الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٢٠ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 116 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين : إنهم كانوا يأكلون الطعام ، ويحتاجون إلى التغذي به ( ويمشون في الأسواق ) أي : للتكسب والتجارة ، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم; فإن الله جعل لهم من السمات الحسنة ، والصفات الجميلة ، والأقوال الفاضلة ، والأعمال الكاملة ، والخوارق الباهرة ، والأدلة [ القاهرة ] ، ما يستدل به كل ذي لب سليم ، وبصيرة مستقيمة ، على صدق ما جاءوا به من الله عز وجل .
ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) [ يوسف : 109 ] ( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ) [ الأنبياء : 8 ] .
وقوله : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) أي : اختبرنا بعضكم ببعض ، وبلونا بعضكم ببعض ، لنعلم من يطيع ممن يعصي; ولهذا قال : ( أتصبرون وكان ربك بصيرا ) أي : بمن يستحق أن يوحى إليه ، كما قال تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] ، ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ، ومن لا يستحق ذلك .
وقال محمد بن إسحاق في قوله : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) قال : يقول الله : لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون ، لفعلت ، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم ، وأبتليهم بهم .
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله : إني مبتليك ، ومبتل بك " .
وفي المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة " ، وفي الصحيح أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا .
وهذا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه على مشركي قومه الذين قالوا: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ وجواب لهم عنه يقول لهم جلّ ثناؤه: وما أنكر يا محمد هؤلاء القائلون: ما لهذا الرسول يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق, من أكلك الطعام، ومشيك في الأسواق, وأنت لله رسول، فقد علموا أنا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، كالذي تأكل أنت وتمشي, فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجة.
فإن قال قائل: فإن (من) ليست في التلاوة, فكيف قلت: معنى الكلام: إلا من إنهم ليأكلون الطعام؟
قيل: قلنا في ذلك: معناه: أن الهاء والميم في قوله: إنهم, كناية أسماء لم تذكر, ولا بد لها من أن تعود على من كُني عنه بها, وإنما ترك ذكر " من " وإظهاره في الكلام اكتفاء بدلالة قوله: ( مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) عليه, كما اكتفي في قوله: وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ من إظهار " من ", ولا شكّ أن معنى ذلك: وما منا إلا من له مقام معلوم, كما قيل وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ومعناه: وإن منكم إلا من هو واردها، فقوله: ( إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ) صلة لمن المتروك, كما يقال في الكلام: ما أرسلت إليك من الناس إلا من إنه ليبلغك الرسالة, فإنه ليبلغك الرسالة، صلة لمن.
وقوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) يقول تعالى ذكره: وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض, جعلنا هذا نبيا وخصصناه بالرسالة, وهذا ملِكا وخصصناه بالدنيا, وهذا فقيرًا وحرمناه الدنيا لنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغنيّ, والملك بصبره على ما أعطيه الرسول من الكرامة, وكيف رضي كل إنسان منهم بما أعطى، وقسم له, وطاعته ربه مع ما حرم مما أعطى غيره.
يقول فمن أجل ذلك لم أعط محمدا الدنيا, وجعلته يطلب المعاش في الأسواق, ولأبتليكم أيها الناس, وأختبر طاعتكم ربكم وإجابتكم رسوله إلى ما دعاكم إليه, بغير عرض من الدنيا ترجونه من محمد أن يعطيكم على اتباعكم إياه، لأني لو أعطيته الدنيا, لسارع كثير منكم إلى اتباعه طمعا في دنياه أن يَنال منها.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن أبي رجاء, قال: ثني عبد القدوس, عن الحسن, في قوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) ...
الآية, يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان, ويقول هذا الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيا مثل فلان, ويقول هذا السقيم: لوشاء الله لجعلني صحيحا مثل فلان.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) قال: يمسك عن هذا، ويوسع على هذا, فيقول: لم يعطني مثل ما أعطى فلانا, ويبتلى بالوجع كذلك, فيقول: لم يجعلني ربي صحيحا مثل فلان في أشباه ذلك من البلاء, ليعلم من يصبر ممن يجزع.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, قال: ثني محمد بن أبي محمد, فيما يرى الطبري, عن عكرمة, أو عن سعيد, عن ابن عباس, قال: وأنـزل عليه في ذلك من قولهم: ( مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ ) ...
الآية: ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ) : أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا على ما تسمعون منهم, وترون من خلافهم, وتتبعوا الهدى بغير أن أعطيهم عليه الدنيا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي، فلا يخالفون لفعلت, ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بكم وأبتليكم بهم.
وقوله: (وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) يقول: وربك يا محمد بصير بمن يجزع ومن يصبر على ما امتحن به من المحن.
كما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج (وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) إن ربك لبصير بمن يجزع، ومن يصبر.
قوله تعالى : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا .فيه تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وما أرسلنا قبلك من المرسلين نزلت جوابا للمشركين حيث قالوا : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق .
وقال ابن عباس : لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة وقالوا : ما لهذا الرسول يأكل الطعام الآية حزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فنزلت تعزية له ; فقال جبريل عليه السلام : السلام عليك يا رسول الله !
الله [ ص: 14 ] ربك يقرئك السلام ويقول لك : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق أي يبتغون المعايش في الدنيا .الثانية : قوله تعالى : إلا إنهم ليأكلون الطعام إذا دخلت اللام لم يكن في ( إن ) إلا الكسر ، ولو لم تكن اللام ما جاز أيضا إلا الكسر ; لأنها مستأنفة .
هذا قول جميع النحويين .
قال النحاس : إلا إن علي بن سليمان حكى لنا عن محمد بن يزيد قال : يجوز في ( إن ) هذه الفتح وإن كان بعدها اللام ; وأحسبه وهما منه .
قال أبو إسحاق الزجاج : وفي الكلام حذف ; والمعنى : وما أرسلنا قبلك رسلا إلا إنهم ليأكلون الطعام ، ثم حذف " رسلا " لأن في قوله : من المرسلين ما يدل عليه .
فالموصوف محذوف عند الزجاج .
ولا يجوز عنده حذف الموصول وتبقية الصلة كما قال الفراء .
قال الفراء : والمحذوف " من " والمعنى : إلا من إنهم ليأكلون الطعام .
وشبهه بقوله : وما منا إلا له مقام معلوم ، وقوله وإن منكم إلا واردها أي ما منكم إلا من هو واردها .
وهذا قول الكسائي أيضا .
وتقول العرب : ما بعثت إليك من الناس إلا من إنه ليطيعك .
فقولك : إنه ليطيعك صلة " من " .
قال الزجاج : هذا خطأ ; لأن " من " موصولة فلا يجوز حذفها .
وقال أهل المعاني : المعنى : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل إنهم ليأكلون ، دليله قوله تعالى : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك .
وقال ابن الأنباري : كسرت " إنهم " بعد إلا للاستئناف بإضمار واو .
أي إلا وإنهم .
وذهبت فرقة إلى أن قوله : ليأكلون الطعام كناية عن الحدث .قلت : وهذا بليغ في معناه ، ومثله ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام .
ويمشون في الأسواق قرأ الجمهور يمشون بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين .
وقرأ علي وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة ، بمعنى يدعون إلى المشي ويحملون عليه .
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشددة ، وهي بمعنى يمشون ; قال الشاعر :ومشى بأعطان المباءة وابتغى قلائص منها صعبة وركوب[ ص: 15 ] وقال كعب بن زهير :منه تظل سباع الجو ضامزة ولا تمشي بواديه الأراجيلبمعنى تمشي .الثالثة : هذه الآية أصل في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك .
وقد مضى هذا المعنى في غير موضع ، لكنا نذكر هنا من ذلك ما يكفي فنقول : قال لي بعض مشايخ هذا الزمان في كلام جريء : إن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا ليسنوا الأسباب للضعفاء ; فقلت مجيبا له : هذا قول لا يصدر إلا من الجهال والأغبياء والرعاع السفهاء ، أو من طاعن في الكتاب والسنة العلياء ; وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن أصفيائه ورسله وأنبيائه بالأسباب والاحتراف فقال وقوله الحق : وعلمناه صنعة لبوس لكم .
وقال : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق قال العلماء : أي يتجرون ويحترفون .
وقال عليه الصلاة والسلام : جعل رزقي تحت ظل رمحي وقال تعالى : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا وكان الصحابة رضي الله عنهم يتجرون ويحترفون وفي أموالهم يعملون ، ومن خالفهم من الكفار يقاتلون ; أتراهم ضعفاء !
بل هم كانوا والله الأقوياء ، وبهم الخلف الصالح اقتدى ، وطريقهم فيه الهدى والاهتداء .
قال : إنما تناولوها لأنهم أئمة الاقتداء ، فتناولوها مباشرة في حق الضعفاء ، فأما في حق أنفسهم فلا ; وبيان ذلك أصحاب الصفة .قلت : لو كان ذلك لوجب عليهم وعلى الرسول معهم البيان ; كما ثبت في القرآن وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم وقال : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى الآية .
وهذا من البينات والهدى .
وأما أصحاب الصفة فإنهم كانوا ضيف [ ص: 16 ] الإسلام عند ضيق الحال ، فكان عليه السلام إذا أتته صدقة خصهم بها ، وإذا أتته هدية أكلها معهم ، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماء إلى أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كذا وصفهم البخاري وغيره .
ثم لما افتتح الله عليهم البلاد ومهد لهم المهاد تأمروا .
وبالأسباب أمروا .
ثم إن هذا القول يدل على ضعف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ; لأنهم أيدوا بالملائكة وثبتوا بهم ، فلو كانوا أقوياء ما احتاجوا إلى تأييد الملائكة ، وتأييدهم إذ ذلك سبب من أسباب النصر ; نعوذ بالله من قول وإطلاق يئول إلى هذا ، بل القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله ، وهو الحق المبين ، والطريق المستقيم الذي انعقد عليه إجماع المسلمين ; وإلا كان يكون قوله الحق : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل - الآية - مقصورا على الضعفاء ، وجميع الخطابات كذلك .
وفي التنزيل حيث خاطب موسى الكليم اضرب بعصاك البحر وقد كان قادرا على فلق البحر دون ضرب عصا .
وكذلك مريم عليها السلام وهزي إليك بجذع النخلة وقد كان قادرا على سقوط الرطب دون هز ولا تعب ; ومع هذا كله فلا ننكر أن يكون رجل يلطف به ويعان ، أو تجاب دعوته ، أو يكرم بكرامة في خاصة نفسه أو لأجل غيره ، ولا تهد لذلك القواعد الكلية والأمور الجملية .
هيهات هيهات !
لا يقال : فقد قال الله تعالى : وفي السماء رزقكم وما توعدون فإنا نقول : صدق الله العظيم ، وصدق رسوله الكريم ، وإن الرزق هنا المطر بإجماع أهل التأويل ; بدليل قوله : وينزل لكم من السماء رزقا وقال : ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ولم يشاهد ينزل من السماء على الخلق أطباق الخبز ولا جفان اللحم ، بل الأسباب أصل في وجود ذلك ، ومعنى قوله عليه السلام : اطلبوا الرزق في خبايا الأرض أي بالحرث والحفر والغرس .
وقد يسمى الشيء بما يئول إليه ، وسمي المطر رزقا لأنه عنه يكون الرزق ، وذلك مشهور في كلام العرب .
وقال عليه السلام : لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره [ ص: 17 ] خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه وهذا فيما خرج من غير تعب من الحشيش والحطب .
ولو قدر رجل بالجبال منقطعا عن الناس لما كان له بد من الخروج إلى ما تخرجه الآكام وظهور الأعلام حتى يتناول من ذلك ما يعيش به ; وهو معنى قوله عليه السلام : لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا فغدوها ورواحها سبب ; فالعجب العجب ممن يدعي التجريد والتوكل على التحقيق ، ويقعد على ثنيات الطريق ، ويدع الطريق المستقيم ، والمنهج الواضح القويم .
ثبت في البخاري عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون ، فإذا قدموا سألوا الناس ; فأنزل الله تعالى وتزودوا .
ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد ، وكانوا المتوكلين حقا .
والتوكل اعتماد القلب على الرب في أن يلم شعثه ويجمع عليه أربه ; ثم يتناول الأسباب بمجرد الأمر .
وهذا هو الحق .
سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال : إني أريد الحج على قدم التوكل .
فقال : اخرج وحدك ; فقال : لا ، إلا مع الناس .
فقال له : أنت إذن متكل على أجربتهم .
وقد أتينا على هذا في كتاب ( قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة ) .الرابعة : خرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها .
وخرج البزار عن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته .
أخرجه أبو بكر البرقاني مسندا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ - من رواية عاصم - عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان [ ص: 18 ] وفرخ .
ففي هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان .
وهكذا قال علماؤنا لما كثر الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر : كره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم في الدين تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها .
فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده ، وإنه إن أقام هناك هلك ، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته ، وتحرز من سوء عاقبته وبليته .الخامسة : تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم السوق بالمعركة تشبيه حسن ; وذلك أن المعركة موضع القتال ، سمي بذلك لتعارك الأبطال فيه ، ومصارعة بعضهم بعضا .
فشبه السوق وفعل الشيطان بها ونيله منهم مما يحملهم من المكر والخديعة ، والتساهل في البيوع الفاسدة والكذب والأيمان الكاذبة ، واختلاط الأصوات وغير ذلك - بمعركة الحرب ومن يصرع فيها .السادسة : قال ابن العربي : أما أكل الطعام فضرورة الخلق لا عار ولا درك فيه ، وأما الأسواق فسمعت مشيخة أهل العلم يقولون : لا يدخل إلا سوق الكتب والسلاح ، وعندي أنه يدخل كل سوق للحاجة إليه ولا يأكل فيها ; لأن ذلك إسقاط للمروءة وهدم للحشمة ; ومن الأحاديث الموضوعة ( الأكل في السوق دناءة ) .قلت : ما ذكرته مشيخة أهل العلم فنعما هو ; فإن ذلك خال عن النظر إلى النسوان ومخالطتهن ; إذ ليس ذلك من حاجتهن .
وأما غيرهما من الأسواق ، فمشحونة منهن ، وقلة الحياء قد غلبت عليهن ، حتى ترى المرأة في القيساريات وغيرهن قاعدة متبرجة بزينتها ، وهذا من المنكر الفاشي في زماننا هذا .
نعوذ بالله من سخطه .السابعة : خرج أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال : ( من دخل سوقا من هذه [ ص: 19 ] الأسواق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى له قصرا في الجنة ) خرجه الترمذي أيضا وزاد بعد ( ومحا عنه ألف ألف سيئة ) : ( ورفع له ألف ألف درجة وبنى له بيتا في الجنة ) .
وقال : هذا حديث غريب .
قال : ابن العربي : وهذا إذا لم يقصد في تلك البقعة سواه ليعمرها بالطاعة إذ عمرت بالمعصية ، وليحليها بالذكر إذ عطلت بالغفلة ، وليعلم الجهلة ويذكر الناسين .الثامنة : قوله تعالى : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون أي إن الدنيا دار بلاء وامتحان ، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر ، فالصحيح فتنة للمريض ، والغني فتنة للفقير ، والفقير الصابر فتنة للغني .
ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغني ممتحن بالفقير ، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه .
والفقير ممتحن بالغني ، عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق ; كما قال الضحاك في معنى أتصبرون : أي على الحق .
وأصحاب البلايا يقولون : لم لم نعاف ؟
والأعمى يقول : لم لم أجعل كالبصير ؟
وهكذا صاحب كل آفة .
والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره .
وكذلك العلماء وحكام العدل .
ألا ترى إلى قولهم لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم .
فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى ، ويحقر المعافى المبتلى .
والصبر : أن يحبس كلاهما نفسه ، هذا عن البطر ، وذاك عن الضجر .
أتصبرون محذوف الجواب ، يعني : أم لا تصبرون .
فيقتضي جوابا كما قال المزني ، وقد أخرجته الفاقة فرأى خصيا في مراكب ومناكب ، فخطر بباله شيء فسمع من يقرأ الآية : أتصبرون فقال : بلى ربنا !
نصبر ونحتسب .
وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابرا عليه ، ثم أجاب نفسه بقوله : سنصبر .
وعن أبي الدرداء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم ، وويل للمالك من المملوك وويل للمملوك من المالك ، وويل للشديد من الضعيف وويل للضعيف من الشديد ، وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان ، وبعضهم لبعض فتنة وهو قوله : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون أسنده الثعلبي تغمده [ ص: 20 ] الله برحمته .
وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل ، وعقبة بن أبي معيط وعتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث حين رأوا أبا ذر وعبد الله بن مسعود ، وعمارا وبلالا وصهيبا وعامر بن فهيرة ، وسالما مولى أبي حذيفة ومهجعا مولى عمر بن الخطاب وجبرا مولى الحضرمي ، وذويهم ; فقالوا على سبيل الاستهزاء : أنسلم فنكون مثل هؤلاء ؟
فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين : أتصبرون على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر ; فالتوقيف ب أتصبرون خاص للمؤمنين المحقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين ، أي اختبارا لهم .
ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم : إني جزيتهم اليوم بما صبروا .
التاسعة : قوله تعالى : وكان ربك بصيرا أي بكل امرئ وبمن يصبر أو يجزع ، ومن يؤمن ومن لا يؤمن ، وبمن أدى ما عليه من الحق ومن لا يؤدي .
وقيل : أتصبرون أي اصبروا .
مثل فهل أنتم منتهون أي انتهوا ، فهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر .
ثم قال تعالى جوابا لقول المكذبين: { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الْأَسْوَاقِ } فما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما جعلناهم ملائكة، فلك فيهم أسوة، وأما الغنى والفقر فهو فتنة وحكمة من الله تعالى كما قال: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } الرسول فتنة للمرسل إليهم واختبار للمطيعين من العاصين والرسل فتناهم بدعوة الخلق، والغنى فتنة للفقير والفقير فتنة للغني، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار دار الفتن والابتلاء والاختبار.
والقصد من تلك الفتنة { أَتَصْبِرُونَ } فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة فيثيبكم مولاكم أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة؟
{ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا } يعلم أحوالكم، ويصطفي من يعلمه يصلح لرسالته ويختصه بتفضيله ويعلم أعمالكم فيجازيكم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
قوله - عز وجل - : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين ) يا محمد ، ( إلا إنهم ليأكلون الطعام ) روى الضحاك عن ابن عباس قال : لما عير المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، أنزل الله - عز وجل - هذه الآية .
يعني : ما أنا إلا رسول وما كنت بدعا من الرسل ، وهم كانوا بشرا يأكلون الطعام ، ( ويمشون في الأسواق ) وقيل : معناه وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال في موضع آخر : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ( فصلت - 43 ) .
( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) أي بلية ، فالغني فتنة للفقير ، يقول الفقير : ما لي لم أكن مثله ؟
والصحيح فتنة للمريض ، والشريف فتنة للوضيع .
وقال ابن عباس : أي جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم ، وترون من خلافهم ، وتتبعوا الهدى .
وقيل : نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع; وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم فرأى الوضيع قد أسلم قبله أنف ، وقال : أسلم بعده فيكون له علي السابقة والفضل ؟
!
فيقيم على كفره ويمتنع من الإسلام ، فذلك افتتان بعضهم ببعض ، وهذا قول الكلبي وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل ، والوليد بن عقبة ، والعاص بن وائل ، والنضر بن الحارث; وذلك أنهم لما رأوا أبا ذر ، وابن مسعود ، وعمارا ، وبلالا وصهيبا ، وعامر بن فهيرة ، وذويهم ، قالوا : نسلم فنكون مثل هؤلاء ؟
.
وقال : نزلت في ابتلاء فقراء المؤمنين بالمستهزئين من قريش ، كانوا يقولون : انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا من موالينا وأراذلنا ، فقال الله تعالى لهؤلاء المؤمنين : ( أتصبرون ) يعني على هذه الحالة من الفقر والشدة والأذى .
( وكان ربك بصيرا ) بمن صبر وبمن جزع .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، حدثنا زكريا بن يحيى المروزي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والجسم فلينظر إلى من دونه في المال والجسم " .
«وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق» فأنت مثلهم في ذلك، وقد قيل لهم مثل ما قيل لك «وجلنا بعضكم لبعض فتنة» بلية ابتلى الغني بالفقير والصحيح بالمريض، والشريف بالوضيع يقول الثاني في كلّ: ما لي لا أكون كالأول في كلّ: «أتصبرون» على ما تسمعون ممن ابتليتم بهم استفهام بمعنى الأمر: أي اصبروا «وكان ربك بصيرا» بمن يصبر وبمن يجزع.
وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول - أحدًا مِن رسلنا إلا كانوا بشرًا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق.
وجعلنا بعضكم- أيها الناس- لبعض ابتلاء واختبارًا بالهدى والضلال، والغنى والفقر، والصحة والمرض، هل تصبرون، فتقوموا بما أوجبه الله عليكم، وتشكروا له، فيثيبكم مولاكم، أو لا تصبرون فتستحقوا العقوبة؟
وكان ربك - أيها الرسول - بصيرًا بمن يجزع أو يصبر، وبمن يكفر أو يشكر.
ثم تعود السورة مرة أخرى إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى الرد على شبهات أعدائه فتقول : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ .
.
.
) .أى : وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول الكريم - أحدا من رسلنا ، إلا وحالهم وشأنهم أنهم يأكلون الطعام الذى يأكله غيرهم من البشر .
ويمشون فى الأسواق كما يمشى غيرهم من الناس ، طلبا للرزق .وإذاً فقول المشركين فى شأنك " مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق " قول يدل على جهالاتهم وسوء نياتهم فلا تتأثر به ، ولا تلتفت إليه ، فأنت على الحق وهم على الباطل .وقوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ) بيان لسنة من سنن الله - تعالى - فى خلقه ، اقتضتها حكمته ومشيئته .أى : اختبرنا بعضكم ببعض ، وبلونا بعضكم ببعض ، ليظهر قوى الإيمان من ضعيفه ، إذ أن قوى الإيمان لتصديقه بقضاء الله وقدره يثبت على الحق ويلتزم بما أمره الله - تعالى - به ، أما ضعيف الإيمان فإنه يحسد غيره على ما آتاه الله - تعالى - من فضله .
كما حسد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم على منصب النبوة الذى أعطاه الله - تعالى - إياه ( وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ ) قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ) أى : إن الدنيا دار بلاء وامتحان ، فأراد - سبحانه - أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم فى جميع الناس ، فالصحيح : فتنى للمريض .
والغنى : فتنة للفقير .
.
ومعنى هذا ، أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغنى ممتحن بالفقير ، فعليه أن يواسيه ولا يسخر منه ، والفقير ممتحن بالغنى ، فعليه أن لا يحسده .
ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق .
.
والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار فى عصره .
.
.
فالفتنة : أن يحسد المبتلَى المعافَى .
والصبر : أن يحبس كلاهما نفسه ، هذا عن البطر وذاك عن الضجر .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَتَصْبِرُونَ ) للتقرير أى : أتصبرون على هذا الابتلاء والاختبار فتنالوا من الله - تعالى - الأجر ، أم لا تصبرون فيزداد همكم وغمكم؟ويصح أن يكون الاستفهام بمعنى الأمر .
أى : اصبروا على هذا الابتلاء كما فى قوله - تعالى - : ( .
.
.
وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والأميين أَأَسْلَمْتُمْ .
.
.
) أى : أسلموا .
.
.
وكما فى قوله - سبحانه - : ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) أى : انتهوا عن الخمر والميسر .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ( وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ) أى : وكان ربك أيها - الرسول الكريم - بصيرا بأحوال النفوس الطاهرة والخفية ، وبتقلبات القلوب وخلجاتها .
فاصبر على أذى قومك ، فإن العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين .فهذا التذييل فيه ما فيه من التسلية والتثبيت لفؤاد النبى صلى الله عليه وسلم .
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ راجع إلى قوله: ﴿ واتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً ﴾ ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: ﴿ يَحْشُرُهُمْ ﴾ فنقول كلاهما بالنون والياء وقرئ ﴿ نَحْشُرُهُمْ ﴾ بكسر الشين.
المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ وَمَا يَعْبُدُونَ ﴾ أنها الأصنام، وظاهر قوله: ﴿ فَيَقُولُ أَءنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى ﴾ أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح وغيرهما، لأن الإضلال وخلافه منهم يصح فلأجل هذا اختلفوا، فمن الناس من حمله على الأوثان، فإن قيل لهم الوثن جماد فكيف خاطبه الله تعالى، وكيف قدر على الجواب؟
فعند ذلك ذكروا وجهين: أحدهما: أن الله تعالى يخلق فيهم الحياة، فعند ذلك يخاطبهم فيردون الجواب.
وثانيها: أن يكون ذلك الكلام لا بالقول اللساني بل على سبيل لسان الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات وكلام الأيدي والأرجل، وكما قيل: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك؟
فإن لم تجبك حواراً، أجابتك اعتباراً!
وأما الأكثرون فزعموا أن المراد هو الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام، قالوا ويتأكد هذا القول بقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ وإذا قيل لهم: لفظة (ما) لا تستعمل في العقلاء أجابوا عنه من وجهين: الأول: لا نسلم أن كلمة (ما) لما لا يعقل بدليل أنهم قالوا (من) لما لا يعقل والثاني: أريد به الوصف كأنه قيل (ومعبودهم)، وقوله تعالى: ﴿ والسماء وَمَا بناها ﴾ ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين، وكيف كان فالسؤال ساقط.
المسألة الثالثة: حاصل الكلام أن الله تعالى يحشر المعبودين، ثم يقول لهم أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال عن طريق الحق، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟
قالت المعتزلة: وفيه كسر بين لقول من يقول إن الله يضل عباده في الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقولوا إلهنا هاهنا قسم ثالث غيرهما هو الحق وهو أنك أنت أضللتهم، فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا إضلالهم إلى أنفسهم، علمنا أن الله تعالى لا يضل أحداً من عباده.
فإن قيل لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه، فإنهم قالوا: ﴿ ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حتى نَسُواْ الذكر ﴾ وهذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم وهو أنه سبحانه وتعالى متعهم وآباءهم بنعيم الدنيا.
قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزمهم أن يصير الله محجوباً في يد أولئك المعبودين، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجاً مفحماً ملزماً هذا تمام تقرير المعتزلة في الآية، أجاب أصحابنا بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله تعالى، وإن صلحت له لم تترجح مصدريتها للإضلال على مصدريتها للاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى، وعند لذلك يعود السؤال، وأما ظاهر هذه الآية فهو وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظواهر المطابقة لقولنا.
المسألة الرابعة: ظاهر الآية يدل على أن هذا السؤال من الله تعالى وإن احتمل أن يكون ذلك من الملائكة بأمر الله تعالى.
بقي على الآية سؤالات.
الأول: ما فائدة أنتم وهم؟
وهلا قيل أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟
الجواب: ليس السؤال عن الفعل ووجوده، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن فاعله فلابد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عنه.
السؤال الثاني: أنه سبحانه كان عالماً في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا السؤال؟
الجواب: هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين كما قال لعيسى: ﴿ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ ولأن أولئك المعبودين لما برؤا أنفسهم، وأحالوا ذلك الضلال عليهم صار تبرؤ المعبودين عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم.
السؤال الثالث: قال تعالى: ﴿ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل ﴾ والقياس أن يقال ضل عن السبيل، الجواب: الأصل ذلك، إلا أن الإنسان إذا كان متناهياً في التفريط وقلة الاحتياط، يقال ضل السبيل.
أما قوله: ﴿ سبحانك ﴾ فاعلم أنه سبحانه حكى جوابهم، وفي قوله: ﴿ سبحانك ﴾ وجوه: أحدها: أنه تعجب منهم فقد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه.
وثانيها: أنهم نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون (المقدسون المؤمنون) بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده.
وثالثها: قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، سواء كان وثناً أو نبياً أو ملكاً.
ورابعها: قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إيذاء من كان بريئاً عن الجرم، بل إنه إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.
أما قوله: ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: القراءة المعروفة ﴿ أَن نَّتَّخِذَ ﴾ بفتح النون وكسر الخاء وعن أبي جعفر وابن عامر برفع النون وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله، قال الزجاج أخطأ من قرأ ﴿ أَن نَّتَّخِذَ ﴾ بضم النون لأن (من) إنما تدخل في هذا الباب في الأسماء إذا كان مفعولاً أولاً ولا تدخل على مفعول الحال تقول ما اتخذت من أحد ولياً، ولا يجوز ما اتخذت أحداً من ولي، قال صاحب الكشاف اتخذ يتعدى إلى مفعول واحد كقولك اتخذ ولياً، وإلى مفعولين كقولك اتخذ فلاناً ولياً، قال الله تعالى: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ والقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد وهو ﴿ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ ، والأصل أن نتخذ أولياء فزيدت من لتأكيد معنى النفي، والثانية من المتعدي إلى مفعولين، فالأول ما بني له الفعل، والثاني ﴿ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ من للتبعيض، أي لا نتخذ بعض أولياء وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام.
المسألة الثانية: ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً: أولها: وهو الأصح الأقوى، أن المعنى إذا كنا لا نرى أن نتخذ من دونك أولياء فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك.
وثانيها: ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما يوليهم الكفار، قال تعالى: ﴿ فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان ﴾ يريد الكفرة، وقال: ﴿ والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت ﴾ عن أبي مسلم.
وثالثها: ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء، أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلناه، والحاصل أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ورابعها: قالت الملائكة إنهم عبيدك، فلا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك ولياً ولا حبيباً، فضلاً عن أن يتخذ عبد عبداً آخر إلهاً لنفسه.
وخامسها: أن على قراءة أبي جعفر الإشكال زائل، فإن قيل هذه القراءة غير جائزة لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء، قلنا: المراد إنا لا نصلح لذلك، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.
وسادسها: أن هذا قول الأصنام، وأنها قالت لا يصح منا أن نكون من العابدين، فكيف يمكننا ادعاؤنا أنا من المعبودين.
المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، فكل ولاية مبنية على ميل النفس ونصيب الطبع فذاك على خلاف الشرع.
أما قوله تعالى: ﴿ ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حتى نَسُواْ الذكر وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: معنى الآية أنك يا إلهنا أكثرت عليهم وعلى آبائهم من النعم وهي توجب الشكر والإيمان لا الإعراض والكفران، والمقصود من ذلك بيان أنهم ضلوا من عند أنفسهم لا بإضلالنا، فإنه لولا عنادهم الظاهر، وإلا فمع ظهور هذه الحجة لا يمكن الإعراض عن طاعة الله تعالى وقال آخرون إن هذا الكلام كالرمز فيما صرح به موسى عليه السلام في قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ﴾ وذلك لأن المجيب قال: إلهي أنت الذي أعطيته جميع مطالبه من الدنيا حتى صار كالغريق في بحر الشهوات، واستغراقه فيها صار صاداً له عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك، فإن هي إلا فتنتك.
المسألة الثانية: الذكر ذكر الله والإيمان به (و) القرآن والشرائع، أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.
المسألة الثالثة: قال أبو عبيدة: يقال رجل بور ورجلان بور ورجال بور، وكذلك الأنثى، ومعناه هالك، وقد يقال رجل بائر وقوم بور، وهو مثل هائر وهور، والبوار الهلاك، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر، ولا شك أن المراد منه وكانوا من الذين حكم عليهم في الآخرة بالعذاب والهلاك، فالذي حكم الله عليه بعذاب الآخرة وعلم ذلك وأثبته في اللوح المحفوظ وأطلع الملائكة عليه، لو صار مؤمناً لصار الخبر الصدق كذباً، ولصار العلم جهلاً ولصارت الكتابة المثبتة في اللوح المحفوظ باطلة، ولصار اعتقاد الملائكة جهلاً وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال، فصدور الإيمان منه محال، فدل على أن السعيد لا يمكنه أن ينقلب شقياً، والشقي لا يمكنه أن ينقلب سعيداً، ومن وجه آخر هو أنهم ذكروا أن الله تعالى آتاهم أسباب الضلال وهو إعطاء المرادات في الدنيا واستغراق النفس فيها، ودلت الآية على أن ذلك السبب بلغ مبلغاً يوجب البوار، فإن ذكر البوار عقيب ذلك السبب يدل على أن البوار إنما حصل لأجل ذلك السبب، فرجع حاصل الكلام إلى أنه تعالى فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر، وحينئذ ظهر أن السعيد لا ينقلب شقياً، وأن الشقي لا ينقلب سعيداً.
أما قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ فاعلم أنه قرئ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ بالياء والتاء، فمعنى من قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة، أي كذبوكم في قولكم إنهم آلهة، ومن قرأ بالياء المنقوطة من تحت، فالمعنى أنهم كذبوكم (بقولكم) ﴿ سبحانك ﴾ ، ومثاله قولك كتبت بالقلم.
أما قوله: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ فاعلم أنه قرئ ﴿ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ بالياء والتاء أيضاً، يعني فما تستطيعون أنتم يا أيها الكفار صرف العذاب عنكم، وقيل الصرف التوبة، وقيل الحيلة من قولهم إنه ليتصرف، أي يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب (و) أن يحتالوا لكم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرئ ﴿ يذقه ﴾ بالياء وفيه ضمير الله تعالى أو ضمير (الظلم).
المسألة الثانية: أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في القطع بوعيد أهل الكبائر، فقالوا ثبت أن (من) للعموم في معرض الشرط، وثبت أن الكافر ظالم لقوله: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ والفاسق ظالم لقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون ﴾ فثبت بهذه الآية أن الفاسق لا يعفى عنه، بل يعذب لا محالة والجواب: أنا لا نسلم أن كلمة (من) في معرض الشرط للعموم، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، سلمنا أنه للعموم ولكن قطعاً أم ظاهراً؟
ودعوى القطع ممنوعة، فإنا نرى في العرف العام المشهور استعمال صيغ العموم، مع أن المراد هو الأكثر، أو لأن المراد أقوام معينون، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ثم إن كثيراً من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع له إلا أن يقال قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ وإن كان يفيد العموم، لكن المراد منه الغالب أو المراد منه أقوام مخصوصون، وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر، وإذا كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة، وذلك لا ينفي تجويز العفو.
سلمنا دلالته قطعاً، ولكنا أجمعنا على أن قوله: ﴿ وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ ﴾ مشروط بأن لا يوجد ما يزيله، وعند هذا نقول هذا مسلم، لكن لم قلت بأن لم يوجد ما يزيله؟
فإن العفو عندنا أحد الأمور التي تزيله، وذلك هو أحد الثلاثة أول المسألة سلمنا دلالته على ما قال، ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً ﴾ فإن قيل آيات الوعيد أولى لأن السارق يقطع على سبيل التنكيل ومن لم يكن مستحقاً للعقاب لا يجوز قطع يده على سبيل التنكيل، فإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب أحبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال.
قلنا لا نسلم أن السارق يقطع على سبيل التنكيل، ألا ترى أنه لو تاب فإنه يقطع لا على سبيل التنكيل بل على سبيل المحنة، نزلنا عن هذه المقامات، ولكن قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ ﴾ إنه خطاب مع قوم مخصوصين معينين فهب أنه لا يعفو عنهم فلم قلت إنه لا يعفو عن غيرهم؟
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذا جواب عن قولهم: ﴿ مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِي الأسواق ﴾ بين الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن.
المسألة الثانية: حق الكلام أن يقال: ﴿ أَلاَ أَنَّهُمْ ﴾ بفتح الألف لأنه متوسط والمكسورة لا تليق إلا بالابتداء، فلأجل هذا ذكروا وجوهاً: أحدها: قال الزجاج: الجملة بعد (إلا) صفة لموصوف محذوف، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف لأن في قوله: ﴿ مِنَ المرسلين ﴾ دليلاً عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ على معنى وما منا أحد.
وثانيها: قال الفراء إنه صلة لاسم متروك اكتفى بقوله: ﴿ مِنَ المرسلين ﴾ عنه، والمعنى إلا من أنهم كقوله: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ أي من له مقام معلوم، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ أي إلا من يردها فعلى قول الزجاج: الموصوف محذوف، وعلى قول الفراء: الموصول هو المحذوف، ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين.
وثالثها: قال ابن الأنباري: تكسر إن بعد الاستثناء بإضمار واو على تقدير إلا وإنهم.
ورابعها: قال بعضهم المعنى إلا قيل إنهم.
المسألة الثالثة: قرئ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ على البناء للمفعول أي تمشيهم حوائجهم أو الناس، ولو قرئ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ لكان أوجه لولا الرواية.
أما قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: فيه أقوال: أحدها: أن هذا في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة، فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه، ودليله قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ وهذا قول الكلبي والفراء والزجاج.
وثانيها: أن هذا عام في جميع الناس، روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد، بعضهم لبعض فتنة» وقرأ هذه الآية.
وثالثها: أن هذا في أصحاب البلاء والعافية، هذا يقول لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق وفي العقل وفي العلم وفي الرزق وفي الأجل؟
وهذا قول ابن عباس والحسن.
ورابعها: هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها، فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وأنواع أذاهم على ما قال: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً ﴾ والمرسل إليهم يتأذون أيضاً من المرسل بسبب الحسد وصيرورته مكلفاً بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيساً مخدوماً، والأولى حمل الآية على الكل لأن بين الجميع قدراً مشتركاً.
المسألة الثانية: قال أصحابنا الآية تدل على القضاء والقدر لأنه تعالى قال: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ قال الجبائي هذا الجعل هو بمعنى التعريف كما يقال فيمن سرق، إن فلاناً لص جعله لصاً، وهذا التأويل ضعيف لأنه تعالى أضاف الجعل إلى وصف كونه فتنة لا إلى الحكم بكونه كذلك، بل العقل يدل على أن المراد غير ما ذكره وذلك لأن فاعل السبب فاعل للمسبب، فمن خلقه الله تعالى على مزاج الصفراء والحرارة وخلق الغضب فيه ثم خلق فيه الإدراك الذي يطلعه على الشيء المغضب فمن فعل هذا المجموع كان هو الفاعل للغضب لا محالة، وكذا القول في الحسد وسائر الأخلاق والأفعال، وعند هذا يظهر أنه سبحانه هو الذي جعل البعض فتنة للبعض.
سلمنا أن المراد ما قاله الجبائي أن المراد من الجعل هو الحكم ولكن المجعول إن انقلب لزم انقلابه انقلاب حكم الله تعالى من الصدق إلى الكذب وذلك محال، فانقلاب ذلك الجعل محال، فانقلاب المجعول أيضاً محال، وعند ذلك يظهر القول بالقضاء والقدر.
المسألة الثالثة: الوجه في تعلق هذه الآية بما قبلها أن القوم لما طعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأنه فقير كانت هذه الكلمات جارية مجرى الخرافات، فإنه لما قامت الدلالة على النبوة لم يكن لشيء من هذه الأشياء أثر في القدح فيها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذى منهم من حيث إنهم كانوا يشتمونه، ومن حيث إنهم كانوا يذكرون الكلام المعوج الفاسد وما كانوا يفهمون الجواب الجيد، فلا جرم صبره الله تعالى على كل تلك الأذية، وبين أنه جعل الخلق بعضهم فتنة للبعض.
أما قوله تعالى: ﴿ أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة لو كان المراد من قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ الخبر لما ذكر عقيبه ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ لأن أمر العاجز غير جائز.
المسألة الثانية: المعنى أتصبرون على البلاء فقد علمتم ما وعد الله الصابرين ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ أي هو العالم بمن يصبر ومن لا يصبر، فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ استفهام والمراد منه التقرير وموقعه بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله: ﴿ لنبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
الجملة بعد (إلا) صفة لموصوف محذوف.
والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلاّ آكلين وماشين.
وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور.
أعني من المرسلين ونحوه قوله عزّ من قائل: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [الصافات: 164] على معنى: وما منا أحد.
وقرئ: ﴿ ويمشون ﴾ على البناء للمفعول، أي: تمشيهم حوائجهم أو الناس.
ولو قرئ: ﴿ يمشون ﴾ ، لكان أوجه لولا الرواية.
وقيل: هو احتجاج على من قال: ﴿ مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِي الاسواق ﴾ [الفرقان: 7] .
﴿ فِتْنَةً ﴾ أي محنة وابتلاء.
وهذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه واستبدعوه، من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد ما احتج عليهم بسائر الرسل، يقول: وجرت عادتي وموجب حكمتي على ابتلاء بعضكم أيها الناس ببعض.
والمعنى: أنه أبتلى المرسلين منهم بالمرسل إليهم، وبمناصبتهم لهم العداوة، وأقاويلهم الخارجة عن حدّ الإنصاف، وأنواع أذاهم، وطلب منهم الصبر الجميل، ونحوه ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ [آل عمران: 186] وموقع ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع ﴿ أَيُّكُمْ ﴾ بعد الابتلاء في قوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [هود: 27] ، [الملك: 2] ﴿ بَصِيراً ﴾ عالماً بالصواب فيما يبتلي به وغيره فلا يضيقنّ صدرك، ولا يستخفنك أقاويلهم فإن في صبرك عليها سعادتك وفوزك في الدارين.
وقيل: هو تسلية له عليه الصلاة والسلام عما عيروه به من الفقر، حين قالوا: أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة، وأنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء؛ لينظر: هل يصبرون؟
وأنها حكمته ومشيئته: يغني من يشاء ويفقر من يشاء.
وقيل: جعلناك فتنة لهم؛ لأنك لو كنت غنياً صاحب كنوز وجنان لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا، أو ممزوجة بالدنيا؛ فإنما بعثناك فقيراً ليكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي.
وقيل: كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ومن في طبقتهم يقولون: إن إسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار وصهيب، وبلال وفلان وفلان ترفعوا علينا إدلالاً بالسابقة، فهو افتتان بعضهم ببعض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴾ أيْ إلّا رُسُلًا إنَّهم فَحُذِفَ المَوْصُوفُ لِدَلالَةِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا اكْتَفى فِيها بِالضَّمِيرِ وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿ مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ .
وَقُرِئَ «يُمَشَّوْنَ» أيْ تُمْشِيهِمْ حَوائِجُهم أوِ النّاسُ.
﴿ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ ﴾ أيُّها النّاسُ.
﴿ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ ابْتِلاءً ومِن ذَلِكَ ابْتِلاءُ الفُقَراءِ بِالأغْنِياءِ، والمُرْسَلِينَ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ومُناصَبَتِهِمْ لَهُمُ العَداوَةَ وإيذائِهِمْ لَهم، وهو تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلى ما قالُوهُ بَعْدَ نَقْضِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ.
﴿ أتَصْبِرُونَ ﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ والمَعْنى وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً لِنَعْلَمَ أيُّكم يَصْبِرُ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ ، أوْ حَثٌّ عَلى الصَّبْرِ عَلى ما افْتُتِنُوا بِهِ.
﴿ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ بِمَن يَصْبِرُ أوْ بِالصَّوابِ فِيما يَبْتَلِي بِهِ وغَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الأسواق} كسرت إن لأجل اللام في الخبر والجملة بعد إلا صفة لموصوف محذوف والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور أي من المرسلين ونحوه وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ أَيُّ وَمَا مِنَّا أَحَدٌ قِيلَ هو احتجاج على من قال ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق وتسلية للنبى عليه الصلاة والسلام {وجعلنا بعضكم}
الفرقان (٢٣ - ٢٠)
{لِبَعْضٍ فِتْنَةً} أي محنة وابتلاء وهذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما عيروه به من الفقر ومشيه في الأسواق يعني أنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء فيغني من يشاء ويفقر من يشاء {أَتَصْبِرُونَ} على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا تصبرون فيزداد غمكم وحكي أن بعض الصالحين تبرم بضنك عيشه فخرج ضجرا افرأى خصيا فى مواكب ومراكب فخطر بباله شئ فإذا بمن يقرأ هذه الآية فقال بلى فصبراً ربنا أو جعلتك فتنة لهم لأنك لو كنت غينا صاحب كنوز وجنان لكانت طاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا فإنما بعثناك فقيراً لتكون طاعى من يطيعك خالصة لنا {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} عالماً بالصواب فيما يبتلي به أو بمن يصبر ويجزع
﴿ وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴾ قِيلَ هو تَسْلِيَةٌ لَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ مالِ هَذا الرَّسُولُ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ بِأنَّ لَكَ في سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُسْوَةَ حَسَنَةٍ فَإنَّهم كانُوا كَذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ كَذَلِكَ كانَ مَن خَلا مِنَ الرُّسُلِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُحَمَّدٌ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
ورَدَّهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ النَّظْمَ الجَلِيلَ لِأنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْ تَعَنُّتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنَّ يَقُولَ هَذا جَوابٌ آخَرُ كَما أُجِيبُ هُنالِكَ مِن أوْجُهٍ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا ﴾ جَوابًا ثالِثًا وعَقِبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ ﴾ لِمَكانِ المُناسِبَةِ وتَمَّ الوَعِيدُ ثُمَّ أجابَهم سُبْحانَهُ جَوابًا آخَرَ يَتَضَمَّنُ التَّسْلِيَةَ أيْضًا وهَذا يُساعِدُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ إلّا قِيلَ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ قَبِلَ ﴿ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ والمَعْنى ما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ.
وتَعَقَّبَ بِأنَّ فِيهِ الفَضْلَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِإلّا وقَدْ رَدَّهُ أكْثَرُ النُّحاةِ كَما في المُغْنِي، ومِن هُنا جَعَلَها بَعْضُهم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ إلّا وذَلِكَ بَدَلٌ مِمّا حُذِفَ قَبْلُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، والمَعْنى ما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا رِجالًا أوْ رُسُلًا أنَّهم إلَخْ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وهو جائِزٌ عِنْدَهم.
وقَدَّرَ الفِراءُ بَعْدَ إلّا مِن وهي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الجُمْلَةَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وجُمْلَةُ القَوْلِ صِفَةٌ أيْ إلّا رِجالًا أوْ رُسُلًا قِيلَ إنَّهم إلَخْ وهو كَما تَرى، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والتَّقْدِيرُ إلّا وأنَّهم.
قالَ أبُو حَيّانَ: وهو المُخْتارُ، وقَدَّرَ الواوَ بِناءً عَلى أنَّ الِاكْتِفاءَ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ بِالضَّمِيرِ غَيْرُ فَصِيحٍ، ورُبَّما يَخْتارُ عَدَمَ التَّقْدِيرِ ويَمْنَعُ دَعْوى عَدَمِ الفَصاحَةِ أوْ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ المُقْتَرِنِ بِإلّا لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ بَدَلٌ، ووَجْهُ كَسْرِ إنَّ وُقُوعُها في الِابْتِداءِ ووُقُوعُ اللّامِ بَعْدَها أيْضًا.
وقُرِئَ «أنَّهُمْ» بِالفَتْحِ عَلى زِيادَةِ اللّامِ بَعْدَها وتَقْدِيرُ جارٍّ قَبْلَها أيْ لِأنَّهم يَأْكُلُونَ إلَخْ.
والمُرادُ ما جَعَلْناهم رُسُلًا إلى النّاسِ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهُمْ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «( يَمَشُّونَ)» بِتَشْدِيدِ الشِّينِ المَفْتُوحَةِ مَعَ ضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ يَمْشِيهِمْ حَوائِجِهِمْ أوِ النّاسُ والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِ الهُذَلِيِّ: يَمْشِي بَيْنَنا حانُوتٌ خَمَّرَ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّلْمِيُّ كَما في البَحْرِ «يَمْشُونَ» بِضَمِّ الياءِ والشِّينِ مَعَ التَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو مُبالَغَةٌ يَمْشِي المُخَفَّفُ فَهي مُطابَقَةٌ لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ يَمْشِيهِمْ حَوائِجِهِمْ ونَحْوُهُ.
وأنْشَدُوا قَوْلَهُ: ومَشى بِأغْصانِ المَباءَةِ وابْتَغى قَلائِصُ مِنها صَعْبَةٌ وذَلُولٌ وقَوْلُهُ: فَقَدْ تَرَكَتْ خَزِينَةٌ كُلَّ وغْدٍ ∗∗∗ يَمْشِي بَيْنَ خاتامٍ وطاقٍ وفِي بَعْضِ نُسَخِ الكَشّافِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَظْفَرْ بِهَذِهِ القِراءَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ ﴾ قِيلَ تَسْلِيَةٌ لَهُ أيْضًا لَكِنَّ عَنْ قَوْلِهِمُ: ﴿ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ ﴾ أيْ وجَعَلْنا أغْنِياءَكم أيُّها النّاسُ ابْتِلاءً لِفُقَرائِكم لِنَنْظُرَ هَلْ يَصْبِرُونَ ﴿ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ أيْ عالِمًا بِالصَّوابِ فِيما يُبْتَلى بِهِ وغَيْرُهُ فَلا يُضَيِّقْنَ صَدْرُكَ ولا تَسْتَخِفَّنَّكَ أقاوِيلُهُمْ، وقِيلَ: تَصْبِيرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما قالُوهُ واسْتَبْدَعُوهُ مِن أكْلِهِ الطَّعامِ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِسائِرِ الرُّسُلِ، والكَلامُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ بِتَعْمِيمِهِ لِسائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهُمْ، والمُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ كَفّارُ الأُمَمِ واخْتِصاصُهم بِالرُّسُلِ مُصَحِّحٌ لِأنَّ يَعْدُوا بَعْضًا مِنهم وبِالبَعْضِ الثّانِي رُسُلُهم عَلى مَعْنى جَعَلْنا كُلَّ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الأُمَمِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ مُعِينٍ عَلى مِنِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ وجَعَلَنا كُلَّ أُمَّةٍ مَخْصُوصَةً مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ فِتْنَةً لِرَسُولِها المُعِينِ.
وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ، وحاصِلُهُ جَرَتْ سُنَّتُنا بِمُوجِبِ حِكْمَتِنا عَلى ابْتِلاءِ المُرْسَلِينَ بِأُمَمِهِمْ وبِمُناصَبَتِهِمْ لَهُمُ العَداوَةُ وإطْلاقُ ألْسِنَتِهِمْ فِيهِمْ بِالأقاوِيلِ الخارِجَةِ عَنْ حَدِّ الإنْصافِ وسُلُوكِهِمْ في أذاهم كُلَّ مَسْلَكٍ لِنَعْلَمَ صَبْرَهم أوْ هو خِطابُ النّاسِ كافَّةً عَلى ما قِيلَ وهو الظّاهِرُ، والبَعْضُ الأوَّلُ أعَمُّ مِنَ الكُفّارِ والأغْنِياءِ والأصِحّاءِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُصْلِحُ أنْ يَكُونَ فِتْنَةً والبَعْضُ الثّانِي أعَمُّ مِنَ الرُّسُلِ والقُرّاءِ والمَرْضى وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَصْلُحُ أنْ يَفْتِنَ.
والكَلامُ عَلَيْهِ مُفِيدٌ لِتَصَبُّرِهِ عَلى ما قالُوهُ وزِيادَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ مِن لا مالَ لَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ وبِالبَعْضِ الثّانِي أُمَمَهم ويَدْخُلُ في ذَلِكَ نَبِيُّنا وأمَتُّهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا فَكَأنَّهُ قِيلَ جَعَلْناكَ فِتْنَةً لِأُمَّتِكَ لِأنَّكَ لَوْ كُنْتَ صاحِبَ كُنُوزٍ وجَنّاتٍ لَكانَ مَيْلُهم إلَيْكَ وطاعَتُهم لَكَ لِلدُّنْيا أوْ مَمْزُوجَةٌ بِالدُّنْيا وإنَّما بَعَثْناكَ لا مالَ لَكَ لِيَكُونَ طاعَةَ مَن يُطِيعُكَ مِنهم خالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ طَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ وكَذا حالُ سائِرِ مَن لا مالَ لَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ مَعَ أُمَمِهِمْ والأظْهَرُ عُمُومُ الخِطابِ والبَعْضَيْنِ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الآثارُ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: ذَلِكَ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ والغَنِيِّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ والرَّسُولُ المَخْصُوصُ بِكَرامَةِ النُّبُوَّةِ فِتْنَةُ شَرافِ النّاسِ الكُفّارِ في عَصْرِهِ وكَذَلِكَ العُلَماءُ وحُكّامُ العَدْلِ، وقَدْ تَلا ابْنُ القاسِمِ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ رَأى أشْهَبَ انْتَهى.
واخْتارَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ.
ولا يَضُرُّ فِيهِ خُصُوصُ سَبَبِ النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ ومَن في طَبَقَتِهِمْ قالُوا: إنْ أسْلَمْنا وقَدْ أسْلَمَ قَبْلَنا عَمّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وفُلانٌ وفُلانٌ تَرَفَّعُوا عَلَيْنا إدْلالًا بِالسّابِقَةِ.
والِاسْتِفْهامُ إمّا في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ لِلْجَعْلِ ومُعادِلِهِ مَحْذُوفٌ كَما حَذَفَ فِيما لا يُحْصى مِنَ الأمْثِلَةِ والتَّقْدِيرُ لِنَعْلَمَ أتَصْبِرُونَ أمْ لا أيْ لِيَظْهَرَ ما في عِلْمِنا.
وقَرِينَةُ تَقْدِيرِ العِلْمِ تَضْمَنُ الفِتْنَةَ إيّاهُ.
وإمّا أنْ لا يَكُونُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ ولَيْسَ هُناكَ مُعادِلٌ مَحْذُوفٌ بِأنْ يَكُونَ لِلتَّرْغِيبِ والتَّحْرِيضِ والمُرادُ اصْبِرُوا فَإنِّي ابْتُلِيتُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ.
ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ مُعادِلٌ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ التَّعْلِيلِ أيْضًا بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتُ.
وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ الخَطّابَ فِيما سَبَقَ عامًّا وفي ﴿ أتَصْبِرُونَ ﴾ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لَهم في ضِمْنِ العُمُومِ السّابِقِ وقَدَّرَ مُعادِلًا فَقالَ: كَأنَّهُ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ وقَّفَهم أتَصْبِرُونَ أمْ لا.
وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ وعْدًا لِلصّابِرِينَ ووَعِيدًا لِلْعاصِينَ.
وجَعَلَهُ بَعْضُهم وعْدًا لِلرَّسُولِ بِالأجْرِ الجَزِيلِ لِصَبْرِهِ الجَمِيلِ مَعَ مَزِيدِ تَشْرِيفٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِالتِفاتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ .
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِأُولَئِكَ المُعانِدِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِيءَ بِهِ إتْمامًا لِلتَّسْلِيَةِ أوِ التَّصَبُّرِ ولَيْسَ بِذاكَ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ فَإنَّها أفادَتْ أنَّ أفْعالَ العِبادِ كَعَداوَةِ الكَفّارِ وإيذائِهِمْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ والفِتْنَةِ بِمَعْنى الِابْتِلاءِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن أفْعالِ العِبادِ إلّا أنَّها مُفْضِيَةٌ ومُسْتَلْزَمَةٌ لِما هو مِنها.
وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى.
تَمَّ والحَمْدُ لِلَّهِ الجُزْءُ الثّامِنَ عَشَرَ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ التّاسِعَ عَشَرَ وأوَّلُهُ ﴿ "وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ جوابا لقولهم: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ يعني: كانت الرسل من الآدميين، ولم يكونوا من الملائكة عليهم السلام.
ثم قال: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ يقول: ابتلينا بعضكم ببعض، الفقير بالغني، والضعيف بالقوي.
وذلك أن الشريف إذا رأى الوضيع قد أسلم أنف عن الإسلام وقال: أأسلم، فأكون مثل هذا، فثبت على دينه حمية.
يقول الله تعالى للشريف: أَتَصْبِرُونَ أن تكونوا شرعاً، سواء في الدين وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً يعني: عالما بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن، ويقال: جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً يعني: بلية الغني للفقير، والقوي للضعيف.
لأن ضعفاء المسلمين وفقراءهم، إذا رأوا الكفار في السعة والغنى، يتأذون منهم، وكان في ذلك بلية لهم، فقال تعالى: أَتَصْبِرُونَ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الأمر، يعني: اصبروا كقوله: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ [المائدة: 74] يعني: توبوا إلى الله.
ويقال: أهل النعم بلية لأهل الشدة، لأن أهل الشدة إذا رأوا أهل النعمة تنغص عيشهم، فأمرهم الله تعالى بالصبر.
وذكر عن بعض المتقدمين: أنه كان إذا رأى غنياً من الأغنياء يقول: نصبر يا رب، يريد: جوابا لقوله: أَتَصْبِرُونَ ثم قال: وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً يعني: عالماً بمن يصلح له الغنى والفقر ويقال: وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً يعني: عالماً بثواب الصابرين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ المعنى: قل يا محمدُ لهؤلاء الكفرة الصائرين إلى هذه الأحوال من النار: أذلك خير أم جَنَّةُ الخلد، وهذا استفهام على جِهَةِ التوقيف والتوبيخ لأَنَّ الموقِفَ جائز له أنْ يُوقِفَ مُحَاوِرَهُ على ما شاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطإِ.
وقوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعني الكفار، وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يريد كل شيء عُبِدَ من دون الله، وقرأ ابن «١» عامر: «فَنَقُولُ» بالنون، قال جمهور المفسرين:
والموقف المجيب كل من ظلم بأن عُبِدَ مِمَّنْ يعقل كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، وقال الضَّحَّاكُ وعِكْرِمَةُ: الموقف المجيب: الأصنام التي لا تَعْقِلُ يقدرها الله تعالى على هذه المقالة، ويجيء خزيَ الكفرة لذلك أبلغ «٢» ، وقرأ الجمهور «٣» : «نَتَّخِذَ» - بفتح النون-، وذهبوا بالمعنى إلى أَنَّه مِنْ قول مَنْ يَعْقِلُ، وأَنَّ هذه الآية بمعنى التي في سورة سبإ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ الآية [سبأ: ٤٠] .
وكقول عيسى: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ [المائدة: ١١٧] .
وقولهم: حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ أي: ما ذكر به الناس على ألسنة الأنبياء- عليهم السلام-، وقرأ زيد بن ثابت «٤» وجماعة: «نُتَّخَذَ» - بضم النون-.
وقوله تعالى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ...
الآية: خطابٌ من الله تعالى للكفرة، أخبرهم أنَّ مَعْبُودَاتِهم كذبتهم، وفي هذا الإخبار خِزْيٌ وتَوْبِيخٌ لهم، وقرأ حفص عن عاصم: «فَمَا تَسْتَطِيعُونَ» - بالتاء من فوق- قال مجاهد «١» : الضمير في «يستطيعون» هو للمشركين، وصَرْفاً معناه رَدُّ التكذيب أو العذاب.
وقوله تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ قيل: هو خطاب للكُفَّارِ، وقيل: للمؤمنين، والظلم هنا: الشِّرْكُ، قاله الحسن «٢» وغيره، وقد يحتمل أنْ يعم غيرَه من المعاصي، وفي حرف أُبَيِّ: «وَمَنْ يَكْذِبْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً» .
وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ...
الآية: رَدٌّ على قريش في قولهم: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ثم أخبر عز وجل أَنَّ السبب في ذلك أَنَّه جعل بعض عَبيدَهُ فتنةً لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، والتوقيف ب أَتَصْبِرُونَ خَاصٌّ بالمُؤمنين المحققين، قال ابن العربي في «الأحكام» «٣» :
ولما كثر الباطل في الأسواق، وظهرت فيه المناكر- كَرِهَ علماؤُنا دخولَها لأرباب الفضل والمُقْتَدَى يهم في الدِّينِ تنزيهاً لهم عن البقاع التي يُعْصَى الله تعالى فيها، انتهى.
ثم أعرب قوله تعالى: وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً عن الوعد للصابرين والوعيد للعاصين، وعن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب- رضي اللَّه عنه- أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده، لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ» «٤» ، رواه الترمذيُّ وابن ماجه، وهذا لفظ الترمذي، وزاد في رواية أخرى: «وَبَنَى لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ» ، ورواه الحاكم في «المستدرك» من عدة طرق، انتهى من «السلاح» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " يَحْشُرُهم " " فَيَقُولُ " بِالياءِ فِيهِما.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَحْشُرُهم " بِالنُّونِ " فَيَقُولُ " بِالياءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: " نَحْشُرُهم " " فَنَقُولُ " بِالنُّونِ فِيهِما جَمِيعًا؛ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ وَما يَعْبُدُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: يَعْنِي الأصْنامَ، فَيَأْذَنُ اللَّهُ لِلْأصْنامِ في الكَلامِ، ويُخاطِبُها ﴿ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي ﴾ أيْ: أمَرْتُمُوهم بِعِبادَتِكم ﴿ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ أيْ: أخْطَأُوا الطَّرِيقَ.
﴿ قالُوا ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ ﴿ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ﴾ نُوالِيهِمْ؛ والمَعْنى: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعْبُدَ نَحْنُ غَيْرَكَ، فَكَيْفَ نَدْعُو إلى عِبادَتِنا؟!
فَدَلَّ هَذا الجَوابُ عَلى أنَّهَمْ لَمْ يَأْمُرُوا بِعِبادَتِهِمْ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " أنْ نُتَّخَذَ " بِرَفْعِ النُّونِ وفَتْحِ الخاءِ.
ثُمَّ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِهِمُ الإيمانَ، فَقالُوا: ﴿ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ ﴾ أيْ: أطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ وأوْسَعَتْ لَهُمُ الرِّزْقَ ﴿ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ أيْ: تَرَكُوا الإيمانَ بِالقُرْآنِ والِاتِّعاظَ بِهِ ﴿ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْكَي.
وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى، البُورُ: [فِي] لُغَةِ أزْدِ عُمانَ: الفاسِدُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن بارَ يَبُورُ: إذا هَلَكَ وبَطَلَ، يُقالُ: بارَ الطَّعامُ: إذا كَسَدَ، وبارَتِ الأيِّمُ: إذا لَمْ يُرْغَبْ فِيها، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَعَوَّذُ مِن بَوارِ الأيِّمِ، قالَ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجُلٌ بُورٌ، وقَوْمٌ بُورٌ، لا يُجْمَعُ ولا يُثَنّى، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ وَقَدْ سَمِعْنا بِـ " رَجُلٍ بائِرٍ "، ورَأيْناهم رُبَّما جَمَعُوا " فاعِلًا " عَلى " فُعْلٍ "، نَحْوَ عائِذٍ وعُوذٍ، وشارِفٍ وشُرْفٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَيُقالُ لِلْكُفّارِ حِينَئِذٍ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ في قَوْلِكم: إنَّهم آلِهَةٌ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، ومُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ: " بِما يَقُولُونَ " بِالياءِ؛ والمَعْنى: كَذَّبُوكم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا ﴾ الآيَة؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فالمَعْنى: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المُشْرِكُونَ بِما تَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .
قَوْلُهُ تَعالى: ( فَمًا يستطعيون صَرْفًا ولا نَصْرًا ) قَرَأ الأكْثَرُونَ بِالياءِ.
وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: فَما يَسْتَطِيعُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ عَنْكم ولا نَصْرًا لَكم.
والثّانِي: فَما يَسْتَطِيعُ الكُفّارُ صَرْفًا لِعَذابِ اللَّهِ عَنْهم ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ.
وَقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تَسْتَطِيعُونَ " بِالتّاءِ؛ والخِطابِ لِلْكُفّارِ.
وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ يُونُسَ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: الصَّرْفُ: الحِيلَةُ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لِيَتَصَرَّفُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ ﴿ نُذِقْهُ ﴾ في الآخِرَةِ.
وَقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ، وأبُو الجَوْزاءِ [وَقَتادَةُ]: " يَذُقْهُ " بِالياءِ ﴿ عَذابًا كَبِيرًا ﴾ أيْ: شَدِيدًا.
﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ رُسُلًا مِنَ المُرْسَلِينَ، فَحُذِفَتْ " رُسُلًا " لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ يَدُلُّ عَلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴾ أيْ: إنَّهم كانُوا عَلى مَثَلِ حالِكَ، فَكَيْفَ تَكُونُ بِدَعًا مِنهُمْ؟!
فَإنْ قِيلَ: لِمَ كُسِرَتْ " إنَّهم " هاهُنا، وفُتِحَتْ في [ (بَراءَةٍ: ٥٤) في ] قَوْله: ﴿ أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهُمْ ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا هُنالِكَ عِلَّةَ فَتْحِ تِلْكَ؛ فَأمّا كَسْرُ هَذِهِ، فَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ فِيها واوُ حالٍ مُضْمَرَةٌ، فَكُسِرَتْ بَعْدَها " إنَّ " لِلِاسْتِئْنافِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا وإنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ، فَأُضْمِرَتِ الواوُ هاهُنا كَما أُضْمِرَتْ في قَوْلِهِ ﴿ أوْ هم قائِلُونَ ﴾ ، والتَّأْوِيلُ: أوْ وهم قائِلُونَ.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ كُسِرَتْ لِإضْمارِ " مَن " قَبْلَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا مَن إنَّهم لَيَأْكُلُونَ، قالَ الشّاعِرُ: فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ∗∗∗ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالمَهْلِ أرادَ: مَن دَمْعُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ الفِتْنَةُ: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ افْتِتانُ الفَقِيرِ بِالغَنِيِّ، يَقُولُ: لَوْ شاءَ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا، والأعْمى بِالبَصِيرِ، والسَّقِيمِ بِالصَّحِيحِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ابْتِلاءُ الشَّرِيفِ بِالوَضِيعِ، والعَرَبِيِّ بِالمَوْلى، فَإذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ فَرَأى الوَضِيعَ قَدْ سَبَقَهُ بِالإسْلامِ أنِفَ فَأقامَ عَلى كُفْرِهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ كانُوا إذا رَأوْا فَقُراءَ المُؤْمِنِينَ، قالُوا: انْظُرُوا إلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ مِن مَوالِينا ورَذالَتِنا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أتَصْبِرُونَ ﴾ لِأهْلِ البَلاءِ.
وعَلى الثّانِي: لِلرُّؤَساءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى سَبْقِ المُوالِي والأتْباعِ.
وعَلى الثّالِثِ: لِلْفُقَراءِ؛ فالمَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى أذى الكُفّارِ واسْتِهْزائِهِمْ، والمَعْنى: قَدْ عَلِمْتُمْ ما وُعِدَ الصّابِرُونَ، ﴿ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ بِمَن يَصْبِرُ وبِمَن يَجْزَعُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أو نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في اسْتِبْعادِهِمْ أنْ يَكُونَ مِنَ البَشَرِ رَسُولٌ، وقَوْلِهُمْ: ﴿ مالِ هَذا الرَسُولِ يَأْكُلُ الطَعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا وأمَّتَهُ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ قَبْلُ في سالِفِ الدَهْرِ نَبِيًّا إلّا بِهَذِهِ الصِفَةِ.
والمَفْعُولُ بِـ "أرْسَلْنا" مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: رِجالًا أو رُسُلًا، وعَلى هَذا المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ يَعُودُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إلّا إنَّهُمْ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَعامَ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِينِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "وَيُمَشَّوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ المَفْتُوحَةِ، بِمَعْنى: يَدْعُونَ إلى المَشْيِ ويَحْمِلُونَ عَلَيْهِ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى يَمْشُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أُمَشِّي بِأعْطانِ المِياهِ وأبْتَغِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةٌ ورَكُوبُ ثُمْ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ السَبَبَ في ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ العَبِيدِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ الناسِ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فالصَحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرُ الشاكِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ، والرَسُولُ المَخْصُوصُ بِكَرامَةِ النُبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأشْرافِ الناسِ الكُفّارِ في عَصْرِهِ، وكَذَلِكَ العُلَماءُ وحُكّامُ العَدْلِ، وقَدْ تَلا ابْنُ القاسِمْ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ رَأى أشْهَبَ.
والتَوْقِيفُ بِـ "أتَصْبِرُونَ" خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ، فَهو لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، كَأنَّهُ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أيِ اخْتِبارًا لَهُمْ، ثُمْ وقَّفَهُمْ: هَلْ تَصْبِرُونَ أمْ لا؟
ثُمْ أعْرَبَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ عَنِ الوَعْدِ لِلصّابِرِينَ والوَعِيدِ لِلْعاصِينَ.
ثُمْ أخْبَرَ عن مَقالَةِ الكُفّارِ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَرْجُونَ"، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ: مَعْناهُ: يَخافُونَ، والشاهِدُ لِذَلِكَ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَوامِلِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الرَجاءَ في الآيَةِ والبَيْتِ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّ خَوْفَ لِقاءِ اللهِ تَعالى مُقْتَرِنٌ أبَدًا بِرَجائِهِ، فَإذا نُفِيَ الرَجاءُ عن أحَدٍ فَإنَّما أخْبَرَ عنهُ أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِالبَعْثِ لِنَفْيِ الخَوْفِ والرَجاءِ، وفي ذِكْرِ الكُفّارِ بِنَفْيِ الرَجاءِ تَنْبِيهٌ عَلى غِبْطَةِ ما فاتَهم مِن رَجاءِ اللهِ تَعالى.
وأمّا بَيْتُ الشِعْرِ المَذْكُورُ فَمَعْناهُ عِنْدِي: لَمْ يَرْجُ دَفْعَها ولا الِانْفِكاكَ عنها، فَهو لِذَلِكَ يُوفِي عَلى الصَبْرِ ويَجِدُّ في شَغْلِهِ.
ولَمّا تَمَنَّتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ رُؤْيَةَ رَبِّهِمْ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم عَظَّمُوا أنْفُسَهُمْ، وسَألُوا ما لَيْسُوا لَهُ بِأهْلٍ، و"عَتَوْا" مَعْناهُ: صَعَبُوا عَلى الحَقِّ واشْتَدُّوا، ويُقالُ: عِتِيٌّ وعُتُوٌّ، عُتُوٌّ عَلى الأصْلِ، وعِتِيٌّ لِاسْتِثْقالِ الضَمِّ عَلى الواوِ فَقُلِبَتْ ياءً ثُمْ كُسِرَ ما قَبِلَها طَلَبًا لِلتَّناسُبِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الاسواق ﴾ .
هذا رد على قولهم: ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ [الفرقان: 7] بعد أن رد عليهم قولهم ﴿ أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ﴾ [الفرقان: 8] بقوله: ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ [الفرقان: 10]، ولكن لما كان قولهم: ﴿ أو يلقى إليه كنز ﴾ حالة لم تعط للرسل في الحياة الدنيا كان رد قولهم فيها بأن الله أعطاه خيراً من ذلك في الآخرة.
وأما قولهم: ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ فقد توسلوا به إلى إبطال رسالته بثبوت صفات البشر له، فكان الرد عليهم بأن جميع الرسل كانوا متصفين بصفات البشر، ولم يكن المشركون منكرين وجود رسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم فقد قالوا: ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ﴾ [الأنبياء: 5]، وإذ كانوا موجودين فبالضرورة كانوا يأكلون الطعام إذ هم من البشر ويمشون في أسواق المدن والبادية لأن الدعوة تكون في مجامع الناس.
وقد قال موسى ﴿ موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ﴾ [طه: 59].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو قريشاً في مجامعهم ونواديهم ويدعو سائر العرب في عكاظ وفي أيام الموسم.
وجملة: ﴿ ليأكلون الطعام ﴾ في موضع الحال لأن المستثنى منه عموم الأحوال.
والتقدير: وما أرسلنا قبلك من المرسلين في حاللٍ إلا في حال ﴿ إنهم ليأكلون الطعام ﴾ .
والتوكيد ب (إن) واللام لتحقيق وقوع الحال تنزيلاً للمشركين في تناسيهم أحوال الرسل منزلة من ينكر أن يكون الرسل السابقون يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.
ولم تقترن جملة الحال بالواو لأن وجود أداة الاستثناء كاف في الربط ولا سيما وقد تأكد الربط بحرف التوكيد فلا يزاد حرف آخر فيتوالى أربعة حروف وهي: إلاّ، وإنّ، واللام، ويزاد الواو بخلاف قوله تعالى: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ [الحجر: 4]، وقوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴾ [الشعراء: 208].
وإنما أبقى الله الرسل على الحالة المعتادة للبشر فيما يرجع إلى أسباب الحياة المادية إذ لا حكمة في تغيير حالهم عن ذلك وإنما يغير الله حياتهم النفسية لأن في تغييرها إعداد نفوسهم لتلقي الفيوضات الإلهية.
ولله تعالى حفاظ على نواميس نظام الخلائق والعوالم لأنه ما خلقها عبثاً فهو لا يغيرها إلا بمقدار ما تتعلق به إرادته من تأييد الرسل بالمعجزات ونحو ذلك.
﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ .
تذييل، فضمير الخطاب في قوله: ﴿ بعضكم ﴾ يعم جميع الناس بقرينة السياق.
وكلا البعضين مبهم يبينه المقام.
وحال الفتنة في كلا البعضين مختلف، فبعضها فتنة في العقيدة، وبعضها فتنة في الأمن، وبعضها فتنة في الأبدان.
والإخبار عنه ب ﴿ فتنة ﴾ مجازي لأنه سبب الفتنة، وشمل أحد البعضين النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، والبعض الآخر المشركين؛ فكان حال الرسول فتنة للمشركين إذ زعموا أن حاله مناف للرسالة فلم يؤمنوا به وكان حال المؤمنين في ضعفهم فتنة للمشركين إذ ترفعوا عن الإيمان الذي يسويهم بهم، فقد كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل وأضرابهم يقولون: إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار بن ياسر وصهيب وبلال ترفعوا علينا إدلالاً بالسابقة.
وهذا كقول صناديد قوم نوح لا نؤمن حتى تطرد الذين آمنوا بك فقال: ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ﴾ [هود: 29، 30].
وقال تعالى للنبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بَيْنِنا أليس الله بأعلمَ بالشاكرين ﴾ [الأنعام: 52، 53].
والكلام تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم عن إعراض بعض قومه عن الإسلام، ولذلك عقب بقوله: ﴿ أتصبرون ﴾ ، وهو استفهام مستعمل في الحث والأمر كقوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ [المائدة: 91].
وموقع ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ موقع الحث على الصبر المأمور به، أي هو عليم بالصابرين، وإيذان بأن الله لا يضيع جزاء الرسول على ما يلاقيه من قومه وأنه ناصره عليهم.
وفي الإسناد إلى وصف الرب مضافاً إلى ضمير النبي إلماع إلى هذا الوعد فإن الرب لا يضيع أولياءه كقوله: ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ [الحجر: 97 99] أي النصر المحقق.
الجزء التاسع عشر <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ افْتِتانُ الفَقِيرِ بِالغَنِيِّ أنْ يَقُولَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي مِثْلَهُ غَنِيًّا والأعْمى بِالبَصِيرِ أنْ يَقُولَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَنِي مِثْلَهُ بَصِيرًا، والسَّقِيمِ بِالصَّحِيحِ أنْ يَقُولَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَنِي مِثْلَهُ صَحِيحًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: فِتْنَةٌ بِالعُدْوانِ في الدِّينِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّ الفِتْنَةَ صَبْرُ الأنْبِياءِ عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ حِينَ أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ وعَمّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وأمْثالُهم مِنَ الفُقَراءِ المَوالِي فَقالَ المُسْتَهْزِئُونَ مِن قُرَيْشٍ: انْظُرُوا إلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ مِن فُقَرائِنا ومُوالِينا فَنَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
وَفِي الفِتْنَةِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: البَلاءُ.
والثّانِي: الِاخْتِبارُ.
﴿ أتَصْبِرُونَ ﴾ يَعْنِي عَلى ما مُحِنْتُمْ بِهِ مِن هَذِهِ الفِتْنَةِ، وفِيهِ اخْتِصارٌ وتَقْدِيرُهُ أمْ لا تَصْبِرُونَ.
﴿ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بَصِيرًا بِما يُصْبَرُ مِمَّنْ يَجْزَعُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: بَصِيرًا بِالحِكْمَةِ فِيما جَعَلَ بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ يقول: إن الرسل قبل محمد كانوا بهذه المنزلة ﴿ يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال: بلاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن الحسن ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال: يقول الفقير: لو شاء الله لجعلني غنياً مثل فلان.
ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان.
ويقول الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال: هو التفاضل في الدنيا، والقدرة، والقهر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال: يمسك على هذا ويوسع على هذا فيقول: لم يعطني ربي ما أعطى فلاناً.
ويبتلى بالوجع فيقول: لم يجعلني ربي صحيحاً مثل فلان.
في أشباه ذلك من البلاء ليعلم من يصبر ممن يجزع ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ بمن يصبر ومن يجزع.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو شاء الله لجعلكم أغنياء كلكم لا فقير فيكم.
ولو شاء الله لجعلكم فقراء كلكم لا غني فيكم.
ولكن ابتلى بعضكم ببعض» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: قال رجل: يا رسول الله كيف ترى في رقيقنا.
أقوام مسلمين يصلون صلاتنا، ويصومون صومنا، نضربهم؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «توزن ذنوبهم وعقوبتكم إياهم فإن كانت عقوبتكم أكثر من ذنوبهم أخذوا منكم قال: أفرأيت سبنا إياهم؟
قال: يوزن ذنبهم وأذاكم إياهم فإن كان اذاكم أكثر أعطوا منكم قال الرجل: ما أسمع عدوّاً أقرب اليّ منهم!
فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً ﴾ فقال الرجل: أرأيت يا رسول الله ولدي أضر بهم؟
قال: إنك لا تتهم في ولدك، فلا تطيب نفساً تشبع ويجوع، ولا تكتسي ويعروا» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾ قال: يريد كما تأكل أنت (١) ﴿ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ يقول: فكيف يكون محمدٌ بدعًا من الرسل (٢) ﴿ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ﴾ صلة لاسم متروك اكتفى بـ ﴿ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ منه؛ كقولك في الكلام: ما بعثت إليك من الناس إلا مَنْ إنَّه ليعطيك.
ألا ترى أن قولك: ليعطيك (٣) (٤) ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴾ وكذلك قوله: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ أي: ما منكم إلا من يردها.
قال: ولو لم تكن اللام جوابًا لـ ﴿ إِنَّ ﴾ كانت إنَّ، مكسورةً أيضًا لأنها مبتدأة، إذ كانت صلةً.
انتهى كلامه (٥) وقال أبو إسحاق: هذا احتجاج عليهم في قوله: ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ فقيل لهم: كذلك كان من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
قال: وأما دخول ﴿ إِنَّهُمْ ﴾ فعلى تأويل: ما أرسلنا [قبلك من المرسلين] (٦) ما انطياني ولا سألتهما ...
إلا وإني لحاجزي نسبي (٧) وقال في قول الفراء: وهو خطأ بيِّن؛ لأنه لا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة (٨) وذكر ابن الأنباري، قول الفراء واحتج عليه بأبيات ذكرناها قديمًا، فيما مضى من الكتاب؛ منها قول ذي الرُّمة: فَظَلُّوا ومنهم دمْعُه سابقٌ له ..
البيت (٩) لو قلتَ ما في قومِها لم تيثمِ ...
يفضُلها في حَسَبٍ ومِيسَمِ (١٠) وذكر قولًا آخر فقال: كسرت إنَّ، بعد: إلاَّ، للاستئناف بإضمار واو بتقدير إلا وإنهم، فأضمرت الواو كما أضمرت في قوله: ﴿ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ والتأويل: أو وهم قائلون.
قوله تعالى: ذكروا فيه ثلاثة أقوال (١١) (١٢) (١٣) ﴿ فِتْنَةٌ ﴾ بلية، ابتلي الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى (١٤) (١٥) (١٦) القول الثاني: أن هذا عام في جميع الخلق.
رُوي ذلك عن أبي الدرداء، عن النبي - - قال: "ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ .
القول الثالث: أن هذا في أصحاب البلاء والمعافين.
يقول الفقير: لِمَ لَمْ أجعل بمنزلة الغني.
ويقول ذو البلاء؛ كالأعمى، والزَّمِن: لِمَ لَمْ أجعل بمنزلة المعافى (٢٠) (٢١) ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ على الأذى والإستهزاء (٢٢) ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ إن صبرتم.
فصبروا، ولم يجزعوا.
فأنزل الله فيهم: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا ﴾ أي: في الدنيا على الأذى والإستهزاء من كفار قريش (٢٣) وقال الفراء، على قول الكلبي ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ (٢٤) (٢٥) وقال صاحب النظم: ليس لقوله: ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ في الظاهر انتظام ما اتصل به من اللفظ؛ لأن فيه إضمارًا كأنه يقول: لنعلم أتصبرون أم لا.
فأومأ بقوله: ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ إلى هذا الإضمار لأنه يقتضيه.
وذكر عطاء عن ابن عباس قولًا آخر في هذه الآية؛ وهو: أن الله تعالى لما ذكر أن من أرسل قبله كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ذكر أنه جعل محمدًا - - سبب ضلالة من أنكروا نبوته بقولهم: ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ﴾ الآية، فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ ﴾ يعني: محمدًا - - ﴿ لِبَعْضٍ ﴾ يعني: المشركين ﴿ فِتْنَةً ﴾ ضلالة، ثم قال لنبيه: ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ يريد: اصبر.
هذا الذي ذكرنا معنى قوله (٢٦) ويجوز أن يكون الاستفهام يراد به الأمر كقوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ أي: انتهوا.
كذلك هاهنا أُمر النبي - - وأصحابه بالصبر على ما يسمعون من المشركين (٢٧) ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ (٢٨) (٢٩) (٣٠) (١) نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾ .
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 62.
قال ابن الحربي 3/ 433: وإنما كان يدخلها لحاجته، أو لتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته: ويعرض نفسه على القبائل في == مجتمعهم، لعل الله أن يرجع إلى الحق بهم.
وهذا يدل على أنه ينبغي لأهل العلم والفضل دخول الأسواق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس ما يتعلق بأحكام البيع والشراء، ونحو ذلك.
وفي كتاب: "ظلال القرآن" 5/ 2553، كلام جيِّد في حكمة مشي الأنبياء في السوق.
فليراجع.
وهذه الآية أصل في تناول الأسباب، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة، وغير ذلك، وفي هذا رد على من لا يأخذ بالأسباب يزعم أنه متوكل.
وقد قرر هذه المسألة القرطبي، في تفسيره 13/ 14، تقريرًا حسنًا.
(٣) هكذا: ليعطيك، في الموضعين، في النسخ الثلاث.
وفي "معاني القرآن" للفراء 2/ 264: ليطيعك، من الطاعة.
ولعله أقرب.
والله أعلم.
(٤) أي: حذفها.
حاشية "معاني القرآن" للفراء 2/ 364.
(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 264.
وذكر ابن جرير 18/ 194، قريباً منه.
ولم ينسبه.
(٦) ما بين المعقوفين في (ج).
وهذه الزيادة غير موجودة في "معاني القرآن" للزجاج 4/ 60.
(٧) البيت لكُثَيِّر بن عبد الرحمن، وتارة ينسب لصاحبته: عزة، "ديوانه" 219، وهو من قصيدة يمدح فيها عبد الملك، وعبد العزيز ابني مروان بن الحكم ...
إنما يريد أنه إذا سألهما وأعطياه حجزه كرمه عن الإلحاف في السؤال.
وانطياني: أعطياني.
"معاني القرآن" للزجاج 4/ 62.
وعند سيبويه، والمبرد، وفي الديوان: أعطياني.
وقبل هذا البيت: دع عنك سلمى إذ فات مطلبها ...
واذكر خليليك من بني الحكم وقد أورده منسوبًا سيبويه 3/ 145، والمبرد في "المقتضب" 2/ 346، ولم ينسبه، قال عبد السلام هارون، في تحقيقه للكتاب: الشاهد فيه كسر: إنَّ، لدخول اللام في خبرها، والجملة واقعة موقع الحال، ولو حذف اللام لم تكن إلاَّ مكسورة أيضًا لوقوع الجملة موقع الحال.
ونص البيت عند الزجاج، وفي "الكتاب"، كرمي، بدل: نسبي، كما هو في النسخ كلها.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 60.
(٩) "ديوان ذي الرمة" ص 56، وعجزه: وآخرُ يَثني دمعة العين بالمَهْلِ= ورواية الديوان: فظلوا ومنهم دمعه غالب له وأنشده الفراء كاملاً، ونسبه لذي الرمة، وقال: يريد: منهم من دمعه سابق.
"معاني القرآن" للفراء 1/ 271، في تفسير سورة النساء.
(١٠) أنشده سيبويه 2/ 345، والفراء "معاني القرآن" 1/ 271، وابن جني، "الخصائص" 2/ 370، والبغدادي "الخزانة" 5/ 62، ولم ينسبوه.
وفي حاشية الكتاب: البيت لحكيم بن معية.
وأصل: تيثم: تأثم، والميسم: الجمال من الوسامة.
والشاهد فيه: حذف الموصوف؛ التقدير: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها لم تكذب فتأثم.
(١١) ذكر الماوردي 4/ 138، أربعة أقوال.
وهي قريبة مما ذكر الواحدي.
(١٢) "تفسير السمرقندي" 2/ 456، ولم ينسبه.
(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 265.
(١٤) "تنوير المقباس" ص 302.
(١٥) "تفسير السمرقندي" 2/ 456، ولم ينسبه.
ونسبه في "الوسيط" 3/ 337، للكلبي.
وكذا في البحر 6/ 450.
ويشهد له قوله تعالى: قال تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ .
"تفسير الرازي" 24/ 65.
(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 26.
و"معاني القرآن" للفراء 2/ 265.
(١٧) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).
(١٨) ما بين المعقوفين، في (ج).
(١٩) ذكره هود الهوّاري في تفسيره 3/ 205، فقال: ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله - - ..
وذكره الثعلبي 94 أ، بإسناده عن الحسن عن أبي الدرداء - -.
وعنه القرطبي 13/ 18.
وذكره السيوطي 6/ 244، عن الحسن، يرفعه للنبي - -، مع اختلاف في اللفظ.
ونسبه لابن أبي شيبة.
ولكني لم أجده عنده.
والحسن، هو البصري، ثقة فقيه فاضل مشهور، لكنه كان يرسل كثيرًا، ويدلس.
"السير" 4/ 563، و"جامع التحصيل" 194، و"التقريب" 236.
وقد عنعن الحسن في هذا الحديث فهو بهذا الإسناد لا يصح رفعه، فلعله من كلام الحسن.
والله أعلم.
(٢٠) ذكر هذا القول ابن جرير 18/ 194، عن الحسن.
ونحوه عن ابن جريج.
ويشهد == لهذا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - - عَنْ رَسُولِ الله - - قَالَ: "إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ منه" البخاري، كتاب الرقاق، رقم: 6490، الفتح 11/ 322.
ومسلم 4/ 2275، كتاب الزهد، رقم: 2963.
(٢١) ما بين المعقوفين، من "تفسير مقاتل" ص 44 أ.
لأن ما في النسخ الثلاث لا يستقيم به المعنى.
(٢٢) فليس لمن قد فتن فتنة دواء مثل الصبر.
"إغاثة اللَّهفان" 2/ 157.
(٢٣) "تفسير مقاتل" ص 44 أ.
وذكره عن مقاتل الثعلبي 94 ب.
ذكر الهواري 3/ 206، عن بعض المفسرين أن هذه الآية في الأنبياء وأقوامهم.
ونسبه الماوردي 4/ 138، ليحيى بن سلام، ويشهد لهذا قوله تعالى: قال تعالى: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ ومن السنة قوله - -: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ...
وقال: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك".
صحيح مسلم 4/ 2197، كتاب الجنة، رقم: 2865.
ولا مانع من حمل الآية على الكل لأن بين الجميع قدراً مشتركاً.
تفسير الرازي 24/ 66.
فالخطاب لجميع الناس، لاختلاف أحوالهم.
"تفسير ابن جزي" 483.
وانظر: "إغاثة اللَّهفان" 2/ 155.
فهذه الأقوال التي ذكرها الواحدي لا تعارص بينها فهي تفسير للآية بالمثال.
والله أعلم.
(٢٤) يعني بقول الكلبي ما سبق ذكره من فتنة الشريف من قريش بمن هو دونه.
وذكر == الفراء هذا القول 2/ 265، ولم ينسبه.
وعلى هذا يكون الخطاب هنا لكفار قريش.
أي: أتصبرون مع النبي - - وسلمان وأصحابه حتى تكونوا معهم في الدين والأمر سواء.
"تنوير المقباس" ص 302.
(٢٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 26.
(٢٦) أي: معنى قول ابن عباس - ما-.
قال الضحاك، في معنى: قوله تعالى.
﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ أي: على الحق.
القرطبي 13/ 18.
(٢٧) "تفسير السمرقندي" 2/ 456.
و"تفسير أبي حيان" 6/ 450.
(٢٨) في هذه الآية تكريم للنبي - - بإضافته لربوبية الله.
(٢٩) أخرج هذا ابن جرير 18/ 195، عن ابن جريج.
وذكره الثعلبي 94 ب، ولم ينسبه.
ونسبه له الماوردي 4/ 138.
(٣٠) أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2676، عن عبيد بن عمير: قال تعالى: ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ قال: يعني: الناس عامَّة.
ولم ينسبه لابن عباس.
وقال السمرقندي 2/ 457: عالماً بمن يصلح له الغنى، والفقر.
وقال الماوردي 4/ 139: بصيراً بالحكمة فيما جعل بعضكم لبعض فتنة.
ولا تعارض بينها.
ولم يذكره الواحدي -رحمه الله- في "الوسيط" 3/ 337.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين ﴾ تقديره: وما أرسلنا رسلاً أو رجالاً قبلك، وعلى هذا المفعول المحذوف يعود الضمير في قوله: ﴿ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام ﴾ ، وهذه الآية ردّ على الكفار في استعبادهم بعث رسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ هذا خطاب لجميع الناس لاختلاف أحوالهم، فالغني فتنة للفقير، والصحيح فتنة للمريض، والرسول فتنة لغيره ممن يحسده ويكفر به ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ تقديره لنظر هل تبصرون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ جنة نأكل ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالياء التحتانية ﴿ ويجعل لك ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل وابن كثير.
الباقون بالجزم وذلك أن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الرفع والجزم ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ فيقول ﴾ كلاهما بالياء: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما.
الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني ﴿ أن يتخذ ﴾ على البناء للمفعول: زيد ويزيد ﴿ بما تقولون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل.
﴿ تستطيعون ﴾ على الخطاب: حفص غير الخزاز.
الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده بدل من ﴿ الذي نزل ﴾ والتعليل من تمام الصلة، ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ ولا نشوراً ﴾ ه ﴿ آخرون ﴾ ج لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون ﴿ فقد جاؤا ﴾ من قول الكفار أي جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور ﴿ وزوراً ﴾ ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف المتفقتين مع عوارض وطول الكلام ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ السواق ﴾ ط ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف ﴿ قصوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ وزفيراً ﴾ ه ﴿ ثبوراً ﴾ الأول ه ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ط ﴿ مسؤولاً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ الذكر ﴾ ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ تقولون ﴾ ه إلا لمن قرأ ﴿ تستطيعون ﴾ بتاء الخطاب ﴿ نصيراً ﴾ ج ه للشرط مع العطف ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ في السواق ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ أتصبرون ﴾ ج لاحتمال كون الواو للحال ﴿ بصيراً ﴾ ه.
التفسير: إنه تكلم في هذه السورة أولاً في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب.
ومعنى ﴿ تبارك ﴾ كثر خيره وزاد أو عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله ﴿ تبارك ﴾ دليل على أن كل البركة والخير إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فذلك صح إيقاعها صلة للذي.
والضمير في ﴿ ليكون ﴾ لعبده أو للفرقان كقوله ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثاً إلى الجن والإنس إلى آخر مدة التكليف.
والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير.
قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيراً للكل.
وعورض بنحو قوله ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم ﴾ والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة.
ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها ﴿ الذي له ملك السوات والأرض ﴾ وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره.
الثانية ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ وفيه رد النصارى واليهود الثالثة ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي ايضاً، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال جار الله: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو مافيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.
وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديراً فخلفه في وقته موافقاً لذلك التقدير.
والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلاً ﴿ واتخذوا ﴾ الآية.
وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن الله، فتكون الآية رداً على الكل.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ من دونه ﴾ لتقدم الذكر مفرداً وفي مريم ويس ﴿ من دون الله ﴾ لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيماً فلن يكن بد من التصريح.
وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهان منكري النبوة والأجوبة عنها.
فالشبهة الأولى قولهم ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه ﴾ أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في غضافته إلى الله .
وقوله ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ نظير قوله ﴿ إنما يعلمه بشر لسان الذي ﴾ وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراً ﴾ اي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه.
وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض اي أتوا بالظلم والزور.
فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله.
إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف،فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا يتلقن من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم ايضاً أن يستعينوا بغيرهم.
قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه.
الشبهة الثانية قولهم ﴿ أنه أساطير الأولين ﴾ اي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم ﴿ اكتتبها ﴾ لنفسه كقولك "استكب الماء" أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلباً لأنه يقال "أمليت عليه فهو يكتتبها" وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.
قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ أي دائماً أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم.
فأجاب عن هذه الشبهة بقوله ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر ﴾ الآية.
والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد.
قال أبومسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة.
وقيل: هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه.
الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن ﴿ ما لهذا ﴾ الزاعم أنه رسول أي ما باله ﴿ يأكل الطعام ﴾ كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد.
زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنساناً معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهراً بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد ن الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين.
وانتصب ﴿ فيكون ﴾ لأنه جواب "لولا" بمعنى "هلا" وحكمه حكم الاستفهام ومحل ﴿ أنزل ﴾ الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين ﴿ وقال الظالمون ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله.
والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقاً إليه.
وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل.
وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله ﴿ تبارك ﴾ أي تكاثر خبر ﴿ الذي إن شاء ﴾ وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا: ثم فسر ذلك الخبر بقوله ﴿ جنات ﴾ عن ابن عباس: خيراً من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة.
وعنه في رواية عكرمة خيراً من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش.
وفي قوله ﴿ إن شاء ﴾ دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته.
وقيل: "إن" بمعنى "إذ" أي قد جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصوراً.
والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.
وقال مجاهد: إن شاء جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصوراً.
عن طاوس عن ابن عباس قال: "بينما رسول الله جالس وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك.
فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها احداً قبلك ولا يعطيها أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً.
فقال : بل يجمعها لي في الآخرة" فنزلت هذه الآية.
وعن النبي : "عرض عليّ جبرائيل بطحاء مكة ذهباً فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" .
وفي رواية "أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت" .
قوله ﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا يرجون ثواباً ولا عقاباً.
ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها.
﴿ وأعتدنا ﴾ جعلناها عدة ومعدة لهم.
وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل أن يقال: هو كقوله ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ قالت الأشاعرة: البنية ليست شرطاً في الحياة وتوابعها فأجروا قوله ﴿ إذا رأتهم ﴾ على ظاهره وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار.
والمعتزلة أوّلوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم في قولهم "دورهم تتراءى وتتناظر" كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز.
والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر.
وقال الجبائي: ذكر النار واراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم.
قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً فكيف قال الله ﴿ سمعوا لها تغيظ ﴾ وأجيب بأن المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ.
قاله الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: متقلداً سيفاً ورمحاً *** يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي.
وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها.
عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح.
وسئل النبي عن ذلك فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" .
قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة.
وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض.
وجاء في الأحاديث "إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" .
وقال الصوفية.: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم.
والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بواثبوراه اي يقال يا ثبور فهذا أوانك وههنا إضمار اي يقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ﴾ إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول.
ومعنى ﴿ وادعوا ثبوراً كبيراً ﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير.
إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة.
قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.
ثم وبخهم بقوله ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به وليس هذا الاستفهام كقول القائل "السكر أحلى أم الصبر" ولكن الغرض منه التقريع كلما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟
والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن نعيمها لا ينقطع.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ وعد ﴾ دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد والفضل لا لأجل العمل.
وقالت المعتزلة: في قوله ﴿ المتقون ﴾ إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار ﴿ كانت لهم جزاء ومصيراً ﴾ أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل هناك.
قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم.
أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون بإدخال الله أهل العفو الجنة؟
قال جار الله: ذكر المصير مع ذكر الجزاء مدحاً للثواب مكانه كقوله ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقاً ﴾ وفي قوله ﴿ لهم فيها ما يشاؤن ﴾ دلالة على أن حصول المرادات بأسرها لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات.
والضمير في ﴿ كان ﴾ ﴿ لما يشاؤن ﴾ واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ على ربك ﴾ أن ذلك واجب على الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم.
وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله ﴿ وعداً مسؤلاً ﴾ كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ أو سألته الملائكة في قولهم { ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد على المؤمنين.
قوله ﴿ يوم نحشرهم ﴾ رجوع إلى قوله ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ وظاهر قوله ﴿ وما يعبدون ﴾ أنها الأصنام وظاهر قوله ﴿ أأنتم أضللتم ﴾ أنه من عبد من العقلاء كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد أنهم تكلموا بلسان الحال.
وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين العقلاء نظيره قوله ﴿ ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ ثم قالوا: إن لفظة "ما" قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: "ما زيد" تريد أطويل أم قصير.
والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه.
وإنما قال أنتم وهم ولم يقل "أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل"، لأن السؤال وقع عمن تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال.
وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن يجيب المعبودين بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال لعيسى ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو للطريق.
﴿ قالوا سبحانك ﴾ تعجباً مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا بـ ﴿ سبحانك ﴾ ليدلوا على أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟
أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما نداً، أو قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفاده علم أو إيذاء من كان بريئاً من الجرم بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.
من قرأ ﴿ أن نتخذ ﴾ بفتح النون فظاهر وهو متعدٍ إلى واحد والأصل أن نتخذ أولياء من دونك فزيدت "من" لتأكيد معنى النفي.
ومن قرأ بضم النون فهو متعدٍ إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء.
ولا تكون "من" زائدة لأنها لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما أتخذت أحداً من ولي فـ "من" للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء.
وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.
وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن المعنى إذ كنا لا نرى أن نتخذ من دونك ولياً فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟
الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار.
قال تعالى ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ [النساء: 76} يريد الكفرة عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا.
أو قالت الملائكة: أنا وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك ولياً.
الرابع قالت الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادّعاء أنا من المعبودين.
وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعاً.
و ﴿ الذكر ﴾ ذكر الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.
قالت المعتزلة: في قوله ﴿ ولكن متعتهم ﴾ الخ.
دليل بيِّن على أن الله عز وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشر سبب الكفر ونسيان الذكر.
فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا.
وقالت الأشاعرة: بل فيه دلالة على أن الله هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك.
أما قوله ﴿ وكانوا قوماً بوراً ﴾ فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل وحول.
وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال "رجل بور" أي فاسد هالك لا خير فيه "وامرأة بور" و "قوم بور" كما يقال "أنت بشر" و "أنتم بشر".
قالت المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال.
وقالت الأشاعرة: أراد أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضاً.
قوله ﴿ فقد كذبوكم ﴾ التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه قال: إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة.
أو بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة.
قال جار الله: الباء في الأول كقوله ﴿ بل كذبوا بالحق ﴾ والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون.
وفي الثاني كقولك "كتبت بالقلم".
﴿ فما تستطيعون ﴾ أنتم يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم.
وقيل: الصرف التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله.
وقيل: الحيلة من قولهم "إنه ليتصرف" أي يحتال.
ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله ﴿ ومن يظلم ﴾ الآية.
فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ظلم لقوله ﴿ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ﴾ والإنصاف أنه لا دلالة في الاية على مطلوبهم لأن "من" ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله ﴿ منكم ﴾ ولئن سلم فلعله مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة العذاب لا تدل على الخلود.
ثم بين بقوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الآية.
أنه لا وجه لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله.
قال الزجاج: الجملة بعد "إلا" صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين: إلا آكلين وماشين.
وإنما حذف لأن في قوله ﴿ من المرسلين ﴾ دليلاً عليه نظيره ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ أي وما منا أحد.
وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم.
وقال ابن الأنباري: المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالاً كقوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ قوله ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال الكلبي والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد اسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما روي عن أبي الدرداء عن النبي "ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية" وقال آخرون: إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين.
قالت الأشاعرة: في هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر.
وقال الجبائي: هذا الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلاناً لص إنه جعله لص.
قال في الكشاف: موقع ﴿ أتصبرون ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ قلت: أراد أن كلاً من الابتلاء والفتنة يستدعي التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي بفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد كقوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ويؤيده قوله ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ عالماً بمن صبر ومن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بحسب ذلك.
وقيل: في الآية تسلية للنبي عما عيروه به من الفقر فقد جعل الأغنياء فتنة للفقراء.
وقيل: جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ولو كنت غنياً صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص.
وقالت الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما يقولون والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ ﴾ اختلف [فيه]: قال بعضهم: نحشر أولئك الذين عبدوا دون الله والمعبودين وهم الملائكة؛ لأن من العرب من قد عبدوا الملائكة؛ كقوله في آية أخرى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ...
﴾ الآية [سبأ: 41-42].
وقال بعضهم: هو عيسى يحشر بينه وبين من عبدوه؛ لأنه قد عبد دون الله فيقول له ما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ...
﴾ الآية [المائدة: 116].
وقال بعضهم: يحشر الأصنام ومن عبدها، ثم يأذن لها في الكلام فيقول: ﴿ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ﴾ ، ولو كان عيسى - - أو الملائكة لكانوا عالمين بعبادتهم إياهم غير غافلين؛ دل ذلك أنها الأصنام التي عبدوها دون الله وإياها يسألون.
وكل ذلك محتمل؛ إذ قد كان منهم ذلك كله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ ﴾ : والله - عز وجل - كان عالماً لما كان منهم، لكن السؤال إياهم - والله أعلم - يخرج مخرج توبيخ أولئك الكفرة وتعييرهم؛ لأنهم يعبدون من ذكر من دون الله، ويقولون: هم أمروهم بذلك، وكانوا مقبولي القول عندهم صادقين فيما يخبرون ويقولون، فأراد أن يظهر كذبهم عند الخلائق؛ لذلك سألهم، والله أعلم بالكائن منهم من أنفسهم، لكنه يخرج على ما ذكرنا.
ثم نزهوه عن جميع ما لا يليق به، وبرءوا أنفسهم عن أن يكون منهم أمر أو شيء مما نسبه أولئك إليهم، وهو أعلم بهم فقالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ أَوْلِيَآءَ ﴾ أي: أرباباً، وهم لم يتخذوا أربابا من دونه، لكنه عندنا يخرج على وجهين: أحدهما: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونه أولياء هم المؤمنون.
الثاني: أو أن يكون: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دون ولايتك ولاية سواك.
وفي بعض القراءات: ﴿ أن نتخذ من دونك أولياء ﴾ برفع النون، لكن أهل الأدب يقولون: هو خطأ.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن آباءهم قد أمهلوا ومتعوا في هذه الدنيا، حتى ماتوا على ذلك من غير أن أصابهم شيء مما أوعدوا في كتابهم، ومما أوعدهم الرسل من العذاب والهلاك على ما اختاروا من الدين وصنيعهم، فظنوا أنهم على حق من ذلك؛ حيث لم يصبهم من المواعيد المذكورة في كتابهم، أو ما أوعدهم رسلهم بشيء؛ فعلى هذا التأويل الذكر: الذي نسوه هو كتابهم، أو ما أوعدهم رسلهم، والله أعلم.
فإن كان على هذا فالآية في أهل الكتاب منهم.
ويحتمل أن تكون الآية في الفراعنة، والقادة من هؤلاء الكفرة متعوا في هذه الدنيا بأحوال ورياسة، ووسع عليهم المعيشة، حتى دعوا الناس وأتباعهم إلى ما هم عليه من التكذيب برسوله وما أنزل عليه، فأجيبوا بالأموال عندهم، فنسوا ما في القرآن من الوعيد.
﴿ وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً ﴾ والبور: قال بعضهم: الهلاك.
وقال بعضهم: البور: الفساد.
وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ : أي: فقد كذبكم أولئك، ﴿ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ : أنهم أمرونا بذلك، وكانوا عندهم صدقة.
وقوله: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ : هذا يحتمل وجوها: أحدها: أي: ما يستطيع أولئك الكفرة صرف قول من عبدوهم وتكذيبهم حين كذبوهم في قولهم.
﴿ وَلاَ نَصْراً ﴾ أي: ولا استطاعوا الانتصار منهم حين كذبوهم؛ وعلى ذلك يخرج قراءة من قرأه بالتاء: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ .
و [الثاني:] يحتمل: ﴿ فما يستطيعون ﴾ أولئك المعبودون صرف عذاب الله ونقمته عنكم، ولا كانوا لهم نصراء؛ لأنهم قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .
والثالث: ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً ﴾ أي: فداء، ﴿ وَلاَ نَصْراً ﴾ أي: لا يقبل منهم الفداء، ولا كان لهم ناصر ينصرهم في دفع العذاب عنهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ﴾ .
وقال القتبي وأبو عوسجة: قال بعضهم: الصرف: النافلة، سميت صرفاً لأنها زيادة على الواجب، والعدل: الفريضة.
وقد روي في الخبر: "من طلب صرف الحديث ليبتغي به إقبال وجوه الناس، لم يرح رائحة الجنة" أي: من طلب تحسينه بالزيادة فيه.
وقال بعضهم: الصرف: الدية، والعدل: رجل مثله؛ كأنه يريد: لا يقبل منه أن يفتدي برجل مثله وعدله، ولا يصرف عن نفسه بديته، ومنه قيل: صارفي، وصرف الدرهم بالدنانير؛ لأنك تصرف هذا إلى هذا، وأصله ما ذكرنا.
قال القتبي وأبو عبيدة: ﴿ قَوْماً بُوراً ﴾ ، أي: هلكى، وهو من بار يبور؛ إذا هلك وبطل؛ يقال: بار الطعام، إذا كسد، وبارت الأيم؛ إذا لم يرغب فيها، وفي الخبر: "كان رسول الله يتعوذ من بوار الأيم" قال أبو عبيدة: يقال: رجل بور وقوم بور لا يثنى ولا يجمع.
وقال أبو عوسجة: ﴿ قَوْماً بُوراً ﴾ : لا خير فيهم، ورجل بائر؛ وكذلك قال ابن زيد: بورا أي: ليس فيهم من الخير شيء.
وقال قتادة: بورا: فاسدين، بلغة أهل عمان، وقال: "ما نسي قوم ذكر الله قط إلا باروا وفسدوا" وقوله: ﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ : أما على قول بعض الخوارج: كل ظلم ارتكبه فهو في ذلك الوعيد على أصل مذهبهم.
وعلى قول المعتزلة: كل صاحب كبيرة في ذلك الوعيد.
وأما على قول المسلمين: فذلك الوعيد لمرتكبي الظلم: ظلم كفر وشرك، وأمّا ما دون ذلك فهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أن هذا إنما أخرج جواباً لقول أولئك: ﴿ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ﴾ ، فأخبر أن الرسل الذين كانوا من قبل محمد كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق على ما يأكل هو ويمشي.
ثم من الناس من كره الركوب في الأسواق بهذا، وقال: إنه أخبر عن الأنبياء والرسل جملة أنهم كانوا يمشون في الأسواق، لم يذكر منهم الركوب؛ فدل ذلك منهم أنه مكروه منهي عنه؛ فيشبه أن يكون ما قال هؤلاء، وأنه يكون مكروهاً؛ لأنه يخرج الركوب في الأسواق مخرج التعزز والمباهاة؛ فالواجب على كل مسلم أن يكون تعززه بالإسلام وبدينه الذي اختاره الله ، وخاصة على العلماء يجب أن يكون تعززهم ومباهاتهم بالعلم الذي أعطاه الله لهم وأكرمهم؛ فإنه لا يُعْقِبُهُ ذلاًّ: ولا يورثه صغارا ولا قهرا، وأمّا كل عز كان سوى ما ذكرنا فهو إلى ذل ما يصير سريعاً، كأنه ليس بعز في الحقيقة، ولو تأصَّل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ : الفتنة كأنها هي المحنة التي فيها شدة وبلاء.
ثم قال أهل التأويل: إنه لما أسلم عبد الله وأبو ذر وعمار وبلال وصهيب وأمثال هؤلاء، قال الفراعنة من قريش نحو أبي جهل والوليد وأمثالهما: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا، اتبعوه من موالينا وأعرابنا رذالة كل قوم، فازدروهم وآذوهم واستهزءوا بهم؛ فأنزل الله هذه الآية لهؤلاء الفقراء الذين اتبعوا رسول الله؛ ليصبرهم على أذاهم فقال: ﴿ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ أي: اصبروا على الأمر؛ هذا محتمل.
وقال الحسن: قوله : ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ جعل أهل البلوى فتنة لغيرهم وغير أهل البلوى؛ يقول الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان، ويقول الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيّاً مثل فلان؛ وكذلك يقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان، لكنه أعطى لأهل البلوى البلوى وأمرهم بالصبر عليها، وأعطى لأهل النعمة النعمة وأمرهم بالشكر عليها.
وجائز أن يكون غير هذا، وهو قريب من هذا، وذلك أنه أعطى بعضا النعمة والسعة، وجعل بعضهم أهل ضيق وشدة؛ ثم جعل كل فريق محتاجاً إلى الفريق الآخر؛ جعل الغني والمثري محتاجاً إلى الفقير في بعض أموره، والفقير محتاجاً إلى الغني لغناه؛ وجعل لبعض على بعض مؤنة ما لولا فقر الفقير لا يعرف الغني قدر غناه، ولا الفقير قدر فقره، ولا قام بعض بكفاية مؤنة بعض، ثم أمر كلا بالصبر على تحمل مؤنة الآخر بقوله: ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ أي: اصبروا على الأمر يخرج، وإن كان ظاهره استفهاماً وسؤالا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ أي: على بصر وعلم؛ جعل بعضا فتنة لبعض ليس على سهو وغفلة.
<div class="verse-tafsir"
وما بعثنا قبلك -أيها الرسول- من المرسلين إلا بشرًا كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، فلست بِدْعًا من الرسل في ذلك، وجعلنا بعضكم -أيها الناس- لبعض اختبارًا في الغنى والفقر والصحة والمرض بسبب هذا الاختلاف، أتصبرون على ما ابتليتم به فيثيبكم الله على صبركم؟!
وكان ربك بصيرًا بمن يصبر ومن لا يصبر، وبمن يطيعه ومن يعصيه.
من فوائد الآيات الجمع بين الترهيب من عذاب الله والترغيب في ثوابه.
متع الدنيا مُنْسِية لذكر الله.
بشرية الرسل نعمة من الله للناس لسهولة التعامل معهم.
تفاوت الناس في النعم والنقم اختبار إلهي لعباده.
<div class="verse-tafsir" id="91.6md7O"