَقَطَّعُوا، ثُمْ وعَدَ وأوعَدَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، أيْ: جَعَلْنا مَرْيَمَ وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ بِأنْ بَعَثَ لَهم بِمَلَّةٍ وكِتابٍ، وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ ، أيْ دَعا الجَمِيعَ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِبادَتِهِ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا وتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ، ثُمْ فَرَّقَ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ فَذَكَرَ المُحْسِنَ بالوَعْدِ، أيْ: فَمَن عَمِلَ مِنَ الصالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَهو بِسَعْيِهِ يُجازى، وذَكَرَ المُسِيءَ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ﴾ الآيَةَ، فَتَأمَّلِ الوَعِيدَ فِيها عَلى كُلِّ قَوْلٍ تَذْكِرَةٌ فَإنَّهُ بَيِّنٌ، و"الكُفْرانُ" مَصْدَرٌ كالكُفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: رَأيْتُ أُناسًا لا تَنامُ خُدُودُهم وخَدِّي ولا كُفْرانَ لِلَّهِ نائِمْ واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَحَرامٌ" فَقَرَأ عِكْرَمَةُ وغَيْرُهُ: "وَحَرِمٌ" بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "وَحَرامٌ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "وَحِرْمٌ" بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ العَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِخِلافٍ عنهُ -: "وَحَرْمٌ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الراءِ، وقَرَأتْ فْرْقَةٌ: "وَحَرَّمٌ" بِفَتْحِ الحاءِ والراءِ وشَدِّ الراءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَحُرِّمَ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، وقَرَأ قَتادَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ: "وَحَرُمَ" بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الراءِ.

والمُسْتَفِيضُ مِن هَذِهِ القِراءاتِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَحِرْمٌ"، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَحَرامٌ"، وهُما مَصْدَرانِ مِثْلُ "الحِلِّ والحَلالِ".

فَأمّا مَعْنى الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: حَرامٌ وحِرْمٌ مَعْناهُ: جَزْمٌ وحَتْمٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى الدُنْيا فَيَتُوبُونَ ويُسْتَعْتَبُونَ، بَلْ هم صائِرُونَ إلى العَذابِ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: "الإهْلاكُ" هو بالطَبْعِ عَلى القُلُوبِ ونَحْوُهُ، و"الرُجُوعُ" هو إلى التَوْبَةِ والإيمانِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المَعْنى: وحَرامٌ، أيْ: مُمْتَنِعٌ - وحِرْمٌ كَذَلِكَ - عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، وقالُوا: لا زِيادَةَ في الكَلامِ.

واخْتَلَفُوا في "الإهْلاكِ والرُجُوعِ" بِحَسَبِ القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، قالَ أبُو عَلَيٍّ: يَحْتَمِلُ أنْ يَرْتَفِعَ "حَرامٌ" بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ رُجُوعُهُمْ، و"لا" زائِدَةٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْتَفِعَ "حَرامٌ" عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: والإقالَةُ والتَوْبَةُ حَرامٌ، ثُمْ يَكُونُ التَقْدِيرُ بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ، فَتَكُونُ "لا" عَلى بابِها، كَأنَّهُ قالَ: هَذا عَلَيْهِمْ مُمْتَنِعٌ بِسَبَبِ كَذا، فَقالَ تَحْرِيمٌ في الآيَةِ بِالجُمْلَةِ لَيْسَ كَتَحْرِيمِ الشَرْعِ الَّذِي إنْ شاءَ المَنهِيُّ عنهُ رَكِبَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ في الآيَةِ مَعْنًى ضِمْنُهُ وعِيدٌ بَيِّنٌ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ مَن عَمِلَ صالِحًا وهو مُؤْمِنٌ، ثُمْ عادَ إلى ذِكْرِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ مِن كُفْرِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ أنَّهم لا يُحْشَرُونَ إلى رَبٍّ، ولا يَرْجِعُونَ إلى مَعادٍ، فَهم يَظُنُّونَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا عِقابَ يَنالُهُمْ، فَجاءَتِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لِظَنِّ هَؤُلاءِ، أيْ: "مُمْتَنِعٌ عَلى الكَفَرَةِ المُهْلَكِينَ أنْ لا يُرْجَعُونَ، بَلْ هم راجِعُونَ إلى عِقابِ اللهِ وألِيمِ عَذابِهِ"، فَتَكُونُ "لا" عَلى بابِها، والحَرامُ عَلى بابِهِ، وكَذِلِكَ الحِرْمُ فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ﴾ [الأنبياء: 92] أي أعرضوا عن قولنا.

و ﴿ تقطّعوا ﴾ وضمائر الغيبة عائدة إلى مفهوم من المقام وهم الذين مِن الشأن التحدّثُ عنهم في القرآن المكي بمثل هذه المذام، وهم المشركون.

ومثل هذه الضمائر المرادِ منها المشركون كثير في القرآن.

ويجوز أن تكون الضمائر عائدة إلى أمم الرسل.

فعلى الوجه الأول الذي قدمناه في ضمائر الخطاب في قوله تعالى: ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ [الأنبياء: 92] يكون الكلام انتقالاً من الحكاية عن الرسل إلى الحكاية عن حال أممهم في حياتهم أو الذين جاءوا بعدهم مثل اليهود والنصارى إذ نقضوا وصايا أنبيائهم.

وعلى الوجه الثاني تكون ضمائر الغيبة التفاتاً.

ثم يجوز أن تكون الواو عاطفة قصة على قصة لمناسبة واضحة كما عطف نظيرها بالفاء في سورة المؤمنين.

ويجوز كونها للحال، أي أمَرنا الرسل بملة الإسلام، وهي الملة الواحدة، فكان من ضلال المشركين أن تقطعوا أمرهم وخالفوا الرسل وعدلوا عن دين التوحيد وهو شريعة إبراهيم أصلهم.

ويؤيد هذا الوجه أن نظير هذه الآية في سورة المؤمنين جاء فيه العطف بفاء التفريع.

والتقطع: مطاوع قَطّع، أي تفرقوا.

وأسند التقطع إليهم لأنهم جعلوا أنفسهم فرقاً فعبدوا آلهة متعددة واتخذت كل قبيلة لنفسها إلهاً من الأصنام مع الله، فشبه فعلهم ذلك بالتقطع.

وفي «جمهرة الأنساب» لابن حزم: «كان الحُصين بن عبيد الخُراعي، وهو والد عمران بن حُصين لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله: " يا حصين ما تعبد؟

قال: عشرة آلهة، قال: ما هم وأين هم؟

قال: تسعة في الأرض وواحد في السماء.

قال: فمَن لحاجتك؟

قال: الذي في السماء، قال: فمن لِطلْبَتِكَ؟

قال: الذي في السماء، قال: فمن لكذا؟

فمن لكذا؟

كُلّ ذلك يقول: الذي في السماء، قال رسول الله: فالغ التسعة ".

وفي كتاب الدعوات: من «سنن الترمذي»: أنه قال: " سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء ".

والأمر: الحال.

والمراد به الدين كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ إن الذين فرقوا دينهم في ﴾ [سورة الأنعام: 159].

ولمّا ضُمن ﴿ تقطعوا ﴾ معنى توزّعوا عُدّي إلى «دينهم» فنصبَه، والأصل: تقطعوا في دينهم وتوزعوه.

وزيادة ﴿ بينهم ﴾ لإفادة إنهم تعاونوا وتظاهروا على تقطّع أمرهم.

فربّ قبيلة اتخذت صنماً لم تكن تعبُدهُ قبيلة أخرى ثم سوّلوا لجيرتهم وأحلافهم أن يعبدوه فألحقوه بآلهتهم.

وهكذا حتى كان في الكعبة عدة أصنام وتماثيل لأن الكعبة مقصودة لجميع قبائل العرب.

وقد روي أن عَمرو بن لُحيَ الملقب بخزاعة هو الذي نقل الأصنام إلى العرب.

وجملة ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لجواب سؤال يجيش في نفس سامع قوله تعالى ﴿ وتقطعوا أمرهم ﴾ وهو معرفة عاقبة هذا التقطع.

وتنوين ﴿ كلٌّ ﴾ عوض عن المضاف إليه، أي كلّهم، أي أصحاب ضمائر الغيبة وهم المشركون.

والكلام يفيد تعريضاً بالتهديد.

ودلّ على ذلك التفريع في قوله تعالى ﴿ فمن يعمل من الصالحات ﴾ [الأنبياء: 94] إلى آخره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مَعْناهُ أنَّ دِينَكم دِينٌ واحِدٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّكم خَلْقٌ واحِدٌ، فَلا تَكُونُوا إلّا عَلى دِينٍ واحِدٍ.

والثّانِي: أنَّكم أهْلُ عَصْرٍ واحِدٍ، فَلا تَكُونُوا إلّا عَلى دِينٍ واحِدٍ.

﴿ وَأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ ﴾ فَأوْصى ألّا يُعْبَدَ سِواهُ.

﴿ وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اخْتَلَفُوا في الدِّينِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: تَفَرَّقُوا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ قال: إن هذا دينكم ديناً واحداً.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ أي دينكم دين واحد وربكم واحد والشريعة مختلفة.

وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ قال: لسانكم لسان واحد.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ وتقطعوا أمرهم بينهم ﴾ قال: ﴿ تقطعوا ﴾ اختلفوا في الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، أنه قرأ ﴿ وحرم على قرية ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن الزبير قال: إن صبياناً هاهنا يقرؤون ﴿ وحرم على قرية ﴾ وإنما هي ﴿ وحرام على قرية ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه كان يقرأ ﴿ وحرام على قرية ﴾ بالألف.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وحرام على قرية أهلكناها ﴾ قال: وجب إهلاكها.

قال: دمرناها ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ قال: إلى الدنيا.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وحرم على قرية ﴾ قال: وجب على قرية ﴿ أهلكناها أنهم لا يرجعون ﴾ كما قال: ﴿ ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ [ يس: 31] .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ وحرم على قرية ﴾ فقيل لسعيد: أي شيء حرم؟

قال: يحرم.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ وحرم ﴾ قال: وجب ﴿ على قرية أهلكناها ﴾ قال: كتبنا عليها الهلاك في دينها ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ عما هم عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ وحرم ﴾ قال: وجب بالحبشية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وحرام على قرية ﴾ أي وجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين اتخذوا من دونه آلهة (١) والصحيح أن هذا إخبار عن جميع مخالفي شريعة محمد -  - يقول: اختلفوا في الدين فصاروا فيه فرقًا وأحزابًا.

ويجوز أن يكون هذا الاختلاف راجعا إلى اختلاف أهل كل ملة كاختلاف اليهود فيما بينهم واختلاف النصارى وهذا هو الظاهر.

ويجوز أن يرجع إلى مخالفتهم دين الحق.

وعلى هذا معنى ﴿ أَمْرَهُمْ ﴾ أي: الأمر الذي شرع لهم ودعوا إليه.

والمعنى الأول من قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ  ﴾ والمعنى الثاني من قراءة من قرأ: (فارقوا دينهم) (٢) قال الكلبي: يقول فرقوا دينهم فيما بينهم يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض، كل فرقة يرون أنهم على الحق (٣) والتقطع في هذه الآية واقع بمنزلة التقطيع.

قال أبو عبيدة والزجاج: أي اختلفوا وتفرقوا؛ لأن تقطعهم أمرهم بينهم تفرقة (٤) قال الأزهري (٥) ﴿ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: تفرقوا في أمرهم [ونَصَبَ أمرهم] (٦) (٧) وعلى هذا التقطع (٨) (٩) ثم أخبر-عزّ وجلّ- أن مرجع جميع أهل الأديان إليه، وأنه مُجازٍ جميعهم فقال: ﴿ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين عبدوا غيري، والذين وحدوني وأطاعوني.

وقال أهل المعاني: كل إلينا راجعون أي: إلى حكمنا في الوقت الذي لا يقدر على الحكم سوانا.

كما يقال رجع أمرهم إلى القاضي أي: إلى حكمه (١٠) (١) في (د)، (ع): (إلهًا).

(٢) قرأ حمزة، والكسائي: (فارقوا) بالألف مخففًا.

وقرأ الباقون: (وفرقوا) بغير ألف مشددًا.

"السبعة" ص 274، "التبصرة" ص 200، "التيسير" ص 108.

(٣) ذكره البغوي 5/ 353 عن الكلبي إلى قوله: من بعض.

وذكر الماوردي 3/ 470 عن الكلبي قال: تفرقوا.

(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 42، "ومعاني القرآن" للزجاج 3/ 404.

(٥) في (أ)، (ت): (الزهري)، وهو تصحيف.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).

(٧) هذا النص عن الأزهري ليس موجودًا في المطبوع من "تهذيب اللغة" 1/ 187 - 196 (قطع)، فلعله سقط من المطبوع، أو من النسخة الخطية المعتمد عليها في الطباعة.

وهو موجود بهذا النص في "لسان العرب" لابن منظور 8/ 276 (قطع) منسوبًا إلى الأزهري.

وهو عند القرطبي 11/ 339 عز الأزهري إلى قوله: بحذف (في).

(٨) في (ع): (القطع).

(٩) وعلى الوجه الأول يكون (أمرهم) منتصبًا على أنه مفعول به، وعدى (تقطعوا) لأنه بمعنى: قطعوا.

انظر: "الإملاء" للعكبري 2/ 136 - 137، "الدر المصون" 8/ 196.

(١٠) ذكر هذا القول: الطوسي في "التبيان" 7/ 246، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 3/ 160 أ، والقرطبي في "تفسيره" 11/ 339 من غير نسبة لأحد.

والذي يظهر أن قول أهل المعاني صادرٌ بسبب التأويل.

والصواب أن المعنى: ﴿ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾ أي: صائرون إليه سبحانه يوم القيامة، فيحكم بينهم في ذلك اليوم ويجازى جميعهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  ﴾ .

انظر: "تفسير الطبري" 17/ 85، "تفسير ابن كثير" 3/ 194.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ ﴾ أي ملتكم ملة واحدة، وهو خطاب للناس كافة، أو للمعاصرين لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إي إنما بعث الأنبياء المذكورون بما أمرتم به من الدين، لأن جميع الأنبياء متفقون في أصول العقائد ﴿ وتقطعوا أَمْرَهُمْ ﴾ أي اختلفوا فيه، وهو استعارة من جعل الشيء قطعاً، والضمير للمخاطبين، قيل فالأصل تقطعتم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وحرم ﴾ بكسر الحاء: حمزة وعلي وعاصم غير حفص وأبي زيد عن المفضل ﴿ فتحت ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد ويعقوب.

﴿ لا يحزنهم ﴾ بضم الياء وكسر الزاء يزيد ﴿ نطوي ﴾ بضم التاء الفوقانية وفتح الواو ﴿ والسماء ﴾ بالرفع: يزيد.

﴿ للكتب ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ بدأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ قال ﴾ بالألف على حكاية قول الرسول ﴿ رب ﴾ بحذف الياء اكتفاء بالكسرة: حفص غير الخراز ﴿ رب ﴾ بضم الباء على أنه مبتدأ ﴿ احكم ﴾ على صيغة التفضيل.

يزيد عن يعقوب الباقون ﴿ رب احكم ﴾ ﴿ يصفون ﴾ على الغيبة: المفضل وابن ذكوان في رواية.

الوقوف: ﴿ واحدة ﴾ ز لأن المقصود من قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ قوله ﴿ فاعبدون ﴾ وكان الكلام متصلاً ﴿ فاعبدون ﴾ ه ﴿ وبينهم ﴾ ط ﴿ راجعون ﴾ ه ﴿ لسعيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ كاتبون ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط لإضمار القول ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ واردون ﴾ ه ﴿ ما وردوها ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ لا لأن ما بعد خبر "إن" ﴿ مبعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر بعد خبر ﴿ حسيسها ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ خالدون ﴾ ه ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون صفة أو استئنافاً ﴿ الملائكة ﴾ ط لأن التقدير قائلين هذا يومكم ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ للكتب ﴾ ط لأن الجار يتعلق بما بعده ﴿ نعيده ﴾ ط لحق المضمر اي وعدنا وحقاً ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ الصالحون ﴾ ه ﴿ عابدين ﴾ ه ط لاختلاف الجملتين ﴿ للعالمين ﴾ ه واحد ج للاستفهام مع الفاء ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ خارج عن المقول، ومن قرأ ﴿ ربي احكم ﴾ فوقفه مجوز لنوع عدول من الواحد إلى الجمع ﴿ تصفون ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من قصص الأنبياء أراد أن يذكر ما استقر عليه أمر الشرائع في آخر الزمان فقال ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ وسيرتكم، فالأمة الدين والطريقة لأنه أصل وقانون يرجع إليه.

وللتركيب دلالة على ذلك وهذا إشارة إلى ملة الإسلام أي إن هذه الملة هي طريقتكم وسيرتكم التي يجب أن تكونوا عليها حال كونها طريقة واحدة غير مختلفة.

﴿ وأنا ربكم ﴾ لا غيري ﴿ فاعبدون ﴾ والخطاب للناس كافة، وكان الظاهر أن يقال بعده وتقطعتم أمركم ينكم أي جعلتم أمر دينكم بينكم قطعاً كما يقسم الشيء بين الجماعة فيصير لهذا نصيب ولهذا نصيب فصرتم فرقاً مختلفة وأحزاناً شتى، إلا أنه عدل من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه يقبح أمرهم إلى غيرهم فيقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء؟

عن رسول الله  أنه قال "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة وأن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة وتخلص فرقة واحدة قالوا: يا رسول الله ومن الفرقة الناجية؟

قال: الجماعة الجماعة" فهذا الحديث مفسر للآية من حيث إن هذه الأمة يجب أن يكونوا على كلمة واحدة، طعن بعضهم في الحديث أنه أراد بالاثنتين والسبعين فرقة اصول الأديان فإنها لا تبلغ هذا العدد، وإن أراد الفروع فإنها أضعاف هذا العدد.

وأجيب بأنه أراد ستفترق أمتي هذا العدد في حال ما، وهذا لا ينافي كون العدد في بعض الأحوال أنقص أو أزيد.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ فاعبدون وتقطعوا ﴾ بالواو وفي "المؤمنين" ﴿ فاتقون  فتقطعوا  ﴾ بالفاء لأن الخطاب ههنا أعم والعبادة أعم من التقوى.

وأيضاً الخطاب يتناول الكفار وقد وجد منهم التقطع قبل هذا القول، وفي سورة المؤمنين الخطاب للنبي  والمؤمنين بدليل قوله ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات  ﴾ ثم قال ﴿ فتقطعوا  ﴾ اي ظهر منهم أي من أمتهم التقطع بعد هذا القول ولأن التقطع منهم أغرب أكده هناك بقوله ﴿ زبراً ﴾ وفي قوله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ وعيد عظيم للفرق المختلفة.

ثم فصل مآل لهم بقوله ﴿ فمن يعمل ﴾ الآية والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه في قوله ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ وإنما لم يقل "فلا يكفر سعيه" لأن نفي الجنس أبلغ فإن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها.

وفي قوله ﴿ وأنا له ﴾ اي لذلك السعي ﴿ كاتبون ﴾ مبالغة أخرى فإن المثبت في الصحيفة أبعد من النسيان والغلط كما قيل: قيدوا العلم بالكتابة.

ولا سيما إذا كان الكاتب ممن لا يجوز عليه السهو والنسيان.

قال المفسرون: معناه حافظون لنجازي عليه.

وقيل: مثبتون في أم الكتاب أو في صحف الأعمال.

هذا حال السعداء وأما أحوال أضدادهم فذلك قوله ﴿ وحرام ﴾ ومن قرأ ﴿ حرم ﴾ فإنه فعل بمعنى مفعول.

والتركيب يدور على المنع اي ممتنع أو ممنوع وهذا خبر لا بد له من مبتدأ وذلك قوله ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ أو غير ذلك.

والرجوع إما الرجوع عن الشرك إلى الإسلام أو الرجوع إلى الدنيا أو إلى الآخرة.

وعلى الأول إما أن تكون "لا" زائدة أقحمت للتأكيد ومعنى الآية ممتنع على أهل قرية عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها أن يرجعوا أو يتوبوا إلى أن تقوم الساعة والمراد تصميمهم على الكفر.

وإما أن تكون معيدة ولكن الحرام بمعنى الواجب تسمية لأحد الضدين باسم الآخر باشتراكهما في المنع إلا أن الوجوب منع عن الترك والحرمة منع عن الفعل، وقد ورد في الاستعمال مثل ذلك قال  ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا  ﴾ وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وقالت الخنساء: وإن حراماً لا ارى الدهر باكياً *** على شجوه إلا بكيت على عمرو وعلى الثاني فالإهلاك على أصله، والمعنى أن رجوعهم إلى الدنيا ممتنع أو عدم رجوعهم واجب إلى قيام الساعة نظيره قوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون  ﴾ وعلى الثالث فقوله "حتى" غاية لقوله ﴿ لا يرجعون ﴾ اي ممتنع عدم رجوع المهلكين إلى عذاب الآخرة حتى الساعة، وذلك أن رجوعهم إلى عذاب النار قبل الساعة واجب بقوله ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن رجوعهم إلى الآخرة واجب إلى هذه الغاية أي أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة.

وعلى الرابع فالمعنى وحرام عليهم ذلك وهو المذكور من السعي المشكور غير المكفور لأنهم لا يرجعون عن الكفر إلى أن تقوم الساعة.

قوله  ﴿ حتى إذا فتحت ﴾ "حتى" هي التي يقع بعدها الجملة وهي ههنا مجموع الشرط والجزاء و"إذا" المفاجأة تسد مسد فاء الجزاء، وقد يجمع بينهما للتعاون على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد وإنما احتيج إلى هذا التأكيد لأن الشرط يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل يوم القيامة، ولعل بينهما فاصلة بالزمان إلا أن التفاوت القليل كالمعدوم والمضاف محذوف أي سد يأجوج ومأجوج وتأنيث الفعل لأنهما قبيلتان وهما ومن جنس الأنس كما مر في آخر الكهف.

يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج.

وفي الحديث "إن منكم واحداً ومن يأجوج ومأجوج ألف" .

قوله ﴿ وهم من كل حدب ينسلون ﴾ قال أكثر المفسرين: الضمير ليأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد.

وعن مجاهد أنه لجميع المكلفين الذين يساقون إلى المحشر.

والحدب ما إرتفع من الأرض والنسل الإسراع.

﴿ واقترب ﴾ عطف على ﴿ فتحت ﴾ وهو داخل في الشرط.

و ﴿ الوعد الحق ﴾ القيامة وقوله ﴿ فإذا هي شاخصة ﴾ كقوله في سورة إبراهيم ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وقال في الكشاف: ﴿ هي ﴾ ضمير مبهم توضحه الأبصار وتفسره.

قلت: فعلى هذا ﴿ هي ﴾ مبتدأ ﴿ وشاخصة ﴾ خبره ﴿ وأبصار ﴾ بدل ﴿ هي ﴾ ولو قيل: ﴿ هي ﴾ ضمير القصة مبتدأ والجملة التي هي أبصار الذين كفروا شاخصة خبره جاز وهو قول سيبويه.

ثم ههنا إضمار اي يقولون ﴿ يا ويلنا ﴾ وهو في موضع الحال من الذين كفروا والعامل شاخصة ﴿ قد كنا في غفلة من هذا ﴾ الوعد أو الأمر ﴿ بل كنا ظالمين ﴾ أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب الرسل وعبادة الأوثان.

ثم بين حال معبوديهم يوم القيامة فقال: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ اي محصوبها بمعنى محصوب فيها، والحصب الرمي ومنه الحصباء لأنه يرمى بها الشيء وقرئ حطب.

واللام في قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ كاللام في قوله "هو لزيد ضارب" وذلك لضعف عمل اسم فيما تقدم عليه.

والمعنى لا بد لكم أن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها.

ثم ألزمهم الحجة بقوله ﴿ لو كان هؤلاء ﴾ المعبودون ﴿ آلهة ﴾ في الحقيقة ﴿ ما وردوها ﴾ لكنهم واردوها للخبر الصادق الذي يتنبه لصدقه من يتأمل في إعجازه فينتج أن هؤلاء ليسوا بآلهة وأنها لا تستحق تعظيماً أصلاً.

ثم أخبر أنهم بعد ورودهم النار لا يخلصون منها أبداً فقال ﴿ وكل ﴾ اي من العابدين والمعبودين ﴿ فيها خالدون لهم فيها زفير ﴾ قد سبق معانيه في آخر سورة هود ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ شيئاً إما لأنهم يجعلون في توابيت من نار عن ابن مسعود، وإما لأنه  يصمهم كما يعميهم.

والصمم في بعض الأوقات لا ينافي كونهم سامعين أقوال أهل الجنة في غير ذلك الوقت، أو المراد أنهم لا يسمعون ما يسرهم، أو الضمير للمعبودين والسماع سماع إجابة، وعلى هذا فالضمير في ﴿ لهم فيها زفير ﴾ للعابدين وجاز اعتماداً على فهم السامع حيث يرد كلاً من الضميرين على ما يناسبهما كأنه قيل: العابد يدعو والمعبود لا يجيب، ويجوز أن يكون للمعبودين أيضاً لأن فيهم من يتأتى منه الزفير كالشياطين فغلب، أو لأن الجماد ينطقه الله وقتئذ والزفير بمعنى اللهيب والله أعلم.

يروى أن رسول الله  دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث وكلمه رسول الله  حتى أفحمه ثم تلا عليهم ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ الاية.

فأقبل عبد الله بن الزبعري فأخبره الوليد بن المغيرة بنا جرى فقال معترضاً: اليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة؟

فقال  : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك وأنزل الله  ﴿ إن الذين سبقت ﴾ الآية.

فخرج من الحديث.

الآية جواب ابن الزبعري على أتم وجه وأكمله كأنه قيل أولاً إن الاية باقية على عمومها لأن الذين عبدوا عزيراً والمسيح والملائكة لم يعبدونهم في الحقيقة، وإنما عبدوا الشياطين التي دعتهم إلى ذلك، ولئن سلم أنهم عبدوهم في الحقيقة لكنهم مخصوصون بما سبقت لهم منا الخصلة الحسنى وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو بتوفيق الطاعة وكل ميسر لما خلق له.

ومن المفسرين من أجاب عن اعتراض ابن الزبعري بوجوه آخر منها: أن قوله ﴿ إنكم ﴾ خطاب لمشركي قريش وإنهم لم يعبدوا سوى الأصنام.

ولقائل أن يقول: حمل الآية على العموم أتم فائدة.

ومنها أن قوله ﴿ وما تعبدون ﴾ لا يتناول العقلاء فيسقط الاعتراض.

ولقائل أن يقول: ما أعم لا مباين فيشمل ذوي العقول وغيرهم ولهذا جاء ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ سبحان ما سخركن لنا.

ومنها أنه تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه، وضعف بأن القوم لم يعبدوا تلك الصورة، وبأن الملك لا يتعذب بالنار كخزنة جهنم.

واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقوله ﴿ إن الذين ﴾ لا يبعد أن يكون عاماً لكل المؤمنين ويؤيده ما روي أن علياً قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف.

وزعم مثبتوا لعفو أن الحسنى في الاية هي الوعد بالعفو لأنه قال ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ بأزاء قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ والورود الدخول فالإبعاد الإخراج من النار بعد أن كانوا فيها.

وأيضاً إبعاد البعيد محال.

وقوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ إذ الصوت الذي يحس به مخصوص بما بعد الإخراج.

وايضاً قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ يفهم منه أنه يحزنهم الفزع الأصغر، فالأكبر عذاب الكفار والأصغر عذاب صاحب الكبيرة، والأكثرون على أن المراد من قوله ﴿ مبعدون ﴾ أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة لأن ما جعل بعيداً عن شيء ابتداء يحسن أن يقال: إنه أبعد عنه، وهؤلاء لم يفسروا الورود في قوله { ﴿ وإن منكم إلا واردها  ﴾ بالدخول كما مر في سورة مريم.

وفي قوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ تأكيد للإِبعاد فقد لا يدخل النار ويسمع حسيسها.

ثم بين أنهم مع العبد عن المنافي منتفعون بالقرب من الملائم ملتذون به على سبيل التأبيد فقال ﴿ وهم فيما إشتهته ﴾ ﴿ أنفسهم ﴾ أي فيما تطلبه للالتذاذ به ﴿ خالدون ﴾ هذا نصيب أهل الجنة، وأما أهل الله فهم فيما اشتهت قلوبهم وارواحهم وأسرارهم خالدون.

والفزع الأكبر قيل: النفخة الأخيرة لقوله ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض  ﴾ وعن الحسن هو الانصراف إلى النار فإنه لا فزع أكبر مما إذا شاهدوا النار، وهذا أمر يشترك فيه أهل النار جيمعاً، ثم مراتب التعذيب بعد ذلك متفاوتة.

وعن الضحاك وسعيد بن جبير هو حين تطبق النار على أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح فعند ذلك يستقر أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة وتستقبلهم الملائكة مهنئين قائلين ﴿ هذا يومكم ﴾ اي وقت ثوابكم ﴿ الذي كنتم توعدون ﴾ ذلك قال الضحاك: هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم.

والعامل في ﴿ يوم نطوي السماء ﴾ : ﴿ لا يحزنهم ﴾ أو ﴿ تتلقاهم ﴾ .

والسجل اسم للطومار الذي يكتب فيه.

وعن ابن عباس أنه ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه وهو مروي ايضاً عن علي  .

وروى أيضاً أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه كاتب لرسول الله  وليس بمعروف.

قال الزجاج: هو الرجل بلغة الحيش.

فعلى هذه الوجوه فالطي وهو المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الوجه الأول هو مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف كطي الطاوي للسجل وهو قول الأكثرين وإشتقاقه من السجل الدلو العظيم وقد قرئ به والتركيب يدل على الامتلاء والاجتماع ولهذا لا يسمى الدلو سجلاً إلا إذا كان فيه ماء ومنه "أسجلت الحوض ملأته".

وقوله ﴿ للكتاب ﴾ أي للكتابة ومعناه ليكتب فيه أو لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب.

ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي ما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وكيفية هذا الطي لا يعلمها إلا من أخبر عن ذلك أما قوله ﴿ كما بدأنا ﴾ فمن المفسرين من قال: إنه ابتداء كلام ومنهم من قال: إنه وصف قوله ﴿ هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ بقوله ﴿ يوم نطوي ﴾ ثم عقبه بوصف آخر فقال ﴿ كما بدأنا أول خلق ﴾ وهو مفعول نعيد الذي يفسره ﴿ نعيده ﴾ و"ما" كافة أي نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء.

فكما أوجده أولاً عن عدم يعيده ثانياً عن عدم.

ومنهم من قال: الإعادة إنما تتعلق بالضم والتركيب بعد تفريق الأجزاء الاصلية والآية لا تطابقه كل المطابقة.

وأول خلق كقولك "هو أول رجل" اي إذا فضلت رجلاً رجلاً فهو أولهم، وإنما خص أول الخلائق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم ودفعاً للاعتراض.

وجوز جار الله أن تنتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده و"ما" موصولة اي نعيد مثل الذي بدأنا نعيده و ﴿ أول خلق ﴾ ظرف ﴿ لبدأنا ﴾ أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ وقوله ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لأن قوله نعيد عدة للإعادة وقيل: أراد حتماً ﴿ علينا ﴾ لسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه فإن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ثم حقق ذلك بقوله ﴿ إنا كنا فاعلين ﴾ اي سنفعل ذلك لا محالة فإنا قادرون عليه.

عن سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد أن الزبور جنس للكتب المنزلة كلها، والذكر أم الكتاب يعني اللوح ففيه كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة، وكتب الأنبياء كلهم منتسخة منه، وعن قتادة أن الزبور هو القرآن، والذكر هو التوراة.

وعن الشعبي أن الزبور هو كتاب داود  والذكر التوراة.

وجوز الإمام فخر الدين أن يراد بالذكر العلم أي كتبنا فيه بعد أن كنا عالمين غير ساهين.

والمراد تحقيق وقوع المكتوب فيه، والأرض أرض الجنة، والعباد الصالحون هم المؤمنون العالمون بما يجب عليهم نظيره قوله ﴿ وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين  ﴾ قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والسدي وأبو العالية.

وإنما ذهبوا إلى هذا القول لأن أرض الدنيا تعم الصالح وغير الصالح، ولأن الآية وردت بعد ذكر الإعادة.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أنها أرض الدنيا يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار نظيره ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأرض  ﴾ وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد  عند نزول عيسى ابن مريم ﴿ إن في هذا ﴾ الذي ذكر في السورة من الأخبار والوعد والوعيد وغير ذلك ﴿ لبلاغاً ﴾ لكفاية ﴿ لقوم عابدين ﴾ عاملين بما ينبغي عمله من الخيرات بعدما عملوا من كيفية أدائها.

والبلاغ ما يبلغ به المرء مطلوبه من الوسائط والوسائل، ولا مطلوب أجل من سعادة الدارين فكل من كان وسيلة إلى نيل هذا المطلوب على الوجه الأتم الأكمل كان وجوده رحمة من الله للطالب المتحير وما ذاك إلا خاتم النبيين فلهذا قال ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وكونه رحمة للكل لا ينافي قتله بعض الكفرة والتعرض لأموالهم وأولادهم كما أن كي بعض أعضاء المريض بل قطعه لا ينافي حذق الطبيب وإشفاقه على المريض ومن هنا قيل: آخر الدواء الكي.

والعاقل لا ينسب التقصير إلى الفاعل لقصور في القابل.

قالت المعتزلة: لو كان الكفر الكافر بخلق الله لم يكن إرسال الرسول رحمة له لأنه لا يحصل له حينئذ إلا لزوم الحجة عليه.

وأجيب بأنه كونه رحمة للفجار هو أنهم أمنوا بسببه عذاب الاستئصال، ولا يلزم أن يكون الرسول رحمة للمؤمنين من جهة كونه رحمة للكافرين، والجواب المحقق أن كونه رحمة عامة بالنسبة على أمة الدعوة لا ينافي كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ذكرناه أولاً، والحجة وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته أنها بعد البعثة ألزم.

وفي الآية دلالة على أن النبي  أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم فإنهم من العالمين وعورض بقوله ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض  ﴾ والاستغفار رحمة.

والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملاً في الغاية غير الرحمة بمعنى الدعاء، فلا يلزم من كون الأول سبباً للأفضلية كون الثاني كذلك، ثم بين أن أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك فقال ﴿ قال إنما يوحى إلي ﴾ إن كانت "ما" موصولة فمعناه أن الذي يوحي إليَّ هو أن وصفه  مقصور على الوحدانية لا يتجاوزه إلى ما يناقضها أو يضادها بأي قسمة فرضت وإن كانت كافة المعنى أن الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدة، وذلك أن القصر يكون أبداً لما يلي إنما وفي قوله ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ بعث لهم على قبول هذا الوحي الذي هو أصل التكاليف كلها، وفيه نوع من التهديد فلذلك صرح به قائلاً ﴿ فإن تولوا فقل آذنتكم ﴾ اي أعلمتكم والمراد ههنا أخص من ذلك وهو الإنذار ﴿ على سواء ﴾ هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء  ﴾ إلى وقت اي حال كونكم مستوين في ذلك لا فرق بين القريب والأجنبي والقاصي والداني والشريف والوضيع ولهذا قال أبو مسلم: الإيذان على سواء هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء  ﴾ وقيل: أراد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من أصول التكاليف ولا سيما التوحيد على السوية من غير فرق في الإبلاغ بين مكلف ومكلف.

ولست ﴿ أدري أقريب ما توعدون ﴾ أم بعيد والموعود قيل: هو عذاب الآخرة.

واعترض بأنه ينافي قوله ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ وقيل: هو الأمر بالقتال لأن السورة مكية وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة.

وقيل: هو إعلاء شأن الإسلام وغلبة ذويه فإنه لا بد أن يلحق للكفار حينئذ ذلة وصغار.

ولما أمره أن ينفي عن نفسه علم الغيب أمره أن يقول لهم إن الله  هو العالم بالسر والعلن فيعلم ما تجاهرون به من المطاعن في الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الإحن والضغائن فيجازيكم على القبيلين ﴿ وإن أدري لعله ﴾ اي ما أدري لعل تأخير هذا الوعد أو إبهام وقته أو تأخير الأمر بالجهاد امتحان لكم لينظر كيف تعملون وتمنيع لكم ﴿ إلى حين ﴾ حضور وقت الموعد.

وقال الحسن: لعل ما أنتم عليه من الدنيا ونعيمها بلية لكم.

وقيل: اراد لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت ابتلاء لكم لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالاً بعد حال يكون عذابه اشد.

ومعنى ﴿ رب احكم بالحق ﴾ أقضى بيني وبين من يكذبني بالعذاب.

قال قتادة: امره الله  أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق  ﴾ فاستجيب له فعذبوا ببدر، وقال جار الله: بالحق لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم كما قال "أشدد وطأتك على مضر" وقيل: معناه وافعل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع تنصرني عليهم كأنه  قال له: قل داعياً إليَّ رب احكم بالحق وقل متوعد للكفار ﴿ وربنا الرحمن المستعان ﴾ الذي يستعان به ﴿ على ما تصفون ﴾ من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل، وكانوا يطمعون أن يكون لهم الغلبة والدولة فقلب الله الأمر عليهم.

وفي هذا الأمر تسلية للنبي  ورفع عن مقداره حيث أمر بالانقطاع إلى الرب في دفع أذية القوم ليحصل له مع الخلاص من أذيتهم شرف الاستجابة وهذه غاية العناية.

التأويل: ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ فيه إشارة إلى أن السالك إذا عبر المقامات التي ذكرنا تصير متفرقات شمله مجتمعة في الفناء بالله والبقاء به، فيكون أمة واحدة في ذاته كما أن إبراهيم كان أمة فيعرفه الله نفسه ويقول ﴿ أنا ربكم ﴾ الذي بلغتكم هذه الرتبة ﴿ فاعبدون ﴾ أي فاعرفون ﴿ وتقطعوا أمرهم ﴾ فمنهم من سكن إلى الدنيا، ومنهم من سكن إلى الجنة، ومنهم من فر إلى الله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ أما طالب الدنيا فيرجع إلى صورة قهرنا وهي جهنم، وأما طالب الآخرة فيرجع إلى صورة رحمتنا وهي الجنة، وأما الذي يطلبنا فإنه يرجع إلينا بالحقيقة ﴿ وإنا له كاتبون ﴾ في الأزل من أهل السعادة ﴿ حتى إذا فتح ﴾ سد ﴿ يأجوج ﴾ النفس و ﴿ مأجوج ﴾ الهوى، والسد أحكام الشريعة وفتحها مخالفاتها وموافقات الطبع وهم أعني دواعي النفس من كل معدن شهوة من الحواس الظاهرة والباطنة ﴿ ينسلون ﴾ فيفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح ﴿ واقترب الوعد ﴾ إهلاك القلوب الغافلة ﴿ فإذا هي شاخصة ابصار ﴾ بصائرها بالانهماك في الأهواء ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ العناية الأزلية ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ أعني مقالات أهل البدع والأهواء ﴿ وهم فيما اشتهت أنفسهم ﴾ المطمئنة المجذوبة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ في مقامات السير في الله ﴿ خالدون ﴾ الفزع الأكبر قوله في الأزل "هؤلاء في النار ولا أبالي" ﴿ يوم نطوي ﴾ سماء وجود الإنسان بتجلي صفات الجلال في إفناء مراتب الوجود من الانتهاء إلى الابتداء وذلك قوله ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ يعني أن الرجوع يكون بالتدريح كما أن البدء كان بالتدريج خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة مضغة ثم خلق المضغة عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر.

ففي الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات الربوبية بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ولقد كتبنا في الزبور ﴾ أي في أم الكتاب ﴿ من بعد الذكر ﴾ أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره ﴿ كن فيكون  ﴾ أن أرض جنة الوجود الحقيقي ﴿ يرثها عبادي الصالحون ﴾ وهم الذين طويت سماء وجودهم المجازي.

فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، ولوجود الحقيقي لكونه ثابتاً ومستقراً على حالة واحدة كالأرض ﴿ لقوم عابدين ﴾ عارفين.

﴿ وما أرسلناك ﴾ من كتم العدم ﴿ إلا رحمة للعالمين ﴾ فلولاك لما خلقت الأفلاك "أول ما خلق الله روحي" ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

قال بعضهم: إن هذه ملتكم وشريعتكم ومذاهبكم ملة واحدة وشريعة واحدة، يعني: شريعة الإسلام، وملة واحدة ليست بمفترقة.

وقال بعضهم: إن هذا دينكم دين واحد، ليس كدين الأمم الخالية أدياناً مختلفة.

أو أن يكون الأمة ما يؤم إليها ويقصد؛ لأن الأمة هي الجماعة، وهي المقصودة.

وجائز أن يكون إخباراً عن هذه الأمة على دين واحد وملة واحدة، ليسوا بمختلفين ولا بمفترقين، كسائر الأمم الخالية، كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ...

﴾ الآية [آل عمران: 105]، وقوله ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ  ﴾ أخبر عنهم أنهم غير متفرقين، ونهاهم عن أن يتفرقوا كما تفرق الأولون؛ ألا ترى أنه قال على إثره: ﴿ وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ هذا يدل على أنه إخبار عن أهل الإسلام في صدر الأمر أنهم على شيء واحد.

وقال الزجاج: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ما لزموا الحق واتبعوه، وأما إذا تركوا لزومه وتركوا اتباعه فهي ليست بأمة واحدة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ ﴾ \[و\] قال في آية أخرى: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ﴾ \[المؤمنون: 52\] ليعلم أنّ العبادة والتقوى واحد في الحقيقة؛ لأن الاتقاء هو ما يجتنب من الأفعال والعبادة ما يؤتى من الأفعال والعبادة، فإذا اجتنب ما يجب اجتنابه فقد أتى بما يجب إتيانه، وإذا أتى بما يجب إتيانه فقد اجتنب ما يجب اجتنابه، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ  ﴾ لأنه بفعله إياها مجتنب عن الفحشاء والمنكر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ ﴾ أي: توحدون، على ما قال أهل التأويل؛ لأنه إنما خاطب به أهل مكة.

وقوله: ﴿ وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ أخبر عن الأولين أنهم اختلفوا في دينهم وتفرقوا ﴿ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾ من تفرق و [من] لم يتفرق، كقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ فيه دلالة ألا يقبل من الأعمال الصالحات إلا بالإيمان؛ لأنه شرط في قبولها الإيمان، كقوله: ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾ أي: لشكر سعيه، ويقبل ولا يجحد ولا يكفر، كقوله: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ  ﴾ بالياء والتاء (فلن تكفروه)، وأصل الكفران: الستر، والشكر: هو الإظهار؛ يخبر - عز وجل - أنه لا يستر ما عملوا من الحسنات والخيرات، بل يشكر ويظهر.

وقوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴾ أي: يكتب لهم تلك الحسنات والخيرات، كقوله: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ  ﴾ .

وقوله: (وحِرْمٌ على قرية أهلكناها) و ﴿ وَحَرَامٌ ﴾ بالألف أيضاً، ثم قوله: (وحِرْمٌ)، ﴿ وَحَرَامٌ ﴾ - على قول أهل اللسان واللغة - واحد، يقال: حرم عليك كذا، وحرام، كما يقال: حِلٌّ وحَلاَلٌ.

وأما على قول أهل التأويل فإنهم يفرقون بينهما، فيقولون: حرم: حتم وواجب ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أي: حتم وواجب على قرية إهلاكهم بعد ما علم ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أي: لا يتوبون؛ لأنه إنما يهلكهم لما علم منهم أنهم لا يتوبون.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ ﴾ أراد الله إهلاكها ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

وظاهر قوله: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أن يكون لهم الرجوع؛ لأنه يقول: (وحرم ...

أنهم لا يرجعون)، ألا ترى إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ﴾ وظاهره أنهم لا يرجعون، حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق، فعند ذلك يرجعون لقوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

أو أن يكون ذكر هذا: ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ لقول قوم؛ لأن قوما يقولون: إن الخلق كالنبات ينبت، ثم ييبس، ثم ينبت، فعلى ذلك الخلق يموتون، ثم يعودون ويرجعون.

وبعض من الروافض يقولون: يرجع علي وفلان، فأخبر أنهم لا يرجعون ردّاً عليهم وتكذيباً لخبرهم؛ لأن القرآن قد صار حجة عليهم وإن أنكروه لما عجزوا عن أن يأتوا بمثله، والله أعلم بذلك كله.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ﴾ كأنه - والله أعلم - أضاف فتح ذلك السدّ إلى أنفسهم وهم جماعة، وإلا لست أعرف لتأنيث فتح السدّ وجها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ ﴾ قيل: الحدب: الشيء المشرف.

وقيل: الحدب: كل ما ارتفع من الأرض.

وقيل: الحدب: الأكمة.

وقيل: ﴿ مِّن كُلِّ حَدَبٍ ﴾ : من كل جهة ومن كل مكان.

﴿ يَنسِلُونَ ﴾ قيل: يسرعون.

وقيل: يخرجون.

أخبر أنهم من [كل] حدب، أي: من كل ناحية، ومن كل جهة يسرعون، كأنهم لما سدّ عليهم ذلك السدّ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، أي: بين ما يتعيشون ويرتزقون من هذا العالم - تفرقوا في تلك الأمكنة لطلب ما يتعيشون به، فإذا بلغهم خبر فتح السد أتوا من كل جهة وناحية التي كانوا متفرقين فيها ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ يسرعون؛ لأنهم مذ سدّ عليهم السدّ في جهد من فتح ذلك السدّ، فلما فتح خرجوا مسرعين، وهو ما ذكر: ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ ﴾ قوله: ﴿ ٱقْتَرَبَ ﴾ أي: وقع ووجب الوعد الحق؛ لأنه قد أخبر من قبل هذا الوقت أنه قد اقترب بقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ  ﴾ و ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ  ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ ليس على القرب، ولكن على الوجوب، فعلى ذلك الأوّل يحتمل أن يكون إخباراً عن الوقوع والوجوب.

وجائز أن يكون على القرب أيضاً، ويكون وجوبها ووقوعها في قوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ...

﴾ الآية [إبراهيم: 42]، وكقوله: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ...

﴾ الآية [القمر: 8].

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰوَيْلَنَا ﴾ أي: يقولون: يا ويلنا ﴿ قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ كأنهم تذاكروا فيما بينهم: إنما كنّا في غفلة من هذا، ثم تداركوا أنهم لم يكونوا في غفلة، ولكن قالوا: ﴿ بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ في ذلك، ضالين؛ اعترفوا بالظلم والضلال.

وقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ يقال: إن حرف (من) يتكلم عن البشر وحرف (ما) يتكلم عما سواهم من العالم، فإذا كان على هذا الذي ذكروا، فما ينبغي لأولئك أن يفهموا من قوله: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ : عيسى وعزير [و] الملائكة [و] هؤلاء، ويقولون: هؤلاء عبدوا دون الله فهم حصب جهنم على زعمكم، إلى هذا يذهب أهل التأويل، ويقولون: ثم نزل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ قالوا: استثنى من علمه ممن عبد دون الله من سبقت له منه الحسنى، وهو عزير وعيسى وهؤلاء، لكن قد ذكرنا أنه لا يجوز أن يفهم من هذا هؤلاء، ولكن الأصنام والأحجار التي عبدوها، كقوله: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ  ﴾ التي عبدوها.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الشياطين الذين أمروهم ودعوهم إلى عبادة غير الله، فتكون العبادة لمن دون الله للشيطان حقيقة؛ لأنه هو الآمر لهم بذلك، والداعي إلى ذلك دون من ذكروا؛ لأن هؤلاء - أعني: عيسى وعزيراً والملائكة - لم يأمروهم بذلك؛ فيكون على هذا كأنه قال: إنكم والشياطين الذين تعبدون من دون الله حصب جهنم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ  قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ  ﴾ دل هذا أن القرين هو الشيطان، كقوله: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ وقوله: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ بالصاد، وقرئ بالطاء: (حطب جهنم) قال ابن عباس: الحصب بلسان الزنجية: هو الحطب.

وقال بعضهم: هو حطب بلسان الحبشة، ويقال - أيضاً - بالضاد: (حضب جهنم) قال بعضهم: الحصب: هو الرمي، يحصب جهنم بهم، أي: يرمي بهم، والحطب: هو معروف، والحضب: هو التهيج، أي: يهيّج النار عليهم.

وقال الكسائي: حصبت النار، أي: ألقيت فيها الحطب، وعن عائشة: (حضب جهنم) بالضاد.

وقوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ أي: واقعون فيها.

وقوله: ﴿ لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ﴾ أي: لو كان الذين عبدوا دون الله آلهة على ما زعموا ما وردوا النار.

فإن قيل: إنهم لم يقروا أنها ترد النار.

[قيل]: لما عجزوا عن إتيان مثله فقد لزمتهم الحجة، فكأنهم أقروا أنهم واردوها، وهو كقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 28]؛ هم لم يقروا أنهم يحيون بعدما ماتوا، ولكن لما عرفوا أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم، فقد لزمهم الإقرار والحجة بالإِحياء بعد الموت؛ فعلى ذلك الأول كأنهم أقروا بأنهم واردون بما لزمتهم الحجة.

وقوله: ﴿ وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ ظاهر.

وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ﴾ قيل: الزفير: هو الصوت الخفيض الذي فيه أنين، والشهيق: هو الصوت الرفيع الذي فيه أنين.

وقيل: الشهيق: أول نهيق الحمار، والزفير: هو آخر نهيقه.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ قيل: لا يسمعون الخير، ويسمعون غيره.

وقال بعضهم: لا يسمعون؛ لأنهم يكونون صمّاً بكماً عمياً، وهو كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً  ﴾ .

وقال القتبي: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ : حرام عليهم أن يرجعوا، ويقال: واجب، وقال: هو حِرْمٌ وحرامٌ: واحدٌ، كما يقال: حِلٌّ وحلال.

وقال: ﴿ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ﴾ : ومن كل نشز من الأرض و أكمة ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ من النسلان، وهو مقاربة الخطو مع الإسراع كمشي الذئب إذا بادر.

قال أبو عوسجة: الحدب: ما ارتفع من الأرض، الواحد: حدبة ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ أي: يجيئون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وتفرّق الناس، فصار منهم الموحّد والمشرك والكافر والمؤمن، وكل هؤلاء المتفرقين إلينا وحدنا راجعون يوم القيامة، فنجازيهم على أعمالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.KZjd1"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله