الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ١٦ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( لهم فيها ما يشاءون ) [ أي ] : من الملاذ : من مآكل ومشارب ، وملابس ومساكن ، ومراكب ومناظر ، وغير ذلك ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب أحد .
وهم في ذلك خالدون أبدا دائما سرمدا بلا انقطاع ولا زوال ، ولا انقضاء ، لا يبغون عنها حولا .
وهذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم ، وأحسن به إليهم ، ولهذا قال : ( كان على ربك وعدا مسئولا ) أي لا بد أن يقع وأن يكون ، كما حكاه أبو جعفر بن جرير ، عن بعض علماء العربية أن معنى قوله : ( وعدا مسئولا ) أي : وعدا واجبا .
وقال ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ( كان على ربك وعدا مسئولا ) يقول : سلوا الذي واعدتكم - أو قال : واعدناكم - ننجز .
وقال محمد بن كعب القرظي في قوله : ( كان على ربك وعدا مسئولا ) : إن الملائكة تسأل لهم ذلك : ( ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ) [ غافر : 8 ] .
وقال أبو حازم : إذا كان يوم القيامة قال المؤمنون : ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا ، فأنجز لنا ما وعدتنا .
فذلك قوله : ( وعدا مسئولا ) .
وهذا المقام في هذه السورة من ذكر النار ، ثم التنبيه على حال أهل الجنة ، كما ذكر تعالى في سورة " الصافات " حال أهل الجنة ، وما فيها من النضرة والحبور ، ثم قال : ( أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون ) [ الصافات : 62 - 70 ] .
وقوله: ( لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ) يقول: لهؤلاء المتقين في جنة الخلد التي وعدهموها الله ما يشاءون مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ( خَالِدِينَ ) فيها, يقول: لابثين فيها ماكثين أبدا, لا يزولون عنها ولا يزول عنهم نعيمها.
وقوله: ( كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا ) وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ يقول الله تبارك وتعالى: وكان إعطاء الله المؤمنين جنة الخلد التي وصف صفتها في الآخرة وعدا وعدهم الله على طاعتهم إياه في الدنيا، ومسألتهم إياه ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس ( كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا ) قال: فسألوا الذي وعدهم وتنجزوه.
حدثني يونس.
قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا ) قال: سألوه إياها في الدنيا, طلبوا ذلك فأعطاهم وعدهم إذ سألوه أن يعطيهم، فأعطاهم, فكان ذلك وعدا مسئولا كما وقَّت أرزاق العباد في الأرض قبل أن يخلقهم فجعلها أقواتا للسائلين, وقَّت ذلك على مسألتهم، وقرأ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ .
وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله: ( وَعْدًا مَسْئُولا ) إلى أنه معنيّ به وعدا واجبا, وذلك أن المسئول واجب, وإن لم يُسأل كالدين, ويقول ذلك نظير قول العرب: لأعطينك ألفا وعدا مسئولا بمعنى واجب لك، فتسأله.
قوله تعالى : لهم فيها ما يشاءون أي من النعيم .
خالدين كان على ربك وعدا مسئولا قال الكلبي : وعد الله المؤمنين الجنة جزاء على أعمالهم ، فسألوه ذلك الوعد فقالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك .
وهو معنى قول ابن عباس .
وقيل : إن الملائكة تسأل لهم الجنة ; دليله قوله تعالى : ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم الآية .
وهذا قول محمد بن كعب القرظي .
وقيل : معنى وعدا مسئولا أي واجبا وإن لم يكن يسأل كالدين ; حكي عن العرب : لأعطينك ألفا .
وقيل : وعدا مسئولا يعني أنه واجب لك فتسأله .
وقال زيد بن أسلم : سألوا الله الجنة في الدنيا ورغبوا إليه بالدعاء ، فأجابهم في الآخرة إلى ما سألوا وأعطاهم ما طلبوا .
وهذا يرجع إلى القول الأول .
{ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } أي: يطلبون وتتعلق بهم أمانيهم ومشيئتهم، من المطاعم والمشارب اللذيذة والملابس الفاخرة والنساء الجميلات والقصور العاليات والجنات والحدائق المرجحنة والفواكه التي تسر ناظريها وآكليها، من حسنها وتنوعها وكثرة أصنافها والأنهار التي تجري في رياض الجنة وبساتينها، حيث شاءوا يصرفونها ويفجرونها أنهارا من ماء غير آسن وأنهارا من لبن لم يتغير طعمه وأنهارا من خمر لذة للشاربين وأنهارا من عسل مصفى وروائح طيبة، ومساكن مزخرفة، وأصوات شجية تأخذ من حسنها بالقلوب ومزاورة الإخوان، والتمتع بلقاء الأحباب، وأعلى من ذلك كله التمتع بالنظر إلى وجه الرب الرحيم وسماع كلامه، والحظوة بقربه والسعادة برضاه والأمن من سخطه واستمرار هذا النعيم ودوامه وزيادته على ممر الأوقات وتعاقب الآنات { كَانَ } دخولها والوصول إليها { عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا } يسأله إياها، عباده المتقون بلسان حالهم ولسان مقالهم، فأي الدارين المذكورتين خير وأولى بالإيثار؟
وأي: العاملين عمال دار الشقاء أو عمال دار السعادة أولى بالفضل والعقل والفخر يا أولي الألباب؟
لقد وضح الحق واستنار السبيل فلم يبق للمفرط عذر في تركه الدليل، فنرجوك يا من قضيت على أقوام بالشقاء وأقوام بالسعادة أن تجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة، ونستغيث بك اللهم من حالة الأشقياء ونسألك المعافاة منها.
( لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا ) مطلوبا ، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ( آل عمران - 194 ) ، يقول : كان أعطى الله المؤمنين جنة خلد وعدا ، وعدهم على طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك .
قال محمد بن كعب القرظي : الطلب من الملائكة للمؤمنين وذلك قولهم : ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ( غافر - 8 ) .
)
«لهم فيها ما يشاءُون خالدين» حال لازمة «كان» وعدهم ما ذكر «على ربك وعدا مسؤولا» يسأله من وعد به (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) أو تسأله لهم الملائكة (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم).
لهؤلاء المطيعين في الجنة ما يشتهون من ملاذِّ النعيم، متاعهم فيه دائم، كان دخولهم إياها على ربك - أيها الرسول - وعدًا مسؤولا يسأله عباد الله المتقون، والله لا يخلف وعده.
( لَّهُمْ فِيهَا ) فى تلك الجنة ( مَا يَشَآءُونَ ) أى : ما يشاءونه من خيرات وملذات حالمة كونهم ( خَالِدِينَ ) فيها خلودا أبديا .( كَانَ على رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً ) أى : كان ذلك العطاء الكريم الذى تفضلنا به على عبادنا المتقين ووعدناهم به ، من حقهم أن يسألونا تحقيقه لعظمه وسمو منزلته ، كما قال - تعالى - حكاية عنهم فى آية أخرى ( رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد ) وعلى هذا المعنى يكون قولا ( مَّسْئُولاً ) بمعنى جديرا أن يسأل عنه المؤمنون لعظم شأنه .ويجوز أن يكون السائلون عنه الملائكة ، كما فى قوله - تعالى - : ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ .
.
) ويرى بعضهم أن المعنى ، كان ذلك العطاء للمؤمنين وعدا منا لهم ، ونحن بفضلنا وكرمنا سننفذ هذا الوعد ، قال - تعالى - : ( وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ .
.
.
) هذا ، وقد تكلم العلماء هنا عن المراد بلفظ " خير " فى قوله - تعالى - ( قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد ) وقالوا : إن هذا اللفظ صيغة تفضيل ، والمفضل عليه هنا وهو العذاب لا خير فيه البته ، فكيف عبر - سبحانه - بلفظ خير؟وقد أجابوا عن ذلك بأن المفاضلة هنا غير مقصودة ، وإنما المقصود هو التهكم بهؤلاء الكافرين الذين آثروا الضلالة على الهداية ، واستحبوا الكفر على الإيمان .قال أبو حيان - رحمه الله - : و " خير " هنا ليست تدل على الأفضلية ، بل هى على ما جرت به عادة العرب فى بيان فضل الشىء ، وخصوصيته بالفضل دون مقابلة .
كقول الشاعر : فشر كما لخير كما الفداء .
.
.
وكقول العرب : الشقاء أحب إليك أم السعادو .
وكقوله - تعالى - حكاية عن يوسف - عليه السلام - : ( رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ ) .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما وصف حال العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة، فقال لرسوله: ﴿ قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد ﴾ أن يلتمسوها بالتصديق والطاعة، فإن قيل: كيف يقال العذاب خير أم جنة الخلد، وهل يجوز أن يقول العاقل السكر أحلى أم الصبر؟
قلنا هذا يحسن في معرض التفريع، كما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فيضربه ضرباً وجيعاً، ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله: ﴿ وُعِدَ المتقون ﴾ على أن الثواب غير واجب على الله تعالى، لأن من قال السلطان وعد فلاناً أن يعطيه كذا، فإنه يحمل ذلك على التفضيل، فأما لو كان ذلك الإعطاء واجباً لا يقال إنه وعده به، أما المعتزلة فقد احتجوا به أيضاً على مذهبهم قالوا لأنه سبحانه أثبت ذلك الوعد للموصوفين بصفة التقوى، وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فكذا يدل هذا على أن ذلك الوعد إنما حصل معللاً بصفة التقوى، والتفضيل غير مختص بالمتقين فوجب أن يكون المختص بهم واجباً.
المسألة الثالثة: قال أبو مسلم: جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء، كالشكر والشكور قال الله تعالى: ﴿ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً ﴾ فإن قيل: الجنة اسم لدار الثواب وهي مخلدة فأي فائدة في قوله: ﴿ جَنَّةُ الخلد ﴾ ؟
قلنا الإضافة قد تكون للتمييز وقد تكون لبيان صفة الكمال، كما يقال الله الخالق البارئ، وما هنا من هذا الباب.
أما قوله: ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المعتزلة احتجوا بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين: الأول: أن اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق، فأما الوعد بمحض التفضيل فإنه لا يسمى جزاء، والثاني: لو كان المراد من الجزاء الأمر الذي يصيرون إليه بمجرد الوعد فحينئذ لا يبقى بين قوله: ﴿ جَزَاء ﴾ وبين قوله: ﴿ مَصِيراً ﴾ تفاوت فيصير ذلك تكراراً من غير فائدة.
قال أصحابنا رحمهم الله لا نزاع في كونه ﴿ جَزَاء ﴾ ، إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق، وليس في الآية ما يدل على التعيين.
المسألة الثانية: قالت المعتزلة الآية تدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة من وجهين: الأول: أن صاحب الكبيرة يستحق العقاب فوجب أن لا يكون مستحقاً للثواب، لأن الثواب هو النفع الدائم الخالص عن شوب الضرر، والعقاب هو الضرر الدائم الخالص عن شوب النفع، والجمع بينهما محال، وما كان ممتنع الوجود امتنع أن يحصل استحقاقه، فإذن متى ثبت استحقاق العقاب وجب أن يزول استحقاق الثواب فنقول: لو عفا الله عن صاحب الكبيرة لكان إما أن يخرجه من النار ولا يدخله الجنة، وذلك باطل بالإجماع لأنهم أجمعوا على أن المكلفين يوم القيامة، إما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار، لأنه تعالى قال: ﴿ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ﴾ وإما أن يخرجه من النار ويدخله الجنة وذلك باطل لأن الجنة حق المتقين لقوله تعالى: ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً ﴾ فجعل الجنة لهم ومختصة بهم وبين أنها إنما كانت لهم لكونها جزاء لهم على أعمالهم فكانت حقاً لهم، وإعطاء حق الإنسان لغيره لا يجوز، ولما بطلت الأقسام ثبت أن العفو غير جائز أجاب أصحابنا لم لا يجوز أن يقال: المتقون يرضون بإدخال الله أهل العفو في الجنة؟
فحينئذ لا يمتنع دخولهم فيها، الوجه الثاني: قالوا: المتقي في عرف الشرع مختص بمن اتقى الكفر والكبائر، وإن اختلفنا في أن صاحب الكبيرة هل يسمى مؤمناً أم لا، لكنا اتفقنا على أنه لا يسمى متقياً، ثم قال في وصف الجنة إنها كانت لهم جزاء ومصيراً وهذا للحصر، والمعنى أنها مصير للمتقين لا لغيرهم، وإذا كان كذلك وجب أن لا يدخلها صاحب الكبيرة، قلنا أقصى ما في الباب أن هذا العموم صريح في الوعيد فتخصه بآيات الوعد.
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيراً، لكنها بعد ما صارت كذلك، فلم قال الله تعالى: ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً ﴾ ؟
جوابه من وجهين: الأول: أن ما وعد الله فهو في تحققه كأنه قد كان والثاني: أنه كان مكتوباً في اللوح قبل أن يخلقهم الله تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم.
أما قوله تعالى: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ خالدين ﴾ فهو نظير قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لابد وأن يريدوها، فإذا سألوها ربهم، فإن أعطاهم إياها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ ﴾ وأيضاً فالأب إذا كان ولده في درجات النيران وأشد العذاب إذا اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب فلابد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه، فإن فعل الله تعالى ذلك قدح في أن عذاب الكافر مخلد، وإن لم يفعل قدح ذلك في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ﴾ وفي قوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ ﴾ وجوابه: أن الله تعالى يزيل ذلك الخاطر عن قلوب أهل الجنة بل يكون اشتغال كل واحد منهم بما فيه من اللذات شاغلاً عن الالتفات إلى حال غيره.
المسألة الثانية: شرط نعيم الجنة أن يكون دائماً، إذ لو انقطع لكان مشوباً بضرب من الغم ولذلك قال المتنبي: أشد الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ولذلك اعتبر الخلود فيه فقال: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ خالدين ﴾ .
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ ﴾ كالتنبيه على أن حصول المرادات بأسرها لا يكون إلا في الجنة فأما في غيرها فلا يحصل ذلك، بل لابد في الدنيا من أن تكون راحاتها مشوبة بالجراحات، ولذلك قال عليه السلام: «من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق»، فقيل وما هو يا رسول الله؟
فقال: «سرور يوم».
أما قوله: ﴿ كَانَ على رَبّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: كلمة (على) للوجوب قال عليه السلام: «من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى» فقوله: ﴿ كَانَ على رَبِّكَ ﴾ يفيد أن ذلك واجب على الله تعالى، والواجب هو الذي لو لم يفعل لاستحق تاركه بفعله الذم، أو أنه الذي يكون عدمه ممتنعاً، فإن كان الوجوب على التفسير الأول كان تركه محالاً، لأن تركه لما استلزم استحقاق الذم واستحقاق الله تعالى الذم محال، ومستلزم المحال محال كان ذلك الترك محالاً والمحال غير مقدور، فلم يكن الله تعالى قادراً على أن لا يفعل فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل، وإن كان الوجوب على التفسير الثاني وهو أن يقال الواجب ما يكون عدمه ممتنعاً يكون القول بالإلجاء لازماً، فلم يكن الله قادراً، فإن قيل إنه ثبت بحكم الوعد، فنقول لو لم يفعل لانقلب خبره الصدق كذباً وعلمه جهلاً وذلك محال، والمؤدي إلى المحال محال فالترك محال فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل والملجأ إلى الفعل لا يكون قادراً، ولا يكون مستحقاً للثناء والمدح، تمام السؤال وجوابه: أن فعل الشيء متقدم على الإخبار عن فعله وعن العلم بفعله، فيكون ذلك الفعل فعلاً لا على سبيل الإلجاء، فكان قادراً ومستحقاً للثناء والمدح.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَعْداً ﴾ يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق وقد تقدم تقريره.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مَسْؤُولاً ﴾ ذكروا فيه وجوهاً أحدها: أن المكلفين سألوه بقولهم: ﴿ رَبَّنَا وآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ ﴾ .
وثانيها: أن المكلفين سألوه بلسان الحال لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعته كان ذلك قائماً مقام السؤال، قال المتنبي: وفي النفس حاجات وفيك فطانة *** سكوتي كلام عندها وخطاب وثالثها: الملائكة سألوا الله تعالى ذلك بقولهم: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ ﴾ .
ورابعها: ﴿ وَعْداً مَسْؤُولاً ﴾ أي واجباً، يقال لأعطينك ألفاً وعداً مسؤولاً أي واجباً وإن لم تسأل، قال الفراء.
وسائر الوجوه أقرب من هذا لأن سائر الوجوه أقرب إلى الحقيقة، وما قاله الفراء مجاز.
وخامسها: مسؤولاً أي من حقه أن يكون مسؤولاً لأنه حق واجب، إما بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة.
<div class="verse-tafsir"
الراجح إلى الموصولين محذوف، يعني: وعدها المتقون وما يشاؤونه.
وإنما قيل: كانت، لأن ما وعده الله وحده فهو في تحققه كأنه قد كان.
أو كان مكتوباً في اللوح قبل أن برأهم بأزمنة متطاولة: أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً ﴾ ؟
قلت: هو كقوله: ﴿ نِعْمَ الثواب وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ [الكهف: 31] فمدح الثواب ومكانه، كما قال: ﴿ بِئْسَ الشراب وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 29] قدّم العقاب ومكانه لأنّ النعيم لا يتمّ للمتنعم إلاّ بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة، وأن لا تنغص، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع وضيقه وظلمته وجمعه لأسباب الاجتواء والكراهة، فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء.
والضمير في ﴿ كَانَ ﴾ لما يشاؤون.
والوعد: الموعود، أي: كان ذلك موعوداً واجباً على ربك إنجازه، حقيقاً أن يسئل ويطلب، لأنه جزاء وأجر مستحق.
وقيل: قد سأله الناس والملائكة في دعواتهم: ﴿ رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ ﴾ [آل عمران: 194] ، ﴿ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة حَسَنَةً ﴾ [البقرة: 201] ، ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ ﴾ [غافر: 8] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ الإشارَةُ إلى العَذابِ والِاسْتِفْهامُ والتَّفْضِيلُ والتَّرْدِيدُ لِلتَّقْرِيعِ مَعَ التَّهَكُّمِ أوْ إلى الـ ( كَنْزٌ ) والـ ( جَنَّةُ )، والرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ وإضافَةُ الـ ( جَنَّةُ ) إلى ( الخُلْدِ ) لِلْمَدْحِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى خُلُودِها، أوِ التَّمْيِيزِ عَنْ جَنّاتِ الدُّنْيا.
﴿ كانَتْ لَهُمْ ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ أوِ اللَّوْحِ، أوْ لِأنَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى في تَحَقُّقِهِ كالواقِعِ.
﴿ جَزاءً ﴾ عَلى أعْمالِهِمْ بِالوَعْدِ.
﴿ وَمَصِيرًا ﴾ يَنْقَلِبُونَ إلَيْهِ، ولا يَمْنَعُ كَوْنُها جَزاءً لَهم أنْ يَتَفَضَّلَ بِها عَلى غَيْرِهِمْ بِرِضاهم مَعَ جَوازِ أنْ يُرادَ بِالمُتَّقِينَ مَن يَتَّقِي الكُفْرَ والتَّكْذِيبَ لِأنَّهم في مُقابَلَتِهِمْ.
﴿ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ ﴾ ما يَشاءُونَهُ مِنَ النَّعِيمِ، ولَعَلَّهُ تَقْصُرُ هِمَمُ كُلِّ طائِفَةٍ عَلى ما يَلِيقُ بِرُتْبَتِهِ إذِ الظّاهِرُ أنَّ النّاقِصَ لا يُدْرِكُ شَأْوَ الكامِلِ بِالتَّشَهِّي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ المُراداتِ لا تَحْصُلُ إلّا في الجَنَّةِ.
﴿ خالِدِينَ ﴾ حالٌ مِن أحَدِ ضَمائِرِهِمْ.
﴿ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا ﴾ الضَّمِيرُ في كانَ لِـ ( ما يَشاءُونَ ) والوَعْدُ المَوْعُودُ أيْ: كانَ ذَلِكَ مَوْعُودًا حَقِيقًا بِأنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ، أوْ مَسْؤُولًا سَألَهُ النّاسُ في دُعائِهِمْ ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ .
أوِ المَلائِكَةُ بِقَوْلِهِمْ ﴿ رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ ﴾ ، وما في ( عَلى ) مِن مَعْنى الوُجُوبِ لِامْتِناعِ الخُلْفِ في وعْدِهِ تَعالى ولا يَلْزَمُ مِنهُ الإلْجاءُ إلى الإنْجازِ، فَإنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِالوُعُودِ مُقَدَّمٌ عَلى الوَعْدِ المُوجِبِ لِلْإنْجازِ.
<div class="verse-tafsir"
{لهم فيها ما يشاؤون} أى ما يشاءونه {خالدين} حال من الضمير فى يشاءون والضمير فى {كان} لما يشاءون {على ربك وعدا} أى موعودا {مسؤولا} مطلوباً أو حقيقاً أن يسأل أو قد سأله المؤمنون والملائكة فى دعواتهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة رَبَّنَا
وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ
﴿ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ ﴾ قِيلَ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبِلَهُ حَيْثُ أفادَ أنَّ الجَنَّةَ مَسْكَنٌ لَهم والسّاكِنُ في دارٍ يَحْتاجُ إلى أشْياءَ كَثِيرَةً لِتَطِيبَ نَفْسُهُ بِسُكْناها فَكَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: ما لَهم إذا صارُوا إلَيْها وسَكَنُوا فِيها؟
فَقِيلَ لَهم فِيها ما يَشاؤُونَ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ المُتَّقُونَ ﴾ وما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ أوِ العائِدُ مَحْذُوفٌ ( ولَهم ) خَبَرُهُ ( وفِيها ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ أيْ كائِنٍ لَهم فِيها الَّذِي يَشاؤُونَهُ مِن فُنُونِ المَلاذِ والمُشْتَهِياتِ وأنْواعِ النَّعِيمِ الرُّوحانِيِّ والجُسْمانِيِّ، ولَعَلَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم يَقْتَنِعُ بِما أُبِيحَ لَهُ مِن دَرَجاتِ النَّعِيمِ ويَرى ما هو فِيهِ ألَذُّ الأشْياءِ ولا تَمْتَدُّ أعْناقُ هِمَمِهِمْ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ المَراتِبِ العالِيَةِ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ ما يَخْطُرُ طَلَبُهُ ولا يَتَأتّى لَهُ فَلا يَشاءُ آحادُ المُؤْمِنِينَ رُتْبَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَتَعَرَّضُونَ لِلشَّفاعَةِ لِمَن كُتِبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ في النّارِ مَثَلًا فَلا يَلْزَمُ الحِرْمانَ ولا تَساوِي مَراتِبِ أهْلِ الجِنانِ، وعَلى ضِدِّ هَؤُلاءِ فِيما ذَكَرَ أهْلُ النّارِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ فِيهِمْ: ﴿ وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ﴾ .
﴿ خالِدِينَ ﴾ حالَ مِن أحَدِ ضَمائِرِهِمْ عَلى ما قِيلَ وظاهِرُهُ عَدَمُ التَّرْجِيحِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: جَعَلَهُ حالًا مِنَ الأوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَها حالًا مُقَدَّرَةً ومِنَ الثّالِثِ يُوهِمُ تَقْيِيدَ المَشِيئَةِ بِها فَخَيْرُ الأُمُورِ أوْسَطُها، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ الثّالِثَ لِقُرْبِهِ والتَّقْيِيدُ غَيْرُ مُخِلٍّ بَلْ مُهِمٌّ، وجَوَّزَ كَوْنَها حالًا مِنَ المُتَّقِينَ ولا يَخْفى حالُهُ، ولِبَعْضِ الأجِلَّةِ هاهُنا كَلامٌ فِيهِ بَحْثٌ ذَكَرَهُ الحِمَصِيُّ في حَواشِي التَّصْرِيحِ فَلْيُراجَعْ ﴿ كانَ ﴾ أيِ الوَعْدِ بِما ذَكَرَ أوِ المَوْعُودُ المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ فَيَشْمَلُ الوَعْدَ بِالجَنَّةِ وبِحُصُولِ ما يَشاؤُونَ لَهم فِيها وبِالخُلُودِ عَلى الأوَّلِ والجَنَّةِ وحُصُولُ المُرادّاتِ والخُلُودُ المَوْعُودُ بِها عَلى الثّانِي، وقالَ بَعْضُهُمُ: الضَّمِيرُ لِلْخُلُودِ، وآخَرُ لِحُصُولِ ما يَشاؤُونَ لَهم فِيها أوَّلُهُ ولِكَوْنِ الجَنَّةِ جَزاءً ومَصِيرًا، والإفْرادُ بِاعْتِبارِ ما ذَكَرَ ويُغْنِي عَنْهُ ما سَمِعْتَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لَما يَشاؤُونَ وهو اسْمُ كانَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى رَبِّكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِها أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وعْدًا ﴾ وهو خَبَرُها، ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَ الجارِّ بِهِ سَواءً كانَ باقِيًا عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ أوْ مُؤَوَّلًا باسِمِ المَفْعُولِ أيْ مَوْعُودًا لِما عَلِمْتَ مِنَ الخِلافِ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ بِناءً عَلى مَنعِ تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُؤَوَّلًا بِغَيْرِهِ أوْ كانَ المُقَدَّمُ ظَرْفًا وفِيهِ خِلافٌ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ عَلى رَبِّكَ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ هو الخَبَرُ ( ووَعْدًا ) مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا، والأظْهَرُ أنْ يَجْعَلَ هو الخَبَرُ أيْ كانَ ذَلِكَ وعْدًا أوْ مَوْعُودًا ﴿ مَسْؤُولا ﴾ أيْ حَقِيقِيًّا أنْ يَسْألَ ويُطْلَبَ لِكَوْنِهِ مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ أوْ سَبَبًا لِحُصُولِ ذَلِكَ فَمَسْؤُولِيَّتِهِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ أمْرًا عَظِيمًا ويَجُوزُ أنْ يُرادَ كَوْنَ المَوْعُودِ مَسْؤُولًا حَقِيقَةٍ بِمَعْنى يَسْألُهُ النّاسُ في دُعائِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ أبِي هِلالٍ: سَمِعْتُ أبا حازِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ المُؤْمِنُونَ: رَبَّنا عَمَلْنا لَكَ بِما أمَرْتَنا فانْجُزْ لَنا ما وعَدَتْنا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وعْدًا مَسْؤُولا ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ هَذا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِتَسْألَ ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ ﴾ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ والإشْعارُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الفائِزُ بِمَغانِمِ الوَعْدِ الكَرِيمِ.
واسْتَشْكَلَتِ الآيَةُ عَلى مَذْهَبِ الإشارَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى لِمَكانِ «عَلى» وعِنْدَهم لا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ لِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ سَلْبِ الِاخْتِيارِ وعَدَمِ اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الوُجُوبَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ وُجُوبٌ بِمُقْتَضى الوَعْدِ والمُمْتَنِعُ إيجابُ الإلْجاءِ والقَسْرُ مِن خارِجٍ لِأنَّهُ السّالِبُ لِلِاخْتِيارِ المُوجِبِ لِلْمُفْسِدَةِ دُونَ إيجابِهِ تَعالى عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا بِمُقْتَضى وعْدِهِ وكَرَمِهِ فَإنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالإرادَةِ والوُجُوبُ النّاشِئِ مِنَ الإرادَةِ لا يُنافِي الِاخْتِيارَ، وهَذا ظاهِرٌ إذا كانَ الوَعْدُ حادِثًا وأمّا إذا كانَ قَدِيمًا فالسّابِقِيَّةُ والمَسْبُوقِيَّةُ بِحَسْبِ الذّاتِ وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الحُدُوثَ، أوْ يُقالُ: الحادِثُ بِالإرادَةِ تَعَلُّقُهُ بِالمَوْعُودِ بِهِ فافْهَمْ.
<div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى للنبي : قُلْ يا محمد لكفار مكة أَذلِكَ خَيْرٌ يعني: هذا الذي وصف من العذاب خير أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ فإن قيل: كيف يقال خير وليس في النار خير؟
قيل له: قد يقال على وجه المجاز، وإن لم يكن فيه خير، والعرب تقول: العافية خير من البلاء، وإنما خاطبهم بما يتعارفون في كلامهم الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ يعني: الذين يتقون الشرك والكبائر.
كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً يعني: جزاء بأعمالهم الحسنة ومرجعاً إليها.
ثم قال عز وجل: لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ يعني: يحبون خالِدِينَ أي: دائمين في الجنة كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً منه في الدنيا مَسْؤُلًا يسأله المتقون.
ويقال مَسْؤُلًا يسأل لهم الملائكة عليهم السلام، وهو قوله عز وجل: رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ [غافر: 8] ويقال: وعدوا على لسان رسلهم، وقد سألوا الله عز وجل ذلك، وهو قوله: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ويقال: وعداً لا خلف فيه لمن سأله.
<div class="verse-tafsir"
ما جاؤوا إلاَّ إثماً وزوراً، أي: ما قالوا إلاَّ باطلاً وبُهْتَاناً قال البخاريُّ «١» : تُمْلى عَلَيْهِ تقرأ عليه من أمليت وأمللت، انتهى.
ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقول: إنَّ الذي أنزله هو الذي يعلم سِرَّ جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة الشيخ العارف بالله، سيدي عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : ولما كان المرادُ مِنَّا بمُقْتَضَى الحكمة الرَّبَانِيَّةِ العبادَةُ ودوامُهَا ولذلك خُلِقْنَا كما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، يعني:
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الآية [الذاريات: ٥٦] .
وهو عزل وجل غَنِيٌّ عن عبادتنا وعن كل شيء لكن الحكمة اقتضته لأَمرٍ لا يعلمه إلاَّ هو كما قال الله عز وجل:
الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: الذي يعلم الحكمةَ في خلقها وكذلك في خلقنا وخلق جميع المخلوقات، انتهى.
/ وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ...
الآية: المعنى عندهم: أنّ من كان ٤٢ ب رسولاً فهو مُسْتَغْنٍ عن الأكل والمشي في الأسواق، ومُحَاجَّتُهُمْ بهذا مذكورة في السِّيَرِ، ثم أَخبر تعالى عن كفَّارِ قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أَنَّهم قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي: قد سُحِرَ، ثُمَّ نَبَّهَ تعالى نِبَيَّهُ مُسَلِّياً له عن مقالتهم فقال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ...
الآية، والقصور التي في هذه الآية تَأَوَّلَهَا الثعلبيُّ وغيره أَنَّها في الدنيا، والقصور هي البيوتُ المبنية بالجدرات، لأَنَّها قصرت عن الداخلين والمستأذنين، وباقي الآية بيّن، والضمير في رَأَتْهُمْ لجهنم.
قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: السَّعِيرَ ﴿ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ ﴾ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، لا عَلى أنَّ في السَّعِيرِ خَيْرًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ وقَعَ التَّساوِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ في أنَّهُما مَنزِلانِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَّفْضِيلُ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَتْ لَهم جَزاءً ﴾ أيْ: ثَوابًا ﴿ وَمَصِيرًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ عَلى رَبِّكَ ﴾ المُشارُ إلَيْهِ، إمّا الدُّخُولُ وإمّا الخُلُودُ ﴿ وَعْدًا ﴾ وعَدَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ.
وَفِي مَعْنى مَسْؤُولًا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَطْلُوبًا.
وفي الطّالِبِ لَهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، سَألُوا اللَّهَ في الدُّنْيا إنْجازَ ما وعَدَهم [بِهِ] .
والثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ سَألَتْهُ ذَلِكَ لَهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ ﴾ .
والثّانِي: أنَّ مَعْنى المَسْؤُولِ: الواجِبُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا ﴾ ﴿ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ هم بِسَبِيلِ مَصِيرٍ إلى هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ النارِ: ﴿ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ ﴾ ؟
وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، ومِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا جازَ فِيهِ مَجِيءُ لَفْظِ التَفْضِيلِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ المُوقِفَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُوقِفَ مُحاوِرَهُ عَلى ما يَشاءُ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ بِالصَوابِ أو بِالخَطَإ، وإنَّما يَمْنَعُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ التَفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا اشْتِراكَ بَيْنَهُما في المَعْنى الَّذِي فِيهِ تَفْضِيلٌ إذا كانَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ فِيهِ مُخالَفَةٌ، وأمّا إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَذَلِكَ سائِغٌ.
وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" إلى الجَنّاتِ الَّتِي تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وإلى القُصُورِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ ﴾ ، هَذا عَلى أنْ يَكُونَ الجَعْلُ في الدُنْيا، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" إلى الكَنْزِ والجَنَّةِ الَّتِي ذَكَرَ الكُفّارُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصَحُّ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" إلى النارِ، كَما شَرَحْناهُ آنِفًا.
و "المُتَّقُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: مَنِ اتَّقى الشِرْكَ، فَإنَّهُ داخِلٌ في الوَعْدِ، ثُمْ تَبْقى المَنازِلُ في الوَعْدِ بِحَسَبِ تَقْوى المَعاصِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدًا مَسْؤُولا ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما -وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ - أنَّهُ مَسْؤُولٌ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ سَألُوهُ أو يَسْألُونَهُ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ سَألَتِ اللهَ تَعالى تَنْعِيمَ المُتَّقِينَ فَوَعَدَهم بِذَلِكَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو قَوْلُ المَلائِكَةِ، وتَلا ﴿ وَأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ ﴾ ، والمَعْنى الثانِي ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ: أنْ يُرِيدَ وعْدًا واجِبًا قَدْ حَتَّمَهُ، فَهو لِذَلِكَ مُعَدٌّ أنْ يُسْألَ ويَقْتَضِي، ولَيْسَ يَتَضَمَّنُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ أحَدًا سَألَ الوَعْدَ المَذْكُورَ.
<div class="verse-tafsir"
الأمر بالقول يقتضي مخاطباً مقولاً له ذلك: فيجوز أن يقصد: قل لهم، أي للمشركين الذين يسمعون الوعيد والتهديد السابق: «أذلك خير أم الجنة»؟
فالجمل متصلة السياق، والاستفهام حينئذٍ للتهكم إذ لا شبهة في كون الجنة الموصوفة خيراً.
ويجوز أن يقصد: قل للمؤمنين، فالجملة معترضة بين آيات الوعيد لمناسبة إبداء البون بين حال المشركين وحال المؤمنين، والاستفهام حينئذٍ مستعمل في التلميح والتلطف.
وهذا كقوله: ﴿ أذلك خيرٌ نُزُلاً أم شجرةُ الزقوم ﴾ في سورة الصافات (62).
والإشارة إلى المكان الضيق في جهنم.
و ﴿ خير ﴾ اسم تفضيل، وأصله (أخير) بوزن اسم التفضيل فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال.
والتفضيل على المحمل الأول في موقع الآية مستعمل للتهكم بالمشركين.
وعلى المحمل الثاني مستعمل للتلميح في خطاب المؤمنين وإظهار المنة عليهم.
ووصف الموعودين بأنهم متقون على المحمل الأول جار على مقتضى الظاهر، وعلى المحمل الثاني جار على خلاف مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير الخطاب، فوجه العدول إلى الإظهار ما يفيده ﴿ المتقون ﴾ من العموم للمخاطبين ومن يجيء بعدهم.
وجملة: ﴿ كانت لهم جزاء ومصيراً ﴾ تذييل لجملة: ﴿ جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ لما فيها من التنويه بشأن الجنة بتنكير ﴿ جزاء ومصيراً ﴾ مع الإيماء إلى أنهم وعدوا بها وعد مجازاة على نحو قوله تعالى: ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقاً ﴾ [الكهف: 31] وقوله: ﴿ بئس الشراب وساءت مرتفقاً ﴾ في سورة الكهف (31 29).
وجملة: لهم فيها ما يشاؤون } ، حال من ﴿ جنة الخلد ﴾ أو صفة ثانية.
وجملة: ﴿ كان على ربك وعداً مسئولاً ﴾ حال ثانية والرابط محذوف إذ التقدير: وعداً لهم.
والضمير المستتر في: ﴿ كان على ربك وعداً ﴾ عائد إما إلى الوعد المفهوم من قوله: ﴿ التي وعد المتقون ﴾ ، أي كان الوعد وعداً مسؤولاً وأخبر عن الوعد ب ﴿ وعداً ﴾ وهو عينه ليبنى عليه ﴿ مسئولاً ﴾ .
ويجوز أن يعود الضمير إلى ﴿ ما يشاءون ﴾ والإخبار عنه ب ﴿ وعداً ﴾ من الإخبار بالمصدر والمراد المفعول كالخلق بمعنى المخلوق.
ويتعلق: ﴿ على ربك ﴾ ب ﴿ وعداً ﴾ لتضمين ﴿ وعداً ﴾ معنى (حقّاً) لإفادة أنه ﴿ وعداً ﴾ لا يخلف كقوله تعالى ﴿ وعداً علينا إنا كنا فاعلين ﴾ [الأنبياء: 104].
والمسؤول: الذي يسأله مستحقه ويطالب به، أي حقّاً للمتقين أن يترقبوا حصوله كأنه أجر لهم عن عمل.
وهذا مسوق مساق المبالغة في تحقيق الوعد والكرم كما يشكرك شاكر على إحسان فتقول: ما أتيت إلا واجباً، إذ لا يتبادر هنا غير هذا المعنى، إذ لا معنى للوجوب على الله تعالى سوى أنه تفضل وتعهد به، ولا يختلف في هذا أهل الملة وإنما اختلفوا في جواز إخلاف الوعد.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ النَّعِيمِ فَأمّا المَعاصِي فَتُصْرَفُ عَنْ شَهَواتِهِمْ.
﴿ خالِدِينَ ﴾ يَعْنِي في الثَّوابِ كَخُلُودِ أهْلِ النّارِ في العِقابِ.
﴿ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ وعْدُ اللَّهِ لَهم بِالجَزاءِ فَسَألُوهُ الوَفاءَ فَوَفّاهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: المَلائِكَةُ تَسْألُ اللَّهَ لَهم فَيُجابُونَ إلى مَسْألَتِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.
الثّالِثُ: أنَّهم سَألُوا اللَّهَ الجَنَّةَ في الدُّنْيا ورَغِبُوا إلَيْهِ بِالدُّعاءِ فَأجابَهم في الآخِرَةِ إلى ما سَألُوا وأعْطاهم ما طَلَبُوا، وهو مَعْنى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كانت لهم جزاء ﴾ أي من الله ﴿ ومصيراً ﴾ أي منزلاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن يسار قال: قال كعب الأحبار: من مات وهو يشرب الخمر لم يشربها في الآخرة وإن دخل الجنة قال عطاء: فقلت له: فإن الله تعالى يقول ﴿ لهم فيها ما يشاءون ﴾ قال كعب: إنه ينساها فلا يذكرها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كان على ربك وعداً مسئولاً ﴾ يقول: سلوا الذي وعدتكم تنجزوه.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي من طريق سعيد بن هلال عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ كان على ربك وعداً مسئولاً ﴾ قال: إن الملائكة تسأل لهم ذلك في قولهم ﴿ وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ [ غافر: 8] قال سعيد: وسمعت أبا حازم يقول: إذا كان يوم القيامة قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا، فانجز لنا ما وعدتنا.
فذلك قوله: ﴿ وعداً مسئولاً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا ﴾ أي: كان دخولها ونزولها وعدًا.
والدخول قد ذكرنا تقديره في قوله: ﴿ وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ .
ويجوز أن يعود ﴿ كَانَ ﴾ إلى الخلود، ودل عليه قوله: ﴿ خَالِدِينَ ﴾ قال الكلبي: وعد الله المؤمنين الجنة فجعلها لهم فسألوه ذلك الوعد في الدنيا فقالوا: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ﴾ (١) (٢) (٣) وقال القرظي: إن الملائكة تسأل لهم ذلك؛ وهو قوله: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ ﴾ (٤) (٥) وقال مقاتل: يسأله المتقون في الآخرة ما وعدهم في الدنيا وهي الجنة (٦) وذكر الفراء وجهًا آخر فقال: هذا كما تقول في الكلام (٧) (٨) (٩) ﴿ وَعْدًا مَسْئُولًا ﴾ يريد: لا خلاف فيه (١٠) (١١) (١) ذكر هذا القول ابن جرير في "تفسيره" 18/ 189، والسمرقندي 2/ 455.
والثعلبي 93 ب، والبغوي 6/ 76.
ولم ينسبوه لأحد.
وبنحوه عند الماوردي 4/ 135، ونسبه لابن عباس - ما-.
وهو في "الوسيط" 3/ 336، غير منسوب.
ونسبه القرطبي 13/ 8، للكلبي، ثم قال: وهو معنى قول ابن عباس.
(٢) "تنوير المقباس" ص 301، بلفظ: سألوه فأعطاهم.
وذكره هود الهوّاري 3/ 203.
(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 263، ولم ينسبه.
(٤) ذكر هذا القول الهواري 3/ 203، ولم ينسبه.
وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2671، عن القرظي.
وكذا الثعلبي 93 ب.
والماوردي 4/ 135، وهو كذلك في "الوسيط" 3/ 336.
والبغوي 6/ 76.
وابن كثير 6/ 98.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 60.
و"تفسير السمرقندي" 2/ 455، ولم ينسبه.
(٦) "تفسير مقاتل" ص 43.
وأخرج نحوه ابن أبي حاتم 8/ 2671، عن أبي حازم.
ونسبه الماوردي 4/ 135، لزيد ابن أسلم.
(٧) (في الكلام) من نسخة: (أ)، (ب).
(٨) في نسخة: (أ)، (ب): (السؤال).
(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 263.
(١٠) أخرج نحوه ابن جرير 18/ 189، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس - ما-.
وكذا ابن أبي حاتم 8/ 2671.
وذكره العز في "تفسيره" 2/ 419.
وابن كثير 6/ 98، من الطريق السابق.
(١١) حاصل ما ذكر أن ﴿ مَسْئُولًا ﴾ فيها قولان: 1 - مطلوباً.
والطالب له: إما المؤمنون، أو الملائكة.
2 - أن معنى: المسؤول: الواجب.
"تفسير ابن الجوزي" 6/ 77.
وعلى المعنى الثاني، يكون واجباً بحكم الاستحقاق، على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة.
تفسير الزمخشري 3/ 261، والرازي 24/ 60.
وتفسير أبي حيان 6/ 446.
قال ابن كثير 6/ 98: هذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم.
قال البقاعي 13/ 357: وهو من وادي ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد ﴾ إنما جاز هنا التفضيل بين الجنة والنار، لأن الكلام سؤال وتوبيخ، وإنما يمنع التفضيل بين شيئين، ليس بينهما اشتراك في المعنى إذ كان الكلام خبراً ﴿ وَعْداً مَّسْئُولاً ﴾ أي سأله المؤمنين أو الملائكة في قولهم: وأدخلهم جنات عدن، وقيل: معناه وعداً واجب الوقوع، لأنه حتمه ﴿ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ ﴾ القائل لذلك هو الله عز وجل، والمخاطب هم المعبودون مع الله على العموم، وقيل: الأصنام خاصة، والأول أرجح لقوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ [سبأ: 40] وقوله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ [المائدة: 119] ﴿ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل ﴾ أم هنا معادلة لما قبلها، والمعنى أن الله يقول يوم القيامة للمعبودين: ﴿ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ﴾ من تلقاء أنفسهم باختيارهم ولم تضلوهم أنتم؟
ولأجل ذلك بين هذا المعنى بقوله: ﴿ هُمْ ﴾ ليتحقق إسناد الضلال إليهم، فإنما سألهم الله هذا السؤال مع علمه بالأمور ليوبخ الكفار الذين عبدوهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ جنة نأكل ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالياء التحتانية ﴿ ويجعل لك ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل وابن كثير.
الباقون بالجزم وذلك أن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الرفع والجزم ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ فيقول ﴾ كلاهما بالياء: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما.
الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني ﴿ أن يتخذ ﴾ على البناء للمفعول: زيد ويزيد ﴿ بما تقولون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل.
﴿ تستطيعون ﴾ على الخطاب: حفص غير الخزاز.
الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده بدل من ﴿ الذي نزل ﴾ والتعليل من تمام الصلة، ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ ولا نشوراً ﴾ ه ﴿ آخرون ﴾ ج لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون ﴿ فقد جاؤا ﴾ من قول الكفار أي جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور ﴿ وزوراً ﴾ ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف المتفقتين مع عوارض وطول الكلام ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ السواق ﴾ ط ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف ﴿ قصوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ وزفيراً ﴾ ه ﴿ ثبوراً ﴾ الأول ه ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ط ﴿ مسؤولاً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ الذكر ﴾ ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ تقولون ﴾ ه إلا لمن قرأ ﴿ تستطيعون ﴾ بتاء الخطاب ﴿ نصيراً ﴾ ج ه للشرط مع العطف ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ في السواق ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ أتصبرون ﴾ ج لاحتمال كون الواو للحال ﴿ بصيراً ﴾ ه.
التفسير: إنه تكلم في هذه السورة أولاً في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب.
ومعنى ﴿ تبارك ﴾ كثر خيره وزاد أو عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله ﴿ تبارك ﴾ دليل على أن كل البركة والخير إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فذلك صح إيقاعها صلة للذي.
والضمير في ﴿ ليكون ﴾ لعبده أو للفرقان كقوله ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثاً إلى الجن والإنس إلى آخر مدة التكليف.
والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير.
قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيراً للكل.
وعورض بنحو قوله ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم ﴾ والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة.
ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها ﴿ الذي له ملك السوات والأرض ﴾ وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره.
الثانية ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ وفيه رد النصارى واليهود الثالثة ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي ايضاً، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال جار الله: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو مافيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.
وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديراً فخلفه في وقته موافقاً لذلك التقدير.
والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلاً ﴿ واتخذوا ﴾ الآية.
وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن الله، فتكون الآية رداً على الكل.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ من دونه ﴾ لتقدم الذكر مفرداً وفي مريم ويس ﴿ من دون الله ﴾ لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيماً فلن يكن بد من التصريح.
وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهان منكري النبوة والأجوبة عنها.
فالشبهة الأولى قولهم ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه ﴾ أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في غضافته إلى الله .
وقوله ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ نظير قوله ﴿ إنما يعلمه بشر لسان الذي ﴾ وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراً ﴾ اي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه.
وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض اي أتوا بالظلم والزور.
فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله.
إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف،فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا يتلقن من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم ايضاً أن يستعينوا بغيرهم.
قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه.
الشبهة الثانية قولهم ﴿ أنه أساطير الأولين ﴾ اي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم ﴿ اكتتبها ﴾ لنفسه كقولك "استكب الماء" أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلباً لأنه يقال "أمليت عليه فهو يكتتبها" وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.
قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ أي دائماً أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم.
فأجاب عن هذه الشبهة بقوله ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر ﴾ الآية.
والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد.
قال أبومسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة.
وقيل: هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه.
الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن ﴿ ما لهذا ﴾ الزاعم أنه رسول أي ما باله ﴿ يأكل الطعام ﴾ كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد.
زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنساناً معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهراً بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد ن الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين.
وانتصب ﴿ فيكون ﴾ لأنه جواب "لولا" بمعنى "هلا" وحكمه حكم الاستفهام ومحل ﴿ أنزل ﴾ الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين ﴿ وقال الظالمون ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله.
والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقاً إليه.
وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل.
وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله ﴿ تبارك ﴾ أي تكاثر خبر ﴿ الذي إن شاء ﴾ وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا: ثم فسر ذلك الخبر بقوله ﴿ جنات ﴾ عن ابن عباس: خيراً من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة.
وعنه في رواية عكرمة خيراً من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش.
وفي قوله ﴿ إن شاء ﴾ دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته.
وقيل: "إن" بمعنى "إذ" أي قد جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصوراً.
والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.
وقال مجاهد: إن شاء جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصوراً.
عن طاوس عن ابن عباس قال: "بينما رسول الله جالس وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك.
فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها احداً قبلك ولا يعطيها أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً.
فقال : بل يجمعها لي في الآخرة" فنزلت هذه الآية.
وعن النبي : "عرض عليّ جبرائيل بطحاء مكة ذهباً فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" .
وفي رواية "أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت" .
قوله ﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا يرجون ثواباً ولا عقاباً.
ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها.
﴿ وأعتدنا ﴾ جعلناها عدة ومعدة لهم.
وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل أن يقال: هو كقوله ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ قالت الأشاعرة: البنية ليست شرطاً في الحياة وتوابعها فأجروا قوله ﴿ إذا رأتهم ﴾ على ظاهره وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار.
والمعتزلة أوّلوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم في قولهم "دورهم تتراءى وتتناظر" كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز.
والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر.
وقال الجبائي: ذكر النار واراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم.
قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً فكيف قال الله ﴿ سمعوا لها تغيظ ﴾ وأجيب بأن المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ.
قاله الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: متقلداً سيفاً ورمحاً *** يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي.
وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها.
عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح.
وسئل النبي عن ذلك فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" .
قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة.
وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض.
وجاء في الأحاديث "إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" .
وقال الصوفية.: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم.
والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بواثبوراه اي يقال يا ثبور فهذا أوانك وههنا إضمار اي يقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ﴾ إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول.
ومعنى ﴿ وادعوا ثبوراً كبيراً ﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير.
إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة.
قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.
ثم وبخهم بقوله ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به وليس هذا الاستفهام كقول القائل "السكر أحلى أم الصبر" ولكن الغرض منه التقريع كلما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟
والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن نعيمها لا ينقطع.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ وعد ﴾ دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد والفضل لا لأجل العمل.
وقالت المعتزلة: في قوله ﴿ المتقون ﴾ إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار ﴿ كانت لهم جزاء ومصيراً ﴾ أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل هناك.
قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم.
أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون بإدخال الله أهل العفو الجنة؟
قال جار الله: ذكر المصير مع ذكر الجزاء مدحاً للثواب مكانه كقوله ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقاً ﴾ وفي قوله ﴿ لهم فيها ما يشاؤن ﴾ دلالة على أن حصول المرادات بأسرها لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات.
والضمير في ﴿ كان ﴾ ﴿ لما يشاؤن ﴾ واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ على ربك ﴾ أن ذلك واجب على الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم.
وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله ﴿ وعداً مسؤلاً ﴾ كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ أو سألته الملائكة في قولهم { ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد على المؤمنين.
قوله ﴿ يوم نحشرهم ﴾ رجوع إلى قوله ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ وظاهر قوله ﴿ وما يعبدون ﴾ أنها الأصنام وظاهر قوله ﴿ أأنتم أضللتم ﴾ أنه من عبد من العقلاء كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد أنهم تكلموا بلسان الحال.
وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين العقلاء نظيره قوله ﴿ ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ ثم قالوا: إن لفظة "ما" قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: "ما زيد" تريد أطويل أم قصير.
والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه.
وإنما قال أنتم وهم ولم يقل "أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل"، لأن السؤال وقع عمن تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال.
وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن يجيب المعبودين بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال لعيسى ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو للطريق.
﴿ قالوا سبحانك ﴾ تعجباً مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا بـ ﴿ سبحانك ﴾ ليدلوا على أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟
أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما نداً، أو قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفاده علم أو إيذاء من كان بريئاً من الجرم بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.
من قرأ ﴿ أن نتخذ ﴾ بفتح النون فظاهر وهو متعدٍ إلى واحد والأصل أن نتخذ أولياء من دونك فزيدت "من" لتأكيد معنى النفي.
ومن قرأ بضم النون فهو متعدٍ إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء.
ولا تكون "من" زائدة لأنها لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما أتخذت أحداً من ولي فـ "من" للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء.
وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.
وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن المعنى إذ كنا لا نرى أن نتخذ من دونك ولياً فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟
الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار.
قال تعالى ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ [النساء: 76} يريد الكفرة عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا.
أو قالت الملائكة: أنا وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك ولياً.
الرابع قالت الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادّعاء أنا من المعبودين.
وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعاً.
و ﴿ الذكر ﴾ ذكر الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.
قالت المعتزلة: في قوله ﴿ ولكن متعتهم ﴾ الخ.
دليل بيِّن على أن الله عز وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشر سبب الكفر ونسيان الذكر.
فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا.
وقالت الأشاعرة: بل فيه دلالة على أن الله هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك.
أما قوله ﴿ وكانوا قوماً بوراً ﴾ فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل وحول.
وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال "رجل بور" أي فاسد هالك لا خير فيه "وامرأة بور" و "قوم بور" كما يقال "أنت بشر" و "أنتم بشر".
قالت المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال.
وقالت الأشاعرة: أراد أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضاً.
قوله ﴿ فقد كذبوكم ﴾ التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه قال: إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة.
أو بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة.
قال جار الله: الباء في الأول كقوله ﴿ بل كذبوا بالحق ﴾ والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون.
وفي الثاني كقولك "كتبت بالقلم".
﴿ فما تستطيعون ﴾ أنتم يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم.
وقيل: الصرف التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله.
وقيل: الحيلة من قولهم "إنه ليتصرف" أي يحتال.
ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله ﴿ ومن يظلم ﴾ الآية.
فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ظلم لقوله ﴿ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ﴾ والإنصاف أنه لا دلالة في الاية على مطلوبهم لأن "من" ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله ﴿ منكم ﴾ ولئن سلم فلعله مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة العذاب لا تدل على الخلود.
ثم بين بقوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الآية.
أنه لا وجه لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله.
قال الزجاج: الجملة بعد "إلا" صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين: إلا آكلين وماشين.
وإنما حذف لأن في قوله ﴿ من المرسلين ﴾ دليلاً عليه نظيره ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ أي وما منا أحد.
وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم.
وقال ابن الأنباري: المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالاً كقوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ قوله ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال الكلبي والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد اسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما روي عن أبي الدرداء عن النبي "ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية" وقال آخرون: إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين.
قالت الأشاعرة: في هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر.
وقال الجبائي: هذا الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلاناً لص إنه جعله لص.
قال في الكشاف: موقع ﴿ أتصبرون ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ قلت: أراد أن كلاً من الابتلاء والفتنة يستدعي التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي بفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد كقوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ويؤيده قوله ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ عالماً بمن صبر ومن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بحسب ذلك.
وقيل: في الآية تسلية للنبي عما عيروه به من الفقر فقد جعل الأغنياء فتنة للفقراء.
وقيل: جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ولو كنت غنياً صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص.
وقالت الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما يقولون والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ : يشبه أن يكون قال هذا لقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ ، فيقول: أذلك الذي سألتموه أنتم خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون؟!
أو يكون قال ذلك لهم لما رأوا لأنفسهم الفضل والمنزلة في الدنيا؛ لما وسع عليهم الدنيا وأعطوا من حطامها، فقال: أذلك الذي أعطيتم في الدنيا من السعة خير، أم جنة الخلد التي أعطي المتقون؟!
والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَعْداً مَّسْئُولاً ﴾ مما سألته لهم الملائكة؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ...
﴾ الآية [غافر: 8]، وسؤال الرسل؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ...
﴾ الآية [آل عمران: 194]، أو وعداً مسئولا مما سألوا ربهم، فوعد لهم ذلك؛ فهذا يدل أنهم إنما يدخلون الجنة بالسؤال والتشفع لهم والتضرع، لا أنهم يستوجبون ذلك بأعمالهم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ ﴾ : في السلاسل وذلك أنهم إذا ألقوا فيها تضايق عليهم كتضايق الزج في الرمح، فالأسفلون يرفعهم اللهب، والأعلون يخفضهم اللهب، فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة فضايق عليهم، فعند ذلك يدعون بالثبور؛ يقولون: يا ثبوراه ويا ويلاه.
وروي مثله عن عبد الله بن عمر، وكان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج في الرمح.
وقوله: ﴿ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ يقول: ويلا وهلاكا، قال الله : ﴿ لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً ﴾ : ثم قيل: ﴿ أَذٰلِكَ خَيْرٌ ﴾ يعني: الذي ذكر، ﴿ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً ﴾ لأعمالهم، ﴿ وَمَصِيراً ﴾ أي: منزلا.
قال أبو عوسجة: التغيظ: من الغيظ، والزفير: الشهيق يكون في الحلق، وشهق يشهق شهيقاً وشهقا، وهو نفس في الحلق شديد له صوت.
وقال: ﴿ ثُبُوراً ﴾ أي: إهلاكا، وصرفه: ثبر يثبر ثبرا وثبورا، فهو ثبور.
وقال القتبي: ﴿ تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ أي: تغيظا عليهم؛ كذلك قال المفسرون.
وقال بعضهم: بل يسمعون فيها تغيظ المعذبين وزفيرهم واعتبروا ذلك بقول الله : ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ واعتبره الأولون بقوله: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ هذا أشبه التفسيرين إن شاء الله؛ لأنه قال: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ ، ولم يقل: سمعوا فيها، ولا منها.
وقال: ﴿ ثُبُوراً ﴾ أي: بالهلكة؛ كما يقول القائل: واهلاكاه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لهم في هذه الجنّة ما يشاؤون من النعيم، كان ذلك على الله وعدًا، يسأله إياه عباده المتقون، ووعد الله متحقق، فهو لا يخلف الميعاد.
<div class="verse-tafsir" id="91.779yj"