الآية ٢٤ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٢٤ من سورة الحج

وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وهدوا إلى الطيب من القول ) كقوله ( وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام ) [ إبراهيم : 23 ] ، وقوله : ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب .

سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) [ الرعد : 23 ، 24 ] ، وقوله : ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ) [ الواقعة : 25 ، 26 ] ، فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب ، ( ويلقون فيها تحية وسلاما ) [ الفرقان : 75 ] ، لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يروعون به ويقرعون به ، يقال لهم : ( وذوقوا عذاب الحريق ) وقوله : ( وهدوا إلى صراط الحميد ) أي : إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم ، على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم ، كما جاء في الصحيح : " إنهم يلهمون التسبيح والتحميد ، كما يلهمون النفس " .

وقد قال بعض المفسرين في قوله : ( وهدوا إلى الطيب من القول ) أي : القرآن .

وقيل : لا إله إلا الله .

وقيل : الأذكار المشروعة ، ( وهدوا إلى صراط الحميد ) أي : الطريق المستقيم في الدنيا .

وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قوله: ( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ) يقول تعالى ذكره: وهداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله.

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد، في قوله: ( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ) قال: هدوا إلى الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله ؛ قال الله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ .

حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: ( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ) قال: ألهموا.

وقوله: ( وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ) يقول جلّ ثناؤه: وهداهم ربهم في الدنيا إلى طريق الربّ الحميد، وطريقه: دينه دين الإسلام الذي شرعه لخلقه وأمرهم أن يسلكوه؛ والحميد: فعيل، صرّف من مفعول إليه، ومعناه: أنه محمود عند أوليائه من خلقه، ثم صرّف من محمود إلى حميد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميدقوله تعالى : وهدوا إلى الطيب من القول أي أرشدوا إلى ذلك .

قال ابن عباس : يريد لا إله إلا الله والحمد لله .

وقيل : القرآن ، ثم قيل : هذا في الدنيا ، هدوا إلى الشهادة ، وقراءة القرآن .

وهدوا إلى صراط الحميد أي إلى صراط الله .

وصراط الله : دينه وهو الإسلام .

وقيل : هدوا في الآخرة إلى الطيب من القول ، وهو الحمد لله ؛ لأنهم يقولون غدا الحمد لله الذي هدانا لهذا ، الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ؛ فليس في الجنة لغو ولا كذب فما يقولونه فهو طيب القول .

وقد هدوا في الجنة إلى صراط الله ، إذ ليس في الجنة شيء من مخالفة أمر الله .

وقيل : الطيب من القول ما يأتيهم من الله من البشارات الحسنة .

وهدوا إلى صراط الحميد أي إلى طريق الجنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ } الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله، { وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } أي: الصراط المحمود، وذلك، لأن جميع الشرع كله محتو على الحكمة والحمد، وحسن المأمور به، وقبح المنهي عنه، وهو الدين الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح.

أو: وهدوا إلى صراط الله الحميد، لأن الله كثيرا ما يضيف الصراط إليه، لأنه يوصل صاحبه إلى الله، وفي ذكر { الحميد } هنا، ليبين أنهم نالوا الهداية بحمد ربهم ومنته عليهم، ولهذا يقولون في الجنة: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } واعترض تعالى بين هذه الآيات بذكر سجود المخلوقات له، جميع من في السماوات والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، الذي يشمل الحيوانات كلها، وكثير من الناس، وهم المؤمنون، { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } أي: وجب وكتب، لكفره وعدم إيمانه، فلم يوفقه للإيمان، لأن الله أهانه، { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } ولا راد لما أراد، ولا معارض لمشيئته، فإذا كانت المخلوقات كلها ساجدة لربها، خاضعة لعظمته، مستكينة لعزته، عانية لسلطانه، دل على أنه وحده، الرب المعبود، والملك المحمود، وأن من عدل عنه إلى عبادة سواه، فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وهدوا إلى الطيب من القول ) قال ابن عباس : هو شهادة أن لا إله إلا الله .

وقال ابن زيد : لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله .

وقال السدي : أي القرآن .

وقيل هو قول أهل الجنة : الحمد لله الذي صدقنا وعده ( الزمر : 74 ( وهدوا إلى صراط الحميد ) إلى دين الله وهو الإسلام " والحميد " هو الله المحمود في أفعاله

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهدوا» في الدنيا «إلى الطيب من القول» وهو لا إله إلا الله «وهدوا إلى صراط الحميد» أي طريق الله المحمود ودينه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد هداهم الله في الدنيا إلى طيب القول: من كلمة التوحيد وحَمْد الله والثناء عليه، وفي الآخرة إلى حمده على حسن العاقبة، كما هداهم من قبل إلى طريق الإسلام المحمود الموصل إلى الجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( وهدوا إِلَى الطيب مِنَ القول وهدوا إلى صِرَاطِ الحميد ) بيان لحسن خاتمتهم ، ولعظم النعم التى أنعم الله بها عليهم .أى : وهدى الله - تعالى - هؤلاء المؤمنين إلى القول الطيب الذى يرضى الله - تعالى - عنهم ، كأن يقولون عند دخولهم الجنة : ( .

.

.

الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الذي أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ) وهداهم - أيضا - خالقهم إلى الصراط المحمود ، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان والإسلام ، فصاروا بسبب هذه النعمة يقولون الأقوال الطيبة ، ويفعلون الأفعال الحميدة .قال الشوكانى : قوله : ( وهدوا إِلَى الطيب مِنَ القول .

.

.

) أى : أرشدوا إليه .

قيل : هو لا إله إلا الله .

وقيل : القرآن .

وقيل : هو ما يأتيهم من الله من بشارات .

وقد ورد فى القرآن ما يدل على هذا القول المجمل هنا ، وهو قوله - سبحانه - : ( الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ .

.

) ( الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهذا .

.

) ( الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن .

.

) ومعنى : ( وهدوا إلى صِرَاطِ الحميد ) أنهم أرشدوا إلى الصراط المحمود وهو طريق الجنة ، أو صراط الله الذى هو دينه القويم وهو الإسلام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القراءة: روي عن الكسائي ﴿ خَصْمَانِ ﴾ بكسر الخاء، وقرئ ﴿ قُطّعَتْ ﴾ بالتخفيف كان الله يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، قرأ الأعمش: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ رُدُّواْ فِيهَا ﴾ الحسن ﴿ يُصْهَرُ ﴾ بتشديد الهاء للمبالغة، وقرئ ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ بالنصب على تقدير ويؤتون لؤلؤاً كقوله وحوراً عيناً ولؤلؤاً بقلب الهمزة الثانية واواً، واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ذكر هاهنا كيفية اختصامهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله: ﴿ هذان خَصْمَانِ اختصموا ﴾ ، والجواب: الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، فقوله: ﴿ هذان ﴾ للفظ واختصموا للمعنى كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ  ﴾ .

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الخصمين وجوهاً: أحدها: المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم وطائفة الكفار وجماعتهم وأن كل الكفار يدخلون في ذلك، قال ابن عباس رضي الله عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة ﴿ فِى رَبّهِمْ ﴾ أي في ذاته وصفاته.

وثانيها: روي أن أهل الكتاب قالوا نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فهذه خصومتهم في ربهم.

وثالثها: روى قيس ابن عبادة عن أبي ذر الغفاري رحمه الله أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وقال علي عليه السلام أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة.

ورابعها: قال عكرمة: هما الجنة والنار قالت النار خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة خلقني الله لرحمته فقص الله من خبرهما على محمد صلى الله عليه وسلم ذلك، والأقرب هو الأول لأن السبب وإن كان خاصاً فالواجب حمل الكلام على ظاهره قوله: ﴿ هذان ﴾ كالإشارة إلى من تقدم ذكره وهم أهل الأديان الستة، وأيضاً ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما، فمن خص به مشركي العرب أو اليهود من حيث قالوا في كتابهم ونبيهم ما حكيناه فقد أخطأ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله: ﴿ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ  ﴾ أراد به الحكم لأن ذكر التخاصم يقتضي الواقع بعده يكون حكماً فبين الله تعالى حكمه في الكفار، وذكر من أحوالهم أموراً ثلاثة: أحدها: قوله: ﴿ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ ﴾ والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله: ﴿ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ عن أنس، وقال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار أخذاً من قوله تعالى: ﴿ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ  ﴾ وأخرج الكلام بلفظ الماضي كقوله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور  ﴾ ، ﴿ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ  ﴾ لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع.

وثانيها: قوله: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهمْ الحميم ﴾ يصهر به ما في بطونهم والجلود، الحميم الماء الحار، قال ابن عباس رضي الله عنهما لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها، (يصهر) أي يذاب أي إذا صب الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم وهو أبلغ من قوله: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ المقامع السياط وفي الحديث لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها وأما قوله: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ فاعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج والمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها، ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقاطع فهووا فيها سبعين خريفاً وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق، والحريق الغليظ من النار العظيم الإهلاك، ثم إنه سبحانه ذكر حكمه في المؤمنين من أربعة أوجه: أحدها: المسكن، وهو قوله: ﴿ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ .

وثانيها: الحلية، وهو قوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ فبين تعالى أنه موصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا من هذه الأمور وإن كان من أحله لهم أيضاً شاركهم فيه لأن المحلل للنساء في الدنيا يسير بالإضافة إلى ما سيحصل لهم في الآخرة.

وثالثها: الملبوس وهو قوله: ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أن شهادة لا إله إلا الله هو الطيب من القول لقوله: ﴿ وَمَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً  ﴾ وقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب  ﴾ وهو صراط الحميد لقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ .

وثانيها: قال السدي (وهدوا إلى الطيب من القول) هو القرآن.

وثالثها: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده.

ورابعها: أنهم إذا ساروا إلى الدار الآخرة هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من قبل الله تعالى بدوام النعيم والسرور والسلام، وهو معنى قوله: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ وعندي فيه وجه.

خامس: وهو أن العلاقة البدنية جارية مجرى الحجاب للأرواح البشرية في الاتصال بعالم القدس فإذا فارقت أبدانها انكشف الغطاء ولاحت الأنوار الإلهية، وظهور تلك الأنوار هو المراد من قوله: ﴿ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول وَهُدُواْ إلى صراط الحميد ﴾ والتعبير عنها هو المراد من قوله: ﴿ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُحَلَّوْنَ ﴾ عن ابن عباس: من حِلَيت المرأَةُ فهي حال ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ بالنصب على: ويؤتون لؤلؤاً، كقوله: وحوراً عيناً.

ولؤلؤاً بقلب الهمزة الثانية واواً.

ولولياً؛ بقلبهما واوين، ثم بقلب الثانية ياء كأدل.

ولول كأدل فيمن جرّ.

ولولؤ، وليلياً، بقلبهما ياءين، عن ابن عباس: وهداهم الله وألهمهم أن يقولوا الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم إلى طريق الجنة.

يقال: فلان يحسن إلى الفقراء وينعش المضطهدين، لا يراد حال ولا استقبال، وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه والنعشة في جميع أزمنته وأوقاته.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ أي الصدود منهم مستمرّ دائم ﴿ لِلنَّاسِ ﴾ أي الذين يقع عليهم اسم الناس من غير فرق بين حاضر وباد وتانيء وطاريء ومكي وآفاقي.

وقد استشهد به أصحاب أبي حنيفة قائلين: إنّ المراد بالمسجد الحرام: مكة، على امتناع جواز بيع دور مكة وإجارتها.

وعند الشافعي: لا يمتنع ذلك.

وقد حاور إسحاق بن راهويه فاحتجّ بقوله: ﴿ الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم ﴾ [الحج: 40] ، [الحشر: 8] وقال: أنسب الديار إلى مالكيها، أو غير مالكيها؟

واشترى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه دار السجن من مالكيه أو غير مالكيه؟

﴿ سَوَآء ﴾ بالنصب: قراءة حفص.

والباقون على الرفع.

ووجه النصب أنه ثاني مفعولي جعلناه، أَي: جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فِيهِ والباد ﴾ وفي القراءة بالرفع.

الجملة مفعول ثان.

الإلحاد: العدول عن القصد، وأصله إلحاد الحافر.

وقوله: ﴿ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ حالان مترادفتان.

ومفعول ﴿ يُرِدْ ﴾ متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال: ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً ﴿ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ يعني أَنّ الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده.

وقيل: الإلحاد في الحرم: منع الناس عن عمارته.

وعن سعيد بن جبير: الاحتكار.

وعن عطاء: قول الرجل في المبايعة: «لا والله، وبلى والله، وعن عبد الله بن عمر و أنه كان له فسطاطان، أحدهما: في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له، فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: لا والله وبلى والله» .

وقرئ: ﴿ يرد ﴾ بفتح الياء من الورود، ومعناه من أتى فيه بإلحاد ظالماً.

وعن الحسن: ومن يرد إلحاده بظلم.

أراد: إلحاداً فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف، كمكر الليل: ومعناه من يرد أن يلحد فيه ظالماً.

وخبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم؛ وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك.

عن ابن مسعود: الهمة في الحرم تكتب ذنباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِيهِ وأسْنَدَ الإدْخالَ إلى اللَّهِ تَعالى وأكَّدَهُ بِإنَّ إحْمادًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ.

﴿ يُحَلَّوْنَ فِيها ﴾ مِن حَلَّيْتُ المَرْأةَ إذا ألْبَسْتُها الحُلِيَّ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ.

﴿ مِن أساوِرَ ﴾ صِفَةُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ و ( أساوِرَ ) جَمْعُ أسْوِرَةٍ وهو جَمْعُ سِوارٍ.

﴿ مِن ذَهَبٍ ﴾ بَيانٌ لَهُ.

﴿ وَلُؤْلُؤًا ﴾ عُطِفَ عَلَيْها لا عَلى ( ذَهَبٍ ) لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدِ السُّوارُ مِنهُ إلّا أنْ يُرادَ المُرَصَّعَةُ بِهِ، ونَصَبَهُ نافِعٌ وعاصِمٌ عَطْفًا عَلى مَحَلِّها أوْ إضْمارِ النّاصِبِ مِثْلَ ويُؤْتُونَ، ورَوى حَفْصٌ بِهَمْزَتَيْنِ وتَرَكَ أبُو بَكْرٍ والسُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو الهَمْزَةَ الأوْلى، وقُرِئَ «لُؤْلُوًا» بِقَلْبِ الثّانِيَةِ واوًا و «لُولِيًا» بِقَلْبِهِما واوَيْنِ ثُمَّ قَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً و «لِيلِيًا» بِقَلْبِهِما ياءَيْنِ و «لُولٌ» كَأُدْلٌ.

﴿ وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَرِيرَ ثِيابُهُمُ المُعْتادَةُ، أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى هَيْئَةِ الفَواصِلِ.

﴿ وَهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ ﴾ وهو قَوْلُهُمُ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ ﴾ أوْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ.

﴿ وَهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ المَحْمُودُ نَفْسُهُ أوْ عاقِبَتُهُ وهو الجَنَّةُ، أوِ الحَقُّ أوِ المُسْتَحِقُّ لِذاتِهِ الحَمْدَ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وصِراطُهُ الإسْلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول وَهُدُواْ إلى صراط الحميد} أي أرشد هؤلاء في الدنيا إلى كلمة التوحيد وإلى صراط الحميد أي الإسلام أو هداهم الله في الآخرة الهمهم أن يقولوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وهداهم إلى طريق الجنة والحميد الله المحمود بكل لسان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ ﴾ وهو قَوْلُهم: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ  ﴾ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: ما يَعُمُّهُ وسائِرَ ما يَقَعُ في مُحاوَرَةِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْضًا لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الهِدايَةَ في الدُّنْيا فالطَّيِّبُ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ ذَلِكَ مَعَ زِيادَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ، وزادَ ابْنُ زَيْدٍ واللَّهُ أكْبَرُ، وعَنِ السُّدِّيِّ هو القُرْآنُ، وحَكى الماوَرْدِيُّ هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وقِيلَ: ما يَعُمُّ ذَلِكَ وسائِرَ الأذْكارِ ﴿ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ أيِ المَحْمُودِ جِدًّا، وإضافَةُ صِراطٍ إلَيْهِ قِيلَ بَيانِيَّةٌ.

والمُرادُ بِهِ الإسْلامُ فَإنَّهُ صِراطٌ مَحْمُودٌ مَن يَسْلُكُهُ أوْ مَحْمُودٌ هو نَفْسُهُ أوْ عاقِبَتُهُ، وقِيلَ: الجَنَّةُ وإطْلاقُ الصِّراطِ عَلَيْها بِاعْتِبارِ أنَّها طَرِيقٌ لِلْفَوْزِ بِما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وقِيلَ: ( الحَمِيدِ ) هو الجَنَّةُ والإضافَةُ عَلى ظاهِرِها، والمُرادُ بِصِراطِها الإسْلامُ أوِ الطَّرِيقُ المَحْسُوسُ المُوَصِّلُ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَمِيدِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَحِقُّ لِذاتِهِ لِغايَةِ الحَمْدِ.

والمُرادُ بِصِراطِهِ تَعالى الإسْلامُ فَإنَّهُ طَرِيقٌ إلى رِضْوانِهِ تَعالى.

وقِيلَ: الجَنَّةُ فَإنَّها طَرِيقٌ لِلْفَوْزِ بِما تَقَدَّمَ وأُضِيفَتْ إلَيْهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ.

وحاصِلُ ما قالُوهُ هُنا أنَّ الهِدايَةَ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ في الآخِرَةِ وأنْ تَكُونَ في الدُّنْيا.

وأنَّ المُرادَ بِالحَمِيدِ إمّا الحَقُّ تَعالى شَأْنُهُ وإمّا الجَنَّةُ وإمّا الصِّراطُ نَفْسُهُ، وبِالصِّراطِ إمّا الإسْلامُ وإمّا الجَنَّةُ وإمّا الطَّرِيقُ المَحْسُوسُ المُوَصِّلُ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ.

ووَجَّهُوا تَأْخِيرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى تارَةً بِأنَّهُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ وأُخْرى بِأنَّ ذِكْرَ الحَمْدِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الأُولى يَسْتَدْعِي ذِكْرَ المَحْمُودِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ الهِدايَةَ في الجُمْلَتَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وإنَّ الإضافَةَ هُنا بَيانِيَّةٌ وإنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ الطَّيِّبِ القَوْلُ الَّذِي تَسْتَلِذُّهُ النُّفُوسُ الواقِعُ في مُحاوَرَةِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

وبِالصِّراطِ الحَمِيدِ ما يَسْلُكُهُ أهْلُ الجَنَّةِ في مُعامَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَحْمَدُونَ عَلَيْها أوْ مِمّا أعَمُّ مِن ذَلِكَ.

فَحاصِلُ الجُمْلَةِ الأُولى وصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ بِحُسْنِ الأقْوالِ.

وحاصِلُ الثّانِيَةِ وصْفُهم بِحُسْنِ الأفْعالِ أوْ مِمّا هو أعَمُّ مِنها ومِنَ الأقْوالِ.

وكَأنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حُسْنَ مَسْكَنِهِمْ وحُلِيِّهِمْ ولِباسِهِمْ ذَيَّلَ ذَلِكَ بِحُسْنِ مُعامَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا في الأقْوالِ والأفْعالِ إيماءً إلى أنَّ ما هم فِيهِ لا يُخْرِجُهم إلى خُشُونَةِ المَقالِ ورَداءَةِ الأفْعالِ المُشِينَتَيْنِ لِحُسْنِ ما هم فِيهِ والمُنَغِّصَتَيْنِ لِلَذَّةِ الِاجْتِماعِ.

ووَجْهُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى هَذا غَيْرُ خَفِيٍّ عَلى الفَطِنِ.

والَّذِي اخْتارَهُ أنَّ القَوْلَ الطَّيِّبَ قَوْلُهم بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ  ﴾ لِقَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ فاطِرٍ: [ 33، 34] بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ ﴿ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ إلَخْ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

وأنَّ المُرادَ بِالصِّراطِ الحَمِيدِ ما يَعُمُّ الأقْوالَ والأفْعالَ الجارِيَةَ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ مِمّا يُحْمَدُ سُلُوكُهُ في المُعاشَرَةِ والِاجْتِماعِ في هاتِيكِ البِقاعِ فِرارًا مِن شائِبَةِ التَّأْكِيدِ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي فِكْرٍ سَدِيدٍ فَتَأمَّلْ هُدِيتَ إلى صِراطِ الحَمِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم بين جزاء الخصم الآخر، فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها، يعني: يلبسون في الجنة.

مِنْ أَساوِرَ، يعني: أقلبة.

مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً.

قرأ نافع وعاصم في رواية حفص وَلُؤْلُؤاً بالهمز والنصب، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هكذا، إلا أنه لم يهمز الواو الأولى، وقرأ الباقون بالهمز والكسر.

فمن قرأ بالكسر، فلأجل مِنْ، ومن قرأ بالنصب فمعناه: يحلون لؤلؤاً نصب لوقوع الفعل عليه، وهو اختيار أبي عبيد.

ثم قال: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ، أي في الجنة.

قوله عز وجل: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ، يعني: أرشدوا، ويقال: دعوا إلى قول التوحيد: لا إله إلا الله، ويقال: إلى القرآن.

وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ، يعني: المحمود في أفعاله، وهو دين الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: وهذه التأويلاتُ مُتَّفِقَاتٌ في المعنى، وقد ورد أَنَّ أَوَّلَ ما يُقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء، ومن المعلوم أَنَّ أَوَّلَ مبارزة وقعت في الإسلام مبارزة عَليٍّ وأصحابه، فَلاَ جَرَمَ كانت أَوَّلَ خصومة وحكومة يوم القيامة وفي «صحيح مسلم» عنه صلى الله عليه وسلّم: «نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، والأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ» وفي رواية: «المَقْضِيِّ بَيْنَهُمْ» «١» .

وقوله: فِي رَبِّهِمْ أي: في شأن ربهم وصفاته وتوحيده، ويحتمل في رِضَى ربهم وفي ذاته.

وقال ص: فِي رَبِّهِمْ أي: في دين ربهم، انتهى، ثم بَيَّنَ سبحانه حكم الفريقين، فتوعَّدَ تعالى الكُفَّارَ بعذابه الأليم، وقُطِّعَتْ معناه جُعِلَتْ لهم بتقدير كما يُفَصَّلُ الثوبُ، وروي: أنّها من نحاس، ويُصْهَرُ معناه: يُذَابُ، وقيل: معناه: ينضج قيل: إن الحميم بحرارته يُهْبِطُ كلَّ ما في الجوف ويكشطه، ويسلته، وقد روى أبو هريرةَ نحوَهُ عن النّبي صلى الله عليه وسلّم: «أَنَّهُ يُسْلِتُهُ، وَيَبْلُغُ بِهِ قَدَمَيْهِ، وَيُذِيبُهُ ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ» «٢» .

وقوله سبحانه: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها رُوِيَ فيه: أَنَّ لهب النار إذا ارتفع رفعهم فيصلون إلى أبواب النار، فيريدون الخروج، فتردهم الزبانية بمقامع الحديد، وهي المقارع «٣» .

وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ ...

الآية معادلة لقوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا [الحج: ١٩] واللؤلؤ: الجوهر، وأخبر سبحانه: بأَنَّ لباسهم فيها حرير لأَنَّهُ من أكمل حالات الدنيا قال ابن عباس «٤» : لا تُشْبِهُ أمور الآخرة أمورَ الدنيا إلاَّ في الأسماء فقط، وأمَّا الصفات فمتباينة، والطَّيِّبُ من القول: لا إله إلا الله وما

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلُؤْلُؤًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ولُؤْلُوٍ ) بِالخَفْضِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن خَفَضَ فالمَعْنى: يُحَلَّوْنَ أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ومِن لُؤْلُؤٍ، ومَن نَصَبَ قالَ: ويُحِلَّونَ لُؤْلُؤًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُدُوا ﴾ ؛ أيْ: أُرْشِدُوا في الدُّنْيا، ﴿ إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والحَمْدُ لِلَّهِ "، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزادَ ابْنُ زَيْدٍ: " واللَّهُ أكْبَرُ " .

والثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

فَأمّا ﴿ صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو طَرِيقُ الإسْلامِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ ﴿ وَهُدُوا إلى الطَيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُعادَلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ  ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَحِلُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ وتَخْفِيفِها، يُقالُ: حَلَيَ الرَجُلُ وحَلِيَتِ المَرْأةُ إذا صارَتْ ذاتِ حُلِيٍّ.

وقِيلَ: هي مِن قَوْلِهِمْ: لَمْ يَحِلْ فَلانٌ بِطائِلٍ.

و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن أساوِرَ" هي لِبَيانِ الجِنْسِ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِتَّبْعِيضِ.

و"الأساوِرُ" جَمْعُ سُوارٍ وإسْوارٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقِيلَ: أساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةُ جَمْعُ سَوارٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مِن أسْوِرَةٍ مِن ذَهَبٍ.

و "اللُؤْلُؤُ": الجَوْهَرُ، وقِيلَ: صِغارُهُ، وقِيلَ: كِبارُهُ، والأشْهُرُ أنَّهُ اسْمٌ لِلْجَوْهَرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "وَلُؤْلُؤًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ "الأساوِرِ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: يَحِلُّونَ فِيها أساوِرَ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والجَحْدَرِيِّ، وسَلّامٍ، ويَعْقُوبَ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعِيسى، وابْنِ عُمَرَ، وحَمَلَ أبُو الفَتْحِ نَصْبَهُ عَلى إضْمارٍ فَعَلَ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَلُؤْلُؤٌ" بِالخَفْضِ عَطْفًا إمّا عَلى لَفْظَةِ "الأساوِرِ"، ويَكُونُ "اللُؤْلُؤُ" في غَيْرِ الأساوِرِ، وإمّا عَلى "الذَهَبِ" لِأنَّ الأساوِرَ تَكُونُ أيْضًا مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ قَدْ جُمِعَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وطَلْحَةٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وأهْلِ مَكَّةَ، وثَبُتَتْ في "الإمامِ" ألْفٌ بَعْدَ الواوِ، قالَهُ الجَحْدَرِيُّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: لَيْسَ فِيها ألِفٌ، ورَوى يَحْيى عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمْ بِهَمْزِ الواوِ الثانِيَةِ دُونَ الأُولى، ورَوى المُعَلّى بْنِ مَنصُورٍ، عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمْ ضِدَّ ذَلِكَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَهَمْزُهُما وتَخْفِيفُهُما وهَمْزُ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى جائِزٌ كُلُّهُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِئَلِئًا" بِكَسْرِ اللامَيْنِ.

وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم بِلِباسِ الحَرِيرِ لِأنَّها مِن أكْمَلِ حالاتِ الآخِرَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ».

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا تُشْبِهُ أُمُورُ الآخِرَةِ أُمُورَ الدُنْيا إلّا في الأسْماءِ فَقَطْ، وأمّا الصِفاتُ فَمُتَبايِنَةٌ.

و"الطَيِّبُ مِنَ القَوْلِ": لا إلَهَ إلّا اللهَ وما جَرى مَعَها مِن ذِكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وتَسْبِيحِهِ وتَقْدِيسِهِ، وسائِرِ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن مُحاوَرَةٍ وحَدِيثٍ طَيِّبٍ، فَإنَّها لا تُسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ، و"صِراطُ الحَمِيدِ" هو طَرِيقُ اللهِ تَعالى الَّذِي دَعا عِبادَهُ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الحَمِيدِ" نَفْسَ الطَرِيقِ، فَأضافَ إلَيْهِ عَلى حَدِّ إضافَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَدارِ الآخِرَةِ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ ﴾ الآيَةُ.

قَوْلُهُ: "وَيَصُدُّونَ" تَقْدِيرُهُ: وهم يَصُدُّونَ، وبِهَذا حَسُنَ عَطْفُ المُسْتَقْبَلِ عَلى الماضِي، وقالَتْ طائِفَةٌ: الواوُ زائِدَةٌ، و"يَصُدُّونَ" خَبَرُ "إنَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، وإنَّما الخَبَرُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: "والبادِ"، تَقْدِيرُهُ: خَسِرُوا أو هَلَكُوا، وجاءَ "يَصُدُّونَ" مُسْتَقْبَلًا إذْ هو فَعَلَ يُدِيمُونَهُ، كَما جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ  ﴾ ونَحْوَهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ رَسُولُ اللهِ  عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ لَهم صَدٌّ قَبْلَ ذَلِكَ الجَمْعِ، إلّا أنْ يُرادَ صَدُّهم لِأفْرادٍ مِنَ الناسِ فَقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في صَدْرِ المَبْعَثِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: " المَسْجِدُ الحَرامُ " أرادُوا بِهِ مَكَّةَ كُلَّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ قَصَدَ بِالذِكْرِ المُهِمُ المَقْصُودِ مِن ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ، وهو عَلى الِابْتِداءِ، و "العاكِفُ" خَبَرُهُ، وقِيلَ: الخَبَرُ "سَواءٌ" وهو مُقَدَّمٌ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ، والمَعْنى: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ قِبْلَةً أو مُتَعَبَّدًا، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "جَعَلَ" ويَرْتَفِعُ "العاكِفُ" بِهِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في مَعْنًى مُسْتَوٍ أُعْمِلَ عَمَلَ اسْمِ الفاعِلِ، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "جَعَلْناهُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "العاكِفِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الناسِ"، و "العاكِفُ": المُقِيمُ في البَلَدِ، و "البادِي": القادِمْ عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ: "البادِي" بِالياءِ، ووَقَفَ أبُو عَمْرُو بِغَيْرِ ياءٍ، ووَصَلَ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ: "البادِّ" بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ في رِوايَةِ المُسَيِّبِي، وأبُو بَكْرٍ وإسْماعِيلَ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ، ورَوى ورَشَّ الوَصْلَ بِالياءِ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ وصَلا ووَقَفًا، وهي في "الإمامِ" بِغَيْرِ ياءٍ.

وأجْمَعَ الناسُ عَلى الِاسْتِواءِ في المَسْجِدِ الحَرامِ واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ، فَذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخِطابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدُ، وجَماعَةُ مَعَهم إلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في دُورِ مَكَّةَ، وأنَّ القادِمْ لَهُ النُزُولُ حَيْثُ وجَدَ، وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيَهُ شاءَ أو أبى، وقالَ ذَلِكَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ كانَ الأمْرُ في الصَدْرِ الأوَّلِ، قالَ ابْنُ سابِطٍ: وكانَتْ دُورُهم بِغَيْرِ أبْوابٍ حَتّى كَثُرَتِ السَرِقَةُ فاتَّخَذَ رَجُلٌ بابًا فَأنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: أتُغْلِقُ بابًا في وجْهِ حاجِّ بَيْتِ اللهِ؟

فَقالَ: إنَّما أرَدْتُ حِفْظَ مَتاعِهِمْ مِنَ السَرِقَةِ، فَتَرَكَهُ فاتَّخَذَ الناسُ الأبْوابَ.

وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ الأُمَّةِ مِنهم مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَتِ الدُورُ كالمَسْجِدِ، ولِأهْلِها الِامْتِناعُ بِها والِاسْتِبْدادُ، وعَلى هَذا هو العَمَلُ اليَوْمَ.

وهَذا الخِلافُ مُتَرَكِّبٌ عَلى الِاخْتِلافِ في مَكَّةَ، هَلْ هي عنوَةٌ كَما رُوِيَ عن مالِكٍ والأوزاعِيِّ ؟

أو صُلْحٌ كَما رُوِيَ عَنِ الشافِعِيِّ ؟

فَمَن رَآها صُلْحًا فَإنَّ الِاسْتِواءَ عِنْدَهُ في المَنازِلِ بِعِيدٌ، ومَن رَآها عنوَةً أمْكَنَهُ أنْ يَقُولَ: الِاسْتِواءُ فِيها قَدَّرَهُ الأئِمَّةُ الَّذِينَ لَمْ يُقْطِعُوها أحَدًا وإنَّما سُكْنى مَن سَكَنَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ قَوْلِ النَبِيِّ  : «وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلُ مَنزِلًا»، يَقْتَضِي الِاسْتِواءَ، وأنَّها مُتَمَلَّكَةٌ مَمْنُوعَةٌ عَلى التَأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ  ؛ لِأنَّهُ تُؤُوِّلَ بِمَعْنى أنَّهُ ورِثَ جَمِيعَ مَنازِلَ أبِي طالِبٍ وغَيْرِهِ، وتُؤُوِّلَ بِمَعْنى أنَّهُ باعَ مَنازِلَ بَنِي هاشِمْ حِينَ هاجَرُوا.

ومِنَ الحُجَّةِ لِتُمَلِّكَ أهْلَها دَوْرَهم أنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ اشْتَرى مِن صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ دارًا لِلسِّجْنِ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، ويَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ في وقْتِ المَوْسِمْ لِلضَّرُورَةِ والحاجَةِ فَيَخْرُجُ الأمْرُ حِينَئِذٍ عَنِ الِاعْتِبارِ بِالعنوَةِ والصُلْحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإلْحادٍ"، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الباءُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ الشَثَّ صَدْرُهُ وأسْفَلُهُ بِالمَرْخِ والشَبَهانِ وَمِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ضَمِنتُ بِرِزْقِ عِيالِنا أرْماحُنا ∗∗∗............................

وهَذا كَثِيرٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ الناسُ بِإلْحادٍ.

و"الإلْحادُ": المَيْلُ، وهَذا الإلْحادُ والظُلْمُ يَجْمَعُ جَمِيعَ المَعاصِي مِنَ الكُفْرِ إلى الصَغائِرِ، فَلِعِظَمِ حُرْمَةِ المَكانِ تَوَعَّدَ اللهَ تَعالى عَلى نِيَّةِ السَيِّئَةِ فِيهِ، ومِن نَوى سَيِّئَةً ولَمْ يَعْمَلْها لَمْ يُحاسَبْ بِذَلِكَ إلّا في مَكَّةَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإلْحادُ في هَذِهِ الآيَةِ: الشِرْكُ، وقالَ أيْضًا؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَمْرُو رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقَوْلُ "لا واللهِ وبَلى واللهِ" بِمَكَّةَ مِنَ الإلْحادِ، وقالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: الحُكْرَةُ بِمَكَّةَ مِنَ الإلْحادِ بِالظُلْمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والعُمُومُ يَأْتِي عَلى هَذا كُلِّهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَمَن يَرِدُ" مِنَ الوُرُودِ، حَكاهُ الفِراءُ، والأوَّلُ أبْيَنُ وأعَمُّ وأمْدَحُ لِلْبُقْعَةِ.

و"مَن" شَرْطٌ جازِمَةٌ لِلْفِعْلِ، وذَلِكَ مَنعَ مَن عَطْفِها عَلى "الَّذِينَ" واللهُ المُسْتَعانُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كان مقتضى الظاهر أن يكون هذا الكلام معطوفاً بالواو على جملة ﴿ فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ﴾ [الحج: 19] لأنه قسيم تلك الجملة في تفصيل الإجمال الذي في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ [الحج: 19] بأن يقال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات يُدخلهم الله جنات...

إلى آخره.

فعدل عن ذلك الأسلوب إلى هذا النظم لاسترعاء الأسماع إلى هذا الكلام إذا جاء مبتدأ به مستقلاً مفتتحاً بحرف التأكيد ومتوّجاً باسم الجلالة، والبليغ لا تفوته معرفة أنّ هذا الكلام قسيم للذي قبله في تفصيل إجمال ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ [الحج: 19] لوصف حال المؤمنين المقابل لحال الذين كفروا في المكان واللباس وخطاب الكرامة.

فقوله: ﴿ يدخل الذين آمنوا ﴾ الخ مقابل قوله: ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ﴾ [الحج: 22].

وقوله: ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب ﴾ يقابل قوله ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم ﴾ [الحج: 19].

وقوله: ﴿ ولباسهم فيها حرير ﴾ مقابل قوله: ﴿ قطعت لهم ثياب من نار ﴾ [الحج: 19].

وقوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ مقابل قوله: ﴿ وذوقوا عذاب الحريق ﴾ [الحج: 22] فإنه من القول النكِد.

والتحليّة وضع الحَلْي على أعضاء الجسم.

حَلاّه: ألبسه الحَلي مثل جلبب.

والأساور: جمع أسورة الذي هو جمع سِوار.

أشير بجمع الجمع إلى التكثير كما تقدم في قوله: ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً ﴾ في [سورة الكهف: 31].

و (مِن) في قوله ﴿ من أساور ﴾ زائدة للتوكيد.

ووجهه أنه لما لم يعهد تحلية الرجال بالأساور كان الخبر عنهم بأنهم يُحلّون أساور معرّضاً للتردد في إرادة الحقيقة فجيء بالمؤكد لإفادة المعنى الحقيقي، ولذلك ف ﴿ أساور ﴾ في موضع المفعول الثاني ل ﴿ يُحلَّون ﴾ .

﴿ ولؤلؤاً ﴾ قرأه ناقع، ويعقوب، وعاصم بالنصب عطفاً على محل ﴿ أساور ﴾ أي يحلون لؤلؤاً أي عقوداً ونحوها.

وقرأه الباقون بالجرّ عطفاً على اللفظ والمعنى: أساور من ذهب وأساور من لُؤلؤ.

وهي مكتوبة في المصحف بألف بعد الواو الثانية في هذه السورة فكانت قراءة جر ﴿ لؤلؤ ﴾ مخالفة لمكتوب المصحف.

والقراءة نقل ورواية فليس اتباع الخط واجباً على من يروي بما يخالفه.

وكتب نظيره في سورة فاطر بدون ألف، والذين قرأوه بالنصب خالفوا أيضاً خط المصحف واعتمدوا روايتهم.

وسريان معنى التأكيد على القراءتين واحد لأنّ التأكيد تعلّق بالجملة كلها لا بخصوص المعطوف عليه حتى يحتاج إلى إعادة المؤكد مع المعطوف.

واللؤلؤ: الدرّ.

ويقال له الجمان والجوهر.

وهو حبوب بيضاء وصفراء ذات بريق رقراق تُستخرج من أجواف حيوان مائي حَلزوني مستقرّ في غلاف ذي دفتين مغلقتين عليه يفتحهما بحركة حيوية منه لامتصاص الماء الذي يسبح فيه ويسمى غِلافه صَدفاً، فتوجد في جوف الحيوان حبة ذات بريق وهي تتفاوت بالكبر والصغر وبصفاء اللون وبياضه.

وهذا الحيوان يوجد في عدّة بحار: كبحر العجم وهو المسمّى بالبحرين، وبحر الجابون، وشط جزيرة جربة من البلاد التونسية، وأجوده وأحسنه الذي يوجد منه في البحرين حيث مصب نهري الدجلة والفرات، ويستخرجه غَوّاصون مدَرّبون على التقاطه من قعر البحر بالغوص، يغوص الغائص مُشدوداً بحبل بيد مَن يمسكه على السفينة وينتشله بعد لحظة تكفيه للالتقاط.

وقد جاء وصف ذلك في قول المسيب بن علَس أو الأعشى: لَجمانة البحريّ جاء بها *** غَوّاصها من لُجّة البحر نَصفَ النّهارَ الماء غامره *** ورفيقه بالغيب لا يدري وقال أبو ذؤيب الهذلي يصف لؤلؤة: فجَاءَ بِها ما شئتَ من لَطَمِيّة *** على وجهها ماء الفرات يموج وقد أشارت إليه آية [سورة النحل: 14] ﴿ وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ ولما كانت التحلية غير اللباس جيء باسم اللباس بعد يُحَلّون } بصيغة الاسم دون (يلبسون) لتحصيل الدلالة على الثّبات والاستمرار كما دلّت صيغة ﴿ يُحَلّون ﴾ على أن التحلية متجددة بأصناف وألوان مختلفة، ومن عموم الصيغتين يفهم تحقق مثلها في الجانب الآخر فيكون في الكلام احتباك كأنه قيل: يحلّون بها وحليتهم من أساور من ذهب ولباسهم فيها حرير يلبسونه.

والحرير: يطلق على ما نسج من خيوط الحرير كما هنا.

وأصل اسم الحرير اسم لخيوط تفرزها من لعابها دودة مخصوصة تلفّها لَفّاً بعضها إلى بعض مثل كُبّة تلتئم مشدودة كصورة الفول السوداني تحيط بالدودة كمثل الجوزة وتمكث فيه الدودة مدّة إلى أن تتحول الدودة إلى فراشة ذات جناحين فتثقب ذلك البيت وتخرج منه.

وإنما تحصّلُ الخيوط من ذلك البيت بوضعها في ماء حار في درجة الغليان حتى يزول تماسكها بسبب انحلال المادة الصمغية اللعابية التي تشدها فيُطلقونها خيطاً واحداً طويلاً.

ومن تلك الخيوط تنسج ثياب تكون بالغة في اللين واللمعان.

وثياب الحرير أجود الثياب في الدنيا قديماً وحديثاً، وأقدم ظهورها في بلاد الصين منذ خمسة آلاف سنة تقريباً حيث يكثر شجر التوت، لأن دود الحرير لا يفرز الحرير إلا إذا كان عَلَفُه ورقَ التُّوت، والأكثر أنه يبني بيوته في أغصان التُّوت.

وكان غير أهل الصين لا يعرفون تربية دود الحرير فلا يحصّلون الحرير إلاّ من طريق بلاد الفرس يجلبه التجار فلذلك يباع بأثمان غالية.

وكانت الأثواب الحريرية تباع بوزنها من الذهب، ثم نقل بَزر دود الحرير الذي يتولد منه الدود إلى القسطنطينية في زمن الأمبراطور (بوستنيانوس) بين سنة 527 وسنة 565م.

ومن أصناف ثياب الحرير السندس والإستبرق وقد تقدما في سورة الكهف.

وعُرفت الأثواب الحريرية في الرومان في حدود أوائل القرن الثالث المسيحي.

ومعنى ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ أن الله يرشدهم إلى أقوال، أي يُلهمهم أقوالاً حسنة يقولونها بينهم، وقد ذُكر بعضها في قوله تعالى: ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ [يونس: 10] وفي قوله: ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ﴾ [الزمر: 74].

ويجوز أن يكون المعنى: أنهم يرشدون إلى أماكن يسمعون فيها أقوالاً طيبة.

وهو معنى قوله تعالى: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ [الرعد: 24].

وهذا أشد مناسبة بمقابلة مما يسمعه أهل النار في قوله: ﴿ وذوقوا عذاب الحريق ﴾ [الحج: 22].

وجملة ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ معترضة في آخر الكلام، والواو للاعتراض، هي كالتكملة لوصف حسن حالهم لمناسبة ذكر الهداية في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ ، ولم يسبق مقابل لمضمون هذه الجملة بالنسبة لأحوال الكافرين وسيجيء ذكر مقابلها في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ﴾ إلى قوله: ﴿ نذقه من عذاب أليم ﴾ [الحج: 25] وذلك من أفانين المقابلة.

والمعنى: وقد هُدُوا إلى صراط الحميد في الدنيا، وهو دين الإسلام، شبه بالصراط لأنه موصل إلى رضى الله.

والحميد من أسماء الله تعالى، أي المحمود كثيراً فهو فعيل بمعنى مفعول، فإضافة ﴿ صراط ﴾ إلى اسم «الله» لتعريف أيّ صراط هو.

ويجوز أن يكون ﴿ الحميد ﴾ صفة ل ﴿ صراط، ﴾ أي المحمود لسالكه.

فإضافة صراط إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة، والصراط المحمود هو صراط دين الله.

وفي هذه الجملة إيماء إلى سبب استحقاق تلك النعم أنه الهداية السابقة إلى دين الله في الحياة الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الإيمانُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: القُرْآنُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والرّابِعُ: هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا خامِسًا: أنَّهُ ما شَكَرَهُ عَلَيْهِ المَخْلُوقُونَ وأثابَ عَلَيْهِ الخالِقُ.

﴿ وَهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الإسْلامُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والثّانِي: الجَنَّةُ.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّهُ ما حُمِدَتْ عَواقِبُهُ وأُمِنَتْ مَغَبَّتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب ﴾ قال: ألهموا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: في الخصومة، إذ قالوا: الله مولانا ولا مولى لكم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسماعيل بن أبي خالد ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: القرآن ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ قال: الإسلام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: الإخلاص ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ قال: الإسلام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله، الذي قال: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ .

وأخرج عبد حميد عن ابن عباس قال: الحرم كله هو المسجد الحرام.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: خلق الله فيه سواء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ سواء ﴾ يعني شرعاً واحداً ﴿ العاكف فيه ﴾ قال: أهل مكة في مكة أيام الحج ﴿ والباد ﴾ قال: من كان في غير أهلها من يعتكف به من الآفاق، قال: هم في منازل مكة، سواء، فينبغي لأهل مكة أن يوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال البادي وأهل مكة سواء في المنزل والحرم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعطاء ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: سواء في تعظيم البلد وتحريمه.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان، عن قتادة في الآية قال: ﴿ سواء ﴾ في جواره وأمنه وحرمته ﴿ العاكف فيه ﴾ أهل مكة ﴿ والباد ﴾ من يعتكفه من أهل الآفاق.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن حصين قال: سألت سعيد بن جبير: أعتكف بمكة؟

قال: لا...

أنت معتكف ما أقمت.

قال الله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد في الآية قال: الناس بمكة سواء، ليس أحد أحق بالمنازل من أحد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن عبدالله بن عمرو قال: من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطنه ناراً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء، أنه كان يكره أن تباع بيوت مكة أو تكرى.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يكره إجارة بيوت مكة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر، أن عمر نهى أن تغلق أبواب دور مكة، فإن الناس كانوا ينزلون منها حيث وجدوا، حتى كانوا يضربون فساطيطهم في الدور.

وأخرج ابن سعد عن عمر بن الخطاب، أن رجلاً قال له عند المروة: يا أمير المؤمنين، أقطعني مكاناً لي ولعقبي.

فأعرض عنه عمر وقال: هو حرم الله ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: بيوت مكة لا تحل إجارتها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جريج قال: أنا قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز على الناس بمكة، فنهاهم عن كراء بيوت مكة ودورها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم قال: من أكل شيئاً من كراء مكة، فإنما يأكل ناراً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: كان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبواباً حتى ينزل الحاج في عرصات الدور.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه قال: لم يكن للدور بمكة أبواب، كان أهل مصر وأهل العراق يأتون فيدخلون دور مكة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط في قوله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: البادي، الذي يجيء من الحج والمقيمون سواء في المنازل ينزلون حيث شاؤوا ولا يخرج رجل من بيته.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: سواء المقيم والذي يرحل» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن عمر أنه قال: يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل البادي حيث شاء.

وأخرج الدارقطني عن ابن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً» .

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن راهويه وأحمد وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن مسعود رفعه في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: لو أن رجلاً هم فيه بإلحاد وهو بعدن أبين، لأذاقه الله تعالى عذاباً أليماً.

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ قال: من هم بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت لم تكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين: أحدهما مهاجري والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب فغضب عبد الله بن أنيس فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة.

فنزلت فيه ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ يعني من لجأ إلى الحرم ﴿ بإلحاد ﴾ يعني بميل عن الإسلام.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان، عن قتادة في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد...

﴾ .

قال: من لجأ إلى الحرم ليشرك فيه عذبه الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: بشرك.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: هو أن يعبد فيه غير الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ يعني أن تستحل من الحرام ما حرم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك.

فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم.

وأخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: هم المحتكرون الطعام بمكة.

وأخرج البخاري في تاريخه وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن يعلى بن أمية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه» .

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في تاريخه وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عمر قال: بيع الطعام بمكة إلحاد.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «احتكار الطعام بمكة إلحاد» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن مجاهد قال: كان لعبد الله بن عمرو فسطاطان: أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يصلي صلى في الذي في الحرم، واذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الذي في الحل.

فقيل له فقال: كنا نحدَّث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلا والله وبلى والله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآيه قال: شتم الخادم في الحرم ظلم فما فوقه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: تجارة الأمير بمكة إلحاد.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: أقبل تبع بريد الكعبة، حتى إذا كان بكراع الغميم بعث الله تعالى عليه ريحاً، لا يكاد القائم يقوم إلا بمشقة.

ويذهب القائم يقعد فيصرع، وقامت عليه ولقوا منها عناء، ودعا تبع حبريه فسألهما: ما هذا الذي بعث عليّ؟

قالا: أو تؤمنا؟

قال: أنتم آمنون.

قالا: فإنك تريد بيتاً يمنعه الله ممن أراده!

قال: فما يذهب هذا عني؟

قالا: تجرد في ثوبين ثم تقول: لبيك اللهم لبيك، ثم تدخل فتطوف به فلا تهيج أحداً من أهله.

قال: فإن أجمعت على هذا، ذهبت هذه الريح عني؟

قالا: نعم.

فتجرد ثم لبى فأدبرت الريح كقطع الليل المظلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ قال: حدثنا شيخ من عقب المهاجرين والأنصار، أنهم أخبروه أن أيما أحد أراد به ما أراد أصحاب الفيل، عجل لهم العقوبة في الدنيا وقال: إنما يؤتي استحلاله من قبل أهله.

فأخبرني عنهم أنه وجد سطران بمكة مكتوبان في المقام: أما أحدهما، فكان كتابته: بسم الله والبركة، وضعت بيتي بمكة طعام أهله اللحم والسمن والتمر، ومن دخله كان آمناً لا يحله إلا أهله.

قال: لولا أن أهله هم الذين فعلوا به ما قد علمت لعجل لهم في الدنيا العذاب.

قال: ثم أخبرني أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبل أن يستحل منه الذي يستحل قال: أجد مكتوباً في الكتاب الأول: عبد الله يستحل به الحرم، وعنده عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير.

فقال: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، قال كل واحد منهما: لست قاراً به إلا حاجاً أو معتمراً أو حاجة لا بد منها.

وسكت عبد الله بن الزبير فلم يقل شيئاً فاستحل من بعد ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: من هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها.

ولو أن رجلاً كان بعدن أبين حدث نفسه بأن يلحد في البيت، والإلحاد فيه: أن يستحل فيه ما حرم الله عليه فمات قبل أن يصل إلى ذلك، أذاقه الله من عذاب أليم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد ﴾ قال: ان الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه وما عملها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: القتل والشرك.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي مليكة، أنه سئل عن قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: ما كنا نشك أنها الذنوب حتى جاء إعلاج من أهل البصرة إلى إعلاج من أهل الكوفة، فزعموا أنها الشرك.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: ما من عبد يهم بذنب فيؤاخذه الله بشيء حتى يعمله، إلا من هم بالبيت العتيق شراً فإنه من هم به شراً عجل الله له.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الحجاج في الآية قال: إن الرجل يحدث نفسه أن يعمل ذنباً بمكة فيكتبه الله عليه ذنباً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد قال: رأيت عبد الله بن عمرو بعرفة، ومنزله في الحل ومسجده في الحرم فقلت له: لم تفعل هذا؟؟

قال: لأن العلم فيه أفضل والخطيئة فيه أعظم.

والله أعلم.

وأخرج أبو الشيخ وابن عدي وابن مردويه والديلمي بسند ضعيف، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دثر مكان البيت فلم يحجه هود ولا صالح حتى بوأه الله لإبراهيم» .

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من طريق حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه فقال: يا إبراهيم، ابن على ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص.

فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر.

وذلك حين يقول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت...

﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عطاء بن أبي رياح قال: لما أهبط الله آدم كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، فيسمع كلام أهل السماء ودعاءهم فيأنس إليهم، فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها، فأخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوجه إلى مكة فكان موضع قدمه قرية وخطوة مفازة، حتى انتهى إلى مكة فأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطاف به حتى أنزل الله الطوفان فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم فبناه.

فذلك قول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت...

﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق معمر، عن قتادة قال: وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعاً، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكا ذلك إلى الله فقال الله: «يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي...

فاخرج إليه» فخرج اليه آدم ومدّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة.

فلم تزل تلك المفاوز بعد على ذلك...

وأتى آدم فطاف به ومن بعده من الأنبياء.

قال معمر: وأخبرني أبان أن البيت أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة.

قال معمر: وبلغني أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعاً، حتى إذا أغرق الله قوم نوح فقدوا بقي أساسه، فبوّأه الله لإبراهيم فبناه بعد ذلك.

فذلك قول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت...

﴾ .

قال معمر: قال ابن جريج: قال ناس: أرسل الله سبحانه سحابه فيها رأس، فقال الرأس: يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تأخذ قدر هذه السحابة.

فجعل ينظر إليها ويخط قدرها.

قال الرأس: قد فعلت؟

قال: نعم.

ثم ارتفعت فحفر فأبرز عن أساس ثابت في الأرض.

قال ابن جريج: قال مجاهد: أقبل الملك والصرد والسكينة مع إبراهيم من الشام، فقالت السكينة: يا إبراهيم، ريض على البيت.

قال: فلذلك لا يطوف البيت أعرابي ولا ملك من هذه الملوك، إلا رأيت عليه السكينة والوقار.

قال ابن جريج: وقال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: وكان الله استودع الركن أبا قبيس، فلما بنى إبراهيم ناداه أبو قبيس فقال: يا إبراهيم، هذا الركن فيّ فخده.

فحفر عنه فوضعه، فلما فرغ إبراهيم من بنائه قال: قد فعلت يا رب، فأرنا مناسكنا...

أبرزها لنا وعلمناها.

فبعث الله جبريل فحج به، حتى إذا رأى عرفة قال: قد عرفت.

وكان أتاها قبل ذلك مرة.

قال: فلذلك سميت عرفة، حتى إذا كان يوم النحر عرض له الشيطان فقال: احصب.

فحصبه بسبع حصيات.

ثم اليوم الثاني فالثالث فسدّ ما بين الجبلين- يعني إبليس- فلذلك كان رمي الجمار.

قال: اعل على ثبير.

فعلاه فنادى: يا عباد الله، أجيبوا الله...

يا عباد الله، أطيعوا الله...

فسمع دعوته من بين الأبحر السبع ممن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.

فهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك قوله: لبيك اللهم لبيك، ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال: كان البيت غثاة- وهي الماء- قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عاماً، ومنه دحيت الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن السدي قال: إن الله عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل، فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحاً يقال لها ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة من البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس.

فذلك حين يقول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ﴾ فلما بنيا القواعد فبلغ مكان الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب لي حجراً حسناً أضعه ههنا.

قال: يا أبت، اني كسلان لغب.

قال: عليّ ذلك.

فانطلق يطلب له حجراً فأتاه بحجر فلم يرضه، فقال: ائتني بحجر أحسن من هذا.

فانطلق يطلب حجراً فجاءه جبريل بالحجر الأسود من الجنة، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسوّد من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجد عنده الركن فقال: يا أبت، من جاءك بهذا؟

قال: جاءني به من هو أنشط منك.

فبينما هما يدعوان بالكلمات التي ابتلى بها إبراهيم ربه، فلما فرغا من البنيان أمره الله أن ينادي.

فقال: ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن حوشب بن عقيل قال: سألت محمد بن عباد بن جعفر: متى كان البيت؟

قال: خلقت الأشهر له.

قلت: كم كان طول بناء إبراهيم؟

قال: ثمانية عشر ذراعاً.

قلت: كم هو اليوم قال: ستة وعشرون ذراعاً: قلت: هل بقي من حجارة بناء إبراهيم شيء؟

قال: حشي به البيت إلا حجرين مما يليا الحجر.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال الله لنبيه ﴿ وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ﴾ قال: طواف قبل الصلاة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة، إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله: ﴿ للطائفين ﴾ قال: الذين يطوفون به ﴿ والقائمين ﴾ قال: المصلين عنده.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال: القائمون، المصلون.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: ربّ، قد فرغت.

فقال: ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ قال: ربّ، وما يبلغ صوتي؟

قال: أذّن وعليّ البلاغ.

قال: ربّ، كيف أقول؟

قال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق...

فسمعه من بين السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون...؟

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي، عن ابن عباس قال: لما بنى إبراهيم البيت، أوحى الله إليه أن أذن في الناس بالحج.

فقال: ألا إن ربكم قد اتخذ بيتاً وأمركم أن تحجوه.

فاستجاب له ما سمعه من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شيء.

فقالوا: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أمر الله إبراهيم أن ينادي في الناس بالحج، صعد أبا قبيس فوضع أصبعيه في أذنيه ثم نادى: إن الله كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم.

فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن.

فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة، إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ.

وأخرج الديلمي بسندٍ واهٍ، عن علي رفعه: لما نادى إبراهيم بالحج لبى الخلق، فمن لبى تلبية واحدة حج حجة واحدة، ومن لبى مرتين حج حجتين، ومن زاد فبحساب ذلك.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذّن في الناس بالحج ﴾ قال: قام إبراهيم عليه السلام على الحجر فنادى: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج...

فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجاب من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ قال: وقرت في كل ذكر وأنثى.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، أوحى الله إليه أن ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ فخرج فنادى في الناس: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه.

فلم يسمعه حينئذ من إنس ولا جن ولا شجرة ولا أكمة ولا تراب ولا جبل ولا ماء ولا شيء، إلا قال: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج أبو الشيخ في كتاب الأذان، عن عبد الله بن الزبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم في الحج ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ قال: فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بدعاء الناس إلى الله، استقبل المشرق فدعا، ثم استقبل المغرب فدعا، ثم استقبل الشام فدعا، ثم استقبل اليمن فدعا، فأجيب: لبيك لبيك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة، أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام أن ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ فقام على الحجر فقال: يا أيها الناس، إن الله يأمركم بالحج.

فأجابه من كان مخلوقاً في الأرض يومئذ، ومن كان في أرحام النساء، ومن كان في أصلاب الرجال، ومن كان في البحور، فقالوا: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: قال جبريل لإبراهيم ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ قال: كيف أؤذن؟

قال: قل يا أيها الناس، أجيبوا إلى ربكم؛ ثلاث مرات.

فأجاب العباد فقالوا: لبيك اللهم ربنا لبيك، لبيك اللهم ربنا لبيك.

فمن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق فهو حاج.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بناء البيت، أمر إبراهيم أن يؤذن بالحج، فقام على الصفا فنادى بصوت سمعه ما بين المشرق والمغرب يا أيها الناس، أجيبوا إلى ربكم.

فأجابوه وهم في أصلاب آبائهم فقالوا: لبيك.

قال: فإنما يحج البيت اليوم من أجاب إبراهيم يومئذ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما أذن إبراهيم بالحج قال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

فلبى كل رطب ويابس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن مجاهد قال: لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، قام على المقام فنادى بصوت أسمع من بين المشرق والمغرب: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن مجاهد قال: قال إبراهيم: كيف أقول؟

قال: قل يا أيها الناس أجيبوا ربكم.

فما خلق الله من جبل ولا شجر ولا شيء من المطيعين له، إلا ينادي: لبيك اللهم لبيك.

فصارت التلبية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: تطاول به المقام حتى كان كأطول جبل في الأرض، فأذن فيهم بالحج فأسمع من تحت البحور السبع وقالوا: لبيك أطعنا...

لبيك أجبنا.

فكل من حج إلى يوم القيامة ممن استجاب له يومئذ.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: قيل لإبراهيم ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ قال: يا رب، كيف أقول؟

قال: قل لبيك اللهم لبيك.

فكان إبراهيم أول من لبى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أمر إبراهيم بالحج قام على المقام فنادى نداء سمعه جميع أهل الأرض: ألا إن ربكم قد وضع بيتاً وأمركم أن تحجوه.

فجعل الله في أثر قدميه آية في الصخرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء قال: صعد إبراهيم على الصفا فقال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

فأسمع من كان حياً في أصلاب الرجال.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: أجاب إبراهيم كل جنّي وإنسي وكل شجر وحجر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس قال: لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس، تواضعت له الجبال ورفعت له الأرض فقام فقال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: صعد إبراهيم أبا قبيس فقال: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن إبراهيم رسول الله...

أيها الناس، إن الله أمرني أن أنادي في الناس بالحج.

..

أيها الناس، أجيبوا ربكم.

فأجابه من أخذ الله ميثاقه بالحج إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ يعني بالناس أهل القبلة، ألم تسمع أنه قال: ﴿ إن أول بيت وضع للناس...

﴾ [ آل عمران: 96] إلى قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ [ آل عمران: 97] يقول: ومن دخله من الناس الذين أمر أن يؤذن فيهم وكتب عليهم الحج.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس، ﴿ يأتوك رجالاً ﴾ قال: مشاة ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ قال: الإبل ﴿ يأتين من كل فج عميق ﴾ قال: بعيد.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت ابن عباس يقول: ما آسى على شيء إلا أني لم أكن حججت راجلاً؛ لأني سمعت الله يقول ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ وهكذا كان يقرأوها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما آسى على شيء فاتني، إلا أني لم أحج ماشياً حتى أدركني الكبر أسمع الله تعالى يقول ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ فبدأ بالرجال قبل الركبان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد، أن إبراهيم وإسماعيل حجا وهما ماشيان.

وأخرج ابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حج من مكة ماشياً حتى يرجع إلى مكة، كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم.

قيل: وما حسنات الحرم؟

قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة» .

وأخرج ابن سعد وابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل قدم سبعمائة حسنة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله، وما حسنات الحرم!؟

قال: الحسنة مائة ألف حسنة» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة لتصافح ركاب الحجاج وتعتنق المشاة» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يأتوك رجالاً ﴾ قال: على أرجلهم ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ قال: الإبل ﴿ يأتون من كل فج عميق ﴾ يعني مكان بعيد.

وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانوا يحجون ولا يتزوّدون، فأنزل الله: ﴿ وتزودوا ﴾ [ البقرة: 197] .

وكانوا يحجون ولا يركبون، فأنزل الله: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ من كل فج عميق ﴾ قال: طريق بعيد قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: فساروا العناء وسدوا الفجاج ** بأجساد عادلها آيدات وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ قال: هم المشاة والركبان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ قال: ما تبلغه المطي حتى تضمر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كل فج عميق ﴾ قال: طريق بعيد.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ من كل فج عميق ﴾ قال: مكان بعيد.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه مثله.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبيد بن عمير قال: لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركباً يريدون البيت فقال: من أنتم؟

فأجابه أحدثهم سناً فقال: عباد الله المسلمون.

فقال: من أين جئتم؟

قال: من الفج العميق.

قال: أين تريدون؟

قال: البيت العتيق.

فقال عمر رضي الله عنه: تأوّلها لعمر الله.

فقال عمر رضي الله عنه: من أميركم؟

فأشار إلى شيخ منهم، فقال عمر: بل أنت أميرهم لأحدثهم سناً الذي أجابه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: أسواقاً كانت لهم.

ما ذكر الله منافع إلا الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة.

فأمّا منافع الآخرة، فرضوان الله عز وجل.

وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم والذبائح والتجارات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذكروا اسم الله ﴾ قال: فيما ينحرون من البدن.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويذكروا اسم الله ﴾ قال: كان يقال: إذا ذبحت نسيكتك فقل بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك عن فلان، ثم كل وأطعم كما أمرك الله: الجار والأقرب فالأقرب.

وأخرج أبو بكر المروزي في كتاب العيدين وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأيام المعلومات، أيام العشر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ في أيام معلومات ﴾ يعني أيام التشريق.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ في أيام معلومات ﴾ يعني أيام التشريق ﴿ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ﴾ يعني البدن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: الأيام المعلومات والمعدودات، هن جميعهن أربعة أيام.

فالمعلومات، يوم النحر ويومان بعده.

والمعدودات، ثلاثة أيام بعد يوم النحر.

وأخرج ابن المنذر عن علي رضي الله عنه قال: الأيام المعلومات، يوم النحر وثلاثة أيام بعده.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في أيام معلومات ﴾ قال: قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ومجاهد رضي الله عنه قال: الأيام المعلومات، أيام العشر.

وأخرج عن سعيد بن جبير والحسن رضي الله عنه مثله.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائح نسائكم، فأنزل الله: ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه، عن مجاهد في الآية قال: هي رخصة، إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل.

بمنزلة قوله: ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ فكلوا منها وأطعموا ﴾ قال: إذا ذبحتم فاهدوا وكلوا وأطعموا وأقلوا لحوم الأضاحي عندكم.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي رضي الله عنه ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ قال: هي في الأضاحي.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه قال: إن شاء أكل من الهدي والأضحية؛ وإن شاء لم يأكل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فكلوا منها ﴾ أن ابن مسعود كان يقول للذي يبعث: بهديه معه: كُلْ ثلثاً، وتصدق بالثلث، واهد لآل عتبة ثلثاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل جزور بضعة، فجعلت في قدر فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي من اللحم وحسوا من المرق.

قال سفيان: لأن الله يقول ﴿ فكلوا منها ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأطعموا البائس ﴾ قال: الزمن.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ وأطعموا البائس الفقير ﴾ قال: ﴿ البائس ﴾ الذي لم يجد شيئاً من شدة الحاجة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت طرفة وهو يقول: يغشاهم البائس المدقع ** والضيف وجار مجاور جنب وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ومجاهد قالا ﴿ البائس ﴾ الذي يمد كفيه إلى الناس يسأل.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: ﴿ البائس ﴾ المضطر الذي عليه البؤس و ﴿ الفقير ﴾ الضعيف.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله و ﴿ البائس الفقير ﴾ قال: هما سواء.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: ﴿ البائس الفقير ﴾ الذي به زمانه وهو فقير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ أي: أرشدوا إلى الطيب من القول.

قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله والحمد لله (١) (٢) وقال السدي: إلى القرآن (٣) ﴿ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ إلى الإسلام، وهو دين الله وطريقه (٤) (٥) (١) ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 418، والقرطبي 12/ 30، وأبو حيان 6/ 361.

وذكره البغوي عنه 5/ 376 بدون قوله الحمد لله.

وذكره الرازي 23/ 22 عنه من رواية عطاء: هو قولهم ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ .

(٢) رواه الطبري 17/ 136، وذكره الثعلبي 3/ 50 أ.

(٣) ذكره عنه البغوي 5/ 376، وابن الجوزي 5/ 418.

والرازي 23/ 22، وأبو حيان 9/ 361 بنفس عبارة الواحدي.

قال أبو حيان 6/ 361: والطيب من القول إن كانت الهداية في الدنيا فهو قول لا إله إلا الله والأقوال الطيبة من الأذكار وغيرها، ويكون الصراط طريق الإسلام، وإن كان إخبارًا عما يقع منهم في الآخرة فهو قولهم (الحمد لله الذي صدقنا وعده) وما أشبه ذلك من محاورة أهل الجنة.

(٤) انظر الطبري 17/ 136، فعلى هذا القول معنى صراط الحميد، أي طريق الله تعالى الذي دعا عباده إليه.

(٥) والحميد: اسم من أسماء الله.

واستظهر هذا القول أبو حيان 6/ 361.

وقال ابن عطية 10/ 253 - بعد ذكره للقول الأول: ويحتمل أنه يريد بالحميد نفس == الطريق، فأضاف إليه على حد إضافته في قوله تعالى ﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ  ﴾ .

أهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الطيب مِنَ القول ﴾ قيل: هو لا إله إلا الله، واللفظ أعم من ذلك ﴿ صِرَاطِ الحميد ﴾ أي صراط الله، فالحميد اسم الله، ويحتمل أن يريد الصراط الحميد، وأضاف الصفة إلى الموصوف كقولك: مسجد الجامع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.

مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.

أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.

وفي "فاطر" بالهمز والخفض.

الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.

الآخرون بالرفع.

﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.

﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.

﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.

الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.

ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.

﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد  الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.

وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.

وقال ابو علي الفارسي.

كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.

عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله  ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه  قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.

والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله  " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله  ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.

أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.

والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه  ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.

وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.

فأمر النبي  بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.

وعن مجاهد أنه الاحتكار.

وقيل: المنع من عمارته.

وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.

ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".

والأولى التعميم.

وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.

عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.

وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله  عذاباً أليماً.

واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله  ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".

وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.

وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".

وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.

والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.

ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.

وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.

وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي  وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.

وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.

وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.

والضامر البعير المهزول لطول السفر.

﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.

والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.

والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.

وفي تقديم المشاة تشريف لهم.

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي  "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟

قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله  لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.

وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله  ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.

والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.

وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.

ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.

وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.

ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.

والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.

ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.

ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.

والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.

وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟

قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .

وقال ايضاً  في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .

قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.

قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.

وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.

وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟

فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!

ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.

وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.

فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.

﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.

سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.

وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.

وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.

وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".

والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.

وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.

وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.

وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.

قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم  ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".

والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان  ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.

قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.

وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.

ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي  .

ومنها أنه الكذب والبهتان.

ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين  ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.

قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.

وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.

وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي  ﴾ وقد أهدى رسول الله  مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.

وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.

أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.

ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله  ؟

فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.

ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة  ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.

قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه  مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال  : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.

فقال: اركبها ويلك" .

وعن جابر أنه  قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .

وهذا هو الذي اختاره الشافعي.

وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.

وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.

وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.

وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.

أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.

قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.

ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.

ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.

ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.

ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.

ثم أمر نبيه  بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.

ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.

ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.

قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.

وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.

واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.

وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.

ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.

وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.

ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.

﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.

والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.

وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.

ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه  سخرها.

يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله  ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.

﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.

ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.

قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.

وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.

والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.

وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.

والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.

وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟

وكان أصحاب رسول الله  يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله  أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.

لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.

ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.

وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.

وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي  قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.

وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.

قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.

وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.

وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.

وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وإن كان الرمح لا يتقلد.

هذا كله توجيه تفسير الحسن.

والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.

وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.

وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.

قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.

وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.

وقال  "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد  المساجد.

وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد  من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.

وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.

ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.

ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.

ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.

﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.

وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله  قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.

قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه  لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.

التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.

لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.

﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا  ﴾ وفي قول النبي  "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.

لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.

ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.

﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.

﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله  وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ حرف (من) في ظاهر اللغة واللسان إنما يعبر به عن الممتحن من البشر والجن والملائكة، وأما الموات فإنه لا يعبر به عنه، وإنما يعبر عنه بحرف (ما)، لكن ذكر في آخره - وهو قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ...

﴾ الآية - ما يدل أنه أراد الكل: الممتحن، والموات جميعاً، حيث قال: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ وإلا ظاهره ما ذكرنا: أنه إنما يعبر بـ (من) عن الممتحن، وبحرف (ما) عن الكل.

[و] جائز أن يكون عند الاجتماع يذكر باسم الممتحن؛ على ما يذكر عند اجتماع الذكر والأنثى باسم الذكور.

ثم ما ذكر من سجود هذه الأشياء يخرج على وجوه: أحدها: سجود خلقة، يسجد كل شيء ذكر بخلقته لله، على ما ذكرنا في التسبيح.

والثاني: سجود عبادة، وهو سجود كل ممكن من [إتيانه] وتركه، وهو سجود الممتحن.

والثالث: سجوده: بذل ما بذل في هذه الأشياء من المنافع لا يتأتى بذلها لأحد من الماء، والشمس، والشجر، والدواب، وكل شيء.

والرابع: ما ألهم هذه الأشياء من الطاعة لله والخضوع له؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  ﴾ ألا ترى أنه ألهم الدواب معرفة إتيان الصالح لهم واتقاء المهالك؛ فجائز أن يعرفن طاعته والخضوع له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ في الجنة ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: من خذله الله وطرده عن عبادته وبابه ﴿ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  ﴾ .

أو أن يقول: ومن أهانه الله في النار بالعذاب، فما له من منجٍ ينجيه عن ذلك.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أشياء فلم يفعل، فهو يقول: ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

وقوله: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ ﴾ اختلفوا في تأويله: قال بعضهم: نزل هذا في ستة نفر تبارزوا: ثلاثة من المسلمين: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وثلاثة من المشركين: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فذلك اختصامهم.

وقال بعضهم: أهل الإسلام وأهل الكتاب في الدين: قالت اليهود والنصارى: نحن أولى بالله منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم، وديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم.

فقال المسلمون: بل نحن أولى بالله، آمنا بكتابنا وكتابكم، ونبيّنا ونبيكم، وبكل كتاب أنزله الله، ثم كفرتم أنتم بنبينا، وكتابنا، وبكل نبيّ كان قبل نبيكم؛ فأنزل الله  ما فصل بين المؤمنين وأهل الكتاب فقال: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بمحمد وبالقرآن، وهم اليهود والنصارى، ﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ ﴾ : النار والجنة: قالت النار: جعلني الله للعقوبة للعصاة والفسقة، وقالت الجنة: جعلني الله للرحمة للأنبياء والأولياء، ونحوه.

لكن متى يكون للنار مخاصمة، وكذلك الجنة، وهو بعيد.

وقال بعضهم: اختصم المسلم والكافر في البعث.

وجائز أن يكون اختصامهم ما ذكر من أوّل السورة إلى هذا الموضع، من ذلك قوله: ﴿ ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ  ﴾ يكون اختصامهم بين هؤلاء الذين ذكرهم في هذه السورة، وهم أهل الإسلام وأهل الكفر؛ في الآية بيان ذلك، حيث قال: ﴿ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ ، وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ  ﴾ .

ثم جائز أن يكون هذا الذي ذكر في الآية الأولى، حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ  ﴾ : ينزل أهل الإسلام في الجنّة وأهل الكفر في النّار، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ كقوله: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ...

﴾ الآية [إبراهيم: 50].

وقوله: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ﴾ قيل: الحميم: الماء الحار الذي انتهى حرّه غايته.

وقوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ﴾ : قال القتبي: يصهر: يذاب، يقال: صهرت النار الشحمة، والصهارة: ما أذيب من الألية، وكذلك قال: الصّهارة: ما يبقى من الشحم والألية إذا أذيبا، يقال: صهرت الشحم: أي: أذبت، أصهره صهراً.

﴿ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ قال بعضهم: المقامع: الأعمدة من الحديد، وهو قول أبي معاذ.

وقال بعضهم: المقامع: شبه العصى، الواحدة: مقمعة.

قال أبو معاذ: يعني قوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ﴾ أي: يذاب ما في بطونهم خاصّة، وأمّا الجلود فإنّها تحرق؛ لأن الجلد لا يصهر و لا ينصهر، وقال: هذا مثل قول العرب: (أتيته فأطعمني والله ثريداً، والله ولبنا قارصا - أي: حامضاً - والله فإزاراً ورداءً، والله وحملانا فارها) تضمر لكل شيء فعلا يشاكله، وفي القرآن مثله كثير، وكذلك في اللسان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ : قال بعضهم: إن جهنم إذا جاشت، ألقت من فيها إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فيعيدهم الخزّان فيها بالمقامع، ويقول لهم الخزنة: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴾ .

وقال بعضهم: إن في جهنم دركات، فإذا اشتد العذاب بهم ينقلبون من دركة السفلى إلى دركة العليا، ويصعدون، ثم يريدون الخروج منها، فيعادون فيها، كقوله: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً  ﴾ .

وقال بعضهم: إن النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع من حديد، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفر لهبها، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، أي: من تحت أهلها، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - لقوم رغبوا في هذه الدنيا بالتحلي بما ذكر، وتفاخروا به فيها، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ  ﴾ وإلا قلما يرغب الناس في الدنيا في التحلي بما ذكر إلا النساء خاصّة.

فإمّا أن ذكر للنساء أو لقوم تفاخروا به في الدنيا فوعد لهم في الآخرة ذلك ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ قال الكسائي: من قرأ: (لُؤْلُؤٍ) بالخفض فهو يخرج على أنهم: يحلون فيها من أساور من ذهب، ويحلون فيها من لؤلؤ حلية سوى الأساور.

ومن قرأ بالنصب: ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ ، أي: يحلون فيها لؤلؤاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ ، وكذلك ذكر في الخبر: "هُوَ لَهُم فِي الدنيا، ولنا في الآخرة".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

جائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: هو قول التوحيد، وشهادة الإخلاص، وأمّا في الآخرة كقوله: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو القول الطيب الذي هدوا إليه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ : هو القرآن ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ : الإسلام وشرائعه.

وقال قتادة: ألهموا التسبيح والتحميد كما ألهموا النفس.

وقال: ﴿ ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ : هو كل قول حسن.

وقوله: ﴿ ٱلْحَمِيدِ ﴾ يحتمل ﴿ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ ، أي: صراط الله، كقوله: ﴿ صِرَاطِ ٱللَّهِ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون نعت ذلك الصراط، أي: صراط حميد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأرشدهم الله في الحياة الدنيا إلى طيب الأقوال كشهادة أن لا إله إلا الله، والتكبير والتحميد، وأرشدهم إلى طريق الإِسلام المحمود.

<div class="verse-tafsir" id="91.lpOg7"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد