الآية ٢ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٢ من سورة النور

ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 226 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد ، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع; فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرا ، وهو الذي لم يتزوج ، أو محصنا ، وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح ، وهو حر بالغ عاقل .

فأما إذا كان بكرا لم يتزوج ، فإن حده مائة جلدة كما في الآية ويزاد على ذلك أن يغرب عاما [ عن بلده ] عند جمهور العلماء ، خلافا لأبي حنيفة ، رحمه الله; فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام ، إن شاء غرب وإن شاء لم يغرب .

وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين ، من رواية الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ، في الأعرابيين اللذين أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما : يا رسول الله ، إن ابني كان عسيفا - يعني أجيرا - على هذا فزنى بامرأته ، فافتديت [ ابني [ منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل العلم ، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، لأقضين بينكما بكتاب الله : الوليدة والغنم رد عليك ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام .

واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها " .

فغدا عليها فاعترفت ، فرجمها .

ففي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكرا لم يتزوج ، فأما إن كان محصنا فإنه يرجم ، كما قال الإمام مالك : حدثني ابن شهاب ، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أن ابن عباس أخبره أن عمر ، رضي الله عنه ، قام فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، فإن الله بعث محمدا بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها ووعيناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل : لا نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله ، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى ، إذا أحصن ، من الرجال والنساء ، إذا قامت البينة ، أو الحبل ، أو الاعتراف .

أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك مطولا وهذا قطعة منه ، فيها مقصودنا هاهنا .

وروى الإمام أحمد ، عن هشيم ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس : حدثني عبد الرحمن بن عوف; أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول : ألا وإن أناسا يقولون : ما بال الرجم؟

في كتاب الله الجلد .

وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده .

ولولا أن يقول قائلون - أو يتكلم متكلمون - أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت .

وأخرجه النسائي ، من حديث عبيد الله بن عبد الله ، به .

وقد روى أحمد أيضا ، عن هشيم ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس قال : خطب عمر بن الخطاب فذكر الرجم فقال : لا تخدعن عنه; فإنه حد من حدود الله ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ورجمنا بعده ، ولولا أن يقول قائلون : زاد عمر في كتاب الله ما ليس فيه ، لكتبت في ناحية من المصحف : وشهد عمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وفلان وفلان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ورجمنا بعده .

ألا وإنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم وبالدجال وبالشفاعة وبعذاب القبر ، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا .

وروى أحمد أيضا ، عن يحيى القطان ، عن يحيى الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب : إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم .

الحديث رواه الترمذي ، من حديث سعيد ، عن عمر ، وقال : صحيح .

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا ابن عون ، عن محمد - هو ابن سيرين - قال : نبئت عن كثير بن الصلت قال : كنا عند مروان وفينا زيد ، فقال زيد : كنا نقرأ : " والشيخ والشيخة فارجموهما البتة " .

قال مروان : ألا كتبتها في المصحف؟

قال : ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب ، فقال : أنا أشفيكم من ذلك .

قال : قلنا : فكيف؟

قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فذكر كذا وكذا ، وذكر الرجم ، فقال : يا رسول الله ، أكتبني آية الرجم : قال : " لا أستطيع الآن " .

هذا أو نحو ذلك .

وقد رواه النسائي ، عن محمد بن المثنى ، عن غندر ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن يونس بن جبير ، عن كثير بن الصلت ، عن زيد بن ثابت ، به .

وهذه طرق كلها متعددة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها ، وبقي حكمها معمولا به ، ولله الحمد .

وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم هذه المرأة ، وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زنت مع الأجير .

ورجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية .

وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جلدهم قبل الرجم .

وإنما وردت الأحاديث الصحاح المتعددة الطرق والألفاظ ، بالاقتصار على رجمهم ، وليس فيها ذكر الجلد; ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء ، وإليه ذهب أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، رحمهم الله .

وذهب الإمام أحمد ، رحمه الله ، إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية والرجم للسنة ، كما روي ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه لما أتي بشراحة وكانت قد زنت وهي محصنة ، فجلدها يوم الخميس ، ورجمها يوم الجمعة ، ثم قال : جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد روى الإمام أحمد ومسلم ، وأهل السنن الأربعة ، من حديث قتادة ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر ، جلد مائة وتغريب سنة والثيب بالثيب ، جلد مائة والرجم " .

وقوله : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) أي : في حكم الله .

لا ترجموهما وترأفوا بهما في شرع الله ، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية [ ألا تكون حاصلة ] على ترك الحد ، [ وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد ] فلا يجوز ذلك .

قال مجاهد : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) قال : إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان ، فتقام ولا تعطل .

وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح .

وقد جاء في الحديث : " تعافوا الحدود فيما بينكم ، فما بلغني من حد فقد وجب " .

وفي الحديث الآخر : " لحد يقام في الأرض ، خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحا " .

وقيل : المراد : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) فلا تقيموا الحد كما ينبغي ، من شدة الضرب الزاجر عن المأثم ، وليس المراد الضرب المبرح .

قال عامر الشعبي : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) قال : رحمة في شدة الضرب .

وقال عطاء : ضرب ليس بالمبرح .

وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن حماد بن أبي سليمان : يجلد القاذف وعليه ثيابه ، والزاني تخلع ثيابه ، ثم تلا ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) فقلت : هذا في الحكم؟

قال : هذا في الحكم والجلد - يعني في إقامة الحد ، وفي شدة الضرب .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي حدثنا وكيع ، عن نافع ، [ عن ] ابن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر : أن جارية لابن عمر زنت ، فضرب رجليها - قال نافع : أراه قال : وظهرها - قال : قلت : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) قال : يا بني ، ورأيتني أخذتني بها رأفة؟

إن الله لم يأمرني أن أقتلها ، ولا أن أجعل جلدها في رأسها ، وقد أوجعت حيث ضربت .

وقوله : ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) أي : فافعلوا ذلك : أقيموا الحدود على من زنى ، وشددوا عليه الضرب ، ولكن ليس مبرحا; ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك .

وقد جاء في المسند عن بعض الصحابة أنه قال : يا رسول الله ، إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها ، فقال : " ولك في ذلك أجر " .

وقوله : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) : هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس ، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما ، وأنجع في ردعهما ، فإن في ذلك تقريعا وتوبيخا وفضيحة إذا كان الناس حضورا .

قال الحسن البصري في قوله : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) يعني : علانية .

ثم قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) الطائفة : الرجل فما فوقه .

وقال مجاهد : الطائفة : رجل إلى الألف .

وكذا قال عكرمة; ولهذا قال أحمد : إن الطائفة تصدق على واحد .

وقال عطاء بن أبي رباح : اثنان .

وبه قال إسحاق بن راهويه .

وكذا قال سعيد بن جبير : ( طائفة من المؤمنين ) قال : يعني : رجلين فصاعدا .

وقال الزهري : ثلاثة نفر فصاعدا .

وقال عبد الرزاق : حدثني ابن وهب ، عن الإمام مالك في قوله : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) قال : الطائفة : أربعة نفر فصاعدا; لأنه لا يكون شهادة في الزنى دون أربعة شهداء فصاعدا .

وبه قال الشافعي .

وقال ربيعة : خمسة .

وقال الحسن البصري : عشرة .

وقال قتادة : أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ، أي : نفر من المسلمين; ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا بقية قال : سمعت نصر بن علقمة في قوله : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) قال : ليس ذلك للفضيحة ، إنما ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: من زنى من الرجال أو زنت من النساء، وهو حرّ بكر غير محصن بزوج، فاجلدوه ضربا مئة جلدة، عقوبة لما صنع وأتى من معصية الله.( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: لا تأخذكم بالزاني والزانية أيها المؤمنون رأفة، &; 19-91 &; وهي رقة الرحمة في دين الله، يعني في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحد عليهما على ما ألزمكم به.

واختلف أهل التأويل في المنهيّ عنه المؤمنون من أخذ الرأفة بهما، فقال بعضهم: هو ترك إقامة حدّ الله عليهما، فأما إذا أقيم عليهما الحد فلم تأخذهم بهما رأفة في دين الله.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: جلد ابنُ عمر جاريةً له أحدثت، فجلد رجليها، قال نافع: وحسبت أنه قال: وظهرها، فقلت: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) فقال: وأخذتني بها رأفة؟

إن الله لم يأمرني أن أقتلها.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عبد الله بن أبي مليكة يقول: ثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر حدّ جارية له، فقال للجالد، وأشار إلى رجلها، وإلى أسفلها، قلت: فأين قول الله: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) قال: أفأقتلها؟

.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) فقال: أن تقيم الحدّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) قال: لا تضيعوا حدود الله.

قال ابن جُرَيج: وقال مجاهد: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ) : لا تضيعوا الحدود في أن تقيموها، وقالها عطاء بن أبي رباح.

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا عبد الملك وحجاج، عن عطاء ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) قال: يقام حد الله ولا يعطل، وليس بالقتل.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني محمد بن فضيل، عن داود، عن سعيد بن جبير، قال: الجلد.

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن المغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) قال: الضرب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت عمران، قال: قلت لأبي مجلز: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا )...

إلى قوله: ( وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل حدًّا، أو تقطع يده قال: إنما ذاك أنه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم الحدّ.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) قال: لا تقام الحدود.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ) فتدعوهما من حدود الله التي أمر بها وافترضها عليهما.

قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، أنه سأل سليمان بن يسار، عن قول الله: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) أي في الحدود أو في العقوبة؟

قال: ذلك فيهما جميعا.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء في قوله: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) قال: أن يقام حد الله ولا يعطَّل، وليس بالقتل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر في قوله: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) قال: الضرب الشديد.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ) فتخفِّفوا الضرب عنهما، ولكن أوجعوهما ضربا.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، قال: ثنا أبو جعفر، عن قتادة، عن الحسن وسعيد بن المسيب: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) قال: الجلد الشديد.

قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حماد، قال: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما.

وأما الزاني فتخلع ثيابه.

وتلا هذه الآية: ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) فقلت لحماد: أهذا في الحكم؟

قال: في الحكم والجلد.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: يجتهد في حدّ الزاني والفرية، ويخفف في حدّ الشرب.

وقال قَتادة: يخفف في الشراب، ويجتهد في الزاني.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا تأخذكم بهما رأفة في إقامة حدّ الله عليهما الذي افترض عليكم إقامته عليهما.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لدلالة قول الله بعده: " في دين الله "، يعني في طاعة الله التي أمركم بها.

ومعلوم أن دين الله الذي أمر به في الزانيين: إقامة الحد عليهما، على ما أمر من جلد كل واحد منهما مئة جلدة، مع أن الشدّة في الضرب لا حدّ لها يوقف عليه، وكل ضرب أوجع فهو شديد، وليس للذي يوجع في الشدة حدّ لا زيادة فيه فيؤمر به.

وغير جائز وصفه جلّ ثناؤه بأنه أمر بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته، وإذا كان ذلك كذلك، فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل، هو عدد الجلد على ما أمر به، وذلك هو إقامة الحد على ما قلنا.

وللعرب في الرأفة لغتان: الرأفة بتسكين الهمزة، والرآفة بمدها، كالسأمة والسآمة، والكأبة والكآبة.

وكأن الرأفة المرّة الواحدة، والرآفة المصدر، كما قيل: ضؤل ضآلة مثل فعل فعالة، وقبح قباحة.

وقوله: ( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) يقول: إن كنتم تصدّقون بالله ربكم وباليوم الآخر، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة، وللثواب والعقاب، فإن من كان بذلك مصدّقا، فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه؛ خوف عقابه على معاصيه.

وقوله: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول تعالى ذكره: وليحضر جلد الزانيين البكرين وحدّهما إذا أقيم عليهما طائفة من المؤمنين.

والعرب تسمي الواحد فما زاد: طائفة.( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول: من أهل الإيمان بالله ورسوله.

وقد اختلف أهل التأويل في مبلغ عدد الطائفة الذي أمر الله بشهود عذاب الزانيين البكرين، فقال بعضهم: أقله واحد.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الطائفة: رجل.

حدثنا علي بن سهل بن موسى بن إسحاق الكنانيّ وابن القوّاس، قالا ثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: الطائفة رجل.

قال عليّ: فما فوق ذلك; وقال ابن القواس: فأكثر من ذلك.

حدثنا عليّ، قال: ثنا زيد، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الطائفة: رجل.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: قال ابن أبي نجيح: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال مجاهد: أقله رجل.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، في قوله: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: الطائفة: الواحد إلى الألف.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد في هذه الآية: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: الطائفة واحد إلى الألف .

وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا .

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، قال: الطائفة: الرجل الواحد إلى الألف، قال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا إنما كانا رجلين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: سمعت عيسى بن يونس، يقول: ثنا النعمان بن ثابت، عن حماد وإبراهيم قالا الطائفة: رجل.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: الطائفة: رجل واحد فما فوقه.

وقال آخرون: أقله في هذا الموضع رجلان.

*ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، في قوله: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: قال عطاء: أقله رجلان.

حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة قال: ليحضر رجلان فصاعدا.

وقال آخرون: أقلّ ذلك ثلاثة فصاعدا.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: الطائفة: الثلاثة فصاعدا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة، في قوله: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: نفر من المسلمين.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: ثنا أشعث، عن أبيه، قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة، وقد أخرج جارية إلى باب الدار، وقد زنت، فدعا رجلا فقال: اضربها خمسين!

فدعا جماعة، ثم قرأ: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ).

حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى، عن أشعث، عن أبيه، أن أبا برزة أمر ابنه أن يضرب جارية له ولدت من الزنا ضربا غير مبرح، قال: فألقى عليها ثوبا وعنده قوم، وقرأ: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا )...

الآية.

وقال آخرون: بل أقلّ ذلك أربعة.

*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: فقال: الطائفة التي يجب بها الحدّ أربعة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أقل ما ينبغي حضور ذلك من عدد المسلمين: الواحد فصاعدًا؛ وذلك أن الله عمّ بقوله: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ ) والطائفة: قد تقع عند العرب على الواحد فصاعدا.

فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره وضع دلالة على أن مراده من ذلك خاص من العدد، كان معلوما أن حضور ما وقع عليه أدنى اسم الطائفة ذلك المحضر مخرج مقيم الحدّ مما، أمره الله به بقوله: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) غير أني وإن كان الأمر على ما وصفت، أستحب أن لا يقصر بعدد من يحضر ذلك الموضع عن أربعة أنفس عدد من تقبل شهادته على الزنا; لأن ذلك إذا كان كذلك، فلا خلاف بين الجمع أنه قد أدّى المقيم الحدّ ما عليه في ذلك، وهم فيما دون ذلك مختلفون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنينفيه اثنان وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى : الزانية والزاني كان الزنى في اللغة معروفا قبل الشرع مثل اسم السرقة والقتل .

وهو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح بمطاوعتها .

وإن شئت قلت : هو إدخال فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا ؛ فإذا كان ذلك وجب الحد .

وقد مضى الكلام في حد الزنى وحقيقته وما للعلماء في ذلك .

وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة ( النساء ) باتفاق .الثانية : قوله تعالى : مائة جلدة هذا حد الزاني الحر البالغ البكر ، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة .

وثبت بالسنة تغريب عام ؛ على الخلاف في ذلك .

وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة ؛ لقوله تعالى : فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب وهذا في الأمة ، ثم العبد في معناها .

وأما المحصن من الأحرار فعليه الرجم [ ص: 148 ] دون الجلد .

ومن العلماء من يقول : يجلد مائة ثم يرجم .

وقد مضى هذا كله ممهدا في ( النساء ) فأغنى عن إعادته ، والحمد لله .الثالثة : قرأ الجمهور الزانية والزاني بالرفع .

وقرأ عيسى بن عمر الثقفي ( الزانية ) بالنصب ، وهو أوجه عند سيبويه ؛ لأنه عنده كقولك : زيدا اضرب .

ووجه الرفع عنده : خبر ابتداء ، وتقديره : فيما يتلى عليكم الزانية والزاني .

وأجمع الناس على الرفع وإن كان القياس عند سيبويه النصب .

وأما الفراء ، والمبرد ، والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه ، والخبر في قوله فاجلدوا لأن المعنى : الزانية والزاني مجلودان بحكم الله وهو قول جيد ، وهو قول أكثر النحاة .

وإن شئت قدرت الخبر : ينبغي أن يجلدا .

وقرأ ابن مسعود ( والزان ) بغير ياء .الرابعة : ذكر الله سبحانه وتعالى الذكر والأنثى ، والزاني كان يكفي منهما ؛ فقيل : ذكرهما للتأكيد كما قال تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما .

ويحتمل أن يكون ذكرهما هنا لئلا يظن ظان أن الرجل لما كان هو الواطئ والمرأة محل ليست بواطئة فلا يجب عليها حد فذكرها رفعا لهذا الإشكال الذي أوقع جماعة من العلماء منهم الشافعي .

فقالوا : لا كفارة على المرأة في الوطء في رمضان ؛ لأنه قال جامعت أهلي في نهار رمضان ؛ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - كفر .

فأمره بالكفارة ، والمرأة ليست بمجامعة ولا واطئة .الخامسة : قدمت الزانية في هذه الآية من حيث كان في ذلك الزمان زنا النساء فاش ، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات ، وكن مجاهرات بذلك .

وقيل : لأن الزنا في النساء أعر وهو لأجل الحبل أضر .

وقيل : لأن الشهوة في المرأة أكثر وعليها أغلب ، فصدرها تغليظا لتردع شهوتها ، وإن كان قد ركب فيها حياء لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله .

وأيضا فإن العار بالنساء ألحق إذ موضوعهن الحجب والصيانة ، فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما .السادسة : الألف واللام في قوله الزانية والزاني للجنس ، وذلك يعطي أنها عامة [ ص: 149 ] في جميع الزناة .

ومن قال بالجلد مع الرجم قال : السنة جاءت بزيادة حكم فيقام مع الجلد .

وهو قول إسحاق بن راهويه ، والحسن بن أبي الحسن ، وفعله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بشراحة وقد مضى في ( النساء ) بيانه .

وقال الجمهور : هي خاصة في البكرين ، واستدلوا على أنها غير عامة بخروج العبيد والإماء منها .السابعة : نص الله سبحانه وتعالى ما يجب على الزانيين إذا شهد بذلك عليهما ؛ على ما يأتي ، وأجمع العلماء على القول به .

واختلفوا فيما يجب على الرجل يوجد مع المرأة في ثوب واحد فقال إسحاق بن راهويه : يضرب كل واحد منهما مائة جلدة .

وروي ذلك عن عمر ، وعلي ، وليس يثبت ذلك عنهما .

وقال عطاء ، وسفيان الثوري : يؤدبان .

وبه قال مالك ، وأحمد ؛ على قدر مذاهبهم في الأدب .

قال ابن المنذر : والأكثر ممن رأيناه يرى على من وجد على هذه الحال الأدب .

وقد مضى في ( هود ) اختيار ما في هذه المسألة ، والحمد لله وحده .الثامنة : ( فاجلدوا ) دخلت الفاء لأنه موضع أمر والأمر مضارع للشرط .

وقال المبرد : فيه معنى الجزاء ، أي إن زنى زان فافعلوا به كذا ، ولهذا دخلت الفاء ؛ وهكذا السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما .التاسعة : لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه .

وزاد مالك ، والشافعي : السادة في العبيد .

قال الشافعي : في كل جلد وقطع .

وقال مالك : في الجلد دون القطع .

وقيل : الخطاب للمسلمين ؛ لأن إقامة مراسم الدين واجبة على المسلمين ، ثم الإمام ينوب عنهم ؛ إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود .العاشرة : أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط يجب .

والسوط الذي يجب أن يجلد به يكون سوطا بين سوطين .

لا شديدا ولا لينا .

وروى مالك ، عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسوط ، فأتي بسوط مكسور ، فقال : فوق هذا فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال : دون هذا فأتي بسوط قد ركب به ولان .

فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلد .

.

.

الحديث .

قال أبو عمر : هكذا روى هذا الحديث [ ص: 150 ] مرسلا جميع رواة الموطإ ، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ بوجه من الوجوه ، وقد روى معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله سواء .

وقد تقدم في ( المائدة ) ضرب عمر قدامة في الخمر بسوط تام .

يريد وسطا .الحادية عشرة : اختلف العلماء في تجريد المجلود في الزنا ؛ فقال مالك ، وأبو حنيفة ، وغيرهما : يجرد ، ويترك على المرأة ما يسترها دون ما يقيها الضرب .

وقال الأوزاعي : الإمام مخير إن شاء جرد وإن شاء ترك .

وقال الشعبي ، والنخعي : لا يجرد ، ولكن يترك عليه قميص .

قال ابن مسعود : لا يحل في الأمة تجريد ولا مد ؛ وبه قال الثوري .الثانية عشرة : اختلف العلماء في كيفية ضرب الرجال والنساء ؛ فقال مالك : الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء ، لا يقام واحد منهما ؛ ولا يجزي عنده إلا في الظهر .

وأصحاب الرأي ، والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف ، وهو قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .

وقال الليث ، وأبو حنيفة ، والشافعي : الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجردا قائما غير ممدود ؛ إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه .

وحكاه المهدوي في التحصيل عن مالك .

وينزع عنه الحشو والفرو .

وقال الشافعي : إن كان مده صلاحا مد .الثالثة عشرة : واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود ؛ فقال مالك : الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر ، وكذلك التعزير .

وقال الشافعي وأصحابه : يتقى الوجه ، والفرج ، وتضرب سائر الأعضاء ؛ وروي عن علي .

وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنا .

قال ابن عطية : والإجماع في تسليم الوجه ، والعورة ، والمقاتل .

واختلفوا في ضرب الرأس ؛ فقال الجمهور : يتقى الرأس .

وقالأبو يوسف : يضرب الرأس .

وروي عن عمر ، وابنه فقالا : يضرب الرأس .

وضرب عمر - رضي الله عنه - صبيا في رأسه وكان تعزيرا لا حدا .

ومن حجة مالك ما أدرك عليه الناس ، وقوله - عليه السلام - : البينة وإلا حد في ظهرك وسيأتي .[ ص: 151 ] الرابعة عشرة : الضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلما لا يجرح ولا يبضع ، ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه .

وبه قال الجمهور ، وهو قول علي ، وابن مسعود - رضي الله عنهما - .

وأتي عمر - رضي الله عنه - برجل في حد فأتي بسوط بين سوطين وقال للضارب : اضرب ولا يرى إبطك ؛ وأعط كل عضو حقه .

وأتي - رضي الله عنه - بشارب فقال : لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة ؛ فبعثه إلى مطيع بن الأسود العدوي فقال : إذا أصبحت الغد فاضربه الحد ؛ فجاء عمر - رضي الله عنه - وهو يضربه ضربا شديدا فقال : قتلت الرجل !

كم ضربته ؟

فقال ستين ؛ فقال : أقص عنه بعشرين .

قال أبو عبيدة : ( أقص عنه بعشرين ) يقول : اجعل شدة هذا الضرب الذي ضربته قصاصا بالعشرين التي بقيت ولا تضربه العشرين .

وفي هذا الحديث من الفقه أن ضرب الشارب ضرب خفيف .

وقد اختلف العلماء في أشد الحدود ضربا وهي :الخامسة عشرة : فقال مالك ، وأصحابه ، والليث بن سعد : الضرب في الحدود كلها سواء ، ضرب غير مبرح ؛ ضرب بين ضربين .

هو قول الشافعي - رضي الله عنه - .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : التعزير أشد الضرب ؛ وضرب الزنا أشد من الضرب في الخمر ، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف .

وقال الثوري : ضرب الزنا أشد من ضرب القذف ، وضرب القذف أشد من ضرب الخمر .

احتج مالك بورود التوقيف على عدد الجلدات ، ولم يرد في شيء منها تخفيف ولا تثقيل عمن يجب التسليم له .

احتج أبو حنيفة بفعل عمر ، فإنه ضرب في التعزير ضربا أشد منه في الزنا .

احتج الثوري بأن الزنا لما كان أكثر عددا في الجلدات استحال أن يكون القذف أبلغ في النكاية .

وكذلك الخمر ؛ لأنه لم يثبت فيه الحد إلا بالاجتهاد ، وسبيل مسائل الاجتهاد لا يقوى قوة مسائل التوقيف .السادسة عشرة : الحد الذي أوجب الله في الزنا ، والخمر ، والقذف ، وغير ذلك ينبغي أن يقام بين أيدي الحكام ، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس ، وخيارهم يختارهم الإمام لذلك .

وكذلك كانت الصحابة تفعل كلما وقع لهم شيء من ذلك ، - رضي الله عنهم - .

وسبب ذلك أنه قيام بقاعدة شرعية وقربة تعبدية ، تجب المحافظة على فعلها ، وقدرها ، ومحلها ، وحالها ، بحيث لا يتعدى شيء من شروطها ولا أحكامها ، فإن دم المسلم وحرمته عظيمة ، فيجب مراعاته بكل ما أمكن .

روى الصحيح عن حضين بن المنذر أبي ساسان قال : شهدت عثمان بن عفان ، وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ، ثم قال : أزيدكم ؟

فشهد عليه رجلان ، أحدهما حمران أنه شرب الخمر ، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ ؛ فقال عثمان : إنه لم يتقيأ حتى شربها ؛ فقال : يا علي ، قم فاجلده ، فقال علي : قم يا حسن فاجلده .

فقال الحسن : ول حارها من تولى قارها - ( فكأنه [ ص: 152 ] وجد عليه ) - فقال : يا عبد الله بن جعفر ، قم فاجلده ، فجلده وعلي يعد .

.

.

الحديث .

وقد تقدم في المائدة .

فانظر قول عثمان للإمام علي : قم فاجلده .السابعة عشرة : نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنا ، والقذف ، وثبت التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع الصحابة - على ما تقدم في المائدة - فلا يجوز أن يتعدى الحد في ذلك كله .

قال ابن العربي : وهذا ما لم يتتابع الناس في الشر ، ولا احلولت لهم المعاصي ، حتى يتخذوها ضراوة ، ويعطفون عليها بالهوادة ، فلا يتناهوا عن منكر فعلوه ؛ فحينئذ تتعين الشدة ، ويزاد الحد لأجل زيادة الذنب .

وقد أتي عمر بسكران في رمضان فضربه مائة ؛ ثمانين حد الخمر ، وعشرين لهتك حرمة الشهر .

فهكذا يجب أن تركب العقوبات على تغليظ الجنايات ، وهتك الحرمات .

وقد لعب رجل بصبي فضربه الوالي ثلاثمائة سوط فلم يغير مالك حين بلغه ، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات ، والاستهتار بالمعاصي ، والتظاهر بالمناكر ، وبيع الحدود ، واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة ، لمات كمدا ، ولم يجالس أحدا ؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل .قلت : ولهذا المعنى - والله أعلم - زيد في حد الخمر حتى انتهى إلى ثمانين .

وروى الدارقطني ( حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا صفوان بن عيسى ، حدثنا أسامة بن زيد ، عن الزهري قال أخبرني عبد الرحمن بن أزهر قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد ، فأتي بسكران ، قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن عنده فضربوه بما في أيديهم .

وقال : وحثا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه التراب .

قال : ثم أتي أبو بكر - رضي الله عنه - بسكران ، قال : فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ ؛ فضرب أربعين .

قال الزهري : ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن ، عن ابن وبرة الكلبي قال : أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر ، قال فأتيته ومعه عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وهم معه متكئون في المسجد فقلت : إن خالد بن الوليد أرسلني إليك ، وهو يقرأ عليك السلام ، ويقول : إن الناس قد انهمكوا في الخمر !

وتحاقروا [ ص: 153 ] العقوبة فيه ؛ فقال عمر : هم هؤلاء عندك فسلهم .

فقال علي : نراه إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون ؛ قال فقال عمر : أبلغ صاحبك ما قال .

قال : فجلد خالد ثمانين ، وعمر ثمانين .

قال : وكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الذلة ضربه أربعين ، قال : وجلد عثمان أيضا ثمانين وأربعين ) .

ومن هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا .

في رواية لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم .

وروى حامد بن يحيى ، عن سفيان ، عن مسعر ، عن عطاء بن أبي مروان أن عليا ضرب النجاشي في الخمر مائة جلدة ؛ ذكره أبو عمرو ولم يذكر سببا .الثامنة عشرة : قوله تعالى : ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله أي لا تمتنعوا عن إقامة الحدود شفقة على المحدود ، ولا تخففوا الضرب من غير إيجاع ، وهذا قول جماعة أهل التفسير .

وقال الشعبي ، والنخعي ، وسعيد بن جبير : لا تأخذكم بهما رأفة قالوا في الضرب والجلد .

وقال أبو هريرة - رضي الله عنه - : إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة ؛ ثم قرأ هذه الآية .

والرأفة أرق الرحمة .

وقرئ ( رأفة ) بفتح الألف على وزن فعلة .

وقرئ ( رآفة ) على وزن فعالة ؛ ثلاث لغات هي كلها مصادر ، أشهرها الأولى ؛ من رؤف إذا رق ورحم .

ويقال : رأفة ورآفة مثل كأبة وكآبة .

وقد رأفت به ورؤفت به .

والرءوف من صفات الله تعالى : العطوف الرحيم .التاسعة عشرة : قوله تعالى : في دين الله أي في حكم الله ؛ كما قال تعالى : ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك أي في حكمه .

وقيل : في دين الله أي في طاعة الله وشرعه فيما أمركم به من إقامة الحدود .

ثم قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله تعالى : [ ص: 154 ] إن كنتم تؤمنون بالله .

وهذا كما تقول لرجل تحضه : إن كنت رجلا فافعل كذا ، أي هذه أفعال الرجال .الموفية عشرين : قوله تعالى : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قيل : لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق التأديب .

قال مجاهد : رجل فما فوقه إلى ألف .

وقال ابن زيد : لا بد من حضور أربعة قياسا على الشهادة على الزنا ، وأن هذا باب منه ؛ وهو قول مالك ، والليث ، والشافعي .

وقال عكرمة ، وعطاء : لا بد من اثنين ؛ وهذا مشهور قول مالك ، فرآها موضع شهادة .

وقال الزهري : ثلاثة ، لأنه أقل الجمع .

الحسن : واحد فصاعدا ، وعنه عشرة .

الربيع : ما زاد على الثلاثة .

وحجة مجاهد قوله تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ، وقوله : وإن طائفتان ، ونزلت في تقاتل رجلين ؛ فكذلك قوله تعالى : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين .

والواحد يسمى طائفة إلى الألف ؛ وقاله ابن عباس ، وإبراهيم .

وأمر أبو برزة الأسلمي بجارية له قد زنت وولدت فألقى عليها ثوبا ، وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربة غير مبرح ، ولا خفيف لكن مؤلم ، ودعا جماعة ، ثم تلا وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين .الحادية والعشرون : اختلف في المراد بحضور الجماعة .

هل المقصود بها الإغلاط على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس ؟

وأن ذلك يدع المحدود ومن شهده وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله ، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده ، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة ؛ قولان للعلماء .الثانية والعشرون : روي عن حذيفة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يا معاشر الناس ، اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال ثلاثا في الدنيا ، وثلاثا في الآخرة فأما اللواتي في الدنيا فيذهب البهاء ، ويورث الفقر ، وينقص العمر ، وأما اللواتي في الآخرة فيوجب السخط ، وسوء الحساب ، والخلود في النار .

وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أعمال أمتي تعرض علي في كل [ ص: 155 ] جمعة مرتين فاشتد غضب الله على الزناة .

وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله على أمتي فغفر لكل مؤمن لا يشرك بالله شيئا إلا خمسة ، ساحرا ، أو كاهنا ، أو عاقا لوالديه ، أو مدمن خمر ، أو مصرا على الزنا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا الحكم في الزاني والزانية البكرين، أنهما يجلد كل منهما مائة جلدة، وأما الثيب، فقد دلت السنة الصحيحة المشهورة، أن حده الرجم، ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة [بهما] في دين الله، تمنعنا من إقامة الحد عليهم، سواء رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله، فرحمته حقيقة، بإقامة حد الله عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه، فلا نرحمه من هذا الجانب، وأمر تعالى أن يحضر عذاب الزانيين طائفة، أي: جماعة من المؤمنين، ليشتهر ويحصل بذلك الخزي والارتداع، وليشاهدوا الحد فعلا، فإن مشاهدة أحكام الشرع بالفعل، مما يقوى بها العلم، ويستقر به الفهم، ويكون أقرب لإصابة الصواب، فلا يزاد فيه ولا ينقص، والله أعلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) أراد إذا كانا حرين بالغين عاقلين بكرين غير محصنين " فاجلدوا " : فاضربوا كل واحد منهما مائة جلدة ، يقال جلده إذا ضرب جلده ، كما يقال رأسه وبطنه ، إذا ضرب رأسه وبطنه ، وذكر بلفظ الجلد لئلا يبرح .

ولا يضرب بحيث يبلغ اللحم ، وقد وردت السنة أنه يجلد مائة ويغرب عاما وهو قول أكثر أهل العلم ، وإن كان الزاني محصنا فعليه الرجم ، ذكرناه في سورة النساء .

( ولا تأخذكم بهما رأفة ) رحمة ورقة ، وقرأ ابن كثير " رأفة " بفتح الهمزة ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لمجاورة قوله : " ورحمة " والرأفة معنى في القلب ، لا ينهى عنه ؛ لأنه لا يكون باختيار الإنسان .

روي أن عبد الله بن عمر جلد جارية له زنت ، فقال للجلاد : اضرب ظهرها ورجليها ، فقال له ابنه : لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ، فقال يا بني إن الله - عز وجل - لم يأمرني بقتلها وقد ضربت فأوجعت .

واختلفوا في معنى الآية .

فقال قوم : لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي .

وقال جماعة : معناها ولا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن .

قال الزهري : يجتهد في حد الزنا والفرية ويخفف في حد الشرب .

وقال قتادة : يجتهد في حد الزنا ويخفف في الشرب والفرية .

( في دين الله ) أي : في حكم الله ، ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) معناه أن المؤمن لا تأخذه الرأفة إذا جاء أمر الله تعالى .

( وليشهد ) وليحضر ( عذابهما ) حدهما إذا أقيم عليهما ( طائفة ) نفر ، ( من المؤمنين ) قال مجاهد والنخعي : أقله رجل واحد فما فوقه ، وقال عكرمة وعطاء : رجلان فصاعدا .

وقال الزهري وقتادة : ثلاثة فصاعدا .

وقال مالك وابن زيد : أربعة بعدد شهود الزنا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الزانية والزاني» أي غير المحصنين لرجمهما بالسنة وأل فيما ذكر موصولة وهو مبتدأ ولشبه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو «فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة» ضربة يقال جَلَدهُ: ضربَ جلدهُ ويزاد على ذلك بالسنة تغريب عام والرقيق على النصف مما ذكر «ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله» أي حكمه بأن تتركوا شيئا من حدهما «إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر» أي يوم البعث في هذا تحريض على ما قبل الشرط وهو جوابه أو دال على جوابه «وليشهد عذابهما» الجلد «طائفة من المؤمنين» قيل ثلاثة وقيل أربعة عدد شهود الزنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الزانية والزاني اللذان لم يسبق لهما الزواج، عقوبةُ كل منهما مائة جلدة بالسوط، وثبت في السنة مع هذا الجلد التغريب لمدة عام.

ولا تحملكم الرأفة بهما على ترك العقوبة أو تخفيفها، إن كنتم مصدقين بالله واليوم الآخر عاملين بأحكام الإسلام، وليحضر العقوبةَ عدد من المؤمنين؛ تشنيعًا وزجرًا وعظة واعتبارًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - : ( الزانية والزاني .

.

) شروع فى تفصيل الأحكام ، التى أشار إليها - سبحانه - فى الآية الأولى من هذه السورة ، وهى قوله : ( سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا .

.

.

) والزنا من الرجل معناه : وطء المرأة من غير ملك ولا شبهة ملك ومعناه من المرأة : أن تمكن الرجل من أن يزنى بها .والخطاب فى قوله - تعالى - : ( فاجلدوا .

.

.

) للحكام المكلفين بتنفيذ حدود الله - عز وجل - .قال الجمل : " وفى رفع " الزانية والزانى " وجهان : أحدهما - وهو مذهب سيبويه - أنه مبتدأ خبره محذوف .

أى : فيما يتلى عليكم حكم الزانية ، ثم بين ذلك بقوله : ( فاجلدوا .

.

) والثانى : وهو مذهب الأخفش وغيره - أنه مبتدأ .

والخير جملة الأمر ، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط .

.

" .فإن قيل : ما الحكمة فى أن يبدأ الله فى فاحشة الزنا بالمرأة ، وفى جريمة السرقة بالرجل ، حيث قال : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا .

.

.

) فالجواب : أن الزنا من المرأة أقبح ، فإنه يترتب عليه فساد الأنساب ، وإلحاق الدنس والعار بزوجها وأهلها ، وافتضاح أمرها عن طريق الحمل ، وفضلا عن ذلك ، فإن تمكينها نفسها للرجل : هو الذى كان السبب فى اقترافه هذه الفاحشة ، فلهذا وغيره قدمت المرأة هنا .وأما جريمة السرقة ، فالغالب أن الرجال أكثر إقداما عليها ، لأنها تحتاج إلى جسارة وقوة ، واجتياز للمخاطر .

.

.

لذا قدم الرجل على المرأة فيها .وقوله - تعالى - ( وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله .

.

) نهى منه - سبحانه - عن التهاون فى تنفيذ حدوده ، وحض على إقامتها بحزم وقوة ، والرأفة : أعلى درجات الرحمة .

يقال : رؤف فلان بفلان - بزنة كرم - إذا اشتد فى رحمته ، وفى العناية بأمره .أى : أقيموا - أيها الحكام - حدود الله - تعالى - على الزانية والزانى بأن تجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، دون أن تأخذكم شفقة أو رحمة فى تنفيذ هذه الحدود ، ودون أن تقبلوا فى التخفيف عنهما شفاعة شفيع ، أو وساطة وسيط ، فإن الله - تعالى - الذى شرع هذه الحدود .

وأمر بتنفيذها بكل شدة وقوة ، أرحم بعباده وبخلقه منكم .

والرحمة والرأفة فى تنفيذ أحكامه ، لا فى تعطيلها .

ولا فى إجرائها على غير وجهها .وقوله - سبحانه - : ( إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر .

.

.

) تأكيد لما قبله ، وإلهاب لمشاعرهم ، لتنفيذ حدود الله - تعالى - .أى : إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقا ، فأقيموا حدود الله ، وأجلدوا الزانية والزانى مائة جلدة ، لا تأخذكم بهما رأفة أو شفقة فى ذلك .وقوله - سبحانه - : ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين ) بيان لما يجب على الحكام أن يفعلوه عند تنفيذ العقوبة والأمر بشهود عذابهما للاستحباب لا للوجوب .والمراد بعذابهما : إقامة الحد عليهما ، والطائفة فى الأصل : اسم فاعل من الطواف ، وهو الدوران والإحاطة .

وتطلق الطائفة عند كثير من اللغوين على الواحد فما فوقه .قال الآلوسى : " والحق أن المراد بالطائفة هنا ، جماعة يحصل بهم التشهير والزجر ، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص فرب شخص يحصل تشهيره وزجره بثلاثة .

وآخر لا يحصل تشهيره وزجره بعشرة وللقائل بالأربعة هنا وجه وجيه " .ولعل السبب فى وجاهة رأى القائلين بالأربعة أن هذا العدد هو الذى يثبت به الزنا .أى : وليشهد إقامة الحد على الزانية والزانى ، عدد من المؤمنين ، ليكون زيادة فى التنكيل بمن يرتكب هذه الفاحشة ، وأدعى إلى الاعتبار والاتعاظ وأزجر لمن تسول له نفسه الإقدام على تلك الجريمة النكراء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ الزانية والزاني ﴾ رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند الخليل وسيبويه على معنى: فيما فرض الله عليكم الزانية والزاني أي فاجلدوهما، ويجوز أن يكون الخبر فاجلدوا وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمنه معنى الشرط تقديره التي زنت والذي زنى فاجلدوهما كما تقول من زنا فاجلدوه، وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، وقرئ والزان بلا ياء، واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بالشرعيات والثاني: ما يتعلق بالعقليات ونحن نأتي على البابين بقدر الطاقة إن شاء الله تعالى.

النوع الأول: الشرعيات، واعلم أن الزنا حرام وهو من الكبائر ويدل عليه أمور: أحدها: أن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى: ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يلق آثاماً  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً  ﴾ .

وثانيها: أنه تعالى أوجب المائة فيها بكمالها بخلاف حد القذف وشرب الخمر، وشرع فيه الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة وأمر بشهود الطائفة للتشهير وأوجب كون تلك الطائفة من المؤمنين، لأن الفاسق من صلحاء قومه أخجل.

وثالثها: ما روى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فسخط الله سبحانه وتعالى وسوء الحساب وعذاب النار».

وعن عبد الله قال قلت يا رسول الله: أي الذنب أعظم عند الله؟

قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك»، قلت ثم أي؟

قال: «وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك».

قلت: ثم أي؟

قال: «وأن تزني بحليلة جارك» فأنزل الله تعالى تصديقها: ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ  ﴾ واعلم أنه يجب البحث في هذه الآية عن أمور: أحدها: عن ماهية الزنا.

وثانيها: عن أحكام الزنا.

وثالثها: عن الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً لتلك الأحكام.

ورابعها: عن الطريق الذي به يعرف حصول الزنا.

وخامسها: أن المخاطبين بقوله: ﴿ فاجلدوهم  ﴾ من هم؟.

وسادسها: أن الرجم والجلد المأمور بهما في الزنا كيف يكون حالهما؟.

البحث الأول: عن ماهية الزنا قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم قطعاً وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن اللواطة هل ينطلق عليها اسم الزنا أم لا؟

فقال قائلون نعم.

واحتج عليه بالنص والمعنى، أما النص فما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان».

وأما المعنى فهو أن اللواط مثل الزنا صورة ومعنى.

أما الصورة فلأن الزنا عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم قطعاً، والدبر أيضاً فرج لأن القبل إنما سمى فرجاً لما فيه من الانفراج، وهذا المعنى حاصل في الدبر أكثر ما في الباب أن في العرف لا تسمى اللواطة زنا ولكن هذا لا يقدح في أصل اللغة، كما يقال هذا طبيب وليس بعالم مع أن الطب علم، وأما المعنى فلأن الزنا قضاء للشهوة من محل مشتهى طبعاً على جهة الحرام المحض، وهذا موجود في اللواط لأن القبل والدبر يشتهيان لأنهما يشتركان في المعاني التي هي متعلق الشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل، ولذلك فإن من يقول بالطبائع لا يفرق بين المحلين، وإنما المفرق هو الشرع في التحريم والتحليل، فهذا حجة من قال اللواط داخل تحت اسم الزنا، وأما الأكثرون من أصحابنا فقد سلموا أن اللواط غير داخل تحت اسم الزنا واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: العرف المشهور من أن هذا لواط وليس بزنا وبالعكس والأصل عدم التغيير.

وثانيها: لو حلف لا يزني فلاط لا يحنث.

وثالثها: أن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط وكانوا عالمين باللغة فلو سمي اللواط زناً لأغناهم نص الكتاب في حد الزنا عن الاختلاف والاجتهاد، وأما الحديث فهو محمول على الإثم بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان».

وقال عليه الصلاة والسلام: «اليدان تزنيان والعينان تزنيان».

وأما القياس فبعيد لأن الفرج وإن كان سمي فرجاً لما فيه من الانفراج فلا يجب أن يسمى كل ما فيه انفراج بالفرج وإلا لكان الفم والعين فرجاً، وأيضاً فهم سموا النجم نجماً لظهوره، ثم ما سموا كل ظاهر نجماً.

وسموا الجنين جنيناً لاستناره، وما سموا كل مستتر جنيناً، واعلم أن للشافعي رحمه الله في فعل اللواط قولان أصحهما عليه حد الزنا إن كان محصناً يرجم، وإن لم يكن محصناً يجلد مائة ويغرب عاماً وثانيهما: يقتل الفاعل والمفعول به سواء كان محصناً أو لم يكن محصناً، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ثم في كيفية قتله أوجه: أحدها: تحز رقبته كالمرتد.

وثانيها: يرجم بالحجارة وهو قول مالك وأحمد وإسحاق.

وثالثها: يهدم عليه جدار، يروى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ورابعها: يرمى من شاهق جبل حتى يموت، يروى ذلك عن علي عليه السلام وإنما ذكروا هذه الوجوه: لأن الله تعالى عذب قوم لوط بكل ذلك فقال تعالى: ﴿ جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ  ﴾ وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يحد اللوطي بل يعذر، أما المفعول به فإن كان عاقلاً بالغاً طائعاً فإن قلنا على الفاعل القتل فيقتل المفعول به على صفة قتل الفاعل للخبر، وإن قلنا على الفاعل حد الزنا فعلى المفعول به مائة جلدة وتغريب عام محصناً كان أو غير محصن، وقيل إن كانت امرأة محصنة فعليها الرجم، وليس بصحيح لأنها لا تصير محصنة بالتمكين في الدبر فلا يلزمها حد المحصنات كما لو كان المفعول به، ذكر حجة الشافعي رحمه الله على وجوب الحد من وجوه: الأول: أن اللواط، إما أن يساوي الزنا في الماهية أو يساويه في لوازم هذه الماهية وإذا كان كذلك وجب الحد بيان الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان».

فاللفظ دل على كون اللائط زانياً، واللفظ الدال بالمطابقة على ماهية دال بالالتزام على حصول جميع لوازمها، ودلالة المطابقة والالتزام مشتركان في أصل الدلالة، فاللفظ الدال على حصول الزنا دال على حصول جميع اللوازم، ثم بعد هذا إن تحقق مسمى الزنا في اللواط دخل تحت قوله: ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا ﴾ وإن لم يتحقق مسمى الزنا وجب أن يتحقق لوازم مسمى الزنا لما ثبت أن اللفظ الدال على تحقق ماهية دال على تحقق جميع تلك اللوازم ترك العمل به في حق الماهية فوجب أن يبقى معمولاً به في الدلالة على جميع تلك اللوازم، لكن من لوازم الزنا وجوب الحد فوجب أن يتحقق ذلك في اللواط.

أكثر ما في الباب أنه ترك العمل بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان».

لكن لا يلزم من ترك العمل هناك تركه هاهنا الثاني: أن اللائط يجب قتله فوجب أن يقتل رجماً.

بيان الأول: قوله عليه السلام: «من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل منهما والمفعول به».

وبيان الثاني: أنه لما وجب قتله وجب أن يكون زانياً وإلا لما جاز قتله لقوله عليه السلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى ثلاث» وهاهنا لم يوجد كفر بعد إيمان ولا قتل نفس بغير حق فلو لم يوجد الزنا بعد الإحصان لوجب أن لا يقتل، وإذا ثبت أنه وجد الزنا بعد الإحصان وجب الرجم لهذا الحديث الثالث: نقيس اللواط على الزنا، والجامع أن الطبع داع إليه لما فيه من الالتذاذ وهو قبيح فيناسب الزجر، والحد يصلح زاجراً عنه.

قالوا: والفرق من وجهين: أحدهما: أنه وجد في الزنا داعيات، فكان وقوعه أكثر فساداً فكانت الحاجة إلى الزاجر أتم الثاني: أن الزنا يقتضي فساد الأنساب والجواب: إلغاؤهما بوطء العجوز الشوهاء واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه: أحدها: اللواط ليس بزنا على ما تقدم فوجب أن لا يقتل لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى ثلاث».

وثانيها: أن اللواط لا يساوي الزنا في الحاجة إلى شرع الزاجر، ولا في الجناية فلا يساويه في الحد بيان عدم المساواة في الحاجة.

أن اللواطة وإن كانت يرغب فيها الفاعل لكن لا يرغب فيها المفعول طبعاً بخلاف الزنا، فإن الداعي حاصل من الجانبين، وأما عدم المساواة في الجناية فلأن في الزنا إضاعة النسب ولا كذلك اللواط، إذا ثبت هذا فوجب أن لا يساويه في العقوبة، لأن الدليل ينفي شرع الحد لكونه ضرراً ترك العمل به في الزنا، فوجب أن يبقى في اللواط على الأصل.

وثالثها: أن الحد كالبدل عن المهر فلما لم يتعلق باللواط المهر فكذا الحد والجواب: عن الأول أن اللواط وإن لم يكن مساوياً للزنا في ماهيته لكنه يساويه في الأحكام وعن الثاني: أن اللواط وإن كان لا يرغب فيه المفعول لكن ذلك بسبب اشتداد رغبة الفاعل، لأن الإنسان حريص على ما منع وعن الثالث: أنه لابد من الجامع، والله أعلم.

المسألة الثانية: أجمعت الأمة على حرمة إتيان البهائم.

وللشافعي رحمه الله في عقوبته أقوال: أحدها: يجب به حد الزنا فيرجم المحصن ويجلد غير المحصن ويغرب والثاني: أنه يقتل محصناً كان أو غير محصن.

لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه» فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟

فقال: ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها، وقد عمل بها ذلك العمل والقول الثالث: وهو الأصح وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري وأحمد رحمهم الله: أن عليه التعزير لأن الحد شرح للزجر عما تميل النفس إليه، وهذا الفعل لا تميل النفس إليه، وضعفوا حديث ابن عباس رضي الله عنهما لضعف إسناده وإن ثبت فهو معارض بما روي أنه عليه السلام نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله.

المسألة الثالثة: السحق من النسوان وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها إلا التعزير.

البحث الثاني: عن أحكام الزنا.

واعلم أنه كان في أول الإسلام عقوبة الزاني الحبس إلى الممات في حق الثيب، والأذى بالكلام في حق البكر.

قال الله تعالى: ﴿ وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا  وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا  ﴾ ثم نسخ ذلك فجعل حد الزنا على الثيب الرجم وحد البكر الجلد والتغريب، ولنذكر هاتين المسألتين: المسألة الأولى: الخوارج أنكروا الرجم واحتجوا فيه بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات  ﴾ فلو وجب الرجم على المحصن لوجب نصف الرجم على الرقيق لكن الرجم لا نصف لها.

وثانيها: أن الله سبحانه ذكر في القرآن أنواع المعاصي من الكفر والقتل والسرقة، ولم يستقص في أحكامها كما استقصى في بيان أحكام الزنا، ألا ترى أنه تعالى نهى عن الزنا بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى  ﴾ ثم توعد عليه ثانياً بالنار كما في كل المعاصي، ثم ذكر الجلد ثالثاً ثم خص الجلد بوجوب إحضار المؤمنين رابعاً، ثم خصه بالنهي عن الرأفة عليه بقوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله ﴾ خامساً، ثم أوجب على من رمى مسلماً بالزنا ثمانين جلدة، وسادساً، لم يجعل ذلك على من رماه بالقتل والكفر وهما أعظم منه، ثم قال سابعاً: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ﴾ ثم ذكر ثامناً من رمى زوجته بما يوجب التلاعن واستحقاق غضب الله تعالى ثم ذكر تاسعاً أن ﴿ الزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ  ﴾ ، ثم ذكر عاشراً أن ثبوت الزنا مخصوص بالشهود الأربعة فمع المبالغة في استقصاء أحكام الزنا قليلاً وكثيراً لا يجوز إهمال ما هو أجل أحكامها وأعظم آثارها، ومعلوم أن الرجم لو كان مشروعاً لكان أعظم الآثار فحيث لم يذكره الله تعالى في كتابه دل على أنه غير واجب.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا ﴾ يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة، وإيجاب الرجم على البعض بخبر الواحد يقتضي تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو غير جائز.

لأن الكتاب قاطع في متنه، وخبر الواحد غير قاطع في متنه، والمقطوع راجح على المظنون، واحتج الجمهور <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الزانية والزانى ﴾ أي جلدهما.

ويجوز أن يكون الخبر: ﴿ فاجلدوا ﴾ ، وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمينه معنى الشرط، تقديره: التي زنت، والذي زنى فاجلدوهما، كما تقول: من زنى فاجلدوه، وكقوله: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فاجلدوهم ﴾ [النور: 4] .

وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، وهو أحسن من سورة أنزلناها لأجل الأمر.

وقرئ: ﴿ والزان ﴾ بلا ياء.

والجلد: ضرب الجلد، يقال: جلده، كقولك: ظهره وبطنه ورأسه.

فإن قلت: أهذا حكم جميع الزناة والزواني، أم حكم بعضهم؟

قلت: بل هو حكم من ليس بمحصن منهم، فإنّ المحصن حكمه الرجم.

وشرائط الإحصان عند أبي حنيفة ست: الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والتزوج بنكاح صحيح، والدخول.

إذا فقدت واحدة منها فلا إحصان.

وعند الشافعي: الإسلام ليس بشرط، لما روي: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رجَم يهودِيّين زَنياً.

وحجة أبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَشرَكَ باللَّهِ فليسَ بمحصنٍ» فإن قلت: اللفظ يقتضي تعليق الحكم بجميع الزناة والزواني، لأن قوله: ﴿ الزانية والزانى ﴾ عام في الجميع، يتناول المحصن وغير المحصن.

قلت: الزانية والزاني يدلاّن على الجنسين المنافيين لجنسي العفيف والعفيفة دلالة مطلقة والجنسية قائمة في الكلّ والبعض جميعاً، فأيهما قصد المتكلم فلا عليه، كما يفعل بالاسم المشترك ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ .

وقرئ: ﴿ ولا يأخذكم ﴾ بالياء.

ورأفة، بفتح الهمزة.

ورآفة على فعالة.

والمعنى: أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الجدّ والمتانة فيه، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده.

وكفى برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة في ذلك حيث قال: «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ﴾ من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه وقيل: لا تترحموا عليهما حتى لا تعطلوا الحدود أو حتى لا توجعوهما ضرباً.

وفي الحديث: «يُؤتى بوالٍ نقصَ مِنَ الحدّ سوطاً، فيقولُ: رحمةٌ لعبادِك، فيقالُ لَهُ: أأنتَ أرحمُ بهم مِنِّي، فيؤمرُ به إلى النار.

ويؤتى بمن زاد سوطاً فيقولُ لينتهوا عَنْ معاصِيك فيؤمرُ به إلى النار» ، وعن أبي هريرة: «إقامة حدّ بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة» وعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلاً عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب.

والرجل يجلد قائماً على مجرّده ليس عليه إلاّ إزاره؛ ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيناً، مفرّقاً على الأعضاء كلها لا يستثنى منها إلاّ ثلاثاً: الوجه والرأس، والفرج، وفي لفظ الجلد: إشارة إلى أنه ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم.

والمرأة تجلد قاعدة، ولا ينزع من ثيابها إلاّ الحشو والفرو، وبهذه الآية استشهد أبو حنيفة على أن الجلد حدّ غير المحصن بلا تغريب.

وما احتج به الشافعي على وجوب التغريب من قوله صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» وما يروى عن الصحابة: أنهم جلدوا ونفوا؛ منسوخ عنده وعند أصحابه بالآية، أو محمول على وجه التعزيز، والتأديب من غير وجوب.

وقول الشافعي في تغريب الحرّ واحد، وله في العبد ثلاثة أقاويل: يغرب سنة كالحرّ، ويغرب نصف سنة كما يجلد خمسين جلدة، ولا يغرب كما قال أبو حنيفة.

وبهذه الآية نسخ الحبس والأذى في قوله تعالى: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ [النساء: 15] ، وقوله تعالى: ﴿ فَآذوهما ﴾ .

قيل: تسميته عذاباً دليل على أنه عقوبة.

ويجوز أن يسمى عذاباً، لأنه يمنع من المعاودة كما سمي نكالاً.

الطائفة: الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وأقلها ثلاثة أو أربعة؛ وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء.

وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعة إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله.

وعن الحسن: عشرة.

وعن قتادة: ثلاثة فصاعداً.

وعن عكرمة: رجلان فصاعداً.

وعن مجاهد: الواحد فما فوقه.

وفضل قول ابن عباس، لأنّ الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها هذا الحدّ والصحيح أن هذه الكبيرة من أمّهات الكبائر، ولهذا قرنها الله بالشرك وقتل النفس في قوله: ﴿ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً ﴾ [الفرقان: 68] ، وقال: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴾ [الإسراء: 32] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشرَ الناسِ اتقُوا الزنَى فإنَّ فيهِ ستُّ خصالٍ: ثلاثٌ في الدُّنيا، وثلاثٌ في الآخرة.

فأمّا اللاَّتي في الدُنيا: فيَذهبُ البهاء: ويورثُ الفقرَ، وينقصُ العمرَ، وأما اللاتي في الآخرة: فيُوجبُ السخطةَ، وسوءَ الحسابِ، والخلودَ في النار» ولذلك وفّى الله فيه عقد المائة بكماله، بخلاف حدّ القذف وشرب الخمر.

وشرع فيه القتلة الهولة وهي الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة على المجلود فيه.

وأمر بشهادة الطائفة للتشهير، فوجب أن تكون طائفة يحصل بها التشهير، والواحد والاثنان ليسوا بتلك المثابة، واختصاصه المؤمنين لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل.

ويشهد له قول ابن عباس رضي الله عنهما: إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي ﴾ أوْ فِيما فَرَضْنا أوْ أنْزَلْنا حُكْمَهُما وهو الجَلْدُ، ويَجُوزُ أنْ يُرْفَعا بالِابْتِداءِ والخَبَرُ: ﴿ فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ إذِ اللّامُ بِمَعْنى الَّذِي، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ وهو أحْسَنُ مِن نَصْبِ سُورَةٌ لِأجْلِ الأمْرِ والزّانِ بِلا ياءٍ، وإنَّما قَدَّمَ ﴿ الزّانِيَةُ ﴾ لِأنَّ الزِّنا في الأغْلَبِ يَكُونُ بِتَعَرُّضِها لِلرَّجُلِ وعَرْضِ نَفْسِها عَلَيْهِ ولِأنَّ مَفْسَدَتُهُ تَتَحَقَّقُ بِالإضافَةِ إلَيْها، والجَلْدُ ضَرْبُ الجِلْدِ وهو حُكْمٌ يُخَصُّ بِمَن لَيْسَ بِمُحْصَنٍ لِما دَلَّ عَلى أنَّ حَدَّ المُحْصَنِ هو الرَّجْمُ، وزادَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ تَغْرِيبَ الحُرِّ سَنَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ»، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدْفَعُهُ لِيَنْسَخَ أحَدُهُما الآخَرَ نَسْخًا مَقْبُولًا أوْ مَرْدُودًا، ولَهُ في العَبْدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

والإحْصانُ: بِالحُرِّيَّةِ والبُلُوغِ والعَقْلِ والإصابَةِ في نِكاحٍ صَحِيحٍ، واعْتَبَرَتِ الحَنَفِيَّةُ الإسْلامَ أيْضًا وهو مَرْدُودٌ بِرَجْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَهُودِيَّيْنِ، ولا يُعارِضُهُ «مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» إذِ المُرادُ بِالمُحْصَنِ الَّذِي يُقْتَصُّ لَهُ مِنَ المُسْلِمِ.

﴿ وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ ﴾ رَحْمَةٌ.

﴿ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ في طاعَتِهِ وإقامَةِ حَدِّهِ فَتُعَطِّلُوهُ أوْ تُسامِحُوا فِيهِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَوْ سَرَقَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَها» .

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقُرِئَتْ بِالمَدِّ عَلى فَعّالَةٍ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي الجِدَّ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى والِاجْتِهادَ في إقامَةِ حُدُودِهِ وأحْكامِهِ، وهو مِن بابِ التَّهْيِيجِ.

﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ زِيادَةً في التَّنْكِيلِ فَإنَّ التَّفْضِيحَ قَدْ يُنَكِّلُ أكْثَرَ مِمّا يُنَكِّلُ التَّعْذِيبُ، والـ ( طائِفَةٌ ) فِرْقَةٌ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حافَّةً حَوْلَ شَيْءٍ مِنَ الطَّوْفِ وأقَلُّها ثَلاثَةٌ وقِيلَ واحِدٌ واثْنانِ، والمُرادُ جَمْعٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّشْهِيرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الزانية والزاني} رفعها على الابتداء والخبر محذوف أي فيما فرض عليكم الزانية والزانى أى

النور (٣ - ٢)

جلدهما أو الخبر فاجلدوا ودخلت الفاءلكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمينه معنى الشرط وتقديره التي زنت والذي زنى فاجلدوهما كما تقول من زنى فاجلدوه وكقوله والذين يَرْمُونَ المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهما وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من سورة أنزلناها لأجل الأمر {فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ} الجلد ضرب الجلد وفيه إشارة إلى

أنه يبالغ ليصح الألم إلى اللحم والخطاب للأئمة لأن إقامة الحد من الدين وهي على الكل إلا أنهم لا يمكنهم الاجتماع فينوب الإمام منابهم وهذا حكم حر ليس بمحصن إذ حكم المحصن الرجم وشرائط إحصان الرجم الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والتزوج بنكاح صحيح والدخول وهذا دليل على أن التغريب غير مشروع لأن الفاء إنما يدخل على الجزاء وهو اسم الكافى والتغريب المروي منسوخ بالآية كما نسخ الحبس والأذى في قوله فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت وقوله فآذوهما بهذه الآية {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} أي رحمة والفتح لغة وهي قراءة مكي وقيل الرأفة في دفع المكروه والرحمة في إيصال المحبوب والمعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ولا يأخذهم اللين فى استيفاء حدوده فيعطلوا الحدود أو يخلفوا الضرب {فِى دِينِ الله} أي في طاعة الله أو حكمه {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} من باب التهيج وإلهاب الغضب لله ولدينه وجواب الشرط مضمر أي فاجلدوا ولا تعطلوا الحد {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} وليحضر موضع حدهما وتسمية عذاباً دليل على أنه عقوبة {طَائِفَةٌ} فرقة يمكن أن تكون حلقة ليعتبروا وينزجر هو وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفة غالبة كانها الجماعة الحافة حول شئ وعن ابن عباس رضى الله عنهما أربعة إلى أربعين رجلاً {مِنَ المؤمنين} من المصدقين بالله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ الأحْكامِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها أوَّلًا، ورَفْعُ «الزّانِيَةَ» عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةُ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ والأصْلُ مِمّا يُتْلى عَلَيْكم أوْ في الفَرائِضِ أيِ المُشارِ إلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وفَرَضْناها ﴾ حُكْمُ الزّانِيَةِ والزّانِي، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ سَبَبِيَّةٌ وقِيلَ سَيْفُ خَطِيبٍ، وذَهَبَ الفِراءُ والمِبْرَدُ والزَّجّاجُ إلى أنَّ الخَبَرَ جُمْلَةُ «فاجْلِدُوا» إلَخْ، والفاءُ في المَشْهُورِ لِتَضْمَنَ المُبْتَدَأ مَعْنى الشَّرْطِ إذِ اللّامُ فِيهِ وفِيما عَطَفَ عَلَيْهِ مَوْصُولَةٌ أيِ الَّتِي زِنْتَ والَّذِي زَنى فاجْلِدُوا إلَخْ، وبَعْضُهم يُجَوِّزُ دُخُولَ الفاءِ في الخَبَرِ إذا كانَ في المُبْتَدَإ مَعْنًى يَسْتَحِقُّ بِهِ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الخَبَرُ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْصُولٌ كَما في قَوْلِهِ: «وقائِلَةُ خَوْلانِ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ» فَإنَّ هَذِهِ القَبِيلَةَ مَشْهُورَةٌ بِالشَّرَفِ والحُسْنِ شُهْرَةَ حاتِمٍ بِالسَّخاءِ وعَنْتَرَةَ بِالشَّجاعَةِ وذَلِكَ مَعْنًى يَسْتَحِقُّ بِهِ أنَّ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالنِّكاحِ وعَلى هَذا يَقْوى أمْرُ دُخُولِ الفاءِ هُنا كَما لا يَخْفى، وقالَ العَلامَةُ القُطْبُ: جِيءَ بِالفاءِ لِوُقُوعِ المُبْتَدَإ بَعْدَ أمّا تَقْدِيرًا أيْ أمّا الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا إلَخْ، ونُقِلَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّها سَيْفُ خَطِيبٍ، والدّاعِي لِسِيبَوَيْهَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ما يَفْهَمُ مِنَ الكِتابِ كَما قِيلَ مِن أنَّ النَّهْجَ المَأْلُوفَ في كَلامِ العَرَبِ إذا أُرِيدَ بَيانُ مَعْنًى وتَفْصِيلُهُ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ أنْ يَذْكُرَ قَبْلَهُ ما هو عُنْوانٌ وتَرْجَمَةٌ لَهُ وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يُبْنى عَلى جُمْلَتَيْنِ فَما ذَهَبَ إلَيْهِ في الآيَةِ أوْلى لِذَلِكَ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ، وأيْضًا هو سالِمٌ مِن وُقُوعِ الإنْشاءِ خَبَرًا والدَّغْدَغَةُ الَّتِي فِيهِ، وأمْرُ الفاءِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: سَبَبُ الخِلافِ أنَّ سِيبَوَيْهَ والخَلِيلَ يَشْتَرِطانِ في دُخُولِ الفاءِ الخَبَرَ كَوْنَ المُبْتَدَإ مَوْصُولًا لا بِما يَقْبَلُ مُباشَرَةً أداةَ الشَّرْطِ وغَيْرُهُما لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «والزّانِ» بِلا ياءٍ تَخْفِيفًا، وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو السِّمالِ ورُوَيْسٌ «الزّانِيَةَ والزّانِي» بِنَصْبِهِما عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، والفاءُ عَلى ما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ لِأنَّ مَآلَ المَعْنى إلى الشَّرْطِ والأمْرُ في الجَوابِ يَقْتَرِنُ بِها فَيَجُوزُ زَيْدًا فَأضْرِبُهُ لِذَلِكَ ولا يَجُوزُ زَيْدًا فَضَرَبْتُهُ بِالفاءِ لِأنَّها لا تَدْخُلُ في جَوابِ الشَّرْطِ إذا كانَ ماضِيًا.

والمُرادُ هُنا عَلى ما في بَعْضِ شُرُوحِ الكَشّافِ إنْ أرَدْتُمْ مَعْرِفَةَ حُكْمِ الزّانِيَةِ والزّانِي فاجْلِدُوا إلَخْ، وقِيلَ: إنْ جَلَدْتُمُ الزّانِيَةَ والزّانِيَ فاجْلِدُوا إلَخْ وهو لا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ المُرادِ وقِيلَ دَخَلَتِ الفاءُ لِأنَّ حَقَّ المُفَسِّرِ أنْ يَذْكُرَ عَقْبَ المُفَسِّرِ كالتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً والمُرادُ جَلْدٌ بَعْدَ جَلْدٍ وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ مُفَسِّرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ النَّوْعِيِّ انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَعْهَدِ العَطْفَ بِالفاءِ فِيما اتَّحَدَ فِيهِ لَفْظُ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ وقَدْ نَصُّوا عَلى عَدَمِ جَوازِ زَيْدًا فَضَرَبْتُهُ بِالِاتِّفاقِ فَلَوْ ساغَ العَطْفَ فِيما ذَكَرَ لَجازَ هَذا عَلى مَعْنى ضَرْبٍ بَعْدَ ضَرْبٍ، عَلى أنَّ كَوْنَ المُرادِ فِيما نَحْنُ فِيهِ جَلْدٌ بَعْدَ جَلْدٍ مِمّا لا يَخْفى ما فِيهِ فالظّاهِرُ ما نَقَلَ عَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ، والمَشْهُورُ أنَّ سِيبَوَيْهَ والخَلِيلَ يُفَضِّلانِ قِراءَةَ النَّصْبِ لِمَكانِ الأمْرِ، وغَيْرُهُما مِنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ يُفَضِّلُونَ الرَّفْعَ لِأنَّهُ كالإجْماعِ في القِراءَةِ وهو أقْوى في العَرَبِيَّةِ لِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ مَن زَنى فاجْلِدُوهُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ الخَفاجِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ في هَذا المَقامِ: لَيْسَ في كَلامِ سِيبَوَيْهَ شَيْءٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ كَما سَمِعْتُ بَلْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الرَّفْعَ في نَحْوِ ذَلِكَ أفْصَحُ وأبْلَغُ مِنَ النَّصْبِ مِن جِهَةِ المَعْنى وأفْصَحُ مِنَ الرَّفْعِ عَلى أنَّ الكَلامَ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ مِن جِهَةِ المَعْنى واللَّفْظِ مَعًا فَلْيُراجِعْ ولِيَتَأمَّلْ والجَلْدُ ضَرْبُ الجَلْدِ وقَدْ طَرَدَ صَوْغَ فِعْلِ المَفْتُوحِ العَيْنِ الثُّلاثِيِّ مِن أسْماءِ الأعْيانِ فَيُقالُ رَأْسُهُ وظَهْرُهُ وبَطْنُهُ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ مَعْنى جَلْدِهِ ضَرْبِهِ بِالجَلْدِ نَحْوِ عَصاهُ ضَرْبَهُ بِالعَصا، والمُرادُ هُنا المَعْنى الأوَّلَ فَإنَّ الأخْبارَ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ الزّانِيَةَ والزّانِيَ يَضْرِبانِ بِسَوْطٍ لا عُقْدَةَ عَلَيْهِ ولا فَرْعَ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ كَوْنَ الجَلْدِ بِسَوْطٍ كَذَلِكَ كانَ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ وأمّا قَبْلَهُ فَكانَ تارَةً بِاليَدِ وتارَةً بِالنَّعْلِ وتارَةً بِالجَرِيدَةِ الرَّطْبَةِ وتارَةً بِالعَصا، ثُمَّ الظّاهِرُ مِن ضَرْبِ الجَلْدِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِلا واسِطَةٍ أوْ بِواسِطَةٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم ولَيْسَ بِشَيْءٍ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ بِلا واسِطَةٍ وأنَّهُ رُبَّما يَسْتَأْنِسُ بِهِ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُنا وبِهِ قالَ مالِكٌ مِن أنَّهُ يُنْزَعُ عَنِ الزّانِي عِنْدَ الجَلْدِ ثِيابُهُ إلّا الإزارَ فَإنَّهُ لا يَنْزِعُ لِسَتْرِ عَوْرَتِهِ بِهِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ أنَّهُ يُتْرَكُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أوْ قَمِيصانِ، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ في حَدٍّ فَضَرَبَهُ وعَلَيْهِ كِساءٌ قَسْطَلانِيٍّ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَحِلُّ في هَذِهِ الأُمَّةِ تَجْرِيدَ ولا مَدَّ، وأمّا الِامْرَأةُ فَلا يُنْزَعُ عَنْها ثِيابُها عِنْدَنا إلّا الفَرْوِ والمَحْشُوِّ ووَجْهٌ ظاهِرٌ.

وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ في عَدَمِ نَزْعِ الثِّيابِ إلّا الفَرْوِ والمَحْشُوِّ سَواءٌ، وكَأنَّ مَن لا يَقُولُ بِنَزْعِ الثِّيابِ يَقُولُ: إنَّ الجَلْدَ في العُرْفِ الضَّرْبُ مُطْلَقًا ولَيْسَ خاصًّا بِضَرْبِ الجِلْدِ بِلا واسِطَةٍ، نَعَمْ رُبَّما يُقالُ: إنَّ في اخْتِيارِهِ عَلى الضَّرْبِ إشارَةً إلى أنَّ المُرادَ ضَرْبٌ يُؤْلِمُ الجِلْدَ وكَأنَّهُ لِهَذا قِيلَ يُنْزَعُ الفَرْوُ والمَحْشُوُّ فَإنَّ الضَّرْبَ في الأغْلَبِ لا يُؤْلِمُ جِلْدَ مَن عَلَيْهِ واحِدٌ مِنهُما، ويَنْبَغِي أنْ لا يَكُونُ الضَّرْبُ مُبَرِّحًا لِأنَّ الإهْلاكَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، ومِن هُنا قالُوا: إذا كانَ مَن وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ ضَعِيفُ الخِلْقَةِ فَخِيفَ عَلَيْهِ الهَلاكُ يَجْلَدُ جَلْدًا ضَعِيفًا يَحْتَمِلُهُ، وكَذا قالُوا: يُفْرَّقُ الضَّرْبُ عَلى أعْضاءِ المَحْدُودِ لِأنَّ جَمْعَهُ في عُضْوٍ قَدْ يُفْسِدُهُ ورُبَّما يُفْضِي إلى الهَلاكِ، ويَنْبَغِي أنْ يُتَّقى الوَجْهُ والمَذاكِيرُ لِما رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلى عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ سَكْرانٍ أوْ في حَدٍّ فَقالَ: اضْرِبْ وأعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ واتَّقِ الوَجْهَ والمَذاكِيرَ، وكَذا الرَّأْسُ لِأنَّهُ مَجْمَعُ الحَواسِّ الباطِنَةِ فَرُبَّما يُفْسَدُ وهو إهْلاكُ مَعْنًى، وكانَ أبُو يُوسُفَ يَقُولُ بِاتِّقائِهِ ثُمَّ رَجَعَ وقالَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً واحِدَةً، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ اسْتَثْنى البَطْنَ والصَّدْرَ وفِيهِ نَظَرٌ إلّا أنْ يُقالَ: كانَ الضَّرْبُ في زَمانِهِ كالضَّرْبِ الَّذِي يَفْعَلُهُ ظَلَمَةُ زَمانِنا وحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ بِاسْتِثْناءِ الرَّأْسِ قَطْعًا، وعَنْ مالِكٍ أنَّهُ خَصَّ الظَّهْرَ وما يَلِيهِ بِالجَلْدِ لِما صَحَّ مِن «قَوْلِهِ  لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ: «البَيِّنَةُ وإلّا فَحَدَّ في ظَهْرِكَ»» وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ بِالظَّهْرِ فِيهِ نَفْسُهُ أيْ فَحَدٌّ ثابِتٌ عَلَيْكَ بِدَلِيلِ ما ثَبَتَ عَنْ كِبارِ الصَّحابَةِ مِن عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقَوْلُهُ  : ««إذا ضَرَبَ أحَدُكم فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ»» فَإنَّهُ في نَحْوِ الحَدِّ فَما سِواهُ داخِلٌ في الضَّرْبِ، ثُمَّ خَصَّ مِنهُ الفَرْجَ بِدَلِيلِ الإجْماعِ، وعَنْ مُحَمَّدٍ في التَّعْزِيزِ ضَرَبَ الظَّهْرَ وفي الحُدُودِ ضَرَبَ الأعْضاءَ، ثُمَّ هَذا الضَّرْبُ يَكُونُ لِلرَّجُلِ قائِمًا غَيْرَ مَمْدُودٍ ولِلْمَرْأةِ قاعِدَةً وجاءَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وكَأنَّ وجْهَهُ أنَّ مَبْنِيَّ الحَدِّ عَلى التَّشْهِيرِ زَجْرًا لِلْعامَّةِ عَنْ مِثْلِهِ والقِيامُ أبْلَغُ فِيهِ، والمَرْأةُ مَبْنِيٌّ أمْرِها عَلى السَّتْرِ فَيُكْتَفى بِتَشْهِيرِ الحَدِّ فَقَطْ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، وإنِ امْتَنَعَ الرَّجُلُ ولَمْ يَقِفْ أوْ لَمْ يَصْبِرْ فَلا بَأْسَ بِرَبْطِهِ عَلى أُسْطُوانَةٍ أوْ إمْساكِ أحَدٍ لَهُ، والمُرادُ مِنَ العَدَدِ المَفْرُوضِ في جَلْدِ كُلٍّ واحِدٍ مِنهُما أعْنِي مِائَةَ جَلْدَةٍ ما يُقالُ لَهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وإنْ لَمْ تَتَعَيَّنِ الأوْلى والثّانِيَةُ والثّالِثَةُ وهَكَذا إلى تَمامِ المِائَةِ فَلَوْ ضَرَبَهُ مِائَةُ رَجُلٍ بِمِائَةِ سَوْطٍ دُفْعَةً واحِدَةً كَفى في الحَدِّ بَلْ قالُوا: جازَ أنْ تَجْمِعَ الأسْواطُ فَيُضْرَبُ مَرَّةً واحِدَةً بِحَيْثُ يُصِيبُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنها ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ ضَرَبَ في حَدٍّ بِسَوْطٍ لَهُ طَرَفانِ أرْبَعِينَ ضَرْبَةً فَحَسْبُ كُلُّ ضَرْبَةٍ بِضَرْبَتَيْنِ، وقَدَّمَتِ الزّانِيَةُ عَلى الزّانِي مَعَ أنَّ العادَةَ تَقْدِيمُ الزّانِي عَلَيْها لِأنَّها هي الأصْلُ إذِ الباعِثَةُ فِيها أقْوى ولَوْلا تَمْكِينُها لَمْ يَزْنِ، واشْتِقاقُهُما مِنَ الزِّنا وهو مَقْصُورٌ في اللُّغَةِ الفُصْحى وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وقَدْ يَمُدُّ في لُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ وعَلَيْها قالَ الفَرَزْدَقُ.

أبا طاهِرٍ مَن يَزِنُ يَعْرِفُ زِناؤُهُ ومَن يَشْرَبُ الخُرْطُومَ يُصْبِحُ مُسْكِرًا والزِّنا في عُرْفِ اللُّغَةِ والشَّرْعِ عَلى ما قِيلَ وطْءِ الرَّجُلِ المَرْأةِ في القُبُلِ في غَيْرِ المُلْكِ وشُبْهَةِ المُلْكِ، وفِيهِ أنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ زِنى المَرْأةِ فَإنَّهُ زِنى ولا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ، وما قِيلَ في الجَوابِ عَنْهُ: إنَّهُ فِعْلُ الوَطْءِ أمْرٌ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ فَإذا وجَدَ بَيْنَهُما يُتَّصَفُ كُلٌّ مِنهُما بِهِ وتُسَمّى هي واطِئَةٌ ولِذا سَمّاها سُبْحانَهُ وتَعالى زانِيَةً لا يَخْفى ما فِيهِ مَعَ أنَّ في التَّعْرِيفِ ما لا يُصْلِحُهُ هَذا الجَوابُ لَوْ كانَ صَحِيحًا، والحَقُّ أنَّ زِناها لُغَةً تَمْكِينُها مِن زِنى الرَّجُلِ بِها وأنَّهُ إذا أُرِيدَ تَعْرِيفُ الزِّنا المُرادِ في الآيَةِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ زِناها فَلا بُدَّ مِن زِيادَةِ التَّمْكِينِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها بَلْ زِيادَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلٍّ مِنهُما وأنْ يُقالَ: هو إدْخالُ المُكَلَّفِ الطّائِعِ قَدْرَ حَشَفَتِهِ قَبْلَ مُشْتَهاةٍ حالًا أوْ ماضِيًا بِلا مَلِكٍ أوْ شُبْهَةٍ أوْ تَمْكِينِهِ مِن ذَلِكَ أوْ تَمْكِينِها في دارِ الإسْلامِ لِيُصَدِّقَ عَلى ما لَوْ كانَ مُسْتَلْقِيًا فَقَعَدَتْ عَلى ذِكْرِهِ فَتَرَكَها حَتّى أدْخَلَتْهُ فَإنَّهُما يَحِدّانِ في هَذِهِ الصُّورَةِ ولَيْسَ المَوْجُودُ مِنهُ سِوى التَّمْكِينِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا التَّعْرِيفِ أنَّهُ لا حَدَّ عَلى الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ ومَن أكْرَهَهُ السُّلْطانُ، ولا عَلى مَن أوْلَجَ في دُبُرٍ أوْ في فَرْجٍ صَغِيرٍ غَيْرَ مُشْتَهاةٍ أوْ مَيِّتَةٍ أوْ بَهِيمَةٍ بِخِلافِ مَن أوْلَجَ في فَرْجِ عَجُوزٍ، ولا عَلى مَن زَنى في دارِ الحَرْبِ، ولا عَلى مَن زَنى مَعَ شُبْهَةٍ، وفي بَعْضِ ما ذَكَرَ كَلامٌ يُطْلَبُ مَن كُتِبِ الفِقْهَ، والحُكْمُ عامٌّ فِيمَن زَنى وهو مُحْصَنٌ وفي غَيْرِهِ لَكِنَّ نَسْخَ في حَقِّ المُحْصَنِ قَطْعًا فَإنَّ الحُكْمَ في حَقِّهِ الرَّجْمُ، ويَكْفِينا في تَعْيِينِ النّاسِخِ القَطْعُ بِأمْرِهِ  بِالرَّجْمِ وفِعْلُهُ في زَمانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَرّاتٌ فَيَكُونُ مِن نَسْخِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ القَطْعِيَّةِ.

وقَدْ أجْمَعَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ومَن تَقَدَّمَ مِنَ السَّلَفِ وعُلَماءِ الأُمَّةِ وأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ المُحَصَّنَ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ حَتّى يَمُوتَ، وإنْكارُ الخَوارِجِ ذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّهم إنْ أنْكَرُوا حُجِّيَّةَ إجْماعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَجَهْلٌ مُرَكَّبٌ، وإنْ أنْكَرُوا وُقُوعَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ  لِإنْكارِهِمْ حُجِّيَّةِ خَبَرِ الواحِدِ فَهو بَعْدَ بُطْلانِهِ بِالدَّلِيلِ لَيْسَ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ ثُبُوتَ الرَّجْمِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَواتِرُ المَعْنى كَشَجاعَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وجَوْدِ حاتِمٍ، والآحادُ في تَفاصِيلِ صُوَرِهِ وخُصُوصِيّاتِهِ وهم كَسائِرِ المُسْلِمِينَ يُوجِبُونَ العَمَلَ بِالمُتَواتِرِ مَعْنى كالمُتَواتِرِ لَفْظًا إلّا أنَّ انْحِرافَهم عَنِ الصَّحابَةِ والمُسْلِمِينَ وتَرْكِ التَّرَدُّدِ إلى عُلَماءِ المُسْلِمِينَ والرُّواةِ أوْقَعَهم في جَهالاتٍ كَثِيرَةٍ لِخَفاءِ السَّمْعِ عَنْهم والشُّهْرَةِ، ولِذا حِينَ عابُوا عَلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ في القَوْلِ بِالرَّجْمِ مِن كَوْنِهِ لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ألْزَمَهم بِأعْدادِ الرَّكَعاتِ ومَقادِيرِ الزِّكْواتِ فَقالُوا: ذَلِكَ مَن فَعَلَهُ  والمُسْلِمِينَ فَقالَ لَهُمْ: وهَذا أيْضًا كَذَلِكَ، وقَدْ كُوشِفَ بِهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكاشَفَ بِهِمْ حَيْثُ قالَ كَما رَوى البُخارِيُّ: خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ حَتّى يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ألا وإنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلى مَن زَنى وقَدْ أحْصَنَ إذا قامَتِ البَيِّنَةُ أوْ كانَ الحَبَلُ أوِ الِاعْتِرافُ، ورَوى أبُو داوُدَ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خَطَبَ وقالَ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَ مُحَمَّدًا  بِالحَقِّ وأنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابًا فَكانَ فِيما أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةَ الرَّجْمِ يَعْنِي بِها قَوْلُهُ تَعالى: «الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» فَقَرَأْناها ووَعَيْناها إلى أنْ قالَ: وإنِّي خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ فَيَقُولُ قائِلٌ: «لا نَجِدُ الرَّجْمَ» الحَدِيثُ بِطُرُقِهِ، وقالَ: لَوْلا أنْ يُقالَ: إنَّ عُمْرَ زادَ في الكِتابِ لَكَتَبْتُها عَلى حاشِيَةِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ ومِنَ النّاسِ مِن ذَهَبَ إلى أنَّ النّاسِخَ الآيَةُ المَنسُوخَةِ الَّتِي ذَكَرَها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وقالَ العَلامَةُ ابْنُ الهُمامِ: إنَّ كَوْنَ النّاسِخِ السُّنَّةُ القَطْعِيَّةُ أوْلى مِن كَوْنِ النّاسِخِ ما ذَكَرَ مِنَ الآيَةِ لِعَدَمِ القَطْعِ بِثُبُوتِها قُرْآنًا، ثُمَّ نَسَخَ تِلاوَتَها وإنْ ذَكَرَها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وسَكَتَ النّاسُ فَإنَّ كَوْنَ الإجْماعِ السُّكُوتِي حُجَّةٌ مُخْتَلِفٌ فِيهِ وبِتَقْدِيرِ حُجِّيَّتِهِ لا نَقْطَعُ بِأنَّ جَمِيعَ المُجْتَهِدِينَ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كانُوا إذْ ذاكَ حُضُورًا ثُمَّ لا شَكَّ في أنَّ الطَّرِيقَ في ذَلِكَ إلى عُمْرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ظَنِّي ولِهَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ جَلَدَ شَرّاحَةً ثُمَّ رَجَمَها: جَلَدَتْها بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ورَجَمَتْها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ  ولَمْ يُعَلِّلِ الرَّجْمَ بِالقُرْآنِ المَنسُوخِ التِّلاوَةِ، ويَعْلَمْ مِن قَوْلِهِ المَذْكُورِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قائِلٌ بِعَدَمِ نَسْخِ عُمُومِ الآيَةِ فَيَكُونُ رَأْيُهُ أنَّ الرَّجْمَ حُكْمٌ زائِدٌ في حَقِّ المُحْصَنِ ثَبَتَ بِالسَّنَةِ وبِذَلِكَ قالَ أهْلُ الظّاهِرِ وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن قَوْلِهِ  : ««الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَمِيُ الحِجارَةِ» وفِي رِوايَةِ غَيْرِهِ «ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ»» وعِنْدَ الحَنَفِيَّةِ لا يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجْمِ والجَلْدِ في المُحْصَنِ وهو قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ ورِوايَةٍ أُخْرى عَنْ أحْمَدَ لِأنَّ الجَلْدَ يُعَرِّي عَنِ المَقْصُودِ الَّذِي شُرِعَ الحَدُّ لَهُ وهو الِانْزِجارُ أوْ قَصْدُهُ إذا كانَ القَتْلُ لاحِقًا لَهُ، والعُمْدَةُ في اسْتِدْلالِهِمْ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ  لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُما قَطْعًا، فَقَدْ تَظافَرَتِ الطُّرُقُ «أنَّهُ  بَعْدَ سُؤالِهِ ماعِزًا عَنِ الإحْصانِ وتَلْقِينِهِ الرُّجُوعَ لَمْ يُزَدْ عَلى الأمْرِ بِالرَّجْمِ فَقالَ: اذْهَبُوا بِهِ فارْجُمُوهُ».

وقالَ أيْضًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««اغْدُ يا أنِيسُ إلى امْرَأةِ هَذا فَإنِ اعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ فارْجُمْها»» ولَمْ يُقِلْ فاجْلِدْها ثُمَّ ارْجُمْها، وجاءَ في باقِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ««فاعْتَرَفَتْ فَأمَرَ بِها  فَرُجِمَتْ»» وقَدْ تَكَرَّرَ الرَّجْمُ في زَمانِهِ  ولَمْ يَرْوِ أحَدٌ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَلْدِ فَقَطَعْنا بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا الرَّجْمُ فَوَجَبَ كَوْنُ الخَبَرِ السّابِقِ مَنسُوخًا وإنْ لَمْ يَعْلَمْ خُصُوصَ النّاسِخِ، وأُجِيبُ عَمّا فَعَلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِنَ الجَمْعِ بِأنَّهُ رَأْيٌ لا يُقاوِمُ ما ذُكِرَ مِنَ القَطْعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  وكَذا لا يُقاوِمُ إجْماعَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ الإحْصانُ إلّا بَعْدَ الجَلْدِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا كَما يَظْهَرُ مِنَ الرُّجُوعِ إلى القِصَّةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وإحْصانُ الرَّجْمِ يَتَحَقَّقُ بِأشْياءَ نَظَمَها بَعْضُهم فَقالَ: شُرُوطُ إحْصانٍ أتَتْ سِتَّةً ∗∗∗ فَخُذْها عَنِ النَّصِّ مُسْتَفْهِمًا بُلُوغٌ وعَقْلٌ وحُرِّيَّةٌ ∗∗∗ ورابِعُها كَوْنُهُ مُسْلِمًا وعَقْدٌ صَحِيحٌ ووَطْءٌ مُباحٌ ∗∗∗ مَتى اخْتَلَّ شَرْطٌ فَلَنْ يُرْجَما وزادَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنُ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُساوِيًا الآخَرِ في شَرائِطِ الإحْصانِ وقْتَ الإصابَةِ بِحُكْمِ النِّكاحِ فَلَوْ تَزَوَّجَ الحُرُّ المُسْلِمُ البالِغُ العاقِلُ أمَةً أوْ صَبِيَّةً أوْ مَجْنُونَةً أوْ كِتابِيَّةً ودَخَلَ بِها لا يَصِيرُ مُحْصَنًا بِهَذا الدُّخُولِ حَتّى لَوْ زَنى مِن بَعْدُ لا يُرْجَمُ، وكَذا لَوْ تَزَوَّجَتِ الحُرَّةُ البالِغَةُ العاقِلَةُ المُسْلِمَةُ مِن عَبْدٍ أوْ مَجْنُونٍ أوْ صَبِيٍّ ودَخَلَ بِها لا تَصِيرُ مُحْصَنَةً فَلا تُرْجَمُ لَوْ زَنَتْ بَعْدُ.

وذَكَرَ ابْنُ الكَمالِ شَرْطًا آخَرَ وهو أنْ لا يُبْطِلُ إحْصانُهُما بِالِارْتِدادِ فَلَوِ ارْتَدَّ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى ثُمَّ أسْلَما لَمْ يَعُدْ إلّا بِالدُّخُولِ بَعْدَهُ ولَوْ بَطُلَ بِجُنُونٍ أوْ عَتَهٍ عادَ بِالإفاقَةِ، وقِيلَ بِالوَطْءِ بَعْدَهُ.

والشّافِعِيُّ لا يَشْتَرِطُ المُساواةَ في شَرائِطَ الإحْصانِ وقْتَ الإصابَةِ فَلا رَجْمَ عِنْدَهُ في المَسْألَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وكَذا لا يَشْتَرِطُ الإسْلامُ فَلَوْ زَنى الذِّمِّيُّ الثَّيِّبُ الحُرُّ يُجْلَدُ عِنْدَنا ويُرْجَمُ عِنْدَهُ وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي يُوسُفَ وبِهِ قالَ أحْمَدُ، وقَوْلُ مالِكٍ كَقَوْلِنا.

واسْتَدَلَّ المُخالِفُ بِما فِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ اليَهُودَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَذَكَرُوا لَهُ أنَّ امْرَأةً مِنهم ورَجُلًا زَنَيا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ في شَأْنِ الرَّجْمِ؟

فَقالُوا: نَفْضَحُهم ويُجْلَدُونَ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ فِيما زَعَمْتُمْ أنَّ فِيها الرَّجْمَ فَأتَوْا بِالتَّوْراةِ فَسَرَدُوها فَوَضَعَ أحَدُهم يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورٍ يا يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ وقَرَأ ما قَبْلَها وما بَعْدَها فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإذا آيَةُ الرَّجْمِ فَقالُوا: صَدِّقْ يا مُحَمَّدُ فَأمَرَ بِهِما النَّبِيُّ  فَرُجِما».

ودَلِيلُنا ما رَواهُ إسْحاقُ بْنُ رَهَوايْهٍ في مُسْنَدِهِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنا عَبِيدُ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: ««مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ»» وقَدْ رَفَعَ هَذا الخَبَرَ كَما قالَ إسْحاقُ مَرَّةً ووَقَفَ أُخْرى، ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ وقالَ: لَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ راهَوْيَهُ بْنُ راهَوَيْهٍ، ويُقالُ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ والصَّوابُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ اهْـ.

وفِي العِنايَةِ أنَّ لَفْظَ إسْحاقَ كَما تَراهُ لَيْسَ فِيهِ رُجُوعٌ وإنَّما ذُكِرَ عَنِ الرّاوِي أنَّهُ مَرَّةً رَفَعَهُ ومَرَّةً أخْرَجَهُ مُخْرِجُ الفَتْوى ولَمْ يَرْفَعْهُ ولا شَكَّ في أنَّ مِثْلَهُ بَعْدَ صِحَّةِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ مَحْكُومٌ بِرَفْعِهِ عَلى ما هو المُخْتارُ في عِلْمِ الحَدِيثِ مِن أنَّهُ إذا تَعارَضَ الرَّفْعُ والوَقْفُ حَكَمَ بِالرَّفْعِ وبَعْدَ ذَلِكَ إذا خَرَجَ مَن طُرُقٍ فِيها ضَعْفٌ لا يَضُرُّ.

وأجابَ بَعْضُ أجِلَّةِ أصْحابِنا بِأنَّهُ كانَ الرَّجْمُ مَشْرُوعًا بِدُونِ اشْتِراطِ الإسْلامِ حِينَ رَجَمَ  الرَّجُلَ والمَرْأةَ اليَهُودِيَّيْنِ وذَلِكَ بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسُؤالُهُ  اليَهُودُ عَمّا يَجِدُونَهُ في التَّوْراةِ في شَأْنِهِ لَيْسَ لِأنَّ يَعْلَمُ حُكْمَهُ مِن ذَلِكَ.

والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أوَّلَ ما قَدَمَ المَدِينَةَ مَأْمُورًا بِالحُكْمِ بِما في التَّوْراةِ مَمْنُوعٌ بَلْ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِيُبْكِتَهم بِتَرْكِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ فَلَمّا حَصَلَ الغَرَضُ حَكَمَ  بِرَجْمِهِما بِشَرْعِهِ المُوافِقِ لِشَرْعِهِمْ وإذا عَلِمَ أنَّ الرَّجْمَ كانَ ثابِتًا في شَرْعِنا حالَ رَجْمِها بِلا اشْتِراطِ الإسْلامِ.

وقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُفِيدُ لِاشْتِراطِ الإسْلامِ ولَيْسَ تارِيخٌ يُعْرَفُ بِهِ تَقَدَّمَ اشْتِراطُ الإسْلامِ عَلى عَدَمِ اشْتِراطِهِ أوْ تَأخُّرِهِ عَنْهُ حَصَلَ التَّعارُضُ بَيْنَ فِعْلِهِ  رَجْمَ اليَهُودِيِّينَ وقَوْلُهُ المَذْكُورُ فَيَطْلُبُ التَّرْجِيحَ، وقَدْ قالُوا: إذا تَعارَضَ القَوْلُ والفِعْلُ ولَمْ يُعْلَمُ المُتَقَدِّمُ مِنَ المُتَأخِّرِ يُقَدَّمُ القَوْلُ عَلى الفِعْلِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ تَقْدِيمَ هَذا القَوْلِ مُوجِبٌ لِدَرْءِ الحَدِّ وتَقْدِيمِ ذَلِكَ الفِعْلِ يُوجِبُ الِاحْتِياطَ في إيجابِ الحَدِّ والأُولى في الحُدُودِ تَرْجِيحُ الرّافِعِ عِنْدَ التَّعارُضِ.

ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ مُتَرَجِّحٍ فَهو مَحْكُومٌ بِتَأخُّرِهِ اجْتِهادًا فَيَكُونُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ في الحُكْمِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَوْلُ المُخالِفِ: إنَّ المُرادَ بِالمُحْصَنِ فِيهِ المُحْصَنَ الَّذِي يَقْتَصُّ لَهُ مِنَ المُسْلِمِ خِلافَ الظّاهِرِ لِأنَّ أكْثَرَ اسْتِعْمالِ الإحْصانِ في إحْصانِ الرَّجْمِ.

ورَدَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى القائِلِينَ: إنَّ حَدَّ زِنا البِكْرِ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبٌ سَنَةً وهُمُ الإمامُ الشّافِعِيُّ والإمامُ أحْمَدُ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، ووَجْهُ الرَّدِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي ﴾ إلَخْ شُرُوعٌ في بَيانِ حُكْمِ الزِّنا ما هو فَكانَ المَذْكُورُ تَمامَ حُكْمِهِ وإلّا كانَ تَجْهِيلًا لا بَيانًا وتَفْصِيلًا إذْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ تَمامٌ ولَيْسَ بِتَمامٍ في الواقِعِ فَكانَ مَعَ الشُّرُوعِ في البَيانِ أبْعَدَ مِنَ البَيانِ، لِأنَّهُ أوْقَعُ في الجَهْلِ المُرَكَّبِ وقَبْلَهُ كانَ الجَهْلُ بَسِيطًا فَيَفْهَمُ بِمُقْتَضى ذَلِكَ أنَّ حَدَّ الزّانِيَةِ والزّانِي لَيْسَ إلّا الجَلْدُ، وأخْصَرُ مِن هَذا أنَّ المَقامَ مَقامُ البَيانِ فالسُّكُوتُ فِيهِ يُفِيدُ الحَصْرَ، وقالَ المُخالِفُ: لَوْ سَلَّمْنا الدَّلالَةَ عَلى الحَصْرِ وأنَّ المَذْكُورَ تَمامَ الحُكْمِ لِيَكُونَ المَعْنى أنَّ حَدَّ كُلٍّ لَيْسَ إلّا الجَلْدُ فَذَلِكَ مَنسُوخٌ بِما صَحَّ مِن رِوايَةِ عِبادَةَ بْنِ الصّامِتِ عَنْهُ  ««البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ»» وأُجِيبُ بِأنَّهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ لا تَصِحْ دَعْوى النَّسْخِ بِما ذُكِرَ لِأنَّهُ خَبَرُ الواحِدِ وعِنْدَنا لا يَجُوزُ نَسَخُ الكِتابِ بِهِ والقَوْلُ بِأنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ قَدْ تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ لا يُجْدِي نَفْعًا لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِتَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ إجْماعُهم عَلى العَمَلِ بِهِ فَمَمْنُوعٌ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ لا يَقُولُ بِتَغْرِيبِهِما وقالَ: حَسْبُهُما مِنَ الفِتْنَةِ أنْ يَنْفِيا، وفي رِوايَةٍ كَفى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً، وإنْ أُرِيدَ إجْماعُهم عَلى صِحَّتِهِ بِمَعْنى صِحَّةِ سَنَدِهِ فَكَثِيرٌ مِن أخْبارِ الآحادِ كَذَلِكَ ولَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِها آحادًا، عَلى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن كَوْنِ التَّغْرِيبِ واجِبًا ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ واجِبٌ بِطْرِيقِ الحَدِّ بَلْ ما فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَضى فِيمَن زَنى ولَمْ يُحْصِنْ بِنَفْيِ عامٍ وإقامَةُ الحَدِّ» ظاهِرٌ في أنَّ النَّفْيَ لَيْسَ مِنَ الحَدِّ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِ اسْتَعْمَلَ الحَدَّ في جُزْءٍ مُسَمّاهُ وعَطَفَ عَلى الجُزْءِ الآخَرِ بِعِيدٍ فَجازَ كَوْنُهُ تَعْزِيرًا لِمَصْلَحَةٍ، وقَدْ يُغَرِّبُ الإمامُ لِمَصْلَحَةٍ يَراها في غَيْرِ ما ذَكَرَ كَما صَحَّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غَرَّبَ نَصْرَ بْنَ حَجّاجٍ إلى البَصْرَةِ بِسَبَبِ أنَّهُ لِجَمالِهِ افْتَتَنَ بَعْضَ النِّساءِ بِهِ فَسَمِعَ قائِلَةً يُقالُ: إنَّها أُمُّ الحَجّاجِ الثَّقَفِيِّ ولِذا قالَ لَهُ عَبْدُ المَلِكِ يَوْمًا يا ابْنَ المُتَمَنِّيَةِ تَقُولُ: هَلْ مِن سَبِيلٍ إلى خَمْرٍ فَأشْرَبُها ∗∗∗ أوْ هَلْ سَبِيلٍ إلى نَصْرِ بْنِ حَجّاجٍ إلى فَتى ماجِدِ الأعْراقِ مُقْتَبَلٌ ∗∗∗ سَهْلُ المَحْيا كَرِيمٌ غَيْرُ مُلْجاجٍ والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ التَّعْزِيرُ مَعَ الحَدِّ لا يَخْفى ما فِيهِ، وادَّعى الفَقِيهُ المَرْغِينانِيُّ أنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ مَنسُوخٌ فَإنَّ شَطْرَهُ الثّانِيَ الدّالَّ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الجَلْدِ والرَّجْمِ مَنسُوخٌ كَما عَلِمَتْ، وفِيهِ أنَّهُ لا لُزُومَ فَيَجُوزُ أنْ تُرْوى جُمَلُ نَسْخِ بَعْضِها وبَعْضُها لَمْ يُنْسَخْ، نَعَمْ رُبَّما يَكُونُ نَسْخُ أحَدِ الشَّطْرَيْنِ مُسَهِّلًا لِتَطَرُّقِ احْتِمالِ نَسْخِ الشَّطْرِ الآخَرِ فَيَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَيُضْعِفُ عَنْ دَرَجَةِ الآحادِ الَّتِي لَمْ يَتَطَرَّقْ ذَلِكَ الِاحْتِمالُ إلَيْها فَيَكُونُ أحْرى أنْ لا يَنْسَخُ ما أفادَهُ الكِتابُ مِن أنَّ الحَدَّ هو الجَلْدُ لا غَيْرَ عَلى ما سَمِعْتُ تَقْرِيرَهُ فَتَأمَّلْ.

ثُمَّ إنَّ التَّغْرِيبَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالرَّجُلِ عِنْدَ أُولَئِكَ الأئِمَّةِ فَقَدْ قالُوا: تَغْرُبُ المَرْأةُ مَعَ مُحْرِمٍ وأُجْرَتُهُ عَلَيْها في قَوْلٍ وفي بَيْتِ المالِ في آخَرٍ، ولَوِ امْتَنَعَ فَفي قَوْلٍ يُجْبِرُهُ الإمامُ وفي آخَرَ لا، ولَوْ كانَتِ الطَّرِيقُ آمِنَةً فَفي تَغْرِيبِها بِلا مُحْرِمٍ قَوْلانِ، وعِنْدَ مالِكٍ والأوْزاعِيِّ إنَّما يُنْفى الرَّجُلُ ولا تُنْفى المَرْأةُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««البِكْرُ بِالبِكْرِ»» إلَخْ، وقالَ غَيْرُهُما مِمَّنْ تَقَدَّمَ: إنَّ الحَدِيثَ يَجِبُ أنْ يَشْمَلَها فَإنَّ أوَّلَهُ ««خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُنَّ سَبِيلًا البِكْرُ بِالبِكْرِ»» إلَخْ وهو نَصٌّ عَلى أنَّ النَّفْيَ والجَلْدَ سَبِيلٌ لِلنِّساءِ والبِكْرِ يُقالُ: عَلى الأُنْثى ألّا تَرى إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««البِكْرُ تَسْتَأْذِنُ»» ومَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ قَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي تُثْبِتُ الأحْكامَ فِيهِ في النِّساءِ بِالنُّصُوصِ المُفِيدَةِ إيّاها لِلرِّجالِ بِتَنْقِيحِ المَناطِ، هَذا ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ مِن ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي ﴾ ما يَشْمَلُ الرَّقِيقَ وغَيْرَهُ فَيَكُونُ مِقْدارُ الحَدِّ في الجَمِيعِ واحِدًا لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ  ﴾ الآيَةُ أخْرَجَتِ الإماءَ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِنَّ، وكَذا أخْرَجَتِ العَبِيدَ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى بِتَنْقِيحِ المُناطِ فَيَرْجِعُ في ذَلِكَ إلى دَلالَةِ النَّصِّ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في الدَّلالَةِ أوْلَوِيَّةُ المَسْكُوتِ بِالحُكْمِ مِنَ المَذْكُورِ بَلِ المُساواةُ تَكْفِي فِيهِ وقِيلَ تَدْخُلُ العَبِيدَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ عَكْسَ القاعِدَةِ وهي تَغْلِيبُ الذُّكُورِ.

ولا يُشْتَرَطُ الإحْصانُ في الرَّقِيقِ لِما رَوى مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «أقِيمُوا الحُدُودَ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مَن أحْصَنَ ومَن لَمْ يُحْصِنْ»» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الشَّرْطَ أعْنِي الإحْصانَ في الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى تَنْصِيفِ الحَدِّ لا مَفْهُومَ لَهُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وطاوُسٍ أنَّهُ لا حَدَّ عَلى الأُمَّةِ حَتّى تُحَصِّنَ بِزَوْجٍ، وفِيهِ اعْتِبارُ المَفْهُومِ، ثُمَّ هَذا الإحْصانُ شَرْطٌ لِلْجَلْدِ لِأنَّ الرَّجْمَ لا يَتَنَصَّفُ، ولِلشّافِعِيِّ في تَغْرِيبِ العَبْدِ أقْوالٌ: يُغَرَّبُ سَنَةً يُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ لا يُغَرَّبُ أصْلًا والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاجْلِدُوا ﴾ لِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ ونُوّابِهِمْ.

واخْتُلِفَ في إقامَةِ المَوْلى الحَدِّ عَلى عَبْدِهِ فَعِنْدَنا لا يُقِيمُهُ إلّا بِإذْنِ الإمامِ والشّافِعِيُّ ومالِكٌ وأحْمَدُ يُقِيمُهُ مِن غَيْرِ إذْنٍ، وعَنْ مالِكٍ إلّا في الأمَةِ المُزَوَّجَةِ، واسْتَثْنى الشّافِعِيُّ مِنَ المَوْلى الذِّمِّيِّ والمَكاتِبِ والمَرْأةِ، وكَذا اخْتَلَفَ في إقامَةِ الخارِجِيِّ المُتَغَلِّبِ الحَدِّ فَقِيلَ يُقِيمُ وقِيلَ لا، وأدِلَّةُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ وتَحْقِيقُ ما هو الحَقُّ مِنها في مَحَلِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ إقامَةَ الحَدِّ المَذْكُورِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الزِّنا بِإحْدى الطُّرُقِ المَعْلُومَةِ، وقالَ إسْحاقُ: إذا وُجِدَ رَجُلٌ واِمْرَأةٌ في ثَوْبٍ واحِدٍ يُجْلَدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ عَطاءُ والثَّوْرِيُّ ومالِكٌ وأحْمَدُ: يُؤَدِّيانِ عَلى مَذاهِبِهِمْ في الأدَبِ ﴿ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ ﴾ تَلَطُّفٌ ومُعامَلَةٌ بِرِفْقٍ وشَفَقَةٍ ﴿ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ في طاعَتِهِ وإقامَةِ حَدِّهِ الَّذِي شَرَعَهُ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ التَّخْفِيفِ في الجَلْدِ بِأنْ يَجْلِدُوهُما جَلْدًا غَيْرَ مُؤْلِمٍ أوْ بِأنْ يَكُونَ أقَلَّ مِن مِائَةِ جَلْدَةٍ.

وقالَ أبُو مُجَلْزٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وعَطاءُ: المُرادُ النَّهْيُ عَنْ إسْقاطِ الحَدِّ بِنَحْوِ شَفاعَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أقِيمُوا عَلَيْهِما الحَدَّ ولا بُدَّ، ورُوِيَ مَعْنى ذَلِكَ عَنْ عُمْرَ وابْنِ جُبَيْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الشَّفاعَةُ في إسْقاطِ الحَدِّ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عَدَمُ جَوازِ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحَدِّ عِنْدَ الحاكِمِ، وأمّا قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْهِ والثُّبُوتِ فَإنَّ الشَّفاعَةَ عِنْدَ الرّافِعِ لِمَنِ اتُّصِفَ بِسَبَبِ الحَدِّ إلى الحاكِمِ لِيُطْلِقَهُ قَبْلَ الوُصُولِ وقَبْلَ الثُّبُوتِ تَجَوَّزَ، ولَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِالزِّنا لِما صَحَّ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْكَرَ عَلى حُبِّهِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ حِينَ شَفَعَ في فاطِمَةَ بِنْتِ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ المَخْزُومِيَّةِ السّارِقَةِ قَطِيفَةَ وقِيلَ حُلِيًّا فَقالَ لَهُ: «أتَشْفَعُ في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى؟

ثُمَّ قامَ فَخَطَبَ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنَّما ضَلَّ مَن قَبْلَكم أنَّهم كانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وإذا سَرَقَ الضَّعِيفُ أقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ وأيْمُ اللَّهِ تَعالى لَوْ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ وحاشاها لَقَطَعْتُ يَدَها»» وكَما تُحَرَّمُ الشَّفاعَةُ يُحَرَّمُ قَبُولُها فَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إذا بَلَغَ الحَدُّ إلى الإمامِ فَلا عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنْ عَفا، ( وبِهِما ) قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى البَيانِ أيْ أعْنِي بِهِما، وقِيلَ بِتَرْأفُوا مَحْذُوفًا أيْ ولا تَرْأفُوا بِهِما، ويُفْهَمُ صَنِيعُ أبِي البَقاءِ اخْتِيارَ تَعَلُّقِهِ بِتَأْخُذُ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ ولا تَأْخُذُكم بِسَبَبِهِما رَأْفَةٌ ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَهُ بِرَأْفَةٍ مُعَلِّلًا بِأنَّ المَصْدَرَ لا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، وعِنْدِي هو مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ ويَتَوَسَّعُ في الظَّرْفِ ما لا يَتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ.

وقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ العَلّامَةُ سَعْدُ المِلَّةِ والدِّينُ في أوَّلِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، و ﴿ فِي دِينِ ﴾ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِتَأْخُذُ وعَلَيْهِ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَأْفَةٍ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والسِّلْمِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ «ولا يَأْخُذُكُمْ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ ﴿ رَأْفَةٌ ﴾ مَجازِيٌّ وحَسَّنَ ذَلِكَ الفَصْلَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «رَأْفَةً» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ جُرَيْجٍ «رافَةً» بِألِفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَعّالَةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ كَثِيرٍ، ونَقَلَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ قَرَأ «رافَةً» بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا وهي في كُلِّ ذَلِكَ مَصْدَرٌ مَسْمُوعٌ إلّا أنَّ الأشْهُرَ في الِاسْتِعْمالِ ما وافَقَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ كَما يُقالُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا ولا شَكَّ في رُجُولِيَّتِهِ وكَذا المُخاطِبُونَ هُنا مَقْطُوعٌ بِإيمانِهِمْ لَكِنَّ قَصَدَ تَهْيِيجَهم وتَحَرِّيكَ حَمِيَّتِهِمْ لِيَجِدُوا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ويَجْتَهِدُوا في إجْراءِ أحْكامِهِ عَلى وجْهِها، وذَكَرَ ﴿ اليَوْمَ الآخِرَ ﴾ لِتَذْكِيرِ ما فِيهِ مِنَ العِقابِ في مُقابَلَةِ الرَّأْفَةِ بِهِما ﴿ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ لِيَحْضُرَهُ زِيادَةٌ في التَّنْكِيلِ فَإنَّ التَّفْضِيحَ قَدْ يُنَكِّلُ أكْثَرَ مِنَ التَّعْذِيبِ أوْ لِذَلِكَ ولِلْعِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ، وعَنْ نَصْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ أنَّ ذَلِكَ لَيُدْعى لَهُما بِالتَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ لا لِلتَّفْضِيحِ وهو في غايَةِ البُعْدِ مِنَ السِّياقِ، والأمْرُ هُنا عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الفُقَهاءِ لِلنَّدْبِ.

واخْتُلِفَ في هَذِهِ الطّائِفَةِ فَأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الطّائِفَةُ الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ وبِهِ قالَ أحْمَدُ وقالَ عَطاءُ وعِكْرِمَةُ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهٍ: اثْنانِ فَصاعِدًا وهو القَوْلُ المَشْهُورُ لِمالِكٍ وقالَ قَتادَةُ والزَّهْرِيُّ: ثَلاثَةٌ فَصاعِدًا، وقالَ الحَسَنُ: عَشْرَةٌ، وعَنِ الشّافِعِيِّ وزَيْدٍ: أرْبَعَةٌ وهو قَوْلٌ لِمالِكٍ قالَ الخَفاجِيُّ: وتَحْقِيقُ المَقامِ أنَّ الطّائِفَةَ في الأصْلِ اسْمُ فاعِلٍ مُؤَنَّثٍ مِنَ الطَّوافِ الدَّوَرانِ أوِ الإحاطَةِ فَهي إمّا صِفَةُ نَفْسٍ أيْ نَفْسِ طائِفَةٍ فَتُطْلَقُ عَلى الواحِدِ أوْ صِفَةِ جَماعَةٍ أيْ جَماعَةِ طائِفَةٍ فَتُطْلِقُ عَلى ما فَوْقَهُ فَهي كالمُشْتَرِكِ بَيْنَ تِلْكَ المَعانِي فَتَحْمِلُ في كُلِّ مَقامٍ عَلى ما يُناسِبُهُ.

وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّها إذا أُرِيدَ بِها الواحِدُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جَمْعًا كُنِيَ بِهِ عَنِ الواحِدِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْرَدًا والتّاءُ فِيها كَما في رِوايَةٍ، وفي حَواشِي العَضُدِ لِلْهَرَوِيِّ يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِلْواحِدِ طائِفَةٌ ويُرادَ نَفْسُ طائِفَةٍ فَهي مِنَ الطَّوافِ بِمَعْنى الدَّوَرانِ.

وفِي شَرْحِ البُخارِيِّ حَمَلَ الشّافِعِيُّ الطّائِفَةَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ عَلى أوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسْبِ المَواضِعِ فَهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ  ﴾ واحِدٌ فَأكْثَرَ واحْتَجَّ بِهِ عَلى قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ ﴾ أرْبَعَةٌ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ  ﴾ ثَلاثَةٌ، وفَرَّقُوا في هَذِهِ المَواضِعِ بِحَسْبِ القَرائِنِ، أمّا في الأوْلى فَلِأنَّ الإنْذارَ يَحْصُلُ بِهِ، وأمّا في الثّانِيَةِ فَلِأنَّ التَّشْنِيعَ فِيهِ أشَدُّ، وأمّا في الثّالِثَةِ فَلِضَمِيرِ الجَمْعِ بُعْدٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ  ﴾ وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، وكَوْنُها مُشْتَقَّةً مِنَ الطَّوافِ لا يُنافِيهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّوَرانِ أوْ هو الأصْلُ وقَدْ لا يَنْظُرُ إلَيْهِ بَعْدَ الغَلَبَةِ فَلِذا قِيلَ: إنَّ تاءَها لِلنَّقْلِ انْتَهى ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ.

والحُقُّ أنَّ المُرادَ بِالطّائِفَةِ هُنا جَماعَةٌ يَحْصُلُ بِهِمُ التَّشْهِيرُ، والزَّجْرُ وتَخْتَلِفُ قِلَّةٌ وكَثْرَةٌ بِحَسْبِ اخْتِلافِ الأماكِنِ والأشْخاصِ فَرُبَّ شَخْصٍ يَحْصُلُ تَشْهِيرُهُ وزَجْرُهُ بِثَلاثَةٍ وآخَرُ لا يَحْصُلُ تَشْهِيرُهُ وزَجْرُهُ بِعَشَرَةٍ، ولِلْقائِلِ بِالأرْبَعَةِ هُنا وجْهٌ وجِيهٌ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مدنية، وهي ستون وأربع آيات قوله سبحانه وتعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها قرأ بعضهم: سُورَةٌ بنصب الهاء، وقراءة العامة بالضم.

فمن قرأ بالضم فمعناه: هذه سورة أنزلناها، ومن قرأ بالنصب فمعناه: أنزلنا سورة، ويقال: اقرأ سورة، وقد: قرئت سُورَةٌ بالهمزة وبغير همز.

فمن قرأ بالهمز، جعلها من أسأرت، يعني: أفضلت كأنها قطعة من القرآن.

ومن لم يهمز، جعلها من سور المدينة سورا أي منزلة بعد منزلة.

ويقال: السورة أصلها الرفعة، ولهذا سمّي سور المدينة.

وقال النابغة للنعمان بن المنذر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَعْطَاكَ سُورَة ...

تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ وإنما خص هذه السورة بذكر السورة لما فيها من الأحكام، فذلك كله يرجع إلى أمر واحد وهو أمر النساء.

ثم قال تعالى: وَفَرَضْناها، يعني: بيَّنا حلالها وحرامها، وقال القتبي: أصل الفريضة الوجوب، وهاهنا يجوز أن يكون بمعنى بيّناها، وقد يجوز أوجبنا العمل بما فيها، وقال بعض أهل اللغة: أصل الفرض هو القطع، ولهذا سمي ما يقطع من حافة النهر فرضة، ويسمى الموضع الذي يقطع من السواك، أي ليشد فيه الخيط فرض، ولهذا يسمى الميراث فريضة، لأن كل واحد قطع له نصيب معلوم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو: وَفَرَضْناها بتشديد الراء، وقرأ الباقون بالتخفيف.

فمن قرأ بالتخفيف، فمعناه ألزمناكم العمل بما فرض فيها، ومن قرأ بالتشديد، فهو على وجهين: أحدهما: على معنى التكثير، أي إنا فرضنا فيها فروضاً، ومعنى آخر: وبيَّنا وفصلنا فيها من الحلال والحرام.

ثم قال: وَأَنْزَلْنا فِيها، يعني: في السورة آياتٍ بَيِّناتٍ، يعني: الحدود والفرائض والأمر والنهي.

ويقال: الآيات، يعني: العلامات والعبرات، ويقال: يعني آيات القرآن.

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، يعني: تتعظون، فلا تعطلون الأحكام والحدود.

قوله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وقرأ بعضهم: الزَّانِيَةُ بنصب الهاء على معنى: اجلدوا الزانية والزاني، وهكذا السارق والسارقة بالنصب على هذا المعنى.

ويقال: في الزنى بدأ بذكر المرأة، لأن الزنى في النساء أكثر، وفي السرقة بدأ بالرجال، لأن السرقة في الرجال أكثر.

وقراءة العامة بالرفع على معنى الابتداء، وقيل: إنما بدأ بالمرأة، لأنها أحرص على الزنى من الرجال، ويقال: لأن الفعل ينتهي إليها، ولا يكون إلا برضاها.

ثم قال: فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، يعني: إذا كانا غير محصنين وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ.

قرأ ابن كثير رَأْفَةٌ بالهمزة والمد، وقرأ أبو عمرو بالمد بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز بلا مد، ومعنى الكل واحد وهو الرحمة، وقال بعضهم: الرأفة اسم جنس، والرحمة اسم نوع.

قال بعضهم: الرأفة للمذنبين، والرحمة للتائبين، وهو قول سفيان الثوري.

وقال بعضهم: الرأفة تكون دفع المكروه، والرحمة إيصال المحبوب، يعني: لا تحملنكم الشفقة عليهما على ترك الحد، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني: في دين الله، أي في حكم الله إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني: يوم القيامة.

وإنما سمي اليوم الآخر، لأنه لا يكون بعده ليل فيصير كله بمنزلة يوم واحد.

وقد قيل: إنه تجتمع الأنوار كلها، وتصير في الجنة يوماً واحداً، وجمعت الظلمات كلها في النار، وتصير كلها ليلة واحدة.

ثم قال: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: ليحضر عند إقامة الحد طائفة من المؤمنين.

وفي حضور الطائفة ثلاث فوائد: أولها: أنهم يعتبرون بذلك، ويبلغ الشاهد الغائب والثانية: أن الإمام إذا احتاج إلى الإعانة أعانوه، والثالثة: لكي يستحي المضروب، فيكون زجراً له من العود إلى مثل ذلك الفعل.

وقال الزهري: «الطائفة ثلاثة فصاعداً» ، وذكر عن أنس بن مالك أنه قال: «أربعة فصاعداً» ، لأن الشهادة على الزنى لا تكون أقل من أربعة.

وقال بعضهم: اثنان فصاعداً.

وقال بعضهم: الواحد فصاعداً، وهو قول أهل العراق، وهو استحباب وليس بواجب.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «رجلان» ، وعن مجاهد قال: «واحد فما فوقه طائفة» وروي عن ابن عباس مثله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة النّور

وهي مدنيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها ...

الآية معنى «فرضنا» : أوجبنا وأثبتنا، وقال الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ: فَرَضْناها أي: أوجبنا ما فيها من الأحكامِ، انتهى، وقال البخاريُّ «١» : قال ابن عباس «٢» : سُورَةٌ أَنْزَلْناها: بَيَّنَّاها، انتهى.

وما تقدم أَبْيَنُ.

ص: فَرَضْناها الجمهور: بتخفيف الراء أي: فرضنا أحكامها، وأبو عمرو وابن كثير: بتشدِيْدِ الراء: إما للمبَالَغَةِ في الإيجاب، وإما لأَنَّ فيها فرائضَ شَتَّى، انتهى.

والآيات البَيِّنَاتُ: أمثالُها ومواعِظُهَا وأحكامُها.

وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ...

الآية، هذه الآية ناسخة لآية الحَبْسِ باتِّفاق، وحكم المُحْصَنِينَ منسوخٌ بآية الرجم والسُّنَّةِ المتواترة على ما تقدّم في سورة النساء، وقرأ الجمهور «٣» : «رَأْفَةٌ» بهمزة ساكنة من رَأَفَ إذا رَقَّ وَرَحِمَ، والرأفة المَنْهِيُّ عنها هي [في] «٤» إسقاط الحَدِّ، أي: أقيموه ولا بدّ، وهذا تأويل ابن عمر «٥» وغيره.

وقال قتادة وغيره: هي في تخفيف الضَّرْبِ عنِ الزُّنَاةِ «١» ، ومِنْ رأيهم أَنْ يُخَفَّفَ ضربُ الخمر، والفِرْيَةِ دون ضرب الزنا.

وقوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: إغلاظاً على الزناة، وتوبيخاً لهم، ولا خلافَ أَنَّ الطائفة كُلَّمَا كَثُرَتْ فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف في أَقَلِّ ما يجزِىءُ فقال الزُّهْرِيُّ: الطائفة: ثلاثةٌ فصاعداً «٢» ، وقال عطاء: لا بُدَّ من اثنين «٣» ، وهذا هو مشهورُ قول مالك فرآها موضع شهادة.

وقوله تعالى: الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً مَقْصِدُ الآية تشنيع الزنا وتشنيع ٣٥ أأمره، وأَنَّهُ مُحَرَّمٌ على المؤمنين/ ويريد بقوله: لاَ يَنْكِحُ أي: لا يَطَأُ، فالنكاح هنا بمعنى: الجماع كقوله تعالى: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] .

وقد بيّنه صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح أَنَّه بمعنى الوطء، حيث قال: «لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ...

» «٤» الحديث، وتحتمل الآية وجوها هذا أحسنها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النُّورِ وَهِيَ مَدَنيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ رَوى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «لا تُنْزِلُوهُنَّ الغُرَفَ ولا تُعَلِّمُوهُنَّ الكِتابَةَ، وعَلِّمُوهُنَّ المِغْزَلَ وسُورَةَ النُّورِ " يَعْنِي: النِّساءَ.» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سُورَةٌ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " سُورَةً " بِالنَّصْبِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِن رَفَعَ، فَعَلى الِابْتِداءِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَبِيحٌ، لِأنَّها نَكِرَةٌ، و ﴿ أنْزَلْناها ﴾ صِفَةٌ لَها، وإنَّما الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ: هَذِهِ سُورَةٌ، والنَّصْبُ عَلى وجْهَيْنِ،أحَدُهُما عَلى مَعْنى: أنْزَلْنا سُورَةً، وعَلى مَعْنى: اتْلُ سُورَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَرَضْناها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والزُّهْرِيُّ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ يَعْمُرٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَعَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، أيْ إنَّنا فَرَضْنا فِيها فُرُوضًا، والثّانِي: عَلى مَعْنى: بَيِّنًا وفَصَّلْنا ما فِيها مِنَ الحَلالِ والحَرامِ؛ ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: ألْزَمْناكُمُ العَمَلَ بِما فَرَضَ فِيها.

وقالَ غَيْرُهُ: مِن شَدَّدَ، أرادَ: فَصَّلْنا فَرائِضَها، ومَن خَفَّفَ، فَمَعْناهُ: فَرَضْنا ما فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي ﴾ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: " الزّانِيَةَ " بِالنَّصْبِ.

واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ الرَّفْعَ اخْتِيارَ الأكْثَرِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: والرَّفْعُ أقْوى في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ مَعْناهُ مَن زَنى فاجْلِدُوهُ، فَتَأْوِيلُهُ الِابْتِداءُ، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى مَعْنى: اجْلِدُوا الزّانِيَةَ.

فَأمّا الجَلْدُ فَهو ضَرْبُ الجِلْدِ؛ يُقالُ: جَلَدَهُ: إذا ضَرَبَ جِلْدَهُ، كَما يُقالُ: بَطَّنَهُ: إذا ضَرَبَ بَطْنَهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: الزّانِيَةُ والزّانِي إذا كانا حُرَّيْنِ بالِغَيْنِ بِكْرَيْنِ، ﴿ فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .

* فَصْلٌ قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي وُجُوبَ الجَلْدِ عَلى البِكْرِ والثَّيِّبِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في حَقِّ البِكْرِ زِيادَةٌ عَلى الجَلْدِ بِتَغْرِيبٍ عامٍ، وفي حَقِّ الثَّيِّبِ زِيادَةٌ عَلى الجَلْدِ بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ.

فَرَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ» " .

ومِمَّنْ قالَ بِوُجُوبِ النَّفْيِ في حَقِّ البِكْرِ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلَيٌّ، وابْنُ عُمَرَ، ومِمَّنْ بَعْدَهم عَطاءُ، وطاوُوسُ، وسُفْيانُ، ومالِكُ وابْنُ أبِي لَيْلى، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، ومِمَّنْ قالَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الجَلْدِ والرَّجْمِ في حَقِّ الثَّيِّبِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، قالَ: وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ بِالجَلْدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ: البِكْرُ، فَأمّا الثَّيِّبُ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الجَلْدُ، وإنَّما يَجِبُ الرَّجْمُ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ والثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكُ، ورُوِيَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ مِثْلُ قَوْلِ هَؤُلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْخُذْكُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو رَزِينٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يُعْمُرٍ، والأعْمَشُ: " يَأْخُذْكم " بِالياءِ، ﴿ بِهِما رَأْفَةٌ ﴾ قَرَأ نافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " رَأْفَةٌ " بِإسْكانِ الهَمْزَةِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، ومُجاهِدُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها عَلى وزْنِ رَعْفَةٍ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: " رَآفَةٌ " مِثْلَ سَآمَةٍ وكَآبَةٍ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ، فَتُخَفِّفُوا الضَّرْبَ، ولَكِنْ أوْجِعُوهُما، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: لا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ فَتُعَطِّلُوا الحُدُودَ ولا تُقِيمُوها، قالَهُ مُجاهِدُ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في شِدَّةِ الضَّرْبِ في الحُدُودِ، فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ضَرْبُ الزِّنا أشَدُّ مِنَ القَذْفِ، والقَذْفُ أشَدُّ مِنَ الشُّرْبِ، ويُضْرَبُ الشّارِبُ أشَدَّ مِن ضَرْبِ التَّعْزِيرِ، وعَلى هَذا مَذْهَبُ أصْحابِنا وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: التَّعْزِيرُ أشَدُّ الضَّرْبِ، وضَرْبُ الزّانِي أشَدُّ مِن ضَرْبِ الشّارِبِ، وضَرْبُ الشّارِبِ أشَدُّ مِن ضَرْبِ القَذْفِ.

وقالَ مالِكُ: الضَّرْبُ في الحُدُودِ كُلِّها سَواءً غَيْرُ مُبَرِّحٍ.

* فَصْلٌ فَأمّا ما يُضْرَبُ مِنَ الأعْضاءِ، فَنَقَلَ المَيْمُونِيُّ عَنْ أحْمَدَ في جَلْدِ الزّانِي، قالَ: يُجَرَّدُ، ويُعْطى كُلُّ عُضْوٍ حَقُّهُ، ولا يُضْرَبُ وجْهُهُ ولا رَأْسُهُ.

ونَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتانَ: لا يُضْرَبُ الرَّأْسُ ولا الوَجْهُ ولا المَذاكِيرُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

وقالَ مالِكُ: لا يُضْرَبُ إلّا في الظَّهْرِ وقالَ الشّافِعِيُّ: يُتَّقى الفَرْجُ والوَجْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في حُكْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في طاعَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ الزَّجاجُ: القِراءَةُ بِإسْكانِ اللّامِ، ويَجُوزُ كَسْرُها.

والمُرادُ بِعَذابِهِما ضَرْبُهُما.

وَفِي المُرادِ بِالطّائِفَةِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ وقالَ النَّخَعِيُّ: الواحِدُ طائِفَةٌ.

والثّانِي: الِاثْنانِ فَصاعِدًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ؛ وعَنْ عِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والقَوْلُ الأوَّلُ عَلى غَيْرِ ما عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، لِأنَّ الطّائِفَةَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وأقَلُّ الجَماعَةِ اثْنانِ.

والثّالِثُ: ثَلاثَةٌ فَصاعِدًا قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أرْبَعَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: عَشْرَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: «كانَتِ امْرَأةٌ تُسافِحُ، وتَشْتَرِطُ لِلَّذِي يَتَزَوَّجُها أنْ تَكْفِيَهُ النَّفَقَةَ فَأرادَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّ يَتَزَوَّجَها، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في بَغايا، كُنَّ بِمَكَّةَ، ومِنهُنَّ تِسْعٌ صَواحِبُ راياتٍ، وكانَتْ بُيُوتُهُنَّ تُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ: المَواخِيرُ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ إلّا زانٍ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، أوْ مُشْرِكٌ مِن أهْلِ الأوْثانِ، فَأرادَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ نِكاحَهُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: الزّانِي مِنَ المُسْلِمِينَ لا يَتَزَوَّجُ مِن أُولَئِكَ البَغايا ﴿ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً ﴾ لِأنَّهُنَّ كَذَلِكَ كُنَّ ﴿ والزّانِيَةُ ﴾ مِنهُنَّ ﴿ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ ﴾ ، ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّهُ إذا زَنى بِامْرَأةٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها إلّا بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: " وحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ " بِزِيادَةِ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ فَتْحِ حُرُوفِ " حَرَّمَ " .

وَقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: " وحَرُمَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ مُخَفَّفَةً.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ نِكاحُ الزَّوانِي؛ قالَهُ مُقاتِلُ.

والثّانِي: الزِّنا، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النُورِ هَذِهِ السُورَةُ كُلُّها مَدَنِيَّةٌ قوله عزّ وجلّ: ﴿ سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ الزانِيَةُ والزانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "سُورَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: "سُورَةً" بِالنَصْبِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعن أبِي الدَرْداءِ، فَوَجْهُ الرَفْعِ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ سُورَةٌ، أوِ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "سُورَةٌ" ابْتِداءٌ، وما بَعْدَها صِفَةٌ لَها أخْرَجَتْها عن حَدِّ النَكِرَةِ المَحْضَةِ، فَحَسُنَ الِابْتِداءُ لِذَلِكَ، ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الزانِيَةُ والزانِي ﴾ وفِيما بَعْدَ ذَلِكَ، والمَعْنى: السُورَةُ المُنَزَّلَةُ المَفْرُوضَةُ كَذا وكَذا؛ إذِ السُورَةُ عِبارَةٌ عن آياتٍ مَسْرُودَةٍ لَها بَدْءٌ وخَتْمٌ، ولَكِنْ يَلْحَقُ هَذا القَوْلَ إنَّ كَوْنَ الِابْتِداءِ هو الخَبَرُ لَيْسَ بِالبَيِّنِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ في السُورَةِ بِأسْرِها، وهَذا بَعِيدٌ في القِياسِ.

وَوَجْهُ النَصْبِ إضْمارُ فِعْلٍ قَدَّرَهُ بَعْضُهُمُ: اتْلُوا سُورَةً، أو نَحْوَهُ، وجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ: أنْزَلْنا سُورَةً أنْزَلْناها، وقالَ الفِراءُ: هي حالٌ مِنَ الهاءِ والألِفِ، والحالُ مِنَ المُكَنّى يَجُوزُ أنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفَرَضْناها" بِتَخْفِيفِ الراءٍ، ومَعْناهُ الإثْباتُ والإيجابُ بِأبْلَغِ وُجُوهِهِ، إذْ هو مُشَبَّهٌ بِالفَرْضِ في الإلْزامِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَفَرَّضْناها" بِشَدِّ الراءِ، ومَعْناهُ: جَعَلْناها فَرائِضَ، فَمِن حَيْثُ تَرَدَّدَ ذَلِكَ ضَعَّفَ الفِعْلَ لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَفَرَضْناها لَكُمْ"، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في السُورَةِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ فَرْضٌ.

و"الآياتُ البَيِّناتُ": أمْثالُها ومَواعِظُها وأحْكامُها، وقالَ الزَهْراوِيُّ: المَعْنى: لَيْسَ فِيها مُشْكِلٌ، تَأْوِيلُها مُوافِقٌ لِظاهِرِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَحَكُّمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ عَلى تَوَقُّعِ البَشَرِ ورَجائِهِمْ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الزانِيَةُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "الزانِيَةَ" بِالنَصْبِ، وهو أوجُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَأنَّهُ عِنْدَهُ كَقَوْلِكَ: زَيْدًا أضْرَبَ.

ووَجْهُ الرَفْعِ عِنْدَهُ أنَّهُ أخْبَرَ ابْتِداءً تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ الزانِيَةُ والزانِي، وأجْمَعَ الناسُ عَلى الرَفْعِ وإنْ كانَ القِياسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَصْبَ.

وأمّا الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزُجاجُ فَإنَّ الرَفْعَ عِنْدَهم هو الأوجَهُ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فاجْلِدُوا"؛ لَأنَّ المَعْنى: إنَّ الزانِيَةَ والزانِيَ مَجْلُودانِ بِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ.

وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُحاةِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ الخَبَرَ يَنْبَغِي أنْ يُجْلَدُوا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "والزانِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وقُدِّمَتِ الزانِيَةُ في اللَفْظِ مِن حَيْثُ كانَ في ذَلِكَ الزَمَنِ زِنى النِساءِ أفْشى، وكانَ لِإماءِ العَرَبِ وبَغايا الوَقْتِ راياتٌ، وكُنَّ مُجاهِراتٍ بِذَلِكَ، والعارُ بِالنِساءِ ألْحَقُ إذْ مَوْضِعِهُنَّ الحَجْبُ والصِيانَةُ، فَقَدَّمَ ذِكْرَهُنَّ تَغْلِيظًا واهْتِمامًا.

والألِفُ واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ الزانِيَةُ والزانِي ﴾ لِلْجِنْسِ، وذَلِكَ يُعْطِي أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الزُناةِ، وهَذِهِ الآيَةُ بِاتِّفاقٍ ناسِخَةٌ لِآيَةِ الحَبْسِ وآيَةِ الأذى اللَتَيْنِ في سُورَةِ النِساءِ.

وجَماعَةُ العُلَماءِ عَلى عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ حُكْمَ المُحْصَنِينَ مَنسُوخٌ مِنها، واخْتَلَفُوا في الناسِخِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الناسِخُ السُنَّةُ المُتَواتِرَةُ في الرَجْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ القُرْآنُ الَّذِي ارْتَفَعَ لَفْظُهُ وبَقِيَ حُكْمُهُ، وهو الَّذِي قَرَأهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَلى المِنبَرِ بِمَحْضَرِ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الشَيْخُ والشَيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ" وقالَ: إنّا قَرَأْناهُ في كِتابِ اللهِ تَعالى، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنْ لَفَظَهُ رُفِعَ وبَقِيَ حُكْمُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ راهَوَيْهِ: لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ نَسْخٌ، بَلْ سُنَّةُ الرَجْمِ جاءَتْ بِزِيادَةٍ، فالمُحْصَنُ -عَلى رَأْيِ هَذِهِ الفِرْقَةِ- يُجْلَدُ ثُمْ يُرْجَمُ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وفَعَلَهُ بِشُراحَةَ، ودَلِيلُهم قَوْلُ النَبِيِّ  : «والثَيِّبُ بِالثَيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَجْمُ»، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ فِعْلُ النَبِيِّ  حَيْثُ رَجَمَ ولَمْ يَجْلِدْ، وبِهِ قالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ إذْ فِعْلُهُ كَقَوْلِهِ رَفَعَ الجَلْدَ عَنِ المُحْصَنِ، وقالَ ابْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ: هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةً في البِكْرَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَأنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِن هَذا حُكْمُهُ إلّا البِكْرانِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَبِيِّ  : «البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ»، وبُقُولِهِ: «عَلى ابْنِكَ جِلْدُ مِائَةٍ»، واسْتَدَلُّوا عَلى أنَّها غَيْرُ عامَّةٍ بِخُرُوجِ الإماءِ والعَبِيدِ وغَيْرِهِمْ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ المَعانِي في سُورَةِ النِساءِ.

والجِلْدُ يَكُونُ والمَجْلُودُ قاعِدٌ عِنْدَ مالِكٍ، ولا يَجْزِي عِنْدَهُ إلّا في الظَهْرِ، وأصْحابُ الرَأْيِ والشافِعِيُّ يَرَوْنَ أنْ يُجْلَدَ الرَجُلُ وهو واقِفٌ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ ويُفَرَّقُ الضَرْبُ عَلى كُلِّ الأعْضاءِ، وأشارَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِالضَرْبِ إلى رِجْلَيْ أمَةٍ جَلَدَها في الزِنى، والإجْماعُ في تَسْلِيمِ الوَجْهِ والعَوْرَةِ والمَقاتِلِ، ويَتَرَجَّحُ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ بِقَوْلِ النَبِيِّ  : «أو حَدٌّ في ظَهْرِكَ»، وقَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أو لَأُوجِعَنَّ مَتْنَكَ، ويُعَرّى الرَجُلُ عِنْدَ مالِكٍ، والنَخْعِيِّ، وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجِراحِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، والشَعْبِيِّ، وغَيْرُهم يَرَوْنَ أنْ يَضْرِبَ عَلى قَمِيصٍ، وهو قَوْلُ عُثْمانَ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وأمّا المَرْأةُ فَتَسْتُرُ قَوْلًا واحِدًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَأْفَةٌ" بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ عَلى وزْنِ فَعْلَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "رَأفَةٌ" عَلى وزْنِ فَعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمْ أيْضًا: "رَآفَةٌ" عَلى وزْنِ فَعالَةٌ، كَسَآمَةٍ وكَآبَةٍ، وهَذِهِ مَصادِرُ أُشْهِرُها الأُولى، مَن "رَؤُفَ" إذا أرَقَّ ورَحِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَأْخُذُكُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَأْخُذُكُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الرَأْفَةِ المَنهِيِّ عنها، فِيمَ هِيَ؟

فَقالَ أبُو مِجْلَزٍ ولاحِقُ بْنُ حَمِيدٍ ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: هي في إسْقاطِ الحَدِّ، أيْ: أقِيمُوهُ ولا بُدَّ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنِ جُبَيْرٍ، وغَيْرِهِما، ومِن رَأْيِهِمْ أنَّ الضَرْبَ في الزِنى والفِرْيَةَ والخَمْرَ عَلى نَحْوٍ واحِدٍ.

وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُما: الرَأْفَةُ المَنهِيُّ عنها هي في تَخْفِيفِ الضَرْبِ عَنِ الزِنى، ومِن رَأْيِهِمْ أنْ يُخَفَّفَ ضَرْبُ الخَمْرِ والفِرْيَةِ ويَشْتَدَّ ضَرْبُ الزِنى، وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ: نُهِيَ عَنِ الرَأْفَةِ في الوَجْهَيْنِ، وقالَ أبُو مِجْلِزٍ: إنّا لَنَرْجُمُ المَحْدُودَ ولَكِنْ لا نُسْقِطُ الحَدَّ، «وَقَوْلُ النَبِيِّ  في السَوْطِ: دُونَ هَذا» ضَرْبٌ مِنَ الرَأْفَةِ.

وقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اضْرِبْ ولا تُبْدِينَّ إبْطَكَ، واتَّفَقَ الناسُ عَلى أنَّ الضَرْبَ سَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ، وقالَ الزَهْرِيَّ: ضَرْبُ الزِنا والفِرْيَةِ مُشَدَّدٌ لَأنَّهُما بِمَعْنى واحِدٍ، وضَرْبُ الخَمْرِ مُخَفَّفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي دِينِ اللهِ ﴾ بِمَعْنى: في الإخْلالِ بِدِينِ اللهِ، أيْ: بِشَرْعِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدِينُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ.

ثُمْ قَرَّرَهم عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والحَضِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ﴾ ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ تَحُضُّهُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا، أيْ: هَذِهِ أفْعالُ الرِجالِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، المَقْصِدُ بِالآيَةِ الإغْلاظُ عَلى الزُناةِ والتَوْبِيخُ بِحَضْرَةِ الناسِ، فَلا خِلافَ أنَّ الطائِفَةَ كُلَّما كَثُرَتْ فَهي ألْيَقُ بِامْتِثالِ الأمْرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في أقَلِّ ما يُجْزِي، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: لا بُدَّ مِن حُضُورِ عَشْرَةٍ، وقالَ: إنَّ هَذا العَدَدَ عَقْدٌ خارِجٍ عَنِ الآحادِ وهي أقَلُّ الكَثْرَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: لا بُدَّ مِن حُضُورِ أرْبَعَةٍ، ورَأوا أنَّ شَهادَةَ الزِنى كَذَلِكَ وأنَّ هَذا بابٌ مِنهُ.

وقالَ الزَهْرِيُّ: الطائِفَةُ ثَلاثَةٌ فَصاعِدًا، وقالَ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ: لا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ، وهَذا مَشْهُورُ قَوْلِ مالِكٍ، فَرَآها مَوْضِعَ شَهادَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَجْزِي الواحِدُ ويُسَمّى طائِفَةً، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَزَعا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِينِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ طائِفَتانِ  ﴾ ونَزَلَتْ في تَقاتُلِ رَجُلَيْنِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَغْرِيبِ، وقَدْ غَرَّبَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى فَدَكٍ، وهو رَأْيُ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وأبِي ذَرٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، ولَكِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ أنْ نَفى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُومِ فَقالَ: لا أنْفِي أحَدًا بَعْدَها، وفِيهِ عن مالِكٍ قَوْلانِ، ولا يَرى تَغْرِيبَ النِساءِ والعَبِيدِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ  : «لا تُسافِرُ المَرْأةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، ومِمَّنْ أبى التَغْرِيبَ جُمْلَةً أصْحابُ الرَأْيِ، وقالَ الشافِعِيُّ: يُنْفى البِكْرُ رَجُلًا كانَ أوِ امْرَأةً، ونَفى عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ امْرَأةً إلى البَصْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .

ابتداء كلام وهو كالعنوان والترجمة في التبويب فلذلك أتي بعده بالفاء المؤذنة بأن ما بعدها في قوة الجواب وأن ما قبلها في قوة الشرط.

فالتقدير: الزانية والزاني مما أنزلت له هذه السورة وفرضت.

ولما كان هذا يستدعي استشراف السامع كان الكلام في قوة: إن أردتم حكمهما فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة.

وهكذا شأن هذه الفاء كلما جاءت بعد ما هو في صورة المبتدأ فإنما يكون ذلك المبتدأ في معنى ما للسامع رغبة في استعلام حاله كقول الشاعر، وهو من شواهد «كتاب سيبويه» التي لم يعرف قائلها: وقائلة: خولانُ فانكح فتاتهم *** وأُكرومة الحيين خِلو كما هِيا التقدير: هذه خولان، أو خولان مما يرغب في صهرها فانكح فتاتهم إن رغبت.

ومن صرفوا ذهنهم عن هذه الدقائق في الاستعمال قالوا الفاء زائدة في الخبر.

وتقدم زيادة الفاء في قوله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ في سورة العقود (38).

وصيغتا الزانية والزاني} صيغة اسم فاعل وهو هنا مستعمل في أصل معناه وهو اتصاف صاحبه بمعنى مادته فلذلك يعتبر بمنزلة الفعل المضارع في الدلالة على الاتصاف بالحدث في زمن الحال، فكأنه قيل: التي تزني والذي يزني فاجلدوا كل واحد منهما إلخ.

ويؤيد ذلك الأمر بجلد كل واحد منهما فإن الجلد يترتب على التلبس بسببه.

ثم يجوز أن تكون قصة مرثد بن أبي مرثد النازل فيها قوله تعالى: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زنية أو مشركة ﴾ [النور: 3] إلخ هي سبب نزول أول هذه السورة.

فتكون آية ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ هي المقصد الأول من هذه السورة ويكون قوله: ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ تمهيداً ومقدمة لقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ [النور: 3] فإن تشنيع حال البغايا جدير بأن يقدم قبله ما هو أجدر بالتشريع وهو عقوبة فاعل الزنى.

ذلك أن مرثد ما بعثه على الرغبة في تزوج عناق إلا ما عرضته عليه من أن يزني معها.

وقدم ذكر ﴿ الزانية ﴾ على ﴿ الزاني ﴾ للاهتمام بالحكم لأن المرأة هي الباعث على زنى الرجل وبمساعفتها الرجل يحصل الزنى ولو منعت المرأة نفسها ما وجد الرجل إلى الزنى تمكيناً، فتقديم المرأة في الذكر لأنه أشد في تحذيرها.

وقوله: ﴿ كل واحد منهما ﴾ للدلالة على أنه ليس أحدهما بأولى بالعقوبة من الآخر.

وتعريف ﴿ الزانية والزاني ﴾ تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالباً ومقام التشريع يقتضيه، وشأن (أل) الجنسية إذا دخلت على اسم الفاعل أن تبعّد الوصف عن مشابهة الفعل فلذلك لا يكون اسم الفاعل معها حقيقة في الحال ولا في غيره وإنما هو تحقق الوصف في صاحبه.

وبهذا العموم شمل الإماء والعبيد، ف ﴿ الزانية والزاني ﴾ من اتصفت بالزنى واتصف بالزنى.

والزنى: اسم مصدر زَنى، وهو جماع بين الرجل والمرأة اللذين لا يحل أحدهما للآخر، يقال: زنى الرجل وزنت المرأة، ويقال: زانى بصيغة المفاعلة لأن الفعل حاصل من فاعلين ولذلك جاء مصدره الزناء بالمدّ أيضاً بوزن الفِعال ويخفف همزه فيصير اسماً مقصوراً.

وأكثر ما كان في الجاهلية أن يكون بداعي المحبة والموافقة بين الرجل والمرأة دون عوض، فإن كان بعوض فهو البغاء يكون في الحرائر ويغلب في الإماء وكانوا يجهرون به فكانت البغايا يجعلن رايات على بيوتهن مثل راية البيطار ليعرفن بذلك وكل ذلك يشمله اسم الزنى في اصطلاح القرآن وفي الحكم الشرعي.

وتقدم ذكر الزنى في قوله تعالى: ﴿ ولا تقربوا الزنى ﴾ في سورة الإسراء (32).

والجلد: الضرب بسير من جلد.

مشتق من الجلد بكسر الجيم لأنه ضرب الجلد.

أي البشرة.

كما اشتق الجَبْه، والبَطْن، والرأس في قولهم جَبَهه إذا ضرب جبهته، وبَطنَه إذا ضرب بطنه، ورَأسه إذا ضرب رأسه.

قال في «الكشاف»: وفي لفظ الجلد إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم اه.

أي لا يكون الضرب يُطير الجلد حتى يظهر اللحم، فاختيار هذا اللفظ دون الضرب مقصود به الإشارة إلى هذا المعنى على طريقة الإدماج.

واتفق فقهاء الأمصار على: أن ضرب الجلد بالسوط.

أي بسَيْر من جلد.

والسوط: هو ما يضرب به الراكب الفرس وهو جلد مضفور، وأن يكون السوط متوسط اللين، وأن يكون رفع يد الضارب متوسطاً.

ومحل الجلد هو الظهر عند مالك.

وقال الشافعي: تضرب سائر الأعضاء ما عدا الوجه والفرج.

وأجمعوا على ترك الضرب على المقاتل، ومنها الرأس في الحد.

روى الطبري أن عبد الله بن عمر حد جارية أحدثت فقال للجالد: اجلد رجليها وأسفلها، فقال له ابنه عبد الله: فأين قول الله تعالى: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ فقال فاقتها.

وقوله: ﴿ كل واحد منهما ﴾ تأكيد للعموم المستفاد من التعريف فلم يكتف بأن يقال: فاجلدوهما، كما قال: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ [المائدة: 38] وتذكير كل واحد تغليب للمذكر مثل ﴿ وكانت من القانتين ﴾ [التحريم: 12].

والخطاب بالأمر بالجلد موجه إلى المسلمين فيقوم به من يتولى أمور المسلمين من الأمراء والقضاة ولا يتولاه الأولياء، وقال مالك والشافعي وأحمد: يقيم السيد على عبده وأمته حد الزنى، وقال أبو حنيفة لا يقيمه إلا الإمام.

وقال مالك: لا يقيم السيد حد الزنى على أمته إذا كانت ذات زوج حر أو عبد ولا يقيم الحد عليها إلا ولي الأمر.

وكان أهل الجاهلية لا يعاقبون على الزنى لأنه بالتراضي بين الرجل والمرأة إلا إذا كان للمرأة زوج أو ولي يذب عن عرضه بنفسه كما أشار إليه قول امرئ القيس: تجاوزت أحراساً إليها ومعشراً *** علي حراصاً لو يسرّون مقتلي وقول عبد بني الحسحاس: وهن بنات القوم إن يشعروا بنا *** يكن في بنات القوم إحدى الدهارس الدهارس: الدواهي.

ولم تكن في ذلك عقوبة مقدرة ولكنه حكم السيف أو التصالح على ما يتراضيان عليه.

وفي «الموطأ» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله.

وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم.

فقال: تكلم.

قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأخبروني أنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك.

وجلد ابنه مائة وغربه عاماً وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رَجمها فاعترفت فرجمها.

قال مالك: والعسيف الأجير اه.

فهذا الافتداء أثر مما كانوا عليه في الجاهلية، ثم فرض عقاب الزنى في الإسلام بما في سورة النساء وهو الأذى للرجل الزاني، أي بالعقاب الموجع، وحبس للمرأة الزانية مدة حياتها.

وأشارت الآية إلى أن ذلك حكم مجمل بالنسبة للرجل لأن الأذى صالح لأن يبيّن بالضرب أو بالرجم وهو حكم موقت بالنسبة إلى المرأة بقوله: ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ [النساء: 15] ثم فرض حد الزنى بما في هذه السورة.

ففرض حد الزنى بهذه الآية جلد مائة فعمّ المحصن وغيره، وخصصته السنة بغير المحصن من الرجال والنساء.

فأما من أحصن منهما، أي تزوج بعقد صحيح ووقع الدخول فإن الزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى يموت.

وكان ذلك سُنةً متواترةً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ورجم ماعز بن مالك.

وأجمع على ذلك العلماء وكان ذلك الإجماع أثراً من آثار تواترها.

وقد روي عن عمر أن الرجم كان في القرآن «الثيِّب والثيبة إذا زنيا فارجموهما البتة» وفي رواية «الشيخ والشيخة» وأنه كان يقرأ ونسخت تلاوته.

وفي «أحكام ابن الفرس» في سورة النساء: «وقد أنكر هذا قوم»، ولم أر من عيّن الذين أنكروا.

وذكر في سورة النور أن الخوارج بأجمعهم يرون هذه الآية على عمومها في المحصن وغيره ولا يرون الرجم ويقولون: ليس في كتاب الله الرجم فلا رجم.

ولا شك في أن القضاء بالرجم وقع بعد نزول سورة النور.

وقد سئل عبد الله بن أبي أوفى عن الرجم: أكان قبل سورة النور أو بعدها؟

(يريد السائل بذلك أن تكون آية سورة النور منسوخة بحديث الرجم أو العكس، أي أن الرجم منسوخ بالجلد) فقال ابن أبي أوفى: لا أدري.

وفي رواية أبي هريرة أنه شهد الرجم.

وهذا يقتضي أنه كان معمولاً به بعد سورة النور لأن أبا هريرة أسلم سنة سبع وسورة النور نزلت سنة أربع أو خمس كما علمت وأجمع العلماء على أن حد الزاني المحصن الرجم.

وقد ثبت بالسنة أيضاً تغريب الزاني بعد جلده تغريب سنة كاملة، ولا تغريب على المرأة.

وليس التغريب عند أبي حنيفة بمتعين ولكنه لاجتهاد الإمام إن رأى تغريبه لدعارته.

وصفة الرجم والجلد وآلتهما مبينة في كتب الفقه ولا يتوقف معنى الآية على ذكرها.

عطف على جملة ﴿ فاجلدوا ﴾ ؛ فلما كان الجلد موجعاً وكان المباشر له قد يرق على المجلود من وجعه نُهي المسلمون أن تأخذهم رأفة بالزانية والزاني فيتركوا الحد أو ينقصوه.

والأخذ: حقيقته الاستيلاء.

وهو هنا مستعار لشدة تأثير الرأفة على المخاطبين وامتلاكها إرادتهم بحيث يضعفون عن إقامة الحد فيكون كقوله: ﴿ أخذته العزة بالإثم ﴾ [البقرة: 206] فهو مستعمل في قوة ملابسة الوصف للموصوف.

و ﴿ بهما ﴾ يجوز أن يتعلق ب ﴿ رأفة ﴾ فالباء للمصاحبة لأن معنى الأخذ هنا حدوث الوصف عند مشاهدتهما.

ويجوز تعليقه ب ﴿ تأخذكم ﴾ فتكون الباء للسببية، أي أخذ الرأفة بسببهما أي بسبب جلدهما.

وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بذكر الزاني والزانية تنبيهاً على الاعتناء بإقامة الحد.

والنهي عن أن تأخذهم رأفة كناية عن النهي عن أثر ذلك وهو ترك الحد أو نقصه.

وأما الرأفة فتقع في النفس بدون اختيار فلا يتعلق بها النهي؛ فعلى المسلم أن يروض نفسه على دفع الرأفة في المواضع المذمومة فيها الرأفة.

والرأفة: رحمة خاصة تنشأ عند مشاهدة ضُرّ بالمرؤوف.

وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ في سورة البقرة (143).

ويجوز سكون الهمزة وبذلك قرأ الجمهور.

ويجوز فتحها وبالفتح قرأ ابن كثير.

وعلق بالرأفة قوله: ﴿ في دين الله ﴾ لإفادة أنها رأفة غير محمودة لأنها تعطل دين الله، أي أحكامه، وإنما شرع الله الحد استصلاحاً فكانت الرأفة في إقامته فساداً.

وفيه تعريض بأن الله الذي شرع الحد هو أرأف بعباده من بعضهم ببعض.

وفي «مسند أبي يعلى» عن حذيفة مرفوعاً: " يؤتى بالذي ضَرب فوق الحد فيقول الله له: عبدي لم ضربت فوق الحد؟

فيقول: غضبت لك فيقول الله: أكان غضبك أشد من غضبي؟

ويؤتى بالذي قصّر فيقول: عبدي لِمَ قصرت؟

فيقول: رحِمتُهُ.

فيقول: أكانت رحمتك أشد من رحمتي.

ويؤمر بهما إلى النار ".

وجملة: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله ﴾ شرط محذوف الجواب لدلالة ما قبله عليه، أي إن كنتم مؤمنين فلا تأخذكم بهما رأفة، أي لا تؤثر فيكم رأفة بهما.

والمقصود: شدة التحذير من أن يتأثروا بالرأفة بهما بحيث يفرض أنهم لا يؤمنون.

وهذا صادر مصدر التلهيب والتهييج حتى يقول السامع: كيف لا أومن بالله واليوم الآخر.

وعطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله للتذكير بأن الرأفة بهما في تعطيل الحد أو نقصه نسيان لليوم الآخر فإن تلك الرأفة تفضي بهما إلى أن يؤخذ منهما العقاب يوم القيامة فهي رأفة ضارة كرأفة ترك الدواء للمريض، فإن الحدود جوابر على ما تؤذن به أدلة الشريعة.

﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين ﴾ .

أمر أن تحضر جماعة من المسلمين إقامة حد الزنا تحقيقاً لإقامة الحد وحذراً من التساهل فيه فإن الإخفاء ذريعة للإنساء، فإذا لم يشهده المؤمنون فقد يتساءلون عن عدم إقامته فإذا تبين لهم إهماله فلا يعدم بينهم من يقوم بتغيير المنكر من تعطيل الحدود.

وفيه فائدة أخرى وهي أن من مقاصد الحدود مع عقوبة الجاني أن يرتدع غيره، وبحضور طائفة من المؤمنين يتعظ به الحاضرون ويزدجرون ويشيع الحديث فيه بنقل الحاضر إلى الغائب.

والطائفة: الجماعة من الناس.

وقد تقدم ذكرها عند قوله تعالى: ﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾ في سورة النساء (102)، وعند قوله: ﴿ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ﴾ في آخر الأنعام (156).

وقد اختلف في ضبط عددها هنا.

والظاهر أنه عدد تحصل بخبره الاستفاضة وهو يختلف باختلاف الأمكنة.

والمشهور عن مالك الاثنان فصاعداً، وقال ابن أبي زيد: أربعة اعتباراً بشهادة الزنا.

وقيل عشرة.

وظاهر الأمر يقتضي وجوب حضور طائفة للحد.

وحمله الحنفية على الندب وكذلك الشافعية ولم أقف على تصريح بحكمه في المذهب المالكي.

ويظهر من إطلاق المفسرين وأصحاب الأحكام من المالكية ومن اختلافهم في أقل ما يجزئ من عدد الطائفة أنه يحمل على الوجوب إذ هو محمل الأمر عند مالك.

وأيَّاً مَّا كان حكمه فهو في الكفاية ولا يطالب به من له بالمحدود مزيد صلة يحزنه أن يشاهد إقامة الحد عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النُّورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُورَةٌ أنْزَلْناها ﴾ أيْ هَذِهِ سُورَةٌ أنْزَلْناها ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ خَصَّها بِهَذا الِافْتِتاحِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَقْصُودَ الزَّجْرُ والوَعِيدُ فافْتُتِحَتْ بِالرَّهْبَةِ كَسُورَةِ التَّوْبَةِ.

الثّانِي: أنَّ فِيها تَشْرِيفًا لِلنَّبِيِّ  بِطَهارَةِ نِسائِهِ فافْتُتِحَتْ بِذَكَرٍ، والسُّورَةُ اسْمٌ لِلْمَنزِلَةِ الشَّرِيفَةِ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ السُّورَةُ مِنَ القُرْآنِ سُورَةً قالَ الشّاعِرُ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تُرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ ﴿ وَفَرَضْناها ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ بِالتَّخْفِيفِ وبِالتَّشْدِيدِ: فَمَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَفي تَأْوِيلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَرَضْنا فِيها إباحَةَ الحَلالِ وحَظْرَ الحَرامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: قَدَّرْنا فِيها الحُدُودَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ  ﴾ أيْ قَدَّرْتُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَمَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفي تَأْوِيلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ تَكْثِيرُ ما فُرِضَ فِيها مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: مَعْناهُ بَيَّنّاها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِهِ ووُجُوبِ طاعَتِهِ.

الثّانِي: أنَّها الحُدُودُ والأحْكامُ الَّتِي شَرَعَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ وإنَّما قُدِّمَ ذَكْرُ الزّانِيَةِ عَلى الزّانِي لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الزِّنى مِنها أعَرُّ، وهو لِأجْلِ الحَبَلِ أضَرُّ.

الثّانِي: أنَّ الشَّهْوَةَ فِيها أكْثَرُ وعَلَيْها أغْلَبُ، وقُدِّرَ الحَدُّ فِيهِ بِمِائَةِ جَلْدَةٍ مِنَ الحُرِّيَّةِ والبَكارَةِ، وهو أكْثَرُ حُدُودِ الجَلْدِ، لِأنَّ فِعْلَ الزِّنى أغْلَظُ مِنَ القَذْفِ بِالزِّنى، وزادَتِ السُّنَّةُ عَلى الجَلْدِ بِتَغْرِيبِ عامٍ بَعْدَهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ  : «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ» ومَنَعَ العِراقِيُّونَ مِنَ التَّغْرِيبِ اقْتِصارًا عَلى الجَلْدِ وحْدَهُ، وفِيهِ دَفْعُ السُّنَّةِ والأثَرِ.

والجَلْدُ مَأْخُوذٌ مِن وُصُولِ الضَّرْبِ إلى الجَلْدِ، فَأمّا المُحْصَنانِ فَحَدَّهُما الرَّجْمُ بِالسُّنَّةِ إمّا بَيانًا لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا  ﴾ عَلى قَوْلِ فَرِيقٍ: وإمّا ابْتِداءً فُرِضَ عَلى قَوْلِ آخَرِينَ.

وَرَوى زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيٍّ أنَّ في مُصْحَفِهِ مِن سُورَةِ الأحْزابِ ذُكِرَ الرَّجْمُ: " إذا زَنى الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " .

﴿ وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ ﴾ أيْ في طاعَةِ اللَّهِ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِالدِّينِ عَنِ الطّاعَةِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ تُقِيمُونَ طاعَةَ اللَّهِ قِيامَ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والرَّأْفَةُ الرَّحْمَةُ ولَمْ يَنْهَ عَنْها لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُوقِعُها في القُلُوبِ وإنَّما نَهى عَمّا تَدْعُو الرَّحْمَةُ إلَيْهِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَدْعُوَهُ الرَّحْمَةُ إلى إسْقاطِ الحَدِّ حَتّى لا يُقامَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنْ تَدْعُوَهُ الرَّحْمَةُ إلى تَخْفِيفِ الضَّرْبِ حَتّى لا يُؤْلِمَ، قالَهُ قَتادَةُ.

واسْتَنْبَطَ هَذا المَعْنى الجُنَيْدُ فَقالَ: الشَّفَقَةُ عَلى المُخالِفِينَ كالإعْراضِ عَنِ المُواقِعِينَ ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما ﴾ يَعْنِي بِالعَذابِ الحَدَّ يَشْهَدُهُ عِنْدَ الإقامَةِ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، لِيَكُونُوا زِيادَةً في نَكالِهِ وبَيِّنَةً عَلى إقامَةِ حَدِّهِ، واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْبَعَةٌ فَصاعِدًا، قالَهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ.

الثّانِي: ثَلاثَةٌ فَصاعِدًا، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الثّالِثُ: اثْنانِ فَصاعِدًا، قالَ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: واحِدٌ فَصاعِدًا، قالَهُ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ.

وَلَمّا شَرَطَ اللَّهُ إيمانَ مَن يَشْهَدُ عَذابَهُما، قالَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ: لا يَشْهَدُ مَواضِعَ التَّأْدِيبِ إلّا مَن لا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ قال: في الحدِّ أن يقام عليهم ولا يعطل.

أما أنه ليس بشدة الْجَلْدِ.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة ﴾ قال: في اقامة الحد.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة ﴾ قال: في تعطيل الحد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمران بن حدير قال: قلت لأبي مجلز ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ قال: انا لنرجم الرجل أو يجلد أو يقطع قال: ليس كذاك، إنما هو إذا رفع للسلطان فليس له أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة ﴾ قال: الجلد الشديد.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم وعامر ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة ﴾ قالا: شدة الجلد في الزنا، ويعطى كل عضو منه حقه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن شعبة قال: قلت لحماد: الزاني يضرب ضرباً شديداً؟

قال: نعم ويخلع عنه ثيابه قال الله: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ قلت له: إنما ذلك في الحكم قال: في الحكم والجلد.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد قضى الله ورسوله إن شهد أربعة على بكرين جلدا كما قال الله مائة جلدة، وغربا سنة غير الأرض التي كان بها، وتغريبهما سنتي» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر؛ أن جارية لابن عمر زنت، فضرب رجليها وظهرها فقلت: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ فقال: إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجلد رأسها، وقد أوجعت حيث ضربت.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي برزة الاسلمي، أنه أتي بأمة لبعض أهله قد زنت وعنده نفر نحو عشرة، فأمر بها فاجلست في ناحية، ثم أمر بثوب فطرح عليها، ثم أعطى السوط رجلاً فقال: اجلد خمسين جلدة ليس باليسير ولا بالخضفة، فقام فجلدها وجعل يفرق عليها الضرب، ثم قرأ ﴿ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ﴾ قال: الطائفة الرجل فما فوقه.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ﴾ قال: الطائفة عشرة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: الطائفة واحد إلى الألف.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، ليكون ذلك عبرة وموعظة ونكالاً لهم.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال: ليحضر رجلان فصاعداً.

وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: الطائفة الثلاثة فصاعداً.

وأخرج عن ابن زيد في الآية قال: الطائفة أربعة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن نصر بن علقمة في قوله: ﴿ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ﴾ قال: ليس ذلك للفضيحة، إنما ذاك ليدعو الله لهما بالتوبة والرحمة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشيباني قال: قلت لابن أبي أوفى رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال: نعم.

قلت: بعدما أنزلت سورة النور أو قبلها؟

قال: لا أدري.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله عزّ وجل: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾ ذكرنا الكلام في وجه ارتفاع الزانية عند قوله ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ الآية [المائدة: 38] (١) ﴿ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ معنى الجلد في اللغة: ضرب الجلد.

يقال: جلده؛ إذا ضرب جلده.

كما تقول: رأسه وبطنه، إذا ضرب رأسه وبطنه (٢) (٣) (٤) (٥) فالمراد بالزانية والزاني المذكورين في هذه الآية.

هما اللذان جمعا هذه الأوصاف، وجلدهما يجب بنص الكتاب، وتغريب عام يجب بالسنة (٦) قوله ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ﴾ يقال: رؤف (٧) (٨) (٩) وقرأ ابن كثير ﴿ رَأْفَةٌ ﴾ هاهنا بفتح الهمزة (١٠) قال أبو علي: ولعل التي قرأها ابن كثير لغة (١١) ولم يقرأ التي في سورة الحديد وهي قوله ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً  ﴾ مفتوحة الهمز (١٢) (١٣) وذكر قولان في معنى هذه الآية: أحدهما: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ﴾ فتعطلوا الحد ولا تقيموه رحمة عليهما وشفقة.

وهو قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وهو اختيار الفراء وأبي علي.

قال الفراء: يقول: لا ترأفوا بالزاني والزانية فتعطلوا حدود الله (٢٢) وقال أبو علي: كأنه نهى عن رحمتهما؛ لأن رحمتهما قد تؤدي إلى تضييع لحد وترك إقامته عليهما (٢٣) القول الثاني: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ﴾ فتخففوا الضرب ولا توجعوهما.

وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، والزهري، وإبراهيم، وقتادة، كل هؤلاء قالوا (٢٤) قال الزهري وقتادة: يجتهد في حد الزانين ولا يخفف كما يخفف في الشرب.

وجلد ابن عمر جارية له (٢٥) (٢٦) قال نافع (٢٧) ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ !

قال: أو أخذني بها رأفة؟

إنَّ الله لم يأمرني أن أقتلها ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حين ضربت (٢٨) وذكر الزجاج القولين جميعًا (٢٩) قوله ﴿ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: في حكم الله، كقوله ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ  ﴾ أي في: حكمه (٣٠) وقال مقاتل: في أمر الله (٣١) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ قال مقاتل: يعني إن كنتم تصدقون بتوحيد الله وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحد (٣٢) وهذا يقوّي القول الأول؛ لأن قوله ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ ﴾ كالوعيد في ترك الحد، ومثل هذا الوعيد لا يلحق في التخفيف.

قوله: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا ﴾ أي: وليحضر ضرب الزانيين.

﴿ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (٣٣) (٣٤) وهو قول ابن عباس في رواية الكلبي عن أبي صالح (٣٥) (٣٦) وقال عطاء: رجلان فصاعدًا (٣٧) وهو قول عكرمة (٣٨) (٣٩) وقال الزهري: ثلاثة فصاعدًا (٤٠) وقال ابن زيد: أربعة بعدد من تقبل شهادته على الزنا (٤١) وقال الحسن: ﴿ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي عشرة (٤٢) وقال قضادة: نفرٌ من المسلمين (٤٣) وروي عن ابن عباس: أربعة إلى أربعين (٤٤) قال أبو إسحاق: أمّا من قال: واحد.

فهو على غير ما عند أهل اللغة؛ لأنّ الطائفة في معنى جماعة، وأقل الجماعة اثنان.

فأقل ما يجب في الطائفة عندي اثنان.

والذي ينبغي أن يتحزى في شهادة عذاب الزنا (٤٥) (٤٦) (١) "الزانية" رفع بالابتداء، وفي خبرها وجهان: أحدهما: أنه محذوف.

قال سيبويه 1/ 143: كأنَّه لما قال -جل ثناؤه-: ﴿ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ﴾ قال: في الفرائض الزانية والزاني، أو: الزانية والزاني في الفرائض.

اهـ.

وقدَّره بعضهم: فيما يتلى عليكم الزانية.

الثاني: أن خبره جملة الأمر ﴿ فَاجْلِدُوا ﴾ ، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط.

وهو قول الفراء والزجاج والمبرد والزمخشري وغيرهم.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 244، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 28، "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب 2/ 508، "الكشاف" 3/ 47، "البيان" للأنباري 2/ 191، "البحر المحيط" 6/ 427، "الدر المصون" 8/ 379.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 656 (جلد).

(٣) (حكم) ساقطة من (أ).

(٤) لو قيل: وليس حكم، والآية على عمومها لكان أولى.

(٥) موضع الحاء من قوله: "حرا" بياض في (ع).

(٦) روى البخاري في "صحيحه" (كتاب الحدود- باب: البكران يجلدان وينفيان، 12/ 156) عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت النبي -  - يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام.

(٧) في (ظ)، (ع): (رأف).

(٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 245، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 28، و"تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 238 (روى)، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 67 أ.

(٩) قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 238 (روى)، و"الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 310 وقد نقله الواحدي عن أحدهما.

فظهر بذلك أن في "رأف" ثلاث لغات: رؤف، رأف، رئف.

ولذا قال الفيروزآبادي 3/ 142: رأف الله تعالى بك مثلثة وانظر أيضًا "الصحاح" للجوهري 4/ 1362، "لسان العرب" لابن منظور 9/ 112 (رأف).

(١٠) أي "رأفة".

وقرأ الباقون بإسكان الهمزة.

انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 452، و"التيسير للداني" ص 161، و"الغاية" للنيسابوري ص 217، و"النشر" لابن الجزري 2/ 330.

(١١) "الحجة" للفارسي 5/ 310.

قال مكي في "الكشف" 2/ 133: وهما لغتان في "فعل وفَعْله" إذا كان حرف الحلق عينه أو لامه.

والفتح الأصل، وهو مصدر، والإسكان فيه أكثر وأهر.

وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 446، و"إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 99، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 495.

(١٢) قرأ ابن كثير آية الحديد بإسكان الهمزة كالباقين.

انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 452 و"التيسير" للداني ص 161، و"النشر" لابن الجزري (2/ 330).

(١٣) من قوله: لأن العرب ..

إلى هنا هذا كلام الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 67 أ.

(١٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50، وفي "مصنفه" 7/ 367، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 10/ 63، 64، والطبري 18/ 67، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 7 أعن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 125 عن مجاهد، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(١٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50، وفي "مصنفه" 7/ 367.

(١٦) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 7/ 367، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 ب)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 10/ 64، والطبري 18/ 67، وابن أبي حاتم 7/ 7 أ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 1258 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(١٧) "تفسير مقاتل" 2/ 34 أ.

(١٨) ذكره عنه الثعلبي 3/ 67 أ.

وروى الطبري 18/ 67، وابن أبي حاتم 7/ 7 أعنه في قوله "ولا تأخذكم بهما رأفة" قال: الجلد.

(١٩) ذكره عنه الثعلبي 3/ 67 أ.

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" 10/ 63، والطبري 18/ 68 عنه قال: الضَّرْب.

زاد الطبري: الشديد.

وروى عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" 6/ 125 عنه وعن إبراهيم النخعي قالا: شدة الجلد في الزنا، ويعطى كل عضو من حقه، وهذه الرواية ورواية الطبري مشعرة بأن الشعبي يقول بالقول الثاني.

والله أعلم.

(٢٠) في (ع): (قال وفي).

(٢١) هذا كلام أبي مجلز.

(٢٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 245.

(٢٣) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 310.

(٢٤) ذكره الثعلبي 3/ 67 أعن الحسن وسعيد.= وروى الطبري 18/ 68 عنهما قالا: الجلد الشديد.

ورواه ابن أبي حاتم 7/ 7 أبهذا اللفظ عن الحسن وحده.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 125 عن الحسن، وعزاه لعبد بن حميد والطبري.

ورواه عن الزهري وقتادة: عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50، والطبري 18/ 68.

وروى عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" 6/ 125 عن إبراهيم -يعني النخعي- وعامر -يعني الشعبي- في قوله: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ﴾ قالا: شدة الجلد في الزنا، ويعطى كل عضو منه حقه.

لكن روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" 10/ 63، والطبري 18/ 63 عنه قال: الضرَّب.

ولذا ذكره الثعلبي 3/ 67 أمع القائلين بالقول الأول، وقبله الطبري، فإنَّه لما ذكر الروايات عن قائلي القول الأول ذكر الرواية عن إبراهيم بأنَّه الضرب.

(٢٥) له: ساقطة من (ع).

(٢٦) أحدثت: أي: زنت.

انظر: "لسان العرب" 2/ 134 (حدث).

(٢٧) ظاهر سياق الواحدي لهذا الأثر عن ابن عمر أن نافعًا هو مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، وهو الذي قال لابن عمر: فقلت له ..

والصحيح أن نافعًا هذا هو أحد رواة هذا الأثر -كما سنبين ذلك عند سوقنا للروايات- وقد وهم الواحدي في سياقه لهذا الأثر.

ونافع هنا: هو نافع بن عمر بن عبد الله، الجمحي، الإمام الحافظ، المكي.

(٢٨) رواه الطبري 18/ 66 - 67 قال: حدثنا أبو هشام، قال: حدثنا يحيى بن أبي == زائدة، عن نافع بن عمر -تصحف في المطبوع إلى: نافع عن ابن عمر-، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: جلد ابن عمر جارية له أحدثت، فجلد رجليها.

قال نافع: وحسبت أنَّه قال: وظهرها فقلت: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ !

فقال: وأخذتني بها رأفة، إن الله لم يأمرني أن أقتلها.

ورواه ابن أبي حاتم 7/ 6 ب قال: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن نافع عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن جارلة لابن عمر زنت، فضرب رجليها.

قال نافع: أراه قال وظهرها.

قال: قلت: لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله!

قال: يا بُنيّ ورأيتني أخذتني بها رأفة!

إن الله لم ..

ضربت.

يتبين بذلك أن قول نافع معرض في الرواية لبيان أنَّه يظن أن عبيد الله قال في حديثه: "وظهرها"، ثم عاد إلى سوق الرواية فقوله: "فقلت": القائل هو عبيد الله بن عبد الله بن عمر، يقول لأبيه عبد الله وقد جاء هذا الأثر من غير رواية نافع، فرواه عبد الرزاق في "مصنفه" 7/ 376، والطبري 18/ 67، والبيهقي في "السنن" 8/ 245 من طريق ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن عبد الله بن عمر حد جارلة له، ..

فذكره بنحوه.

وإسناد الطريق الأول والثاني صحيح.

(٢٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 28.

قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1326: وهو عندي محمول عليهما جميعًا، فلا يجوز أن تحمل أحدًا رأفةٌ على زان بأن يسقط الحد أو يخففه عنه.

(٣٠) ذكره عنه ابن الجوزي 8/ 6 مختصرًا.

وذكره بمثل ما هنا الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 67 أ، والقرطبي 12/ 166 من غير نسبة لأحد.

(٣١) "تفسير مقاتل" 2/ 34 أ.

(٣٢) "تفسير مقاتل" 2/ 34 أ.

(٣٣) في (أ): زيادة (قال) بعد قوله: (المؤمنين).

(٣٤) هذا قول مجاهد.

رواه عنه الطبري 18/ 69 وابن أبي حاتم 7/ 7 ب.

(٣٥) روى الفراء في "معاني القرآن" 2/ 245 قال: حدثني حبان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه واحد فما فوقه.

ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 7 ب من طريق علي بن أبي طلحة عنه، من غير قوله إلى ألف.

(٣٦) ذكره الثعلبي 3/ 67 ب.

ورواه الطبري 18/ 69.

(٣٧) ذكره الثعلبي 3/ 67 ب.

ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 10/ 60، والطبري 18/ 69.

(٣٨) ذكره الثعلبي 3/ 67 ب، ورواه الطبري 18/ 69، وابن أبي حاتم 7/ 7 ب.

(٣٩) "تفسير مقاتل" 2/ 34 أ.

(٤٠) ذكره عنه الثعلبي 3/ 67 ب.

ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 10/ 61، و"الطبري" 18/ 70، وابن أبي حاتم 8/ 7 أ.

(٤١) ذكره عنه الثعلبي 3/ 67 ب.

ورواه الطبري 18/ 70.

(٤٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 10/ 61.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 126 وعزاه لعبد بن حميد.

(٤٣) ذكره عنه الثعلبي 3/ 67 ب.

ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50، والطبري 18/ 70، وابن أبي حاتم 8/ 7 أ.

(٤٤) ذكره عنه النيسابوري في "غرائب القرآن" 18/ 57 دون قوله أربعة، وزاد من المصدقين بالله.

(٤٥) في "معاني القرآن" 4/ 29: عذاب الزاني.

(٤٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 28، 29.

قال أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1328: سياق الآية هاهنا يقتضي أن يكونوا جماعة لحصول المقصود من التشديد والعظة والاعتبار.

ثم قال: والصحيح سقوط العدد واعتبار الجماعة الذين يقع بهم التشديد من غير حدّ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ الزانية والزاني يراد بهما الجنس، وقدم الزانية لأن الزنا كان حينئذ في النساء أكثر، فإنه كان منهنّ إماء وبغايا يجاهرن بذلك، وإعراب الزاني والزانية كإعراب: السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، وقد ذكر في [المائدة: 38] وهذه الآية ناسخة بإجماع لما في سورة [النساء: 14] من الإمساك في البيوت، في الآية الواحدة ومن الأذى في الأخرى، ثم إن لفظ هذه الآية عند مالك ليس على عمومه، فإن جلد المائدة إنما هو حدّ الزاني والزانية إذا كانا مسلمين حرين غير محصنين، فيخرج منها الكفار، فيردّون إلى أهل دينهم، ويخرج منها العبد والأمة والمحصن والمحصنة، فأما العبد والأمة: فحدّهما خمسون جلدة سواء كان محصنين أو غير محصنين، وأما المحصنان الحران فحدّهما الرجم هذا على مذهب مالك.

وأما الكلام على الآية بالنظر إلى سائر المذاهب، فاعلم أن لفظ هذه الآية ظاهرة العموم في المسلمين والكافرين، وفي الأحرار والعبيد والإماء وفي المحصن وغير المحصن، ثم إن العلماء خصصوا من هذا العموم أشياء منها باتفاق، ومنها باختلاف، فأما الكفار فرأى أبو حنيفة وأهل الظاهر أن حدّهم جلد مائة أحصنوا أو لم يحصنوا: أخذاً بعموم الآية، ورأى الشافعي أن حدهم كحد المسلمين الجلد إن لم يحصنوا، والرجم إن أحصنوا أخذاً بالآية، وبرجم النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي واليهودية إذا زنيا، ورأى مالك أن يردّوا إلى أهل دينهم لقوله تعالى: في سورة النساء ﴿ واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ [النساء: 15] فخص نساء المسلمين على أنها قد نسختها هذه.

ولكن بقيت في محلها، وأما العبد والأمة: فرأى أهل الظاهر أن حدّ الأمة خمسون جلدة لقوله تعالى: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ [النساء: 25] وأن حدّ العبد الجلد مائة لعموم الآية، وقال غيرهم: يجلد العبد خمسين بالقياس على الأمة، إذا لا فرق بينهما، وأما المحصن فقال الجمهور: حدّه الرجم فهو مخصوص في هذه الآية، وبعضهم يسمي هذا التخصيص نسخاً، ثم اختلفوا في المخصص أو الناسخ، فقيل: الآية التي ارتفع لفظها وبقي حكمها وهي قوله: الشيخ والشيخة إذ زنيا فراجموهما البتة ﴿ نكالاً من الله والله عزيز حكيم ﴾ وقيل: الناسخ لها السنة الثابتة في الرجم، وقال أهل الظاهر وعلي بن أبي طالب: يجلد المحصن بالآية، ثم يرجم بالسنة فجعوا عليه الحدّين، ولم يجعلوا الآية منسوخة، ولا مخصصة، وقال الخوارج: لا رجم أصلاً فإن الرجم ليس في كتاب الله، ولا يعتد بقولهم، وظاهر الآية الجلد دون تغريب، وبذلك قال أبو حنيفة، وقال مالك: الجلد والتغريب سنة للحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» ، ولا تغريب على النساء ولا على العبيد عند مالك، وصفة الجلد عند مالك في الظهر والمجلود جالس وقال الشافعي: يفرق على جميع الأعضاء والمجلود قائم، وتستر المرأة بثوب لا يقيها الضرب، ويجرّد الرجل عند مالك وقال قوم يجلد على قميص ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ﴾ قيل: يعني في إسقاط الحدّ: أي أقيموه ولا بد، وقيل: في خفيف الضرب، وقيل: في الوجهين.

فعلى القول الأول: يكون الضرب في الزنا كالضرب في القذف غير مبرح، وهو مذهب مالك والشافعي، وعلى القول الثاني والثالث: يكون الضرب في الزنا أشد، واختلف: هل يجوز أن يجمع مائة سوط يضرب بها مرة واحدة؟

فمنعه مالك وأجازه أبو حنيفة لما ورد في قصة أيوب عليه السلام، وأجازه الشافعي للمريض لورود ذلك في الحديث.

﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين ﴾ المراد بذلك توبيخ الزناة والغلظة عليهم، واختلف في أقل ما يجزىء من الطائفة فقيل: أربعة اعتباراً بشهادة الزنا وهو قول أبي زيد، وقيل: عشرة، وقيل: اثنين وهو مشهور مذهب مالك، وقيل: واحد ﴿ الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ الآية: معناها ذم الزناة وتشنيع الزنا، وأنه لا يقع فيه إلا زان أو مشرك ولا يوافقه عليه من النساء إلا زانية أو مشركة، وينكح على هذا بمعنى يجامع، وقيل: معناها لا يحل لزان أن يتزوج إلا زانية أو مشركة، ولا يحل لزانية أن تتزوج إلا زانياً أو مشركاً، ثم نسخ هذا الحكم وأبيح لهما التزوج ممن شاؤوا، والأول هو الصحيح ﴿ وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين ﴾ الإشارة إلى الزنا أي حرم على المؤمنين وقيل: الإشارة إلى تزويد المؤمن غير الزاني بزانية، فإن قوماً منعوا أن يتزوجها، وهذا على القول الثاني في الآية قبلها وهو بعيد، وأجاز تزويجها مالك وغيره، وروي عنه كراهته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فرضناها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ ورأفة ﴾ بفتح الهمزة: ابن كثير عن ابن فليح ورفعه الباقون بالإسكان وكلاهما مصدر.

وكذلك روى الخزاعي عن أصحابه، وروى ابن شنبوذ عن البزي ههنا وفي الحديد متحركة الهمزة، وعن قنبل ههنا بالفتح وفي الحديد بالسكون.

وقرأ أبو عمر وغير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف بغير همز ﴿ أربع شهادات ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون بالنصب على إعمال المصدر فيما في حكم المصدر والتقدير فواجب شهادة أحدهم شهادات أربعاً ﴿ أن ﴾ مخففة ﴿ لعنة الله ﴾ بالرفع: نافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون بالتشديد والنصب ﴿ والخامسة ﴾ الثانية بالنصب: حفص على معنى وتشهد الشهادة الخامسة.

﴿ أن ﴾ مخففاً ﴿ غضب ﴾ فعلاً ماضياً ﴿ الله ﴾ بالرفع: نافع والمفضل ﴿ أن ﴾ بالتخفيف ﴿ غضب الله ﴾ بالرفع: سهل ويعقوب.

الباقون ﴿ أن غضب الله ﴾ بالتشديد والنصب.

الوقوف: ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جلدة ﴾ ص ﴿ الآخر ﴾ ه للعدول واعتراض الشرط مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ مشركة ﴾ ه للتفصيل بين الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ مشرك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ ج للفاء وإن ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعده جواب لما في حكم القسم ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر رسول الله  في خاتمة السورة المتقدمة بطلب المغفرة والرحمة وطلبه يستلزم مطلوبة لا محالة بدليل سل تعط، أردفه بذكر ما هو اصل كل رحمة ومنشأ كل خير فقال ﴿ سورة ﴾ أي هذه سورة ﴿ أنزلناها وفرضناها ﴾ أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها.

وقرئ بالنصب على "دونك سورة" أو "اتل سورة" أو على شريطة التفسير.

وعلى هذا لا يكون لقوله ﴿ أنزلناها ﴾ محل من الإعراب لأنها ليست بصفة وإنما هي مفسرة للمضمر فكانت في حكمه.

ومعنى إنزال الوحي قد سلف في أول البقرة.

والفرض القطع والتقدير: ولا بد من تقدير مضاف لأن السورة قد دخلت في الوجود فلا معنى لفرضها فالمراد: فرضنا أحكامها التي فيها.

ومن شدد فللمبالغة أو للتكثير ففي أحكام هذه السورة كثرة.

ويجوز أن يرجع معنى الكثرة إلى المفروض عليهم فإنهم كل المكلفين من السلف والخلف.

وأما الآيات البينات فإنها دلائل التوحيد التي يذكرها الله  بعد الأحكام والحدود ويؤيده قوله ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكرها بخلاف دلائل التوحيد فإنها كالمعلومة لظهورها فيكفي فيها التذكر.

وقال أبو مسلم: هي الحدود والأحكام أيضاً ولا بعد في تسميتها آيات كقول زكريا ﴿ رب اجعل لي آية  ﴾ سأل ربه أن يفرض عليه عملاً.

وقال القاضي: أراد بها الأشياء المباحة المذكورة في السورة بينها الله  لأجل التذكر.

فمن جملة الأحكام حكم الزنا.

قال الخليل وسيبويه: رفعهما على الابتداء والخبر محذوف ولا بد من تقدير مضاف اي فيما فرض عليكم جلد الزانية والزاني، أو فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني وقال آخرون: الخبر ﴿ فاجلدوا ﴾ والفاء لتضمن معنى الشرط فإن الألف واللام بمعنى الموصول تقديره: التي زنت والذي زنى فاجلدوا.

وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من نصب ﴿ سورة أنزلناها ﴾ لأجل الأمر فإن الطلب من مظان الفعل والجلد ضرب الجلد كما يقال "رأسه" أي ضرب رأسه وكذلك في سائر الأعضاء بعد ثبوت السماع، وفيه إشارة إلى أن إقامة هذا الحد ينبغي لأأن يكون على الاعتدال بحيث لا يتجاوز الألم من الجلد إلى اللحم.

فعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلاً عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب.

فالرجل يجلد قائماً على تجرده ليس عليه إزاره ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيناً على الأعضاء كلها إلا الوجه والفرج، والمرأة تجلد قاعدة ولا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو.

والصحيح أن الزنا من الكبائر ولهذا قرنه الله تعالى بالشرك وقتل النفس في قوله ﴿ ولا يزنون  ﴾ وقد وفى فيه عقد المائة بكماله بخلاف حدّ القذف وشرب الخمر وشرع فيه الرجم الذي هو أشنع أنواع القتل، ونهى المؤمنين عن الرأفة بهما وأمر بشهود طائفة للتشهير.

وعن النبي  "اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.

فأما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب والخلود في النار" واعلم أن البحث في هذه الآية يقع عن أمور أحدها عن ماهية الزنا، وثانيها عن أحكام الزنا، وثالثها في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً لتلك الأحكام، ورابعها في الطريق الذي به يعرف حصول الزنا، وخامسها عن كيفية إقامة هذا الحد الأول.

قد حده علماء الشافعية بأنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً.

قالوا: فيدخل فيه اللواطة لأنها مثل الزنا صورة وذلك ظاهر لحصول معنى الانفراج في الدبر ايضاً، ومعنى لأنهما يشتركان في المعاني المتعلقة بالشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل، ولذلك لا يفرق أهل الطبائع بين المحلين.

والأكثرون على أن اللواط لا يدخل تحت الزنا للعرف ولهذا، لو حلف لا يزني فلاط أو بالعكس لم يحنث، ولأن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط مع كونهم عالمين باللغة.

وما روى عن أبي موسى الأشعري أنه  قال "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" محمول على اشتراكهما في الإثم بدليل قوله أيضاً "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" وقوله "اليدان تزنيان والعينان تزنيان" والقياس المذكور بعيد لأنه لا يلزم من تسمية القبل فرجاً.

لانفراجه أن يسمى كل منفرج كالفم والعين فرجاً.

واعلم أن للشافعي في اللائط قولين أصحهما أن عليه حد الزنا إن كان محصناً فيرجم، وإن لم يكن محصناً فيجلد ويغرب.

والثاني قتل الفاعل والمفعول.

والقتل إما بجز الرقبة كالمرتد، أو بالرجم وهو قول مالك وأحمد وإسحق، أو بالهدم عليه.

ويروى عن أبيّ: أو بالرمي من شاهق.

ويروى عن علي  وذلك أن قوم لوطٍ عذبوا كل هذه الوجوه قال عز من قائل ﴿ جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل  ﴾ وأما المفعول فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكروهاً فلا حد عليه ولا مهر لأن بضع الرجل لا يتقوَّم، وإن كان مكلفاً طائعاً فهو كالفاعل في الأقوال وإن أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط وحكمه ما مر، وقيل زناً لأنه وطء أثنى فأشبه الوطء في القبل، وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح.

ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه وبالجملة جميع ذلك مما ذهب إليه الشافعي.

وقال أبو حنيفة: إن الائط لا يحدّ بل يعزر.

حجة الشافعي خبر أبي موسى الأشعري.

فإِنه يدل على اشتراك اللواط والزنا في الاسم والحقيقة لا أقل من اشتراكهما في اللوازم.

وأيضاً إنه  قال "من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل منهما والمفعول به" وقال صلى الله عيه وسلم "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس" وليس اللواط من قبيل الثاني والثالث فهو من الأول.

وأيضاً قاس اللواط على الزنا بجامع كون الطبع داعياً إليه فيناسب الزاجر.

وفرق بأن الزنا أكثر وقوعاً وكان الاحتياج فيه إلى الزاجر اشد، وبأن الزنا يقتضي فساد الأنساب دون اللواط، وألغى الفرق بوطء العجوز الشوهاء.

حجة أبي حنيفة أنه وطء لا يتعلق به المهر فلا يتعلق به الحد وضعف بفقد الجامع قال: إنه لا يساوي الزنا في الحاجة على شرع الحد لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول طبعاً، ولأنه ليس فيه إضاعة النسب.

وأجيب بأن الإنسان حريص على ما منع، فلو لم يشرع الحد شاع اللواط وأدى إلى إضاعة النسب بل إلى إفناء الأشخاص وانقطاع طريق التوالد والتناسل.

وللشافعي في إتيان البهيمة أقوال: أحدهما أنه كالزنا في أحكامه، وثانيها القتل مطلقاً لما روي عن ابن عباس أن رسول الله  قال " من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟

قال: لأنه كره أن يؤكل لحمها.

وأصحها وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد والثوري أن عليه التعزير لأنه غير مشتهي طبعاً.

والحديث ضعيف الإسناد وبتقدير صحته معارض بما روي أنه  نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله.

ولا خلاف في أن السحق وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها إلا التعزير.

البحث الثاني قد مر في أول سورة النساء أن حكم الزاني في أوائل الإسلام كان الحبس في البيوت في حق الثيب، والإيذاء بالقول في حق البكر، ثم نسخ بآية الزنا وبقوله  : "الثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائه وتغريب عام" والخوارج أنكروا الرجم لأنه لا ينتصف وقد قال  ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب  ﴾ ولأنه تعالى أطنب في أحكام الزنا بما لم يطنب في غيره، فلو كان الرجم مشروعاً لكان أولى بالذكر، ولأن قوله ﴿ الزانية والزاني ﴾ يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة وإيجاب الرجم على البعض يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

وجمهور المجتهدين خالفوهم في ذلك فأجابوا عن الأول بأن الرجم حيث لم ينتصف لم يشرع في حق العبد فخصص العذاب بغير الرجم للدليل العقلي.

وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدد المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات.

وعن الثالث بأن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا لأن القرآن وإن كان قاطعاً في متنه إلا أن العام غير قاطع الدلالة فأمكن تخصيصه بالدليل المظنون.

سلمنا إلا أن الرجم ثبت بالتواتر رواه ابو بكر وعمر وعلي  م وجابر والخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة.

وما نقل عن علي أنه جمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود محمول على مثل ما روي عن النبي  أن رجلاً زنى بامرأة فأمر به النبي  فجلد، ثم أخبر النبي  أنه كان محصناً فأمر به فرجم.

وقوله  "الثيب بالثيب جلد مائة" ورجم بالحجارة متروك العمل بما روي في قصة العسيف أنه قال: يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.

ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره.

وأن قصة ما عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم وكذا قصة الغامدية.

وروى الزهري بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله  فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله  وقد قرأنا "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" فرجم النبي  ورجمنا بعده.

فأخبر أن الذي فرضه الله  هذا الرجم ولو كان الجلد واجباً مع الرجم لذكره.

قال الشافعي: يجمع بين الجلد والتغريب في حد البكر.

وقال أبو حنيفة: يجلد.

وأما التغريب فمفوَّض إلى راي الإمام.

وقوله  "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وكذا ما يروى عن الصحابة أنهم جلدوا ونفوا منسوخ أو محمول على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب.

وقال مالك: يجلد الرجل ويغرب وتجلد المرأة بلا تغريب.

حجة الشافعي حديث عبادة "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وقد ورد مثله في قصة العسيف.

حجة أبي حنيفة أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد.

بيانه أن إيجاب الجلد مرتب على الزنا بالفاء التي هي للجزاء، ومعنى الجزاء كونه كافياً في ذلك الباب منه قوله  "يجزيك ولا يجزي أحداً بعدك" وإيجاب شيء آخر غير الجلد يقتضي نسخ كونه كافياً ولو كان النفي مشروعاً لوجب على النبي  توقيف الصحابة عليه عند تلاوة هذه الآية ولو فعل لاشتهر.

وقد روى أبو هريرة "أن النبي  قال في الأمة إذا زنت فاجلدها فإن زنت فاجلدها فإن زنت فبعها" والاستدلال به أنه لم يذكر النفي مع الجلد ونظيره ما روي أن شيخاً وجد على بطن جارية، فأتي به إلى النبي  فقال: اجلدوه مائة.

فقالوا: إنه اضعف من ذلك.

فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها خلوا سبيله.

لا يقال: إنه إنما لم ينفه لأنه كان عاجزاً عن الحركة لأنا نقول: كان ينبغي أن يأمر له بدابة يركبها.

ولا يقال: لعله كان ضعيفاً عن الركوب أيضاً لأنا نقول: القادر على الجماع كيف لا يقدر على الاستمساك.

وأيضاً الأمر بالنفي لو كان مشروعاً لزم في حق العبد الإضرار بسيده في مدة غيبته، وفي حق المرأة الإضرار بزوجها، وكذا لمن يؤمر أن يكون معها من محارمها أو من النسوة الثقاة مع انفتاح باب الزنا عليها في الغربة، لهذا روي عن علي  أنه قال في البكرين: إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان فإن نفيهما من الفتنة.

وعن ابن عمر أن امرأة زنت فجلدها ولم ينفها.

وأيضاً النفي نظير القتل لقوله  ﴿ اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ فإذا لم يشرع القتل في حد البكر وجب أن لا يشرع نظيره وهو التغريب.

وأجيب بأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب الجلد مع إيجاب التغريب وبين إيجابه مع نفي التغريب فلا إشعار في الاية بأحد القسمين إلا أن عدم التغريب موافق للبراءة الأصلية.

فإيجابه بخبر الواحد لا يزيل إلا محض البراءة فلا يلزم نسخ القرآن به وهو قول الأدباء إن الجزاء سمي جزاء لأنه كافٍ في الشرط لا يصلح حجة في الأحكام.

ولا استبعاد في عدم اشتهار بعض الأحكام كأكثر المخصصات والأخبار الواردة في نفي التغريب معارضة بما روى أبو علي في جامعة أنه  جلد وغرّب.

ولا بعد في أن يكون القادر على الزنا عاجزاً عن الاستمساك على الدابة والإضرار بالسيد قد يجوز للضرورة كالعبد المرتد يقتل، وعلى هذا يغرّب نصف سنة على الأصح لأنه يقبل التنصيف.

وقيل: سنة كاملة لأن التغريب للإِيحاش وهذا معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء والعنة.

وأما المرأة فلا تغرّب وحدها لقوله  "لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم" فإن تبرع المحرم أو نسوة ثقاة فذاك وإلا أعطي أجرتهم من مالها أو من بيت المال فيه قولان، وتنتفي التهمة حينئذ مع أن أكثر الزنا إنما يقع بالألف والمؤانسة وفراغ القلب، وفي التغريب الأغلب هو الوحشة والتعب.

وأما أن النفي يشبه القتل فمسلم من بعض الوجوه لا من كلها.

واعلم أن قولنا ﴿ الزانية والزاني ﴾ إما مطلق دال على الجنسين المنافيين لجنس العفيفة والعفيف أو عام يشمل كل ما اتصف بهذه الفعلة الشنعاء فلا بد من تقييد أو تخصيص وهو البحث الثالث فتقول: أجمعت الأمة على أنه لا بد فيه من العقل والبلوغ فلا حد على مجنون ولا على صبي لأنهما ليسا من أهل التكليف.

هذا في غير الرجم وأما في الرجم فلا بد من شروط أخر منها: الحرية بالإجماع.

ولا فرق بين القن والمدبر والمكاتب والمستولدة وحر البعض، والسبب أن الحرية توسع طريق الحلال لأن الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيد.

ولا يجوز له أن ينكح إلا امرأتين، وجناية من ارتكب الحرام مع اتساع طريق الحلال أغلظ.

ومنهما الإصابة في نكاح صحيح وقد يعبر عن هذا الشرط بشرطين: أحدهما التزويج بنكاح صحيح، والآخر الدخول.

وكيفما كان فوجه الاعتبار أنه قضى الشهوة واستوفى اللذة فحقه أن يمتنع من الحرام.

ويكفي في الإصابة تغيب الحشفة بلا إنزال، ولا يقدح وقوعها في حالة الحيض والإحرام وعدة الوطء بالشبهة، ولا يحصل الإحصان بالإصابة في ملك اليمين كما لا يحصل التحليل.

وفي الإصابة بالشبهة وفي النكاح الفاسد قولان: أحدهما أنه يفيد الإحصان لأن الفاسد كالصحيح في العدة والنسب، وأصحهما المنع لأن الفاسد لا أثر له في إكمال طريق الحلال.

وهل يشترط أن تكون الإصابة في النكاح بعد التكليف والحرية؟

الأصح عند إمام الحرمين لا، فإنه وطء يحصل به التحليل فكذا الإحصان.

والأرجح عند معظم الأصحاب نعم، لأن شرط الإصابة أن تحصل بأكمل الجهات وهو النكاح الصحيح فيعتبر حصولها من كامل، وعلى هذا فهل يشترط كمال الواطئين جميعاً؟

قال أبو حنيفة: نعم وهو أحد قولي الشافعي فلو كان أحدهما كاملاً دون آخر لم يصر الكامل محصناً ايضاً.

وقال الشافعي في اصح قولية: لا بل لكل منهما حكم نفسه.

ومنها الإسلام عند أبي حنيفة لقوله  "من أشرك بالله فليس بمحصن" دون الشافعي لقوله  "إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ولحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي  رجم يهوديين زنيا.

فلو حكم بشرعه فظاهر، ولو حكم بشريعة من قبله فقد صار شرعاً له، ولأن زنا الكافر مثل زنا المسلم في الحاجة إلا الزاجر ولهذا قلنا: إذا أقر الذمي بالزنا أقيم عليه الحد جبراً بخلاف الشرب فإنه لا يعتقد تحريمه.

ومما احتج به لأبي حنيفة أن النعمة في حق المسلم أعظم فكانت جنايته أغلظ كقوله ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ وعورض بأن الإسلام من كسب العبد.

وزيادة الخدمة إن لم تكن سبباً للعذر فلا أقل من أن لا تكون سبباً لزيادة العقوبة.

قالوا: إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع فكذا إحصان الرجم والجامع كمال النعمة.

وأجيب بأن حد القذف لرفع العار كرامة للمقذوف والكافر لا يكون محلاً للكرامة وصيانة للعرض.

والجواب عن الحديث بأنا لا نسلم أن الذمى مشرك، سلمنا لكن الإحصان قد يراد به التزويج كقوله ﴿ فإذا أحصن  ﴾ والذمي الثيب محصن بهذا التفسير فوجب رجمه لقوله  "وزنا بعد إحصان" وبقوله "عليهم ما على المسلمين" قال بعض أهل الظاهر: عموم قوله ﴿ الزانية والزاني ﴾ يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة إلا أنه ورد النصب بالتنصيف في حق الأمة، فلو قسنا العبد عليها لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس.

ومنهم من قال: الأمة إذا تزوّجت فعليها خمسون لقوله ﴿ فإذا أحصن  ﴾ أي تزوّجن ﴿ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات  ﴾ فإذا لم تتزوّج فعليها المائة لعموم قوله ﴿ الزانية ﴾ واتفاق الجمهور على حذف هذين.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: الذمي يجلد للعموم ولأنه  رجم يهوديين فالجلد أولى.

وقال مالكك لا يجلد بناء على أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع.

البحث الرابع في طريق معرفة الزنا وأنه ثلاثة: الأول أن يراه الإمام بنفسه فيجيء الخلاف في أن القاضي هل له أن يقضي بعلمه أم لا؟

رجح كلاً مرجحون.

وجه القضاء أنه يقضي بالظن وذلك عند شهادة شاهدين فلأن يقضي بالعلم أولى.

ووجه عدم القضاء أن فيه تهمة والتهمة تمنع القضاء ولهذا لا يقضي القاضي لولده ووالده.

وهذا الوجه في حدود الله تعالى ارجح لأن الحاكم فيه مأمور بالستر ولهذا "قال النبي في قضية اللعان لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها" ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في زمان ولايته ومكانها أو في غيرهما.

وعن أبي حنيفة أنه إن حصل العلم فيهما قضى بعلمه وإلا فلا.

الطريق الثاني الإقرار ويكفي عند الشافعي مرة واحدة.

وقال أبو حنيفة: لا بد من أربع مرات في أربع مجالس.

وجوّز أحمد أن يكون المجلس واحداً.

حجة الشافعي قصة العسيف "فإن اعترفت فارجمها" والقياس على الإقرار بالقتل والردة مع أن الصارف عن الإقرار بالزنا قويّ وهو العار في الحال والقتل أو الألم الشديد في المآل، فالإقدام على الإقرار مع هذا الصارف لا يكون إلا عن صدق ويقين.

حجة ابي حنيفة قصة ما عز وإعراضه  عنه مرات حتى قال أبو بكر له بعدما أقر ثلاث مرات: لو اقررت الرابعة لرجمك رسول الله  والقياس على الشهادة.

وأجيب بأنه لا منافاة بين القضيتين فإن الأولى محمولة على أقل المراتب، والثانية على كمالها.

والفرق أن المقذوف لو اقر بالزنا مرة سقط الحد عن القاذف، ولو شهد اثنان بزناة لم يسقط.

الطريق الثالث الشهادة وأجمعوا على أنه لا بد من شهود اربعة من الرجال لقوله  ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولقوله ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ والشهادة على الإقرار بالزنا كالشهادة على الزنا في أنه لا بد من شهود اربعة.

وفي قول يكفي فيه اثنان لأن الفعل مما يعسر الاطلاع عليه فلزم الاحتياط فيه باشتراط الأربعة والإقرار أمر ظاهر فيكفي فيه رجلان.

البحث الخامس: أجمعت الأمة على أن المخاطب بقوله ﴿ فاجلدوا ﴾ هو الإمام حتى احتجوا به على وجوب نصب الإمام فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقال الشافعي: السيد يملك إقامة الحد على مملوكه وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يملك.

حجة الشافعي أنه  قال "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" وعن أبي هريرة أنه  قال "ذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" وحمل الأول على رفع القضية إلى الإمام حتى يقيموا عليهم الحدود، وحمل الثاني على التعزير خلاف الظاهر.

وأيضاً إن ولاية السيد على العبد فوق الولاية بالبيعة فكان أولى.

وأيضاً الإجماع على أن السيد يملك التعزير مع أنه في محل الاجتهاد فلأن يملك الحد مع التنصيص عليه أولى.

حجة أبي حنيفة في قوله ﴿ فاجلدوا ﴾ الخطاب للأمة بالتفاق ولم يذكر فرق بين الأحرار المحدودين وبين العبيد.

وأيضاً لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود وليس له ذلك بالتفاق لأنه ليس لأحد أن يحكم لنفسه.

وأيضاً المالك في محل التهمة لأنه قد يشفق على ملكه فلا يستوفى الحد.

أجابت الشافعية بأن عدم ذكر الفرق لا يدل على عدم الفرق مع أن الكلام في جواز إقامة السيد الحد لا في وجوبه.

فالإمام يملك حد العبد في الجملة وذلك كافٍ في بقاء الآية على عمومها.

وعن الثاني بأن للشافعي في القطع والقتل قولين: أحدهما يجوز لما روي أن ابن عمر قطع عبداً له سرق.

وثانيهما لا، وهو قول مالك أن القطع للإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك جنس الجلد وهو التعزير.

وفي سماع المولى الشهادة ايضاً وجهان: فإذا فقد الإمام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود بل ينبغي أن يعينوا واحداً من الصلحاء ليقوم بها، وفي الخارجي المتغلب خلاف.

البحث السادس في كيفية إقامة الحد: إنه  قد أشار إلى أن هذا الحد يجب أن لاي كون في غاية العنف بلفظ الجلد كما مر، وإلى أنه يجب أن لا يكون في غاية الرفق بقوله ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ وذلك إما بأن يترك الحد راساً، أو ينقص شيء منه، أو يخفف بحيث لا يحس الزاني بالألم.

وفي معناه أن يفرق على الأيام كأن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين، وإن ضرب كل يوم عشرين مثلاً كان محسوباً لحصول التكليف.

والأولى أن لا يفرق وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ قال الجبائي: فيه دلالة على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان لأن التقدير: إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود.

وأجيب بأن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه وأن ذلك يوجب ترك إقامة الحد، وحينئذ يكون منكراً للدين فلهذا يخرج من الإيمان.

وفي الحديث "يؤتي بوال نقص من الحد سوط فيقال له: لم فعلت ذاك؟

فيقول: رحمة لعبادك.

فيقول له: أنت أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار" روى أبو عثمان النهدي قال: أتي عمر برجل في حد، ثم جيء بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا.

فأتي بسوط فيه لين فقال: أريد اشد من هذا.

فأتي بسوط بين السوطين.

وروي أن أبا عبيدة بن الجراح أتي برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه وقال: ماينبغي لجسد هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص.

فقال أبو عبيدة: لا تدعوه ينزع قميصه وضربه عليه.

ولا خلاف في أن المرأة لا يجوز تجريدها بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف ويلي ذلك منها امرأة.

وجوّز الشافعي الضرب على الرأس لما روي أن أبا بكر قال: اضرب على الرأس فإن الشيطان فيه.

وقال أبو حنيفة: حكم الراس حكم الوجه لأن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس وفي الوجه واحد، وأما في سائر البدن فلا يجب إلا الحكومة.

وأيضاً إن ضرب الرأس يوجب في الأغلب ظلمة البصر ونزول الماء واختلاط العقل كالوجه فإنه ايضا عرضة للآفات وفيه الأعضاء الشريفة اللطيفة.

وللشافعي أن يقول: إنما يحترم الوجه لما جاء في الحديث "إن الله  خلق آدم على صورته" وهذا المعنى مفقود في الرأس.

ولتكن إقامة الحد في وقت اعتدال الهواء إلا إذا كان رجماً فإن المقصود - وهو قتله - لا يتفاوت بذلك.

ولهذا يرجم المريض أيضاً في مرضه.

وقيل: إن كان مرضاً يرجى برؤه يؤخر كما في الجلد لأنه ربما يرجع عن إقراره في حال الرجم وقد أثر الرجم في بدنه فتعين شدة الحر والبرد مع المرض على إهلاكه، وهذا بخلاف ما ثبت بالبينة فإنه لا يسقط.

وفي الجلد إن كان المرض مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة فلا يؤخر سواء زنى في حال الصحة أو حال المرض ولكن لا يضرب بالسياط عند الشافعي، لأن المقصود ليس موته بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ كما روي أن مقعداً اصاب امرأة فأمر النبي  فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة.

والأثكال والعثكال الغصن الذي عليه فروع خفيفة من النخل أو من غيره.

وعند أبي حنيفة يضرب بالسياط.

ثم إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك وقع به بعض الحد أو لم يقع وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحق، لأن "ماعزاً لما مسته الحجارة هرب فقال  :هلا تركتموه" .

وعن الحسن وابن أبي ليلى وداود أن لا يقبل رجوعه.

ويحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها، ولا يحفر للرجل كما في حق ماعز إذ لو كان في الحفرة لم يمكنه الهرب.

ولما روى أبو سعيد الخدري في قصته "فما أوثقناه ولا حفرنا له".

وإذا مات الزاني في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.

ومن تغليظات حد الزنا قوله  ﴿ وليشهد ﴾ ظاهره أمر للوجوب إلا أن الفقهاء أجمعوا على أن حضورالجمع مستحب والمقصود إعلان إقامة الحد لما فيه من مزيد الردع، ولما فيه من دفع التهمة عمن يجلد.

وفي لفظ العذاب دليل على أنه عقوبة لا استصلاح إلا أن يراد بالعذاب ما يمنع من المعاودة كالنكال وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ ولهم عذاب عظيم  ﴾ ومعنى الطائفة قد مر في التوبة.

فقال النخعي ومجاهد: هي في الآية واحد.

وعن عطاء وعكرمة اثنان.

وعن الزهري وقتادة ثلاثة.

وقال ابن عباس والشافعي: اربعة بعدد شهود الزنا.

وعن الحسن عشرة لأنها أول عقد.

وجوّز ابن عباس إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله.

وحضور الإمام والشهود ليس بلازم عند الشافعي ومالك لأنه  لم يحضر رجم ماعز والغامدية.

وقال أبو حنيفة: إن ثبت بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم الإمام ثم الناس وإن ثبت بإقراره بدأ الإمام ثم الناس.

ثم ذكر شيئاً من خواص الزناة فقال: ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ وهو خبر في معنى النهي كقراءة عمرو بن عبد ﴿ لا ينكح ﴾ بالجزم.

ويجوز أن يكون خبراً محضاً على معنى أن عادتهم جارية بذلك.

وفي الآية أسئلة: الأول: كيف قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وعكس الترتيب في هذه؟

والجواب أن تلك الاية مسبوقة لبيان عقوبتهما على جنياتهما وكانت المرأة أصلاً فيها لأنها هي التي أطمعت الرجل في ذلك.

وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل هو الأصل في الرغبة والخطبة.

والثاني: ما الفرق بين الجملتين في الآية؟

والجواب معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر، ومعنى الثانية صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة وهما معنيان مختلفان لأنه لا يلزم عقلاً من كون الزاني كذلك أن يكون حال الزانية منحصرة في ذلك فأخبره الله  بالجملة الثانية عن هذا الانحصار.

الثالث أنا نرى الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف، وايضاً المؤمن قد يحل له التزوج بالمرأة الزانية.

الجواب للمفسرين فيه وجوه.

أحدها وهو الأحسن قول القفال: إن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد منه الأعم الأغلب، وذلك أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة لا يرغب في نكاحها الصلحاء في الأغلب وإنما يرغب فيها أشكالها من الفسقة أو المشركين نظير هذا الكلام قول القائل "لا يفعل الخير إلا الرجل التقي".

وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي.

وأما المحرم على المؤمنين فصرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات لانخراطهم بسبب هذا الحصر في سلك الفسقة المتسمين بالزنا.

الوجه الثاني أن الألف واللام في قوله ﴿ الزاني ﴾ وفي قوله ﴿ المؤمنين ﴾ للعهد.

روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة أنه قدم المهاجرون المدينة وليست لهم أموال ولا عشائر وبها نساء يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ولكل واحدة منهن علامة على بابها لتعرف بها وكان لا يدخل عليها إلا زانٍ أو مشرك، فرغب فيهن ناس من فقراء المسلمين وقالوا: نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن.

فاستأذنوا رسول الله  فنزلت الآية.

والتقدير: أولئك الزواني لا ينكحون إلا تلك الزانيات، وتلك الزانيات لا ينكحها إلا أولئك الزواني، وحرم نكاحهن بأعيانهن على المؤمنين.

الوجه الثالث أن هذا خبر في معنى النهي كما مر.

وهكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام.

ثم قيل: إن ذلك الحكم باقٍ إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزويج بالعفيفة والعفيف وبالعكس.

ويقال: هذا مذهب ابي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة.

ثم في هؤلاء من يسوّي بين الابتداء والدوام فيقول: كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك إذا زنت تحته لا يحل له أن يقيم عليها.

ومنهم من يفصل لأن في جملة ما منع من التزوج مالا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة.

وقيل: إنه صار منسوخاً إما بالإجماع - وهو قول سعيد بن المسيب - وزيف بأن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وإما بعموم قوله ﴿ وأنكحوا الأيامى  ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم  ﴾ وهو قول الجبائي.

وضعف بأن ذلك العام مشروط بعدم الموانع السببية والنسبية وليكن هذا المانع أيضاً من جملتها.

وسئل ابن عباس عن ذلك فأجازه وشبه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه.

وعن النبي  أنه سئل عن ذلك فقال: "أوّله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال" الوجه الرابع قول أبي مسلم: إن النكاح محمول على الوطء وذلك إشارة إلى الزنا أي وحرم الزنا على المؤمنين.

قال الزجاج: هذا التأويل فاسد من جهة أن النكاح في كتاب الله لم يرد إلا بمعنى التزويج، ومن جهة أن يخرج الكلام عن الفائدة إذ لا معنى لقول القائل "الزاني لا يطأ إلا الزانية" حتى يكون وطؤه زناً، ولو أريد حين التزوج فالإشكال عائد لأن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها.

الحكم الثاني من أحكام السورة حد القذف والرمي قد يكون بالزنا وبغيره كالكفر والسرقة وشرب الخمر، إلا أن العلماء أجمعوا على أن المراد به في الآية هو الرمي بالزنا بالقرائن: منها تقدم ذكر الزنا، ومنها ذكر المحصنات وهن العفائف، ومنها قوله ﴿ لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ أي على صحة ما رموها به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا، والقذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان.

وألفاظ القذف تتقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول: يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك.

والأصح أن قوله "زنى بدنك" صريح لأن الفعل لكل البدن والفرج آلة.

والكناية أن يقول "يا فاسقة يا فاجرة يا خبيثة يا بنت الحرام أو امراة لا تردّ يد لامس" فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده.

وكذا لو قال العربي "يا نبطي الدار واللسان" وادعت أم المقول له أنه أراد القذف فالقول قوله مع يمينه.

والتعريض ليس بقذف كقوله "يا ابن الحلال" و "أما أنا فليست أمي بزانية" وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه.

وقال مالك: يجب الحد فيه.

وقال أحمد وإسحق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا لنا أن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ولهذا قال  "ادرؤا الحدود بالشبهات" والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الإيذاء الحاصل بالتعريض.

حجة المخالف ما روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر: والله ما أرى أبي بزانٍ ولا أمي بزانية.

فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل: مدح اباه وأمه.

وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا.

فجلده عمر ثمانين.

وإذا قذف شخصاً واحداً مراراً فإن اراد بالكل زنية واحدة كما لو قال مراراً؟زنيت بعمرو" لم يجب إلا حد واحد.

ولو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول عزر للثاني.

وإن أراد زنيات مختلفة كأن قال "زنيت بزيد وزنيت بعمرو" فالأصح تداخل الحدود لأنهما حدان من جنس واحد فصار كما لو قذف زوجته مراراً يكتفي بلعان واحد.

وإذا قذف جماعة بكلمات أو بكلمة واحدة كأن قال "يا ابن الزانيين" فعليه حدان لأنه قذف لكل واحد من أبويه، هذا هو الجديد من قولي الشافعي.

وعند أبي حنيفة لا يجب إلا حد واحد لأن قوله ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ معناه كل من رمى جماعة من المحصنات فاجلدوه ثمانين، ولأنه  قال الهلال بن أمية "أو حدّ في ظهرك" فلم يوجب عليه إلا حداً واحداً مع قذفه لامرأته.

ولشريك بن سحماء للقياس على من زنى مراراً أو شرب أو سرق مراراً والجامع رفع مزيد الضرر.

وأجيب بأن قوله ﴿ والذين ﴾ صيغة جمع وقوله ﴿ المحصنات ﴾ كذلك.

وإذا قوبل الجمع بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى: كل من رمى محصنة فاجلدوه.

وفيه أن رمي المحصنة علة الجلد فحيث وجدت وجد.

ولا شك أن هذه العلة موجودة عند رمي كل واحدة من المحصنات فيترتب عليها الجلد لا محالة.

وأما السنة فالإنصاف أن دلالتها على المطلوب قوية، وأما القياس فالفرق أن هذا الآدمي وتلك حدود الله  .

هذا كله هو البحث عن الرمي.

وأما البحث عن الرامي فنقول: لا عبرة بقذف الصبي والمجنون إلا في باب التعزير للتأديب إن كان لهما تمييز ولو لم يتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ.

قال القفال: يسقط التعزير لأنه كان للزجر.

والعقل زاجر قوي وإشارة الأخرس وكتابته قذف ولعان عند الشافعي قياساً على سائر الأحكام، ولأنه كافٍ في لحوق العار.

وعند ابي حنيفة لا يصح قذفه ولعانه لضعف تاثيرهما.

وإذا قذف العبد حراً فعليه أربعون جلدة قاله مالك والشافعي وابو حنيفة واصحابه على قانون قوله ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب  ﴾ وعند الشيعة ويروى عن علي  أنه يجلد ثمانين أخذاً بعموم الآية، ولهذا اتفقوا على دخول الكافر فيه حتى لو قذف اليهودي مسلماً جلد ثمانين.

ويستثنى من الرماة الأب أو الجد إذا قذف أولاده أو أحفاده فإنه لا يجب عليه الحد كما لا يجب عليه القصاص.

وأما البحث عن المرمي فالمحصنات العفائف لأنهن منعن فرجهن إلا من زوجهن وهي عامة إلا أن الفقهاء اعتبروا لكونها محصنة شرائط خمساً: الإسلام لقوله  "من أشرك بالله فليس بمحصن" والعقل والبلوغ لأن المجنون والصبي لا اهتمام لهما بدفع العار عن أنفسهما، والحرية لمثل ما قلناه، والعفة لأن الحد شرع لتكذيب القاذف فإذا كان صادقاً فلا معنى للحد حتى لو زنى مرة في عنفوان شبابه ثم تاب وحسنت حاله لم يحد قاذفه بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف فإنه يحد لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا.

ولو زنى بعد القذف وقبل إقامة الحد على القاذف سقط الحد عن قاذفه.

قال أبو حنيفة والشافعي لأن ظهور الزنا منه خدش ظن الإحصان به وقت القذف، ودل على أنه كان متصفاً به قبله كما روي أن رجلاً زنى في عهد عمر فقال: والله ما زنيت إلا هذه.

فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة.

وقال أحمد والمزني وأبو ثور: الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف.

ولفظ المحصنات لا يتناول الرجال عند جمهور العلماء إلا أنهم أجمعوا على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات والقذف بغير الزنا كأن يقول "يا آكل الربا" يا "شارب الخمر" يا "يهودي" يا "مجوسي" يا "فاسق" وكذا قذف غير المحصنين بالزنا لا يوجب الا التعزير، ولو كان المقذوف معروفاً بما ذكره فلا تعزير أيضاً.

واعلم أنه  حكم على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام: جلد ثمانين وبطلان الشهادة والحكم بفسقه إلى أن يتوب.

فذهب جمع من الأئمة كالشافعي والليث بن سعد إلى أنه رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفة بعضها على بعض بالواو وهو لا يفيد الترتيب، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة بالقذف مع عدم البينة سواء اقيم عليه الحد أم لا.

وقال مالك وأبو حنيفة واصحابه: شهادته مقبولة ما لم يحد فإذا استوفى لم تقبل شهادته.

وإنما ذهب إلى هذا نظراً إلى ظاهر الترتيب مع موافقته للأصل وهو كونه مقبول الشهادة ما لم يطرأ مانع ولقوله  "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف" أخبر ببقاء عدالته ما لم يحدّ.

أما الاستثناء في قوله ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ فإنه لا يرجع إلا الجملة الأولى اتفاقاً لأنه إذا عجز عن البينة وهو الإتيان بأربعة شهداء وجب عليه الجلد ولم يكن للإمام ولا للمقذوف أن يعفو عن القاذف لأنه خالص حق الله عز وجل، ولهذا لا يصح أن يصالح عنه بمال.

هذا قول أبي حنيفة وأصحابه.

وقال الشافعي: إذا عجز عن البينة وجب على الإمام وهو المخاطب بقوله ﴿ فاجلدوهم ﴾ أن يأمر بجلده وإن تاب لأن القذف وحده حق الآدمي والمغلب فيه حقه، فليس للإمام أن يعفو عنه.

ولا خلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وأن المراد أنهم محكوم عليهم بالفسق.

إلا أن تابوا.

بقي الخلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة المتوسطة، منشأ الخلاف مسألة أصولية هي أن الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض للجميع وهو مذهب الشافعية، أو للاخيرة وهو مذهب الحنفية، ويتفرع على مذهب الشافعي أن القاذف إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته فيكون الأبد مصروفاً إلى مدة كونه قاذفاً وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف.

ويتفرغ على مذهب أبي حنيفة أنه لم تقبل شهادته وإن تاب والأبد عنده مدة حياته.

وقوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ جملة مستأنفة عنده لا معطوفة لأنها خبرية وما قبلها طلبية، ولو سلم أنها معطوفة فالاستثناء يرجع إليها فقط.

قال صاحب الكشاف: حق المستثنى عند الشافعي أن يكون مجروراً بدلاً من هم في لهم، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً لأنه عن موجب.

قلت: حقه عند الإمامين أن يكون منصوباً لأن الاستثناء يعود عند الشافعي إلى الجملتين، ولا يمكن أن يكون الاسم الواحد معرباً بإعرابين مختلفين في حالة واحدة، لكنه يجب نصبه نظراً إلى الأخيرة فتعين نصبه نظراً إلى ما قبلها أيضاً، وإن جاز البدل في غير هذه المادة.

هذا وقد احتجت الشافعية أيضاً في قبول شهادة القاذف بعد التوبة بقوله  "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" وإذا كانت التوبة من الكفر والزنا والقتل مع غلظها مقبولة فلأن تقبل من القذف أولى.

وأيضاً إن أبا حنيفة يقبل شهادته قبل الحد فبعده وقد تاب وحسن حاله أولى.

وأيضاً الكافر يقذف فيتوب من الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب من القذف كان أولى بأن تقبل شهادته لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر.

لا يقال: المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لاشتهارهم بعداوتهم والطعن فيهم فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر عار حادث بخلاف ما لو قذفه مسلم.

وأيضاً الإيمان يجب ما قبله وبهذا لا يلزم الحد بعد التوبة من الكفر ويلزم بعد التوبة من القذف لأنا نقول: هذا الفرق ملغى في أهل الذمة لقوله  "لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" واحتجت الحنفية في عدم قبول شهادته بما روى ابن عباس في قصة هلال بن أمية يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ولم يشترط التوبة، ومثله قوله  "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف" ولم يذكر التوبة.

وروى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله  قال "لا تجوز شهادة محدود في الإسلام" والشافعية عارضوا هذه الحجج بوجوه: منها قوله  "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم يقبل كان عبثاً.

ومنها قوله نحن نحكم بالظاهر، وههنا قد ظهرت العفة والصلاح.

ومنها أن عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم ابو بكرة ونافع ونفيع ثم قال لهم: من أكذب نفسه قبلت شهادته.

فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا فكان يقبل شهادتهما.

وقد بقي في الآية مسائل.

الأولى: قال الشافعي: لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين.

وقال أبو حنيفة: إذا جاؤوا متفرقين لم يثبت وعليهم حد القذف كما لو شهد على الزنا أقل من أربعة.

حجة الشافعي أن الآتي بالشهداء متفرقين آتٍ بمقتضى النص واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية.

وأيضاً القياس على سائر الأحكام بل تفريقهم أولى لأنه ابعد عن التهمة والتواطؤ.

وكذلك يفعل القاضي في كل حكم سواه عند الريبة.

وايضاً لا يجب أن يشهدوا معاً في حالة واحدة بل إذا اجتمعوا عند القاضي ويقوم واحد بعد آخر ويشهد جاز فكذا إذا اجتمعوا على بابه ويدخل واحد بعد آخر.

حجة أبي حنيفة الشاهد الواحد لما شهد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد فخرج عن كونه شاهداً، ولا عبرة بتسميته شاهد إذا فقد المسمى فلا خلاص عن هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع، ونظيره ما روي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب اربعة: أبو بكرة ونافع ونفيع.

وقال زياد: وكان رابعهم: رايت رجليها على عاتقه كأذني حمار ولا أدري ما وراء ذلك.

فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر.

فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف في الحد للاحتياط.

الثانية: جوّز أبو حنيفة أن يكون زوج المقذوفة واحداً من الشهداء الأربعة وأباه الشافعي.

الثالثة: قال الشافعي: في أحد قوليه: إذا أتي بأربعة فساق فهم قذفه يجب عليهم الحد كما يجب على القاذف الأول.

وقال أبو حنيفة: لا حد عليهم ولا على القاذف لأنه أتى باربعة من أهل الشهادة إلا أن الشرع لم يعتبر شهادتهم، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك يجب اعتبارها في نفي الحد عنهم.

الرابعة: لا يكفي في الشهادة إطلاق الزنا لا بد ان يذكروا التي زنى بها وأن يذكروا الزنا مفصلاً مفسراً فيقولوا: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة أو كالرشا في البئر، ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم.

ولو أقر على نفسه بالزنا فهل يشترط التفسير والبيان؟

فيه وجهان: نعم كالشهود لا كالقذف.

الخامسة: قالوا: أشد الحدود ضرب الزنا ثم ضرب الخمر ثم القذف لأن سبب عقوبته يحتمل الصدق والكذب.

إلا أنه عوقب صيانة للأعراض.

السادسة: حد القذف يورث عند مالك والشافعي بناء على أنه حق الآدمي.

وقد قال  "من ترك حقاً فلورثته" والأصح أنه يرثه جميع الورثة.

وفي قول سوى الزوج والزوجة لأن الزوجية ترفع بالموت، ولأن لحوق العار بها أقل.

وعلى هذا القول اعتراض أبو حنيفة بأنه لو كان موروثاً لكان للزوج والزوجة فيه نصيب.

السابعة: إذا قذف إنسان إنساناً بين يدي الحاكم أو قذف امرأته برجل والرجل غائب فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قد قذفك وثبت لك حد القذف عليه كما لو ثبت له حق على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه، وبهذا المعنى بعث النبي  أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها.

قال الشافعي: وليس للإمام إذا رمى رجل بالزنى أن يبعث إليه فيساله عن ذلك لأن الله تعالى قال ﴿ ولا تجسسوا  ﴾ وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً كأن قال رجل بين يدي الحاكم: الناس يقولون إن فلاناً زنى: فلا يبعث الحاكم إليه فيساله.

الثامنة: قال الشافعي: توبة القاذف إكذابه نفسه.

وفسره الأصطخري بأن يقول: كذبت فيما قلت فلا أعود إلى مثله.

وقال أبو إسحق: لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى بل يقول: القذف باطل وندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه.

ولا بد من مضيّ مدة عليه في حسن الحال وهو المراد بقوله ﴿ واصلحوا ﴾ وقدّروا تلك المدة بسنة لأن مرور الفصول الأربعة كلها له تاثير في الطباع.

وأن الشارع جعل السنة معتبرة في الزكاة والجزية وغيرهما.

أما قوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ ففيه دليل على أن القذف من جملة الكبائر، وأن الفاسق اسم من يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب، اللهم إلا أن يقال: إنما لا يطلق عليه هذا الاسم بعد التوبة للتعظيم كما لا يقال الأكابر الصحابة كافر لكفر سبق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ دلالة على أن قبول التوبة لا يجب عليه وإلا لم يفد المدح.

الحكم الثالث: اللعان وسببه قذف الزوجات خاصة.

القذف أمر محظور في نفسه إلا إذا عرض ما يباح أو يجب به.

وتفضيل ذلك أنه إن رآها الزوج بعينه تزني، أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها، أو سمع ممن يثق بقوله، أو استفاض بين الناس أن فلاناً يزني بفلانة وقد رآه الزوج يخرج من بيتها، أو رآه معها في بيت، أبيح له القذف لتأكيد التهمة.

ويجوز أن يمسكها أو يستر عليها لما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي امرأة لا تردّ يد لامس.

قال: طلقها.

قال: إني أحبها.

قال: فأمسكها أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله، أو استفاض ولكن لم يره الزوج معها أو بالعكس لم يحل له قذفها لأنه ربما دخل لخوف أو سرقة أو لطلب فجور وابت المرأة هذا كله إذا لم يكن ثمة ولد يريد نفيه، فإن كان ثمة ولد فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة اشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه.

قال رسول الله  "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته.

وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الشهاد من الأولين والآخرين" وإن احتمل أن يكون الولد منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولأقل من أربع سنين، فإن لم يكن استبرأها بحيضة أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء لم يحل له القذف والنفي، وإن اتهمها بالزنا وإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي، والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل.

وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه كأن كانا أبيضين وأتت به أسود فإن لم يتهمها بالزنا فليس له نفيه لما "روى أبو هريرة أن رجلاً قال للنبي  : إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فقال: هل لك من إبل؟قال: نعم.

قال:ما لونها؟

قال: حمر.

قال: فهل فيها أورق؟

قال: نعم قال: فكيف ذاك؟

قال: نزعه عرق.

قال: فلعل هذا نزعه عرق" .

وإن كان يتهمها بزنا أو برجل فأتت بولد يشبهه فهل يباح نفيه؟

فيه وجهان: أما سبب نزول الاية فقد قال ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة قال عاصم بن عدي الأنصاري: إذا دخل منا رجل بيته ووجد رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم افتح.

وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس، فأتى عويمر عاصماً وقال: رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله  في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي.

أخبرني عويمر أنه رأى شريكاً على بطن امرأته، وكان عويمر وخولة وشريك كلهم أبناء عم عاصم.

فدعاهم رسول الله  جميعاً وقال لعويمر: اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها.

فقال: يا رسول الله أقسم بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وأني ما قربتها منذ أربعة اشهر وأنها حبلى من غيري.

فقال لها رسول الله  : اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت.

فقالت: يا رسول الله إن عويمراً رجل غيور وإنه رأى شريكاً يطيل التردد ويتحدث فحملته الغيرة على ما قال فأنزل الله  هذه الآيات.

﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ إلى آخرها.

فأمر رسول الله  حتى نودي بالصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الثانية قل أشهد بالله إني رايت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الثالثة: قل أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الرابعة: قل أشهد بالله إنها زانية وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الخامسة: قل لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قاله.

ثم قال: اقعد.

وقال لخولة: قومي فقامت.

وقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي عويمراً لمن الكاذبين.

وقالت في الثانية: اشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين.

وقالت في الثالثة: اشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين.

وفي الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين.

وفي الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله.

ففرق رسول الله  بينهما.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أن عاصماً رجع إلى أهله فوجد شريكاً على بطن امرأته فأتى رسول الله  والحديث كما تقدم.

وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: "لما نزلت آية القذف قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: ولو وجدت رجلاً على بطنها فإني إن جئت بأربعة شهداء يكون قد قضى حاجته وذهب.

فقال  : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟

قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور.

فقال سعد: يا رسول الله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكني عجبت منه.

فقال  : فإن الله أبى لي ذلك فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم فقال: يا رسول الله إني وجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت باذني، فكره رسول الله  ما جاء به فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أخبرتك به، والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقاً.

فقال رسول الله  : إما البينة وإما إقامة الحد عليك.

فاجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد.

فبيناهم كذلك إن نزل الوحي فقال: يا هلال أبشر فقد جعل الله لك فرجاً وأمر بالملاعنة وفرق بينهما وقال: أبصروها فإن جاءت به اصهب أحمش الساقين أي دقيقهما فهو لهلال، وإن جاءت به اورق جعداً خدلج الساقين.

اي ضخمهما فهو لصاحبه.

فجاءت به خدلج الساقين فقال  : لولا الإيمان لكان لي ولها شأن.

قال عكرمة: لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار لا يدري من أبوه" واعلم أن الفرق بين قذف غير الزوجة وبين قذف الزوجة هو أن المخلص من الحد في الأول إقرار المقذوف بالزنا أو بينة تقوم على زناة، وفي الثانية المخلص أحد الأمرين أو اللعان.

وسبب شرع اللعان هو أنه لا مضرة على الزوج في زنا الأجنبي والأولى له ستره، وأما في زنا الزوجة فيلحقه العار والشنار والسنب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمتعذر.

وأيضاً الغالب أن الرجل لا يقصد رمي زوجته إلا عن حقيقة، فنفس الرمي دليل على صدقه إلا أن الشرع أراد كمال شهادة الحال بقرينة الإيمان كما أن شهادة المرأة حين ضعفت أكدت بزيادة العدد فمن هنا قال كثير من العلماء: إن حد قاذف الزوجة كان هو الجلد وإن الله نسخه باللعان.

ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: قال الشافعي: إذا نكل الزوج عن اللعان لزمه الحد للقذف، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان لزمها حد الزنا.

وقال أبو حنيفة: إذا نكل الزوج يحبس حتى يلاعن وكذا المرأة.

حجة الشافعي إذا لم يأت بالمخلص وهو الملاعنة وجب الرجوع إلى مقتضى آية القذف وهو الحد.

وايضاً قوله ﴿ ويدرأ عنها العذاب ﴾ ليست اللام فيه للجنس لأنه لا يجب عليها جميع أنواع العذاب، ولأن الآية تصير إذ ذاك مجملة فهو للعهد ولا معهود في الاية إلا حد القذف، ولقوله  لخولة الرجم أهون عليك من غضب الله.

وللمرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقاً فحدّوني وإن كان كاذباً فخلوني فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله.

حجة أبي حنيفة أن النكول ليس بصريح في الإقرار فلا يجوز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا وغيره.

الثانية: الجمهور على أنه إذا قال "يا زانية" وجب اللعان لعموم قوله ﴿ والذين يرمون ﴾ وقال مالك: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني وينفي حملاً بها أو ولداً منها.

الثالثة: قال الشافعي: من صح رميه صح لعانه فلا يشترط إلا التكليف، ويجري اللعان بين الذميين والمحدودين والرقيقين.

وذهب أبو حنيفة إلى ان الزوج ينبغي أن يكون مسلماً حراً عاقلاً بالغاً غير محدود في القذف، والمرأة ينبغي أن تكون بهذه الصفة مع العفة.

فإذا كان الزوج عبداً أو محدوداً في قذف والمرأة محصنة حدّ كما في قذف الأجنبيات.

دليل الشافعي عموم قوله ﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ والإجماع.

على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى وإن لم يكونا من أهل الشهادة، فكذا القول في غيرهما، والجامع هو الحاجة إلى دفع العار.

دليل أبي حنيفة حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي من النساء من ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحّرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر.

وأيضاً اللعان بين الزوجات قائم مقام الحد في الأجنبيات فلا يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي.

وأيضاً اللعان شهادة لقوله  ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات ﴾ وقد جاء مثله في أحاديث اللعان.

وإذا كان شهادة وجب أن لا يقبل من المحدود في القذف ولا من العبد والكافر.

أجاب الشافعي بأن اللعان يمين مؤكدة بلفظ الشهادة أو يمين فيها شائبة الشهادات فلا يشترط في الملاعن إلا أهلية لليمين، ومما يدل على أنه يمين قوله  لهلال بن أمية: احلف بالله الذي لا إله إلا هو إنك صادق.

وقوله: لولا الإيمان لكان لي ولها شأن.

وأيضاً لو كان شهادة لكان حظ المرأة ثمان شهادات لأنها على النصف من الرجل، ولم يجز لعان الفاسق والأعمى لأنهما ليسا من أهل الشهادة.

لا يقال: الفاسق والفاسقة قد يتوبان لأنا نقول: العبد أيضاً قد يعتق، بل العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال، والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته إلا بعد الاختبار.

ثم ألزم الشافعي أبا حنيفة بأن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية.

ثم قال الشافعي بعد ذلك: وتختلف الحدود لمن وقعت له، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن ينصف الحد عليه برقه، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وحريتها ورقها.

الرابعة: اختلف المجتهدون في نتائج اللعان، فعن عثمان البتي أنه لا يحصل به الفرقة أصلاً لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قذفه وهذا لا يوجب تحريماً كما لو قامت البينة عليها.

وأيضاً إن تلاعنهما في بيتهما لا يوجب الافتراق فكذا عند الحاكم.

وأيضاً إنه قائم مقام الشهود في الأجنبيات فلا يكون له تأثير إلا في إسقاط الحد.

وأيضاً إذا أكذب الزوج نفسه ثم حدّ لا يوجب الفرقة فكذا اللعان.

وأما تفريق النبي  بين المتلاعنين في قصة العجلاني فذلك لأن الزوج كان طلقها ثلاثاً قبل اللعان.

وعن أبي حنيفة وأصحابه إلاَّ زفر، أن الحاكم يفرق بينهما لما روى سهل بن سعد: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم يجتمعان أبداً، ولما في قصة عويمر كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثاً، فلو وقعت الفرقة باللعان لم يمكن إمساكها.

وقال مالك والليث وزفر: إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة بينهما وإن لم يفرق الحاكم، لأنهما لو تراضيا على دوام النكاح لم يخليا فدل ذلك على وقوع الفرقة بينهما.

وقال الشافعي: إذا فرغ الزوج وحده من اللعان حصل بذلك خمس نتائج: درء الحد عنه، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤبد، ووجوب الحد عليها.

ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وما روي أنه  فرق بينهما محمول على أنه أخبر عن وقوع الفرقة بينهما.

وزعم ابو بكر الرازي أن قول الشافعي خلاف الآية، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لاعنت المرأة وهي أجنبية، ولكنه  أوجب اللعان بين الزوجين، وأيضاً اللعان شهادة فلا يثبت حكمها إلا عند الحاكم كسائر الشهادات.

وأيضاً اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي ما ادعاه بالبينة فيتوقف على حكم الحاكم.

وأيضاً اللعان لا إشعار فيه بالتحريم فهو كما لو قامت البينة على زناها فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم.

ولقائل أن يقول: سميا زوجين باعتبار ما كان كالعبد على من عتق، ولا نسلم أن اللعان شهادة محضة.

ومما يؤكد قول الشافعي تنصيص الله  على ذلك بقوله ﴿ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد ﴾ ففيه دلالة على أن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج إلا درء العذاب.

وأيضاً أن لعان الزوج مستقل بنفي الولد لأن الاعتبار في الإلحاق بقوله لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه، وإذا انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أن يكون الفراش زائلاً لقوله "الولد للفراش".

الخامسة: مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف والثوري وإسحق، أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً وهو قول علي وابن مسعود.

ولما روي الزهري من حديث سهل بن سعد، ولما روي أنه  قال للمتلاعنين بعد اللعان لا سبيل لك عليها.

ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان إلا كذاب غاية لهذه الحرمة، وأنه إذا أكذب نفسه وحدّ زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد لذكرها رسول الله  كما قال  ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ وقد يحتج لأبي حنيفة بعموم قوله ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء  ﴾ وقوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ .

السادسة: اتفق أهل العلم على أن الولد ينتفي من الزوج باللعان.

وخالف بعضهم مستدلاً بقوله  "الولد للفراش" وزيف بأن الأخبار الدالة على أن الولد ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها الواحد بل يجب تخصيصه بها.

السابعة: لو أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق بها الحكم عند الشافعي وهو ظاهر وعن أبي حنيفة أن للأكثر حكم الكل إذا حكم به الحاكم.

الثامنة: كيفية اللعان كالصريحة في الاية وأن الحديث قد زادها بياناً كما مر.

وقد عد الشافعي ومن سننها أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى العنة ويقول له القاضي أو صاحب المجلس: اتق الله فإنها موجبة.

وهكذا يقال للمرأة إذا انتهت إلى الغضب.

ومما يستحب في اللعان ولا يجب على الأصح، التغليظ بالزمان.

وهو ما بعد صلاة العصر ولا سيما عصر يوم الجمعة، وبالمكان وذلك بمكة بين الركن والمقام، وبالمدينة بين المنبر والمدفن، وفي سائر البلاد عند المنبر في المسجد الجامع ايضاً وهو المقصورة، وفي بيت المقدس في المسجد القصى عند الصخرة، ولليهود في الكنيسة، وللنصارى في البيعة، وللمجوس في بيت نارهم، وإذا لم يكون له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام.

ولا بد من حضور الحاكم سواء كان مدار اللعان على اليمين أو على الشهادة، ولا بد من حضور جمع من الأعيان أقلهم أربعة.

التاسعة: قال جار الله: إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظاً عليها لأنها أصل الفجور ومنبعه بخلابتها وإطماعها ولذلك كانت متقدمة في آية الجلد.

العاشرة: في فوائد متعلقة بالآية منها: إبطال الجمهور وقول الخوارج إن الزنا والقذف كفر، وذلك أن الرامي إن صدق فهي زانية وإن كذب فهو قاذف، فلا بد من كفر أحدهما والردة توجب الفرقة من غير لعان: ومنها إبطال قول من زعم أن الزنا يوجب فساد النكاح لأن رمي الزوج إياها اعتراف منه بزناها بل بفساد النكاح على قول هذا القائل فتحصل الفرقة بلا لعان.

ومنها أن المعتزلة قالوا: المتلاعنان يستحقان اللعن أو الغضب الموجبين للعقاب الأبدي المضاد للثواب وذلك يدل على خلود الفساق في النار.

أجابت الاشاعرة بأن كونه مغضوباً عليه بفسقه لا ينافى كونه مرضياً عنه بجهة إيمانه فلا بد أن يحصل له بعد العقاب ثواب.

ثم أخبر عن كمال رافته بقوله ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ أي فيما بين من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة.

وجواب "لولا" محذوف أي لهلكتم أو فضحتم أو لكان ما كان من أنواع المفاسد.

وإنما حسن حذفه ليذهب الوهم كل مذهب فيكون أبلغ في البيان فرب مسكوت عنه ابلغ من منطوق به.

التأويل: النفس الزانية المستسلمة لتصرفات الشيطان والدنيا فيها، والروح الزاني بتصرفه في الدنيا وشهواتها المنهية عنها ﴿ فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ من الجوع وترك الشهوات والمرادات، ومن حملهما على المخالفات.

ولعل السر في تخصيص هذا العدد هو أن ساعات اليوم بليلته اربع وعشرون منها: أربع ساعات لأجل النوم ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل  ﴾ والباقية يجب فيها مراقبة الحواس الخمس وتأديبهن بآداب الشرع والعقل، فيكون المجموع مائة وتأديبة يحصل نتائجها وكمالها للنفس والروح والله  أعلم.

﴿ وليشهد عذابهما ﴾ ولتكن هذه التزكية والتأديبات بمحضر شيخ واصل كامل يحفظه من طرفي الإفراط والتفريط ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ فيه أن الطبع يسرق والجنس إلى الجنس يميل، فأهل الفساد لا ترغب إلا في صحبة أمثالهم من أهل الفساد كما أن أرباب السداد لا تطمح إلا إلى صحبة أمثالهم من أرباب السداد.

﴿ وحرم ذلك ﴾ الذي قلنا من اختلاط الأشرار ﴿ على المؤمنين ﴾ ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ أي الأرواح الذين ينسبون إلى نقصان النفوس المستعدات للكمالات ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ أي لم يكن خواص العناصر الأربعة ظاهرة على صفحات أحوالهن كما مر تقريره في أول النساء في قوله { ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولم تبلغ الملكات الذميمة منهن مرتبتها.

الرابعة كالكاتب يكتب بالفعل ﴿ فاجلودهم ثمانين جلدة ﴾ مر وهم بالخلوة أربعين يوماً وأربعين ليلة حتى يظهر لهم كمال حال النفوس في الموافقة لهم ولا تقبلوا لهم بعد ذلك شهادة عليهن، وأولئك هم الذين يريدون أن يخرجوا عن طاعة الله بقدر نسبة النقصان إلى النفوس المستعدة.

﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ وهن القوالب المزدوجة بالأرواح ﴿ ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ﴾ لأنه لا يطلع على أحوال القالب إلا الروح ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات ﴾ هي الأسنان الأربعة التي فيها تحصل التربية والاستكمال.

﴿ والخامسة ﴾ وهي حالة حلول الأجل اللعنة والغضب والعذاب الأبدي وما تولد منهما من الصفات الذميمة ينسبها الروح إلى ثالث هو الشيطان، وينسبها القالب إلى الروح الذي يدبره ويتصرف فيه.

والافتراق الذي يحصل بينهما ليس بالصورة بل المعنى لأن الروح يميل إلى العالم العلوي والقالب إلى العالم السفلي لعدم الموافقة بينهما وهو  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .

لو كان الخطاب يجب اعتقاده على ظاهر المخرج والعموم على ما قاله بعض الناس، لكان لكل أحد أن يقيم على آخر حدّاً بظاهر قوله: ﴿ فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ ؛ فيقول: الله أمرني بذلك بقوله: ﴿ فَٱجْلِدُواْ ﴾ ، أو أن يضربوا جميعاً واحدا من الزنا بظاهر قوله: ﴿ فَٱجْلِدُواْ ﴾ ؛ فيزداد الضرب والحدّ على ما حدّ الله أضعافاً مضاعفة؛ فدل أن اعتقادهم العموم فاسد بظاهر المخرج.

أو أن يقول قائل: روي عن النبي  أنه قال: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" : سمى الناظر إلى ما لا يحل نظره إليه زانيا، والماس لها: كذلك؛ فيلزمه الحدّ بظاهر قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ ؛ فإذا لم يفهم من ظاهر قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي ﴾ ما ذكرنا كله؛ دل أن الاعتقاد على عموم المخرج فاسد، وأن المراد بقوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ - راجع إلى الخصوص: إلى مقيم دون مقيم، وإلى زان دون زان، وهو الزاني الذي يجمع في فعل الزنا جميع بدنه: العين، واليد، والرجل، والفرج، وجميع بدنه.

ورجع الخطاب به إلى البكرين الحرين والثيبين الحرين الذين لم يستجمعا جميعاً أحكام الإحصان.

فأما من استجمع جميع أسباب الإحصان فإن حدّه الرجم على اتفاق القول منهم جميعاً، إلا أن طائفة من أهل العلم أوجبوا عليه مع الرجم الجلد، وفي البكر مع الجلد تغريب عام.

والدليل على أن المراد راجع إلى الحرين البكرين أو الثيبين اللذين لم يستجمعا أسباب الإحصان ما ذكرنا من القول المتفق.

وقوله: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، دل إيجاب نصف ما على المحصنات على الإماء على أنه أراد بالمحصنات: الحرائر اللاتي لم يستجمعن جميع أسباب الإحصان، وأن الخطاب بقوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي ﴾ إلى آخر ما ذكر راجع إلى الحرين اللذين ذكرناهما.

ثم لم يضرب في الزنا الذي به زنا، وهو الفرج، وقطع في السرقة الذي به سرق: وهو اليد؛ فهو - والله أعلم - لما جعل الحدود زواجر عن المعاودة - لم تجعل دافعة مذهبة إمكان ذلك الفعل من الأصل، وفي ضرب الفرج ذهاب إمكان الفعل من الأصل، ولا كذلك في قطع اليد في السرقة؛ إذ تبقى أخرى: بها يأخذ، وبها يقبض؛ لذلك افترقا.

أو أن يقال: في ضرب الفرج خوف هلاكه في الأغلب، وليس ذلك في قطع اليد؛ بل يبقى حيّاً في الغالب، وقد ذكرنا أن الحدود لم تجعل مهلكة متلفة؛ ولكن جعلت زواجر عن المعاودة؛ لذلك افترقا.

وفي قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ دلالة على أن النفي ليس من عذاب الزانيين ولا من عقوبتهما؛ لأنه قال: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، والنفي مما لا يحتمل أن يؤمر بشهوده؛ لأنه لا يمكن؛ فدل أنه ليس من عذابهما.

ويدل عليه - أيضاً - قوله: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ؛ لأنهم أجمعوا على أن لا نفي على الإماء إذا زنين، وقد أوجب عليهن إذا زنين: نصف ما على المحصنات.

أو إن ثبت النفي فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد به قطع الشَّيْن الذي لحقهما بفعل الزنا؛ لأنه ليس جرم من الإجرام أكثر شيناً وأشد من فعل الزنا؛ فأراد أن ينقطع ذلك من بين الناس.

أو أن يكون أراد به قطع الشهوة، التي حملتهم على الزنا: بذل السفر وذلة الغربة.

أو صار منسوخاً لما شدد في الضرب بقوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ ، وفيما ذكر النفي، لم يذكر فيه الشدة؛ إنما ذكر فيه الجلد فحسب بقوله -  -: "أما على ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام" ؛ فجائز أن يكون الضرب كان بالتخفيف وفيه نفي، فلما شدد في الضرب ارتفع النفي، وقد جاء عن عمر -  - أنه نفى رجلا فارتد عن الإسلام ولحق بالروم؛ فقال: كفى بالنفي فتنةً، وقال: لا أنفي بعد هذا أبداً.

وكذلك روي عن علي -  - والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: لا تأخذكم بهما رأفة في تخفيفها؛ فهو - والله أعلم - لأنه من أعظم الإجرام في الشين.

ثم للمعتزلة تعلقٌ بظاهر قوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ قالوا: إن الله وصف نفسه بالرحمة بقوله: ﴿ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ ، ووصف المؤمنين بالرحمة فيما بينهم، والشدة على الكفار بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، ثم نهاهم أن تأخذهم رأفة على الزانيين وقت إقامة الحدّ عليهم؛ دل أن الزاني قد خرج بفعله من الإيمان؛ لما ذكرنا من رفع الرأفة والرحمة عنهما.

لكن عندنا في الآية دلالة أنه ليس على ما ذهبوا إليه؛ لأن الزاني لو كان يخرج من الإيمان بفعل الزنا لكان لا يحتاج إلى أن يقول: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ﴾ ؛ لأنهم كانوا على ما وصفهم الله بالشدة على غير المؤمنين بقوله: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ  ﴾ ، دل أن الزنا لم يخرجه عن الإيمان؛ فنهى ألا تأخذ بهما رأفة الإيمان والدين في تعطيل الحدّ أو تخفيفه.

أو أن يكون النهي عن أخذ الرأفة؛ ليتحمل ذلك الحدّ، وإلا: لم ينتفع به في الآخرة، وهو ألا يعذب به؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ، وفائدته ما ذكرنا: أنه لا تأخذكم بهما رأفة في إضاعة الحدّ؛ لما يتأمل من النفع في الآخرة، نحو: من يشرب الأدوية الكريهة، ويفتصد، ويحتجم؛ لما يطمع البرء به والنفع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون النهي عن أخذ الرأفة في حد الزاني؛ ليقام ذلك عليه؛ فينجو في الآخرة عن عذابه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: الطائفة: واحد واثنان فصاعداً، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ  ﴾ ، هما رجلان اقتتلا؛ دل على ذلك قوله: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  ﴾ ، وهما اثنان في الظاهر، لكن أن ينضم إلى كل واحد منهما جماعة من عشيرته؛ فيكون الطائفة جماعة لا واحداً.

وقال بعضهم الطائفة: جماعة من العشيرة فصاعداً.

ثم يجب أن ينظر لأي معنى أمر أن يشهد عذابهما طائفة من بين سائر الإجرام؛ فهو - والله أعلم - يحتمل وجوهاً: أحدها: المحنة، أراد أن يمتحن من حضر ذلك، أو المرء قد يتألم على ضرب آخر، وما يحل لغيره؛ لينزجر عن مثله.

والثاني: لانتشار الخبر في الناس؛ لينزجروا عن مثله.

والثالث: لئلا يتعدى الضارب - والمقيم - ذلك الحدّ ويجاوزه على الحدّ الذي جعل له؛ فإن هو تعدى منعه من حضره عن المجاوزة والتعدي.

والرابع: لدفع التهمة عن الحاكم؛ لئلا يتهمه الناس أنه إنما أقام عليه الحدّ بلا سبب كان منه، ولا جرم.

فإن كان الأمر بشهود الطائفة عذابهما هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا: من انتشار الخبر، ودفع التهمة عنه، ومنع المجاوزة، فالطائفة تحتاج أن تكون جماعة؛ لأن الواحد غير كاف لذلك.

وإن كان الأول - وهو المحنة - فالواحد وما فوقه يكون يمتحن كلا في نفسه بحضور ذلك الحدّ؛ ليتألم به.

وقد ذكرنا أن بعض أهل العلم قالوا: إنه يجمع مع الرجم والجلد؛ واحتجوا بما روي عن رسول الله  أنه قال: "الثيب بالثيب: جلد مائة ورجم الحجارة، والبكر بالبكر: جلد مائة وتغريب عام" : فأما الجلد فلا خلاف في أنه حد البكر، وأما النفي فمما اختلفوا [فيه]: فمنهم من رآه واجباً، ومنهم من رآه عقوبة لهم يضم إلى الحدّ.

ونحن قد ذكرنا المعنى في ذلك - إن ثبت - ما يغنينا عن تكراره، ونزيد - أيضاً - نكتة، وهي أن الحدود ذوو نهايات للمقدار وغايات، ولذلك سميت حدوداً؛ لأن لها نهاية وغاية، كما يقال: هذا حد فلان، وحدّ الدارين أنه منتهاها وآخرها، فلما لم يكن للنفي حد ينتهي الزاني إليه دل أنه ليس بحدّ؛ ولكن أراد به الوجوه التي ذكرنا، إما حبساً كما يحبس الزاني حتى يحدث توبة، أو قطع الشين والذكر الذي يتحدث الناس به؛ لينسى ذلك ويترك، أو قطع الشهوات التي حملتهم على ذلك بذل السفر والغربة، أو أن كان ثم صار منسوخاً بما يشدد فيه الضرب، والله أعلم.

وأما قول أصحابنا: يفهم أنه لم يكن الجلد عن الثيب إذا كان محصناً؛ بقول النبي  حيث قال: "اغد يا أُنَيْسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" ، ولم يذكر جلداً.

وذهبوا أيضاً إلى أن حديث ماعز بن مالك، لما رجمه النبي -  - باعترافه، ولم يذكر جلداً، وروي أن أبا بكر -  - قال له - لما اعترف ثلاثاً -: "لو اعترفت في المرة الرابعة لرجمك"، ولم يقل: جلدك: علم أنه ينفي الرجم الجلد.

وما روي عن عمر -  - أنه أمر برجم امرأة زنت، ولم يجلدها.

وروي عن ابن عمر عن عمر مثله.

إلى كل هذه الأخبار ذهب أصحابنا رحمهم الله، ويقولون: لا يجتمع على رجل في فعل واحد حدّان: الجلد والرجم جميعاً؛ كما لا يجتمع في غيره من الإجرام في فعل واحد حدّان أو عقوبتان.

وقوله -  -: "الثيب بالثيب: يجلد ويرجم" يحتمل الجلد جلد البكر المحصن، ويرجم ثيباً آخر محصناً، أو يجلد ثيباً في حال ويرجم ثيباً في حال، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة النساء.

[وقوله:] ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴾ .

في ظاهر الآية ألا يحل للزاني أن ينكح إلا الزانية من المؤمنات أو مشركة، وكذلك الزانية من المؤمنات لا ينكحها العفيف من المؤمنين؛ وإنما ينكحها الزاني منهم والمشرك.

وفي ظاهر الآية النهي للزاني عن نكاح العفائف، وإباحة نكاح الزانيات والمشركات؛ فإن كان ذلك، فكان قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ  ﴾ إلا الزناة منكم؛ فإنه يحل لهم أن ينكحوا المشركات، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ  ﴾ إلا الزانيات؛ فإنه يحل هذا ظاهرا، لكنهم أجمعوا على ألا يحل للمؤمن - وإن كان زانياً - أن ينكح المشركة، وكذلك لا يحل للمشركة أن تتزوج بالزاني من أهل الإيمان.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويله: قال مقاتل: ومحمد بن إسحاق، وهؤلاء: الزاني من أهل الكتاب لا ينكح - أي: لا يتزوج - إلا زانية من أهل الكتاب، أو مشركة [من] غير أهل الكتاب، والزانية من أهل الكتاب: لا ينكحها إلا زان من أهل الكتاب أو مشرك من غير أهل الكتاب يزنين علانية.

وعن ابن عباس -  ما - قال: نزلت الآية في نفر من أهل مكة هاجروا إلى المدينة وكانوا ذوي عسرة، وكان بالمدينة بغايا يبغين بأنفسهن ظاهرات بالفجور، وكن مخصبات أو مخاصيب البيوت، فهَمَّ أولئك المهاجرون أن يتزوجوا بأولئك البغايا؛ ليصيبوا من خصبهن وسعتهن، فذكروا ذلك لرسول الله واستأذنوه في ذلك؛ فنزلت الآية في شأنهم: ﴿ ٱلزَّانِي ﴾ من أهل القبلة المعلن به ﴿ لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ﴾ من اليهود ﴿ أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ الآية.

﴿ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

لكن هذا يصلح أن لو كان أولئك المهاجرون مثلهن زناة، فأما إن كانوا مهاجرين أهل إيمان وعفة - فلا يصلح أن يقال فيهم: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ ، وهم لم يكونوا زناة؛ إلا أن يقال على الابتداء: إنه لا يفعل ذلك.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ ﴾ ، أي: لا يجامع، ولا يزني إلا بزانية مثله، وكذلك الزانية لا تزني إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا، وهو قول الضحاك وهؤلاء.

وقال سعيد بن المسيب: نسخت هذه الآية: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ ، قوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً...

﴾ الآية.

وسئل ابن مسعود -  - عن رجل يزني بامرأة ثم يتزوجها؟

قال: هما زانيان ما اصطحبا.

وجائز أن يكون النهي عن نكاح الزانية والزاني - نهياً عن الزنا نفسه لا عن النكاح؛ كأنه قال: لا تزنوا؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به لا تجدون أن تنكحوا إلا زانية أو مشركة التي لا تحرم الزنا؛ لأن العفائف منهن لا يرغبن في نكاح من صار معلن الزنا، فإذا لم يرغبن لم يجدوا إلا من ذكر، وهو ما قال: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ  ﴾ ، ليس النهي عن قربان الصلاة؛ ولكن النهي عن السكر وشرب المسكر.

وكذلك ما روي أنه قال: "لا صلاة للمرأة الناشزة ولا للعبد الآبق" : إنما نهى عن نشوزها وعن إباقه؛ ليس عن الصلاة؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴾ : إنما نهى عن الزنا، أي: لا تزنوا؛ ليرغب العفائف من المؤمنات فيكم، ولا يزني النساء؛ ليرغب أهل العفاف من المؤمنين؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به معلنين لا تجدوا إلا نكاح من ذكر من الزانية أو المشركة.

أو أن يكون ما ذكرنا: لا يرغب الزاني إلا في نكاح زانية أو مشركة، وكذلك المرأة الزانية لا ترغب إلا في نكاح زان مثلها أو مشرك.

أو لا يرغب الزاني في الزنا إلا بزانية أو مشركة لا تحرم الزنا، وكذلك الزانية لا ترغب في الزنا إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا.

﴿ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وحرم الزنا على المؤمنين.

أو إن كان على النكاح؛ فيكون تأويل قوله: ﴿ وَحُرِّمَ ﴾ أي: منع عن ذلك المؤمنين، أعني: نكاح الزانيات والزناة.

قال أبو عوسجة: الزانية والزاني يقال منه: زنى يزني زنا، وأما زنأ يزنأ زنئا، أي: ارتقى يرتقي؛ ويقال: الزناء: الضيق، ويقال: زننته أزنه زنا، أي: ظننت به ظنا، والقذف: التهمة، والرمي أشد من القذف.

ومن جعل الآية في الزانيين المسلمين، وجعل قوله: ﴿ لاَ يَنكِحُ ﴾ : على التزويج - لزمه أن يجيز للزانية المسلمة أن تتزوج الزاني المسلم والمشرك على ما ذكرنا بدءاً، وهذا لا يقوله أحد، وفي بطلان هذا القول بيان أن الآية إن كان المراد بها عقد النكاح فإنها نزلت في الزانية المشركة يريد المسلم أن يتزوجها، كما ذكر في حديث مرثد، وإن كان المراد به بذكر النكاح منها: الوطء، فهو كما قال ابن عباس في إحدى الروايتين عنه: إنه الجماع، ليس تحتمل الآية غير هذين الحالين، والله أعلم بما أراد.

وقد زعم قوم أن المرأة إذا زنت حرمت على زوجها؛ فكأنهم ذهبوا إلى أنه لما لا يحل له أن يطأها؛ لأنها إذا كانت زانية لم يحل المقام عليها إذا زنت وهي زوجة.

لكن أهل التأويل في الآية على خلاف ما توهم أولئك بما وصفنا؛ فلا وجه لتحريمهم الزانية على زوجها، ولو كان أهل التأويل على ما توهموه فوجب أن تحرم الزانية على زوجها من غير أن كان ممنوعاً من تزويجها؛ ألا ترى أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة في عدة من غيره، ولو أن رجلا وطئ [امرأة] رجل بشبهة فوجب عليها منه عدة لم تحرم على زوجها، أفلا ترى أن العدة إذا كانت على النكاح مخالفة للنكاح في العدة.

واحتجوا - أيضاً - بأن الرجل إذا قذف امرأته لوعن بينهما وفرق.

لكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الزانية والزاني البكْران فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة، ولا تأخذكم بهما رِقَّة ورحمة بحيث لا تقيمون عليهما الحد أو تخففونه عنهما، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليحضر إقامة الحد عليهما جمع من المؤمنين إمعانًا في التشهير بهما، وردعًا لهما ولغيرهما.

<div class="verse-tafsir" id="91.9V14N"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده