الآية ١٧ من سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ١٧ من سورة الفرقان

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة الفرقان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله ، من الملائكة وغيرهم ، فقال : ( ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله ) .

قال مجاهد : عيسى ، والعزير ، والملائكة .

( فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ) أي : فيقول الرب تبارك وتعالى [ للمعبودين ] أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني ، أم هم عبدوكم من تلقاء أنفسهم ، من غير دعوة منكم لهم؟

كما قال الله تعالى : ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب .

ما قلت لهم ) إلى آخر الآية; [ المائدة : 116 - 117 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المكذّبين بالساعة، العابدين الأوثان، وما يعبدون من دون الله من الملائكة والإنس والجنّ.

كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) فيقول: ( أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ ) قال: عيسى وعُزير والملائكة.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, نحوه.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأه أبو جعفر القارئ وعبد الله بن كثير: ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ) بالياء جميعا, بمعنى: ويوم يحشرهم ربك, ويحشر ما يعبدون من دون فيقول.

وقرأته عامة قرّاء الكوفيين (نَحْشُرُهُمْ) بالنون, فنقول.

وكذلك قرأه نافع.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وقوله: ( فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ ) يقول: فيقول الله للذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء: يقول: أنتم أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغيّ والضلالة حتى تاهوا وهلكوا, أم هم ضلوا السبيل، يقول: أم عبادي هم الذين ضلوا سبيل الرشد والحقّ وسلكوا العطب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويوم يحشرهم قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمرو في رواية الدوري : يحشرهم بالياء .

واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; لقوله في أول الكلام : كان على ربك وفي آخره أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء .

الباقون بالنون على التعظيم .

وما يعبدون من دون الله من الملائكة والإنس والجن والمسيح وعزير ; قاله مجاهد وابن جريج .

الضحاك وعكرمة : الأصنام .

فيقول قراءة العامة بالياء وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم .

وقرأ ابن عامر وأبو حيوة بالنون على التعظيم .

أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل وهذا استفهام توبيخ للكفار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة وتبريهم منهم، وبطلان سعيهم فقال: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } أي: المكذبين المشركين { وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ } الله مخاطبا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم: { أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ } هل أمرتموهم بعبادتكم وزينتم لهم ذلك أم ذلك من تلقاء أنفسهم؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويوم يحشرهم ) قرأ ابن كثير ، وأبو جعفر ، ويعقوب ، وحفص : " يحشرهم " بالياء ، وقرأ الباقون بالنون ، ( وما يعبدون من دون الله ) قال مجاهد : من الملائكة والجن والإنس وعيسى وعزير .

وقال عكرمة والضحاك والكلبي : يعني الأصنام ، ثم يخاطبهم ) ( فيقول ) قرأ ابن عامر بالنون والآخرون بالياء ، ( أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ) أخطأوا الطريق .

)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويوم نحشرهم» بالنون والتحتانية «وما يعبدون من دون الله» أي غيره من الملائكة وعيسى وعزير والجن «فيقول» تعالى بالتحتانية والنون للمعبودين إثباتا للحجة على العابدين: «أأنتم» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين الُسهَلة والأخرى وتركه «أضْللْتم عبادي هؤلاء» أوقعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم «أم هم ضلوا السبيل» طريق الحق بأنفسهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويوم القيامة يحشر الله المشركين وما كانوا يعبدونه من دونه، فيقول لهؤلاء المعبودين: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء عن طريق الحق، وأمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل، فعبدوكم مِن تلقاء أنفسهم؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن حالهم عندما يعرضون هم وآلهتهم للحشر والحساب يوم القيامة ، وقد وقفوا جميعا أمام ربهم للسؤال والجواب ، قال - تعالى - : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ .

.

.

) .قوله - تعالى - : ( وَيَوْمَ ) منصوب على المفعولية بفعل مقدر ، والمقصود من ذكر اليوم : تذكيرهم بما سيحدث فيه من أهوال حتى يعتبروا ويتعظوا ، والمضير فى " يحشرهم " للكافرين الذين عبدوا غير الله - تعالى - .وقوله : ( وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ) معطوف على مفعول " يحشرهم " والمراد بهؤلاء الذين عبدوهم من دون الله : الملائكة وعزير وعيسى وغيرهم من كل معبود سوى الله - تعالى - .والمعنى : واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - حالهم لعلهم أن يعتبروا يوم نحشرهم جميعا للحساب والجزاء يوم القيامة ، ونحشر ونجمع معهم جميع الذين كانوا يعبدونهم غيرى .ثم نوجه كلامنا لهؤلاء المعبودين من دونى فأقول لهم : أانتم - أيها المعبودون - كنتم السبب فى ضلال عبادى عن إخلاص العبادة لى ، بسبب إغرائكم لهم بذلك أم هم الذين من تلقاء أنفسهم قد ضلوا السبيل ، بسبب إيثارهم الغى على الرشد ، والكفر على الإيمان؟والسؤال للمعبودين إنما هو من باب التقريع للعابدين ، وإلزامهم الحجة وزيادة حسرتهم ، وتبرئة ساحة المعبودين .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ ) وقوله - عز وجل - : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ .

.

) قال الإمام الرازى ما ملخصه : فإن قيل : إنه - سبحانه - عالم فى الأزل بحال المسئول عنه فما فائدة السؤال؟

.والجواب : هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين ، كما قال - سبحانه - لعيسى : ( أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ) ولأن أولئك المعبودين لما برءوا أنفسهم وأحالوا ذلك الضلال عليهم ، صار تبرُّؤُ المعبودين عنهم أشد فى حسرتهم وحيرتهم .وقال - سبحانه - ( أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل ) ولم يقل .

ضلوا عن السبيل ، للإشعار بأنهم قد بلغوا فى الضلال أقصاه ومنتهاه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ راجع إلى قوله: ﴿ واتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً  ﴾ ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: ﴿ يَحْشُرُهُمْ ﴾ فنقول كلاهما بالنون والياء وقرئ ﴿ نَحْشُرُهُمْ ﴾ بكسر الشين.

المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ وَمَا يَعْبُدُونَ ﴾ أنها الأصنام، وظاهر قوله: ﴿ فَيَقُولُ أَءنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى ﴾ أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح وغيرهما، لأن الإضلال وخلافه منهم يصح فلأجل هذا اختلفوا، فمن الناس من حمله على الأوثان، فإن قيل لهم الوثن جماد فكيف خاطبه الله تعالى، وكيف قدر على الجواب؟

فعند ذلك ذكروا وجهين: أحدهما: أن الله تعالى يخلق فيهم الحياة، فعند ذلك يخاطبهم فيردون الجواب.

وثانيها: أن يكون ذلك الكلام لا بالقول اللساني بل على سبيل لسان الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات وكلام الأيدي والأرجل، وكما قيل: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك؟

فإن لم تجبك حواراً، أجابتك اعتباراً!

وأما الأكثرون فزعموا أن المراد هو الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام، قالوا ويتأكد هذا القول بقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  ﴾ وإذا قيل لهم: لفظة (ما) لا تستعمل في العقلاء أجابوا عنه من وجهين: الأول: لا نسلم أن كلمة (ما) لما لا يعقل بدليل أنهم قالوا (من) لما لا يعقل والثاني: أريد به الوصف كأنه قيل (ومعبودهم)، وقوله تعالى: ﴿ والسماء وَمَا بناها  ﴾ ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ  ﴾ لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين، وكيف كان فالسؤال ساقط.

المسألة الثالثة: حاصل الكلام أن الله تعالى يحشر المعبودين، ثم يقول لهم أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال عن طريق الحق، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟

قالت المعتزلة: وفيه كسر بين لقول من يقول إن الله يضل عباده في الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقولوا إلهنا هاهنا قسم ثالث غيرهما هو الحق وهو أنك أنت أضللتهم، فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا إضلالهم إلى أنفسهم، علمنا أن الله تعالى لا يضل أحداً من عباده.

فإن قيل لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه، فإنهم قالوا: ﴿ ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حتى نَسُواْ الذكر ﴾ وهذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم وهو أنه سبحانه وتعالى متعهم وآباءهم بنعيم الدنيا.

قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزمهم أن يصير الله محجوباً في يد أولئك المعبودين، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجاً مفحماً ملزماً هذا تمام تقرير المعتزلة في الآية، أجاب أصحابنا بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله تعالى، وإن صلحت له لم تترجح مصدريتها للإضلال على مصدريتها للاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى، وعند لذلك يعود السؤال، وأما ظاهر هذه الآية فهو وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظواهر المطابقة لقولنا.

المسألة الرابعة: ظاهر الآية يدل على أن هذا السؤال من الله تعالى وإن احتمل أن يكون ذلك من الملائكة بأمر الله تعالى.

بقي على الآية سؤالات.

الأول: ما فائدة أنتم وهم؟

وهلا قيل أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟

الجواب: ليس السؤال عن الفعل ووجوده، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن فاعله فلابد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عنه.

السؤال الثاني: أنه سبحانه كان عالماً في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا السؤال؟

الجواب: هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين كما قال لعيسى: ﴿ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله  ﴾ ولأن أولئك المعبودين لما برؤا أنفسهم، وأحالوا ذلك الضلال عليهم صار تبرؤ المعبودين عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم.

السؤال الثالث: قال تعالى: ﴿ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل ﴾ والقياس أن يقال ضل عن السبيل، الجواب: الأصل ذلك، إلا أن الإنسان إذا كان متناهياً في التفريط وقلة الاحتياط، يقال ضل السبيل.

أما قوله: ﴿ سبحانك ﴾ فاعلم أنه سبحانه حكى جوابهم، وفي قوله: ﴿ سبحانك ﴾ وجوه: أحدها: أنه تعجب منهم فقد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه.

وثانيها: أنهم نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون (المقدسون المؤمنون) بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده.

وثالثها: قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، سواء كان وثناً أو نبياً أو ملكاً.

ورابعها: قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إيذاء من كان بريئاً عن الجرم، بل إنه إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.

أما قوله: ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: القراءة المعروفة ﴿ أَن نَّتَّخِذَ ﴾ بفتح النون وكسر الخاء وعن أبي جعفر وابن عامر برفع النون وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله، قال الزجاج أخطأ من قرأ ﴿ أَن نَّتَّخِذَ ﴾ بضم النون لأن (من) إنما تدخل في هذا الباب في الأسماء إذا كان مفعولاً أولاً ولا تدخل على مفعول الحال تقول ما اتخذت من أحد ولياً، ولا يجوز ما اتخذت أحداً من ولي، قال صاحب الكشاف اتخذ يتعدى إلى مفعول واحد كقولك اتخذ ولياً، وإلى مفعولين كقولك اتخذ فلاناً ولياً، قال الله تعالى: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً  ﴾ والقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد وهو ﴿ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ ، والأصل أن نتخذ أولياء فزيدت من لتأكيد معنى النفي، والثانية من المتعدي إلى مفعولين، فالأول ما بني له الفعل، والثاني ﴿ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ من للتبعيض، أي لا نتخذ بعض أولياء وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام.

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً: أولها: وهو الأصح الأقوى، أن المعنى إذا كنا لا نرى أن نتخذ من دونك أولياء فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك.

وثانيها: ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما يوليهم الكفار، قال تعالى: ﴿ فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان  ﴾ يريد الكفرة، وقال: ﴿ والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت  ﴾ عن أبي مسلم.

وثالثها: ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء، أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلناه، والحاصل أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ورابعها: قالت الملائكة إنهم عبيدك، فلا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك ولياً ولا حبيباً، فضلاً عن أن يتخذ عبد عبداً آخر إلهاً لنفسه.

وخامسها: أن على قراءة أبي جعفر الإشكال زائل، فإن قيل هذه القراءة غير جائزة لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء، قلنا: المراد إنا لا نصلح لذلك، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.

وسادسها: أن هذا قول الأصنام، وأنها قالت لا يصح منا أن نكون من العابدين، فكيف يمكننا ادعاؤنا أنا من المعبودين.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، فكل ولاية مبنية على ميل النفس ونصيب الطبع فذاك على خلاف الشرع.

أما قوله تعالى: ﴿ ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حتى نَسُواْ الذكر وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: معنى الآية أنك يا إلهنا أكثرت عليهم وعلى آبائهم من النعم وهي توجب الشكر والإيمان لا الإعراض والكفران، والمقصود من ذلك بيان أنهم ضلوا من عند أنفسهم لا بإضلالنا، فإنه لولا عنادهم الظاهر، وإلا فمع ظهور هذه الحجة لا يمكن الإعراض عن طاعة الله تعالى وقال آخرون إن هذا الكلام كالرمز فيما صرح به موسى عليه السلام في قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ  ﴾ وذلك لأن المجيب قال: إلهي أنت الذي أعطيته جميع مطالبه من الدنيا حتى صار كالغريق في بحر الشهوات، واستغراقه فيها صار صاداً له عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك، فإن هي إلا فتنتك.

المسألة الثانية: الذكر ذكر الله والإيمان به (و) القرآن والشرائع، أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.

المسألة الثالثة: قال أبو عبيدة: يقال رجل بور ورجلان بور ورجال بور، وكذلك الأنثى، ومعناه هالك، وقد يقال رجل بائر وقوم بور، وهو مثل هائر وهور، والبوار الهلاك، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر، ولا شك أن المراد منه وكانوا من الذين حكم عليهم في الآخرة بالعذاب والهلاك، فالذي حكم الله عليه بعذاب الآخرة وعلم ذلك وأثبته في اللوح المحفوظ وأطلع الملائكة عليه، لو صار مؤمناً لصار الخبر الصدق كذباً، ولصار العلم جهلاً ولصارت الكتابة المثبتة في اللوح المحفوظ باطلة، ولصار اعتقاد الملائكة جهلاً وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال، فصدور الإيمان منه محال، فدل على أن السعيد لا يمكنه أن ينقلب شقياً، والشقي لا يمكنه أن ينقلب سعيداً، ومن وجه آخر هو أنهم ذكروا أن الله تعالى آتاهم أسباب الضلال وهو إعطاء المرادات في الدنيا واستغراق النفس فيها، ودلت الآية على أن ذلك السبب بلغ مبلغاً يوجب البوار، فإن ذكر البوار عقيب ذلك السبب يدل على أن البوار إنما حصل لأجل ذلك السبب، فرجع حاصل الكلام إلى أنه تعالى فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر، وحينئذ ظهر أن السعيد لا ينقلب شقياً، وأن الشقي لا ينقلب سعيداً.

أما قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ فاعلم أنه قرئ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ بالياء والتاء، فمعنى من قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة، أي كذبوكم في قولكم إنهم آلهة، ومن قرأ بالياء المنقوطة من تحت، فالمعنى أنهم كذبوكم (بقولكم) ﴿ سبحانك ﴾ ، ومثاله قولك كتبت بالقلم.

أما قوله: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ فاعلم أنه قرئ ﴿ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ بالياء والتاء أيضاً، يعني فما تستطيعون أنتم يا أيها الكفار صرف العذاب عنكم، وقيل الصرف التوبة، وقيل الحيلة من قولهم إنه ليتصرف، أي يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب (و) أن يحتالوا لكم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرئ ﴿ يذقه ﴾ بالياء وفيه ضمير الله تعالى أو ضمير (الظلم).

المسألة الثانية: أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في القطع بوعيد أهل الكبائر، فقالوا ثبت أن (من) للعموم في معرض الشرط، وثبت أن الكافر ظالم لقوله: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ والفاسق ظالم لقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون  ﴾ فثبت بهذه الآية أن الفاسق لا يعفى عنه، بل يعذب لا محالة والجواب: أنا لا نسلم أن كلمة (من) في معرض الشرط للعموم، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، سلمنا أنه للعموم ولكن قطعاً أم ظاهراً؟

ودعوى القطع ممنوعة، فإنا نرى في العرف العام المشهور استعمال صيغ العموم، مع أن المراد هو الأكثر، أو لأن المراد أقوام معينون، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ ثم إن كثيراً من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع له إلا أن يقال قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ وإن كان يفيد العموم، لكن المراد منه الغالب أو المراد منه أقوام مخصوصون، وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر، وإذا كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة، وذلك لا ينفي تجويز العفو.

سلمنا دلالته قطعاً، ولكنا أجمعنا على أن قوله: ﴿ وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ ﴾ مشروط بأن لا يوجد ما يزيله، وعند هذا نقول هذا مسلم، لكن لم قلت بأن لم يوجد ما يزيله؟

فإن العفو عندنا أحد الأمور التي تزيله، وذلك هو أحد الثلاثة أول المسألة سلمنا دلالته على ما قال، ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً  ﴾ فإن قيل آيات الوعيد أولى لأن السارق يقطع على سبيل التنكيل ومن لم يكن مستحقاً للعقاب لا يجوز قطع يده على سبيل التنكيل، فإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب أحبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال.

قلنا لا نسلم أن السارق يقطع على سبيل التنكيل، ألا ترى أنه لو تاب فإنه يقطع لا على سبيل التنكيل بل على سبيل المحنة، نزلنا عن هذه المقامات، ولكن قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ ﴾ إنه خطاب مع قوم مخصوصين معينين فهب أنه لا يعفو عنهم فلم قلت إنه لا يعفو عن غيرهم؟

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذا جواب عن قولهم: ﴿ مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِي الأسواق  ﴾ بين الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن.

المسألة الثانية: حق الكلام أن يقال: ﴿ أَلاَ أَنَّهُمْ ﴾ بفتح الألف لأنه متوسط والمكسورة لا تليق إلا بالابتداء، فلأجل هذا ذكروا وجوهاً: أحدها: قال الزجاج: الجملة بعد (إلا) صفة لموصوف محذوف، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف لأن في قوله: ﴿ مِنَ المرسلين ﴾ دليلاً عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ  ﴾ على معنى وما منا أحد.

وثانيها: قال الفراء إنه صلة لاسم متروك اكتفى بقوله: ﴿ مِنَ المرسلين ﴾ عنه، والمعنى إلا من أنهم كقوله: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ أي من له مقام معلوم، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  ﴾ أي إلا من يردها فعلى قول الزجاج: الموصوف محذوف، وعلى قول الفراء: الموصول هو المحذوف، ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين.

وثالثها: قال ابن الأنباري: تكسر إن بعد الاستثناء بإضمار واو على تقدير إلا وإنهم.

ورابعها: قال بعضهم المعنى إلا قيل إنهم.

المسألة الثالثة: قرئ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ على البناء للمفعول أي تمشيهم حوائجهم أو الناس، ولو قرئ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ لكان أوجه لولا الرواية.

أما قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: فيه أقوال: أحدها: أن هذا في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة، فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه، ودليله قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ  ﴾ وهذا قول الكلبي والفراء والزجاج.

وثانيها: أن هذا عام في جميع الناس، روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد، بعضهم لبعض فتنة» وقرأ هذه الآية.

وثالثها: أن هذا في أصحاب البلاء والعافية، هذا يقول لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق وفي العقل وفي العلم وفي الرزق وفي الأجل؟

وهذا قول ابن عباس والحسن.

ورابعها: هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها، فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وأنواع أذاهم على ما قال: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً  ﴾ والمرسل إليهم يتأذون أيضاً من المرسل بسبب الحسد وصيرورته مكلفاً بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيساً مخدوماً، والأولى حمل الآية على الكل لأن بين الجميع قدراً مشتركاً.

المسألة الثانية: قال أصحابنا الآية تدل على القضاء والقدر لأنه تعالى قال: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ قال الجبائي هذا الجعل هو بمعنى التعريف كما يقال فيمن سرق، إن فلاناً لص جعله لصاً، وهذا التأويل ضعيف لأنه تعالى أضاف الجعل إلى وصف كونه فتنة لا إلى الحكم بكونه كذلك، بل العقل يدل على أن المراد غير ما ذكره وذلك لأن فاعل السبب فاعل للمسبب، فمن خلقه الله تعالى على مزاج الصفراء والحرارة وخلق الغضب فيه ثم خلق فيه الإدراك الذي يطلعه على الشيء المغضب فمن فعل هذا المجموع كان هو الفاعل للغضب لا محالة، وكذا القول في الحسد وسائر الأخلاق والأفعال، وعند هذا يظهر أنه سبحانه هو الذي جعل البعض فتنة للبعض.

سلمنا أن المراد ما قاله الجبائي أن المراد من الجعل هو الحكم ولكن المجعول إن انقلب لزم انقلابه انقلاب حكم الله تعالى من الصدق إلى الكذب وذلك محال، فانقلاب ذلك الجعل محال، فانقلاب المجعول أيضاً محال، وعند ذلك يظهر القول بالقضاء والقدر.

المسألة الثالثة: الوجه في تعلق هذه الآية بما قبلها أن القوم لما طعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأنه فقير كانت هذه الكلمات جارية مجرى الخرافات، فإنه لما قامت الدلالة على النبوة لم يكن لشيء من هذه الأشياء أثر في القدح فيها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذى منهم من حيث إنهم كانوا يشتمونه، ومن حيث إنهم كانوا يذكرون الكلام المعوج الفاسد وما كانوا يفهمون الجواب الجيد، فلا جرم صبره الله تعالى على كل تلك الأذية، وبين أنه جعل الخلق بعضهم فتنة للبعض.

أما قوله تعالى: ﴿ أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة لو كان المراد من قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ الخبر لما ذكر عقيبه ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ لأن أمر العاجز غير جائز.

المسألة الثانية: المعنى أتصبرون على البلاء فقد علمتم ما وعد الله الصابرين ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ أي هو العالم بمن يصبر ومن لا يصبر، فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ استفهام والمراد منه التقرير وموقعه بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله: ﴿ لنبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يحشرهم.

فيقول: كلاهما بالنون والياء، وقرئ: ﴿ يحشرهم ﴾ ، بكسر الشين، ﴿ وَمَا يَعْبُدُونَ ﴾ يريد: المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير.

وعن الكلبي: الأصنام ينطقها الله.

ويجوز أن يكون عاماً لهم جميعاً.

فإن قلت: كيف صحّ استعمال ﴿ مَاْ ﴾ في العقلاء؟

قلت: هو موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم، بدليل قولك- إذا رأيت شبحاً من بعيد-: ما هو؟

فإذا قيل لك: إنسان، قلت حينئذٍ: من هو؟

ويدلك قولهم (من) لما يعقل.

أو أريد به الوصف، كأنه قيل: ومعبوديهم، ألا تراك تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد؟

ما زيد: تعني: أطويل أم قصير؟

أفقيه أم طبيب؟

فإن قلت: ما فائدة أنتم وهم؟

وهلا قيل أضللتم عبادي هؤلاء، أم هم ضلّوا السبيل؟

قلت: ليس السؤال عن الفعل ووجوده، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه، فلا بدّ من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام، حتى يعلم أنه المسؤول عنه، فإن قلت: فالله سبحانه قد سبق علمه بالمسؤول عنه، فما فائدة هذا السؤال؟

قلت: فائدته أن يجيبوا بما أجابوا به، حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم، فيبهتوا وينخذلوا وتزيد حسرتهم، ويكون ذلك نوعاً مما يلحقهم من غضب الله وعذابه، ويغتبط المؤمنون ويفرحوا بحالهم ونجاتهم من فضيحة أولئك، وليكون حكاية ذلك في القرآن لطفاً للمكلفين.

وفيه كسر بيّن لقول من يزعم أن الله يضلّ عباده على الحقيقة، حيث يقول للمعبودين من دونه: أأنتم أضللتموهم، أم هم ضلوا بإنفسهم؟

فيتبرؤون من إضلالهم ويستعيذون به أن يكونوا مضلين، ويقولون: بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر، سبب الكفر ونسيان الذكر، وكان ذلك سبب هلاكهم، فإذا برأت الملائكة والرسل أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل الشياطين إليهم واستعاذوا منه، فهم لربهم الغنيّ العدل أشدّ تبرئة وتنزيهاً منه، ولقد نزهوه حين أضافوا إليه التفضل بالنعمة والتمتيع بها.

وأسندوا نسيان الذكر والتسبب به للبوار إلى الكفرة، فشرحوا الإضلال المجازي الذي أسنده الله تعالى إلى ذاته في قوله: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَاء ﴾ [الرعد: 27] ، [النحل: 93] ، [فاطر: 8] ولو كان هو المضل على الحقيقة لكان الجواب العتيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم.

والمعنى: أأنتم أوقعتموهم في الضلال عن طريق الحق؟

أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟

وضل: مطاوع (أضله) وكان القياس: ضلّ عن السبيل، إلاّ أنهم تركوا الجار كما تركوه في هذه الطريق.

والأصل: إلى الطريق وللطريق.

وقولهم: أضلَّ البعير، في معنى: جعله ضالاً، أي ضائعاً، لما كان أكثر ذلك بتفريط من صاحبه وقلة احتياط في حفظه، قيل: أضله، سواء كان منه فعل أو لم يكن ﴿ سبحانك ﴾ تعجب منهم، قد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون، فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه.

أو نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون المتقدّسون الموسومون بذلك.

فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟

أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، وأن يكون له نبيّ أو ملك أو غيرهما ندّاً، ثم قالوا: ما كان يصحّ لنا ولا يستقيم ونحن معصومون أن نتولى أحداً دونك، فكيف يصحّ لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولونا دونك.

أو ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار.

قال الله تعالى: ﴿ فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان ﴾ [النساء: 76] يريد الكفرة وقال: ﴿ والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت ﴾ [البقرة: 257] وقرأ أبو جعفر المدني: نتخذ، على البناء للمفعول.

وهذا الفعل أعني (اتخذ) يتعدى إلى مفعول واحد، كقولك: اتخذ ولياً وإلى مفعولين كقولك: اتخذ فلاناً ولياً.

قال الله تعالى: ﴿ أَمِ اتخذوا الِهَةً مّنَ الأرض ﴾ [الأنبياء: 1] وقال: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ [النساء: 125] فالقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد وهو ﴿ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ والأصل: أن نتخذ أولياء، فزيدت ﴿ مِن ﴾ لتأكيد معنى النفي، والثانية: من المتعدي إلى مفعولين.

فالأول ما بني له الفعل.

والثاني: ﴿ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ .

ومن للتبعيض، أي: لا نتخذ بعض أولياء.

وتنكير ﴿ أَوْلِيَاءَ ﴾ من حيث أنهم أولياء مخصوصون وهم الجنّ والأصنام.

والذكر: ذكر الله والإيمان به، أو القرآن والشرائع.

والبور: الهلاك.

يوصف به الواحد والجمع: ويجوز أن يكون جمع بائر، كعائذ وعوذ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

( ويَوْمَ نَحْشُرُهم ) لِلْجَزاءِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ بِالياءِ.

﴿ وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعُمُّ كُلَّ مَعْبُودٍ سِواهُ تَعالى، واسْتِعْمال ( ما ) إمّا لِأنَّ وضْعَهُ أعَمُّ ولِذَلِكَ يُطْلَقُ لِكُلِّ شَبَحٍ يُرى ولا يُعْرَفُ، أوْ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الوَصْفُ كَأنَّهُ قِيلَ ومَعْبُودُهم أوْ لِتَغْلِيبِ الأصْنامِ تَحْقِيرًا أوِ اعْتِبارِ الغَلَبَةِ عُبّادَها، أوْ يَخُصُّ المَلائِكَةَ وعُزَيْرًا والمَسِيحَ بِقَرِينَةِ السُّؤالِ والجَوابِ، أوِ الأصْنامَ يُنْطِقُها اللَّهُ أوْ تَتَكَلَّمُ بِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ في كَلامِ الأيْدِي والأرْجُلِ.

﴿ فَيَقُولُ ﴾ أيْ لِلْمَعْبُودِينَ وهو عَلى تَلْوِينِ الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالنُّونِ.

﴿ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ لِإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ وإعْراضِهِمْ عَنِ المُرْشِدِ النَّصِيحِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَبْكِيتٍ لِلْعَبَدَةِ، وأصْلُهُ ( أأضْلَلْتُمْ ) أمْ ( ضَلُّوا ) فَغَيَّرَ النَّظْمَ لِيَلِيَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ المَقْصُودِ بِالسُّؤالِ وهو المُتَوَلِّي لِلْفِعْلِ دُونَهُ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ فِيهِ وإلّا لَما تَوَجَّهَ العِتابُ، وحَذَفَ صِلَةَ الضَّلِّ مُبالَغَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويوم نحشرهم} للبعث عند الجمهور وبالياء مكة ويزيد ويعقوب وحفص {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} يريد المعبودين من الملائكة والمسبح وعزيز وعن الكلبي يعني الأصنام ينطقها الله وقيل عام وما يتناول العقلاء وغيرهم لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم {فَيَقُولُ} وبالنون شامى {أأنتم أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل} والقياس ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه فى هذا الطريق والأصل إلى الطريق أو للطريق وضل مطاوع أضله والمعنى أأنتم أو قعتموهم في الضلال عن طريق الحق بإدخال الشبه أم هم ضلوا عنه بأنفسهم وإنما لم يقل أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل وزد أنتم وهم لأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام ليعلم أنه المسئول عنه وفائدة سؤالهم مع علمه تعالى بالمسئول عنه أن يجيبوا بما أجابوا به حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم فنزيد حسرتهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٍ لِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أذَلِكَ ﴾ إلَخْ أيْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ واذْكُرْ لَهم بَعْدَ التَّقْرِيعِ والتَّحْسِيرِ يَوْمَ يَحْشُرُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ تَذْكِيرُهم بِما فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ الهائِلَةِ عَلى ما سَمِعْتُ في نَظائِرِهِ أوْ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخِّرٍ قَدْ حُذِفَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ هَوْلِهِ وفَظاعَةِ ما فِيهِ والإيذانِ بِأنَّ العَبّارَةَ لا تُحِيطُ بِبَيانِهِ أيْ ويَوْمِ يَحْشُرُهم يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِبَيانِهِ المَقالُ.

وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ عامِرٍ وكَثِيرٌ مِنَ السَّبْعَةِ «نَحْشُرُهُمْ» بِنُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ «يَحْشُرُهُمْ» بِكَسْرِ الشِّينِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: في كُلِّ القُرْآنِ وهو القِياسُ في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ الثُّلاثِيَّةِ لِأنْ يَفْعَلَ بِضَمِّ العَيْنِ قَدْ يَكُونُ مِنَ اللّازِمِ الَّذِي هو فِعْلٌ بِضَمِّها في الماضِي، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ لِأنْ يَفْعَلَ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقِيسُ مَن يَفْعَلُ بِضَمِّ العَيْنِ، وفِيهِ كَلامٌ ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ ﴿ وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ عُطِفَ عَلى مَفْعُولٍ ﴿ يَحْشُرُهُمْ ﴾ ولَيْسَتِ الواوُ لِلْمَعِيَّةِ وجَوَّزَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ عِنْدَ الضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ الأصْنامَ بِناءً أنَّ السِّياقَ فِيها ويُنْطِقُها اللَّهُ تَعالى الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وقِيلَ: تَتَكَلَّمُ بِلِسانِ الحالِ ولَيْسَ بِذاكَ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِهِ المَلائِكَةُ وعِيسى وعَزِيزٌ وأضْرابُهم مِنَ العُقَلاءِ الَّذِينَ عَبَدُوا مَن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ عَلى ما في البَحْرِ لِأنَّ السُّؤالَ والجَوابَ يَقْتَضِيانِهِ لِاخْتِصاصِهِما بِالعُقَلاءِ عادَةً وإنْ كانَ الجَمادُ يَنْطِقُ يَوْمَئِذٍ، وجاءَ فِيما يُشْبِهُ الِاسْتِفْهامَ الآتِيَ النَّصَّ عَلَيْهِمْ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ  ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ  ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ- بِما- عَلى هَذا القَوْلِ العُقَلاءُ المَعْبُودُونَ الَّذِينَ لَيْسَ مِنهم إضْلالٌ كالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا ما يَشْمَلُهم ولِشَياطِينَ مَثَلًا فَإنَّ الجَوابَ يَأْبى ذَلِكَ بِظاهِرِهِ كَما يَخْفى وأطْلَقَتْ ما عَلى العُقَلاءِ إمّا عَلى أنَّها تُطْلَقُ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا أوْ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ مَعْبُودِيهِمْ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ ما يَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم إمّا لِأنَّ كَلِمَةً ما مَوْضُوعَةً لِلْكُلِّ كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ أنَّكَ إذا رَأيْتَ شَبَحًا مِن بَعِيدٍ تَقُولُ: ما هُوَ؟

أوْ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها الوَصْفُ فَلا تَخْتَصُّ حِينَئِذٍ بِغَيْرِ العُقَلاءِ كَما إذا أُرِيدَ بِها الذّاتُ أوْ لِتَغْلِيبِ الأصْنامِ عَلى غَيْرِها تَنْبِيهًا عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ وتَنْزِيلِهِمْ في ذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن لا عِلْمَ لَهُ ولا قُدْرَةَ أوِ اعْتِبارًا لِغَلَبَةِ عَبَدَتِها وكَثْرَتِهِمْ ﴿ فَيَقُولُ ﴾ أيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمَعْبُودِينَ مِن دُونِهِ أثَرُ حَشْرِ الكُلِّ تَقْرِيعًا لِلْعَبَدَةِ وتَبْكِيتًا لَهم.

وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ عامِرٍ «فَنَقُولُ» بِنُونِ العَظَمَةِ أيْضًا، ومَن قَرَأ مِمَّنْ عَداهم هُناكَ بِالنُّونِ وهُنا بِالياءِ كانَ عَلى قِراءَتِهِ هُنا التِفاتًا مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، وفي نُونِ العَظَمَةِ هُناكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الحَشْرَ أمْرٌ عَظِيمٌ.

﴿ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ ﴾ بِأنْ دَعَوْتُمُوهم إلى عِبادَتِكم وإضافَةُ ( عِبادِي ) قِيلَ لِلتَّرَحُّمِ أوْ لِتَعْظِيمِ جُرْمِهِمْ لِعِبادَةِ غَيْرِ خالِقِهِمْ أوْ لِتَعْظِيمِ أمْرِ إضْلالِهِمْ بِدَعْوَتِهِمْ إلى عِبادَتِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ عِبادًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ( وهَؤُلاءِ ) بَدَلٌ مِنهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لَهُ ﴿ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ أيْ عَنِ السَّبِيلِ بِأنْفُسِهِمْ لِإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ وإعْراضِهِمْ عَنِ المُرْشِدِ مِن كِتابٍ أوْ رَسُولٍ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  ﴾ والأصْلُ إلى السَّبِيلِ أوْ لِلسَّبِيلِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَنِ السَّبِيلِ لِلْمُبالَغَةِ فَإنْ ضَلَّهُ بِمَعْنى فَقَدَهُ وضَلَّ عَنْهُ بِمَعْنى خَرَجَ عَنْهُ.

والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّهُ يَوْمَ أنَّهُ لا وُجُودَ لَهُ رَأْسًا، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرَيْنِ عَلى الفِعْلَيْنِ لِما أنَّ المُرادَ بِالسُّؤالِ التَّقْرِيعِيِّ هو المُتَصَدِّي لِلْفِعْلِ لا نَفْسُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعني: نجمعهم وَما يَعْبُدُونَ يعني: ونحشر ما يعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام.

ويقال: المسيح وعزير.

ويقال: الملائكة عليهم السلام فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ يعني: أأنتم أمرتم عِبادِي هؤُلاءِ أن يعبدوكم أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ يعني: أم هم أخطئوا الطريق، فتبرأت الملائكة والأصنام.

قوله تعالى: قالُوا سُبْحانَكَ أي: تنزيهاً لك مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أي: ما يجوز لنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وقرأ الحسن وأبو جعفر المدني أن نَّتَّخِذَ بضم النون ونصب الخاء، ومعناه: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك إلها فتعبد.

وقراءة العامة: بنصب النون وكسر الخاء، يعني: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فيعبدوننا.

ويقال: معناه ما كان فينا روح نأمرهم بطاعتنا.

ويقال: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فنعبدهم، فكيف نأمر غيرنا بعبادتنا؟

كقوله تعالى: سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ [سبأ: 41] قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ بالياء.

فَيَقُولُ بالياء وقرأ الباقون: الأول بالنون والثاني بالياء.

ثم قال: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ يعني: أن هذا كان بكرمك وفضلك، لما عصوك لم تمنع عنهم الدنيا حتى اغتروا بذلك، وظنوا أنهم على الحق، حيث لم يصبهم بلاء ولم تمنع منهم النعمة، فذلك قوله: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ يعني: تركتهم في الدنيا يتمتعون، وأجلتهم وآباءهم في المتاع والسعة.

حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ يعني: تركوا التوحيد والإيمان بالقرآن.

وَكانُوا قَوْماً بُوراً أي هلكى فاسدين.

وأصله: الكساد يقال: بارت السوق إذا كسدت.

وقال الكلبي: بُوراً يعني: هالكين، فاسدة قلوبهم، غير متقين ولا محسنين.

يقول الله تعالى لعبدة الأوثان: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ يعني: الأصنام، ويقال: الملائكة فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً يعني: لا يستطيع الكفار انصرافاً إلى غير حجتهم التي تكلموا بها.

ويقال: لا تستطيعون صرفاً أي: انصرافاً عن حجتهم وَلا نَصْراً يعني: لا ينتصرون من آلهتهم حين كذّبتهم.

ويقال: لا تقدر الأصنام ولا الملائكة صرف العذاب عنهم وَلا نَصْراً يعني: لا يمنعونهم منه.

ويقال: الصرف الحيلة.

ويقال: لا يقبل منهم فدية أن يصرفوا عن أنفسهم بالفدية.

قرأ عاصم في رواية حفص فَما تَسْتَطِيعُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، يعني يقال لهم: لا تستطيعون صرف ذلك.

وقرأ الباقون بالياء ومعناه: أن الله تعالى يقول للنبي  : فما يستطيعون صرف ذلك عنهم.

ثم قال تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ يعني: يشرك بالله في الدنيا.

ويقال: يكفر بمحمد  والقرآن نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً في الآخرة، وهو عذاب النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ما جاؤوا إلاَّ إثماً وزوراً، أي: ما قالوا إلاَّ باطلاً وبُهْتَاناً قال البخاريُّ «١» : تُمْلى عَلَيْهِ تقرأ عليه من أمليت وأمللت، انتهى.

ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقول: إنَّ الذي أنزله هو الذي يعلم سِرَّ جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة الشيخ العارف بالله، سيدي عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : ولما كان المرادُ مِنَّا بمُقْتَضَى الحكمة الرَّبَانِيَّةِ العبادَةُ ودوامُهَا ولذلك خُلِقْنَا كما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، يعني:

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الآية [الذاريات: ٥٦] .

وهو عزل وجل غَنِيٌّ عن عبادتنا وعن كل شيء لكن الحكمة اقتضته لأَمرٍ لا يعلمه إلاَّ هو كما قال الله عز وجل:

الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: الذي يعلم الحكمةَ في خلقها وكذلك في خلقنا وخلق جميع المخلوقات، انتهى.

/ وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ...

الآية: المعنى عندهم: أنّ من كان ٤٢ ب رسولاً فهو مُسْتَغْنٍ عن الأكل والمشي في الأسواق، ومُحَاجَّتُهُمْ بهذا مذكورة في السِّيَرِ، ثم أَخبر تعالى عن كفَّارِ قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أَنَّهم قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي: قد سُحِرَ، ثُمَّ نَبَّهَ تعالى نِبَيَّهُ مُسَلِّياً له عن مقالتهم فقال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ...

الآية، والقصور التي في هذه الآية تَأَوَّلَهَا الثعلبيُّ وغيره أَنَّها في الدنيا، والقصور هي البيوتُ المبنية بالجدرات، لأَنَّها قصرت عن الداخلين والمستأذنين، وباقي الآية بيّن، والضمير في رَأَتْهُمْ لجهنم.

قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " يَحْشُرُهم " " فَيَقُولُ " بِالياءِ فِيهِما.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَحْشُرُهم " بِالنُّونِ " فَيَقُولُ " بِالياءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: " نَحْشُرُهم " " فَنَقُولُ " بِالنُّونِ فِيهِما جَمِيعًا؛ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ وَما يَعْبُدُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: يَعْنِي الأصْنامَ، فَيَأْذَنُ اللَّهُ لِلْأصْنامِ في الكَلامِ، ويُخاطِبُها ﴿ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي ﴾ أيْ: أمَرْتُمُوهم بِعِبادَتِكم ﴿ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ أيْ: أخْطَأُوا الطَّرِيقَ.

﴿ قالُوا ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ ﴿ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ﴾ نُوالِيهِمْ؛ والمَعْنى: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعْبُدَ نَحْنُ غَيْرَكَ، فَكَيْفَ نَدْعُو إلى عِبادَتِنا؟!

فَدَلَّ هَذا الجَوابُ عَلى أنَّهَمْ لَمْ يَأْمُرُوا بِعِبادَتِهِمْ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " أنْ نُتَّخَذَ " بِرَفْعِ النُّونِ وفَتْحِ الخاءِ.

ثُمَّ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِهِمُ الإيمانَ، فَقالُوا: ﴿ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ ﴾ أيْ: أطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ وأوْسَعَتْ لَهُمُ الرِّزْقَ ﴿ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ أيْ: تَرَكُوا الإيمانَ بِالقُرْآنِ والِاتِّعاظَ بِهِ ﴿ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْكَي.

وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى، البُورُ: [فِي] لُغَةِ أزْدِ عُمانَ: الفاسِدُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن بارَ يَبُورُ: إذا هَلَكَ وبَطَلَ، يُقالُ: بارَ الطَّعامُ: إذا كَسَدَ، وبارَتِ الأيِّمُ: إذا لَمْ يُرْغَبْ فِيها، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَتَعَوَّذُ مِن بَوارِ الأيِّمِ، قالَ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجُلٌ بُورٌ، وقَوْمٌ بُورٌ، لا يُجْمَعُ ولا يُثَنّى، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ وَقَدْ سَمِعْنا بِـ " رَجُلٍ بائِرٍ "، ورَأيْناهم رُبَّما جَمَعُوا " فاعِلًا " عَلى " فُعْلٍ "، نَحْوَ عائِذٍ وعُوذٍ، وشارِفٍ وشُرْفٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَيُقالُ لِلْكُفّارِ حِينَئِذٍ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ في قَوْلِكم: إنَّهم آلِهَةٌ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، ومُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ: " بِما يَقُولُونَ " بِالياءِ؛ والمَعْنى: كَذَّبُوكم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا ﴾ الآيَة؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فالمَعْنى: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المُشْرِكُونَ بِما تَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ( فَمًا يستطعيون صَرْفًا ولا نَصْرًا ) قَرَأ الأكْثَرُونَ بِالياءِ.

وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: فَما يَسْتَطِيعُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ عَنْكم ولا نَصْرًا لَكم.

والثّانِي: فَما يَسْتَطِيعُ الكُفّارُ صَرْفًا لِعَذابِ اللَّهِ عَنْهم ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ.

وَقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تَسْتَطِيعُونَ " بِالتّاءِ؛ والخِطابِ لِلْكُفّارِ.

وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ يُونُسَ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: الصَّرْفُ: الحِيلَةُ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لِيَتَصَرَّفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ ﴿ نُذِقْهُ ﴾ في الآخِرَةِ.

وَقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ، وأبُو الجَوْزاءِ [وَقَتادَةُ]: " يَذُقْهُ " بِالياءِ ﴿ عَذابًا كَبِيرًا ﴾ أيْ: شَدِيدًا.

﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ رُسُلًا مِنَ المُرْسَلِينَ، فَحُذِفَتْ " رُسُلًا " لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ يَدُلُّ عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴾ أيْ: إنَّهم كانُوا عَلى مَثَلِ حالِكَ، فَكَيْفَ تَكُونُ بِدَعًا مِنهُمْ؟!

فَإنْ قِيلَ: لِمَ كُسِرَتْ " إنَّهم " هاهُنا، وفُتِحَتْ في [ (بَراءَةٍ: ٥٤) في ] قَوْله: ﴿ أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهُمْ ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا هُنالِكَ عِلَّةَ فَتْحِ تِلْكَ؛ فَأمّا كَسْرُ هَذِهِ، فَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ فِيها واوُ حالٍ مُضْمَرَةٌ، فَكُسِرَتْ بَعْدَها " إنَّ " لِلِاسْتِئْنافِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا وإنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ، فَأُضْمِرَتِ الواوُ هاهُنا كَما أُضْمِرَتْ في قَوْلِهِ ﴿ أوْ هم قائِلُونَ  ﴾ ، والتَّأْوِيلُ: أوْ وهم قائِلُونَ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ كُسِرَتْ لِإضْمارِ " مَن " قَبْلَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا مَن إنَّهم لَيَأْكُلُونَ، قالَ الشّاعِرُ: فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ∗∗∗ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالمَهْلِ أرادَ: مَن دَمْعُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ الفِتْنَةُ: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ افْتِتانُ الفَقِيرِ بِالغَنِيِّ، يَقُولُ: لَوْ شاءَ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا، والأعْمى بِالبَصِيرِ، والسَّقِيمِ بِالصَّحِيحِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ابْتِلاءُ الشَّرِيفِ بِالوَضِيعِ، والعَرَبِيِّ بِالمَوْلى، فَإذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ فَرَأى الوَضِيعَ قَدْ سَبَقَهُ بِالإسْلامِ أنِفَ فَأقامَ عَلى كُفْرِهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ كانُوا إذا رَأوْا فَقُراءَ المُؤْمِنِينَ، قالُوا: انْظُرُوا إلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ مِن مَوالِينا ورَذالَتِنا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أتَصْبِرُونَ ﴾ لِأهْلِ البَلاءِ.

وعَلى الثّانِي: لِلرُّؤَساءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى سَبْقِ المُوالِي والأتْباعِ.

وعَلى الثّالِثِ: لِلْفُقَراءِ؛ فالمَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى أذى الكُفّارِ واسْتِهْزائِهِمْ، والمَعْنى: قَدْ عَلِمْتُمْ ما وُعِدَ الصّابِرُونَ، ﴿ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ بِمَن يَصْبِرُ وبِمَن يَجْزَعُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَبِيلَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أولِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، والضَمِيرُ في "يَحْشُرُهُمْ" لِلْكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَعْبُدُونَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، فَغَلَّبَ العِبارَةَ عَمّا لا يَعْقِلُ مِنَ الأوثانِ لِأنَّها كانَتِ الأغْلَبُ وقْتَ المُخاطَبَةِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يَحْشُرُهُمْ" "فَيَقُولُ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالنُونِ فِيهِما، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وطَلْحَةَ، وعاصِمْ أيْضًا، وقَرَأ نافِعٌ "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ "فَيَقُولُ" بِالياءِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِكَ"، وقَرَأ الأعْرَجُ "نَحْشِرُهُمْ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّ "يَفْعِلُ" بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن "يَفْعُلُ" بِضَمِّ العَيْنِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن أنَّ اللهَ تَعالى يُوَبِّخُ الكَفّارَ في القِيامَةِ بِأنْ يُوقِفَ المَعْبُودِينَ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِيَقَعَ الجَوابُ بِالتَبَرِّي مِنَ الذَنْبِ فَيَقَعُ الخِزْيُ عَلى الكافِرِينَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المَوْقِفِ المُجِيبِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو كُلُّ مَن ظُلِمْ بِأنْ عُبِدَ مِمَّنْ يَعْقِلُ: كالمَلائِكَةِ وعُزَيْرَ وعِيسى وغَيْرِهِمْ، وقالَ الضَحّاكُ، وعِكْرِمَةُ: المَوْقِفُ المُجِيبُ: الأصْنامُ الَّتِي لا تَعْقِلُ، يُقَدِّرُها اللهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، ويَجِيءُ خِزْيُ الكَفَرَةِ لِذَلِكَ أبْلَغَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَتَّخِذَ" بِفَتْحِ النُونِ، وذَهَبُوا بِالمَعْنى إلى أنَّهُ مِن قَوْلِ مَن يَعْقِلُ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى الَّتِي في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ  ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ  ﴾ ، وكَقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ  ﴾ ، و ﴿ مِن أولِياءَ ﴾ - في هَذِهِ القِراءَةِ - في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وأبُو الدَرْداءِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو رَجاءَ، ونَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، ومَكْحُولٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ: "نُتَّخَذُ" بِضَمِّ النُونِ، وتَذْهَبُ هَذِهِ مَذْهَبَ مَن يَرى أنَّ المَوْقِفَ المُجِيبَ الأوثانُ، ويُضْعِفُ هَذِهِ القِراءَةَ دُخُولُ "مِن" في قَوْلِهِ: " مِن أولِياءَ "، اعْتَرَضَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "مِن أولِياءَ" في مَوْضِعِ الحالِ، ودَخَلَتْ "مِن" زِيادَةً لِمَكانِ النَفْيِ المُتَقَدِّمْ، كَما تَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ زَيْدًا مِن وكِيلٍ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ: "ما يَنْبَغِي" بِسُقُوطِ "كانَ".

وثُبُوتُها أمْكَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا عَلى حالٍ كانَتْ في الدُنْيا، ووَقْتُ الإخْبارِ لا عَمَلَ فِيهِ.

وفَسَّرَ هَذا المُجِيبُ -بِحَسْبِ الخِلافِ فِيهِ- الوَجْهَ في ضَلالِ الكُفّارِ، كَيْفَ وقَعَ؟

وأنَّهُ لَمّا مَتَّعَهُمُ اللهُ تَعالى بِالنِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ وأدَرَّها لَهم ولِأسْلافِهِمُ الأحْقابَ الطَوِيلَةَ نَسُوا الذِكْرَ، أيْ: ما ذُكِّرَ بِهِ الناسُ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ.

و "بُورًا" مَعْناهُ: هَلْكى، والبَوارُ: الهَلاكُ، واخْتُلِفَ في لَفْظِهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والواحِدُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِبَعْرى: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتَ إذْ أنا بُورُ وقالَتْ فَرْقَةٌ: هي جَمْعُ بائِرٍ، وهو الَّذِي قَدْ فارَقَهُ الخَيْرُ فَحَصَلَ بِذَلِكَ في حُكْمِ الهَلاكِ، باشَرَهُ الهَلاكُ بَعْدُ أو لَمْ يُباشِرْ، قالَ الحَسَنُ: البائِرُ: الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِلا خِلافٍ، فَمَن قالَ: "إنَّ المُجِيبَ الأصْنامُ" كانَ مَعْنى هَذِهِ إخْبارَهُ الكُفّارَ أنَّ أصْنامَهم قَدْ كَذَّبُوهُمْ، وفي هَذا الإخْبارِ خِزْيٌ وتَوْبِيخٌ، والفِرْقَةُ الَّتِي قالَتْ: "إنَّ المُجِيبَ هو المَلائِكَةُ، وعُزَيْرٌ، وعِيسى، ونَحْوُهُمُ" اخْتَلَفَتْ في المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: المُخاطَبُ الكُفّارُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المُخاطَبُ هَؤُلاءِ المَعْبُودُونَ، أعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى أنَّ الكُفّارَ بِأفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ قَدْ كَذَّبُوا بِهَذِهِ المَقالَةِ، وزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الأولِياءُ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خاطَبَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، أيْ: قَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ فِيما تَقُولُونَ مِنَ التَوْحِيدِ والشَرْعِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، والناسِ: "تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ "يَسْتَطِيعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، "فَما تَسْتَطِيعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في "يَسْتَطِيعُونَ" هو لِلْمُشْرِكِينَ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكَ صَرْفًا"، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لَقَدْ كَذَّبُوكَ فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكَ"، قالَ أبُو حاتِمْ في حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "لَكم صَرْفًا" عَلى جَمْعِ الضَمِيرِ و "صَرْفًا" مَعْناهُ: رَدُّ التَكْذِيبِ أوِ العَذابِ أو ما اقْتَضاهُ المَعْنى، بِحَسْبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ ﴾ قِيلَ: هو خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: هو لِلْمُؤْمِنِينَ.

والظُلْمُ هو الشِرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُمْ غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي.

وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "وَمَن يَكْذِبْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا ألِيمًا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عُطف ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ إما على جملة: ﴿ قل أذلك خير ﴾ [الفرقان: 15] إن كان المراد: قل للمشركين، أو عُطف على جملة: ﴿ وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ﴾ [الفرقان: 11] على جواز أن المراد: قل للمؤمنين.

وعلى كلا الوجهين فانتصاب ﴿ يوم نحشرهم ﴾ على المفعولية لفعل محذوف معلوم في سياق أمثاله، تقديره: اذكر ذلك اليوم لأنه لما توعدهم بالسعير وما يلاقون من هولها بيّن لهم حال ما قبل ذلك وهو حالهم في الحشر مع أصنامهم.

وهذا مظهر من مظاهر الهول لهم في المحشر إذ يشاهدون خيبة آمالهم في آلهتهم إذ يرون حقارتها بين يدي الله وتبرؤها من عُبّادها وشهادتها عليهم بكفرانهم نعمة الله وإعراضهم عن القرآن، وإذ يسمعون تكذيب من عبدوهم من العقلاء من الملائكة وعيسى عليهم السلام والجن ونسبوا إليهم أنهم أمروهم بالضلالات.

وعموم الموصول من قوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ شامل لأصناف المعبودات التي عبدوها ولذلك أوثرت (ما) الموصولة لأنها تصدق على العقلاء وغيرهم.

على أن التغليب هنا لغير العقلاء.

والخطاب في ﴿ أأنتم أضللتم ﴾ للعقلاء بقرينة توجيه الخطاب.

فجملة: ﴿ قالوا سبحانك ﴾ جواب عن سؤال الله إياهم: ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ﴾ ، فهو استئناف ابتدائي ولا يتعلق به ﴿ يوم نحشرهم ﴾ .

وقرأ الجمهور: ﴿ نحشرهم ﴾ بالنون و ﴿ يقول ﴾ بالياء ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة.

وقرأه ابن كثير وأبو جعفر ويعقوب ﴿ يحشرهم ويقول ﴾ كليهما بالياء.

وقرأ ابن عامر ﴿ نحشرهم ونقول ﴾ كليهما بالنون.

والاستفهام تقريري للاستنطاق والاستشهاد.

والمعنى: أأنتم أضللتموهم أم ضلوا من تلقاء أنفسهم دون تضليل منكم.

ففي الكلام حذف دل عليه المذكور.

وأخبر بفعل: ﴿ أضللتم ﴾ عن ضمير المخاطبين المنفصل وبفعل ﴿ ضلّوا ﴾ عن ضمير الغائبين المنفصل ليفيد تقديم المسند إليهما على الخبرين الفعليين تقوي الحكم المقرر به لإشعارهم بأنهم لا مناص لهم من الإقرار بأحد الأمرين وأن أحدهم محقق الوقوع لا محالة.

فالمقصود بالتقوية هو معادل همزة الاستفهام وهو: ﴿ أم هم ضلوا السبيل ﴾ .

والمجيبون هم العقلاء من المعبودين الملائكة وعيسى عليهم السلام.

وقولهم: ﴿ سبحانك ﴾ كلمة تنزيه كني بها عن التعجب من قول فظيع.

كقول الأعشى: قد قلت لما جاءني فخره *** سبحان من علقمة الفاخر وتقدم في سورة النور (16): ﴿ سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ واعلم أن ظاهر ضمير نحشرهم } أن يعود على المشركين الذين قرعتهم الآية بالوعيد وهم الذين قالوا: ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ﴾ إلى قوله: ﴿ مسحوراً ﴾ [الفرقان: 7، 8]؛ لكن ما يقتضيه وصفهم ب ﴿ الظالمون ﴾ والإخبار عنهم بأنهم كذبوا بالساعة وما يقتضيه ظاهر الموصول في قوله: ﴿ لمن كذب بالساعة ﴾ [الفرقان: 11] من شمول كل من تحقق فيه مضمون الصلة، كل ذلك يقتضي أن يكون ضمير ﴿ نحشرهم ﴾ عائداً إلى ﴿ من كذب بالساعة ﴾ فيشمل المشركين الموجودين في وقت نزول الآية ومن انقرض منهم بعد بلوغ الدعوة المحمدية ومن سيأتي بعدهم من المشركين.

ووصف العباد هنا تسجيل على المشركين بالعبودية وتعريض بكفرانهم حقها.

والإشارة إليهم لتمييزهم من بين بقية العباد.

وهذا أصل في أداء الشهادة على عين المشهود عليه لدى القاضي.

وإسناد القول إلى ما يُعبدون من دون الله يقتضي أن الله يجعل في الأصنام نطقاً يسمعه عبدتها، أما غير الأصنام ممن عبد من العقلاء فالقول فيهم ظاهر.

وإعادة فعل ﴿ ضلوا ﴾ في قوله: ﴿ أم هم ضلوا السبيل ﴾ ليجري على ضميرهم مسند فعلي فيفيد التقوّي في نسبة الضلال إليهم.

والمعنى: أم هم ضلوا من تلقاء أنفسهم دون تضليل منكم.

وحق الفعل أن يعدى ب (عن) ولكنه عدي بنفسه لتضمنه معنى (أخطؤوا)، أو على نزع الخافض.

و ﴿ سبحانك ﴾ تعظيم لله تعالى في مقام الاعتراف بأنهم ينزهون الله عن أن يدّعوا لأنفسهم مشاركته في الإلهية.

ومعنى: ﴿ ما كان ينبغي لنا ﴾ ما يطاوعنا طلب أن نتخذ عبدة لأن (انبغى) مطاوع (بغاه) إذا طلبه.

فالمعنى: لا يمكن لنا اتخاذنا أولياء، أي عباداً، قال تعالى: ﴿ وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ [ص: 35].

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً ﴾ في سورة مريم (92).

وهو هنا كناية عن انتفاء طلبهم هذا الاتخاذ انتفاء شديداً، أي نتبرأ من ذلك، لأن نفي (كان) وجعل المطلوب نفيه خبراً عن (كان) أقوى في النفي ولذلك يسمى جحوداً.

والخبر مستعمل في لازم فائدته، أي نعلم أنه لا ينبغي لنا فكيف نحاوله.

(ومن) في قوله: ﴿ من دونك ﴾ للابتداء لأن أصل (دون) أنه اسم للمكان، ويقدر مضاف محذوف يضاف إليه (دون) نحو: جلست دون، أي دون مكانه، فموقع (من) هنا موقع الحال من ﴿ أولياء ﴾ .

وأصلها صفة ل ﴿ أولياء ﴾ فلما قدمت الصفة على الموصوف صارت حالاً.

والمعنى: لا نتخذ أولياء لنا موصوفين بأنهم من جانب دون جانبك، أي أنهم لا يعترفون لك بالوحدانية في الإلهية فهم يشركون معك في الإلهية.

وعن ابن جني: أن (من) هنا زائدة.

وأجاز زيادة (من) في المفعول.

و (من) في قوله: ﴿ من أولياء ﴾ مزيدة لتأكيد عموم النفي، أي استغراقه لأنه نكرة في سياق النفي.

والأولياء: جمع الولي بمعنى التابع في الولاء فإن الولي يرادف المولى فيصدق على كلا طرفي الولاء، أي على السيد والعبد، أو الناصر والمنصور.

والمراد هنا: الوليّ التابع كما في قوله: ﴿ فتكون للشيطان ولياً ﴾ في سورة مريم (45)، أي لا نطلب من الناس أن يكونوا عابدين لنا.

وقرأ الجمهور ﴿ نتخذ ﴾ بالبناء للفاعل.

وقرأه أبو جعفر ﴿ نتخذ ﴾ بضم النون وفتح الخاء على البناء للمفعول، أي أن يتخذنا الناس أولياء لهم من دونك.

فموقع ﴿ من دونك ﴾ موقع الحال من ضمير ﴿ نتخذ ﴾ .

والمعنى عليه: أنهم يتبرَّؤون من أن يدعوا الناس لعبادتهم، وهذا تسفيه للذين عبدوهم ونسبوا إليهم موالاتهم.

والمعنى لا نتخذ من يوالينا دونك، أي من يعبدنا دونك.

والاستدراك الذي أفاده (لكن) ناشئ عن التبريء من أن يكونوا هم المضلين لهم بتعقيبه ببيان سبب ضلالهم لئلا يتوهم أن تبرئة أنفسهم من إضلالهم يرفع تبعة الضلال عن الضالين.

والمقصود بالاستدراك ما بعد (حتى) وهو ﴿ نسوا الذكر ﴾ .

وأما ما قبلها فقد أدمج بين حرف الاستدراك ومدخوله ما يسجل عليهم فظاعة ضلالهم بأنهم قَابَلوا رحمةَ الله ونعمتَه عليهم وعلى آبائهم بالكفران، فالخبر عن الله بأنه متّع الضالين وآباءهم مستعمل في الثناء على الله بسعة الرحمة، وفي الإنكار على المشركين مقابلة النعمة بالكفران غضباً عليهم.

وجعل نسيانهم الذكر غاية للتمتيع للإيماء إلى أن ذلك التمتيع أفضى إلى الكفران لخبث نفوسهم فهو كجَوْد في أرضضٍ سبخةٍ قال تعالى: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ [الواقعة: 82].

والتعرض إلى تمتيع آبائهم هنا مع أن نسيان الذكر إنما حصل من المشركين الذين بلغتهم الدعوة المحمدية ونسوا الذكر، أي القرآن، هو زيادة تعظيم نعمة التمتيع عليهم بأنها نعمة متأثلة تليدة، مع الإشارة إلى أن كفران النعمة قد انجرّ لهم من آبائهم الذين سنّوا لهم عبادة الأصنام.

ففيه تعريض بشناعة الإشراك ولو قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم وبهذا يظهر أن ضمير ﴿ نسوا ﴾ وضمير ﴿ كانوا ﴾ عائدان إلى الظالمين المكذبين بالإسلام دون آبائهم لأن الآباء لم يسمعوا الذكر.

والنسيان مستعمل في الإعراض عن عمد على وجه الاستعارة لأنه إعراض يشبه النسيان في كونه عن غير تأمل ولا بصيرة.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ في سورة الأنعام (41).

والذكر: القرآن لأنهُ يُتذكر به الحق، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ في سورة الحجر (6).

والبور: جمع بائر كالعُوذ جمع عائذ، والبائر: هو الذي أصابه البوار، أي الهلاك.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ [إبراهيم: 28] أي الموت.

وقد استعير البور لشدة سوء الحالة بناء على العرف الذي يعد الهلاك آخر ما يبلغ إليه الحي من سوء الحال كما قال تعالى: ﴿ يُهلكون أنفسهم ﴾ [التوبة: 42]، أي سوء حالهم في نفس الأمر وهم عنه غافلون.

وقيل: البوار الفساد في لغة الأزد وأنه وما اشتق منه مما جاء في القرآن بغير لغة مضر.

واجتلاب فعل (كان) وبناء ﴿ بوراً ﴾ على ﴿ قوماً ﴾ دون أن يقال: حتى نسوا الذكر وباروا للدلالة على تمكن البوار منهم بما تقتضيه (كان) من تمكن معنى الخبر، وما يقتضيه (قوماً) من كون البوار من مقومات قوميتهم كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ حَشْرُ المَوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: حَشْرُ البَعْثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ: هم عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ.

﴿ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ ﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ لِإكْذابِ مَنِ ادَّعى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

وَفِيمَن يُقالُ لَهُ ذَلِكَ القَوْلُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُقالُ هَذا لِلْمَلائِكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: لِعِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ أيْ أخْطَأُوا قَصْدَ الحَقِّ فَأجابُوا بِأنْ: ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما ما كُنّا نُوالِيهِمْ عَلى عِبادَتِنا.

الثّانِي: ما كُنّا نَتَّخِذُهم لَنا أوْلِياءَ.

﴿ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَتَّعَهم بِالسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: بِطُولِ العُمْرِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: بِالأمْوالِ والأوْلادِ.

﴿ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حَتّى تَرَكُوا القُرْآنَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: حَتّى غَفَلُوا عَنِ الطّاعَةِ.

الثّالِثُ: حَتّى نَسُوا الإحْسانَ إلَيْهِمْ والإنْعامَ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي هَلْكى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ.

الثّانِي: هُمُ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تُعَطِّلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ.

الثّالِثُ: أنَّ البَوارَ الفَسادُ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وقَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ بارَتْ إذا كَسَدَتْ كَسادَ الفاسِدِ ومِنهُ الأثَرُ المَرْوِيُّ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن بَوارِ الأيِّمِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبْعَرى: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقَتْ إذْ أنا بُورُ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَلائِكَةَ والرُّسُلَ قَدْ كَذَّبُوا الكُفّارَ فِيما يَقُولُونَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ فِيما يَقُولُونَهُ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: صَرْفُ العَذابِ عَنْهم ولا يَنْصُرُونَ أنْفُسَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَ الحُجَّةِ عَنْهم ولا نَصْرًا عَلى آلِهَتِهِمْ في تَعْذِيبِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَكَ يا مُحَمَّدُ عَنِ الحَقِّ ولا نَصْرَ أنْفُسِهِمْ مِن عَذابِ التَّكْذِيبِ، حَكاهُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّ الصَّرْفَ الحِيلَةُ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والصَّرْفُ الحِيلَةُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ أيْ يَحْتالُ.

وَأمّا قَوْلُهم لا يُقْبَلُ مِنهم صَرْفٌ ولا عَدْلٌ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّرْفَ: النّافِلَةُ، والعَدْلَ: الفَرِيضَةُ.

الثّانِي: أنَّ الصَّرْفَ: الدِّيَةُ، والعَدْلَ: القَوَدُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ءأنتم أضللتم عبادي ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة.

وأخرج الحاكم وابن مردويه بسند ضعيف عن عبد الله بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل عن قول الله: ﴿ وما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ﴾ أو نتخذ فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ إن نتخذ ﴾ بنصب النون فسألته عن ﴿ الم غلبت الروم ﴾ [ الروم: 1-2] أو غلبت قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ غلبت الروم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الضحاك قال: قرأ رجل عند علقمة ﴿ ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك ﴾ برفع النون ونصب الخاء فقال علقمة ﴿ أن نتخذ ﴾ بنصب النون وخفض الخاء.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه كان يقرؤها ﴿ ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك ﴾ برفع النون ونصب الخاء.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ﴾ قال: هذا قول الآلهة ﴿ ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً ﴾ قال: البور: الفاسد.

وانه ما نسي الذكر قوم قط إلاَّ باروا، وفسدوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قوماً بوراً ﴾ هَلْكَى.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ قوماً بوراً ﴾ قال هلكى بلغة عمان وهم من اليمن قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم ** وكافراً به فالكفر بور لصانعه وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: البور: بكلام عمان.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ بوراً ﴾ قال قاسين لا خير فيهم.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قوماً بوراً ﴾ قال: هالكين ﴿ فقد كذبوكم بما تقولون ﴾ يقول الله للذين كانوا يعبدون عيسى وعزيراً والملائكة حين قالوا سبحانك!

أنت ولينا من دونهم فقد كذبوكم بما تقولون عيسى، وعزيراً، والملائكة حين يكذبون المشركين، بقولهم ﴿ فما يستطيعون صرفاً ولا نصراً ﴾ قال: المشركون لا يستطيعون صرف العذاب، ولا نصر أنفسهم.

أما قوله تعالى: ﴿ ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: قرأت اثنين وسبعين كتاباً كلها نزلت من السماء ما سمعت كتاباً أكثر تكريراً فيه الظلم معاتبة عليه من القرآن.

وذلك أن الله علم أن فتنة هذه الأمة تكون في الظلم، وأما الآخر فإن أكثر معاتبته إياهم في الشرك، وعبادة الأوثان.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ ومن يظلم منكم ﴾ قال هو الشرك.

وأخرج ابن جرير عن ابن جرير في قوله: ﴿ ومن يظلم منكم ﴾ قال: يشرك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ قال مقاتل: يجمعهم يعني: كفار مكة (١) (٢) (٣) ﴿ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: ونحشر ما يعبدون من دون الله (٤) (٥) وقال عكرمة، والضحاك: يعني الأصنام (٦) وقال الكلبي في هذه الآية: يعني عبدة الأوثان، والأصنام (٧) ثم يأذن لها في الكلام ويخاطبها ﴿ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ ﴾ (٨) ﴿ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ يقول: أم هم أخطأوا الطريق (٩) وقرئ: ﴿ نَحْشُرُهُمْ ﴾ بالياء، والنون.

وكذلك ﴿ فَيَقُولُ ﴾ بالياء، والنون (١٠) وذلك على تلوين الخطاب من الإفراد والجمع (١١) (١) "تفسير مقاتل" ص 43 ب.

(٢) في (ج): (من) بدون واو.

(٣) ذكر هذا كله الواحدي.

رحمه الله.

في "الوسيط" 3/ 336، غير منسوب.

(٤) "تفسير مقاتل" ص 43 ب.

و"تفسير الطوسي" 7/ 478، ولم ينسبه.

وذِكرُ المعبودات هنا بلفظ ﴿ مَا ﴾ إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جمادٌ بل عدمٌ بالنسبة إليه سبحانه.

مع أن ﴿ مَا ﴾ موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم، من كان أكثر استعماله في غير العقلاء.

"نظم الدرر" 13/ 360.

و"تفسير أبي السعود" 6/ 208.

(٥) أخرجه ابن جرير 18/ 189.

وابن أبي حاتم 8/ 2672.

و"تفسير مجاهد" 2/ 448.

وذكره عنه الثعلبي 93 ب.

والماوردي 4/ 136.

وابن كثير 6/ 99.

(٦) "تفسير الثعلبي" 93 ب، منسوبًا لهما.

وهو كذلك في "الوسيط" 3/ 336.

والبغوي 6/ 76.

وابن عطية 11/ 17.

والقول الأول أرجح: لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ .

"تفسير ابن جزي" 482، و "تفسير أبي حيان" 6/ 447.

(٧) "تنوير المقباس" ص 301.

وفي "تفسير البحر" 6/ 447، عن الكلبي: يحي الله الأصنام يومئذٍ لتكذيب عابديها.

(٨) الاستفهام هنا على سبيل التقريع للمشركين، كما قال لعيسى -  - ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ .

ولأن تبرؤ المعبودين منهم أشد في حسرتهم وحيرتهم.

"تفسير الرازي" 24/ 62.

(٩) "تفسير مقاتل" ص 43 ب.

وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2672، عن مقاتل بن حيان بلفظ: قد أخطأوا قصد السبيل.

وهو عند البغوي 6/ 76، غير منسوب.

(١٠) ﴿ يَحْشُرُهُمْ ﴾ قرأ بالياء: ابن كثير، وحفص عن عاصم، وبالنون: نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر.

"السبعة" ص 462.

و"الحجة" 5/ 337، و"إعراب القراءات" لابن خالويه 2/ 117، و"المبسوط في القراءات العشر" ص 270، و"التبصرة" ص 631، و"النشر" 2/ 333.

و ﴿ فنقول ﴾ بالنون، قراءة ابن عامر، والباقون بالياء.

المصادر السابقة.

(١١) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 338.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد ﴾ إنما جاز هنا التفضيل بين الجنة والنار، لأن الكلام سؤال وتوبيخ، وإنما يمنع التفضيل بين شيئين، ليس بينهما اشتراك في المعنى إذ كان الكلام خبراً ﴿ وَعْداً مَّسْئُولاً ﴾ أي سأله المؤمنين أو الملائكة في قولهم: وأدخلهم جنات عدن، وقيل: معناه وعداً واجب الوقوع، لأنه حتمه ﴿ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ ﴾ القائل لذلك هو الله عز وجل، والمخاطب هم المعبودون مع الله على العموم، وقيل: الأصنام خاصة، والأول أرجح لقوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ [سبأ: 40] وقوله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ [المائدة: 119] ﴿ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل ﴾ أم هنا معادلة لما قبلها، والمعنى أن الله يقول يوم القيامة للمعبودين: ﴿ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ﴾ من تلقاء أنفسهم باختيارهم ولم تضلوهم أنتم؟

ولأجل ذلك بين هذا المعنى بقوله: ﴿ هُمْ ﴾ ليتحقق إسناد الضلال إليهم، فإنما سألهم الله هذا السؤال مع علمه بالأمور ليوبخ الكفار الذين عبدوهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جنة نأكل ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء التحتانية ﴿ ويجعل لك ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل وابن كثير.

الباقون بالجزم وذلك أن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الرفع والجزم ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ فيقول ﴾ كلاهما بالياء: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما.

الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني ﴿ أن يتخذ ﴾ على البناء للمفعول: زيد ويزيد ﴿ بما تقولون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل.

﴿ تستطيعون ﴾ على الخطاب: حفص غير الخزاز.

الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده بدل من ﴿ الذي نزل ﴾ والتعليل من تمام الصلة، ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ ولا نشوراً ﴾ ه ﴿ آخرون ﴾ ج لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون ﴿ فقد جاؤا ﴾ من قول الكفار أي جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور ﴿ وزوراً ﴾ ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف المتفقتين مع عوارض وطول الكلام ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ السواق ﴾ ط ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف ﴿ قصوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ وزفيراً ﴾ ه ﴿ ثبوراً ﴾ الأول ه ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ط ﴿ مسؤولاً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ الذكر ﴾ ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ تقولون ﴾ ه إلا لمن قرأ ﴿ تستطيعون ﴾ بتاء الخطاب ﴿ نصيراً ﴾ ج ه للشرط مع العطف ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ في السواق ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ أتصبرون ﴾ ج لاحتمال كون الواو للحال ﴿ بصيراً ﴾ ه.

التفسير: إنه  تكلم في هذه السورة أولاً في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب.

ومعنى ﴿ تبارك ﴾ كثر خيره وزاد أو  عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله  ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله ﴿ تبارك ﴾ دليل على أن كل البركة والخير إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فذلك صح إيقاعها صلة للذي.

والضمير في ﴿ ليكون ﴾ لعبده أو للفرقان كقوله ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثاً إلى الجن والإنس إلى آخر مدة التكليف.

والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير.

قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيراً للكل.

وعورض بنحو قوله ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم  ﴾ والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه  بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة.

ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها ﴿ الذي له ملك السوات والأرض ﴾ وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره.

الثانية ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ وفيه رد النصارى واليهود الثالثة ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي ايضاً، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال جار الله: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو مافيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.

وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديراً فخلفه في وقته موافقاً لذلك التقدير.

والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلاً ﴿ واتخذوا ﴾ الآية.

وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن الله، فتكون الآية رداً على الكل.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ من دونه ﴾ لتقدم الذكر مفرداً وفي مريم ويس ﴿ من دون الله  ﴾ لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيماً فلن يكن بد من التصريح.

وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهان منكري النبوة والأجوبة عنها.

فالشبهة الأولى قولهم ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه ﴾ أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في غضافته إلى الله  .

وقوله ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ نظير قوله  ﴿ إنما يعلمه بشر لسان الذي  ﴾ وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراً ﴾ اي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه.

وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض اي أتوا بالظلم والزور.

فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله.

إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف،فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا يتلقن من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم ايضاً أن يستعينوا بغيرهم.

قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه.

الشبهة الثانية قولهم ﴿ أنه أساطير الأولين ﴾ اي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم ﴿ اكتتبها ﴾ لنفسه كقولك "استكب الماء" أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلباً لأنه يقال "أمليت عليه فهو يكتتبها" وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.

قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ أي دائماً أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم.

فأجاب عن هذه الشبهة بقوله ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر ﴾ الآية.

والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد.

قال أبومسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة.

وقيل: هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه.

الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن ﴿ ما لهذا ﴾ الزاعم أنه رسول أي ما باله ﴿ يأكل الطعام ﴾ كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد.

زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنساناً معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهراً بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد ن الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين.

وانتصب ﴿ فيكون ﴾ لأنه جواب "لولا" بمعنى "هلا" وحكمه حكم الاستفهام ومحل ﴿ أنزل ﴾ الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين ﴿ وقال الظالمون ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله.

والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقاً إليه.

وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل.

وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله ﴿ تبارك ﴾ أي تكاثر خبر ﴿ الذي إن شاء ﴾ وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا: ثم فسر ذلك الخبر بقوله ﴿ جنات ﴾ عن ابن عباس: خيراً من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة.

وعنه في رواية عكرمة خيراً من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش.

وفي قوله ﴿ إن شاء ﴾ دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته.

وقيل: "إن" بمعنى "إذ" أي قد جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصوراً.

والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.

وقال مجاهد: إن شاء جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصوراً.

عن طاوس عن ابن عباس قال: "بينما رسول الله  جالس وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك.

فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها احداً قبلك ولا يعطيها أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً.

فقال  : بل يجمعها لي في الآخرة" فنزلت هذه الآية.

وعن النبي  : "عرض عليّ جبرائيل  بطحاء مكة ذهباً فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" .

وفي رواية "أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت" .

قوله ﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا يرجون ثواباً ولا عقاباً.

ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها.

﴿ وأعتدنا ﴾ جعلناها عدة ومعدة لهم.

وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل أن يقال: هو كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ قالت الأشاعرة: البنية ليست شرطاً في الحياة وتوابعها فأجروا قوله ﴿ إذا رأتهم ﴾ على ظاهره وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار.

والمعتزلة أوّلوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم في قولهم "دورهم تتراءى وتتناظر" كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز.

والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر.

وقال الجبائي: ذكر النار واراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم.

قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً فكيف قال الله  ﴿ سمعوا لها تغيظ ﴾ وأجيب بأن المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ.

قاله الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: متقلداً سيفاً ورمحاً *** يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم  يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي.

وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها.

عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح.

وسئل النبي  عن ذلك فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" .

قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة.

وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض.

وجاء في الأحاديث "إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" .

وقال الصوفية.: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً  ﴾ ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم.

والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بواثبوراه اي يقال يا ثبور فهذا أوانك وههنا إضمار اي يقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ﴾ إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول.

ومعنى ﴿ وادعوا ثبوراً كبيراً ﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير.

إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة.

قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.

ثم وبخهم بقوله ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به وليس هذا الاستفهام كقول القائل "السكر أحلى أم الصبر" ولكن الغرض منه التقريع كلما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟

والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن نعيمها لا ينقطع.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ وعد ﴾ دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد والفضل لا لأجل العمل.

وقالت المعتزلة: في قوله ﴿ المتقون ﴾ إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار ﴿ كانت لهم جزاء ومصيراً ﴾ أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل هناك.

قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم.

أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون بإدخال الله أهل العفو الجنة؟

قال جار الله: ذكر المصير مع ذكر الجزاء مدحاً للثواب مكانه كقوله ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقاً  ﴾ وفي قوله ﴿ لهم فيها ما يشاؤن ﴾ دلالة على أن حصول المرادات بأسرها لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات.

والضمير في ﴿ كان ﴾ ﴿ لما يشاؤن ﴾ واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ على ربك ﴾ أن ذلك واجب على الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم.

وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله ﴿ وعداً مسؤلاً ﴾ كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك  ﴾ أو سألته الملائكة في قولهم { ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم  ﴾ أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد على المؤمنين.

قوله ﴿ يوم نحشرهم ﴾ رجوع إلى قوله ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ وظاهر قوله ﴿ وما يعبدون ﴾ أنها الأصنام وظاهر قوله ﴿ أأنتم أضللتم ﴾ أنه من عبد من العقلاء كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله  فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد أنهم تكلموا بلسان الحال.

وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين العقلاء نظيره قوله ﴿ ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون  ﴾ ثم قالوا: إن لفظة "ما" قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: "ما زيد" تريد أطويل أم قصير.

والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه.

وإنما قال أنتم وهم ولم يقل "أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل"، لأن السؤال وقع عمن تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال.

وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن يجيب المعبودين بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال لعيسى ﴿ أأنت قلت للناس  ﴾ وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو للطريق.

﴿ قالوا سبحانك ﴾ تعجباً مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا بـ ﴿ سبحانك ﴾ ليدلوا على أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟

أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما نداً، أو قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفاده علم أو إيذاء من كان بريئاً من الجرم بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.

من قرأ ﴿ أن نتخذ ﴾ بفتح النون فظاهر وهو متعدٍ إلى واحد والأصل أن نتخذ أولياء من دونك فزيدت "من" لتأكيد معنى النفي.

ومن قرأ بضم النون فهو متعدٍ إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء.

ولا تكون "من" زائدة لأنها لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما أتخذت أحداً من ولي فـ "من" للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء.

وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.

وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن المعنى إذ كنا لا نرى أن نتخذ من دونك ولياً فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟

الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار.

قال تعالى ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ [النساء: 76} يريد الكفرة عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا.

أو قالت الملائكة: أنا وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك ولياً.

الرابع قالت الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادّعاء أنا من المعبودين.

وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعاً.

و ﴿ الذكر ﴾ ذكر الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.

قالت المعتزلة: في قوله ﴿ ولكن متعتهم ﴾ الخ.

دليل بيِّن على أن الله عز وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشر سبب الكفر ونسيان الذكر.

فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا.

وقالت الأشاعرة: بل فيه دلالة على أن الله  هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك.

أما قوله ﴿ وكانوا قوماً بوراً ﴾ فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل وحول.

وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال "رجل بور" أي فاسد هالك لا خير فيه "وامرأة بور" و "قوم بور" كما يقال "أنت بشر" و "أنتم بشر".

قالت المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال.

وقالت الأشاعرة: أراد أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضاً.

قوله ﴿ فقد كذبوكم ﴾ التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه قال: إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة.

أو بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة.

قال جار الله: الباء في الأول كقوله ﴿ بل كذبوا بالحق ﴾ والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون.

وفي الثاني كقولك "كتبت بالقلم".

﴿ فما تستطيعون ﴾ أنتم يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم.

وقيل: الصرف التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله.

وقيل: الحيلة من قولهم "إنه ليتصرف" أي يحتال.

ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله ﴿ ومن يظلم ﴾ الآية.

فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ظلم لقوله ﴿ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون  ﴾ والإنصاف أنه لا دلالة في الاية على مطلوبهم لأن "من" ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله ﴿ منكم ﴾ ولئن سلم فلعله مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة العذاب لا تدل على الخلود.

ثم بين بقوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الآية.

أنه لا وجه لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله.

قال الزجاج: الجملة بعد "إلا" صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين: إلا آكلين وماشين.

وإنما حذف لأن في قوله ﴿ من المرسلين ﴾ دليلاً عليه نظيره ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا أحد.

وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم.

وقال ابن الأنباري: المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالاً كقوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم  ﴾ قوله ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال الكلبي والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد اسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله  ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما روي عن أبي الدرداء عن النبي  "ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية" وقال آخرون: إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد  بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين.

قالت الأشاعرة: في هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر.

وقال الجبائي: هذا الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلاناً لص إنه جعله لص.

قال في الكشاف: موقع ﴿ أتصبرون ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً  ﴾ قلت: أراد أن كلاً من الابتلاء والفتنة يستدعي التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي بفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد كقوله ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ ويؤيده قوله ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ عالماً بمن صبر ومن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بحسب ذلك.

وقيل: في الآية تسلية للنبي  عما عيروه به من الفقر فقد جعل الأغنياء فتنة للفقراء.

وقيل: جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ولو كنت غنياً صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص.

وقالت الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما يقولون والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ ﴾ اختلف [فيه]: قال بعضهم: نحشر أولئك الذين عبدوا دون الله والمعبودين وهم الملائكة؛ لأن من العرب من قد عبدوا الملائكة؛ كقوله في آية أخرى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ...

﴾ الآية [سبأ: 41-42].

وقال بعضهم: هو عيسى يحشر بينه وبين من عبدوه؛ لأنه قد عبد دون الله فيقول له ما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ...

﴾ الآية [المائدة: 116].

وقال بعضهم: يحشر الأصنام ومن عبدها، ثم يأذن لها في الكلام فيقول: ﴿ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ  ﴾ ، ولو كان عيسى -  - أو الملائكة لكانوا عالمين بعبادتهم إياهم غير غافلين؛ دل ذلك أنها الأصنام التي عبدوها دون الله وإياها يسألون.

وكل ذلك محتمل؛ إذ قد كان منهم ذلك كله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ ﴾ : والله - عز وجل - كان عالماً لما كان منهم، لكن السؤال إياهم - والله أعلم - يخرج مخرج توبيخ أولئك الكفرة وتعييرهم؛ لأنهم يعبدون من ذكر من دون الله، ويقولون: هم أمروهم بذلك، وكانوا مقبولي القول عندهم صادقين فيما يخبرون ويقولون، فأراد أن يظهر كذبهم عند الخلائق؛ لذلك سألهم، والله أعلم بالكائن منهم من أنفسهم، لكنه يخرج على ما ذكرنا.

ثم نزهوه عن جميع ما لا يليق به، وبرءوا أنفسهم عن أن يكون منهم أمر أو شيء مما نسبه أولئك إليهم، وهو أعلم بهم فقالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ أَوْلِيَآءَ ﴾ أي: أرباباً، وهم لم يتخذوا أربابا من دونه، لكنه عندنا يخرج على وجهين: أحدهما: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونه أولياء هم المؤمنون.

الثاني: أو أن يكون: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دون ولايتك ولاية سواك.

وفي بعض القراءات: ﴿ أن نتخذ من دونك أولياء ﴾ برفع النون، لكن أهل الأدب يقولون: هو خطأ.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن آباءهم قد أمهلوا ومتعوا في هذه الدنيا، حتى ماتوا على ذلك من غير أن أصابهم شيء مما أوعدوا في كتابهم، ومما أوعدهم الرسل من العذاب والهلاك على ما اختاروا من الدين وصنيعهم، فظنوا أنهم على حق من ذلك؛ حيث لم يصبهم من المواعيد المذكورة في كتابهم، أو ما أوعدهم رسلهم بشيء؛ فعلى هذا التأويل الذكر: الذي نسوه هو كتابهم، أو ما أوعدهم رسلهم، والله أعلم.

فإن كان على هذا فالآية في أهل الكتاب منهم.

ويحتمل أن تكون الآية في الفراعنة، والقادة من هؤلاء الكفرة متعوا في هذه الدنيا بأحوال ورياسة، ووسع عليهم المعيشة، حتى دعوا الناس وأتباعهم إلى ما هم عليه من التكذيب برسوله وما أنزل عليه، فأجيبوا بالأموال عندهم، فنسوا ما في القرآن من الوعيد.

﴿ وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً ﴾ والبور: قال بعضهم: الهلاك.

وقال بعضهم: البور: الفساد.

وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ : أي: فقد كذبكم أولئك، ﴿ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ : أنهم أمرونا بذلك، وكانوا عندهم صدقة.

وقوله: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ : هذا يحتمل وجوها: أحدها: أي: ما يستطيع أولئك الكفرة صرف قول من عبدوهم وتكذيبهم حين كذبوهم في قولهم.

﴿ وَلاَ نَصْراً ﴾ أي: ولا استطاعوا الانتصار منهم حين كذبوهم؛ وعلى ذلك يخرج قراءة من قرأه بالتاء: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ .

و [الثاني:] يحتمل: ﴿ فما يستطيعون ﴾ أولئك المعبودون صرف عذاب الله ونقمته عنكم، ولا كانوا لهم نصراء؛ لأنهم قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

والثالث: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً ﴾ أي: فداء، ﴿ وَلاَ نَصْراً ﴾ أي: لا يقبل منهم الفداء، ولا كان لهم ناصر ينصرهم في دفع العذاب عنهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ  ﴾ .

وقال القتبي وأبو عوسجة: قال بعضهم: الصرف: النافلة، سميت صرفاً لأنها زيادة على الواجب، والعدل: الفريضة.

وقد روي في الخبر: "من طلب صرف الحديث ليبتغي به إقبال وجوه الناس، لم يرح رائحة الجنة" أي: من طلب تحسينه بالزيادة فيه.

وقال بعضهم: الصرف: الدية، والعدل: رجل مثله؛ كأنه يريد: لا يقبل منه أن يفتدي برجل مثله وعدله، ولا يصرف عن نفسه بديته، ومنه قيل: صارفي، وصرف الدرهم بالدنانير؛ لأنك تصرف هذا إلى هذا، وأصله ما ذكرنا.

قال القتبي وأبو عبيدة: ﴿ قَوْماً بُوراً ﴾ ، أي: هلكى، وهو من بار يبور؛ إذا هلك وبطل؛ يقال: بار الطعام، إذا كسد، وبارت الأيم؛ إذا لم يرغب فيها، وفي الخبر: "كان رسول الله  يتعوذ من بوار الأيم" قال أبو عبيدة: يقال: رجل بور وقوم بور لا يثنى ولا يجمع.

وقال أبو عوسجة: ﴿ قَوْماً بُوراً ﴾ : لا خير فيهم، ورجل بائر؛ وكذلك قال ابن زيد: بورا أي: ليس فيهم من الخير شيء.

وقال قتادة: بورا: فاسدين، بلغة أهل عمان، وقال: "ما نسي قوم ذكر الله قط إلا باروا وفسدوا" وقوله: ﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ : أما على قول بعض الخوارج: كل ظلم ارتكبه فهو في ذلك الوعيد على أصل مذهبهم.

وعلى قول المعتزلة: كل صاحب كبيرة في ذلك الوعيد.

وأما على قول المسلمين: فذلك الوعيد لمرتكبي الظلم: ظلم كفر وشرك، وأمّا ما دون ذلك فهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أن هذا إنما أخرج جواباً لقول أولئك: ﴿ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ﴾ ، فأخبر أن الرسل الذين كانوا من قبل محمد كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق على ما يأكل هو ويمشي.

ثم من الناس من كره الركوب في الأسواق بهذا، وقال: إنه أخبر عن الأنبياء والرسل جملة أنهم كانوا يمشون في الأسواق، لم يذكر منهم الركوب؛ فدل ذلك منهم أنه مكروه منهي عنه؛ فيشبه أن يكون ما قال هؤلاء، وأنه يكون مكروهاً؛ لأنه يخرج الركوب في الأسواق مخرج التعزز والمباهاة؛ فالواجب على كل مسلم أن يكون تعززه بالإسلام وبدينه الذي اختاره الله  ، وخاصة على العلماء يجب أن يكون تعززهم ومباهاتهم بالعلم الذي أعطاه الله لهم وأكرمهم؛ فإنه لا يُعْقِبُهُ ذلاًّ: ولا يورثه صغارا ولا قهرا، وأمّا كل عز كان سوى ما ذكرنا فهو إلى ذل ما يصير سريعاً، كأنه ليس بعز في الحقيقة، ولو تأصَّل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ : الفتنة كأنها هي المحنة التي فيها شدة وبلاء.

ثم قال أهل التأويل: إنه لما أسلم عبد الله وأبو ذر وعمار وبلال وصهيب وأمثال هؤلاء، قال الفراعنة من قريش نحو أبي جهل والوليد وأمثالهما: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا، اتبعوه من موالينا وأعرابنا رذالة كل قوم، فازدروهم وآذوهم واستهزءوا بهم؛ فأنزل الله هذه الآية لهؤلاء الفقراء الذين اتبعوا رسول الله؛ ليصبرهم على أذاهم فقال: ﴿ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ أي: اصبروا على الأمر؛ هذا محتمل.

وقال الحسن: قوله  : ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ جعل أهل البلوى فتنة لغيرهم وغير أهل البلوى؛ يقول الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان، ويقول الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيّاً مثل فلان؛ وكذلك يقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان، لكنه أعطى لأهل البلوى البلوى وأمرهم بالصبر عليها، وأعطى لأهل النعمة النعمة وأمرهم بالشكر عليها.

وجائز أن يكون غير هذا، وهو قريب من هذا، وذلك أنه أعطى بعضا النعمة والسعة، وجعل بعضهم أهل ضيق وشدة؛ ثم جعل كل فريق محتاجاً إلى الفريق الآخر؛ جعل الغني والمثري محتاجاً إلى الفقير في بعض أموره، والفقير محتاجاً إلى الغني لغناه؛ وجعل لبعض على بعض مؤنة ما لولا فقر الفقير لا يعرف الغني قدر غناه، ولا الفقير قدر فقره، ولا قام بعض بكفاية مؤنة بعض، ثم أمر كلا بالصبر على تحمل مؤنة الآخر بقوله: ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ أي: اصبروا على الأمر يخرج، وإن كان ظاهره استفهاماً وسؤالا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ أي: على بصر وعلم؛ جعل بعضا فتنة لبعض ليس على سهو وغفلة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويوم يحشر الله المشركين المكذبين، ويحشر ما يعبدونه من دون الله، فيقول للمعبودين تقريعًا لعابديهم: أأنتم أضللتم عبادي بأمركم لهم أن يعبدوكم، أم هم ضلوا من تلقاء أنفسهم؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.Q7prE"

مزيد من التفاسير لسورة الفرقان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر