الآية ٢٣ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٢٣ من سورة الحج

إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما أخبر تعالى عن حال أهل النار ، عياذا بالله من حالهم ، وما هم فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال ، وما أعد لهم من الثياب من النار ، ذكر حال أهل الجنة - نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخلنا الجنة - فقال : ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ) أي : تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها ، وتحت أشجارها وقصورها ، يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا ، ( يحلون فيها ) من الحلية ، ( يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ) أي : في أيديهم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه : " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " .

وقال كعب الأحبار : إن في الجنة ملكا لو شئت أن أسميه لسميته ، يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة ، لو أبرز قلب منها - أي : سوار منها - لرد شعاع الشمس ، كما ترد الشمس نور القمر .

وقوله : ( ولباسهم فيها حرير ) : في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم ، لباس هؤلاء من الحرير ، إستبرقه وسندسه ، كما قال : ( عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ) [ الإنسان : 21 ، 22 ] ، وفي الصحيح : " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا ، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " .

قال عبد الله بن الزبير : ومن لم يلبس الحرير في الآخرة ، لم يدخل الجنة ، قال الله تعالى : ( ولباسهم فيها حرير )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وأما الذين آمنوا بالله ورسوله فأطاعوهما بما أمرهم الله به من صالح الأعمال، فإن الله يُدخلهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، فيحليهم فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَلُؤْلُؤًا ) فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة نصبا مع التي في الملائكة، بمعنى: يحلون فيها أساور من ذهب ولؤلؤا، عطفا باللؤلؤ على موضع الأساور، لأن الأساور وإن كانت مخفوضة من أجل دخول من فيها، فإنها بمعنى النصب، قالوا: وهي تعدّ في خط المصحف بالألف، فذلك دليل على صحة القراءة بالنصب فيه.

وقرأت ذلك عامة قرّاء العراق والمصرين: ( وَلُؤْلُؤٍ ) خفضا عطفا على إعراب الأساور الظاهر.

واختلف الذي قرءوا ذلك في وجه إثبات الألف فيه، فكان أبو عمرو بن العلاء فيما ذكر لي عنه يقول: أثبتت فيه كما أثبتت في قالوا: و كالوا.

وكان الكسائي يقول: أثبتوها فيه للهمزة، لأن الهمزة حرف من الحروف.

والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متفقتا المعنى، صحيحتا المخرج في العربية، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وقوله: ( وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ) يقول: ولبوسهم التي تلي أبشارهم فيها ثياب حرير.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حريرقوله تعالى : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار لما ذكر أحد الخصمين وهو الكافر ذكر حال الخصم الآخر وهو المؤمن .

يحلون فيها من أساور من ذهب ( من ) صلة .

والأساور جمع أسورة ، وأسورة واحدها سوار ؛ وفيه ثلاث لغات : ضم السين وكسرها وإسوار .

قال المفسرون : لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة ، وليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة : سوار من ذهب ، وسوار من فضة ، وسوار من لؤلؤ .

قال هنا وفي فاطر : من أساور من ذهب ولؤلؤا وقال في سورة الإنسان : وحلوا أساور من فضة .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة سمعت خليلي - صلى الله عليه وسلم - يقول : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء .

وقيل : تحلى النساء بالذهب والرجال بالفضة .

وفيه نظر ، والقرآن يرده .

( ولؤلؤا ) قرأ نافع ، وابن القعقاع ، وشيبة ، وعاصم هنا وفي سورة الملائكة ( لؤلؤا ) بالنصب ، على معنى [ ص: 28 ] ويحلون لؤلؤا ؛ واستدلوا بأنها مكتوبة في جميع المصاحف هنا بألف .

وكذلك قرأ يعقوب ، والجحدري ، وعيسى بن عمر بالنصب هنا والخفض في ( فاطر ) اتباعا للمصحف ، ولأنها كتبت هاهنا بألف وهناك بغير ألف .

الباقون بالخفض في الموضعين .

وكان أبو بكر لا يهمز ( اللؤلؤ ) في كل القرآن ؛ وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف .

قال القشيري : والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ ؛ ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت .

قلت : وهو ظاهر القرآن بل نصه .

وقال ابن الأنباري : من قرأ ( ولؤلؤ ) بالخفض وقف عليه ولم يقف على الذهب .

وقال السجستاني : من نصب اللؤلؤ فالوقف الكافي من ذهب ؛ لأن المعنى ويحلون لؤلؤا .

قال ابن الأنباري : وليس كما قال ، لأنا إذا خفضنا ( اللؤلؤ ) نسقناه على لفظ الأساور ، وإذا نصبناه نسقناه على تأويل الأساور ، وكأنا قلنا : يحلون فيها أساور ولؤلؤا ، فهو في النصب بمنزلته في الخفض ، فلا معنى لقطعه من الأول .قوله تعالى : ولباسهم فيها حرير أي وجميع ما يلبسونه من فرشهم ولباسهم وستورهم حرير ، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير .

وروى النسائي ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة ، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب فيها في الآخرة - ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لباس أهل الجنة ، وشراب أهل الجنة ، وآنية أهل الجنة .

فإن قيل : قد سوى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين هذه الأشياء الثلاثة وأنه يحرمها في الآخرة ؛ فهل يحرمها إذا دخل الجنة ؟

قلنا : نعم !

إذا لم يتب منها حرمها في الآخرة ، وإن دخل الجنة ؛ لاستعجاله ما حرم الله عليه في الدنيا .

لا يقال : إنما يحرم ذلك في الوقت الذي يعذب في النار أو بطول مقامه في الموقف ، فأما إذا دخل الجنة فلا ؛ لأن حرمان شيء من لذات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبة ، ومؤاخذة ، والجنة ليست بدار عقوبة ، ولا مؤاخذة فيها بوجه .

فإنا نقول : ما ذكرتموه محتمل ، لولا ما جاء ما يدفع هذا الاحتمال ويرده من ظاهر الحديث الذي ذكرناه .

وما رواه الأئمة من حديث ابن عمر ، عن [ ص: 29 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة .

والأصل التمسك بالظاهر حتى يرد نص يدفعه ، بل قد ورد نص على صحة ما ذكرناه ، وهو ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن داود السراج ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو .

وهذا نص صريح ، وإسناده صحيح .

فإن كان وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو الغاية في البيان ، وإن كان من كلام الراوي على ما ذكر ، فهو أعلى بالمقال ، وأقعد بالحال ، ومثله لا يقال بالرأي ، والله أعلم .

وكذلك من شرب الخمر ولم يتب و من استعمل آنية الذهب والفضة وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه ، وليس ذلك بعقوبة كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة .

وقد ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة مستوفى ، والحمد لله ، وذكرنا فيها أن شجر الجنة وثمارها يتفتق عن ثياب الجنة ، وقد ذكرناه في سورة الكهف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } ومعلوم أن هذا الوصف لا يصدق على غير المسلمين، الذين آمنوا بجميع الكتب، وجميع الرسل، { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } أي: يسورون في أيديهم، رجالهم ونساؤهم أساور الذهب.{ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } فتم نعيمهم بذكر أنواع المأكولات اللذيذات المشتمل عليها، لفظ الجنات، وذكر الأنهار السارحات، أنهار الماء واللبن والعسل والخمر، وأنواع اللباس، والحلي الفاخر

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ) جمع سوار ، ( ولؤلؤا ) قرأ أهل المدينة وعاصم " ولؤلؤا " هاهنا وفي سورة الملائكة بالنصب وافق يعقوب هاهنا على معنى ويحلون لؤلؤا ولأنها مكتوبة في المصاحف بالألف وقرأ الآخرون بالخفض عطفا على قوله " من ذهب " ويترك الهمزة الأولى في كل القرآن أبو جعفر وأبو بكر ، واختلفوا في وجه إثبات الألف فيه فقال أبو عمرو : أثبتوها كما أثبتوا في قالوا وكانوا وقال الكسائي : أثبتوها للهمزة لأن الهمزة حرف من الحروف ( ولباسهم فيها حرير ) أي يلبسون في الجنة ثياب الإبريسم وهو الذي حرم لبسه في الدنيا على الرجال أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، أخبرنا علي بن الجعد ، أخبرنا شعبة ، عن قتادة ، عن داود السراج ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه الله إياه في الآخرة فإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

وقال في المؤمنين «إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ» بالجرّ أي منهما بأن يرصع اللؤلؤ بالذهب، وبالنصب عطفا على محل من أساور «ولباسهم فيها حرير» هو المحرَّم لبسه على الرجال في الدنيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الله تعالى يدخل أهل الإيمان والعمل الصالح جنات نعيمها دائم، تجري مِن تحت أشجارها الأنهار، يُزَيَّنون فيها بأساور الذهب وباللؤلؤ، ولباسهم المعتاد في الجنة الحرير رجالا ونساءً.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكن القرآن كعادته فى قرن الترهيب بالترغيب .

لا يترك النفوس فى هذا الفزع ، بل يتبع ذلك بما يمسح عنها خوفها ورعبها عن طريق بيان حسن حال المؤمنين فيقول : ( إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار .

.

.

) .وغير - سبحانه - الأسلوب فلم يقل : والذين آمنوا على سبيل العطف على الذين كفروا .

.

.

تعظيم لشأن المؤمنين ، وإشعار بمباينة حالهم لحال خصمائهم الكافرين .أى : إن الله - تعالى - بفضله وإحسانه يدخل عباده الذين آمنوا وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحات ، جنات عاليات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار .وقوله ( يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ) بيان لما ينالون فى تلك الجنات من خير وفير ، وعطاء جزيل .أى : يتزينون فى تلك الجنات بأساور كائنة من الذهب الخالص ، ومن اللؤلؤ الثمين ، أما لباسهم الدائم فيها فهو من الحرير الناعم الفاخر .قال الآلوسى : وقوله - تعالى - : ( وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ) غير الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها حريرا ، للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غنى عن البيان .

.

.

ثم إن الظاهر أن هذا الحكم عام فى كل أهل الجنة ، وقيل هو باعتبار الأغلب ، لما أخرجه النسائى وابن حيان وغيرهما عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" من لبس الحرير فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة .

وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه " .قالوا : ومحله فيمن مات مصرا على ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القراءة: روي عن الكسائي ﴿ خَصْمَانِ ﴾ بكسر الخاء، وقرئ ﴿ قُطّعَتْ ﴾ بالتخفيف كان الله يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، قرأ الأعمش: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ رُدُّواْ فِيهَا ﴾ الحسن ﴿ يُصْهَرُ ﴾ بتشديد الهاء للمبالغة، وقرئ ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ بالنصب على تقدير ويؤتون لؤلؤاً كقوله وحوراً عيناً ولؤلؤاً بقلب الهمزة الثانية واواً، واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ذكر هاهنا كيفية اختصامهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله: ﴿ هذان خَصْمَانِ اختصموا ﴾ ، والجواب: الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، فقوله: ﴿ هذان ﴾ للفظ واختصموا للمعنى كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ  ﴾ .

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الخصمين وجوهاً: أحدها: المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم وطائفة الكفار وجماعتهم وأن كل الكفار يدخلون في ذلك، قال ابن عباس رضي الله عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة ﴿ فِى رَبّهِمْ ﴾ أي في ذاته وصفاته.

وثانيها: روي أن أهل الكتاب قالوا نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فهذه خصومتهم في ربهم.

وثالثها: روى قيس ابن عبادة عن أبي ذر الغفاري رحمه الله أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وقال علي عليه السلام أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة.

ورابعها: قال عكرمة: هما الجنة والنار قالت النار خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة خلقني الله لرحمته فقص الله من خبرهما على محمد صلى الله عليه وسلم ذلك، والأقرب هو الأول لأن السبب وإن كان خاصاً فالواجب حمل الكلام على ظاهره قوله: ﴿ هذان ﴾ كالإشارة إلى من تقدم ذكره وهم أهل الأديان الستة، وأيضاً ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما، فمن خص به مشركي العرب أو اليهود من حيث قالوا في كتابهم ونبيهم ما حكيناه فقد أخطأ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله: ﴿ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ  ﴾ أراد به الحكم لأن ذكر التخاصم يقتضي الواقع بعده يكون حكماً فبين الله تعالى حكمه في الكفار، وذكر من أحوالهم أموراً ثلاثة: أحدها: قوله: ﴿ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ ﴾ والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله: ﴿ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ عن أنس، وقال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار أخذاً من قوله تعالى: ﴿ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ  ﴾ وأخرج الكلام بلفظ الماضي كقوله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور  ﴾ ، ﴿ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ  ﴾ لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع.

وثانيها: قوله: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهمْ الحميم ﴾ يصهر به ما في بطونهم والجلود، الحميم الماء الحار، قال ابن عباس رضي الله عنهما لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها، (يصهر) أي يذاب أي إذا صب الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم وهو أبلغ من قوله: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ المقامع السياط وفي الحديث لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها وأما قوله: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ فاعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج والمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها، ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقاطع فهووا فيها سبعين خريفاً وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق، والحريق الغليظ من النار العظيم الإهلاك، ثم إنه سبحانه ذكر حكمه في المؤمنين من أربعة أوجه: أحدها: المسكن، وهو قوله: ﴿ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ .

وثانيها: الحلية، وهو قوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ فبين تعالى أنه موصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا من هذه الأمور وإن كان من أحله لهم أيضاً شاركهم فيه لأن المحلل للنساء في الدنيا يسير بالإضافة إلى ما سيحصل لهم في الآخرة.

وثالثها: الملبوس وهو قوله: ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أن شهادة لا إله إلا الله هو الطيب من القول لقوله: ﴿ وَمَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً  ﴾ وقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب  ﴾ وهو صراط الحميد لقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ .

وثانيها: قال السدي (وهدوا إلى الطيب من القول) هو القرآن.

وثالثها: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده.

ورابعها: أنهم إذا ساروا إلى الدار الآخرة هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من قبل الله تعالى بدوام النعيم والسرور والسلام، وهو معنى قوله: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ وعندي فيه وجه.

خامس: وهو أن العلاقة البدنية جارية مجرى الحجاب للأرواح البشرية في الاتصال بعالم القدس فإذا فارقت أبدانها انكشف الغطاء ولاحت الأنوار الإلهية، وظهور تلك الأنوار هو المراد من قوله: ﴿ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول وَهُدُواْ إلى صراط الحميد ﴾ والتعبير عنها هو المراد من قوله: ﴿ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُحَلَّوْنَ ﴾ عن ابن عباس: من حِلَيت المرأَةُ فهي حال ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ بالنصب على: ويؤتون لؤلؤاً، كقوله: وحوراً عيناً.

ولؤلؤاً بقلب الهمزة الثانية واواً.

ولولياً؛ بقلبهما واوين، ثم بقلب الثانية ياء كأدل.

ولول كأدل فيمن جرّ.

ولولؤ، وليلياً، بقلبهما ياءين، عن ابن عباس: وهداهم الله وألهمهم أن يقولوا الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم إلى طريق الجنة.

يقال: فلان يحسن إلى الفقراء وينعش المضطهدين، لا يراد حال ولا استقبال، وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه والنعشة في جميع أزمنته وأوقاته.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ أي الصدود منهم مستمرّ دائم ﴿ لِلنَّاسِ ﴾ أي الذين يقع عليهم اسم الناس من غير فرق بين حاضر وباد وتانيء وطاريء ومكي وآفاقي.

وقد استشهد به أصحاب أبي حنيفة قائلين: إنّ المراد بالمسجد الحرام: مكة، على امتناع جواز بيع دور مكة وإجارتها.

وعند الشافعي: لا يمتنع ذلك.

وقد حاور إسحاق بن راهويه فاحتجّ بقوله: ﴿ الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم ﴾ [الحج: 40] ، [الحشر: 8] وقال: أنسب الديار إلى مالكيها، أو غير مالكيها؟

واشترى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه دار السجن من مالكيه أو غير مالكيه؟

﴿ سَوَآء ﴾ بالنصب: قراءة حفص.

والباقون على الرفع.

ووجه النصب أنه ثاني مفعولي جعلناه، أَي: جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فِيهِ والباد ﴾ وفي القراءة بالرفع.

الجملة مفعول ثان.

الإلحاد: العدول عن القصد، وأصله إلحاد الحافر.

وقوله: ﴿ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ حالان مترادفتان.

ومفعول ﴿ يُرِدْ ﴾ متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال: ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً ﴿ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ يعني أَنّ الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده.

وقيل: الإلحاد في الحرم: منع الناس عن عمارته.

وعن سعيد بن جبير: الاحتكار.

وعن عطاء: قول الرجل في المبايعة: «لا والله، وبلى والله، وعن عبد الله بن عمر و أنه كان له فسطاطان، أحدهما: في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له، فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: لا والله وبلى والله» .

وقرئ: ﴿ يرد ﴾ بفتح الياء من الورود، ومعناه من أتى فيه بإلحاد ظالماً.

وعن الحسن: ومن يرد إلحاده بظلم.

أراد: إلحاداً فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف، كمكر الليل: ومعناه من يرد أن يلحد فيه ظالماً.

وخبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم؛ وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك.

عن ابن مسعود: الهمة في الحرم تكتب ذنباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِيهِ وأسْنَدَ الإدْخالَ إلى اللَّهِ تَعالى وأكَّدَهُ بِإنَّ إحْمادًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ.

﴿ يُحَلَّوْنَ فِيها ﴾ مِن حَلَّيْتُ المَرْأةَ إذا ألْبَسْتُها الحُلِيَّ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ.

﴿ مِن أساوِرَ ﴾ صِفَةُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ و ( أساوِرَ ) جَمْعُ أسْوِرَةٍ وهو جَمْعُ سِوارٍ.

﴿ مِن ذَهَبٍ ﴾ بَيانٌ لَهُ.

﴿ وَلُؤْلُؤًا ﴾ عُطِفَ عَلَيْها لا عَلى ( ذَهَبٍ ) لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدِ السُّوارُ مِنهُ إلّا أنْ يُرادَ المُرَصَّعَةُ بِهِ، ونَصَبَهُ نافِعٌ وعاصِمٌ عَطْفًا عَلى مَحَلِّها أوْ إضْمارِ النّاصِبِ مِثْلَ ويُؤْتُونَ، ورَوى حَفْصٌ بِهَمْزَتَيْنِ وتَرَكَ أبُو بَكْرٍ والسُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو الهَمْزَةَ الأوْلى، وقُرِئَ «لُؤْلُوًا» بِقَلْبِ الثّانِيَةِ واوًا و «لُولِيًا» بِقَلْبِهِما واوَيْنِ ثُمَّ قَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً و «لِيلِيًا» بِقَلْبِهِما ياءَيْنِ و «لُولٌ» كَأُدْلٌ.

﴿ وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَرِيرَ ثِيابُهُمُ المُعْتادَةُ، أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى هَيْئَةِ الفَواصِلِ.

﴿ وَهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ ﴾ وهو قَوْلُهُمُ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ ﴾ أوْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ.

﴿ وَهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ المَحْمُودُ نَفْسُهُ أوْ عاقِبَتُهُ وهو الجَنَّةُ، أوِ الحَقُّ أوِ المُسْتَحِقُّ لِذاتِهِ الحَمْدَ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وصِراطُهُ الإسْلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم ذكر جزاء الخصم الآخر فقال {إِنَّ الله يدخل الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} جمع أسورة جمع سوار {مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} بالنصب مدني وعاصم وعلي ويؤتون لؤلؤاً وبالجر غيرهم عطفاً على من ذهب وبترك الهمزة الأولى في كل القرآن أبو بكر وحماد {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} ابريسم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ بَيانٌ لِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، وغُيِّرَ الأُسْلُوبُ فِيهِ بِإسْنادِ الإدْخالِ إلى الِاسْمِ الجامِعِ وتَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ وفَصْلِها لِلِاسْتِئْنافِ إيذانًا بِكَمالِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ لِحالِ الكَفَرَةِ وإظْهارًا لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأمْرِ المُؤْمِنِينَ ودَلالَةً عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيها ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والتَّشْدِيدُ مِنَ التَّحْلِيَةِ بِالحُلِيِّ أيْ تُحَلِّيهِمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأمْرِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أساوِرَ ﴾ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِيُحَلَّوْنَ، ( ومِن ) ابْتِدائِيَّةٌ والفِعْلُ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ وهو النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ ومِن لِلْبَيانِ والفِعْلُ مُتَعَدٍّ لِاثْنَيْنِ أحَدُهُما النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ والآخَرُ المَوْصُوفُ المَحْذُوفُ أيْ يُحَلُّونَ حُلِيًّا أوْ شَيْئًا مِن أساوِرَ، وعَلى القَوْلِ بِتَعَدِّي هَذا الفِعْلِ لِاثْنَيْنِ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ واقِعَةً مَوْقِعَ المَفْعُولِ، وأنْ تَكُونَ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ مِن جَوازِ زِيادَتِها في الإيجابِ ( وأساوِرَ ) مَفْعُولُ ( يُحَلَّوْنَ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ذَهَبٍ ﴾ صِفَةٌ لِأساوِرَ، و( مِن ) لِلْبَيانِ، وقِيلَ: لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ أُنْشِئَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وتَعَلُّقُهُ بِيُحَلَّوْنَ لا يَخْفى حالُهُ، وقُرِئَ «يُحْلَوْنَ» بِضَمِّ الياءِ والتَّخْفِيفِ، وهو عَلى ما في البَحْرِ بِمَعْنى المُشَدَّدِ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضٍ أنَّهُ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ وهو النّائِبُ الفاعِلِ فَمِن أساوِرَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ «يَحْلَوْنَ» بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ وسُكُونِ الحاءِ مَن حَلِيَتِ المَرْأةُ إذا لَبِسَتْ حُلِيَّها.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إذا صارَتْ ذاتَ حُلِيٍّ، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن حَلِيَ بِعَيْنِي يَحْلى إذا اسْتَحْسَنْتَهُ وهو في الأصْلِ مِنَ الحَلاوَةِ وتَكُونُ مِن حِينَئِذٍ زائِدَةً، والمَعْنى يَسْتَحْسِنُونَ فِيها الأساوِرَ، وقِيلَ: هَذا الفِعْلُ لازِمٌ ومِن سَبَبِيَّةٌ، والمَعْنى يَحْلى بَعْضُهم بِعَيْنِ بَعْضٍ بِسَبَبِ لِباسِ أساوِرِ الذَّهَبِ.

وجَوَّزَ أبُو الفَضْلِ أنْ يَكُونَ مِن حَلَيْتُ بِهِ إذا ظَفِرْتَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: لَمْ يَحْلِ فُلانٌ بِطائِلٍ، ومِن حِينَئِذٍ بِمَعْنى الباءِ أيْ يَظْفَرُونَ فِيها بِأساوِرَ مِن ذَهَبٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ «مِن أسْوِرَ» بِفَتْحِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ولا هاءٍ، وكانَ قِياسُهُ أنْ يُصْرَفَ لِأنَّهُ نَقَصَ بِناؤُهُ فَصارَ كَجَنْدَلٍ لَكِنَّهُ قُدِّرَ المَحْذُوفُ مَوْجُودًا فَمُنِعَ الصَّرْفُ، قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ فَتَذَكَّرْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولُؤْلُؤًا ﴾ عُطِفَ عَلى مَحَلِّ ( مِن أساوِرَ ) أوْ عَلى المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ، وحَمَلَهُ أبُو الفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيْ ويُؤْتَوْنَ لُؤْلُؤًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ والحَسَنُ في رِوايَةٍ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وأهْلُ مَكَّةَ «ولُؤْلُؤٍ» بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ( أساوِرَ ) أوْ عَلى ( ذَهَبٍ ) لِأنَّ السُّوارَ قَدْ يَكُونُ مِن ذَهَبٍ مُرَصَّعٍ بِلُؤْلُؤٍ وقَدْ يَكُونُ مِن لُؤْلُؤٍ فَقَطْ كَما رَأيْناهُ ويُسَمّى في دِيارِنا خَصَرًا وأكْثَرُ ما يَكُونُ مِنَ المَرْجانِ.

واخْتَلَفُوا هَلْ في الإمامِ ألِفٌ بَعْدَ الواوِ فَقالَ الجَحْدَرِيُّ: نَعَمْ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: لا، ورَوى يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ هَمْزَ الآخَرِ وقَلْبَ الهَمْزَةِ الأُولى واوًا، ورَوى المُعَلّى بْنُ مَنصُورٍ عَنْهُ ضِدَّ ذَلِكَ.

وقَرَأ الفَيّاضُ «لُولِيًّا» قَلَبَ الهَمْزَتَيْنِ واوَيْنِ فَصارَتِ الثّانِيَةُ واوًا قَبْلَها ضَمَّةٌ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ في كَلامِهِمُ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ آخِرُهُ واوٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ قَلَبَ الواوَ ياءً والضَّمَّةَ قَبْلَها كَسْرَةً.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ «ولِيلِيًّا» بِقَلْبِ الهَمْزَتَيْنِ واوَيْنِ ثُمَّ قَلْبِهِما ياءَيْنِ، أمّا قَلْبُ الثّانِيَةِ فَلِما عَلِمْتَ وأمّا قَلْبُ الأُولى فَلِلْإتْباعِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ «ولَوْلٍ» كَأدْلٍ في جَمْعِ دَلْوٍ قُلِبَتِ الهَمْزَتانِ واوَيْنِ ثُمَّ قُلِبَتْ ضَمَّةُ اللّامِ كَسْرَةً والواوُ ياءً ثُمَّ أُعِلَّ إعْلالَ قاضٍ ﴿ ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ويَلْبَسُونَ فِيها حَرِيرًا لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَ اللِّباسِ لَهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ إذْ لا يُمْكِنُ عَراؤُهم عَنْهُ وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ أنَّ لِباسَهم ماذا بِخِلافِ التَّحْلِيَةِ فَإنَّها لَيْسَتْ مِن لَوازِمِهِمُ الضَّرُورِيَّةِ فَلِذا جَعَلَ بَيانَها مَقْصُودًا بِالذّاتِ.

ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في تَقْدِيمِ بَيانِ التَّحْلِيَةِ عَلى بَيانِ حالِ اللِّباسِ قالَهُ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ، ولَمْ يَرْتَضِ ما قِيلَ: إنَّ التَّغْيِيرَ لِدَلالَةٍ عَلى أنَّ الحَرِيرَ لِباسُهُمُ المُعْتادُ أوْ لِمُجَرَّدِ المُحافَظَةِ عَلى هَيْئَةِ الفَواصِلِ، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى السّابِقَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( يُحَلَّوْنَ ) ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في كُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ لِما أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ وإنْ دَخَلَ الجَنَّةَ لَبِسَهُ أهْلُ الجَنَّةِ ولَمْ يَلْبَسْهُ»» وحَدِيثُ عَدَمِ لُبْسِ ذَلِكَ لَهُ في الآخِرَةِ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا.

والظّاهِرُ أنَّ حُرْمَةَ اسْتِعْمالِ الحَرِيرِ لِلرِّجالِ في غَيْرِ ما اسْتُثْنِيَ مُجْمَعٌ عَلَيْها وأنَّهُ يَكْفُرُ مَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَأوِّلٍ، ولَعَلَّ خَبَرَ البَيْهَقِيِّ في سُنَنِهِ.

وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا ««مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ ولَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ»» إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا كانَ اللُّبْسُ مُحَرَّمًا بِالإجْماعِ وقَدِ اسْتَحَلَّهُ فاعِلُهُ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ مَعَ السّابِقِينَ وإلّا فَعَدَمُ دُخُولِ اللّابِسِ مُطْلَقًا الجَنَّةَ مُشْكِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم بين جزاء الخصم الآخر، فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها، يعني: يلبسون في الجنة.

مِنْ أَساوِرَ، يعني: أقلبة.

مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً.

قرأ نافع وعاصم في رواية حفص وَلُؤْلُؤاً بالهمز والنصب، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هكذا، إلا أنه لم يهمز الواو الأولى، وقرأ الباقون بالهمز والكسر.

فمن قرأ بالكسر، فلأجل مِنْ، ومن قرأ بالنصب فمعناه: يحلون لؤلؤاً نصب لوقوع الفعل عليه، وهو اختيار أبي عبيد.

ثم قال: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ، أي في الجنة.

قوله عز وجل: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ، يعني: أرشدوا، ويقال: دعوا إلى قول التوحيد: لا إله إلا الله، ويقال: إلى القرآن.

وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ، يعني: المحمود في أفعاله، وهو دين الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: وهذه التأويلاتُ مُتَّفِقَاتٌ في المعنى، وقد ورد أَنَّ أَوَّلَ ما يُقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء، ومن المعلوم أَنَّ أَوَّلَ مبارزة وقعت في الإسلام مبارزة عَليٍّ وأصحابه، فَلاَ جَرَمَ كانت أَوَّلَ خصومة وحكومة يوم القيامة وفي «صحيح مسلم» عنه صلى الله عليه وسلّم: «نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، والأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ» وفي رواية: «المَقْضِيِّ بَيْنَهُمْ» «١» .

وقوله: فِي رَبِّهِمْ أي: في شأن ربهم وصفاته وتوحيده، ويحتمل في رِضَى ربهم وفي ذاته.

وقال ص: فِي رَبِّهِمْ أي: في دين ربهم، انتهى، ثم بَيَّنَ سبحانه حكم الفريقين، فتوعَّدَ تعالى الكُفَّارَ بعذابه الأليم، وقُطِّعَتْ معناه جُعِلَتْ لهم بتقدير كما يُفَصَّلُ الثوبُ، وروي: أنّها من نحاس، ويُصْهَرُ معناه: يُذَابُ، وقيل: معناه: ينضج قيل: إن الحميم بحرارته يُهْبِطُ كلَّ ما في الجوف ويكشطه، ويسلته، وقد روى أبو هريرةَ نحوَهُ عن النّبي صلى الله عليه وسلّم: «أَنَّهُ يُسْلِتُهُ، وَيَبْلُغُ بِهِ قَدَمَيْهِ، وَيُذِيبُهُ ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ» «٢» .

وقوله سبحانه: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها رُوِيَ فيه: أَنَّ لهب النار إذا ارتفع رفعهم فيصلون إلى أبواب النار، فيريدون الخروج، فتردهم الزبانية بمقامع الحديد، وهي المقارع «٣» .

وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ ...

الآية معادلة لقوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا [الحج: ١٩] واللؤلؤ: الجوهر، وأخبر سبحانه: بأَنَّ لباسهم فيها حرير لأَنَّهُ من أكمل حالات الدنيا قال ابن عباس «٤» : لا تُشْبِهُ أمور الآخرة أمورَ الدنيا إلاَّ في الأسماء فقط، وأمَّا الصفات فمتباينة، والطَّيِّبُ من القول: لا إله إلا الله وما

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلُؤْلُؤًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ولُؤْلُوٍ ) بِالخَفْضِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن خَفَضَ فالمَعْنى: يُحَلَّوْنَ أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ومِن لُؤْلُؤٍ، ومَن نَصَبَ قالَ: ويُحِلَّونَ لُؤْلُؤًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُدُوا ﴾ ؛ أيْ: أُرْشِدُوا في الدُّنْيا، ﴿ إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والحَمْدُ لِلَّهِ "، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزادَ ابْنُ زَيْدٍ: " واللَّهُ أكْبَرُ " .

والثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

فَأمّا ﴿ صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو طَرِيقُ الإسْلامِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ ﴿ وَهُدُوا إلى الطَيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُعادَلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ  ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَحِلُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ وتَخْفِيفِها، يُقالُ: حَلَيَ الرَجُلُ وحَلِيَتِ المَرْأةُ إذا صارَتْ ذاتِ حُلِيٍّ.

وقِيلَ: هي مِن قَوْلِهِمْ: لَمْ يَحِلْ فَلانٌ بِطائِلٍ.

و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن أساوِرَ" هي لِبَيانِ الجِنْسِ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِتَّبْعِيضِ.

و"الأساوِرُ" جَمْعُ سُوارٍ وإسْوارٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقِيلَ: أساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةُ جَمْعُ سَوارٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مِن أسْوِرَةٍ مِن ذَهَبٍ.

و "اللُؤْلُؤُ": الجَوْهَرُ، وقِيلَ: صِغارُهُ، وقِيلَ: كِبارُهُ، والأشْهُرُ أنَّهُ اسْمٌ لِلْجَوْهَرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "وَلُؤْلُؤًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ "الأساوِرِ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: يَحِلُّونَ فِيها أساوِرَ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والجَحْدَرِيِّ، وسَلّامٍ، ويَعْقُوبَ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعِيسى، وابْنِ عُمَرَ، وحَمَلَ أبُو الفَتْحِ نَصْبَهُ عَلى إضْمارٍ فَعَلَ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَلُؤْلُؤٌ" بِالخَفْضِ عَطْفًا إمّا عَلى لَفْظَةِ "الأساوِرِ"، ويَكُونُ "اللُؤْلُؤُ" في غَيْرِ الأساوِرِ، وإمّا عَلى "الذَهَبِ" لِأنَّ الأساوِرَ تَكُونُ أيْضًا مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ قَدْ جُمِعَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وطَلْحَةٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وأهْلِ مَكَّةَ، وثَبُتَتْ في "الإمامِ" ألْفٌ بَعْدَ الواوِ، قالَهُ الجَحْدَرِيُّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: لَيْسَ فِيها ألِفٌ، ورَوى يَحْيى عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمْ بِهَمْزِ الواوِ الثانِيَةِ دُونَ الأُولى، ورَوى المُعَلّى بْنِ مَنصُورٍ، عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمْ ضِدَّ ذَلِكَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَهَمْزُهُما وتَخْفِيفُهُما وهَمْزُ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى جائِزٌ كُلُّهُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِئَلِئًا" بِكَسْرِ اللامَيْنِ.

وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم بِلِباسِ الحَرِيرِ لِأنَّها مِن أكْمَلِ حالاتِ الآخِرَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ».

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا تُشْبِهُ أُمُورُ الآخِرَةِ أُمُورَ الدُنْيا إلّا في الأسْماءِ فَقَطْ، وأمّا الصِفاتُ فَمُتَبايِنَةٌ.

و"الطَيِّبُ مِنَ القَوْلِ": لا إلَهَ إلّا اللهَ وما جَرى مَعَها مِن ذِكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وتَسْبِيحِهِ وتَقْدِيسِهِ، وسائِرِ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن مُحاوَرَةٍ وحَدِيثٍ طَيِّبٍ، فَإنَّها لا تُسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ، و"صِراطُ الحَمِيدِ" هو طَرِيقُ اللهِ تَعالى الَّذِي دَعا عِبادَهُ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الحَمِيدِ" نَفْسَ الطَرِيقِ، فَأضافَ إلَيْهِ عَلى حَدِّ إضافَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَدارِ الآخِرَةِ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ ﴾ الآيَةُ.

قَوْلُهُ: "وَيَصُدُّونَ" تَقْدِيرُهُ: وهم يَصُدُّونَ، وبِهَذا حَسُنَ عَطْفُ المُسْتَقْبَلِ عَلى الماضِي، وقالَتْ طائِفَةٌ: الواوُ زائِدَةٌ، و"يَصُدُّونَ" خَبَرُ "إنَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، وإنَّما الخَبَرُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: "والبادِ"، تَقْدِيرُهُ: خَسِرُوا أو هَلَكُوا، وجاءَ "يَصُدُّونَ" مُسْتَقْبَلًا إذْ هو فَعَلَ يُدِيمُونَهُ، كَما جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ  ﴾ ونَحْوَهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ رَسُولُ اللهِ  عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ لَهم صَدٌّ قَبْلَ ذَلِكَ الجَمْعِ، إلّا أنْ يُرادَ صَدُّهم لِأفْرادٍ مِنَ الناسِ فَقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في صَدْرِ المَبْعَثِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: " المَسْجِدُ الحَرامُ " أرادُوا بِهِ مَكَّةَ كُلَّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ قَصَدَ بِالذِكْرِ المُهِمُ المَقْصُودِ مِن ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ، وهو عَلى الِابْتِداءِ، و "العاكِفُ" خَبَرُهُ، وقِيلَ: الخَبَرُ "سَواءٌ" وهو مُقَدَّمٌ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ، والمَعْنى: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ قِبْلَةً أو مُتَعَبَّدًا، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "جَعَلَ" ويَرْتَفِعُ "العاكِفُ" بِهِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في مَعْنًى مُسْتَوٍ أُعْمِلَ عَمَلَ اسْمِ الفاعِلِ، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "جَعَلْناهُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "العاكِفِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الناسِ"، و "العاكِفُ": المُقِيمُ في البَلَدِ، و "البادِي": القادِمْ عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ: "البادِي" بِالياءِ، ووَقَفَ أبُو عَمْرُو بِغَيْرِ ياءٍ، ووَصَلَ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ: "البادِّ" بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ في رِوايَةِ المُسَيِّبِي، وأبُو بَكْرٍ وإسْماعِيلَ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ، ورَوى ورَشَّ الوَصْلَ بِالياءِ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ وصَلا ووَقَفًا، وهي في "الإمامِ" بِغَيْرِ ياءٍ.

وأجْمَعَ الناسُ عَلى الِاسْتِواءِ في المَسْجِدِ الحَرامِ واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ، فَذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخِطابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدُ، وجَماعَةُ مَعَهم إلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في دُورِ مَكَّةَ، وأنَّ القادِمْ لَهُ النُزُولُ حَيْثُ وجَدَ، وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيَهُ شاءَ أو أبى، وقالَ ذَلِكَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ كانَ الأمْرُ في الصَدْرِ الأوَّلِ، قالَ ابْنُ سابِطٍ: وكانَتْ دُورُهم بِغَيْرِ أبْوابٍ حَتّى كَثُرَتِ السَرِقَةُ فاتَّخَذَ رَجُلٌ بابًا فَأنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: أتُغْلِقُ بابًا في وجْهِ حاجِّ بَيْتِ اللهِ؟

فَقالَ: إنَّما أرَدْتُ حِفْظَ مَتاعِهِمْ مِنَ السَرِقَةِ، فَتَرَكَهُ فاتَّخَذَ الناسُ الأبْوابَ.

وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ الأُمَّةِ مِنهم مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَتِ الدُورُ كالمَسْجِدِ، ولِأهْلِها الِامْتِناعُ بِها والِاسْتِبْدادُ، وعَلى هَذا هو العَمَلُ اليَوْمَ.

وهَذا الخِلافُ مُتَرَكِّبٌ عَلى الِاخْتِلافِ في مَكَّةَ، هَلْ هي عنوَةٌ كَما رُوِيَ عن مالِكٍ والأوزاعِيِّ ؟

أو صُلْحٌ كَما رُوِيَ عَنِ الشافِعِيِّ ؟

فَمَن رَآها صُلْحًا فَإنَّ الِاسْتِواءَ عِنْدَهُ في المَنازِلِ بِعِيدٌ، ومَن رَآها عنوَةً أمْكَنَهُ أنْ يَقُولَ: الِاسْتِواءُ فِيها قَدَّرَهُ الأئِمَّةُ الَّذِينَ لَمْ يُقْطِعُوها أحَدًا وإنَّما سُكْنى مَن سَكَنَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ قَوْلِ النَبِيِّ  : «وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلُ مَنزِلًا»، يَقْتَضِي الِاسْتِواءَ، وأنَّها مُتَمَلَّكَةٌ مَمْنُوعَةٌ عَلى التَأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ  ؛ لِأنَّهُ تُؤُوِّلَ بِمَعْنى أنَّهُ ورِثَ جَمِيعَ مَنازِلَ أبِي طالِبٍ وغَيْرِهِ، وتُؤُوِّلَ بِمَعْنى أنَّهُ باعَ مَنازِلَ بَنِي هاشِمْ حِينَ هاجَرُوا.

ومِنَ الحُجَّةِ لِتُمَلِّكَ أهْلَها دَوْرَهم أنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ اشْتَرى مِن صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ دارًا لِلسِّجْنِ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، ويَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ في وقْتِ المَوْسِمْ لِلضَّرُورَةِ والحاجَةِ فَيَخْرُجُ الأمْرُ حِينَئِذٍ عَنِ الِاعْتِبارِ بِالعنوَةِ والصُلْحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإلْحادٍ"، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الباءُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ الشَثَّ صَدْرُهُ وأسْفَلُهُ بِالمَرْخِ والشَبَهانِ وَمِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ضَمِنتُ بِرِزْقِ عِيالِنا أرْماحُنا ∗∗∗............................

وهَذا كَثِيرٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ الناسُ بِإلْحادٍ.

و"الإلْحادُ": المَيْلُ، وهَذا الإلْحادُ والظُلْمُ يَجْمَعُ جَمِيعَ المَعاصِي مِنَ الكُفْرِ إلى الصَغائِرِ، فَلِعِظَمِ حُرْمَةِ المَكانِ تَوَعَّدَ اللهَ تَعالى عَلى نِيَّةِ السَيِّئَةِ فِيهِ، ومِن نَوى سَيِّئَةً ولَمْ يَعْمَلْها لَمْ يُحاسَبْ بِذَلِكَ إلّا في مَكَّةَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإلْحادُ في هَذِهِ الآيَةِ: الشِرْكُ، وقالَ أيْضًا؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَمْرُو رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقَوْلُ "لا واللهِ وبَلى واللهِ" بِمَكَّةَ مِنَ الإلْحادِ، وقالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: الحُكْرَةُ بِمَكَّةَ مِنَ الإلْحادِ بِالظُلْمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والعُمُومُ يَأْتِي عَلى هَذا كُلِّهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَمَن يَرِدُ" مِنَ الوُرُودِ، حَكاهُ الفِراءُ، والأوَّلُ أبْيَنُ وأعَمُّ وأمْدَحُ لِلْبُقْعَةِ.

و"مَن" شَرْطٌ جازِمَةٌ لِلْفِعْلِ، وذَلِكَ مَنعَ مَن عَطْفِها عَلى "الَّذِينَ" واللهُ المُسْتَعانُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كان مقتضى الظاهر أن يكون هذا الكلام معطوفاً بالواو على جملة ﴿ فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ﴾ [الحج: 19] لأنه قسيم تلك الجملة في تفصيل الإجمال الذي في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ [الحج: 19] بأن يقال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات يُدخلهم الله جنات...

إلى آخره.

فعدل عن ذلك الأسلوب إلى هذا النظم لاسترعاء الأسماع إلى هذا الكلام إذا جاء مبتدأ به مستقلاً مفتتحاً بحرف التأكيد ومتوّجاً باسم الجلالة، والبليغ لا تفوته معرفة أنّ هذا الكلام قسيم للذي قبله في تفصيل إجمال ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ [الحج: 19] لوصف حال المؤمنين المقابل لحال الذين كفروا في المكان واللباس وخطاب الكرامة.

فقوله: ﴿ يدخل الذين آمنوا ﴾ الخ مقابل قوله: ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ﴾ [الحج: 22].

وقوله: ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب ﴾ يقابل قوله ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم ﴾ [الحج: 19].

وقوله: ﴿ ولباسهم فيها حرير ﴾ مقابل قوله: ﴿ قطعت لهم ثياب من نار ﴾ [الحج: 19].

وقوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ مقابل قوله: ﴿ وذوقوا عذاب الحريق ﴾ [الحج: 22] فإنه من القول النكِد.

والتحليّة وضع الحَلْي على أعضاء الجسم.

حَلاّه: ألبسه الحَلي مثل جلبب.

والأساور: جمع أسورة الذي هو جمع سِوار.

أشير بجمع الجمع إلى التكثير كما تقدم في قوله: ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً ﴾ في [سورة الكهف: 31].

و (مِن) في قوله ﴿ من أساور ﴾ زائدة للتوكيد.

ووجهه أنه لما لم يعهد تحلية الرجال بالأساور كان الخبر عنهم بأنهم يُحلّون أساور معرّضاً للتردد في إرادة الحقيقة فجيء بالمؤكد لإفادة المعنى الحقيقي، ولذلك ف ﴿ أساور ﴾ في موضع المفعول الثاني ل ﴿ يُحلَّون ﴾ .

﴿ ولؤلؤاً ﴾ قرأه ناقع، ويعقوب، وعاصم بالنصب عطفاً على محل ﴿ أساور ﴾ أي يحلون لؤلؤاً أي عقوداً ونحوها.

وقرأه الباقون بالجرّ عطفاً على اللفظ والمعنى: أساور من ذهب وأساور من لُؤلؤ.

وهي مكتوبة في المصحف بألف بعد الواو الثانية في هذه السورة فكانت قراءة جر ﴿ لؤلؤ ﴾ مخالفة لمكتوب المصحف.

والقراءة نقل ورواية فليس اتباع الخط واجباً على من يروي بما يخالفه.

وكتب نظيره في سورة فاطر بدون ألف، والذين قرأوه بالنصب خالفوا أيضاً خط المصحف واعتمدوا روايتهم.

وسريان معنى التأكيد على القراءتين واحد لأنّ التأكيد تعلّق بالجملة كلها لا بخصوص المعطوف عليه حتى يحتاج إلى إعادة المؤكد مع المعطوف.

واللؤلؤ: الدرّ.

ويقال له الجمان والجوهر.

وهو حبوب بيضاء وصفراء ذات بريق رقراق تُستخرج من أجواف حيوان مائي حَلزوني مستقرّ في غلاف ذي دفتين مغلقتين عليه يفتحهما بحركة حيوية منه لامتصاص الماء الذي يسبح فيه ويسمى غِلافه صَدفاً، فتوجد في جوف الحيوان حبة ذات بريق وهي تتفاوت بالكبر والصغر وبصفاء اللون وبياضه.

وهذا الحيوان يوجد في عدّة بحار: كبحر العجم وهو المسمّى بالبحرين، وبحر الجابون، وشط جزيرة جربة من البلاد التونسية، وأجوده وأحسنه الذي يوجد منه في البحرين حيث مصب نهري الدجلة والفرات، ويستخرجه غَوّاصون مدَرّبون على التقاطه من قعر البحر بالغوص، يغوص الغائص مُشدوداً بحبل بيد مَن يمسكه على السفينة وينتشله بعد لحظة تكفيه للالتقاط.

وقد جاء وصف ذلك في قول المسيب بن علَس أو الأعشى: لَجمانة البحريّ جاء بها *** غَوّاصها من لُجّة البحر نَصفَ النّهارَ الماء غامره *** ورفيقه بالغيب لا يدري وقال أبو ذؤيب الهذلي يصف لؤلؤة: فجَاءَ بِها ما شئتَ من لَطَمِيّة *** على وجهها ماء الفرات يموج وقد أشارت إليه آية [سورة النحل: 14] ﴿ وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ ولما كانت التحلية غير اللباس جيء باسم اللباس بعد يُحَلّون } بصيغة الاسم دون (يلبسون) لتحصيل الدلالة على الثّبات والاستمرار كما دلّت صيغة ﴿ يُحَلّون ﴾ على أن التحلية متجددة بأصناف وألوان مختلفة، ومن عموم الصيغتين يفهم تحقق مثلها في الجانب الآخر فيكون في الكلام احتباك كأنه قيل: يحلّون بها وحليتهم من أساور من ذهب ولباسهم فيها حرير يلبسونه.

والحرير: يطلق على ما نسج من خيوط الحرير كما هنا.

وأصل اسم الحرير اسم لخيوط تفرزها من لعابها دودة مخصوصة تلفّها لَفّاً بعضها إلى بعض مثل كُبّة تلتئم مشدودة كصورة الفول السوداني تحيط بالدودة كمثل الجوزة وتمكث فيه الدودة مدّة إلى أن تتحول الدودة إلى فراشة ذات جناحين فتثقب ذلك البيت وتخرج منه.

وإنما تحصّلُ الخيوط من ذلك البيت بوضعها في ماء حار في درجة الغليان حتى يزول تماسكها بسبب انحلال المادة الصمغية اللعابية التي تشدها فيُطلقونها خيطاً واحداً طويلاً.

ومن تلك الخيوط تنسج ثياب تكون بالغة في اللين واللمعان.

وثياب الحرير أجود الثياب في الدنيا قديماً وحديثاً، وأقدم ظهورها في بلاد الصين منذ خمسة آلاف سنة تقريباً حيث يكثر شجر التوت، لأن دود الحرير لا يفرز الحرير إلا إذا كان عَلَفُه ورقَ التُّوت، والأكثر أنه يبني بيوته في أغصان التُّوت.

وكان غير أهل الصين لا يعرفون تربية دود الحرير فلا يحصّلون الحرير إلاّ من طريق بلاد الفرس يجلبه التجار فلذلك يباع بأثمان غالية.

وكانت الأثواب الحريرية تباع بوزنها من الذهب، ثم نقل بَزر دود الحرير الذي يتولد منه الدود إلى القسطنطينية في زمن الأمبراطور (بوستنيانوس) بين سنة 527 وسنة 565م.

ومن أصناف ثياب الحرير السندس والإستبرق وقد تقدما في سورة الكهف.

وعُرفت الأثواب الحريرية في الرومان في حدود أوائل القرن الثالث المسيحي.

ومعنى ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ أن الله يرشدهم إلى أقوال، أي يُلهمهم أقوالاً حسنة يقولونها بينهم، وقد ذُكر بعضها في قوله تعالى: ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ [يونس: 10] وفي قوله: ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ﴾ [الزمر: 74].

ويجوز أن يكون المعنى: أنهم يرشدون إلى أماكن يسمعون فيها أقوالاً طيبة.

وهو معنى قوله تعالى: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ [الرعد: 24].

وهذا أشد مناسبة بمقابلة مما يسمعه أهل النار في قوله: ﴿ وذوقوا عذاب الحريق ﴾ [الحج: 22].

وجملة ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ معترضة في آخر الكلام، والواو للاعتراض، هي كالتكملة لوصف حسن حالهم لمناسبة ذكر الهداية في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ ، ولم يسبق مقابل لمضمون هذه الجملة بالنسبة لأحوال الكافرين وسيجيء ذكر مقابلها في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ﴾ إلى قوله: ﴿ نذقه من عذاب أليم ﴾ [الحج: 25] وذلك من أفانين المقابلة.

والمعنى: وقد هُدُوا إلى صراط الحميد في الدنيا، وهو دين الإسلام، شبه بالصراط لأنه موصل إلى رضى الله.

والحميد من أسماء الله تعالى، أي المحمود كثيراً فهو فعيل بمعنى مفعول، فإضافة ﴿ صراط ﴾ إلى اسم «الله» لتعريف أيّ صراط هو.

ويجوز أن يكون ﴿ الحميد ﴾ صفة ل ﴿ صراط، ﴾ أي المحمود لسالكه.

فإضافة صراط إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة، والصراط المحمود هو صراط دين الله.

وفي هذه الجملة إيماء إلى سبب استحقاق تلك النعم أنه الهداية السابقة إلى دين الله في الحياة الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الإيمانُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: القُرْآنُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والرّابِعُ: هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا خامِسًا: أنَّهُ ما شَكَرَهُ عَلَيْهِ المَخْلُوقُونَ وأثابَ عَلَيْهِ الخالِقُ.

﴿ وَهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الإسْلامُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والثّانِي: الجَنَّةُ.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّهُ ما حُمِدَتْ عَواقِبُهُ وأُمِنَتْ مَغَبَّتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ﴾ الآية.

قال: سجود ظل هذا كله ﴿ وكثير من الناس ﴾ قال: المؤمنون ﴿ وكثير حق عليه العذاب ﴾ قال: هذا الكافر سجود ظله وهو كاره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: سجود كل شيء فيئه، وسجود الجبال فيئها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الثوب يسجد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن أبي العالية رضي الله عنه قال: ما في السماء من شمس ولا قمر ولا نجم، إلا يقع ساجداً حتى يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى معلمه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: إذا فاء الفيء لم يبق شيء من دابة ولا طائر إلا خر لله ساجداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً يطوف بالبيت ويبكي، فإذا هو طاوس!

فقال: عجبت من بكائي؟

قلت: نعم.

قال: ورب هذه البنية، إن هذا القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له.

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: مر رجل على عبدالله بن عمرو وهو ساجد في الحجر وهو يبكي فقال: أتعجب أن أبكي من خشية الله وهذا القمر يبكي من خشية الله...؟

وأخرج ابن أبي حاتم عن طاوس رضي الله عنه في الآية قال: لم يستثن من هؤلاء أحداً، حتى إذا جاء ابن آدم استثناه فقال: ﴿ وكثير من الناس ﴾ قال: والذي أحق بالشكر هو أكثرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة والخلعي في فوائده، عن علي أنه قيل له: إن هاهنا رجلاً يتكلم في المشيئة.

فقال له علي: يا عبدالله، خلقك الله لما يشاء أو لما شئت؟

قال: بل لما يشاء.

قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟

قال: بل إذا شاء.

قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟

قال: بل إذا شاء.

قال: فيدخلك الجنة حيث شاء أو حيث شئت؟

قال: بل حيث شاء.

قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقسم قسماً إن هذه الآية ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم...

﴾ إلى قوله: ﴿ ان الله يفعل ما يريد ﴾ نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين تبارزوا يوم بدر وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث، وعليّ بن أبي طالب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة.

قال علي رضي الله عنه: أنا أول من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير والبيهقي من طريق قيس بن عبادة، عن علي رضي الله عنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة.

قال قيس: فيهم نزلت ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد ابن عتبة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما بارز علي وحمزة وعبيدة وعتبة وشيبة والوليد، قالوا لهم: تكلموا نعرفكم.

قال: أنا علي، وهذا حمزة، وهذا عبيدة.

فقالوا: أكفاء كرام!

فقال علي: أدعوكم إلى الله وإلى رسوله.

فقال عتبة: هلم للمبارزة.

فبارز علي شيبة فلم يلبث أن قتله، وبارز حمزة عتبة فقتله، وبارز عبيدة الوليد فصعب عليه فأتى علي فقتله.

فأنزل الله: ﴿ هذان خصمان...

﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: لما التقوا يوم بدر قال لهم عتبة بن ربيعة: لا تقتلوا هذا الرجل، فإنه إن يكن صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يكن كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه.

فقا أبو جهل بن هشام: لقد امتلأت رعباً.

فقال عتبة: ستعلم أينا الجبان المفسد لقومه.

قال: فبرز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، فنادوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: «ابعث إلينا أكفاءنا نقاتلهم.

فوثب غلمة من الأنصار من بني الخزرج، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلسوا...

قوموا يا بني هاشم.

فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث فبرزوا لهم، فقال عتبة: تكلموا نعرفكم أن تكونوا أكفاءنا قاتلناكم.

قال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب...

أنا أسد الله وأسد رسوله.

فقال عتبة: كفء كريم!

فقال علي: أنا علي بن أبي طالب...

فقال: كفء كريم!

فقال عبيدة.

أنا عبيدة بن الحارث...

فقال عتبة: كفء كريم!

فأخذ حمزة شيبة بن ربيعة، وأخذ علي بن أبي طالب عتبة بن ربيعة، وأخذ عبيدة الوليد.

فأما حمزة، فأجاز على شيبة، وأما علي فاختلفا ضربتين، فأقام فأجاز على عتبة، وأما عبيدة فأصيبت رجله.

قال: فرجع هؤلاء وقتل هؤلاء، فنادى أبو جهل وأصحابه: لنا العزى ولا عزى لكم، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

فأنزل الله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم...

﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن لاحق بن حميد قال: نزلت هذه الآية يوم بدر ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ﴾ في عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.

ونزلت ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ إلى قوله: ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ في علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن قال: هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله وأقدم منكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فكان ذلك خصومتهم في ربهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم وقال المسلمون: إن كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج الله أهل الإسلام على من ناوأهم فأنزل الله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم...

﴾ إلى قوله: ﴿ عذاب الحريق ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: هما الجنة والنار اختصمتا فقالت النار: خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ﴾ قال: الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ قطعت لهم ثياب من نار ﴾ من نحاس، وليس من الآنية شيء إذا حمي اشتد بأحر منه.

وفي قوله: ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم ﴾ قال: النحاس يذاب على رؤوسهم.

وفي قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ قال: تسيل أمعاؤهم والجلود، قال: تتناثر جلودهم حتى يقوم كل عضو بحياله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي، أنه قرأ قوله: ﴿ قطعت لهم ثياب من نار ﴾ قال: سبحان من قطع من النار ثياباً.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: كسي أهل النار والعري كان خيراً لهم، وأعطوا الحياة والموت كان خيراً لهم.

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه، عن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدمه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكليتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه يكرهه فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفدغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه فيصل إلى جوفه من دماغه.

فذلك قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن سعيد ابن جبير قال: إذا جاء أهل النار في النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختنست جلود وجوههم، فلو أن ماراً يمر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم بها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد سقطت عنه الجلود و ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم، ثم يضربون.

بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالويل والثبور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ قال: يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم.

وفي قوله: ﴿ ولهم مقامع من حديد ﴾ قال: يضربون بها فيقع كل عضو على حياله.

وأخرج ابن الأنباري والطستي في مسائله، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ يصهر ﴾ قال: يذاب ﴿ ما في بطونهم ﴾ إذا شربوا الحميم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: سخنت صهارته فظل عثانه ** في شيطل كعب به تتردد وظل مرتثياً للشمس تصهره ** حتى إذا الشمس قامت جانباً عدلاً وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ قال: يسقون ماء إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ قال: يذاب إذابة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك مثله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة ﴿ يصهر به ﴾ قال: يذاب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله: ﴿ يصهر به ﴾ قال: يذاب كما يذاب الشحم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ولهم مقامع ﴾ قال: مطارق.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: كان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد.

وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان، ما أقلوه في الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان» .

وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها.

ثم قرأ ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر القاري، أنه قرأ هذه الآية ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فبكى وقال: أخبرني زيد بن أسلم في هذه الآية ان أهل النار في النار لا يتنفسون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل بن عياض في الآية قال: والله ما طمعوا في الخروج؛ لأن الأرجل مقيدة والأيدي موثقة، ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها.

وأخرج البخاري ومسلم عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» .

وأخرج النسائي والحاكم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب في الآخرة» .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن ابن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» قال ابن الزبير من قبل نفسه: ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ ولباسهم فيها حرير ﴾ .

وأخرج النسائي والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقال في الخصم الذين هم المؤمنون: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ (١) ﴿ وَلُؤْلُؤًا ﴾ وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف، واللؤلؤ (٢) (٣) (٤) والمعنى: أنهم يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ.

أي منهما؛ بأن يُرصع اللؤلؤ في الذهب.

وقرئ (ولؤلؤا) بالنصب (٥) ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ ﴾ \[يحلون فيها أساور\] (٦) (٧) وقوله ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ يعني أنهم يلبسون في الجنة ثياب (٨) (٩)  -: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (١٠) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 419.

(٢) في (ظ)، (د)، (ع): (فاللؤلؤ).

(٣) في (ظ)، (د)، (ع): (الهمزة).

(٤) انظر: "الحجة" للفارسي 5/ 268، "إعراب القراءات السبع عللها" لابن خالويه 2/ 73.

فقد ذكرا ذلك.

قال ابن خالويه: والأصل الهمز.

قال ابن خالويه: العربية تحتمل همزتهما، وترك الهمز فيهما، وهمز إحداهما كل ذلك جائز، والأصل الهمز، وتركه تخفيف بالواو.

(٥) قرأ نافع وعاصم (ولؤلؤا) بالنصب، وقرأ الباقون (ولؤلؤ) بالخفض.

"السبعة" ص 435، "التبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٧) من قوله: والمعنى: (أنهم يحلون أساور ..

إلى هنا) نقلاً عن "الحجة" للفارسي 5/ 268 مع اختلاف يسير.

وانظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 73، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 474.

(٨) في (أ): (لباب)، وهو خطأ.

(٩) الإبريسم: نوع من الحرير.

"القاموسر المحيط" 4/ 79.

(١٠) رواه البخاري كتاب.

اللباس، باب: لبس الحرير للرجال 10/ 284، ومسلم كتاب: == اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال ..

والحرير على الرجل ..

3/ 1641 - 1642 من حديث ابن الزبير: سمعت عمر يقول: قال النبي -  - ..

فذكره.

ورواه البخاري في الموطن السابق ومسلم في الكتاب والباب السابقين 3/ 1645 من حديث أنس  .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴾ من لبيان الجنس أو للتبعيض وفسرنا الأساور في [الكهف: 31] ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ مفعول بفعل مضمر أي يعطون لؤلؤاً، أو معطوف على موضع ﴿ مِنْ أَسَاوِرَ ﴾ إذ هو مفعول، وبالخفض معطوف على أساور أو على ذهب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.

مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.

أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.

وفي "فاطر" بالهمز والخفض.

الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.

الآخرون بالرفع.

﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.

﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.

﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.

الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.

ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.

﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد  الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.

وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.

وقال ابو علي الفارسي.

كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.

عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله  ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه  قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.

والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله  " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله  ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.

أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.

والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه  ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.

وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.

فأمر النبي  بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.

وعن مجاهد أنه الاحتكار.

وقيل: المنع من عمارته.

وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.

ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".

والأولى التعميم.

وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.

عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.

وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله  عذاباً أليماً.

واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله  ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".

وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.

وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".

وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.

والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.

ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.

وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.

وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي  وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.

وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.

وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.

والضامر البعير المهزول لطول السفر.

﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.

والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.

والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.

وفي تقديم المشاة تشريف لهم.

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي  "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟

قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله  لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.

وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله  ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.

والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.

وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.

ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.

وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.

ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.

والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.

ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.

ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.

والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.

وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟

قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .

وقال ايضاً  في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .

قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.

قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.

وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.

وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟

فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!

ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.

وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.

فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.

﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.

سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.

وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.

وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.

وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".

والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.

وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.

وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.

وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.

قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم  ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".

والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان  ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.

قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.

وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.

ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي  .

ومنها أنه الكذب والبهتان.

ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين  ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.

قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.

وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.

وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي  ﴾ وقد أهدى رسول الله  مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.

وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.

أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.

ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله  ؟

فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.

ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة  ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.

قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه  مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال  : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.

فقال: اركبها ويلك" .

وعن جابر أنه  قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .

وهذا هو الذي اختاره الشافعي.

وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.

وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.

وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.

وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.

أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.

قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.

ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.

ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.

ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.

ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.

ثم أمر نبيه  بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.

ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.

ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.

قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.

وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.

واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.

وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.

ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.

وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.

ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.

﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.

والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.

وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.

ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه  سخرها.

يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله  ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.

﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.

ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.

قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.

وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.

والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.

وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.

والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.

وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟

وكان أصحاب رسول الله  يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله  أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.

لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.

ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.

وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.

وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي  قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.

وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.

قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.

وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.

وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.

وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وإن كان الرمح لا يتقلد.

هذا كله توجيه تفسير الحسن.

والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.

وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.

وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.

قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.

وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.

وقال  "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد  المساجد.

وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد  من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.

وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.

ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.

ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.

ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.

﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.

وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله  قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.

قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه  لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.

التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.

لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.

﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا  ﴾ وفي قول النبي  "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.

لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.

ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.

﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.

﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله  وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ حرف (من) في ظاهر اللغة واللسان إنما يعبر به عن الممتحن من البشر والجن والملائكة، وأما الموات فإنه لا يعبر به عنه، وإنما يعبر عنه بحرف (ما)، لكن ذكر في آخره - وهو قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ...

﴾ الآية - ما يدل أنه أراد الكل: الممتحن، والموات جميعاً، حيث قال: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ وإلا ظاهره ما ذكرنا: أنه إنما يعبر بـ (من) عن الممتحن، وبحرف (ما) عن الكل.

[و] جائز أن يكون عند الاجتماع يذكر باسم الممتحن؛ على ما يذكر عند اجتماع الذكر والأنثى باسم الذكور.

ثم ما ذكر من سجود هذه الأشياء يخرج على وجوه: أحدها: سجود خلقة، يسجد كل شيء ذكر بخلقته لله، على ما ذكرنا في التسبيح.

والثاني: سجود عبادة، وهو سجود كل ممكن من [إتيانه] وتركه، وهو سجود الممتحن.

والثالث: سجوده: بذل ما بذل في هذه الأشياء من المنافع لا يتأتى بذلها لأحد من الماء، والشمس، والشجر، والدواب، وكل شيء.

والرابع: ما ألهم هذه الأشياء من الطاعة لله والخضوع له؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  ﴾ ألا ترى أنه ألهم الدواب معرفة إتيان الصالح لهم واتقاء المهالك؛ فجائز أن يعرفن طاعته والخضوع له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ في الجنة ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: من خذله الله وطرده عن عبادته وبابه ﴿ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  ﴾ .

أو أن يقول: ومن أهانه الله في النار بالعذاب، فما له من منجٍ ينجيه عن ذلك.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أشياء فلم يفعل، فهو يقول: ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

وقوله: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ ﴾ اختلفوا في تأويله: قال بعضهم: نزل هذا في ستة نفر تبارزوا: ثلاثة من المسلمين: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وثلاثة من المشركين: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فذلك اختصامهم.

وقال بعضهم: أهل الإسلام وأهل الكتاب في الدين: قالت اليهود والنصارى: نحن أولى بالله منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم، وديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم.

فقال المسلمون: بل نحن أولى بالله، آمنا بكتابنا وكتابكم، ونبيّنا ونبيكم، وبكل كتاب أنزله الله، ثم كفرتم أنتم بنبينا، وكتابنا، وبكل نبيّ كان قبل نبيكم؛ فأنزل الله  ما فصل بين المؤمنين وأهل الكتاب فقال: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بمحمد وبالقرآن، وهم اليهود والنصارى، ﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ ﴾ : النار والجنة: قالت النار: جعلني الله للعقوبة للعصاة والفسقة، وقالت الجنة: جعلني الله للرحمة للأنبياء والأولياء، ونحوه.

لكن متى يكون للنار مخاصمة، وكذلك الجنة، وهو بعيد.

وقال بعضهم: اختصم المسلم والكافر في البعث.

وجائز أن يكون اختصامهم ما ذكر من أوّل السورة إلى هذا الموضع، من ذلك قوله: ﴿ ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ  ﴾ يكون اختصامهم بين هؤلاء الذين ذكرهم في هذه السورة، وهم أهل الإسلام وأهل الكفر؛ في الآية بيان ذلك، حيث قال: ﴿ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ ، وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ  ﴾ .

ثم جائز أن يكون هذا الذي ذكر في الآية الأولى، حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ  ﴾ : ينزل أهل الإسلام في الجنّة وأهل الكفر في النّار، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ كقوله: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ...

﴾ الآية [إبراهيم: 50].

وقوله: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ﴾ قيل: الحميم: الماء الحار الذي انتهى حرّه غايته.

وقوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ﴾ : قال القتبي: يصهر: يذاب، يقال: صهرت النار الشحمة، والصهارة: ما أذيب من الألية، وكذلك قال: الصّهارة: ما يبقى من الشحم والألية إذا أذيبا، يقال: صهرت الشحم: أي: أذبت، أصهره صهراً.

﴿ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ قال بعضهم: المقامع: الأعمدة من الحديد، وهو قول أبي معاذ.

وقال بعضهم: المقامع: شبه العصى، الواحدة: مقمعة.

قال أبو معاذ: يعني قوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ﴾ أي: يذاب ما في بطونهم خاصّة، وأمّا الجلود فإنّها تحرق؛ لأن الجلد لا يصهر و لا ينصهر، وقال: هذا مثل قول العرب: (أتيته فأطعمني والله ثريداً، والله ولبنا قارصا - أي: حامضاً - والله فإزاراً ورداءً، والله وحملانا فارها) تضمر لكل شيء فعلا يشاكله، وفي القرآن مثله كثير، وكذلك في اللسان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ : قال بعضهم: إن جهنم إذا جاشت، ألقت من فيها إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فيعيدهم الخزّان فيها بالمقامع، ويقول لهم الخزنة: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴾ .

وقال بعضهم: إن في جهنم دركات، فإذا اشتد العذاب بهم ينقلبون من دركة السفلى إلى دركة العليا، ويصعدون، ثم يريدون الخروج منها، فيعادون فيها، كقوله: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً  ﴾ .

وقال بعضهم: إن النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع من حديد، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفر لهبها، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، أي: من تحت أهلها، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - لقوم رغبوا في هذه الدنيا بالتحلي بما ذكر، وتفاخروا به فيها، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ  ﴾ وإلا قلما يرغب الناس في الدنيا في التحلي بما ذكر إلا النساء خاصّة.

فإمّا أن ذكر للنساء أو لقوم تفاخروا به في الدنيا فوعد لهم في الآخرة ذلك ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ قال الكسائي: من قرأ: (لُؤْلُؤٍ) بالخفض فهو يخرج على أنهم: يحلون فيها من أساور من ذهب، ويحلون فيها من لؤلؤ حلية سوى الأساور.

ومن قرأ بالنصب: ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ ، أي: يحلون فيها لؤلؤاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ ، وكذلك ذكر في الخبر: "هُوَ لَهُم فِي الدنيا، ولنا في الآخرة".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

جائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: هو قول التوحيد، وشهادة الإخلاص، وأمّا في الآخرة كقوله: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو القول الطيب الذي هدوا إليه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ : هو القرآن ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ : الإسلام وشرائعه.

وقال قتادة: ألهموا التسبيح والتحميد كما ألهموا النفس.

وقال: ﴿ ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ : هو كل قول حسن.

وقوله: ﴿ ٱلْحَمِيدِ ﴾ يحتمل ﴿ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ ، أي: صراط الله، كقوله: ﴿ صِرَاطِ ٱللَّهِ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون نعت ذلك الصراط، أي: صراط حميد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وفريق الإيمان وهم الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، يدخلهم الله في جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، يزينهم الله بتحليتهم بأسورة من الذهب، ويزينهم بالتحلية باللؤلؤ، ويكون لباسهم فيها الحرير.

من فوائد الآيات الهداية بيد الله يمنحها من يشاء من عباده.

رقابة الله على كل شيء من أعمال عباده وأحوالهم.

خضوع جميع المخلوقات لله قدرًا، وخضوع المؤمنين له طاعة.

العذاب نازل بأهل الكفر والعصيان، والرحمة ثابتة لأهل الإيمان والطاعة.

<div class="verse-tafsir" id="91.2m6MA"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد