الآية ١٩ من سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ١٩ من سورة الفرقان

فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًۭا وَلَا نَصْرًۭا ۚ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًۭا كَبِيرًۭا ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الفرقان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( فقد كذبوكم بما تقولون ) أي : فقد كذبكم الذين عبدتم فيما زعمتم أنهم لكم أولياء ، وأنكم اتخذتموهم قربانا يقربونكم إليه زلفى ، كما قال تعالى : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5 - 6 ] .

وقوله : ( فما يستطيعون صرفا ولا نصرا ) أي : لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم ، ( ومن يظلم منكم ) أي : يشرك بالله ، ( نذقه عذابا كبيرا ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: ( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ) أيها المؤمنون- يعني بقوله: ( وَمَنْ يَظْلِمْ ) ومن يشرك بالله فيظلم نفسه، فذلك نذقه عذابا كبيرا كالذي ذكرنا أنَّا نذيقه الذين كذّبوا بالساعة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج, في قوله: ( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ) قال: يشرك ( نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ).

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ) قال: هو الشرك:

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فقد كذبوكم بما تقولون أي يقول الله تعالى عند تبري المعبودين : فقد كذبوكم بما تقولون أي في قولكم إنهم آلهة .

فما يستطيعون يعني الآلهة ، صرف العذاب عنكم ولا نصركم .

وقيل : فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون صرفا للعذاب ولا نصرا من الله .

وقال ابن زيد : المعنى فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد ; وعلى هذا فمعنى بما تقولون بما تقولون من الحق .

وقال أبو عبيد : المعنى ; فيما تقولون فما يستطيعون لكم صرفا عن الحق الذي هداكم الله إليه ، ولا نصرا لأنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم .

وقراءة العامة بما تقولون بالتاء على الخطاب .

وقد بينا معناه .

وحكى الفراء أنه يقرأ فقد كذبوكم مخففا ، بما يقولون .

وكذا قرأ مجاهد والبزي بالياء ، ويكون معنى يقولون : بقولهم .

وقرأ أبو حيوة : بما يقولون بياء فما تستطيعون بتاء على الخطاب لمتخذي الشركاء .

ومن قرأ بالياء فالمعنى : فما يستطيع الشركاء .

ومن يظلم منكم قال ابن عباس : من يشرك منكم ثم مات عليه .

نذقه أي في الآخرة .

عذابا كبيرا أي شديدا ، كقوله تعالى : ولتعلن علوا كبيرا أي شديدا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما تبرؤوا منهم قال الله توبيخا وتقريعا للعابدين { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ } إنهم أمروكم بعبادتهم ورضوا فعلكم، وأنهم شفعاء لكم عند ربكم، كذبوكم في ذلك الزعم وصاروا من أكبر أعدائكم فحق عليكم العذاب، { فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا } للعذاب عنكم بفعلكم أو بفداء أو غير ذلك، { وَلَا نَصْرًا } لعجزكم وعدم ناصركم.

هذا حكم الضالين المقلدين الجاهلين كما رأيت أسوأ حكم، وأشر مصير.

وأما المعاند منهم الذي عرف الحق وصدف عنه فقال في حقه: { وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ } بترك الحق ظلما وعنادا { نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا } لا يقادر قدره ولا يبلغ أمره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فقد كذبوكم ) هذا خطاب مع المشركين ، أي : كذبكم المعبودون ، ( بما تقولون ) إنهم آلهة ، ( فما تستطيعون ) قرأ حفص بالتاء يعني العابدين ، وقرأ الآخرون بالياء يعني : الآلهة .

( صرفا ) يعني : صرفا من العذاب عن أنفسهم ، ( ولا نصرا ) يعني : ولا نصر أنفسهم .

وقيل : ولا نصركم أيها العابدون من عذاب الله بدفع العذاب عنكم .

وقيل : " الصرف " : الحيلة ، ومنه قول العرب : إنه ليصرف ، أي : يحتال ، ) ( ومن يظلم ) يشرك ، ( منكم نذقه عذابا كبيرا )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فقد كذبوكم» أي كذب المعبودون العابدين «بما تقولون» بالفوقانية أنهم آلهة «فما يستطيعون» بالتحتانية والفوقانية: أي لا هم ولا أنتم «صرفا» دفعا للعذاب عنكم «ولا نصرا» منعا لكم منه «ومن يظلم» يشرك «منكم نُذقْه عذابا كبيرا» شديدا في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فيقال للمشركين: لقد كذَّبكم هؤلاء الذين عبدتموهم في ادِّعائكم عليهم، فها أنتم أولاء لا تستطيعون دَفْعًا للعذاب عن أنفسكم، ولا نصرًا لها، ومَن يشرك بالله فيظلم نفسه ويعبد غير الله، ويمت على ذلك، يعذبه الله عذابًا شديدًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا يوجه - سبحانه - خطابه إلى هؤلاء العابدين الجهلاء الكاذبين فيقول : ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً .

.

.

) .أى : قال الله - تعالى - لهؤلاء الكافرين على سبيل التقريع والتبكيت : والآن لقد رأيتم تكذيب من عبدتموهم لكم ، وقد حق عليكم العذاب بسبب كفركم وكذبكم ، وصرتم لا تملكون له " صرفا " أى : دفعا بأية صورة نم الصور .

وأصل الصرف : رد الشىء من حالة إلى حالة أخرى ، ولا تملكون له - أيضا - " نصرا " أى فردا من أفراد النصر لا من جهة أنفسكم ، ولا من جهة غيركم ، بل لقد حل بكم العذاب حلولا لا فكاك لكم منه بأى وسيلة من الوسائل ." ومن يظلم منكم " أى : ومن يكفر بالله - تعالى - منكم أيها المكلفون بالإيمان " نذقه عذابا كبيرا " لا يقادر قدره فى الخزى والهوان .قال صاحب الكشاف : هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام - فى قوله : ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ) حسنة رائعة ، خاصة إذا انضم إليها الالتفات ، وحذف القول ، ونحوها قوله - تعالى - : ( يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ .

.

) وقول القائل :قالوا خراسان أقصى ما يُراد بنا ...

ثم القُفُول فقد جئنا خراساناوبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت الحجة على الكافرين بطريقة تخرس ألسنتهم ، وتجعلهم أهلا لكل ما يقع عليهم من عذاب أليم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ راجع إلى قوله: ﴿ واتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً  ﴾ ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: ﴿ يَحْشُرُهُمْ ﴾ فنقول كلاهما بالنون والياء وقرئ ﴿ نَحْشُرُهُمْ ﴾ بكسر الشين.

المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ وَمَا يَعْبُدُونَ ﴾ أنها الأصنام، وظاهر قوله: ﴿ فَيَقُولُ أَءنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى ﴾ أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح وغيرهما، لأن الإضلال وخلافه منهم يصح فلأجل هذا اختلفوا، فمن الناس من حمله على الأوثان، فإن قيل لهم الوثن جماد فكيف خاطبه الله تعالى، وكيف قدر على الجواب؟

فعند ذلك ذكروا وجهين: أحدهما: أن الله تعالى يخلق فيهم الحياة، فعند ذلك يخاطبهم فيردون الجواب.

وثانيها: أن يكون ذلك الكلام لا بالقول اللساني بل على سبيل لسان الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات وكلام الأيدي والأرجل، وكما قيل: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك؟

فإن لم تجبك حواراً، أجابتك اعتباراً!

وأما الأكثرون فزعموا أن المراد هو الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام، قالوا ويتأكد هذا القول بقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  ﴾ وإذا قيل لهم: لفظة (ما) لا تستعمل في العقلاء أجابوا عنه من وجهين: الأول: لا نسلم أن كلمة (ما) لما لا يعقل بدليل أنهم قالوا (من) لما لا يعقل والثاني: أريد به الوصف كأنه قيل (ومعبودهم)، وقوله تعالى: ﴿ والسماء وَمَا بناها  ﴾ ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ  ﴾ لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين، وكيف كان فالسؤال ساقط.

المسألة الثالثة: حاصل الكلام أن الله تعالى يحشر المعبودين، ثم يقول لهم أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال عن طريق الحق، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟

قالت المعتزلة: وفيه كسر بين لقول من يقول إن الله يضل عباده في الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقولوا إلهنا هاهنا قسم ثالث غيرهما هو الحق وهو أنك أنت أضللتهم، فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا إضلالهم إلى أنفسهم، علمنا أن الله تعالى لا يضل أحداً من عباده.

فإن قيل لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه، فإنهم قالوا: ﴿ ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حتى نَسُواْ الذكر ﴾ وهذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم وهو أنه سبحانه وتعالى متعهم وآباءهم بنعيم الدنيا.

قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزمهم أن يصير الله محجوباً في يد أولئك المعبودين، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجاً مفحماً ملزماً هذا تمام تقرير المعتزلة في الآية، أجاب أصحابنا بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله تعالى، وإن صلحت له لم تترجح مصدريتها للإضلال على مصدريتها للاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى، وعند لذلك يعود السؤال، وأما ظاهر هذه الآية فهو وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظواهر المطابقة لقولنا.

المسألة الرابعة: ظاهر الآية يدل على أن هذا السؤال من الله تعالى وإن احتمل أن يكون ذلك من الملائكة بأمر الله تعالى.

بقي على الآية سؤالات.

الأول: ما فائدة أنتم وهم؟

وهلا قيل أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟

الجواب: ليس السؤال عن الفعل ووجوده، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن فاعله فلابد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عنه.

السؤال الثاني: أنه سبحانه كان عالماً في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا السؤال؟

الجواب: هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين كما قال لعيسى: ﴿ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله  ﴾ ولأن أولئك المعبودين لما برؤا أنفسهم، وأحالوا ذلك الضلال عليهم صار تبرؤ المعبودين عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم.

السؤال الثالث: قال تعالى: ﴿ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل ﴾ والقياس أن يقال ضل عن السبيل، الجواب: الأصل ذلك، إلا أن الإنسان إذا كان متناهياً في التفريط وقلة الاحتياط، يقال ضل السبيل.

أما قوله: ﴿ سبحانك ﴾ فاعلم أنه سبحانه حكى جوابهم، وفي قوله: ﴿ سبحانك ﴾ وجوه: أحدها: أنه تعجب منهم فقد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه.

وثانيها: أنهم نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون (المقدسون المؤمنون) بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده.

وثالثها: قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، سواء كان وثناً أو نبياً أو ملكاً.

ورابعها: قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إيذاء من كان بريئاً عن الجرم، بل إنه إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.

أما قوله: ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: القراءة المعروفة ﴿ أَن نَّتَّخِذَ ﴾ بفتح النون وكسر الخاء وعن أبي جعفر وابن عامر برفع النون وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله، قال الزجاج أخطأ من قرأ ﴿ أَن نَّتَّخِذَ ﴾ بضم النون لأن (من) إنما تدخل في هذا الباب في الأسماء إذا كان مفعولاً أولاً ولا تدخل على مفعول الحال تقول ما اتخذت من أحد ولياً، ولا يجوز ما اتخذت أحداً من ولي، قال صاحب الكشاف اتخذ يتعدى إلى مفعول واحد كقولك اتخذ ولياً، وإلى مفعولين كقولك اتخذ فلاناً ولياً، قال الله تعالى: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً  ﴾ والقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد وهو ﴿ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ ، والأصل أن نتخذ أولياء فزيدت من لتأكيد معنى النفي، والثانية من المتعدي إلى مفعولين، فالأول ما بني له الفعل، والثاني ﴿ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ من للتبعيض، أي لا نتخذ بعض أولياء وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام.

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً: أولها: وهو الأصح الأقوى، أن المعنى إذا كنا لا نرى أن نتخذ من دونك أولياء فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك.

وثانيها: ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما يوليهم الكفار، قال تعالى: ﴿ فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان  ﴾ يريد الكفرة، وقال: ﴿ والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت  ﴾ عن أبي مسلم.

وثالثها: ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء، أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلناه، والحاصل أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ورابعها: قالت الملائكة إنهم عبيدك، فلا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك ولياً ولا حبيباً، فضلاً عن أن يتخذ عبد عبداً آخر إلهاً لنفسه.

وخامسها: أن على قراءة أبي جعفر الإشكال زائل، فإن قيل هذه القراءة غير جائزة لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء، قلنا: المراد إنا لا نصلح لذلك، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.

وسادسها: أن هذا قول الأصنام، وأنها قالت لا يصح منا أن نكون من العابدين، فكيف يمكننا ادعاؤنا أنا من المعبودين.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، فكل ولاية مبنية على ميل النفس ونصيب الطبع فذاك على خلاف الشرع.

أما قوله تعالى: ﴿ ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حتى نَسُواْ الذكر وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: معنى الآية أنك يا إلهنا أكثرت عليهم وعلى آبائهم من النعم وهي توجب الشكر والإيمان لا الإعراض والكفران، والمقصود من ذلك بيان أنهم ضلوا من عند أنفسهم لا بإضلالنا، فإنه لولا عنادهم الظاهر، وإلا فمع ظهور هذه الحجة لا يمكن الإعراض عن طاعة الله تعالى وقال آخرون إن هذا الكلام كالرمز فيما صرح به موسى عليه السلام في قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ  ﴾ وذلك لأن المجيب قال: إلهي أنت الذي أعطيته جميع مطالبه من الدنيا حتى صار كالغريق في بحر الشهوات، واستغراقه فيها صار صاداً له عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك، فإن هي إلا فتنتك.

المسألة الثانية: الذكر ذكر الله والإيمان به (و) القرآن والشرائع، أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.

المسألة الثالثة: قال أبو عبيدة: يقال رجل بور ورجلان بور ورجال بور، وكذلك الأنثى، ومعناه هالك، وقد يقال رجل بائر وقوم بور، وهو مثل هائر وهور، والبوار الهلاك، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر، ولا شك أن المراد منه وكانوا من الذين حكم عليهم في الآخرة بالعذاب والهلاك، فالذي حكم الله عليه بعذاب الآخرة وعلم ذلك وأثبته في اللوح المحفوظ وأطلع الملائكة عليه، لو صار مؤمناً لصار الخبر الصدق كذباً، ولصار العلم جهلاً ولصارت الكتابة المثبتة في اللوح المحفوظ باطلة، ولصار اعتقاد الملائكة جهلاً وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال، فصدور الإيمان منه محال، فدل على أن السعيد لا يمكنه أن ينقلب شقياً، والشقي لا يمكنه أن ينقلب سعيداً، ومن وجه آخر هو أنهم ذكروا أن الله تعالى آتاهم أسباب الضلال وهو إعطاء المرادات في الدنيا واستغراق النفس فيها، ودلت الآية على أن ذلك السبب بلغ مبلغاً يوجب البوار، فإن ذكر البوار عقيب ذلك السبب يدل على أن البوار إنما حصل لأجل ذلك السبب، فرجع حاصل الكلام إلى أنه تعالى فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر، وحينئذ ظهر أن السعيد لا ينقلب شقياً، وأن الشقي لا ينقلب سعيداً.

أما قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ فاعلم أنه قرئ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ بالياء والتاء، فمعنى من قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة، أي كذبوكم في قولكم إنهم آلهة، ومن قرأ بالياء المنقوطة من تحت، فالمعنى أنهم كذبوكم (بقولكم) ﴿ سبحانك ﴾ ، ومثاله قولك كتبت بالقلم.

أما قوله: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ فاعلم أنه قرئ ﴿ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ بالياء والتاء أيضاً، يعني فما تستطيعون أنتم يا أيها الكفار صرف العذاب عنكم، وقيل الصرف التوبة، وقيل الحيلة من قولهم إنه ليتصرف، أي يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب (و) أن يحتالوا لكم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرئ ﴿ يذقه ﴾ بالياء وفيه ضمير الله تعالى أو ضمير (الظلم).

المسألة الثانية: أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في القطع بوعيد أهل الكبائر، فقالوا ثبت أن (من) للعموم في معرض الشرط، وثبت أن الكافر ظالم لقوله: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ والفاسق ظالم لقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون  ﴾ فثبت بهذه الآية أن الفاسق لا يعفى عنه، بل يعذب لا محالة والجواب: أنا لا نسلم أن كلمة (من) في معرض الشرط للعموم، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، سلمنا أنه للعموم ولكن قطعاً أم ظاهراً؟

ودعوى القطع ممنوعة، فإنا نرى في العرف العام المشهور استعمال صيغ العموم، مع أن المراد هو الأكثر، أو لأن المراد أقوام معينون، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ ثم إن كثيراً من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع له إلا أن يقال قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ وإن كان يفيد العموم، لكن المراد منه الغالب أو المراد منه أقوام مخصوصون، وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر، وإذا كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة، وذلك لا ينفي تجويز العفو.

سلمنا دلالته قطعاً، ولكنا أجمعنا على أن قوله: ﴿ وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ ﴾ مشروط بأن لا يوجد ما يزيله، وعند هذا نقول هذا مسلم، لكن لم قلت بأن لم يوجد ما يزيله؟

فإن العفو عندنا أحد الأمور التي تزيله، وذلك هو أحد الثلاثة أول المسألة سلمنا دلالته على ما قال، ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً  ﴾ فإن قيل آيات الوعيد أولى لأن السارق يقطع على سبيل التنكيل ومن لم يكن مستحقاً للعقاب لا يجوز قطع يده على سبيل التنكيل، فإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب أحبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال.

قلنا لا نسلم أن السارق يقطع على سبيل التنكيل، ألا ترى أنه لو تاب فإنه يقطع لا على سبيل التنكيل بل على سبيل المحنة، نزلنا عن هذه المقامات، ولكن قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ ﴾ إنه خطاب مع قوم مخصوصين معينين فهب أنه لا يعفو عنهم فلم قلت إنه لا يعفو عن غيرهم؟

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذا جواب عن قولهم: ﴿ مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِي الأسواق  ﴾ بين الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن.

المسألة الثانية: حق الكلام أن يقال: ﴿ أَلاَ أَنَّهُمْ ﴾ بفتح الألف لأنه متوسط والمكسورة لا تليق إلا بالابتداء، فلأجل هذا ذكروا وجوهاً: أحدها: قال الزجاج: الجملة بعد (إلا) صفة لموصوف محذوف، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف لأن في قوله: ﴿ مِنَ المرسلين ﴾ دليلاً عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ  ﴾ على معنى وما منا أحد.

وثانيها: قال الفراء إنه صلة لاسم متروك اكتفى بقوله: ﴿ مِنَ المرسلين ﴾ عنه، والمعنى إلا من أنهم كقوله: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ أي من له مقام معلوم، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  ﴾ أي إلا من يردها فعلى قول الزجاج: الموصوف محذوف، وعلى قول الفراء: الموصول هو المحذوف، ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين.

وثالثها: قال ابن الأنباري: تكسر إن بعد الاستثناء بإضمار واو على تقدير إلا وإنهم.

ورابعها: قال بعضهم المعنى إلا قيل إنهم.

المسألة الثالثة: قرئ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ على البناء للمفعول أي تمشيهم حوائجهم أو الناس، ولو قرئ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ لكان أوجه لولا الرواية.

أما قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: فيه أقوال: أحدها: أن هذا في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة، فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه، ودليله قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ  ﴾ وهذا قول الكلبي والفراء والزجاج.

وثانيها: أن هذا عام في جميع الناس، روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد، بعضهم لبعض فتنة» وقرأ هذه الآية.

وثالثها: أن هذا في أصحاب البلاء والعافية، هذا يقول لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق وفي العقل وفي العلم وفي الرزق وفي الأجل؟

وهذا قول ابن عباس والحسن.

ورابعها: هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها، فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وأنواع أذاهم على ما قال: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً  ﴾ والمرسل إليهم يتأذون أيضاً من المرسل بسبب الحسد وصيرورته مكلفاً بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيساً مخدوماً، والأولى حمل الآية على الكل لأن بين الجميع قدراً مشتركاً.

المسألة الثانية: قال أصحابنا الآية تدل على القضاء والقدر لأنه تعالى قال: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ قال الجبائي هذا الجعل هو بمعنى التعريف كما يقال فيمن سرق، إن فلاناً لص جعله لصاً، وهذا التأويل ضعيف لأنه تعالى أضاف الجعل إلى وصف كونه فتنة لا إلى الحكم بكونه كذلك، بل العقل يدل على أن المراد غير ما ذكره وذلك لأن فاعل السبب فاعل للمسبب، فمن خلقه الله تعالى على مزاج الصفراء والحرارة وخلق الغضب فيه ثم خلق فيه الإدراك الذي يطلعه على الشيء المغضب فمن فعل هذا المجموع كان هو الفاعل للغضب لا محالة، وكذا القول في الحسد وسائر الأخلاق والأفعال، وعند هذا يظهر أنه سبحانه هو الذي جعل البعض فتنة للبعض.

سلمنا أن المراد ما قاله الجبائي أن المراد من الجعل هو الحكم ولكن المجعول إن انقلب لزم انقلابه انقلاب حكم الله تعالى من الصدق إلى الكذب وذلك محال، فانقلاب ذلك الجعل محال، فانقلاب المجعول أيضاً محال، وعند ذلك يظهر القول بالقضاء والقدر.

المسألة الثالثة: الوجه في تعلق هذه الآية بما قبلها أن القوم لما طعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأنه فقير كانت هذه الكلمات جارية مجرى الخرافات، فإنه لما قامت الدلالة على النبوة لم يكن لشيء من هذه الأشياء أثر في القدح فيها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذى منهم من حيث إنهم كانوا يشتمونه، ومن حيث إنهم كانوا يذكرون الكلام المعوج الفاسد وما كانوا يفهمون الجواب الجيد، فلا جرم صبره الله تعالى على كل تلك الأذية، وبين أنه جعل الخلق بعضهم فتنة للبعض.

أما قوله تعالى: ﴿ أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة لو كان المراد من قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ الخبر لما ذكر عقيبه ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ لأن أمر العاجز غير جائز.

المسألة الثانية: المعنى أتصبرون على البلاء فقد علمتم ما وعد الله الصابرين ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ أي هو العالم بمن يصبر ومن لا يصبر، فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ استفهام والمراد منه التقرير وموقعه بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله: ﴿ لنبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول ونحوها قوله تعالى: ﴿ يََأَهْلَ الكتاب قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جاءكم بشير ونذير ﴾ [المائدة: 19] وقول القائل: قَالُوا خُرَاسَانُ أَقْصَى مَا يُرَادُ بِنَا ** ثُمَّ الْقُفُولُ فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانَا وقرئ: ﴿ يقولون ﴾ بالتاء والياء.

فمعنى من قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم أنهم آلهة.

ومعنى من قرأ بالياء: فقد كذبوكم بقولهم: ﴿ سبحانك مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ [الفرقان: 18] .

فإن قلت: هل يختلف حكم الباء مع التاء والياء؟

قلت: إي والله، وهي مع التاء كقوله: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بالحق ﴾ [ق: 5] والجار والمجرور بدل من الضمير، كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون: وهي مع الياء كقولك: كتبت بالقلم.

وقرئ: ﴿ يستطيعون ﴾ بالتاء والياء أيضاً.

يعني: فما تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم.

وقيل: الصرف: التوبة وقيل: الحيلة، من قولهم: إنه ليتصرف، أي: يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب، أو أن يحتالوا لكم.

[ ﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ، نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ ] الخطاب على العموم للمكلفين، والعذاب الكبير لاحقٌ بكل من ظلم، والكافر ظالم: لقوله: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13] والفاسق ظالم.

لقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون ﴾ [الحجرات: 11] .

وقرئ: ﴿ يذقه ﴾ بالياء.

وفيه ضمير الله، أو ضمير مصدر يظلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا سُبْحانَكَ ﴾ تَعَجُّبًا مِمّا قِيلَ لَهم لِأنَّهم إمّا مَلائِكَةٌ أوْ أنْبِياءٌ مَعْصُومُونَ، أوْ جَماداتٌ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أوْ إشْعارًا بِأنَّهُمُ المَوْسُومُونَ بِتَسْبِيحِهِ وتَوْحِيدِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمْ إضْلالُ عَبِيدِهِ، أوْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنِ الأنْدادِ.

﴿ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا ﴾ ما يَصِحُّ لَنا.

﴿ أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ﴾ لِلْعِصْمَةِ أوْ لِعَدَمِ القُدْرَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ لَنا أنْ نَدْعُوَ غَيْرَنا أنْ يَتَوَلّى أحَدًا دُونَكَ، وقُرِئَ ( نُتَّخَذَ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مَنِ اتَّخَذَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا ﴾ ومَفْعُولُهُ الثّانِي ( مِن أوْلِياءَ ) و ( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ وعَلى الأوَّلِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.

﴿ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهُمْ ﴾ بِأنْواعِ النِّعَمِ فاسْتَغْرَقُوا في الشَّهَواتِ.

﴿ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ حَتّى غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ أوِ التَّذَكُّرِ لآلائِكَ والتَّدَبُّرِ في آياتِكَ، وهو نِسْبَةٌ لِلضَّلالِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُ بِكَسْبِهِمْ وإسْنادٌ لَهُ إلى ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ فَحَمَلَهم عَلَيْهِ، وهو عَيْنُ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ فَلا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلَيْنا لِلْمُعْتَزِلَةِ.

﴿ وَكانُوا ﴾ في قَضائِكَ.

﴿ قَوْمًا بُورًا ﴾ هالِكِينَ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، أوْ جَمْعُ بائِرٍ كَعائِذٍ وعُوذٍ.

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ التِفاتٌ إلى العَبَدَةِ بِالِاحْتِجاجِ والإلْزامِ عَلى حَذْفِ القَوْلِ والمَعْنى فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ.

﴿ بِما تَقُولُونَ ﴾ في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ أوْ هَؤُلاءِ أضَلُّونا والباءُ بِمَعْنى في، أوْ مَعَ المَجْرُورِ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالياءِ أيْ: ﴿ كَذَّبُوكُمْ ﴾ بِقَوْلِهِمْ ﴿ سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا ﴾ .

( فَما يَسْتَطِيعُونَ ) أيِ المَعْبُودُونَ وقَرَأ حَفْصٌ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ العابِدِينَ.

﴿ صَرْفًا ﴾ دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم، وقِيلَ حِيلَةٌ مِن قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَيَتَصَرَّفَ أيْ يَحْتالُ.

﴿ وَلا نَصْرًا ﴾ يُعِينُكم عَلَيْهِ.

﴿ وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ.

﴿ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا ﴾ هي النّارُ والشَّرْطُ وإنَّ عَمَّ كُلَّ مَن كَفَرَ أوْ فَسَقَ لَكِنَّهُ في اقْتِضاءِ الجَزاءِ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ المُزاحِمِ وِفاقًا، وهو التَّوْبَةُ والإحْباطُ بِالطّاعَةِ إجْماعًا وبِالعَفْوِ عِنْدَنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول ونظيرها يا أهل الكتاب قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل إلى قوله فَقَدْ جَاءكُمْ بشير ونذير قول القائل ...

قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم ...

القفول قد جئنا خراساناً ...

{بِمَا تَقُولُونَ} بقولكم فيهم إنهم آلهة والباء على هذا كقوله بَلْ كَذَّبُواْ بالحق والجار والمجرور يدل من الضمير كأنه قيل فقد كذبوا بما تقولون وعن قنبل بالياء ومعناه فقد كذبوكم بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء والباء على هذا كقولك كتبت بالقلم {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً ولا نصرا} أى قما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصروكم وبالتاء حفص أي فما

تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم ولا نصر أنفسكم ثم خاطب المكلفين على العموم بقوله {وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ} أي يشرك لأن الظلم وضع الشئ في غير موضعه ومن جعل المخلوق شريك خالقه فقد ظلم يؤيده قوله تعالى إِنَّ الشرك لظلم عظيم {نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً} فسر بالخلود في النار وهو يليق بالمشرك دون الفاسق الأعلى قول المعتزلة والخوارج

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ حِكايَةٌ لِاحْتِجاجِهِ تَعالى عَلى العَبَدَةِ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وصَرْفِهِ عَنِ المَعْبُودِينَ عِنْدَ تَمامِ جَوابِهِمْ وتَوَجُّهِهِ إلى العَبَدَةِ مُبالَغَةً في تَقْرِيعِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مُرَتَّبٍ عَلى الجَوابِ أيْ فَقالَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ: قَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ أيُّها الكَفَرَةُ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الفاءُ فَصِيحَةٌ مِثْلُها في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ: قالُوا خُراسانَ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا والتَّقْدِيرُ هُنا قُلْنا أوْ قالَ تَعالى إنْ قُلْتُمْ إنَّهم آلِهَةٌ فَقَدْ كَذَّبُوكم ﴿ بِما تَقُولُونَ ﴾ أيْ في قَوْلِكم عَلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى في وما مَصْدَرِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ والقَوْلُ بِمَعْنى المَقُولِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ في الَّذِي تَقُولُونَهُ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ صِلَةً والمَجْرُورُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في كَذَّبُوكُمْ، والمُرادُ بِمِقْوَلِهِمْ أنَّهم آلِهَةٌ أوْ هَؤُلاءِ أضَلُّونا، وتَعَقَّبَ بِأنَّ تَكْذِيبَهم في هَذا القَوْلِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما بَعْدَهُ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ لِلصَّرْفِ والنَّصْرِ أصْلًا وإنَّما الَّذِي يَسْتَتْبِعُهُ تَكْذِيبُهم في زَعْمِهِمْ أنَّهم آلِهَتُهم وناصِرُوهم وفِيهِ نَظَرٌ كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمَعْبُودِينَ أيْ فَقَدْ كَذَّبَكُمُ العابِدُونَ أيُّها المَعْبُودُونَ في قَوْلِكم سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءٍ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّكم آلِهَةً، والمُرادُ الحُكْمُ عَلى أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ بِالكُفْرِ عَلى وجْهٍ فِيهِ اسْتِزادَةُ غَيْظِ المَعْبُودِينَ عَلَيْهِمْ وجَعَلَهُ مُفَرَّعًا عَلَيْهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

والفاءُ أيْضًا فَصِيحَةٌ، والجُمْلَةُ جَزاءٌ بِاعْتِبارِ الأخْبارِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا فَقَدْ كَذَّبَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكَفَرَةُ في الدُّنْيا فِيما تَقُولُونَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ وجِيءَ بِالكَلامِ لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ ما بَعْدُ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى والثّانِي أبْعَدُهُما، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «يَقُولُونَ» بِالياءِ آخِرَ الحُرُوفِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وقَنْبَلِ الخِطابِ في ﴿ كَذَّبُوكُمْ ﴾ لِلْعابِدِينَ وضَمِيرُ الجَمْعِ فِيهِ وفي «يَقُولُونَ» لِلْمَعْبُودِينَ أيْ فَقَدْ كَذَّبَكم أيُّها العَبَدَةُ المَعْبُودُونَ بِزَعْمِكم بِقَوْلِهِمْ سُبْحانَكَ إلَخْ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوِ الِاسْتِعانَةِ، وفِيهِ أيْضًا القَوْلانِ السّابِقانِ أيْ فَقَدْ كَذَّبَكم أيُّها المَعْبُودُونَ العَبَدَةُ بِقَوْلِهِمْ إنَّكم آلِهَةٌ أوْ فَقَدْ كَذَّبَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ في التَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ هَؤُلاءِ المَحْكِيَّ عَنْهم آلِهَةٌ ﴿ فَما تَسْتَطِيعُونَ ﴾ أيْ فَما تَمْلِكُونَ أيُّها العَبَدَةُ ﴿ صَرْفًا ﴾ أيْ دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْ أنْفُسِكم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّنْكِيرُ أيْ لا بِالذّاتِ ولا بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: حِيلَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لِيَصْرِفَ في أُمُورِهِ أيْ يَحْتالُ فِيها، وقِيلَ: تَوْبَةٌ، وقِيلَ: فِدْيَةٌ والأوَّلُ أظْهَرُ فَإنَّ أصْلَ الصَّرْفِ رَدُّ الشَّيْءِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى وإطْلاقُهُ عَلى الحِيلَةِ أوِ التَّوْبَةِ أوِ الفِدْيَةِ مَجازٌ، والمُرادُ فَما تَمْلِكُونَ دَفْعًا لِلْعَذابِ قَبْلَ حُلُولِهِ ﴿ ولا نَصْرًا ﴾ أيْ فَرْدًا مِن أفْرادِ النَّصْرِ أيِ العَوْنِ لا مِن جِهَةِ أنْفُسِكم ومِن جِهَةِ غَيْرِكم بَعْدَ حُلُولِهِ، وقِيلَ: نَصْرًا جَمْعُ ناصِرٍ كَصَحْبٍ جَمْعُ صاحِبٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ عَلى ما قَبْلِها مِنَ التَّكْذِيبِ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ لَوْلاهُ لَوَجَدَتِ الِاسْتِطاعَةُ حَقِيقَةً بَلْ في زَعْمِهِمْ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ ويَنْصُرُونَهم وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ، والمُرادُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُرَتَّبِ عَلَيْهِ ما ذَكَرَ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِمْ إنَّهم آلِهَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ تَكْذِيبُهم بِقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ أضَلُّونا وهو مُتَضَمِّنٌ نَفْيِ كَوْنِهِمْ آلِهَةً وبِذَلِكَ يَتِمُّ أمْرُ التَّرْتِيبِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأكْثَرُ السَّبْعَةِ «يَسْتَطِيعُونَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ فَما يَسْتَطِيعُ آلِهَتُكم دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكُمْ، وقِيلَ حِيلَةٌ لِدَفْعِهِ، وقِيلَ فِدْيَةٌ عَنْكم ولا نَصْرًا لَكُمْ، وقِيلَ في مَعْنى الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخِطابِ السّابِقِ لِلْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ شَدِيدٌ والشَّكِيمَةُ في التَّكْذِيبِ المُوجِبِ لِلتَّعْذِيبِ فَما تَسْتَطِيعُونَ أنْتُمْ صَرْفَهم عَنْهُ ولا نَصْرًا لَكم فِيما يُصِيبُهم مِمّا يَسْتَوْجِبُهُ مِنَ العَذابِ هَذا عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ «تَسْتَطِيعُونَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ «يَسْتَطِيعُونَ» بِالياءِ فالمَعْنى ما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا لِأنْفُسِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ ولا نَصْرًا لَها فِيما اسْتَوْجَبُوهُ بِتَكْذِيبِهِمْ مِنَ العَذابِ أوْ فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَكم عَنِ الحَقِّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ انْتَهى وهو كَما تَرى ﴿ ومَن يَظْلِمْ ﴾ أيْ يَكْفُرُ ﴿ مِنكُمْ ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ ويَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إلَهًا آخَرَ كَهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ ﴿ نُذِقْهُ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ عَذابًا كَبِيرًا ﴾ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ وهو عَذابُ النّارِ، وقُرِئَ «يَذُقْهُ» عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِمَصْدَرٍ يَظْلِمُ أيْ يَذُقْهُ الظُّلْمُ والإسْنادُ مَجازِيٌّ، وتَفْسِيرُ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وابْنُ جَرِيجٍ وأيَّدَ بِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ فَإنَّ الكَلامَ في الكُفْرِ ووَعِيدِهِ مِن مُفْتَتَحِ السُّورَةِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ الشِّرْكَ وسائِرَ المَعاصِي والوَعِيدَ بِالعَذابِ لا يُنافِي العَفْوَ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المُشْرِكِ لِما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ.

واخْتارَ الطَّيِّبِيُّ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ وجَعَلَ الخِطابَ لِلْكُفّارِ أيْضًا لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ مِن أوَّلُ وقَدْ سَبَقَ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ لِما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ والنَّكالِ مِن لَدُنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ  ﴾ ومَعْنى ﴿ ومَن يَظْلِمْ ﴾ حِينَئِذٍ ومَن يَدُمْ عَلى الظُّلْمِ، وفي الكَشْفِ الوَجْهُ أنَّ الخِطابَ عامٌّ والظُّلْمُ الكُفْرُ ﴿ ومَن يَظْلِمْ ﴾ مَظْهَرٌ أُقِيمَ مَقامَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى تَوَغُّلِهِمْ في الكَفْرِ وتَجاوُزِهِمْ حَدَّ الإنْصافِ والعَدْلِ إلى مَحْضِ الِاعْتِسافِ والجَدَلِ فِيما رَمَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ  وكانَ الأصْلُ فَلا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ونُذِيقُهم عَذابًا كَبِيرًا أوْ نُذِيقُكم عَلى اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ والحَمْلِ عَلى مَن يَدُمْ عَلى الظُّلْمِ مِنكم لِيَخْتَصَّ الخِطابُ بِالكُفّارِ صَحِيحٌ أيْضًا ولَكِنْ تَفُوتُهُ النُّكْتَةُ الَّتِي ذَكَرْناها انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَهُ مِن إقامَةِ المُظْهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ خِلافَ الظّاهِرِ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعني: نجمعهم وَما يَعْبُدُونَ يعني: ونحشر ما يعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام.

ويقال: المسيح وعزير.

ويقال: الملائكة عليهم السلام فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ يعني: أأنتم أمرتم عِبادِي هؤُلاءِ أن يعبدوكم أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ يعني: أم هم أخطئوا الطريق، فتبرأت الملائكة والأصنام.

قوله تعالى: قالُوا سُبْحانَكَ أي: تنزيهاً لك مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أي: ما يجوز لنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وقرأ الحسن وأبو جعفر المدني أن نَّتَّخِذَ بضم النون ونصب الخاء، ومعناه: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك إلها فتعبد.

وقراءة العامة: بنصب النون وكسر الخاء، يعني: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فيعبدوننا.

ويقال: معناه ما كان فينا روح نأمرهم بطاعتنا.

ويقال: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فنعبدهم، فكيف نأمر غيرنا بعبادتنا؟

كقوله تعالى: سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ [سبأ: 41] قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ بالياء.

فَيَقُولُ بالياء وقرأ الباقون: الأول بالنون والثاني بالياء.

ثم قال: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ يعني: أن هذا كان بكرمك وفضلك، لما عصوك لم تمنع عنهم الدنيا حتى اغتروا بذلك، وظنوا أنهم على الحق، حيث لم يصبهم بلاء ولم تمنع منهم النعمة، فذلك قوله: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ يعني: تركتهم في الدنيا يتمتعون، وأجلتهم وآباءهم في المتاع والسعة.

حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ يعني: تركوا التوحيد والإيمان بالقرآن.

وَكانُوا قَوْماً بُوراً أي هلكى فاسدين.

وأصله: الكساد يقال: بارت السوق إذا كسدت.

وقال الكلبي: بُوراً يعني: هالكين، فاسدة قلوبهم، غير متقين ولا محسنين.

يقول الله تعالى لعبدة الأوثان: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ يعني: الأصنام، ويقال: الملائكة فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً يعني: لا يستطيع الكفار انصرافاً إلى غير حجتهم التي تكلموا بها.

ويقال: لا تستطيعون صرفاً أي: انصرافاً عن حجتهم وَلا نَصْراً يعني: لا ينتصرون من آلهتهم حين كذّبتهم.

ويقال: لا تقدر الأصنام ولا الملائكة صرف العذاب عنهم وَلا نَصْراً يعني: لا يمنعونهم منه.

ويقال: الصرف الحيلة.

ويقال: لا يقبل منهم فدية أن يصرفوا عن أنفسهم بالفدية.

قرأ عاصم في رواية حفص فَما تَسْتَطِيعُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، يعني يقال لهم: لا تستطيعون صرف ذلك.

وقرأ الباقون بالياء ومعناه: أن الله تعالى يقول للنبي  : فما يستطيعون صرف ذلك عنهم.

ثم قال تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ يعني: يشرك بالله في الدنيا.

ويقال: يكفر بمحمد  والقرآن نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً في الآخرة، وهو عذاب النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ المعنى: قل يا محمدُ لهؤلاء الكفرة الصائرين إلى هذه الأحوال من النار: أذلك خير أم جَنَّةُ الخلد، وهذا استفهام على جِهَةِ التوقيف والتوبيخ لأَنَّ الموقِفَ جائز له أنْ يُوقِفَ مُحَاوِرَهُ على ما شاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطإِ.

وقوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعني الكفار، وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يريد كل شيء عُبِدَ من دون الله، وقرأ ابن «١» عامر: «فَنَقُولُ» بالنون، قال جمهور المفسرين:

والموقف المجيب كل من ظلم بأن عُبِدَ مِمَّنْ يعقل كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، وقال الضَّحَّاكُ وعِكْرِمَةُ: الموقف المجيب: الأصنام التي لا تَعْقِلُ يقدرها الله تعالى على هذه المقالة، ويجيء خزيَ الكفرة لذلك أبلغ «٢» ، وقرأ الجمهور «٣» : «نَتَّخِذَ» - بفتح النون-، وذهبوا بالمعنى إلى أَنَّه مِنْ قول مَنْ يَعْقِلُ، وأَنَّ هذه الآية بمعنى التي في سورة سبإ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ الآية [سبأ: ٤٠] .

وكقول عيسى: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ [المائدة: ١١٧] .

وقولهم: حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ أي: ما ذكر به الناس على ألسنة الأنبياء- عليهم السلام-، وقرأ زيد بن ثابت «٤» وجماعة: «نُتَّخَذَ» - بضم النون-.

وقوله تعالى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ...

الآية: خطابٌ من الله تعالى للكفرة، أخبرهم أنَّ مَعْبُودَاتِهم كذبتهم، وفي هذا الإخبار خِزْيٌ وتَوْبِيخٌ لهم، وقرأ حفص عن عاصم: «فَمَا تَسْتَطِيعُونَ» - بالتاء من فوق- قال مجاهد «١» : الضمير في «يستطيعون» هو للمشركين، وصَرْفاً معناه رَدُّ التكذيب أو العذاب.

وقوله تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ قيل: هو خطاب للكُفَّارِ، وقيل: للمؤمنين، والظلم هنا: الشِّرْكُ، قاله الحسن «٢» وغيره، وقد يحتمل أنْ يعم غيرَه من المعاصي، وفي حرف أُبَيِّ: «وَمَنْ يَكْذِبْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً» .

وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ...

الآية: رَدٌّ على قريش في قولهم: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ثم أخبر عز وجل أَنَّ السبب في ذلك أَنَّه جعل بعض عَبيدَهُ فتنةً لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، والتوقيف ب أَتَصْبِرُونَ خَاصٌّ بالمُؤمنين المحققين، قال ابن العربي في «الأحكام» «٣» :

ولما كثر الباطل في الأسواق، وظهرت فيه المناكر- كَرِهَ علماؤُنا دخولَها لأرباب الفضل والمُقْتَدَى يهم في الدِّينِ تنزيهاً لهم عن البقاع التي يُعْصَى الله تعالى فيها، انتهى.

ثم أعرب قوله تعالى: وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً عن الوعد للصابرين والوعيد للعاصين، وعن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب- رضي اللَّه عنه- أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده، لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ» «٤» ، رواه الترمذيُّ وابن ماجه، وهذا لفظ الترمذي، وزاد في رواية أخرى: «وَبَنَى لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ» ، ورواه الحاكم في «المستدرك» من عدة طرق، انتهى من «السلاح» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " يَحْشُرُهم " " فَيَقُولُ " بِالياءِ فِيهِما.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَحْشُرُهم " بِالنُّونِ " فَيَقُولُ " بِالياءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: " نَحْشُرُهم " " فَنَقُولُ " بِالنُّونِ فِيهِما جَمِيعًا؛ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ وَما يَعْبُدُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: يَعْنِي الأصْنامَ، فَيَأْذَنُ اللَّهُ لِلْأصْنامِ في الكَلامِ، ويُخاطِبُها ﴿ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي ﴾ أيْ: أمَرْتُمُوهم بِعِبادَتِكم ﴿ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ أيْ: أخْطَأُوا الطَّرِيقَ.

﴿ قالُوا ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ ﴿ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ﴾ نُوالِيهِمْ؛ والمَعْنى: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعْبُدَ نَحْنُ غَيْرَكَ، فَكَيْفَ نَدْعُو إلى عِبادَتِنا؟!

فَدَلَّ هَذا الجَوابُ عَلى أنَّهَمْ لَمْ يَأْمُرُوا بِعِبادَتِهِمْ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " أنْ نُتَّخَذَ " بِرَفْعِ النُّونِ وفَتْحِ الخاءِ.

ثُمَّ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِهِمُ الإيمانَ، فَقالُوا: ﴿ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ ﴾ أيْ: أطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ وأوْسَعَتْ لَهُمُ الرِّزْقَ ﴿ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ أيْ: تَرَكُوا الإيمانَ بِالقُرْآنِ والِاتِّعاظَ بِهِ ﴿ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْكَي.

وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى، البُورُ: [فِي] لُغَةِ أزْدِ عُمانَ: الفاسِدُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن بارَ يَبُورُ: إذا هَلَكَ وبَطَلَ، يُقالُ: بارَ الطَّعامُ: إذا كَسَدَ، وبارَتِ الأيِّمُ: إذا لَمْ يُرْغَبْ فِيها، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَتَعَوَّذُ مِن بَوارِ الأيِّمِ، قالَ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجُلٌ بُورٌ، وقَوْمٌ بُورٌ، لا يُجْمَعُ ولا يُثَنّى، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ وَقَدْ سَمِعْنا بِـ " رَجُلٍ بائِرٍ "، ورَأيْناهم رُبَّما جَمَعُوا " فاعِلًا " عَلى " فُعْلٍ "، نَحْوَ عائِذٍ وعُوذٍ، وشارِفٍ وشُرْفٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَيُقالُ لِلْكُفّارِ حِينَئِذٍ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ في قَوْلِكم: إنَّهم آلِهَةٌ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، ومُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ: " بِما يَقُولُونَ " بِالياءِ؛ والمَعْنى: كَذَّبُوكم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا ﴾ الآيَة؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فالمَعْنى: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المُشْرِكُونَ بِما تَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ( فَمًا يستطعيون صَرْفًا ولا نَصْرًا ) قَرَأ الأكْثَرُونَ بِالياءِ.

وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: فَما يَسْتَطِيعُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ عَنْكم ولا نَصْرًا لَكم.

والثّانِي: فَما يَسْتَطِيعُ الكُفّارُ صَرْفًا لِعَذابِ اللَّهِ عَنْهم ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ.

وَقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تَسْتَطِيعُونَ " بِالتّاءِ؛ والخِطابِ لِلْكُفّارِ.

وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ يُونُسَ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: الصَّرْفُ: الحِيلَةُ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لِيَتَصَرَّفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ ﴿ نُذِقْهُ ﴾ في الآخِرَةِ.

وَقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ، وأبُو الجَوْزاءِ [وَقَتادَةُ]: " يَذُقْهُ " بِالياءِ ﴿ عَذابًا كَبِيرًا ﴾ أيْ: شَدِيدًا.

﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ رُسُلًا مِنَ المُرْسَلِينَ، فَحُذِفَتْ " رُسُلًا " لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ يَدُلُّ عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴾ أيْ: إنَّهم كانُوا عَلى مَثَلِ حالِكَ، فَكَيْفَ تَكُونُ بِدَعًا مِنهُمْ؟!

فَإنْ قِيلَ: لِمَ كُسِرَتْ " إنَّهم " هاهُنا، وفُتِحَتْ في [ (بَراءَةٍ: ٥٤) في ] قَوْله: ﴿ أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهُمْ ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا هُنالِكَ عِلَّةَ فَتْحِ تِلْكَ؛ فَأمّا كَسْرُ هَذِهِ، فَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ فِيها واوُ حالٍ مُضْمَرَةٌ، فَكُسِرَتْ بَعْدَها " إنَّ " لِلِاسْتِئْنافِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا وإنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ، فَأُضْمِرَتِ الواوُ هاهُنا كَما أُضْمِرَتْ في قَوْلِهِ ﴿ أوْ هم قائِلُونَ  ﴾ ، والتَّأْوِيلُ: أوْ وهم قائِلُونَ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ كُسِرَتْ لِإضْمارِ " مَن " قَبْلَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا مَن إنَّهم لَيَأْكُلُونَ، قالَ الشّاعِرُ: فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ∗∗∗ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالمَهْلِ أرادَ: مَن دَمْعُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ الفِتْنَةُ: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ افْتِتانُ الفَقِيرِ بِالغَنِيِّ، يَقُولُ: لَوْ شاءَ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا، والأعْمى بِالبَصِيرِ، والسَّقِيمِ بِالصَّحِيحِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ابْتِلاءُ الشَّرِيفِ بِالوَضِيعِ، والعَرَبِيِّ بِالمَوْلى، فَإذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ فَرَأى الوَضِيعَ قَدْ سَبَقَهُ بِالإسْلامِ أنِفَ فَأقامَ عَلى كُفْرِهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ كانُوا إذا رَأوْا فَقُراءَ المُؤْمِنِينَ، قالُوا: انْظُرُوا إلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ مِن مَوالِينا ورَذالَتِنا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أتَصْبِرُونَ ﴾ لِأهْلِ البَلاءِ.

وعَلى الثّانِي: لِلرُّؤَساءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى سَبْقِ المُوالِي والأتْباعِ.

وعَلى الثّالِثِ: لِلْفُقَراءِ؛ فالمَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى أذى الكُفّارِ واسْتِهْزائِهِمْ، والمَعْنى: قَدْ عَلِمْتُمْ ما وُعِدَ الصّابِرُونَ، ﴿ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ بِمَن يَصْبِرُ وبِمَن يَجْزَعُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَبِيلَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أولِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، والضَمِيرُ في "يَحْشُرُهُمْ" لِلْكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَعْبُدُونَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، فَغَلَّبَ العِبارَةَ عَمّا لا يَعْقِلُ مِنَ الأوثانِ لِأنَّها كانَتِ الأغْلَبُ وقْتَ المُخاطَبَةِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يَحْشُرُهُمْ" "فَيَقُولُ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالنُونِ فِيهِما، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وطَلْحَةَ، وعاصِمْ أيْضًا، وقَرَأ نافِعٌ "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ "فَيَقُولُ" بِالياءِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِكَ"، وقَرَأ الأعْرَجُ "نَحْشِرُهُمْ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّ "يَفْعِلُ" بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن "يَفْعُلُ" بِضَمِّ العَيْنِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن أنَّ اللهَ تَعالى يُوَبِّخُ الكَفّارَ في القِيامَةِ بِأنْ يُوقِفَ المَعْبُودِينَ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِيَقَعَ الجَوابُ بِالتَبَرِّي مِنَ الذَنْبِ فَيَقَعُ الخِزْيُ عَلى الكافِرِينَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المَوْقِفِ المُجِيبِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو كُلُّ مَن ظُلِمْ بِأنْ عُبِدَ مِمَّنْ يَعْقِلُ: كالمَلائِكَةِ وعُزَيْرَ وعِيسى وغَيْرِهِمْ، وقالَ الضَحّاكُ، وعِكْرِمَةُ: المَوْقِفُ المُجِيبُ: الأصْنامُ الَّتِي لا تَعْقِلُ، يُقَدِّرُها اللهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، ويَجِيءُ خِزْيُ الكَفَرَةِ لِذَلِكَ أبْلَغَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَتَّخِذَ" بِفَتْحِ النُونِ، وذَهَبُوا بِالمَعْنى إلى أنَّهُ مِن قَوْلِ مَن يَعْقِلُ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى الَّتِي في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ  ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ  ﴾ ، وكَقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ  ﴾ ، و ﴿ مِن أولِياءَ ﴾ - في هَذِهِ القِراءَةِ - في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وأبُو الدَرْداءِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو رَجاءَ، ونَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، ومَكْحُولٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ: "نُتَّخَذُ" بِضَمِّ النُونِ، وتَذْهَبُ هَذِهِ مَذْهَبَ مَن يَرى أنَّ المَوْقِفَ المُجِيبَ الأوثانُ، ويُضْعِفُ هَذِهِ القِراءَةَ دُخُولُ "مِن" في قَوْلِهِ: " مِن أولِياءَ "، اعْتَرَضَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "مِن أولِياءَ" في مَوْضِعِ الحالِ، ودَخَلَتْ "مِن" زِيادَةً لِمَكانِ النَفْيِ المُتَقَدِّمْ، كَما تَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ زَيْدًا مِن وكِيلٍ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ: "ما يَنْبَغِي" بِسُقُوطِ "كانَ".

وثُبُوتُها أمْكَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا عَلى حالٍ كانَتْ في الدُنْيا، ووَقْتُ الإخْبارِ لا عَمَلَ فِيهِ.

وفَسَّرَ هَذا المُجِيبُ -بِحَسْبِ الخِلافِ فِيهِ- الوَجْهَ في ضَلالِ الكُفّارِ، كَيْفَ وقَعَ؟

وأنَّهُ لَمّا مَتَّعَهُمُ اللهُ تَعالى بِالنِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ وأدَرَّها لَهم ولِأسْلافِهِمُ الأحْقابَ الطَوِيلَةَ نَسُوا الذِكْرَ، أيْ: ما ذُكِّرَ بِهِ الناسُ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ.

و "بُورًا" مَعْناهُ: هَلْكى، والبَوارُ: الهَلاكُ، واخْتُلِفَ في لَفْظِهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والواحِدُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِبَعْرى: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتَ إذْ أنا بُورُ وقالَتْ فَرْقَةٌ: هي جَمْعُ بائِرٍ، وهو الَّذِي قَدْ فارَقَهُ الخَيْرُ فَحَصَلَ بِذَلِكَ في حُكْمِ الهَلاكِ، باشَرَهُ الهَلاكُ بَعْدُ أو لَمْ يُباشِرْ، قالَ الحَسَنُ: البائِرُ: الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِلا خِلافٍ، فَمَن قالَ: "إنَّ المُجِيبَ الأصْنامُ" كانَ مَعْنى هَذِهِ إخْبارَهُ الكُفّارَ أنَّ أصْنامَهم قَدْ كَذَّبُوهُمْ، وفي هَذا الإخْبارِ خِزْيٌ وتَوْبِيخٌ، والفِرْقَةُ الَّتِي قالَتْ: "إنَّ المُجِيبَ هو المَلائِكَةُ، وعُزَيْرٌ، وعِيسى، ونَحْوُهُمُ" اخْتَلَفَتْ في المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: المُخاطَبُ الكُفّارُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المُخاطَبُ هَؤُلاءِ المَعْبُودُونَ، أعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى أنَّ الكُفّارَ بِأفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ قَدْ كَذَّبُوا بِهَذِهِ المَقالَةِ، وزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الأولِياءُ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خاطَبَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، أيْ: قَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ فِيما تَقُولُونَ مِنَ التَوْحِيدِ والشَرْعِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، والناسِ: "تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ "يَسْتَطِيعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، "فَما تَسْتَطِيعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في "يَسْتَطِيعُونَ" هو لِلْمُشْرِكِينَ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكَ صَرْفًا"، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لَقَدْ كَذَّبُوكَ فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكَ"، قالَ أبُو حاتِمْ في حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "لَكم صَرْفًا" عَلى جَمْعِ الضَمِيرِ و "صَرْفًا" مَعْناهُ: رَدُّ التَكْذِيبِ أوِ العَذابِ أو ما اقْتَضاهُ المَعْنى، بِحَسْبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ ﴾ قِيلَ: هو خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: هو لِلْمُؤْمِنِينَ.

والظُلْمُ هو الشِرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُمْ غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي.

وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "وَمَن يَكْذِبْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا ألِيمًا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ .

الفاء فصيحة، أي إفصاح عن حجة بعد تهيئة ما يقتضيها، وهو إفصاح رائع وزاده الالتفات في قوله: ﴿ كذبوكم ﴾ .

وفي الكلام حذف فعل قول يدل عليه المقام.

والتقدير: إن قلتم هؤلاء آلهتنا فقد كذبوكم، وقد جاء التصريح بما يدل على القول المحذوف في قول عباس بن الأحنف: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا *** ثم القفول فقد جئنا خراسانا أي إن قلتم ذلك فقد جئنا خراسان.

وفي حذف فعل القول في هذه الآية استحضار لصورة المقام كأنه مشاهد غير محكي وكأن السامع آخر الآية قد سمع لهذه المحاورة مباشرة دون حكاية فقرع سمعه شهادة الأصنام عليهم ثم قرع سمعه توجه خطاب التكذيب إلى المشهود عليهم، وهو تفنن بديع في الحكاية يعتمد على تخييل المحكي واقعاً، ومنه قوله تعالى: ﴿ يوم يُسْحَبُون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر ﴾ [القمر: 48].

فجملة ﴿ فقد كذبوكم ﴾ إلخ مستأنفة ابتدائية هو إقبال على خطاب الحاضرين وهو ضرب من الالتفات مثل قوله تعالى: ﴿ واستغفري لذنبك ﴾ بعد قوله: ﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ [يوسف: 29].

والباء في قوله: ﴿ بما تقولون ﴾ يجوز أن تكون بمعنى (في) للظرفية المجازية، أي كذبوكم تكذيباً واقعاً فيما تقولون، ويجوز أن تكون للسببية، أي كذبوكم بسبب ما تقولون.

و (ما) موصولة.

والذي قالوه هو ما يستفاد من السؤال والجواب وهو أنهم قالوا إنهم دعوهم إلى أن يعبدوهم.

وفرع على الإعلان بتكذيبهم إياهم تأييسُهم من الانتفاع بهم في ذلك الموقف إذ بين لهم أنهم لا يستطيعون صرفاً، أي صرف ضر عنهم، ولا نصراً، أي إلحاق ضر بمن يغلبهم.

ووجه التفريع ما دل عليه قولهم ﴿ سبحانك ﴾ [الفرقان: 18] الذي يقتضي أنهم في موقف العبودية والخضوع.

وقرأ الجمهور: ﴿ يستطيعون ﴾ بياء الغائب، وقرأه حفص بتاء الخطاب على أنه خطاب للمشركين الذين عبدوا الأصنام من دون الله.

﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ .

تذييل للكلام يشمل عمومه جميع الناس، ويكون خطاب ﴿ منكم ﴾ لجميع المكلفين.

ويفيد ذلك أن المشركين المتحدث عنهم معذبون عذاباً كبيراً: والعذاب الكبير هو عذاب جهنم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ حَشْرُ المَوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: حَشْرُ البَعْثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ: هم عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ.

﴿ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ ﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ لِإكْذابِ مَنِ ادَّعى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

وَفِيمَن يُقالُ لَهُ ذَلِكَ القَوْلُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُقالُ هَذا لِلْمَلائِكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: لِعِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ أيْ أخْطَأُوا قَصْدَ الحَقِّ فَأجابُوا بِأنْ: ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما ما كُنّا نُوالِيهِمْ عَلى عِبادَتِنا.

الثّانِي: ما كُنّا نَتَّخِذُهم لَنا أوْلِياءَ.

﴿ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَتَّعَهم بِالسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: بِطُولِ العُمْرِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: بِالأمْوالِ والأوْلادِ.

﴿ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حَتّى تَرَكُوا القُرْآنَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: حَتّى غَفَلُوا عَنِ الطّاعَةِ.

الثّالِثُ: حَتّى نَسُوا الإحْسانَ إلَيْهِمْ والإنْعامَ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي هَلْكى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ.

الثّانِي: هُمُ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تُعَطِّلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ.

الثّالِثُ: أنَّ البَوارَ الفَسادُ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وقَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ بارَتْ إذا كَسَدَتْ كَسادَ الفاسِدِ ومِنهُ الأثَرُ المَرْوِيُّ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن بَوارِ الأيِّمِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبْعَرى: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقَتْ إذْ أنا بُورُ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَلائِكَةَ والرُّسُلَ قَدْ كَذَّبُوا الكُفّارَ فِيما يَقُولُونَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ فِيما يَقُولُونَهُ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: صَرْفُ العَذابِ عَنْهم ولا يَنْصُرُونَ أنْفُسَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَ الحُجَّةِ عَنْهم ولا نَصْرًا عَلى آلِهَتِهِمْ في تَعْذِيبِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَكَ يا مُحَمَّدُ عَنِ الحَقِّ ولا نَصْرَ أنْفُسِهِمْ مِن عَذابِ التَّكْذِيبِ، حَكاهُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّ الصَّرْفَ الحِيلَةُ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والصَّرْفُ الحِيلَةُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ أيْ يَحْتالُ.

وَأمّا قَوْلُهم لا يُقْبَلُ مِنهم صَرْفٌ ولا عَدْلٌ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّرْفَ: النّافِلَةُ، والعَدْلَ: الفَرِيضَةُ.

الثّانِي: أنَّ الصَّرْفَ: الدِّيَةُ، والعَدْلَ: القَوَدُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ءأنتم أضللتم عبادي ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة.

وأخرج الحاكم وابن مردويه بسند ضعيف عن عبد الله بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل عن قول الله: ﴿ وما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ﴾ أو نتخذ فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ إن نتخذ ﴾ بنصب النون فسألته عن ﴿ الم غلبت الروم ﴾ [ الروم: 1-2] أو غلبت قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ غلبت الروم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الضحاك قال: قرأ رجل عند علقمة ﴿ ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك ﴾ برفع النون ونصب الخاء فقال علقمة ﴿ أن نتخذ ﴾ بنصب النون وخفض الخاء.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه كان يقرؤها ﴿ ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك ﴾ برفع النون ونصب الخاء.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ﴾ قال: هذا قول الآلهة ﴿ ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً ﴾ قال: البور: الفاسد.

وانه ما نسي الذكر قوم قط إلاَّ باروا، وفسدوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قوماً بوراً ﴾ هَلْكَى.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ قوماً بوراً ﴾ قال هلكى بلغة عمان وهم من اليمن قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم ** وكافراً به فالكفر بور لصانعه وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: البور: بكلام عمان.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ بوراً ﴾ قال قاسين لا خير فيهم.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قوماً بوراً ﴾ قال: هالكين ﴿ فقد كذبوكم بما تقولون ﴾ يقول الله للذين كانوا يعبدون عيسى وعزيراً والملائكة حين قالوا سبحانك!

أنت ولينا من دونهم فقد كذبوكم بما تقولون عيسى، وعزيراً، والملائكة حين يكذبون المشركين، بقولهم ﴿ فما يستطيعون صرفاً ولا نصراً ﴾ قال: المشركون لا يستطيعون صرف العذاب، ولا نصر أنفسهم.

أما قوله تعالى: ﴿ ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: قرأت اثنين وسبعين كتاباً كلها نزلت من السماء ما سمعت كتاباً أكثر تكريراً فيه الظلم معاتبة عليه من القرآن.

وذلك أن الله علم أن فتنة هذه الأمة تكون في الظلم، وأما الآخر فإن أكثر معاتبته إياهم في الشرك، وعبادة الأوثان.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ ومن يظلم منكم ﴾ قال هو الشرك.

وأخرج ابن جرير عن ابن جرير في قوله: ﴿ ومن يظلم منكم ﴾ قال: يشرك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال الله -عز وجل-: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ أي: فيقال للكفار حينئذ (١) ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ أي: كذبكم المعبودون بقولكم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء (٢) ومن قرأ ﴿ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ بالياء (٣) ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ بقولهم: ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ الآية (٤) وقوله: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا ﴾ أي: ما يستطيع الشركاء والمعبودون صرف العذاب عنكم (٥) (٦) ﴿ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ بالياء للمتخذين الشركاء على الانصراف من الخطاب إلى الغيبة؛ لأن قبله خطابًا، وبعده خطابًا، وهو قوله: ﴿ وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ﴾ (٧) (٨) ﴿ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ خبر عن الشركاء على ما ذكرنا، وهو مذهب مقاتل (٩) ﴿ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أيها المتخذون الشركاء صرفًا ولا نصرًا (١٠) قال أبو عبيد: والاختيار الياء، وتصديقها حرف ابن مسعود: ﴿ فَمَا يسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلاَ نَصْرًا ﴾ (١١) ﴿ لَكُمُ ﴾ تبين أنه أخبر بالاستطاعة عن قوم.

وتفسير الصرف هاهنا: صرف العذاب، في قول ابن عباس ومقاتل، وأكثر المفسرين، وأهل المعاني (١٢) (١٣) (١٤) وقوله: ﴿ وَلَا نَصْرًا ﴾ معناه على قراءة العامَّة: ولا أن ينصروكم من عذاب الله بدفعه عنكم.

وعلى قراءة من قرأ: ﴿ تَسْتَطِيعُونَ ﴾ بالتاء معناه: ولا نصرًا من العذاب لأنفسكم.

يعني: ولا أن تنصروا أنفسكم بمنعها من العذاب (١٥) ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ  ﴾ أي: لا ينصر المشركون بعضهم بعضًا.

وهذا على تفسير مجاهد وعطاء لقوله: ﴿ فما يَسْتَطِيعونَ صرْفًا ﴾ بالياء (١٦) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ﴾ قال ابن عباس، والحسن ومقاتل: ومن يشرك منكم (١٧) (١٨) ﴿ عَذَابًا كَبِيرًا ﴾ يعني: شديدًا، [فلا عذاب أشد وأعظم من النار كقوله: ﴿ طُغْيَانًا كَبِيرًا  ﴾ يعني: شديدًا.]، (١٩) ﴿ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا  ﴾ يعني: شديدًا (٢٠) قال ابن عباس: ثم رجع -عز وجل- إلى ذكر النبي -  - يعزيه، فقال (٢١) (١) "تفسير مجاهد" 2/ 448.

و"تفسير مقاتل" ص 43 و"تفسير الطبري" 18/ 192.

(٢) تفسير هود الهوّاري 3/ 204.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 60.

و"تفسير الماوردي" 4/ 137، ونسبه لمجاهد.

(٣) قال أبو بكر بن مجاهد: قال لي قنبل عن أبي بزة عن ابن كثير ﴿ يَقُولُونَ ﴾ ﴿ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ بالياء جميعاً.

السبعة في القراءات 463، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 334.

(٤) قال مقاتل 43 ب: بقولهم إنهم لم يأمروكم أن تعبدوها.

(٥) "تنوير المقباس" ص 302.

و"تفسير مقاتل" ص 43 ب.

و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 642.

و"تفسير هود الهوّاري" 3/ 204.

وذكر الماوردي 4/ 137، أربعة أوجه، هذا أحدها.

(٦) قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ ﴾ بالتاء جميعاً.

وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ﴿ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ بالتاء ﴿ فما يستطيعون ﴾ بالياء، == وعن ابن كثير أنه قرأ بالياء في الموضعين.

"السبعة" ص 463، و"المبسوط في القراءات العشر" ص 271، و"التبصرة" ص 613، و"النشر" 2/ 334.

(٧) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 340، بنصه.

(٨) أخرجه ابن جرير 18/ 192، وابن أبي حاتم 8/ 2674.

وتفسير مجاهد 2/ 449.

(٩) "تفسير مقاتل" ص 43 ب.

(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 340.

(١١) أخرج هذه القراءة بإسناده ابن جرير 18/ 319، نصها: (مَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً) ولعل هذا تصحيف من: لكم، إلى: لك.

ثُمَّ قال: فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة، صح التأويل ....

وذكره ابن عطية 11/ 20، نقلاً عن ابن أبي حاتم، لكنِّي لم أجده عنده.

(١٢) "تفسير مقاتل" ص 44 أ.

وذكره السمرقندي 2/ 456.

والثعلبي 94 أ.

ونسبه الماوردي 4/ 137، لزيد بن أسلم.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 61.

(١٣) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 311.

حيث نسبه ليونس.

وكذا الثعلبي 94 أ.

وعن ابن قتيبة، ذكره الماوردي 4/ 137.

وابن الجوزي 6/ 79.

(١٤) في (ج): (صرف، وصرفي).

(١٥) "تنوير المقباس" ص 302.

(١٦) قول مجاهد، وعطاء، في الصفحة السابقة.

(١٧) أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2674، عن ابن عباس من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك، كل شيء نسبه إلى غير الإسلام، من اسم مثل: مسرف، وظالم، ومجرم، وفاسق، وخاسر، فإنما يعني به: الكفر.

وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به: الذنب، قال: ﴿ وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ﴾ يقول: من يكفر منكم.

وذكر القرطبي 13/ 12، عن ابن عباس -  ما-، أنه الشرك.

وأخرجه عن الحسن عبد الرزاق 2/ 67.

وعنه ابن جرير 18/ 193.

و"تفسير مقاتل" ص44 أ.

قال ابن عطية 11/ 20، بعد ذكره هذا لقول: وقد يحتمل أن يعم غيره من المعاصي.

إلا أن سياق الآية لا يشهد له.

والله أعلم.

(١٨) عليها.

هكذا عند الواحدي، ومقاتل.

أي: على هذه المعصية، وإن كان الأظهر: عليه، والله أعلم.

(١٩) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).

(٢٠) "تفسير مقاتل" ص 44 أ.

سوى ما بين المعقوفين فهو غير موجود.

(٢١) هكذا في "الوسيط" 3/ 337، غير منسوب لأحد.

لكن ذكر الواحدي -رحمه الله-.

في "أسباب النزول" 332، عن ابن عباس -  ما-، أن المشركين لما عيّروا رسول الله -  - بالفاقة، وقالوا: ﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ حزن رسول الله -  - فنزل جبريل،  ، من عند ربه معزِّياً له، فقال: السلام عليك يا رسول الله، رب العزة يقرئك السلام، ويقول لك: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ .

وهذا غير ثابت عن ابن عباس -  ما-؛ لأنه من طريق: جويبر عن الضحاك.

وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك لم يلق ابن عباس.

وقد سبق ذلك عند تفسير الآية العاشرة، من هذه السورة.

وذكره القرطبي 13/ 12، بدون إسناد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ هذا خطاب خاطب الله به المشركين يوم القيامة أي: قد كذبكم آلهتكم التي عبدتم من دون الله، وتبرؤوا منكم.

وقيل: هو خطاب للمعبودين: أي كذبوكم في هذه المقالة لما عبدوكم في الدنيا، وقيل: هو خطاب للمسلمين: أي قد كذبكم الكفار فيما تقولونه من التوحيد والشريعة، وقرئ بما يقولون بالياء من أسفل، والباء في قوله: ﴿ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ على القراءة بالتاء بدل من الضمير في ﴿ كَذَّبُوكُمْ ﴾ ، وعلى القراءة بالياء كقولك: كتبت بالقلم، أو كذبوكم بقولهم ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ قرئ فيما تستطيعون بالتاء فوق، ويحتمل على هذا أن يكون الخطاب للمشركين أو للمعبودين؛ والصرف على هذين الوجيهن صرف العذاب عنهم، أو يكون الخطاب للمسلمين والصرف على هذا رد التكذيب، وقرئ بالياء وهو مسند إلى المعبودين أو إلى المشركين والصرف صرف العذاب ﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ ﴾ خطاب للكفار وقيل: للمؤمنين وقيل: على العموم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جنة نأكل ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء التحتانية ﴿ ويجعل لك ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل وابن كثير.

الباقون بالجزم وذلك أن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الرفع والجزم ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ فيقول ﴾ كلاهما بالياء: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما.

الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني ﴿ أن يتخذ ﴾ على البناء للمفعول: زيد ويزيد ﴿ بما تقولون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل.

﴿ تستطيعون ﴾ على الخطاب: حفص غير الخزاز.

الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده بدل من ﴿ الذي نزل ﴾ والتعليل من تمام الصلة، ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ ولا نشوراً ﴾ ه ﴿ آخرون ﴾ ج لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون ﴿ فقد جاؤا ﴾ من قول الكفار أي جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور ﴿ وزوراً ﴾ ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف المتفقتين مع عوارض وطول الكلام ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ السواق ﴾ ط ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف ﴿ قصوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ وزفيراً ﴾ ه ﴿ ثبوراً ﴾ الأول ه ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ط ﴿ مسؤولاً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ الذكر ﴾ ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ تقولون ﴾ ه إلا لمن قرأ ﴿ تستطيعون ﴾ بتاء الخطاب ﴿ نصيراً ﴾ ج ه للشرط مع العطف ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ في السواق ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ أتصبرون ﴾ ج لاحتمال كون الواو للحال ﴿ بصيراً ﴾ ه.

التفسير: إنه  تكلم في هذه السورة أولاً في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب.

ومعنى ﴿ تبارك ﴾ كثر خيره وزاد أو  عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله  ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله ﴿ تبارك ﴾ دليل على أن كل البركة والخير إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فذلك صح إيقاعها صلة للذي.

والضمير في ﴿ ليكون ﴾ لعبده أو للفرقان كقوله ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثاً إلى الجن والإنس إلى آخر مدة التكليف.

والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير.

قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيراً للكل.

وعورض بنحو قوله ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم  ﴾ والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه  بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة.

ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها ﴿ الذي له ملك السوات والأرض ﴾ وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره.

الثانية ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ وفيه رد النصارى واليهود الثالثة ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي ايضاً، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال جار الله: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو مافيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.

وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديراً فخلفه في وقته موافقاً لذلك التقدير.

والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلاً ﴿ واتخذوا ﴾ الآية.

وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن الله، فتكون الآية رداً على الكل.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ من دونه ﴾ لتقدم الذكر مفرداً وفي مريم ويس ﴿ من دون الله  ﴾ لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيماً فلن يكن بد من التصريح.

وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهان منكري النبوة والأجوبة عنها.

فالشبهة الأولى قولهم ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه ﴾ أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في غضافته إلى الله  .

وقوله ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ نظير قوله  ﴿ إنما يعلمه بشر لسان الذي  ﴾ وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراً ﴾ اي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه.

وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض اي أتوا بالظلم والزور.

فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله.

إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف،فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا يتلقن من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم ايضاً أن يستعينوا بغيرهم.

قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه.

الشبهة الثانية قولهم ﴿ أنه أساطير الأولين ﴾ اي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم ﴿ اكتتبها ﴾ لنفسه كقولك "استكب الماء" أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلباً لأنه يقال "أمليت عليه فهو يكتتبها" وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.

قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ أي دائماً أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم.

فأجاب عن هذه الشبهة بقوله ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر ﴾ الآية.

والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد.

قال أبومسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة.

وقيل: هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه.

الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن ﴿ ما لهذا ﴾ الزاعم أنه رسول أي ما باله ﴿ يأكل الطعام ﴾ كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد.

زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنساناً معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهراً بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد ن الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين.

وانتصب ﴿ فيكون ﴾ لأنه جواب "لولا" بمعنى "هلا" وحكمه حكم الاستفهام ومحل ﴿ أنزل ﴾ الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين ﴿ وقال الظالمون ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله.

والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقاً إليه.

وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل.

وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله ﴿ تبارك ﴾ أي تكاثر خبر ﴿ الذي إن شاء ﴾ وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا: ثم فسر ذلك الخبر بقوله ﴿ جنات ﴾ عن ابن عباس: خيراً من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة.

وعنه في رواية عكرمة خيراً من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش.

وفي قوله ﴿ إن شاء ﴾ دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته.

وقيل: "إن" بمعنى "إذ" أي قد جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصوراً.

والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.

وقال مجاهد: إن شاء جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصوراً.

عن طاوس عن ابن عباس قال: "بينما رسول الله  جالس وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك.

فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها احداً قبلك ولا يعطيها أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً.

فقال  : بل يجمعها لي في الآخرة" فنزلت هذه الآية.

وعن النبي  : "عرض عليّ جبرائيل  بطحاء مكة ذهباً فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" .

وفي رواية "أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت" .

قوله ﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا يرجون ثواباً ولا عقاباً.

ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها.

﴿ وأعتدنا ﴾ جعلناها عدة ومعدة لهم.

وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل أن يقال: هو كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ قالت الأشاعرة: البنية ليست شرطاً في الحياة وتوابعها فأجروا قوله ﴿ إذا رأتهم ﴾ على ظاهره وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار.

والمعتزلة أوّلوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم في قولهم "دورهم تتراءى وتتناظر" كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز.

والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر.

وقال الجبائي: ذكر النار واراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم.

قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً فكيف قال الله  ﴿ سمعوا لها تغيظ ﴾ وأجيب بأن المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ.

قاله الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: متقلداً سيفاً ورمحاً *** يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم  يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي.

وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها.

عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح.

وسئل النبي  عن ذلك فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" .

قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة.

وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض.

وجاء في الأحاديث "إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" .

وقال الصوفية.: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً  ﴾ ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم.

والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بواثبوراه اي يقال يا ثبور فهذا أوانك وههنا إضمار اي يقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ﴾ إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول.

ومعنى ﴿ وادعوا ثبوراً كبيراً ﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير.

إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة.

قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.

ثم وبخهم بقوله ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به وليس هذا الاستفهام كقول القائل "السكر أحلى أم الصبر" ولكن الغرض منه التقريع كلما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟

والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن نعيمها لا ينقطع.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ وعد ﴾ دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد والفضل لا لأجل العمل.

وقالت المعتزلة: في قوله ﴿ المتقون ﴾ إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار ﴿ كانت لهم جزاء ومصيراً ﴾ أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل هناك.

قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم.

أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون بإدخال الله أهل العفو الجنة؟

قال جار الله: ذكر المصير مع ذكر الجزاء مدحاً للثواب مكانه كقوله ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقاً  ﴾ وفي قوله ﴿ لهم فيها ما يشاؤن ﴾ دلالة على أن حصول المرادات بأسرها لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات.

والضمير في ﴿ كان ﴾ ﴿ لما يشاؤن ﴾ واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ على ربك ﴾ أن ذلك واجب على الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم.

وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله ﴿ وعداً مسؤلاً ﴾ كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك  ﴾ أو سألته الملائكة في قولهم { ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم  ﴾ أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد على المؤمنين.

قوله ﴿ يوم نحشرهم ﴾ رجوع إلى قوله ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ وظاهر قوله ﴿ وما يعبدون ﴾ أنها الأصنام وظاهر قوله ﴿ أأنتم أضللتم ﴾ أنه من عبد من العقلاء كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله  فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد أنهم تكلموا بلسان الحال.

وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين العقلاء نظيره قوله ﴿ ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون  ﴾ ثم قالوا: إن لفظة "ما" قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: "ما زيد" تريد أطويل أم قصير.

والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه.

وإنما قال أنتم وهم ولم يقل "أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل"، لأن السؤال وقع عمن تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال.

وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن يجيب المعبودين بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال لعيسى ﴿ أأنت قلت للناس  ﴾ وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو للطريق.

﴿ قالوا سبحانك ﴾ تعجباً مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا بـ ﴿ سبحانك ﴾ ليدلوا على أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟

أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما نداً، أو قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفاده علم أو إيذاء من كان بريئاً من الجرم بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.

من قرأ ﴿ أن نتخذ ﴾ بفتح النون فظاهر وهو متعدٍ إلى واحد والأصل أن نتخذ أولياء من دونك فزيدت "من" لتأكيد معنى النفي.

ومن قرأ بضم النون فهو متعدٍ إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء.

ولا تكون "من" زائدة لأنها لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما أتخذت أحداً من ولي فـ "من" للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء.

وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.

وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن المعنى إذ كنا لا نرى أن نتخذ من دونك ولياً فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟

الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار.

قال تعالى ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ [النساء: 76} يريد الكفرة عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا.

أو قالت الملائكة: أنا وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك ولياً.

الرابع قالت الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادّعاء أنا من المعبودين.

وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعاً.

و ﴿ الذكر ﴾ ذكر الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.

قالت المعتزلة: في قوله ﴿ ولكن متعتهم ﴾ الخ.

دليل بيِّن على أن الله عز وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشر سبب الكفر ونسيان الذكر.

فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا.

وقالت الأشاعرة: بل فيه دلالة على أن الله  هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك.

أما قوله ﴿ وكانوا قوماً بوراً ﴾ فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل وحول.

وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال "رجل بور" أي فاسد هالك لا خير فيه "وامرأة بور" و "قوم بور" كما يقال "أنت بشر" و "أنتم بشر".

قالت المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال.

وقالت الأشاعرة: أراد أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضاً.

قوله ﴿ فقد كذبوكم ﴾ التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه قال: إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة.

أو بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة.

قال جار الله: الباء في الأول كقوله ﴿ بل كذبوا بالحق ﴾ والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون.

وفي الثاني كقولك "كتبت بالقلم".

﴿ فما تستطيعون ﴾ أنتم يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم.

وقيل: الصرف التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله.

وقيل: الحيلة من قولهم "إنه ليتصرف" أي يحتال.

ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله ﴿ ومن يظلم ﴾ الآية.

فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ظلم لقوله ﴿ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون  ﴾ والإنصاف أنه لا دلالة في الاية على مطلوبهم لأن "من" ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله ﴿ منكم ﴾ ولئن سلم فلعله مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة العذاب لا تدل على الخلود.

ثم بين بقوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الآية.

أنه لا وجه لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله.

قال الزجاج: الجملة بعد "إلا" صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين: إلا آكلين وماشين.

وإنما حذف لأن في قوله ﴿ من المرسلين ﴾ دليلاً عليه نظيره ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا أحد.

وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم.

وقال ابن الأنباري: المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالاً كقوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم  ﴾ قوله ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال الكلبي والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد اسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله  ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما روي عن أبي الدرداء عن النبي  "ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية" وقال آخرون: إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد  بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين.

قالت الأشاعرة: في هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر.

وقال الجبائي: هذا الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلاناً لص إنه جعله لص.

قال في الكشاف: موقع ﴿ أتصبرون ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً  ﴾ قلت: أراد أن كلاً من الابتلاء والفتنة يستدعي التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي بفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد كقوله ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ ويؤيده قوله ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ عالماً بمن صبر ومن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بحسب ذلك.

وقيل: في الآية تسلية للنبي  عما عيروه به من الفقر فقد جعل الأغنياء فتنة للفقراء.

وقيل: جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ولو كنت غنياً صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص.

وقالت الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما يقولون والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ ﴾ اختلف [فيه]: قال بعضهم: نحشر أولئك الذين عبدوا دون الله والمعبودين وهم الملائكة؛ لأن من العرب من قد عبدوا الملائكة؛ كقوله في آية أخرى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ...

﴾ الآية [سبأ: 41-42].

وقال بعضهم: هو عيسى يحشر بينه وبين من عبدوه؛ لأنه قد عبد دون الله فيقول له ما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ...

﴾ الآية [المائدة: 116].

وقال بعضهم: يحشر الأصنام ومن عبدها، ثم يأذن لها في الكلام فيقول: ﴿ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ  ﴾ ، ولو كان عيسى -  - أو الملائكة لكانوا عالمين بعبادتهم إياهم غير غافلين؛ دل ذلك أنها الأصنام التي عبدوها دون الله وإياها يسألون.

وكل ذلك محتمل؛ إذ قد كان منهم ذلك كله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ ﴾ : والله - عز وجل - كان عالماً لما كان منهم، لكن السؤال إياهم - والله أعلم - يخرج مخرج توبيخ أولئك الكفرة وتعييرهم؛ لأنهم يعبدون من ذكر من دون الله، ويقولون: هم أمروهم بذلك، وكانوا مقبولي القول عندهم صادقين فيما يخبرون ويقولون، فأراد أن يظهر كذبهم عند الخلائق؛ لذلك سألهم، والله أعلم بالكائن منهم من أنفسهم، لكنه يخرج على ما ذكرنا.

ثم نزهوه عن جميع ما لا يليق به، وبرءوا أنفسهم عن أن يكون منهم أمر أو شيء مما نسبه أولئك إليهم، وهو أعلم بهم فقالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ أَوْلِيَآءَ ﴾ أي: أرباباً، وهم لم يتخذوا أربابا من دونه، لكنه عندنا يخرج على وجهين: أحدهما: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونه أولياء هم المؤمنون.

الثاني: أو أن يكون: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دون ولايتك ولاية سواك.

وفي بعض القراءات: ﴿ أن نتخذ من دونك أولياء ﴾ برفع النون، لكن أهل الأدب يقولون: هو خطأ.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن آباءهم قد أمهلوا ومتعوا في هذه الدنيا، حتى ماتوا على ذلك من غير أن أصابهم شيء مما أوعدوا في كتابهم، ومما أوعدهم الرسل من العذاب والهلاك على ما اختاروا من الدين وصنيعهم، فظنوا أنهم على حق من ذلك؛ حيث لم يصبهم من المواعيد المذكورة في كتابهم، أو ما أوعدهم رسلهم بشيء؛ فعلى هذا التأويل الذكر: الذي نسوه هو كتابهم، أو ما أوعدهم رسلهم، والله أعلم.

فإن كان على هذا فالآية في أهل الكتاب منهم.

ويحتمل أن تكون الآية في الفراعنة، والقادة من هؤلاء الكفرة متعوا في هذه الدنيا بأحوال ورياسة، ووسع عليهم المعيشة، حتى دعوا الناس وأتباعهم إلى ما هم عليه من التكذيب برسوله وما أنزل عليه، فأجيبوا بالأموال عندهم، فنسوا ما في القرآن من الوعيد.

﴿ وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً ﴾ والبور: قال بعضهم: الهلاك.

وقال بعضهم: البور: الفساد.

وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ : أي: فقد كذبكم أولئك، ﴿ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ : أنهم أمرونا بذلك، وكانوا عندهم صدقة.

وقوله: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ : هذا يحتمل وجوها: أحدها: أي: ما يستطيع أولئك الكفرة صرف قول من عبدوهم وتكذيبهم حين كذبوهم في قولهم.

﴿ وَلاَ نَصْراً ﴾ أي: ولا استطاعوا الانتصار منهم حين كذبوهم؛ وعلى ذلك يخرج قراءة من قرأه بالتاء: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ .

و [الثاني:] يحتمل: ﴿ فما يستطيعون ﴾ أولئك المعبودون صرف عذاب الله ونقمته عنكم، ولا كانوا لهم نصراء؛ لأنهم قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

والثالث: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً ﴾ أي: فداء، ﴿ وَلاَ نَصْراً ﴾ أي: لا يقبل منهم الفداء، ولا كان لهم ناصر ينصرهم في دفع العذاب عنهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ  ﴾ .

وقال القتبي وأبو عوسجة: قال بعضهم: الصرف: النافلة، سميت صرفاً لأنها زيادة على الواجب، والعدل: الفريضة.

وقد روي في الخبر: "من طلب صرف الحديث ليبتغي به إقبال وجوه الناس، لم يرح رائحة الجنة" أي: من طلب تحسينه بالزيادة فيه.

وقال بعضهم: الصرف: الدية، والعدل: رجل مثله؛ كأنه يريد: لا يقبل منه أن يفتدي برجل مثله وعدله، ولا يصرف عن نفسه بديته، ومنه قيل: صارفي، وصرف الدرهم بالدنانير؛ لأنك تصرف هذا إلى هذا، وأصله ما ذكرنا.

قال القتبي وأبو عبيدة: ﴿ قَوْماً بُوراً ﴾ ، أي: هلكى، وهو من بار يبور؛ إذا هلك وبطل؛ يقال: بار الطعام، إذا كسد، وبارت الأيم؛ إذا لم يرغب فيها، وفي الخبر: "كان رسول الله  يتعوذ من بوار الأيم" قال أبو عبيدة: يقال: رجل بور وقوم بور لا يثنى ولا يجمع.

وقال أبو عوسجة: ﴿ قَوْماً بُوراً ﴾ : لا خير فيهم، ورجل بائر؛ وكذلك قال ابن زيد: بورا أي: ليس فيهم من الخير شيء.

وقال قتادة: بورا: فاسدين، بلغة أهل عمان، وقال: "ما نسي قوم ذكر الله قط إلا باروا وفسدوا" وقوله: ﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ : أما على قول بعض الخوارج: كل ظلم ارتكبه فهو في ذلك الوعيد على أصل مذهبهم.

وعلى قول المعتزلة: كل صاحب كبيرة في ذلك الوعيد.

وأما على قول المسلمين: فذلك الوعيد لمرتكبي الظلم: ظلم كفر وشرك، وأمّا ما دون ذلك فهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أن هذا إنما أخرج جواباً لقول أولئك: ﴿ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ﴾ ، فأخبر أن الرسل الذين كانوا من قبل محمد كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق على ما يأكل هو ويمشي.

ثم من الناس من كره الركوب في الأسواق بهذا، وقال: إنه أخبر عن الأنبياء والرسل جملة أنهم كانوا يمشون في الأسواق، لم يذكر منهم الركوب؛ فدل ذلك منهم أنه مكروه منهي عنه؛ فيشبه أن يكون ما قال هؤلاء، وأنه يكون مكروهاً؛ لأنه يخرج الركوب في الأسواق مخرج التعزز والمباهاة؛ فالواجب على كل مسلم أن يكون تعززه بالإسلام وبدينه الذي اختاره الله  ، وخاصة على العلماء يجب أن يكون تعززهم ومباهاتهم بالعلم الذي أعطاه الله لهم وأكرمهم؛ فإنه لا يُعْقِبُهُ ذلاًّ: ولا يورثه صغارا ولا قهرا، وأمّا كل عز كان سوى ما ذكرنا فهو إلى ذل ما يصير سريعاً، كأنه ليس بعز في الحقيقة، ولو تأصَّل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ : الفتنة كأنها هي المحنة التي فيها شدة وبلاء.

ثم قال أهل التأويل: إنه لما أسلم عبد الله وأبو ذر وعمار وبلال وصهيب وأمثال هؤلاء، قال الفراعنة من قريش نحو أبي جهل والوليد وأمثالهما: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا، اتبعوه من موالينا وأعرابنا رذالة كل قوم، فازدروهم وآذوهم واستهزءوا بهم؛ فأنزل الله هذه الآية لهؤلاء الفقراء الذين اتبعوا رسول الله؛ ليصبرهم على أذاهم فقال: ﴿ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ أي: اصبروا على الأمر؛ هذا محتمل.

وقال الحسن: قوله  : ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ جعل أهل البلوى فتنة لغيرهم وغير أهل البلوى؛ يقول الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان، ويقول الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيّاً مثل فلان؛ وكذلك يقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان، لكنه أعطى لأهل البلوى البلوى وأمرهم بالصبر عليها، وأعطى لأهل النعمة النعمة وأمرهم بالشكر عليها.

وجائز أن يكون غير هذا، وهو قريب من هذا، وذلك أنه أعطى بعضا النعمة والسعة، وجعل بعضهم أهل ضيق وشدة؛ ثم جعل كل فريق محتاجاً إلى الفريق الآخر؛ جعل الغني والمثري محتاجاً إلى الفقير في بعض أموره، والفقير محتاجاً إلى الغني لغناه؛ وجعل لبعض على بعض مؤنة ما لولا فقر الفقير لا يعرف الغني قدر غناه، ولا الفقير قدر فقره، ولا قام بعض بكفاية مؤنة بعض، ثم أمر كلا بالصبر على تحمل مؤنة الآخر بقوله: ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ أي: اصبروا على الأمر يخرج، وإن كان ظاهره استفهاماً وسؤالا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ أي: على بصر وعلم؛ جعل بعضا فتنة لبعض ليس على سهو وغفلة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فقد كذبكم -أيها المشركون- من عبدتموهم من دون الله فيما تدّعونه عليهم، فما تستطيعون دفع العذاب عن أنفسكم ولا نصرها لعجزكم، ومن يظلم منكم -أيها المؤمنون- بالشرك بالله نذقه عذابًا عظيمًا مثل ما أذقناه من ذُكِر.

<div class="verse-tafsir" id="91.gQbo8"

مزيد من التفاسير لسورة الفرقان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل