الآية ١ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ١ من سورة النور

سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

سورة النور وهي مدنية .

يقول تعالى : هذه ( سورة أنزلناها ) فيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفي ما عداها .

( وفرضناها ) قال مجاهد وقتادة : أي بينا الحلال والحرام والأمر والنهي ، والحدود .

وقال البخاري : ومن قرأ " فرضناها " يقول : فرضنا عليكم وعلى من بعدكم .

( وأنزلنا فيها آيات بينات ) أي : مفسرات واضحات ، ( لعلكم تذكرون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: ( سُورَةٌ أَنـزلْنَاهَا ) وهذه السورة أنـزلناها.

وإنما قلنا معنى ذلك كذلك؛ لأن العرب لا تكاد تبتدئ بالنكرات قبل أخبارها إذا لم تكن جوابا، لأنها توصل كما يوصل الذي، ثم يخبر عنها بخبر سوى الصلة، فيستقبح الابتداء بها قبل الخبر إذا لم تكن موصولة، إذ كان يصير خبرها إذا ابتدئ بها كالصلة لها، ويصير السامع خبرها كالمتوقع خبرها، بعد إذ كان الخبر عنها بعدها، كالصلة لها، وإذا ابتدئ بالخبر عنها قبلها، لم يدخل الشك على سامع الكلام في مراد المتكلم.

وقد بيَّنا فيما مضى قبل، أن السورة وصف لما ارتفع بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

وأما قوله: ( وَفَرَضْنَاهَا ) فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأه بعض قرّاء الحجاز والبصرة: " وفَرَضْناهَا " ويتأولونه: وفصَّلناها ونـزلنا فيها فرائض مختلفة.

وكذلك كان مجاهد يقرؤه ويتأوّله.

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا ابن مهدي، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حميد، عن مجاهد، أنه كان يقرؤها: " وَفَرَّضْناهَا " يعني بالتشديد.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " وَفَرَّضْنَاها " قال: الأمر بالحلال، والنهي عن الحرام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

وقد يحتمل ذلك إذا قرئ بالتشديد وجها غير الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو أن يوجه إلى أن معناه: وفرضناها عليكم وعلى من بعدكم من الناس إلى قيام الساعة.

وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والشأم ( وَفَرَضْنَاهَا ) بتخفيف الراء، بمعنى: أوجبنا ما فيها من الأحكام عليكم، وألزمناكموه وبيَّنا ذلك لكم.

والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وذلك أن الله قد فصلها، وأنـزل فيها ضروبًا من الأحكام، وأمر فيها ونهى، وفرض على عباده فيها فرائض، ففيها المعنيان كلاهما: التفريض، والفرض، فلذلك قلنا بأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب.

*ذكر من تأوّل ذلك بمعنى الفرض، والبيان من أهل التأويل.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَفَرَضْنَاهَا ) يقول: بيَّناها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( سُورَةٌ أَنـزلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ) قال: فرضناها لهذا الذي يتلوها مما فرض فيها، وقرأ فيها: ( آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ).

وقوله: ( وَأَنـزلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) يقول تعالى ذكره: وأنـزلنا في هذه السورة علامات ودلالات على الحقّ بينات، يعني واضحات لمن تأمَّلَها وفكَّر فيها بعقل أنها من عند الله، فإنها الحقّ المبين، وإنها تهدي إلى الصراط المستقيم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ( وَأَنـزلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) قال: الحلال والحرام والحدود ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) يقول: لتتذكروا بهذه الآيات البينات التي أنـزلناها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة النورمدنية بالإجماعبسم الله الرحمن الرحيمسورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرونمقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر .

وكتب عمر - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة : علموا نساءكم سورة النور .

وقالت عائشة - رضي الله عنها - : لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور والغزل .

وفرضناها قرئ بتخفيف الراء ؛ أي فرضنا عليكم وعلى من بعدكم ما فيها من الأحكام .

وبالتشديد : أي أنزلنا فيها فرائض مختلفة .

وقرأ أبو عمرو : ( وفرضناها ) بالتشديد أي قطعناها في الإنزال نجما نجما .

والفرض القطع ، ومنه فرضة القوس ، وفرائض الميراث ، وفرض النفقة .

وعنه أيضا فرضناها فصلناها وبيناها .

وقيل : هو على التكثير ؛ لكثرة ما فيها من الفرائض .

والسورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة ؛ ولذلك سميت السورة من القرآن سورة .

قال زهير :ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب[ ص: 147 ] وقد مضى في مقدمة الكتاب القول فيها .

وقرئ ( سورة ) بالرفع على أنها مبتدأ وخبرها أنزلناها ؛ قاله أبو عبيدة ، والأخفش .

وقال الزجاج ، والفراء ، والمبرد : سورة بالرفع لأنها خبر الابتداء ؛ لأنها نكرة ولا يبتدأ بالنكرة في كل موضع ، أي هذه سورة .

ويحتمل أن يكون قوله ( سورة ) ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة فحسن الابتداء لذلك ، ويكون الخبر في قوله الزانية والزاني .

وقرئ ( سورة ) بالنصب ، على تقدير أنزلنا سورة أنزلناها .

وقال الشاعر [ الربيع بن ضبيع ] :والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطراأو تكون منصوبة بإضمار فعل أي اتل سورة .

وقال الفراء : هي حال من الهاء والألف ، والحال من المكنى يجوز أن يتقدم عليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: هذه { سُورَةٌ ْ} عظيمة القدر { أَنْزَلْنَاهَا ْ} رحمة منا بالعباد، وحفظناها من كل شيطان { وَفَرَضْنَاهَا ْ} أي: قدرنا فيها ما قدرنا، من الحدود والشهادات وغيرها، { وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ْ} أي: أحكاما جليلة، وأوامر وزواجر، وحكما عظيمة { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ْ} حين نبين لكم، ونعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.

ثم شرع في بيان تلك الأحكام المشار إليها

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مدنية .

( سورة ) أي : هذه سورة ، ( أنزلناها وفرضناها ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : " وفرضناها " بتشديد الراء ، وقرأ الآخرون بالتخفيف ، أي : أوجبنا ما فيها من الأحكام وألزمناكم العمل بها .

وقيل : معناه قدرنا ما فيها من الحدود .

والفرض : التقدير .

قال الله - عز وجل - : " فنصف ما فرضتم ( البقرة - 237 ) أي : قدرتم ، ودليل التخفيف قوله - عز وجل - : " إن الذي فرض عليك القرآن " ( القصص - 85 ) وأما التشديد فمعناه : وفصلناه وبيناه .

وقيل : هو بمعنى الفرض الذي هو بمعنى الإيجاب أيضا .

والتشديد للتكثير لكثرة ما فيها من الفرائض ، أي : أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة .

( وأنزلنا فيها آيات بينات ) واضحات ، ( لعلكم تذكرون ) تتعظون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

هذه «سورة أنزلناها وفرضناها» مخففة ومشددة لكثرة المفروض فيها «وأنزلنا فيها آيات بينات» واضحات الدلالات «لعلكم تذَّكرون» بإدغام التاء الثانية في الذال تتعظون

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذه سورة عظيمة من القرآن أنزلناها، وأوجبنا العمل بأحكامها، وأنزلنا فيها دلالات واضحات؛ لتتذكروا- أيها المؤمنون- بهذه الآيات البينات، وتعملوا بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة النور بافتتاح لم تشترك معها فيه سورة أخرى من سور القرآن الكريم .وقوله - سبحانه - : ( سُورَةٌ ) خبر لمبتدأ محذوف ، أى : هذه سورة .والسورة القرآنية : هى مجموعة من الآيات المسرودة ، لها مبدأ ولها نهاية ، وجمعها : سُوَر .وكلمة سورة مأخوذة من سور المدينة ، وكأن السورة القرآنية سميت بهذا الاسم لإحاطتها بآياتها إحاطة السور بما يكون بداخله .أو أنها فى الأصل تطلق على المنزلة السامية ، والسورة القرآنية سميت بذلك لرفعتها وعلو شأنها .قال القرطبى : والسورة فى اللغة : اسم للمنزلة الشريفة ، ولذلك سميت السورة من القرآن سورة .

قال النابغة :ألم تر أن الله أعطاك سُورَة ...

ترى كلّ مَلْكٍ دونَها يتذبذبوقوله - تعالى - : ( وَفَرَضْنَاهَا ) من الفرض بمعنى القطع .

وأصله قطع الشىء الصُّلْب والتأثير فيه .والمراد به هنا : تنفيذ أحكام الله - تعالى - على أتم وجه وأكمله .والمعنى هذه سورة قرآنية .

أنزلناها عليك - أيها الرسول الكريم - ، وأوجبنا ما فيها من أحكام ، وآداب وتشريعات ، إيجابا قطيعا ، وأنزلنا فيها آيات بينات واضحات الدلالة على وحدانيتنا ، وقدرتنا ، وعلى صحة الأحكام التى وردت فيها ، لتتذكرها وتعتبروا بها وتعتقدوا صحتها وتنفذوا ما اشتملت عليه من أمر أو نهى .وجمع - سبحانه - بين الإنزال والفرضية فقال : ( أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ) لبيان أن الغرض منها ليس مجرد الإنزال وإنما الإنزال المصحوب بوجوب تنفيذ الأحكام والآداب التى اشتملت عليها ، والتى أنزلت من أجلها .ومعلوم أن إنزال السورة كلها .

يستلزم إنزال هذه الآيات منها فيكون التكرار فى قوله - تعالى - ( وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) لكمال العناية بشأنها ، كما هى الحال فى ذكر بالخاص بعد العام .و " لعل " فى قوله - تعالى - ( لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) للتعليل .

أى : لعلكم تتذكرون ما فيها من آيات دالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، وعلى سمو تشريعاتنا ، فيؤدى بكم هذا التذكر إلى عبادتنا وطاعتنا .ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حد الزانى والزانية ، وقبح جريمة الزنا تقبيحا يحمل عل النفور ، وحرمها على المؤمنين تحريما قاطعا ، فقال - تعالى - : ( الزانية .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قرأ العامة (سورة) بالرفع، وقرأ طلحة بن مصرف بالنصب، أما الذين قرأوا بالرفع فالجمهور قالوا الابتداء بالنكرة لا يجوز، والتقدير هذه سورة أنزلناها، أو نقول سورة أنزلناها مبتدأ موصوف، والخبر محذوف أي فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، وقال الأخفش لا يبعد الابتداء بالنكرة فسورة مبتدأ وأنزلنا خبره، ومن نصب فعلى معنى الفعل، يعني اتبعوا سورة أو أتل سورة أو أنزلنا سورة، وأما معنى السورة ومعنى الإنزال فقد تقدم، فإن قيل الإنزال إنما يكون من صعود إلى نزول، فهذا يدل على أنه تعالى في جهة، قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن جبريل عليه السلام كان يحفظها من اللوح المحفوظ ثم ينزلها عليه صلى الله عليه وسلم، فلهذا جاز أن يقال أنزلناها توسعاً.

وثانيها: أن الله تعالى أنزلها من أم الكتاب في السماء الدنيا دفعة واحدة ثم أنزلها بعد ذلك نجوماً على لسان جبريل عليه السلام.

وثالثها: معنى ﴿ أنزلناها ﴾ أي أعطيناها الرسول، كما يقول العبد إذا كلم سيده رفعت إليه حاجتي، كذلك يكون من السيد إلى العبد الإنزال قال الله تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ  ﴾ .

أما قوله: ﴿ وفرضناها ﴾ فالمشهور قراءة التخفيف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد.

أما قراءة التخفيف فالفرض هو القطع والتقدير قال الله تعالى: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ أي قدرتم ﴿ إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان  ﴾ أي قدر، ثم إن السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود وتحصيل الحاصل محال، فوجب أن يكون المراد وفرضنا ما بين فيها، وإنما قال ذلك لأن أكثر ما في هذه السورة من باب الأحكام والحدود فلذلك عقبها بهذا الكلام، وأما قراءة التشديد فقال الفراء: التشديد للمبالغة والتكثير، أما المبالغة فمن حيث إنها حدود وأحكام فلابد من المبالغة في إيجابها ليحصل الانقياد لقبولها، وأما التكثير فلوجهين: أحدهما: أن الله تعالى بين فيها أحكاماً مختلفة والثاني: أنه سبحانه وتعالى أوجبها على كل المكلفين إلى آخر الدهر، أما قوله: ﴿ وأنزلنا فيها آيات بينات ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه سبحانه ذكر في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله: ﴿ وفرضناها ﴾ إشارة إلى الأحكام التي بينها أولاً ثم قوله: ﴿ وأنزلنا فيها آيات بينات ﴾ إشارة إلى ما بين من دلائل التوحيد، والذي يؤكد هذا التأويل قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكيرها.

أما دلائل التوحيد فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها فأمروا بتذكيرها.

وثانيها: قال أبو مسلم يجوز أن تكون الآيات البينات ما ذكر فيها من الحدود والشرائع كقوله: ﴿ رَبّ اجعل لِّي ءايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاّ تُكَلّمَ الناس ثلاث لَيَالٍ سَوِيّاً  ﴾ سأل ربه أن يفرض عليه عملاً.

وثالثها: قال القاضي إن السورة كما اشتملت على عمل الواجبات فقد اشتملت على كثير من المباحثات بأن بينها الله تعالى، ولما كان بيانه سبحانه لها مفصلاً وصف الآيات بأنها بينات.

أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ فقرئ بتشديد الذال وتخفيفها، ومعنى لعل قد تقدم في سورة البقرة، قال القاضي لعل بمعنى كي، وهذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يتذكروا والجواب: أنه سبحانه لو أراد ذلك من الكل لما قوى دواعيهم إلى جانب المعصية، ولو لم توجد تلك التقوية لزم وقوع الفعل لا لمرجح، ولو جاز ذلك لما جاز الاستدلال بالإمكان والحدوث على وجود المرجح ويلزم نفي الصانع، وإذا كان كذلك وجب حمل لعل على سائر الوجوه المذكورة في سورة البقرة واعلم أنه سبحانه ذكر في هذه السورة أحكاماً كثيرة: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سُورَةٌ ﴾ خبر مبتدأ محذوف.

و ﴿ أنزلناها ﴾ صفة.

أو هي مبتدأ موصوف والخبر محذوف، أي: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها.

وقرئ بالنصب على: زيداً ضربته، ولا محلّ لأنزلناها، لأنها مفسرة للمضمر فكانت في حكمه.

أو على: دونك سورة أو اتل سورة وأنزلناها: صفة.

ومعنى: ﴿ وفرضناها ﴾ فرضنا أحكامها التي فيها.

وأصل الفرض: القطع، أي: جعلناها واجبة مقطوعاً بها، والتشديد للمبالغة في الإيجاب وتوكيده.

أو لأنّ فيها فرائض شتى، وأنك تقول: فرضت الفريضة، وفرضت الفرائض.

أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ بتشديد الذال وتخفيفها، رفعهما على الابتداء، والخبر محذوف عند الخليل وسيبويه، على معنى: فيما فرض عليكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

( 24 سُورَةُ النُّورِ مَدَنِيَّةٌ وهي أرْبَعٌ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سُورَةٌ ﴾ أيْ هَذِهِ سُورَةٌ أوْ فِيما أوْحَيْنا إلَيْكَ سُورَةٌ.

﴿ أنْزَلْناها ﴾ صِفَتُها ومَن نَصَبَها جَعَلَهُ مُفَسِّرًا لِناصِبِها فَلا يَكُونُ لَهُ مَحَلٌّ إلّا إذا قُدِّرَ اتْلُ أوْ دُونَكَ نَحْوَهُ ﴿ وَفَرَضْناها ﴾ وفَرَضْنا ما فِيها مِنَ الأحْكامِ، وشَدَّدَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو لِكَثْرَةِ فَرائِضِها أوِ المَفْرُوضِ عَلَيْهِمْ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِها.

﴿ وَأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ واضِحاتِ الدَّلالَةِ ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ فَتَتَّقُونَ المَحارِمَ وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سُورَةٌ} خبر مبتدأ محذوف أي هذه سورة {أنزلناها} صفة لها وقرأ طلحة سورةً على زيد اضربته أوعلى اتل سورة والسورة الجامعة لجمل آيات بفاتحة لها وخاتمة واشتقاقها من سور المدينة {وفرضناها} أى أحكامها التي فيها وأصل الفرض القطع أي جعلناها مقطوعاً بها وبالتشديد مكي وأبو عمرو للمبالغة في الإيجاب وتوكيده أو لأن فيها فرائض شتئ أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِْنَاتٍ} أي دلائل واضحات {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} لكي تتعظوا وبتخفيف الذال حمزة وعلي وخلف وحفص ثم فصل أحكامها فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ ( النُّور ) مَدَنِيَّةٌ كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وحَكى أبُو حَيّانَ الإجْماعَ عَلى مَدَنِيَّتِها ولَمْ يَسْتَثْنِ الكَثِيرَ مِن آيِها شَيْئًا، وعَنِ القُرْطُبِيِّ أنَّ آيَةَ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ  ﴾ إلَخْ مَكِّيَّةٌ، وهي اثْنَتانِ وسِتُّونَ آيَةً، وقِيلَ أرْبَعٌ وسِتُّونَ آيَةً، ووَجْهُ اتِّصالِها بِسُورَةِ المُؤْمِنِينَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ فِيها ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ  ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ أحْكامَ مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ مِنَ الزّانِيَةِ والزّانِي وما اتَّصَلَ بِذَلِكَ مِن شَأْنِ القَذْفِ وقِصَّةِ الإفْكِ والأمْرِ بِغَضِّ البَصَرِ الَّذِي هو داعِيَةُ الزِّنا والِاسْتِئْذانُ الَّذِي إنَّما جَعَلَ مِن أجْلِ النَّظَرِ وأمَرَ فِيها بِالإنْكاحِ حِفْظًا لِلْفَرْجِ وأمَرَ مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى النِّكاحِ بِالِاسْتِعْفافِ ونَهى عَنْ إكْراهِ الفَتَياتِ عَلى الزِّنا.

وقالَ الطَّبَرْسِيُّ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَمْ يَخْلُقِ الخَلْقَ لِلْعَبَثِ بَلْ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا هاهُنا جُمْلَةً مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وجاءَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «عَلِّمُوا رِجالَكم سُورَةَ المائِدَةِ وعَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ النُّورِ»» وعَنْ حارِثَةَ بْنِ مَضْرِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: كَتَبَ إلَيْنا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ تَعَلَّمُوا سُورَةَ النِّساءِ والأحْزابِ والنُّورِ.

﴿ سُورَةٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ سُورَةٌ وأُشِيرَ إلَيْها بِهَذِهِ تَنْزِيلًا لَها مَنزِلَةَ الحاضِرِ المُشاهَدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلْناها ﴾ مَعَ ما عَطَفَ عَلَيْهِ صِفاتٌ لَها مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ مِن حَيْثُ الذّاتِ بِالفَخامَةِ مِن حَيْثُ الصِّفاتِ عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، والقَوْلُ بِجَوازِ أنْ تَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ احْتِرازًا عَمّا هو قائِمٌ بِذاتِهِ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا كَما لا يَخْفى.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ ( سُورَةٌ ) مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أيْ ما يُتْلى عَلَيْكم أوْ فِيما أوْحَيْنا إلَيْكَ سُورَةً أنْزَلْناها إلَخْ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ قَصَدَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الِامْتِنانَ والمَدْحَ والتَّرْغِيبَ لا فائِدَةَ الخَبَرِ ولا لازَمَها وهو كَوْنُ المُخْبِرِ عالِمًا بِالحُكْمِ لِلْعِلْمِ بِكُلِّ ذَلِكَ، والكَلامُ فِيما إذا قَصَدَ بِهِ مِثْلَ هَذا إنْشاءٌ عَلى ما اخْتارَهُ في الكَشْفِ وهو ظاهِرُ قَوْلِ الإمامِ المَرْزُوقِيِّ في قَوْلِهِ قَوْمِي هم قَتَلُوا أمِيمَ أخِي هَذا الكَلامُ تُحْزِنُ وتُفْجِعُ ولَيْسَ بِإخْبارٍ، واخْتارَ آخَرُونَ أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ مُرادٌ بِها مَعْناها إلّا أنَّها إنَّما أوْرَدَتْ لِغَرَضٍ سِوى إفادَةِ الحُكْمِ أوْ لازَمَهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ السّالَكُوتِيُّ، وأوَّلُ كَلامِ المُرَوَّزِيِّ بِأنَّ المُرادَ بِالإخْبارِ فِيهِ الإعْلامُ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ هَذا الوَجْهَ بِما بَحَثَ فِيهِ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ ( سُورَةٌ ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي ﴾ إلَخْ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ والوَجْهُ الوَجِيهُ هو الأوَّلُ، وعِنْدِي في أمْثالِ هَذِهِ الجُمَلِ أنَّ الإثْباتَ فِيها مُتَوَجِّهٌ إلى القَيْدِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ وهو هُنا إنْزالُها وفَرْضُها، وإنْزالُ آياتٍ بَيِّناتٍ فِيها لِأجْلِ أنْ يَتَذَكَّرَ المُخاطِبُونَ أوْ مَرْجُوًّا تَذْكُرُهم فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ ومُجاهِدٌ وعِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ البَصْرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ الكُوفِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأُمِّ الدَّرْداءِ «سُورَةً» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتْلُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ اتْلُوا بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّ الخِطاباتِ الآتِيَةَ بَعْدَهُ كَذَلِكَ ولَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّ الفِعْلَ مُتَضَمِّنُ مَعْنى القَوْلِ فَيَكُونُ الكَلامُ حِينَئِذٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ  ﴾ ولا شَكَّ في جَوازِهِ.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ نَصْبًا عَلى الإغْراءِ أيْ دُونِكَ سُورَةٍ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ أداةِ الإغْراءِ لِضَعْفِها في العَمَلِ لِما أنَّ عَمَلَها بِالحَمْلِ عَلى الفِعْلِ، وكَلامُ ابْنِ مالِكٍ يَقْتَضِي جَوازَهُ وزَعَمَ أنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ وفِيهِ بَحْثٌ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ ذَلِكَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ وهو ظاهِرٌ عَلى مَذْهَبِ مَن لا يَشْتَرِطُ في المَنصُوبِ عَلى الِاشْتِغالِ صِحَّةَ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وأمّا عَلى مَذْهَبِ مَن يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فَغَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّ «سُورَةَ» نَكِرَةٌ لا مُسَوِّغَ لَها فَلا يَجُوزُ رَفْعُها عَلى الِابْتِداءِ، ولَعَلَّ مَن يَشْتَرِطُ ذَلِكَ ويَقُولُ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ هُنا يَجْعَلُ النَّكِرَةَ مَوْصُوفَةً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّنْوِينُ كَأنَّهُ قِيلَ: سُورَةٌ عَظِيمَةٌ كَما قِيلَ:- شَرٌّ أُهِرَّ ذا نابٍ-.

وقالَ الفِراءُ: نَصْبُ «سُورَةً» عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في ﴿ أنْزَلْناها ﴾ والحالُ مِنَ الضَّمِيرِ يَجُوزُ أنَّ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ انْتَهى، ولَعَلَّ الضَّمِيرَ عَلى هَذا لِلْأحْكامُ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْنا الأحْكامَ سُورَةً أيْ في حالِ كَوْنِها سُورَةً مِن سُوَرِ القُرْآنِ وإلى هَذا ذَهَبَ في البَحْرِ، ورُبَّما يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلسُّورَةِ المَوْجُودَةِ في العِلْمِ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةِ تَقْيِيدِها بِوَصْفٍ، و«سُورَةً» المَذْكُورَةُ مَوْصُوفَةٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْوِينُها فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْنا السُّورَةَ حالَ كَوْنِها سُورَةً عَظِيمَةً، ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِ الوَجْهِ الَّذِي لا غُبارَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وفَرَضْناها ﴾ إمّا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فَرَضْنا أحْكامَها وإمّا عَلى اعْتِبارِ المَجازِ في الإسْنادِ حَيْثُ أسْنَدَ ما لِلْمَدْلُولِ لِلدّالِّ لِمُلابَسَةٍ بَيْنَهُما، تُشْبِهُ الظَّرْفِيَّةَ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِخْدامٌ بِأنْ يُرادَ بِسُورَةٍ مَعْناها الحَقِيقِيِّ وبِضَمِيرِها مَعْناها المَجازِيُّ أعْنِي الأحْكامَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِها، والفَرْضُ في الأصْلِ قَطْعُ الشَّيْءِ الصَّلْبِ والتَّأْثِيرُ فِيهِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإيجابُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أوْجَبْنا ما فِيها مِنَ الأحْكامِ إيجابًا قَطْعِيًّا وفي ذِكْرِ ذَلِكَ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ عَلى ما قِيلَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ «( وفرّضناها)» بِتَشْدِيدِ الرّاءِ لِتَأْكِيدِ الإيجابِ، والإشارَةُ إلى زِيادَةِ لُزُومِهِ أوْ لِتَعَدُّدِ الفَرائِضِ وكَثْرَتِها أوْ لِكَثْرَةِ المَفْرُوضِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّلَفِ والخَلْفِ، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ قَدْ فَسَّرَ ( فَرَضْناها ) بِفَصَلْناها ويَجْرِي فِيهِ ما ذَكَرَ أيْضًا ﴿ وأنْزَلْنا فِيها ﴾ أيْ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الآياتُ الَّتِي نِيطَتْ بِها الأحْكامُ المَفْرُوضَةُ وأمْرُ الظَّرْفِيَّةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، ومَعْنى كَوْنِها بَيِّناتٍ وُضُوحُ دَلالَتِها عَلى أحْكامِها لا عَلى مَعانِيها مُطْلَقًا لِأنَّها أُسْوَةً لِأكْثَرِ الآياتِ في ذَلِكَ، وتَكْرِيرُ ( أنْزَلْنا ) مَعَ اسْتِلْزامِ إنْزالِ السُّورَةِ إنْزالُها إبْرازَ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ آياتِ السُّورَةِ والظَّرْفِيَّةُ حِينَئِذٍ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِ الكُلِّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ بَيِّناتٍ أنَّها لا إشْكالَ فِيها يَحُوجُ إلى تَأْوِيلِ كَبَعْضِ الآياتِ، وتَكْرِيرُ ( أنْزَلْنا ) مَعَ ظُهُورِ أنَّ إنْزالَ جَمِيعِ الآياتِ عَيْنُ إنْزالِ السُّورَةِ لِاسْتِقْلالِها بِعُنْوانٍ رائِقٍ داعٍ إلى تَخْصِيصِ إنْزالِها بِالذِّكْرِ إبانَةً لِخَطَرِها ورَفْعًا لِمَحَلِّها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ  ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا  ﴾ والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أظْهَرُ، وقالَ الإمامُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنْواعًا مِنَ الأحْكامِ والحُدُودِ وفي آخِرِها دَلائِلَ التَّوْحِيدِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ( فَرَضْناها ) إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَبْنِيَّةِ أوَّلًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَيَّنَ مَن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّ الأحْكامَ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً حَتّى يَتَذَكَّرُونَها انْتَهى، وهو عِنْدِي وجْهٌ حَسَنٌ، نَعَمْ قِيلَ فِيما ذَكَرَهُ مِنَ التَّأْيِيدِ نَظَرٌ إذْ لِمَن ذَهَبَ إلى الِاحْتِمالِ أنْ يَقُولَ: المُرادُ مِنَ التَّذَكُّرِ غايَتُهُ وهو اتِّقاءُ المَحارِمِ بِالعَمَلِ بِمُوجِبِ تِلْكَ الآياتِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ هَذا مُحَوَّجٌ إلى ارْتِكابِ المَجازِ في التَّذَكُّرِ دُونَ ما ذَكَرَهُ الإمامُ فَإنَّ التَّذَكُّرَ عَلَيْهِ عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ ويَكْفِي هَذا القِدْرُ في كَوْنِهِ مُؤَيَّدًا، وأصْلُ ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ تَتَذَكَّرُونَ حَذْفُ إحْدى التّاءَيْنِ وقُرِئَ بِإدْغامِ الثّانِيَةِ مِنهُما في الذّالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مدنية، وهي ستون وأربع آيات قوله سبحانه وتعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها قرأ بعضهم: سُورَةٌ بنصب الهاء، وقراءة العامة بالضم.

فمن قرأ بالضم فمعناه: هذه سورة أنزلناها، ومن قرأ بالنصب فمعناه: أنزلنا سورة، ويقال: اقرأ سورة، وقد: قرئت سُورَةٌ بالهمزة وبغير همز.

فمن قرأ بالهمز، جعلها من أسأرت، يعني: أفضلت كأنها قطعة من القرآن.

ومن لم يهمز، جعلها من سور المدينة سورا أي منزلة بعد منزلة.

ويقال: السورة أصلها الرفعة، ولهذا سمّي سور المدينة.

وقال النابغة للنعمان بن المنذر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَعْطَاكَ سُورَة ...

تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ وإنما خص هذه السورة بذكر السورة لما فيها من الأحكام، فذلك كله يرجع إلى أمر واحد وهو أمر النساء.

ثم قال تعالى: وَفَرَضْناها، يعني: بيَّنا حلالها وحرامها، وقال القتبي: أصل الفريضة الوجوب، وهاهنا يجوز أن يكون بمعنى بيّناها، وقد يجوز أوجبنا العمل بما فيها، وقال بعض أهل اللغة: أصل الفرض هو القطع، ولهذا سمي ما يقطع من حافة النهر فرضة، ويسمى الموضع الذي يقطع من السواك، أي ليشد فيه الخيط فرض، ولهذا يسمى الميراث فريضة، لأن كل واحد قطع له نصيب معلوم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو: وَفَرَضْناها بتشديد الراء، وقرأ الباقون بالتخفيف.

فمن قرأ بالتخفيف، فمعناه ألزمناكم العمل بما فرض فيها، ومن قرأ بالتشديد، فهو على وجهين: أحدهما: على معنى التكثير، أي إنا فرضنا فيها فروضاً، ومعنى آخر: وبيَّنا وفصلنا فيها من الحلال والحرام.

ثم قال: وَأَنْزَلْنا فِيها، يعني: في السورة آياتٍ بَيِّناتٍ، يعني: الحدود والفرائض والأمر والنهي.

ويقال: الآيات، يعني: العلامات والعبرات، ويقال: يعني آيات القرآن.

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، يعني: تتعظون، فلا تعطلون الأحكام والحدود.

قوله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وقرأ بعضهم: الزَّانِيَةُ بنصب الهاء على معنى: اجلدوا الزانية والزاني، وهكذا السارق والسارقة بالنصب على هذا المعنى.

ويقال: في الزنى بدأ بذكر المرأة، لأن الزنى في النساء أكثر، وفي السرقة بدأ بالرجال، لأن السرقة في الرجال أكثر.

وقراءة العامة بالرفع على معنى الابتداء، وقيل: إنما بدأ بالمرأة، لأنها أحرص على الزنى من الرجال، ويقال: لأن الفعل ينتهي إليها، ولا يكون إلا برضاها.

ثم قال: فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، يعني: إذا كانا غير محصنين وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ.

قرأ ابن كثير رَأْفَةٌ بالهمزة والمد، وقرأ أبو عمرو بالمد بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز بلا مد، ومعنى الكل واحد وهو الرحمة، وقال بعضهم: الرأفة اسم جنس، والرحمة اسم نوع.

قال بعضهم: الرأفة للمذنبين، والرحمة للتائبين، وهو قول سفيان الثوري.

وقال بعضهم: الرأفة تكون دفع المكروه، والرحمة إيصال المحبوب، يعني: لا تحملنكم الشفقة عليهما على ترك الحد، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني: في دين الله، أي في حكم الله إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني: يوم القيامة.

وإنما سمي اليوم الآخر، لأنه لا يكون بعده ليل فيصير كله بمنزلة يوم واحد.

وقد قيل: إنه تجتمع الأنوار كلها، وتصير في الجنة يوماً واحداً، وجمعت الظلمات كلها في النار، وتصير كلها ليلة واحدة.

ثم قال: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: ليحضر عند إقامة الحد طائفة من المؤمنين.

وفي حضور الطائفة ثلاث فوائد: أولها: أنهم يعتبرون بذلك، ويبلغ الشاهد الغائب والثانية: أن الإمام إذا احتاج إلى الإعانة أعانوه، والثالثة: لكي يستحي المضروب، فيكون زجراً له من العود إلى مثل ذلك الفعل.

وقال الزهري: «الطائفة ثلاثة فصاعداً» ، وذكر عن أنس بن مالك أنه قال: «أربعة فصاعداً» ، لأن الشهادة على الزنى لا تكون أقل من أربعة.

وقال بعضهم: اثنان فصاعداً.

وقال بعضهم: الواحد فصاعداً، وهو قول أهل العراق، وهو استحباب وليس بواجب.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «رجلان» ، وعن مجاهد قال: «واحد فما فوقه طائفة» وروي عن ابن عباس مثله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة النّور

وهي مدنيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها ...

الآية معنى «فرضنا» : أوجبنا وأثبتنا، وقال الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ: فَرَضْناها أي: أوجبنا ما فيها من الأحكامِ، انتهى، وقال البخاريُّ «١» : قال ابن عباس «٢» : سُورَةٌ أَنْزَلْناها: بَيَّنَّاها، انتهى.

وما تقدم أَبْيَنُ.

ص: فَرَضْناها الجمهور: بتخفيف الراء أي: فرضنا أحكامها، وأبو عمرو وابن كثير: بتشدِيْدِ الراء: إما للمبَالَغَةِ في الإيجاب، وإما لأَنَّ فيها فرائضَ شَتَّى، انتهى.

والآيات البَيِّنَاتُ: أمثالُها ومواعِظُهَا وأحكامُها.

وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ...

الآية، هذه الآية ناسخة لآية الحَبْسِ باتِّفاق، وحكم المُحْصَنِينَ منسوخٌ بآية الرجم والسُّنَّةِ المتواترة على ما تقدّم في سورة النساء، وقرأ الجمهور «٣» : «رَأْفَةٌ» بهمزة ساكنة من رَأَفَ إذا رَقَّ وَرَحِمَ، والرأفة المَنْهِيُّ عنها هي [في] «٤» إسقاط الحَدِّ، أي: أقيموه ولا بدّ، وهذا تأويل ابن عمر «٥» وغيره.

وقال قتادة وغيره: هي في تخفيف الضَّرْبِ عنِ الزُّنَاةِ «١» ، ومِنْ رأيهم أَنْ يُخَفَّفَ ضربُ الخمر، والفِرْيَةِ دون ضرب الزنا.

وقوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: إغلاظاً على الزناة، وتوبيخاً لهم، ولا خلافَ أَنَّ الطائفة كُلَّمَا كَثُرَتْ فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف في أَقَلِّ ما يجزِىءُ فقال الزُّهْرِيُّ: الطائفة: ثلاثةٌ فصاعداً «٢» ، وقال عطاء: لا بُدَّ من اثنين «٣» ، وهذا هو مشهورُ قول مالك فرآها موضع شهادة.

وقوله تعالى: الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً مَقْصِدُ الآية تشنيع الزنا وتشنيع ٣٥ أأمره، وأَنَّهُ مُحَرَّمٌ على المؤمنين/ ويريد بقوله: لاَ يَنْكِحُ أي: لا يَطَأُ، فالنكاح هنا بمعنى: الجماع كقوله تعالى: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] .

وقد بيّنه صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح أَنَّه بمعنى الوطء، حيث قال: «لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ...

» «٤» الحديث، وتحتمل الآية وجوها هذا أحسنها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النُّورِ وَهِيَ مَدَنيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ رَوى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «لا تُنْزِلُوهُنَّ الغُرَفَ ولا تُعَلِّمُوهُنَّ الكِتابَةَ، وعَلِّمُوهُنَّ المِغْزَلَ وسُورَةَ النُّورِ " يَعْنِي: النِّساءَ.» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سُورَةٌ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " سُورَةً " بِالنَّصْبِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِن رَفَعَ، فَعَلى الِابْتِداءِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَبِيحٌ، لِأنَّها نَكِرَةٌ، و ﴿ أنْزَلْناها ﴾ صِفَةٌ لَها، وإنَّما الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ: هَذِهِ سُورَةٌ، والنَّصْبُ عَلى وجْهَيْنِ،أحَدُهُما عَلى مَعْنى: أنْزَلْنا سُورَةً، وعَلى مَعْنى: اتْلُ سُورَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَرَضْناها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والزُّهْرِيُّ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ يَعْمُرٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَعَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، أيْ إنَّنا فَرَضْنا فِيها فُرُوضًا، والثّانِي: عَلى مَعْنى: بَيِّنًا وفَصَّلْنا ما فِيها مِنَ الحَلالِ والحَرامِ؛ ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: ألْزَمْناكُمُ العَمَلَ بِما فَرَضَ فِيها.

وقالَ غَيْرُهُ: مِن شَدَّدَ، أرادَ: فَصَّلْنا فَرائِضَها، ومَن خَفَّفَ، فَمَعْناهُ: فَرَضْنا ما فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي ﴾ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: " الزّانِيَةَ " بِالنَّصْبِ.

واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ الرَّفْعَ اخْتِيارَ الأكْثَرِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: والرَّفْعُ أقْوى في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ مَعْناهُ مَن زَنى فاجْلِدُوهُ، فَتَأْوِيلُهُ الِابْتِداءُ، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى مَعْنى: اجْلِدُوا الزّانِيَةَ.

فَأمّا الجَلْدُ فَهو ضَرْبُ الجِلْدِ؛ يُقالُ: جَلَدَهُ: إذا ضَرَبَ جِلْدَهُ، كَما يُقالُ: بَطَّنَهُ: إذا ضَرَبَ بَطْنَهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: الزّانِيَةُ والزّانِي إذا كانا حُرَّيْنِ بالِغَيْنِ بِكْرَيْنِ، ﴿ فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .

* فَصْلٌ قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي وُجُوبَ الجَلْدِ عَلى البِكْرِ والثَّيِّبِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في حَقِّ البِكْرِ زِيادَةٌ عَلى الجَلْدِ بِتَغْرِيبٍ عامٍ، وفي حَقِّ الثَّيِّبِ زِيادَةٌ عَلى الجَلْدِ بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ.

فَرَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ» " .

ومِمَّنْ قالَ بِوُجُوبِ النَّفْيِ في حَقِّ البِكْرِ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلَيٌّ، وابْنُ عُمَرَ، ومِمَّنْ بَعْدَهم عَطاءُ، وطاوُوسُ، وسُفْيانُ، ومالِكُ وابْنُ أبِي لَيْلى، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، ومِمَّنْ قالَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الجَلْدِ والرَّجْمِ في حَقِّ الثَّيِّبِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، قالَ: وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ بِالجَلْدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ: البِكْرُ، فَأمّا الثَّيِّبُ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الجَلْدُ، وإنَّما يَجِبُ الرَّجْمُ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ والثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكُ، ورُوِيَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ مِثْلُ قَوْلِ هَؤُلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْخُذْكُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو رَزِينٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يُعْمُرٍ، والأعْمَشُ: " يَأْخُذْكم " بِالياءِ، ﴿ بِهِما رَأْفَةٌ ﴾ قَرَأ نافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " رَأْفَةٌ " بِإسْكانِ الهَمْزَةِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، ومُجاهِدُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها عَلى وزْنِ رَعْفَةٍ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: " رَآفَةٌ " مِثْلَ سَآمَةٍ وكَآبَةٍ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ، فَتُخَفِّفُوا الضَّرْبَ، ولَكِنْ أوْجِعُوهُما، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: لا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ فَتُعَطِّلُوا الحُدُودَ ولا تُقِيمُوها، قالَهُ مُجاهِدُ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في شِدَّةِ الضَّرْبِ في الحُدُودِ، فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ضَرْبُ الزِّنا أشَدُّ مِنَ القَذْفِ، والقَذْفُ أشَدُّ مِنَ الشُّرْبِ، ويُضْرَبُ الشّارِبُ أشَدَّ مِن ضَرْبِ التَّعْزِيرِ، وعَلى هَذا مَذْهَبُ أصْحابِنا وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: التَّعْزِيرُ أشَدُّ الضَّرْبِ، وضَرْبُ الزّانِي أشَدُّ مِن ضَرْبِ الشّارِبِ، وضَرْبُ الشّارِبِ أشَدُّ مِن ضَرْبِ القَذْفِ.

وقالَ مالِكُ: الضَّرْبُ في الحُدُودِ كُلِّها سَواءً غَيْرُ مُبَرِّحٍ.

* فَصْلٌ فَأمّا ما يُضْرَبُ مِنَ الأعْضاءِ، فَنَقَلَ المَيْمُونِيُّ عَنْ أحْمَدَ في جَلْدِ الزّانِي، قالَ: يُجَرَّدُ، ويُعْطى كُلُّ عُضْوٍ حَقُّهُ، ولا يُضْرَبُ وجْهُهُ ولا رَأْسُهُ.

ونَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتانَ: لا يُضْرَبُ الرَّأْسُ ولا الوَجْهُ ولا المَذاكِيرُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

وقالَ مالِكُ: لا يُضْرَبُ إلّا في الظَّهْرِ وقالَ الشّافِعِيُّ: يُتَّقى الفَرْجُ والوَجْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في حُكْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في طاعَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ الزَّجاجُ: القِراءَةُ بِإسْكانِ اللّامِ، ويَجُوزُ كَسْرُها.

والمُرادُ بِعَذابِهِما ضَرْبُهُما.

وَفِي المُرادِ بِالطّائِفَةِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ وقالَ النَّخَعِيُّ: الواحِدُ طائِفَةٌ.

والثّانِي: الِاثْنانِ فَصاعِدًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ؛ وعَنْ عِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والقَوْلُ الأوَّلُ عَلى غَيْرِ ما عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، لِأنَّ الطّائِفَةَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وأقَلُّ الجَماعَةِ اثْنانِ.

والثّالِثُ: ثَلاثَةٌ فَصاعِدًا قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أرْبَعَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: عَشْرَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: «كانَتِ امْرَأةٌ تُسافِحُ، وتَشْتَرِطُ لِلَّذِي يَتَزَوَّجُها أنْ تَكْفِيَهُ النَّفَقَةَ فَأرادَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّ يَتَزَوَّجَها، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في بَغايا، كُنَّ بِمَكَّةَ، ومِنهُنَّ تِسْعٌ صَواحِبُ راياتٍ، وكانَتْ بُيُوتُهُنَّ تُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ: المَواخِيرُ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ إلّا زانٍ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، أوْ مُشْرِكٌ مِن أهْلِ الأوْثانِ، فَأرادَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ نِكاحَهُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: الزّانِي مِنَ المُسْلِمِينَ لا يَتَزَوَّجُ مِن أُولَئِكَ البَغايا ﴿ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً ﴾ لِأنَّهُنَّ كَذَلِكَ كُنَّ ﴿ والزّانِيَةُ ﴾ مِنهُنَّ ﴿ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ ﴾ ، ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّهُ إذا زَنى بِامْرَأةٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها إلّا بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: " وحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ " بِزِيادَةِ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ فَتْحِ حُرُوفِ " حَرَّمَ " .

وَقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: " وحَرُمَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ مُخَفَّفَةً.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ نِكاحُ الزَّوانِي؛ قالَهُ مُقاتِلُ.

والثّانِي: الزِّنا، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النُورِ هَذِهِ السُورَةُ كُلُّها مَدَنِيَّةٌ قوله عزّ وجلّ: ﴿ سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ الزانِيَةُ والزانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "سُورَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: "سُورَةً" بِالنَصْبِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعن أبِي الدَرْداءِ، فَوَجْهُ الرَفْعِ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ سُورَةٌ، أوِ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "سُورَةٌ" ابْتِداءٌ، وما بَعْدَها صِفَةٌ لَها أخْرَجَتْها عن حَدِّ النَكِرَةِ المَحْضَةِ، فَحَسُنَ الِابْتِداءُ لِذَلِكَ، ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الزانِيَةُ والزانِي ﴾ وفِيما بَعْدَ ذَلِكَ، والمَعْنى: السُورَةُ المُنَزَّلَةُ المَفْرُوضَةُ كَذا وكَذا؛ إذِ السُورَةُ عِبارَةٌ عن آياتٍ مَسْرُودَةٍ لَها بَدْءٌ وخَتْمٌ، ولَكِنْ يَلْحَقُ هَذا القَوْلَ إنَّ كَوْنَ الِابْتِداءِ هو الخَبَرُ لَيْسَ بِالبَيِّنِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ في السُورَةِ بِأسْرِها، وهَذا بَعِيدٌ في القِياسِ.

وَوَجْهُ النَصْبِ إضْمارُ فِعْلٍ قَدَّرَهُ بَعْضُهُمُ: اتْلُوا سُورَةً، أو نَحْوَهُ، وجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ: أنْزَلْنا سُورَةً أنْزَلْناها، وقالَ الفِراءُ: هي حالٌ مِنَ الهاءِ والألِفِ، والحالُ مِنَ المُكَنّى يَجُوزُ أنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفَرَضْناها" بِتَخْفِيفِ الراءٍ، ومَعْناهُ الإثْباتُ والإيجابُ بِأبْلَغِ وُجُوهِهِ، إذْ هو مُشَبَّهٌ بِالفَرْضِ في الإلْزامِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَفَرَّضْناها" بِشَدِّ الراءِ، ومَعْناهُ: جَعَلْناها فَرائِضَ، فَمِن حَيْثُ تَرَدَّدَ ذَلِكَ ضَعَّفَ الفِعْلَ لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَفَرَضْناها لَكُمْ"، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في السُورَةِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ فَرْضٌ.

و"الآياتُ البَيِّناتُ": أمْثالُها ومَواعِظُها وأحْكامُها، وقالَ الزَهْراوِيُّ: المَعْنى: لَيْسَ فِيها مُشْكِلٌ، تَأْوِيلُها مُوافِقٌ لِظاهِرِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَحَكُّمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ عَلى تَوَقُّعِ البَشَرِ ورَجائِهِمْ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الزانِيَةُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "الزانِيَةَ" بِالنَصْبِ، وهو أوجُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَأنَّهُ عِنْدَهُ كَقَوْلِكَ: زَيْدًا أضْرَبَ.

ووَجْهُ الرَفْعِ عِنْدَهُ أنَّهُ أخْبَرَ ابْتِداءً تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ الزانِيَةُ والزانِي، وأجْمَعَ الناسُ عَلى الرَفْعِ وإنْ كانَ القِياسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَصْبَ.

وأمّا الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزُجاجُ فَإنَّ الرَفْعَ عِنْدَهم هو الأوجَهُ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فاجْلِدُوا"؛ لَأنَّ المَعْنى: إنَّ الزانِيَةَ والزانِيَ مَجْلُودانِ بِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ.

وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُحاةِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ الخَبَرَ يَنْبَغِي أنْ يُجْلَدُوا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "والزانِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وقُدِّمَتِ الزانِيَةُ في اللَفْظِ مِن حَيْثُ كانَ في ذَلِكَ الزَمَنِ زِنى النِساءِ أفْشى، وكانَ لِإماءِ العَرَبِ وبَغايا الوَقْتِ راياتٌ، وكُنَّ مُجاهِراتٍ بِذَلِكَ، والعارُ بِالنِساءِ ألْحَقُ إذْ مَوْضِعِهُنَّ الحَجْبُ والصِيانَةُ، فَقَدَّمَ ذِكْرَهُنَّ تَغْلِيظًا واهْتِمامًا.

والألِفُ واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ الزانِيَةُ والزانِي ﴾ لِلْجِنْسِ، وذَلِكَ يُعْطِي أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الزُناةِ، وهَذِهِ الآيَةُ بِاتِّفاقٍ ناسِخَةٌ لِآيَةِ الحَبْسِ وآيَةِ الأذى اللَتَيْنِ في سُورَةِ النِساءِ.

وجَماعَةُ العُلَماءِ عَلى عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ حُكْمَ المُحْصَنِينَ مَنسُوخٌ مِنها، واخْتَلَفُوا في الناسِخِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الناسِخُ السُنَّةُ المُتَواتِرَةُ في الرَجْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ القُرْآنُ الَّذِي ارْتَفَعَ لَفْظُهُ وبَقِيَ حُكْمُهُ، وهو الَّذِي قَرَأهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَلى المِنبَرِ بِمَحْضَرِ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الشَيْخُ والشَيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ" وقالَ: إنّا قَرَأْناهُ في كِتابِ اللهِ تَعالى، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنْ لَفَظَهُ رُفِعَ وبَقِيَ حُكْمُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ راهَوَيْهِ: لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ نَسْخٌ، بَلْ سُنَّةُ الرَجْمِ جاءَتْ بِزِيادَةٍ، فالمُحْصَنُ -عَلى رَأْيِ هَذِهِ الفِرْقَةِ- يُجْلَدُ ثُمْ يُرْجَمُ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وفَعَلَهُ بِشُراحَةَ، ودَلِيلُهم قَوْلُ النَبِيِّ  : «والثَيِّبُ بِالثَيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَجْمُ»، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ فِعْلُ النَبِيِّ  حَيْثُ رَجَمَ ولَمْ يَجْلِدْ، وبِهِ قالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ إذْ فِعْلُهُ كَقَوْلِهِ رَفَعَ الجَلْدَ عَنِ المُحْصَنِ، وقالَ ابْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ: هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةً في البِكْرَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَأنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِن هَذا حُكْمُهُ إلّا البِكْرانِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَبِيِّ  : «البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ»، وبُقُولِهِ: «عَلى ابْنِكَ جِلْدُ مِائَةٍ»، واسْتَدَلُّوا عَلى أنَّها غَيْرُ عامَّةٍ بِخُرُوجِ الإماءِ والعَبِيدِ وغَيْرِهِمْ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ المَعانِي في سُورَةِ النِساءِ.

والجِلْدُ يَكُونُ والمَجْلُودُ قاعِدٌ عِنْدَ مالِكٍ، ولا يَجْزِي عِنْدَهُ إلّا في الظَهْرِ، وأصْحابُ الرَأْيِ والشافِعِيُّ يَرَوْنَ أنْ يُجْلَدَ الرَجُلُ وهو واقِفٌ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ ويُفَرَّقُ الضَرْبُ عَلى كُلِّ الأعْضاءِ، وأشارَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِالضَرْبِ إلى رِجْلَيْ أمَةٍ جَلَدَها في الزِنى، والإجْماعُ في تَسْلِيمِ الوَجْهِ والعَوْرَةِ والمَقاتِلِ، ويَتَرَجَّحُ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ بِقَوْلِ النَبِيِّ  : «أو حَدٌّ في ظَهْرِكَ»، وقَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أو لَأُوجِعَنَّ مَتْنَكَ، ويُعَرّى الرَجُلُ عِنْدَ مالِكٍ، والنَخْعِيِّ، وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجِراحِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، والشَعْبِيِّ، وغَيْرُهم يَرَوْنَ أنْ يَضْرِبَ عَلى قَمِيصٍ، وهو قَوْلُ عُثْمانَ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وأمّا المَرْأةُ فَتَسْتُرُ قَوْلًا واحِدًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَأْفَةٌ" بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ عَلى وزْنِ فَعْلَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "رَأفَةٌ" عَلى وزْنِ فَعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمْ أيْضًا: "رَآفَةٌ" عَلى وزْنِ فَعالَةٌ، كَسَآمَةٍ وكَآبَةٍ، وهَذِهِ مَصادِرُ أُشْهِرُها الأُولى، مَن "رَؤُفَ" إذا أرَقَّ ورَحِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَأْخُذُكُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَأْخُذُكُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الرَأْفَةِ المَنهِيِّ عنها، فِيمَ هِيَ؟

فَقالَ أبُو مِجْلَزٍ ولاحِقُ بْنُ حَمِيدٍ ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: هي في إسْقاطِ الحَدِّ، أيْ: أقِيمُوهُ ولا بُدَّ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنِ جُبَيْرٍ، وغَيْرِهِما، ومِن رَأْيِهِمْ أنَّ الضَرْبَ في الزِنى والفِرْيَةَ والخَمْرَ عَلى نَحْوٍ واحِدٍ.

وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُما: الرَأْفَةُ المَنهِيُّ عنها هي في تَخْفِيفِ الضَرْبِ عَنِ الزِنى، ومِن رَأْيِهِمْ أنْ يُخَفَّفَ ضَرْبُ الخَمْرِ والفِرْيَةِ ويَشْتَدَّ ضَرْبُ الزِنى، وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ: نُهِيَ عَنِ الرَأْفَةِ في الوَجْهَيْنِ، وقالَ أبُو مِجْلِزٍ: إنّا لَنَرْجُمُ المَحْدُودَ ولَكِنْ لا نُسْقِطُ الحَدَّ، «وَقَوْلُ النَبِيِّ  في السَوْطِ: دُونَ هَذا» ضَرْبٌ مِنَ الرَأْفَةِ.

وقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اضْرِبْ ولا تُبْدِينَّ إبْطَكَ، واتَّفَقَ الناسُ عَلى أنَّ الضَرْبَ سَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ، وقالَ الزَهْرِيَّ: ضَرْبُ الزِنا والفِرْيَةِ مُشَدَّدٌ لَأنَّهُما بِمَعْنى واحِدٍ، وضَرْبُ الخَمْرِ مُخَفَّفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي دِينِ اللهِ ﴾ بِمَعْنى: في الإخْلالِ بِدِينِ اللهِ، أيْ: بِشَرْعِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدِينُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ.

ثُمْ قَرَّرَهم عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والحَضِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ﴾ ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ تَحُضُّهُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا، أيْ: هَذِهِ أفْعالُ الرِجالِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، المَقْصِدُ بِالآيَةِ الإغْلاظُ عَلى الزُناةِ والتَوْبِيخُ بِحَضْرَةِ الناسِ، فَلا خِلافَ أنَّ الطائِفَةَ كُلَّما كَثُرَتْ فَهي ألْيَقُ بِامْتِثالِ الأمْرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في أقَلِّ ما يُجْزِي، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: لا بُدَّ مِن حُضُورِ عَشْرَةٍ، وقالَ: إنَّ هَذا العَدَدَ عَقْدٌ خارِجٍ عَنِ الآحادِ وهي أقَلُّ الكَثْرَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: لا بُدَّ مِن حُضُورِ أرْبَعَةٍ، ورَأوا أنَّ شَهادَةَ الزِنى كَذَلِكَ وأنَّ هَذا بابٌ مِنهُ.

وقالَ الزَهْرِيُّ: الطائِفَةُ ثَلاثَةٌ فَصاعِدًا، وقالَ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ: لا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ، وهَذا مَشْهُورُ قَوْلِ مالِكٍ، فَرَآها مَوْضِعَ شَهادَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَجْزِي الواحِدُ ويُسَمّى طائِفَةً، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَزَعا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِينِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ طائِفَتانِ  ﴾ ونَزَلَتْ في تَقاتُلِ رَجُلَيْنِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَغْرِيبِ، وقَدْ غَرَّبَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى فَدَكٍ، وهو رَأْيُ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وأبِي ذَرٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، ولَكِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ أنْ نَفى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُومِ فَقالَ: لا أنْفِي أحَدًا بَعْدَها، وفِيهِ عن مالِكٍ قَوْلانِ، ولا يَرى تَغْرِيبَ النِساءِ والعَبِيدِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ  : «لا تُسافِرُ المَرْأةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، ومِمَّنْ أبى التَغْرِيبَ جُمْلَةً أصْحابُ الرَأْيِ، وقالَ الشافِعِيُّ: يُنْفى البِكْرُ رَجُلًا كانَ أوِ امْرَأةً، ونَفى عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ امْرَأةً إلى البَصْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون ﴿ سورة ﴾ خبراً عن مبتدأ مقدر دل عليه ابتداء السورة، فيقدر: هذه سورة.

واسم الإشارة المقدر يشير إلى حاضر في السمع وهو الكلام المتتالي، فكل ما ينزل من هذه السورة وألحق بها من الآيات فهو من المشار إليه باسم الإشارة المقدر.

وهذه الإشارة مستعملة في الكلام كثيراً.

ويجوز أن تكون ﴿ سورة ﴾ مبتدأ ويكون قوله: ﴿ الزانية والزاني ﴾ [النور: 2] إلى آخر السورة خبراً عن ﴿ سورة ﴾ ويكون الابتداء بكلمة ﴿ سورة ﴾ ثم أجري عليه من الصفات تشويقاً إلى ما يأتي بعده مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم " كلمتان حبيبتان إلى الرحمان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ".

وأحسن وجوه التقدير ما كان منساقاً إليه ذهن السامع دون كلفة، فدع عنك التقادير الأخرى التي جوزوها هنا.

ومعنى ﴿ سورة ﴾ جزء من القرآن معين بمبدأ ونهاية وعدد آيات.

وتقدم بيانه في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير.

وجملة: ﴿ أنزلناها ﴾ وما عطف عليها في موضع الصفة ل ﴿ سورة ﴾ .

والمقصود من تلك الأوصاف التنويه بهذه السورة ليقبل المسلمون بشراشرهم على تلقي ما فيها.

وفي ذلك امتنان على الأمة بتحديد أحكام سيرتها في أحوالها.

ففي قوله: ﴿ أنزلناها ﴾ تنويه بالسورة بما يدل عليه «أنزلنا» من الإسناد إلى ضمير الجلالة الدال على العناية بها وتشريفها.

وعبر ب«أنزلنا» عن ابتداء إنزال آياتها بعد أن قدرها الله بعلمه بكلامه النفسي.

فالمقصود من إسناد إنزالها إلى الله تعالى تنويه بها.

وعبر عن إنزالها بصيغة المضي وإنما هو واقع في الحال باعتبار إرادة إنزالها، فكأنه قيل: أردنا إنزالها وإبلاغها، فجعل ذلك الاعتناء كالماضي حرصاً عليه.

وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة وقوعه كقوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ [المائدة: 6] الآية.

والقرينة قوله: ﴿ وفرضناها ﴾ ومعنى ﴿ فرضناها ﴾ عند المفسرين: أوجبنا العمل بما فيها.

وإنما يليق هذا التفسير بالنظر إلى معظم هذه السورة لا إلى جميعها فإن منها ما لا يتعلق به عمل كقوله: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ [النور: 35] الآيات وقوله: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ﴾ [النور: 39].

فالذي أختاره أن يكون الفرض هنا بمعنى التعيين والتقدير كقوله تعالى: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ [النساء: 7] وقوله: ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ﴾ [الأحزاب: 38].

وتعدية فعل «فرضنا» إلى ضمير السورة من قبيل ما يعبر عنه في مسائل أصول الفقه من إضافة الأحكام إلى الأعيان بإرادة أحوالها، مثل ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3]، أي أكلها.

فالمعنى: وفرضنا آياتها.

وسنذكر قريباً ما يزيد هذا بياناً عند قوله تعالى: ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ﴾ [النور: 34] وكيف قوبلت الصفات الثلاث المذكورة هنا بالصفات الثلاث المذكورة هنالك.

وقرأ الجمهور: ﴿ وفرضناها ﴾ بتخفيف الراء بصيغة الفعل المجرد.

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وفرّضناها ﴾ بتشديد الراء للمبالغة مثل نزّل المشدّد.

ونقل في حواشي «الكشاف» عن الزمخشري قوله: كأنه عامل في دين سؤدده *** بسورة أنزلت فيه وفُرّضَتِ وهذان الحكمان وهما الإنزال والفرض ثبتا لجميع السورة.

وأما قوله: ﴿ أنزلنا فيها آيات بينات ﴾ فهو تنويه آخر بهذه السورة تنويه بكل آية اشتملت عليها السورة: من الهدى إلى التوحيد، وحقية الإسلام، ومن حجج وتمثيل، وما في دلائل صنع الله على سعة قدرته وعلمه وحكمته، وهي ما أشار إليه قوله: ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين ﴾ [النور: 34] وقوله: ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ إلى قوله: ﴿ صراط مستقيم ﴾ [النور: 43 46].

ومن الآيات البينات التي أنزلت فيها إطلاع الله رسوله على دخائل المنافقين مما كتموه في نفوسهم من قوله: ﴿ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ﴾ إلى قوله: ﴿ إن الله خبير بما تعلمون ﴾ [النور: 48 53] فحصل التنويه بمجموع السورة ابتداء والتنويه بكل جزء منها ثانياً.

فالآيات جمع آية وهي قطعة من الكلام القرآني دالة على معنى مستقل وتقدم بيانها في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير.

فالمراد من الآيات المنزلة في هذه السورة جميع ما اشتملت عليه من الآيات لا آيات مخصوصة من بينها.

والمقصود التنويه بآياتها بإجراء وصف ﴿ بينات ﴾ عليها.

وإذا كانت الآيات التي اشتملت السورة على جميعها هي عين السورة لا بعضاً منها إذ ليس ثم شيء غير تلك الآيات حاوٍ لتلك الآيات حقيقة ولا مشبه بما يحوي، فكان حرف (في) الموضوع للظرفية مستعملاً في غير ما وضع له لا حقيقة ولا استعارة مصرحة.

فتعين أن كلمة ﴿ فيها ﴾ تؤذن باستعارة مكنية بتشبيه آيات هذه السورة بأعلاق نفسية تكتنز ويحرص على حفظها من الإضاعة والتلاشي كأنها مما يجعل في خزانة ونحوها.

ورمز إلى المشبه به بشيء من روادفه وهو حرف الظرفية فيكون حرف (في) تخييلاً مجرداً وليس باستعارة تخيلية إذ ليس ثم ما يشبه بالخزانة ونحوها، فوزان هذا التخييل وزان أظفار المنية في قول أبي ذؤيب الهذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها *** ألفيت كل تميمة لا تنفع وهذه الظرفية شبيهة بالإضافة البيانية مثل قوله تعالى: ﴿ أُحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ [المائدة: 1] وقوله: ﴿ أكفاركم خير ﴾ [القمر: 43] فإن الكفار هم عين ضمير الجماعة المخاطبين وهم المشركون.

فقوله: ﴿ وأنزلنا فيها ﴾ هو: بمعنى وأنزلناها آيات بينات.

ووصف ﴿ آيات ﴾ ب ﴿ بينات ﴾ أي واضحات، مجاز عقلي لأن البيّن هو معانيها، وأعيد فعل الإنزال مع إغناء حرف العطف عنه لإظهار مزيد العناية بها.

والوجه أن جملة ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ مرتبطة بجملة: ﴿ أنزلنا فيها آيات بينات ﴾ لأن الآيات بهذا المعنى مظنة التذكر، أي دلائل مظنة لحصول تذكركم.

فحصل بهذا الرجاء وصف آخر للسورة هو أنها مبعث تذكر وعظة.

والتذكر: خطور ما كان منسياً بالذهن وهو هنا مستعار لاكتساب العلم من أدلته اليقينية بجعله كالعلم الحاصل من قبل فنسيه الذهن، أي العلم الذي شأنه أن يكون معلوماً، فشبه جهله بالنسيان وشبه علمه بالتذكر.

وقرأ الجمهور: ﴿ تذَّكرون ﴾ بتشديد الذال وأصله تتذكرون فأدغم.

وقرأه حمزة والكسائي وحفص وخلف ﴿ تذَكرون ﴾ بتخفيف الذال فحذفت إحدى التائين اختصاراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النُّورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُورَةٌ أنْزَلْناها ﴾ أيْ هَذِهِ سُورَةٌ أنْزَلْناها ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ خَصَّها بِهَذا الِافْتِتاحِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَقْصُودَ الزَّجْرُ والوَعِيدُ فافْتُتِحَتْ بِالرَّهْبَةِ كَسُورَةِ التَّوْبَةِ.

الثّانِي: أنَّ فِيها تَشْرِيفًا لِلنَّبِيِّ  بِطَهارَةِ نِسائِهِ فافْتُتِحَتْ بِذَكَرٍ، والسُّورَةُ اسْمٌ لِلْمَنزِلَةِ الشَّرِيفَةِ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ السُّورَةُ مِنَ القُرْآنِ سُورَةً قالَ الشّاعِرُ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تُرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ ﴿ وَفَرَضْناها ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ بِالتَّخْفِيفِ وبِالتَّشْدِيدِ: فَمَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَفي تَأْوِيلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَرَضْنا فِيها إباحَةَ الحَلالِ وحَظْرَ الحَرامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: قَدَّرْنا فِيها الحُدُودَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ  ﴾ أيْ قَدَّرْتُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَمَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفي تَأْوِيلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ تَكْثِيرُ ما فُرِضَ فِيها مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: مَعْناهُ بَيَّنّاها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِهِ ووُجُوبِ طاعَتِهِ.

الثّانِي: أنَّها الحُدُودُ والأحْكامُ الَّتِي شَرَعَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ وإنَّما قُدِّمَ ذَكْرُ الزّانِيَةِ عَلى الزّانِي لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الزِّنى مِنها أعَرُّ، وهو لِأجْلِ الحَبَلِ أضَرُّ.

الثّانِي: أنَّ الشَّهْوَةَ فِيها أكْثَرُ وعَلَيْها أغْلَبُ، وقُدِّرَ الحَدُّ فِيهِ بِمِائَةِ جَلْدَةٍ مِنَ الحُرِّيَّةِ والبَكارَةِ، وهو أكْثَرُ حُدُودِ الجَلْدِ، لِأنَّ فِعْلَ الزِّنى أغْلَظُ مِنَ القَذْفِ بِالزِّنى، وزادَتِ السُّنَّةُ عَلى الجَلْدِ بِتَغْرِيبِ عامٍ بَعْدَهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ  : «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ» ومَنَعَ العِراقِيُّونَ مِنَ التَّغْرِيبِ اقْتِصارًا عَلى الجَلْدِ وحْدَهُ، وفِيهِ دَفْعُ السُّنَّةِ والأثَرِ.

والجَلْدُ مَأْخُوذٌ مِن وُصُولِ الضَّرْبِ إلى الجَلْدِ، فَأمّا المُحْصَنانِ فَحَدَّهُما الرَّجْمُ بِالسُّنَّةِ إمّا بَيانًا لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا  ﴾ عَلى قَوْلِ فَرِيقٍ: وإمّا ابْتِداءً فُرِضَ عَلى قَوْلِ آخَرِينَ.

وَرَوى زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيٍّ أنَّ في مُصْحَفِهِ مِن سُورَةِ الأحْزابِ ذُكِرَ الرَّجْمُ: " إذا زَنى الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " .

﴿ وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ ﴾ أيْ في طاعَةِ اللَّهِ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِالدِّينِ عَنِ الطّاعَةِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ تُقِيمُونَ طاعَةَ اللَّهِ قِيامَ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والرَّأْفَةُ الرَّحْمَةُ ولَمْ يَنْهَ عَنْها لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُوقِعُها في القُلُوبِ وإنَّما نَهى عَمّا تَدْعُو الرَّحْمَةُ إلَيْهِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَدْعُوَهُ الرَّحْمَةُ إلى إسْقاطِ الحَدِّ حَتّى لا يُقامَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنْ تَدْعُوَهُ الرَّحْمَةُ إلى تَخْفِيفِ الضَّرْبِ حَتّى لا يُؤْلِمَ، قالَهُ قَتادَةُ.

واسْتَنْبَطَ هَذا المَعْنى الجُنَيْدُ فَقالَ: الشَّفَقَةُ عَلى المُخالِفِينَ كالإعْراضِ عَنِ المُواقِعِينَ ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما ﴾ يَعْنِي بِالعَذابِ الحَدَّ يَشْهَدُهُ عِنْدَ الإقامَةِ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، لِيَكُونُوا زِيادَةً في نَكالِهِ وبَيِّنَةً عَلى إقامَةِ حَدِّهِ، واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْبَعَةٌ فَصاعِدًا، قالَهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ.

الثّانِي: ثَلاثَةٌ فَصاعِدًا، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الثّالِثُ: اثْنانِ فَصاعِدًا، قالَ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: واحِدٌ فَصاعِدًا، قالَهُ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ.

وَلَمّا شَرَطَ اللَّهُ إيمانَ مَن يَشْهَدُ عَذابَهُما، قالَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ: لا يَشْهَدُ مَواضِعَ التَّأْدِيبِ إلّا مَن لا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حارثة عن ابن عباس في قوله: ﴿ سورة أنزلناها وفرضناها ﴾ قال: بيناها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وفرضناها ﴾ قال: وفسرناها، الأمر بالحلال والنهي عن الحرام.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وفرضناها ﴾ قال: فرض الله فيها فرائضه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحد حدوده، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ ﴿ وفرضناها ﴾ خفيفة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جرير ﴿ وأنزلنا فيها آيات بينات ﴾ قال: الحلال والحرام والحدود.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا ﴾ قال أبو عبيدة والأخفش: ﴿ سُورَةٌ ﴾ رفع بالابتداء، وخبرها في ﴿ أَنْزَلْنَاهَا ﴾ (١) وأنكر الفراء والمبرد والزجاج هذا القول.

فقال الفراء: ترفع السورة بإضمار هذه سورة أنزلناها.

ولا ترفعها (٢) (٣) والنكرة (٤) (٥) (٦) (٧) وقال المبرّد: ﴿ سُوَرُةُ ﴾ رفع على خبر الابتداء، لا على الابتداء لأنَّها نكرة، وتأويله: هذه سورة أنزلناها، ونظير ذلك قولك: رجلٌ والله، أي هذا رجلٌ، وذلك إذا قلت: خير، عند قول القائل: ما أمرك؟

فإنما التقدير: هو خير، أو: أمري خير.

وذلك قول القائل عند شدة البرد والحر: برد شديد وحر شديد (٨) وقال الزَّجاج: وجه الرفع: هذه سورة أنزلناها.

ورفعها بالابتداء قبيح، لأنها نكرة و ﴿ أَنْزَلْنَاهَا ﴾ صفة لها (٩) قوله ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد (١٠) قال أبو إسحاق: من خفف فمعناها: ألزمناكم العمل بما فرض فيها.

ومن قرأ بالتشديد فهو على التكثير على معنى: إنما فرضنا فيها فروضًا.

ويجوز أن يكون على معنى: بينَّا وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام (١١) وذكرنا معنى الفرض في اللغة عند قوله ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ  ﴾ .

وقال أبو علي: معنى ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ فرضنا فرائضها أي الفرائض المذكورة فيها (١٢) ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ  ﴾ ، والمعنى: أحكام القرآن وفرائض القرآن، كما أن التي في هذه السورة كذلك.

والتثقيل في ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ لكثرة ما فيها من الفرائض (١٣) قال ابن عباس في رواية مجاهد في قوله ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ : بيناها (١٤) (١٥) وهو قول مقاتل (١٦) وقال مجاهد: ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ يعني الأمر بالحلال والنهي عن الحرام (١٧) وهذا يعود إلى معنى: أوجبناها.

ويجوز أن تكون بمعنى التبيين.

والنكتة في التفسير ما ذكره أبو علي من أن هذا من باب حذف المضاف (١٨) (١) قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 63.

وقول الأخفش ذكره الثعلبي 3/ 66 ب.

ولم أجد قوله هذا في كتاب "معاني القرآن".

وجوز ابن عطيَّة في "المحرر" 10/ 414، وتبعه أبو حيَّان في "البحر" 6/ 427، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 377 أن تكون "سورة" رفعًا بالابتداء وقوله "أنزلناها" صفة لها، قال السمين: وذلك هو المسوِّغ للابتداء بالنكرة.

وفي الخبر عند هؤلاء وجهان: أحدهما -وهو قول ابن عطية-: أن الخبر هو الجملة من قوله "الزانية والزاني" وما بعدها، والمعنى: السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا.

الثاني: الخبر محذوف مقدم، أي: فيما يتلى عليكم سورة، أو فيما يوحى إليك سورة، أو فيما أنزلنا سورة.

قاله أبو حيان والسمين.

(٢) في (ظ)، (ع): (ولا ترفع)، والمثبت منه (أ)، "معاني القرآن" للفراء.

(٣) في (أ): (وذكرها).

(٤) عند الفراء: وقبح تقديم النكرة قبل خبرها أنها توصل ثم يخبر عنها.

(٥) (رجل) ساقطة من (ع).

(٦) في (ظ)، (ع): (إذا).

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 244 مع اختلاف وتصرّف.

(٨) ذكره القرطبي في "تفسيره" 12/ 158 عن المبرد باختصار.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 27.

وفيه: فأما ارفع فعلى إضمار هذه سورة.

وقد تقدّم ذكر قول السمين في بيان المسوّغ للابتداء بالنكرة.

(١٠) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (وفرَّضْناها) بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف (وفَرَضْناها).

انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 452، و"التيسير" للداني ص 161 و"الغاية" للنيسابوري ص 217، و"النشر" لابن الجزري 2/ 330.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 27 والعبارة فيه: ومن قرأ بالتشديد فعلى وجهين، أحدهما على معنى أنا فرضنا ..

، وعلى معنى بينا وفضَّلنا.

(١٢) هذا الكلام المعترض من كلام الواحدي.

وقد تقدم ذكر قول السمين في بيان المسوّغ للابتداء بالنكرة.

(١٣) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 309 مع تقديم وتأخير.

وقيل التشديد للمبالغة في الإيجاب وتوكيدًا.

وانظر في توجيه القرائتين أيضًا: "علل القراءات" للأزهري 2/ 445، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 98، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 494، "البحر المحيط" 6/ 427، و"الدر المصون" 8/ 379.

(١٤) بيناها: ساقطة من (ع).

وبدلًا منها: يعني الأمر.

وهو انتقال نظر من الناسخ.

(١٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 5 ب من طريق مجاهد عن ابن عباس به.

وانظر: "تغليق التعليق" 4/ 263 - 264 ورواه الطبري في "تفسيره" 18/ 66 من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، به.

(١٦) "تفسير مقاتل" 2/ 34 أ.

(١٧) رواه الطبري 18/ 65، وابن أبي حاتم 7/ 6 أ، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 124 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(١٨) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 309.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا ﴾ السورة خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره فيما أنزل عليكم سورة، وأنزلناها صفة للسورة، ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ : أي فرضنا الأحكام التي فيها وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فَرّضناها بالتشديد للمبالغة ﴿ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ يعني ما فيها من المواعظ والأحكام والأمثال، وقيل: معنى بينات هنا ليس فيها مشكل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فرضناها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ ورأفة ﴾ بفتح الهمزة: ابن كثير عن ابن فليح ورفعه الباقون بالإسكان وكلاهما مصدر.

وكذلك روى الخزاعي عن أصحابه، وروى ابن شنبوذ عن البزي ههنا وفي الحديد متحركة الهمزة، وعن قنبل ههنا بالفتح وفي الحديد بالسكون.

وقرأ أبو عمر وغير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف بغير همز ﴿ أربع شهادات ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون بالنصب على إعمال المصدر فيما في حكم المصدر والتقدير فواجب شهادة أحدهم شهادات أربعاً ﴿ أن ﴾ مخففة ﴿ لعنة الله ﴾ بالرفع: نافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون بالتشديد والنصب ﴿ والخامسة ﴾ الثانية بالنصب: حفص على معنى وتشهد الشهادة الخامسة.

﴿ أن ﴾ مخففاً ﴿ غضب ﴾ فعلاً ماضياً ﴿ الله ﴾ بالرفع: نافع والمفضل ﴿ أن ﴾ بالتخفيف ﴿ غضب الله ﴾ بالرفع: سهل ويعقوب.

الباقون ﴿ أن غضب الله ﴾ بالتشديد والنصب.

الوقوف: ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جلدة ﴾ ص ﴿ الآخر ﴾ ه للعدول واعتراض الشرط مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ مشركة ﴾ ه للتفصيل بين الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ مشرك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ ج للفاء وإن ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعده جواب لما في حكم القسم ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر رسول الله  في خاتمة السورة المتقدمة بطلب المغفرة والرحمة وطلبه يستلزم مطلوبة لا محالة بدليل سل تعط، أردفه بذكر ما هو اصل كل رحمة ومنشأ كل خير فقال ﴿ سورة ﴾ أي هذه سورة ﴿ أنزلناها وفرضناها ﴾ أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها.

وقرئ بالنصب على "دونك سورة" أو "اتل سورة" أو على شريطة التفسير.

وعلى هذا لا يكون لقوله ﴿ أنزلناها ﴾ محل من الإعراب لأنها ليست بصفة وإنما هي مفسرة للمضمر فكانت في حكمه.

ومعنى إنزال الوحي قد سلف في أول البقرة.

والفرض القطع والتقدير: ولا بد من تقدير مضاف لأن السورة قد دخلت في الوجود فلا معنى لفرضها فالمراد: فرضنا أحكامها التي فيها.

ومن شدد فللمبالغة أو للتكثير ففي أحكام هذه السورة كثرة.

ويجوز أن يرجع معنى الكثرة إلى المفروض عليهم فإنهم كل المكلفين من السلف والخلف.

وأما الآيات البينات فإنها دلائل التوحيد التي يذكرها الله  بعد الأحكام والحدود ويؤيده قوله ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكرها بخلاف دلائل التوحيد فإنها كالمعلومة لظهورها فيكفي فيها التذكر.

وقال أبو مسلم: هي الحدود والأحكام أيضاً ولا بعد في تسميتها آيات كقول زكريا ﴿ رب اجعل لي آية  ﴾ سأل ربه أن يفرض عليه عملاً.

وقال القاضي: أراد بها الأشياء المباحة المذكورة في السورة بينها الله  لأجل التذكر.

فمن جملة الأحكام حكم الزنا.

قال الخليل وسيبويه: رفعهما على الابتداء والخبر محذوف ولا بد من تقدير مضاف اي فيما فرض عليكم جلد الزانية والزاني، أو فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني وقال آخرون: الخبر ﴿ فاجلدوا ﴾ والفاء لتضمن معنى الشرط فإن الألف واللام بمعنى الموصول تقديره: التي زنت والذي زنى فاجلدوا.

وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من نصب ﴿ سورة أنزلناها ﴾ لأجل الأمر فإن الطلب من مظان الفعل والجلد ضرب الجلد كما يقال "رأسه" أي ضرب رأسه وكذلك في سائر الأعضاء بعد ثبوت السماع، وفيه إشارة إلى أن إقامة هذا الحد ينبغي لأأن يكون على الاعتدال بحيث لا يتجاوز الألم من الجلد إلى اللحم.

فعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلاً عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب.

فالرجل يجلد قائماً على تجرده ليس عليه إزاره ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيناً على الأعضاء كلها إلا الوجه والفرج، والمرأة تجلد قاعدة ولا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو.

والصحيح أن الزنا من الكبائر ولهذا قرنه الله تعالى بالشرك وقتل النفس في قوله ﴿ ولا يزنون  ﴾ وقد وفى فيه عقد المائة بكماله بخلاف حدّ القذف وشرب الخمر وشرع فيه الرجم الذي هو أشنع أنواع القتل، ونهى المؤمنين عن الرأفة بهما وأمر بشهود طائفة للتشهير.

وعن النبي  "اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.

فأما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب والخلود في النار" واعلم أن البحث في هذه الآية يقع عن أمور أحدها عن ماهية الزنا، وثانيها عن أحكام الزنا، وثالثها في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً لتلك الأحكام، ورابعها في الطريق الذي به يعرف حصول الزنا، وخامسها عن كيفية إقامة هذا الحد الأول.

قد حده علماء الشافعية بأنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً.

قالوا: فيدخل فيه اللواطة لأنها مثل الزنا صورة وذلك ظاهر لحصول معنى الانفراج في الدبر ايضاً، ومعنى لأنهما يشتركان في المعاني المتعلقة بالشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل، ولذلك لا يفرق أهل الطبائع بين المحلين.

والأكثرون على أن اللواط لا يدخل تحت الزنا للعرف ولهذا، لو حلف لا يزني فلاط أو بالعكس لم يحنث، ولأن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط مع كونهم عالمين باللغة.

وما روى عن أبي موسى الأشعري أنه  قال "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" محمول على اشتراكهما في الإثم بدليل قوله أيضاً "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" وقوله "اليدان تزنيان والعينان تزنيان" والقياس المذكور بعيد لأنه لا يلزم من تسمية القبل فرجاً.

لانفراجه أن يسمى كل منفرج كالفم والعين فرجاً.

واعلم أن للشافعي في اللائط قولين أصحهما أن عليه حد الزنا إن كان محصناً فيرجم، وإن لم يكن محصناً فيجلد ويغرب.

والثاني قتل الفاعل والمفعول.

والقتل إما بجز الرقبة كالمرتد، أو بالرجم وهو قول مالك وأحمد وإسحق، أو بالهدم عليه.

ويروى عن أبيّ: أو بالرمي من شاهق.

ويروى عن علي  وذلك أن قوم لوطٍ عذبوا كل هذه الوجوه قال عز من قائل ﴿ جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل  ﴾ وأما المفعول فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكروهاً فلا حد عليه ولا مهر لأن بضع الرجل لا يتقوَّم، وإن كان مكلفاً طائعاً فهو كالفاعل في الأقوال وإن أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط وحكمه ما مر، وقيل زناً لأنه وطء أثنى فأشبه الوطء في القبل، وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح.

ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه وبالجملة جميع ذلك مما ذهب إليه الشافعي.

وقال أبو حنيفة: إن الائط لا يحدّ بل يعزر.

حجة الشافعي خبر أبي موسى الأشعري.

فإِنه يدل على اشتراك اللواط والزنا في الاسم والحقيقة لا أقل من اشتراكهما في اللوازم.

وأيضاً إنه  قال "من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل منهما والمفعول به" وقال صلى الله عيه وسلم "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس" وليس اللواط من قبيل الثاني والثالث فهو من الأول.

وأيضاً قاس اللواط على الزنا بجامع كون الطبع داعياً إليه فيناسب الزاجر.

وفرق بأن الزنا أكثر وقوعاً وكان الاحتياج فيه إلى الزاجر اشد، وبأن الزنا يقتضي فساد الأنساب دون اللواط، وألغى الفرق بوطء العجوز الشوهاء.

حجة أبي حنيفة أنه وطء لا يتعلق به المهر فلا يتعلق به الحد وضعف بفقد الجامع قال: إنه لا يساوي الزنا في الحاجة على شرع الحد لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول طبعاً، ولأنه ليس فيه إضاعة النسب.

وأجيب بأن الإنسان حريص على ما منع، فلو لم يشرع الحد شاع اللواط وأدى إلى إضاعة النسب بل إلى إفناء الأشخاص وانقطاع طريق التوالد والتناسل.

وللشافعي في إتيان البهيمة أقوال: أحدهما أنه كالزنا في أحكامه، وثانيها القتل مطلقاً لما روي عن ابن عباس أن رسول الله  قال " من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟

قال: لأنه كره أن يؤكل لحمها.

وأصحها وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد والثوري أن عليه التعزير لأنه غير مشتهي طبعاً.

والحديث ضعيف الإسناد وبتقدير صحته معارض بما روي أنه  نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله.

ولا خلاف في أن السحق وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها إلا التعزير.

البحث الثاني قد مر في أول سورة النساء أن حكم الزاني في أوائل الإسلام كان الحبس في البيوت في حق الثيب، والإيذاء بالقول في حق البكر، ثم نسخ بآية الزنا وبقوله  : "الثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائه وتغريب عام" والخوارج أنكروا الرجم لأنه لا ينتصف وقد قال  ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب  ﴾ ولأنه تعالى أطنب في أحكام الزنا بما لم يطنب في غيره، فلو كان الرجم مشروعاً لكان أولى بالذكر، ولأن قوله ﴿ الزانية والزاني ﴾ يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة وإيجاب الرجم على البعض يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

وجمهور المجتهدين خالفوهم في ذلك فأجابوا عن الأول بأن الرجم حيث لم ينتصف لم يشرع في حق العبد فخصص العذاب بغير الرجم للدليل العقلي.

وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدد المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات.

وعن الثالث بأن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا لأن القرآن وإن كان قاطعاً في متنه إلا أن العام غير قاطع الدلالة فأمكن تخصيصه بالدليل المظنون.

سلمنا إلا أن الرجم ثبت بالتواتر رواه ابو بكر وعمر وعلي  م وجابر والخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة.

وما نقل عن علي أنه جمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود محمول على مثل ما روي عن النبي  أن رجلاً زنى بامرأة فأمر به النبي  فجلد، ثم أخبر النبي  أنه كان محصناً فأمر به فرجم.

وقوله  "الثيب بالثيب جلد مائة" ورجم بالحجارة متروك العمل بما روي في قصة العسيف أنه قال: يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.

ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره.

وأن قصة ما عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم وكذا قصة الغامدية.

وروى الزهري بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله  فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله  وقد قرأنا "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" فرجم النبي  ورجمنا بعده.

فأخبر أن الذي فرضه الله  هذا الرجم ولو كان الجلد واجباً مع الرجم لذكره.

قال الشافعي: يجمع بين الجلد والتغريب في حد البكر.

وقال أبو حنيفة: يجلد.

وأما التغريب فمفوَّض إلى راي الإمام.

وقوله  "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وكذا ما يروى عن الصحابة أنهم جلدوا ونفوا منسوخ أو محمول على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب.

وقال مالك: يجلد الرجل ويغرب وتجلد المرأة بلا تغريب.

حجة الشافعي حديث عبادة "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وقد ورد مثله في قصة العسيف.

حجة أبي حنيفة أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد.

بيانه أن إيجاب الجلد مرتب على الزنا بالفاء التي هي للجزاء، ومعنى الجزاء كونه كافياً في ذلك الباب منه قوله  "يجزيك ولا يجزي أحداً بعدك" وإيجاب شيء آخر غير الجلد يقتضي نسخ كونه كافياً ولو كان النفي مشروعاً لوجب على النبي  توقيف الصحابة عليه عند تلاوة هذه الآية ولو فعل لاشتهر.

وقد روى أبو هريرة "أن النبي  قال في الأمة إذا زنت فاجلدها فإن زنت فاجلدها فإن زنت فبعها" والاستدلال به أنه لم يذكر النفي مع الجلد ونظيره ما روي أن شيخاً وجد على بطن جارية، فأتي به إلى النبي  فقال: اجلدوه مائة.

فقالوا: إنه اضعف من ذلك.

فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها خلوا سبيله.

لا يقال: إنه إنما لم ينفه لأنه كان عاجزاً عن الحركة لأنا نقول: كان ينبغي أن يأمر له بدابة يركبها.

ولا يقال: لعله كان ضعيفاً عن الركوب أيضاً لأنا نقول: القادر على الجماع كيف لا يقدر على الاستمساك.

وأيضاً الأمر بالنفي لو كان مشروعاً لزم في حق العبد الإضرار بسيده في مدة غيبته، وفي حق المرأة الإضرار بزوجها، وكذا لمن يؤمر أن يكون معها من محارمها أو من النسوة الثقاة مع انفتاح باب الزنا عليها في الغربة، لهذا روي عن علي  أنه قال في البكرين: إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان فإن نفيهما من الفتنة.

وعن ابن عمر أن امرأة زنت فجلدها ولم ينفها.

وأيضاً النفي نظير القتل لقوله  ﴿ اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ فإذا لم يشرع القتل في حد البكر وجب أن لا يشرع نظيره وهو التغريب.

وأجيب بأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب الجلد مع إيجاب التغريب وبين إيجابه مع نفي التغريب فلا إشعار في الاية بأحد القسمين إلا أن عدم التغريب موافق للبراءة الأصلية.

فإيجابه بخبر الواحد لا يزيل إلا محض البراءة فلا يلزم نسخ القرآن به وهو قول الأدباء إن الجزاء سمي جزاء لأنه كافٍ في الشرط لا يصلح حجة في الأحكام.

ولا استبعاد في عدم اشتهار بعض الأحكام كأكثر المخصصات والأخبار الواردة في نفي التغريب معارضة بما روى أبو علي في جامعة أنه  جلد وغرّب.

ولا بعد في أن يكون القادر على الزنا عاجزاً عن الاستمساك على الدابة والإضرار بالسيد قد يجوز للضرورة كالعبد المرتد يقتل، وعلى هذا يغرّب نصف سنة على الأصح لأنه يقبل التنصيف.

وقيل: سنة كاملة لأن التغريب للإِيحاش وهذا معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء والعنة.

وأما المرأة فلا تغرّب وحدها لقوله  "لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم" فإن تبرع المحرم أو نسوة ثقاة فذاك وإلا أعطي أجرتهم من مالها أو من بيت المال فيه قولان، وتنتفي التهمة حينئذ مع أن أكثر الزنا إنما يقع بالألف والمؤانسة وفراغ القلب، وفي التغريب الأغلب هو الوحشة والتعب.

وأما أن النفي يشبه القتل فمسلم من بعض الوجوه لا من كلها.

واعلم أن قولنا ﴿ الزانية والزاني ﴾ إما مطلق دال على الجنسين المنافيين لجنس العفيفة والعفيف أو عام يشمل كل ما اتصف بهذه الفعلة الشنعاء فلا بد من تقييد أو تخصيص وهو البحث الثالث فتقول: أجمعت الأمة على أنه لا بد فيه من العقل والبلوغ فلا حد على مجنون ولا على صبي لأنهما ليسا من أهل التكليف.

هذا في غير الرجم وأما في الرجم فلا بد من شروط أخر منها: الحرية بالإجماع.

ولا فرق بين القن والمدبر والمكاتب والمستولدة وحر البعض، والسبب أن الحرية توسع طريق الحلال لأن الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيد.

ولا يجوز له أن ينكح إلا امرأتين، وجناية من ارتكب الحرام مع اتساع طريق الحلال أغلظ.

ومنهما الإصابة في نكاح صحيح وقد يعبر عن هذا الشرط بشرطين: أحدهما التزويج بنكاح صحيح، والآخر الدخول.

وكيفما كان فوجه الاعتبار أنه قضى الشهوة واستوفى اللذة فحقه أن يمتنع من الحرام.

ويكفي في الإصابة تغيب الحشفة بلا إنزال، ولا يقدح وقوعها في حالة الحيض والإحرام وعدة الوطء بالشبهة، ولا يحصل الإحصان بالإصابة في ملك اليمين كما لا يحصل التحليل.

وفي الإصابة بالشبهة وفي النكاح الفاسد قولان: أحدهما أنه يفيد الإحصان لأن الفاسد كالصحيح في العدة والنسب، وأصحهما المنع لأن الفاسد لا أثر له في إكمال طريق الحلال.

وهل يشترط أن تكون الإصابة في النكاح بعد التكليف والحرية؟

الأصح عند إمام الحرمين لا، فإنه وطء يحصل به التحليل فكذا الإحصان.

والأرجح عند معظم الأصحاب نعم، لأن شرط الإصابة أن تحصل بأكمل الجهات وهو النكاح الصحيح فيعتبر حصولها من كامل، وعلى هذا فهل يشترط كمال الواطئين جميعاً؟

قال أبو حنيفة: نعم وهو أحد قولي الشافعي فلو كان أحدهما كاملاً دون آخر لم يصر الكامل محصناً ايضاً.

وقال الشافعي في اصح قولية: لا بل لكل منهما حكم نفسه.

ومنها الإسلام عند أبي حنيفة لقوله  "من أشرك بالله فليس بمحصن" دون الشافعي لقوله  "إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ولحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي  رجم يهوديين زنيا.

فلو حكم بشرعه فظاهر، ولو حكم بشريعة من قبله فقد صار شرعاً له، ولأن زنا الكافر مثل زنا المسلم في الحاجة إلا الزاجر ولهذا قلنا: إذا أقر الذمي بالزنا أقيم عليه الحد جبراً بخلاف الشرب فإنه لا يعتقد تحريمه.

ومما احتج به لأبي حنيفة أن النعمة في حق المسلم أعظم فكانت جنايته أغلظ كقوله ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ وعورض بأن الإسلام من كسب العبد.

وزيادة الخدمة إن لم تكن سبباً للعذر فلا أقل من أن لا تكون سبباً لزيادة العقوبة.

قالوا: إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع فكذا إحصان الرجم والجامع كمال النعمة.

وأجيب بأن حد القذف لرفع العار كرامة للمقذوف والكافر لا يكون محلاً للكرامة وصيانة للعرض.

والجواب عن الحديث بأنا لا نسلم أن الذمى مشرك، سلمنا لكن الإحصان قد يراد به التزويج كقوله ﴿ فإذا أحصن  ﴾ والذمي الثيب محصن بهذا التفسير فوجب رجمه لقوله  "وزنا بعد إحصان" وبقوله "عليهم ما على المسلمين" قال بعض أهل الظاهر: عموم قوله ﴿ الزانية والزاني ﴾ يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة إلا أنه ورد النصب بالتنصيف في حق الأمة، فلو قسنا العبد عليها لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس.

ومنهم من قال: الأمة إذا تزوّجت فعليها خمسون لقوله ﴿ فإذا أحصن  ﴾ أي تزوّجن ﴿ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات  ﴾ فإذا لم تتزوّج فعليها المائة لعموم قوله ﴿ الزانية ﴾ واتفاق الجمهور على حذف هذين.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: الذمي يجلد للعموم ولأنه  رجم يهوديين فالجلد أولى.

وقال مالكك لا يجلد بناء على أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع.

البحث الرابع في طريق معرفة الزنا وأنه ثلاثة: الأول أن يراه الإمام بنفسه فيجيء الخلاف في أن القاضي هل له أن يقضي بعلمه أم لا؟

رجح كلاً مرجحون.

وجه القضاء أنه يقضي بالظن وذلك عند شهادة شاهدين فلأن يقضي بالعلم أولى.

ووجه عدم القضاء أن فيه تهمة والتهمة تمنع القضاء ولهذا لا يقضي القاضي لولده ووالده.

وهذا الوجه في حدود الله تعالى ارجح لأن الحاكم فيه مأمور بالستر ولهذا "قال النبي في قضية اللعان لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها" ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في زمان ولايته ومكانها أو في غيرهما.

وعن أبي حنيفة أنه إن حصل العلم فيهما قضى بعلمه وإلا فلا.

الطريق الثاني الإقرار ويكفي عند الشافعي مرة واحدة.

وقال أبو حنيفة: لا بد من أربع مرات في أربع مجالس.

وجوّز أحمد أن يكون المجلس واحداً.

حجة الشافعي قصة العسيف "فإن اعترفت فارجمها" والقياس على الإقرار بالقتل والردة مع أن الصارف عن الإقرار بالزنا قويّ وهو العار في الحال والقتل أو الألم الشديد في المآل، فالإقدام على الإقرار مع هذا الصارف لا يكون إلا عن صدق ويقين.

حجة ابي حنيفة قصة ما عز وإعراضه  عنه مرات حتى قال أبو بكر له بعدما أقر ثلاث مرات: لو اقررت الرابعة لرجمك رسول الله  والقياس على الشهادة.

وأجيب بأنه لا منافاة بين القضيتين فإن الأولى محمولة على أقل المراتب، والثانية على كمالها.

والفرق أن المقذوف لو اقر بالزنا مرة سقط الحد عن القاذف، ولو شهد اثنان بزناة لم يسقط.

الطريق الثالث الشهادة وأجمعوا على أنه لا بد من شهود اربعة من الرجال لقوله  ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولقوله ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ والشهادة على الإقرار بالزنا كالشهادة على الزنا في أنه لا بد من شهود اربعة.

وفي قول يكفي فيه اثنان لأن الفعل مما يعسر الاطلاع عليه فلزم الاحتياط فيه باشتراط الأربعة والإقرار أمر ظاهر فيكفي فيه رجلان.

البحث الخامس: أجمعت الأمة على أن المخاطب بقوله ﴿ فاجلدوا ﴾ هو الإمام حتى احتجوا به على وجوب نصب الإمام فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقال الشافعي: السيد يملك إقامة الحد على مملوكه وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يملك.

حجة الشافعي أنه  قال "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" وعن أبي هريرة أنه  قال "ذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" وحمل الأول على رفع القضية إلى الإمام حتى يقيموا عليهم الحدود، وحمل الثاني على التعزير خلاف الظاهر.

وأيضاً إن ولاية السيد على العبد فوق الولاية بالبيعة فكان أولى.

وأيضاً الإجماع على أن السيد يملك التعزير مع أنه في محل الاجتهاد فلأن يملك الحد مع التنصيص عليه أولى.

حجة أبي حنيفة في قوله ﴿ فاجلدوا ﴾ الخطاب للأمة بالتفاق ولم يذكر فرق بين الأحرار المحدودين وبين العبيد.

وأيضاً لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود وليس له ذلك بالتفاق لأنه ليس لأحد أن يحكم لنفسه.

وأيضاً المالك في محل التهمة لأنه قد يشفق على ملكه فلا يستوفى الحد.

أجابت الشافعية بأن عدم ذكر الفرق لا يدل على عدم الفرق مع أن الكلام في جواز إقامة السيد الحد لا في وجوبه.

فالإمام يملك حد العبد في الجملة وذلك كافٍ في بقاء الآية على عمومها.

وعن الثاني بأن للشافعي في القطع والقتل قولين: أحدهما يجوز لما روي أن ابن عمر قطع عبداً له سرق.

وثانيهما لا، وهو قول مالك أن القطع للإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك جنس الجلد وهو التعزير.

وفي سماع المولى الشهادة ايضاً وجهان: فإذا فقد الإمام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود بل ينبغي أن يعينوا واحداً من الصلحاء ليقوم بها، وفي الخارجي المتغلب خلاف.

البحث السادس في كيفية إقامة الحد: إنه  قد أشار إلى أن هذا الحد يجب أن لاي كون في غاية العنف بلفظ الجلد كما مر، وإلى أنه يجب أن لا يكون في غاية الرفق بقوله ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ وذلك إما بأن يترك الحد راساً، أو ينقص شيء منه، أو يخفف بحيث لا يحس الزاني بالألم.

وفي معناه أن يفرق على الأيام كأن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين، وإن ضرب كل يوم عشرين مثلاً كان محسوباً لحصول التكليف.

والأولى أن لا يفرق وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ قال الجبائي: فيه دلالة على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان لأن التقدير: إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود.

وأجيب بأن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه وأن ذلك يوجب ترك إقامة الحد، وحينئذ يكون منكراً للدين فلهذا يخرج من الإيمان.

وفي الحديث "يؤتي بوال نقص من الحد سوط فيقال له: لم فعلت ذاك؟

فيقول: رحمة لعبادك.

فيقول له: أنت أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار" روى أبو عثمان النهدي قال: أتي عمر برجل في حد، ثم جيء بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا.

فأتي بسوط فيه لين فقال: أريد اشد من هذا.

فأتي بسوط بين السوطين.

وروي أن أبا عبيدة بن الجراح أتي برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه وقال: ماينبغي لجسد هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص.

فقال أبو عبيدة: لا تدعوه ينزع قميصه وضربه عليه.

ولا خلاف في أن المرأة لا يجوز تجريدها بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف ويلي ذلك منها امرأة.

وجوّز الشافعي الضرب على الرأس لما روي أن أبا بكر قال: اضرب على الرأس فإن الشيطان فيه.

وقال أبو حنيفة: حكم الراس حكم الوجه لأن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس وفي الوجه واحد، وأما في سائر البدن فلا يجب إلا الحكومة.

وأيضاً إن ضرب الرأس يوجب في الأغلب ظلمة البصر ونزول الماء واختلاط العقل كالوجه فإنه ايضا عرضة للآفات وفيه الأعضاء الشريفة اللطيفة.

وللشافعي أن يقول: إنما يحترم الوجه لما جاء في الحديث "إن الله  خلق آدم على صورته" وهذا المعنى مفقود في الرأس.

ولتكن إقامة الحد في وقت اعتدال الهواء إلا إذا كان رجماً فإن المقصود - وهو قتله - لا يتفاوت بذلك.

ولهذا يرجم المريض أيضاً في مرضه.

وقيل: إن كان مرضاً يرجى برؤه يؤخر كما في الجلد لأنه ربما يرجع عن إقراره في حال الرجم وقد أثر الرجم في بدنه فتعين شدة الحر والبرد مع المرض على إهلاكه، وهذا بخلاف ما ثبت بالبينة فإنه لا يسقط.

وفي الجلد إن كان المرض مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة فلا يؤخر سواء زنى في حال الصحة أو حال المرض ولكن لا يضرب بالسياط عند الشافعي، لأن المقصود ليس موته بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ كما روي أن مقعداً اصاب امرأة فأمر النبي  فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة.

والأثكال والعثكال الغصن الذي عليه فروع خفيفة من النخل أو من غيره.

وعند أبي حنيفة يضرب بالسياط.

ثم إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك وقع به بعض الحد أو لم يقع وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحق، لأن "ماعزاً لما مسته الحجارة هرب فقال  :هلا تركتموه" .

وعن الحسن وابن أبي ليلى وداود أن لا يقبل رجوعه.

ويحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها، ولا يحفر للرجل كما في حق ماعز إذ لو كان في الحفرة لم يمكنه الهرب.

ولما روى أبو سعيد الخدري في قصته "فما أوثقناه ولا حفرنا له".

وإذا مات الزاني في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.

ومن تغليظات حد الزنا قوله  ﴿ وليشهد ﴾ ظاهره أمر للوجوب إلا أن الفقهاء أجمعوا على أن حضورالجمع مستحب والمقصود إعلان إقامة الحد لما فيه من مزيد الردع، ولما فيه من دفع التهمة عمن يجلد.

وفي لفظ العذاب دليل على أنه عقوبة لا استصلاح إلا أن يراد بالعذاب ما يمنع من المعاودة كالنكال وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ ولهم عذاب عظيم  ﴾ ومعنى الطائفة قد مر في التوبة.

فقال النخعي ومجاهد: هي في الآية واحد.

وعن عطاء وعكرمة اثنان.

وعن الزهري وقتادة ثلاثة.

وقال ابن عباس والشافعي: اربعة بعدد شهود الزنا.

وعن الحسن عشرة لأنها أول عقد.

وجوّز ابن عباس إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله.

وحضور الإمام والشهود ليس بلازم عند الشافعي ومالك لأنه  لم يحضر رجم ماعز والغامدية.

وقال أبو حنيفة: إن ثبت بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم الإمام ثم الناس وإن ثبت بإقراره بدأ الإمام ثم الناس.

ثم ذكر شيئاً من خواص الزناة فقال: ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ وهو خبر في معنى النهي كقراءة عمرو بن عبد ﴿ لا ينكح ﴾ بالجزم.

ويجوز أن يكون خبراً محضاً على معنى أن عادتهم جارية بذلك.

وفي الآية أسئلة: الأول: كيف قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وعكس الترتيب في هذه؟

والجواب أن تلك الاية مسبوقة لبيان عقوبتهما على جنياتهما وكانت المرأة أصلاً فيها لأنها هي التي أطمعت الرجل في ذلك.

وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل هو الأصل في الرغبة والخطبة.

والثاني: ما الفرق بين الجملتين في الآية؟

والجواب معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر، ومعنى الثانية صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة وهما معنيان مختلفان لأنه لا يلزم عقلاً من كون الزاني كذلك أن يكون حال الزانية منحصرة في ذلك فأخبره الله  بالجملة الثانية عن هذا الانحصار.

الثالث أنا نرى الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف، وايضاً المؤمن قد يحل له التزوج بالمرأة الزانية.

الجواب للمفسرين فيه وجوه.

أحدها وهو الأحسن قول القفال: إن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد منه الأعم الأغلب، وذلك أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة لا يرغب في نكاحها الصلحاء في الأغلب وإنما يرغب فيها أشكالها من الفسقة أو المشركين نظير هذا الكلام قول القائل "لا يفعل الخير إلا الرجل التقي".

وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي.

وأما المحرم على المؤمنين فصرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات لانخراطهم بسبب هذا الحصر في سلك الفسقة المتسمين بالزنا.

الوجه الثاني أن الألف واللام في قوله ﴿ الزاني ﴾ وفي قوله ﴿ المؤمنين ﴾ للعهد.

روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة أنه قدم المهاجرون المدينة وليست لهم أموال ولا عشائر وبها نساء يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ولكل واحدة منهن علامة على بابها لتعرف بها وكان لا يدخل عليها إلا زانٍ أو مشرك، فرغب فيهن ناس من فقراء المسلمين وقالوا: نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن.

فاستأذنوا رسول الله  فنزلت الآية.

والتقدير: أولئك الزواني لا ينكحون إلا تلك الزانيات، وتلك الزانيات لا ينكحها إلا أولئك الزواني، وحرم نكاحهن بأعيانهن على المؤمنين.

الوجه الثالث أن هذا خبر في معنى النهي كما مر.

وهكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام.

ثم قيل: إن ذلك الحكم باقٍ إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزويج بالعفيفة والعفيف وبالعكس.

ويقال: هذا مذهب ابي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة.

ثم في هؤلاء من يسوّي بين الابتداء والدوام فيقول: كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك إذا زنت تحته لا يحل له أن يقيم عليها.

ومنهم من يفصل لأن في جملة ما منع من التزوج مالا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة.

وقيل: إنه صار منسوخاً إما بالإجماع - وهو قول سعيد بن المسيب - وزيف بأن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وإما بعموم قوله ﴿ وأنكحوا الأيامى  ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم  ﴾ وهو قول الجبائي.

وضعف بأن ذلك العام مشروط بعدم الموانع السببية والنسبية وليكن هذا المانع أيضاً من جملتها.

وسئل ابن عباس عن ذلك فأجازه وشبه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه.

وعن النبي  أنه سئل عن ذلك فقال: "أوّله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال" الوجه الرابع قول أبي مسلم: إن النكاح محمول على الوطء وذلك إشارة إلى الزنا أي وحرم الزنا على المؤمنين.

قال الزجاج: هذا التأويل فاسد من جهة أن النكاح في كتاب الله لم يرد إلا بمعنى التزويج، ومن جهة أن يخرج الكلام عن الفائدة إذ لا معنى لقول القائل "الزاني لا يطأ إلا الزانية" حتى يكون وطؤه زناً، ولو أريد حين التزوج فالإشكال عائد لأن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها.

الحكم الثاني من أحكام السورة حد القذف والرمي قد يكون بالزنا وبغيره كالكفر والسرقة وشرب الخمر، إلا أن العلماء أجمعوا على أن المراد به في الآية هو الرمي بالزنا بالقرائن: منها تقدم ذكر الزنا، ومنها ذكر المحصنات وهن العفائف، ومنها قوله ﴿ لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ أي على صحة ما رموها به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا، والقذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان.

وألفاظ القذف تتقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول: يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك.

والأصح أن قوله "زنى بدنك" صريح لأن الفعل لكل البدن والفرج آلة.

والكناية أن يقول "يا فاسقة يا فاجرة يا خبيثة يا بنت الحرام أو امراة لا تردّ يد لامس" فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده.

وكذا لو قال العربي "يا نبطي الدار واللسان" وادعت أم المقول له أنه أراد القذف فالقول قوله مع يمينه.

والتعريض ليس بقذف كقوله "يا ابن الحلال" و "أما أنا فليست أمي بزانية" وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه.

وقال مالك: يجب الحد فيه.

وقال أحمد وإسحق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا لنا أن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ولهذا قال  "ادرؤا الحدود بالشبهات" والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الإيذاء الحاصل بالتعريض.

حجة المخالف ما روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر: والله ما أرى أبي بزانٍ ولا أمي بزانية.

فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل: مدح اباه وأمه.

وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا.

فجلده عمر ثمانين.

وإذا قذف شخصاً واحداً مراراً فإن اراد بالكل زنية واحدة كما لو قال مراراً؟زنيت بعمرو" لم يجب إلا حد واحد.

ولو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول عزر للثاني.

وإن أراد زنيات مختلفة كأن قال "زنيت بزيد وزنيت بعمرو" فالأصح تداخل الحدود لأنهما حدان من جنس واحد فصار كما لو قذف زوجته مراراً يكتفي بلعان واحد.

وإذا قذف جماعة بكلمات أو بكلمة واحدة كأن قال "يا ابن الزانيين" فعليه حدان لأنه قذف لكل واحد من أبويه، هذا هو الجديد من قولي الشافعي.

وعند أبي حنيفة لا يجب إلا حد واحد لأن قوله ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ معناه كل من رمى جماعة من المحصنات فاجلدوه ثمانين، ولأنه  قال الهلال بن أمية "أو حدّ في ظهرك" فلم يوجب عليه إلا حداً واحداً مع قذفه لامرأته.

ولشريك بن سحماء للقياس على من زنى مراراً أو شرب أو سرق مراراً والجامع رفع مزيد الضرر.

وأجيب بأن قوله ﴿ والذين ﴾ صيغة جمع وقوله ﴿ المحصنات ﴾ كذلك.

وإذا قوبل الجمع بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى: كل من رمى محصنة فاجلدوه.

وفيه أن رمي المحصنة علة الجلد فحيث وجدت وجد.

ولا شك أن هذه العلة موجودة عند رمي كل واحدة من المحصنات فيترتب عليها الجلد لا محالة.

وأما السنة فالإنصاف أن دلالتها على المطلوب قوية، وأما القياس فالفرق أن هذا الآدمي وتلك حدود الله  .

هذا كله هو البحث عن الرمي.

وأما البحث عن الرامي فنقول: لا عبرة بقذف الصبي والمجنون إلا في باب التعزير للتأديب إن كان لهما تمييز ولو لم يتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ.

قال القفال: يسقط التعزير لأنه كان للزجر.

والعقل زاجر قوي وإشارة الأخرس وكتابته قذف ولعان عند الشافعي قياساً على سائر الأحكام، ولأنه كافٍ في لحوق العار.

وعند ابي حنيفة لا يصح قذفه ولعانه لضعف تاثيرهما.

وإذا قذف العبد حراً فعليه أربعون جلدة قاله مالك والشافعي وابو حنيفة واصحابه على قانون قوله ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب  ﴾ وعند الشيعة ويروى عن علي  أنه يجلد ثمانين أخذاً بعموم الآية، ولهذا اتفقوا على دخول الكافر فيه حتى لو قذف اليهودي مسلماً جلد ثمانين.

ويستثنى من الرماة الأب أو الجد إذا قذف أولاده أو أحفاده فإنه لا يجب عليه الحد كما لا يجب عليه القصاص.

وأما البحث عن المرمي فالمحصنات العفائف لأنهن منعن فرجهن إلا من زوجهن وهي عامة إلا أن الفقهاء اعتبروا لكونها محصنة شرائط خمساً: الإسلام لقوله  "من أشرك بالله فليس بمحصن" والعقل والبلوغ لأن المجنون والصبي لا اهتمام لهما بدفع العار عن أنفسهما، والحرية لمثل ما قلناه، والعفة لأن الحد شرع لتكذيب القاذف فإذا كان صادقاً فلا معنى للحد حتى لو زنى مرة في عنفوان شبابه ثم تاب وحسنت حاله لم يحد قاذفه بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف فإنه يحد لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا.

ولو زنى بعد القذف وقبل إقامة الحد على القاذف سقط الحد عن قاذفه.

قال أبو حنيفة والشافعي لأن ظهور الزنا منه خدش ظن الإحصان به وقت القذف، ودل على أنه كان متصفاً به قبله كما روي أن رجلاً زنى في عهد عمر فقال: والله ما زنيت إلا هذه.

فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة.

وقال أحمد والمزني وأبو ثور: الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف.

ولفظ المحصنات لا يتناول الرجال عند جمهور العلماء إلا أنهم أجمعوا على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات والقذف بغير الزنا كأن يقول "يا آكل الربا" يا "شارب الخمر" يا "يهودي" يا "مجوسي" يا "فاسق" وكذا قذف غير المحصنين بالزنا لا يوجب الا التعزير، ولو كان المقذوف معروفاً بما ذكره فلا تعزير أيضاً.

واعلم أنه  حكم على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام: جلد ثمانين وبطلان الشهادة والحكم بفسقه إلى أن يتوب.

فذهب جمع من الأئمة كالشافعي والليث بن سعد إلى أنه رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفة بعضها على بعض بالواو وهو لا يفيد الترتيب، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة بالقذف مع عدم البينة سواء اقيم عليه الحد أم لا.

وقال مالك وأبو حنيفة واصحابه: شهادته مقبولة ما لم يحد فإذا استوفى لم تقبل شهادته.

وإنما ذهب إلى هذا نظراً إلى ظاهر الترتيب مع موافقته للأصل وهو كونه مقبول الشهادة ما لم يطرأ مانع ولقوله  "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف" أخبر ببقاء عدالته ما لم يحدّ.

أما الاستثناء في قوله ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ فإنه لا يرجع إلا الجملة الأولى اتفاقاً لأنه إذا عجز عن البينة وهو الإتيان بأربعة شهداء وجب عليه الجلد ولم يكن للإمام ولا للمقذوف أن يعفو عن القاذف لأنه خالص حق الله عز وجل، ولهذا لا يصح أن يصالح عنه بمال.

هذا قول أبي حنيفة وأصحابه.

وقال الشافعي: إذا عجز عن البينة وجب على الإمام وهو المخاطب بقوله ﴿ فاجلدوهم ﴾ أن يأمر بجلده وإن تاب لأن القذف وحده حق الآدمي والمغلب فيه حقه، فليس للإمام أن يعفو عنه.

ولا خلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وأن المراد أنهم محكوم عليهم بالفسق.

إلا أن تابوا.

بقي الخلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة المتوسطة، منشأ الخلاف مسألة أصولية هي أن الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض للجميع وهو مذهب الشافعية، أو للاخيرة وهو مذهب الحنفية، ويتفرع على مذهب الشافعي أن القاذف إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته فيكون الأبد مصروفاً إلى مدة كونه قاذفاً وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف.

ويتفرغ على مذهب أبي حنيفة أنه لم تقبل شهادته وإن تاب والأبد عنده مدة حياته.

وقوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ جملة مستأنفة عنده لا معطوفة لأنها خبرية وما قبلها طلبية، ولو سلم أنها معطوفة فالاستثناء يرجع إليها فقط.

قال صاحب الكشاف: حق المستثنى عند الشافعي أن يكون مجروراً بدلاً من هم في لهم، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً لأنه عن موجب.

قلت: حقه عند الإمامين أن يكون منصوباً لأن الاستثناء يعود عند الشافعي إلى الجملتين، ولا يمكن أن يكون الاسم الواحد معرباً بإعرابين مختلفين في حالة واحدة، لكنه يجب نصبه نظراً إلى الأخيرة فتعين نصبه نظراً إلى ما قبلها أيضاً، وإن جاز البدل في غير هذه المادة.

هذا وقد احتجت الشافعية أيضاً في قبول شهادة القاذف بعد التوبة بقوله  "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" وإذا كانت التوبة من الكفر والزنا والقتل مع غلظها مقبولة فلأن تقبل من القذف أولى.

وأيضاً إن أبا حنيفة يقبل شهادته قبل الحد فبعده وقد تاب وحسن حاله أولى.

وأيضاً الكافر يقذف فيتوب من الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب من القذف كان أولى بأن تقبل شهادته لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر.

لا يقال: المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لاشتهارهم بعداوتهم والطعن فيهم فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر عار حادث بخلاف ما لو قذفه مسلم.

وأيضاً الإيمان يجب ما قبله وبهذا لا يلزم الحد بعد التوبة من الكفر ويلزم بعد التوبة من القذف لأنا نقول: هذا الفرق ملغى في أهل الذمة لقوله  "لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" واحتجت الحنفية في عدم قبول شهادته بما روى ابن عباس في قصة هلال بن أمية يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ولم يشترط التوبة، ومثله قوله  "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف" ولم يذكر التوبة.

وروى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله  قال "لا تجوز شهادة محدود في الإسلام" والشافعية عارضوا هذه الحجج بوجوه: منها قوله  "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم يقبل كان عبثاً.

ومنها قوله نحن نحكم بالظاهر، وههنا قد ظهرت العفة والصلاح.

ومنها أن عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم ابو بكرة ونافع ونفيع ثم قال لهم: من أكذب نفسه قبلت شهادته.

فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا فكان يقبل شهادتهما.

وقد بقي في الآية مسائل.

الأولى: قال الشافعي: لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين.

وقال أبو حنيفة: إذا جاؤوا متفرقين لم يثبت وعليهم حد القذف كما لو شهد على الزنا أقل من أربعة.

حجة الشافعي أن الآتي بالشهداء متفرقين آتٍ بمقتضى النص واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية.

وأيضاً القياس على سائر الأحكام بل تفريقهم أولى لأنه ابعد عن التهمة والتواطؤ.

وكذلك يفعل القاضي في كل حكم سواه عند الريبة.

وايضاً لا يجب أن يشهدوا معاً في حالة واحدة بل إذا اجتمعوا عند القاضي ويقوم واحد بعد آخر ويشهد جاز فكذا إذا اجتمعوا على بابه ويدخل واحد بعد آخر.

حجة أبي حنيفة الشاهد الواحد لما شهد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد فخرج عن كونه شاهداً، ولا عبرة بتسميته شاهد إذا فقد المسمى فلا خلاص عن هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع، ونظيره ما روي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب اربعة: أبو بكرة ونافع ونفيع.

وقال زياد: وكان رابعهم: رايت رجليها على عاتقه كأذني حمار ولا أدري ما وراء ذلك.

فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر.

فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف في الحد للاحتياط.

الثانية: جوّز أبو حنيفة أن يكون زوج المقذوفة واحداً من الشهداء الأربعة وأباه الشافعي.

الثالثة: قال الشافعي: في أحد قوليه: إذا أتي بأربعة فساق فهم قذفه يجب عليهم الحد كما يجب على القاذف الأول.

وقال أبو حنيفة: لا حد عليهم ولا على القاذف لأنه أتى باربعة من أهل الشهادة إلا أن الشرع لم يعتبر شهادتهم، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك يجب اعتبارها في نفي الحد عنهم.

الرابعة: لا يكفي في الشهادة إطلاق الزنا لا بد ان يذكروا التي زنى بها وأن يذكروا الزنا مفصلاً مفسراً فيقولوا: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة أو كالرشا في البئر، ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم.

ولو أقر على نفسه بالزنا فهل يشترط التفسير والبيان؟

فيه وجهان: نعم كالشهود لا كالقذف.

الخامسة: قالوا: أشد الحدود ضرب الزنا ثم ضرب الخمر ثم القذف لأن سبب عقوبته يحتمل الصدق والكذب.

إلا أنه عوقب صيانة للأعراض.

السادسة: حد القذف يورث عند مالك والشافعي بناء على أنه حق الآدمي.

وقد قال  "من ترك حقاً فلورثته" والأصح أنه يرثه جميع الورثة.

وفي قول سوى الزوج والزوجة لأن الزوجية ترفع بالموت، ولأن لحوق العار بها أقل.

وعلى هذا القول اعتراض أبو حنيفة بأنه لو كان موروثاً لكان للزوج والزوجة فيه نصيب.

السابعة: إذا قذف إنسان إنساناً بين يدي الحاكم أو قذف امرأته برجل والرجل غائب فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قد قذفك وثبت لك حد القذف عليه كما لو ثبت له حق على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه، وبهذا المعنى بعث النبي  أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها.

قال الشافعي: وليس للإمام إذا رمى رجل بالزنى أن يبعث إليه فيساله عن ذلك لأن الله تعالى قال ﴿ ولا تجسسوا  ﴾ وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً كأن قال رجل بين يدي الحاكم: الناس يقولون إن فلاناً زنى: فلا يبعث الحاكم إليه فيساله.

الثامنة: قال الشافعي: توبة القاذف إكذابه نفسه.

وفسره الأصطخري بأن يقول: كذبت فيما قلت فلا أعود إلى مثله.

وقال أبو إسحق: لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى بل يقول: القذف باطل وندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه.

ولا بد من مضيّ مدة عليه في حسن الحال وهو المراد بقوله ﴿ واصلحوا ﴾ وقدّروا تلك المدة بسنة لأن مرور الفصول الأربعة كلها له تاثير في الطباع.

وأن الشارع جعل السنة معتبرة في الزكاة والجزية وغيرهما.

أما قوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ ففيه دليل على أن القذف من جملة الكبائر، وأن الفاسق اسم من يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب، اللهم إلا أن يقال: إنما لا يطلق عليه هذا الاسم بعد التوبة للتعظيم كما لا يقال الأكابر الصحابة كافر لكفر سبق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ دلالة على أن قبول التوبة لا يجب عليه وإلا لم يفد المدح.

الحكم الثالث: اللعان وسببه قذف الزوجات خاصة.

القذف أمر محظور في نفسه إلا إذا عرض ما يباح أو يجب به.

وتفضيل ذلك أنه إن رآها الزوج بعينه تزني، أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها، أو سمع ممن يثق بقوله، أو استفاض بين الناس أن فلاناً يزني بفلانة وقد رآه الزوج يخرج من بيتها، أو رآه معها في بيت، أبيح له القذف لتأكيد التهمة.

ويجوز أن يمسكها أو يستر عليها لما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي امرأة لا تردّ يد لامس.

قال: طلقها.

قال: إني أحبها.

قال: فأمسكها أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله، أو استفاض ولكن لم يره الزوج معها أو بالعكس لم يحل له قذفها لأنه ربما دخل لخوف أو سرقة أو لطلب فجور وابت المرأة هذا كله إذا لم يكن ثمة ولد يريد نفيه، فإن كان ثمة ولد فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة اشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه.

قال رسول الله  "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته.

وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الشهاد من الأولين والآخرين" وإن احتمل أن يكون الولد منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولأقل من أربع سنين، فإن لم يكن استبرأها بحيضة أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء لم يحل له القذف والنفي، وإن اتهمها بالزنا وإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي، والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل.

وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه كأن كانا أبيضين وأتت به أسود فإن لم يتهمها بالزنا فليس له نفيه لما "روى أبو هريرة أن رجلاً قال للنبي  : إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فقال: هل لك من إبل؟قال: نعم.

قال:ما لونها؟

قال: حمر.

قال: فهل فيها أورق؟

قال: نعم قال: فكيف ذاك؟

قال: نزعه عرق.

قال: فلعل هذا نزعه عرق" .

وإن كان يتهمها بزنا أو برجل فأتت بولد يشبهه فهل يباح نفيه؟

فيه وجهان: أما سبب نزول الاية فقد قال ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة قال عاصم بن عدي الأنصاري: إذا دخل منا رجل بيته ووجد رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم افتح.

وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس، فأتى عويمر عاصماً وقال: رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله  في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي.

أخبرني عويمر أنه رأى شريكاً على بطن امرأته، وكان عويمر وخولة وشريك كلهم أبناء عم عاصم.

فدعاهم رسول الله  جميعاً وقال لعويمر: اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها.

فقال: يا رسول الله أقسم بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وأني ما قربتها منذ أربعة اشهر وأنها حبلى من غيري.

فقال لها رسول الله  : اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت.

فقالت: يا رسول الله إن عويمراً رجل غيور وإنه رأى شريكاً يطيل التردد ويتحدث فحملته الغيرة على ما قال فأنزل الله  هذه الآيات.

﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ إلى آخرها.

فأمر رسول الله  حتى نودي بالصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الثانية قل أشهد بالله إني رايت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الثالثة: قل أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الرابعة: قل أشهد بالله إنها زانية وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الخامسة: قل لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قاله.

ثم قال: اقعد.

وقال لخولة: قومي فقامت.

وقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي عويمراً لمن الكاذبين.

وقالت في الثانية: اشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين.

وقالت في الثالثة: اشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين.

وفي الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين.

وفي الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله.

ففرق رسول الله  بينهما.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أن عاصماً رجع إلى أهله فوجد شريكاً على بطن امرأته فأتى رسول الله  والحديث كما تقدم.

وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: "لما نزلت آية القذف قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: ولو وجدت رجلاً على بطنها فإني إن جئت بأربعة شهداء يكون قد قضى حاجته وذهب.

فقال  : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟

قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور.

فقال سعد: يا رسول الله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكني عجبت منه.

فقال  : فإن الله أبى لي ذلك فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم فقال: يا رسول الله إني وجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت باذني، فكره رسول الله  ما جاء به فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أخبرتك به، والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقاً.

فقال رسول الله  : إما البينة وإما إقامة الحد عليك.

فاجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد.

فبيناهم كذلك إن نزل الوحي فقال: يا هلال أبشر فقد جعل الله لك فرجاً وأمر بالملاعنة وفرق بينهما وقال: أبصروها فإن جاءت به اصهب أحمش الساقين أي دقيقهما فهو لهلال، وإن جاءت به اورق جعداً خدلج الساقين.

اي ضخمهما فهو لصاحبه.

فجاءت به خدلج الساقين فقال  : لولا الإيمان لكان لي ولها شأن.

قال عكرمة: لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار لا يدري من أبوه" واعلم أن الفرق بين قذف غير الزوجة وبين قذف الزوجة هو أن المخلص من الحد في الأول إقرار المقذوف بالزنا أو بينة تقوم على زناة، وفي الثانية المخلص أحد الأمرين أو اللعان.

وسبب شرع اللعان هو أنه لا مضرة على الزوج في زنا الأجنبي والأولى له ستره، وأما في زنا الزوجة فيلحقه العار والشنار والسنب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمتعذر.

وأيضاً الغالب أن الرجل لا يقصد رمي زوجته إلا عن حقيقة، فنفس الرمي دليل على صدقه إلا أن الشرع أراد كمال شهادة الحال بقرينة الإيمان كما أن شهادة المرأة حين ضعفت أكدت بزيادة العدد فمن هنا قال كثير من العلماء: إن حد قاذف الزوجة كان هو الجلد وإن الله نسخه باللعان.

ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: قال الشافعي: إذا نكل الزوج عن اللعان لزمه الحد للقذف، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان لزمها حد الزنا.

وقال أبو حنيفة: إذا نكل الزوج يحبس حتى يلاعن وكذا المرأة.

حجة الشافعي إذا لم يأت بالمخلص وهو الملاعنة وجب الرجوع إلى مقتضى آية القذف وهو الحد.

وايضاً قوله ﴿ ويدرأ عنها العذاب ﴾ ليست اللام فيه للجنس لأنه لا يجب عليها جميع أنواع العذاب، ولأن الآية تصير إذ ذاك مجملة فهو للعهد ولا معهود في الاية إلا حد القذف، ولقوله  لخولة الرجم أهون عليك من غضب الله.

وللمرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقاً فحدّوني وإن كان كاذباً فخلوني فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله.

حجة أبي حنيفة أن النكول ليس بصريح في الإقرار فلا يجوز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا وغيره.

الثانية: الجمهور على أنه إذا قال "يا زانية" وجب اللعان لعموم قوله ﴿ والذين يرمون ﴾ وقال مالك: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني وينفي حملاً بها أو ولداً منها.

الثالثة: قال الشافعي: من صح رميه صح لعانه فلا يشترط إلا التكليف، ويجري اللعان بين الذميين والمحدودين والرقيقين.

وذهب أبو حنيفة إلى ان الزوج ينبغي أن يكون مسلماً حراً عاقلاً بالغاً غير محدود في القذف، والمرأة ينبغي أن تكون بهذه الصفة مع العفة.

فإذا كان الزوج عبداً أو محدوداً في قذف والمرأة محصنة حدّ كما في قذف الأجنبيات.

دليل الشافعي عموم قوله ﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ والإجماع.

على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى وإن لم يكونا من أهل الشهادة، فكذا القول في غيرهما، والجامع هو الحاجة إلى دفع العار.

دليل أبي حنيفة حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي من النساء من ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحّرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر.

وأيضاً اللعان بين الزوجات قائم مقام الحد في الأجنبيات فلا يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي.

وأيضاً اللعان شهادة لقوله  ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات ﴾ وقد جاء مثله في أحاديث اللعان.

وإذا كان شهادة وجب أن لا يقبل من المحدود في القذف ولا من العبد والكافر.

أجاب الشافعي بأن اللعان يمين مؤكدة بلفظ الشهادة أو يمين فيها شائبة الشهادات فلا يشترط في الملاعن إلا أهلية لليمين، ومما يدل على أنه يمين قوله  لهلال بن أمية: احلف بالله الذي لا إله إلا هو إنك صادق.

وقوله: لولا الإيمان لكان لي ولها شأن.

وأيضاً لو كان شهادة لكان حظ المرأة ثمان شهادات لأنها على النصف من الرجل، ولم يجز لعان الفاسق والأعمى لأنهما ليسا من أهل الشهادة.

لا يقال: الفاسق والفاسقة قد يتوبان لأنا نقول: العبد أيضاً قد يعتق، بل العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال، والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته إلا بعد الاختبار.

ثم ألزم الشافعي أبا حنيفة بأن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية.

ثم قال الشافعي بعد ذلك: وتختلف الحدود لمن وقعت له، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن ينصف الحد عليه برقه، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وحريتها ورقها.

الرابعة: اختلف المجتهدون في نتائج اللعان، فعن عثمان البتي أنه لا يحصل به الفرقة أصلاً لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قذفه وهذا لا يوجب تحريماً كما لو قامت البينة عليها.

وأيضاً إن تلاعنهما في بيتهما لا يوجب الافتراق فكذا عند الحاكم.

وأيضاً إنه قائم مقام الشهود في الأجنبيات فلا يكون له تأثير إلا في إسقاط الحد.

وأيضاً إذا أكذب الزوج نفسه ثم حدّ لا يوجب الفرقة فكذا اللعان.

وأما تفريق النبي  بين المتلاعنين في قصة العجلاني فذلك لأن الزوج كان طلقها ثلاثاً قبل اللعان.

وعن أبي حنيفة وأصحابه إلاَّ زفر، أن الحاكم يفرق بينهما لما روى سهل بن سعد: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم يجتمعان أبداً، ولما في قصة عويمر كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثاً، فلو وقعت الفرقة باللعان لم يمكن إمساكها.

وقال مالك والليث وزفر: إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة بينهما وإن لم يفرق الحاكم، لأنهما لو تراضيا على دوام النكاح لم يخليا فدل ذلك على وقوع الفرقة بينهما.

وقال الشافعي: إذا فرغ الزوج وحده من اللعان حصل بذلك خمس نتائج: درء الحد عنه، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤبد، ووجوب الحد عليها.

ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وما روي أنه  فرق بينهما محمول على أنه أخبر عن وقوع الفرقة بينهما.

وزعم ابو بكر الرازي أن قول الشافعي خلاف الآية، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لاعنت المرأة وهي أجنبية، ولكنه  أوجب اللعان بين الزوجين، وأيضاً اللعان شهادة فلا يثبت حكمها إلا عند الحاكم كسائر الشهادات.

وأيضاً اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي ما ادعاه بالبينة فيتوقف على حكم الحاكم.

وأيضاً اللعان لا إشعار فيه بالتحريم فهو كما لو قامت البينة على زناها فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم.

ولقائل أن يقول: سميا زوجين باعتبار ما كان كالعبد على من عتق، ولا نسلم أن اللعان شهادة محضة.

ومما يؤكد قول الشافعي تنصيص الله  على ذلك بقوله ﴿ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد ﴾ ففيه دلالة على أن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج إلا درء العذاب.

وأيضاً أن لعان الزوج مستقل بنفي الولد لأن الاعتبار في الإلحاق بقوله لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه، وإذا انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أن يكون الفراش زائلاً لقوله "الولد للفراش".

الخامسة: مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف والثوري وإسحق، أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً وهو قول علي وابن مسعود.

ولما روي الزهري من حديث سهل بن سعد، ولما روي أنه  قال للمتلاعنين بعد اللعان لا سبيل لك عليها.

ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان إلا كذاب غاية لهذه الحرمة، وأنه إذا أكذب نفسه وحدّ زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد لذكرها رسول الله  كما قال  ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ وقد يحتج لأبي حنيفة بعموم قوله ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء  ﴾ وقوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ .

السادسة: اتفق أهل العلم على أن الولد ينتفي من الزوج باللعان.

وخالف بعضهم مستدلاً بقوله  "الولد للفراش" وزيف بأن الأخبار الدالة على أن الولد ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها الواحد بل يجب تخصيصه بها.

السابعة: لو أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق بها الحكم عند الشافعي وهو ظاهر وعن أبي حنيفة أن للأكثر حكم الكل إذا حكم به الحاكم.

الثامنة: كيفية اللعان كالصريحة في الاية وأن الحديث قد زادها بياناً كما مر.

وقد عد الشافعي ومن سننها أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى العنة ويقول له القاضي أو صاحب المجلس: اتق الله فإنها موجبة.

وهكذا يقال للمرأة إذا انتهت إلى الغضب.

ومما يستحب في اللعان ولا يجب على الأصح، التغليظ بالزمان.

وهو ما بعد صلاة العصر ولا سيما عصر يوم الجمعة، وبالمكان وذلك بمكة بين الركن والمقام، وبالمدينة بين المنبر والمدفن، وفي سائر البلاد عند المنبر في المسجد الجامع ايضاً وهو المقصورة، وفي بيت المقدس في المسجد القصى عند الصخرة، ولليهود في الكنيسة، وللنصارى في البيعة، وللمجوس في بيت نارهم، وإذا لم يكون له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام.

ولا بد من حضور الحاكم سواء كان مدار اللعان على اليمين أو على الشهادة، ولا بد من حضور جمع من الأعيان أقلهم أربعة.

التاسعة: قال جار الله: إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظاً عليها لأنها أصل الفجور ومنبعه بخلابتها وإطماعها ولذلك كانت متقدمة في آية الجلد.

العاشرة: في فوائد متعلقة بالآية منها: إبطال الجمهور وقول الخوارج إن الزنا والقذف كفر، وذلك أن الرامي إن صدق فهي زانية وإن كذب فهو قاذف، فلا بد من كفر أحدهما والردة توجب الفرقة من غير لعان: ومنها إبطال قول من زعم أن الزنا يوجب فساد النكاح لأن رمي الزوج إياها اعتراف منه بزناها بل بفساد النكاح على قول هذا القائل فتحصل الفرقة بلا لعان.

ومنها أن المعتزلة قالوا: المتلاعنان يستحقان اللعن أو الغضب الموجبين للعقاب الأبدي المضاد للثواب وذلك يدل على خلود الفساق في النار.

أجابت الاشاعرة بأن كونه مغضوباً عليه بفسقه لا ينافى كونه مرضياً عنه بجهة إيمانه فلا بد أن يحصل له بعد العقاب ثواب.

ثم أخبر عن كمال رافته بقوله ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ أي فيما بين من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة.

وجواب "لولا" محذوف أي لهلكتم أو فضحتم أو لكان ما كان من أنواع المفاسد.

وإنما حسن حذفه ليذهب الوهم كل مذهب فيكون أبلغ في البيان فرب مسكوت عنه ابلغ من منطوق به.

التأويل: النفس الزانية المستسلمة لتصرفات الشيطان والدنيا فيها، والروح الزاني بتصرفه في الدنيا وشهواتها المنهية عنها ﴿ فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ من الجوع وترك الشهوات والمرادات، ومن حملهما على المخالفات.

ولعل السر في تخصيص هذا العدد هو أن ساعات اليوم بليلته اربع وعشرون منها: أربع ساعات لأجل النوم ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل  ﴾ والباقية يجب فيها مراقبة الحواس الخمس وتأديبهن بآداب الشرع والعقل، فيكون المجموع مائة وتأديبة يحصل نتائجها وكمالها للنفس والروح والله  أعلم.

﴿ وليشهد عذابهما ﴾ ولتكن هذه التزكية والتأديبات بمحضر شيخ واصل كامل يحفظه من طرفي الإفراط والتفريط ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ فيه أن الطبع يسرق والجنس إلى الجنس يميل، فأهل الفساد لا ترغب إلا في صحبة أمثالهم من أهل الفساد كما أن أرباب السداد لا تطمح إلا إلى صحبة أمثالهم من أرباب السداد.

﴿ وحرم ذلك ﴾ الذي قلنا من اختلاط الأشرار ﴿ على المؤمنين ﴾ ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ أي الأرواح الذين ينسبون إلى نقصان النفوس المستعدات للكمالات ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ أي لم يكن خواص العناصر الأربعة ظاهرة على صفحات أحوالهن كما مر تقريره في أول النساء في قوله { ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولم تبلغ الملكات الذميمة منهن مرتبتها.

الرابعة كالكاتب يكتب بالفعل ﴿ فاجلودهم ثمانين جلدة ﴾ مر وهم بالخلوة أربعين يوماً وأربعين ليلة حتى يظهر لهم كمال حال النفوس في الموافقة لهم ولا تقبلوا لهم بعد ذلك شهادة عليهن، وأولئك هم الذين يريدون أن يخرجوا عن طاعة الله بقدر نسبة النقصان إلى النفوس المستعدة.

﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ وهن القوالب المزدوجة بالأرواح ﴿ ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ﴾ لأنه لا يطلع على أحوال القالب إلا الروح ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات ﴾ هي الأسنان الأربعة التي فيها تحصل التربية والاستكمال.

﴿ والخامسة ﴾ وهي حالة حلول الأجل اللعنة والغضب والعذاب الأبدي وما تولد منهما من الصفات الذميمة ينسبها الروح إلى ثالث هو الشيطان، وينسبها القالب إلى الروح الذي يدبره ويتصرف فيه.

والافتراق الذي يحصل بينهما ليس بالصورة بل المعنى لأن الروح يميل إلى العالم العلوي والقالب إلى العالم السفلي لعدم الموافقة بينهما وهو  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا ﴾ .

سماها سورة، وجعل تلاوتها سورة، ولم يجعل لغيرها من السور التلاوة سورة، كما جعل لها، ذلك جائز؛ لكثرة ما فيها من الأحكام: من الفرائض، والآداب: ما بالناس إلى ذلك حاجة، أو لمعنى لم يذكره، أو لا لمعنى، ولكنه ذكر هكذا، وله الخلق والأمر.

قال أبو عوسجة: السورة: القطعة من كل شيء؛ تقول: سورت الشيء، أي: قطعته.

وقال بعض العلماء: إنما سمي القرآن لجماعة السور، وسميت السورة مقطوعة من الأخرى، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآناً؛ كقوله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ ، أي: تأليف بعضها إلى بعض، ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ  ﴾ ، أي: فإذا جمعناه وألفناه، فاتبع قرآنه، أي: ما جمع فيه فاعمل به: من أمر أو نهي، ويقال: ليس لشعره قرآن، أي: نظم وتأليف، ويقال للمرأة: ما قرأت سلى قط، أي: لم تجمع في بطنها ولداً.

وقال بعضهم: سورة - بلا همز - أي: المنزلة والرفعة، وبالهمز: سؤرة: البقية، ومنه سمي: سؤر الكلب، وسؤر الهر، وسؤر الطائر، أي: بقيته والقطعة منه.

ثم قرئت بالنصب: (سورةً أنزلنها)، والرفع جميعاً: ﴿ سُورَةٌ ﴾ ، وهي القراءة الظاهرة.

فمن قرأها بالنصب أوقع الفعل عليها، أي: أنزلنا سورة، والفعل إذا وقع على شيء انتصب - تقدم الفعل أو تأخر - كقولك: زيداً ضربناه، وضربنا زيداً.

وقال بعضهم: إنما انتصب لإضمار فيه كأنه قال: اتبعوا سورة، أو: اذكروا سورة أنزلناها؛ كقوله: ﴿ نَاقَةَ ٱللَّهِ  ﴾ ، أي: احذروا ناقة الله.

ومن قرأ بالرفع: على الابتداء، فكل ما يبتدأ به فهو رفع.

وقال بعضهم: رفع على إضمار: هذه سورة أنزلناها، ولذلك كله جائز في اللغة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ .

قرئ بالتخفيف: ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ ، وبالتشديد: (وفرَّضناها)، قال الزجاج: قوله: (وفرَّضناها)، بالتشديد، يخرج على وجهين: أحدهما: أي: كثرنا فيها الفرائض والأحكام.

والثاني: (وفرَّضناها)، أي: فصلنا فيها بين ما يؤتى وبين ما يتقى، وبين ما أمر فيها وبين ما نهي.

وقال: وأما التخفيف: ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ ، أي: الزموا ما فيها من الفرائض وآدابها.

وقال القتبي: فرضنا، بالتخفيف، أي: بينا فيها الفرائض.

وقال أبو عوسجة: من قرأها بالتخفيف: ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ ، أي: أنزلنا فيها فرائض مختلفة، ومن قرأها: (وفَرَّضناها)، بالتشديد، يقول: فرضناها عليكم وعلى من بعدكم؛ على التكثير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ ، أي: حججاً بينة يفهمها ويعرفها كل أحد بالبديهة والتأمل.

أو أن يريد بالآيات: الآيات التي جمع فيها أشياء وتتلا؛ لأن الآية إنما تستحق اسم الآية إذا جمع فيها كلمات وحروف، فأما كلمة واحدة [وحرف] واحد فلا يسمى بهذا الاسم.

أو أن يكون قوله: ﴿ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ : ما ذكر فيها وبين مما يؤتى ويتقى؛ وبين ما يحل وما يحرم؛ فذلك كله مبين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: تتعظون بما ذكر فيها من المواعظ، وبين فيها ما يزجر عن المعاودة، وهي الحدود التي ذكر فيها؛ لأن سبب الاتعاظ أحد شيئين: المواعظ التي تلين القلوب، والحدود التي تزجر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذه سورة أنزلناها، وأوجبنا العمل بأحكامها، وأنزلنا فيها آيات بينات؛ رجاء أن تتذكروا ما فيها من الأحكام فتعملوا به.

<div class="verse-tafsir" id="91.83L0v"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله