الآية ٣١ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٣١ من سورة النور

وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 317 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات ، وغيرة منه لأزواجهن ، عباده المؤمنين ، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات .

وكانعلى البغاء إن أردن تحصنا ) سبب نزول هذه الآية ما ذكره مقاتل بن حيان قال : بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث : أن " أسماء بنت مرشدة " كانت في محل لها في بني حارثة ، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل ، وتبدو صدورهن وذوائبهن ، فقالت أسماء : ما أقبح هذا .

فأنزل الله : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ) الآية .

فقوله تعالى : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) أي : عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن .

ولهذا ذهب [ كثير من العلماء ] إلى أنه : لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا .

واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي ، من حديث الزهري ، عن نبهان - مولى أم سلمة - أنه حدثه : أن أم سلمة حدثته : أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة ، قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم ، فدخل عليه ، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احتجبا منه " فقلت : يا رسول الله ، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو عمياوان أنتما؟

ألستما تبصرانه " .

ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة ، كما ثبت في الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد ، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه ، وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت .

وقوله : ( ويحفظن فروجهن ) قال سعيد بن جبير : ، عن الفواحش .

وقال قتادة وسفيان : عما لا يحل لهن .

وقال مقاتل : ، عن الزنى .

وقال أبو العالية : كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج ، فهو من الزنى ، إلا هذه الآية : ( ويحفظن فروجهن ) ألا يراها أحد .

وقال : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) أي : لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب ، إلا ما لا يمكن إخفاؤه .

وقال ابن مسعود : كالرداء والثياب .

يعني : على ما كان يتعاناه نساء العرب ، من المقنعة التي تجلل ثيابها ، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه; لأن هذا لا يمكن إخفاؤه .

[ ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها ، وما لا يمكن إخفاؤه .

وقال ] بقول ابن مسعود : الحسن ، وابن سيرين ، وأبو الجوزاء ، وإبراهيم النخعي ، وغيرهم .

وقال الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) قال : وجهها وكفيها والخاتم .

وروي عن ابن عمر ، وعطاء ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبي الشعثاء ، والضحاك ، وإبراهيم النخعي ، وغيرهم - نحو ذلك .

وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها ، كما قال أبو إسحاق السبيعي ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال في قوله : ( ولا يبدين زينتهن ) : الزينة القرط والدملج والخلخال والقلادة .

وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال : الزينة زينتان : فزينة لا يراها إلا الزوج : الخاتم والسوار ، [ وزينة يراها الأجانب ، وهي ] الظاهر من الثياب .

وقال الزهري : [ لا يبدو ] لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا يحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر ، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم .

وقال مالك ، عن الزهري : ( إلا ما ظهر منها ) الخاتم والخلخال .

ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين ، وهذا هو المشهور عند الجمهور ، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه : حدثنا يعقوب بن كعب الإنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا حدثنا الوليد ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن خالد بن دريك ، عن عائشة ، رضي الله عنها; أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها وقال : " يا أسماء ، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا " وأشار إلى وجهه وكفيه .

لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي : هذا مرسل; خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ، فالله أعلم .

وقوله : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) يعني : المقانع يعمل لها صنفات ضاربات على صدور النساء ، لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها; ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية ، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك ، بل كانت المرأة تمر بين الرجال مسفحة بصدرها ، لا يواريه شيء ، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها .

فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن ، كما قال الله تعالى : ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) [ الأحزاب : 59 ] .

وقال في هذه الآية الكريمة : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) والخمر : جمع خمار ، وهو ما يخمر به ، أي : يغطى به الرأس ، وهي التي تسميها الناس المقانع .

قال سعيد بن جبير : ( وليضربن ) : وليشددن ( بخمرهن على جيوبهن ) يعني : على النحر والصدر ، فلا يرى منه شيء .

وقال البخاري : وقال أحمد بن شبيب : حدثنا أبي ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول ، لما أنزل الله : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) شققن مروطهن فاختمرن به .

وقال أيضا : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا إبراهيم بن نافع ، عن الحسن بن مسلم ، عن صفية بنت شيبة; أن عائشة ، رضي الله عنها ، كانت تقول : لما نزلت هذه الآية : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) : أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي ، فاختمرن بها .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثني الزنجي بن خالد ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن صفية بنت شيبة قالت : بينا نحن عند عائشة ، قالت : فذكرنا نساء قريش وفضلهن .

فقالت عائشة ، رضي الله عنها : إن لنساء قريش لفضلا وإني - والله - وما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل .

لقد أنزلت سورة النور : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) ، انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته ، وعلى كل ذي قرابة ، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به ، تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه ، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح معتجرات ، كأن على رءوسهن الغربان .

ورواه أبو داود من غير وجه ، عن صفية بنت شيبة ، به .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أن قرة بن عبد الرحمن أخبره ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة; أنها قالت : يرحم الله النساء المهاجرات الأول ، لما أنزل الله : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) شققن أكثف مروطهن فاختمرن به .

ورواه أبو داود من حديث ابن وهب ، به .

وقوله : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ) يعني : أزواجهن ، ( أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن ) كل هؤلاء محارم المرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ، ولكن من غير اقتصاد وتبهرج .

وقال ابن المنذر : حدثنا موسى - يعني : ابن هارون - حدثنا أبو بكر - يعني ابن أبي شيبة - حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا داود ، عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن ) - حتى فرغ منها قال : لم يذكر العم ولا الخال; لأنهما ينعتان لأبنائهما ، ولا تضع خمارها عند العم والخال فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله ، فتتصنع له ما لا يكون بحضرة غيره .

وقوله : ( أو نسائهن ) يعني : تظهر زينتها أيضا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة; لئلا تصفهن لرجالهن ، وذلك - وإن كان محذورا في جميع النساء - إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد ، فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع ، وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تباشر المرأة المرأة ، تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها " .

أخرجاه في الصحيحين ، عن ابن مسعود .

وقال سعيد بن منصور في سننه : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن هشام بن الغاز ، ، عن عبادة بن نسي ، عن أبيه ، عن الحارث بن قيس قال : كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة : أما بعد ، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك ، فإنه من قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها .

وقال مجاهد في قوله : ( أو نسائهن ) قال : نساؤهن المسلمات ، ليس المشركات من نسائهن ، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي المشركة .

وروى عبد في تفسيره عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : ( أو نسائهن ) ، قال : هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية ، وهو النحر والقرط والوشاح ، وما لا يحل أن يراه إلا محرم .

وروى سعيد : حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد قال : لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة; لأن الله تعالى يقول : ( أو نسائهن ) فليست من نسائهن .

وعن مكحول وعبادة بن نسي : أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة .

فأما ما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبو عمير ، حدثنا ضمرة قال : قال ابن عطاء ، عن أبيه : ولما قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس ، كان قوابل نسائهم اليهوديات والنصرانيات فهذا - إن صح - محمول على حال الضرورة ، أو أن ذلك من باب الامتهان ، ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد ، والله أعلم .

وقوله : ( أو ما ملكت أيمانهن ) قال ابن جريج : يعني : من نساء المشركين ، فيجوز لها أن تظهر [ زينتها لها وإن كانت مشركة; لأنها أمتها .

وإليه ذهب سعيد بن المسيب .

وقال الأكثرون : بل يجوز لها أن تظهر ] على رقيقها من الرجال والنساء ، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود : حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار ، عن ثابت ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها .

قال : وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : " إنه ليس عليك بأس ، إنما هو أبوك وغلامك " .

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه [ في ] ترجمة حديج الخصي - مولى معاوية - أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة ، وأنه قد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهبه لابنته فاطمة ، فربته ثم أعتقته ، ثم قد كان بعد ذلك كله مع معاوية أيام صفين ، وكان من أشد الناس على علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن نبهان ، عن أم سلمة ، ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان لإحداكن مكاتب ، وكان له ما يؤدي ، فلتحتجب منه " .

ورواه أبو داود ، عن مسدد ، عن سفيان ، به .

وقوله : ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) يعني : كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء ، وهم مع ذلك في عقولهم وله وخوث ، ولا هم لهم إلى النساء ولا يشتهونهن .

قال ابن عباس : هو المغفل الذي لا شهوة له .

وقال مجاهد : هو الأبله .

وقال عكرمة : هو المخنث الذي لا يقوم زبه .

وكذلك قال غير واحد من السلف .

وفي الصحيح من حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة; أن مخنثا كان يدخل على أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينعت امرأة : يقول إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع ، وإذا أدبرت أدبرت بثمان .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا ، لا يدخلن عليكن " فأخرجه ، فكان بالبيداء يدخل يوم كل جمعة يستطعم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة قالت : دخل عليها [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] وعندها مخنث ، وعندها [ أخوها ] عبد الله بن أبي أمية [ والمخنث يقول لعبد الله : يا عبد الله بن أبي أمية ] إن فتح الله عليكم الطائف غدا ، فعليك بابنة غيلان ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان .

قال : فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأم سلمة : " لا يدخلن هذا عليك " .

أخرجاه في الصحيحين ، من حديث هشام بن عروة ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه ، وهو ينعت امرأة .

فقال : إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع ، وإذا أدبرت أدبرت بثمان .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا؟

لا يدخلن عليكم هذا " فحجبوه .

ورواه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي من طريق عبد الرزاق ، به .

وقوله : ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) يعني : لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم ، وتعطفهن في المشية وحركاتهن ، فإذا كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك ، فلا بأس بدخوله على النساء .

فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه ، بحيث يعرف ذلك ويدريه ، ويفرق بين الشوهاء والحسناء ، فلا يمكن من الدخول على النساء .

وقد ثبت في الصحيحين ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إياكم والدخول على النساء " .

قالوا : يا رسول الله ، أفرأيت الحمو؟

قال : " الحمو الموت " .

وقوله : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت - لا يسمع صوته - ضربت برجلها الأرض ، فيعلم الرجال طنينه ، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك .

وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورا ، فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي ، دخل في هذا النهي; لقوله تعالى : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) : ومن ذلك أيضا أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها ، فقد قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن ثابت بن عمارة الحنفي ، عن غنيم بن قيس ، عن أبي موسى رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل عين زانية ، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا " يعني زانية .

قال : وفي الباب ، عن أبي هريرة ، وهذا حسن صحيح .

رواه أبو داود والنسائي ، من حديث ثابت بن عمارة ، به .

وقال أبو داود : حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبيد مولى أبي رهم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ، ولذيلها إعصار فقال : يا أمة الجبار ، جئت من المسجد؟

قالت : نعم .

قال لها : [ وله ] تطيبت؟

قالت : نعم .

قال : إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد ، حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة " .

ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن سفيان - هو ابن عيينة - به .

وروى الترمذي أيضا من حديث موسى بن عبيدة ، عن أيوب بن خالد ، عن ميمونة بنت سعد; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الرافلة في الزينة في غير أهلها ، كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها " .

ومن ذلك أيضا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق ; لما فيه من التبرج .

قال أبو داود : حدثنا القعنبي ، حدثنا عبد العزيز - يعني : ابن محمد - عن أبي اليمان ، عن شداد بن أبي عمرو بن حماس ، عن أبيه ، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري ، عن أبيه : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد - وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء : " استأخرن ، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق ، عليكن بحافات الطريق " ، فكانت المرأة تلصق بالجدار ، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار ، من لصوقها به .

وقوله : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) أي : افعلوا ما آمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة ، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة ، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله ، وترك ما نهيا عنه ، والله تعالى هو المستعان [ وعليه التكلان ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( وَقُلْ ) يا محمد ( للْمُؤْمِنَاتِ ) من أمتك ( يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ) عما يكره الله النظر إليه مما نهاكم عن النظر إليه ( وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) يقول: ويحفظن فروجهنَّ عن أن يراها من لا يحلّ له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم.

وقوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) يقول تعالى ذكره: ولا يُظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهنّ، وهما زينتان: إحداهما: ما خفي وذلك كالخلخال والسوارين والقرطين والقلائد، والأخرى: ما ظهر منها، وذلك مختلف في المعنيّ منه بهذه الآية، فكان بعضهم يقول: زينة الثياب الظاهرة.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال: الزينة زينتان: فالظاهرة منها الثياب، وما خفي: الخَلْخَالان والقرطان والسواران.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الثوري، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أنه قال: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) : قال: هي الثياب.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الثياب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثله.

قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن زيد، عن عبد الله، مثله.

قال: ثنا سفيان، عن علقمة، عن إبراهيم، في قوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) : قال: الثياب.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا بعض أصحابنا، إما يونس، وإما غيره، عن الحسن، في قوله: ( إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الثياب.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ( إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الثياب.

قال أبو إسحاق: ألا ترى أنه قال: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: ثنا محمد بن الفضل، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن زيد، عن ابن مسعود ( إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: هو الرداء.

وقال آخرون: الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه: الكحل، والخاتم، والسواران، والوجه.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان، قال: ثنا مسلم الملائي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الكحل والخاتم.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآمُليّ، قال: ثنا مروان، عن مسلم المَلائي، عن سعيد بن جُبير، مثله.

ولم يذكر ابن عباس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن أبي عبد الله نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الظاهر منها: الكحل والخدان.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الوجه والكفّ.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، عن سعيد بن جُبير، مثله.

حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا أبو عمرو، عن عطاء في قول الله ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الكفان والوجه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قَتادة قال: الكحل، والسوران، والخاتم.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكفّ، والخاتم، فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: المسكتان والخاتم والكحل، قال قَتادة: وبلغني أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، أنْ تخْرجَ يَدَها إلا إلى هاهنا ".

وقبض نصف الذراع.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن رجل، عن المسور بن مخرمة، في قوله: ( إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: القلبين، والخاتم، والكحل، يعني السوار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس، قوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الخاتم والمسكة.

قال ابن جُرَيج، وقالت عائشة: القُلْبُ والفتخة، قالت عائشة: دَخَلَتْ عليّ ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مُزَيَّنةً، فدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية، فقال: " إذا عركت المرأة (2) لم يحلّ لها أن تظهر إلا وجهها، وإلا ما دون هذا "، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكفّ مثل قبضة أخرى.

وأشار به أبو عليّ.

قال ابن جُرَيج، وقال مجاهد قوله: ( إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الكحل والخضاب والخاتم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم، عن عامر: ( إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال الكحل، والخضاب، والثياب.

حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) من الزينة: الكحل، والخضاب، والخاتم، هكذا كانوا يقولون وهذا يراه الناس.

حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمر بن أبي سلمة، قال: سئل الأوزاعي عن ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الكفين والوجه.

حدثنا عمرو بن بندق، قال: ثنا مروان، عن جُويبر، عن الضحاك في قوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) قال الكفّ والوجه.

وقال آخرون: عنى به الوجه والثياب.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: قال يونس ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال الحسن: الوجه والثياب.

حدثنا ابن بشار، قال ثنا ابن أبي عديّ، وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، في قوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الوجه والثياب.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك: الوجه والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك: الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإجماع الجميع على أن على كلّ مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف.

فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعا، كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة، كما ذلك للرجال; لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره؛ وإذا كان لها إظهار ذلك، كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره، بقوله: ( إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) لأن كل ذلك ظاهر منها.

* * * وقوله: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) يقول تعالى ذكره: وليلقين خُمُرهنّ، وهي جمع خمار، على جيوبهنّ، ليسترن بذلك شعورهنّ وأعناقهن وقُرْطَهُنَّ.

حدثنا ابن وكيع، قال ثنا زيد بن حباب، عن إبراهيم بن نافع، قال: ثنا الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: لما نـزلت هذه الآية: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) قال شققن البُرُد مما يلي الحواشي، فاختمرن به.

حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، أن قرة بن عبد الرحمن، أخبره، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأوَل، لما أنـزل الله: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) شققن أكثف مروطهنّ، فاختمرن به.

وقوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ ) يقول تعالى ذكره: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) التي هي غير ظاهرة، بل الخفية منها، وذلك الخلخال والقرط والدملج، وما أمرت بتغطيته بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه، وإبرازه في الصلاة وللأجنبيين من الناس، والذراعين إلى فوق ذلك، إلا لبعولتهنّ.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن طلحة بن مصرف، عن إبراهيم: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ) قال: هذه ما فوق الذراع.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت رجلا يحدث عن طلحة، عن إبراهيم، قال في هذه الآية ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ ) قال: ما فوق الجيب، قال شعبة: كتب به منصور إليّ، وقرأته عليه.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتادة، في قوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ ) قال: تبدي لهؤلاء الرأس.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ )...

إلى قوله: عَوْرَاتِ النِّسَاءِ قال: الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها، وقلادتها، وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها ونحرها وشعرها، فإنه لا تبديه إلا لزوجها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قال: ابن مسعود، في قوله: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ ) قال: الطوق والقرطين، يقول الله تعالى ذكره: قل للمؤمنات الحرائر: لا يظهرن هذه الزينَة الخفية التي ليست بالظاهرة إلا لبعولتهنّ، وهم أزواجهن، واحدهم بعل، أو لآبائهنّ، أو لآباء بعولتهن: يقول أو لآباء أزواجهن ، أو لأبنائهن ، أو لأبناء بعولتهن ، أو لإخوانهن، أو لبني إخوانهن ، ويعني بقوله: أو لإخوانهن أو لأخواتهن، أو لبني إخوانهن، أو بني أخواتهن، أو نسائهن.

قيل: عني بذلك نساء المسلمين.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُريج، قوله: ( أَوْ نِسَائِهِنَّ ) قال: بلغني أنهنّ نساء المسلمين، لا يحلّ لمسلمة أن ترى مشركة عريتها، إلا أن تكون أمة لها، فذلك قوله: ( أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ).

قال: ثني الحسين، قال: ثني عيسى بن يونس، عن هشام بن الغازي، عن عبادة بن نسيّ: أنه كره أن تقبل النصرانية المسلمة، أو ترى عورتها، ويتأوّل: ( أَوْ نِسَائِهِنَّ ).

قال: ثنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن عبادة، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عُبيدة بن الجرّاح رحمة الله عليهما: أما بعد، فقد بلغني أن نساء يدخلن الحمامات، ومعهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك، وحُلْ دونه.

قال: ثم إن أبا عُبيدة قام في ذلك المقام مبتهلا اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة ولا سقم، تريد البياض لوجهها، فسوّد وجهها يوم تبيض الوجوه.

وقول: ( أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال: بعضهم: أو مَمَالِيكُهُنَّ، فإنه لا بأس عليها أن تظهر لهم من زينتها ما تظهره لهؤلاء.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن مخلد التميمي، أنه قال، في قوله: ( أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ) قال: في القراءة الأولى : أيمانكم.

وقال: آخرون: بل معنى ذلك: أو ما ملكت أيمانهنّ من إماء المشركين، كما قد ذكرنا عن ابن جُرَيج قبل من أنه لما قال: ( أَوْ نِسَائِهِنَّ ) عنى بهن النساء المسلمات دون المشركات، ثم قال: أو ما ملكت أيمانهن من الإماء المشركات.

القول في تأويل قوله تعالى : أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يقول تعالى ذكره: والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم، ممن لا أرب له في النساء من الرجال، ولا حاجة به إليهنّ، ولا يريدهنّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ) قال: كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده، وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ) فهذا الرجل يتبع القوم، وهو مغفل في عقله، لا يكترث للنساء، ولا يشتهيهنّ، فالزينة التي تبديها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسواراها، وأما خلخالاها ومعضداها ونحرها وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: ( أَوِ التَّابِعِينَ ) قال: هو التابع يتبعك يصيب من طعامك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ) قال: الذي يريد الطعام، &; 19-162 &; ولا يريد النساء.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ) الذين لا يهمهم إلا بطونهم، ولا يُخافون على النساء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا إسماعيل بن موسى السديّ، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ( غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ ) قال: الأبله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قوله: ( غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ ) قال: هو الأبله، الذي لا يعرف شيئًا من النساء.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ) الذي لا أرب له بالنساء، مثل فلان.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عمن حدثه، عن ابن عباس: ( غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ ) قال: هو الذي لا تستحيي منه النساء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: ( غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ ) قال: من تبع الرجل وحشمه، الذي لم يبلغ أربه أن يطَّلع على عورة النساء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي ( غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ ) قال: الذي لا أرب له في النساء.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، قال: المعتوه.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله: ( أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ) قال: هو الأحمق، الذي لا همة له بالنساء ولا أرب.

وبه عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، في قوله: ( غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ) يقول: الأحمق، الذي ليست له همة في النساء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: &; 19-163 &; قال ابن عباس: الذي لا حاجة له في النساء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: ابن زيد، في قوله: ( أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ) قال: هو الذي يتبع القوم، حتى كأنه كان منهم ونشأ فيهم، وليس يتبعهم لإربة نسائهم، وليس له في نسائهم إربة.

وإنما يتبعهم لإرفاقهم إياه.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري ، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مخنث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " لا أرَى هَذَا يَعْلَمُ ما هَاهُنا، لا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُمْ " فحجبوه.

حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: ( أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ ) قال: هو المخنث الذي لا يقوم زبه.

واختلف القرّاء فى قوله: ( غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ ) فقرأ ذلك بعض أهل الشام، وبعض أهل المدينة والكوفة " غَيْرَ أُولي الإرْبَةِ" بنصب غير ، ولنصب غير، هاهنا وجهان: أحدهما على القطع من التابعين، لأن التابعين معرفة وغير نكرة، والآخر على الاستثناء، وتوجيه غير إلى معنى " إلا "، فكأنه قيل: إلا.

وقرأ غير من ذكرت بخفض " غَيْرِ" على أنها نعت للتابعين، وجاز نعت " التابعين " ب " غير " و " التابعون " معرفة وغير نكرة، لأن " التابعين " معرفة غير مؤقتة.

فتأويل الكلام على هذه القراءة: أو الذين هذه صفتهم.

والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مستفيضة القراءة بهما في الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أن الخفض في " غير " أقوى في العربية، فالقراءة به أعجب إليّ والإربة: الفعلة من الأرب، مثل الجلسة من الجلوس، والمشية من المشي، وهي الحاجة، يقال: لا أرب لي فيك: لا حاجة لي فيك، وكذا أربت لكذا وكذا إذا: احتجت إليه، فأنا آرب له أربا.

فأما الأربة بضم الألف: فالعقدة.

وقوله: ( أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ) يقول تعالى ذكره: أو الطفل الذين لم يكشفوا عن عورات النساء بجماعهنّ فيظهروا عليهن لصغرهم.

&; 19-164 &; وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ) قال: لم يدروا ما ثم، من الصغر قبل الحلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

وقوله: ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) يقول تعالى ذكره: ولا يجعلن في أرجلهنّ من الحليّ ما إذا مشين أو حرّكنهنّ، علم الناس الذين مشين بينهم ما يخفين من ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين (3) من فضة، واتخذت جزعا، فمرّت على قوم، فضربت برجلها، فوقع الخلخال على الجزع، فصوّت، فأنـزل الله ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ).

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) قال: كان في أرجلهم خرز، فكنّ إذا مررن بالمجالس حرّكن أرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهنّ.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ) فهو أن تقرع الخَلْخَال بالآخر عند الرجال، ويكون في رجليها خلاخل، فتحرّكهنّ عند الرجال، فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك؛ لأنه من عمل الشيطان.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) قال: هو الخَلْخَال، لا تضرب امرأة &; 19-165 &; برجلها ليسمع صوت خلخالها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) قال: الأجراس من حليهنّ، يجعلنها في أرجلهنّ في مكان الخلاخل، فنهاهن الله أن يضربن بأرجلهنّ لتسمع تلك الأجراس.

وقوله: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ) يقول تعالى ذكره: وارجعوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من غضّ البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غير بيوتكم، من غير استئذان ولا تسليم، وغير ذلك من أمره ونهيه؛( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) يقول: لتفلحوا وتدركوا طلباتكم لديه، إذا أنتم أطعتموه فيما أمركم ونهاكم.

------------------------ الهوامش: (2) عركت الجارية تعرك (كتنصر) عركًا وعراكًا وعروكًا : حاضت : فهي عارك ، وأعركت فهي معرك .

(3) مثنى برة ، بتخفيف الراء ، وهي كل حلقة من سوار وقرط وخلخال وما أشبهها .

قال: * وقعقعــن الخلاخـل والبرينـا *

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحونقوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلى قوله : من زينتهن فيه ست وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى : وقل للمؤمنات خص الله سبحانه وتعالى الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد ؛ فإن قوله قل للمؤمنين يكفي ؛ لأنه قول عام يتناول الذكر والأنثى من المؤمنين ، حسب كل خطاب عام في القرآن .

وظهر التضعيف في يغضضن ولم يظهر في يغضوا لأن لام الفعل من الثاني ساكنة ومن الأول متحركة ، وهما في موضع جزم جوابا .

وبدأ بالغض قبل الفرج لأن البصر رائد للقلب ؛ كما أن الحمى رائد الموت .

وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال :ألم تر أن العين للقلب رائد فما تألف العينان فالقلب آلف[ ص: 210 ] وفي الخبر ( النظر سهم من سهام إبليس مسموم فمن غض بصره أورثه الله الحلاوة في قلبه ) .

وقال مجاهد : إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر ؛ فإذا أدبرت جلس على عجزها فزينها لمن ينظر .

وعن خالد بن أبي عمران قال : لا تتبعن النظرة النظرة فربما نظر العبد نظرة نغل منها قلبه كما ينغل الأديم فلا ينتفع به .

فأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار عما لا يحل ؛ فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة ولا المرأة إلى الرجل ؛ فإن علاقتها به كعلاقته بها ؛ وقصدها منه كقصده منها .

وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر .

.

.

الحديث .

وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء : لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليهن وإن كانت صغيرة .

وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري .

وفي الصحيحين عنه - عليه السلام - أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته ، وطفق الفضل ينظر إليها .

وقال : عليه السلام - : الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق .

والمذاء هو أن يجمع الرجل بين النساء والرجال ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضا ؛ مأخوذ من المذي .

وقيل : هو إرسال الرجال إلى النساء ؛ من قولهم : مذيت الفرس إذا أرسلتها ترعى .

وكل ذكر يمذي ، وكل أنثى تقذي ؛ فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له ؛ أو لمن هي محرمة عليه على التأبيد ؛ فهو آمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع اليأس له منها .الثانية : روى الترمذي ، عن نبهان مولى أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها ولميمونة وقد دخل [ ص: 211 ] عليها ابن أم مكتوم : احتجبا فقالتا : إنه أعمى ، قال : أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه .

فإن قيل : هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل ؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه .

وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه - عليه السلام - تغليظ على أزواجه لحرمتهن كما غلظ عليهن أمر الحجاب ؛ كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة .

ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك ؛ ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك .

قلنا : قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة كالرأس ومعلق القرط ؛ وأما العورة فلا .

فعلى هذا يكون مخصصا لعموم قوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ، وتكون من للتبعيض كما هي في الآية قبلها .

قال ابن العربي : وإنما أمرها بالانتقال من بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم لأن ذلك أولى بها من بقائها في بيت أم شريك ؛ إذ كانت أم شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها ، فيكثر الرائي لها ، وفي بيت ابن أم مكتوم لا يراها أحد ؛ فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك وأولى ، فرخص لها في ذلك ، والله أعلم .الثالثة : أمر الله سبحانه وتعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين ، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان ، ثم استثنى ما يظهر من الزينة ؛ واختلف الناس في قدر ذلك ؛ فقال ابن مسعود : ظاهر الزينة هو الثياب .

وزاد ابن جبير الوجه .

وقال سعيد بن جبير أيضا ، وعطاء ، والأوزاعي : الوجه والكفان والثياب .

وقال ابن عباس ، وقتادة ، والمسور بن مخرمة : ظاهر الزينة هو الكحل ، والسوار ، والخضاب إلى نصف الذراع ، والقرطة ، والفتخ ؛ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس .

وذكر الطبري ، عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر آخر عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا [ ص: 212 ] يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا وقبض على نصف الذراع .

قال ابن عطية : ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه ، أو إصلاح شأن ونحو ذلك .

ف ( ما ظهر ) على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه .قلت : هذا قول حسن ، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج ، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما .

يدل على ذلك ما رواه أبو داود ، عن عائشة - رضي الله عنها - أن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لها : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه .

فهذا أقوى من جانب الاحتياط ؛ ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها ، والله الموفق لا رب سواه .

وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا : إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك ؛ وإن كانت عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها .الرابعة : الزينة على قسمين : خلقية ومكتسبة ؛ فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة ومعنى الحيوانية ؛ لما فيه من المنافع وطرق العلوم .

وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها ؛ كالثياب ، والحلي ، والكحل ، والخضاب ؛ ومنه قوله تعالى : خذوا زينتكم .

وقال الشاعر :يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن خير عواطلالخامسة : من الزينة ظاهر وباطن ؛ فما ظهر فمباح أبدا لكل الناس من المحارم والأجانب ؛ وقد ذكرنا ما للعلماء فيه .

وأما ما بطن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سماهم الله تعالى في هذه الآية ، أو حل محلهم .

واختلف في السوار ؛ فقالت عائشة : هي من الزينة الظاهرة لأنها في اليدين .

وقال مجاهد : هي من الزينة الباطنة لأنها خارج عن الكفين وإنما تكون في الذراع .

قال ابن العربي : وأما الخضاب فهو من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين .[ ص: 213 ] السادسة : قوله تعالى : وليضربن بخمرهن على جيوبهن قرأ الجمهور بسكون اللام التي هي للأمر .

وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس بكسرها على الأصل ؛ لأن الأصل في لام الأمر الكسر ، وحذفت الكسرة لثقلها ، وإنما تسكينها لتسكين عضد وفخذ .

و ( يضربن ) في موضع جزم بالأمر ، إلا أنه بني على حالة واحدة إتباعا للماضي عند سيبويه .

وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رءوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر .

قال النقاش : كما يصنع النبط ؛ فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك ؛ فأمر الله تعالى بلي الخمار على الجيوب ، وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها .

روى البخاري ، عن عائشة أنها قالت : رحم الله نساء المهاجرات الأول ؛ لما نزل : وليضربن بخمرهن على جيوبهن شققن أزرهن فاختمرن بها .

ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن - رضي الله عنهم - وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك ؛ فشقته عليها وقالت : إنما يضرب بالكثيف الذي يستر .السابعة : الخمر : جمع الخمار ، وهو ما تغطي به رأسها ؛ ومنه اختمرت المرأة وتخمرت ، وهي حسنة الخمرة .

والجيوب : جمع الجيب ، وهو موضع القطع من الدرع والقميص ؛ وهو من الجوب وهو القطع .

ومشهور القراءة ضم الجيم من ( جيوبهن ) .

وقرأ بعض الكوفيين بكسرها بسبب الياء ؛ كقراءتهم ذلك في : بيوت وشيوخ .

والنحويون القدماء لا يجيزون هذه القراءة ويقولون : بيت وبيوت كفلس وفلوس .

وقال الزجاج : يجوز على أن تبدل من الضمة كسرة ؛ فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر فمحال ، لا يقدر أحد أن ينطق به إلا على الإيماء إلى ما لا يجوز .

وقال مقاتل : على جيوبهن أي على صدورهن ؛ يعني على مواضع جيوبهن .الثامنة : في هذه الآية دليل على أن الجيب إنما يكون في الثوب موضع الصدر .

وكذلك كانت الجيوب في ثياب السلف رضوان الله عليهم ؛ على ما يصنعه النساء عندنا بالأندلس وأهل الديار المصرية من الرجال والصبيان وغيرهم .

وقد ترجم البخاري رحمة الله تعالى عليه ( باب جيب القميص من عند الصدر وغيره ) وساق حديث أبي هريرة قال : ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما [ ص: 214 ] وتراقيهما .

.

.

) الحديث ، وقد تقدم بكماله ، وفيه : قال أبو هريرة : فأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بإصبعيه هكذا في جيبه ؛ فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع .

فهذا يبين لك أن جيبه - عليه السلام - كان في صدره ؛ لأنه لو كان في منكبه لم تكن يداه مضطرة إلى ثدييه وتراقيه .

وهذا استدلال حسن .التاسعة : قوله تعالى : إلا لبعولتهن والبعل هو الزوج والسيد في كلام العرب ؛ ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل : إذا ولدت الأمة بعلها يعني سيدها ؛ إشارة إلى كثرة السراري بكثرة الفتوحات ، فيأتي الأولاد من الإماء فتعتق كل أم بولدها وكأنه سيدها الذي من عليها بالعتق ، إذ كان العتق حاصلا لها من سببه ؛ قاله ابن العربي .قلت : ومنه قوله - عليه السلام - في مارية : أعتقها ولدها فنسب العتق إليه .

وهذا من أحسن تأويلات هذا الحديث .

والله أعلم .مسألة : فالزوج والسيد يرى الزينة من المرأة وأكثر من الزينة إذ كل محل من بدنها حلال له لذة ونظرا .

ولهذا المعنى بدأ بالبعولة ؛ لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا ، قال الله تعالى : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين .العاشرة : اختلف الناس في جواز نظر الرجل إلى فرج المرأة ؛ على قولين : أحدهما : يجوز ؛ لأنه إذا جاز له التلذذ به فالنظر أولى .

وقيل : لا يجوز ؛ لقول عائشة - رضي الله عنها - في ذكر حالها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما رأيت ذلك منه ولا رأى ذلك مني والأول أصح ، وهذا محمول على الأدب ؛ قاله ابن العربي .

وقد قال أصبغ من علمائنا : يجوز له أن يلحسه بلسانه .

وقال ابن خويز منداد : أما الزوج والسيد فيجوز له أن ينظر إلى سائر الجسد وظاهر [ ص: 215 ] الفرج دون باطنه .

وكذلك المرأة يجوز أن تنظر إلى عورة زوجها ، والأمة إلى عورة سيدها .قلت : وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : النظر إلى الفرج يورث الطمس أي العمى ، أي في الناظر .

وقيل : إن الولد بينهما يولد أعمى .

والله أعلم .الحادية عشرة : ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم ثنى بذوي المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر .

فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها .

وتختلف مراتب ما يبدى لهم ؛ فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج .

وقد ذكر القاضي إسماعيل ، عن الحسن ، والحسين - رضي الله عنهما - أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين .

وقال ابن عباس : إن رؤيتهما لهن تحل .

قال إسماعيل : أحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي قوله تعالى : لا جناح عليهن في آبائهن .

وقال في سورة النور : ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن الآية .

فذهب ابن عباس إلى هذه الآية ، وذهب الحسن ، والحسين إلى الآية الأخرى .الثانية عشرة : قوله تعالى : أو أبناء بعولتهن يريد ذكور أولاد الأزواج ، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا ، من ذكران كانوا أو إناث ؛ كبني البنين وبني البنات .

وكذلك آباء البعولة والأجداد وإن علوا من جهة الذكران لآباء الآباء وآباء الأمهات ، وكذلك أبناؤهن وإن سفلوا .

وكذلك أبناء البنات وإن سفلن ؛ فيستوي فيه أولاد البنين وأولاد البنات .

وكذلك أخواتهن ، وهم من ولد الآباء والأمهات أو أحد الصنفين .

وكذلك بنو الإخوة وبنو الأخوات وإن سفلوا من ذكران كانوا أو إناث كبني بني الأخوات وبني بنات الأخوات .

وهذا كله في معنى ما حرم من المناكح ، فإن ذلك على المعاني في الولادات وهؤلاء محارم ، وقد تقدم في ( النساء ) .

والجمهور على أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز لهم .

وليس في الآية ذكر الرضاع ، وهو كالنسب على ما تقدم .

وعند الشعبي ، وعكرمة ليس العم والخال من المحارم .

وقال عكرمة : لم يذكرهما في الآية لأنهما تبعان لأبنائهما .الثالثة عشرة : قوله تعالى : أو نسائهن يعني المسلمات ، ويدخل في هذا الإماء [ ص: 216 ] المؤمنات ، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم ؛ فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئا من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها ؛ فذلك قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانهن .

وكان ابن جريج ، وعبادة بن نسي ، وهشام القارئ يكرهون أن تقبل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ؛ ويتأولون أو نسائهن .

وقال عبادة بن نسي : وكتب عمر - رضي الله عنه - إلى أبي عبيدة بن الجراح : أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين ؛ فامنع من ذلك ، وحل دونه ؛ فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة .

قال : فعند ذلك قام أبو عبيدة وابتهل وقال : أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه .

وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية ؛ لئلا تصفها لزوجها .

وفي هذه المسألة خلاف للفقهاء .

فإن كانت الكافرة أمة لمسلمة جاز أن تنظر إلى سيدتها ؛ وأما غيرها فلا ، لانقطاع الولاية بين أهل الإسلام وأهل الكفر ، ولما ذكرناه .

والله أعلم .الرابعة عشرة : قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانهن ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء المسلمات والكتابيات .

وهو قول جماعة من أهل العلم ، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما - .

وقال ابن عباس : لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته .

وقال أشهب : سئل مالك أتلقي المرأة خمارها بين يدي الخصي ؟

فقال نعم ، إذا كان مملوكا لها أو لغيرها ؛ وأما الحر فلا .

وإن كان فحلا كبيرا وغدا تملكه ، لا هيئة له ولا منظر فلينظر إلى شعرها .

قال أشهب قال مالك : ليس بواسع أن تدخل جارية الولد أو الزوجة على الرجل المرحاض ؛ قال الله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم .

وقال أشهب عن مالك : ينظر الغلام الوغد إلى شعر سيدته ، ولا أحبه لغلام الزوج .

وقال سعيد بن المسيب : لا تغرنكم هذه الآية أو ما ملكت أيمانهن إنما عني بها الإماء ولم يعن بها العبيد .

وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته .

وهو قول مجاهد ، وعطاء .

وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها ، قال : وعلى فاطمة ثوب إذا غطت به رأسها لم يبلغ إلى رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ إلى رأسها ؛ فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما تلقى من ذلك قال : إنه لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك .[ ص: 217 ] الخامسة عشرة : قوله تعالى : أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أي غير أولي الحاجة والإربة الحاجة ، يقال : أربت كذا آرب أربا .

والإرب والإربة والمأربة والأرب : الحاجة ؛ والجمع مآرب ؛ أي حوائج .

ومنه قوله تعالى : ولي فيها مآرب أخرى وقد تقدم وقال طرفة :إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا تقدم يوما ثم ضاعت مآربهواختلف الناس في معنى قوله : أو التابعين غير أولي الإربة فقيل : هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء .

وقيل الأبله .

وقيل : الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم ؛ وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن .

وقيل العنين .

وقيل الخصي .

وقيل المخنث .

وقيل الشيخ الكبير ، والصبي الذي لم يدرك .

وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى ، ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء .

وبهذه الصفة كان هيت المخنث عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن المرأة : باديسة بنت غيلان ، أمر بالاحتجاب منه .

أخرج حديثه مسلم ، وأبو داود ، ومالك في الموطأ ، وغيرهم عن هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة .

قال أبو عمر : ذكر عبد الملك بن حبيب ، عن حبيب كاتب مالك ، قال : قلت لمالك : إن سفيان زاد في حديث ابنة غيلان : ( أن مخنثا يقال له هيت ) وليس في كتابك هيت ؟

فقال مالك : صدق ، هو كذلك وغربه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الحمى وهو موضع من ذي الحليفة ذات الشمال من مسجدها .

قال حبيب : وقلت لمالك : وقال سفيان في الحديث : إذا قعدت تبنت ، وإذا تكلمت تغنت .

قال مالك : صدق ، هو كذلك .

قال أبو عمر : ما ذكره حبيب كاتب مالك ، عن سفيان أنه قال في الحديث يعني حديث هشام بن عروة ( أن مخنثا يدعى هيتا ) فغير معروف عند أحد من رواته عن هشام ، لا ابن عيينة ولا غيره ، ولم يقل في نسق الحديث ( إن مخنثا يدعى هيتا ) وإنما ذكره عن ابن جريج بعد تمام الحديث ، وكذلك قوله عن سفيان أنه يقول في [ ص: 218 ] الحديث : إذا قعدت تبنت وإذا تكلمت تغنت ، هذا ما لم يقله سفيان ولا غيره في حديث هشام بن عروة ، وهذا اللفظ لا يوجد إلا من رواية الواقدي ، والعجب أنه يحكيه عن سفيان ، ويحكي عن مالك أنه كذلك ، فصارت رواية عن مالك ، ولم يروه عن مالك غير حبيب ولا ذكره عن سفيان غيره أيضا ، والله أعلم .

وحبيب كاتب مالك متروك الحديث ضعيف عند جميعهم ، لا يكتب حديثه ولا يلتفت إلى ما يجيء به .

ذكر الواقدي ، والكلبي أن هيتا المخنث قال لعبد الله بن أمية المخزومي وهو أخو أم سلمة لأبيها ، وأمه عاتكة عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال له وهو في بيت أخته أم سلمة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع : إن فتح الله عليكم الطائف فعليك ببادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان ، مع ثغر كالأقحوان ، إن جلست تبنت وإن تكلمت تغنت ، بين رجليها كالإناء المكفوء ، وهي كما قال قيس بن الخطيم :تغترق الطرف وهي لاهية كأنما شف وجهها نزفبين شكول النساء خلقتها قصد فلا جبلة ولا قضفتنام عن كبر شأنها فإذا قامت رويدا تكاد تنقصففقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : لقد غلغلت النظر إليها يا عدو الله .

ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى .

قال : فلما افتتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له منه بريهة ؛ في قول الكلبي .

ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما ولي أبو بكر كلم فيه فأبى أن يرده ، فلما ولي عمر كلم فيه فأبى ، ثم كلم فيه عثمان بعد .

وقيل : إنه قد كبر وضعف واحتاج ، فأذن له أن يدخل كل جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه .

قال : وكان هيت مولى لعبد الله بن أبي أمية المخزومي ، وكان له طويس أيضا ، فمن ثم قبل الخنث .

قال أبو عمر : يقال ( بادية ) بالياء و ( بادنة ) بالنون ، والصواب فيه عندهم بالياء ، وهو قول أكثرهم ، وكذلك ذكره الزبيري بالياء .[ ص: 219 ] السادسة عشرة : وصف التابعين ب ( غير ) لأن التابعين غير مقصودين بأعيانهم ، فصار اللفظ كالنكرة .

و غير لا يتمحض نكرة فجاز أن يجري وصفا على المعرفة .

وإن شئت قلت هو بدل .

والقول فيها كالقول في غير المغضوب عليهم .

وقرأ عاصم وابن عامر ( غير ) بالنصب فيكون استثناء ؛ أي يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم .

ويجوز أن يكون حالا ؛ أي والذين يتبعونهن عاجزين عنهن ؛ قاله أبو حاتم .

وذو الحال ما في ( التابعين ) من الذكر .السابعة عشرة : قوله تعالى : أو الطفل اسم جنس بمعنى الجمع ، والدليل على ذلك نعته ب ( الذين ) .

وفي مصحف حفصة ( أو الأطفال ) على الجمع .

ويقال : طفل ما لم يراهق الحلم .

و ( يظهروا ) معناه يطلعوا بالوطء ؛ أي لم يكشفوا عن عوراتهن للجماع لصغرهن .

وقيل : لم يبلغوا أن يطيقوا النساء ؛ يقال : ظهرت على كذا أي علمته ، وظهرت على كذا أي قهرته .

والجمهور على سكون الواو من ( عورات ) لاستثقال الحركة على الواو .

وروي عن ابن عباس فتح الواو ؛ مثل جفنة وجفنات .

وحكى الفراء أنها لغة قيس عورات بفتح الواو .

النحاس : وهذا هو القياس ؛ لأنه ليس بنعت ، كما تقول : جفنة وجفنات ؛ إلا أن التسكين أجود في عورات وأشباهه ، لأن الواو إذا تحركت وتحرك ما قبلها قلبت ألفا ؛ فلو قيل هذا لذهب المعنى .الثامنة عشرة : اختلف العلماء في وجوب ستر ما سوى الوجه والكفين منه على قولين : أحدهما : لا يلزم ؛ لأنه لا تكليف عليه ، وهو الصحيح .

والآخر يلزمه ؛ لأنه قد يشتهي وقد تشتهي أيضا هي فإن راهق فحكمه حكم البالغ وجوب الستر .

ومثله الشيخ الذي سقطت شهوته اختلف فيه أيضا على قولين كما في الصبي ، والصحيح بقاء الحرمة ؛ قاله ابن العربي .التاسعة عشرة : أجمع المسلمون على أن السوءتين عورة من الرجل والمرأة ، وأن المرأة كلها عورة ، إلا وجهها ويديها فإنهم اختلفوا فيهما .

وقال أكثر العلماء في الرجل : من سرته إلى ركبته عورة ؛ لا يجوز أن ترى .

وقد مضى في ( الأعراف ) القول في هذا مستوفى .الموفية عشرين : قال أصحاب الرأي : عورة المرأة مع عبدها من السرة إلى الركبة .

[ ص: 220 ] ابن العربي : وكأنهم ظنوها رجلا أو ظنوه امرأة ، والله تعالى قد حرم المرأة على الإطلاق لنظر أو لذة ، ثم استثنى اللذة للأزواج وملك اليمين ، ثم استثنى الزينة لاثني عشر شخصا العبد منهم ، فما لنا ولذلك !

هذا نظر فاسد واجتهاد عن السداد متباعد .

وقد تأول بعض الناس قوله : أو ما ملكت أيمانهن على الإماء دون العبيد ؛ منهم سعيد بن المسيب ، فكيف يحملون على العبيد ثم يلحقون بالنساء ، هذا بعيد جدا وقد قيل : إن التقدير أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ؛ حكاه المهدوي .الحادية والعشرون : قوله تعالى : ولا يضربن بأرجلهن أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت لتسمع صوت خلخالها ؛ فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشد ، والغرض التستر .

أسند الطبري ، عن المعتمر ، عن أبيه أنه قال : زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة واتخذت جزعا فجعلت في ساقها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت ؛ فنزلت هذه الآية .

وسماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها ؛ قاله الزجاج .الثانية والعشرون : من فعل ذلك منهن فرحا بحليهن فهو مكروه .

ومن فعل ذلك منهن تبرجا وتعرضا للرجال فهو حرام مذموم .

وكذلك من ضرب بنعله من الرجال ، إن فعل ذلك تعجبا حرم فإن العجب كبيرة .

وإن فعل ذلك تبرجا لم يجز .الثالثة والعشرون : قال مكي رحمه الله تعالى : ليس في كتاب الله تعالى آية أكثر ضمائر من هذه ، جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع .قوله تعالى : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وتوبوا أمر .

ولا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة ، وأنها فرض متعين ؛ وقد مضى الكلام فيها في ( النساء ) وغيرها فلا معنى لإعادة ذلك .

والمعنى : وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى ، فلا تتركوا التوبة في كل حال .الثانية : قرأ الجمهور ( أيه ) بفتح الهاء .

وقرأ ابن عامر بضمها ؛ ووجهه أن تجعل الهاء من نفس الكلمة ، فيكون إعراب المنادى فيها .

وضعف أبو علي ذلك جدا وقال : آخر الاسم [ ص: 221 ] هو الياء الثانية من أي ، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم ، ولو جاز ضم الهاء هاهنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في ( اللهم ) لاقترانها بالكلمة في كلام طويل .

والصحيح أنه إذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قراءة فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة ، فإن القرآن هو الحجة .

وأنشد الفراء :يا أيه القلب اللجوج النفس أفق عن البيض الحسان اللعساللعس : لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا ، وذلك يستملح ؛ يقال : شفة لعساء ، وفتية ونسوة لعس .

وبعضهم يقف ( أيه ) .

وبعضهم يقف ( أيها ) بالألف ؛ لأن علة حذفها في الوصل إنما هي سكونها وسكون اللام ، فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على ( محلي ) من قوله تعالى : غير محلي الصيد .

وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في ( يا أيه الساحر ) .

( يا أيه الثقلان ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما أمر المؤمنين بغض الأبصار وحفظ الفروج، أمر المؤمنات بذلك، فقال: { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } عن النظر إلى العورات والرجال، بشهوة ونحو ذلك من النظر الممنوع، { وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } من التمكين من جماعها، أو مسها، أو النظر المحرم إليها.

{ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كالثياب الجميلة والحلي، وجميع البدن كله من الزينة، ولما كانت الثياب الظاهرة، لا بد لها منها، قال: { إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أي: الثياب الظاهرة، التي جرت العادة بلبسها إذا لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها، { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } وهذا لكمال الاستتار، ويدل ذلك على أن الزينة التي يحرم إبداؤها، يدخل فيها جميع البدن، كما ذكرنا.

ثم كرر النهي عن إبداء زينتهن، ليستثني منه قوله: { إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } أي: أزواجهن { أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ } يشمل الأب بنفسه، والجد وإن علا، { أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن } ويدخل فيه الأبناء وأبناء البعولة مهما نزلوا { أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ } أشقاء، أو لأب، أو لأم.

{ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ } أي: يجوز للنساء أن ينظر بعضهن إلى بعض مطلقا، ويحتمل أن الإضافة تقتضي الجنسية، أي: النساء المسلمات، اللاتي من جنسكم، ففيه دليل لمن قال: إن المسلمة لا يجوز أن تنظر إليها الذمية.

{ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } فيجوز للمملوك إذا كان كله للأنثى، أن ينظر لسيدته، ما دامت مالكة له كله، فإن زال الملك أو بعضه، لم يجز النظر.

{ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ } أي: أو الذين يتبعونكم، ويتعلقون بكم، من الرجال الذين لا إربة لهم في هذه الشهوة، كالمعتوه الذي لا يدري ما هنالك، وكالعنين الذي لم يبق له شهوة، لا في فرجه، ولا في قلبه، فإن هذا لا محذور من نظره.

{ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } أي: الأطفال الذين دون التمييز، فإنه يجوز نظرهم للنساء الأجانب، وعلل تعالى ذلك، بأنهم لم يظهروا على عورات النساء، أي: ليس لهم علم بذلك، ولا وجدت فيهم الشهوة بعد ودل هذا، أن المميز تستتر منه المرأة، لأنه يظهر على عورات النساء.

{ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } أي: لا يضربن الأرض بأرجلهن، ليصوت ما عليهن من حلي، كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى الفتنة.

ويؤخذ من هذا ونحوه، قاعدة سد الوسائل، وأن الأمر إذا كان مباحا، ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه، فإنه يمنع منه، فالضرب بالرجل في الأرض، الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة، منع منه.

ولما أمر تعالى بهذه الأوامر الحسنة، ووصى بالوصايا المستحسنة، وكان لا بد من وقوع تقصير من المؤمن بذلك، أمر الله تعالى بالتوبة، فقال: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ } لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة ثم علق على ذلك الفلاح، فقال: { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة، وهي الرجوع مما يكرهه الله، ظاهرا وباطنا، إلى: ما يحبه ظاهرا وباطنا، ودل هذا، أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة، لأن الله خاطب المؤمنين جميعا، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ } أي: لا لمقصد غير وجهه، من سلامة من آفات الدنيا، أو رياء وسمعة، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) عما لا يحل ، ( ويحفظن فروجهن ) عمن لا يحل .

وقيل أيضا : " يحفظن فروجهن " يعني : يسترنها حتى لا يراها أحد .

وروي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه ، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : احتجبا منه ، فقلت : يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه " ؟

قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن ) أي لا يظهرن زينتهن لغير محرم ، وأراد بها الزينة الخفية ، وهما زينتان ؛ خفية ، وظاهرة ، فالخفية : مثل الخلخال ، والخضاب في الرجل ، والسوار في المعصم ، والقرط والقلائد ، فلا يجوز لها إظهارها ، ولا للأجنبي النظر إليها ، والمراد من الزينة موضع الزينة .

قوله تعالى : ( إلا ما ظهر منها ) أراد به الزينة الظاهرة .

واختلف أهل العلم في هذه الزينة الظاهرة التي استثناها الله تعالى : قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي : هو الوجه والكفان .

وقال ابن مسعود : هي الثياب بدليل قوله تعالى : " خذوا زينتكم عند كل مسجد " ( الأعراف - 31 ) ، وأراد بها الثياب .

وقال الحسن : الوجه والثياب .

وقال ابن عباس : الكحل والخاتم والخضاب في الكف .

فما كان من الزينة الظاهرة جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة وشهوة ، فإن خاف شيئا منها غض البصر ، وإنما رخص في هذا القدر أن تبديه المرأة من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة ، وسائر بدنها عورة يلزمها ستره .

قوله - عز وجل - : ( وليضربن بخمرهن ) أي : ليلقين بمقانعهن ، ( على جيوبهن ) وصدورهن ليسترن بذلك شعورهن وصدورهن وأعناقهن وأقراطهن .

قالت عائشة رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله - عز وجل - : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) شققن مروطهن فاختمرن بها .

( ولا يبدين زينتهن ) يعني : الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب ، وهو ما عدا الوجه والكفين ( إلا لبعولتهن ) قال ابن عباس ومقاتل : يعني لا يضعن الجلباب ولا الخمار إلا لبعولتهن ، أي إلا لأزواجهن ، ( أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن ) فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة ، ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة ، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره له النظر إلى فرجها .

قوله تعالى : ( أو نسائهن ) أراد أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة إلا ما بين السرة والركبة كالرجل المحرم ، هذا إذا كانت المرأة مسلمة فإن كانت كافرة فهل يجوز للمسلمة أن تنكشف لها ؟

اختلف أهل العلم فيه ، فقال بعضهم : يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء ، وقال بعضهم : لا يجوز لأن الله تعالى قال : " أو نسائهن " والكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين ، فكانت أبعد من الرجل الأجنبي .

كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات قوله تعالى : ( أو ما ملكت أيمانهن ) اختلفوا فيها ، فقال قوم : عبد المرأة محرم لها ، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفا ، وأن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة ، كالمحارم وهو ظاهر القرآن .

وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة ، وروى ثابت عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها ، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تلقى قال : " إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك " .

وقال قوم : هو كالأجنبي معها ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وقال : المراد من الآية الإماء دون العبيد .

وعن ابن جريج أنه قال : أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أنه لا يحل لامرأة مسلمة أن تتجرد بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون تلك المرأة المشركة أمة لها .

قوله - عز وجل - : ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) قرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر " غير " بنصب الراء على القطع لأن " التابعين " معرفة و " غير " نكرة .

وقيل : بمعنى " إلا " فهو استثناء ، معناه : يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم فإنهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة .

وقرأ الآخرون بالجر على نعت " التابعين " والإربة والأرب : الحاجة .

والمراد ب " التابعين غير أولي الإربة " هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ذلك ، ولا حاجة لهم في النساء ، وهو قول مجاهد وعكرمة والشعبي .

وعن ابن عباس أنه الأحمق العنين .

وقال الحسن هو الذي لا ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن .

وقال سعيد بن جبير : هو المعتوه ، وقال عكرمة : المجبوب .

وقيل : هو المخنث .

وقال مقاتل : الشيخ الهرم والعنين والخصي والمجبوب ونحوه .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري ، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل بن محمد الميداني ، أخبرنا محمد بن يحيى ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان رجل يدخل على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - مخنث وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة ، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال : إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا لا يدخلن عليكن هذا " فحجبوه ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) أراد بالطفل الأطفال ، يكون واحدا وجمعا ، أي : لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع فيطلعوا عليها .

وقيل : لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر ، وهو قول مجاهد .

وقيل : لم يطيقوا أمر النساء .

وقيل : لم يبلغوا حد الشهوة .

( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت خلخالها أو يتبين خلخالها ، فنهيت عن ذلك .

( وتوبوا إلى الله جميعا ) من التقصير الواقع في أمره ونهيه ، وقيل : راجعوا طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة ، ( أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) قرأ ابن عامر : " أيه المؤمنون " و " يا أيه الساحر " و " أيه الثقلان " بضم الهاء فيهن ، ويقف بلا ألف على الخط ، وقرأ الآخرون بفتح الهاءات على الأصل .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا وهب بن جرير ، أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة ، عن أبي بردة أنه سمع الأغر يحدث عن ابن عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يا أيها الناس توبوا إلى ربكم ، فإني أتوب إلى ربي كل يوم مائة مرة " .

أخبرنا أبو الحسن عن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن حزيم الشاشي ، أخبرنا أبو محمد عبد بن حميد الكشي ، حدثني ابن أبي شيبة ، أخبرنا عبد الله بن نمير ، عن مالك بن مغول ، عن محمد بن سوقة ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : إن كنا لنعد ، لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس يقول : " رب اغفر لي ، وتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم " مائة مرة .

وجملة الكلام في بيان العورات : أنه لا يجوز للناظر أن ينظر إلى عورة الرجل ، وعورته ما بين السرة إلى الركبة ، وكذلك المرأة مع المرأة ، ولا بأس بالنظر إلى سائر البدن إذا لم يكن خوف فتنة .

وقال مالك وابن أبي ذئب : الفخذ ليس بعورة لما روي عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال أجرى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فرسا في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - .

وأكثر أهل العلم على أن الفخذ عورة ، لما أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني ، أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن أبي كثير ، عن محمد بن جحش‌‌‌‌‌‌ ، قال : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معمر وفخذاه مكشوفتان ، قال : " يا معمر غط فخذيك ، فإن الفخذين عورة " وروي عن ابن عباس وجرهد بن خويلد ، كان من أصحاب الصفة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الفخذ عورة " قال محمد بن إسماعيل : " وحديث أنس أسند ، وحديث جرهد أحوط " .

أما المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة : فجميع بدنها في حق الأجنبي عورة ، ولا يجوز النظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين ، وإن كانت أمة : فعورتها مثل عورة الرجل ، ما بين السرة إلى الركبة ، وكذلك المحارم بعضهم مع بعض .

والمرأة في النظر إلى الرجل الأجنبي كهو معها .

ويجوز للرجل أن ينظر إلى جميع بدن امرأته وأمته التي تحل له ، وكذلك هي منه إلا نفس الفرج فإنه يكره النظر إليه ، وإذا زوج الرجل أمته حرم عليه النظر إلى عورتها كالأمة الأجنبية ، وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظرن إلى ما دون السرة وفوق الركبة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ» عما لا يحل لهنّ نظره «ويحفظن فروجهنَّ» عما لا يحل لهنَّ فعله بها «ولا يبدين» يُظهرن «زينتهن إلا ما ظهر منها» وهو الوجه والكفان فيجوز نظره لأجني إن لم يخف فتنة في أحد وجهين، والثاني يحرم لأنه مظنة الفتنة، ورجح حسما للباب «وليضرين بخمرهنَّ على جيوبهنَّ» أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع «ولا يبدين زينتهنّ» الخفية، وهي ما عدا الوجه والكفين «إلا لبعولتهن» جمع بعل: أي زوج «أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخواتهن أو بني إخوانهن أو بني أخوانهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن» فيجوز لهم نظره إلا ما بين السرة والركبة فيحرم نظره لغير الأزواج وخرج بنسائهن الكافرات فلا يجوز للمسلمات الكشف لهنَّ وشمل ما ملكت أيمانهنَّ العبيد «أو التابعين» في فضول الطعام «غير» بالجر صفة والنصب استثناء «أولي الإربة» أصحاب الحاجة إلى النساء «من الرجال» بأن لم ينتشر ذكر كل «أو الطفل» بمعنى الأطفال «الذين لم يظهروا» يطلعوا «على عورات النساء» للجماع فيجوز أن يبدين لهم ما عدا ما بين السرة والركبة «ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن» من خلخال يتقعقع «وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون» مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره «لعلكم تفلحون» تنجون من ذلك لقبول التوبة منه وفي الآية تغليب الذكور على الإناث.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن عمَّا لا يحلُّ لهن من العورات، ويحفظن فروجهن عمَّا حَرَّم الله، ولا يُظهرن زينتهن للرجال، بل يجتهدن في إخفائها إلا الثياب الظاهرة التي جرت العادة بلُبْسها، إذا لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها، وليلقين بأغطية رؤوسهن على فتحات صدورهن مغطيات وجوههن؛ ليكمل سترهن، ولا يُظْهِرْنَ الزينة الخفية إلا لأزواجهن؛ إذ يرون منهن ما لا يرى غيرهم.

وبعضها، كالوجه، والعنق، واليدين، والساعدين يباح رؤيته لآبائهن أو آباء أزواجهن أو أبنائهن أو أبناء أزواجهن أو إخوانهن أو أبناء إخوانهن أو أبناء أخواتهن أو نسائهن المسلمات دون الكافرات، أو ما ملكن مِنَ العبيد، أو التابعين من الرجال الذين لا غرض ولا حاجة لهم في النساء، مثل البُلْه الذين يتبعون غيرهم للطعام والشراب فحسب، أو الأطفال الصغار الذين ليس لهم علم بأمور عورات النساء، ولم توجد فيهم الشهوة بعد، ولا يضرب النساء عند سَيْرهن بأرجلهن ليُسْمِعْن صوت ما خفي من زينتهن كالخلخال ونحوه، وارجعوا- أيها المؤمنون- إلى طاعة الله فيما أمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الحميدة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة؛ رجاء أن تفوزوا بخيري الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أرشد - سبحانه - النساء إلى ما أرشد إليه الرجال فقال : ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) .أى : وقل - أيها الرسول الكريم - للمؤمنات - أيضا - بأن الواجب عليهم أن يكففن أبصارهن عن النظر إلى مالا يحل لهن ، وأن يحفظن فروجهن عن كل ما نهى الله - تعالى - عنه ، ولا يظهرن شيئا مما يتزين به ، إلا ما جرت العادة بإظهاره ، كالخاتم فى الإصبع ، والكحل فى العين ..

.

وما يشبه ذلك من الأمور التى لا غنى للمرأة عن إظهارها .ومع أن النساء يدخلن فى خطاب الرجال على سبيل التغليب ، إلا أن الله - تعالى - خصهن بالخطاب هنا بعد الرجال ، لتأكيد الأمر بغض البصر ، وحفظ الفرج ، ولبيان أنه كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة - إلا فى حدود ما شرعه الله - فإنه لا يحل للمرأة كذلك أن تنظر إلى الرجل ، لأن علاقتها به ، ومقصده منها كمقصدها منه ، ونظرة أحدهما للآخر - على سبيل الفتنة وسوء القصد - يؤدى إلى مالا تحمد عقباه .وقوله - تعالى - : ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ ) بيان لكيفية إخفاء بعض مواضع الزينة بعد النهى عن إبدائها .والخُمُر - بضم الخاء والميم - جمع خمار .

وهو ما تغطى به المرأة رأسها وعنقها وصدرها ، والجيوب جمع جيب ، وهو فتحة فى أعلى الثياب يبدو منها بعض صدر المرأة وعنقها .والمراد به هنا : محله وهو أعلى الصدر ، وأصله : من الجَب بمعنى القطع .أى : وعلى النساء المؤمنات أن يسترن رءوسهن وأعناقهن وصدورهن بخمرهن ، حتى لا يطلع أحد من الأجانب على شىء من ذلك .قالوا : وكان النساء فى الجاهلية يسدلن خمرهن من خلف رءوسهن ، فتنكشف نحورهن وأعناقهن وقلائدهن ، فنهى الله - تعالى - المؤمنات عن ذلك .ولقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث ، منها : ما رواه البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول - لما أنزل الله - تعالى - : ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ ) أخذن أزرهن فشققنها فاختمرن بها .وفى رواية أنها قالت : إن لنساء قريش لفضلا ، وإنى - والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل ، لما نزلت هذه الآية .

انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته ، وعلى كل ذى قرابة ، فما منهم امرأة إلا قامت إلى مرطها - وهو كساء من صوف - فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه ، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صلاة الصبح معتجرات كأن رءوسهن الغربان .والمقصود بزينتهن فى قوله - تعالى - : ( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ) الزينة الخفية وهى ما عدا الوجه والكفين ، كشعر الرأس والذراعين والساقين .فقد نهى الله - تعالى - النساء المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة الخفية لكل أحد ، إلا من استثناهم - سبحانه - بعد ذلك ، وهم اثنا عشر نوعا ، بدأهم بالبعول وهم الأزواج لأنهم هم المقصودون بالزينة ، ولأن كل بدن الزوجة حلال لزوجها .أى : وعلى النساء المؤمنات أن يلتزمن الاحتشام فى مظهرهن ، ولا يبدين مواضع زينتهن الخفية إلا " لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أن بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن " فهؤلاء الأصناف السبعة الذين ذكرهم الله - تعالى - بعد الأزواج ، كلهم من المحارم الذين لا يحل للمرأة الزواج بواحد منهم ، وقد جرت العادة باحتياج النساء إلى مخالطتهم ، كما جرت العادة بأن الفتنة مأمونة بالنسبة لهم ، فمن طبيعة النفوس الكريمة أنها تأنف من التطلع إلى المحارم بالنسبة لها .

ويلحق بهؤلاء المحارم الأعمام والأخوال والمحارم من الرضاع .

والأصول وإن علوا ، والفروع وإن سفلوا .وقوله - تعالى - : ( أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة مِنَ الرجال أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء ) بيان لبقية الأفراد الذين يجوز للمرأة أن تبدى زينتها الخفية أمامهم .أى : ويجوز للنساء المؤمنات أن يبدين زينتهن - أيضا - أمام نسائهم المختصات بهن الصحبة والخدمة ، وأمام ما ملكت إيمانهن من الإيماء لا من العبيد البالغين ، وأمام الرجال التابعين لهن طلبا للإحسان والانتفاع ، والذين فى الوقت نفسه قد تقدمت بهم السن ، ولا حاجة لهم فى النساء ، ولا يعرفون شيئا من أمورهن ، ولا تحدثهم أنفسهم بفاحشة ، ولا يصفونهن للأجانب .فقوله - سبحانه - : ( غَيْرِ أُوْلِي الإربة ) أى : غير ذوى الحاجة من الرجال فى النساء يقال : أَرِب الرجل إلى الشىء يأرَبُ أرضبا - من باب تعب إذا احتاج إليه .ويجوز لهن كذلك إظهار زينتهن أمام الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء ، أى : الذين لم يعرفوا ما العورة ، ولم يستطيعوا بعد التمييز بينها وبين غيرها ، ولم يبلغوا السن التى يشتهون فيها النساء .يقال : ظهر على الشىء إذا اطلع عليه وعرفه ، ويقال : فلان ظهر على فلان إذا قوى عليه وغلبه .فهؤلاء اثنا عشر نوعا من الناس ، ليس عليهم ولا على المرأة حرج ، فى أن يروا منها موضع الزينة الخفية ، كالرأس والذراعين ، والساقين ، لا نتفاء الفتنة التى من أجلها كان الستر والغطاء .

فأما الزوج فله رؤية جميع جسدها .ثم نهى - سبحانه - النساء عن ابداء حركات تعلن عن زينتهن المستورة ، بل عليهن أن يلتزمن من خلال خروجهن من بيوتهن الأدب والاحتشام والمشى الذى يصاحب الوقار والاتزان ، فقال - تعالى - : ( وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ) .أى : ولا يصح للنساء المؤمنات أن يضربن بأرجلهن فى الأرض ، ليسمعن غيرهن من الرجال أصوات حليهن الداخلية ، بقصد التطلع إليهن ، والميل نحوهن بالمحادثة أو ما يشبهها .فالمقصود من الجملة الكريمة نهى المرأة المسلمة ، عن استعمال أى حركة أو فعل من شأنه إثارة الشهوة والفتنة كالمشية المتكلفة ، والتعطر الملفت للنظر ، وما إلى ذلك من ألوان التصنع الذى من شأنه تهييج الغرائز الجنسية .ثم ختم - سبحانه - تلك الآية الجامعة لأنواع من الأدب السامى ، بدعوة المؤمنين إلى التوبة الصادقة .

فقال - تعالى - : ( وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) .أى : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون والمؤمنات ، توبة صادقة نصوحا تجعلكم تخشونه - سبحانه - فى السر والعلن ، لكى تنالوا الفلاح والنجاح فى دنياكم وأخراكم .قال القرطبى : " ليس فى القرآن الكريم آية أكثر ضمائر من هذه الآية .

جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات ما بين مرفوع ومجرور .

.

.

" .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى اشتملت عليها هاتان الآيتان ما يأتى :1 - وجوب غض البصر وحفظ الفرج ، لأن الإسلام يهدف إلى مجتمع طاهر من الدنس ، نظيف من الخنا ، مجتمع لا تمنع فيه الشهوات الحلال وإنما تمنع منه الشهوات الحرام ، مجتمع لا تختلس فيه العيون النظرات السيئة ولا تتطلع فيه الأبصار إلى مالا يحل لها التطلع إليه ، فالله - تعالى - يقول : ( إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ويقول : ( يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِي الصدور ) وقد وردت أحاديث متعددة فى الأمر بغض البصر ، وحفظ الفرج ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة ، العينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناهما الكلام ، واليد زناها البطش ، والرجل زناها الخطا ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " .وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن جرير بن عبد الله قال : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة - أى البغتة من غير قصد - فقال : " اصرف بصرك "؟

"2 - أنه لا يحل للمرأة أن تبدى زينتها لأجانب ، إلا ما ظهر منها ، لأن الله - تعالى - يقول : ( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) .قال الإمام القرطبى ما ملخصه : " أمر الله - تعالى - النساء بالا يبدين زينتهن للناظرين ، إلا ما استثناه من الناظرين فى باقى الآية ، حذارا من الافتتان ، ثم استثنى ما يظهر من الزينة ، واختلف الناس فى قدر ذلك .فقال ابن مسعود : طاهر الزينة هو الثياب .

.

.

وقال سعيد بن جبير والأوزاعى : الوجه والكفان والثياب .

.

.

وقال ابن عباس وقتادة : ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب .

.

ونحو هذا ، فمباح أن تبديه لكل من ظهر عليها من الناس .وقال ابن عطية : ويظهر لى بحكم ألفاظ الآية ، بأن المرأة مأمورة بأن لا تبدى ، وأن لا تجتهد فى الإخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء فيما يظهر ، بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه ، أو إصلاح شأن ونحو ذلك ، " فما ظهر " على هذا الوجه مما تؤدى إليه الضرورة فى النساء فهو المعفو عنه .قلت : أى القرطبى - : وهذا قول حسن ، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما ، عادة وعبادة ، صح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما .يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ، " أن أسماء بنت أبى بكر ، دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها وقال : " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا ، وأشار إلى وجهه وكفيه " " .وقال بعض علمائنا : " إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها و كفيها الفتنة فعليها ستر ذلك " .هذا ، وفى هذه المسألة كلام كثير للعلماء فارجع إليه إن شئت .وإلى هنا ترى السورة الكريمة قد نهت عن الزنا ، ووضعت فى طريقه السدود الوقائية والنفسية .

حيث حرمت الاختلاط ، وأمرت بالاستئذان ، وبغض البصر ، وبحفظ الفرج ، وبعدم التبرج ، وبالإكثار من التوبة إلى الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم السابع: حكم النظر: اعلم أنه تعالى قال: ﴿ قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وإنما خصهم بذلك لأن غيرهم لا يلزمه غض البصر عما لا يحل له ويحفظ الفرج عما لا يحل له، لأن هذه الأحكام كالفروع للإسلام والمؤمنون مأمورون بها ابتداء، والكفار مأمورون قبلها بما تصير هذه الأحكام تابعة له، وإن كان حالهم كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها، لكن المؤمن يتمكن من هذه الطاعة من دون مقدمة، والكافر لا يتمكن إلا بتقديم مقدمة من قبله، وذلك لا يمنع من لزوم التكاليف له.

واعلم أنه سبحانه أمر الرجال بغض البصر وحفظ الفرج، وأمر النساء بمثل ما أمر به الرجال وزاد فيهن أن لا يبدين زينتهن إلا لأقوام مخصوصين.

أما قوله تعالى: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الأكثرون (من) هاهنا للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة، ونظيره قوله: ﴿ مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ  ﴾ ﴿ فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين  ﴾ وأباه سيبويه، فإن قيل كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج؟

قلنا دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وكذا الجواري المستعرضات، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه، ومنهم من قال: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم ﴾ أي ينقصوا من نظرهم فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو مغضوض ممنوع عنه، وعلى هذا من ليست بزائدة ولا هي للتبعيض بل هي من صلة الغض يقال غضضت من فلان إذا نقصت من قدره.

المسألة الثانية: اعلم أن العورات على أربعة أقسام عورة الرجل مع الرجل وعورة المرأة مع المرأة وعورة المرأة مع الرجل وعورة الرجل مع المرأة، فأما الرجل مع الرجل فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا عورته وعورته ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة، وعند أبي حنيفة رحمه الله الركبة عورة، وقال مالك الفخذ ليست بعورة، والدليل على أنها عورة ما روي عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به في المسجد وهو كاشف عن فخذه فقال عليه السلام: «غط فخذك فإنها من العورة» وقال لعلي رضي الله عنه: «لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» فإن كان في نظره إلى وجهه أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه، ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل، وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش، لما روى أبو سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد» وتكره المعانقة وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة، وتستحب المصافحة لما روى أنس قال: «قال رجل يا رسول الله الرجل منا يلقي أخاه أو صديقه أينحني له؟

قال لا، قال أيلتزمه ويقبله؟

قال لا، قال أفيأخذ بيده ويصافحه؟

قال نعم» أما عورة المرأة مع المرأة فكعورة الرجل مع الرجل، فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، وعند خوف الفتنة لا يجوز، ولا يجوز المضاجعة.

والمرأة الذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة، قيل يجوز كالمسلمة مع المسلمة، والأصح أنه لا يجوز لأنها أجنبية، في الدين والله تعالى يقول: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ وليست الذمية من نسائنا، أما عورة المرأة مع الرجل فالمرأة إما أن تكون أجنبية أو ذات رحم محرم، أو مستمتعة، فإن كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة، ولا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في البيع والشراء، وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، ونعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين، وقيل ظهر الكف عورة.

واعلم أنا ذكرنا أنه لا يجوز النظر إلى شيء من بدنها، ويجوز النظر إلى وجهها وكفها، وفي كل واحد من القولين استثناء.

أما قوله يجوز النظر إلى وجهها وكفها، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام لأنه إما أن لا يكون فيه غرض ولا فيه فتنة، وإما أن يكون فيه فتنة ولا غرض فيه، وإما أن يكون فيه فتنة وغرض أما القسم الأول: فاعلم أنه لا يجوز أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير غرض وإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره، لقوله تعالى: ﴿ قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم ﴾ وقيل يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله ولا يجوز أن يكرر النظر إليها لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً  ﴾ ولقوله عليه السلام: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» وعن جابر قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري» ولأن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفواً قصد أو لم يقصد أما القسم الثاني: وهو أن يكون فيه غرض ولا فتنة فيه فذاك أمور: أحدها: بأن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيها، روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً».

وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة».

وقال المغيرة بن شعبة خطبت امرأة فقال عليه السلام نظرت إليها، فقلت لا، قال فانظر فإنها أحرى أن يؤدم بينكما فكل ذلك يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفيها للشهوة إذا أراد أن يتزوجها، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ  ﴾ ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن.

وثانيها: إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.

وثالثها: أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة إليه.

ورابعها: ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى غير الوجه لأن المعرفة تحصل به أما القسم الثالث: وهو أن ينظر إليها للشهوة فذاك محظور، قال عليه الصلاة والسلام: «العينان تزنيان».

وعن جابر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري وقيل: مكتوب في التوراة النظرة تزرع في القلب الشهوة، ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً.

أما الكلام الثاني: وهو أنه لا يجوز للأجنبي النظر إلى بدن الأجنبية فقد استثنوا منه صوراً: إحداها: يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إليها للمعالجة، كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون، لأنه موضع ضرورة.

وثانيتها: يجوز أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا، وكذلك ينظر إلى فرجها لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع، وقال أبو سعيد الإصطخري لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، لأن الزنا مندوب إلى ستره، وفي الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء فلا حاجة إلى نظر الرجال للشهادة وثالثتها: لو وقعت في غرق أو حرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها، أما إذا كانت الأجنبية أمة فقال بعضهم عورتها ما بين السرة والركبة، وقال آخرون عورتها ما لا يبين للمهنة فخرج منه أن رأسها ساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف المذكور، ولا يجوز لمسها ولا لها لمسه بحال لا لحجامة ولا اكتحال ولا غيره، لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطره، وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه أما إن كانت المرأة ذات محرم له بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها معه ما بين السرة والركبة كعورة الرجل، وقال آخرون بل عورتها ما لا يبدو عند المهنة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله فأما سائر التفاصيل فستأتي إن شاء الله تعالى في تفسير الآية، أما إذا كانت المرأة مستمتعة كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها حتى إلى فرجها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج وكذا إلى فرج نفسه، لأنه يروي أنه يورث الطمس، وقيل لا يجوز النظر إلى فرجها ولا فرق بين أن تكون الأمة قنة أو مدبرة أو أم ولد أو مرهونة.

فإن كانت مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو متزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة» وأما عورة الرجل مع المرأة (ففيه) نظر إن كان أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وقيل جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه، والأول أصح بخلاف المرأة في حق الرجل، لأن بدن المرأة في ذاته عورة بدليل أنه لا تصح صلاتها مكشوفة البدن وبدن الرجل بخلافه، ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي عن أم سلمة: أنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليها فقال عليه الصلاة والسلام: «احتجبا منه» فقلت يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه» وإن كان محرماً لها فعورته معها ما بين السرة والركبة وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها، ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خال وله ما يستر عورته، لأنه روي أنه عليه الصلاة والسلام سئل عنه فقال: «الله أحق أن يستحيي منه» وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله» والله أعلم.

المسألة الثالثة: سئل الشبلي عن قوله: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم ﴾ فقال أبصار الرؤوس عن المحرمات، وأبصار القلوب عما سوى الله تعالى.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ فالمراد به عما لا يحل، وعن أبي العالية أنه قال: كل ما في القرآن من قوله: ﴿ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ ، ويحفظن فروجهن، من الزنا إلا التي في النور: ﴿ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ ، ﴿ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ أن لا ينظر إليها أحد، وهذا ضعيف لأنه تخصيص من غير دلالة، والذي يقتضيه الظاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما حرم الله عليه من الزنا والمس والنظر، وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فالمس والوطء أيضاً مرادان بالآية، إذ هما أغلظ من النظر، فلو نص الله تعالى على النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء والمس، كما أن قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ  ﴾ اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب والضرب.

أما قوله تعالى: ﴿ ذلك أزكى لَهُمْ ﴾ أي تمسكهم بذلك أزكى لهم وأطهر، لأنه من باب ما يزكون به ويستحقون الثناء والمدح، ويمكن أن يقال إنه تعالى خص في الخطاب المؤمنين لما أراده من تزكيتهم بذلك، ولا يليق ذلك بالكافر.

أما قوله تعالى: ﴿ وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ فالقول فيه على ما تقدم، فإن قيل فلم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج، قلنا لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ فمن الأحكام التي تختص بها النساء في الأغلب، وإنما قلنا في الأغلب لأنه محرم على الرجل أن يبدي زينته حلياً ولباساً إلى غير ذلك للنساء الأجنبيات، لما فيه من الفتنة وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد بزينتهن، واعلم أن الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله تعالى وعلى سائر ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلى وغير ذلك، وأنكر بعضهم وقوع اسم الزينة عل الخلقة، لأنه لا يكاد يقال في الخلقة إنها من زينتها.

وإنما يقال ذلك فيما تكتسبه من كحل وخضاب وغيره، والأقرب أن الخلقة داخلة في الزينة، ويدل عليها وجهان: الأول: أن الكثير من النساء ينفردن بخلقتهن عن سائر ما يعد زينة، فإذا حملناه على الخلقة وفينا العموم حقه، ولا يمنع دخول ما عدا الخلقة فيه أيضاً الثاني: أن قوله: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ ﴾ يدل على أن المراد بالزينة ما يعم الخلقة وغيرها فكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقتهن بأن أوجب سترها بالخمار، وأما الذين قالوا الزينة عبارة عما سوى الخلقة فقد حصروه في أمور ثلاثة: أحدها: الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والغمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها.

وثانيها: الحلى كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط.

وثالثها: الثياب قال الله تعالى: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ  ﴾ وأراد الثياب.

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد من قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ أما الذين حملوا الزينة على الخلقة، فقال القفال معنى الآية إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية، وذلك في النساء الوجه والكفان، وفي الرجل الأطراف من الوجه واليدين والرجلين، فأمروا بستر ما لا تؤدي الضرورة إلى كشفه ورخص لهم في كشف ما اعتيد كشفه وأدت الضرورة إلى إظهاره إذ كانت شرائع الإسلام حنيفية سهلة سمحة، ولما كان ظهور الوجه والكفين كالضروري لا جرم اتفقوا على أنهما ليسا بعورة، أما القدم فليس ظهوره بضروري فلا جرم اختلفوا في أنه هل هو من العورة أم لا؟

فيه وجهان: الأصح أنه عورة كظهر القدم، وفي صوتها وجهان أصحهما أنه ليس بعورة، لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يروين الأخبار للرجال، وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فقالوا إنه سبحانه إنما ذكر الزينة لأنه لا خلاف أنه يحل النظر إليها حالما لم تكن متصلة بأعضاء المرأة، فلما حرم الله سبحانه النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة كان ذلك مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة، وعلى هذا القول يحل النظر إلى زينة وجهها من الوشمة والغمرة وزينة بدنها من الخضاب والخواتيم وكذا الثياب، والسبب في تجويز النظر إليها أن تسترها فيه حرج لأن المرأة لابد لها من مناولة الأشياء بيديها والحاجة إلى كشف وجهها في الشهادة والمحاكمة والنكاح.

المسألة الثالثة: اتفقوا على تخصيص قوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ بالحرائر دون الإماء، والمعنى فيه ظاهر، وهو أن الأمة مال فلابد من الاحتياط في بيعها وشرائها، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على الاستقصاء بخلاف الحرة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ ﴾ فالخمر واحدها خمار، وهي المقانع.

قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يشددن خمرهن من خلفهن، وإن جيوبهن كانت من قدام فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب ليتغطى بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط به من شعر وزينة من الحلى في الأذن والنحر وموضع العقدة منها، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء، والباء للإلصاق، وعن عائشة رضي الله عنها ما رأيت خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرت فأصبحن على رؤوسهن الغربان وقرئ ﴿ جُيُوبِهِنَّ ﴾ بكسر الجيم لأجل الياء وكذلك ﴿ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ .

فأما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ فاعلم أنه سبحانه لما تكلم في مطلق الزينة تكلم بعد ذلك في الزينة الخفية التي نهاهن عن إبدائها للأجانب، وبين أن هذه الزينة الخفية يجب إخفاؤها عن الكل، ثم استثنى اثنتي عشرة صورة أحدها: أزواجهن.

وثانيها: آباؤهن وإن علون من جهة الذكران والإناث كآباء الآباء وآباء الأمهات.

وثالثها: آباء أزواجهن.

ورابعها.

وخامسها: أبناؤهن وأبناء بعولتهن، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران والإناث كبني البنين وبني البنات.

وسادسها: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما.

وسابعها: بنو إخوانهن.

وثامنها: بنو أخواتهن وهؤلاء كلهم محارم، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أفيحل لذوي المحرم في المملوكة والكافرة ما لا يحل له في المؤمنة؟

الجواب: إذا ملك المرأة وهي من محارمه فله أن ينظر منها إلى بطنها وظهرها لا على وجه الشهوة، بل لأمر يرجع إلى مزية الملك على اختلاف بين الناس في ذلك.

السؤال الثاني: كيف القول في العم والخال؟

الجواب: القول الظاهر أنهما كسائر المحارم في جواز النظر وهو قول الحسن البصري، قال لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع وهو كالنسب وقال في سورة الأحزاب ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي ءَابَائِهِنَّ  ﴾ الآية.

ولم يذكر فيها البعولة ولا أبناءهم وقد ذكروا هاهنا، وقد يذكر البعض لينبه على الجملة.

قال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله لئلا يصفهما العم عند ابنه الخال كذلك، ومعناه أن سائر القرابات تشارك الأب والابن في المحرمية إلا العم والخال وأبناءهما، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيقرب تصوره لها بالوصف من نظره إليها، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهم في التستر.

السؤال الثالث: ما السبب في إباحة نظر هؤلاء إلى زينة المرأة؟

الجواب: لأنهم مخصوصون بالحاجة إلى مداخلتهن ومخالطتهن ولقلة توقع الفتنة بجهاتهن، ولما في الطباع من النفرة عن مجالسة الغرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم فى الأسفار وللنزول والركوب.

وتاسعها: قوله تعالى: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ وفيه قولان: أحدهما: المراد والنساء اللاتي هن على دينهن، وهذا قول أكثر السلف.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها لقوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن ﴾ وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات وثانيهما: المراد بنسائهن جميع النساء، وهذا هو المذهب وقول السلف محمول على الاستحباب والأولى.

وعاشرها: قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن ﴾ وظاهر الكلام يشمل العبيد والإماء، واختلفوا فمنهم من أجرى الآية على ظاهرها، وزعم أنه لا بأس عليهن في أن يظهرن لعبيدهن من زينتهن ما يظهرن لذوي محارمهن، وهو مروي عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، واحتجوا بهذه الآية وهو ظاهر.

وبما روى أنس: أنه عليه الصلاة والسلام أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بها، قال: «إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك» وعن مجاهد: كان أمهات المؤمنين لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم.

وعن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر.

وروي أن عائشة رضي الله عنها: كانت تمتشط والعبد ينظر إليها، وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم: إن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، واحتجوا عليه بأمور: أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاث إلا مع ذي محرم» والعبد ليس بذي محرم منها فلا يجوز أن يسافر بها، وإذا لم يجز له السفر بها لم يجز له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبي.

وثانيها: أن ملكها للعبد لا يحلل ما يحرم عليه قبل الملك إذ ملك النساء للرجال ليس كملك الرجال للنساء، فإنهم لم يختلفوا في أنها لا تستبيح بملك العبد منه شيئاً من التمتع كما يملكه الرجل من الأمة.

وثالثها: أن العبد وإن لم يجز له أن يتزوج بمولاته إلا أن ذلك التحريم عارض كمن عنده أربع نسوة فإنه لا يجوز له التزوج بغيرهن فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب.

إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من قوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن ﴾ الإماء فإن قيل الإماء دخلن في قوله: ﴿ نِسَائِهِنَّ ﴾ فأي فائدة في الإعادة؟

قلنا الظاهر أنه عنى بنسائهن وما ملكت أيمانهن من في صحبتهن من الحرائر والإماء، وبيانه أنه سبحانه ذكر أولاً أحوال الرجال بقوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ إلى آخر ما ذكر فجاز أن يظن ظان أن الرجال مخصوصون بذلك إذ كانوا ذوي المحارم أو غير ذات المحارم، ثم عطف على ذلك الإماء بقوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن ﴾ لئلا يظن أن الإباحة مقصورة على الحرائر من النساء إذ كان ظاهر قوله: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ يقتضي الحرائر دون الإماء كقوله: ﴿ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ  ﴾ على الأحرار لإضافتهم إلينا كذلك قوله: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ على الحرائر، ثم عطف عليهن الإماء فأباح لهن مثل ما أباح في الحرائر وحادي عشرها: قوله تعالى: ﴿ أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة مِنَ الرجال ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل هم الذين يتبعونكم لينالوا من فضل طعامكم، ولا حاجة بهم إلى النساء، لأنهم بله لا يعرفون من أمرهن شيئاً، أو شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم، ومعلوم أن الخصى والعنين ومن شاكلهما قد لا يكون له إربة في نفس الجماع ويكون له إربة قوية فيما عداه من التمتع، وذلك يمنع من أن يكون هو المراد.

فيجب أن يحمل المراد على من المعلوم منه إنه لا إربة له في سائر وجوه التمتع، إما لفقد الشهوة، وإما لفقد المعرفة، وإما للفقر والمسكنة، فعلى هذه الوجوه الثلاثة اختلف العلماء.

فقال بعضهم هم الفقراء الذين بهم الفاقة، وقال بعضهم: المعتوه والأبله والصبي، وقال بعضهم: الشيخ، وسائر من لا شهوة له، ولا يمتنع دخول الكل في ذلك، وروى هشام بن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة فقال يا عبد الله إن فتح الله لكم غداً الطائف دللتك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال عليه الصلاة والسلام: لا يدخلن عليكم هذا فأباح النبي عليه الصلاة والسلام دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولى الإربة فحجبه، وفي الخصى والمجبوب ثلاثة أوجه: أحدها: استباحة الزينة الباطنة معهما والثاني: تحريمها عليهما والثالثة: تحريمها على الخصى دون المجبوب.

المسألة الثانية: الإربة الفعلة من الأرب كالمشية والجلسة من المشي والجلوس والأرب الحاجة والولوع بالشيء والشهوة له، والإربة الحاجة في النساء، والإربة العقل ومنه الأريب.

المسألة الثالثة: في ﴿ غَيْرِ ﴾ قراءتان قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر غير بالنصب على الاستثناء أو الحال يعني أو التابعين عاجزين عنهن والقراءة الثانية بالخفض على الوصفية وثاني عشرها: قوله تعالى: ﴿ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الطفل اسم للواحد لكنه وضع هاهنا موضع الجمع لأنه يفيد الجنس، ويبين ما بعده أنه يراد به الجمع ونظيره قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  ﴾ .

المسألة الثانية: الظهور على الشيء على وجهين: الأول: العلم به كقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ  ﴾ أي إن يشعروا بكم والثاني: الغلبة له والصولة عليه كقوله: ﴿ فَأَصْبَحُواْ ظاهرين  ﴾ فعلى الوجه الأول يكون المعنى أو الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا ما هي من الصغر وهو قول ابن قتيبة، وعلى الثاني الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء، وهو قول الفراء والزجاج.

المسألة الثالثة: أن الصغير الذي لم يتنبه لصغره على عورات النساء فلا عورة للنساء معه، وإن تنبه لصغره ولمراهقته لزم أن تستر عنه المرأة ما بين سرتها وركبتها، وفي لزوم ستر ما سواه وجهان: أحدهما: لا يلزم لأن القلم غير جار عليه والثاني: يلزم كالرجل لأنه يشتهي والمرأة قد تشتهيه وهو معنى قوله: ﴿ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء ﴾ واسم الطفل شامل له إلى أن يحتلم، وأما الشيخ إن بقيت له شهوة فهو كالشاب، وإن لم يبق له شهوة ففيه وجهان: أحدهما: أن الزينة الباطنة معه مباحة والعورة معه ما بين السرة والركبة والثاني: أن جميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة، وهاهنا آخر الصور التي استثناها الله تعالى، قال الحسن هؤلاء وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الباطنة فهم على أقسام ثلاثة، فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها، والحرمة الثانية للابن والأب والأخ والجد وأبي الزوج وكل ذي محرم والرضاع كالنسب يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك، والحرمة الثالثة هي للتابعين غير أولي الإربة من الرجال وكذا مملوك المرأة فلا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً والستر في هذا كله أفضل، ولا يحل للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب، فهذا ضبط هؤلاء المراتب.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ فقال ابن عباس وقتادة كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع قعقعة خلخالها، ومعلوم أن الرجل الذي يغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن، وقد علل تعالى ذلك بأن قال: ﴿ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه أن يعلم زينتهن من الحلى وغيره وفي الآية فوائد: الفائدة الأولى: لما نهى عن استماع الصوت الدال على وجود الزينة فلأن يدل على المنع من إظهار الزينة أولى الثانية: أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها، ولذلك كرهوا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت والمرأة منهية عن ذلك الثالثة: تدل الآية على حظر النظر إلى وجهها بشهوة إذا كان ذلك أقرب إلى الفتنة.

أما قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في التوبة وجهان: أحدهما: أن تكاليف الله تعالى في كل باب لا يقدر العبد الضعيف على مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا ينفك من تقصير يقع منه، فلذلك وصى المؤمنين جميعاً بالتوبة والاستغفار وتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة، فإن قيل قد صحت التوبة بالإسلام والإسلام يجب ما قبله فما معنى هذه التوبة؟

قلنا قال بعض العلماء إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكره أن يجدد عنه التوبة، لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه إلى أن يلقى ربه.

المسألة الثانية: قرئ ﴿ أَيُّهَ المؤمنون ﴾ بضم الهاء، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها، والله أعلم.

المسألة الثالثة: تفسير لعل قد تقدم في سورة البقرة في قوله: ﴿ اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

النساء مأمورات أيضاً بغضّ الأبصار، ولا يحلّ للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبته، وإن اشتهت غضّت بصرها رأساً، ولا تنظر من المرأة إلاّ إلى مثل ذلك.

وغضها بصرها من الأجانب أصلاً أولى بها وأحسن.

ومنه حديث ابن أم مكتوم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم- وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب- فدخل علينا فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصر؟

قال: «أفعمياوان أنتما؟

ألستما تبصرانه؟» فإن قلت: لم قدّم غضّ الأبصار على حفظ الفروج؟

قلت: لأنّ النظر بريد الزنى ورائد الفجور، والبلوى فيه أشدّ وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه، الزينة: ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهراً منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط، فلا تبديه إلاّ لهؤلاء المذكورين.

وذكر الزينة دون مواقعها: للمبالغة في الأمر بالتصوّن والتستر، لأنّ هذا الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن، فنهى عن إبداء الزين نفسها.

ليعلم أنّ النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع- بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله- كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكناً في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهداً على أن النساء حقهنّ أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها.

فإن قلت: ما تقول في القراميل، هل يحلّ نظر هؤلاء إليها؟

قلت: نعم.

فإن قلت: أليس موقعها الظهر ولا يحل لهم النظر إلى ظهرها وبطنها، وربما ورد الشعر فوقعت القراميل على ما يحاذي ما تحت السرة؟

قلت: الأمر كما قلت، ولكن أمر القراميل خلاف أمر سائر الحلي، لأنه لا يقع إلاّ فوق اللباس، ويجوز النظر إلى الثوب الواقع على الظهر والبطن للأجانب فضلاً عن هؤلاء.

إلاّ إذا كان يصف لرقته فلا يحل النظر إليه، فلا يحلّ النظر إلى القراميل واقعة عليه.

فإن قلت: ما المراد بموقع الزينة؟

ذلك العضو كله، أم المقدار الذي تلابسه الزينة منه؟

قلت: الصحيح أنه العضو كله كما فسرت مواقع الزينة الخفية، وكذلك مواقع الزينة الظاهرة: الوجه موقع الكحل في عينيه، والخضاب بالوسمة في حاجبيه وشاربيه، والغمرة في خديه، والكف والقدم موقعا الخاتم والفتخة والخضاب بالحناء.

فإن قلت: لم سومح مطلقاً في الزينة الظاهرة؟

قلت: لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لا تجد بدّاً من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهنّ، وهذا معنى قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ يعني إلاّ ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور، وإنما سومح في الزينة الخفية، أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك.

كانت جيوبهنّ واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكنّ يسدلن الخمر من ورائهنّ فتبقى مكشوفة، فأمرن بأن يسدلنها من قدامهنّ حتى يغطينها، ويجوز أن يراد بالجيوب: الصدور تسمية بما يليها ويلابسها.

ومنه قولهم: ناصح الجيب وقولك: ضربت بخمارها على جيبها، كقولك: ضربت بيدي على الحائط، إذا وضعتها عليه، وعن عائشة رضي الله عنها: ما رأيت نساءاً خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها المرحل فصدعت منه صدعة، فاختمرن، فأصبحن كأن على رؤوسهنّ الغربان.

وقرئ: ﴿ جيوبهن ﴾ بكسر الجيم لأجل الياء، وكذلك ﴿ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ قيل في نسائهنّ: هنّ المؤمنات، لأنه ليس للمؤمنة أن تتجرّد بين يدي مشركة أو كتابية.

عن ابن عباس رضي الله عنهما.

والظاهر أنه عنى بنسائهن وما ملكت أيمانهن: من في صحبتهن وخدمتهنّ من الحرائر والإماء والنساء، كلهنّ سواء في حلّ نظر بعضهن إلى بعض.

وقيل: ما ملكت أيمانهنّ هم الذكور والإناث جميعاً.

وعن عائشة رضي الله عنها أنها أباحت النظر إليها لعبدها، وقالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حرّ.

وعن سعيد بن المسيب مثله، ثم رجع وقال: لا تغرنّكم آية النور، فإن المراد بها الإماء.

وهذا هو الصحيح، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها، خصياً كان أو فحلاً.

وعن ميسون بنت بحدل الكَلبية: أن معاوية دخل عليها ومعه خصيّ، فتقنعت منه، فقال: هو خصيّ فقالت: يا معاوية، أترى أن المثلة به تحلل ما حرّم الله؟

وعند أبي حنيفة: لا يحلّ استخدام الخصيان وإمساكهم وبيعهم وشراؤهم، ولم ينقل عن أحد من السلف إمساكهم.

فإن قلت: روي: أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم خصيّ فقبله، قلت: لا يقبل فيما تعمّ به البلوى إلاّ حديث مكشوف، فإن صحّ فلعله قبله ليعتقه، أو لسبب من الأسباب.

﴿ الإربة ﴾ الحاجة قيل: هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم، ولا حاجة لهم في النساء، لأنهم بله لا يعرفون شيئاً من أمرهنّ.

أو شيوخ صلحاء إذا كانوا معهنّ غضّوا أبصارهم، أو بهم عنانة.

وقرئ: ﴿ غَيْرُ ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال، والجرّ على الوصفية.

وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد الجنس، ويبين ما بعده أن المراد به الجمع.

ونحوه ﴿ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ [الحج: 5] ﴿ لَمْ يَظْهَرُواْ ﴾ إما من ظهر على الشيء إذا اطلع عليه، أي: لا يعرفون ما العورة ولا يميزون بينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان إذا قوي عليه، وظهر على القرآن: أخذه وأطاقه، أي: لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء.

وقرئ: ﴿ عورات ﴾ وهي لغة هذيل.

فإن قلت: لم لم يذكر الله الأعمام والأخوال؟

قلت: سئل الشعبي عن ذلك؟

فقال: لئلا يصفها العم عند ابنه، والخال كذلك.

ومعناه: أن سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية إلا العمّ والخال وأبناءهما.

فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم، فيداني تصوّره لها بالوصف نظره إليها؛ وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر.

كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها، فيعلم أنها ذات خلخال.

وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى، ليعلم أنها ذات خلخالين.

وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعد ما نهين عن إظهار الحلي، علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ.

﴿ وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ﴾ أوامر الله ونواهيه في كل باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها.

وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا يخلو من تقصير يقع منه، فلذلك وصّى المؤمنين جميعاً بالتوبة والاستغفار، وبتأميل الفلاح، إذا تابوا واستغفروا.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية؛ لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة فإن قلت: قد صحت التوبة بالإسلام، والإسلام يجبّ ما قبله، فما معنى هذه التوبة؟

قلت: أراد بها ما يقوله العلماء: إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه، يلزمه كلما تذكره أن يجدد عنه التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه.

وقرئ: ﴿ أيه المؤمنون ﴾ ، بضم الهاء، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ﴾ فَلا يَنْظُرْنَ إلى ما لا يَحِلُّ لَهُنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ مِنَ الرِّجالِ.

﴿ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ بِالتَّسَتُّرِ أوِ التَّحَفُّظِ عَنِ الزِّنا، وتَقْدِيمُ الغَضِّ لِأنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنا.

﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ كالحُلِيِّ والثِّيابِ والأصْباغِ فَضْلًا عَنْ مَواضِعِها لِمَن لا يَحِلُّ أنْ تُبْدى لَهُ.

﴿ إلا ما ظَهَرَ مِنها ﴾ عِنْدَ مُزاوَلَةِ الأشْياءِ كالثِّيابِ والخاتَمِ فَإنَّ في سَتْرِها حَرَجًا، وقِيلَ المُرادُ بِالزِّينَةِ مَواضِعُها عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ ما يَعُمُّ المَحاسِنَ الخِلْقِيَّةَ والتَّزْيِينِيَّةَ، والمُسْتَثْنى هو الوَجْهُ والكَفّانِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ والأظْهَرُ أنَّ هَذا في الصَّلاةِ لا في النَّظَرِ فَإنَّ كُلَّ بَدَنِ الحُرَّةِ عَوْرَةٌ لا يَحِلُّ لِغَيْرِ الزَّوْجِ والمَحْرَمِ النَّظَرُ إلى شَيْءٍ مِنها إلّا لِضَرُورَةٍ كالمُعالَجَةِ وَتَحَمُّلِ الشَّهادَةِ.

﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ﴾ سَتْرًا لِأعْناقِهِنَّ.

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِضَمِّ الجِيمِ.

﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ كَرَّرَهُ لِبَيانِ مَن يَحِلُّ لَهُ الإبْداءُ ومَن لا يَحِلُّ لَهُ.

﴿ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالزِّينَةِ ولَهم أنْ يَنْظُرُوا إلى جَمِيعِ بَدَنِهِنَّ حَتّى الفَرْجَ بِكُرْهٍ.

﴿ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ ﴾ لِكَثْرَةِ مُداخَلَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ واحْتِياجِهِنَّ إلى مُداخَلَتِهِمْ وقِلَّةِ تَوَقُّعِ الفِتْنَةِ مِن قِبَلِهِمْ لِما في الطِّباعِ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مُماسَّةِ القَرائِبِ، ولَهم أنْ يَنْظُرُوا مِنهُنَّ ما يَبْدُو عِنْدَ المِهْنَةِ والخِدْمَةِ وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الأعْمامَ والأخْوالَ لِأنَّهم في مَعْنى الإخْوانِ أوْ لِأنَّ الأحْوَطَ أنْ يَتَسَتَّرْنَ عَنْهم حَذَرًا أنْ يَصِفُوهُنَّ لِأبْنائِهِمْ ﴿ أوْ نِسائِهِنَّ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِناتِ فَإنَّ الكافِراتِ لا يَتَحَرَّجْنَ عَنْ وصْفِهِنَّ لِلرِّجالِ أوِ النِّساءِ كُلِّهِنَّ، ولِلْعُلَماءِ في ذَلِكَ خِلافٌ.

﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ يَعُمُّ الإماءَ والعَبِيدَ، لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى فاطِمَةَ بِعَبْدٍ وهَبَهُ لَها وعَلَيْها ثَوْبٌ، إذا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَها لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها وإذا غَطَّتْ رِجْلَيْها لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إنَّما هو أبُوكِ وغُلامُكِ» .

وقِيلَ المُرادُ بِها.

الإماءُ وعَبْدُ المَرْأةِ كالأجْنَبِيِّ مِنها.

﴿ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ﴾ أيْ أُولِي الحاجَةِ إلى النِّساءِ وهُمُ الشُّيُوخُ الهِمُّ والمَمْسُوحُونَ، وفي المَجْبُوبِ والخَصِيِّ خِلافٌ وقِيلَ البُلْهُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ النّاسَ لِفَضْلِ طَعامِهِمْ ولا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن أُمُورِ النِّساءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ﴿ غَيْرِ ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ.

﴿ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ﴾ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِمْ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى الِاطِّلاعِ، أوْ لِعَدَمِ بُلُوغِهِمْ حَدَّ الشَّهْوَةِ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى الغَلَبَةِ والطِّفْلُ جِنْسٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الجَمْعِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الوَصْفِ.

﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ لِيَتَقَعْقَعَ خَلْخالُها فَيُعْلَمَ أنَّها ذاتُ خَلْخالٍ فَإنَّ ذَلِكَ يُورِثُ مَيْلًا في الرِّجالِ، وهو أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إظْهارِ الزِّينَةِ وأدَلُّ عَلى المَنعِ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ.

﴿ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ ﴾ إذْ لا يَكادُ يَخْلُوا أحَدٌ مِنكم مِن تَفْرِيطٍ سِيَّما في الكَفِّ عَنِ الشَّهَواتِ، وقِيلَ تُوبُوا مِمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ، في الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهُ وإنْ جُبَّ بِالإسْلامِ لَكِنَّهُ يَجِبُ النَّدَمُ عَلَيْهِ والعَزْمُ عَلى الكَفِّ عَنْهُ كُلَّما يُتَذَكَّرُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «أيُّهَ المُؤْمِنُونَ» وفي «الزُّخْرُفِ» يا أيُّهَ السّاحِرُ وفي «الرَّحْمَنِ» أيُّهَ الثَّقَلانِ بِضَمِّ الهاءِ في الوَصْلِ في الثَّلاثَةِ والباقُونَ بِفَتْحِها، ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ عَلَيْهِنَّ بِالألِفِ، ووَقَفَ الباقُونَ بِغَيْرِ الألِفِ.

﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} أمر بغض الابصار فال يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبتيه وإن اشتهت غضت بصرها رأساً ولا تنظر إلى المرأة إلا إلى مثل ذلك وغض بصرها من الأجانب أصلاً أولى بها وإنما قدم غض الأبصار على حفظ الفروج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور فبذر الهوى طموح العين {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب والمعنى ولا يظهرن مواضع الزينة إذ إظهار عين الزينة وهى الحلى ونحو مباح فالمراد بها مواضعها أو إظهارها وهي فى مواضعها لاظهار مواضعها لإظهار أعيانها ومواضعها الرأس والأذن والعنق والصدور والعضدان والذراع والساق فهى للاكليل والقرط القلادة والوشاح والدملج والسوار والخلخال {إِلاَّ مَا ظَهَرَ منها} إلا ماجرت العادة والجبلة على ظهوره وهو الوجه والكفان والقدمان ففي سترها حرج بين فإن المرأة لا تجديدا من مزاولة الأشياء بيديها ومن إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها وخاصة الفقيرات منهن {وَلْيَضْرِبْنَ} وليضعن من قولك ضربت بيدي على الحائط إذا وضعتها عليه {بِخُمُرِهِنَّ} جمع خمار {على جُيُوبِهِنَّ} بضم الجيم مدني وبصري وعاصم كانت جيوبهن واسعة تبدو منها صدورهن وما حواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى تغطينها {إلا لبعولتهن} لأزواجهن جمع بعل {أو آبائهن} ويدخل فيهم الأجداد {أو آباء

بعولتهن} فقد صاروا محارم {أَوْ أَبْنَائِهِنَّ} ويدخل فيهم النوافل {أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ} فقد صاروا محارم أيضاً {أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أخواتهن} ويدخل فيهم النوافل

النور (٣٢ - ٣١)

{أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} وسائر المحارم كالأعمام والأخوال وغيرهم دلالة {أَوْ نِسَائِهِنَّ} أي الحرائر لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر {أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن} أي امائهن ولا يحل لعبدها أن ينظر إلى هذه المواضع منها خصياً كان أو عنيناً أو فحلاً وقال سعيد بن المسيب لا تغرنكم سورة النور فإنها فى الاماء دون الذكور وعن عائشة رضى الله عنها أنها أباحت النظر إليها لعبدها {أَوِ التابعين غَيْرِ} بالنصب شامي ويزيد وأبو بكر على الاستثناء أو الحال وغيرهم بالجر على البدل أو على الوصفية {أُوْلِى الإربة} الحاجة إلى النساء قيل هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم إلى النساء لأنهم بله لا يعرفون شيئاً من أمرهن أو شيوخ صلحاء أو العنين أو الخصي أو المخنث وفى الأثر أنه الجبوب والأول الوجه {مِنَ الرجال} حال {أَوِ الطفل الذين} هو جنس فصلح أن يراد به الجمع {لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء} أي لم يطلعوا لعدم الشهوة من ظهر على الشئ إذا اطلع عليه أو لم يبلغوا أو ان القدرة على الوطء من ظهر على فلان إذا قوي عليه {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} كانت المرأة تضرب الأرض برجليها إذا مشت لتسمع قعقعة خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال فنهين عن ذلك إذ سماع صوت الزينة كإظهارها ومنه سمي صوت الحلى وسواما {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون} أَيُّهُ شامي إتباعاً للضمة قبلها بعد حذف الألف لالتقاء الساكنين وغيره على فتح الهاء ولأن بعدها ألفافى التقدير {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

العبد لا يخلو عن سهو وتقصير في أوامره ونواهيه وإن اجتهد فلذا وصى المؤمنين جميعاً بالتوبة وبتأميل الفلاح إذا تابوا وقيل أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة بالتوبة وظاهر الآية يدل على أن العصيان لا ينافى الإيمان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ﴾ فَلا يَنْظُرْنَ إلى ما لا يَحِلُّ لَهُنَّ النَّظَرُ إلَيْهِ كالعَوْراتِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ وهي ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وفي الزَّواجِرِ لِابْنِ حَجَرٍ المَكِّيِّ كَما يُحَرَّمُ نَظَرُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأةِ يُحَرَّمُ نَظَرُها إلَيْهِ ولَوْ بِلا شَهْوَةٍ ولا خَوْفِ فِتْنَةٍ، نَعَمْ إنْ كانَ بَيْنَهُما مَحْرَمِيَّةُ نَسَبٍ أوْ رِضاعٍ أوْ مُصاهَرَةٍ نَظَرُ كُلٍّ إلى ما عَدّا ما بَيْنَ سُرَّةِ الآخَرِ ورُكْبَتِهِ.

والمَذْكُورُ في بَعْضِ كُتُبِ الأصْحابِ إنْ كانَ نَظَرُها إلى ما عَدا السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ بِشَهْوَةٍ حَرَمَ وإنَّ بِدُونِها لا يَحْرِمُ نَعَمْ غَضُّها بَصَرِها مِنَ الأجانِبِ أصْلًا أوْلى بِها وأحْسَنُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.

والنِّسائِيُّ.

والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها كانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ومَيْمُونَةُ قالَتْ: فَبَيْنَما نَحْنُ عِنْدَهُ أقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : احْتَجَبا مِنهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هو أعْمى لا يُبْصِرُ قالَ: أفَعَمْياوانِ أنْتُما ألَسْتُما تُبْصِرانِهِ؟»، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِحُرْمَةِ نَظَرِ المَرْأةِ إلى شَيْءٍ مِنَ الرَّجُلِ الأجْنَبِيِّ مُطْلَقًا، ولا يَبْعُدُ القَوْلُ بِحُرْمَةِ نَظَرِ المَرْأةِ المَرْأةِ إلى ما عَدا ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ إذا كانَ بِشَهْوَةٍ ولا تَسْتَبْعِدُ وُقُوعَ هَذا النَّظَرِ فَإنَّهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلْنَ السِّحاقَ مِنَ النِّساءِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى ﴿ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ أيْ عَمًّا لا يَحِلُّ لَهُنَّ مِنَ الزِّنا والسِّحاقِ أوْ مِنَ الإبْداءِ أوْ مِمّا يَعُمُّ ذَلِكَ والإبْداءُ ﴿ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ أيْ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ الحُلِيِّ ونَحْوِهِ ﴿ إلا ما ظَهَرَ مِنها ﴾ أيْ إلّا ما جَرَتِ العادَةُ والجَبَلَةُ عَلى ظُهُورِهِ والأصْلُ فِيهِ الظُّهُورُ كالخاتَمِ والفَتْخَةِ والكُحْلِ والخِضابِ فَلا مُؤاخَذَةَ في إبْدائِهِ لِلْأجانِبِ وإنَّما المُؤاخَذَةُ في إبْداءِ ما خُفِيَ مِنَ الزِّينَةِ كالسُّوارِ والخَلْخالِ والدُّمْلُجِ والقِلادَةِ والإكْلِيلِ والوِشاحِ والقُرْطِ.

وذِكْرُ الزِّينَةِ دُونَ مَواقِعِها لِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ بِالتَّسَتُّرِ لِأنَّ هَذِهِ الزَّيْنُ واقِعَةٌ عَلى مَواضِعَ مِنَ الجَسَدِ لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْها إلّا لِمَنِ اسْتُثْنِيَ في الآيَةِ بَعْدُ وهي الذِّراعُ والسّاقُ والعَضُدُ والعُنُقُ والرَّأْسُ والصَّدْرُ والأُذُنُ فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِّيَنِ نَفْسِها لِيَعْلَمَ أنَّ النَّظَرَ إذا لَمْ يَحِلَّ إلَيْها لِمُلابَسَتِها تِلْكَ المَواقِعِ بِدَلِيلِ أنَّ النَّظَرَ إلَيْها غَيْرُ مُلابَسَةٍ لَها كالنَّظَرِ إلى سَوارِ امْرَأةٍ يُباعُ في السُّوقِ لا مَقالَ في حَلِّهِ كانَ النَّظَرُ إلى المَواقِعِ أنْفُسِها مُتَمَكِّنًا في الخَطَرِ ثابِتُ القَدَمِ في الحُرْمَةِ شاهِدًا عَلى أنَّ النِّساءَ حَقُّهُنَّ أنْ يَحْتَطْنَ في سَتْرِها ويَتَّقِينَ اللَّهُ تَعالى في الكَشْفِ عَنْها كَذا في الكَشّافِ، وهو عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ مَشْعَرٌ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ الكِنايَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ طاهِرُ الجَيْبِ طاهِرُ الذَّيْلِ.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: هو مِن بابِ إطْلاقِ اسْمٍ الحالّ عَلى المَحَلِّ فالمُرادُ بِالزِّينَةِ مَواقِعُها فَيَكُونُ حُرْمَةَ النَّظَرِ إلى المَواقِعِ بِعِبارَةِ النَّصِّ بِدَلالَتِهِ وهي أقْوى، وفِيهِ بَحْثٌ.

وقِيلَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ لا يُبْدِينَ مَواقِعَ زِينَتِهِنَّ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الزِّينَةُ عَلى حَقِيقَتِها وما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ ﴾ الآيَةُ يُحَقِّقُ أنَّ إبْداءَ الزِّينَةِ مَقْصُودٌ بِالنَّهْيِ، وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الزِّينَةِ مَوْقِعُها لَلَزِمَ أنْ يَحِلَّ لِلْأجانِبِ النَّظَرَ إلى ما ظَهَرَ مِن مَواقِعِ الزِّيَنِ الظّاهِرَةِ وهَذا باطِلٌ لِأنَّ كُلَّ بَدَنِ الحُرَّةِ عَوْرَةٌ لا يَحِلُّ لِغَيْرِ الزَّوْجِ والمِحْرِمِ النَّظَرَ إلى شَيْءٍ مِنها إلّا لِضَرُورَةٍ كالمُعالَجَةِ وتَحَمُّلِ الشَّهادَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ابْنَ المُنِيرِ مالِكِيٌّ وما ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِهِ وما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَبْنِيٌّ عَلى المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ مِن أنَّ مَواقِعَ الزِّيَنِ الظّاهِرَةِ مِنَ الوَجْهِ والكَفَّيْنِ والقَدَمَيْنِ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ مُطْلَقًا فَلا يُحَرَّمُ النَّظَرُ إلَيْها، وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدُويَهٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ  وعَلَيْها ثِيابٌ رُقاقٌ فَأعْرَضَ عَنْها، وقالَ يا أسْماءُ إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يُصْلِحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفِّهِ  ،» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا ما ظَهَرَ مِنها ﴾ رُقْعَةُ الوَجْهِ وباطِنُ الكَفِّ، وأخْرَجا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: الوَجْهُ والكَفّانِ ولَعَلَّ القَدَمَيْنِ عِنْدَهُما كالكَفَّيْنِ إلّا أنَّهُما لَمْ يَذْكُراهُما اكْتِفاءً بِالعِلْمِ بِالمُقايَسَةِ فَإنَّ الحَرَجَ في سَتْرِهِما أشَدُّ مِنَ الحَرَجِ في سَتْرِ الكَفَّيْنِ لا سِيَّما بِالنِّسْبَةِ إلى أكْثَرِ نِساءِ العَرَبِ الفَقِيراتِ اللّاتِي يَمْشِينَ لِقَضاءِ مَصالِحِهِنَّ في الطُّرُقاتِ.

ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَما في الزَّواجِرِ أنَّ الوَجْهَ والكَفَّيْنِ ظَهْرُهُما وبَطْنُهُما إلى الكُوعَيْنِ عَوْرَةٌ في النَّظَرِ مِنَ المَرْأةِ ولَوْ أُمُّهُ عَلى الأصَحِّ وإنْ كانا لَيْسا عَوْرَةً مِنَ الحُرَّةِ في الصَّلاةِ، وفي المِنهاجِ وشَرْحِهِ لِابْنِ حَجَرٍ في بابِ شُرُوطِ الصَّلاةِ عَوْرَةُ الأمَةِ ولَوْ مُبَعَّضَةً ومُكاتَبَةً وأُمُّ ولَدٍ كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ في الأصَحِّ وعَوْرَةُ الحُرَّةِ ولَوْ غَيْرِ مُمَيَّزَةٍ والخُنْثى الحُرُّ ما سِوى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ وإنَّما حَرَّمَ نَظَرَهُما كالزّائِدِ عَلى عَوْرَةِ الأمَةِ لِأنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الفِتْنَةِ، ويَجِبُ في الخَلْوَةِ سَتْرُ سَوْأةَ الأمَةِ كالرَّجُلِ وما بَيْنَ سُرَّةِ ورُكْبَةِ الحُرَّةِ فَقَطْ إلّا لِأدْنى غَرَضٍ كَتَبْرِيدٍ وخَشْيَةِ غُبارٍ عَلى ثَوْبٍ تَجَمَّلَ انْتَهى.

وذُكِرَ في الزَّواجِرِ حُرْمَةُ نَظَرِ سائِرِ ما انْفَصَلَ مِنَ المَرْأةِ لِأنَّ رُؤْيَةَ البَعْضِ رُبَّما جَرَّ إلى رُؤْيَةِ الكُلِّ فَكانَ اللّائِقُ حُرْمَةَ نَظَرِهِ أيْضًا بَلْ قالَ: حَرَّمَ أئِمَّتُنا النَّظَرَ لِقُلامَةِ ظُفْرِ المَرْأةِ المُنْفَصِلَةِ ولَوْ مِن يَدِها، وذَهَبَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ إلى حَلّ النَّظَرِ إلى الوَجْهِ والكَفِّ إنْ أمِنَتِ الفِتْنَةَ ولَيْسَ يُعَوِّلُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، وفَسَّرَ بَعْضُ أجِلَّتِهِمْ ما ظَهَرَ بِالوَجْهِ والكَفَّيْنِ بَعْدَ أنْ ساقَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ عَوْرَةَ الحُرَّةِ ما سِواهُما، وعَلَّلَ حُرْمَةَ نَظَرِهِما بِمَظِنَّةِ الفِتْنَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما يُحَرِّمُ نَظَرَهُ عَوْرَةٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إباحَةَ إبْداءِ الوَجْهِ والكَفَّيْنِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ عِنْدَهم مَعَ القَوْلِ بِحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِما مُطْلَقًا في غايَةِ البُعْدِ فَتَأمَّلْ.

واعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ إبْداءِ مَواقِعِ الزِّينَةِ، وقِيلَ: بِعُمُومِها الوَجْهُ والكَفَّيْنِ والتَزَمَ القَوْلُ بِكَوْنِهِما عَوْرَةً وحُرْمَةً إبْدائِهِما لِغَيْرِ مَنِ اسْتَثْنى بَعْدُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا ما ظَهَرَ مِنها ﴾ مِنَ الحُكْمِ الثّابِتِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ وهو المُؤاخَذَةُ في دارِ الجَزاءِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّ ما ظَهَرَ مِنها مِن غَيْرِ إظْهارٍ كَأنَّ كَشَفَتْهُ الرِّيحُ مَثَلًا فَهُنَّ غَيْرُ مُؤاخِذاتٍ بِهِ في دارِ الجَزاءِ، وفي حُكْمِ ذَلِكَ ما لَزِمَ إظْهارُهُ لِنَحْوِ تَحَمُّلِ شَهادَةٍ ومُعالَجَةِ طَبِيبٍ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وجَمْعٌ آخَرُونَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ ما ظَهَرَ الثِّيابُ والجِلْبابُ، وفي رِوايَةٍ الِاقْتِصارُ عَلى الثِّيابِ وعَلَيْها اقْتَصَرَ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ.

وقَدْ جاءَ إطْلاقُ الزِّينَةِ عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ  ﴾ عَلى ما في البَحْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ما ظَهَرَ الكُحْلُ والخاتَمُ والقُرْطُ والقِلادَةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ الكَفُّ وثُغْرَةُ النَّحْرِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ الخاتَمُ والسُّوارُ.

ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ بَعْضَ الأخْبارِ ظاهِرٌ في حَمْلِ الزِّينَةِ عَلى المَعْنى المُتَبادِرِ مِنها وبَعْضُها ظاهِرٌ في حَمْلِها عَلى مَواقِعِها، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الزِّينَةُ تَقَعُ عَلى مَحاسِنِ الخَلْقِ الَّتِي فَعَلَها اللَّهُ تَعالى وعَلى ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِن فَضْلِ لِباسٍ، والمُرادُ في الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ إبْداءِ ذَلِكَ لِمَن لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ واسْتَثْنى ما لا يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ كالوَجْهِ والأطْرَفِ، وأنْكَرَ بَعْضُهم إطْلاقَ الزِّينَةِ عَلى الخِلْقَةِ، قالَ في البَحْرِ: والأقْرَبُ دُخُولُها فِي الزِّينَةِ وأيُّ زِينَةٍ أحْسَنُ مِنَ الخِلْقَةِ المُعْتَدِلَةِ ﴿ ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ﴾ إرْشادٌ إلى كَيْفِيَّةِ إخْفاءِ بَعْضِ مَواقِعِ الزِّينَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إبْدائِها، والخَمْرُ جَمْعُ خِمارٍ ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أخْمِرَةٍ وكِلا الجَمْعَيْنِ مَقِيسٌ وهو المُقْنِعَةُ الَّتِي تُلْقِيها المَرْأةُ عَلى رَأْسِها مِنَ الخُمُرِ وهو السِّتْرُ، والجُيُوبُ جَمْعُ جَيْبٍ وهو فَتْحٌ في أعْلى القَمِيصِ يَبْدُو مِنهُ بَعْضُ الجَسَدِ، وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ مِنَ الجَيْبِ بِمَعْنى القَطْعِ وفي الصِّحاحِ تَقُولُ: جُبْتُ القَمِيصَ أجُوبُهُ وأُجِيبُهُ إذا قَوَّرْتَ جَيْبَهَ، قالَ الرّاجِزُ: باتَتْ تُجِيبُ أدْعَجَ الظَّلامِ جَيْبَ البَيْطَرِ مُدَرَّعُ الهُمامِ وإطْلاقُهُ عَلى ما ذَكَرَ هو المَعْرُوفُ لُغَةً، وأمّا إطْلاقُهُ عَلى ما يَكُونُ في الجَنْبِ لِوَضْعِ الدَّراهِمِ ونَحْوِها كَما هو الشّائِعُ بَيْنَنا اليَوْمَ فَلَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ كَما ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأٍ بِحَسْبِ المَعْنى، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أمَرَهُنَّ بِسَتْرِ نُحُورهنَّ وصُدُورِهِنَّ بِخُمُرِهِنَّ لِئَلّا يُرى مِنها شَيْءٌ وكانَ النِّساءُ يُغَطِّينَ رُؤُوسَهُنَّ بِالخَمْرِ ويُسْدِلْنَها كَعادَةِ الجاهِلِيَّةِ مِن وراءِ الظَّهْرِ فَيَبْدُو نُحُورُهُنَّ وبَعْضُ صُدُورِهِنَّ، وصَحَّ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سارَعَ نِساءُ المُهاجِرِينَ إلى امْتِثالِ ما فِيها فَشَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فاخْتَمَرْنَ بِها تَصْدِيقًا وإيمانًا بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابِهِ، وعَدِيٌّ يَضْرِبُ بِعَلى عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الوَضْعِ والإلْقاءِ، وقِيلَ: مَعْنى الشَّدِّ، وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّهُ يَتَعَدّى بِعَلى بِدُونِ تَضْمِينٍ، وقَرَأ عَبّاسٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ولْيَضْرِبْنَ» بِكَسْرِ اللّامِ وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ «جُيُوبُهِنَّ» بِكَسْرِ الجِيمِ والضَّمِّ هو الأصْلُ لِأنَّ فِعْلًا بِجَمْعٍ عَلى فِعُولٍ في الصَّحِيحِ والمُعْتَلِّ كَفُلُوسٍ وبُيُوتٍ والكَسْرِ لِمُناسَبَةِ الياءِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ.

﴿ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ كَرَّرَ النَّهْيَ لِاسْتِثْناءِ بَعْضَ مَوادِّ الرُّخْصَةِ عَنْهُ بِاعْتِبارِ النّاظِرِ بَعْدَ ما اسْتَثْنى عَنْهُ بَعْضَ مَوادِّ الضَّرُورَةِ بِاعْتِبارِ المَنظُورِ ﴿ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ أيْ أزْواجِهِنَّ فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالزِّينَةِ والمَأْمُوراتُ نِساؤُهم بِها لَهم حَتّى أنَّ لَهم ضَرْبَهُنَّ عَلى تَرْكِها ولَهُمُ النَّظَرُ إلى جَمِيعِ بَدَنِهِنَّ حَتّى المَحَلِّ المَعْهُودِ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.

وكَرِهَ النَّظَرَ إلى ذَلِكَ أكْثَرُ الشّافِعِيَّةِ وحَرَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خِلافُ الأُولى وهو عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ وتَفْصِيلُهُ في الهِدايَةِ وفِيما ذَكَرْنا إشارَةً إلى وجْهِ تَقْدِيمِ بُعُولَتِهِنَّ.

﴿ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ ﴾ لِكَثْرَةِ المُخالَطَةِ الضَّرُورِيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ وقِلَّةِ تَوَقُّعِ الفِتْنَةِ مِن قَبْلِهِمْ ولَهم أنْ يَنْظُرُوا مِنهُنَّ ما يَبْدُو عِنْدَ المِهْنَةِ والخِدْمَةِ وهَذا الحُكْمُ لَيْسَ خاصًّا بِالآباءِ الأقْرَبِينَ بَلْ آباءِ الآباءِ وإنَّ عَلَوْا كَذَلِكَ ومِثْلُهم آباءُ الأُمَّهاتِ وكَذا لَيْسَ خاصًّا بِالأبْناءِ والبَنِينِ الصُّلْبِيِّينَ بَلْ يَعُمُّهم وأبْناءَ الأبْناءِ وبَنِي البَنِينَ وإنْ سَفَلُوا، والمُرادُ بِالإخْوانِ ما يَشْمَلُ الأعْيانَ وهُمُ الإخْوَةُ لِأبٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ وبَنِي العِلّاتِ وهم أوْلادُ الرَّجُلِ مِن نِسْوَةٍ شَتّى والأخْيافُ وهم أوْلادُ المَرْأةِ مِن آباءٍ شَتّى ونَظِيرُ ذَلِكَ يُقالُ في الأخَواتِ، واسْتَعْمَلَ ( بَنِي ) مَعَهم دُونَ أبْناءٍ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالعُمُومِ وأكْثَرُ اسْتِعْمالًا في الجَماعَةِ يَنْتَمُونَ إلى شَخْصٍ مَعَ عَدَمِ اتِّحادِ صَنْفِ قَرابَتِهِمْ فِيما بَيْنَهم ألا تَرى أنَّكَ كَثِيرًا ما تَسْمَعُ بَنِي آدَمَ وبَنِي تَمِيمٍ وقَلَّما تَسْمَعُ أبْناءَ آدَمَ وأبْناءَ تَمِيمٍ وفِيما نَحْنُ فِيهِ قَدْ يَجْتَمِعُ لِلْمَرْأةِ ابْنُ أخٍ شَقِيقٍ وابْنُ أخٍ لِأبٍ وابْنُ أخٍ لِأُمٍّ بَلْ قَدْ يَجْتَمِعُ لَها أبْناءُ أخٍ شَقِيقٍ أوْ إخْوَةٌ أشِقّاءٌ أعْيانٌ وبَنُو عِلّاتٍ وأبْناءُ أخٍ أوْ إخْوَةٍ لِأبٍ وأبْناءُ أخٍ أوْ إخْوَةٌ لِأُمٍّ كَذَلِكَ ويَتَأتّى مِثْلُ ذَلِكَ في ابْنِ الأُخْتِ لَكِنْ لا يُتَصَوَّرُ هُنا بَنُو العِلّاتِ كَما لا يُتَصَوَّرُ في أبْناءِ الأخِ الأخْيافُ والِاجْتِماعُ في أبْنائِهِنَّ وأبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ وإنِ اتَّفَقَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ.

وقِيلَ اخْتِيرَ في الأخِيرَيْنِ ( بَنِي ) لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِأبْناءٍ تَلاقَتْ هَمْزَتانِ إحْداهُما هَمْزَةُ أبْناءٍ والثّانِيَةُ هَمْزَةُ إخْوانٍ أوْ أخَواتٍ وهو عَلى ما فِيهِ لا يَحْسِمُ مادَّةَ السُّؤالِ إذْ لِلسّائِلِ أنْ يَقُولَ بَعْدُ: لِمَ اخْتَبَرَ في الأوَّلَيْنِ ( أبْناءِ ) دُونَ ( بَنِي ) ويَحْتاجُ إلى نَحْوِ أنْ يُقالَ اخْتِيرَ ذَلِكَ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِآباءٍ، وقِيلَ اخْتِيرَ ( أبْناءِ ) في الأوَّلِينَ لِهَذا، واخْتِيرَ بَنِي في ﴿ بَنِي أخَواتِهِنَّ ﴾ لِيَكُونَ المُضافُ والمُضافُ إلَيْهِ مِن نَوْعٍ واحِدٍ، وفي بَنِي أخَوانِهِنَّ لِلْمُشاكَلَةِ وفِيهِ ما فِيهِ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ الأعْمامَ والأخْوالَ مَعَ أنَّهم كَما قالَ الحَسَنُ.

وابْنُ جُبَيْرٍ كَسائِرِ المَحارِمِ في جَوازِ إبْداءِ الزِّينَةِ لَهم قِيلَ لِأنَّهم في مَعْنى الإخْوانِ مِن حَيْثُ كَوْنِ الجَدِّ سَواءً كانَ أبَ الأبِ أوْ أبَ الأُمِّ في مَعْنى الأبِ فَيَكُونُ ابْنُهُ في مَعْنى الأخِ، وقِيلَ لَمْ يَذْكُرْهم سُبْحانَهُ لِما أنَّ الأحْوَطَ أنْ يَسْتَتِرْنَ عَنْهم حَذَرًا مِن أنْ يَصِفُوهُنَّ لِأبْنائِهِمْ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى نَظَرِ الأبْناءِ إلَيْهِنَّ.

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ التَّسَتُّرِ مِنَ الأجانِبِ ما فِيهِ.

وضَعَّفَ بِأنَّهُ يَجْرِي في آباءِ البُعُولَةِ إذْ لَوْ رَأوْا زِينَتَهُنَّ لَرُبَّما وصَفُّوهُنَّ لِأبْنائِهِمْ وهم لَيْسُوا مَحارِمَ فَيُؤَدِّي إلى نَظَرِهِمْ إلَيْهِنَّ لا سِيَّما إذا كُنَّ خَلِيّاتٍ، وقِيلَ لَمْ يَذْكُرُوا اكْتِفاءً بِذِكْرِ الآباءِ فَإنَّهم عِنْدَ النّاسِ بِمَنزِلَتِهِمْ لا سِيَّما الأعْمامِ وكَثِيرًا ما يُطْلَقُ الأبُ عَلى العَمِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ  ﴾ ثُمَّ إنَّ المَحْرَمِيَّةَ المُبِيحَةَ لِلْإبْداءِ كَما تَكُونُ مِن جِهَةِ النَّسَبِ تَكُونُ مِن جِهَةِ الرِّضاعِ فَيَجُوزُ أنْ يُبْدِينَ ﴿ زِينَتَهُنَّ ﴾ لِآبائِهِنَّ وأبْنائِهِنَّ مَثَلًا مِنَ الرِّضاعِ ﴿ أوْ نِسائِهِنَّ ﴾ المُخْتَصّاتِ بِهِنَّ بِالصُّحْبَةِ والخِدْمَةِ مِن حَرائِرِ المُؤْمِناتِ فَإنَّ الكَوافِرَ لا يَتَحَرَّجْنَ أنْ يَصِفْنَهُنَّ لِلرِّجالِ فَهُنَّ في إبْداءِ الزِّينَةِ لَهُنَّ كالرِّجالِ الأجانِبِ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الدُّمْيَةِ وغَيْرِها وإلى هَذا ذَهَبَ أكْثَرُ السَّلَفِ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كَتَبَ إلى أبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمّا بَعْدُ فَإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ نِساءً مِن نِساءِ المُسْلِمِينَ يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ مَعَ نِساءِ أهْلِ الشِّرْكِ فَإنَّهُ مِن قَبْلِكَ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها إلّا مَن كانَتْ مَن أهْلِ مَلَّتِها.

وفي رَوْضَةِ النَّوَوِيِّ في نَظَرِ الذِّمِّيَّةِ إلى المُسْلِمَةِ وجْهانِ أصَحُّهُما عِنْدَ الغَزالِيِّ أنَّها كالمُسْلِمَةِ وأصَحُّهُما عِنْدَ البَغْوَيِّ المَنعُ، وفي المِنهاجِ لَهُ الأصَحُّ تَحْرِيمُ نَظَرِ ذِمِّيَّةٍ إلى مُسْلِمَةٍ، ومُقْتَضاهُ أنَّها مَعَها كالأجْنَبِيِّ واعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: الأصَحُّ تَحْرِيمُ نَظَرِها إلى ما لا يَبْدُو في المِهْنَةِ مِن مُسَلِّمَةٍ غَيْرِ سَيِّدَتِها ومِحْرِمِها ودُخُولِ الذِّمِّيّاتِ عَلى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ الوارِدِ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ دَلِيلٌ لِحَلِّ نَظَرِها مِنها ما يَبْدُو في المِهْنَةِ.

وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: المَذْهَبُ أنَّها كالمُسْلِمَةِ، والمُرادُ بِنِسائِهِنَّ جَمِيعُ النِّساءِ.

وقَوْلُ السَّلَفِ مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِحْبابِ وهَذا القَوْلُ أرْفَقُ بِالنّاسِ اليَوْمَ فَإنَّهُ لا يَكادُ يُمْكِنُ احْتِجابُ المُسْلِماتِ عَنِ الذِّمِّيّاتِ.

﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ أيْ مِنَ الإماءِ ولَوْ كَوافِرَ وأمّا العَبِيدُ فَهم كالأجانِبِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأحَدُ قَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وصَحَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ والقَوْلُ الآخَرُ أنَّهم كالمَحارِمِ، وصَحَّحَ أيْضًا، فَفي المِنهاجِ وشَرْحِهِلِابْنِ حَجَرٍ والأصَحُّ أنَّ نَظَرَ العَبْدُ العَدْلُ ولا يَكْفِي العِفَّةُ عَنِ الزِّنا فَقَطْ غَيْرُ المُشْتَرِكِ والمُبَعَّضِ وغَيْرِ المُكاتِبِ كَما في الرَّوْضَةِ عَنِ القاضِي وأقَرَّهُ وإنْ أطالُوا في رَدِّهِ إلى سَيِّدَتِهِ المُتَّصِفَةِ بِالعَدالَةِ كالنَّظَرِ إلى مِحْرِمٍ فَيَنْظُرُ مِنها ما عَدا بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ وتَنْظُرُ مِنهُ ذَلِكَ ويَلْحَقُ بِالمِحْرِمِ أيْضًا في الخُلْوَةِ والسَّفَرِ اهْـ بِتَلْخِيصٍ، وإلى كَوْنِ العَبْدِ كالأمَةِ ذَهَبَ ابْنُ المُسَيِّبِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وقالَ: لا يُغْرُنَّكم آيَةُ النُّورِ فَإنَّها في الإناثِ دُونَ الذُّكُورِ، وعَلَّلَ بِأنَّهم فُحُولٌ لَيْسُوا أزْواجًا ولا مَحارِمَ والشَّهْوَةُ مُتَحَقِّقَةٌ فِيهِمْ لِجَوازِ النِّكاحِ في الجُمْلَةِ كَما في الهِدايَةِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهم قالُوا: لا يَنْظُرُ العَبْدُ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ سُئِلَ هَلْ يَرى غُلامٌ المَرْأةَ رَأسَها وقَدَمَها؟

قالَ: ما أحَبُّ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ غُلامًا يَسِيرًا فَأمّا رَجُلٌ ذُو لِحْيَةٍ فَلا، ومَذْهَبُ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَنْظُرَ مِن سَيِّدَتِهِ ما يَنْظُرُ أُولَئِكَ المُسْتَثْنُونَ: ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تَمْتَشِطُ وعَبْدُها يَنْظُرُ إلَيْها وأنَّها قالَتْ لِذَكْوانَ: إذا وضَعْتَنِي في القَبْرِ وخَرَجْتَ فَأنْتَ حُرٌّ، وعَنْ مُجاهِدٍ كانَتْ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ لا يَحْتَجِبْنَ عَنْ مُكاتِبِهِنَّ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدُويَهٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ  أتى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِعَبْدٍ قَدْ وهَبَهُ لَها وعَلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ثَوْبٌ إذا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَها لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها وإذا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْها لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَها فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ  ما تَلْقى قالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إنَّما هو أبُوكِ وغُلامُكِ» .

والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى لِعُمُومِ «ما» ولِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الإناثَ خاصَّةً لَقِيلَ أوْ إمائِهِنَّ فَإنَّهُ أخْصَرَ ونَصٌّ في المَقْصُودِ، وإذا ضَمَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ إلى ذَلِكَ قَوِيَ القَوْلُ بِعَدَمِ الفَرْقِ والتَّفَصِّي عَنْ ذَلِكَ صَعْبٌ، وأحْسَنُ ما قِيلَ في الجَوابِ عَنِ الخَبَرِ أنَّ الغُلامَ فِيهِ كانَ صَبِيًّا إذِ الغُلامُ يَخْتَصُّ حَقِيقَةً بِهِ فَتَأمَّلْ، وخَرَجَ بِإضافَةِ المَلِكِ إلَيْهِنَّ عَبْدَ الزَّوْجِ فَهو والأجْنَبِيُّ سَواءٌ قِيلَ: وجَعَلَهُ بَعْضُهم كالمِحْرِمِ لِقِراءَةِ «أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ» ﴿ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ لِيُصِيبُوا مِن فَضْلِ الطَّعامِ غَيْرَ أصْحابِ الحاجَةِ إلى النِّساءِ وهُمُ الشُّيُوخُ الطّاعِنُونَ في السِّنِّ الَّذِينَ فَنِيَتْ شَهَواتُهم والمَمْسُوحُونَ الَّذِينَ قُطِعَتْ ذُكُورُهم وخَصاهُمْ، وفي المَجْبُوبِ وهو الَّذِي قُطِعَ ذَكَرُهُ والخَصْيُ وهو مَن قُطِعَ خَصّاهُ خِلافٌ واخْتِيرَ أنَّهُما في حُرْمَةِ النَّظَرِ كَغَيْرِهِما مِنَ الأجانِبِ وكانَ مُعاوِيَةُ يَرى جَوازَ نَظَرِ الخَصْيِ ولا يُعْتَدُّ بِرَأْيِهِ وهو عَلى ما قِيلَ أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخِصْيانَ، وعَنْ مَيْسُونَ الكَلْبِيَّةُ أنَّ مُعاوِيَةَ دَخَلَ عَلَيْها ومَعَهُ خِصْيٌ فَتَقَنَّعَتْ مِنهُ فَقالَ: هو خِصْيٌ فَقالَتْ: يا مُعاوِيَةُ أتَرى أنَّ المُثْلَةَ بِهِ تُحَلِّلُ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَسْتَدِلَّ بِما رُوِيَ «أنَّ المُقَوْقِسَ أهْدى لِلنَّبِيِّ  خَصْيًا فَقَبَلَهُ» إذْ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى جَوازِ إدْخالِهِ عَلى النِّساءِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ غَيْرَ أُولِي الإرْبَةِ الأبْلَهِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أمْرَ النِّساءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ المَعْتُوهُ ومِثْلُهُ المَجْنُونُ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ المُخَنَّثُ الَّذِي لا يَقُومُ زَبُّهُ لَكِنْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ  مُخَنَّثٌ فَكانُوا يَعُدُّونَهُ مِن غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ فَدَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمًا وهو عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ وهو يَنْعَتُ امْرَأةً قالَ: إذا أقْبَلْتِ أقْبَلْتُ بِأرْبَعٍ وإذا أدْبَرْتِ أدْبَرَتُ بِثَمانٍ فَقالَ النَّبِيُّ  : ألا تَرى هَذا يَعْرِفُ ما هاهُنا لا يَدْخُلُ عَلَيْكُنَّ فَحَجَبُوهُ».

وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْرَجَهُ فَكانَ بِالبَيْداءِ يَدْخُلُ كُلَّ جُمْعَةٍ يَسْتَطْعِمُ، ولَعَلَّ الأوْلى حَمَلٌ غَيْرُ أُولِي الإرْبَةِ عَلى الَّذِينَ لا حاجَةَ لَهم بِالنِّساءِ ولا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن أُمُورِهِنَّ بِحَيْثُ لا تُحَدِّثُهم أنْفُسُهم بِفاحِشَةٍ ولا يَصِفُونَهُنَّ لِلْأجانِبِ ولا أرى الِاكْتِفاءَ في غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى النِّساءِ إذْ لا تَنْتَفِي بِهِ مَفْسَدَةُ الإبْداءِ بِالكُلِّيَّةِ كَما لا يَخْفى.

ولَعَلَّ في الخَبَرِ نَوْعُ إيماءٍ إلى هَذا وفي المِنهاجِ وشَرْحِهِ لِابْنِ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، والأصَحُّ أنَّ نَظَرَ المَمْسُوحِ ذَكَرَهُ كُلَّهُ وأُنْثَياهُ بِشَرْطِ أنْ لا يَبْقى فِيهِ مَيْلٌ لِلنِّساءِ أصْلًا وإسْلامُهُ في المُسَلَّمَةِ ولَوْ أجْنَبِيًّا لِأجْنَبِيَّةٍ مُتَّصِفَةٍ بِالعَدالَةِ كالنَّظَرِ إلى مُحَرَّمٍ فَيَنْظُرُ مِنها ما عَدا ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ وتَنْظُرُ مِنهُ ذَلِكَ ويَلْحَقُ بِالمُحَرَّمِ أيْضًا في الخَلْوَةِ والسَّفَرِ ويَعْلَمُ مِنهُ أنَّ التَّمْثِيلَ بِالمَمْسُوحِ فِيما سَبَقَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، وأمّا الشَّيْخُ الهَمُّ والمُخَنَّثُ فَهُما عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ في النَّظَرِ إلى الأجْنَبِيّاتِ لَيْسا كالمَمْسُوحِ، وصَحَّحُوا أيْضًا أنَّ المَجْنُونَ يَجِبُ الِاحْتِجابُ مِنهُ فَلا تَغْفُلْ، وجَرَّ ( غَيْرِ ) قِيلَ عَلى البَدَلِيَّةِ لا الوَصْفِيَّةِ لِاحْتِياجِها إلى تَكَلُّفٍ جَعَلَ التّابِعِينَ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِمْ كالنَّكِرَةِ كَما قالَ الزَّجّاجُ أوْ جَعَلَ ( غَيْرِ ) مُتَعَرِّفًا بِالإضافَةِ هُنا مِثْلَها في الفاتِحَةِ وفِيهِ نَظَرٌ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ( غَيْرِ ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ والِاسْتِثْناءِ.

﴿ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ﴾ أيِ الأطْفالِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا ما العَوْرَةُ ولَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها عَلى أنَّ ﴿ لَمْ يَظْهَرُوا ﴾ إلَخْ مِن قَوْلِهِمْ ظَهَرَ عَلى الشَّيْءِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ فَجُعِلَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ أوِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ الشَّهْوَةِ والقُدْرَةِ عَلى الجِماعِ عَلى أنَّهُ مَن ظَهَرَ عَلى فُلانٍ إذا قَوِيَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ  ﴾ ويَشْمَلُ الطِّفْلَ المَوْصُوفَ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ بِهَذا المَعْنى المُراهِقِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرُ مِنهُ تَشَوُّقٌ لِلنِّساءِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ كالبالِغِ فَيَلْزَمُ الِاحْتِجابَ مِنهُ عَلى الأصَحِّ كالمُراهِقِ الَّذِي ظَهَرَ مِنهُ ذَلِكَ، ويَشْمَلُ أيْضًا مِن دُونِ المُراهِقِ لَكِنَّهُ بِحَيْثُ يَحْكِي ما يَراهُ عَلى وجْهِهِ.

وذَكَرُوا في غَيْرِ المُراهِقِ أنَّهُ إنْ كانَ بِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ فَكالمُحَرَّمِ وإلّا فَكالعَدَمِ فَيُباحُ بِحُضُورِهِ ما يُباحُ في الخَلْوَةِ فَلا تَغْفُلْ.

والظّاهِرُ أنَّ ( الطِّفْلِ ) عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( لِبُعُولَتِهِنَّ ) أوْ عَلى ما بَعْدَهُ مِن نَظائِرِهِ لا عَلى ( الرِّجالِ ) وكَلامُ أبِي حَيّانَ ظاهِرٌ في أنَّهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ هو مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِألِ الجِنْسِيَّةِ فَيَعُمُّ ولِهَذا كَما قالَ في البَحْرِ: وصْفٌ بِالجَمْعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أوِ الأطْفالِ كَما هو المَرْوِيُّ عَنْ مُصْحَفِ حَفْصَةَ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصِّفْرُ والدِّرْهَمُ البَيْضُ، وقِيلَ هو مُفْرَدٌ وِضِعَ مَوْضِعَ الجَمْعِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ .

وتَعَقَّبَ بِأنَّ وضْعَ المُفْرَدِ مَوْضِعَ الجَمْعِ لا يَنْقاسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ وما هُنا عِنْدَهُ مِن بابِ المُفْرَدِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ وهو يَعُمُّ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ مِنهُ، والآيَةُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عِنْدَهُ عَلى مَعْنى ثُمَّ يَخْرُجُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم طِفْلًا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً  ﴾ أنَّهُ عَلى مَعْنى واعْتَدَتْ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مُتَّكَأً فَلا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ «طِفْلًا» فِيها مِمّا لا يَنْقاسُ عِنْدَهُ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ «طِفْلًا» يَقَعُ عَلى الجَمْعِ كَما يَقَعُ عَلى المُفْرَدِ ونَصَّ عَلى ذَلِكَ الجَوْهَرِيِّ، وكَذا قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ فَيَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ والأمْرِ عَلى هَذا ظاهِرٌ جَدًّا، والعَوْراتُ جَمْعُ عَوْرَةٍ وهي في الأصْلِ ما يَحْتَرِزُ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ وغَلَبَتْ في سَوْأةِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ولُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ تَسْكِينُ الواوِ في الجَمْعِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ «عَوَراتٍ» بِفَتْحِ الواوِ، والمَشْهُورُ أنَّ تَحْرِيكَ الواوِ وكَذا الياءِ في مِثْلِ هَذا الجَمْعِ لُغَةُ هَذِيلِ بْنِ مُدْرِكَةَ.

ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهٍ في كِتابِ شَواذِّ القِراءاتِ أنَّ ابْنَ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشَ قَرَأ «عَوَراتٍ» بِالفَتْحِ ثُمَّ قالَ: وسَمِعْنا ابْنَ مُجاهِدٍ يَقُولُ: هو لَحْنٌ، وإنَّما جَعَلَهُ لَحْنًا وخَطَأً مِن قَبْلِ الرِّوايَةِ وإلّا فَلَهُ مَذْهَبٌ في العَرَبِيَّةِ فَإنَّ بَنِي تَمِيمٍ يَقُولُونَ: رَوَضاتٌ وجَوَزاتٌ وعَوَراتٌ بِالفَتْحِ فِيها وسائِرُ العَرَبِ بِالإسْكانِ، وقالَ الفِراءُ: العَرَبُ عَلى تَخْفِيفِ ذَلِكَ إلّا هَذِيلًا فَتُثْقِلُ ما كانَ مِن هَذا النَّوْعِ مِن ذَواتِ الياءِ والواوِ وأنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ: أبُو بَيْضاتِ رائِحٍ مُتَأدِّبٍ ∗∗∗ رَفِيقٌ بِمَسْحِ المَنكِبَيْنِ سَبُوحٌ ﴿ ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ ﴾ أيْ ما يَسْتُرْنَهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ ﴿ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ أيْ لا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ الأرْضَ لِيَتَقَعْقَعَ خَلاخِلَهُنَّ فَيُعْلَمُ أنَّ هُنَّ ذَواتُ خَلاخِلَ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُورِثُ الرِّجالَ مَيْلًا إلَيْهِنَّ ويُوهِمُ أنَّ لَهُنَّ مَيْلًا إلَيْهِمْ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ أنَّ امْرَأةً اتَّخَذَتْ خَلْخالًا مِن فِضَّةٍ واتَّخَذَتْ جِزْعًا فَمَرَّتْ عَلى قَوْمٍ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِها فَوَقَعَ الخَلْخالُ عَلى الجِزْعِ فَصَوَّتَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ولا يَضْرِبْنَ ﴾ إلَخْ، والنِّساءُ اليَوْمَ عَلى جَعْلِ الخَرَزِ ونَحْوِها في جَوْفِ الخَلْخال فَإذا مَشَيْنَ بِهِ ولَوْ هَوَّنا صَوْتٍ، ولَهُنَّ مِن أنْواعِ الحُلِيِّ غَيْرُ الخَلْخالِ ما يُصَوِّتُ عِنْدَ المَشْيِ أيْضًا لا سِيَّما إذا كانَ مَعَ ضَرْبِ الرَّجُلِ وشِدَّةِ الوَطْءِ، ومِنَ النّاسِ مَن يُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ وسْوَسَةُ الحُلِيِّ أكْثَرَ مِن رُؤْيَتِهِ.

وفي النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ صَوْتِ الحُلِيِّ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ عَيْنِهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواضِعِهِ ما لا يَخْفى.

ورُبَّما يُسْتَدَلُّ بِهَذا النَّهْيِ عَلى النَّهْيِ عَنِ اسْتِماعِ صَوْتِهِنَّ.

والمَذْكُورُ في مُعْتَبِراتِ كُتُبِ الشّافِعِيَّةِ وإلَيْهِ أمِيلُ أنَّ صَوْتَهُنَّ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فَلا يُحَرَّمُ سَماعُهُ إلّا إنْ خَشِيَ مِنهُ فِتْنَةً، وكَذا إنِ التَذَّ بِهِ كَما بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ.

وأمّا عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ فَقالَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ: صَرَّحَ في النَّوازِلِ أنَّ نَغْمَةَ المَرْأةِ عَوْرَةٌ ولِذا قالَ النَّبِيُّ  : ««والتَّكْبِيرُ لِلرِّجالِ والتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ»» فَلا يُحْسِنُ أنْ يَسْمَعَها الرَّجُلُ اهْـ.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ عِنْدِي مِمّا يَلْحَقُ بِالزِّينَةِ المَنهِيُّ عَنْ إبْدائِها ما يَلْبَسُهُ أكْثَرُ مُتْرَفاتِ النِّساءِ في زَمانِنا فَوْقَ ثِيابِهِنَّ ويَتَسَتَّرْنَ بِهِ إذا خَرَجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ وهو غِطاءٌ مَنسُوجٌ مِن حَرِيرٍ ذِي عِدَّةِ ألْوانٍ وفِيهِ مِنَ النُّقُوشِ الذَّهَبِيَّةِ أوِ الفِضِّيَّةِ ما يُبْهِرُ العُيُونَ، وأرى أنَّ تَمْكِينَ أزْواجِهِنَّ ونَحْوِهِمْ لَهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ بِذَلِكَ ومَشْيِهِنَّ بِهِ بَيْنَ الأجانِبِ مِن قِلَّةِ الغَيْرَةِ وقَدْ عَمَّتِ البَلْوى بِذَلِكَ، ومِثْلُهُ ما عَمَّتْ بِهِ البَلْوى أيْضًا مِن عَدَمِ احْتِجابِ أكْثَرِ النِّساءِ مِن إخْوانِ بُعُولَتِهِنَّ وعَدَمِ مُبالاةِ بُعُولَتِهِنَّ بِذَلِكَ وكَثِيرًا ما يَأْمُرُونَهُنَّ بِهِ.

وقَدْ تَحْتَجِبُ المَرْأةُ مِنهم بَعْدَ الدُّخُولِ أيّامًا إلى أنْ يُعْطُوها شَيْئًا مِنَ الحُلِيِّ ونَحْوِهِ فَتَبْدُو لَهم ولا تَحْتَجِبُ مِنهم بَعْدُ وكُلُّ ذَلِكَ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ  وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ ﴿ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وصَرْفٍ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  إلى الكُلِّ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِإبْرازِ كَمالَ العِنايَةِ بِما في حَيِّزِهِ مِن أمْرِ التَّوْبَةِ وأنَّها مِن مُعَظَّماتِ المُهِمّاتِ الحَقِيقِيَّةِ بِأنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ وتَعالى الآمِرُ بِها لِما أنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُو أحَدٌ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ نَوْعِ تَفْرِيطٍ في إقامَةِ مُواجِبِ التَّكالِيفِ كَما يَنْبَغِي لا سِيَّما في الكَفِّ عَنِ الشَّهَواتِ.

وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرِدِ ومُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدُويَهٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ الأغَرِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ تُوبُوا إلى اللَّهِ فَإنِّي أتُوبُ إلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ»» والمُرادُ بِالتَّوْبَةِ عَلى هَذا التَّوْبَةِ عَمّا في الحالِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ التَّوْبَةُ عَمّا كانُوا يَفْعَلُونَهُ قَبْلُ مِن إرْسالِ النَّظَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ وهو وإنْ جَبَّ بِالإسْلامِ لَكِنَّهُ يَلْزَمُ النَّدَمَ عَلَيْهِ والعَزْمُ عَلى الكَفِّ عَنْهُ كُلَّما يَتَذَكَّرُ، وقَدْ قالُوا: إنَّ هَذا يُلْزَمُ كُلَّ تائِبٍ عَنْ خَطِيئَةٍ إذا تَذَكَّرَها، ومِنهُ يَعْلَمُ أنَّ ما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَزْعُمُونَ التَّوْبَةَ مِن نَقْلِ ما فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ عَلى وجْهِ التَّبَجُّحِ والِاسْتِلْذاذِ دَلِيلٌ عَنْ عَدَمِ صِدْقِ تَوْبَتِهِمْ.

وفِي تَكْرِيرِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيُّهَ المُؤْمِنُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْإيجابِ وإيذانٌ بِأنَّ وصْفَ الإيمانِ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ حَتْمًا، وفي دَلِيلٍ عَلى أنَّ المَعاصِيَ لا تَخْرُجُ عَنِ الإيمانِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «أيُّهَ المُؤْمِنُونَ» بِضَمِّ الهاءِ، ووَجْهُهُ أنَّها كانَتْ مَفْتُوحَةً لِوُقُوعِها قَبْلَ الألِفِ فَلَمّا سَقَطَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أتْبَعَتْ حَرَكَتَها حَرَكَةَ ما قَبْلِها، وضَمُّ ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ بَعْدَ أيِّ لُغَةٍ لِبَنِي مالِكٍ رَهْطٌ شَقِيقُ بْنُ مُسَلِّمَةَ ووَقَفَ بَعْضُهم بِسُكُونِ الهاءِ لِأنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِلا ألِفٍ بَعْدَها.

ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ.

كَما في النَّشْرِ.

بِالألِفِ عَلى خِلافِ الرَّسْمِ ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ تَفُوزُوا بِذَلِكَ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ أوْ مَرْجُوًّا فَلا حُكْمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ، يعني: يكفوا أبصارهم ومِنْ صلة في الكلام.

وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عما لا يحل لهم.

وقال أبو العالية الرياحي: كلما ذكر حفظ الفرج في القرآن، أراد به الحفظ عن الزنى، إلا هاهنا، فإن المراد به هاهنا: الستر عن النظر، يعني: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم عن عورات النساء، ويحفظوا فروجهم عن أبصار الناس.

وقال النبيّ  ، لعليّ  : «يا عَلِيُّ لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإنَّ الأُولَى لَكَ وَالأُخْرَى عَلَيْكَ» .

وروي عن عيسى ابن مريم أنه قال: «إياكم والنظرة، فإنها تزرع في القلب شهوة» .

فذلك قوله: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ وأطهر من الريبة، يعني: غض البصر والحفظ خير لكم من ترك الحفظ والنظر.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ، يعني: عالم بهم.

قوله عز وجل: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ، يعني: يحفظن أبصارهن عن الحرام، وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عن الفواحش، وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن، إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها.

روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: «وجهها وكفيها» ، وهكذا قال إبراهيم النخعي.

وروي أيضاً عن عائشة  ا أنها قالت: «الوجه والكفان» ، وهكذا قال الشعبي.

وروى نافع، عن ابن عمر أنه قال: «الوجه والكفان» ، وقال مجاهد: «الكحل والخضاب» .

وروى أبو صالح، عن ابن عباس: «الكحل والخاتم» .

وروي، عن ابن عباس في رواية أُخرى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها يعني: «فوق الثياب» .

وروى أبو إسحاق، عن ابن مسعود أنه قال: «ثيابها» ، وروي عن ابن مسعود رواية أُخرى أنه سئل عن قوله: إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها «فتقنع عبد الله بن مسعود، وغطى وجهه وأبدى عن إحدى عينيه» .

قوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ يعني: ليرخين بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ، يعني: على الصدر والنحر.

قال ابن عباس: «وكنّ النساء قبل هذه الآية يبدين خمرهن من ورائهن، كما يصنع النبط، فلما نزلت هذه الآية، سدلن الخمر على الصدر والنحر» .

ثم قال: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ، يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن، وهو الصدر والساق والساعد والرأس، لأن الصدر موضع الوشاح، والساق موضع الخلخال، والسّاعد موضع السوار، والرأس موضع الإكليل، فقد ذكر الزينة وأراد بها موضع الزينة.

إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ، يعني: لأزواجهن، أَوْ آبائِهِنَّ يعني: يجوز للآباء النظر إلى مواضع زينتهن، أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ.

وقد ذكر في الآية بعض ذوي الرحم المحرم، فيكون فيه دليل على ما كان بمعناه، لأنه لم يذكر فيها الأعمام والأخوال، ولكن الآية إذا نزلت في شيء، فقد نزلت فيما هو في معناه، والأعمام والأخوال بمعنى الإخوة وبني الإخوة، لأنه ذو رحم محرم.

وقد ذكر الأبناء في آية أُخرى، وهي قوله: لاَّ جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ [الأحزاب: 55] .

والنظر إلى النساء على أربع مراتب: في وجه: يجوز النظر إلى جميع أعضائها، وهي النظر إلى زوجته وأمته.

وفي وجه: يجوز النظر إلى الوجه والكفين، وهو النظر إلى المرأة التي لا يكون محرماً لها، ويأمن كل واحد منهما على نفسه، فلا بأس بالنظر عند الحاجة.

وفي وجه: يجوز النظر إلى الصدر والساق والرأس والساعد، وهو النظر إلى امرأة ذي رحم أو ذات رحم محرم، مثل الأخت والأم والعمة والخالة وأولاد الأخ والأخت وامرأة الأب وامرأة الابن وأم المرأة سواء كان من قبل الرضاع أو من قبل النسب، وفي وجه: لا يجوز النظر إلى شيء، وهو أن يخاف أن يقع في الإثم إذا نظر.

ثم قال تعالى: أَوْ نِسائِهِنَّ يعني: نساء أهل دينهن، ويكره للمرأة أن تظهر مواضع زينتها عند امرأة كتابية، لأنها تصف ذلك عند غيرها.

ويقال: نِسائِهِنَّ يعني: العفائف، ولا ينبغي أن تنظر إليها المرأة الفاجرة، لأنها تصف ذلك عند الرجال.

ثم قال: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، يعني: الجواري، فإنها نزلت في الإماء وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، يعني: الجواري، فإنها نزلت في الإماء.

لا ينبغي للمرأة أن ينظر العبد إلى شعرها، ولا إلى شيء من محاسنها.

وقال مجاهد أكره أن ينظر العبد إلى شعر مولاته، وكذلك قال عطاء وطاوس.

وقال مجاهد: في بعض القراءات أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، الذين لم يبلغوا الحلم.

وروى سفيان، عن ليث قال: كان بعضهم يقرأ: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من الصغار وقال الشعبي: لا ينظر العبد إلى مولاته، ولا إلى شعرة منها.

ثم قال تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ، يعني: الخادم أو الأجير للمرأة، يعني: غير ذوي الحاجة مثل الشيخ الكبير ونحوه، وقال مجاهد: هو الذي لا إرب له، أي لا حاجة له بالنساء، مثل فلان، وكذا روى الشعبي عن علقمة، وقال الحسن والزهري: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ: هو الأحمق، وقال الضحاك: هو الأبله، ويقال: هو الذي طبعه طبع النساء، فلا يكون له شهوة الرجال.

وسئلت عائشة  ا هل يرى الخصي حسن المرأة؟

قالت: «لا، ولا كرامة، أليس هو رجل؟» قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ بنصب الراء، وقرأ الباقون بالكسر.

فمن قرأ بالكسر، يكون على النعت للتابعين، فيكون معناها: التابعين الذين هذه حالهم.

ومن نصب، أراد به الاستثناء، والمعنى: إلا أولي الإربة.

ثم قال: مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ، يعني: لم يطلعوا ولم يشتهوا الجماع.

ثم قال: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ، يعني: لا يضربن بإحدى أرجلهن على الأخرى ليقرع الخلخال بالخلخال، لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ يعني: ما يواري الثياب من زينتهن.

وروى سفيان، عن السدي قال: «كانت المرأة تمر على المجلس وفي رجلها الخلخال، فإذا جازت بالقوم ضربت برجلها ليصوت خلخالها، فنزلت: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ وقال بعض المفسرين: قد علم الله تعالى أن من النساء من تكون حمقاء، فتحرك رجلها ليعلم أن لها خلخالاً، فنهي النساء أن يفعلن، كما تفعل الحمقاء.

ثم قال: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً، يعني: من جميع ما وقع التقصير من الأوامر والنواهي التي ذكر من أول السورة إلى هاهنا، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، يعني: أيها المصدقون بالله ورسوله.

وفي هذه الآية دليل: أن الذنب لا يخرج العبد من الإيمان، لأنه أمر بالتوبة، والتوبة لا تكون إلا من الذنب، ولم يفصل بين الكبائر وغيرها، فقال بعد ما أمر بالتوبة أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، سماهم مؤمنين بعد الذنب.

ثم قال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، أي تنجون من العذاب.

قرأ ابن عامر أَيُّهَ بضم الهاء، وكذلك في قوله: يا أيّه السّاحر، وأيّه الثقلان، وقرأ الباقون بالنصب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وتصريف الفعل يأْبَى أَنْ يكون من أنس، وقرأ أُبَيُّ وابن عباس «٢» :

«حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا» وصورة الاستئذان أَنْ يقول الإنسان: السلام عليكم، أأدخل؟

فإن أُذِنَ له دَخَل، وإنْ أُمِرَ بالرجوع انصرف، وإنْ سُكِتَ عنه استأذن ثلاثاً ثم ينصرف، جاءت في هذا كله آثار، والضمير في قوله: تَجِدُوا فِيها: للبيوت التي هي بيوتُ الغير، وأسند الطبريُّ «٣» عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبتُ عمري كُلَّه هذه الآيةَ فما أدركتها أن أستأذنَ على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مُغْتَبِطٌ «٤» لقوله تعالى: هُوَ أَزْكى لَكُمْ.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تَوَعُّدٌ لأهل التجسّس.

وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ...

الآية: أباح سبحانه في هذه الآية رفعَ الاستئْذان في كُلِّ بيت لا يسكنه أحد لأَنَّ العِلَّةَ في الاستئذان خوفُ الكشفة على المُحَرِّمَاتِ، فإذا زالت العِلَّةُ زال الحكم، وباقي الآية بَيِّنٌ ظاهر التوعد، وعن مالك رحمه الله: أَنه بلغه أَنَّهُ كان يُسْتَحَبُّ إذا دخل البيتَ غيرَ المسكون، أن يقول

الذي يدخله: السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ، انتهى، أخرجه «١» في «المُوَطَّإِ» .

وقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أظهر ما في مِنْ أَنْ تكون للتبعيض، لأَنَّ أول نظرة لا يملكها الإنسانُ وإنَّما يَغُضُّ فيما بعد ذلك، فقد وقع التبعيض بخلاف الفروج إذ حفظُها عامٌّ لها، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذيرُ منه، وحفظُ الفرج هو عن الزنا وعن كشفه حيث لا يحل.

قلت: النواظر «٢» صوارمُ مشهورة فاغمدها في غِمْدِ الغَضِّ والحياء مِنْ نظر المولى وإلاَّ جرحك بها عَدُوُّ الهوى، لا ترسلْ بريد النظر فيجلبَ لقلبك رَدِيءَ الفكر، غُضُّ البصرِ يُورِثُ القلب نوراً، وإطلاقُه يَقْدَحُ في القلب ناراً.

انتهى من «الكَلِمِ الفارقيَّة فِي الحِكَمِ الحقيقيَّة» .

قال ابن العربيِّ»

في «أحكامه» : قوله تعالى: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ يريد: أطهر وأنمى، يعني: إذا غَضَّ بصره كان أطهرَ له من الذنوب وأَنمى لعمله في الطاعة.

قال ابن العربي «٤» : ومِنْ غَضَّ البصر: كَفُّ التطلع إلى المُبَاحَاتِ من زينة الدنيا وجمالِها كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ٣٧ ب زَهْرَةَ الْحَياةِ/ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [طه: ١٣١] .

يريد ما عند الله تعالى، انتهى.

وقوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ...

الآية: أمر الله تعالى النساء في هذه الآية بِغَضِّ البصر عن كل ما يُكْرَهُ- من جهة الشرع- النظرُ إليه، وفي حديث أُمِّ سلمةَ قالت: كُنْتُ أنا وعائشة عند النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فدخل ابن أمّ مكتوم فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم:

«احتجبن، فقلن: إنّه أعمى!

فقال صلى الله عليه وسلّم: «أفعمياوان أنتما» «٥» ومِنْ الكلام فيها كالتي قبلها.

قال ابن العربي في «أحكامه» «١» : وكما لا يَحِلُّ للرجل أن ينظر إلى المرأة، لا يحل للمرأة أَنْ تنظر إلى الرجلِ، فإنَّ عَلاَقَتَهُ بها كعلاقتها به، وقصدَه منها كقصدها منه، ثم استدل بحديث أُمِّ سلمة المتقدم، انتهى.

وحفظ الفرج يَعُمُّ الفواحش، وسترَ العورة، وما دون ذلك مِمَّا فيه حفظ، ثم أَمر تعالى بأَلاَّ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ ما يظهر من الزينة قال ابن مسعود «٢» : ظاهر الزينة: هو الثياب.

وقال ابن جبير وغيره «٣» : الوجه والكَفَّانِ والثيابُ.

وقيل: غير هذا.

قال زينتها ع «٤» ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أَنَّ المرأة مأمورة بأَلاَّ تبديَ، وأَنْ تجتهدَ في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كُلِّ ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بُدَّ منه أو إصلاح شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المَعفُوُّ عنه، وذكر أبو عمر: الخلاف في تفسير الآية كما تقدم قال: ورُوِيَ عن أبي هريرة في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها قال: القلب والفتخة.

قال جرير بن حازم: القُلْبُ: السِّوَارُ، والفتخة: الخاتم، انتهى من «التمهيد» .

وقوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ.

قال ابن العربي «١» : الجيب هو الطَّوْقُ، والخمار: هو المِقْنَعَة، انتهى.

قال ع «٢» : سبب الآية أَنَّ النساء كُنَّ في ذلك الزمان إذا غَطَّيْنَ رؤوسهنَّ بالأخمرة سَدَلْنَهَا من وراء الظهر فيبقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنَانِ لا سِتْرَ على ذلك، فأمر الله تعالى بِلَيِّ الخمار على الجيوب، وهَيْئَةُ ذلك يستر جميعَ ما ذكرناه، وقالت عائشة- رضي الله عنها- رُحِمَ اللهُ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ لمَّا نزلت هذه الآية عَمَدْنَ إلى أكثف المروط «٣» فشققنها أخمرةً، وضربن بها على الجيوب «٤» .

وقوله سبحانه: أَوْ نِسائِهِنَّ يعني جميع المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين، وكتب عمر إلى أبي عبيدةَ بن الجراح أَنْ يمنع نساءَ أهل الذِّمَّةِ أَنْ يدخلنَ الحَمَّامَ مع نساء المسلمين فامتثل «٥» .

وقوله سبحانه: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ يدخل فيه الإماءُ الكتابِيَّاتُ والعبيد.

وقال ابن عباس وجماعة «٦» : لا يدخل العبد على سَيِّدته فيرى شعرها إلاَّ أن يكون وغْداً.

وقوله تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ يريد الأتباع لِيُطْعَمُوا، وهم فُسُولُ الرجال الذين لا إرْبَةَ لهم في الوَطْءِ، ويدخل في هذه الصنيفة: المَجْبُوبُ، والشيخ الفاني، وبعضُ المَعْتُوهِينَ، والذي لا إرْبَةَ له من الرجال قليلٌ، والإربة: الحاجة إلى الوطء، والطفل اسم جنس،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ﴾ في " مِن " قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ.

والثّانِي: أنَّها أصْلٌ، لِأنَّهم لَمْ يُؤَمَرُوا بِالغَضِّ مُطْلَقًا، وإنَّما أُمِرُوا بِالغَضِّ عَمّا لا يَحِلُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَمّا لا يَحِلُّ لَهُمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: عَنْ أنْ تَرى فَهو أمْرٌ لَهم بِالِاسْتِتارِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الغَضِّ وحِفْظِ الفُرُوجِ ﴿ أزْكى لَهُمْ ﴾ أيْ: خَيْرٌ وأفْضَلُ ﴿ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ في الأبْصارِ والفُرُوجِ.

ثُمَّ أمَرَ النِّساءَ بِما أمَرَ بِهِ الرِّجالَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ أيْ: لا يُظْهِرْنَها لِغَيْرِ مَحْرَمٍ.

وزِينَتُهُنَّ عَلى ضَرْبَيْنِ، خَفِيَّةٍ كالسِّوارَيْنِ والقِرْطَيْنِ والدُّمْلُجِ والقَلائِدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وظاهِرَةٍ وهي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا ما ظَهَرَ مِنها ﴾ وفِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: أنَّها الثِّيابُ، رَواهُ أبُو الأحْوَصِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وفي لَفْظٍ آخَرَ قالَ: هو الرِّداءُ.

والثّانِي: أنَّها الكَفُّ والخاتَمُ والوَجْهُ.

والثّالِثُ: الكُحْلُ والخاتَمُ، رَواهُما سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: القَلْبانِ، وهُما السِّوارانِ والخاتَمُ والكُحْلُ، قالَهُ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ.

والخامِسُ: الكُحْلُ والخاتَمُ والخِضابُ، قالَهُ مُجاهِدُ.

والسّادِسُ: الخاتَمُ والسِّوارُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والسّابِعُ: الوَجْهُ والكَفّانِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، فَقالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: الثِّيابُ، وكُلُّ شَئٍ مِنها عَوْرَةٌ حَتّى الظُّفْرُ، ويُفِيدُ هَذا تَحْرِيمَ النَّظَرِ إلى شَئٍ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإنْ كانَ لِعُذْرٍ مِثْلِ أنْ يُرِيدَ أنْ يَتَزَوَّجَها أوْ يَشْهَدَ عَلَيْها، فَإنَّهُ يَنْظُرُ في الحالَيْنِ إلى وجْهِها خاصَّةً فَأمّا النَّظَرُ إلَيْها لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلا يَجُوزُ لا لِشَهْوَةٍ ولا لِغَيْرِها، وسَواءً في ذَلِكَ الوَجْهُ والكَفّانِ وغَيْرُهُما مِنَ البَدَنِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِكَشْفِ وجْهِها؟!

فالجَوابُ: أنَّ في تَغْطِيَتِهِ مَشَقَّةً، فَعُفِيَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ ﴾ وهي جُمْعُ خِمارٍ، وهو ما تُغَطِّي بِهِ المَرْأةُ رَأْسَها، والمَعْنى: ولْيُلْقِينَ مَقانِعَهُنَّ ﴿ عَلى جُيُوبِهِنَّ ﴾ لِيَسْتُرْنَ بِذَلِكَ شُعُورَهُنَّ وقِرْطَهُنَّ وأعْناقَهُنَّ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: " عَلى جِيُوبِهِنَّ " بِكَسْرِ الجِيمِ، ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ يَعْنِي: الخَفِيَّةَ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُها ﴿ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَضَعْنَ الجِلْبابَ والخِمارَ إلّا لِأزْواجِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ نِسائِهِنَّ ﴾ يَعْنِي: المُسْلِماتِ.

قالَ أحْمَدُ: لا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمَةِ أنْ تَكْشِفَ رَأْسَها عِنْدَ نِساءِ أهْلِ الذِّمَّةِ، واليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ لا تَقْبَلانِ المُسْلِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ قالَ أصْحابُنا: المُرادُ بِهِ: الإماءُ دُونَ العَبِيدِ.

وقالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: يَدْخُلُ فِيهِ العَبِيدُ، فَيَجُوزُ لِلْمَرْأةِ عِنْدَهم أنْ تُظْهِرَ لِمَمْلُوكِها ما تُظْهِرُ لِمَحارِمِها، لِأنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ أنَّهُ مَحْرَمٌ لَها، وعِنْدَنا أنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَنْظُرَ إلى غَيْرِ وجْهِها وكَفَّيْها، وقَدْ نَصَّ أحْمَدُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وإنَّما ذَكَرَ الإماءَ في الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدْ يَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تُبْدِيَ زِينَتَها لِلْإماءِ، لِأنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أحْرارٌ، فَلَمّا ذَكَرَ الإماءَ زالَ الإشْكالُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوِ التّابِعِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ القَوْمَ ويَكُونُونَ مَعَهم لِإرْفاقِهِمْ إيّاهُمْ، أوْ لِأنَّهم نَشَؤُوا فِيهِمْ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التّابِعِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأحْمَقُ الَّذِي لا تَشْتَهِيهِ المَرْأةُ ولا يَغارُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، قالَهُ قَتادَةُ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدُ: هو الأبْلَهُ الَّذِي يُرِيدُ الطَّعامَ ولا يُرِيدُ النِّساءَ.

والثّانِي: أنَّهُ العِنِّينُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: المُخَنَّثُ كانَ يَتْبَعُ الرَّجُلَ يَخْدُمُهُ بِطَعامِهِ، ولا يَسْتَطِيعُ غَشَيانَ النِّساءِ ولا يَشْتَهِيهِنَّ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الشَّيْخُ الفانِي، والخامِسُ: أنَّهُ الخادِمُ، قالَهُما ابْنُ السّائِبِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الَّذِي لا يَكْتَرِثُ بِالنِّساءِ، إمّا لِكِبَرٍ أوْ لِهِرَمٍ أوْ لِصِغَرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ المُنادِي مِن أصْحابِنا.

قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ غَيْرِ ﴾ صِفَةٌ لِلتّابِعِينَ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ مَعْناهُ: ﴿ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ﴾ والمَعْنى: ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِمَمالِيكِهِنَّ، ولا لِتُبّاعِهِنَّ، إلّا أنْ يَكُونُوا غَيْرَ أُولِي الإرْبَةِ، والإرْبَةُ: الحاجَةُ، ومَعْناهُ: غَيْرُ ذَوِي الحاجاتِ إلى النِّساءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوِ الطِّفْلِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ الأطْفالَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ﴾ أيْ: لَمْ يَعْرِفُوها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ ﴾ أيْ: بِإحْدى الرِّجْلَيْنِ عَلى الأُخْرى لِيَضْرِبَ الخَلْخالُ الخَلْخالَ فَيُعْلَمَ أنَّ عَلَيْها خَلْخالَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: إنَّهُمْ، فَقَوْلُهُ: "يَغُضُّوا" جَوابُ الأمْرِ، وقالَ المازِنِيُّ: المَعْنى: قُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، ويَلْحَقُ هَذَيْنِ مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ الجَوابَ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَدْ يُوجَدُ مَن لا يَغُضُّ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّ المُرادَ: يَكُونُونَ في حُكْمِ مَن يَغُضُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أبْصارِهِمْ ﴾ ، أظْهَرَ ما في "مِن" أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ نَظْرَةٍ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ، وإنَّما يَغُضُّ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ وقَعَ التَبْعِيضُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: «لا تُتْبِعِ النَظْرَةَ النَظْرَةَ فَإنَّ الأُولى لَكَ، ولَيْسَتْ لَكَ الثانِيَةُ» الحَدِيثُ.

وقالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: سَألَتُ النَبِيَّ  عن نَظْرَةِ الفَجْأةِ فَقالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ»، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والبَصَرُ هو البابُ الأكْبَرُ إلى القَلْبِ وأعْمَرُ طُرُقِ الحَواسِّ إلَيْهِ، وبِحَسْبِ ذَلِكَ كَثُرَ السُقُوطُ مِن جِهَتِهِ، ووَجَبَ التَحْذِيرُ مِنهُ.

و"حِفْظُ الفُرُوجِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الزِنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِسَتْرِ العَوْرَةِ، والأظْهَرُ أنَّ الجَمِيعَ مُرادٌ واللَفْظُ عامٌّ، وبِهَذِهِ الآيَةِ حَرَّمَ العُلَماءُ دُخُولَ الحَمّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: كُلُّ فَرْجِ ذُكِرَ في القُرْآنِ فَهو مِنَ الزِنى إلّا هَذِهِ الآيَتَيْنِ فَإنَّهُ يَعْنِي التَسَتُّرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ لِهَذا التَخْصِيصِ عِنْدِي.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، وظاهِرُهُ التَوَعُّدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ تَعالى النِساءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِغَضِّ البَصَرِ عن كُلِّ ما يُكْرَهُ مِن جِهَةِ الشَرْعِ النَظَرُ إلَيْهِ، وفي حَدِيثِ أمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «كُنْتُ أنا وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما عِنْدَ النَبِيِّ  ، فَدَخْلَ ابْنُ أُمْ مَكْتُومٍ، فَقالَ النَبِيُّ  : "احْتَجِبْنَ" فَقُلْنا: إنَّهُ أعْمى، فَقالَ النَبِيُّ  : "أفَعَمْياوانِ أنْتُما؟"»، "مِن" يَحْتَمِلُ ما تَقَدَّمَ في الأُولى، و"حِفْظُ الفُرُوجِ" يَعُمُ الفَواحِشَ وسَتْرَ العَوْرَةِ وما دُونُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ حِفْظٌ.

وأمَرَ اللهُ تَعالى بِألا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِلنّاظِرِينَ، إلّا ما اسْتَثْناهُ مِنَ الناظِرِينِ في باقِي الآيَةِ، ثُمُ اسْتَثْنى ما يَظْهَرُ مِنَ الزِينَةِ، فاخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ظاهِرُ الزِينَةِ هو الثِيابُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الوَجْهُ والثِيابُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، وعَطاءٌ، والأوزاعِيُّ: الوَجْهُ والكَفّانِ والثِيابُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ، والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: ظاهِرُ الزِينَةِ هو الكُحْلُ والسِواكُ والخِضابُ إلى نِصْفِ الذِراعِ والقِرَطَةُ والفَتْخُ، ونَحْوَ هَذا فَمُباحٌ أنْ تُبْدِيَهُ المَرْأةُ لِكُلٍّ مِن دَخْلَ عَلَيْها مِنَ الناسِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ في مَعْنى نِصْفِ الذِراعِ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ  ، وذَكَرَ آخَرَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، عَنِ النَبِيِّ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي بِحُكْمِ ألْفاظِ الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ مَأْمُورَةٌ بِألا تُبْدِيَ، وأنْ تَجْتَهِدَ في الإخْفاءِ لِكُلِّ ما هو زِينَةٌ، ووَقَعَ الِاسْتِثْناءُ في كُلِّ ما غَلَبَها فَظَهَرَ بِحُكْمِ ضَرُورَةِ حَرَكَةٍ فِيما لا بُدَّ مِنهُ، أو إصْلاحِ شَأْنٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَما ظَهَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَهو المَعْفِيُّ عنهُ، فَغالِبُ الأمْرِ أنَّ الوَجْهَ بِما فِيهِ والكَفَّيْنِ يَكْثُرُ مِنهُما الظُهُورُ، وهو الظاهِرُ في الصَلاةِ، ويَحْسُنُ بِالحَسَنَةِ الوَجْهِ أنْ تَسْتَتِرَ إلّا مِن ذِي حُرْمَةٍ مُحَرَّمَةٍ، ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنَّ الظاهِرَ مِنَ الزِينَةِ لَها أنْ تُبْدِيَهُ، ولَكِنْ يُقَوِّي ما قُلْناهُ الِاحْتِياطُ ومُراعاةُ فَسادِ الناسِ، فَلا يُظَنُّ أنْ يُباحَ لِلنِّساءِ مِن إبْداءِ الزِينَةِ إلّا ما كانَ بِذَلِكَ الوَجْهِ، واللهُ المُوَفِّقِ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلْيَضْرِبْنَ" بِسُكُونِ اللامِ الَّتِي هي لِلْأمْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ عَبّاسٍ عنهُ-: "وَلِيَضْرِبْنَ" بِكَسْرِ اللامِ عَلى الأصْلِ؛ لَأنَّ أصْلَ لامِ الأمْرِ الكَسْرُ في "لِيَذْهَبْ ولِيَضْرِبْ"، وإنَّما تَسْكِينُها كَتَسْكِينِ "عَضُدٍ وفَخِذٍ".

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النِساءَ كُنَّ في ذَلِكَ الزَمانِ إذا غَطَّيْنَ رُءُوسَهُنَّ بِالخُمُرَةِ سَدَلْنَها مِن وراءِ الظَهْرِ، قالَ النِقاشَ: كَما يَصْنَعُ النَبَطُ، فَيَبْقى النَحْرُ والعُنُقُ والأُذُنانِ لا سَتْرَ عَلى ذَلِكَ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى بِلَيِّ الخِمارِ عَلى الجُيُوبِ، وهَيْئَةُ ذَلِكَ [ أنْ تَضْرِبَ المَرْأةُ بِخِمارِها عَلى جَيْبِها] فَيَسْتُرُ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ.

وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: رَحِمُ اللهُ المُهاجِراتِ الأوُلُ، لِما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَمَدْنَ إلى أكْثَفِ المُرُوطِ فَشَقَقْنَها أخْمِرَةً، وضَرَبْنَ بِها عَلى الجُيُوبِ، ودَخَلَتْ عَلى عائِشَةَ حَفْصَةُ بِنْتُ أخِيها عَبْدِ الرَحْمَنِ وقَدِ اخْتَمَرَتْ بِشَيْءٍ يَشِفُّ عن عُنُقِها وما هُنالِكَ، فَشَقَّتْهُ عَلَيْها وقالَتْ: إنَّما يُضْرَبُ بِالكَثِيفِ الَّذِي يَسْتُرُ.

ومَشْهُورُ القِراءَةِ ضَمُّ الجِيمِ مِن "جُيُوبِهِنَّ"، وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ بِكَسْرِها بِسَبَبِ الياءِ كَقِراءَتِهِمْ ذَلِكَ في بُيُوتٍ وشُيُوخٍ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبائِهِنَّ أو آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبْنائِهِنَّ أو أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ أو بَنِي أخَواتِهِنَّ أو نِسائِهِنَّ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أو التابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِجالِ أو الطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِساءِ ﴾ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: ولا يَقْصِدْنَ تَرْكَ الإخْفاءِ لِلزِّينَةِ الباطِنَةِ كالخَلْخالِ والأقْراطِ ونَحْوِهُ، ويَطْرَحْنَ مَؤُونَةَ التَحَفُّظِ إلّا مَعَ مَن سُمِّيَ.

وبَدَأ بِالبُعُولَةِ وهُمُ الأزْواجُ لَأنَّ اطِّلاعَهم يَقَعُ عَلى أعْظَمِ مِن هَذا، ثُمْ ثَنّى بِهِ المَحارِمْ وسَوّى بَيْنِهِمْ في إبْداءِ الزِينَةِ، ولَكِنَّهم تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم في الحُرْمَةِ بِحَسْبِ ما في نُفُوسِ البَشَرِ، فَلا مِرْيَةَ أنَّ كَشْفَ الأبِ والأخِ عَلى المَرْأةِ أحْوَطُ مِن كَشْفِ ولَدِ زَوْجِها، وتَخْتَلِفُ مَراتِبُ ما يُبْدى لَهُمْ، فَيُبْدى لِلْأبِ ما لا يَجُوزُ إبْداؤُهُ لِوَلَدِ الزَوْجِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أو نِسائِهِنَّ" يَعْنِي جَمِيعَ المُؤْمِناتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أو صِنْفِهِنَّ، ويَدْخُلُ في هَذا الإماءُ المُؤْمِناتُ، ويَخْرُجُ مِنهُ نِساءُ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الذِمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ نِساءَ أهْلِ الذِمَّةِ يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ مَعَ نِساءِ المُسْلِمِينَ، فامْنَعْ مِن ذَلِكَ وحُلْ دُونَهُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَرى الذِمِّيَّةُ عُرْيَةَ المُسْلِمَةِ، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ قامَ أبُو عُبَيْدَةَ فابْتَهَلَ وقالَ: أيُّما امْرَأةٍ تَدَخُّلُ الحَمّامَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، لا تُرِيدُ إلّا أنْ تُبَيِّضَ وجْهَها فَسَوَّدَ اللهُ وجْهَها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الإماءُ الكِتابِيّاتُ، ويَدْخُلُ فِيهِ العَبِيدُ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهو الظاهِرُ مِن مَذْهَبِ عائِشَةَ وأُمْ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةُ العُلَماءِ: لا يَدْخُلُ العَبْدُ عَلى سَيِّدَتِهِ فَيَرى شَعْرَها ونَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ وغْدًا، فَمَنَعَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ الكَشْفَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وَأباحَتْهُ بِأنْ يَكُونَ مِنَ التابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "أو ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ" فَيَدْخُلُ فِيهِ عَبْدُ الغَيْرِ.

وقَوْلُهُ: "أوِ التابِعِينَ" يُرِيدُ الأتْباعَ [الَّذِينَ يَدْخُلُونَ] لِيُطْعَمُوا الفُضُولَ، وهم مِنَ الرِجالِ الَّذِينَ لا إرْبَةَ لَهم في الوَطْءِ، فَهي شَرْطانِ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الصِفَةِ المَجْبُوبُ والمَعْتُوهُ والمُخَنَّثُ والشَيْخُ الفانِي والزَمِنُ المَوْقُوذُ بِزَمانَتِهِ، ونَحْوَ هَذا هو الغالِبُ في هَذِهِ الأصْنافِ، ورُبَّ مُخَنَّثٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُكْشَفَ، ألّا تَرى إلى حَدِيثِ " هِيتٍ " ونَهى رَسُولُ اللهِ  عن كَشْفِهِ عَلى النِساءِ لَمّا وصَفَ بادِيَةَ بِنْتَ غَيْلانَ بْنِ مُعَتَّبٍ ؟

وتَأمَّلَ ما رُوِيَ في أخْبارِ الدَلّالِ المُخَنَّثِ، وكَذَلِكَ الحَمْقى والمَعْتُوهُونَ فِيهِ مِمَّنْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكْشَفَ، والَّذِي لا إرْبَةَ لَهُ مِنَ الرِجالِ قَلِيلٌ.

و"الإرْبَةُ": الحاجَةُ إلى الوَطْءِ، وعَبَّرَ عن هَذا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَقالَ: هو الَّذِي يَتْبَعُكَ لا يُرِيدُ إلّا الطَعامَ وما يَأْكُلُهُ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، وهو عَلى الحالِ مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في "التابِعِينَ"، أو عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ "التابِعَيْنِ"، وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "التابِعِينَ"، والقَوْلُ فِيها كالقَوْلِ في ﴿ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "أوِ الطِفْلِ" اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى الجَمْعِ، ويُقالُ: "طِفْلٌ" ما لَمْ يُراهِقِ الحُلُمْ، و"يَظْهَرُوا" مَعْناهُ: يَطَّلِعُونَ بِالوَطْءِ، والجُمْهُورُ عَلى إسْكانِ الواوِ مِن "عَوْراتٍ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ فَتْحُ الواوِ، وقالَ الزُجاجُ: الأكْثَرُ سُكُونُ الواوِ، كَجَوْزاتٍ وبَيْضاتٍ لِثِقَلِ الحَرَكَةِ عَلى الواوِ والياءِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى الأصْلِ في فَعْلَةٍ وفَعْلاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب حكم الاستئذان ببيان آداب ما تقتضيه المجالسة بعد الدخول وهو أن لا يكون الداخل إلى البيت محدقاً بصره إلى امرأة فيه بل إذا جالسته المرأة غض بصره واقتصر على الكلام ولا ينظر إليها إلا النظر الذي يعسر صرفه.

ولما كان الغض التام لا يمكن جيء في الآية بحرف ﴿ من ﴾ الذي هو للتبعيض إيماء إلى ذلك إذ من المفهوم أن المأمور بالغض فيه هو ما لا يليق تحديق النظر إليه وذلك يتذكره المسلم من استحضاره أحكام الحلال والحرام في هذا الشأن فيعلم أن غض البصر مراتب: منه واجب ومنه دون ذلك، فيشمل غض البصر عما اعتاد الناس كراهية التحقق فيه كالنظر إلى خبايا المنازل، بخلاف ما ليس كذلك فقد جاء في حديث عمر بن الخطاب حين دخل مشربة النبي صلى الله عليه وسلم «فرفعت بصري إلى السقف فرأيت أهَبَةً معلقة».

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية».

وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى أن يوقعها في الحرام أو ما عسى أن يكلفها صبراً شديداً عليها.

والغض: صرف المرء بصره عن التحديق وتثبيت النظر.

ويكون من الحياء كما قال عنترة: وأغض طرفي حين تبدو جارتي *** حتى يواري جارتي مأواها ويكون من مذلة كما قال جرير: فغض الطرف إنك من نمير *** ومادة الغض تفيد معنى الخفض والنقص.

والأمر بحفظ الفروج عقب الأمر بالغض من الأبصار لأن النظر رائد الزنى.

فلما كان ذريعة له قصد المتذرع إليه بالحفظ تنبيهاً على المبالغة في غض الأبصار في محاسن النساء.

فالمراد بحفظ الفروج حفظها من أن تباشر غير ما أباحه الدين.

واسم الإشارة إلى المذكور، أي ذلك المذكور من غض الأبصار وحفظ الفروج.

واسم التفضيل بقوله: ﴿ أزكى ﴾ مسلوب المفاضلة.

والمراد تقوية تلك التزكية لأن ذلك جنة من ارتكاب ذنوب عظيمة.

وذيل بجملة: ﴿ إن الله خبير بما يصنعون ﴾ لأنه كناية عن جزاء ما يتضمنه الأمر من الغض والحفظ لأن المقصد من الأمر الامتثال.

(31) ﴿ وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بنى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أخواتهن أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة مِنَ الرجال أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النسآء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .

﴿ وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بنى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أخواتهن أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة مِنَ الرجال أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النسآء ﴾ .

أردف أمر المؤمنين بأمر المؤمنات لأن الحكمة في الأمرين واحدة، وتصريحاً بما تقرر في أوامر الشريعة المخاطب بها الرجال من أنها تشمل النساء أيضاً.

ولكنه لما كان هذا الأمر قد يظن أنه خاص بالرجال لأنهم أكثر ارتكاباً لضده وقع النص على هذا الشمول بأمر النساء بذلك أيضاً.

وانتقل من ذلك إلى نهي النساء عن أشياء عرف منهن التساهل فيها ونهيهن عن إظهار أشياء تعوّدْن أن يحببن ظهورها وجمعها القرآن في لفظ الزينة بقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ .

والزينة: ما يحصل به الزين.

والزين: الحسن، مصدر زانه.

قال عمر بن أبي ربيعة: جلل الله ذلك الوجه زَيْناً يقال: زين بمعنى حسن، قال تعالى: ﴿ زين للناس حب الشهوات ﴾ في سورة آل عمران (14) وقال: ﴿ وزيناها للناظرين ﴾ في سورة الحجر (16).

والزينة قسمان خِلقية ومكتسبة.

فالخلقية: الوجه والكفان أو نصف الذراعين، والمكتسبة: سبب التزين من اللباس الفاخر والحلي والكحل والخضاب بالحناء.

وقد أطلق اسم الزينة على اللباس في قوله تعالى: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ [الأعراف: 31] وقوله: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ﴾ في سورة الأعراف (32)، وعلى اللباس الحسن في قوله ﴿ قال موعدكم يوم الزينة ﴾ [طه: 59].

والتزين يزيد المرأة حسناً ويلفت إليها الأنظار لأنها من الأحوال التي لا تقصد إلا لأجل التظاهر بالحسن فكانت لافتة أنظار الرجال، فلذلك نهى النساء عن إظهار زينتهن إلا للرجال الذين ليس من شأنهم أن تتحرك منهم شهوة نحوها لحرمة قرابة أو صهر.

واستثني ما ظهر من الزينة وهو ما في ستره مشقة على المرأة أو في تركه حرج على النساء وهو ما كان من الزينة في مواضع العمل التي لا يجب سترها مثل الكحل والخضاب والخواتيم.

وقال ابن العربي: إن الزينة نوعان: خلقية ومصطنعة.

فأما الخلقية: فمعظم جسد المرأة وخاصة: الوجه والمعصمين والعضدين والثديين والساقين والشعر.

وأما المصطنعة: فهي ما لا يخلو عنه النساء عرفاً مثل: الحلي وتطريز الثياب وتلوينها ومثل الكحل والخضاب بالحناء والسواك.

والظاهر من الزينة الخلقية ما في إخفائه مشقة كالوجه والكفين والقدمين، وضدها الخفية مثل أعالي الساقين والمعصمين والعضدين والنحر والأذنين.

والظاهر من الزينة المصطنعة ما في تركه حرج على المرأة من جانب زوجها وجانب صورتها بين أترابها ولا تسهل إزالته عند البدوّ أمام الرجال وإرجاعه عند الخلو في البيت، وكذلك ما كان محل وضعه غير مأمور بستره كالخواتيم بخلاف القرط والدمالج.

واختلف في السوار والخلخال والصحيح أنهما من الزينة الظاهرة وقد أقر القرآن الخلخال بقوله: ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ﴾ كما سيأتي.

قال ابن العربي: روى ابن القاسم عن مالك: ليس الخضاب من الزينة اه ولم يقيده بخضاب اليدين.

وقال ابن العربي: والخضاب من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين.

فمعنى ﴿ ما ظهر منها ﴾ ما كان موضعه مما لا تستره المرأة وهو الوجه والكفان والقدمان.

وفسر جمع من المفسرين الزينة بالجسد كله وفسر ما ظهر بالوجه والكفين قيل والقدمين والشعر.

وعلى هذا التفسير فالزينة الظاهرة هي التي جعلها الله بحكم الفطرة بادية يكون سترها معطلاً الانتفاع بها أو مدخلاً حرجاً على صاحبتها وذلك الوجه والكفان، وأما القدمان فحالهما في الستر لا يعطل الانتفاع ولكنه يعسره لأن الحفاء غالب حال نساء البادية.

فمن أجل ذلك اختلف في سترهما الفقهاء؛ ففي مذهب مالك قولان: أشهرهما أنها يجب ستر قدميها، وقيل: لا يجب، وقال أبو حنيفة: لا يجب ستر قدميها، أما ما كان من محاسن المرأة ولم يكن عليها مشقة في ستره فليس مما ظهر من الزينة مثل النحر والثدي والعضد والمعصم وأعلى الساقين، وكذلك ما له صورة حسنة في المرأة وإن كان غير معرى كالعجيزة والأعكان والفخذين ولم يكن مما في إرخاء الثوب عليه حرج عليها.

وروى مالك في «الموطأ» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة " قال ابن عبد البر: أراد اللواتي يلبسن من الثياب الخفيف الذي يصف ولا يستر، أي هن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة اه.

وفي نسخة ابن بشكوال من «الموطأ» عن القنازعي قال فسر مالك: إنهن يلبسن الثياب الرقاق التي لا تسترهن اه.

وفي سماع ابن القاسم من «جامع العتبية» قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب نهى النساء عن لبس القباطي.

قال ابن رشد في «شرحه»: هي ثياب ضيقة تلتصق بالجسم لضيقها فتبدو ثخانة لابستها من نحافتها، وتبدي ما يستحسن منها، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ اه.

وفي روايات ابن وهب من «جامع العتبية» قال مالك في الإماء يلبسن الأقبية: ما يعجبني فإذا شدته عليها كان إخراجاً لعجزتها.

وجمهور الأئمة على أن استثناء إبداء الوجه والكفين من عموم منع إبداء زينتهن يقتضي إباحة إبداء الوجه والكفين في جميع الأحوال لأن الشأن أن يكون للمستثنى جميع أحوال المستثنى منه.

وتأوله الشافعي بأنه استثناء في حالة الصلاة خاصة دون غيرها وهو تخصيص لا دليل عليه.

ونُهِين عن التساهل في الخِمرة.

والخمار: ثوب تضعه المرأة على رأسها لستر شعرها وجيدها وأذنيها وكان النساء ربما يسدلن الخمار إلى ظهورهن كما تفعل نساء الأنباط فيبقى العنق والنحر والأذنان غير مستورة فلذلك أُمرْنَ بقوله تعالى: ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ .

والضرب: تمكين الوضع وتقدم في قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يستحيِ أن يضرب مثلاً ﴾ في سورة البقرة (26).

والمعنى: ليشددن وضع الخمر على الجيوب، أي بحيث لا يظهر شيء من بشرة الجيد.

والباء في قوله ﴿ بخمرهن ﴾ لتأكيد اللصوق مبالغة في إحكام وضع الخمار على الجيب زيادة على المبالغة المستفادة من فعل ﴿ يضربن ﴾ .

والجُيوب: جمع جيب بفتح الجيم وهو طوق القميص مما يلي الرقبة.

والمعنى: وليضعن خمرهن على جيوب الأقمصة بحيث لا يبقى بين منتهى الخمار ومبدأ الجَيب ما يظهر منه الجيد.

وقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أعيد لفظ ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ تأكيداً لقوله ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ المتقدم وليبني عليه الاستثناء في قوله: ﴿ إلا لبعولتهن ﴾ إلخ الذي مقتضى ظاهره أن يعطف على ﴿ إلا لبعولتهن ﴾ لبعد ما بين الأول والثاني، أي ولا يبدين زينتهن غير الظاهرة إلا لمن ذُكروا بعد حرف الاستثناء لشدة الحرج في إخفاء الزينة غير الظاهرة في أوقات كثيرة، فإن الملابسة بين المرأة وبين أقربائها وأصهارها المستثنين ملابسة متكررة فلو وجب عليها ستر زينتها في أوقاتها كان ذلك حرجاً عليها.

وذكرت الآية اثني عشر مستثنى كلهم ممن يكثر دخولهم.

وسكتت الآية عن غيرهم ممن هو في حكمهم بحسب المعنى.

وسنذكر ذلك عند الفراغ من ذكر المصرح بهم في الآية.

والبعولة: جمع بعل.

وهو الزوج، وسيد الأَمَة.

وأصل البعل الرب والمالك (وسمي الصنم الأكبر عند أهل العراق القدماء بعْلاً وجاء ذكره في القرآن في قصة أهل نينوى ورسولهم إلياس)، فأطلق على الزوج لأن أصل الزواج ملك وقد بقي من آثار الملك فيه الصداق لأنه كالثمن.

ووزن فعولة في الجموع قليل وغير مطرد وهو مزيد التاء في زنة فعول من جموع التكسير.

وكل من عد من الرجال الذين استُثْنوا من النهي هم من الذين لهم بالمرأة صلة شديدة هي وازع من أن يهموا بها.

وفي سماع ابن القاسم من كتاب «الجامع من العتبية»: سئل مالك عن الرجل تضع أم امرأته عنده جلبابها قال: لا بأس بذلك.

قال ابن رشد في «شرحه»: لأن الله تعالى قال: ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ الآية، فأباح الله تعالى أن تضع خمارها عن جيبها وتبدي زينتها عند ذوي محارمها من النسب أو الصهر ا ه.

أي قاس مالك زوج بنت المرأة على ابن زوج المرأة لاشتراكهما في حُرمة الصهر.

والإضافة في قوله: ﴿ نسائهن ﴾ إلى ضمير ﴿ المؤمنات ﴾ : إن حملت على ظاهر الإضافة كانت دالة على أنهن النساء اللاتي لهن بهن مزيد اختصاص فقيل المراد نساء أُمَّتِهن، أي المؤمنات، مثل الإضافة في قوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ [البقرة: 282]، أي من رجال دينكم.

ويجوز أن يكون المراد أو النساء.

وإنما أضافهن إلى ضمير النسوة إتباعاً لبقية المعدود.

قال ابن العربي: إن في هذه الآية خمسة وعشرين ضميراً فجاء هذا للإتباع ا ه.

أي فتكون الإضافة لغير داع معنوي بل لداع لفظي تقتضيه الفصاحة مثل الضميرين المضاف إليهما في قوله تعالى: ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ [الشمس: 8] أي ألهمها الفجور والتقوى.

فإضافتهما إلى الضمير إتباع للضمائر التي من أول السورة: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [الشمس: 1] وكذلك قوله فيها: ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ [الشمس: 11] أي بالطغوى وهي الطغيان فذكر ضمير ثمود مستغنى عنه لكنه جيء به لمحسن المزاوجة.

ومن هذين الاحتمالين اختلف الفقهاء في جواز نظر النساء المشركات والكتابيات إلى ما يجوز للمرأة المسلمة إظهاره للأجنبي من جسدها.

وكلام المفسرين من المالكية وكلام فقهائهم في هذا غير مضبوط.

والذي يستخلص من كلامهم قول خليل في «التوضيح» عند قول ابن الحاجب: وعورة الحرة ما عدا الوجه والكفين.

ومقتضى كلام سيدي أبي عبد الله بن الحاج: أما الكافرة فكالأجنبية مع الرجال اتفاقاً ا ه.

وفي مذهب الشافعي قولان: أحدهما: أن غير المسلمة لا ترى من المرأة المسلمة إلا الوجه والكفين ورجحه البغوي وصاحب «المنهاج» البيضاوي واختاره الفخر في «التفسير».

ونقل مثل هذا عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وعلله ابن عباس بأن غير المسلمة لا تتورع عن أن تصف لزوجها المسلمة.

وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح: «أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنعْ من ذلك وحُلْ دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عِرْيَة المسلمة».

القول الثاني: أن المرأة غير المسلمة كالمسلمة ورجحه الغزالي.

ومذهب أبي حنيفة كذلك فيه قولان: أصحهما أن المرأة غير المسلمة كالرجل الأجنبي فلا ترى من المرأة المسلمة إلا الوجه والكفين والقدمين، وقيل: هي كالمرأة المسلمة.

وأما ما ملكت أيمانهن فهو رخصة لأن في ستر المرأة زينتها عنهم مشقة عليها.

لكثرة ترددهم عليها.

ولأن كونه مملوكاً لها وازع له ولها عن حدوث ما يحرم بينهما، والإسلام وازع له من أن يصف المرأة للرجال.

وأما التابعون غير أولي الإربة من الرجال فهم صنف من الرجال الأحرار تشترك أفراده في الوصفين وهما التبعية وعدم الإربة.

فأما التبعية فهي كونهم من أتباع بيت المرأة وليسوا ملك يمينها ولكنهم يترددون على بيتها لأخذ الصدقة أو للخدمة.

والإربة: الحاجة.

والمراد بها الحاجة إلى قربان النساء.

وانتفاء هذه الحاجة تظهر في المجبوب والعنين والشيخ الهرم فرخص الله في إبداء الزينة لنظر هؤلاء لرفع المشقة عن النساء مع السلامة الغالبة من تطرق الشهوة وآثارها من الجانبين.

واختلف في الخصي غير التابع هل يلحق بهؤلاء على قولين مرويين عن السلف.

وقد روي القولان عن مالك.

وذكر ابن الفرس: أن الصحيح جواز دخوله على المرأة إذا اجتمع فيه الشرطان التبعيّة وعدم الإربة.

وروي ذلك عن معاوية بن أبي سفيان.

وأما قضية (هيتٍ) المخنث أو المخصي ونهى النبي صلى الله عليه وسلم نساءه أن يدخلن عليهن فتلك قضية عين تعلقت بحالة خاصة فيه.

وهي وصفه النساء للرجال فتقصى على أمثاله.

ألا ترى أنه لم ينه عن دخوله على النساء قبل أن يسمع منه ما سمع.

وقرأ الجمهور: ﴿ غير أولي الإربة ﴾ بخفض ﴿ غير ﴾ .

وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بنصب ﴿ غير ﴾ على الحال.

والطفل مفرد مراد به الجنس فلذلك أجري عليه الجمع في قوله: ﴿ الذين لم يظهروا ﴾ وذلك مثل قوله: ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ [الحجّ: 5] أي أطفالاً.

ومعنى: ﴿ لم يظهروا على عورات النساء ﴾ لم يطلعوا عليها.

وهذا كناية عن خلو بالهم من شهوة النساء وذلك ما قبل سن المراهقة.

ولم يذكر في عداد المستثنيات العم والخال فاختلف العلماء في مساواتهما في ذلك: فقال الحسن والجمهور: هما مساويان لمن ذكر من المحارم وهو ظاهر مذهب مالك إذ لم يذكر المفسرون من المالكية مثل ابن الفرس وابن جزي عنه المنع.

وقال الشعبي بالمنع وعلل التفرقة بأن العم والخال قد يصفان المرأة لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.

وهذا تعليل واهٍ لأن وازع الإسلام يمنع من وصف المرأة.

والظاهر أن سكوت الآية عن العم والخال ليس لمخالفة حكمهما حكم بقية المحارم ولكنه اقتصار على الذين تكثر مزاولتهم بيت المرأة، فالتعداد جرى على الغالب.

ويلحق بهؤلاء القرابة من كان في مراتبهم من الرضاعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ".

وجزم بذلك الحسن، ولم أر فيه قولاً للمالكية.

وظاهر الحديث أن فيهم من الرخصة ما في محارم النسب والصهر.

﴿ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ .

الضرب بالأرجل إيقاع المشي بشدة كقوله: يضرب في الأرض.

روى الطبري عن حضرمي: أن امرأة اتخذت بُرتين (تثنية بُرَة بضم الباء وتخفيف الراء المفتوحة ضرب من الخَلْخَال) من فضة واتخذت جَزْعاً في رجليها فمرت بقوم فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية.

والتحقيق أن من النساء من كن إذا لبسن الخلخال ضربن بأرجلهن في المشي بشدة لتسمع قعقعة الخلاخل غنجاً وتباهياً بالحسن فنهين عن ذلك مع النهي عن إبداء الزينة.

قال الزجاج: سماع هذه الزينة أشد تحريكاً للشهوة من النظر للزينة فأما صوتُ الخلخال المعتادُ فلا ضير فيه.

وفي أحاديث ابن وهب من «جامع العتبية»: سئل مالك عن الذي يكون في أرجل النساء من الخلاخل قال: «ما هذا الذي جاء فيه الحديث وتركُه أحب إليّ من غير تحريم».

قال ابن رشد في «شرحه«: أراد أن الذي يحرمُ إنما هو أن يقصدْنَ في مشيهن إلى إسماع قعقعة الخلاخل إظهاراً بهن من زينتهن.

وهذا يقتضي النهي عن كل ما من شأنه أن يُذَكِّرَ الرجل بلهو النساء ويثير منه إليهن من كل ما يُرى أو يسمع من زينة أو حركة كالتثني والغناء وكلم الغَزَل.

ومن ذلك رقص النساء في مجالس الرجال ومن ذلك التلطخ بالطيب الذي يغلب عبيقه.

وقد أومأ إلى علة ذلك قوله تعالى: ﴿ ليعلم ما يخفين من زينتهن ﴾ ولعن النبي صلى الله عليه وسلم المستوشمات والمتفلجات للحسن.

قال مكي بن أبي طالب ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه الآية جمعت خمسة وعشرين ضميراً للمؤمنات من مخفوض ومرفوع وسماها أبو بكر ابن العربي: آية الضمائر.

﴿ وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .

أعقبت الأوامر والنواهي الموجهة إلى المؤمنين والمؤمنات بأمر جميعهم بالتوبة إلى الله إيماء إلى أن فيما أمروا به ونهوا عنه دفاعاً لداع تدعو إليه الجبلة البشرية من الاستحسان والشهوة فيصدر ذلك عن الإنسان عن غفلة ثم يتغلغل هو فيه فأمروا بالتوبة ليحاسبوا أنفسهم على ما يفلت منهم من ذلك اللمم المؤدي إلى ما هو أعظم.

والجملة معطوفة على جملة: ﴿ قل للمؤمنين ﴾ [النور: 30].

ووقع التفات من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خطاب الأمة لأن هذا تذكير بواجب التوبة المقررة من قبل وليس استئناف تشريع.

ونبه بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ على أن المخاطبين هم المؤمنون والمؤمنات وإن كان الخطاب ورد بضمير التذكير على التغليب، وأن يؤملوا الفلاح إن هم تابوا وأنابوا.

وتقدم الكلام على التوبة في سورة النساء (17) عند قوله تعالى: ﴿ إنما التوبة على الله.

﴾ وكتب في المصحف ﴿ أيه ﴾ بهاء في آخره اعتباراً بسقوط الألف في حال الوصل مع كلمة ﴿ المؤمنون ﴾ .

فقرأها الجمهور بفتح الهاء بدون ألف في الوصل.

وقرأها أبو عامر بضم الهاء إتباعاً لحركة (أيّ).

ووقف عليها أبو عمرو والكسائي بألف في آخرها.

ووقف الباقون عليها بسكون الهاء على اعتبار ما رسمت به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ والزِّينَةُ ما أدْخَلَتْهُ المَرْأةُ عَلى بَدَنِها حَتّى زانَها وحَسَّنَها في العُيُونِ كالحُلِيِّ والثِّيابِ والكُحْلِ والخِضابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ قالَ الشّاعِرُ: يَأْخُذُ زِينَتَهُنَّ أحْسَنَ ما تُرى وإذا عَطَلْنَ فَهُنَّ غَيْرُ عَواطِلِ والزِّينَةُ زِينَتانِ: ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ، فالظّاهِرَةُ لا يَجِبُ سَتْرُها ولا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الثِّيابُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: الكُحْلُ والخاتَمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ.

الثّالِثُ: الوَجْهُ والكَفّانِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ.

وَأمّا الباطِنَةُ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: القُرْطُ والقِلادَةُ والدُّمْلُجُ والخَلْخالُ، واخْتُلِفَ في السُّوارِ فَرُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ، وقالَ غَيْرُها هو مِنَ الباطِنَةِ، وهو أشْبَهُ لِتَجاوُزِهِ الكَفَّيْنِ، فَأمّا الخِضابُ فَإنْ كانَ في الكَفَّيْنِ فَهو مِنَ الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ، وإنْ كانَ في القَدَمَيْنِ فَهو مِنَ الباطِنَةِ، وهَذِهِ الزِّينَةُ الباطِنَةُ يَجِبُ سَتْرُها عَنِ الأجانِبِ ويَحْرُمُ عَلَيْها تَعَمُّدُ النَّظَرِ إلَيْها فَأمّا ذَوُو المَحارِمِ فالزَّوْجُ مِنهم يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ والِالتِذاذُ، وغَيْرُهُ مِنَ الآباءِ والأبْناءِ والإخْوَةِ يَجُوزُ لَهُمُ النَّظَرُ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الِالتِذاذُ.

رَوى الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما [أنَّهُما] كانا يَدْخُلانِ عَلى أُخْتِهِما أُمِّ كُلْثُومٍ وهي تَمْتَشِطُ.

وَتَأوَّلَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ هَذِهِ الزِّينَةَ بِتَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها الدُّنْيا فَلا يُتَظاهَرُ بِما أُوتِيَ مِنها ولا يُتَفاخَرُ إلّا بِما ظَهَرَ مِنها ولَمْ يَنْسَتِرْ.

الثّانِي: أنَّها الطّاعَةُ لا يَتَظاهَرُ بِها رِياءً إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولَمْ يَنْكَتِمْ، وهُما بَعِيدانِ.

﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ﴾ الخُمُرُ المَقانِعُ أُمِرْنَ بِإلْقائِها عَلى صُدُورِهِنَّ تَغْطِيَةً لِنُحُورِهِنَّ فَقَدْ كُنَّ يُلْقِينَها عَلى ظُهُورِهِنَّ بادِيَةً نُحُورِهِنَّ، وقِيلَ: كانَتْ قُمُصُهِنَّ مَفْرُوجَةَ الجُيُوبِ كالدُّرْعَةِ يَبْدُو مِنها صُدُورُهُنَّ فَأمَرْنَ بِإلْقاءِ الخَمْرِ لِسَتْرِها.

وَكُنِّيَ عَنِ الصُّدُورِ بِالجُيُوبِ لِأنَّها مَلْبُوسَةٌ عَلَيْها.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ يَعْنِي الزِّينَةَ الباطِنَةَ إبْداؤُها لِلزَّوْجِ اسْتِدْعاءٌ لِمَيْلِهِ وتَحْرِيكًا لِشَهْوَتِهِ ولِذَلِكَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ  السَّلْتاءَ والمَرْهاءَ» فالسَّلْتاءُ الَّتِي لا تَخْتَضِبُ، والمَرْهاءُ الَّتِي لا تَكْتَحِلُ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِانْصِرافِ شَهْوَةِ الزَّوْجِ عَنْها فَأمَرَها بِذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِشَهْوَتِهِ، «وَلَعَنَ  المُفْشِلَةَ والمُسَوِّفَةَ،» المُسَوِّفَةُ الَّتِي إذا دَعاها لِلْمُباشَرَةِ قالَتْ سَوْفَ أفْعَلُ، والمُفْشِلَةُ الَّتِي إذا دَعاها قالَتْ إنَّها حائِضٌ وهي غَيْرُ حائِضٍ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « (لُعِنَتِ الغائِصَةُ والمُغَوِّصَةُ)» فالغائِصَةُ الَّتِي لا تُعْلِمُ زَوْجَها بِحَيْضِها حَتّى يُصِيبَها، والمُغَوِّصَةُ الَّتِي تَدَّعِي أنَّها حائِضٌ لِيَمْتَنِعَ زَوْجُها مِن إصابَتِها ولَيْسَتْ بِحائِضٍ.

واخْتَلَفَ أصْحابُنا في تَعَمُّدِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرَ إلى فَرْجِ صاحِبِهِ تَلَذُّذًا بِهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَجُوزُ كَما يَجُوزُ الِاسْتِمْتاعُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ  ﴾ .

الثّانِي: لا يَجُوزُ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (لَعَنَ اللَّهُ النّاظِرَ والمَنظُورَ إلَيْهِ)» .

فَأمّا ما سِوى الفَرْجَيْنِ مِنهُما فَيَجُوزُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إلَيْهِ مِن صاحِبِهِ وكَذَلِكَ الأمَةُ مَعَ سَيِّدِها.

﴿ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ ﴾ وهَؤُلاءِ كُلُّهم ذَوُو مَحارِمَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأسْبابِ والأنْسابِ يَجُوزُ أبَدًا نَظَرُ الزِّينَةِ الباطِنَةِ لَهم مِن غَيْرِ اسْتِدْعاءٍ لِشَهْوَتِهِمْ، ويَجُوزُ تَعَمُّدُ النَّظَرِ مِن غَيْرِ تَلَذُّذٍ.

والَّذِي يَلْزَمُ الحُرَّةَ أنْ تَسْتُرَ مِن بَدَنِها مَعَ ذَوِي مَحارِمِها ما بَيْنَ سُرَّتِها ورُكْبَتِها، وكَذَلِكَ يَلْزَمُ مَعَ النِّساءِ كُلِّهِنَّ أوْ يَسْتَتِرُ بَعْضُهُنَّ مِن بَعْضٍ ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ نِسائِهِنَّ ﴾ وفِيهِنَّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ المُسْلِماتُ لا يَجُوزُ لِمُسْلِمَةٍ أنْ تَكْشِفَ جَسَدَها عِنْدَ كافِرَةٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ النِّساءِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ يَعْنِي عَبِيدَهُنَّ، فَلا يَحِلُّ لِلْحُرَّةِ عَبْدُها، وإنْ حَلَّ لِلرَّجُلِ أمَتُهُ، لِأنَّ البُضْعَ إنَّما يَسْتَحِقُّهُ مالِكُهُ، وبُضْعُ الحُرَّةِ لا يَكُونُ مِلْكًا لِعَبْدِها، وبُضْعُ الأمَةِ مِلْكٌ لِسَيِّدِها.

واخْتَلَفَ أصْحابُنا في تَحْرِيمِ ما بَطَنَ مِن زِينَةِ الحُرَّةِ عَلى عَبْدِها، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها تَحِلُّ ولا تَحْرُمُ، وتَكُونُ عَوْرَتُها مَعَهُ كَعَوْرَتِها مَعَ ذَوِي مَحارِمِها، ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْها ولِاسْتِثْناءِ اللَّهِ تَعالى لَهُ مَعَ اسْتِثْنائِهِ مِن ذَوِي مَحارِمِها وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ.

والثّانِي: أنَّها تَحْرُمُ ولا تَحِلُّ وتَكُونُ عَوْرَتُها مَعَهُ كَعَوْرَتِها مَعَ الرِّجالِ والأجانِبِ وهو ما عَدا الزِّينَةَ الظّاهِرَةَ مِن جَمِيعِ البَدَنِ إلّا الوَجْهَ والكَفَّيْنِ، وتَأوَّلَ قائِلُ هَذا الوَجْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ عَلى الإماءِ دُونَ العَبِيدِ، وتَأوَّلَهُ كَذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْها فُضَلاءَ، كَما تَكُونُ المَرْأةُ في ثِيابِ بَيْتِها بارِزَةَ الذِّراعَيْنِ والسّاقَيْنِ والعُنُقِ اعْتِبارًا بِالعُرْفِ والعادَةِ، ورَفْعًا لِما سَبَقَ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وأمّا غَيْرُ عَبْدِها فَكالحُرِّ مَعَها، وإنْ كانَ عَبْدًا لِزَوْجِها وأُمِّها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّغِيرُ لِأنَّهُ لا إرْبَ لَهُ في النِّساءِ لِصِغَرِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ العِنِّينُ لِأنَّهُ لا إرْبَ لَهُ في النِّساءِ لِعَجْزِهِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، والشِّبْعِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الأبْلَهُ المَعْتُوهُ لِأنَّهُ لا إرْبَ لَهُ في النِّساءِ لِجَهالَتِهِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَجْبُوبُ لِفَقْدِ إرْبِهِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ.

والخامِسُ: أنَّهُ الشَّيْخُ الهَرِمُ لِذَهابِ إرْبِهِ، وهَذا قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الأحْمَقُ الَّذِي لا تَشْتَهِيهِ المَرْأةُ ولا يَغارُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والسّابِعُ: أنَّهُ المُسْتَطْعِمُ الَّذِي لا يَهُمُّهُ إلّا بَطْنُهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّامِنُ: أنَّهُ تابِعُ القَوْمِ يَخْدِمُهم بِطَعامِ بَطْنِهِ، فَهو مَصْرُوفٌ لا لِشَهْوَةٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفِيما أُخِذَتْ مِنهُ الإرْبَةُ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِنَ العَقْلِ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ أرِيبٌ إذا كانَ عاقِلًا.

والثّانِي: أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأرَبِ وهو الحاجَةُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

ثُمَّ أقُولُ: إنَّ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ والمَجْبُوبَ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ المَذْكُورَةِ في وُجُوبِ سَتْرِ الزِّينَةِ الباطِنَةِ مِنهم، وإباحَةِ ما ظَهَرَ مِنها مَعَهم كَغَيْرِهِمْ، فَأمّا الصَّغِيرُ فَإنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ولَمْ يُمَيِّزْ مِن أحْوالِهِنَّ شَيْئًا فَلا عَوْرَةَ لِلْمَرْأةِ مَعَهُ.

[فَإنْ كانَ مُمَيِّزًا غَيْرَ بالِغٍ] لَزِمَ أنْ تَسْتُرَ المَرْأةُ مِنهُ ما بَيْنَ سُرَّتِها ورُكْبَتِها وفي لُزُومِ سَتْرٍ ما عَداهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَلْزَمُ لِأنَّ القَلَمَ غَيْرُ جارٍ عَلَيْهِ والتَّكْلِيفَ لَهُ غَيْرُ لازِمٍ.

والثّانِي: يَلْزَمُ كالرَّجُلِ لِأنَّهُ قَدْ يَشْتَهِي ويُشْتَهى.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: لِعَدَمِ شَهْوَتِهِمْ.

والثّانِي: لَمْ يَعْرِفُوا عَوْراتِ النِّساءِ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِمْ.

والثّالِثُ: لَمْ يُطِيقُوا جِماعَ النِّساءِ.

وَأمّا الشَّيْخ ُ فَإنْ بَقِيَتْ فِيهِ شَهْوَةٌ فَهو كالشَّبابِ، فَإنْ فَقَدَها فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الزِّينَةَ الباطِنَةَ مَعَهُ مُباحَةٌ والعَوْرَةَ مَعَهُ ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ.

والثّانِي: أنَّها مَعَهُ مُحَرَّمَةٌ وجَمِيعَ البَدَنِ مَعَهُ عَوْرَةٌ إلّا الزِّينَةَ الظّاهِرَةَ، اسْتِدامَةً لِحالِهِ المُتَقَدِّمَةِ.

وَأمّا المَجْبُوبُ والخَصِيُّ فَفِيهِما لِأصْحابِنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اسْتِباحَةُ الزِّينَةِ الباطِنَةِ مَعَهُما.

والثّانِي: تَحْرِيمُها عَلَيْهِما.

والثّالِثُ: إباحَتُها لِلْمَجْبُوبِ وتَحْرِيمُها عَلى الخَصِيِّ.

والعَوْرَةُ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُبْحِ ظُهُورِها وغَضِّ البَصَرِ عَنْها، مَأْخُوذٌ مِن عَوَرِ العَيْنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَتِ المَرْأةُ إذا مَشَتْ تَضْرِبُ بِرِجْلِها لِيُسْمَعَ قَعْقَعَةُ خَلْخالِها، فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ.

وَيَحْتَمِلُ فِعْلُهُنَّ ذَلِكَ أمْرَيْنِ: فَإمّا أنْ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فَرَحًا بِزِينَتِهِنَّ ومَرَحًا، وإمّا تَعَرُّضًا لِلرِّجالِ وتَبَرُّجًا، فَإنْ كانَ الثّانِي فالمَنعُ مِنهُ حَتْمٌ، وإنْ كانَ الأوَّلُ فالمَنعُ مِنهُ نَدْبٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا- والله أعلم- أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث: أن أسماء بنت مرشد كانت في نخل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير مؤتزرات، فيبدو ما في أرجلهن يعني الخلاخل، ويبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء: ما أقبح هذا...

!

فأنزل الله في ذلك ﴿ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن...

﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ قال: الزينة.

السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة، ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ قال: الثياب والجلباب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الزينة زينتان.

زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج، فاما الزينة الظاهرة: فالثياب.

وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار، والخاتم.

ولفظ ابن جرير فالظاهرة منها: الثياب.

وما يخفي: فالخلخالان، والقرطان، والسواران.

وأخرج احمد والنسائي والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة استعطرت، فخرجت، فمرت على قوم فيجدوا ريحها، فهي زانية» .

وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ قال: الكحل، والخاتم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ قال: الكحل، والخاتم، والقرط، والقلادة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ قال: هو خضاب الكف، والخاتم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ قال: وجهها، وكفاها، والخاتم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ قال: رقعة الوجه، وباطن الكف.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب، والفتخ، وضمت طرف كمها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله: ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ قال: الوجه، وثغرة النحر.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ قال: الوجه، والكف.

وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله: ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ قال الكفان، والوجه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ قال: المسكتان، والخاتم، والكحل قال قتادة: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى هاهنا ويقبض نصف الذراع» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن المسور بن مخرمة في قوله: ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ قال: القلبين يعني السوار، والخاتم، والكحل.

وأخرج سنيد وابن جرير عن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ قال: الخاتم، والمسكة قال ابن جريج.

وقالت عائشة رضي الله عنها: القلب والفتخة.

قالت عائشة: دخلت على ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض فقالت عائشة رضي الله عنها: انها ابنة أخي وجارية فقال: «إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، وإلا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى» .

وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي في سننه عن «أم سلمة إنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة فقالت: بينا نحن عنده أقبل ابن أبي مكتوم، فدخل عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجبا عنه فقالت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟

فقال أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟!» .

وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن عائشة: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفه» .

وأخرج أبو داود في مراسيله عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» والله أعلم.

وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: رحم الله نساء المهاجرات الأول؛ لما أنزل الله: ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ أخذ النساء أزُرَهُنَّ فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن عائشة قالت: لما نزلت هذه الآية ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ شققن أكتف مروطهن، فاختمرن به.

وأخرج الحاكم وصححه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تختمر فقال: لية لا ليتين.

وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة: ان نساء قريش لفضلى، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، أشد تصديقاً لكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته، وعلى ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله في كتابه، فاصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان.

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن عائشة: أن امرأة دخلت عليها وعليها خمار رقيق يشف جبينها، فأخذته عائشة فشقته ثم قالت: ألا تعلمين ما أنزل الله في سورة النور، فدعت لها بخمار فكستها اياه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ وليضربن ﴾ وليشددن ﴿ بخمرهن على جيوبهن ﴾ يعني النحر، والصدر، فلا يرى منه شيء.

وأخرج أبو داود في الناسخ عن ابن عباس قال: في سورة النور ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ وقال: ﴿ يدنين عليهن من جلابيبهن ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿ والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن....

﴾ والمتبرجات اللاتي يخرجن غير نحورهن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ والزينة الظاهرة.

الوجه، وكحل العينين، وخضاب الكف، والخاتم، فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها ثم قال: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن...

﴾ والزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها، وقلادتها، وسوارها، فأما خلخالها، ومعضدها، ونحرها، وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ يعني ولا يضعن الجلباب وهو القناع من فوق الخمار ﴿ إلا لبعولتهن أو آبائهن....

﴾ قال: فهو محرم.

وكذلك العم، والخال ﴿ أو نسائهن ﴾ يعني نساء المؤمنات ﴿ أو ما ملكت أيمانهن ﴾ يعني عبد المرأة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ حتى فرغ منها قال: لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، فلا تضع خمارها عند العم والخال.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ أو نسائهن ﴾ قال: من المسلمات، لا تبديه ليهودية، ولا لنصرانية، وهو النحر، والقرط، والوشاح، وما حوله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها أي لا تكون قابلة عند مشركة، ولا تقبلها لأن الله تعالى يقول ﴿ أو نسائهن ﴾ فلسن من نسائهن.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة أما بعد؛ فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أو ما ملكت أيمانهن ﴾ يعني عبد المرأة لا يحل لها أن تضع جلبابها عند عبد زوجها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: لا بأس أن يرى العبد شعر سيدته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: تضع المرأة الجلباب عند المملوك.

وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب، إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك» .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان لإِحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه» .

وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان العبيد يدخلون على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أو ما ملكت أيمانهن ﴾ قال: في القراءة الأولى.

الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن طاوس ومجاهد قال: لا ينظر المملوك لشعر سيدته قالا: وفي بعض القراءة ﴿ أو ما ملكت أيمانكم الذين لم يبلغوا الحلم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق عن عطاء أنه سئل: هل يرى غلام المرأة رأسها وقدمها؟

قال: ما أحب ذلك إلا أن يكون غلاماً يسراً، فأما رجل ذو لحية فلا.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: لا تغرنكم هذه الآية ﴿ أو ما ملكت أيمانهن ﴾ إنما عني بها الإِماء، ولم يعن بها العبيد.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: تستتر المرأة من غلامها.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو التابعين غير أولي الإِربة من الرجال ﴾ قال: هو الذي لا يستحي منه النساء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو التابعين غير أولي الإِربة ﴾ قال: هذا الرجل يتبع القوم وهو مغفل في عقله، لا يكترث للنساء، ولا يشتهي النساء.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو التابعين غير أولي الإِربة من الرجال ﴾ قال: كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه، ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده، وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن طاوس ﴿ غير أولي الإِربة ﴾ قال: هو الأحمق الذي ليس له في النساء أرب ولا حاجة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ غير أولي الإِربة ﴾ قال: هو الأبله الذي لا يعرف أمر النساء.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ غير أولي الإِربة ﴾ قال: هو المخنث الذي لا يقوم زبه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ غير أولي الإِربة من الرجال ﴾ قال: هو الشيخ الكبير الذي لا يطيق النساء.

وأخرج عبد بن حميد ﴿ غير أولي الإِربة ﴾ هو العنين.

وأخرج ابن المنذر عن الكلبي ﴿ غير أولي الإِربة ﴾ قال: هو الخصي والعنين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة قال هو الذي لا يقوم زبه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: هو المعتوه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الشعبي قال: هو الذي لم يبلغ أربه أن يطلع على عورات النساء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت: «كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإِربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا أرى هذا يعرف ما هاهنا لا يدخلن عليكم فحجبوه» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «كان يدخل على أزاوج النبي صلى الله عليه وسلم هيت وإنما كن يعددنه من غير أولي الإِربة من الرجال، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو ينعت امرأة يقول: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أسمع هذا يعلم ما هاهنا لا يدخلن عليكم، فأخرجه فكان بالبيداء يدخل كل جمعة يستطعم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ﴾ قال: هم الذين لا يدرون ما النساء من الصغر قبل الحلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ﴾ قال: الغلام الذي لم يحتلم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها.

والله أعلم.

وأخرج ابن جرير عن حضرمي: أن امرأة اتخذت معرنين من فضة، واتخذت جزعاً فمرت على القوم، فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصّوت، فأنزل الله: ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ﴾ وهو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، أو تكون على رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال.

فنهى الله عن ذلك لأنه من عمل الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ﴾ قال: كانت المرأة تضرب برجلها ليسمع قعقعة الخلخال فيها، فنهى عن ذلك.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ﴾ قال: الخلخال.

نهى أن تضرب برجلها ليسمع صوت الخلخال.

وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة قال: كن نساء الجاهلية يلبسن الخلاخيل الصم، فأنزل الله هذه الآية ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كانت المراة تمر على المجلس في رجلها الخرز، فإذا جاوزت المجلس ضربت برجلها، فنزلت ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن المرأة كانت يكون في رجلها الخلخال فيه الجلاجل، فإذا دخل عليها غريب تحرك رجلها عمداً ليسمع صوت الخلخال فقال: ﴿ ولا يضربن ﴾ يعني لا يحركن أرجلهن ﴿ ليعلم ما يخفين ﴾ يعني ليعلم الغريب إذا دخل عليها ما تخفي من زينتها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﴿ ليعلم ما يخفين من زينتهن ﴾ قال: الخلخال.

وأخرج الترمذي عن ميمونة بنت سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها» .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن الأغر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى الله جميعاً فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة» .

وأخرج أحمد عن حذيفة قال: كان في لساني ذوب إلى أهلي فلم أعده إلى غيره فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أين أنت من الاستغفار يا حذيفة؟

إني لاستغفر الله في كل يوم مائة مرة، وأتوب إليه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: كم للمؤمنين من ستر؟

قال: هي أكثر من أن يحصى، ولكن المؤمن إذا عمل خطيئة هتك منها ستراً، فإذا تاب رجع إليه ذلك الستر، وتسعة معه وإذا لم يبق عليه منها شيء قال الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: «إن بني آدم يعيرون ولا يغفرون فحفوه بأجنحتكم، فيفعلون به ذلك، فإن تاب رجعت إليه الأستار كلها، وإذا لم يتب عجبت منه الملائكة فيقول الله لهم: اسلموه.

فيسلموه حتى لا يستر منه عورة.

وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن مغفل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الندم توبة» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن مسعود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الندم توبة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه سئل: عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها فقال: أوّله سفاح، وآخره نكاح، وتوبتهما إلي جميعاً أحب من توبتهما إلي متفرقين، إن الله يقول ﴿ توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ مفسّر في الآية التي قبلها إلى قوله: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ ، قال المقاتلان (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) واختلفوا في الزينة الظاهرة التي استثنى الله بقوله ﴿ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : فروي عن ابن مسعود بطرق مختلفة أنَّه قال: هو الثياب: الجلباب والرداء لا يبدين قُرطًا ولا سوارًا ولا خلخالًا ولا قلادة (٨) .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وهو قول الحسن (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقال (١٣) ﴿ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ كفّها ووجهها (١٤) وقول الضحاك في رواية جويبر (١٥) وبه قال مقاتل بن سليمان (١٦) (١٧) ونحو هذا روى جابر [بن زيد] (١٨) (١٩) وقال في رواية عطاء: ﴿ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ يريد الكحل لأنه لا تقدر أن تغطي عينها.

وزاد سعيد بن جبير عنه في رواية مسلم الملائي (٢٠) (٢١) (٢٢) وهو قول أنس بن مالك (٢٣) (٢٤) (٢٥) وروي عن عائشة أنها قالت وسئلت عن الزينة الظاهرة؟: هي القُلب والفتخة (٢٦) (٢٧) وهو قول السدي: الخاتم والقُلب (٢٨) وقول قتادة: المسكتَان (٢٩) (٣٠) وقوله ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ الخُمُر: جمع الخِمَار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، وقد تخمَّرت المرأة واختمرت، وهي حسنةُ الخِمْرَة والخُمْرة (٣١) والجيوب: جمع الجَيْب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص (٣٢) (٣٣) رَحِيب (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) وقال: أجببت القميص إذا أخرجت رأسك من جيبه هذا هو الأصل، ثم صار الاجتباب اسمًا للبس، يقال: اجتاب الشيء، إذا لبسه وإن اشتمل به (٤٢) قال المقاتلان في تفسير (جُيُوبِهِنَّ): صدورهن (٤٣) وعلى هذا المعنى: على مواضع جيوبهن؛ لأنَّ مواضع الجيوب الصدور.

والمعنى: وليُلقين (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) وقال الكلبي: يقول: ليُرخين خمرهن (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) وقوله ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ يعني الزينة الباطنة وهي التي سوى ما ظهر منها.

قال ابن عباس (٥٧) (٥٨) قال عكرمة: في هذه الآية (٥٩) (٦٠) قال المفسرون (٦١) (٦٢) وجملة القول في هذه الآية: أن الرجل يحرم عليه النظر إلى الحرّة الأجنبية، ويحرم عليها أن تنظر إليه، وأن تبدي له شيئًا من زينتها سوى الزينة الظاهرة على (٦٣) (٦٤)  - أنه قال: "إذا خطب أحدكم المرأة فلا بأس أن ينظر إليها وهي لا تعلم" (٦٥) وكذلك (٦٦) (٦٧) وقد جمع الله في هذه الآية بين البعولة والمحارم وبينهما (٦٨) (٦٩)  - عن ذلك ولقوله: "إنَّ ذلك يورث العمى" (٧٠) وأمَّا المحارم المذكورون (٧١) (٧٢) وأمَّا الأمة فما بين سرتها وركبتها من عورتها وليس شعرها ولا رقبتها من عورتها (٧٣) وقوله ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ قال المفسرون (٧٤) قال ابن عباس: لا يحل لهن أن يراهن يهوديات ولا نصرانيات لئلا يصفنهن لأزواجهن (٧٥) وقوله ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ يعني المماليك والعبيد، للمرأة أن ظهر لمملوكها إذا كان عفيفًا ما تظهر لمحارمها، وكذلك مكاتبها ما لم يعتق بالأداء أو بالإبراء.

قال رسول الله -  -: "إذا وجد مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب عنه" (٧٦) وقوله ﴿ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ﴾ أكثر القراء على خفض (غَيْرِ) (٧٧) وقد قيل: إنّما جاز أن يوصفوا بـ (غير) في هذا النحو لقصر الوصف على شيء بعينه، فإذا قصر على شيء بعينه زال الشياع عنه فاختص.

والتابعون ضربان: ذو إربة، وغير (٧٨) (٧٩) وقد أحكمنا هذه المسألة عند قوله ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

ومن نصب (غير) احتمل أمرين: أحدهما: أن يكون استثناء التقدير: يبدين (٨٠) والآخر: أن يكون حالاً.

المعنى: والذين يتبعوهن عاجزين عنهن، وذو الحال ما في التابعين من الذكر (٨١) والإربة معناها في اللغة: الحاجة (٨٢) قال أبو عبيد: الإربة والإرب: الحاجة (٨٣)  ا: كان النبي -  - أملككم لإربه (٨٤) وقد أرِبَ الرّجل إذا احتاج إلى الشيء وطلبه، يأربُ أربًا (٨٥) وقال الفراء (٨٦) (٨٧) والمآرب: الحوائج.

ومنه قوله -عز وجل-: ﴿ وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى  ﴾ (٨٨) وأما التفسير: فقال مجاهد: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء (٨٩) [وهو قول عكرمة وعلقمة والشعبي (٩٠) (٩١) وقال ابن عباس: هو الذي لا يستحي منه النساء (٩٢) وقال في رواية عطاء: هو الرجل المسن الصالح الذي إذا قعدت وعنده امرأة غض بصره عنها (٩٣) وقال عطاء: الذي لا يهمّه إلا بطنه (٩٤) وهو قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٩٥) وقال بُسر بن سعيد (٩٦) (٩٧) وقال قتادة: هو الذي يتبعك يصيب من طعامك، ولا همَّ له في النساء (٩٨) وقال مقاتل (٩٩) (١٠٠) (١٠١) وقال الحسن: هم قوم طُبِعُوا على التخنيث، فكان (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) وهذا قول الحكم (١٠٥) وقال ابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنّه منهم، ونشأ فيهم، وليس له في نسائهم (١٠٦) (١٠٧) (١٠٨) وروى ليث، عن مجاهد: أنه الأبله الذي لا يعرف أمر النساء (١٠٩) (١١٠) (١١١) وقوله ﴿ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ﴾ قال المبرد: الطفل في هذا الموضع يعني به الجماعة من الأطفال، ومجازه مجاز المصدر، وكذلك ﴿ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا  ﴾ .

والمصدر يقع على الفعل (١١٢) (١١٣) وقوله ﴿ لَمْ يَظْهَرُوا ﴾ قال الفراء: يقول: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء، وهو كما تقول: صارع فلان فلانًا فظهر عليه، أي: أطاقه (١١٤) (١١٥) وقال أبو علي الفارسي: ﴿ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ﴾ أي: لم يقووا عليها ومنه قوله ﴿ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ  ﴾ (١١٦) والعورة: سوءة الإنسان.

وكل أمر يستحى منه فهو عورة (١١٧) قال مجاهد: لم يدروا ما هن من الصغر قبل الحلم (١١٨) قال ابن عباس: لم يبلغ الحنث (١١٩) وقال بُسر (١٢٠) (١٢١) (١٢٢) وهذا قول جماعة المفسرين (١٢٣) قالوا: ولا يجوز (١٢٤) وقوله ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ قال ثابت (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ (١٢٨) وروى السدي، عن أبي مالك قال: كان في أرجلهن خرَزَ (١٢٩) (١٣٠) وقال ابن عباس: يريد: ولا تضرب المرأة برجليها (١٣١) (١٣٢) وهذا قول عامة المفسرين (١٣٣) وقال أبو إسحاق: كانت المرأة ربّما اجتازت وفي رجلها الخلخال، وربما كان فيها الخلاخل، فإذا ضربت برجلها عُلم (١٣٤) (١٣٥) (١٣٦) (١٣٧) وقوله ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ قال ابن عباس: عما كنتم تعلمون في الجاهلية (١٣٨) وقال مقاتل: من الذنوب التي أصابوها مما نهي عنه من أول هذه السورة إلى هذه الآية (١٣٩) والمعنى: راجعوا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه (١٤٠) قوله تعالى ﴿ أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ قرأ ابن عامر (أيّه) بضم الهاء (١٤١) ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ  ﴾ ﴿ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ  ﴾ .

قال أبو علي: وهذا لا يتجه لأن آخر الاسم هو الياء الثانية من (أيّ)، فينبغي وأن يكون المضموم آخر الاسم، ولو جاز أن يضم هذا من حيث كان مقترنًا بالكلمة لجاز أن يضم الميم في (١٤٢) (١٤٣) (١٤٤) (١٤٥) (١٤٦) (١٤٧) (١٤٨) وقال (١٤٩) ﴿ أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ و ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ﴾ و ﴿ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ﴾ إلا أبا عمرو والكسائي فإنَّهما يقفان بالألف.

قال: ولا ينبغي أن يتعمد الوقف على الهاء؛ لأن الألف سقطت في الوصل لسكونها وسكون اللام (١٥٠) قال أبو علي: الوقف على (أيها) بالألف لأنَّها إنما كانت سقطت لسكونها وسكون لام المعرفة كما قال أحمد (١٥١) (١٥٢) وإذا (١٥٣) (١٥٤) (١٥٥) (١٥٦) (١٥٧) قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: لكي تسعدوا في الدنيا وتبقوا في الجنة (١٥٨) (١) يعني مقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان.

(٢) في (ظ): (مرشد)، وهي: أسماء بنت مرشدة بن جبر بن مالك بن حويرثه بن حارثة.

أسلمت أسماء وبايعت رسول الله -  -.

"طبقات ابن سعد" 8/ 335.

(٣) في (أ): (شغل).

(٤) غير متأزِّرات: أي غير سابغات الأزُر، والإزار كل ما واراك وسترك، وقيل هو ما يستر أسفل البدن.

انظر: "لسان العرب" 4/ 16 (أزر)، "تاج العروس" للزبيدي 10/ 43 - 44 (أزر).

(٥) في (ع): (الخلاخيل)، والخلاخل: جمع خَلْخَال، وهو الحلي الذي تلبسه المرأة في ساقها.

"لسان العرب" 11/ 221 (خلل).

(٦) ذوائبهن: جمع ذُؤَابة، وهي الشعر المضفور من شعر الرأس، أو الناصية أو منبتها من الرأس.

"لسان العرب" 1/ 379 (ذأب)، "القاموس المحيط" 1/ 67.

(٧) قول مقاتل بن حيان رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 35 أ، وذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 179 وعزاه لابن أبي حاتم.

وأَمَّا قول مقاتل بن سليمان == فهو في "تفسيره" 2/ 37 ب.

وهذه الرواية غير معتمدة في سبب نزول هذه الآية، لأن مقاتل بن حيَّان لم يلق جابر بن عبد الله، فروايته منقطعة، ومقاتل بن سليمان متهم بالكذب.

(٨) من هذه الطرق: أولاً: طريق أبي الأحوص -عوف بن مالك بن نضلة الجشمي- عن ابن مسعود -  -.

وقد رواه عن أبي الأحوص أبو إسحاق السبيعي، وله عن أبي إسحاق طرق: 1 - طريق معمر بن راشد.

رواه من هذا الطريق عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 56، والطبري 18/ 117 عن أبي إسحاق، به، بلفظ: "إلا ما ظهر منها": الثياب.

2 - طريق سفيان الثوري.

وقد رواه عن سفيان جماعة منهم: - وكيع بن الجراح، رواه عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 283، عن سفيان، عن أبي إسحاق، بمثل لفظ معمر.

- عبد الرحمن بن مهدي، رواه الطبري 18/ 117 قال: حدثنا ابن بشَّار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق.

به بمثل لفظ وكيع وإسناده صحيح.

- عبد الله بن وهب.

رواه الطبري 18/ 117 قال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الثَّوري، عن أبي إسحاق، فذكره بمثل رواية ابن مهدي.

- أبو نعيم: رواه من طريقه ابن أبي حاتم 7/ 36 أ، والطبراني 9/ 260 عن سفيان، عن أبي إسحاق به، بمثل اللفظ المتقدّم.

3 - طريق شعبة بن الحجاج.

وقد رواه من طريقه الطبري 18/ 117 بمثل اللفظ المتقدم.

4 - طريق إسرائيل: وقد رواه من طريقه ابن أبي حاتم 7/ 35 ب، والطبراني في "الكبير" 9/ 260 عن أبي إسحاق، به، بلفظ: (ولا يبدين زينتهن) قال: الزينة: القرط، والدملج -وعند الطبراني: الدملوج-، والخلخال والقلادة.

5 - طريق شريك: رواه من طريقه الحاكم في "مستدركه" 2/ 397 عن أبي إسحاق، به، بلفظ: "ولا يبدين زينتهن" قال: لا خلخال ولا شنف،- ولا قرط == ولا قلادة، "إلا ما ظهر منها" الثياب.

6 - طريق خدُيج بن معاوية: رواه من طريقه سعيد بن منصور في "تفسيره" 159 أ، والطبراني في "الكبير" 9/ 260 عن أبي إسحاق، به بلفظ: "ولا يبدين زينتهن" قال: الزينة: السوار والدملج والخلخال ولا أدب والقرط والقلادة، وما ظهر منها: الثياب والجلباب.

7 - طريق حجاج: رواه من طريقه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" 4/ 284، والطبري 18/ 117، وابن أبي حاتم 7/ 35 ب عن أبي إسحاق، به، بلفظ: الزينة زينتان، زينة ظاهرة وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج -وقوله: لا يراها إلى الزوج ليست عند الطبري- فأما الزينة الظاهرة فالثياب" وأما الزينة الباطنة - وعند الطبري: وما خفي- فالكحل والسَّوار والخاتم، وعند الطبري: الخلخالان والقرطان والسواران، وعند ابن أبي حاتم: الخاتم والسوار.

وهذه الطرق المروية عن أبي إسحاق.

ثانيًا: طريق عبد الرحمن بن يزيد -وتصحَّف في المطبوع من الطبري إلى زيد- بن قيس النَّخعي -تابعي ثقة سمع ابن مسعود- عن ابن مسعود -  -.

رواه عن عبد الرحمن بن يزيد مالكُ بن الحارث، ورواه عن مالك بن الحارث الأعمش، وله عن الأعمش طريقان: 1 - طريق سفيان الثوري.

رواه الطبري 18/ 117 من طريقه، عن الأعمش، به بلفظ: الثياب.

2 - طريق محمد بن فضيل -وتصحَّف في المطبوع من الطبري إلى الفضل.

رواه من طريقه الطبري 18/ 118، وابن أبي حاتم 7/ 36 أ، عن الأعمش، به بلفظ: الرّداء.

والقُرْط -بضم القاف-: نوع من الحلي يعلق في شحمة الأذن.

انظر: "لسان العرب" 7/ 374 "قرط".

وهذا القول هو الحق الذي يعضده الكتاب والسنة الصحيحة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ .

روى البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير، سورة النور باب: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ 8/ 489 عن عائشة  ا قالت: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها".

قال ابن حجر في "الفتح" 8/ 490 في شرح هذا الحديث: قوله: "فاختمرن، أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقّنع.

(٩) رواه الطبري 18/ 118 عن الحسن.

وقال ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 36 أبعد ذكره للأثر المتقدم عن ابن مسعود-: وروي عن الحسن، ..

، وأبي صالح ماهان في إحدى الروايات ..

نحو ذلك.

وروى سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 159 أ)، وابن أبي شيبة في "مصنّفه" 4/ 284 عنه قال: الوجه والثياب.

(١٠) هو: ماهان الحنفي، أبو صالح -ويقال: أبو سالم- الكوفي.

روى عن ابن عباس وأم سلمة وعدة.

وكان ثقة، عابدًا.

قتله الحجَّاج سنة 83 هـ "الكاشف" للذهبي 3/ 117، "تهذيب التهذيب" 10/ 25، "تقريب التهذيب" 2/ 227.

وقوله رواه عنه ابن أبي شيبة 4/ 284.

وتقدَّم في الهامش السابق أن ابن أبي حاتم ذكره عنه.

(١١) الحكم هو: ابن عتيبة.

تقدمت ترجمته.

(١٢) لم أجد هذه الرواية عن ابن عباس.

(١٣) يعني: ابن عباس.

(١٤) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 284، وابن المنذر في "الأوسط" 5/ 70، والبيهقي في "السنن الكبرى" 2/ 225 من طريق حفص بن غياث، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.

قال الذهبي في "المهذب في اختصار السنن الكبير" للبيهقي 2/ 180، قلت: عبد الله ضعيف.

أهـ يعني ابن مسلم بن هرمز.

لكن الطبري رواه 18/ 118 من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ قال: والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكفّ، والخاتم.

فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها.

وقد ذكر العلماء أجوبة عن قول ابن عباس  ما في تفسير هذه الآية، نقتصر منها على أجودها: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والسلف تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين: فقال ابن مسعود: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم.

وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة، وجوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم".

ثم ذكر أنه قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن يرى الرجالُ وجوههن وأيديهن، وكان إذْ ذاك يجوز لهن أن يظهرن الوجه والكفين، ثم لما أنزل الله -عز وجل- آية الحجاب حجب النساء عن الرجال، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت النساء ألا يظهرنها للأجانب.

قال رحمه الله: "فما بقي يحل للأجانب النَّظر إلا إلى الثياب == الظاهرة.

فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين"، "مجموع الفتاوى" 22/ 110.

وقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى: وأما ما يروى عن ابن عباس  ما أنَّه فسَّر ﴿ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ بالوجه والكفين، فهو محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب، وأما بعد ذلك فقد أوجب الله عليهن ستر الجميع، كما سبق في الآيات الكريمات من سورة الأحزاب وغيرها، ويدل على أن ابن عباس أراد ذلك ما رواه علي بن أبي طلحة عنه أنه قال: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة".

وقد نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق، وهو الحق الذي لا ريب فيه، ومعلوم ما يترتب على ظهور الوجه والكفين من الفساد والفتنة، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ ولم يستثن شيئًا وهي آية محكمة، فوجب الأخذ بها والتعويل عليها وحمل ما سواها عليها، والحكم ما سواها عليها، والحكم فيها عام في نساء النبي -  - وغيرهن من نساء المؤمنين، وقد تقدم من سورة النساء ما يرشد إلى ذلك.

اهـ من كتابه "رسالة في الحجاب والسفور" ص 19.

وانظر للتوسع والزيادة: "أَضواء البيان" للشنقيطي 6/ 192 - 200، "رسالة الحجاب" للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص 6 - 9، "الحجاب في الكتاب والسنة" للسندي ص 21 - 26، "عودة الحجاب" لمحمد بن إسماعيل المقدم 3/ 262 - 284.

(١٥) في جميع النسخ: (جبير)، وهو خطأ.

والمثبت هو الصواب.

(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 37 ب.

(١٧) روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 283 عن إبراهيم خلاف هذا القول، وهو قوله في تفسير الزينة الظاهرة بأنَّها الثياب.

(١٨) ساقط من (ظ).

(١٩) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 283، وابن أبي حاتم 7/ 35 ب من رواية جابر بن زيد، عن ابن عباس.

(٢٠) هو: مسلم بن كيسان الضبي، الملائي البرَّاد الأعور، أبو عبد الله الكوفي.

روى عن أنس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما.

قال الذهبي: واهٍ.

وقال ابن حجر: ضعيف.

"الكاشف" 3/ 142، "تهذيب التهذيب" 10/ 135، "تقريب التهذيب" 2/ 246.

(٢١) روى سعيد بن منصور في "تفسيره" 158 ب، والطبري 18/ 118، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 85 من طريق مسلم الملائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكحل والخاتم.

(٢٢) روى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 56 من طريق مجاهد، عن ابن عباس في قوله ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ قال: هو الكف والخضاب والخاتم.

(٢٣) روى ابن المنذر في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 179.

وقال البيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 86 بعد ذكره لقول ابن عباس أنه الكحل والخاتم: وروى ذلك أيضًا عن أنس ابن مالك.

(٢٤) روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 83 عن عكرمة وأبي صالح ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ قالا: ما فوق الدرع إلا ما ظهر منها.

وأخرج 4/ 285 عن عكرمة قال: (ما ظهر منها): الوجه وثغرة النحر.

(٢٥) روى ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 284 عن مجاهد، قال: الخضاب والكحل.

(٢٦) القُلْب: -بالضم-: سوار المرأة.

"القاموس المحيط" 1/ 119.

والفَتْخة: بفتح وسكون ويحرّك:- خاتم كبير يكون في اليد والرجل، وقيل: حلقة من فضة تلبس في الإصبع كالخاتم.

"تاج العروس" للزبيدي 7/ 307 (فتخ).

(٢٧) رواه البيهقي في "الكبرى" 7/ 89 بلفظ "القُلْب والفتخة، وضَمّت طرف كُمّها".

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 180 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.

ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 283 مختصرًا.

(٢٨) لم أجده.

(٢٩) في (أ): (المسكفان)، والمسكتان: واحدهما مسكة، وهي سوار من عاج أو نحوه.

انظر: "لسان العرب" 10/ 486 - 487 (مسك).

(٣٠) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 56، والطبري في "تفسيره" 18/ 118.

(٣١) من قوله: (وهي ما تغطي ..

إلى هنا) في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 379 (خمر) منسوبًا إلى الليث، دون قوله: واختمرت، والخمرة.

وهو بأخصر منه في "العين" 4/ 263 خمر).

وانظر: "الصحاح" للجوهري 2/ 469 "خمر"، "لسان العرب" 4/ 227 (خمر).

(٣٢) انظر: "لسان العرب" 1/ 288 (جيب)، "تاج العروس" للزبيدي 2/ 201 (جيب).

(٣٣) من قوله: (والجو ..

إلى هنا)، هذا كلام الليث كما في "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 218 "جاب".

وهو في "العين" 6/ 192 (جوب).

(٣٤) في (أ): (رحيب)، ومثلها في (ع) مهملة.

وفي (ظ): (وحبت).

(٣٥) في (ع): (فطاب).

(٣٦) في (أ): الجيب، وفي (ع) مهملة.

وفي (ظ): (الحب).

(٣٧) في (أ)، (ع): (رقيقة)، وفي (ظ): (رميقه).

(٣٨) في (أ): (بحسن)، وفي (ع): (بحسن)، ومثلها في (ظ) مهملة.

(٣٩) في (ع): (بضة)، وفي (ظ) مهملة.

(٤٠) في (أ): (المنجرد).

(٤١) البيت من معلقته، وهو في "ديوانه" ص 30، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة 470، "المحتسب" لابن جني 1/ 183، "أساس البلاغة" للزمخشري 2/ 261، "خزانة الأدب" 2/ 203.

قال الشنتمري "شرح ديوان طرفة" ص 30: قطَابُ الجيب: مجتمعه حيث قُطب، أي: جمع.

الرحيب: الواسع.

(٤٢) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 218، 20 (جاب)، "الصحاح" للجوهري 1/ 104 (جوب)، "لسان العرب" 1/ 286 (جوب)، "تاج العروس" للزبيدي 2/ 208 (جوب).

(٤٣) قول مقاتل بن حيّان ذكره عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 36 ب.

وقول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 2/ 37 ب.

(٤٤) في (أ): (وليعلبن)، وفي (ع): (وليقلبن)، والمثبت من (ظ) و"الوسيط" للواحدي.

(٤٥) مقانعهن: جمع مقْنع ومقنعة -بكسر الميم-: وهو ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطي رأسها ومحاسنها.

"الصحاح" للجوهري 3/ 1273 (قنع)، "لسان العرب" 8/ 300 (قنع).

(٤٦) كقردة.

انظر: "القاموس المحيط" 2/ 378.

(٤٧) في (أ): (وترابيها).

والترائب: موضع القلادة من الصدر.

"لسان العرب" 1/ 230 (ترب).

(٤٨) سَوالفها: جمع سالفة، وهي أعلى العنق، أو ناحية مقدّم العنق من لدن مُعلَّق القُرط إلى نقرة الترقوة.

"لسان العرب" 9/ 159 "سلف".

(٤٩) لم أجده.

(٥٠) في (ظ)، (ع): (خمورهن، الصدور).

(٥١) في (ظ)، (ع): (خمورهن، الصدور).

(٥٢) يسدلن: يعني يرخين وُيرسلن.

انظر: "لسان العرب" 11/ 333 (سدل).

(٥٣) في (أ): (خمرها).

(٥٤) في (ظ): (تصنع).

(٥٥) هكذا في جميع النسخ، وعند القرطبي 12/ 230 نقلاً عن النقّاش: النَّبط.

والقِبط -بالكسر-: قوم من النصارد بمصر.

وأمَّا النَّبط فهم الذين يسكنون == -السَّواد، ومنه سواد العراق، والسواد قرى المدينة وأريافها.

انظر: "اللسان" 7/ 373 (قبط)، 7/ 411 (نبط)،"تاج العروس" 8/ 228 (سود).

(٥٦) ذكر نحو هذا الرازي 23/ 206 وعزاه للمفسرين.

وذكر نحوه القرطبي 12/ 230 وذكره النيسابوري في "غرائب القرآن" 9318 وعزاه للمفسرين.

(٥٧) ذكره عنه البغوي 6/ 34، وابن الجوزي 6/ 32.

وروى ابن أبي حاتم 7/ 36 ب عن سعيد بن جبير، مثله.

(٥٨) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 37 ب.

(٥٩) الآية: ساقطة من (أ).

(٦٠) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 338.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 182 وزاد نسبته لابن المنذر.

وجمهور العلماء على أنَّ العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز لهم.

انظر القرطبي 12/ 233.

(٦١) الطبرى 18/ 120، الثعلبي 3/ 77 ب.

(٦٢) (الخفيّة): ساقطة من (أ).

(٦٣) في (أ): (لا على)، بزيادة (لا): وهو خطأ.

(٦٤) في (ظ): (أو أمِن).

(٦٥) رواه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 424، والبزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" للهيثمي 2/ 159.

والطبراني في "الأوسط" 1/ 498.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/ 276: ورجال أحمد رجال الصحيح.

(٦٦) في (أ): (كذلك).

(٦٧) انظر: "الحاوي" 9/ 35 - 36، "المغني" 9/ 498، "روضة الطالبين" 7/ 29.

(٦٨) وبينهما: ساقطة من (ع).

(٦٩) في (أ): (وفرق).

(٧٠) رواه وابن عدي في "الكامل" 2/ 507، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 94 - 95 من حديث ابن عباس  ما قال: قال رسول الله -  -: "إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها؛ فإنَّ ذلك يورث العمى".

وقد حكم جماعة من الحفاظ علي هذا الحديث بأنه موضوع.

منهم أبو حاتم الرازي وابن حبان وابن الجوزي.

ذكر ذلك الثموكاني في "الفوائد المجموعة للأحاديث الموضوعة" ص 127.

وذكر الألباني في "الضعيفة" 1/ 229 هذا الحديث وحكم عليه بالوضع ونقل أقوال أهل العلم في ذلك.

قال ابن حجر في "الفتح" 1/ 364: وهو نصُّ في المسألة.

اهـ.

(٧١) في (ظ): (المذكورة)، وفي (ع): (المذكور).

(٧٢) هذا قول بعض أهل العلم.

وقال آخرون: يجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبًا، كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك، وليس له النظر إلى ما يُستر غالبًا كالصَّدر والظهر ونحو ذلك.

ومنع الحسن والشعبي والضحَّاك النظر إلى شعر ذوات المحارم.

وكرهه آخرون.

قال ابن قدامة: والصحيح أنه يباح النظر إلى ما يظهر غالبًا، لقول الله تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ  ﴾ الآية، وقالت سهلة بنت سهيل: يا رسول الله، إنَّا كنا نرى سَالِمَا ولدًا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلاً، وقد أنزل الله فيهم ما علمت، فكيف ترى فيه؟

فقال لها النبي -  -: "أرْضِعيه".

فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها.

رواه أبو داود وغيره.

وهذا دليل على أنه كان ينظر منها إلى ما يظهر غالبًا، فإنها قالت: يراني فُضلاً، ومعناه: في ثياب البِذْلة التي لا تستر أطرافها ..

وما لا يظهر غالبًا لا يباح، لأنَّ الحاجة لا تدعو إلى نظره، ولا تؤمن معه الشهوة ومواقعة المحظور، فحرّم النظر إليه كما تحت السَّرة.

انتهى كلامه.

انظر: "أحكام القرآن" للجصَّاص 3/ 317، "الحاوي" 2/ 171 - 172، "المغني" 9/ 491 - 493، "روضة الطالبين" 1/ 283.

(٧٣) هذا قول أصحاب الشافعي وغيرهم.

وقال آخرون: الأمة يباح النظر منها للأجانب إلى ما يظهر غالبًا كالوجه والرأس واليدين والساقين، لأن عمر رأى أمة متقعنة، فضربها بالدِّرّة، وقال يا لكاع تتشبهين بالحرائر.

وروى أنس أن النبي -  - لما أخذ صفية قال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو مما ملكت يمينه؟

فقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه.

فلما ارتحل وطَّأ لها خلفه ومدَّ الحجاب بينهما وبين الناس.

رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: النكاح- باب: اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها 9/ 126.

قال ابن قدامة: وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضًا بينهم مشهورًا، وأنَّ الحجب لغيرهن كان معلومًا.

وسوَّى بعض الحنابلة بين الحرَّة والأمة لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ ولأن العلّة في تحريم النظر الخوف من الفتنة، والفتنة المخوفة تستوي فيها الحرة والأمة.

انظر: "أحكام القرآن" للجصَّاص 3/ 317، "الحاوي" 2/ 172، "المغني" 9/ 501، "روضة الطالبين" 1/ 283.

(٧٤) الثعلبي 3/ 77 بنصِّه.

(٧٥) ذكره عنه الزمخشري 3/ 62، والرازي 23/ 207، والقرطبي 12/ 233، وأبو حيان 6/ 448.

وفي "الدر المنثور" 6/ 183: وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (أو نسائهن) قال: لا تبديه ليهودية ولا لنصرانية.

وقد حكى الرازي 23/ 207 هذا القول عن أكثر السَّلف.؟

ثم حكى قولًا ثانيًا أن المراد بـ (نسائهن) جميع النساء ثم قال: وهذا هو المذهب، وقول السلف محمول= على الاستحباب والأولى.

(٧٦) رواه الإمام أحمد 6/ 289، وأبو داود في العتق- باب: في المكاتب 10/ 435 - 436، والترمذي في البيوع- باب: ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي 4/ 474.

عن أم سلمة مرفوعًا بلفظ "إذا كان لإحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه".

وقد نقل البيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 327 - بعد روايته لهذا الحديث- عن الشافعي قوله: ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبت هذا الحديث.

وقال عنه الألباني في "إرواء الغليل" 6/ 182: ضعيف.

(٧٧) قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: (غيرَ أولي الإربة) نصبًا.

وقرأ الباقون، وحفص عن عاصم: (غير أولي الإربة) خفضًا.

"السبعة" لابن مجاهد ص 455، و"التيسير" للداني ص 614، و"الغاية" لابن مهران النيسابوري ص 219، و"النشر" لابن الجزري 2/ 332.

(٧٨) في (ظ): (أو غير).

(٧٩) من قوله: بالصفة للتابعين ...

إلى هنا.

نقلًا عن "الحجة" لأبي علي الفارسي == 5/ 318 - 319 مع تصرف يسير.

وانظر أيضًا: "معاني القرآن" للفراء 2/ 250، "معاني القرآن" للزجَّاج 4/ 42، "علل القراءات" للأزهري 2/ 450، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 106 "الكشف" لمكي 2/ 136.

(٨٠) من "الحجّة": لا يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم.

وهو خطأ، والصواب ما هنا.

(٨١) من قوله: (ومن نصب (غير) ..

إلى هنا)، نقلاً عن "الحجة" للفارسي 5/ 319.

(٨٢) انظر: (أرب) في "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 527، "الصحاح" للجوهري 1/ 87، "لسان العرب" 1/ 208.

(٨٣) قول أبي عبيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 257 (أرب) بنصِّه.

وهو بنحوه في "غريب الحديث" لأبي عبيد 4/ 336.

(٨٤) رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الصيام- باب: المباشرة للصائم 4/ 149، ومسلم في "صحيحه" كتاب: الصيام 2/ 777 عن عائشة  ا.

(٨٥) من قوله: (وقد أرب ..

إلى هنا) في "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 257 من رواية شمر عن ابن الأعرابي.

(٨٦) قول الفراء ليس موجودًا في كتابه "معاني القرآن" ولا في "تهذيب اللغة".

والذي في المطبوع من "معاني القرآن" 2/ 250: يقال: إرب وأرَب.

والنصُّ الذي ذكره الواحدي هنا عن الفراء موجود في تفسير الطبري 18/ 123 من غير نسبة لأحد.

ومعلوم أن الطبري ينقل عن الفراء من غير نسبة في كثير من الأحيان.

فيحتمل أنَّ النَّص سقط من المطبوع.

والله أعلم.

(٨٧) في (ع): (أرب).

(٨٨) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 257 (أرب).

(٨٩) رواه عنه الطبري 18/ 122، وابن أبي حاتم 7/ 37 ب بلفظ: الذي لا أرب له بالنّساء.

دون قوله: الأحمق.

وقد روى الطبري 18/ 123 عن الزهري وطاووس هذا القول.

وقال ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 38 أ: وروي عن طاووس وعكرمة والحسن والزهري وقتادة أنَّهم قالوا: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء.

(٩٠) قال ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 38 أ: وروي عن علقمة والشعبي وعكرمة -في إحدى الروايات- ومقاتل بن حيان قالوا: الذي لا أرب له في النساء.

وعن الشعبي رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 319، والطبري 18/ 1236 والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 96.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 185 == وعزاه لابن أبي شيبة والطبري.

(٩١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (ع).

(٩٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 319، والطبري في "تفسيره" 18/ 122 من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن رجل -وعند الطبري: عمن حدثه- عن ابن عباس، به.

وفي سنده جهالة.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 184 وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد.

(٩٣) ذكره الزمخشري 3/ 62، والرازي 23/ 208، ولم ينسباه لأحد.

(٩٤) ذكره عنه النحاس في "معاني القرآن" 4/ 525.

وذكره الجصاص في "أحكام القرآن" 3/ 318، وابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1374 عنه أنه قال: هو الأبله.

(٩٥) رواه الطبري في "تفسيره" 18/ 122، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 37 ب، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 96 من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، به.

(٩٦) في (أ): (بشر)، وهو خطأ.

وفي (ظ): (بن أبي سعيد)، وهو خطأ.

وهو بُسر بن سعيد المدني، مولى بني الحضرمي.

كان من العبّاد والزهّاد، ثقة، جليلا، كثير الحديث.

توفي سنة 100 هـ.

"طبقات ابن سعد" 5/ 281، "السير" للذهبي 4/ 594، "تهذيب التهذيب" 1/ 437.

(٩٧) روه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 37 ب من طريق سالم أبي النَّضر، عن بسر بن == سعيد، فذكره.

(٩٨) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 57، والطبري 18/ 122، وابن أبي حاتم 7/ 37 ب.

(٩٩) في (ظ): قول مقاتل متقدّم على قول قتادة.

(١٠٠) العنِّين: هو الذي لا يأتي النساء عجزًا، أو لا يريدهن."القاموس المحيط" 4/ 249.

(١٠١) "تفسير مقاتل" 2/ 37 ب.

(١٠٢) في (ع): (وكان).

(١٠٣) في (ظ)، (ع): (لا).

(١٠٤) ذكره عنه ابن الجوزي 6/ 33.

وذكره عنه الماوردي 4/ 95 باختصار.

وذكر البيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 96 عنه قال: هو الذي لا عقل له، ولا يشتهي النساء، ولا تشتهيه النساء.

وذكر الثعلبي 3/ 78 أعنه قال: هو الذي لا ينتشر.

وبمثله ذكره البغوي 6/ 35 وزاد: ولا يستطيع غثيان النساء ولا يشتهيهن.

(١٠٥) قد يكون الحكم هنا هو الحكم بن عتيبة، وقد تقدم، ولم أجد من نسب إليه هذا القول.

وقد يكونه الحكم بن أبان، فقد روى الطبري 18/ 123، وابن أبي حاتم 7/ 38 أمن طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي == الْإِرْبَةِ} قال: هو المخنَّث الذي لا يقوم زبُّه.

وهو: الحكم بن أبان العدني، أبو عيسى، صدوق عابد، صاحب سنة، له أوهام.

توفي سنة 154 هـ.

"تهذيب التهذيب" 2/ 423 - 424، "تقريب التهذيب" 1/ 190.

(١٠٦) في (ع): (نسائه)، وهو خطأ.

(١٠٧) الإرفاق: إيصال الرِّفق وهو اللطف ولين الجانب.

انظر: "لسان العرب" 10/ 118 (رفق).

(١٠٨) رواه الطبري 18/ 123.

(١٠٩) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 318، والطبري 18/ 122 من طريق ليث، عن مجاهد، به.

(١١٠) في (أ): (المعتق).

(١١١) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 318، والطبري 18/ 123.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 185 وعزاه لهما.

قال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 526 بعد حكايته للأقوال في معنى التابعين: وهذه الأقوال متقاربة.

وقال القرطبي 12/ 234: وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى، ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همّة ينتبه بها إلى أمر النِّساء.

(١١٢) في (ظ)، (ع): (مغل).

(١١٣) انظر: "الدر المصون" 8/ 233.

(١١٤) في (أ): (طاقة).

(١١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 250.

(١١٦) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 318.

(١١٧) "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 173 "عار" نقلاً عن الليث.

وانظر: "الصحاح" للجوهري 2/ 759 "عور"، "لسان العرب" 4/ 617 (عور).

(١١٨) رواه الطبري 18/ 124، وابن أبي حاتم 7/ 38 أوالبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 96 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 185 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر.

(١١٩) في (ظ): (الحلم).

والحنث: البلوغ والإدراك والحُلُم.

"لسان العرب" 2/ 138.

(١٢٠) في (أ)، (ع): (بشر)، وهو خطأ.

(١٢١) في (أ): (مسعود)، وهو خطأ.

(١٢٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 38 أمن طريق أبي النّضر، عن بُسر بن سعيد، به.

(١٢٣) انظر: "الطبري" 18/ 124، ابن أبي حاتم 7/ 38 أ، ب، الثعلبي 3/ 78 أ، "النكت" للماوردي 4/ 96، "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 185.

(١٢٤) في (ظ): (لا يجوز).

(١٢٥) (ثابت): ساقط من (أ).

(١٢٦) هو: ثابت بن أسلم البناني مولاهم، البصري، أبو محمد.

تابعي جليل، كان رأسًا في العلم والعمل.

وكان أعبد أهل زمان.

وكان ثقة مأمونًا.

قال أنس بن مالك -  -: إن لكل شيء مفتاحًا، وإن ثابتًا من مفاتيح الخير.

توفي سنة 127 هـ، وعاش ست وثمانين سنة.

"طبقات ابن سعد" 7/ 232، "سير أعلام النبلاء" 5/ 220، "تهذيب التهذيب" 2/ 2، "تقريب التهذيب" 1/ 115.

(١٢٧) الودَع -بإسكان الدال وفتحها-: خرز بيض تُخرجُ من البحر بيضاء شقُّها كشق النواة.

"القاموس المحيط" 3/ 92.

(١٢٨) لم أجد من ذكره عنه.

(١٢٩) الخَرَزُ: فصوص من جيّد الجوهر ورديئه من الحجارة ونحوه، تنظم في سلك.

انظر: "لسان العرب" 5/ 344 (خرز)، "القاموس المحيط" 2/ 175.

(١٣٠) رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 225، والطبري 18/ 124، وابن أبي حاتم 7/ 38 ب كلهم من طريق السدي، عن أبي مالك.= وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 186 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(١٣١) في (ع): (برجلها).

(١٣٢) بيَّن الواحدي في "الوسيط" 3/ 317 أن هذه الرواية عن ابن عباس من طريق عطاء.

وقد روى الطبري 18/ 124، وابن أبي حاتم 7/ 38 ب من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، نحو هذا.

(١٣٣) انظر: "الطبري" 18/ 124، ابن أبي حاتم 7/ 38 ب، "الدر المنثور" 6/ 186.

(١٣٤) في (أ): (أعلم).

(١٣٥) في (أ): (أُمرِت).

(١٣٦) في (ظ): (استماع).

(١٣٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 40.

(١٣٨) ذكره عنه الرازي 23/ 210، والنيسابوري في "غرائب القرآن" 18/ 96، وأبو حيان 6/ 450.

(١٣٩) "تفسير مقاتل" 2/ 38 أ.

(١٤٠) هذا "تفسير الثعلبي" 3/ 78 أ.

(١٤١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 455، و"التيسير" للداني ص 161 - 162 و"الغاية" لابن مهران النيسابوري ص 219، و"النشر" لابن الجزري 2/ 332.

(١٤٢) في "الحجة": من.

(١٤٣) في (أ): (والشبه).

(١٤٤) في (ع): (تقول).

(١٤٥) في (أ)، (ع): العلة.

والمثبت من (ظ)، والحجة.

(١٤٦) في (أ): (شبهه).

(١٤٧) (بذلك): ساقطة من (ع).

(١٤٨) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 320 - 321 مع تصرّف.

وقول أبي علي: وينبغي أن لا يقرأ بذلك ولا يؤخذ به.

قول مردود.

قال القرطبي 12/ 238 بعد ذكره لتضعيف أبي علي لقراءة ابن عامر-: والصحيح أنَّه إذا ثبت عن النبي -  - قراءة فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة؛ فإن القرآن هو الحجَّة.

اهـ.

وقد بيَّن العلماء رحمهم الله وجه هذه القراءة.

فقال أبو زرعة عبد الرحمن بن زنجلة في كتابه "حجة القراءات" ص 498: وهذه لغة، وحجته أنَّا المصاحف جاءت في هذه الثلاثة بغير ألف.

قال ثعلب: كأنَّ من يرفع الهاء يجعل الهاء مع "أيّ"، اسمًا واحداً على أنه اسم مفرد.

اهـ.

ونقل الأزهري في "علل القراءات" 2/ 452 عن أبي بكر بن الأنباري قوله: إنَّا لغة، قال الأزهري: وأجاز قراءة ابن عامر على تلك اللغة.

وقال ابن هشام في "مغني اللبيب" 2/ 403: يجوز في "أيّها" في لغة بني أسد أن تحذف ألفها وأن تضم هاؤها إتباعًا، وعليه قراءة ابن عامر.

وقال أبو حيّان في "البحر المحيط" 6/ 450: ووجهه أنَّها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف بالتقاء الساكنين اتبعت حركتها حركة ما قبلها، وضم "ها" التي للتنبيه بعد "أيّ" لغة لبني مالك رهط شقيق بن سلمة.

وقال الشنقيطي في "تفسيره سورة النور" ص 108 عن قراءة ابن عامر-: والأظهر أن الهاء للتنبيه مثل الأولى -يعني القراءة الأولى قراءة الجمهور- ضمَّت إتباعًا لما قبلها، كما قالت العرب: هو منتن بضم تاء منتن، وفي قراءة سبعية ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ  ﴾ بضم نُون "أن" إتباعًا لما بعدها، ومن أنكر ذلك فسبب إنكاره جهله بلغة العرب، فإنَّه قد ثبت في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي الفصيح، كما قال الشاعر: يا أيها القلب اللّجوج النفس وروي "أيّهُ" بضم الهاء.

انتهى كلامه رحمه الله.= وانظر أيضًا: "الدر المصون" 8/ 399، "روح المعاني" للألوسي 18/ 147.

(١٤٩) في (أ): (قال).

(١٥٠) قول ابن مجاهد -بهذا النصَّ في "الحجة" للفارسي 5/ 319.

وهو في كتاب "السبعة" لابن مجاهد ص 455 مع اختلاف يسير.

وانظر: "التبصرة" لمكي ص 273، "التيسير" للداني ص 162.

(١٥١) يعني: أبا بكر بن مجاهد.

(١٥٢) غير: ليست في (ع).

(١٥٣) في (ع): (فإذا).

(١٥٤) في "الحجة": التي للتنبيه من (يا أيها) تُحذف لهذا.

(١٥٥) في (ع): (في الوقف).

(١٥٦) في "الحجة":حرف.

(١٥٧) "الحجة" للفارسي 5/ 320 مع تصرف يسير.= ولا وجه لتضعيف حذف الألف عند الوقف فعليه جمهور القراء، والقراءة سنة متبعة، وقد رُسمت في المصحف بغير ألف.

قال السمين الحلبي 8/ 399: فوقف أبو عمرو والكسائي بألف، والباقون بدونها، إتباعًا للرسم، ولموافقة الخط للفظ، ..

وبالجملة فالرسم سنّة متبعة.

وانظر: "الكشف" لمكي 2/ 137، "البحر المحيط" 6/ 450.

(١٥٨) ذكره عنه الرازي 23/ 10، والنيسابوري في "غرائب القرآن" 18/ 96، وأبو حيان 6/ 450 وعندهم: وتبقوا في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ إعرابها كإعراب ﴿ يُقِيمُواْ الصلاة ﴾ في [إبراهيم: 31] وقد ذكر ومن أبصارهم للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، وقيل: معنى التبعيض فيه أن النظرة الأولى لا حرج فيها، ويمنع ما بعدها، وأجاز الأخفش أن تكون من زائدة، وقيل: هي لابتداء الغاية، لأن البصر مفتاح القلب والغض المأمور به هو عن النظر إلى العورة، أو إلى ما لا يحل من النساء، أو إلى كتب الغير وشبه ذلك مما يستر، وحفظ الفروج المأمور به: هو عن الزنا، وقيل: أراد ستر العورة، والأظهر أن الجميع مراد ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ تؤمر المرأة بغض بصرها عن عورة الرجل وعن عورة المرأة إجماعاً، واختلف هل يجب عليها غض بصرها عن سائر جسد الرجل الأجنبي أم لا، وعن سائر جسد المرأة أم لا، فعلى القول بذلك تشتمل الآية عليه، والكلام في حفظ فروج النساء كحفظ فروج الرجال ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ نهى عن إظهار الزينة بالجملة ثم استثنى الظاهر منها، وهو ما لابد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك، فقيل: إلا ما ظهر منها يعني الثياب؛ فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها، وقيل: الثياب والوجه والكفان، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة، وزاد أبو حنيفة القدمين ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ ﴾ الجيوب هي التي يقول لها العامة أطواق، وسببها أن النساء كن في ذلك الزمان يلبسن ثياباً واسعات الجيوب، ويظهر منها صدورهن، وكن إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة، سدلنها، من وراء الظهر، فبيقى الصدر والعنق والأذنان لا ستر عليها، فأمرهن الله بلي الأخمرة جمع خمار على الجيوب ليستر جميع ذلك ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ ﴾ الآية: المراد بالزينة هنا الباطنة، فلما ذكر في الآية قبلها ما أباح أن يراه غير ذوي المحرم من الزينة الظاهرة، وذكر في هذه ما أباح أن يراه الزوج وذوي المحارم من الزينة الباطنة، وبدأ بالبعولة وهم الأزواج لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا، ثم ثنّى بذوي المحارم وسوّى بينهم في أبداء الزينة، ولكن مراتبهم تختلف بحسب القرب، والمراد بالآباء كل من له ولادة من والد وجدّ، وبالأبناء كل من عليه ولادة من ولد وولد ولد، ولم يذكر في هذه الآية من ذوي المحارم: العم والخال ومذهب جمهور العلماء جواز رؤيتهما للمرأة، لأنهما من ذوي المحارم، وكره ذلك قوم، وقال الشافعي: إنما لم يذكر العم والخال لئلا يصفا زينة المرأة لأولادهما ﴿ أَوْ نِسَآئِهِنَّ ﴾ يعني جميع المؤمنات، فكأنه قال أو صنفهن ويخرج عن ذلك نساء الكفار ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ يدخل في ذلك الإماء المسلمات والكتابيات، وأما العبيد: ففيهم ثلاثة أقوال: منع رؤيتهم لسيدتهم وهو قول الشافعي، والجواز: وهو قول ابن عباس وعائشة، والجواز بشرط أن يكون العبد وغداً وهو مذهب مالك، وإنما أخذ جوازه من قوله: ﴿ أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة ﴾ واختلف هل يجوز أن يراها عبد زوجها وعبد الأجنبيّ أم لا؟

على قولين ﴿ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة ﴾ شرط في رؤية غير ذوي المحارم شرطين: أحدهما أن يكونا تابعين، ومعناه أن يتبع لشيء يعطاه كالوكيل والمتصرف، ولذلك قال بعضهم هو الذي يتبعك وهمه بطنه، والآخر: أن لا يكون لهم إربة في النساء كالخصي والمخنث والشيخ الهرم والأحمق، فلا يجوز رؤيتهم للنساء إلا باجتماع الشرطين، وقيل بأحدهما، ومعنى الإربة الحاجة إلى الوطء ﴿ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء وَلاَ يَضْرِبْنَ ﴾ أراد بالطفل الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، ويقال: طفل ما لم يراهق الحلم، و ﴿ يَظْهَرُواْ ﴾ معناه يطلعون بالوطء على عورات النساء، فمعناه الذين لم يطأوا النساء، وقيل: الذي لا يدرون ما عورات النساء وهذا أحسن ﴿ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ روي أن امرأة كان لها خلخالان، فكانت تضرب بهما ليسمعهما الرجال، فنهى الله عز وجل عن ذلك، قال الزجاج: إسماع صوت الزينة أشد تحريكاً للشهوة من إبدائها.

﴿ وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون ﴾ التوبة واجبة على كل مؤمن مكلف بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وفرائضها ثلاثة: الندم على الذنب من حيث عصي به ذو الجلال، لا من حيث أضر ببدن أو ما، والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان من غير تأخير ولا توان، والعزم أن لا يعود إليها أبداً ومهما قضى عليه بالعود أحدث عزماً مجدّداً، وآدابها ثلاثة: الاعتراف بالذنب مقروناً بالانكسار، والإكثار من التضرع والاستغفار، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من السيئات، ومراتبها سبع: فتوبة الكفار من الكفر، وتوبة المخلطين من الذنوب والكبائر، وتوبة العدول من الصغائر وتوبة العابدين من الفترات، وتوبة السالكين من علل القلوب والآفات، وتوبة أهل الورع من الشبهات، وتوبة أهل المشاهدة من الغفلات.

والبواعث على التوبة سبعة: خوف العقاب، ورجاء الثواب، والخجل من الحساب، ومحبة الحبيب، ومراقبة الرقيب القريب، وتعظيم بالمقام، وشكر الإنعام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ وليضربن ﴾ بكسر اللام على الأصل: عياش ﴿ جيوبهن ﴾ بضم الجيم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وهشام وعاصم غير الأعشى والبزي والعواس من طريق الهاشمي.

وفي رواية خلف عن حمزة بإشمام الجيم الضم ثم يشير إلى الكسر وبضم الياء.

الآخرون: بالسكر الخالص.

﴿ غير ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالكسر على الوصف ﴿ آية المؤمنون ﴾ بضم الهاء في الحالين: ابن عامر.

وقرأ ابو عمرو وعلي وابن كثير بألف في الوقف.

الباقون بفتح الهاء بغير ألف في الوقف وبالف في الوصل.

الوقوف: ﴿ أهلها ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ يؤذن لكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ أزكى لكم ﴾ ط عليمر ه ﴿ متاع لكم ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ فروجهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ ما يصنعون ﴾ ه ﴿ جيوبهن ﴾ صل ﴿ عورات النساء ﴾ ص ﴿ زينتهن ﴾ ط ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وإمائكم ﴾ ط ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ق قد قيل: والوصل أوجه للعطف.

﴿ آتاكم ﴾ ط للعدول إلى حكم آخر الدنيا ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: الحكم الرابع الاستئذان: لما كانت الخلوة طريقاً إلى التهمة ولذلك وجد أهل الإفك سبيلاً إلى إفكهم شرع أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان.

وفي الآية أسئلة: الأول الاستئناس هو الأنس الحاصل بعد المجانسة قال الله  ﴿ ولا مستأنسين لحديث  ﴾ ولا يكون ذلك في الأغلب إلا بعد الدخول والسلام، فلم عكس هذا الترتيب في الآية؟

جوابه بعد تسليم أن الواو للترتيب، هو أن الاستئناس طلب الأنس وأنه مقدم على السلام.

وقال جار الله: هو من باب الكفاية والإرداف لأن الأنس الذي هو خلاف الوحشة يردف الإذن فوضع موضع الإذن كأنه قيل: حتى يؤذن لكم.

أو هو استفعال من آنس إذا أبصر، فالمراد حتى تستكشفوا الحال ويبين هل يراد دخولكم أم لا.

أو هو من الإنس بالكسر وهو أن يتعرف هل ثمَّ إنسان لأنه لا معنى للسلام ما لم يعلم أفي البيت إنسان أم لا.

وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما هو "حتى تستأذنوا" فأخطأ الكاتب ولا يخفى ضعف هذه الرواية لأنها توجب الطعن في المتواتر وتفتح باب القدح في القرآن كله نعوذ بالله منه.

الثاني: ما الحكمة في شرع الاستئذان؟

الجواب: كيلا يطلع الداخل على عورات، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه، ولئلا يوقف على الأحوال التي تخفيها الناس في العادة، ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب ولذلك قال  ﴿ ذلكم ﴾ يعني الاستئذان والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور اي الدخول من غير إذن.

قال  "من سبقت عينه استئذانه فقد دمر" واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ أي أنزل عليكم.

أو قيل لكم: هذا إرادة أن تتعظوا أو تعملوا به.

الثالث: كيف يكون الاستئذان؟

جوابه: استأذن رجل على رسول الله فقال: ألج.

فقال: لامرأة يقال لها روضة: "قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أدخل" فسمع الرجل فقالها فقال: ادخل.

ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ﴾ وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً وحييتم مساء ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد فمنع الله  عن ذلك وعلم الأدب الأحسن.

وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ونحوه.

وقال عكرمة: هو التسبيح والتكبير وقرع الباب بعنف والتصبيح بصاحب الدار منهي عنه وكذا كل ما يؤدي على الكراهية وينبئ عن الثقل.

الرابع: كم عدد الاستئذان؟

الجواب روى أبو هريرة أن النبي  قال "الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون" ومثله عن أبي موسى الأشعري وقصته مع عمر مشهورة في ذلك.

وعن قتادة الاستئذان ثلاثة: الأول يسمع الحي: الثاني ليتهيأ.

والثالث إن شاؤا أذنوا وإن شاؤا ردوا.

وينبغي أني كون بين المرات فاصلة وإلا كان الكل في حكم واحد.

الخامس: كيف يقف على الباب؟

جوابه أنه  كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكنه يقف من ركنه الأيمن أو الأيسر، فإن كان للباب ستر كانت الكراهية أخف.

السادس: قوله ﴿ حتى تستأنسوا وتسلموا ﴾ يدل على أنه يجوز الدخول بعد الاستئذان والتسليم وإن لم يكن ثمة إذن أو من يأذن لأن "حتى" للغاية والحكم بعد الغاية يكون خلاف ما قبلها جوابه.

سلمنا المخالفة لكن لا نسلم المناقضة، وذلك أن قبل الاستئذان لا يجوز الدخول مطلقاً وبعده فيه تفصيل، وهو أنه إن لم يجد فيها أحداً من الآذنين مطلقاً أو من يعتبر إذنه شرعاً فليس له الدخول وذلك قوله ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ اي على الإطلاق أو ممن له الإذن ﴿ فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ﴾ اي حتى تجدوا من يأذن لكم أو من يعتبر إذنه، وإن وجد فيها من له الإذن فإن أذن دخل وإن لم يأذن وقال ارجع رجع وهو قوله ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ﴾ أي الرجوع أطيب ﴿ لكم وأطهر ﴾ لما فيه من سلامة الصدر والبعد من الريبة.

وفي قوله ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ نوع زجر للمكلف فعليه أن يحتاط كيف يدخل ولأي غرض يدخل وكيف يخرج.

وهل يقوم غير الإذن مقام الإذن؟

عن أبي هريرة أن النبي  قال "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وفي رواية أخرى "إذا دعى أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن" وقيل: إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان.

والجمهور على أن إذن الصبي والعبد والمرأة معتبر وكذلك الهدايا لأجل الضرورة.

وهل يعتبر الاستئذان على المحارم؟

"روي أن رجلاً قال للنبي  : استأذن على أمي؟

قال: نعم.

قال: إنها ليس لها خادم غيري أستأذن عليها كلما دخلت عليها.

قال: أتحب أن تراها عريانة؟

قال الرجل: لا.

قال: فاستأذن" .

قال العلماء: إن كان المنع من الهجوم على الغير لأجل أنه لا يراه منكشف الأعضاء فتستثنى منه الزوجة وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه لا يراه مشغولاً بما يكره الاطلاع عليه فالمنع عام إلا إذا عرض ما يبيح هتك الستر كحريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره.

التاسع: ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه؟

الجواب: قال الشافعي: لو فقأ عينه فهي هدر وتمسك بما روى سهل بن سعد "أنه اطلع رجل في حجرة من حجر النبي  ومع النبي مدرى يحك بها رأسه فقال: لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك، إنما الاستئذان من النظر" .

وعن أبي هريرة أنه  قال "من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه" قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر مردود لوروده على خلاف الأصول، فلا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه ضامناً وعليه القصاص إن كان عامداً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع.

فمعنى الحديث لو صح أنه من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم ثم منع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر، وأجيب بالفرق فإنه إذا علم القوم دخوله عليهم احترزوا عنه وتستروا فأما إذا نظر على حين غفلة منهم اطلع على ما لا يراد الاطلاع عليه فلا يبعد في حكمة الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسماً لمادة هذه المفسدة.

جميع هذه الأحكام فيما إذا كانت الدار مسكونة فإن لم تكن مسكونة فذلك قوله ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ الآية.

وللمفسرين فيه أقوال: الأول: قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرجال والسلع والبيع والشراء.

يروى أن ابا بكر قال: يا رسول الله، إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلا بإذن فنزلت.

وقيل: هي الخربات يتبرز فيها الوتاع التبرز.

وقيل: الأسواق.

والأولى العموم.

وإنما لم يحتج إلى الإذن دفعاً للحرج، ولأنها ماذون في دخولها من جهة العرف.

ثم ختم الآية بوعيد مثل ما تقدم الحكم الخامس، غض البصر وحفظ الفرج عما لا يحل.

وتخصيص المؤمنين بهذا التكليف عند من لا يجعل الكفار مكلفين بفروع الإسلام ظاهر، وأما عند من يجعلهم مكلفين بالفروع أيضاً فالتخصيص للتشريف، أو نزل فقدان مقدمة التكليف منزلة فقدان التكليف وإن كان حالهم في الحقيقة كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها.

قال أكثر النحويين: "من" للتبعيض والمراد غض شيء من البصر لأن غض كله كالمعتذر بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق.

وجوز الأخفش أن تكون "من" مزيدة.

وقيل: صلة للغض أي ينقصوا من نظرهم.

يقال: غضضت من فلان إذا انقضت من قدره.

فالنظر إذا لم يكن من عمله فهو معفو موضوع عنه.

وإعراب قوله ﴿ يغضوا ﴾ كما مر في سورة إبراهيم في قوله ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا  ﴾ قال الفقهاء: العورات على أربعة أقسام: عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجل، وبالعكس.

أما الرجل مع الرجل فيجوز أن ينظر إلى جميع بدنه إلا إلى عورته، وعورته ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة.

وعند أبي حنيفة: الركبة عورة.

قال مالك: الفخذ ليست بعورة وهو خلاف ما روي "أنه  قال لعلي:لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي وميت." فإن كان في نظره إلى وجه الرجل أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه.

ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان واحد منهما في جانب الفراش لرواية أبي سعيد الخدري أنه  قال: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" ويكره المعانقة وتقبيل الوجه.

إلا لولده شفقة.

وتستحب المصافحة والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، ولا يجوز عند خوف الفتنة، ولا تجوز المضاجعة أيضاً لما مر في الحديث.

والصح أن الذمية لا يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة لأنها أجنبية في الدين والله تعالى يقول ﴿ أو نسائهن ﴾ أما عورة المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة فجيمع بدنها عورة لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والإعطاء.

ويعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين.

وقيل: ظهر الكف عورة.

وفي هذا المقام تفصيل: قال العلماء: لا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية بغير غرض فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره لقوله  ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ﴾ ولقوله  "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" فإن كان هناك غرض ولا شهوة ولا فتنة فذاك والغرض أمور منها: أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفها.

روى أبو هريرة "أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله  :انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً." ومنها إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.

ومنها أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة.

ومنها أنه ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به.

ومنها يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إلى بدن الأجنبية للمعالجة كما يجوز للخاتن أن ينظر إلى فرج المختون لأنه محل ضرورة.

وكما يجوز أن ينظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة، وإلى فرجها لتحمل شهادة الولادة إذا لم تكن نسوة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع.

فإن كان هناك شهوة وفتنة فالنظر محظور قال  "العينان تزنيان" وقيل: مكتوب في التوراة: النظر يزرع الشهوة في القلب ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً.

ويستثنى منه ما لو وقعت في حرق أو غرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها.

وإن كانت الأجنبية أمة فالأصح أن عورتها ما بين السرة والركبة لما روي "أنه  قال في الرجل يشتري الأمة لا باس أن ينظر إليها إلا إلى العورة وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها" وقيل: إلا ما تبدي المهنة فيخرج منه أن رأسها وعنقها وساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف.

وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الأمة ولا يجوز لمسها ولا لها مسه لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطر.

وقال أبو حنيفة: يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه، وأما إن كانت المرأة ذات محرم بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها ما بين السرة والركبة كعورة الرجل.

وعند أبي حنيفة: عورتها مالا يبدو عند المهنة، فإن كانت مستمتعاً له كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها جاوز له أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج، وكذا إلى فرج نفسه لما روي أن يورث الطمس.

وقيل: لا يجوز النظر إلى فرجها، فإن كانت الأمة مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو مزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية.

روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي  قال "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" وأما عورة الرجل مع المرأة فإن كان أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة.

وقيل: جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه.

والأصح هو الأول لأن بدن المرأة في نفسه عورة بدليل أنه لا يصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه.

ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي " عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله  وميمونه إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل فقال  :احتجبا منه.فقالت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟

فقال:أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟" وإن كان محرماً لها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها.

ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خال وله ما يستر عورته لأنه  سئل عن ذلك فقال: "الله أحق أن يستحي منه." وعنه "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله" ولما كان النظر بريد الزنا ورائد الفجور أمر بغض الأبصار أولاً ثم بحفظ الفروج عن الزنا والفجور ثانياً.

وعن أبي العالية أن كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلاّ هذا فإنه أراد الاستثناء وأن لا ينظر إلى الفروج أحد، وعلى هذا ففائدة التخصيص بعد التعميم أن يعلم أن أمر الفرج أضيق.

وحين خص الخطاب في أول الآية بالمؤمنين ذكر أن ذلك الذي أمر به من غض البصر وحفظ الفرج أزكى لهم لأنهم يتطهرون بذلك من دنس الآثام، ويستحقون الثناء والمدح، وهذا لا يليق بالكافر.

وفي قوله ﴿ إن الله خبير بما يصنعون ﴾ ولا ثاني له في القرآن إشارة إلى وجوب الحذر في كل حركة وسكون.

وتفسير قوله ﴿ وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ﴾ يعلم من التفصيل المتقدم.

أما قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ فمن الأحكام التي تختص بالنساء في الأغلب.

وقد يحرم على الرجل إبداء زينته للنساء الأجنبيات إذا كان هناك فتنة.

قال أكثر المفسرين: الزينة ههنا أريد بها أمور ثلاثة: أحدها الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والحمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها.

وثانيها الحلي كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلائد والإكليل والوشاح والقرط.

وثالثها الثياب.

وقال: آخرون: الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله  وعلى ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلي وغير ذلك.

يدل على ذلك أن كثيراً من النساء يتفردن بخلقهن عن سائر ما يعدّ زينة.

وفي قوله ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ إشارة إلى ذلك وكأنه  منعهن من إظهار محاسن خلقهن فأوجب سترها بالخمار.

قال القفال: بناء على هذا القول معنى قوله ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ إلا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية وذلك في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء كل ما يبدو عند المهنة.

وفي صوتها خلاف، الأصح أنه ليس بعورة لأن نساء النبي  يروين الأخبار للرجال.

وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فذهبوا إلى أنه  إنما حرم النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة لأجل المبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة إلا ما ظهر من هذه الزينة كالثياب مطللقاً إذا لم تصف البدن لرقتها، وكالحمرة والوسمة في الوجه، وكالخضاب والخواتيم في اليدين، وما سوى ذلك يحرم النظر إليه.

ولهذا قال ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ والخمر جمع الخمار وهي كالمقنعة.

قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام وساعة فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمر أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتستتر بذلك أعناقهن ونحورهن وما حواليها من شعر وزينة.

وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء شبيه الإلصاق.

وعن عائشة: ما رأيت نساء خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الاية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرن فأصبحن كأن على رؤوسهن الغربان.

ثم بين أن الزينة الخفية يحل إبداؤها لاثنتي عشرة فرقة: الأولى بعولتهن أي أزواجهن والتاء لتأكيد الجمع كصقورة.

الثانية: آباؤهن وإن علوا من جهة الأب والأم.

الثالثة: آباء بعولتهن وإن علوا.

الرابعة: أبناؤهن وإن سفلوا الخامسة: أبناء بعولتهن وإن سفلوا ايضاً.

السادسة: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما.

السابعة: بنو إخوانهن.

الثامنة: بنو أخواتهن وحكم أولاد الأولاد حكم اولاد فيهما.

وهؤلاء كلهم محارم وترك من المحارم العم والخال، فعن الحسن البصري أنهما كسائر المحارم في جواز النظر.

وقد يذكر البعض لينبه على الجملة ولهذا لم يذكر المحارم من الرضاع في هذه الآية، وكذا في سورة الأحزاب قال ﴿ لا جناح عليهن في آبائهن  ﴾ إلى آخر الآية.

ولم يذكر البعولة ولا أبناءهم.

وقال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله  لئلا يصفها العم عند ابنه والخال عند ابنه، وذلك أن العم والخال يفارقان سائر المحارم في أوان أبناءهما ليسوا من المحارم، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم ومعرفة الوصف قريب من النظر، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط في التستر.

وإنما أبيح إبداء الزينة الخفية لهؤلاء المذكورين لاحتياجهن إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولا سيما في السفار للنزول والركوب.

وأيضاً لقلة وقوع الفتنة من جهاتهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب الأقارب.

التاسعة: قوله ﴿ أو نسائهن ﴾ فذهب أكثر السلف على أن المراد أهل أديانهن ومن هنا قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها.

وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات.

وقال آخرون: والعمل عليه إن المراد جميع النساء وقول السلف محمول على الأولى والأحب.

العاشرة: قوله ﴿ أو ما ملكت ايمانهن ﴾ وظاهر الآية يشمل العبيد والإماء ويؤيده ما روى أنس أنه  أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله  ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك،" وعن عائشة أنها قالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر.

وعنها أنها كانت تمشط والعبد ينظر إليها.

وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: إن العبد ينظر إلى شعر مولاته وهو قول أبي حنيفة إذ ليس ملكها للعبد كملكه للأمة فلا خلاف أنها لا تستبيح بملك العبد شيئً من التمتع منه كما يملك الرجل من الأمة.

وتحريم تزوج العبد لمولاته عارض غير مؤبد كمن عنده أربع نسوة لا يجوز له التزوج بغيرهن، فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب خصياً كان العبد او فحلاً.

وأورد على هذا القول لزوم التكرار ضرورة أن الإماء من حملة نسائهن.

وأجيب بأنه أراد بالنساء الحرائر كما أراد بالرجال الأحرار في قوله ﴿ شهيدين من رجالكم  ﴾ الحادية عشرة قوله ﴿ أو التابعين غير أولي الإربة ﴾ وهي الحاجة وهم البله.

وأهل العنة الذين لا يعرفون شيئاً من أمور النساء إنما يتبعون الناس ليصيبوا من فضل طعامهم أو شيوخ صلحاء لا حاجة بهم إلى النساء لعفة أو عنانة.

"عن زينب بنت أم سلمة أن النبي  دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة وقال: يا عبد الله إن فتح الله لكم الطائف أدلك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان عنى عكن بطنها.

فقال  :لا يدخلن عليكم هذا." فأباح النبي  دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي الإربة فحجبه.

الثانية عشر قوله ﴿ أو الطفل ﴾ وهو جنس يقع على الواحد والجمع وهو المراد ههنا.

قال ابن قتيبة معنى ﴿ لم يظهروا ﴾ لم يطلعوا ﴿ على عورات النساء ﴾ والعورة سوأة الإنسان وكل مايستحيا منه.

وقال الفراء والزجاج: هو من قولهم "ظهر على كذا" إذا قوي عليه أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء.

فعلى الأول يجب الاحتجاب ممن ظهر فيه داعية الحكاية، وعلى الثاني إنما يجب الاحتجاب من المراهق الذي ظهرت فيه مبادي الشهوة، قال الحسن: هؤلاء الفرق وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الظاهرة فهم على أقسام ثلاثة: فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها، والثاني الأب والابن والأخ والجد وأبو الزوج وكل محرم من الرضاع أو النسب كل يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك.

والثالث التابعون غير أولي الإربة، وكذا المملوك لا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً ولا يصح للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب.

فهذا ضبط هذه المراتب ثم علمهن أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ﴾ قال ابن عباس: كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال.

وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين.

وفي النهي عن إظهار صوت الحلي بعد نهيهن عن إظهار الحلي مبالغة فوق مبالغة ليعلم أن كل ما يجر إلىالفتنة يجب الاحتراز عنه، فإن الرجل الذي تغلب عليه الشهوة إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعياً له إلى مشاهدتهن، ومنه يعلم وجوب إخفاء صوتهن إذا لم يؤمن الفتنة ولهذا كرهوا أذان النساء، ثم ختم الآية بالأمر بالدوام على التوبة والاستغفار لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يكاد يقدر على رعاية الأوامر والنواهي كما يجب.

قال العلماء: إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكر أن يجدد عنه التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه عز وجل.

وعن ابن عباس: اراد توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة.

قال جار الله: من قرأ ﴿ آيه المؤمنون ﴾ بضم الهاء فوجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها.

الحكم السادس: النكاح وذلك أنه حين أمر بغض الأبصار وحفظ الفروج ارشد بعد ذلك إلى طريق الحل فيما تدعو إليه الشهوة.

وأصل الأيامى أيايم فقلب الواحد أيم بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة.

قال النضر بن شميل: الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها وهو قول ابن عباس في رواية الضحاك يقول: زوِّجوا أياماكم بعضهم من بعض.

وقد آم وآمت وتأيما إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين.

قال: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت افتى منكم أتأيم.

وظاهر الأمر الوجوب إلا أن الجمهور حملوه على الندب لأنه لو كان واجباً لشاع في عصر الرسول  وانتشر، ولو انتشر لنقل لعموم الحاجة إليه.

وقد ورد في الأخبار التصريح بكونه سنة كقوله  "النكاح سنتي" وكقوله  "من أحب فطرتي فليستسن بسنتي وهي النكاح" وقد أجمعوا على أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه.

واتفقوا على أن السيد لا يجبر على تزويج عبده أو أمته.

نعم قد يجب في بعض الصور كما إذا التمست التزويج من الولي فعليه الإجابة إذا كان الخاطب كفؤاً.

استدل الشافعي بعموم الآية على جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها وإعترض أبو بكر الرازي بأن الأيامى شامل للرجال والنساء وحين لزم في الرجال تزويجهم بإذنهم فكذا في النساء ويؤيده ما روي أنه  قال "البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" وأجيب بأن تخصيص النص لا يقدح في كونه حجة في الباقي.

والفرق أن الأيم من الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده بخلاف المرأة فإن احتياجها إلى من يصلح أمرها أظهر، على أنا لا نسلم أن لفظ الأيامى عند الإطلاق يتناول الرجال، وفي تخصيص الآية بخبر الواحد أيضاً نزاع.

واستدل ابو حنيفة بعموم الآية أيضاً على أن العم والأخ يليان تزويج الثيب الصغيرة ونوقش فيه.

قال الشافعي: من تاقت نفسه إلى النكاح استحب له أن ينكح إذا وجد أهبة النكاح وإلا فليكسر شهوته بالصوم لما روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله  قال "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فإن الصوم له وجاء" والذي جاء لا تتوق نفسه إلى النكاح لكبر أو مرض أو عجز أو كان غير قادر على النفقة يكره له أن ينكح لأنه يلتزم مالا يمكنه القيام بحقه، وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له أن ينكح لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله  .

وقال أبو حنيفة: النكاح افضل.

حجة الشافعي أنه تعالى مدح يحيى بقوله ﴿ وسيداً وحصوراً  ﴾ والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهن.

وقال النبي  "أفضل أعمالكم الصلاة" وقال "أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن" وقال "أحب المباحات إلى الله  النكاح" والمباح ما استوى طرفاه، والمندوب ما ترجح فعله ولو كان النكاح عبادة لم يصح من الكافر.

والنكاح فيه شهوة النفس والعبادة فيها مشقة النفس والإقبال على الله  فأين أحدهما من الآخر!‍ ولو كان النكاح مساوياً للنوافل في الثواب لم تكن النوافل مشروعة لأن الطريق المؤدي إلى المطلوب مع بقاء اللذة وعدم التعب أولى بالسلوك، وإن كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لأنه سبب لبقاء الأشخاص ونظام العالم.

فالاشتغال بالزراعة أيضاً أولى من النافلة للعلة المذكورة.

وقد وقع الإجماع على أن واجب العبادة مقدم على واجب النكاح، فكذا مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب.

وعن النبي  "إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال" وعنه  "يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة" حجة أبي حنيفة أن النكاح يتضمن صوت النفس من ضرر الزنا ودفع الضرر أهم من جلب النفع.

وأيضاً النكاح يتضمن العدل.

وقد ورد في الحديث "لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة" وقال  "النكاح سنتي" وقال في الصلاة "إنها خير موضوع فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل" ثم إن الأيامى جمع مستغرق لكنهم أجمعوا على أنه لا بد من شروط ذكرنا بعضها في سورة النساء في قوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ ومعنى ﴿ منكم ﴾ أي من حرائركم قاله كثير من المفسرين لأن حكم العبيد والإماء يعقب ذلك.

ومنهم من قال: أراد من يكون تحت ولاية المأمور من الولد والقريب.

ومنهم من قال: الإضافة لا تفيد الحرية والإسلام.

ثم امر السادة أن يزوجوا أرقاءهم الصالحين.

واتفقوا على أنه للإباحة والترغيب لأن في تزويج العبد التزام مؤنة زوجته وتعطل خدمته واستفادة المهر وسقوط النفقة في تزويج الأمة ليس قبوله بلازم على السيد أيضاً، وتخصيص الصالحين بالذكر عناية من الله بحالهم ليتحصن دينهم ويتحفظ عليهم صلاحهم.

وأيضاً الصالحون من الأرقاء هم الذين يشفق عليهم مواليهم ويهتمون بشأنهم حتى ينزلوهم منزلة الأولاد.

ويجوز أن يراد بالصلاح القيام بحقوق النكاح، ومن جملة ذلك أن لا يكون في غاية الصغر بحيث لا يحتاج إلى النكاح.

وإذن السيد لهم أن يزوجوا أنفسهم ينوب عن تزويج السيد.

أما قوله ﴿ إن يكونوا فقراء ﴾ فالأصح أن هذا ليس وعداً من الله  بإغناء من يتزوج حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف، فرب غني يفقره النكاح ولكن المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم ففي فضل الله ما يغنيهم والمال غاد ورائح.

على أن مثل هذا الوعد قد جاء مشروطاً بالمشيئة في قوله ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء  ﴾ فالمُطلق محمول على المقيد.

وقيل: أراد بالغنى نفس العفاف بتملك البضع الذي يغنيه عن الوقوع في الزنا.

وعن طائفة من الصحابة أن هذا وعد.

وعن أبي بكر قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى.

وعن ابن عباس: التمسوا الرزق بالنكاح.

"وشكا رجل إلى رسول الله  الحاجة فقال:عليك بالباءة." وقد يستدل بالآية على أن العبد والأمة يملكان وإلا لم يتصور فقرهما وغناهما.

والمفسرون قالوا: الضمير عائد إلى الأحرار خاصة وهم الأيامى، وإن فسر الغني بالعفاف فلا بعد في رجوعه إلى الكل ﴿ والله واسع ﴾ إفضاله ولكنه ﴿ عليم ﴾ يبسط الرزق كما يريد وعلى ما ينبغي.

وفيه إشارة إلى قيد المشيئة في الوعد المذكور.

ثم ذكر حال العاجزين عن القيام بمؤن النكاح بقوله ﴿ وليستعفف ﴾ أي ليطلب العفة من نفسه والمضاف محذوف أي لا يجدون استطاعة نكاح ولا يقدرون عليه، أو النكاح يراد به ما ينكح بوساطته وهو المال ولا محذوف.

وفي قوله ﴿ حتى يغنيهم ﴾ نوع تأميل للمستعففين.

وفيه أن فضله من أهل الصلاح والعفاف قريب.

الحكم السابع: المكاتبة: وحين رغب السادة في تزويج الصالحين من العبيد والإماء أرشدهم إلى الطريق الذي به ينخرط العبيد في سلك الأحرار مع عدم الإضرار بالسادة فقال ﴿ والذين يبتغون ﴾ ومحله إما رفع والخبر ﴿ فكاتبوهم ﴾ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وإما نصب بفعل مضمر تفسيره ﴿ فكاتبوهم ﴾ والفاء للإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها كقوله { ﴿ وربك فكبر  ﴾ والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، والتركيب يدل على الضم والجمع لما فيه من ضم النجوم بعضها إلى بعض.

وقال الأزهري: هو من الكتابة ومعناه كتبت لك على نفس أن تعتق مني إذا وفيت المال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت عليَّ العتق، وقيل: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل واجباً عند الشافعي وندباً عند أبي حنيفة كما تجيء.

والأجل يستدعي الكتابة لقوله { ﴿ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه  ﴾ قال محي السنة: الكتابة أن تقول لمملوكك كاتبتك على كذا ويسمى مالا يؤديه في نجمين أو أكثر ويعين عدد النجوم، وما يؤدى في كل نجم ويقول: إذا أديت ذلك المال فأنت حر وينوي ذلك بقلبه.

ويقول العبد: قبلت وفي هذا الضبط أبحاث: الأول قال الشافعي: إن لم يقل بلسانه إذا أديت ذلك المال فأنت حر ولم ينوِ بقلبه ذلك لم يعتق لأن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة، فإن ما في يد العبد فهو ملك لاسيد والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بعين ملكه.

فقوله "كاتبتك" كناية في العتق فلا بد فيه من لفظ العتق ونيته.

وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر: لا حاجة إلى ذلك لإطلاق قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع.

الثاني: لا تجوز الكتابة عند الشافعي إلا مؤجلة لأن العبد لا يتصور له ملك يؤديه في الحال.

وجوز أبو حنيفة الحلول لإطلاق الآية، ولأنه يجوز العتق على مال في الحال بالاتفاق، فالكتابة ايضاً مثله.

الثالث: قال الشافعي: لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين.

روي ذلك عن علي  وعمر وعثمان وابن عمر.

وذلك أنه عقد إرفاق ومن تمام الإرفاق التنجيم، وجوز أبو حنيفة على نجم واحد لإطلاق الآية وللقياس على سائر العقود.

الرابع: جوز أبو حنيفة كتابة الصبي قال: ويقبل عنه المولى.

وذهب الشافعي إلى أنه يجب أن يكون عاقلاً بالغاً لأنه  قال ﴿ والذين يبتغون ﴾ والصبي لا يتصور منه الطلب.

الخامس: جوز أبو حنيفة أن يكاتب الصبي بإذن الولي وشرط الشافعي كونه مكلفاً مطلقاً، لأن قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ خطاب فلا يتناول إلا العاقل هذا وللمفسرين خلاف في أن قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ أمر إيجاب أو استحباب، فقال قائلون ومنهم عمرو بن دينار وعطاء وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى وجوب الكتابة إذا طلبها المملوك بقيمته أو بأكثر وعلم السيد فيه خيراً، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه وأكدوه بما روي في سبب النزول أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له الصبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فنزلت.

ويروى أن عمر أمر إنساناً بأن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين، فأبى فضربه بالدرة ولم ينكر أحد من الصحابة عليه.

وذهب أكثر العلماء منهم ابن عباس والحسن والشعبي ومالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري إلى أنه ندب لقوله  "لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب من قلبه" ولأن طلب الكتابة كطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة فلا تجب الإجابة، وهذه طريقة المعاوضات أجمع.

قال العلماء: إذا أدى مال الكتابة عتق وكان ولاؤه لمولاه لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له، ومن هنا يكسب مولاه الثواب.

أما قوله ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال عطاء: الخير هو المال كقوله ﴿ إن ترك خيراً  ﴾ قال: بلغني ذلك عن ابن عباس.

وضعف بأنه لا يقال في فلان مال وإنما يقال له أو عنده مال، وبأن العبد لا مال له بل المال لسيده، وعن ابن سيرين: اراد إذا صلى.

وعن النخعي: وفاء وصدقاً.

وقال الحسن: صلاحاً في الدين.

والأقرب أنه شيء يتعلق بالكتابة هكذا فسره الشافعي بالأمانة والقوة على الكسب.

ويروى مثله مرفوعاً إلى النبي  .

وذلك أن مقصود الكتابة لا يحصل إلا بالكسب ثم بالأمانة كيلا يضيع ما يكسبه.

واختلفوا أيضاً في المخاطب بقوله ﴿ وآتوهم ﴾ فعن الحسن والنخعي وابن عباس في رواية عطاء وهو مذهب أبي حنيفة، أنهم المسلمون والمراد أعطوهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، ولا بعد في كون المخاطب في أحد المعطوفين غير الآخر ولا في كون أحد الأمرين للاستحباب والآخر للإيجاب.

والسهم الذي يأخذه المكاتب له صدقة ولسيده عوض كما قاله  في حديث بريرة "هو لها صدقة ولنا هدية" وعن كثير من الصحابة وهو مذهب الشافعي أن المخاطب هو الموالي والأمر أمر إيجاب فيجب عليهم أن يبذلوا للمكاتبين شيئاً من أموالهم، أو يحطوا عنهم جزءاً من مال الكتابة.

ثم اختلفوا في قدره فعن علي  أنه كان يحط الربع ومثله ما روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاماً له فترك ربع مكاتبته وعن ابن عمر أنه كاتب عبداً له بخمسة وثلاثين ألفاً ووضع عنه خمسة آلاف وهو السبع.

والأكثرون على أنه غير مقدر ويحصل الامتثال بأقل متمول.

عن ابن عباس: يضع له من كتابته شيئاً.

وعن عمر أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام، فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمرو وقال: استعن به على مكاتبتك.

فقال: لو أخرته إلى آخر نجم، فقال: أخاف أن لا أدرك ذلك، وهذا الحط عند الأولين على وجه الندب فلا يجبر المولى عليه وأكدوه بما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أنه  قال "أَيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلاّ عشر أواق فهو عبد" فلو كان الحط واجباً لأسقط عنه بقدره، ومثله المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.

وايضاً لو كان الحط واجباً فإن كان معلوماً لزم عتقه إذا بقي ذلك القدر وليس ذلك بالاتفاق، ولو كان مجهولاً لكان ما بقي وهو مال الكتابة مجهولاً فلا تصح الكتابة.

وأيضاً أمر بالإيتاء من مال الله الذي أتاهم ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه يصدر العجز عنه فلا يستحق ذلك المال هذا الوصف فصح أن هذا أمر من الله  بذلك للناس، أولهم وللسادة أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم قال  "من أعان مكاتباً في فك رقبته أظله الله في ظل عرشه" الحكم الثامن: المنع من إكراه الإماء على الزنا: كان لعبد الله بن ابيّ راس النفاق ست جوار: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرهن على البغاء - أي الزنا- فشكت ثنتان منهن معاذة ومسيكة إلى رسول الله  .

وحد الإكراه قد مر في سورة النحل في قوله { ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ والنص وإن كان مختصاً بالإماء إلا أنهم أجمعوا على أن حال الحرائر أيضاً كذلك.

والسؤال المشهور في الآية هو أن المعلق بكلمة أن على الشيء يفهم منه عدمه عند عدم ذلك الشيء فتدل الآية على جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن.

والجواب بعد تسليم أن مفهوم الخطاب حجة هو أن الإكراه مع عدم غرادة التحصن والتعفف مما لا يجتمعان، فهذا المفهوم قد خرج عن كونه دليلاً لامتناعه في ذاته.

وقد يقال: إن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما مر في قوله ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  ﴾ وقيل: "إن" بمعنى "إذ" لأن سبب النزول وارد على ذلك.

قال جار الله: أوثرت كلمة "أن" على "إذ" إيذاناً بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من قبيل الشاذ والنادر.

وللآية مفهوم آخر وهو أن للسادة إكراههن على النكاح وليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها.

و ﴿ عرض الحياة الدنيا ﴾ كسبهن وأولادهن ﴿ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ لهم على الإطلاق أو بشرط التوبة على أصل الأشاعرة والمعتزلة، أو غفور لهن لأن الإكراه قد لا يكون على حد المعتبر في الشرع من التخويف الشديد فتكون آثمة حينئذ.

وحين فرغ من الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث: ألأولى الآيات المبينات أي الموضحات أو الواضحات في معاني الحدود والأحكام وغيرها ولا سيما الآيات التي ثبتت في هذه السورة.

الثانية كونه مثلاً من الذين خلوا أي قصة عجيبة من قصصهم فإن العجب في قصة عائشة ليس باقل من العجب في قصة يوسف ومريم ومااتهما به.

وعن الضحاك أنه أراد بالمثل شبه ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود.

وعن مقاتل: اراد شبيه ما حل بهم من العقاب إذا عصوا.

الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة.

التأويل: لا تدخلوا بيوت عالم القرار التي هي غير بيوتكم من دار القرار حتى تتعرفوا أحوالها ﴿ وتسلموا على أهلها ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ فإن صرتم بحيث فتنتم عن حظوظ الدنيا وشهواتها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بالتصرف فيها بالحق للحق ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ فارجعوا ﴾ ثم أشار إلى أن التصرف في الدنيا لأجل البلاغ وبحسب الضرورة جائز إذا لم تكن النفس تطمئن إليها فقال ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ الاية.

ثم أمر بغض بصر النفس عن مشتهيات الدنيا، وبصر القلب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة، بصر السر عن الدرجات والقربات، وبصر الروح عن الالتفات غلى ما سوى الله، وبصر الهمة عن العلل بأن لا يرى نفسه أهلاً لشهود الحق تنزيهاً له وإجلالاً، ولهذا أمر بحفظ فرج الباطن عن تصرفات الكونين فيه.

ثم أمر النساء بمثل ما أمر به الرجال تنبيهاً على أن النساء بالصورة قد يكن رجالاً في المعنى.

ثم نهى عن إظهار ما زين الله به سرائرهم وأحوالهم إلا ماظهر على صفحات أحوالهم من غير تكلف منهم.

ثم اباح لهم إظهار بعض الأسرار إلى شيوخهن أو إخوانهن في الدين والحال، أو المريدين الذين هم تحت تربيتهم وتصرفهم بمنزلة النساء والمماليك ومن لا خبر عندهم من عالم المعنى كالبله والأطفال، ففيه نفثة مصدور من غير ضرب.

﴿ وتوبوا إلى الله جميعاً ﴾ فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فتوبة المبتدئ من الحرام وتوبة المتوسط من الحلال وتوبة المنتهي مما سوى الله ﴿ وأنكحوا الأيامى ﴾ فيه أمر بطلب شيخ كامل يودع في رحم القلب من صلب الولاية نطفة استعداد قبول الفيض الأعلى وهو الولادة الثانية المستديعة للولوج في ملكوت السماء والأرض، وقد اشار إلى إفاضة هذا الاستعداد بقوله ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وليستعفف ﴾ ليحفظ الذين لا يجدون شيخاً في الحال أرحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى والشيطان حتى يدلهم الله على شيخ كامل كما دل موسى على الخضر  ، أو يخصهم بجذبة ﴿ الله يجتبي  ﴾ ﴿ والذين يبتغون ﴾ فيه أن المريد إذا طلب الخلاص عن قيد الرياضة لزم إجابته إن علم فيه الصلاح ووجب أن يؤتى بعض ما خص الله الشيخ به من المواهب ﴿ ولا تكرهوا ﴾ فيه أن النفس إذا لم تكن مائلة إلى التصرف في الدنيا وإن كان بالحق لم تكره عليه فإن أصحاب الخلوة غير أرباب الجلوة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ روي عن علي -  - قال: قال رسول الله  : "يا علي إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" .

وعن أنس -  - [قال]: قال رسول الله  : "يا بن آدم لك أول نظرة فإياك الثانية" وعن جرير قال: "سألت النبي  عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري" .

وعن ابن عباس قال: يغضوا أبصارهم عن شهواتهم فيما يكره الله.

ثم يحتمل قوله: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ وجوهاً ثلاثة: أحدها: غضوا أبصارهم لكي يحفظوا فروجهم؛ فإن حفظ الفرج إنما يكون بغض البصر وحفظه.

والثاني: يغضوا أبصارهم عن النظر إلى من لا تحل من الأجنبيات؛ لأن النظر إلى المحارم يحل، ويحفظوا فروجهم عن الكل من المحارم والأجنبيات إلا الذين استثناهم في آية أخرى.

والثالث: غضوا أبصارهم عما في أيدي الخلق، ولا تفتحوها إلى ما في أيديهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ...

﴾ الآية [طه: 131].

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: أطهر لهم، وأدعى لهم إلى الصلاح من النظر.

وعلى هذه يخرج قوله: ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ روي عن عبد الله بن مسعود -  - قال: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : الرداء والثياب.

وعن ابن عباس قال: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : الكحل والخاتم.

وفي رواية أخرى: الكف والوجه.

وعن عائشة قالت: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : القلب والفتخة، وهي خاتم أصبع الرجل.

وعن عبد: الله الزينة زينتان: زينة باطنة لا يراها إلا الزوج.

وأما الزينة الظاهرة فالثياب.

والباطنة كالإكليل والسوار والخاتم.

فإن كان التأويل ما روي عن ابن مسعود حيث جعلها من الثياب وغيره، ففيه دلالة ألا يحل النظر إلى وجه امرأة أجنبية.

وإن كان ما قال ابن عباس ففيه دلالة حل النظر إلى وجه المرأة لا بشهوة.

وإن كان ما قالت عائشة من القلب والفتحة ففيه دلالة جواز النظر إلى الكفين والقدمين؛ لأنهما ظاهرتان باديتان؛ ألا ترى أنهما من الظواهر في فرض غسل الوضوء، وإن كان ذلك ففيه دلالة جواز صلاتها مع ظهور القدم.

وجائز أن يكون النظر إلى وجه المرأة حلالا إذا لم يكن بشهوة، لكن غض البصر وترك النظر أرفق وأزكى، كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ  ﴾ أنهن حرائر ﴿ فَلاَ يُؤْذَيْنَ  ﴾ كما تؤذى الإماء.

والذي يدل أن للمرأة ألا تغطي وجهها، ولا ينبغي للرجل أن يتعمد النظر إلى وجه المرأة إلا عند الحاجة إليه - قول رسول الله  لعلي -  -: "إنما لك الأولى وليست لك الآخرة" وفي بعضها: "الأولى لك والآخرة عليك" ؛ لأنه كأنه إنما كرر النظر في الثانية؛ لشهوة تحدث في قلبه.

وإذنه للذي يريد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها يدل على أن نظر الرجل إلى وجه المرأة غير حرام؛ لأنه لو كان حراماً لم يأذن فيه النبي لأحد.

ونرى - والله أعلم - أن النظر إلى وجه المرأة ليس بحرام إذا لم يقع في قلب الرجل من ذلك شهوة، فإذا وجد لذلك شهوة، ولم يأمن أن يؤدي به ذلك إلى ما يكره فمحظور عليه أن ينظر إليها إلا أن يريد به معرفتها والنكاح فإنه قد رخص في ذلك؛ "روي أن المغيرة أراد أن يتزوج امرأة فقال له رسول الله  : اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" وقال في بعض الأخبار: "إذا خطب أحدكم المراة فلا بأس أن ينظر إليها؛ إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة، وإن كانت لا تعلم" وأحسن للشابة وأفضل لها أن تستر وجهها ويديها عن الرجال ليس لأن ذلك حرام وإليها معصية، ولكن لما يخاف في ذلك من حدوث الشهوة، ووقوع الفتنة بها، فإذا لم يكن للناظر في ذلك شهوة بأن كان شيخاً كبيراً، أو كانت المرأة دميمة، أو عجوزاً فإنه لا يحظر النظر إلى وجوه أمثالهن، ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، وأصله قول الله -  -: ﴿ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ  ﴾ .

ومما يدل على أن الوجه والكفين جائز ألا يكون بعورة أن المرأة لا تصلي وعورتها مكشوفة، ويجوز أن تصلي ووجهها ويداها ورجلاها مكشوفة.

فإذا كان كذلك دل ذلك على أن النظر إلى ذلك جائز إذا لم يكن ذلك لشهوة؛ دخل في ذلك معنى قول رسول الله  : "العينان تزنيان" ؛ لأن زناء العين لا يكون إلا النظر للشهوة، فإذا كان لشهوة دخل في ذلك معنى قول رسول الله  .

وروي في الخبر عن رسول الله  ما يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة، [وهو] ما روي عن عائشة قالت: "دخلت عليّ أختي أسماء وعليها ثياب شامية رقاق، وهي اليوم عندكم صفاق، فقال رسول الله  : هذه ثياب لا تحبها سورة النور فأمر بها فأخرجت، فقلت: يا رسول الله، زارتني أختي فقلت لها ما قلت، فقال: يا عائش، إن الحرة إذا حاضت لا ينبغي أن يرى إلا وجهها وكفاها" ، فإن ثبت هذا عنه فهو يبين ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ قد ذكرنا أن المرأة يكره لها النظر إلى الرجال من غير محرمها كما يكره للرجل [النظر] إلى المرأة الأجنبية؛ ألا ترى أنه روي "أن أعميين دخلا على رسول الله  وبعض أزواجه عنده - عائشة وأخرى - فقال لهما رسول الله  : قوما، فقالتا: إنهما أعميان يا رسول الله!!

فقال لهما: هما وإن كانا أعميين فأنتما لستما بأعميين" ، أو كلام نحو هذا، فدل أنه ما ذكرنا.

وعلى ذلك أخبار: روي عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله  : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم [الآخر] أن تبيت في مكان تسمع فيه نفس رجل ليس بمحرم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت في مكان يسمع فيه نفس امرأة ليست له بمحرم" وفي بعض الأخبار: أنه لم يرخص للمرأة أن يرى غير ذي محرم منها إلا الوجه والكف وما ظهر، وقبض رسول الله  على كوع عائشة وقال: "هذا".

وعن الحسن أنه قال في قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : الوجه وما ظهر من الثياب.

فإن ثبت ما ذكرنا من المروي عن رسول الله  حيث رخص النظر إلى الوجه والكف؛ لقوله: "إلا الوجه والكف" فاستثنى الوجه والكف من بين سائر الجوارح - كان ذلك تفسيراً لقوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ كأنه قال: "ولا يبدين زينتهن للأجنبيين إلا ما ظهر منها وهو الكحل والخاتم"، ثم الكحل يكون في الوجه والخاتم في اليد فذكر الزينة يكون كناية عن موضعها؛ لأن النظر إلى الزينة حلال لكل أحد إذا كان المراد بالزينة الحلي وما ذكره القوم، فدل أن المراد بذكر الزينة موضع الزينة لا نفس الزينة والحلي، ثم رخص للأجنبيين النظر إلى بعض مواضع الزينة وهو ما ظهر منها من الوجه والكف ولم يرخص ما خفي منها وما بطن.

ثم استثنى المحارم منها، ورخص لهم النظر إلى ذلك بقوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ ﴾ إلى آخر ما ذكر.

ثم مواضع الزينة الخفية منها الصدر، ومنها الأذنان وهما في الرأس، ومنها الساق.

ثم جمع بين الأب ومن سمى معه وبين الزوج في النظر إلى زينة المرأة، ولا خلاف في أن الأب لا يجوز له أن ينظر من عورة ابنته إلا إلى رأسها وفي الرأس الأذنان، وقد يكون فيهما القرط ونحوه، وإذا جاز له أن ينظر إلى رأسها ولا خمار عليها؛ فله أن ينظر إلى صدرها وهو موضع الزينة؛ لأنه مما يغطيه الخمار، وينظر إلى ذراعيها وموضع الخلخال من قدميها ورجليها، وهي مواضع الزينة الباطنة التي لا يجوز للأجنبي النظر إليها.

ثم النظر إلى الوجه أحق أن يحرم النظر إليه للأجنبي من الرأس وغيره من مواضع الزينة؛ لأن الوجه يجمع فيه جميع المحاسن وغيره من مواضع الزينة ليس فيها محاسن لكن إنما حرم النظر إلى هذه المواضع؛ لأنها عورة في نفسها؛ فالنظر إلى العورة حرام للأجنبي؛ ولأن النظر إليها - أعني: مواضع الزينة - لا يكون إلا للشهوة والنظر إليها للشهوة حرام.

فأما المحارم منها فإنهم لا ينظرون إلى هذه المواضع منها لشهوة ولا يقصدون به ذلك ألبتة؛ فأبيح لهم النظر إليها لحاجة.

وكل من يخشى من المحارم النظر إليها لشهوة لا ينظر إليها، وكذلك الأجنبي حيث أبيح النظر إلى الزينة الظاهرة فإن خشي به الشهوة لم ينظر إليها.

ثم غيرها من الزينة لا يحل لأحد النظر إليها: الأب وغيره - إلا للزوج خاصة وللمولى إلى مملوكته وهو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ \[المؤمنون: 5-6\] استثنى الأزواج والموالي من بين غيرهم؛ لأن النظر إلى ذلك لا يكون إلا للشهوة لا يقع فيه حاجة فلا يباح ذلك إلا لمن له قضاء الشهوة والوطء وهو الزوج والمولى.

فانقسمت العورة إلى جهتين: جهة يحل للمحارم منها النظر إليها لحاجة وضرورة تقع لهم.

وجهة لا تحل لهم إلا للأزواج لما لا يقع لهم حاجة ولا ضرورة بالنظر إلى ذلك؛ ألا ترى أن الأمة ينظر إلى شعرها وذراعيها وساقيها وصدرها إذا أراد شرائها ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، فإذا جاز للأجنبي أن ينظر إليه من الأمة جاز لمحرمها النظر إلى ذلك من المرأة للحاجة التي ذكرنا.

ثم ذكر في الآية المحارم جميعاً عدا الأعمام والأخوال، قال بعضهم: إنما لم يذكرا في هذه الآية؛ لأنها تحل لبنيهما بالنكاح فكره أن يصفاها لبنيهما؛ ولهذا كره من كره للمرأة المسلمة إبداء الزينة الخفية للكافرة من اليهودية والنصرانية لما لعلها تصف ذلك للمشركين، فيرغبون فيها، ويتكلفون ذلك، وصرف قوله: ﴿ أَوْ نِسَآئِهِنَّ ﴾ إلى المسلمات.

لكن جائز عندنا أن العم والخال إنما لم يذكرهما للكثرة والتطويل لما يكثر ذلك من أجناسهم وأمثالهم، فذكر الرخصة في أمثالهم كافية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ نِسَآئِهِنَّ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل النساء [اللاتي] يختلطن بهن، أو نساء قرابتهن وأرحامهن، أو النساء اللاتي توافقهن في دينهن، وهن المسلمات على ما قاله أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ .

قال قائلون: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ كقوله: ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ \[المؤمنون: 6\] ونحوه.

وقال قائلون: الإماء والعبيد جميعاً.

فإن كان المراد به الإماء فهو ظاهر.

وإن كان المراد به الأمة والعبد، ففيه إباحة نظر العبد إلى شعر مولاته على ما يقوله بعض الناس.

والأشبه أن يكون المراد به والله أعلم الإماء دون العبيد؛ لما ذكر في آخر الآية ﴿ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ والعبد من الرجال.

أو ذكر التابع والمتابع وإن كان خصيّا أو عنيناً أو معتوها على ما قالوا، فإنه لا يحل لهؤلاء النظر إلى تلك المواضع على حال فعلى ذلك العبد؛ فيكون الدخول عليهن مضمر في الآية، وكن النساء متأهبات وقت دخول العبيد والتابعين عليهن؛ لأنه ذكر المتابعين وهم تابعو الأزواج، ووقت دخول هؤلاء يكون معلوماً عندهن فيتأهبن لهم ويستترن، والله أعلم بذلك؛ ألا ترى [أنه] لا يحل للمرأة أن تسافر بعبدها، دل أنه ليس بمحرم لها؛ لذلك لم يحل له النظر إلى شعر مولاته.

فإن قيل: ما معنى ذكر إمائهن ونسائهن وكل النساء يجوز لهن النظر إلى المرأة وإلى هذه المواضع التي ذكرنا؟

قيل: خصّ الله - عز وجل - بالذكر إماءهن ونساءهن دون النساء الأجنبيات؛ تأديبا لا حظراً، وذلك أن المرأة قد يضيق عليها أن تستتر من أمتها ونساء أهل بيتها، لكثرة رؤيتهن لها، وقد تقدر أن تستر من الأجنبية محاسنها وزينتها؛ لقلة رؤيتها لها؛ ألا ترى أنه قد نهى المرأة أن تضرب برجلها؛ ليعلم ما تخفي من زينتها، وفي ذلك صيانة للرجل والمرأة وإبعاد لهما عما يحذر عليهما ويخاف؛ فليس ببعيد أن يجعل نهيه المراة أن تظهر زينتها ومحاسنها للأجنبية؛ لما يخاف على الأجنبية من فساد قلبها وحدوث الشهوات لها؛ صيانة للنساء والرجال جميعاً، وإبعاداً لهم عن الزينة، ولئلا تصفها لرجل يفتتن بها، ويتكلف الوصول إليها.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ﴾ روي عن عائشة -  ا - أنها قالت: "لما نزلت هذه الآية، أخذ النساء أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها" ، وعن ابن عباس: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ﴾ يقول: وليشددن بخمرهن على جيوبهن، يقول: ليرخين بخمرهن على الصدر والنحر فلا يرين منها شيئاً.

قال: وكن النساء قبل هذه الآية إنما يسدلن خمرهن سدلا من ورائهن كما يصنع النبط، فلما نزلت هذه الآية شددن الخمر على النحر والصدر.

وفي الآية دلالة أن دروع النساء كانت جيب؛ لأن الجيب إنما تكون للدروع، وذلك كان لباس النساء، وقد روي عن النبي  أنه نهى الرجال عن لبسة النساء، وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء.

وروي أنه لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل.

وعن ابن عباس: "لعن النبي المؤنثين من الرجال والمذكرات من النساء" .

وكأنه مكروه للرجل - والله أعلم - أن يلبس فراعة وحدها لا قميص تحتها؛ لأن ذلك لباس النساء إلا أن يكون لها شق ذيل، فخرجت من لبس النساء، ولم تكره للرجال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : إنما يباح النظر إلى الوجه للحاجة، وأما على غير الحاجة فلا يباح؛ لما ذكرنا من قوله: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ...

﴾ الآية [الأحزاب: 59]، وقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ  ﴾ ؛ فعلى ذلك ترك النظر إلى وجه المرأة أطهر للنساء وللناس جميعاً؛ فلا يباح ذلك إلا عند الحاجة إليه، وهو معرفتها؛ ليقيم به الشهادة.

فإن قيل: أليس النظر يسع إلى مواضع الزينة الخفية للأجنبي؛ للتداوي بها؟

قيل: يسع ذلك للضرورة وأما للحاجة فلا، ومسألتنا في الحاجة ليست في الضرورة.

ثم قوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ إلى آخره ما ذكر: جائز أن يكون المراد برخصة النظر إلى الزينة لهؤلاء المسمين في الآية رخصة النظر إلى نفس الزينة لا موضع الزينة؛ فيدخل في هذه الرخصة من ذًكِرَ من التابعين غير [أولي] الإربة من الرجال ونحوه؛ لأن الزينة في الصدر وما ذكر إنما تكون من وراء ثياب تكون على الصدر، ثم رخص النظر للمحارم إلى مواضع الزينة الخفية بغير هذه الآية.

أو أن يكون رخصة النظر للمحارم إلى مواضع الزينة ولغير المحارم من المماليك والتابعين غير أولي الإربة ومن ذكر - رخصة الدخول عليهن؛ فيكون في الآية إضمار الدخول؛ كأنه قال: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن ذكر من المحارم، ولا يدخل عليهن إلا العبيد والتابعون ومن ذكر من غير أولي الإربة، فيكن في وقت دخول هؤلاء متأهبات؛ لأن وقت دخول هؤلاء يكون معلوماً يعرفن فيتأهبن لهم؛ لأن العبيد إنما يدخلون على ساداتهم ومواليهم عند حاجتهن إليهم، والتابعون ومن ذكر إنما يدخلون إذا دخل أزواجهن عليهن فيتأهبن لذلك، ومثل هذه الإضمار جائز في الكلام يتبين ذلك بالثنيا كقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  ﴾ ، دل قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ أنه قد كان الصيد مذكوراً فيه مراداً؛ إذ لو لم يكن مذكوراً لم يكن استثنى منه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون في الأول إضمار الدخول فيه لهؤلاء الذين لا يحل لهم النظر إلى مواضع الزينة منهن ورخصة الإبداء للمحارم، أو أن يكون ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ قال بعضهم: الشيخ الكبير الذي لا حاجة له في النساء.

وقال بعضهم: المعتوه الأحمق الذي لا يشتهي النساء، ولا يغار عليه الأزواج.

وقال بعضهم: العنين والخصي، وهؤلاء الذين لا يطيقون الجماع.

لكن عندنا لا يسع للعنين ولا للخصي أن يخلو بامرأة أجنبية.

وقال الحسن: ﴿ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ هم المخنثون؛ روي عن عائشة قالت: "كان يدخل على أزواج النبي  مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، قالت: فدخل النبي ذات يوم وهو ينعت امرأة، فقال: لا أرى هذا يعلم ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم؛ فحجبوه" .

وعن أم سلمة "أن النبي  دخل عليها وعندها مخنث، فأقبل على أخي أم سلمة فقال: يا عبد الله، إن فتح الله لكم غداً الطائف دللتك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال: لا أرى [هذا] يعرف ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم" وقال بعضهم: ﴿ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ ﴾ الذين لا تهمهم ولا يخافون على النساء، وكله واحد، وهم الذين ليست لهم الحاجة إلى النساء.

قال أبو عوسجة: الإربة: الحاجة: والإرب جمع، وكذلك قال القتبي.

وقال ابن عباس: هو الذي لا يستحي منه النساء.

وقوله: ﴿ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ﴾ قال بعضهم: هو الإطلاع، أي: لم يطلعوا، ولم يعلموا، ولم يدروا ما هو من الصغر.

وقال بعضهم: لم يظهروا على عورات النساء، أي: لم يبلغوا الحلم.

والأول أشبه عندنا؛ وذلك أن الطفل الذي لم يحتلم قد أمر بالاستئذان في بعض الأوقات؛ لقوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ  ﴾ فالذي يؤمر بالاستئذان هو الطفل الذي لم يحتلم، وقد يطلع على عورات النساء، والذي لا يؤمر بالاستئذان هو أصغر من ذلك، وهو الذي لا يطلع على عورات النساء لصغره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ أي: لا تضربن إحدى رجليها على الأخرى ليقرع الخلخال بالخلخال.

﴿ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ أي: ما يواري الثياب من الزينة وهو الخلخال قد أخفاه الثياب؛ نهيت المرأة عن ضرب رجلها؛ ليعلم الرجال ما تخفي من زينتها، وذلك محظور عليها، لما يخرج ذلك مخرج ترغيب الناس وحثهم عليها، فالزينة في الأصل ما جعلت إلا للترغيب والتحريض على أنفسهم، وهي الداعية إلى النظر والشهوة، وفي ترك ذلك وترك المرأة الزينة صيانتها، وصيانة الرجال، وإبعادهم جميعاً من الزينة، والرغبة، فكشف الشابة عن وجهها، ونظر الرجل بشهوة إليها أحرى أن يكون محظورا عليه، منهيّاً عنه، والله أعلم بالصواب.

وقوله: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ارجعوا إلى الله بالطاعة له والخضوع؛ لتكونوا مفلحين.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ارجعوا عما قدمتم من المعاصي والمساوئ، واجعلوا مكان ذلك طاعة له؛ ليعفوا عنكم ما قدمتم من المعاصي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقل للمؤمنات يكففن من أبصارهن عن النظر إلى ما لا يحلّ لهن النظر إليه من العورات، ويحفظن فروجهن بالبعد عن الفاحشة وبالستر، ولا يُظْهِرن زينتهن للأجانب إلا ما ظهر منها مما لا يمكن إخفاؤه كالثياب، وليضربن بأغطيتهنّ على فتحات أعلى ثيابهن ليسترن شعورهن ووجوههن وأعناقهن، ولا يُظْهِرن زينتهنّ الخفية إلا لأزواجهنّ، أو آبائهن، أو آباء أزواجهن، أو أبنائهنّ، أو أبناء أزواجهنّ، أو إخوانهنّ، أو أبناء إخوانهنّ، أو أبناء أخواتهنّ، أو نسائهنّ المأمونات، مسلمات كنّ أو كافرات، أو ما ملكن من العبيد ذكورًا أو إناثًا، أو التابعين الذين لا غرض لهم في النساء، أو الأطفال الذين لم يطّلعوا على عورات النساء لصغرهم، ولا يضرب النساء بأرجلهن قصد أن يُعْلَم ما يسترن من زينتهنّ مثل الخلخال وما شابهه، وتوبوا إلى الله جميعًا -أيها المؤمنون- مما يحصل لكم من النظر وغيره؛ رجاء أن تفوزوا بالمطلوب، وتنجوا من المرهوب.

من فوائد الآيات جواز دخول المباني العامة دون استئذان.

وجوب غض البصر على الرجال والنساء عما لا يحلّ لهم.

وجوب الحجاب على المرأة.

منع استخدام وسائل الإثارة.

<div class="verse-tafsir" id="91.xApJX"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله