الآية ٣٢ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٣٢ من سورة النور

وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَـٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا۟ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 145 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة ، والأوامر المبرمة ، فقوله تعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) : هذا أمر بالتزويج .

وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه ، على كل من قدر عليه .

واحتجوا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " .

أخرجاه من حديث ابن مسعود .

وجاء في السنن - من غير وجه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تزوجوا ، توالدوا ، تناسلوا ، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة " وفي رواية : " حتى بالسقط " .

الأيامى : جمع أيم ، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها ، وللرجل الذي لا زوجة له .

وسواء كان قد تزوج ثم فارق ، أو لم يتزوج واحد منهما ، حكاه الجوهري عن أهل اللغة ، يقال : رجل أيم وامرأة أيم أيضا .

وقوله تعالى : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ) ، قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : رغبهم الله في التزويج ، وأمر به الأحرار والعبيد ، ووعدهم عليه الغنى ، فقال : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمود بن خالد الأزرق ، حدثنا عمر بن عبد الواحد ، عن سعيد - يعني : ابن عبد العزيز - قال : بلغني أن أبا بكر الصديق ، رضي الله عنه ، قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ، ينجز [ لكم ] ما وعدكم من الغنى ، قال : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) .

وعن ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح ، يقول الله تعالى : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) رواه ابن جرير ، وذكر البغوي عن عمر بنحوه .

وعن الليث ، عن محمد بن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء ، والغازي في سبيل الله " .

رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه وقد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي لم يجد إلا إزاره ، ولم يقدر على خاتم من حديد ، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة ، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظه من القرآن .

والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه [ وإياها ] ما فيه كفاية له ولها .

فأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث : " تزوجوا فقراء يغنكم الله " ، فلا أصل له ، ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن ، وفي القرآن غنية عنه ، وكذا هذا الحديث الذي أوردناه .

ولله الحمد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وزوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له، من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم.

والأيامى: جمع أيمُ، وإنما جمع الأيم أيامى؛ لأنها فعيلة في المعنى، فجُمعت كذلك كما جمعت اليتيمة: يتامى; ومنه قول جميل: أُحــبُّ الأيــامَى إذْ بُثَيْنَــةُ أيِّــمٌ وأحْــبَبْتُ لمَّـا أنْ غَنِيـتِ الغَوَانِيـا (1) ولو جمعت أيائم كان صوابا، والأيم يوصف به الذكر والأنثى، يقال: رجل أيم، وامرأة أيم وأيِّمة: إذا لم يكن لها زوج; ومنه قول الشاعر: فــإنْ تَنْكِحــي أَنْكِـحْ وَإنْ تَتـأَيَّمِي وإنْ كُــنْتُ أفْتَــى مِنْكُــمُ أتَـأيَّمُ (2) ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ ) يقول: إن يكن هؤلاء الذين تُنْكِحونهم من أيامى رجالكم ونسائكم وعبيدكم وإمائكم أهل فاقة وفقر، فإن الله يغنيهم من فضله، فلا يمنعنكم فقرهم من إنكاحهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) قال: أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ).

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن أبو الحسن، وكان إسماعيل بن صبيح مولى هذا، قال: سمعت القاسم بن الوليد، عن عبد الله بن مسعود، قال: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ).

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ ) قال: أيامى النساء: اللاتي ليس لهنّ أزواج.

وقوله: ( وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) يقول جلّ ثناؤه: والله واسع الفضل جواد بعطاياه، فزوّجوا إماءكم، فإن الله واسع يوسع عليهم من فضله، إن كانوا فقراء.

عليم: يقول: هو ذو علم بالفقير منهم والغنيّ، لا يخفى عليه حال خلقه في شيء وتدبيرهم.

------------------------ الهوامش: (1) البيت لجميل العذري صاحب بثينة ، كما قال المؤلف ، وكما في (اللسان: غنا) .

قال: والغانية : التي غنيت بالزوج، وقال جميل : " أحب الأيامى ...

" البيت وغنيت المرأة بزوجها غنيانًا .

أي : استغنت .

والأيامى : جمع أيم ، وهي في الأصل : التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا ، مطلقة كانت أو متوفى عنها (اللسان) .

وفي التنزيل العزيز : {وأنكحوا الأيامى منكم) : دخل فيه الذكر والأنثى ، والبكر والثيب .

واستشهد به المؤلف على أن الأيم التي ليس لها زوج (2) البيت أنشده صاحب (اللسان) في أيم ، قال: وتأيم الرجل زمانا ، وتأيمت المرأة : إذا مكثا أيامًا وزمانًا لا يتزوجان ، وأنشد ابن بري : فــإِنْ تَنْكِحِــي أَنْكِـحْ وَإِنْ تَتـأَيَّمِي (يَدَ الدَّهْــرِ مَـا لَـمْ تَنْكِحِـي) أتأيم وفي رواية الشطر خلاف بين ما أنشده المؤلف وما أنشده ، ابن بري .

والشاهد فيه عند المؤلف ، كما قدمناه في الشاهد الذي قبله وهو أن الأيم من الرجال أو النساء : من لا زوج له أو لها .

والفعل منه آم يئيم ، وتأيم يتأيم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليمفيه سبع مسائل :الأولى : هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح ؛ أي زوجوا من لا زوج له منكم فإنه طريق التعفف ؛ والخطاب للأولياء .

وقيل للأزواج .

والصحيح الأول ؛ إذ لو أراد الأزواج لقال وانكحوا بغير همز ، وكانت الألف للوصل .

وفي هذا دليل على أن المرأة ليس لها أن تنكح نفسها بغير ولي ؛ وهو قول أكثر العلماء .

وقالأبو حنيفة : إذا زوجت الثيب أو البكر نفسها بغير ولي كفء لها جاز .

وقد مضى هذا في ( البقرة ) مستوفى .الثانية : اختلف العلماء في هذا الأمر على ثلاثة أقوال ؛ فقال علماؤنا : يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت ، ومن عدم صبره ، ومن قوته على الصبر وزوال خشية العنت عنه .

وإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم .

وإن لم يخش شيئا وكانت الحال مطلقة فقال الشافعي : النكاح مباح .

وقال مالك ، وأبو حنيفة : هو مستحب .

[ ص: 222 ] تعلق الشافعي بأنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب .

وتعلق علماؤنا بالحديث الصحيح : من رغب عن سنتي فليس مني .الثالثة : قوله تعالى : الأيامى منكم أي الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء ؛ واحدهم أيم .

قال أبو عمرو : أيامى مقلوب أيايم .

واتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها ، بكرا كانت أو ثيبا ؛ حكى ذلك أبو عمرو ، والكسائي ، وغيرهما .

تقول العرب : تأيمت المرأة إذا أقامت لا تتزوج .

وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنا وامرأة سفعاء الخدين تأيمت على ولدها الصغار حتى يبلغوا أو يغنيهم الله من فضله كهاتين في الجنة .وقال الشاعر :فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى منكم أتأيمويقال : أيم بين الأيمة .

وقد آمت هي ، وإمت أنا .

قال الشاعر :لقد إمت حتى لامني كل صاحب رجاء بسلمى أن تئيم كما إمتقال أبو عبيد : يقال رجل أيم وامرأة أيم ؛ وأكثر ما يكون ذلك في النساء ، وهو كالمستعار في الرجال .

وقال أمية بن أبي الصلت :لله در بني علي أيم منهم وناكحوقال قوم : هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى : والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين .

وقد بيناه في أول السورة والحمد لله .الرابعة : المقصود من قوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم الحرائر والأحرار ؛ ثم بين حكم المماليك فقال : والصالحين من عبادكم وإمائكم .

وقرأ الحسن ( والصالحين من [ ص: 223 ] عبيدكم ) ، وعبيد اسم للجمع .

قال الفراء : ويجوز ( وإماءكم ) بالنصب ، يرده على الصالحين يعني الذكور والإناث ؛ والصلاح الإيمان .

وقيل : المعنى ينبغي أن تكون الرغبة في تزويج الإماء والعبيد إذا كانوا صالحين فيجوز تزويجهم ، ولكن لا ترغيب فيه ولا استحباب ؛ كما قال فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا .

ثم قد تجوز الكتابة وإن لم يعلم أن في العبد خيرا ، ولكن الخطاب ورد في الترغيب والاستحباب ، وإنما يستحب كتابة من فيه خير .الخامسة : أكثر العلماء على أن للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح ؛ وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، وغيرهما .

قال مالك : ولا يجوز ذلك إذا كان ضررا .

وروي نحوه عن الشافعي ، ثم قال : ليس للسيد أن يكره العبد على النكاح .

وقال النخعي : كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب .

تمسك أصحاب الشافعي فقالوا : العبد مكلف فلا يجبر على النكاح ؛ لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية ، وإنما تتعلق به المملوكية فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة ، بخلاف الأمة فإنه له حق المملوكية في بضعها ليستوفيه ؛ فأما بضع العبد فلا حق له فيه ، ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها .

هذه عمدة أهل خراسان والعراق ، وعمدتهم أيضا الطلاق ، فإنه يملكه العبد بتملك عقده .

ولعلمائنا النكتة العظمى في أن مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد ؛ ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه بإجماع .

والنكاح وبابه إنما هو من المصالح ، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد ، هو يراها ويقيمها للعبد .السادسة : قوله تعالى : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله رجع الكلام إلى الأحرار ؛ أي لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة ؛ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله .

وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضا الله واعتصاما من معاصيه .

وقال ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح ؛ وتلا هذه الآية .

وقال عمر - رضي الله عنه - : عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح ، وقد قال الله تعالى : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله .

وروي هذا المعنى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضا .

ومن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاثة كلهم حق على الله عونه المجاهد في سبيل الله ، والناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء .

أخرجه ابن ماجه في سننه .

فإن قيل : فقد نجد الناكح لا يستغني ؛ [ ص: 224 ] قلنا : لا يلزم أن يكون هذا على الدوام ، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد .

وقد قيل : يغنيه ؛ أي يغني النفس .

وفي الصحيح ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس .

وقد قيل : ليس وعد لا يقع فيه خلف ، بل المعنى أن المال غاد ورائح ، فارجوا الغنى .

وقيل : المعنى يغنهم الله من فضله إن شاء ؛ كقوله تعالى : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ، وقال تعالى : يبسط الرزق لمن يشاء .

وقيل : المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنا .السابعة : هذه الآية دليل على تزويج الفقير ، ولا يقول كيف أتزوج وليس لي مال ؛ فإن رزقه على الله .

وقد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة التي أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد ، وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح بالإعسار ؛ لأنها دخلت عليه ؛ وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسرا ، أو طرأ الإعسار بعد ذلك لأن الجوع لا صبر عليه ؛ قاله علماؤنا .

وقال النقاش : هذه الآية حجة على من قال : إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة ؛ لأن الله تعالى قال : يغنهم الله ولم يقل يفرق .

وهذا انتزاع ضعيف ، وليس هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة ، وإنما هي وعد بالإغناء لمن تزوج فقيرا .

فأما من تزوج موسرا وأعسر بالنفقة فإنه يفرق بينهما ؛ قال الله تعالى : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته .

ونفحات الله تعالى مأمولة في كل حال موعود بها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى الأولياء والأسياد، بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامى وهم: من لا أزواج لهم، من رجال، ونساء ثيب، وأبكار، فيجب على القريب وولي اليتيم، أن يزوج من يحتاج للزواج، ممن تجب نفقته عليه، وإذا كانوا مأمورين بإنكاح من تحت أيديهم، كان أمرهم بالنكاح بأنفسهم من باب أولى.

{ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } يحتمل أن المراد بالصالحين، صلاح الدين، وأن الصالح من العبيد والإماء -وهو الذي لا يكون فاجرا زانيا- مأمور سيده بإنكاحه، جزاء له على صلاحه، وترغيبا له فيه، ولأن الفاسد بالزنا، منهي عن تزوجه، فيكون مؤيدا للمذكور في أول السورة، أن نكاح الزاني والزانية محرم حتى يتوب، ويكون التخصيص بالصلاح في العبيد والإماء دون الأحرار، لكثرة وجود ذلك في العبيد عادة، ويحتمل أن المراد بالصالحين الصالحون للتزوج المحتاجون إليه من العبيد والإماء، يؤيد هذا المعنى، أن السيد غير مأمور بتزويج مملوكه، قبل حاجته إلى الزواج.

ولا يبعد إرادة المعنيين كليهما، والله أعلم.

وقوله: { إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ } أي: الأزواج والمتزوجين { يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } فلا يمنعكم ما تتوهمون، من أنه إذا تزوج، افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه، وفيه حث على التزوج، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر.

{ وَاللَّهُ وَاسِعٌ } كثير الخير عظيم الفضل { عَلِيمٌ } بمن يستحق فضله الديني والدنيوي أو أحدهما، ممن لا يستحق، فيعطي كلا ما علمه واقتضاه حكمه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( وأنكحوا الأيامى منكم ) " الأيامى " : جمع أيم ، وهو من لا زوج له من رجل أو امرأة ، يقال : رجل أيم وامرأة أيمة ، وأيم ، ومعنى الآية : زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم ، ( والصالحين من عبادكم وإمائكم ) وهذا الأمر أمر ندب واستحباب .

يستحب لمن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد أهبة النكاح أن يتزوج ، وإن لم يجد أهبة النكاح يكسر شهوته بالصوم ، لما أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسين الطوسي ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني ، أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن مسعود ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أيوب البجلي ، أخبرنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان عن الأعمش عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " .

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط " وقال - صلى الله عليه وسلم - : " من أحب فطرتي فليستن بسنتي ، ومن سنتي النكاح " .

أما من لا تتوق نفسه إلى النكاح وهو قادر عليه فالتخلي للعبادة له أفضل من النكاح عند الشافعي رحمه الله ، وعند أصحاب الرأي النكاح أفضل .

قال الشافعي : وقد ذكر الله تعالى عبدا كرمه فقال : " وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين " ( آل عمران - 39 ) ، والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليه ، وذكر القواعد من النساء ولم يندبهن إلى النكاح .

وفي الآية دليل على أن تزويج النساء الأيامى إلى الأولياء ; لأن الله تعالى خاطبهم به ، كما أن تزويج العبيد والإماء إلى السادات ، لقوله - عز وجل - : ( والصالحين من عبادكم وإمائكم ) وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم ، روي ذلك عن عمر ، وعلي ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وأبي هريرة ، وعائشة ، وبه قال سعيد بن المسيب ، والحسن ، وشريح ، وإبراهيم النخعي ، وعمر بن عبد العزيز ، وإليه ذهب الثوري ، والأوزاعي ، وعبد الله بن المبارك ، والشافعي ، وأحمد وإسحاق .

وجوز أصحاب الرأي للمرأة الحرة تزويج نفسها .

وقال مالك : إن كانت المرأة دنيئة يجوز لها تزويج نفسها ، وإن كانت شريفة فلا .

والدليل على أن الولي شرط من جهة الأخبار : ما أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا محمد بن الحسن بن أحمد المخلدي ، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج ، أخبرنا قتيبة بن سعيد ، أخبرنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا نكاح إلا بولي " أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن ابن شهاب ، عن عروة عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، ثلاثا ، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها ، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " قوله - عز وجل - : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ) قيل : الغنى هاهنا : القناعة .

وقيل : اجتماع الرزقين ، رزق الزوج ورزق الزوجة .

وقال عمر : عجبت لمن ابتغى الغنى بغير النكاح ، والله - عز وجل - يقول : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) وروي عن بعضهم : أن الله تعالى وعد الغني بالنكاح وبالتفرق فقال تعالى : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) ، وقال تعالى : " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " ( النساء - 130 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأنكحوا الأيامى منكم» جمع أيم: وهي من ليس لها زوج بكرا كانت أو ثيبا ومن ليس له زوج وهذا في الأحرار والحرائر «والصالحين» المؤمنين «من عبادكم وإمائكم» وعباد من جموع عبد «إن يكونوا» أي الأحرار «فقراء يغنهم الله» بالتزوج «من فضله والله واسع» لخلقه «عليم» بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وزوِّجوا- أيها المؤمنون- مَن لا زوج له من الأحرار والحرائر والصالحين مِن عبيدكم وجواريكم، إن يكن الراغب في الزواج للعفة فقيرًا يغنه الله من واسع رزقه.

والله واسع كثير الخير عظيم الفضل، عليم بأحوال عباده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أنت بعد ذلك بالعلاج الإيجابى ، الذى من شأنه أن يصرف الإنسان عن فاحشة الزنا المحرمة ، لأنه سيجد فيما أحله الله - تعالى - ما يغنيه عنها ، و ذلك عن طريق الأمر بتيسير الزواج ، والحض عليه .

قال - تعالى - : ( وَأَنْكِحُواْ .

.

.

) .الخطاب فى قوله - تعالى - : ( وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ .

.

.

) للأولياء والسادة ، والأيامى : جمع أيم - بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة .

.

.

وهو كل ذكر لا أنثى معه ، وكل أنثى لا ذكر معها بكرا أو ثيبا .

والمراد بالأيامى هنا الأحرار والحرائر .وقوله - تعالى - ( مِنْ عِبَادِكُمْ ) جمع عبد وهو الرقيق ، و " وإمائكم " جمع أمة .والمراد من الإنكاح هنا : المعاونة والمساعدة فى الزواج ، والعمل على إتمامه بدون عوائق لا تؤيدها شريعة الله - تعالى - .أى : زوِّجوا - أيها الأولياء والسادة - من لا زوج له من الرجال المسلمين أو النساء المسلمات ، ويسروا لهم هذا الأمر ولا تعسروه ، لأن الزواج هو الطريق المشروع لقضاء الشهوة ، ولحفظ النوع الإنسانى ، ولصيانة الأنساب من الاختلاط ، ولإيجاد مجتمع تفشو فيه الفضيلة ، وتموت فيه الرذيلة .وزوجوا - أيضا الصالحين للزواج من عبيدكم وإمائكم فإن هذا الزواج أكرم لهم وأحفظ لعفتهم .قال صاحب الكشاف " فإن قلت لم خص الصالحين؟

قلت : ليحصن دينهم ، ويحفظ عليهم صلاحهم ، ولأن الصالحين من الأرقاء .

هم الذين مواليهم يشفقون عليهم .

.

.

فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم .

.

وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك " .والأمر فى قوله - تعالى - : ( وَأَنْكِحُواْ ) يرى جمهور العلماء أنه للندب ، بدليل أنه قد وجد أيامى فى العهد النبوى ولم يجبروا على الزواج ، ولو كان الأمر للوجوب ، لأجبروا عليه .

.

.

ويرى بعضهم أنه للوجوب .قال الإمام ابن كثير : اشتملت هذه الآيات الكريمات على جمل من الأحكام المحكمة ، والأوامر المبرمة ، فقوله - تعالى - : ( وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ) هذا أمر بالتزويج ، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه ، على كل من قدر عليه ، واحتجوا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : " " يا معشر الشباب .

من استطاع منكم الباءة " - أى القدرة على الزواج - فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحفظ للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " أى : وقاية - .ويبدو لنا أن الزواج يختلف حكمه باختلاف الأحوال ، فمن كان - مثلا قادرا على الزواج ، ويخشى إذا ترك الزواج أن يقع فى الفاحشة : فإن الزواج بالنسبة له يكون واجبا عليه .

بخلاف من أمن الوقوع فى الفاحشة ، فإن الزواج بالنسبة له يكون مندوبا أو مستحبا .ولذا قال الإمام القرطبى : " اختلف العلماء فى هذا الأمر - أى فى قوله - تعالى - ( وَأَنْكِحُواْ ) - على ثلاثة أقوال : فقال علماؤنا يختلف الحكم فى ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت ، ومن عدم صبره .

.

فإذا خاف الهلاك فى الدين أو الدنيا فالنكاح حتم .وإن لم يخش شيئا ، وكانت الحال مطلقة ، فالنكاح مباح .قال الشافعى : إنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب .وقال مالك وأبو حنيفة : هو مستحب .وقوله - سبحانه - : ( إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ ) حض لمن يملك عقد الزواج على أن لا يجعل الفقر حائلا دون إتمامه .

لأن الأرزاق بيد الله - تعالى - وحده .أى : زوجوا - أيها الأولياء والسادة - من كان أهلا للزواج ، وصالحا له وراغبا فيه ، من رجالكم ونسائكم ، ولا يمنعكم فقرهم من إتمامه ، فإنهم إن يكونوا فقراء اليوم ، فالله - تعالى - قادر على أن يغنيهم فى الحال أو فى المستقبل متى شاء ذلك ، فإن قدرته - عز وجل - لا يعجزها شىء ، وكم من أناس كانوا فقراء قبل الزواج ، ثم صاروا أغنياء بعده ، لأنهم قصدوا بزواجهم حفظ فروجهم ، وتفيذ ما أمرتهم به شريعة الإسلام .روى الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء ، والغازى فى سبيل الله " .فهذا عهد أخذه الله - تعالى - على ذاته - فضلا منه وكرما - ولن يخلف الله - عز وجل - عهده .وقوله - سبحانه - : ( والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) أى : والله - تعالى - واسع الغنى لا تنفد خزائنه ، ولا ينتهى ما عنده من خير ، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الثامن: ما يتعلق بالنكاح: اعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بغض الأبصار وحفظ الفروج بين من بعد أن الذي أمر به إنما هو فيما لا يحل، فبين تعالى بعد ذلك طريق الحل فقال: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف الأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم فقلبا، وقال النضر بن شميل الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الضحاك، تقول: زوجوا أيامكم بعضكم من بعض، وقال الشاعر: فإن تنكحي انكح وإن تتأيمي *** وإن كنت أفتى منكموا أتأيم المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى ﴾ أمر وظاهر الأمر للوجوب على ما بيناه مراراً، فيدل على أن الولي يجب عليه تزويج مولاته وإذا ثبت هذا وجب أن لا يجوز النكاح إلا بولي، إما لأن كل من أوجب ذلك على الولي حكم بأنه لا يصح من المولية، وإما لأن المولية لو فعلت ذلك لفوتت على الولي التمكن من أداء هذا الواجب وأنه غير جائز، وإما لتطابق هذه الآية مع الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».

قال أبو بكر الرازي هذه الآية وإن اقتضت بظاهرها الإيجاب إلا أنه أجمع السلف على أنه لم يرد به الإيجاب، ويدل عليه أمور: أحدها: أنه لو كان ذلك واجباً لورد النقل بفعله من النبي صلى الله عليه وسلم ومن السلف مستفيضاً شائعاً لعموم الحاجة إليه، فلما وجدنا عصر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأعصار بعده قد كان في الناس أيامى من الرجال والنساء، فلم ينكروا عدم تزويجهن ثبت أنه ما أريد به الإيجاب.

وثانيها: أجمعنا على أن الأيم الثيب لو أبت التزوج لم يكن للولي إجبارها عليه.

وثالثها: اتفاق الكل على أنه لا يجبر على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على الأيامى، فدل على أنه غير واجب في الجميع بل ندب في الجميع.

ورابعها: أن اسم الأيامى ينتظم فيه الرجال والنساء وهو في الرجال ما أريد به الأولياء دون غيرهم كذلك في النساء والجواب: أن جميع ما ذكرته تخصيصات تطرقت إلى الآية والعام بعد التخصيص يبقى حجة، فوجب أن يبقى حجة فيما إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج وجب، وحينئذ ينتظم وجه الكلام.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله، الآية تقتضي جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها، لأن الآية والحديث يدلان على أمر الولي يتزويجها، ولولا قيام الدلالة على أنه لا يزوج الثيب الكبيرة بغير رضاها لكان جائزاً له تزويجها أيضاً بغير رضاها، لعموم الآية، قال أبو بكر الرازي قوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى ﴾ لا يختص بالنساء دون الرجال على ما بينا فلما كان الاسم شاملاً للرجال والنساء وقد أضمر في الرجال تزويجهم بإذنهم فوجب استعمال ذلك الضمير في النساء، وأيضاً فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئمار البكر بقوله: البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها وذلك أمر وإن كان في صورة الخبر، فثبت أنه لا يجوز تزويجها إلا بإذنها والجواب: أما الأول فهو تخصيص للنص وهو لا يقدح في كونه حجة والفرق أن الأيم من الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده أمره بخلاف المرأة، فإن احتياجها إلى من يصلح أمرها في التزويج أظهر، وأيضاً فلفظ الأيامى وإن تناول الرجال والنساء، فإذا أطلق لم يتناول إلا النساء، وإنما يتناول الرجال إذا قيد وأما الثاني: ففي تخصيص الآية بخبر الواحد كلام مشهور.

المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمه الله العم والأخ يليان تزويج البنت الصغيرة، ووجه الاستدلال بالآية كما تقدم.

المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله، الناس في النكاح قسمان منهم من تتوق نفسه في النكاح فيستحب له أن ينكح إن وجد أهبة النكاح سواء كان مقبلاً على العبادة أو لم يكن كذلك، ولكن لا يجب أن ينكح، وإن لم يجد أهبة النكاح يكسر شهوته لما روى عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن الصوم له وجاء».

أما الذي لا تتوق نفسه إلى النكاح فإن كان ذلك لعلة به من كبر أو مرض أو عجز يكره له أن ينكح، لأنه يلتزم ما لا يمكنه القيام بحقه، وكذلك إذا كان لا يقدر على النفقة وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له النكاح، لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله: النكاح أفضل من التخلي للعبادة، وحجة الشافعي رحمه الله وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَسَيّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيّا مّنَ الصالحين  ﴾ مدح يحيى عليه السلام بكونه حصوراً والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهن، ولا يقال هو الذي لا يأتي النساء مع العجز عنهن، لأن مدح الإنسان بما يكون عيباً غير جائز، وإذا ثبت أنه مدح في حق يحيى وجب أن يكون مشروعاً في حقنا لقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ ولا يجوز حمل الهدى على الأصول لأن التقليد فيها غير جائز فوجب حمله على الفروع.

وثانيها: قوله عليه الصلاة والسلام: استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة ويتمسك أيضاً بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن.

وثالثها: أن النكاح مباح لقوله عليه الصلاة والسلام: «أحب المباحات إلى الله تعالى النكاح».

ويحمل الأحب على الأصلح في الدنيا لئلا يقع التناقض بين كونه أحب وبين كونه مباحاً، والمباح ما استوى طرفاه في الثواب والعقاب، والمندوب ما ترجح وجوده على عدمه فتكون العبادة أفضل.

ورابعها: أن النكاح ليس بعبادة بدليل أنه يصح من الكافر والعبادة لا تصح منه، فوجب أن تكون العبادة أفضل منه لقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ والاشتغال بالمقصود أولى.

وخامسها: أن الله تعالى سوى بين التسري والنكاح ثم التسري مرجوح بالنسبة إلى العبادة ومساوى المرجوح مرجوح، فالنكاح مرجوح، وإنما قلنا إنه سوى بين التسري والنكاح لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم  ﴾ وذكر كلمة أو للتخيير بين الشيئين، والتخيير بين الشيئين أمارة التساوي، كقول الطبيب للمريض كل الرمان أو التفاح، وإذا ثبت الاستواء فالتسري مرجوح، ومساوى المرجوح مرجوح، فالنكاح يجب أن يكون مرجوحاً.

وسادسها: أن النافلة أشق فتكون أكثر ثواباً بيان أنها أشق أن ميل الطباع إلى النكاح أكثر، ولولا ترغيب الشرع لما رغب أحد في النوافل، وإذا ثبت أنها أشق وجب أن تكون أكثر ثواباً لقوله عليه الصلاة والسلام: «أفضل العبادات أحمزها».

وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: «أجرك على قدر نصبك».

وسابعها: لو كان النكاح مساوياً للنوافل في الثواب مع أن النوافل أشق منه لما كانت النوافل مشروعة.

لأنه إذا حصل طريقان إلى تحصيل المقصود وكانا في الإفضاء إلى المقصود سببين وكان أحدهما شاقاً والآخر سهلاً، فإن العقلاء يستقبحون تحصيل ذلك المقصود بالطريق الشاق مع المكنة من الطريق السهل، ولما كانت النوافل مشروعة علمنا أنها أفضل.

وثامنها: لو كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لكان الاشتغال بالحراثة والزراعة أولى من النافلة بالقياس على النكاح والجامع كون كل واحد منهما سبباً لبقاء هذا العالم ومحصلاً لنظامه.

وتاسعها: أجمعنا على أنه يقدم واجب العبادة على واجب النكاح، فيقدم مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب.

وعاشرها: أن النكاح اشتغال بتحصيل اللذات الحسية الداعية إلى الدنيا، والنافلة قطع العلائق الجسمانية وإقبال على الله تعالى فأين أحدهما من الآخر؟

ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة» فرجح الصلاة على النكاح، حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه: الأول: أن النكاح يتضمن صون النفس عن الزنا فيكون ذلك دفعاً للضرر عن النفس، والنافلة جلب النفع ودفع الضرر أولى من جلب النفع الثاني: أن النكاح يتضمن العدل والعدل أفضل من العبادة لقوله عليه الصلاة والسلام: لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة الثالث: النكاح سنة مؤكدة لقوله عليه الصلاة والسلام: «من رغب عن سنتي فليس مني».

وقال في الصلاة وإنها: «خير موضوع فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل» فوجب أن يكون النكاح أفضل.

المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى ﴾ وإن كانت تتناول جميع الأيامى بحسب الظاهر لكنهم أجمعوا على أنه لابد فيها من شروط، وقد تقدم شرحها في قوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ مّنكُمْ ﴾ فقد حمله كثير من المفسرين على أن المراد هم الأحرار لينفصل الحر من العبد، وقال بعضهم بل المراد بذلك من يكون تحت ولاية المأمور من الولد أو القريب، ومنهم من قال الإضافة تفيد الحرية والإسلام.

أما قوله تعالى: ﴿ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر أنه أيضاً أمر للسادة بتزويج هذين الفريقين إذا كانوا صالحين، وأنه لا فرق بين هذا الأمر وبين الأمر بتزويج الأيامى في باب الوجوب، لكنهم اتفقوا على أنه إباحة أو ترغيب، فأما أن يكون واجباً فلا، وفرقوا بينه وبين تزويج الأيامى بأن في تزويج العبد التزام مؤنة وتعطيل خدمة، وذلك ليس بواجب على السيد وفي تزويج الأمة استفادة مهر وسقوط نفقة، وليس ذلك بلازم على المولى.

المسألة الثانية: إنما خص الصالحين بالذكر لوجوه: الأول: ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم الثاني: لأن الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم (و) ينزلونهم منزلة الأولاد في المودة، فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم وتقبل الوصية فيهم، وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك الثالث: أن يكون المراد الصلاح لأمر النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم لها، وتقوم الأمة بما يلزم للزوج الرابع: أن يكون المراد الصلاح في نفس النكاح بأن لا تكون صغيرة فلا تحتاج إلى النكاح.

المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على أن العبد لا يتزوج بنفسه، وإنما يجوز أن يتولى المولى تزويجه، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه، فيكون توليه بإذنه بمنزلة أن يتولى ذلك نفس السيد، فأما الإماء فلا شبهة في أن المولى يتولى تزويجهن خصوصاً على قول من لا يجوز النكاح إلى بولي.

أما قوله تعالى: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الأصح أن هذا ليس وعداً من الله تعالى بإغناء من يتزوج.

بل المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم أو فقر من تريدون تزويجها ففي فضل الله ما يغنيهم، والمال غاد ورائح، وليس في الفقر ما يمنع من الرغبة في النكاح، فهذا معنى صحيح وليس فيه أن الكلام قصد به وعد الغني حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف، وروي عن قدماء الصحابة ما يدل على أنهم رأوا ذلك وعداً، عن أبي بكر قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، وعن عمر وابن عباس مثله قال ابن عباس: التمسوا الرزق بالنكاح، وشكى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاجة فقال: عليك بالباءة وقال طلحة بن مطرف: تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم وأوسع لكم في أخلاقكم ويزيد في مروءتكم، فإن قيل: فنحن نرى من كان غنياً فيتزوج فيصير فقيراً؟

قلنا الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاء الله إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ  ﴾ المطلق محمول على المقيد.

وثانيها: أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أنه يكون خاصاً في بعض المذكورين دون البعض وهو في الأيامى الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما يملكون.

وثالثها: أن يكون المراد الغنى بالعفاف فيكون المعنى وقوع الغنى بملك البضع والاستغناء به عن الوقوع في الزنا.

المسألة الثانية: من الناس من استدل بهذه الآية على أن العبد والأمة يملكان، لأن ذلك راجع إلى كل من تقدم فتقتضي الآية بيان أن العبد قد يكون فقيراً وقد يكون غنياً، فإن دل ذلك على الملك ثبت أنهما يملكان، ولكن المفسرون تأولوه على الأحرار خاصة.

فكأنهم قالوا هو راجع إلى الأيامى، أما إذا فسرنا الغنى بالعفاف فالاستدلال به على ذلك ساقط.

أما قوله: ﴿ والله واسع عَلِيمٌ ﴾ فالمعنى أنه سبحانه في الإفضال لا ينتهي إلى حد تنقطع قدرته على الإفضال دونه، لأنه قادر على المقدورات التي لا نهاية لها، وهو مع ذلك عليم بمقادير ما يصلحهم من الإفضال والرزق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الأيامى ﴾ واليتامى: أصلهما أيائم ويتائم، فقلبا، والأيم: للرجل والمرأة، وقد آم وآمت وتأيماً: إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين.

قال: فَإنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإنْ تَتَأَيَّمِي ** وَإنْ كُنْتُ أَفتَى مِنْكُمْ أَتَأَيَّمُ وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهم إنّا نعوذُ بِكَ مِنَ العيمةِ والغيمةِ والأيمةِ والكزمِ والقرمِ» ، والمراد: أنكحوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم.

وقرئ: ﴿ من عبيدكم ﴾ وهذا الأمر للندب لما علم من أنّ النكاح أمر مندوب إليه، وقد يكون للوجوب في حق الأولياء عند طلب المرأة ذلك، وعند أصحاب الظواهر: النكاح واجب.

ومما يدلّ على كونه مندوباً إليه قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب فطرتي فليستنّ بسنتي وهي النكاح» وعنه عليه الصلاة والسلام: «من كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليس منا» وعنه عليه الصلاة والسلام: «إذا تزوج أحدكم عجّ شيطانه: يا ويله، عصم ابن آدم مني ثلثي دينه» وعنه عليه الصلاة والسلام: «يا عياض لا تزوجنّ عجوزاً ولا عاقراً، فإني مكاثر» والأحاديث فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم والآثار كثيرة.

وربما كان واجب الترك إذا أدّى إلى معصية أو مفسدة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أَتَى عَلَى أُمَّتي مائةَ وثمانون سنةً فقدْ حلّت لهُمْ العزوبةُ والعزلةُ والترهبُ علَى رؤوسِ الجبالِ» وفي الحديث: «يأتي على الناسِ زمانُ لا تنالُ فيه المعيشةُ إلاّ بالمعصيةِ، فإذا كانَ ذلكَ الزمانُ حلّت العزوبة» فإن قلت: لم خصّ الصالحين؟

قلت: ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم ولأنّ الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في الأثرة والمودة، فكانوا مظنّة للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم وتقبل الوصية فيهم.

وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك.

أو أريد بالصلاح: القيام بحقوق النكاح.

﴿ إن يكونوا فقراء يُغنيهم الله من فضله ﴾ ينبغي أن تكون شريطة الله غير منسية في هذا الموعد ونظائره، وهي مشيئته، ولا يشاء الحكيم إلاّ ما اقتضته الحكمة وما كان مصلحة، ونحوه: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 3] .

وقد جاءت الشريطة منصوصة في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 28] ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضاً بعزب كان غنياً فأفقره النكاح، وبفاسق تاب واتقى الله وكان له شيء ففني وأصبح مسكيناً.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «التمسُوا الرزقَ بالنكاحِ» وشكا إليه رجلٌ الحاجة فقالَ: «عليكَ بالباءةِ» وعن عمر رضي اللَّهُ عنه: عجبت لمن لا يطلب الغنى بالباءة.

ولقد كان عندنا رجل رازح الحال، ثم رأيته بعد سنين وقد انتعشت حاله وحسنت، فسألته؟

فقال: كنت في أول أمري على ما علمت، وذلك قبل أن أُرزق ولداً، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر، فلما ولد لي الثاني زدت خيراً، فلما تتاموا ثلاثة صبّ الله عليّ الخير صباً، فأصبحت إلى ما ترى ﴿ والله واسع ﴾ أي غنيّ ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق، ولكنه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ يبسط الرزق ولمن يشاء ويقدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ ﴾ لَمّا نَهى عَمّا عَسى أنْ يُفْضِيَ إلى السِّفاحِ المُخِلِّ بِالنَّسَبِ المُقْتَضِي لِلْأُلْفَةِ وحُسْنِ التَّرْبِيَةِ ومَزِيدِ الشَّفَقَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى بَقاءِ النَّوْعِ بَعْدَ الزَّجْرِ عَنْهُ مُبالَغَةً فِيهِ عَقَّبَهُ بِأمْرِ النِّكاحِ الحافِظِ لَهُ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والسّادَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ تَزْوِيجِ المُولِيَةِ والمَمْلُوكِ وذَلِكَ عِنْدَ طَلَبِهِما، وإشْعارٌ بِأنَّ المَرْأةَ والعَبْدَ لا يَسْتَبِدّانِ بِهِ إذْ لَوِ اسْتَبَدّا لَما وجَبَ عَلى الوَلِيِّ والمَوْلى، و «أيامى» مَقْلُوبُ أيايِمُ كَيَتامى، جَمْعُ أيِّمٍ وهو العَزَبُ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى بِكْرًا كانَ أوْ ثَيِّبًا قالَ: فَإنْ تَنْكِحِي أنْكِحُ وإنْ تَتَأْيَّمِي.

.

.

وإنْ كُنْتُ أفْتى مِنكم أتَأيَّمُ وَتَخْصِيصُ الصّالِحِينَ لِأنَّ إحْصانَ دِينِهِمْ والِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ أهَمُّ، وقِيلَ المُرادُ الصّالِحُونَ لِلنِّكاحِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ، ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ رَدٌّ لِما عَسى أنْ يَمْنَعَ مِنَ النِّكاحِ، والمَعْنى لا يَمْنَعَنَّ فَقْرُ الخاطِبِ أوِ المَخْطُوبَةِ مِنَ المُناكَحَةِ فَإنَّ في فَضْلِ اللَّهِ غَنِيَّةٌ عَنِ المالِ فَإنَّهُ غادٍ ورائِحٌ، أوْ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِالإغْناءِ لِقَوْلِهِ  «اطْلُبُوا الغِنى في هَذِهِ الآيَةِ» .

لَكِنْ مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ ﴾ .

﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ ذُو سَعَةٍ لا تَنْفَدُ نِعْمَتَهُ إذْ لا تَنْتَهِي قُدْرَتُهُ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ويَقْدُرُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ} الأيامى جمع أيم وهو من لا زوج له رجلا كان أو امرأة بكراً كان أو ثيباً وأصله أيائم فقلبت {والصالحين} أي الخيرين أو المؤمنين والمعنى زوجوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر ومن كان فيه صلاح {مِنْ عِبَادِكُمْ وإمائكم} أى من غلمانكم وجواريكم ولامر للندب إذ النكاح مندوب إليه {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء} من المال {يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ} بالكفاية والقناعة أو باجتماع الرزقين وفي الحديث التمسوا الرظق بالنكاح وعن عمر رضى الله عنه روي مثله {والله واسع} غني ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق {عَلِيمٌ} يبسط الرزق لمن

النور (٣٣)

يشاء ويقدر وقيل في الآية دليل على أن تزويج النساء والأيامى إلى الأولياء كما أن تزويج العبيد والإماء إلى الموالي قلنا الرجل لا يلي على الرجل الأيم إلا بإذنه فكذا لا يلي على المرأة إلا بإذنها لأن الايم ينتظمها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ ﴾ بَعْدَ ما زَجَرَ سُبْحانَهُ عَنِ السِّفاحِ ومُبادِيهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ أمَرَ بِالنِّكاحِ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَناطًا لِبَقاءِ النَّوْعِ عَلى وجْهٍ سالِمٍ مِنِ اخْتِلاطِ الأنْسابِ مَزْجَرَةٌ مِن ذَلِكَ.

( والأيامى) .

كَما نَقَلَ في التَّحْرِيرِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ.

مَقْلُوبٌ أيايِمُ جَمْعُ أيِّمٍ لِأنَّ فَيَعْلَ لا يُجْمَعُ عَلى فَعالى أيْ إنَّ أصْلَهُ ذَلِكَ فَقُدِّمَتِ المِيمُ وفُتِحَتْ لِلتَّخْفِيفِ فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحُ ما قَبْلِها وذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ ومَن تَبِعَهُ إلى أنَّهُ جَمْعٌ شاذٌّ لا قَلْبَ فِيهِ ووَزْنُهُ فَعالى وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، والأيِّمُ قالَ النَّضِرُ بْنُ شَمِيلٍ: كُلُّ ذَكَرٍ لا أُنْثى مَعَهُ وكُلُّ أُنْثى لا ذِكَرٌ مَعَها بِكْرًا أوْ ثَيِّبًا ويُقالُ: آمٌّ وآمِتٌ إذا لَمْ يَتَزَوَّجا بِكْرَيْنِ كانا أوْ ثَيِّبَيْنِ وقالَ: فَإنْ تَنْكِحِي أنْكِحُ وإنْ تَتَأيَّمِي وإنْ كُنْتِ أفْتى مِنكم أتَأيَّمَ وقالَ التَّبْرِيزِيُّ في شَرْحِ دِيوانِ أبِي تَمامٍ: قَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ في الرَّجُلِ إذا ماتَتِ امْرَأتُهُ وفي المَرْأةِ إذا ماتَ زَوْجُها، وفي الشِّعْرِ القَدِيمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِالمَوْتِ وبِتَرْكِ الزَّوْجِ مِن غَيْرِ مَوْتٍ قالَ الشَّمّاخُ: يُقِرُّ لِعَيْنِي أنْ أُحْدَثَ أنَّها ∗∗∗ وإنْ لَمْ أنَلْها أيْمُ لَمْ تُزَوِّجْ اِنْتَهى، وفي شَرْحِ كِتابِ سِيبَوَيْهِ لِأبِي بَكْرٍ الخِفافِ الأيْمُ الَّتِي لا زَوْجَ لَها وأصْلُهُ الَّتِي كانَتْ مُتَزَوِّجَةً فَفَقَدَتْ زَوْجَها بِرُزْءٍ طَرَأ عَلَيْها ثُمَّ قِيلَ في البِكْرِ مَجازًا لِأنَّها لا زَوْجَ لَها، وعَنْ مُحَمَّدٍ أنَّها الثَّيِّبُ واسْتَدَلَّ لَهُ بِما رُوِيَ أنَّهُ  قالَ: ««الأيْمُ أحَقُّ بِنَفْسِها مِن ولِيِّها والبِكْرُ تَسْتَأْذِنُ في نَفْسِها وإذْنِها صِماتُها»» حَيْثُ قابَلَها بِالبِكْرِ، وفِيهِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُشْتَرَكَةً لَكِنْ أُرِيدَ مِنها ذَلِكَ لِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ والأكْثَرُونَ عَلى ما قالَهُ النَّضِرُ أيْ زَوَّجُوا مَن لا زَوْجَ لَهُ مِنَ الأحْرارِ والحَرائِرِ ﴿ والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ ﴾ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْأوْلِياءِ والسّاداتِ، والمُرادُ بِالصَّلاحِ مَعْناهُ الشَّرْعِيُّ، واعْتِبارُهُ في الأرِقّاءِ لِأنَّ مَن لا صَلاحَ لَهُ مِنهم بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ خَلِيقًا بِأنْ يَعْتَنِيَ مَوْلاهُ بِشَأْنِهِ ويُشْفِقَ عَلَيْهِ ويَتَكَلَّفَ في نُظُمِ مَصالِحِهِ بِما لا بُدَّ مِنهُ شَرْعًا وعادَةً مِن بَذْلِ المالِ والمَنافِعِ بَلْ رُبَّما يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ مِنهُ بِتَزْوِيجِهِ فَحَقُّهُ أنْ يَسْتَبْقِيَهُ عِنْدَهُ ولَمّا لَمْ يَكُنْ مَن لا صَلاحَ لَهُ مِنَ الأحْرارِ والحَرائِرِ بِهَذِهِ المَثابَةِ لَمْ يَعْتَبِرْ صَلاحَهُمْ، وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاحِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ أيِ الصّالِحِينَ لِلنِّكاحِ والقِيامُ بِحُقُوقِهِ، والأمْرُ هُنا قِيلَ لِلْوُجُوبِ وإلَيْهِ ذَهَبَ أهْلُ الظّاهِرِ، وقِيلَ لِلنَّدْبِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ.

ونَقَلَ الإمامُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الرّازِيِّ أنَّ الآيَةَ وإنِ اقْتَضَتِ الإيجابَ إلّا أنَّهُ أجْمَعَ السَّلَفُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرِدِ الإيجابَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ، أحَدُها أنَّ الإنْكاحَ ولَوْ كانَ واجِبًا لَكانَ النَّقْلُ بِفِعْلِهِ مِنَ النَّبِيِّ  ومِنَ السَّلَفِ مُسْتَفِيضًا شائِعًا لِعُمُومِ الحاجَةِ فَلَمّا وجَدْنا عَصْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وسائِرَ الأعْصارِ بَعْدَهُ قَدْ كانَتْ فِيهِ أيامى مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَرُدَّ بِالأمْرِ والإيجابِ، وثانِيها أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ الأيْمَ الثَّيِّبَ لَوْ أبَتِ التَّزْوِيجَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ إجْبارُها، وثالِثُها اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى السَّيِّدِ تَزْوِيجُ أمَتِهِ وعَبْدِهِ فَيَقْتَضِي لِلْعَطْفِ عَدَمُ الوُجُوبِ في الجَمِيعِ، ورابِعُها أنَّ اسْمَ الأيامى يَنْتَظِمُ الرِّجالُ والنِّساءُ فَلَمّا لَزِمَ في الرِّجالِ تَزْوِيجُهم بِإذْنِهِمْ لَزِمَ ذَلِكَ في النِّساءِ انْتَهى، وقالَ الإمامُ نَفْسُهُ: ظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلِيَّ يَجِبُ عَلَيْهِ تَزْوِيجُ مُوَلِّيَتِهِ وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ النِّكاحُ إلّا بِوَلِيٍّ وإلّا لَفَوَّتَتِ المُوَلِّيَةُ عَلى الوَلِيِّ المُكْنَةَ مِن أداءِ هَذا الواجِبِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.

والجَوابُ عَمّا نُقِلَ عَنْ أبِي بَكْرٍ أنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرَهُ تَخْصِيصاتٌ تَطَرَّقَتْ إلى الآيَةِ والعامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقى حُجَّةً فَوَجَبَ إذا التَمَسَتِ المَرْأةُ الأيِّمَ مِنَ الوَلِيِّ التَّزْوِيجَ وجَبَ انْتَهى.

وفي الإكْلِيلِ اسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن أباحَ نِكاحَ الإماءِ بِلا شَرْطٍ ونِكاحَ العَبْدِ الحُرَّةِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّها لَمْ تُبْقَ عَلى العُمُومِ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ الأمْرَ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ وأنَّ المُرادَ مِنَ الإنْكاحِ المُعاوَنَةُ والتَّوَسُّطُ في النِّكاحِ أوِ التَّمْكِينُ فِيهِ، وتَوَقُّفُ صِحَّتِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ عَلى الوَلِيِّ يُعْلَمُ مِن دَلِيلٍ آخَرَ.

والِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى اشْتِراطِ الوَلِيِّ وعَلى أنَّ لَهُ الجَبْرَ في بَعْضِ الصُّوَرِ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ ودُونَ تَمامِهِ خَرْطُ القَتادِ فَتَدَبَّرْ وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ «مِن عَبِيدِكُمْ» بِالياءِ مَكانَ الألِفِ وفَتْحِ العَيْنِ وهو كالعِبادِ جَمْعُ عَبْدٍ إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ في المَمالِيكِ أكْثَرُ مِنِ اسْتِعْمالِ العِبادِ فِيهِمُ ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالإغْناءِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ سَدٌّ لِبابِ التَّعَلُّلِ بِالفَقْرِ وعَدَّهُ مانِعًا مِنَ المُناكَحَةِ.

وفِي الآيَةِ شَرْطٌ مُضْمَرٌ وهو المَشِيئَةُ فَلا يُرَدُّ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَراءِ تَزَوَّجَ ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ الغِنى ودَلِيلُ الإضْمارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ  ﴾ وكَوْنُهُ وارِدًا في مَنعِ الكُفّارِ عَنِ الحَرَمِ لا يَأْبى الدَّلالَةَ كَما تَوَهَّمَ أوْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ أيْ غَنِيٍّ ذُو سَعَةٍ لا يَرْزَأْهُ إغْناءُ الخَلائِقِ إذْ لا نَفادَ لِنِعْمَتِهِ ولا غايَةَ لِقُدْرَتِهِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَدِّرُ حَسْبَما تَقْتَضِيهُ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ فَإنَّ مَآلَ هَذا إلى المَشِيئَةِ وهو السِّرُّ في اخْتِيارِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَدِّرُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ فَإنَّ مَآلَ هَذا إلى المَشِيئَةِ وهو السِّرُّ في اخْتِيارِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ دُونَ كَرِيمٍ مَعَ أنَّهُ أوْفَقُ بِواسِعٍ نَظَرًا إلى الظّاهِرِ.

وفي الِانْتِصافِ فَإنْ قِيلَ العِرَبُ كَذَلِكَ فَإنَّ غِناهُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ أيْضًا فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ، فالجَوابُ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في الطِّباعِ السّاكِنَةِ إلى الأسْبابِ أنَّ العَيّالَ سَبَبٌ لِلْفَقْرِ وعَدِمُهم سَبَبُ تَوَفُّرِ المالِ فَأُرِيدُ قَطْعَ هَذا التَّوَهُّمِ المُتَمَكِّنِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنَمِّي المالَ مَعَ كَثْرَةِ العِيالِ الَّتِي هي في الوَهْمِ سَبَبٌ لِقِلَّةِ المالِ وقَدْ يَحْصُلُ الإقْلالُ مَعَ العُزُوبَةِ والواقِعُ يَشْهَدُ فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِارْتِباطَ الوَهْمِيَّ باطِلٌ وأنَّ الغِنى والفَقْرَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى مُسَبِّبُ الأسْبابِ ولا تَوَقُّفَ لَهُما إلّا عَلى المَشِيئَةِ فَإذا عَلِمَ النّاكِحُ أنَّ النِّكاحَ لا يُؤَثِّرُ في الإقْتارِ لَمْ يَمْنَعْهُ في الشُّرُوعِ فِيهِ، ومَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ أنَّ النِّكاحَ لا يَمْنَعُهُمُ الغِنى مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَعَبَّرَ عَنْ نَفْيِ كَوْنِهِ مانِعًا عَنِ الغِنى بِوُجُودِهِ مَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ  ﴾ فَإنَّ ظاهِرَهُ الأمْرُ بِالِانْتِشارِ عِنْدَ انْقِضاءِ الصَّلاةِ والمُرادُ تَحْقِيقُ زَوالِ المانِعِ وأنَّ الصَّلاةَ إذا قُضِيَتْ فَلا مانِعَ مِنَ الِانْتِشارِ فَعَبَّرَ عَنْ نَفْيِ مانِعِ الِانْتِشارِ بِما يَقْتَضِي تَقاضِيَ الِانْتِشارِ مُبالَغَةً انْتَهى، وقالَ بَعْضُهم في الفَرْقِ بَيْنَ المُتَزَوِّجِ والعَزَبِ أنَّ الغِنى لِلْمُتَزَوِّجِ أقْرَبُ وتَعَلُّقُ المَشِيئَةِ بِهِ أرْجى لِلنَّصِّ عَلى وعْدِهِ دُونَ العَزْبِ وكَذَلِكَ يُوجَدُ الحالُ إذا اسْتُقْرِئَ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ فِيهِ غَفْلَةً عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ  ﴾ وكَذا عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولْيَسْتَعْفِفِ ﴾ إلَخْ، وأشارَ صاحِبُ الكَشْفِ إلى أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها وعْدًا لِلْمُتَزَوِّجِ والعَزَبِ مَعًا بِالغِنى فَلا وُرُودَ لِلسُّؤالِ قالَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ الأوْلِياءَ أنْ لا يُبالُوا بِفَقْرِ الخاطِبِ بَعْدَ وُجُودِ الصَّلاحِ ثِقَةً بِلُطْفِ اللَّهِ تَعالى في الإغْناءِ ثُمَّ أمَرَ الفُقَراءَ بِالِاسْتِعْفافِ إلى وِجْدانِ الغِنى تَأْمِيلًا لَهم وأدْمَجَ سُبْحانَهُ أنَّ مَدارَ الأمْرِ عَلى العِفَّةِ والصَّلاحِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ وهو الجَوابُ عَنْ سُؤالِ المُعْتَرِضِ انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الأخْبارَ الدّالَّةَ عَلى وعْدِ النّاكِحِ بِالغِنى كَثِيرَةٌ ولَمْ نَجِدْ في وعْدِ العِزَبِ الَّذِي لَيْسَ بِصَدَدِ النِّكاحِ مِن حَيْثُ هو كَذَلِكَ خَبَرًا.

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ وابْنُ ماجَهٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««ثَلاثَةٌ حَقَّ عَلى اللَّهِ تَعالى عَوْنَهُمُ النّاكِحُ يُرِيدُ العَفافَ والمُكاتِبُ يُرِيدُ الأداءَ والغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»».

وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: ««جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ  يَشْكُو إلَيْهِ الفاقَةَ فَأمَرَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ» .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: أطِيعُوا اللَّهَ تَعالى فِيما أمَرَكم بِهِ مِنَ النِّكاحِ يُنْجِزُ لَكم ما وعَدَكم مِنَ الغِنى قالَ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ابْتَغَوُا الغِنى في الباءَةِ.

وفي لَفْظٍ.

ابْتَغَوُا الغِنى في النِّكاحِ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «التَمِسُوا الرِّزْقَ بِالنِّكاحِ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولِغِنى الفَقِيرِ إذا تَزَوَّجَ سَبَبٌ عادِيٌّ وهو مَزِيدُ اهْتِمامِهِ في الكَسْبِ والجِدِّ التّامِّ في السَّعْيِ حَيْثُ ابْتُلِيَ بِمَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُها شَرْعًا وعُرْفًا ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ مُساعَدَةُ المَرْأةِ لَهُ وإعانَتُها إيّاهُ عَلى أمْرِ دُنْياهُ، وهَذا كَثِيرٌ في العَرَبِ وأهْلُ القُرى فَقَدْ وجَدْنا فِيهِمْ مَن تَكْفِيهِ امْرَأتُهُ أمْرَ مَعاشِهِ ومَعاشِها بِشُغْلِها، وقَدْ يَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ حُصُولُ أوْلادٍ لَهُ فَيَقْوى أمْرُ التَّساعُدِ والتَّعاضُدِ، ورُبَّما يَكُونُ لِلْمَرْأةِ أقارِبٌ يَحْصُلُ لَهُ مِنهُمُ الإعانَةُ بِحَسْبِ مُصاهَرَتِهِ إيّاهم ولا يُوجِدُ ذَلِكَ فِي العَزْبِ، ويُشارِكُ هَذا الفَقِيرُ المُتَزَوِّجَ الفَقِيرَ الَّذِي هو بِصَدَدِ التَّزَوُّجِ بِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ في الكَسْبِ لَكِنَّ هَذا الِاهْتِمامَ لِتَحْصِيلِ ما يَتَزَوَّجُ بِهِ ورُبَّما يَكُونُ لِذَلِكَ ولِتَحْصِيلِ ما يَحْسُنُ بِهِ حالُهُ بَعْدَ التَّزَوُّجِ، ولا يَخْفى أنَّ حالَ الِامْرَأةِ المُتَزَوِّجَةِ وحالَ الِامْرَأةِ الَّتِي بِصَدَدِ التَّزَوُّجِ عَلى نَحْوِ حالِ الرَّجُلِ والفَرْقُ يَسِيرٌ.

هَذا والظّاهِرُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ ما ذُكِرَ في الأيامى والصّالِحِينَ مُطْلَقًا وأمْرُ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: هو في الأحْرارِ والحَرائِرِ خاصَّةً وبِذَلِكَ صَرَّحَ الطَّبَرْسِيُّ لِأنَّ الأرِقّاءَ لا يَمْلِكُونَ وإنْ مَلَكُوا ولِذا لا يَرِثُونَ ولا يُورِثُونَ، والمُتَبادِرُ مِنَ الإغْناءِ بِالفَضْلِ أنْ يَمْلِكُوا ما بِهِ يَحْصُلُ الغِنى ويَدْفَعُ الحاجَةَ وهو لا يَتَحَقَّقُ مَعَ بَقاءِ الرِّقِّ، نَعَمْ إذا أُرِيدَ بِالإغْناءِ التَّوْسِعَةَ ودُفِعَ الحاجَةِ سَواءً كانَ ذَلِكَ بِما يَمْلِكُ أمْ لا فَلا بَأْسَ بِالعُمُومِ فَتَدَبَّرْ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في الأحْرارِ خاصَّةً بِأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها نَهْيُ الأوْلِياءِ عَنِ التَّعَلُّلِ بِفَقْرِهِمْ إذا اسْتَنْكَحُوهُمْ، وأنْ تَكُونَ في المُسْتَنْكِحِينَ مِنَ الرِّجالِ مُطْلَقًا والمُرادُ نَهْيُ الأوْلِياءِ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ.

واحْتَجَّ بَعْضُهم.

كَما قالَ ابْنُ الفُرْسِ.

بِالآيَةِ عَلى أنَّ النِّكاحَ لا يَفْسَخُ بِالعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وعَدَ فِيها بِالغِنى، وفِيهِ مُناقَشَةٌ لا تَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، والأيَامَى: الرجال والنساء الذين لا أزواج لهم يقال: رجل أيم وامرأة أيم، كما يقال: رجل بكر وامرأة بكر، ويقال: الأيم من النساء خاصة كل امرأة لا زوج لها، فهي أيم.

فأمر الأولياء بأن يزوجوا النساء، وأمر الموالي بأن يزوجوا العبيد والإماء إذا احتاجوا إلى ذلك، فقال للأولياء: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، يعني: من قومكم ومن عشيرتكم.

ثم قال للموالي: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ، يعني: من عبيدكم زوجوهم امرأة، وهذا أمر استحباب وليس بحتم، وَإِمائِكُمْ يعني: زوجوا إماءكم لكيلا يقعن في الزنى.

إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يعني: يرزقهم الله من فضله وسعته.

وقال بعضهم: هذا منصرف إلى الحرائر خاصة دون العبيد والإماء، وقال بعضهم: انصرف إلى جميع ما سبق ذكرهم من الأحرار والمماليك يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه، والغنى على وجهين: غني بالمال وهو أضعف الحالين، وغنى بالقناعة وهو أقوى الحالين.

كما روي في الخبر: «الغنى غنى النفس» .

وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبيّ  أنه قال: «أنْكِحُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَكُمْ بِالْمَالِ» .

وقال عمر  : «ابتغوا الغنى في النكاح» .

ثم قرأ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.

وروي عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر، فأمره أن يتزوج، فتزوج الرجل، ثم جاء فشكا إليه الفقر، «فأمره بأن يطلقها، فسأل عن ذلك، فقال: قلت لعله من أهل هذه الآية إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.

فلما لم يكن من أهلها، قلت لعله من أهل آية أخرى» وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء: 130] .

ثم قال: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، أي واسع الفضل، ويقال: واسِعٌ أي موسع في الرزق، يوسع على من يشاء عَلِيمٌ بقدر ما يحتاج إليه كل واحد منهم.

ثم أخبر أنه لا رخصة لمن لم يجد النكاح في الزنى، وأمر بالتعفف للذي لا امرأة له، فقال عز وجل: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ، يعني: ليحفظ نفسه عن الحرام الذين لا يَجِدُونَ نِكاحاً، يعني: سعة بالنكاح: المهر والنفقة ويقال: يعني، امرأة موافقة، حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه بالنكاح.

وقد قيل: إنَّ الصبر والطلب خير من الغارة والهرب.

وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ- أي يطلبون الكتابة (١) (٢)  قال: «إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً، أي حِرْفَةً وَلا تُرْسِلُوهُمْ كَلاًّ عَلَى النَّاسِ» .

وقال ابن عباس: «الخير المال» ، كقوله إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة: 180] يعني: مالاً، وقيل: خَيْراً، يعني: صلاحاً في دينه، لكيلا يقع في الفساد بعد العتق، وهذا أمر استحباب لا إيجاب.

وقال بعضهم: هو واجب.

وروى معمر، عن قتادة قال: سأل سيرين أبو محمد بن سيرين، أنس بن مالك بأن يكاتبهُ، فأبى أنس بن مالك، فرفع عليه عمر الدرة وتلا هذه الآية: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً.

ثم قال: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ، يعني: أعطاكم، يعني: يحطّه من الكتاب شيئاً، ويقال: يعطى من بيت المال، حتى يؤدي كتابه.

وقال عمر وعلي  ما: «يترك له ربع الكتابة» ، وقال قتادة: «يترك له العشر» ، وقال إبراهيم: حثّ المولى وغيره بأن يعينوه، هذا أمر استحباب وليس بواجب، وقال بعضهم: الحط واجب، والأول أصحّ.

ثمّ قال: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ، يعني: لا تكرهوا الإماء على الزنى.

وقال عكرمة: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ، يقال لها: معاذة، وكان يكلفها الخراج عن الزنى، فنزل: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً يعني: تعففاً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: لتطلبوا بكسبهن وولدهن المال.

وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ، يعني: يجبرهن على الزنى، فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ يعني: من بعد إجبارهن على الزنى، غَفُورٌ لذنوبهنّ رَحِيمٌ يعني: الإماء، لأنهن كن مكرهات على فعل الزنى.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ يعني: واضحات وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، يعني: فيه خير من قبلكم من الأمم الماضية وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، لكي يعتبروا بما أصابهم.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

/ ويقال: طفل ما لم يراهق الحلم، ويَظْهَرُوا معناه: يطّلعوا بالوطء.

٣٨ أوقوله تعالى: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ...

الآية، قيل: سببها أَنَّ امرأة مَرَّتْ على قوم فضربت برجلها الأرض فَصَوَّتَ الخَلْخَالُ، وسماعُ صوت هذه الزينة أَشَدُّ تحريكاً للشهوة من إبدائها ذكره الزَّجَّاجُ «١» ، ثم أمر سبحانه بالتوبة مُطْلَقَةً عَامَّةٍ من كل شيء صغير وكبير.

وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)

وقوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ الأَيِّمُ: مَنْ لا زوجةَ له أو لا زوجَ لها فالأَيِّمُ: يقال للرجل والمرأة.

وقوله: وَالصَّالِحِينَ يريد: للنكاح، وهذا الأمر بالنكاح يختلف بحسب شَخْصٍ شخْصٍ، ففي نازلة: يُتَصَوَّرُ وجوبُه، وفي نازلة: النَّدْبُ وغيرُ ذلك حسبما هو مذكور في كتب الفقه قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» : قوله تعالى: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ الأظهر فيه: أنه أمر بإنكاح العبيد والإماء كما أمر بإنكاح الأيامى، وذلك بيد السادَةِ في العبيد والإماء كما هو في الأحرار بيد الأولياء، انتهى.

ثم وعد تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طَلَبَ رضا الله عنهم، واعتصاماً من معاصيه، ثم أمر تعالى كُلَّ مَنْ يَتَعَذَّرُ عليه النكاحُ أَنْ يستعفف حتى يُغْنِيَهُمُ الله من فضله، إذِ الغالب من موانع النكاح عَدَمُ المال، فوعد سبحانه المُتَعَفِّفُ بالغنى.

والمكاتبة: مفاعلة من حيث يَكْتُبُ هذا على نفسه وهذا على نفسه، ومذهب مالك: أَنَّ الأَمرَ بالكتابة هو على الندب.

وقال عطاء: ذلك واجب، وهو ظاهرُ مذهب عمرَ بن الخطاب «٣» رضي الله عنه.

وقوله: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قالت فرقة: الخير هنا المال.

وقال مالك: إنَّه ليقال: القُوَّةُ والأداء، وقال عبَيْدَةُ السَّلْمانيَّ: الخير هو: الصلاح في الدّين.

وقوله تعالى: وَآتُوهُمْ قال المفسرون: هو أمر لكل مُكَاتِبِ أنْ يضع عن العبد من مال كتابته، ورأى مالك هذا الأمر على النَّدْبِ، ولم يَرَ لقدر الوضيعة حَدّاً، واستحسن «١» عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن يُوضَعَ عنه الرُّبُعُ، وقيل: الثُّلُثُ، وقيل: العشر، ورأى عمر «٢» أَنْ يكون ذلك من أَوَّلِ نُجُومِهِ مبادرةً إلى الخير، وخوفَ أَلاَّ يدركَ آخرها، ورأى مالك وغيره: أَنْ يكونَ الوضعُ من آخر نَجْمٍ وعِلَّةُ ذلك أَنَّه: ربما عجز العبدُ فرجع هو وماله إلى السَّيِّدِ، فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة.

قلت: والظاهر أَنَّ هذا لا يُعَدُّ رجوعاً كما لو رجع إليه بالميراث، ورأى الشافعيُّ وغيره: أَنَّ الوضيعة واجبةُ يُحكَمُ بها.

وقال الحسن «٣» وغيره: الخطاب بقوله تعالى: وَآتُوهُمْ: للناس أجمعين في أَنْ يتصدَّقُوا على المكاتَبِينَ.

وقال زيد بن أسلم «٤» : إنَّما الخطاب لولاة الأمور.

وقوله سبحانه: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً الآية: رُوِيَ أَنَّ سبب الآية هو أَن عبد الله بن أُبَيِّ ابن سلولَ كانت له أَمَةٌ، فكان يأمرُها بالزنا والكَسْبِ به، فشكَتْ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، فنزلت الآية فيهِ، وفيمن فَعَلَ فعلَه من المنافقين «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لا أزْواجَ لَهم مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، يُقالُ: رَجُلٌ أيِّمٌ وامْرَأةٌ أيِّمٌ، ورَجُلٌ أرْمَلٌ وامْرَأةٌ أرْمَلَةٌ، ورَجُلٌ بِكْرٌ وامْرَأةٌ بِكْرٌ: إذا لَمْ يَتَزَوَّجا وامْرَأةٌ ثَيِّبٌ ورَجُلٌ ثَيِّبٌ: إذا كانا قَدْ تَزَوَّجا، ﴿ والصّالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ ﴾ أيْ: مِن عَبِيدِكُمْ، يُقالُ، عَبْدٌ وعِبادٌ وعَبِيدٌ، كَما يُقالُ: كَلْبٌ وكِلابٌ وكُلَيْبٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ: " مِن عَبِيدِكم " .

قالَ المُفَسِّرُونَ والمُرادُ بِالآيَةِ النَّدْبُ.

ومَعْنى الصَّلاحِ هاهُنا: الإيمانُ.

والمُرادُ بِالعِبادِ: المَمْلُوكُونَ، فالمَعْنى: زَوِّجُوا المُؤْمِنِينَ مِن عَبِيدِكم ووَلائِدِكم.

ثُمَّ رَجَعَ إلى الأحْرارِ فَقالَ: ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فَأخْبَرَهم أنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ لِنَفْيِ الفَقْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا ﴾ أيْ: ولْيَطْلُبِ العِفَّةَ عَنِ الزِّنا والحَرامِ مَن لا يَجِدُ ما يَنْكِحُ بِهِ مِن صَداقٍ ونَفَقَةٍ.

وقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «يا مَعْشَرَ الشَّبابِ عَلَيْكم بِالباءَةِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيامِ فَإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ المُكاتَبَةَ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ﴿ فَكاتِبُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ واجِبٌ، قالَهُ عَطاءُ، وعَمْرٍو بْنُ دِينارٍ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّها نَزَلَتْ في غُلامٍ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى يُقالُ لَهُ: صُبَيْحٌ، سَألَ مَوْلاهُ الكِتابَةَ فَأبى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكاتَبَهُ حُوَيْطِبُ عَلى مِائَةِ دِينارٍ ووَهَبَ لَهُ مِنها عِشْرِينَ دِينارًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم مالًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ، وعَطاءُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم حِيلَةً، يَعْنِي: الكَسْبَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ دِينًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: إنْ عَلِمْتُمْ أنَّهم يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الخَيْرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: إنْ أقامُوا الصَّلاةَ، قالَهُ عُبَيْدَةُ السَّلْمانِيُّ.

والسّادِسُ: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم صِدْقًا ووَفاءً قالَهُ إبْراهِيمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأغْنِياءِ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الزَّكاةُ، أُمِرُوا أنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن سَهْمِ الرِّقابِ، رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هو سَهْمُ الرِّقابِ يُعْطى مِنهُ المُكاتَبُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلسّادَةِ، أُمِرُوا أنْ يُعْطُوا مُكاتَبِيهِمْ مِن كِتابَتِهِمْ شَيْئًا.

قالَ أحْمَدُ والشّافِعِيُّ: الإيتاءُ واجِبٌ، وقَدَّرَهُ أحْمَدُ بِرُبْعِ مالِ الكِتابَةِ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ: لا يَجِبُ الإيتاءُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كاتَبَ غُلامًا لَهُ يُقالُ لَهُ: أبُو أُمَيَّةَ فَجاءَهُ بِنَجْمِهِ حِينَ حَلَّ؛ فَقالَ: اذْهَبْ يا أبا أُمَيَّةَ فاسْتَعِنْ بِهِ في مُكاتَبَتِكَ، قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْ أخَّرْتَهُ حَتّى يَكُونَ في آخِرِ النُّجُومِ ؟

فَقالَ: يا أبا أُمَيَّةَ، إنِّي أخافُ أنْ لا أُدْرِكَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ﴾ ، قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ نَجْمٍ أُدِّيَ في الإسْلامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ ﴾ رَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثٍ أبِي سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ، قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ لِجارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فابْغِينا شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ لَهُ جارِيَتانِ، مُعاذَةُ ومُسَيْكَةُ، فَكانَ يُكْرِهُهُما عَلى الزِّنا، ويَأْخُذُ مِنهُما الضَّرِيبَةَ، وكَذَلِكَ كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، يُؤاجِرُونَ إماءَهم، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ قالَتْ مُعاذَةُ لِمُسَيْكَةَ: إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ إنْ كانَ خَيْرًا فَقَدِ اسْتَكْثَرْنا مِنهُ، وإنَّ كانَ شَرًّا فَقَدْ آنَ لَنا أنْ نَدَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّها نَزَلَتْ في سِتِّ جَوارٍ كُنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ: مُعاذَةَ، ومُسَيْكَةَ، وأُمَيْمَةَ، وقُتَيْلَةَ، وعَمْرَةَ، وأرْوى.

فَأمّا الفَتَياتُ، فَهُنَّ الإماءُ.

والبِغاءُ: الزِّنا.

والتَّحَصُّنُ: التَّعَفُّفُ.

واخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الكَلامَ ورَدَ عَلى سَبَبٍ، وهو الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَخَرَجَ النَّهْيُ عَنْ صِفَةِ السَّبَبِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ.

والثّانِي: أنَّهُ إنَّما شَرَطَ إرادَةَ التَّحَصُّنِ، لِأنَّ الإكْراهَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، فَأمّا إذا لَمْ تُرِدِ المَرْأةُ التَّحَصُّنَ، فَإنَّها تَبْغِي بِالطَّبْعِ.

والثّالِثُ: أنَّ " إنْ " بِمَعْنى " إذْ "، ومِثْلُهُ: ﴿ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

والرّابِعُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإمائِكُمْ ﴾ ﴿ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ ﴿ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وهو كَسْبُهُنَّ وبَيْعُ أوْلادِهِنَّ ﴿ وَمَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ ﴾ لِلْمُكْرَهاتِ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُبَيِّناتٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ: " مُبَيِّناتٍ " بِكَسْرِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ [النُّورِ: ٣٤، ٤٦]، وآخَرِ سُورَةِ (الطَّلاقِ: ١١) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا ﴾ أيْ: شَبَهًا مِن حالِهِمْ بِحالِكم أيُّها المُكَذِّبُونَ، وهَذا تَخْوِيفٌ لَهم أنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ  ﴾ ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ المُعْتَمِرِ عن أبِيهِ قالَ: زَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أنَّ امْرَأةً اتَّخَذَتْ بُرَتَيْنِ مِن فِضَّةٍ، واتَّخَذَتْ جَزْعًا، فَجَعَلَتْ في ساقَيْها فَمَرَّتْ عَلى القَوْمِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِها الأرْضَ، فَوَقَعَ الخَلْخالُ عَلى الجَزْعِ فَصَوَّتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وسَماعُ هَذِهِ الزِينَةِ أشَدُّ تَحْرِيكًا لِلشَّهْوَةِ مِن إبْدائِها، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ.

قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى آيَةٌ أكْثَرَ ضَمائِرَ مِن هَذِهِ، جَمَعَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ ضَمِيرًا لِلْمُؤْمِناتِ مِن مَخْفُوضٍ ومَرْفُوعٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "لِيَعْلَمَ ما سُرَّ مِن زِينَتِهِنَّ".

ثُمْ أمَرَ عَزَّ وجَلَّ بِالتَوْبَةِ مُطْلَقَةً، وقَدْ قَيَّدَ تَوْبَةَ الكَفّارِ بِالإخْلاصِ وبِالِانْتِهاءِ في آيَةٍ أُخْرى، وتَوْبَةَ أهْلِ الذِمَّةِ بِالتَبْيِينِ، يُرِيدُ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ  ، وأمَرَ بِهَذِهِ التَوْبَةِ مُطْلَقَةً عامَّةً مِن كُلِّ شَيْءٍ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أيُّهُ المُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الهاءِ مِن "أيُّهَ"، ووَجْهُهُ أنْ يَجْعَلَ الخاءَ كَأنَّها مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، فَيَكُونُ إعْرابُ المُنادى فِيها، وضَعَّفَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ جِدًّا، وبَعْضُهم يَقِفُ "أيُّهْ"، وبَعْضُهم يَقِفُ "أيُّها" بِالألْفِ، وقَوّى أبُو عَلِيٍّ الوَقْفَ بِالألْفِ لَأنَّ عِلَّةَ حَذْفِها في الوَصْلِ إنَّما هو سُكُونُها وسُكُونُ اللامِ، فَإذا كانَ الوَقْفُ ذَهَبَتِ العِلَّةُ فَرَجَعَتِ الألْفُ كَما تَرْجِعُ الياءُ إذا وقَفَتْ عَلى "مُحِلِّي" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ  ﴾ ، والِاخْتِلافُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في "أيُّهَ المُؤْمِنُونَ" كَذَلِكَ هو في "يَأيُّهَ الساحِرُ"، و"أيُّهَ الثَقَلانِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى ﴾ ، هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِكُلِّ مِن تَصَوَّرَ أنْ يَنْكِحَ في نازِلَةٍ ما، فَهُمُ المَأْمُورُونَ بِتَزْوِيجِ مَن لا زَوْجَ لَهُ ومَن لا زَوْجَةَ لَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ لا تَتَزَوَّجُ إلّا بِوَلِيٍّ، و"الأيِّمْ" يُقالُ لِلرَّجُلِ ولِلْمَرْأةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِـ ـيٍّ أيِّمْ مِنهم وناكِحِ وَلِعُمُومِ هَذا اللَفْظِ قالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والزانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أو مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ والصالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ ﴾ يُرِيدُ: لِلنِّكاحِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مِن عَبِيدِكُمْ"، والجُمْهُورِ عَلى "مِن عِبادِكُمْ"، والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ قَرِينَةَ التَرْفِيعِ بِالنِكاحِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.

وهَذا الأمْرُ بِالنِكاحِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ، فَفي نازِلَةٍ يَتَصَوَّرُ وُجُوبُهُ، وفي نازِلَةِ النَدْبُ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا بِحَسْبَ ما قِيلَ في النِكاحِ.

ثُمْ وعَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِإغْناءِ الفُقَراءِ المُتَزَوِّجِينَ طَلَبًا لِرِضى اللهِ عنهم واعْتِصامًا مِن مَعاصِيهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: التَمَسُوا الغِنى في النِكاحِ، وقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: عَجَبِي مِمَّنْ لا يَطْلُبُ الغِنى بِالنِكاحِ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

قالَ النِقاشُ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى مَن قالَ إنَّ القاضِيَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الزَوْجَيْنِ إذا كانَ الزَوْجُ فَقِيرًا لا يَقْدِرُ عَلى النَفَقَةِ؛ لَأنَّ اللهَ قالَ: ﴿ يُغْنِهِمُ اللهُ ﴾ ولَمْ يَقِلْ: "يُفَرِّقُ بَيْنَهُما".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ ضَعِيفٌ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِكَمًا فِيمَن عَجَزَ عَنِ النَفَقَةِ، وإنَّما هي وعْدٌ بِالإغْناءِ، كَما وعَدَ بِهِ تَعالى مَعَ التَفَرُّقِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ  ﴾ ، ونَفَحاتُ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى مَأْمُولَةٌ في كُلِّ حالٍ، مَوْعُودٌ بِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ صِفَتانِ نَحْوَ المَعْنى الَّذِي فِيهِ القَوْلُ، أيْ واسِعٌ الفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمُسْتَحِقِّ التَوْسِعَةِ والإغْناءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أردفت أوامر العفاف بالإرشاد إلى ما يعين عليه، ويُعف نفوس المؤمنين والمؤمنات، ويغض من أبصارهم، فأمر الأولياء بأن يزوجوا أياماهم ولا يتركوهن متأيمات لأن ذلك أعف لهن وللرجال الذين يتزوجونهن.

وأمر السادة بتزويج عبيدهم وإمائهم.

وهذا وسيلة لإبطال البغاء كما سيتبع به في آخر الآية.

والآيامى: جمع أيم بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة بوزن فَيْعِل وهي المرأة التي لا زوج لها كانت ثيباً أم بكراً.

والشائع إطلاق الأيم على التي كانت ذات زوج ثم خلت عنه بفراق أو موته، وأما إطلاقه على البكر التي لا زوج لها فغير شائع فيحمل على أنه مجاز كثر استعماله.

والأيم في الأصل من أوصاف النساء قاله أبو عمرو والكسائي ولذلك لم تقترن به هاء التأنيث فلا يقال: امرأة أيّمة.

واطلاق الأيم على الرجل الخلي عن امرأة إما لمشاكلة أو تشبيه، وبعض أيمة اللغة كأبي عبيد والنضر بن شميل يجعل الأيم مشتركاً للمرأة والرجل وعليه درج في «الكشاف» و«القاموس».

ووزن أيامى عند الزمخشري أفاعل لأنه جمع أيم بوزن فيعل، وفيعل لا يجمع على فَعَالى.

فأصل أيامى أيائم فوقع فيه قلب مكاني قدمت الميم للتخلص من ثقل الياء بعد حرف المد، وفتحت الميم للتخفيف فقلبت الياء ألفاً.

وعند ابن مالك وجماعة: وزنه فَعَالى على غير قياس وهو ظاهر كلام سيبويه.

و ﴿ الأيامى ﴾ صيغة عموم لأنه جمع معرف باللام فتشمل البغايا.

أُمر أولياؤهن بتزويجهن فكان هذا العموم ناسخاً لقوله تعالى: ﴿ والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ﴾ [النور: 3] فقد قال جمهور الفقهاء: إن هذه ناسخة للآية التي تقدمت وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد.

ونقل القول بأن التي قبلها محكمة عن غير معين.

وزوج أبو بكر امرأة من رجل زنى بها لما شكاه أبوها.

ومعنى التبعيض في قوله ﴿ منكم ﴾ أنهن من المسلمات لأن غير المسلمات لا يخلُون عند المسلمين من أن يكن أزواجاً لبعض المسلمين فلا علاقة للآية بهن، أو أن يكن مملوكات فهن داخلات في قوله: ﴿ والصالحين من عبادكم وإمائكم ﴾ على الاحتمالات الآتية في معنى ﴿ الصالحين ﴾ وأما غيرهن فولايتهن لأهل ملتهن.

والمقصود: الأيامى الحرائر، خصصه قوله بعده ﴿ والصالحين من عبادكم وإمائكم ﴾ .

وظاهر وصف العبيد والإماء بالصالحين أن المراد اتصافهم بالصلاح الديني.

أي الأتقياء.

والمعنى: لا يحملكم تحقق صلاحهم على إهمال إنكاحهم لأنكم آمنون من وقوعهم في الزنى بل عليكم أن تزوجوهم رفقاً بهم ودفعاً لمشقة العنت عنهم.

فيفيد أنهم إن لم يكونوا صالحين كان تزويجهم آكد أمراً.

وهذا من دلالة الفحوى فيشمل غيرُ الصالحين غيرَ الأعفّاء والعفائف من المماليك المسلمين، ويشمل المماليك غير المسلمين.

وبهذا التفسير تنقشع الحيرة التي عرضت للمفسرين في التقييد بهذا الوصف.

وقيل أريد بالصالحين الصلاح للتزوج بمعنى اللياقة لشؤون الزوج، أي إذا كانوا مظنة القيام بحقوق الزوجية.

وصيغة الأمر في قوله تعالى: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ إلى آخره مجملة تحتمل الوجوب والندب بحسب ما يعرض من حال المأمور بإنكاحهم: فإن كانوا مظنة الوقوع في مضار في الدين أو الدنيا كان إنكاحهم واجباً، وإن لم يكونوا كذلك فعند مالك وأبي حنيفة إنكاحهم مستحب.

وقال الشافعي: لا يندب.

وحمل الأمر على الإباحة، وهو محمل ضعيف في مثل هذا المقام إذ ليس المقام مظنة تردد في إباحة تزويجهم.

وجملة: ﴿ إن يكونوا فقراء ﴾ الخ استئناف بياني لأن عموم الأيامى والعبيد والإماء في صيغة الأمر يثير سؤال الأولياء والموالي أن يكون الراغب في تزوج المرأة الأيم فقيراً فهل يرده الولي، وأن يكون سيد العبد فقيراً لا يجد ما ينفقه على زوجه، وكذلك سيد الأمة يخطبها رجل فقير حر أو عبد فجاء هذا لبيان إرادة العموم في الأحوال.

ووعد الله المتزوج من هؤلاء إن كان فقيراً أن يغنيه الله، وإغناؤه تيسير الغنى إليه إن كان حراً وتوسعة المال على مولاه إن كان عبداً فلا عذر للولي ولا للمولى أن يرد خطبته في هذه الأحوال.

وإغناء الله إياهم توفيق ما يتعاطونه من أسباب الرزق التي اعتادوها مما يرتبط به سعيهم الخاص من مقارنة الأسباب العامة أو الخاصة التي تفيد سعيهم نجاحاً وتجارتهم رباحاً.

والمعنى: أن الله تكفل لهم أن يكفيهم مؤنة ما يزيده التزوج من نفقاتهم.

وصفة الله «الواسع» مشتقة من فعل وسِع باعتبار أنه وصف مجازي لأن الموصوف بالسعة هو إحسانه.

قال حجة الإسلام: والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف مرة إلى الإحسان وبذل النعم، وكيفما قُدّر وعلى أي شيء نُزّل فالواسع المطلق هو الله تعالى لأنه إن نُظر إلى علمه فلا ساحل لبحر معلوماته وإن نُظر إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته ا ه.

والذي يؤخذ من استقراء القرآن وصف الواسع المطلق إنما يراد به سعة الفضل والنعمة، ولذلك يقرن بوصف العلم ونحوه قال تعالى: ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلّاً من سَعته وكان الله واسعاً حكيماً ﴾ [النساء: 130].

أما إذا ذكرت السعة بصيغة الفعل فيراد بها الإحاطة فيما تُميَّزُ به كقوله تعالى: ﴿ وسع ربنا كل شيء علماً ﴾ [الأعراف: 89].

وذكر ﴿ عليم ﴾ بعد ﴿ واسع ﴾ إشارة إلى أنه يعطي فضله على مقتضى ما علمه من الحكمة في مقدار الإعطاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ ﴾ وهو جَمْعُ أيِّمٍ، وفي الأيِّمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ.

الثّانِي: أنَّها الَّتِي لا زَوْجَ لَها بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

يُقالُ رَجُلٌ أيِّمٌ إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وامْرَأةٌ أيِّمٌ إذا لَمْ يَكُنْ لَها زَوْجٌ.

وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ نَهى عَنِ الأيِّمَةِ» يَعْنِي العَزْبَةَ قالَ الشّاعِرُ: فَإنْ تَنْكَحِي أنْكِحْ وإنْ تَتَأيَّمِي وإنْ كُنْتَ أفْتى مِنكُمُ أتَأيَّمُ وَرَوى القاسِمُ قالَ: أُمِرَ بِقَتْلِ الأيِّمِ يَعْنِي الحَيَّةَ.

وَفِي هَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ أنْ يَنْكِحُوا آيامَهم مِن أكْفائِهِنَّ إذا دَعَوْنَ إلَيْهِ لِأنَّهُ خِطابٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ الحَتْمِ فَلِذَلِكَ يُوَجَّهُ إلى الوَلِيِّ دُونَ الزَّوْجِ.

الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ أنْ يَتَزَوَّجُوا الأيامى عِنْدَ الحاجَةِ.

واخْتُلِفَ في وُجُوبِهِ فَذَهَبَ أهْلُ الظّاهِرِ إلَيْهِ تَمَسُّكًا بِظاهِرِ الأمْرِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ إلى اسْتِحْبابِهِ لِلْمُحْتاجِ مِن غَيْرِ إيجابٍ وكَراهَتِهِ لِغَيْرِ المُحْتاجِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى الكَلامِ وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن رِجالِكم وأنْكِحُوا إماءَكم.

الثّانِي: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ أمَرَ بِإنْكاحِ العَبِيدِ والإماءِ كَما أمَرَنا بِإنْكاحِ الأيامى لِاسْتِحْقاقِ السَّيِّدِ لِوِلايَةِ عَبْدِهِ وأمَتِهِ، فَإنْ دَعَتِ الأمَةُ سَيِّدَها أنْ يَتَزَوَّجَها لَمْ يَلْزَمْهُ لِأنَّها فِراشٌ لَهُ، وإنْ أرادَ تَزْوِيجَها كانَ لَهُ خَيْرًا وإنْ لَمْ يَخْتَرْهُ لِيَكْتَسِبَ رِقَّ ولَدِها ويُسْقِطَ عَنْهُ نَفَقَتَها.

وَإنْ أرادَ السَّيِّدُ تَزْوِيجَ عَبْدٍ أوْ طَلَبَ العَبْدُ ذَلِكَ مِن سَيِّدِهِ فَهَلْ لِلدّاعِي إلَيْهِ أنْ يُجْبِرَ المُمْتَنِعَ فِيهِما عَلَيْهِ أمْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ: ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ إلى النِّكاحِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ بِهِ عَنِ السِّفاحِ.

الثّانِي: إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ إلى المالِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ إمّا بِقَناعَةِ الصّالِحِينَ، وإمّا بِاجْتِماعِ الرِّزْقَيْنِ، ورَوى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي رَوّادٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «اطْلُبُوا الغِنى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ » .

﴿ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: واسِعُ العَطاءِ عَلِيمٌ بِالمَصْلَحَةِ.

الثّانِي: واسِعُ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ بِالخَلْقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا ﴾ أيْ ولْيَعُفَّ، والعِفَّةُ في العُرْفِ الِامْتِناعُ مِن كُلِّ فاحِشَةٍ، قالَ رُؤْبَةُ: يَعُفُّ عَنْ أسْرارِها بَعْدَ الفِسْقِ.

يَعْنِي عَنِ الزِّنى بِها.

﴿ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا ﴾ يَعْنِي لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ لِإعْسارٍ إمّا بِصَداقٍ أوْ نَفَقَةٍ.

﴿ حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُغْنِيهِمُ اللَّهُ عَنْهُ بِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ.

الثّانِي: يُغْنِي بِمالٍ حَلالٍ يَتَزَوَّجُونَ بِهِ.

﴿ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ أمّا الكِتابُ المُبْتَغى هُنا فَهو كِتابَةُ العَبْدِ والأمَةِ عَلى مالٍ إذا أدَّياهُ عَتَقا بِهِ وكانا قَبْلَهُ مالِكَيْنِ لِلْكَسْبِ لِيُؤَدِّيَ في العِتْقِ، فَإنْ تَراضى السَّيِّدُ والعَبْدُ عَلَيْها جازَ، وإنْ دَعا السَّيِّدُ إلَيْها لَمْ يُجْبِرِ العَبْدَ عَلَيْها.

وَإنْ دَعا العَبْدُ إلَيْها فَفي إجْبارِ السَّيِّدِ عَلَيْها إذْ عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وداوُدَ، يَجِبُ عَلى السَّيِّدِ مُكاتَبَتُهُ ويُجْبَرُ إنْ أبى.

الثّانِي: وهو قَوْلُ مالِكِ والشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ولا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَإذا انْعَقَدَتِ الكِتابَةُ لَزِمَتْ مِن جِهَةِ السَّيِّدِ وكانَ المَكاتَبُ فِيها مُخَيَّرًا بَيْنَ المُقامِ والفَسْخِ.

﴿ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الخَيْرَ: القُدْرَةُ عَلى الِاحْتِرافِ والكَسْبِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الخَيْرَ: المالُ، قالَهُ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الدِّينُ والأمانَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الوَفاءُ والصِّدْقُ، قالَهُ قَتادَةُ وطاوُسٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ الكَسْبُ والأمانَةُ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.

﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن مالِ الزَّكاةِ مِن سَهْمِ الرِّقابِ يُعْطاهُ المَكاتَبُ لِيَسْتَعِينَ بِهِ في أداءٍ ما عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ.

وَلا يُكْرَهُ لِلسَّيِّدِ أخْذُهُ وإنْ كانَ غَنِيًّا، قالَهُ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مِن مالِ المُكاتَبَةِ مَعُونَةً مِنَ السَّيِّدِ لِمَكاتِبِهِ كَما أعانَهُ غَيْرُهُ مِنَ الزَّكاةِ.

واخْتَلَفَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ في وُجُوبِهِ فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ولَيْسَ بِواجِبٍ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى وُجُوبِهِ وبِهِ قالَ عُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِوُجُوبِهِ في هَذا التَّأْوِيلِ في تَقْدِيرِهِ؛ فَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَدَّرَهُ بِالرُّبْعِ مِن مالِ الكِتابَةِ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَإنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنهُ طَوْعًا قَضى الحاكِمُ بِهِ عَلَيْهِ جَبْرًا واجْتَهَدَ رَأْيَهُ في قَدْرِهِ، وحَكَمَ بِهِ في تَرِكَتِهِ إنْ ماتَ، وحاصَّ بِهِ الغُرَماءَ إنْ أفْلَسَ.

والمَكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ في قَوْلِ الشّافِعِيِّ وأصْحابِهِ، وإذا عَجَزَ عَنْ أداءِ نَجْمٍ عِنْدَ مَحِلِّهِ كانَ السَّيِّدُ بِالخِيارِ بَيْنَ إنْظارِهِ وتَعْجِيزِهِ وإعادَتِهِ رِقًّا، ولا يَرُدُّ ما أخَذَهُ مِنهُ أوْ مِن زَكاةٍ أُعِينَ بِها أوْ مالٍ كَسَبَهُ.

قالَ الكَلْبِيُّ: وسَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ الآيَةَ; أنَّ عَبْدًا اسْمُهُ صُبْحٌ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى سَألَهُ أنْ يُكاتِبَهُ فامْتَنَعَ حُوَيْطِبٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ الفَتَياتُ الإماءُ، البِغاءُ الزِّنى، والتَّحَصُّنُ التَّعَفُّفُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكْرَهَها ولا يُمْكِنُها سَواءٌ أرادَتْ تَعَفُّفًا أوْ لَمْ تُرِدْ.

وَفي ذِكْرِ الإكْراهِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ الإكْراهَ لا يَصِحُّ إلّا فِيمَن أرادَ التَّعَفُّفَ، ومَن لَمْ يَرُدِ التَّعَفُّفَ فَهو مُسارِعٌ إلى الزِّنى غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّهُ وارِدٌ عَلى سَبَبٍ فَخَرَجَ النَّهْيُ عَلى صِفَةِ السَّبَبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ، وهَذا ما رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ كانَتْ لَهُ أمَةٌ يُقالُ لَها مُسَيْكَةُ، وكانَ يُكْرِهُها عَلى الزِّنى فَزَنَتْ بِبُرْدٍ فَأعْطَتْهُ إيّاهُ فَقالَ: ارْجِعِي فازْنِي عَلى آخَرَ: فَقالَتْ: لا واللَّهِ ما أنا بِراجِعَةٍ، وجاءَتْ إلى النَّبِيِّ  فَقالَتْ: إنَّ سَيِّدِي يُكْرِهُنِي عَلى البِغاءِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ مُسْتَفِيضًا مِن أفْعالِ الجاهِلِينَ طَلَبًا لِلْوَلَدِ والكَسْبِ» .

﴿ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ لِتَأْخُذُوا أُجُورَهُنَّ عَلى الزِّنى.

﴿ وَمَن يُكْرِهُّنَّ ﴾ يَعْنِي مِنَ السّادَةِ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَعْنِي لِلْأمَةِ المُكْرَهَةِ دُونَ السَّيِّدِ المُكْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ قال: قد أمركم الله- كما تسمعون أن تنكحوهن، فإنه أغض لأبصارهم، واحفظ لفروجهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن أنه قال: وانكحوا الصالحين من عبيدكم وامائكم.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انكحوا الصالحين والصالحات فما تبعهم بعد ذلك فهو حسن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وانكحوا الأيامى منكم ﴾ الآية.

قال: أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه، وأمرهم أن يتزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى فقال: ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق.

قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال: ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة وقد وعده الله فيها ما وعده فقال: ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة معاً في المصنف عن عمر بن الخطاب قال: ابتغوا الغنى في الباءة.

وفي لفظ اطلبوا الفضل في الباءة وتلا ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: التمسوا الغنى في النكاح.

يقول الله: ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ﴾ .

وأخرج الديلمي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوا الرزق بالنكاح» .

وأخرج البزار وابن مردويه والديلمي من طريق عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انكحوا النساء فإنهن يأتينكم بالمال» وأخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود في مراسيله عن عروة مرفوعاً مرسلاً.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله» .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه الفاقة فأمره أن يتزوج.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾ قال ابن السكيت: فلانة أيّم، إذا لم يكن لها زوج بكرًا كانت أو ثيبًا.

والجميع: أيامى، والأصل أيايم، فقلبت (١) (٢) (٣) وقال ابن الأعرابي: يقال للرجل الذي (٤) (٥) ومنه الحديث: أن النبي -  - كان يتعوذ من الأيمة.

وهو طول العُزبة (٦) (٧) وقال صاحب النظم: (الْأَيَامَى) هاهنا من الرجال والنساء الذين لا أزواج لهم كان قد تزوج قبل ذلك أو (٨) (٩) إلَّا عواسر كالمراط معيدة (١٠) (١١) (١٢) وقوله: (مِنكُمْ) ليس من صلة الإنكاح، وإنّما هو من صلة (الْأَيَامَى) كأنه قيل (١٣) ﴿ الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾ .

قال السدِّي: من لم يكن له زوج من امرأة أو رجل فهو أيّم.

وقال ابن عباس: كل من ليس لها زوج وإن كانت بكرًا فهي أيِّم (١٤) قال مقاتل بن سليمان: يعني من لا زوج له (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقال مقاتل بن حيان: يعني الأيامى من الرجال والنساء من الأحرار (١٩) والمعنى: زوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) قوله ﴿ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾ قال مقاتل: يقول: وزوّجوا المؤمنين من عبيدكم وولائكم فإنّه أغض للبصر وأحفظ للفرج (٢٤) فمعنى الصلاح هاهنا: الإيمان، وفي هذا دليل على أن العبد لا يتزوج إلا بإذن سيده، وكذلك الأمة (٢٥) ثم رجع إلى الأحرار فقال: ﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ ﴾ لا سعة لهم في التزويج ﴿ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ فوعدهم أن يوسّع عليهم عند التزويج ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ ﴾ لخلقه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بهم.

قاله مقاتل بن سليمان (٢٦) قال أبو إسحاق: حثّ الله -عز وجل- على النكاح وأعلم أنّه سبب لنفي الفقر، ويروى عن عمر -  - أنه قال: عجبت لامرئ لم يلتمس الغنى في الباءة بعد قول الله تعالى ﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ (٢٧) وقد قال رسول الله -  -: "التمسوا الرزق بالكاح" (٢٨) (١) في "تهذيب اللغة": فقلبت الياء وجعلت بعد الميم.

(٢) في "تهذيب اللغة": إذا مكثا أيامًا وزمانًا لا يتزوجان.

(٣) قول ابن السكيت في "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 621 - 622 (ام).

وهو في "تهذيب الألفاظ" ص 376، و"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم" للعكبري 1/ 89 - 90.

(٤) في (ع): (إذا).

(٥) قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 621 (آم).

(٦) في (أ): (العزوبة)، والمثبت من باقي النسخ و"تهذيب اللغة".

(٧) الحديث ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 15/ 621، والجوهري في "الصحاح" 5/ 1868، وذكره الزمخشري في "الكشاف" 3/ 63 بلفظ: "اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والغيمة والأيمة والكزم والقرم".

وذكره الزيلعي في تخريجه لأحاديث الكشاف 2/ 435 وسكت عنه ولم يخرجه.

قال المعلق على تخريج الزيلعي: ذكره ابن قتيبة في كتابه "غريب الحديث" 1/ 338 وقال: يرويه سليمان بن الربيع الكوفي، عن همام، عن أبي العوام عمران بن داود القطان، عن قتادة، عن الحسن عن عمران بن حصين، عن النبي -  - فذكره.

(٨) في (أ): (أم).

(٩) هو أبو كبير الهذلي كما في "ديوان الهذليين" وغيره.

(١٠) في (أ): (معتده).

(١١) البيت في "ديوان الهذليين" 2/ 105 منسوبًا لأبي كبير وروايته فيه: إلَّا عواسل كالمراط ..

وهو في "المعاني الكبير" 185 - 186، و"الأمالي" 2/ 29، "الصحاح" للجوهري 5/ 1868 - 1869 (أيم).

ومن غير نسبة في "تهذيب اللغة" 2/ 82 "عسر"، و"اللسان" 4/ 566 (عسر) وفيهما: == إلا عواسرُ كالقداح معيدة وقبل هذا البيت: ولقد وردت الماء، ولم يشرب به ...

بين الربيع إلى شهور الصيِّفِ إلا عواسر ..

قال السكري في "شرح ديوان الهذليين" 3/ 1085: عواسل: يعني تعسل في مشيها، تمرُّ مرَّا سريعًا، وإنما يعني ذئابًا ..

ويروى: إلا عواسر، يقول: هذه الذئاب تَعسر بأذنابها، والمراط: النَّبل المتمرِّطة الريش، وقوله: معيدة، أي معيدة الشرب، والأيّم: الحيّة ..

وقوله: متغضِّف أي منطو متثنٍّ، وقوله: معيدة: أي معاودة لذلك مرَّة بعد مرة.

اهـ.

(١٢) قول ابن شميل في "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 621 (آم).

(١٣) في (ع): (قال).

(١٤) ذكره الرازي 23/ 210، والنيسابوري في "غرائب القرآن" 18/ 96 من رواية الضحاك، عنه، بمعناه.

وذكر الماوردي 4/ 97 هذا القول.

وعزاه للجمهور.

(١٥) في (ظ): (لها).

(١٦) في (أ): (زوج).

(١٧) ساقط من (ع).

(١٨) "تفسير مقاتل" 2/ 38 أ.

(١٩) رواه ابن أبي حاتم 7/ 39 أ.

(٢٠) الطبري 18/ 125، والثعلبي 3/ 78 أ.

(٢١) انظر: "أحكام القرآن" للجصَّاص 3/ 319.

(٢٢) في (ظ): (وما).

(٢٣) انظر: "الحاوي" 9/ 38 - 45، "المغني" 9/ 345 - 346، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 239.

(٢٤) "تفسير مقاتل" 2/ 38 أ.

(٢٥) انظر: "الحاوي" 9/ 73، "المغني" 9/ 436، "روضة الطالبين" 7/ 101.

(٢٦) "تفسير مقاتل" 2/ 38 أ.

(٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 40 مع اختلاف يسير.

ولفظ رواية الزجاج لأثر عمر: "عجب لامرئ كيف لا يرغب في الباءة والله يقول ﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ .

وهذا الأثر عن عمر -  - رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 6/ 173 عن قتادة أن عمر بن الخطاب قال: ما رأيت مثل رجل لم يلتمس الفضل في الباءة، والله يقول: ﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ .

وهو منقطع لإرساله.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 188 عن قتادة، وزاد نسبته لعبد بن حميد.

وروى عبد الرزاق في "مصنفه" 6/ 170 - 171 من وجه آخر عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب: اطلبوا الفضل في النكاح.

قال: وتلا عمر: ﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ .

وهو منقطع أيضًا؛ فإن الحسن لم يسمع من عمر -  - انظر: "تهذيب التهذيب" لابن حجر 2/ 265 - 266.

(٢٨) رواه بهذا اللفظ الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 80 ب من حديث ابن عباس.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 188 وعزاه للديلمي.

وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص 82: رواه الثعلبي في "تفسيره" والديلمي، من حديث مسلم بن خالد، عن سعيد ابن أبي صالح، عن ابن عباس رفعه بهذا.

ومسلم فيه لين وشيخه.

وقال الألباني في "ضعيف الجامع" 1/ 349: ضعيف.

وللحديث شاهد بمعناه روي موصولًا ومرسلًا.

فقد رواه موصولاً البزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" للهيثمي 2/ 149، والحاكم في "مستدركه" 2/ 161 كلاهما من حديث أبي السائب سلم بن جنادة، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله == -  -: "تزوّجوا النساء، فإنّهن يأتينكم بالمال".

قال البزار بعد روايته: رواه غير واحد مرسلًا، ولا نعلم أحدًا قال فيه: عن عائشة إلا أبا أسامة.

وقال الدارقطني في "العلل": وغير سلم يرويه مرسلاً ..

وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه لتفرد سلم -وقد تصحف في المطبوع إلى سالم- بن جنادة بسنده وسلم ثقة مأمون.

اهـ.

وقد رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 127، وأبو داود في "المراسيل" ص 93 عن أبي توبة الربيع بن نافع، كلاهما -يعني أبا بكر بن أبي شيبة، وأبا توبة- عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا لم يذكر عائشة.

وذكر الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 443 متابعًا لأبي أسامة من رواية السهمي في "تاريخ جرجان" ص 242 من طريق حسين بن علوان عن هشام موصولًا.

قال ابن حجر في "الكاف الشاف" ص 119: الحسين متهم بالكذب.

ولذا فإن المرسل أصح كما ذكر الدارقطني وغيره.

وممن ضعف هذا الحديث الألباني كما في "ضعيف الجامع" 1/ 349.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ ﴾ الأيامى جمع أيَّم ومعناه الذين لا أزواج لهم رجالاً كانوا أو نساء أبكاراً أو ثيبات، والخطاب هنا للأولياء الحكام أمرهم الله بتزويج الأيامى، فاقتضى ذلك النهي عن عضلهن من التزويج، وفي الآية دليل على عدم استقلال النساء بالإنكاح؛ واشتراك الولاية فيه، الولاية فيه، وهو مذهب مالك والشافعي خلافاً لأبي حنيفة ﴿ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ يعني الذين يصلحون للتزويج من ذكور العبيد وإناثهم، وقال الزمخشري: الصالحين بمعنى الصلاح في الدين، قال وإنما خصهم الله بالذكر ليحفظ عليهم صلاحهم والمخاطبون هنا ساداتهم؛ ومذهب الشافعي أن السيد يجبر على تزويج عبيده على هذه الآية خلافاً لمالك، ومذهب مالك أن السيد يجبر عبده وأمته على النكاح خلافاً للشافعي ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ وعد الله بالغنى للفقراء الذين يتزوجون لطلب رضا الله، ولذلك قال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ وليضربن ﴾ بكسر اللام على الأصل: عياش ﴿ جيوبهن ﴾ بضم الجيم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وهشام وعاصم غير الأعشى والبزي والعواس من طريق الهاشمي.

وفي رواية خلف عن حمزة بإشمام الجيم الضم ثم يشير إلى الكسر وبضم الياء.

الآخرون: بالسكر الخالص.

﴿ غير ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالكسر على الوصف ﴿ آية المؤمنون ﴾ بضم الهاء في الحالين: ابن عامر.

وقرأ ابو عمرو وعلي وابن كثير بألف في الوقف.

الباقون بفتح الهاء بغير ألف في الوقف وبالف في الوصل.

الوقوف: ﴿ أهلها ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ يؤذن لكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ أزكى لكم ﴾ ط عليمر ه ﴿ متاع لكم ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ فروجهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ ما يصنعون ﴾ ه ﴿ جيوبهن ﴾ صل ﴿ عورات النساء ﴾ ص ﴿ زينتهن ﴾ ط ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وإمائكم ﴾ ط ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ق قد قيل: والوصل أوجه للعطف.

﴿ آتاكم ﴾ ط للعدول إلى حكم آخر الدنيا ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: الحكم الرابع الاستئذان: لما كانت الخلوة طريقاً إلى التهمة ولذلك وجد أهل الإفك سبيلاً إلى إفكهم شرع أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان.

وفي الآية أسئلة: الأول الاستئناس هو الأنس الحاصل بعد المجانسة قال الله  ﴿ ولا مستأنسين لحديث  ﴾ ولا يكون ذلك في الأغلب إلا بعد الدخول والسلام، فلم عكس هذا الترتيب في الآية؟

جوابه بعد تسليم أن الواو للترتيب، هو أن الاستئناس طلب الأنس وأنه مقدم على السلام.

وقال جار الله: هو من باب الكفاية والإرداف لأن الأنس الذي هو خلاف الوحشة يردف الإذن فوضع موضع الإذن كأنه قيل: حتى يؤذن لكم.

أو هو استفعال من آنس إذا أبصر، فالمراد حتى تستكشفوا الحال ويبين هل يراد دخولكم أم لا.

أو هو من الإنس بالكسر وهو أن يتعرف هل ثمَّ إنسان لأنه لا معنى للسلام ما لم يعلم أفي البيت إنسان أم لا.

وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما هو "حتى تستأذنوا" فأخطأ الكاتب ولا يخفى ضعف هذه الرواية لأنها توجب الطعن في المتواتر وتفتح باب القدح في القرآن كله نعوذ بالله منه.

الثاني: ما الحكمة في شرع الاستئذان؟

الجواب: كيلا يطلع الداخل على عورات، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه، ولئلا يوقف على الأحوال التي تخفيها الناس في العادة، ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب ولذلك قال  ﴿ ذلكم ﴾ يعني الاستئذان والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور اي الدخول من غير إذن.

قال  "من سبقت عينه استئذانه فقد دمر" واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ أي أنزل عليكم.

أو قيل لكم: هذا إرادة أن تتعظوا أو تعملوا به.

الثالث: كيف يكون الاستئذان؟

جوابه: استأذن رجل على رسول الله فقال: ألج.

فقال: لامرأة يقال لها روضة: "قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أدخل" فسمع الرجل فقالها فقال: ادخل.

ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ﴾ وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً وحييتم مساء ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد فمنع الله  عن ذلك وعلم الأدب الأحسن.

وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ونحوه.

وقال عكرمة: هو التسبيح والتكبير وقرع الباب بعنف والتصبيح بصاحب الدار منهي عنه وكذا كل ما يؤدي على الكراهية وينبئ عن الثقل.

الرابع: كم عدد الاستئذان؟

الجواب روى أبو هريرة أن النبي  قال "الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون" ومثله عن أبي موسى الأشعري وقصته مع عمر مشهورة في ذلك.

وعن قتادة الاستئذان ثلاثة: الأول يسمع الحي: الثاني ليتهيأ.

والثالث إن شاؤا أذنوا وإن شاؤا ردوا.

وينبغي أني كون بين المرات فاصلة وإلا كان الكل في حكم واحد.

الخامس: كيف يقف على الباب؟

جوابه أنه  كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكنه يقف من ركنه الأيمن أو الأيسر، فإن كان للباب ستر كانت الكراهية أخف.

السادس: قوله ﴿ حتى تستأنسوا وتسلموا ﴾ يدل على أنه يجوز الدخول بعد الاستئذان والتسليم وإن لم يكن ثمة إذن أو من يأذن لأن "حتى" للغاية والحكم بعد الغاية يكون خلاف ما قبلها جوابه.

سلمنا المخالفة لكن لا نسلم المناقضة، وذلك أن قبل الاستئذان لا يجوز الدخول مطلقاً وبعده فيه تفصيل، وهو أنه إن لم يجد فيها أحداً من الآذنين مطلقاً أو من يعتبر إذنه شرعاً فليس له الدخول وذلك قوله ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ اي على الإطلاق أو ممن له الإذن ﴿ فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ﴾ اي حتى تجدوا من يأذن لكم أو من يعتبر إذنه، وإن وجد فيها من له الإذن فإن أذن دخل وإن لم يأذن وقال ارجع رجع وهو قوله ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ﴾ أي الرجوع أطيب ﴿ لكم وأطهر ﴾ لما فيه من سلامة الصدر والبعد من الريبة.

وفي قوله ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ نوع زجر للمكلف فعليه أن يحتاط كيف يدخل ولأي غرض يدخل وكيف يخرج.

وهل يقوم غير الإذن مقام الإذن؟

عن أبي هريرة أن النبي  قال "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وفي رواية أخرى "إذا دعى أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن" وقيل: إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان.

والجمهور على أن إذن الصبي والعبد والمرأة معتبر وكذلك الهدايا لأجل الضرورة.

وهل يعتبر الاستئذان على المحارم؟

"روي أن رجلاً قال للنبي  : استأذن على أمي؟

قال: نعم.

قال: إنها ليس لها خادم غيري أستأذن عليها كلما دخلت عليها.

قال: أتحب أن تراها عريانة؟

قال الرجل: لا.

قال: فاستأذن" .

قال العلماء: إن كان المنع من الهجوم على الغير لأجل أنه لا يراه منكشف الأعضاء فتستثنى منه الزوجة وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه لا يراه مشغولاً بما يكره الاطلاع عليه فالمنع عام إلا إذا عرض ما يبيح هتك الستر كحريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره.

التاسع: ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه؟

الجواب: قال الشافعي: لو فقأ عينه فهي هدر وتمسك بما روى سهل بن سعد "أنه اطلع رجل في حجرة من حجر النبي  ومع النبي مدرى يحك بها رأسه فقال: لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك، إنما الاستئذان من النظر" .

وعن أبي هريرة أنه  قال "من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه" قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر مردود لوروده على خلاف الأصول، فلا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه ضامناً وعليه القصاص إن كان عامداً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع.

فمعنى الحديث لو صح أنه من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم ثم منع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر، وأجيب بالفرق فإنه إذا علم القوم دخوله عليهم احترزوا عنه وتستروا فأما إذا نظر على حين غفلة منهم اطلع على ما لا يراد الاطلاع عليه فلا يبعد في حكمة الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسماً لمادة هذه المفسدة.

جميع هذه الأحكام فيما إذا كانت الدار مسكونة فإن لم تكن مسكونة فذلك قوله ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ الآية.

وللمفسرين فيه أقوال: الأول: قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرجال والسلع والبيع والشراء.

يروى أن ابا بكر قال: يا رسول الله، إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلا بإذن فنزلت.

وقيل: هي الخربات يتبرز فيها الوتاع التبرز.

وقيل: الأسواق.

والأولى العموم.

وإنما لم يحتج إلى الإذن دفعاً للحرج، ولأنها ماذون في دخولها من جهة العرف.

ثم ختم الآية بوعيد مثل ما تقدم الحكم الخامس، غض البصر وحفظ الفرج عما لا يحل.

وتخصيص المؤمنين بهذا التكليف عند من لا يجعل الكفار مكلفين بفروع الإسلام ظاهر، وأما عند من يجعلهم مكلفين بالفروع أيضاً فالتخصيص للتشريف، أو نزل فقدان مقدمة التكليف منزلة فقدان التكليف وإن كان حالهم في الحقيقة كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها.

قال أكثر النحويين: "من" للتبعيض والمراد غض شيء من البصر لأن غض كله كالمعتذر بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق.

وجوز الأخفش أن تكون "من" مزيدة.

وقيل: صلة للغض أي ينقصوا من نظرهم.

يقال: غضضت من فلان إذا انقضت من قدره.

فالنظر إذا لم يكن من عمله فهو معفو موضوع عنه.

وإعراب قوله ﴿ يغضوا ﴾ كما مر في سورة إبراهيم في قوله ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا  ﴾ قال الفقهاء: العورات على أربعة أقسام: عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجل، وبالعكس.

أما الرجل مع الرجل فيجوز أن ينظر إلى جميع بدنه إلا إلى عورته، وعورته ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة.

وعند أبي حنيفة: الركبة عورة.

قال مالك: الفخذ ليست بعورة وهو خلاف ما روي "أنه  قال لعلي:لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي وميت." فإن كان في نظره إلى وجه الرجل أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه.

ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان واحد منهما في جانب الفراش لرواية أبي سعيد الخدري أنه  قال: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" ويكره المعانقة وتقبيل الوجه.

إلا لولده شفقة.

وتستحب المصافحة والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، ولا يجوز عند خوف الفتنة، ولا تجوز المضاجعة أيضاً لما مر في الحديث.

والصح أن الذمية لا يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة لأنها أجنبية في الدين والله تعالى يقول ﴿ أو نسائهن ﴾ أما عورة المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة فجيمع بدنها عورة لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والإعطاء.

ويعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين.

وقيل: ظهر الكف عورة.

وفي هذا المقام تفصيل: قال العلماء: لا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية بغير غرض فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره لقوله  ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ﴾ ولقوله  "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" فإن كان هناك غرض ولا شهوة ولا فتنة فذاك والغرض أمور منها: أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفها.

روى أبو هريرة "أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله  :انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً." ومنها إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.

ومنها أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة.

ومنها أنه ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به.

ومنها يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إلى بدن الأجنبية للمعالجة كما يجوز للخاتن أن ينظر إلى فرج المختون لأنه محل ضرورة.

وكما يجوز أن ينظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة، وإلى فرجها لتحمل شهادة الولادة إذا لم تكن نسوة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع.

فإن كان هناك شهوة وفتنة فالنظر محظور قال  "العينان تزنيان" وقيل: مكتوب في التوراة: النظر يزرع الشهوة في القلب ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً.

ويستثنى منه ما لو وقعت في حرق أو غرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها.

وإن كانت الأجنبية أمة فالأصح أن عورتها ما بين السرة والركبة لما روي "أنه  قال في الرجل يشتري الأمة لا باس أن ينظر إليها إلا إلى العورة وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها" وقيل: إلا ما تبدي المهنة فيخرج منه أن رأسها وعنقها وساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف.

وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الأمة ولا يجوز لمسها ولا لها مسه لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطر.

وقال أبو حنيفة: يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه، وأما إن كانت المرأة ذات محرم بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها ما بين السرة والركبة كعورة الرجل.

وعند أبي حنيفة: عورتها مالا يبدو عند المهنة، فإن كانت مستمتعاً له كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها جاوز له أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج، وكذا إلى فرج نفسه لما روي أن يورث الطمس.

وقيل: لا يجوز النظر إلى فرجها، فإن كانت الأمة مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو مزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية.

روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي  قال "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" وأما عورة الرجل مع المرأة فإن كان أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة.

وقيل: جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه.

والأصح هو الأول لأن بدن المرأة في نفسه عورة بدليل أنه لا يصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه.

ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي " عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله  وميمونه إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل فقال  :احتجبا منه.فقالت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟

فقال:أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟" وإن كان محرماً لها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها.

ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خال وله ما يستر عورته لأنه  سئل عن ذلك فقال: "الله أحق أن يستحي منه." وعنه "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله" ولما كان النظر بريد الزنا ورائد الفجور أمر بغض الأبصار أولاً ثم بحفظ الفروج عن الزنا والفجور ثانياً.

وعن أبي العالية أن كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلاّ هذا فإنه أراد الاستثناء وأن لا ينظر إلى الفروج أحد، وعلى هذا ففائدة التخصيص بعد التعميم أن يعلم أن أمر الفرج أضيق.

وحين خص الخطاب في أول الآية بالمؤمنين ذكر أن ذلك الذي أمر به من غض البصر وحفظ الفرج أزكى لهم لأنهم يتطهرون بذلك من دنس الآثام، ويستحقون الثناء والمدح، وهذا لا يليق بالكافر.

وفي قوله ﴿ إن الله خبير بما يصنعون ﴾ ولا ثاني له في القرآن إشارة إلى وجوب الحذر في كل حركة وسكون.

وتفسير قوله ﴿ وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ﴾ يعلم من التفصيل المتقدم.

أما قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ فمن الأحكام التي تختص بالنساء في الأغلب.

وقد يحرم على الرجل إبداء زينته للنساء الأجنبيات إذا كان هناك فتنة.

قال أكثر المفسرين: الزينة ههنا أريد بها أمور ثلاثة: أحدها الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والحمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها.

وثانيها الحلي كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلائد والإكليل والوشاح والقرط.

وثالثها الثياب.

وقال: آخرون: الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله  وعلى ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلي وغير ذلك.

يدل على ذلك أن كثيراً من النساء يتفردن بخلقهن عن سائر ما يعدّ زينة.

وفي قوله ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ إشارة إلى ذلك وكأنه  منعهن من إظهار محاسن خلقهن فأوجب سترها بالخمار.

قال القفال: بناء على هذا القول معنى قوله ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ إلا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية وذلك في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء كل ما يبدو عند المهنة.

وفي صوتها خلاف، الأصح أنه ليس بعورة لأن نساء النبي  يروين الأخبار للرجال.

وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فذهبوا إلى أنه  إنما حرم النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة لأجل المبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة إلا ما ظهر من هذه الزينة كالثياب مطللقاً إذا لم تصف البدن لرقتها، وكالحمرة والوسمة في الوجه، وكالخضاب والخواتيم في اليدين، وما سوى ذلك يحرم النظر إليه.

ولهذا قال ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ والخمر جمع الخمار وهي كالمقنعة.

قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام وساعة فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمر أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتستتر بذلك أعناقهن ونحورهن وما حواليها من شعر وزينة.

وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء شبيه الإلصاق.

وعن عائشة: ما رأيت نساء خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الاية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرن فأصبحن كأن على رؤوسهن الغربان.

ثم بين أن الزينة الخفية يحل إبداؤها لاثنتي عشرة فرقة: الأولى بعولتهن أي أزواجهن والتاء لتأكيد الجمع كصقورة.

الثانية: آباؤهن وإن علوا من جهة الأب والأم.

الثالثة: آباء بعولتهن وإن علوا.

الرابعة: أبناؤهن وإن سفلوا الخامسة: أبناء بعولتهن وإن سفلوا ايضاً.

السادسة: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما.

السابعة: بنو إخوانهن.

الثامنة: بنو أخواتهن وحكم أولاد الأولاد حكم اولاد فيهما.

وهؤلاء كلهم محارم وترك من المحارم العم والخال، فعن الحسن البصري أنهما كسائر المحارم في جواز النظر.

وقد يذكر البعض لينبه على الجملة ولهذا لم يذكر المحارم من الرضاع في هذه الآية، وكذا في سورة الأحزاب قال ﴿ لا جناح عليهن في آبائهن  ﴾ إلى آخر الآية.

ولم يذكر البعولة ولا أبناءهم.

وقال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله  لئلا يصفها العم عند ابنه والخال عند ابنه، وذلك أن العم والخال يفارقان سائر المحارم في أوان أبناءهما ليسوا من المحارم، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم ومعرفة الوصف قريب من النظر، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط في التستر.

وإنما أبيح إبداء الزينة الخفية لهؤلاء المذكورين لاحتياجهن إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولا سيما في السفار للنزول والركوب.

وأيضاً لقلة وقوع الفتنة من جهاتهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب الأقارب.

التاسعة: قوله ﴿ أو نسائهن ﴾ فذهب أكثر السلف على أن المراد أهل أديانهن ومن هنا قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها.

وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات.

وقال آخرون: والعمل عليه إن المراد جميع النساء وقول السلف محمول على الأولى والأحب.

العاشرة: قوله ﴿ أو ما ملكت ايمانهن ﴾ وظاهر الآية يشمل العبيد والإماء ويؤيده ما روى أنس أنه  أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله  ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك،" وعن عائشة أنها قالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر.

وعنها أنها كانت تمشط والعبد ينظر إليها.

وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: إن العبد ينظر إلى شعر مولاته وهو قول أبي حنيفة إذ ليس ملكها للعبد كملكه للأمة فلا خلاف أنها لا تستبيح بملك العبد شيئً من التمتع منه كما يملك الرجل من الأمة.

وتحريم تزوج العبد لمولاته عارض غير مؤبد كمن عنده أربع نسوة لا يجوز له التزوج بغيرهن، فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب خصياً كان العبد او فحلاً.

وأورد على هذا القول لزوم التكرار ضرورة أن الإماء من حملة نسائهن.

وأجيب بأنه أراد بالنساء الحرائر كما أراد بالرجال الأحرار في قوله ﴿ شهيدين من رجالكم  ﴾ الحادية عشرة قوله ﴿ أو التابعين غير أولي الإربة ﴾ وهي الحاجة وهم البله.

وأهل العنة الذين لا يعرفون شيئاً من أمور النساء إنما يتبعون الناس ليصيبوا من فضل طعامهم أو شيوخ صلحاء لا حاجة بهم إلى النساء لعفة أو عنانة.

"عن زينب بنت أم سلمة أن النبي  دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة وقال: يا عبد الله إن فتح الله لكم الطائف أدلك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان عنى عكن بطنها.

فقال  :لا يدخلن عليكم هذا." فأباح النبي  دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي الإربة فحجبه.

الثانية عشر قوله ﴿ أو الطفل ﴾ وهو جنس يقع على الواحد والجمع وهو المراد ههنا.

قال ابن قتيبة معنى ﴿ لم يظهروا ﴾ لم يطلعوا ﴿ على عورات النساء ﴾ والعورة سوأة الإنسان وكل مايستحيا منه.

وقال الفراء والزجاج: هو من قولهم "ظهر على كذا" إذا قوي عليه أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء.

فعلى الأول يجب الاحتجاب ممن ظهر فيه داعية الحكاية، وعلى الثاني إنما يجب الاحتجاب من المراهق الذي ظهرت فيه مبادي الشهوة، قال الحسن: هؤلاء الفرق وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الظاهرة فهم على أقسام ثلاثة: فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها، والثاني الأب والابن والأخ والجد وأبو الزوج وكل محرم من الرضاع أو النسب كل يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك.

والثالث التابعون غير أولي الإربة، وكذا المملوك لا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً ولا يصح للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب.

فهذا ضبط هذه المراتب ثم علمهن أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ﴾ قال ابن عباس: كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال.

وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين.

وفي النهي عن إظهار صوت الحلي بعد نهيهن عن إظهار الحلي مبالغة فوق مبالغة ليعلم أن كل ما يجر إلىالفتنة يجب الاحتراز عنه، فإن الرجل الذي تغلب عليه الشهوة إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعياً له إلى مشاهدتهن، ومنه يعلم وجوب إخفاء صوتهن إذا لم يؤمن الفتنة ولهذا كرهوا أذان النساء، ثم ختم الآية بالأمر بالدوام على التوبة والاستغفار لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يكاد يقدر على رعاية الأوامر والنواهي كما يجب.

قال العلماء: إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكر أن يجدد عنه التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه عز وجل.

وعن ابن عباس: اراد توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة.

قال جار الله: من قرأ ﴿ آيه المؤمنون ﴾ بضم الهاء فوجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها.

الحكم السادس: النكاح وذلك أنه حين أمر بغض الأبصار وحفظ الفروج ارشد بعد ذلك إلى طريق الحل فيما تدعو إليه الشهوة.

وأصل الأيامى أيايم فقلب الواحد أيم بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة.

قال النضر بن شميل: الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها وهو قول ابن عباس في رواية الضحاك يقول: زوِّجوا أياماكم بعضهم من بعض.

وقد آم وآمت وتأيما إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين.

قال: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت افتى منكم أتأيم.

وظاهر الأمر الوجوب إلا أن الجمهور حملوه على الندب لأنه لو كان واجباً لشاع في عصر الرسول  وانتشر، ولو انتشر لنقل لعموم الحاجة إليه.

وقد ورد في الأخبار التصريح بكونه سنة كقوله  "النكاح سنتي" وكقوله  "من أحب فطرتي فليستسن بسنتي وهي النكاح" وقد أجمعوا على أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه.

واتفقوا على أن السيد لا يجبر على تزويج عبده أو أمته.

نعم قد يجب في بعض الصور كما إذا التمست التزويج من الولي فعليه الإجابة إذا كان الخاطب كفؤاً.

استدل الشافعي بعموم الآية على جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها وإعترض أبو بكر الرازي بأن الأيامى شامل للرجال والنساء وحين لزم في الرجال تزويجهم بإذنهم فكذا في النساء ويؤيده ما روي أنه  قال "البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" وأجيب بأن تخصيص النص لا يقدح في كونه حجة في الباقي.

والفرق أن الأيم من الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده بخلاف المرأة فإن احتياجها إلى من يصلح أمرها أظهر، على أنا لا نسلم أن لفظ الأيامى عند الإطلاق يتناول الرجال، وفي تخصيص الآية بخبر الواحد أيضاً نزاع.

واستدل ابو حنيفة بعموم الآية أيضاً على أن العم والأخ يليان تزويج الثيب الصغيرة ونوقش فيه.

قال الشافعي: من تاقت نفسه إلى النكاح استحب له أن ينكح إذا وجد أهبة النكاح وإلا فليكسر شهوته بالصوم لما روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله  قال "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فإن الصوم له وجاء" والذي جاء لا تتوق نفسه إلى النكاح لكبر أو مرض أو عجز أو كان غير قادر على النفقة يكره له أن ينكح لأنه يلتزم مالا يمكنه القيام بحقه، وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له أن ينكح لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله  .

وقال أبو حنيفة: النكاح افضل.

حجة الشافعي أنه تعالى مدح يحيى بقوله ﴿ وسيداً وحصوراً  ﴾ والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهن.

وقال النبي  "أفضل أعمالكم الصلاة" وقال "أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن" وقال "أحب المباحات إلى الله  النكاح" والمباح ما استوى طرفاه، والمندوب ما ترجح فعله ولو كان النكاح عبادة لم يصح من الكافر.

والنكاح فيه شهوة النفس والعبادة فيها مشقة النفس والإقبال على الله  فأين أحدهما من الآخر!‍ ولو كان النكاح مساوياً للنوافل في الثواب لم تكن النوافل مشروعة لأن الطريق المؤدي إلى المطلوب مع بقاء اللذة وعدم التعب أولى بالسلوك، وإن كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لأنه سبب لبقاء الأشخاص ونظام العالم.

فالاشتغال بالزراعة أيضاً أولى من النافلة للعلة المذكورة.

وقد وقع الإجماع على أن واجب العبادة مقدم على واجب النكاح، فكذا مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب.

وعن النبي  "إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال" وعنه  "يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة" حجة أبي حنيفة أن النكاح يتضمن صوت النفس من ضرر الزنا ودفع الضرر أهم من جلب النفع.

وأيضاً النكاح يتضمن العدل.

وقد ورد في الحديث "لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة" وقال  "النكاح سنتي" وقال في الصلاة "إنها خير موضوع فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل" ثم إن الأيامى جمع مستغرق لكنهم أجمعوا على أنه لا بد من شروط ذكرنا بعضها في سورة النساء في قوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ ومعنى ﴿ منكم ﴾ أي من حرائركم قاله كثير من المفسرين لأن حكم العبيد والإماء يعقب ذلك.

ومنهم من قال: أراد من يكون تحت ولاية المأمور من الولد والقريب.

ومنهم من قال: الإضافة لا تفيد الحرية والإسلام.

ثم امر السادة أن يزوجوا أرقاءهم الصالحين.

واتفقوا على أنه للإباحة والترغيب لأن في تزويج العبد التزام مؤنة زوجته وتعطل خدمته واستفادة المهر وسقوط النفقة في تزويج الأمة ليس قبوله بلازم على السيد أيضاً، وتخصيص الصالحين بالذكر عناية من الله بحالهم ليتحصن دينهم ويتحفظ عليهم صلاحهم.

وأيضاً الصالحون من الأرقاء هم الذين يشفق عليهم مواليهم ويهتمون بشأنهم حتى ينزلوهم منزلة الأولاد.

ويجوز أن يراد بالصلاح القيام بحقوق النكاح، ومن جملة ذلك أن لا يكون في غاية الصغر بحيث لا يحتاج إلى النكاح.

وإذن السيد لهم أن يزوجوا أنفسهم ينوب عن تزويج السيد.

أما قوله ﴿ إن يكونوا فقراء ﴾ فالأصح أن هذا ليس وعداً من الله  بإغناء من يتزوج حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف، فرب غني يفقره النكاح ولكن المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم ففي فضل الله ما يغنيهم والمال غاد ورائح.

على أن مثل هذا الوعد قد جاء مشروطاً بالمشيئة في قوله ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء  ﴾ فالمُطلق محمول على المقيد.

وقيل: أراد بالغنى نفس العفاف بتملك البضع الذي يغنيه عن الوقوع في الزنا.

وعن طائفة من الصحابة أن هذا وعد.

وعن أبي بكر قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى.

وعن ابن عباس: التمسوا الرزق بالنكاح.

"وشكا رجل إلى رسول الله  الحاجة فقال:عليك بالباءة." وقد يستدل بالآية على أن العبد والأمة يملكان وإلا لم يتصور فقرهما وغناهما.

والمفسرون قالوا: الضمير عائد إلى الأحرار خاصة وهم الأيامى، وإن فسر الغني بالعفاف فلا بعد في رجوعه إلى الكل ﴿ والله واسع ﴾ إفضاله ولكنه ﴿ عليم ﴾ يبسط الرزق كما يريد وعلى ما ينبغي.

وفيه إشارة إلى قيد المشيئة في الوعد المذكور.

ثم ذكر حال العاجزين عن القيام بمؤن النكاح بقوله ﴿ وليستعفف ﴾ أي ليطلب العفة من نفسه والمضاف محذوف أي لا يجدون استطاعة نكاح ولا يقدرون عليه، أو النكاح يراد به ما ينكح بوساطته وهو المال ولا محذوف.

وفي قوله ﴿ حتى يغنيهم ﴾ نوع تأميل للمستعففين.

وفيه أن فضله من أهل الصلاح والعفاف قريب.

الحكم السابع: المكاتبة: وحين رغب السادة في تزويج الصالحين من العبيد والإماء أرشدهم إلى الطريق الذي به ينخرط العبيد في سلك الأحرار مع عدم الإضرار بالسادة فقال ﴿ والذين يبتغون ﴾ ومحله إما رفع والخبر ﴿ فكاتبوهم ﴾ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وإما نصب بفعل مضمر تفسيره ﴿ فكاتبوهم ﴾ والفاء للإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها كقوله { ﴿ وربك فكبر  ﴾ والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، والتركيب يدل على الضم والجمع لما فيه من ضم النجوم بعضها إلى بعض.

وقال الأزهري: هو من الكتابة ومعناه كتبت لك على نفس أن تعتق مني إذا وفيت المال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت عليَّ العتق، وقيل: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل واجباً عند الشافعي وندباً عند أبي حنيفة كما تجيء.

والأجل يستدعي الكتابة لقوله { ﴿ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه  ﴾ قال محي السنة: الكتابة أن تقول لمملوكك كاتبتك على كذا ويسمى مالا يؤديه في نجمين أو أكثر ويعين عدد النجوم، وما يؤدى في كل نجم ويقول: إذا أديت ذلك المال فأنت حر وينوي ذلك بقلبه.

ويقول العبد: قبلت وفي هذا الضبط أبحاث: الأول قال الشافعي: إن لم يقل بلسانه إذا أديت ذلك المال فأنت حر ولم ينوِ بقلبه ذلك لم يعتق لأن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة، فإن ما في يد العبد فهو ملك لاسيد والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بعين ملكه.

فقوله "كاتبتك" كناية في العتق فلا بد فيه من لفظ العتق ونيته.

وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر: لا حاجة إلى ذلك لإطلاق قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع.

الثاني: لا تجوز الكتابة عند الشافعي إلا مؤجلة لأن العبد لا يتصور له ملك يؤديه في الحال.

وجوز أبو حنيفة الحلول لإطلاق الآية، ولأنه يجوز العتق على مال في الحال بالاتفاق، فالكتابة ايضاً مثله.

الثالث: قال الشافعي: لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين.

روي ذلك عن علي  وعمر وعثمان وابن عمر.

وذلك أنه عقد إرفاق ومن تمام الإرفاق التنجيم، وجوز أبو حنيفة على نجم واحد لإطلاق الآية وللقياس على سائر العقود.

الرابع: جوز أبو حنيفة كتابة الصبي قال: ويقبل عنه المولى.

وذهب الشافعي إلى أنه يجب أن يكون عاقلاً بالغاً لأنه  قال ﴿ والذين يبتغون ﴾ والصبي لا يتصور منه الطلب.

الخامس: جوز أبو حنيفة أن يكاتب الصبي بإذن الولي وشرط الشافعي كونه مكلفاً مطلقاً، لأن قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ خطاب فلا يتناول إلا العاقل هذا وللمفسرين خلاف في أن قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ أمر إيجاب أو استحباب، فقال قائلون ومنهم عمرو بن دينار وعطاء وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى وجوب الكتابة إذا طلبها المملوك بقيمته أو بأكثر وعلم السيد فيه خيراً، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه وأكدوه بما روي في سبب النزول أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له الصبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فنزلت.

ويروى أن عمر أمر إنساناً بأن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين، فأبى فضربه بالدرة ولم ينكر أحد من الصحابة عليه.

وذهب أكثر العلماء منهم ابن عباس والحسن والشعبي ومالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري إلى أنه ندب لقوله  "لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب من قلبه" ولأن طلب الكتابة كطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة فلا تجب الإجابة، وهذه طريقة المعاوضات أجمع.

قال العلماء: إذا أدى مال الكتابة عتق وكان ولاؤه لمولاه لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له، ومن هنا يكسب مولاه الثواب.

أما قوله ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال عطاء: الخير هو المال كقوله ﴿ إن ترك خيراً  ﴾ قال: بلغني ذلك عن ابن عباس.

وضعف بأنه لا يقال في فلان مال وإنما يقال له أو عنده مال، وبأن العبد لا مال له بل المال لسيده، وعن ابن سيرين: اراد إذا صلى.

وعن النخعي: وفاء وصدقاً.

وقال الحسن: صلاحاً في الدين.

والأقرب أنه شيء يتعلق بالكتابة هكذا فسره الشافعي بالأمانة والقوة على الكسب.

ويروى مثله مرفوعاً إلى النبي  .

وذلك أن مقصود الكتابة لا يحصل إلا بالكسب ثم بالأمانة كيلا يضيع ما يكسبه.

واختلفوا أيضاً في المخاطب بقوله ﴿ وآتوهم ﴾ فعن الحسن والنخعي وابن عباس في رواية عطاء وهو مذهب أبي حنيفة، أنهم المسلمون والمراد أعطوهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، ولا بعد في كون المخاطب في أحد المعطوفين غير الآخر ولا في كون أحد الأمرين للاستحباب والآخر للإيجاب.

والسهم الذي يأخذه المكاتب له صدقة ولسيده عوض كما قاله  في حديث بريرة "هو لها صدقة ولنا هدية" وعن كثير من الصحابة وهو مذهب الشافعي أن المخاطب هو الموالي والأمر أمر إيجاب فيجب عليهم أن يبذلوا للمكاتبين شيئاً من أموالهم، أو يحطوا عنهم جزءاً من مال الكتابة.

ثم اختلفوا في قدره فعن علي  أنه كان يحط الربع ومثله ما روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاماً له فترك ربع مكاتبته وعن ابن عمر أنه كاتب عبداً له بخمسة وثلاثين ألفاً ووضع عنه خمسة آلاف وهو السبع.

والأكثرون على أنه غير مقدر ويحصل الامتثال بأقل متمول.

عن ابن عباس: يضع له من كتابته شيئاً.

وعن عمر أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام، فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمرو وقال: استعن به على مكاتبتك.

فقال: لو أخرته إلى آخر نجم، فقال: أخاف أن لا أدرك ذلك، وهذا الحط عند الأولين على وجه الندب فلا يجبر المولى عليه وأكدوه بما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أنه  قال "أَيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلاّ عشر أواق فهو عبد" فلو كان الحط واجباً لأسقط عنه بقدره، ومثله المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.

وايضاً لو كان الحط واجباً فإن كان معلوماً لزم عتقه إذا بقي ذلك القدر وليس ذلك بالاتفاق، ولو كان مجهولاً لكان ما بقي وهو مال الكتابة مجهولاً فلا تصح الكتابة.

وأيضاً أمر بالإيتاء من مال الله الذي أتاهم ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه يصدر العجز عنه فلا يستحق ذلك المال هذا الوصف فصح أن هذا أمر من الله  بذلك للناس، أولهم وللسادة أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم قال  "من أعان مكاتباً في فك رقبته أظله الله في ظل عرشه" الحكم الثامن: المنع من إكراه الإماء على الزنا: كان لعبد الله بن ابيّ راس النفاق ست جوار: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرهن على البغاء - أي الزنا- فشكت ثنتان منهن معاذة ومسيكة إلى رسول الله  .

وحد الإكراه قد مر في سورة النحل في قوله { ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ والنص وإن كان مختصاً بالإماء إلا أنهم أجمعوا على أن حال الحرائر أيضاً كذلك.

والسؤال المشهور في الآية هو أن المعلق بكلمة أن على الشيء يفهم منه عدمه عند عدم ذلك الشيء فتدل الآية على جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن.

والجواب بعد تسليم أن مفهوم الخطاب حجة هو أن الإكراه مع عدم غرادة التحصن والتعفف مما لا يجتمعان، فهذا المفهوم قد خرج عن كونه دليلاً لامتناعه في ذاته.

وقد يقال: إن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما مر في قوله ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  ﴾ وقيل: "إن" بمعنى "إذ" لأن سبب النزول وارد على ذلك.

قال جار الله: أوثرت كلمة "أن" على "إذ" إيذاناً بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من قبيل الشاذ والنادر.

وللآية مفهوم آخر وهو أن للسادة إكراههن على النكاح وليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها.

و ﴿ عرض الحياة الدنيا ﴾ كسبهن وأولادهن ﴿ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ لهم على الإطلاق أو بشرط التوبة على أصل الأشاعرة والمعتزلة، أو غفور لهن لأن الإكراه قد لا يكون على حد المعتبر في الشرع من التخويف الشديد فتكون آثمة حينئذ.

وحين فرغ من الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث: ألأولى الآيات المبينات أي الموضحات أو الواضحات في معاني الحدود والأحكام وغيرها ولا سيما الآيات التي ثبتت في هذه السورة.

الثانية كونه مثلاً من الذين خلوا أي قصة عجيبة من قصصهم فإن العجب في قصة عائشة ليس باقل من العجب في قصة يوسف ومريم ومااتهما به.

وعن الضحاك أنه أراد بالمثل شبه ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود.

وعن مقاتل: اراد شبيه ما حل بهم من العقاب إذا عصوا.

الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة.

التأويل: لا تدخلوا بيوت عالم القرار التي هي غير بيوتكم من دار القرار حتى تتعرفوا أحوالها ﴿ وتسلموا على أهلها ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ فإن صرتم بحيث فتنتم عن حظوظ الدنيا وشهواتها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بالتصرف فيها بالحق للحق ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ فارجعوا ﴾ ثم أشار إلى أن التصرف في الدنيا لأجل البلاغ وبحسب الضرورة جائز إذا لم تكن النفس تطمئن إليها فقال ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ الاية.

ثم أمر بغض بصر النفس عن مشتهيات الدنيا، وبصر القلب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة، بصر السر عن الدرجات والقربات، وبصر الروح عن الالتفات غلى ما سوى الله، وبصر الهمة عن العلل بأن لا يرى نفسه أهلاً لشهود الحق تنزيهاً له وإجلالاً، ولهذا أمر بحفظ فرج الباطن عن تصرفات الكونين فيه.

ثم أمر النساء بمثل ما أمر به الرجال تنبيهاً على أن النساء بالصورة قد يكن رجالاً في المعنى.

ثم نهى عن إظهار ما زين الله به سرائرهم وأحوالهم إلا ماظهر على صفحات أحوالهم من غير تكلف منهم.

ثم اباح لهم إظهار بعض الأسرار إلى شيوخهن أو إخوانهن في الدين والحال، أو المريدين الذين هم تحت تربيتهم وتصرفهم بمنزلة النساء والمماليك ومن لا خبر عندهم من عالم المعنى كالبله والأطفال، ففيه نفثة مصدور من غير ضرب.

﴿ وتوبوا إلى الله جميعاً ﴾ فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فتوبة المبتدئ من الحرام وتوبة المتوسط من الحلال وتوبة المنتهي مما سوى الله ﴿ وأنكحوا الأيامى ﴾ فيه أمر بطلب شيخ كامل يودع في رحم القلب من صلب الولاية نطفة استعداد قبول الفيض الأعلى وهو الولادة الثانية المستديعة للولوج في ملكوت السماء والأرض، وقد اشار إلى إفاضة هذا الاستعداد بقوله ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وليستعفف ﴾ ليحفظ الذين لا يجدون شيخاً في الحال أرحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى والشيطان حتى يدلهم الله على شيخ كامل كما دل موسى على الخضر  ، أو يخصهم بجذبة ﴿ الله يجتبي  ﴾ ﴿ والذين يبتغون ﴾ فيه أن المريد إذا طلب الخلاص عن قيد الرياضة لزم إجابته إن علم فيه الصلاح ووجب أن يؤتى بعض ما خص الله الشيخ به من المواهب ﴿ ولا تكرهوا ﴾ فيه أن النفس إذا لم تكن مائلة إلى التصرف في الدنيا وإن كان بالحق لم تكره عليه فإن أصحاب الخلوة غير أرباب الجلوة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ الأمر بالإنكاح وإن خرج مخرج أمر واحد في الظاهر فهو في الحقيقة على أقسام: الأمر في تزويج الإماء والعبيد يخرج مخرج الترغيب والتحريض.

وفي الأحرار يخرج مخرج المعونة والتقوية؛ لأن من بلغ ولده النكاح ذكراً أو أنثى استثار أقرباءه، وأهل أنسابه، والمتصلين به في ذلك، واستعانهم على ذلك، ولا كذلك السادات في المماليك؛ دل أن الأمر في أحدهما يخرج على المعونة، وفي الآخر على الترغيب.

ثم تزويج العبد يخرج كأنه فعل المعروف؛ إذ في ذلك إلزام مؤن بلا عوض يحصل له؛ ألا ترى أنه لا يملكه إلا من يملك المعروف من نحو الوصي والأب والمكاتب والعبد المأذون له في التجارة؟

ولا كذلك تزويج الإماء؛ إذ يملك هؤلاء ذلك، وكل مكتسب خير له لنفسه أو لغيره.

ثم جرى الوفاق بينهم: أن للولي أن يزوج أمته شاءت هي أو أبت، واختلفوا في تزويج العبد امرأة: قال بعضهم: [ليس] له ذلك إلا برضاء العبد.

وقال بعضهم: له ذلك شاء أو أبى.

ثم الناس اختلفوا في قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ ﴾ قال بعضهم: الأيامى منهن: الإناث من الأحرار دون الذكور، واستدلوا ببطلان النكاح وفساده إذا كان بغير إذن الولي بهذه الآية؛ لأن الله  أمر الأولياء وخاطبهم أن يزوجوهن؛ كما أمر المولى بتزويج أمته، فأوجب للمولى الولاية كما أوجبها للولي وإن كانا مختلفين في الولاية.

لكن عندنا لو كانت الآية خرجت على التفسير على ما يقول خصومنا ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ ﴾ الإناث - لم يكن فيه دليل على ما قالوا هم، ويخرج ذلك على وجوه: أحدها: على الترغيب في إنكاحهن لما [لا] يتولى هن النكاح بأنفسهن حياء، ويستحيين التكلم بذلك حتى من فعلت ذلك منهم بنفسها صارت مطعونة عندهن.

أو أن يخرج ذلك مخرج المعونة لهن على ما ذكرنا؛ ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله  : "أنه من بلغ ولده النكاح وعنده ما ينكحه فأحدث، فالإثم بينهما" ، فهذا يدل - والله أعلم - على وجه المعونة في تزويج الأب الابن البالغ، فإذا كان الأب مأموراً من جهة التأديب على المعونة بتزويج ابنه، ولا يوجب ذلك عليه ولاية إذا كره ذلك؛ فكذلك يكون مأموراً بتزويج ابنه من طريق المعونة، أو جهة الحياء، أو أن يخرج ذلك على ما قال خصومنا من إيجاب الولاية له عليها.

ثم رأينا أنها إذا رغبت في النكاح ورضيت به وكره وليها ذلك، جبر الولي على الإنكاح، وإن هي كرهت النكاح وأبت، ورغب الولي في ذلك وشاء، لم تجبر هي على ذلك؛ دل ذلك على أن الحق لها عليه دون أن يكون الحق في ذلك له عليها، فإذا كان الحق لها عليه جاز ذلك إذا تولت بنفسها؛ لما ذكرنا أن الخطاب للأولياء يخرج على الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.

هذا إذا كان في الآية ذكر الإناث دون الذكور، فكيف أن ليس في الآية ذكر تخصيص الإناث دون الذكور، واسم "الأيم" يقع على الإناث والذكور جميعاً؛ ألا ترى أنه روي عن عمر -  - قال: "لما نزلت هذه الآية ما رأيت مثل ما يلتمس بعد هذه الآية إنما التمسوا الغناء في الباءة" وما روي عن نجدة: أن عمر دعانا إلى أن ينكح من أيمنا وفي الشعر: لله در بني على أيم منهم وناكح *** وفي بعضها: وأيم تأبى من القوم إيماه.

*** جمع فيها اسم "الأيم": الرجال والنساء.

ومن الدليل - أيضاً - على ذلك قوله: ﴿ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ فدل ذلك على أنه حث على تزويج البالغين من الأحرار رجالهم ونسائهم.

فإن قيل: فما وجه أمره بتزويج الرجال والأمر إليهم؟

فجواب ذلك ما ذكرنا من المعونة، والترغيب فيه.

ثم قوله: ﴿ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: المؤمنين.

وجائز أن يكون الصالحين: من طلب منكم الصلاح والعفة.

أو ذكر الصالحين لما كانت العادة في الملوك أنهم يخاطبون أهل الصلاح منهم والأخيار، لا على إخراج غيرهم من حكم ذلك الخطاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ من الناس من استدل بهذه الآية [على] أن العبد يملك؛ لأنه ذكر العبيد والأحرار جميعاً، ثم ذكر في آخره الغناء دل أنه يملك.

ويستدل بقوله: ﴿ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ أضاف الأجور والإيتاء إليهن؛ دل أنهن يملكن، لكن عندنا أن المماليك يملكون ملك التوسيع، وملك التصرف، ويقع لهم غناء التوسيع وغناء التصرف، ولا يقع لهم التمليك، ولا حقيقة الملك، والدلالة على ذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ  ﴾ لو كان ما ملكت أيمانهم يملكون ما يملك الموالي والسادات لكان المماليك يفضلون على السادات، في الملك؛ إذ هم الذين يتصرفون ويكتسبون الأموال دون السادات، فدل ذكر تفضيل بعض على بعض أنهم لا يملكون ما يملك الموالي.

والثاني قوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ...

﴾ الآية [الزمر: 29]، ولو كانوا يملكون على ما يملك السادات، لكانوا لهم فيه شركاء، دل أنهم لا يملكون حقيقة الملك، ولكن يملكون ملك التوسيع والتصرف.

أو أن يكون قوله: ﴿ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ راجعاً إلى الأحرار منهم دون المماليك، وذلك جائز في اللسان كقوله: [ ] ثم روي عن أبي هريرة -  - عن النبي  قال: "ثلاثة حق على الله  أن يغنيهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء" وعن عمر قال: "ما رأيت مثل الرجل لا يلتمس الغناء في الباءة" والله  يقول: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

وروي في الخبر قال: قال رسول الله  : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ، وروي في الخبر "عن نبي الله  قال لعمر بن الخطاب: ما فعلت ببناتك؟

قال: هن عندي يا رسول الله.

قال: وقد حضن؟

قال: نعم.

قال: إنك لم تحبس واحدة منهن عن كفؤ إلا نقص من أجرك كل يوم قيراط" ، وفي بعض الأخبار: "من بلغ ولده النكاح، وعنده ما ينكحه، فأحدث فالإثم بينهما" وقوله: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ الاستعفاف: هو طلب العفاف؛ كأنه قال: يطلب الأسباب التي تمنعه عن الزنا، وتصيره عفيفاً حتى يغنيه الله من فضله، وأسباب العفة تكون أشياء: أحدها: ما روي عن نبي الله  : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" ونحوه، يطلب أسباب العفة إن لم يكن عنده ما ينكح حتى لا يقع في الزنا إلى أن أغناه الله، كقوله  : "من استعف أعفه الله" وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ﴾ أي: يتعفف الذين لا يجدون نكاحاً، لم يجعل الله - عز وجل - للذي عجز عن النكاح استباحة الفروج والاستمتاع بها زنا إذا لم يكن عنده ما ينكح، كما جعل في الأموال وغيرها - رخصة التناول في ملك غيره عند الحاجة والضرورة ببدل؛ لوجوه: أن رخصة التناول في ملك غيره إنما تكون عند الضرورة، والضرورات لا تقع في الفروج، وفي الاستمتاع بها بحال؛ لذلك لم تبح.

والثاني: الاستمتاع بالنساء في الأصل كأنه إنما جعل وأبيح لبقاء النسل والتوالد، لا لحاجة أنفسهم وقضاء الشهوة، فإذا لم يكن عنده ما ينكح ارتفع عنه إبقاء النسل والتوالد.

والثالث: أن السعة والغناء وأنواع النعم هي الداعية إلى الحاجة، وقضاء الشهوة، فإذا كان فقيراً لا يجد ما ينكح زال عنه الأسباب التي تدعو إلى ذلك؛ لذلك لم يبح، وأما الحاجات والضرورات وما ذكرنا كلها تقع في الأموال، وإنما الحاجة في التناول منها لأنفسهم ولإبقائها؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ وجهان من المعتبر على نقض قول المعتزلة: أحدهما: أنه أضاف الإغناء إلى نفسه، وهو ليس يعطي أحداً شيئا يطرحه ويلقيه في يده بلا سبب، ولكن إنما يغنيه ويعطيه بأسباب تجعل لهم؛ فدل إضافة الإغناء إلى نفسه على أن له في تلك الأسباب التي فيها لهم غناء صنعاً وفعلا، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا صنع لله في أفعال عباده.

والثاني: فيه دلالة: أن غناهم وسعتهم فضل منه ورحمة لا شيء يستوجبون هم بأنفسهم ذلك قبله، لكن إفضالا منه لهم وإحساناً؛ إذ لو كان عليه ذلك كان منه عدلا لا فضلا؛ فدل تسمية الفضل ذلك على أن من أعطاه الله يقال: ذلك أعطاه فضلا منه وإنعاماً لا استيجاباً واستحقاقاً، وذلك رد عليهم في الأصلح في الدين.

ثم من الناس من استدل بهذه الآية بقوله: ﴿ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : حتى يغنيهم الله من فضله على تفضيل الغناء على الفقر قالوا: لأنه سماه فضلا بقوله: ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ وسماه في غير آي من القرآن: رحمة وحسنة، وسماه: خيراً أيضاً في غير موضع، وسمى الفقر والضيق: بلاء مرة، و: سيئة ثانياً، و: ضرّاً و: شدة بقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ وقوله: ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ  ﴾ وغير ذلك من الآيات، وكأن ما سمي من البلاء والشدة والشر والضر والسيئة كله عبارة وكناية عن الضيق والفقر، وما ذكر من الخير والحسنة والرحمة ونحوه، كله عبارة عن السعة والغناء؛ فدل تسمية الغناء خيراً وحسنة ورحمة على أنه أفضل؛ إذ لا شك أن الخير والحسنة والرحمة خير من الشر والسيئة والبلاء؛ لذلك كان الغناء أفضل من الفقر.

فيقال لهم: هو كما قلتم: إنها خير مما ذكرتم، إلا أن هذه الأسباب التي ذكرتم هي الداعية إلى الفساد، الباعثة على قضاء الحاجات، والشهوات، وأنواع المعاصي في أنواع المحرمات، ولا كذلك الفقر والضيق والشدة، بل هي أسباب تمنع صاحبها عن التعاطي في أنواع المعاصي والمحرمات؛ فضلا أن تدعوه وتبعثه إلى ذلك، فقولنا: إن أفضل؛ للمعنى الذي ذكرنا، لا لمعنى فهمتموه أنتم.

أو أن يكون ما ذكر وسُمي: خيراً: السعة عند الناس، وكذلك ما ذكر من الضيق شرّاً وسيئة عندهم؛ لأنه كذلك عند الناس لا أنهما في الحقيقة كذلك؛ لما يحتمل أن يكون الغناء والسعة سبب الفساد، والضيق والفقر سبب منعه عن الفساد.

أو ألا يتكلم في تفضيل أحدهما على الآخر؛ إذ هما محنتان يمتحن بهما العباد: هؤلاء بالصبر على الفقر والضيق، وهؤلاء بشكرهم على الغناء والسعة، فالتكلم في فضل أحدهما على الآخر فضل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ : ظاهر هذا ليس على الكناية، ولكن على الكتاب المعروف وهو كتاب الله -  - لأن الكتاب المطلق هو كتاب الله  ، يسألون ساداتهم تعليم الكتاب لهم، إلا أن الناس لم يفهموا من هذا هذا، ولكن فهموا كتابة العبيد والإماء حيث صرفوا الآية إليها.

ثم قوله: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ ليس على الوجوب والإلزام، ولكن على الترغيب فيها والحث؛ دليله ترك الأمة المماليك بعد موتهم دون مكاتبتهم من لدن رسول الله إلى يومنا هذا، ولو كان على الوجوب واللزوم لم يكونوا يتركون لازماً واجباً عليهم؛ فدل تركهم المكاتبة على أنه خرج مخرج الترغيب عليها، والحث لا على الوجوب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أي: كاتبوهم إن علمتم أنهم يرغبون في أنواع الخير، وإقامة الصلاة، وأنواع الصلاح، وفرغوا أنفسهم لذلك.

قال بعضهم: إن علمتم فيهم خيراً، أي: وفاء وأمانة وصلاحاً، وهو قول الحسن.

وتأويل هذا: أي: كاتبوهم؛ إن علمتم أنهم يقدرون على وفاء ما كوتبوا، وأداء ذلك.

وقال قائلون: ﴿ خَيْراً ﴾ أي: حيلة.

وقال قائلون: مالا.

وقال قائلون: ﴿ خَيْراً ﴾ ، أي: حرفة، ورووا في ذلك خبراً عن رسول الله  مفسرا عن يحيى بن كثير قال: قال رسول الله  : "إن علمتم فيهم خيراً - أي: حرفة - ولا ترسلوهم كلا على الناس" .

إن ثبت هذا لا نحتاج إلى غيره من التفسير، ولو كان قال: إن علمتم لهم خيراً، جاز أن يقال: معنى ﴿ خَيْراً ﴾ مالاً، ولكنه قال: ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ \[الجاه الذي\] والمال لا يكون فيهم، وإنما يكون لهم؛ فأشبه ذلك - والله أعلم - أن يكون الخير حرفة في الخير أو وفاءه، وأمانته، ثم في الآية دلالة أن العبيد لا يملكون شيئاً؛ لأنهم لو كانوا يملكون لكان يرغبهم ويحثهم على العتاق دون الكتابة، فدل ترغيبه إياهم عليها أنهم لا يملكون حتى تجعل الكتابة الكسب لهم والخدمة دون المولى.

وفي الكتابة أيضاً نظر للموالي؛ لأنهم إن قدروا على وفاء ما قبلوا أداءه، وإلا كان للموالي ردهم إلى منافع أنفسهم، ولو كان عتقاً لم يملكوا ردهم إلى منافع أنفسهم، ويبطل حقهم بلا شيء يصل إليهم، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ دلالة القول بعلم العمل على ظاهر الأسباب دون تحقيق العلم به، حيث قال: ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ وإنما يوصل ما ذكر من الخير بأسباب تكون لهم على نحو ما ذكروا فيه من الحرفة والوفاء وأداء الأمانة وأمثاله، وذلك أسباب توصل إلى الخير على أكبر الظن والعلم لا على الحقيقة.

وفيه دلالة العمل بالاجتهاد على ما يرى بهم من ظاهر الأسباب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ ﴾ اختلف في خطابه: قال الحسن وغيره: هو شيء حث الناس عليه مولاه وغيره، فيخرج ذلك على وجهين: أحدهما: ما جعل الله من الحق للمكاتبين في الصدقات؛ لقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَفِي ٱلرِّقَابِ  ﴾ وهم المكاتبون، أمر أرباب الأموال بدفع الصدقات للمكاتبين، وجعلهم أهلا لها، ليستعينوا بها على أداء ما عليهم من الكتابة.

فإن كان ذلك فذلك حق لهم.

والثاني: جائز أن يأمر الناس بمعونة هؤلاء المكاتبين على أداء ما عليهم من الكتابة بأموالهم سوى الصدقات؛ ليفكوا رقابهم عن ذل الرق والكسب.

وقال قائلون: إنما الخطاب للموالي خاصة؛ لما أن أوّل الخطاب بالكتابة راجع إلى الموالي؛ فعلى ذلك هذا.

ثمّ اختلفوا فيه: روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله  عنه - قال: "يترك المولي الثلث من مكاتبته له".

وروي عنه أنه قال: "ربع المكاتبة".

وروي عن عمر -  - أنه كاتب غلاماً له، فحطّ عنه أول نجمه، وقال له: حط عني آخره، فقال عمر: "لعلي لا أصل إليه"، أو كلام نحو هذا، ثم تلا هذه الآية، قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ...

﴾ الآية.

وروي عن غلام لعثمان بن عفان -  - قال: "كاتبني عثمان، ولم يحطّ عني شيئاً"، دل ما روي عن عثمان أنه لم يحط عنه شيئاً على أن الأمر بالإيتاء للمكاتبين من الأموال والحطّ عنهم إنما هو على الاختيار والإفضال ليس على الوجوب واللزوم؛ لأنه لو كان على الوجوب، لكان عثمان بن عفان لا يحتمل ألا يحط عنه شيئاً.

ومن جعل ذلك واجباً على المولى أن يؤتيه من ماله، ويعجله له كان ذلك خارجاً عما روي عن الصحابة - رضوان الله  عليهم أجمعين - خلافاً لهم؛ لأنه روي عن بعضهم الحط عنهم، والوضع دون الإيتاء من ماله.

وروي عن بعضهم: الاستيفاء على الكمال لا حطّ فيه ولا إيتاء؛ دل أن قول من يأمرهم بالإيتاء من أموالهم دون الكتابة خارج عن قولهم جملة.

ثم يبطل ذلك من وجهين: أحدهما: أن من قال لعبده: "إذا أديت إليَّ كذا فأنت حر"، فحط عنه بعض ذلك، فأدّى البقية - لم يعتق حتى يؤدي الكل؛ فدل أن قوله: ﴿ وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ ﴾ ليس على الوجوب، ولكن على الاختيار.

والثاني: أنه لا يسمى بعد الأداء: مكاتبا، وإنما هو حرّ، وإنما ذكر الإيتاء إياهم وهم مكاتبون حيث قال: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَآتُوهُمْ ﴾ ، فلو كان على ما يقوله قوم، لكان ذلك باطلا؛ للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ .

ليس قوله: ﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ بشرط فيه؛ لأنهن لا يكرهن على البغاء وإن لم يردن التحصن، دل أن ذلك ليس بشرط فيه، ولا يمكن الإكراه فيه إذا كن أطعن فيه، لكنه خرج ذلك على ما ذكر في القصة: كانوا يكرهونهن على الزنا ابتغاء المال، وهنّ كنّ يردن التحصن، فخرج الخطاب والنهي على فعلهم، دون أن يكون ذلك شرطاً فيه.

أو أن يكون ذلك إكراهاً إذا كن مطاوعات في ذلك.

وفيه دلالة بطلان المتعة وفسادها؛ لأنهم كانوا يكرهون إماءهم على أن يؤاجروا أنفسهن للزنا ابتغاء الأجر، وليست المتعة إلا كذلك.

وقال أهل التأويل: إن الآية نزلت في نفر من المنافقين عبد الله بن أبي وفلان وفلان كانوا يكرهون فتياتهم على الزنا ابتغاء عرض الدنيا، فإن كان ما ذكروا، ففيه دلالة أن الزنا حرام في الأديان كلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ هذا يحتمل وجهين: [أحدهما:] يرجع إلى الإماء يقول: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهن، وكذلك روي في بعض الحروف أنه قرئ: (فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم).

والثاني: يرجع إلى السادات؛ فإن الله لهم غفور رحيم إذا تابوا، وأصلحوا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بخفض الياء ونصبها، ثم يحتمل أن يكون المراد بالآيات: آيات القرآن جميعاً، وقوله: ﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالخفض، أي: تبين للخلق ما لهم، وما عليهم، وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض.

﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالنصب، أي: مبينات أنها من عند الله.

وجائز أن يكون المراد بالآيات: الحجج والبراهين، فإن كان هذا، فقوله: ﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالخفض، أي: تبين وحدانية الله -  - وعلم رسالة رسوله و ﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالنصب، أي: واضحات بينات أنها حجج وبراهين.

وقوله: ﴿ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: أنزلنا إليكم أيضاً مثل الذين خلوا من قبلكم ما حل بهم، ونزل بالمكذبين من العذاب، وموعظة ما يتعظ المتقون، أو جعل لكم فيما أنزل من الآيات عليكم أمثالا من الذين خلوا من قبلكم؛ لتتعظوا به والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وزوّجوا -أيها المؤمنون- الرجال الذين لا زوجات لهم، والحرائر اللاتي لا أزواج لهنّ، وزوّجوا المؤمنين من عبيدكم ومن إمائكم، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله الواسع، والله واسع الرزق، لا ينقص رزقه إغناء أحد، عليم بأحوال عباده.

<div class="verse-tafsir" id="91.p7A3l"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله