الآية ١٠٠ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٠٠ من سورة آل عمران

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ ١٠٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٠ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من الذين أوتوا الكتاب ، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله ، وما منحهم به من إرسال رسوله كما قال تعالى : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ) [ البقرة : 109 ] وهكذا قال هاهنا : ( إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) ثم قال

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى بذلك.

فقال بعضهم: عنى بقوله: " يا أيها الذين آمنوا "، الأوس والخزرج، وبـ " الذين أوتوا الكتاب "، شأس بن قيس اليهودي، على ما قد ذكرنا قبلُ من خبره عن زيد بن أسلم.

(87) * * * وقال آخرون، فيمن عُني بالذين آمنوا، مثل قول زيد بن أسلم = غير أنهم قالوا: الذي جرى الكلام بينه وبين غيره من الأنصار حتى همّوا بالقتال ووجد اليهوديّ به مغمزًا فيهم: ثعلبة بن عَنَمة الأنصاري.

(88) *ذكر من قال ذلك: 7529- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين "، قال: نـزلت في ثعلبة بن عَنمة الأنصاري، (89) كان بينه وبين أناس من الأنصار كلام، فمشى بينهم يهوديٌّ من قَيْنُقاع، فحمَل بعضَهم على بعضٍ، (90) حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاحَ فيقاتلوا، فأنـزل الله عز وجل: " إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين "، يقول: إن حملتم السلاحَ فاقتتلتم، كفرتم.

7530- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج،عن مجاهد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب "، قال: كان جِماعُ قبائل الأنصار بطنين: الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حربٌ ودماء وشنَآنٌ، حتى مَنَّ الله عليهم بالإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم، وألفَّ بينهم بالإسلام.

قال: فبينا رجل من الأوس ورجلٌ من الخزرج قاعدان يتحدّثان، ومعهما يهوديّ جالسٌ، فلم يزل يذكِّرهما أيامهما والعداوةَ التي كانت بينهم، حتى استَبَّا ثم اقتتلا.

قال: فنادى هذا قومه وهذا قومه، فخرجوا بالسلاح، وصفَّ بعضهم لبعض.

قال: ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم شاهدٌ يومئذ بالمدينة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء ليسكنهم، حتى رجعوا ووضعوا السلاح، فأنـزل الله عز وجل القرآن في ذلك: " يا أيها الذين آمنوا إن تُطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب " إلى قوله: عَذَابٌ عَظِيمٌ .

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله، إن تطيعوا جماعة ممن ينتحل الكتابَ من أهل التوراة والإنجيل، فتقبلوا منهم ما يأمرونكم به، يُضِلُّوكم فيردّوكم بعد تصديقكم رسولَ ربكم، وبعد إقراركم بما جاء به من عند ربكم، كافرين = يقول: جاحدين لما قد آمنتم به وصدَّقتموه من الحقّ الذي جاءكم من عند ربكم.

فنهاهم جَلّ ثناؤه: أن ينتصحوهم، ويقبلوا منهم رأيًا أو مشورةً، ويعلِّمهم تعالى ذكره أنهم لهم منطوُون على غِلٍّ وغِش وحسد وبغض، كما: 7531- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين "، قد تقدّم الله إليكم فيهم كما تسمعون، وحذَّركم وأنبأكم بضلالتهم، فلا تأتمنوهم على دينكم، ولا تنتصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداءُ الحسَدَة الضُّلال.

كيف تأتمنون قومًا كفروا بكتابهم، وقتلوا رُسلهم، وتحيَّروا في دينهم، وعجزوا عَنْ أنفسهم؟

أولئك والله هم أهل التُّهَمة والعداوة!

7532- حدثنا المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

* * * --------------- الهوامش : (87) هو الأثر السالف رقم: 7524.

(88) في المطبوعة: "بن غنمة" ، والصواب بالعين المهملة ، وهي في المخطوطة تحتها حرف"ع" ، وهو الصواب.

(89) انظر ص 58 تعليق 2.

(90) حمل بني فلان على بني فلان: إذا أرش بينهم وأوقع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافريننزلت في يهودي أراد تجديد الفتنة بين الأوس والخزرج بعد انقطاعها بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فجلس بينهم وأنشدهم شعرا قاله أحد الحيين في حربهم .

فقال الحي الآخر : قد قال شاعرنا في يوم كذا وكذا ، فكأنهم دخلهم من ذلك شيء ، فقالوا : تعالوا نرد الحرب جذعاء كما كانت .

فنادى هؤلاء : يا آل أوس .

ونادى هؤلاء .

يا آل خزرج ; فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال فنزلت هذه الآية ; فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى وقف بين الصفين فقرأها ورفع صوته ، فلما سمعوا صوته أنصتوا له وجعلوا يستمعون ، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا وجعلوا يبكون ; عن عكرمة وابن زيد وابن عباس .

والذي فعل ذلك شاس بن قيس اليهودي ، دس على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان بينهم من الحروب ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاهم وذكرهم ، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ; فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - سامعين مطيعين ; فأنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا يعني الأوس والخزرج .

إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يعني شاسا وأصحابه يردوكم بعد إيمانكم كافرين قال جابر بن عبد الله : ما كان طالع أكره إلينا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأومأ إلينا بيده فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا ; فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيت يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 98 الى 101 :ـ يوبخ تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى على كفرهم بآيات الله التي أنزلها الله على رسله، التي جعلها رحمة لعباده يهتدون بها إليه، ويستدلون بها على جميع المطالب المهمة والعلوم النافعة، فهؤلاء الكفرة جمعوا بين الكفر بها وصد من آمن بالله عنها وتحريفها وتعويجها عما جعلت له، وهم شاهدون بذلك عالمون بأن ما فعلوه أعظم الكفر الموجب لأعظم العقوبة { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } فلهذا توعدهم هنا بقوله: { وما الله بغافل عما تعملون } بل محيط بأعمالكم ونياتكم ومكركم السيء، فمجازيكم عليه أشر الجزاء لما توعدهم ووبخهم عطف برحمته وجوده وإحسانه وحذر عباده المؤمنين منهم لئلا يمكروا بهم من حيث لا يشعرون، فقال: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } وذلك لحسدهم وبغيهم عليكم، وشدة حرصهم على ردكم عن دينكم، كما قال تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } ثم ذكر تعالى السبب الأعظم والموجب الأكبر لثبات المؤمنين على إيمانهم، وعدم تزلزلهم عن إيقانهم، وأن ذلك من أبعد الأشياء، فقال: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } أي: الرسول بين أظهركم يتلو عليكم آيات ربكم كل وقت، وهي الآيات البينات التي توجب القطع بموجبها والجزم بمقتضاها وعدم الشك فيما دلت عليه بوجه من الوجوه، خصوصا والمبين لها أفضل الخلق وأعلمهم وأفصحهم وأنصحهم وأرأفهم بالمؤمنين، الحريص على هداية الخلق وإرشادهم بكل طريق يقدر عليه، فصلوات الله وسلامه عليه، فلقد نصح وبلغ البلاغ المبين، فلم يبق في نفوس القائلين مقالا ولم يترك لجائل في طلب الخير مجالا، ثم أخبر أن من اعتصم به فتوكل عليه وامتنع بقوته ورحمته عن كل شر، واستعان به على كل خير { فقد هدي إلى صراط مستقيم } موصل له إلى غاية المرغوب، لأنه جمع بين اتباع الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله وبين الاعتصام بالله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ) قال زيد بن أسلم : إن شاس بن قيس اليهودي - وكان شيخا عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين - مر على نفر من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون ، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة ، قال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار ، فأمر شابا من اليهود كان معه فقال : اعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ، وكان بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس مع الخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ، ففعل وتكلم فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب ، أوس بن قبطي أحد بني حارثة من الأوس ، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج ، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم والله رددتها الآن جذعة ، وغضب الفريقان جميعا وقالا : قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة ، وهي حرة فخرجوا إليها ، وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم .

فقال صلى الله عليه وسلم : يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ، الله الله !!

فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية .

( يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) قال جابر : فما رأيت قط يوما أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم ، ثم قال الله تعالى على وجه التعجب :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما مر بعض اليهود على الأوس والخزرج وغاظهم تألفهم فذكروهم بما كان بينهم في الجاهلية من الفتن فتشاجروا وكادوا يقتتلون: «يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن تطيعوا جماعة من اليهود والنصارى ممن آتاهم الله التوراة والإنجيل، يضلوكم، ويلقوا إليكم الشُّبَه في دينكم؛ لترجعوا جاحدين للحق بعد أن كنتم مؤمنين به، فلا تأمنوهم على دينكم، ولا تقبلوا لهم رأيًا أو مشورة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - فى هاتين الآيتين أن اليهود قد جمعوا الخستين ضلال أنفسهم ، ثم محاولتهم تضليل غيرهم ، تركهم مؤقتا فى طغيانهم يعمهون ، ووجه نداء إلى المؤمنين يحذرهم فيه من دسائس اليهود وكيدهم ، وينهاهم عن الركون إليهم ، والاستماع إلى مكرهم فقال - تعالى - : { ياأيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } .والمعنى : إنكم أيها المؤمنون إن استمعتم إلى ما يلقيه بعض أهل الكتاب بينكم من دسائس ولنتم لهم ، لا يكتفون بإيقاع العداوة بينكم كما فى الجاهلية ، بل يتجاوزون ذلك إلى محاولتهم إعادتكم إلى وثنيتكم القديمة وكفركم بالله بعد إيمانكم .وقد خاطب الله المؤمنين بذاته فى هذه الآية بعد أن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخاطب أهل الكتاب فى الآيتين السابقتين ، إظهارا لجلالة قدرهم ، وأشعارا بأنهم الأحقاء بالمخاطبة من الله - تعالى - .وناداهم بصفة الإيمان لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان من فطنة ويقظة فالمؤمن ليس خبا ولكن لاخب لا يخدعه .وفى التعبير " بأن " فى قوله : { إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً } إشارة إلى أن طاعتهم لليهود ليست متوقعة ، لأن إيمانهم يمنعهم من ذلك .ووصف - سبحانه - الذين يحاولون الوقيعة بين المؤمنين بأنهم فريق من الذين أوتوا الكتاب ، إنصافا لمن لم يفعل ذلك منهم .ونعتهم بأنهم { أُوتُواْ الكتاب } للإشعار بأن تضليلهم ، متعمد وبأن تآمرهم على المؤمنين مقصود ، فهم أهل كتاب وعلم ، ولكنهم استعملوا عملهم فى الشرور والآثام .وقوله : { يَرُدُّوكُم } أصل الرد الصرف والإرجاع ، إلا أنه هنا مستعار لتغير الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير كقول الشاعر :فرد شعورهن السود بيضاً ...

ورد وجوههن البيض سوداًأى : يصيروكم بعد إيمانكم كافرين : والكاف مفعوله الأول وكافرين مفعوله الثاني .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى آية آخرى : { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق } ثم بين القرآن بعد ذلك أنه ما يسوغ للمؤمنين أن يطيعوا هذا الفريق من الذين أوتوا الكتاب ، أو أ ، يكفروا بعد إيمانهم ، أو أن يتفرقوا بعد وحدتهم فقال - تعالى - :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما حذر الفريق من أهل الكتاب في الآية الأولى عن الإغواء والإضلال حذر المؤمنين في هذه الآية عن إغوائهم وإضلالهم ومنعهم عن الالتفات إلى قولهم، روي أن شاس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد، فاتفق أنه مرّ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج فرآهم في مجلس لهم يتحدثون، وكان قد زال ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإسلام، فشق ذلك على اليهودي فجلس إليهم وذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار فتنازع القوم وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح، فوصل الخبر إلى النبي عليه السلام، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار، وقال: أترجعون إلى أحوال الجاهلية وأنا بين أظهركم، وقد أكرمكم الله بالإسلام وألف بين قلوبكم فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان، ومن كيد ذلك اليهودي، فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان يوم أقبح أولاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ يحتمل أن يكون المراد هذه الواقعة، ويحتمل أن يكون المراد جميع ما يحاولونه من أنواع الإضلال، فبيّن تعالى أن المؤمنين إن لانوا وقبلوا منهم قولهم أدى ذلك حالاً بعد حال إلى أن يعودوا كفاراً، والكفر يوجب الهلاك في الدنيا والدين، أما في الدنيا فبوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة وثوران المحاربة المؤدية إلى سفك الدماء، وأما في الدين فظاهر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ ءايات الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ وكلمة ﴿ كَيْفَ ﴾ تعجب، والتعجب إنما يليق بمن لا يعلم السبب، وذلك على الله محال، والمراد منه المنع والتغليظ وذلك لأن تلاوة آيات الله عليهم حالاً بعد حال مع كون الرسول فيهم الذي يزيل كل شبهة ويقرر كل حجة، كالمانع من وقوعهم في الكفر، فكان صدور الكفر على الذين كانوا بحضرة الرسول أبعد من هذا الوجه، فقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين ﴾ تنبيه على أن المقصد الأقصى لهؤلاء اليهود والمنافقين أن يردوا المسلمين عن الإسلام ثم أرشد المسلمين إلى أنه يجب أن لا يلتفتوا إلى قولهم، بل الواجب أن يرجعوا عند كل شبهة يسمعونها من هؤلاء اليهود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يكشف عنها ويزيل وجه الشبهة فيها.

ثم قال: ﴿ وَمَن يَعْتَصِم بالله فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ ﴾ والمقصود: إنه لما ذكر الوعيد أردفه بهذا الوعد، والمعنى: ومن يتمسك بدين الله، ويجوز أن يكون حثاً لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار والاعتصام في اللغة الاستمساك بالشيء وأصله من العصمة، والعصمة المنع في كلام العرب، والعاصم المانع، واعتصم فلان بالشيء إذا تمسك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في آفة، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم  ﴾ قال قتادة: ذكر في الآية أمرين يمنعان عن الوقوع في الكفر أحدهما: تلاوة كتاب الله والثاني: كون الرسول فيهم، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد مضى إلى رحمة الله، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر.

وأما قوله: ﴿ فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ ﴾ فقد احتج به أصحابنا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، قالوا: لأنه جعل اعتصامهم هداية من الله، فلما جعل ذلك الاعتصام فعلاً لهم وهداية من الله ثبت ما قلناه، أما المعتزلة فقد ذكروا فيه وجوهاً الأول: أن المراد بهذه الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات كما قال تعالى: ﴿ يَهْدِى بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام  ﴾ وهذا اختاره القفال رحمه الله والثاني: أن التقدير من يعتصم بالله فنعم ما فعل فإنه إنما هدي إلى الصراط المستقيم ليفعل ذلك الثالث: أن من يعتصم بالله فقد هدي إلى طريق الجنة والرابع: قال صاحب الكشاف ﴿ فَقَدْ هُدِىَ ﴾ أي فقد حصل له الهدى لا محالة، كما تقول: إذا جئت فلانا فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه حاصلاً وذلك لأن المعتصم بالله متوقع للهدى كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قيل: (مرَّ) (شاس) بن قيس اليهودي وكان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شاباً من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار، وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس.

ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال: أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم.

فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان يوم أقبح أوّلاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ ﴾ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ كانُوا جُلُوسًا يَتَحَدَّثُونَ، فَمَرَّ بِهِمْ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ فَغاظَهُ تَألُّفُهم واجْتِماعُهم فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ أنْ يَجْلِسَ إلَيْهِمْ ويُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثَ ويَنْشُدَهم بَعْضَ ما قِيلَ فِيهِ، وكانَ الظُّفْرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِلْأوْسِ، فَفَعَلَ فَتَنازَعَ القَوْمُ وتَفاخَرُوا وتَغاضَبُوا وقالُوا السِّلاحَ السِّلاحَ، واجْتَمَعَ مَعَ القَبِيلَتَيْنِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، فَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  وأصْحابُهُ: وقالَ «أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ أنْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» فَعَلِمُوا أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وكَيْدٌ مِن عَدُوِّهِمْ، فَألْقَوُا السِّلاحَ واسْتَغْفَرُوا وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا وانْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  .

وإنَّما خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ ما أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يُخاطِبَ أهْلَ الكِتابِ إظْهارًا لِجَلالَةِ قَدْرِهِمْ، وإشْعارًا بِأنَّهم هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُخاطِبَهُمُ اللَّهُ ويُكَلِّمَهم.

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ لِكُفْرِهِمْ في حالٍ اجْتَمَعَ لَهُمُ الأسْبابُ الدّاعِيَةُ إلى الإيمانِ الصّارِفَةِ عَنِ الكُفْرِ.

﴿ وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾ ومَن يَتَمَسَّكُ بِدِينِهِ أوْ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ في مَجامِعِ أُمُورِهِ.

﴿ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فَقَدِ اهْتَدى لا مَحالَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم نهى المؤمنين عن اتباع هؤلاء الصادين عن سبيله بقوله {يا أيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين} قيل مرّ شاس بن قيس اليهودي على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فغاظه تحدثهم وتألفهم فأمر شاباً من اليهود أن يذكرهم يوم بعاث لعلهم يغضبون وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس ففعل فتنازع القوم عند ذلك وقالوا السلاح السلاح فبلغ النبي عليه السلام فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال أتدعون

الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وألف بينكم فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً باكين فنزلت الآية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ ﴾ ( 100 ) خِطابٌ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ، ويَدْخُلُ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ في عُمُومِ اللَّفْظِ، وخاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ بَعْدَ ما أمَرَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخِطابِ أهْلِ الكِتابِ إظْهارًا لِجَلالَةِ قَدْرِهِمْ وإشْعارًا بِأنَّهم هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُخاطِبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ويُكَلِّمَهم فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ المُخاطَبُ الرَّسُولُ بِتَقْدِيرِ قُلْ لَهم.

والمُرادُ مِنَ الفَرِيقِ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أوْ هو شَمّاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وفي الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ؛ ولِهَذا عَلى ما قِيلَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ الفِعْلِ، وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى مَعْنى إنْ تُطِيعُوهم في قَبُولِ قَوْلِهِمْ بِإحْياءِ الضَّغائِنِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَكم في الجاهِلِيَّةِ، و( كافِرِينَ ) إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَرُدُّوكم عَلى تَضْمِينِ الرَّدِّ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَما في قَوْلِهِ: رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، قالُوا: والأوَّلُ أدْخَلُ في تَنْزِيهِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى الكُفْرِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِ الكُفْرِ المَفْرُوضِ بِطَرِيقِ القَسْرِ، وبَعْدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَرُدُّوكم، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِكافِرِينَ، وإيرادُهُ مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِإغْناءِ ما في الخِطابِ عَنْهُ، واسْتِحالَةِ الرَّدِّ إلى الكُفْرِ بِدُونِ سَبْقِ الإيمانِ وتَوْسِيطِهِ بَيْنَ المَنصُوبَيْنِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ الكُفْرِ، وغايَةُ بُعْدِهِ مِنَ الوُقُوعِ إمّا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ أوْ لِمُمانَعَةِ الإيمانِ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إيمانِكُمُ الرّاسِخِ، وفي ذَلِكَ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى، وقَدَّمَ تَوْبِيخَ الكُفّارِ عَلى هَذا الخِطابِ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا كالعِلَّةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً يقول طائفة مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وهم رؤساء اليهود يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ بمحمد  وبالقرآن، لأنهم كانوا يدعون إلى الكفر، واتباع مذهبهم، وكان يتبعهم بعض المنافقين، فنهى الله تعالى المؤمنين عن متابعتهم.

ثم قال تعالى على وجه التعجب: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ يقول: كيف تجحدون بوحدانية الله تعالى وبمحمد  والقرآن؟

وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ يقول: يُقْرَأُ عَليكم القرآن، وفيه دلائله وعجائبه، وَفِيكُمْ رَسُولُهُ يعني معكم محمد  .

قال الزَّجاج: يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد  خاصة، لأن رسول الله  كان فيهم، وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة، لأن آثاره وعلاماته، والقرآن الذي أتى به فينا فكأن رسول الله  فينا، وإن لم نشاهده.

ثم قال عز وجل: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ يقول: يتمسك بدين الله فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول وفق وأرشد من الضلالة إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني الطريق الذي يسلك به إلى الجنة، وهو دين الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يَخَافُ عُقُوبَتَهُ، ومَنْ حَجَّهُ لاَ يَرْجُو ثَوَابَهُ، فَهُوَ ذَلِكَ» «١» ، وقال بمعنى هذا الحديثِ ابْنُ عبَّاس وغيره، وقال السُّدِّيُّ وجماعة مِنْ أهْل العلْم.

معْنَى الآيةِ: مَنْ كَفَر بأنْ وَجَد ما يَحُجُّ به، ثم لَمْ يَحُجَّ، قال السُّدِّيُّ: مَنْ كان بهذه الحالِ، فهو كافرٌ «٢» ، يعني: كُفْرَ مَعْصية، ولا شكَّ أنَّ مَنْ أنعم اللَّه علَيْه بمالٍ وصحَّة، ولم يَحُجَّ، فقد كَفَر النِّعْمَةَ، وقال ابنُ عُمَر وجماعةٌ: معنى الآيةِ: ومن كَفَر باللَّه واليومِ الآخِرِ، قال الفَخْر «٣» : والأكثرون هم الذين حَمَلُوا الوعيدَ على مَنْ ترك اعتقادَ وُجُوبَ الحجِّ، وقال الضَّحَّاك: لما نَزلَتْ آية الحَجِّ، فأعْلَمِ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بذَلِكَ أَهْلَ المِلَلِ، وقَالَ: «إنَّ اللَّه تعالى كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجُّ، فحُجُّوا» ، فَآمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ وَكَفَرَ غَيْرُهُم «٤» فَنَزَلَتِ الآيةُ، قَالَ الفَخْرُ «٥» : وهذا هو الأقوى، واللَّه أعلم.

اهـ.

ومعنى قوله تعالى: غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ: الوعيدُ لِمَنْ كفر، والقَصْدُ بالكلامِ: فَإنَّ اللَّه غنيٌّ عنهم، ولكن عمَّم اللفظ ليَبْرَعَ المعنى، وتنتبه الفِكَرُ لقدرته سبحانه، وعظيم سلطانه، واستغنائه عن جميعِ خَلْقِهِ لا ربّ سواه.

وقوله عزّ وجلّ: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ.

هذه الآياتُ: توبيخٌ لليهود المعاصرين للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والكتابُ: التوراةُ، وآياتُ اللَّه يحتملُ أنْ يريدَ بها القُرآن، ويحتملُ العلاماتِ الظاهرةَ على يَدَيِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله

سبحانه: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ وعيدٌ محض، قال الطبريّ «١» : هاتان الآيتان:

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وما بعدهما إلى قوله: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥] ، نزلَتْ بسبب رَجْلٍ من اليهودِ، حاول الإغراء بَيْن الأوس والخَزْرَج، قال ابنُ إسْحَاق: حدَّثني الثِّقَةُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم، قال: مَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وكان شَيْخاً قَدْ عَسَا فِي الجَاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْر، شَدِيدَ الضِّغْن على المُسْلمين/، والحَسَدِ لهم على نَفَرٍ من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وَهُمْ في مَجْلِسٍ يتحدَّثُونَ، فغَاظَهُ مَا رآه مِنْ جماعَتِهِمْ وصَلاَحِ بَيْنِهِمْ بَعْدَ مَا كَانَ بينَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ، فَقَالَ:

قَدِ اجتمع مَلأ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلاَدِ، واللَّهِ، مَا لَنَا مَعَهُمْ، إذَا اجتمع مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَر فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: اعمد إلَيْهِمْ، واجلس مَعَهُمْ، وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثَ، وَمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَيَّامِ حَرْبِهِمْ، وَأَنْشِدْهُمْ مَا قَالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَفَاخَرُوا، وَتَنَازَعُوا حتى تَوَاثَبَ رَجُلاَنِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ مِنَ الأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْر مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلاَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ، رَدَدْنَاهَا الآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقَانِ، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا، السِّلاَحَ السِّلاَح!

مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ، يُرِيدُونَ: الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إليها وتحاوز النَّاسُ على دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الجاهليّة، وبلغ ذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ المُهَاجرِينَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللَّه اللَّه، أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ «٢» ، وَوَعَظَهُمْ، فَعَرَفَ القَوْمُ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَلْقُوا السِّلاَحَ، وَبَكَوْا، وَعَانَقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وانصرفوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بْنِ قيسٍ، وما صَنَعَ هذه الآيات.

وقال الحَسَنُ وغيره: نزلَتْ في أحْبَار اليَهُود الَّذِينَ يَصُدُّون المُسْلِمِينَ عَنِ الإسلام، ويَقُولُون: إن محمَّداً ليس بالموصُوفِ في كتابنا «٣» .

قال ع «٤» : ولا شَكَّ في وقوعِ هَذيْن الشيئَيْن، وما شاكَلَهما مِنْ أفعال اليهودِ وأقوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جميعِ ذلك، ومعنى «تَبْغُونَ» أي: تطلبون لها الاعوجاجَ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ كانَ بَيْنَهُما حَرْبٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ النَّبِيُّ  أطْفَأ تِلْكَ الحَرْبَ بِالإسْلامِ، فَبَيْنَما رَجُلانِ أوْسِيٌّ وخَزْرَجِيٌّ يَتَحَدَّثانِ ومَعَهُما يَهُودِيٌّ، جَعَلَ اليَهُودِيُّ يُذَكِّرُهُما أيّامَهُما، والعَداوَةَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُما حَتّى اقْتَتَلا، فَنادى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِقَوْمِهِ، فَخَرَجُوا بِالسِّلاحِ، فَجاءَ النَّبِيُّ  ، فَأصْلَحَ بَيْنَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والجَماعَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والخِطابُ بِهَذِهِ الآَيَةِ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ.

قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: وعَنى بِذَلِكَ الفَرِيقِ: شاسَ بْنَ قَيْسٍ اليَهُودِيِّ وأصْحابَهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى طاعَتِهِمْ: تَقْلِيدُهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ ﴾ ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ الخِطابُ في قَوْلِهِ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا" عامٌّ في المُؤْمِنِينَ، والإشارَةُ في ذَلِكَ وقْتَ نُزُولِهِ إلى الأوسِ والخَزْرَجِ بِسَبَبِ نائِرَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ.

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ، والمُرادُ بِها هُنا الأحْبارُ والرُؤُوسُ، و"يَرُدُّوكُمْ" مَعْناهُ: بِالإضْلالِ والتَشْكِيكِ والمُخادَعَةِ وإظْهارِ الغِشِّ في مَعْرِضِ النُصْحِ.

ثُمَّ وقَفَ المُؤْمِنِينَ عَلى هَذا الأمْرِ المُسْتَبْعَدِ المُسْتَشْنَعِ الَّذِي يُرِيدُهُ بِهِمُ اليَهُودُ، فَقالَ: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ ﴾ بِهَذِهِ الأحْوالِ المَوْصُوفَةِ؟

و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ  ﴾ والمَعْنى أجاحِدِينَ تَكْفُرُونَ؟

أجاهِلِينَ أمُسْتَخِفِّينَ أمُرْتَدِّينَ؟

ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ.

والواوُ في قَوْلِهِ: "وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ" عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "كَيْفَ" في هَذِهِ الآيَةِ كَما هي في قَوْلِكَ: "كَيْفَ تَفْعَلُ كَذا"؟

وأنْتَ تَسْألُ عن شَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ مُتَحَصِّلِهِ، لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ المُؤْمِنِينَ مُقَرَّرًا مُثْبَتَ الوُقُوعِ.

وتَأمَّلْ مَعْنى "كَيْفَ" إذا ولِيَها فِعْلٌ، ومَعْناها إذا ولِيَها اسْمٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُتْلى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُتْلى" بِالياءِ إذِ الآياتُ هي القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِيكُمْ" هي ظَرْفِيَّةُ الحُضُورِ والمُشاهَدَةِ لِشَخْصِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو في أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِأقْوالِهِ وآثارِهِ، و"يَعْتَصِمْ" مَعْناهُ: يَتَمَسَّكُ ويَسْتَذْرِي، وعُصِمَ الشَيْءُ إذا مُنِعَ وحُمِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ  ﴾ والعُصُمُ: الأسْبابُ الَّتِي يُمَتُّ بِها، ويُعْتَصَمُ مِنَ الخَيْبَةِ في الغَرَضِ المَطْلُوبِ، وقالَ الأعْشى: إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُرى وآخُذُ مِن كُلِّ حَيٍّ عُصُمْ وَتَصَرُّفُ اللَفْظَةِ كَثِيرٌ جِدًّا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، واللهُ المُسْتَعانُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إقبال على خطاب المؤمنين لتحذيرهم من كيد أهل الكتاب وسوء دعائهم المؤمنين، وقد تفضّل الله على المؤمنين بأن خاطبهم بغير واسطة خلاف خطابه أهل الكتاب إذ قال: ﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ [آل عمران: 98] ولم يقل: قل يأيُّها الّذين آمنوا.

والفريق: الجماعة من النَّاس، وأشار به هنا إلى فريق من اليهود وهم شَاس بن قَيس وأصحابه، أو أراد شاساً وحده، وجعله فريقاً كما جعل أبا سفيان ناساً قي قوله: «إنّ النّاس قد جمعوا لكم» وسياق الآية مؤذن بأنَّها جرت على حادثة حدثتْ وأنّ لنزولها سبباً.

وسبب نزول هذه الآية: أنّ الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية قد تخاذلوا وتحاربوا حتَّى تفانوا، وكانت بينهم حروب وآخرها يوم بُعاث الّتي انتهت قبل الهجرة بثلاث سنين، فلمَّا اجتمعوا على الإسلام زالت تلك الأحقاد من بينهم وأصبحوا عُدّة للإسلام، فساء ذلك يهودَ يثرب فقام شاس بن قيس اليهودي، وهو شيخ قديم منهم، فجلس إلى الأوس والخزرج، أو أرسل إليهم من جلس إليهم يذكِّرهم حروب بُعاث، فكادوا أن يقتتلوا، ونادى كُلّ فريق: يا للأوس ويا للخزرج وأخذوا السلاح، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بينهم وقال: أتَدْعُون الجاهليةَ وأنا بين أظهركم؟

وفي رواية: أبدعوى الجاهلية؟

أي أتدعون بدعوى الجاهلية وقرأ هذه الآية، فما فرغ منها حتَّى ألقوا السِّلاح، وعانق بعضهم بعضاً، قال جابر بن عبد الله: ما كان طالع أكره إلينا من طلوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا أصلح الله بيننا ما كان شخص أحبّ إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت يوماً أقبحَ ولا أوْحَش أوّلا وأحسنَ آخراً من ذلك اليوم.

وأصل الردّ الصّرف والإرجاع قال تعالى: ﴿ ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر ﴾ [الحج: 5] وهو هنا مستعار لتغيّر الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير كقول الشَّاعر، فيما أنشده أهل اللّغة: فَرَدّ شُعُورَهُنّ السُّود بِيضا *** وَرَدّ وُجُوهَهُنّ البِيض سُودا و ﴿ كافرين ﴾ مفعوله الثَّاني، وقوله ﴿ بعد إيمانكم ﴾ تأكيد لما أفاده قوله ﴿ يردّوكم ﴾ والقصد من التَّصريح به توضيح فوات نعمة عظيمة كانوا فيها لو يكفرون.

وقوله: ﴿ وكيف تكفرون ﴾ استفهام مستعمل في الاستبْعَاد استبعاداً لكفرهم ونفياً له، كقول جرير: كَيْفَ الهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكّ صَالِحَةٌ *** من آل لأممٍ بِظهْرِ الغَيْببِ تَأتينِي وجملة ﴿ وأنتم تتلى عليكم آيات الله ﴾ حالية، وهي محطّ الاستبعاد والنَّفي لأنّ كلاّ من تلاوة آيات الله وإقامة الرّسول عليه الصّلاة والسَّلام فيهم وازع لهم عن الكفر، وأيّ وازع، فالآيات هنا هي القرآن ومواعظه.

والظرفية في قوله: ﴿ وفيكم رسوله ﴾ حقيقيّة ومؤذنة بمنقبة عظيمة، ومنّة جليلة، وهي وجود هذا الرسول العظيم بينهم، تلك المزيّة الَّتي فاز بها أصحابه المخاطبون.

وبها يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدْري: «لاَ تسبُّوا أصحابي فوالّذي نفسي بيده لَوْ أنّ أحدكم أنفق مثلَ أُحُد ذَهَباً مَا بَلَغ مُدّ أحدِهم ولا نصِيفه» النصيف نِصْف مدّ.

وفي الآية دلالة على عِظْم قدْر الصّحابة وأنّ لهم وازعين عن مواقعة الضّلال: سماعُ القرآن، ومشاهدَة أنوار الرّسول عليه السَّلام فإنّ وجوده عصمة من ضلالهم.

قال قتادة: أمّا الرسول فقد مضى إلى رحمة الله، وأمَّا الكتاب فباققٍ على وجه الدّهر.

وقوله: ﴿ ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم ﴾ أي من يتمسّك بالدّين فلا يخش عليه الضّلال.

فالاعتصام هنا استعارة للتَّمسّك.

وفي هذا إشارة إلى التمسّك بكتاب الله ودينه لسائر المسلمين الَّذين لم يشهدوا حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي الأوْسَ والخَزْرَجَ.

﴿ إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ في إغْرائِهِمْ بَيْنَكم.

﴿ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: مر شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد.

والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً معه من يهود فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.

وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج.

ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة.

وغضب الفريقان جميعاً وقالوا: قد فعلنا.

السلاح السلاح...

موعدكم الظاهرة، والظاهرة الحرة.

فخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية.

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين الله الله...

أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟!» فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوّهم لهم.

فألقوا السلاح، وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس وما صنع ﴿ قل يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون ﴾ إلى قوله: ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ وأنزل في أوس بن قيظي، وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك لهم عذاب عظيم ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طريق أبي نعيم عن ابن عباس قال: كانت الأوس والخزرج في الجاهلية بينهم شر، فبينما هم يوماً جلوس، ذكروا ما بينهم حتى غضبوا وقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك فركب إليهم.

فنزلت ﴿ وكيف تكفرون ﴾ الآية.

والآيتان بعدها.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: كان بين هذين الحيين من الأوس والخزرج قتال في الجاهلية فلما جاء الإسلام اصطلحوا وألف الله بين قلوبهم فجلس يهودي في مجلس فيه نفر من الأوس والخزرج فأنشد شعراً قاله أحد الحيين في حربهم، فكأنهم دخلهم من ذلك فقال الآخرون: قد قال شاعرنا كذا وكذا...

فاجتمعوا وأخذوا السلاح، واصطفوا للقتال، فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام بين الصفين، فقرأهن ورفع صوته، فلما سمعوا صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن أنصتوا له وجعلوا يستمعون، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً، وجثوا يبكون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان جماع قبائل الأنصار بطنين: الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشنآن منّ الله عليهم بالإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم وألَّف بينهم بالإسلام.

فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكرهما بأيامهم والعداوة التي كانت بينهم حتى استبا ثم اقتتلا، فنادى هذا قومه وهذا قومه، فخرجوا بالسلاح وصفَّ بعضهم لبعض، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وهؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا.

فأنزل الله في ذلك القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: نزلت في ثعلبة بن عنمة الأنصاري وكان بينه وبين أناس من الأنصار كلام، فمشى بينهم يهودي من قينقاع، فحمل بعضهم على بعض حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاح فيقاتلوا.

فأنزل الله: ﴿ إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ يقول: إن حملتم السلاح فاقتتلتم كفرتم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لمَ تصدون عن سبيل الله ﴾ الآية.

قال: كانوا إذا سألهم أحد هل تجدون محمداً؟

قالوا: لا فصدوا الناس عنه وبغوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي جرير عن قتادة في الآية يقول: لم تصدون عن الإسلام وعن نبي الله من آمن بالله وأنتم شهداء فيما تقرأون من كتاب الله: أن محمداً رسول الله، وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة الإنجيل؟.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب لم تصدون ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.

نهاهم أن يصدوا المسلمين عن سبيل الله، ويريدون أن يعدلوا الناس إلى الضلالة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً ﴾ الآية.

قد تقدم الله إليكم فيهم كما تسمعون، وحذركموهم وأنبأكم بضلالتهم، فلا تأتمنوهم على دينكم، ولا تنصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداء الحسدة الضلال.

كيف تأتمنون قوماً كفروا بكتابهم، وقتلوا رسلهم، وتحيروا في دينهم، وعجزوا عن أنفسهم؟

أولئك والله أهل التهمة والعداوة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ﴾ قال: علمان بينان: نبي الله، وكتاب الله، فأما نبي الله فمضى عليه الصلاة والسلام.

وأما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله ونعمة.

فيه حلاله، وحرامه، ومعصيته.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن يعتصم بالله ﴾ قال: يؤمن بالله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: (الاعتصام بالله) الثقة به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله قضى على نفسه أن من آمن به هداه، ومن وثق به أنجاه.

قال الربيع: تصديق لك في كتاب الله ﴿ ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد من طريق الربيع عن أبي العالية قال: إن الله قضى على نفسه؛ أنه من آمن به هداه، ومن توكل عليه كفاه، ومن أقرضه جزاه، ومن وثق به أنجاه، ومن دعا استجاب له بعد أن يستجيب لله.

قال الربيع: وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ [ التغابن: 11] ، ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ﴾ [ الطلاق: 3] ، ﴿ ومن يقرض الله قرضاً حسناً يضاعفه له ﴾ ﴿ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ ، ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ﴾ [ البقرة: 186] .

وأخرج تمام في فوائده عن كعب بن مالك قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوحى الله إلى داود: يا داود ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السموات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف منه نيته إلا قطعت أسباب السماء من بين يديه، وأسخت الهواء من تحت قدميه» .

وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من طلب ما عند الله كانت السماء ظلاله، والأرض فراشه، لم يهتم بشيء من أمر الدنيا، فهو لا يزرع الزرع وهو يأكل الخبز، ولا يغرس الشجر ويأكل الثمار توكلاً على الله وطلب مرضاته، فضمن الله السموات والأرض رزقه، فهم يتعبون فيه، ويأتون به حلالاً، ويستوفي هو رزقه بغير حساب حتى أتاه اليقين» قال الحاكم: صحيح.

قال الذهبي: بل منكراً أو موضوع فيه عمرو بن بكر السكسكي متهم عند ابن حبان وابنه إبراهيم.

قال الدارقطني: متروك.

وأخرج الحاكم وصححه عن معقل بن يسار قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً.

يا ابن أدم لا تباعد مني فأملأ قلبك فقرأ، واملأ يديك شغلا» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن الزهري قال: أوحى الله إلى داود: ما من عبد يعتصم بي دون خلقي وتكيده السموات والأرض إلا جعلت له من ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأسخت الأرض من تحت قدميه.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، ومن تشاعبت به الهموم لم يبالِ الله في أي أودية الدنيا هلك» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا ﴾ الآية.

قال المفسرون: نزلت في الأوس والخزرج، حين أَغْرَى قومٌ من اليهود بينهم؛ ليفتنوهم (١) (٢) (١) في (ب): (ليغشوهم).

(٢) ورد ذلك في روايات عدة تتفق في مضمونها، وأكثرها تفصيلًا، ما أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 24 - 25، عن زيد بن أسلم، وخلاصتها: أن شاس بن قيس اليهودي -وكان عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين والحسد لهم، وقد كبر في الجاهلية وأسَنَّ -مرَّ يومًا على نفر من المسلمين- من الأوس والخزرج-، فغاظه ما رآهم عليه من الألفة وصلاح ذات البين، فأوعز إلى شاب من اليهود أن يجلس بينهم، ويُذَكِّرهم يوم بُعاث - وقد اقتتل فيه الأوس والخزرج في الجاهلية، وكان الظفر فيه للأوس، وما كان قبله من معارك بين الحيِّيْنِ، وينشدهم بعض ما قالوا فيه من أشعار، ففعل الشاب، فتنازع الحيَّان، ووثب كلٌّ مِن أوْس بن قيظى، من الأوس، وجبَّار بن صخر من الخزرج، فتقاولا، وغضب الفريقان، وأخذتهم حميَّةُ الجاهلية، ورَبَا الأمرُ بينهم وتداعوا إلى حمل السلاح وتواعدوا للقتال، وخرجوا إلى ظاهر المدينة، وانحاز الأوس إلى بعضهم، وكذلك الخزرج، فبلغ ذلك رسول الله  ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، ووعظهم، فعرف القوم أنها نَزْغةٌ من الشيطان، وكَيْدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح، وبكوا، وتعانقوا، وانصرفوا مع الرسول  سامعين مطيعين، فأنزل الله قوله: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وانظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 183 - 184، "أسباب النزول" للواحدي: 119 - 120، "تفسير الثعلبي" 3/ 83 - ب، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 102 - 103 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر، وأبي الشيخ.

وأورده السيوطي في لباب النقول: 55.

وقد روى الواحدي بسنده إلى عكرمة نحو هذه الحادثة مع الاختصار.

انظر: "أسباب النزول" له: (120)، وأوردها عنه -كذلك- السيوطي في "الدر" 2/ 103 ونسب إخراجها لابن المنذر.

كما ورد عن ابن عباس ومجاهد نحو ذلك.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 128، "تفسير الطبري" 4/ 24 - 25، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 719، "مجمع الزوائد" 6/ 326، "الدر المنثور" 2/ 103.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً ﴾ الآية: لفظها عام والخطاب للأوس والخزرج إذ كان اليهود يريدون فتنتهم ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ إنكار واستبعاد ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ قيل: نسخها؛ ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم ﴾ [التغابن: 16] وقيل: لا نسخ إذ لا تعارض، فإنّ العباد أمروا بالتقوى على الكمال فيما استطاعوا تحرزاً من الإكراه وشبهه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن تنزل ﴾ خفيفاً:ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد.

﴿ حج البيت ﴾ بكسر الحاء: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ تحبون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تنزل التوراة ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مقام إبراهيم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿ آمنا ﴾ ط ﴿ سبيلا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ط قد قيل: والوده الوصل لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ رسوله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ مستقيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة، علّم المؤمنين كيفية الإنفاق الذين ينتفعون به في الآخرة وهو الإنفاق من أحب الأشياء إليهم.

وههنا لطيفة وهي / أنه  وتعالى سمى جوامع خصال الخير براً في قوله  : ﴿ ولكن البر من آمن بالله  ﴾ الآية.وذكر في هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فالمعنى أنكم وإن أتيتم بكل الخيرات لم تفوزوا بإحراز خصلة البر ولم تبلغوا حقيقتها حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها.

وكان السلف رحمهم الله إذ أحبوا شيئاً جعلوه لله.

يروى أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: "يا رسول الله، حائط لي بالمدينة - يعني بيرحاء - وهو أحب أموالي إليّ صدقة.

فقال  بخ بخ.

ذاك مال رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله.

فقسمها  في أقاربه" .

وروي "أنه  جعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب" .

وروي أن "زيد بن حارثة جاء عند نزول الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فجعله رسول الله  لأسامة بن زيد.

فوجد زيد في نفسه وقال: إنما أردت أن تصدق به.

فقال  : أما إن الله قد قبلها منك" وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما رآها أعجبته فقال: إن الله  يقول: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فأعتقها ولم يصب منها.

ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي: ائتني بخير إبلي.

فجاء بناقة مهزولة فقال: خنتني.

فقال: وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتك إليه.

فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي.

وفي تفسير البر قولان: أحدهما ما به يصيرون أبراراً ليدخلوا في قوله: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ فيكون المراد بالبر ما يصدر منهم من الأعمال المقبولة المذكورة في قوله: ﴿ ولكن البر من آمن  ﴾ وجملتها التقوى لقوله: ﴿ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون  ﴾ والثاني الجنة أي لن تنالوا ثواب البر.

وقيل: المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم من قول الناس "برني فلان بكذا وبر فلان لا ينقطع عني".

وقال  : ﴿ أن تبروا وتتقوا  ﴾ و "من" في قوله: ﴿ مما تحبون ﴾ للتبعيض نحو: أخذت من المال.

ويؤيده قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ بعض ما تحبون ﴾ وفيه أن إنفاق كل المال غير مندوب بل غير جائز لمن يحتاج إليه.

والمراد بما تحبون قال بعضهم: هو نفس المال لقوله  : ﴿ وإنه لحب الخير لشديد  ﴾ وقيل: هو ما يكون محتاجاً إليه كقوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه  ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وقيل: هو أطيب المال وأرفعه كما مر.

وعن ابن عباس أراد به الزكاة أي حتى تخرجوا زكاة أموالكم.

ويريد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، وقال الحسن: هو كل ما أنفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله.

ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي انها منسوخة / بآية الزكاة.

وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله.

و "من" في ﴿ من شيء ﴾ للتبيين يعني من أي شيء كان، طيب أو خبيث ﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم بحسبه أو يعلم الوجه الذي لأجله تنفقون من الإخلاص أو الرياء.

ثم إنه  بعد تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد  ، وبعد توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب، أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه: أحدها أنهم كانوا يعوّلون في إنكار شرع محمد  على إنكار النسخ، فأورد عليهم أن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده وهو النسخ.

ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن آدم ولم يحدث نسخ، فأمر النبي  بأن يطالبهم بإحضار التوراة إلزاماً لهم وتفضيحاً ودلالة على صحة نبوة محمد  ، لأنه كان أمياً فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر من السماء.

وثانيها أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟

فأجيبوا بأن ذلك كان حلالاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب.

إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكروا ذلك فأمروا بالرجوع الى التوراة.

وثالثا لما نزل قوله  : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم  ﴾ وقوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه إنما حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم.

غاظهم ذلك واشمأزوا وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ.

ومن قبل أنه تسجيل عليهم بالبغي والظلم وغير ذلك من مساويهم.

فقالوا: لسنا بأول من حرمت هي عليه وما هو إلا تحريم قديم فنزلت ﴿ كل الطعام ﴾ أي المطعومات كلها لدلالة كل على العموم وإن كان لفظه مفرداً سواء قلنا الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يفيد العموم أولا.

والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل.

وعن بعض أصحاب أبي حنيفة: إنه اسم البر خاصة.

ويرد عليه أن المستثنى في الآية من الطعام كان شيئاً سوى الحنطة وما يتخذ منها.

قال القفال: لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، فيحتمل أن يكون المراد الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت نبينا  أنها كانت محرمة على إبراهيم  .

وعلى هذا يكون اللام في الطعام للعهد لا للاستغراق.

والحل مصدر كالعز والذل ولذا استوى فيه الواحد والجمع.

قال  : ﴿ لا هن حل لهم  ﴾ والوصف بالمصدر يفيد المبالغة، وأما الذي حرم إسرائيل على نفسه فروى ابن عباس عن النبي  أن يعقوب مرض / مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحمان الإبل وألبانها، وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل.

وقيل: كان به عرق النسا فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق.

وجاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر.

وههنا سؤال وهو أن التحريم والتحليل خطاب الله  ، فكيف صار تحريم يعقوب سبباً للحرمة؟

فأجاب المفسرون بأن الأطباء أشاروا إليه باجتنابه ففعل وذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء.

وأيضاً لا يبعد أن يكون تحريم الإنسان سبباً لتحريم الله كالطلاق والعتاق في تحريم المرأة والجارية.

وأيضاً الاجتهاد جائز على الأنبياء لعموم ﴿ فاعتبروا  ﴾ ولقوله في معرض المدح ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم  ﴾ ولأن الاجتهاد طاعة شاقة فيلزم أن يكون للأنبياء منها نصيب أوفر لا سيما ومعارفهم أكثر، وعقولهم أنور، وأذهانهم أصفة، وتوفيق الله وتسديده معهم أوفى.

ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد عن الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته.

والأظهر أن ذلك التحريم ما كان بالنص وإلا لقيل: إلا ما حرمه الله  على إسرائيل.

فلما نسب إلى إسرائيل دل على أنه باجتهاده كما يقال: الشافعي يحلل لحم الخيل، وأبو حنيفة يحرّمه.

وقال الأصم: لعلّ نفسه كانت تتوق إلى هذه الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس كما يفعله الزهاد، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم.

وزعم قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله  أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب.

ومعنى قوله: ﴿ من قبل أن تنزل التوراة ﴾ إن هذا الاستثناء إنما كان قبل نزول التوراة، أما بعده فلم يبق كذلك بل حرم الله عليهم أنواعاً كثيرة بدليل قوله  : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا  ﴾ إلى آخر الآية.

ثم إن القوم نازعوا رسول الله  في إخباره عن الله  فأمروا بالرجوع إلى كتابهم كما سبق تقريره، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فبهتوا فلزمت الحجة عليهم وظهر إعجاز النبي  وصدقه، فلهذا قال: ﴿ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ﴾ الذي ظهر من الحجة الباهرة ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ الواضعون الباطل في موضع الحق، والكذب في مقام الصدق والعناد في محل الإنصاف.

وأيضاً إن تكذيبهم وافتراءهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن يقتدي بهم من أشياعهم ﴿ قل صدق الله ﴾ في جواب الشبه الثلاث وفيه تعريض بكذبهم ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ وهي التي عليه محمد  ومن تبعه حتى تتخلصوا من اليهودية التي فيها فساد دينكم ودنياكم حيث ألجأتكم الى تحريف كتاب الله لأغراضكم الفاسدة / وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلت لإبراهيم ولمن يقتدي به ﴿ وما كان من المشركين ﴾ وفيه تنبيه على أن محمداً  على دين إبراهيم في الفروع لما ثبت أن الذي حكم  بحله حكم إبراهيم بحله.

وفي الأصول لأن محمداً وإبراهيم كليهما صلى الله عليهما وسلم لا يدعوان إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله  ، خلاف اليهود والنصارى، وخلاف عبدة الأوثان والكواكب.

قوله  : ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ قال مجاهد: هو جواب عن شبهة أخرى لليهود وذلك أنهم قالوا: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وأرض المحشر وقبلة الأنبياء.

فكان تحويل القبلة منه إلى الكعبة كالطعن في نبوة محمد  .

وقيل: إن الآية المتقدمة سيقت لجواز النسخ، وإن أعظم الأمور التي أظهر رسول الله  نسخها هو القبلة، فذكر عقيب ذلك ما لأجله حولت القبلة إلى الكعبة.

وقيل: لما انجر الكلام في الآية المتقدمة إلى قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان الحج من أعظم شعائر ملته، أردفها بفضيلة البيت ليفرع عليها إيجاب الحج.

وقيل: زعم كل من اليهود والنصارى أنه على ملة إبراهيم، فبين الله  ما يدل على كذبهم من حيث إن حج البيت كان من ملة إبراهيم وأهل الكتاب لا يحجون.

قالت العلماء: الأول هو الفرد السابق، فلو قال: أول عبد أشتريه فهو حر.

فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق واحد منهما لفقد قيد الفرد.

ولو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق أيضاً لفقدان قيد السابق.

ومعنى كونه موضوعاً للناس أنه جعل متعبدهم وموضع طاعتهم يتوجهون نحوه من جميع الأقطار، وليس كل أول يقتضي أن يكون له ثانٍ فضلاً أن يشاركه في جميع خواصه، فلا يلزم من كونه أول أن يكون بيت المقدس مثلاً ثانياً له ولا مشاركاً في وجوب الحج والاستقبال وغيرهما من الخواص.

ثم إن كونه أول بيت وضع للناس يحتمل أن يكون المراد أنه أول في البناء والوضع، ويحتمل أن يراد أنه أول في الوضع وإن كان متأخراً في البناء، فلا جرم حصل فيه للمفسرين قولان: الأول أنه أول في بنائه ووضعه جميعاً.

روى الواحدي رحمه الله في البسيط بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين.

وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى، وروى أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن آبائه قال: إن الله  بعث ملائكة فقال: ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور.

وأمر الله  من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.

وهذا كان قبل خلق آدم وقد ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر / ومجاهد والسدي أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض من تحته.

وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في كل صفح منها كتاب.

في الصفح الأول: "أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وباركت لأهلها في اللحم واللبن".

وفي الثاني: "أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي.

من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته".

وفي الثالث: "أنا الله ذو بكة خلقت الجن والإنس فطوبى لمن كان الخير على يديه ووبل لمن كان الشر على يديه".

وقد يستدل على صحة هذا القول بما روي أنه  قال يوم فتح مكة: "ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" .

وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجودها ولأنه  سماها أم القرى، وهذا يقتضي سبقها على سائر البقاع، ولأن تكليف الصلاة كان ثابتاً في أديان جميع الأنبياء.

وأيضاً قال  في سورة مريم ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ خروا سجداً  ﴾ والسجدة لا بد لها من قبلة فلو كانت قبلتهم غير الكعبة لم تكن هي أول بيت وضع للناس هذا محال خلف.

القول الثاني: روي أن النبي  سئل عن أول مسجد وضع للناس؟

فقال: " المسجد الحرام ثم بيت المقدس فسئل كم بينهما؟

قال: أربعون سنة" وعن علي أن رجلاً قال له: هو أول بيت؟

قال: لا.

قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً، فيه الهدى والرحمة والبركة.

واعلم أن الغرض الأصلي من ذكر هذه الأوّلية بيان الفضيلة وترجيحه على بيت المقدس.

ولا تأثير لأولية البناء في هذا المقصود، وإن كان الأرجح ثبوت تلك الأولية أيضاً كما روينا آنفاً، وفي سورة البقرة أيضاً من الأخبار والآثار.

فمن فضائل البيت أن الآمر ببنائه الرب الجليل، والمهندس جبرائيل، وبانية إبراهيم الخليل وتلميذة ابنه إسماعيل.

ومنها أنه محل إجابة الدعوات ومهبط الخيرات والبركات، ومصعد الصلوات والطاعات، ومنها مقام إبراهيم كما يجيء، ومنه قلة ما يجتمع من حصى الجمار فيه فإنه منذ ألف سنة يرمي في كل سنة خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير.

وليس الموضع الذي يرمي إليه الجمرات مسيل ماء أو مهب رياح شديدة، وقد جاء في الآثار أن كل من كانت حجته مقبولة رفعت جمراته إلى السماء.

ومنها أن الطيور تترك المرور فوق الكعبة وتنحرف عنها البتة إذا / وصلت إلى محاذاتها.

ومنها أن الحيوانات المتضادة في الطبائع لا يؤذي بعضها بعضاً عنده كالكلاب والظباء، ومنها أمن سكانها فلم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية، وقصة أصحاب الفيل سوف تجيء في موضعها إن شاء العزيز، ومنها أنه  وضعها بواد غير ذي زرع لفوائد منها: أنه قطع بذلك رجاء أهل حرمة وسدنة بيته عمن سواءه حتى لا يتوكلوا إلا على الله.

ومنها أنه مع كونه كذلك يجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة خليلة إبراهيم  وإنه من أعظم الآيات ومنها أن لا يسكنها أحد من الجبابرة لأنهم يميلون إلى طيبات الدنيا، فيبقى ذلك الموضع المنيف والمقام الشريف مطهراً عن لوث وجود أرباب الهمم الدنية.ومنها أن لا يقصدها الناس للتجارة بل يأتون لمحض العبادة والزيارة، ومنها أنه  أظهر بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا فكأنه  يقول: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين لأجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين.

ومنها كأنه قيل: كما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في قلب خال عن محبة الدنيا ﴿ للذي ببكة ﴾ للبيت الذي ببكة قال في الكشاف: وهي علم للبلد الحرام.

ومكة وبكة لغتان كراتب وراتم.

وضربة لازم ولازب مما يعتقب فيه الميم والباء لتقارب مخرجهما.

وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد.

وفي الصحاح بكة اسم لبطن مكة, وأما اشتقاق بكة فمن قولهم بكة إذا زحمه ودفعه، وعن سعيد بن جبير: سميت بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة.

قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي.

فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي ولا بأس بذلك في هذا المكان.

ويؤكد هذا القول من قال: إن بكة موضع المسجد لأن المطاف هناك وفيه الازدحام.

ولا شك أن بكة غير البيت لأن الآية تدل على أن البيت حاصل في بكة، والشيء لا يكون ظرفاً لنفسه، وقيل: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها، لم يقصدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه.

وأما مكة فاشتقاقها من قولك أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتص ما فيه واستقصى، فسميت بذلك لأنها تجذب الناس من كل جانب وقطر أو لقلة مائها كأن أرضها امتصت ماءها.

وقيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحتها، فكأن الأرض كلها تمك من ماء مكة، ثم إنه  وصف البيت بكونه مباركاً وهدى للعالمين، أما انتصابه فعلى الحال عن الضمير المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو والعامل فيه معنى الاستقرار.

/ وأما معناه فالبركة إما النمو والتزايد وكثرة الخير، وإما البقاء والدوام, وكل شي ثبت ودام فقد برك، ومنه برك البعير إذا وضع صدره على الأرض والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وتبارك الله لثبوته لم يزل ولا يزال، والبيت مبارك لما يحصل لمن حجة واعتمره واعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب.

قال  : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وقال  : " "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ولو استحضر العاقل في نفسه أن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات في أقطار الأرض وأكنافها ولعمري إنها غير محصورة كالدوائر المحيطة بالمركز، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية، وأسرارهم نورانية، وضمائرهم ربانية، علم أنه إذا توجهت تلك الأرواح الصافية إلى كعبة المعرفة واستقبلت أجسادهم هذه الكعبة الحسية، اتصلت أنوار أولئك الأرواح بنوره وعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره.

قال القفاز: يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله: ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ فيكون كقوله: ﴿ إلى الأرض  ﴾ المقدسة ﴿ التي باركنا فيها  ﴾ وإن فسرنا البركة بالدوام فلا شك أنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود.

وإذا كانت الأرض كرة وكل آن يفرض فإنه صبح لقوم ظهر لآخرين وعصر لغيرهم أو مغرب أو عشاء، فلا تخلو الكعبة عن توجه قوم إليها البتة.

وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام.

وأما كونه هدى للعالمين فلأنه قبلتهم ومتعبدهم أو لأنه يدل على وجود الصانع وصدق محمد  بما فيه من الآيات والأعاجيب، أو لأنه يهدي إلى الجنة.

ومعنى هدى هادياً أو ذا هدى قاله الزجاج، وجوز أن يكون محله رفعاً أي وهو هدى ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يحتمل أن يراد بها ما عددنا من بعض فضائله، ويكون قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ غير متعلق بما قبله، فكأنه قيل فيه آيات بينات ومع ذلك فهو مقام إبراهيم وموضعه الذي اختاره وعبد الله فيه.

وقال الأكثرون إن الآيات بيانه وتفسيره قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ إما بأن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لأنه معجز رسول وكل معجز ففيه دليل أيضاً على علم الصانع وقدرته وإرادته وحياته وتعاليه عن مشابهة المحدثات، فلقوه هذا الدليل عبر عنه بلفظ الجمع كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ وإما بأن يجعل المقام مشتملاً على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء / آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية وآبقاء هذا الأثر دون آثار سائر الأبنياء آية لإبراهيم خاصة، وحفظة مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوفاً من السنين آية.

قال الزجاج: قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ من تتمة تفسير الآيات.

وهذه الجملة وإن كانت من مبتدأ وخبر أو من شرط وجزاء إلا أنها في تقدير مفرد من حيث المعنى.

فكأنه قيل: فيه آيات بينات وأمن من دخله كما لو قلت: فيه آية بينة من دخله كان آمناً كان معناه فيه آية بينة أمن من دخله.

وهذا التفسير بعد تصحيحه مبني على أن الاثنين جمع كما قال  : " "الاثنان فما فوقهما جماعة " وفي القرآن ﴿ هذان خصمان اختصموا  ﴾ وقيل: ذكر آيتان وطوى ذكر غيرهما.

دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما.

ومنه قوله  : "حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة " ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم وأمن من دخله وإن لله على الناس حجه.

وقال المبرد: مقام مصدر فلم يجمع والمراد مقامات إبراهيم هي ما أقامه من المناسك، فالمراد بالآيات شعائر الحج.

وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة ﴿ آية بينة ﴾ على التوحيد قاله في الكشاف.

وفيه توكيد لكون مقام إبراهيم وحده بياناً.

وأما حديث "أمن من دخله" فقد مر اختلاف العلماء فيه في سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً  ﴾ وقيل: كان آمناً من النار لما روي عن النبي  : " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً " وعنه صلى الله عيله وسلم: " "الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " وهما مقبرتا مكة والمدينة.

وعن ابن مسعود: وقف رسول الله  على ثنية الحجون وليس بها يومئذٍ مقبرة فقال: " "يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر" وعن النبي  : " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام " ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ لما ذكر فضائل البيت أردفه بإيجاب الحج وفيه لغتان: الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، وكلاهما مصدر كالمدح والذم والذكر والعلم.

وقيل: المكسور اسم للعمل، والمفتوح مصدر.

ومحل ﴿ من استطاع ﴾ خفض على البدل ﴿ من الناس ﴾ والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، وقال الفراء: يجوز أن ينوي الاستئناف بمن والخبر، أو الجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه والتقدير: من استطاع إليه سبيلاً فللَّه عليه حج البيت.

وقال ابن الأنباري: يحتمل أن يكون محله رفعاً على البيان / كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟

فقيل:هم من استطاع.

والضمير في ﴿ إليه ﴾ للبيت أو الحج.

واستطاعة السبيل إلى الشيء هي إمكان الوصول إليه واحتج أصحاب الشافعي بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن الناس يعم المؤمن والكفار وعدم الإيمان لا يصلح أن يكون معارضاً ومخصصاً لهذا العموم لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد  مع أن شرط صحة الإيمان بمحمد غير حاصل، والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة ليس بحاصل، واحتج جمهور المعتزلة بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنها لو كانت مع الفعل لكان من لم يحج لم يكن مستطيعاً للحج فلا يتناوله التكليف المذكور وذلك باطل بالاتفاق.

أجاب الأشاعرة بأن هذا أيضاً لازم عليكم لأن القادر إما أن يكون مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل وهو محال لأنه تكليف بما لا يطاق، أو بعد حصوله وحينئذٍ يكون الفعل واجب الحصول فلا يكون في التكليف به فائدة, وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف.

والحق أن وجوب الفعل بالقدرة والإرادة لا ينافي توجيه التكليف إليه.

/ واعلم أن الحج لا يجب بأصل الشرع في العمر إلا مرة واحدة لما روي عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله  : " يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج.

فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟

فقال: لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فتطوع" " وقد يجب أكثر من مرة واحدة لعارض كالنذور والقضاء.

ولصحة الحج على الإطلاق شرط واحد وهو الإسلام، فلا يصح حج الكافر كصومه وصلاته.

ولا يشترط فيه التكليف بل يجوز للولي أن يحرم عن المجنون وعن الصبي الذي لا يميز وحينئذٍ يصح حجمها لما روي عن ابن عباس أن النبي  مر بأمرأة وهي في محفتها، فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت: ألهذا حج؟

فقال رسول الله  : "نعم ولك أجر" .

وعن جابر قال: حججنا مع النبي  ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم.

ولصحة المباشرة شرط زائد على الإسلام وهو التمييز.

فلا تصح مباشرة الحج من المجنون والصبي الذي لا يميز كسائر العبادات، ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج بإذن الولي، ولا يشترط فيها الحرية كسائر العبادات، ولوقوعه عن حجة الإسلام شرطان زائدان: البلوغ والحرية لقوله  : " أيما صبي حج / ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام" والمعنى فيه أن الحج عبادة عمر لا تتكرر فاعتبر وقوعها في حالة الكمال، ولأن التكليف تابع للتمييز فشرط هذا الحكم إذن يعود إلى ثلاثة: الإسلام والتكليف والحرية.

ولو تكلف الفقير الحج وقع حجه عن الفرض كما لو تحمل الغني خطر الطريق وحج، وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة.

ولوجوب حجة الإسلام شرط زائد على الثلاثة المذكورة آنفاً وهو الاستطاعة بالآية.

والاستطاعة نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه واستطاعة تحصيله بغيره.

النوع الأول يتعلق به أمور أربعة: أحدها الراحلة، والناس قسمان: أحدهما من بينه وبين مكة مسافة القصر فلا يلزمه الحج إلا إذا وجد راحلة سواء كان قادراً على المشي أو لم يكن لما روي أنه  فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة.

نعم لو كان قادراً على المشي يستحب له أن لا يترك الحج.

وعند مالك القوي على المشي يلزمه الحج.

ويعتبر مع وجدان الراحلة وجدان المحمل أيضاً إن كان لا يستمسك على الراحلة ويلحقه مشقة شديدة.

ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل.

فإن وجد مؤنة محمل أو شق محمل ووجد شريكاً يجلس في الجانب الآخر لزمه الحج، وإن لم يجد الشريك فلا.

القسم الثاني من ليس بينه وبين مكة مسافة القصر.

فإن كان قوياً على المشي لزمه الحج وإلا فلا يجب إلا مع الراحلة أو معها ومع المحمل كما في حق البعيد.

والمراد بوجود الراحلة أن يقدر على تحصيلها ملكاً أو استئجاراً بثمن المثل أو بأجرة المثل وكذا في المحمل.

المتعلق الثاني: الزاد وأوعيته وما يحتاج إليه في السفر مدة ذهابه وإيابه سواء كان له أهل أو عشيرة يرجع إليهم أو لا فحب الوطن من الإيمان.

وكذا الراحلة للإياب وأجره البذرقة.

كل ذلك بعد قضاء جميع الديون ورد الودائع ونفقة من يلزمه نفقتهم حينئذٍ إلى العود، وبعد مؤن النكاح إن خاف العنت، وبعد مسكنه ودست ثوب يليق به وخادم يحتاج إليه لزمانته أو لمنصبه.

ولو كان له رأس مال يتجر فيه وينفق من ربحه ولو نقص لبطلت تجارته، أو كان له متسغلات يرتفق منها نفقته، فالأصح عند الأئمة أنه يكلف بيعها لأن واحد للزاد والراحلة في الحال ولا عبرة لخوف الفقر في الاستقبال.

المتعلق الثالث: الطريق ويشترط فيه غلبة ظن الأمن على النفس من نحو سبع وعدو، والأمن على المال من عدو أو رصديّ وإن رضي بشيء يسير، والأمن على البضع للمرأة بخروج زوج أو محرم أو نسوة ثقات.

وفي البحر يعتبر غلبة السلامة وفي البر وجود علف الدابة.

المتعلق الرابع: البدن ويشترط فيه أن يقوى على الاستمساك على الراحلة، فإن ضعف عن ذلك لمرض أو غيره فهو غير مستطيع للمباشرة.

ولا بد للأعمى من قائد، وعند أبي حنيفة لا حج عليه.

ويروى أنه يستنيب قال الأئمة: لا بد مع الشرائط من إمكان المسير وهو / أن يبقى من الزمان بعد الاستطاعة ما يمكنه المسير فيه إلى الحج به السير المعهود، فإن احتاج إلى أن يقطع في يوم مرحلتين أو أكثر لم يلزمه الحج.

ولو خرجت الرفقة قبل الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه لم يلزمه الخروج معهم.

ووجوب الحج في العمر كالصلاة في وقتها، فيجوز التراخي لكنه أن دامت الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات عصى على الأظهر وإن كان شاباً.

وقال أحمد ومالك وأبو حنيفة في رواية: إنه على الفور.

حجة الشافعي أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخره النبي  من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر أميراً على الحاج سنة تسع وحج هو سنة عشر وعاش بعدها ثمانين يوماً.

وأما النوع الثاني فهو استطاعة الاستنابة فإنها جائزة في الحج وإن كانت العبادات بعيدة عن الاستنابة، لأن المحجوج عنه قد يكون عاجزاً عن المباشرة بسبب الموت أو الكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله.

وعن ابن عباس أن رجلاً جاء إلى النبي  فقال: " يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحج وماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟

فقال: لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟

قال: نعم قال:فاقضوا حق الله  فهو أحق بالقضاء" " وعنه "أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله  على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟

قال: نعم" .وقد تكون الاستنابة بطريق الاستئجار لأنه عمل يدخله النيابة فيجري فيه الاستئجار كتفريق الزكاة.

وعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز ولكن يرزق عليه.

ولو استأجر كان ثواب النفقة للآمر وسقط عنه الخطاب بالحج ويقع الحج عن الحاج.

والحج بالرزق أن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك.

وهذا أيضاً جائز عند الشافعي كالإجارة.

ولكن لا يجوز أن يقول استأجرتك بالنفقة لأنها مجهولة.

والأجرة لا بد أن تكون معلومة.

فهذا جملة الكلام في الاستطاعة عند الجمهور.

وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع، وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه بل كان ينطلق إليه ولو حبواً، فكذلك يجب عليه الحج.

وفي الآية أنواع من التوكيد والتغليظ منها قوله: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ أي حق واجب له عليهم لكونه إلهاً فيجب عليهم الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أم لم يعرفوا فإن كثيراً من أعمال الحج تعبد محض.

ومنها بناء الكلام على الأبدال ليكون تثنية للمراد / وتفصيلاً بعد الإجمال وإيراد للغرض في صورتين تقريراً له في الأذهان.

ومنه ذكر من كفر مكان من لم يحج وفيه من التغليظ ما فيه ولهذا قال رسول الله  : " من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً" ونظيره قوله  : " من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر" ومنها إظهار الغني وتهويل الخطب بذكر اسم الله دون أن يقول: "فإنه" أو "فإني" فإنه يدل على غاية السخط والخذلان.

ومنه وضع المظهر مقام المضمر حيث قال: ﴿ عن العالمين ﴾ .

ولم يقل "عنه" لأنه  إذا كان غنياً عن كل العالمين فلأن يكون غنياً عن طاعة ذلك الواحد أولى.

ومن العلماء من زعم أن هذا الوعيد عام في حق كل من كفر ولا تعلق له بما قبله، ومنهم من حمله على اعتقاد عدم وجوب الحج ويؤكده ما روي عن سعيد بن المسيب إنها نزلت في اليهود قالوا: إن الحج إلى مكة غير واجب.

وعن الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله  أهل الأديان الستة.

المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين - فخطبهم وقال: إن الله  كتب عليكم الحج فحجوا.

فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه.

فنزلت ﴿ ومن كفر ﴾ .

ومن الأحاديث الواردة في تأكيد أمر الحج قوله  : " "حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة " وروي " "حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه" " أي يتعذر عليكم الذهاب إلى مكة من جانب البر لعدم الأمن أو غيره.

وعن ابن مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت أي هلكت.

وعن عمر: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما نوظروا أي عجل عقوبتهم ويستأصلون.

ثم إنه  لاين أهل الكتاب في الخطاب فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ﴾ التي دلتكم على صدق محمد  بعد ظهور البينات ودحوض الشبهات، أو بعد معرفة فضيلة الكعبة ووجوب الحج؟

﴿ والله شهيد على ما تعملون ﴾ فيجازيكم عليه.

وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته ودلالتها على نبوة محمد  .

ثم إنه  لما أنكر عليهم في ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال: ﴿ لم تصدون عن سبيل الله من آمن ﴾ قال المفسرون: وكان صدّهم عن سبيل الله إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب ضعفة المسلمين، وإنكار أن نعت محمد  في كتابهم، ومنع من أراد الدخول في الإسلام بجهدهم وكدهم، أو بتذكير ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله.

ومحل ﴿ تبغونها عوجاً ﴾ أو اعوجاجاً نصب على الحال أو بدل وهو بكسر العين / الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى كالدين والقول.

وأما الشيء الذي يرى فيقال فيه "عوج" بالفتح كالحائط والقناة، ولهذا قال الزجاج: العوج بالكسر في المعاني وبالفتح في الأعيان.

وتبغون بمعنى تطلبون ويقتصر على مفعول واحد إذا لم يكن معها اللام مثل "بغيت المال والأجر" فإن أريد تعديته إلى مفعولين زيدت اللام.

وفالتقدير تبغون لها عوجاً كما تقول: صدتك ظبياً أي صدت لك ظبياً.

والضمير عائد إلى السبيل فإنها تذكر وتؤنث.

والمعنى إنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها زيفاً كقولكم: إن النسخ يدل على البداء وإن شريعة موسى باقية إلى الأبد وإن محمداً  ليس بذلك المنعوت في كتابنا أو المراد أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم.

ويحتمل أن يكون ﴿ عوجاً ﴾ حالاً بمعنى ذا عوج.

وذلك أنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقيل لهم: إنكم تبغون سبيل الله ضالين ﴿ وأنتم شهداء ﴾ أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل قاله ابن عباس.

أو أنتم تشهدون ظهور المعجزات على نبوة محمد  ، أو أنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يصغون لأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم الأمور يعني الأحبار.

وفيه أن من كان كذلك لا يليق بحاله الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال.

ثم أوعدهم بقوله: ﴿ وما الله بغافل عاما تعملون ﴾ كقول السيد لعبده وقد أنكر طريقته.

لا يخفى عليّ سيرتك ولست بغافل عنك.

وإنما ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ والله شهيد ﴾ وهذه بقوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ لأن ذلك فيما أظهروه من الكفر بنبوة محمد  ، وهذا فيما أضمروه وهو الصد بالاحتيال وإلقاء الشبهة.

وفي تكرير الخطاب في الآيتين بقوله: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ توبيخ لهم على توبيخ بألطف الوجوه وألين المقال لعلهم يتفكرون فينصرفون عن سلوك سبيل الضلال والإضلال.

عن عكرمة ويروى عن زيد بن أسلم وجابر أيضاً "أن شاس بن قيس اليهودي - وكان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين - مر على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار.

فأمر شاباً من اليهود أن جلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج.

ففعل وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.

فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين، أوس بن قيظى أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج- فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئت والله رددتها الآن جذعة.

وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة وهي الحرة.

فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية واصطفوا للقتال فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ الآيات فجاء النبي  حتى قام بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته  وأنصتوا له  وجعلوا يستمعون، فما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً وجثوا يبكون" .

وفي رواية زيد بن أسلم: "خرج إليهم رسول الله فيمن معه من المهاجرين فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟

الله الله.

فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله  سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل الآيات" .

قال جابر بن عبد الله.

"ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله  .

فأومى إلينا بيده وكففنا وأصلح الله ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله  .

فما رأيت يوماً قط أقبح ولا أوحش أوّلاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم" .

﴿ وكيف تكفرون ﴾ استفهام بطريق الإنكار والعجب.

والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله تتلى عليكم على لسان الرسول  في كل واقعة وبين أظهركم رسول الله يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم لكم علة؟

ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر، فعليكم أن لا تلتفتوا إلى قوم المخالف وترجعوا فيما يعنّ لكم إلى الكتاب والنبي  .

قلت: أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر، وأما النبي  فإن كان قد مضى إلى رحمة الله في الظاهر، ولكن نور سره باق بين المؤمنين، فكأنه باقٍ على أن عترته  وورثته يقومون مقامه بحسب الظاهر أيضاً.

ولهذا قال  : " إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي" " وقال: " إن العلماء ورثة الأنبياء " اللَّهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك.

وفي هذا بشارة لهذه الأمة أنهم لا يضلون أبداً إلى يوم القيامة.

ثم بين أن الكل بعصمة الله وتوفيقه فقال: ﴿ ومن يعتصم بالله ﴾ يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في دفع شرور الكفار ﴿ فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في افة.

أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق الله وهدايته بل قالوا: إنه بفعل / العبد، تأوّلوا الآية بأن المراد بالهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، أو المراد بالهداية إلى الجنة.

قال في الكشاف: ﴿ فقد هدي ﴾ أي فقد حصل له الهداية لا محالة كما تقول: إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كأن الهدى قد حصل له، فهو يخبر عنه حاصلاً.

ومعنى التوقع في "قد" ظاهر لأن المعتصم بالله.

متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.

التأويل: ﴿ لن تنالوا البر ﴾ وهو صفة الله ﴿ حتى تنفقوا ﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم.

إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿ كل الطعام كان حلاً ﴾ الخلق ثلاثة أصناف: الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة.

وهذا الصنف على ثلاثة أقسام: منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً  ﴾ ﴿ ومنهم سابق بالخيرات  ﴾ وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿ أولئك هم خير البرية  ﴾ فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  ﴾ فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿ قل صدق الله ﴾ في قوله: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا ﴾ ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿ وما كان من المشركين ﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين.

وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده.

فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ ومن دخله ﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿ كان آمناً ﴾ من نار القطيعة ومن / عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه.

ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسموات بخلوص النيات وصفاء الطويات، ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء.

ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية.

ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات.

ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية.

وقس سائر المناسك على هذا.

﴿ ومن كفر ﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لحذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه.

﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن اتباع الهوى إلا منه  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : [وآيات الله] ما ذكرنا فيما تقدم بمحمّد  بالقرآن والحجج.

﴿ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾ : هو حرف وعيد وتنبيه؛ ينبئهم عن صنيعهم؛ ليكونوا على حذر من ذلك.

وقوله: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ ﴾ من الأتباع الذين كان إيمانهم إيمانَ تقليدٍ، لا إيماناً بالعقل؛ لأن من كان إيمانه إيمانا بالعقل فهو لا يصد، ولا يصرف عنه أبداً؛ لما عرف حسن الإيمان وحقيقته بالعقل، فهو لا يترك أبداً، وأما من كان إيمانه إيمان تقليد: فلم يكن إيمانهُ إيمانَ حقيقة، فمثله يصد عنه، إلا أن من يمن الله عليه فيشرح صدره؛ حتى يكون على نور منه، وذلك أحد وجوه اللطف.

والمقلد غير معذور؛ لما معه [ما] لو استعمله لأوضح له الطريق، وأراه قبح ما آثر من التقليد، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل قوله: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ ﴾ ، أي: لم تقصدون قصد صدهم عن سبيل الله، وهم لا يرجعون إلى دينكم، أيأس منه إياهم عن أن يرجعوا عن دينهم الذي عليه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي  ﴾ فيه إياس الكفرة عن رجوع المسلمين إلى دينهم.

وقيل: كانوا يصرفون المؤمنين عن الحجج.

وقوله: ﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ، والعوج: هو غير طريق الحق، وهو الزيغ والتعوج عن الحق.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ ﴾ ، ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ : واحدٌ، وفي حرف حفصة -  ا -: "وأنتم شهداء على الناس".

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ : هو حرف وعيد وتنبيه؛ لأن من علم أن عليه رقيباً وحافظاً، يكون أحذر وأخوف ممن لم يكن عليه ذلك.

قال الشيخ - رحمه الله -: وفيه أنه لا غفلة بالذي يكون منكم خلقكم، ولكن على علم؛ لتعلموا أنه لا للحاجة خلقكم؛ بل لإظهار الغنى والسلطان، جلّ جلاله، وعم نواله.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية.

الآية تحتمل وجوهاً: أحدها: معلوم أن المؤمنين لا يطيعون الكفار بحال من الكفر، ولكن معناه - والله أعلم - أن يدعوهم إلى شيء لا يعلمون أن في ذلك كفراً، نهاهم أن يطيعوهم، وفي كل ما يدعوكم إليه كفر وأنتم لا تعلمون.

ويحتمل: النهي عن طاعتهم، نهاهم عن أن يطيعوهم، وإن كان يعلم أنهم لا يطيعونهم؛ كما نهي الرسولَ  في غير آي من القرآن، كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ؛ فكذلك هذا.

قال الشيخ - رحمه الله -: ويشبه أن تكون الآية في عرض أمور عظام ترغب فيها النفس ليكفر بها؛ فحذر عن ذلك بما بين من الاعتناد والخسار في آية أخرى؛ ليعلموا أن ذلك تجارة مخسرة، وقد كانت لهم ولأهل كل دين ومذهب هذا الاعتناد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إن تطيعوا طائفة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى فيما يقولونه، وتقبلون رأيهم فيما يزعمونه؛ يُرْجِعُوكم إلى الكفر بعد الإيمان بسبب ما فيهم من الحسد والضلال عن الهدى.

من فوائد الآيات كَذِبُ اليهود على الله تعالى وأنبيائه، ومن كذبهم زعمهم أن تحريم يعقوب  لبعض الأطعمة نزلت به التوراة.

أعظم أماكن العبادة وأشرفها البيت الحرام، فهو أول بيت وضع لعبادة الله، وفيه من الخصائص ما ليس في سواه.

ذَكَرَ الله وجوب الحج بأوكد ألفاظ الوجوب تأكيدًا لوجوبه.

<div class="verse-tafsir" id="91.q4dBD"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

في سبب نزول هذه الآية يروون أن شاس بن قيس -وكان يهوديًا- مر على نفر من الأوس والخزرج يتحدثون، فغاظه ما رأى من تآلفهم بعد العداوة، فأمر شابًا معه من يهود أن يجلس بينهم فيذكرهم "يوم بعاث"، ففعل، فتنازعوا وتفاخروا حتى وثب رجلان: أوس بن قرظي، من الأوس، وجبار بن صخر، من الخزرج، فتقاولا، وغضب الفريقان وتواثبوا للقتال، فبلغ ذلك رسول الله  فجاء حتى وعظهم وأصلح بينهم، فسمعوا وأطاعوا، فأنزل الله في أوس وجبار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  ﴾ الآية.

وفي شاس بن قيس: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ  ﴾ الآية.

إن صح ما ورد في سبب نزول هذه الآيات فالمراد بالكفر في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ هو العداوة والبغضاء التي كان الكفر سببها كم أن المراد بالإيمان على هذا هو الألفة والمحبة التي هي ثمرة يانعة من ثمرات الإيمان.

وإذا لم ننظر إلى ما ورد من السبب فالمعنى أن أهل الكتاب قد سلكوا سبل التأويل في الكتاب فحرفوه وانصرفوا عن هدايته إلى تقاليد وضعوها لأنفسهم، فإذا أطعتموهم وسلكتم مسالكهم فإنكم تكفرون بعد إيمانكم.

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ  ﴾ بطاعتهم واتباع أهوائهم ﴿ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ  ﴾ وهي روح الهداية وحفاظ الإيمان ﴿ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  ﴾ يبين لكم ما نزل إليكم.

﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ  ﴾ وكتابه يكون الاعتصام إذن هو حبله الممدود، ورسوله هو الوسيلة إليه وهو ورده المورود، ﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ لا يضل فيه السالك، ولا يخشى عليه من المهالك.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ أي واجب تقواه وما يحق منها.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ فمعناه استمروا على الإسلام وحافظوا على أعماله حتى الموت.

فالمراد بالإسلام على هذا هو الدين إيمانه وعمله.

ووجه اختيارنا هذا المعنى أنه جاء في مقابلة قوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ وبعد الأمر بالتقوى حق التقوى.

وقيل: إن المراد به الإخلاص.

وقيل: الإيمان دون العمل، لأنه هو الذي يستمر إلى الموت.

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا  ﴾ الأشبه أن تكون العبارة تمثيلًا، كأن الدين في سلطانه على النفوس واستيلائه على الإرادات وما يترتب على ذلك من جريان الأعمال على حسب هديه حبل متين يأخذ به الآخذ فيأمن السقوط، كأن الآخذين به قوم على نشز من الأرض يخشى عليهم السقوط منه فأخذوا بحبل موثق جمعوا به قوتهم فامتنعوا من السقوط.

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا  ﴾ .

انظر آية الله، قوم متخالفون بين العداوات والإحن يتربص كل واحد بالآخر الهلكة على يده فيأتي الله بهذه الهداية فيجمعهم ويزيل كل ما في نفوسهم من التنافر ويجعلهم إخوانًا ترجع أهواؤهم كلها إلى شيء واحد لا يختلفون فيه وهو حكم الله ولذلك قال: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ أي ليعدكم ويؤهلكم بها للاهتداء الدائم المستمر فلا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان.

والتفرق والاختلاف قسمان: قسم لا يمكن أن يسلم منه البشر فالنهي عنه من قبيل تكليف ما لا يستطاع وليس بمراد في الآيات، وقسم يمكن الاحتراس منه وهو المراد بها أما الأول: فهو الخلاف في الفهم والرأي، ولا مفر منه لأنه مما فطر عليه البشر كما قال تعالى: ﴿ وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  ﴾ فاستواء الناس في العقول والأفهام مما لا سبيل إليه ولا مطمع فيه إذ هو من قبيل الحب والبغض فالإخوة الأشقاء في البيت الواحد تختلف أفهامهم في الشيء كما يختلف حبهم له وميلهم إليه.

وأما الثاني: - وهو ما جاءت الأديان لمحوه - فهو تحكيم الأهواء في الدين والأحكام، وهو أشد الأشياء ضررًا في البشر لأنه يطمس أعلام الهداية التي يلجأ إليها في إزالة المضار التي في النوع الأول من الخلاف.

أما كون القسم الأول غير ضار فهو ما يعرفه كل أحد نفسه.

والأمثلة كثيرة..

فمثلًا: إن بيني وبين بعض أصحابي الصادقين في محبتي وإرادة الخير لي خلافًا في إلقاء هذا الدرس هنا، فأنا أعتقد أن إلقاء درس التفسير في الأزهر عمل واجب علي وخير لي، لا أشك في هذا كما أنني لا أشك في هذا الضوء الذي أمامي، ويوجد من أصحابي من يعتقد أن ترك هذا الدرس خير لي من قراءته، ويحاجوني في ذلك قائلين: إن تأخري لأجل الدرس إلى الليل ضار بصحتي، وإنه مثير لحسد الحاسدين لي ودافع لهم إلى الكيد والإيذاء، وإن الدرس نفسه عقيم لأن أكثر الذين يسمعونه لا يفقهون ما أقول ولا يفهمون ومن فهم لا يرجى أن يعمل به لغلبة فساد الأخلاق.

وهذه حجة بعض أصحابي في مخالفة رأيي واعتقادي يصرحون لي بها، ومع ذلك ألقاهم ويلقونني لم ينقص ذلك من مودتنا شيئًا فضلًا عن أن يكون مثارًا للعداوة والبغضاء بيننا، فأنا أعذرهم في رأيهم، مع اعتقادي بإخلاصهم، وهم يعذرونني كذلك.

ولنفرض أن الخلاف بيننا في مسألة دينية كأن أعتقد أنا أن فعل كذا حرام وهم يعتقدون حله أكان يكون بيننا تفرق لأجله؟

كلا، لا ريب عندي أنه لا فرق بين الخلافين وإننا نبقى على هذا الخلاف أصدقاء.

كذلك كان الخلاف بين علماء السلف وأئمة الفقهاء "فمالك" قد نشأ في المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من حسن الحال وسلامة القلوب فقال: إن عمل أهل المدينة أصل من الأصول، لأنهم على حسن حالهم وقرب عهدهم بالنبي وأصحابه لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة عملًا.

وأما "أبو حنيفة" فنشأ في العراق، وأهلها كما اشتهر عنهم أهل شقاق ونفاق، فهو معذور إذا لم يحتج بعملهم ولا بعمل غيرهم قياسًا عليهم، ولو اجتمعا لعذر كل منهما الآخر لأنه بذل جهده في استبانة الحق مع الاخلاص لله تعالى وإرادة الخير والطاعة.

وقد نقل عن الائمة أن كل واحد كان يعذر الآخرين فيما خالفوه فيه، ولكن تنكب هذه الطريقة طوائف جاءت بعدهم تقلدهم فيما نقل من مذاهبهم لا في سيرتهم حتى صار الهوى هو الحاكم في الدين وصار المسلمون شيعًا يتعصب كل فريق إلى رأي من مسائل الخلاف ويعادي الآخر إذا خالفه فيه، وكان من جزاء ذلك ما هو مدون في التاريخ.

وما ذلك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلوب هؤلاء المتعصبين، وإلا فبالله كيف يصدق أن يكون الإمام "الشافعي" مثلًا مصيبًا في كل ما خالف به غيره؟

وإذا كان الصواب في بعض المسائل الاجتهادية مع غيره فكيف يعقل أن يمر أكثر من ألف سنة على فقهاء مذهبه ولا يظهر لهم شيء من ذلك فيرجعوا عن قوله إلى ما ظهر لهم أنه الصواب من مذهب غيره "كأبي حنيفة" أو "مالك".

وهذا ما يقال في أتباع كل مذهب.

هذا النوع من الخلاف هو الذي ذلت به الأمم بعد عزها وهوت بعد رفعتها وضعفت بعد قوتها.

هو الافتراق في الدين وذهاب أهله مذاهب تجعلهم شيعًا تتحكم فيهم الأهواء كما حصل من الفرق الإسلامية، لا يكاد أحدهم يعلم أن الآخر خالفه في رأي إلا ويبادر إلى الرد عليه بالتأليف وبذل الجهد في تضليله وتقنيد مذهبه، ويقابله الآخر بمثل ذلك، لا يحاول أحد منهم محادثة الآخر والاطلاع على دلائله ووزنها بميزان الانصاف والعدل، فالواجب أولًا محاولة الفهم والإفهام في البحث والمذاكرة وثانيًا أن لا يكون الخلاف مفرقًا بين المختلفين في الدين، فما دام المسلم لا يخل بنصوص كتاب الله ولا باحترام الرسول  فهو على إسلامه لا يكفر ولا يخرج من جماعة المسلمين، فإذا تحكم الهوى فلعن بعضهم بعضًا وكفر بعضهم بعضًا فقد باء بها من قالها كما ورد في الحديث.

ومثل الاختلاف في الدين الاختلاف في المعاملة لا يجوز أن يكون مفرقًا بين المؤمنين بل يرجعون في النزاع إلى حكم الله وأهل الذكر منهم.

فإذا امتثلنا أمر الله ونهيه فاتقينا الخلاف الذي لنا عنه مندوحة وحكمنا كتاب الله ومن أمر الله بالرجوع إليهم في مسائل النزاع فيما نتنازع فيه أمنا من غائلة الخلاف وكنا من المهتدين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله