الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٠٧ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 132 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) يعني : الجنة ، ماكثون فيها أبدا لا يبغون عنها حولا .
وقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن ربيع - وهو ابن صبيح - وحماد بن سلمة ، عن أبي غالب قال : رأى أبو أمامة رءوسا منصوبة على درج دمشق ، فقال أبو أمامة : كلاب النار ، شر قتلى تحت أديم السماء ، خير قتلى من قتلوه ، ثم قرأ : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) إلى آخر الآية .
قلت لأبي أمامة : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال : لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا - حتى عد سبعا - ما حدثتكموه .
ثم قال : هذا حديث حسن : وقد رواه ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن أبي غالب ، وأخرجه أحمد في مسنده ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي غالب ، بنحوه .
وقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الآية ، عن أبي ذر ، حديثا مطولا غريبا عجيبا جدا .
=" وأما الذين أبيضَّت وجوههم ".
ممن ثبتَ على عهد الله وميثاقه، فلم يبدِّل دينه، ولم ينقلب على عَقِبيه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادة لربه بالألوهة، وأنه لا إله غيره =" ففي رحمة الله "، يقول: فهم في رحمة الله، يعني: في جنته ونعيمها وما أعد الله لأهلها فيها=" هم فيها خالدون "، أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غاية.
وقوله تعالى : وأما الذين ابيضت وجوههم هؤلاء أهل طاعة الله عز وجل والوفاء بعهده .
ففي رحمة الله هم فيها خالدون أي في جنته ودار كرامته خالدون باقون .
جعلنا الله منهم وجنبنا طرق البدع والضلالات ، ووفقنا لطريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
آمين .
{ وأما الذين ابيضت وجوههم } فيهنئون أكمل تهنئة ويبشرون أعظم بشارة، وذلك أنهم يبشرون بدخول الجنات ورضى ربهم ورحمته { ففي رحمة الله هم فيها خالدون } وإذا كانوا خالدين في الرحمة، فالجنة أثر من آثار رحمته تعالى، فهم خالدون فيها بما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم، في جوار أرحم الراحمين، لما بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الأحكام الأمرية والأحكام الجزائية
قوله تعالى : ( وأما الذين ابيضت وجوههم ) هؤلاء أهل الطاعة ، ( ففي رحمة الله ) جنة الله .
( هم فيها خالدون )
«وأما الذين ابيضَّت وجوههم» وهم المؤمنون «ففي رحمة الله» أي جنته «هم فيها خالدون».
وأما الذين ابيضَّتْ وجوهم بنضرة النعيم، وما بُشِّروا به من الخير، فهم في جنة الله ونعيمها، وهم باقون فيها، لا يخرجون منها أبدًا.
ثم بين - سبحانه - حال الذين ابيضت وجوههم وحسن عاقبتهم فقال : { وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ } ببركة إيمانهم وعملهم الصاحل { فَفِي رَحْمَةِ الله } أى ففى جنته .
والتعبير عن الجنة بالرحمة من باب التعبير بالحال عن المحل فتكون الظرفية حقيقة .
وإذا أريد برحمة الله ثوابه وجزاؤه تكون الظرفية مجازية .وفى التعبير عن الجنة بالرحمة إشعار بأن دخولها إنما هو بمحض فضل الله - تعالى - فهو - سبحانه - المالك لكل شىء ، والخالق لكل شىء .وقوله { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } بيان لما خصهم الله - تعالى - من خلود فى هذا النعيم الذى لا يحد بحد ، ولا يرسم برسم ، ولا تبلغ العقول مداه .
أى هم فى الرحمة باقون دائمون فقد أعطاهم الله - تعالى - عطاء غير مجذوذ .وقد بدأ - سبحانه - كلامه عن الفريقين بالذين ابيضت وجوههم ثم قدم الحديث عن حال الذين اسودت وجوههم على الذين ابيضت وجوههم ، ليكون ابتداء الكلام واختتامه عن هؤلاء السعداء بما يسر القلب ويشرح الصدر ويغرى الناس بالتمسك بعرى الإيمان وبالإكثار من العمل الصالح الذي يوصلهم إلى رحمة الله ورضاه .ووصف - سبحانه - الذين ابيضت وجوههم بأنهم خالدون فى رحمته ، ولم يصف الذين اسودت وجوههم بالخلود فى العذاب للتصريح فى غير هذا الموضع بخلودهم فى هذا العذاب كما فى قوله - تعالى - { إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أولئك هُمْ شَرُّ البرية } وللإشعار بأن باب رحمته - سبحانه - مفتوح أمام هؤلاء الضالين فعليهم أن يثوبوا إلى رشدهم ، وأن يقلعوا عن الكفر إلى الإيمان والعمل الصالح حتى ينجوا من عذاب الله وسخطه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه .
اعلم أنه تعالى في الآيات المتقدمة عاب أهل الكتاب على شيئين أحدهما: أنه عابهم على الكفر، فقال: ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ ﴾ ثم بعد ذلك عابهم على سعيهم في إلقاء الغير في الكفر، فقال: ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ فلما انتقل منه إلى مخاطبة المؤمنين أمرهم أولاً بالتقوى والإيمان، فقال: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَٱذْكُرُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة، فقال: ﴿ وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير ﴾ وهذا هو الترتيب الحسن الموافق للعقل، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ مّنكُمْ ﴾ قولان أحدهما: أن ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا ليست للتبعيض لدليلين الأول: أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ والثاني: هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول: معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وأما كلمة ﴿ مِنْ ﴾ فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان ﴾ ويقال أيضاً: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم، كذا هاهنا، ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ فالأمر عام، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين.
والقول الثاني: أن ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا للتبعيض، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين أحدهما: أن فائدة كلمة ﴿ مِنْ ﴾ هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين والثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء ويدل عليه وجهان الأول: أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فإن الجاهل ربما عاد إلى الباطل وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين ﴾ والثاني: أنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة هذا إيجاباً على البعض لا على الكل، والله أعلم.
وفيه قول رابع: وهو قول الضحاك: إن المراد من هذه الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتعلمون من الرسول عليه السلام ويعلمون الناس، والتأويل على هذا الوجه كونوا أمة مجتمعين على حفظ سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعلم الدين.
المسألة الثانية: هذه الآية اشتملت على التكليف بثلاثة أشياء، أولها: الدعوة إلى الخير ثم الأمر بالمعروف، ثم النهي عن المنكر، ولأجل العطف يجب كون هذه الثلاثة متغايرة، فنقول: أما الدعوة إلى الخير فأفضلها الدعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته وتقديسه عن مشابهة الممكنات وإنما قلنا إن الدعوة إلى الخير تشتمل على ما ذكرنا لقوله تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة ﴾ وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هذه سَبِيلِى ادعوا إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: الدعوة إلى الخير جنس تحته نوعان: أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي وهو بالمعروف والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر فذكر الجنس أولاً ثم أتبعه بنوعية مبالغة في البيان، وأما شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمذكورة في كتب الكلام.
ثم قال تعالى: ﴿ وأولئك هُمُ المفلحون ﴾ وقد سبق تفسيره وفيه مسائل: المسألة الأولى: منهم من تمسك بهذه الآية في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال لأن هذه الآية تدل على أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من المفلحين، والفاسق ليس من المفلحين، فوجب أن يكون الآمر بالمعروف ليس بفاسق، وأجيب عنه بأن هذا ورد على سبيل الغالب فإن الظاهر أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لم يشرع فيه إلا بعد صلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير، ثم إنهم أكدوا هذا بقوله تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُم ﴾ قوله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ ولأنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت وجهها؟
ومعلوم أن ذلك في غاية القبح، والعلماء قالوا: الفاسق له أن يأمر بالمعروف لأنه وجب عليه ترك ذلك المنكر ووجب عليه النهي عن ذلك المنكر، فبأن ترك أحد الواجبين لا يلزمه ترك الواجب الآخر، وعن السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا، وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل، فقال: وأينا يفعل ما يقول؟
ودَّ الشيطان لو ظفر بهذه الكلمة منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن المنكر.
المسألة الثانية: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر كان خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه» وعن علي رضي الله عنه: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال أيضاً: من لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر منكراً نكس وجعل أعلاه أسفله، وروى الحسن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر تعيشوا بخير، وعن الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.
المسألة الثالثة: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِئ إلى أَمْرِ الله ﴾ قدم الإصلاح على القتال، وهذا يقتضي أن يبدأ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأرفق مترقياً إلى الأغلظ فالأغلظ، وكذا قوله تعالى: ﴿ واهجروهن فِي المضاجع واضربوهن ﴾ يدل على ما ذكرناه، ثم إذا لم يتم الأمر بالتغليظ والتشديد وجب عليه القهر باليد، فإن عجز فباللسان، فإن عجز فبالقلب، وأحوال الناس مختلفة في هذا الباب.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البينات ﴾ .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في النظم وجهان الأول: أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أنه بيّن في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام وصحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر أن أهل الكتاب حسدوا محمداً صلى الله عليه وسلم واحتالوا في إلقاء الشكوك والشبهات في تلك النصوص الظاهرة، ثم إنه تعالى أمر المؤمنين بالإيمان بالله والدعوة إلى الله، ثم ختم ذلك بأن حذر المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب، وهو إلقاء الشبهات في هذه النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة الرافعة لدلالة هذه النصوص فقال: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ ﴾ أيها المؤمنون عند سماع هذه البينات ﴿ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا ﴾ من أهل الكتاب ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ﴾ في التوراة والإنجيل تلك النصوص الظاهرة، فعلى هذا الوجه تكون الآية من تتمة جملة الآيات المتقدمة والثاني: وهو أنه تعالى لما أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك مما لا يتم إلا إذا كان الآمر بالمعروف قادراً على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغالين، ولا تحصل هذه القدرة إلا إذا حصلت الإلفة والمحبة بين أهل الحق والدين، لا جرم حذرهم تعالى من الفرقة والاختلاف لكي لا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية من تتمة الآية السابقة فقط.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ تَفَرَّقُواْ واختلفوا ﴾ فيه وجوه: الأول: تفرقوا واختلفوا بسبب اتباع الهوى وطاعة النفس والحسد، كما أن إبليس ترك نص الله تعالى بسبب حسده لآدم الثاني: تفرقوا حتى صار كل فريق منهم يصدق من الأنبياء بعضاً دون بعض، فصاروا بذلك إلى العداوة والفرقة الثالث: صاروا مثل مبتدعة هذه الأمة، مثل المشبهة والقدرية والحشوية.
المسألة الثالثة: قال بعضهم ﴿ تَفَرَّقُواْ واختلفوا ﴾ معناهما واحد وذكرهما للتأكيد وقيل: بل معناهما مختلف، ثم اختلفوا فقيل: تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين، وقيل: تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك النصوص، ثم اختلفوا بأن حاول كل واحد منهم نصرة قوله ومذهبه والثالث: تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيساً في بلد، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق وأن صاحبه على الباطل، وأقول: إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل الله العفو والرحمة.
المسألة الرابعة: إنما قال: ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات ﴾ ولم يقل ﴿ جَاءتْهُمْ ﴾ لجواز حذف علامة من الفعل إذا كان فعل المؤنث متقدماً.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ يعني الذين تفرقوا لهم عذاب عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم، فكان ذلك زجراً للمؤمنين عن التفرق.
ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ اعلم أنه تعالى لما أمر اليهود ببعض الأشياء ونهاهم عن بعض، ثم أمر المسلمين بالبعض ونهاهم عن البعض أتبع ذلك بذكر أحوال الآخرة، تأكيداً للأمر، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في نصب ﴿ يَوْمٍ ﴾ وجهان الأول: أنه نصب على الظرف، والتقدير: ولهم عذابٌ عظيم في هذا اليوم، وعلى هذا التقدير ففيه فائدتان إحداهما: أن ذلك العذاب في هذا اليوم، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن تبيض فيه وجوه وتسود وجوه والثاني: أنه منصوب بإضمار (اذكر).
المسألة الثانية: هذه الآية لها نظائر منها قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ ومنها قوله: ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ ومنها قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ ومنها قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍۭ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ ومنها قوله: ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم ﴾ ومنها قوله: ﴿ يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: في هذا البياض والسواد والغبرة والقترة والنضرة للمفسرين قولان أحدهما: أن البياض مجاز عن الفرح والسرور، والسواد عن الغم، وهذا مجاز مستعمل، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ويقال: لفلان عندي يد بيضاء، أي جلية سارة، ولما سلم الحسن بن علي رضي الله عنه الأمر لمعاوية قال له بعضهم: يا مسود وجوه المؤمنين، ولبعضهم في الشيب.
يا بياض القرون سودت وجهي *** عند بيض الوجوه سود القرون فلعمري لأخفينك جهدي *** عن عياني وعن عيان العيون بسواد فيه بياض لوجهي *** وسواد لوجهك الملعون وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه: ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل وعند التهنئة بالسرور يقولون: الحمد لله الذي بيض وجهك، ويقال لمن وصل إليه مكروه: إربد وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته، فعلى هذا معنى الآية أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن كان ذلك من الحسنات ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني.
والقول الثاني: إن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين والكافرين، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة، فوجب المصير إليه، قلت: ولأبي مسلم أن يقول: الدليل دل على ما قلناه، وذلك لأنه تعالى قال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار، فلو لم يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلاً، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة الغم والحزن حتى يصح هذا التقابل، ثم قال القائلون بهذا القول: الحكمة في ذلك أن أهل الموقف إذا رأوا البياض في وجه إنسان عرفوا أنه من أهل الثواب فزادوا في تعظيمه فيحصل له الفرح بذلك من وجهين: أحدهما: أن السعيد يفرح بأن يعلم قومه أنه من أهل السعادة، قال تعالى مخبراً عنهم ﴿ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يَٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴾ الثاني: أنهم إذا عرفوا ذلك خصوه بمزيد التعظيم فثبت أن ظهور البياض في وجه المكلف سبب لمزيد سروره في الآخرة وبهذا الطريق يكون ظهور السواد في وجه الكفار سبباً لمزيد غمهم في الآخرة، فهذا وجه الحكمة في الآخرة، وأما في الدنيا فالمكلف حين يكون في الدنيا إذا عرف حصول هذه الحالة في الآخرة صار ذلك مرغباً له في الطاعات وترك المحرمات لكي يكون في الآخرة من قبيل من يبيض وجهه لا من قبيل من يسود وجهه، فهذا تقرير هذين القولين.
المسألة الثالثة: احتج أصحابُنا بهذه الآية على أن المُكلَّف إما مؤمن وإما كافر، وأنه ليس هاهنا منزلة بين المنزلتين كما يذهب إليه المعتزِلة، فقالوا: إنه تعالى قسم أهل القيامة إلى قسمين منهم من يبيض وجهه وهم المؤمنون، ومنهم من يسود وجهه وهم الكافرون ولم يذكر الثالث، فلو كان هاهنا قسم ثالث لذكره الله تعالى قالوا وهذا أيضاً متأكد بقوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ ﴾ .
أجاب القاضي عنه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه، يبين ذلك أنه تعالى إنما قال: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ فذكرهما على سبيل التنكير، وذلك لا يفيد العموم، وأيضاً المذكور في الآية المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين، فكذا القول في الفساق.
واعلم أن وجه الاستدلال بالآية هو أنا نقول: الآيات المتقدمة ما كانت إلا في الترغيب في الإيمان بالتوحيد والنبوّة وفي الزجر عن الكفر بهما ثم إنه تعالى اتبع ذلك بهذه الآية فظاهرها يقتضي أن يكون ابيضاض الوجه نصيباً لمن آمن بالتوحيد والنبوّة، واسوداد الوجه يكون نصيباً لمن أنكر ذلك، ثم دل ما بعد هذه الآية على أن صاحب البياض من أهل الجنة، وصاحب السواد من أهل النار، فحينئذ يلزم نفي المنزلة بين المنزلتين، وأما قوله يشكل هذا بالكافر الأصلي فجوابنا عنه من وجهين: الأول: أن نقول لم لا يجوز أن يكون المراد منه أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم؟
وإذا كان كذلك كان الكل داخلاً فيه والثاني: وهو أنه تعالى قال في آخر الآية ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ فجعل موجب العذاب هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث أنه بعد الإيمان، وإذا وقع التعليل بمطلق الكفر دخل كل الكفار فيه سواء كفر بعد الإيمان، أو كان كافراً أصلياً والله أعلم.
ثم قال: ﴿ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى ذكر القسمين أولاً فقال: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ فقدم البياض على السواد في اللفظ، ثم لما شرع في حكم هذين القسمين قدم حكم السواد، وكان حق الترتيب أن يقدم حكم البياض.
والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب.
وثانيها: أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب، قال عليه الصَّلاة والسَّلام حاكياً عن رَبِّ العزة سبحانه: خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم وإذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب وهم أهل البياض، لأن تقديم الأشرف على الأخس في الذكر أحسن، ثم ختم بذكرهم أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال: سبقت رحمتي غضبي.
وثالثها: أن الفصحاء والشعراء قالوا: يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئاً يسر الطبع ويشرح الصدر ولا شك أن ذكر رحمة الله هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع الابتداء بذكر أهل الثواب والاختتام بذكرهم.
السؤال الثاني: أين جواب (أما)؟.
والجواب: هو محذوف، والتقدير فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، وإنما حسن الحذف لدلالة الكلام عليه ومثله في التنزيل كثير قال تعالى: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴾ وقال: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ﴾ وقال: ﴿ وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبَّنَا ﴾ .
السؤال الثالث: من المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟.
والجواب: للمفسرين فيه أقوال أحدها: قال أُبيُّ بن كَعْب: الكل آمنوا حال ما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام، فكل من كفر في الدنيا، فقد كفر بعد الإيمان، ورواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وثانيها: أن المراد: أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوّة، والدليل على صحة هذا التأويل، قوله تعالى فيما قبل هذه الآية ﴿ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات، وقال للمؤمنين ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البينات ﴾ .
ثم قال هاهنا ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ فكان ذلك محمولاً على ما ذكرناه حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها، وعلى هذين الوجهين تكون الآية عامة في حق كل الكفار، وأما الذين خصصوا هذه الآية ببعض الكفار فلهم وجوه: الأول: قال عكرمة والأصم والزجاج المراد أهل الكتاب فإنهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين به، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كفروا به الثاني: قال قتادة: المراد الذين كفروا بعد الإيمان بسبب الارتداد الثالث: قال الحسن: الذين كفروا بعد الإيمان بالنفاق الرابع: قيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة الخامس: قيل هم الخوارج، فإنه عليه الصلاة والسلام قال فيهم: «إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» وهذان الوجهان الأخيران في غاية البعد لأنهما لا يليقان بما قبل هذه الآية، ولأنه تخصيص لغير دليل، ولأن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة.
السؤال الرابع: ما الفائدة في همزة الاستفهام في قوله: ﴿ أَكْفَرْتُمْ ﴾ ؟.
الجواب: هذا استفهام بمعنى الإنكار، وهو مؤكد لما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله: ﴿ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ .
وفيه فوائد الأولى: أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصاً بمن كفر بعد إيمانه، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافراً أصلياً الثانية: قال القاضي قوله: ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ يدل على أن الكفر منه لا من الله وكذا قوله: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ الثالثة: قالت المرجئة: الآية تدل على أن كل نوع من أنواع العذاب وقع معللاً بالكفر، وهذا ينفي حصول العذاب لغير الكافر.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: ما المراد برحمة الله؟.
الجواب: قال ابن عباس: المراد الجنة، وقال المحققون من أصحابنا: هذا إشارة إلى أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمة الله، وكيف لا نقول ذلك والعبد ما دامت داعيته إلى الفعل وإلى الترك على السوية يمتنع منه الفعل؟
فإذن ما لم يحصل رجحان داعية الطاعة امتنع أن يحصل منه الطاعة وذلك الرجحان لا يكون إلا بخلق الله تعالى، فإذن صدور تلك الطاعة من العبد نعمة من الله في حق العبد فكيف يصير ذلك موجباً على الله شيئاً، فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل الله وبرحمته وبكرمه لا باستحقاقنا.
السؤال الثاني: كيف موقع قوله: ﴿ هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ بعد قوله: ﴿ فَفِى رَحْمَةِ الله ﴾ .
الجواب: كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟
فقيل هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون.
السؤال الثالث: الكفار مخلدون في النار كما أن المؤمنين مخلدون في الجنة، ثم إنه تعالى لم ينص على خلود أهل النار في هذه الآية مع أنه نص على خلود أهل الجنة فيها فما الفائدة؟.
والجواب: كل ذلك إشعارات بأن جانب الرحمة أغلب، وذلك لأنه ابتدأ في الذكر بأهل الرحمة وختم بأهل الرحمة، ولما ذكر العذاب ما أضافه إلى نفسه، بل قال: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب ﴾ مع أنه ذكر الرحمة مضافة إلى نفسه حيث قال: ﴿ فَفِى رَحْمَةِ الله ﴾ ولما ذكر العذاب ما نص على الخلود مع أنه نص على الخلود في جانب الثواب، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم فقال: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ولما ذكر الثواب علله برحمته فقال: ﴿ فَفِى رَحْمَةِ الله ﴾ ثم قال في آخر الآية ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب، يا أرحم الراحمين لا تحرمنا من برد رحمتك ومن كرامة غفرانك وإحسانك.
ثم قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق ﴾ فقوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ فيه وجهان الأول: المراد أن هذه الآيات التي ذكرناها هي دلائل الله، وإنما جاز إقامة ﴿ تِلْكَ ﴾ مقام ﴿ هذه ﴾ لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد الذكر، فصار كأنها بعدت فقيل فيها ﴿ تِلْكَ ﴾ والثاني: إن الله تعالى وعده أن ينزل عليه كتاباً مشتملاً على كل ما لابد منه في الدين، فلما أنزل هذه الآيات قال: تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك بالحق، وتمام الكلام في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ وقوله: ﴿ بالحق ﴾ فيه وجهان الأول: أي ملتبسة بالحق والعدل من إجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه الثاني: بالحق، أي بالمعنى الحق، لأن معنى التلو حق.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما حسن ذكر الظلم هاهنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين، فكأنه تعالى يعتذر عن ذلك وقال إنهم ما وقعوا فيه إلا بسبب أفعالهم المنكرة، فإن مصالح العالم لا تستقيم إلا بتهديد المذنبين، وإذا حصل هذا التهديد فلابد من التحقيق دفعاً للكذب، فصار هذا الاعتذار من أدل الدلائل، على أن جانب الرحمة غالب، ونظيره قوله تعالى في سورة (عم) بعد أن ذكر وعيد الكفار ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابًا ﴾ أي هذا الوعيد الشديد إنما حصل بسبب هذه الأفعال المنكرة.
المسألة الثانية: قال الجُبّائي: هذه الآية تدل على أنه سبحانه لا يريد شيئاً من القبائح لا من أفعاله ولا من أفعال عباده، ولا يفعل شيئاً من ذلك، وبيانه: وهو أن الظلم إما أن يفرض صدوره من الله تعالى، أو من العبد، وبتقدير صدوره من العبد، فإما أن يظلم نفسه وذلك بسبب إقدامه على المعاصي أو يظلم غيره، فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ نكرةٌ في سياق النَّفي، فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً، سواء كان ذلك صادراً عنه أو صادراً عن غيره، فثبت أن هذه الآية تدل على أنه لا يريد شيئاً من هذه الأقسام الثلاثة، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون فاعلاً لشيء من هذه الأقسام، ويلزم منه أن لا يكون فاعلاً للظلم أصلاً ويلزم أن لا يكون فاعلاً لأعمال العباد، لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم وظلم بعضهم بعضاً، وإنما قلنا: إن الآية تدل على كونه تعالى غير فاعل للظلم ألبتة لأنها دلت على أنه غير مريد لشيء منها، ولو كان فاعلاً لشيء من أقسام الظلم لكان مريداً لها، وقد بطل ذلك، قالوا: فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل للظلم، وغير فاعل لأعمال العباد، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد، ثم قالوا: إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له، فدلت هذه الآية على كونه تعالى قادراً على الظلم وعند هذا تبجحوا وقالوا: هذه الآية الواحدة وافية بتقرير جميع أصول المعتزلة في مسائل العدل، ثم قالوا: ولما ذكر تعالى أنه لا يريد الظلم ولا يفعل الظلم قال بعده ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ وإنما ذكر هذه الآية عقيب ما تقدم لوجهين: الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل، أو العجز، أو الحاجة، وكل ذلك على الله محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض، وهذه المالكية تنافي الجهل والعجز والحاجة، وإذا امتنع ثبوت هذه الصفات في حقه تعالى امتنع كونه فاعلاً للقبيح والثاني: أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجه من الوجوه كان لقائل أن يقول: إنا نشاهد وجود الظلم في العالم، فإذا لم يكن وقوعه بإرادته كان على خلاف إرادته، فيلزم كونه ضعيفاً عاجزاً مغلوباً وذلك محال.
فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي * السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ أي أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر، ولما كان قادراً على ذلك خرج عن كونه عاجزاً ضعيفاً لا أنه تعالى أراد منهم ترك المعصية اختياراً وطوعاً ليصيروا بسبب ذلك مستحقين للثواب فلو قهرهم على ترك المعصية لبطلت هذه الفائدة، فهذا تلخيص كلام المعتزلة في هذه الآية، وربما أوردوا هذا الكلام من وجه آخر، فقالوا: المراد من قوله: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ إما أن يكون هو لا يريد أن يظلمهم أو أنه لا يريد منهم أن يظلم بعضهم بعضاً فإن كان الأول فهذا لا يستقيم على قولكم، لأن مذهبكم أنه تعالى لو عذب البريء عن الذنب بأشد العذاب لم يكن ظلماً، بل كان عادلاً، لأن الظلم تصرف في ملك الغير، وهو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه فاستحال كونه ظالماً وإذا كان كذلك لم يكن حمل الآية على أنه لا يريد أن يظلم الخلق وإن حملتم الآية على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضاً، فهذا أيضاً لا يتم على قولكم لأن كل ذلك بإرادة الله وتكوينه على قولكم، فثبت أن على مذهبكم لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح والجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى لا يريد أن يظلم أحداً من عباده؟
قوله الظلم منه محال على مذهبكم فامتنع التمدح به قلنا: الكلام عليه من وجهين: الأول: أنه تعالى تمدح بقوله: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ وبقوله: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ ولا يلزم من ذلك صحة النوم والأكل عليه فكذا هاهنا الثاني: أنه تعالى إن عذب من لم يكن مستحقاً للعذاب فهو وإن لم يكن ظلماً في نفسه لكنه في صور الظلم، وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ ونظائره كثيرة في القرآن هذا تمام الكلام في هذه المناظرة.
المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ على كونه خالقاً لأعمال العباد، فقالوا لا شك أن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض، فوجب كونها له بقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ وإنما يصح قولنا: إنها له لو كانت مخلوقة له فدلت هذه الآية على أنه خالق لأفعال العباد.
أجاب الجبائي عنه بأن قوله: ﴿ لِلَّهِ ﴾ إضافة ملك لا إضافة فعل، ألا ترى أنه يقال: هذا البناء لفلان فيريدون أنه مملوكه لا أنه مفعوله، وأيضاً المقصود من الآية تعظيم الله لنفسه ومدحه لإلهية نفسه، ولا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الفواحش والقبائح، وأيضاً فقوله: ﴿ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ إنما يتناول ما كان مظروفاً في السموات والأرض وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض.
أجاب أصحابنا عنه بأن هذه الإضافة إضافة الفعل بدليل أن القادر على القبيح والحسن لا يرجح الحسن على القبيح إلا إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى فعل الحسن، وتلك الداعية حاصلة بتخليق الله تعالى دفعاً للتسلسل، وإذا كان المؤثر في حصول فعل العبد هو مجموع القدرة والداعية، وثبت أن مجموع القدرة والداعية بخلق الله تعالى ثبت أن فعل العبد مستند إلى الله تعالى خلقاً وتكويناً بواسطة فعل السبب، فهذا تمام القول في هذه المناظرة.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ زعمت الفلاسفة أنه إنما قدم ذكر ما في السموات على ذكر ما في الأرض لأن الأحوال السماوية أسباب للأحوال الأرضية، فقدم السبب على المسبب، وهذا يدل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأحوال السماوية، ولا شك أن الأحوال السماوية مستندة إلى خلق الله وتكوينه فيكون الجبر لازماً أيضاً من هذا الوجه.
المسألة الخامسة: قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ فأعاد ذكر الله في أول الآيتين والغرض منه تأكيد التعظيم، والمقصود أن منه مبدأ المخلوقات وإليه معادهم، فقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول وقوله: ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ إشارة إلى أنه هو الآخر، وذلك يدل إحاطة حكمه وتصرفه وتدبيره بأولهم وآخرهم، وأن الأسباب منتسبة إليه وأن الحاجات منقطعة عنده.
المسألة السادسة: كلمة ﴿ إلى ﴾ في قوله: ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور ﴾ لا تدل على كونه تعالى في مكان وجهة، بل المراد أن رجوع الخلق إلى موضع لا ينفذ فيه حكم أحد إلا حكمه ولا يجري فيه قضاء أحد إلا قضاؤه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البينات ﴾ الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق.
وقيل: هم مبتدعو هذه الأمة، وهم المشبهة والمجبرة والحشوية وأشباههم ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ﴾ نصب بالظرف وهو لهم، أو بإضمار اذكر، وقرئ: ﴿ تبيض وتسود ﴾ ، بكسر حرف المضارعة.
﴿ وتبياض وتسوادّ ﴾ .
والبياض من النور، والسواد من الظلمة، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه، وابيضت صحيفته وأشرقت.
وسعى النور بين يديه وبيمينه.
ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده، واسوّدتْ صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب.
نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله ﴿ أَكْفَرْتُمْ ﴾ فيقال لهم: أكفرتم، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم.
والظاهر أنهم أهل الكتاب.
وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد اعترافهم به قبل مجيئه.
وعن عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار وتسودّ وجوه بني قريظة والنضير.
وقيل: هم المرتدون.
وقيل أهل البدع والأهواء، وعن أبي أمامة: هم الخوارج، ولما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ثم قال كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء.
وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء، فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك، أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة.
قال: فما شأنك دمعت عيناك، قال: رحمة لهم، كانوا من أهل الإسلام فكفروا.
ثم قرأ هذه الآية، ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيراً.
فأعاذك الله منهم.
وقيل: هم جميع الكفار لإعراضهم عما أوجبه الإقرار حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ﴿ فَفِى رَحْمَةِ الله ﴾ ففي نعمته وهي الثواب المخلد، فإن قلت: كيف موقع قوله: ﴿ هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ بعد قوله: ﴿ فَفِى رَحْمَةِ الله ﴾ ؟
قلت: موقع الاستئناف، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟
فقيل: هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ نُصِبَ بِما في لَهم مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ.
وبَياضُ الوَجْهِ وسَوادُهُ كِنايَتانِ عَنْ ظُهُورِ بَهْجَةِ السُّرُورِ وكَآبَةِ الخَوْفِ فِيهِ.
وقِيلَ يُوسَمُ أهْلُ الحَقِّ بِبَياضِ الوَجْهِ والصَّحِيفَةِ وإشْراقِ البَشَرَةِ وسَعْيِ النُّورِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِيَمِينِهِ، وأهْلُ الباطِلِ بِأضْدادِ ذَلِكَ.
﴿ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ فَيُقالُ لَهم أكَفَرْتُمْ، والهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وهُمُ المُرْتَدُّونَ أوْ أهْلُ الكِتابِ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، أوْ جَمِيعُ الكُفّارِ كَفَرُوا بَعْدَ ما أقَرُّوا بِهِ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أوْ تَمَكَّنُوا مِنَ الإيمانِ بِالنَّظَرِ في الدَّلائِلِ والآياتِ.
﴿ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ أمْرُ إهانَةٍ.
﴿ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِكم أوْ جَزاءً لِكُفْرِكم.
﴿ وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ والثَّوابَ المُخَلَّدَ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ وإنِ اسْتَغْرَقَ عُمْرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، وكانَ حَقُّ التَّرْتِيبِ أنْ يُقَدَّمَ ذِكْرُهم لَكِنْ قَصَدَ أنْ يَكُونَ مَطْلَعُ الكَلامِ ومَقْطَعُهُ حِلْيَةَ المُؤْمِنِينَ وثَوابَهم.
﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِئْنافِ لِلتَّأْكِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها؟
فَقالَ هم فِيها خالِدُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله} ففي نعمته وهي الثواب المخلد ثم استأنف فقال {هُمْ فِيهَا خالدون} لا يظعنون عنها ولا يموتون
﴿ وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ أيِ الجَنَّةِ، فَهو مِنَ التَّعْبِيرِ بِالحالِ عَنِ المَحَلِّ، والظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ، وقَدْ يُرادُ بِها الثَّوابُ، فالظَّرْفِيَّةُ حِينَئِذٍ مَجازِيَّةٌ كَما يُقالُ: في نَعِيمٍ دائِمٍ وعَيْشٍ رَغْدٍ وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَثْرَتِهِ وشُمُولِهِ لِلْمَذْكُورِينَ شُمُولَ الظَّرْفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ ما هو صِفَةٌ لَهُ تَعالى؛ إذْ لا يَصِحُّ فِيها الظَّرْفِيَّةُ ويَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ مُقابَلَتُها بِالعَذابِ ومُقارَنَتُها لِلْخُلُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ (107) وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالرَّحْمَةِ إشْعارًا بِأنَّ المُؤْمِنَ وإنِ اسْتَغْرَقَ عُمُرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَنالُ ما يَنالُ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى، ولِهَذا ورَدَ في الخَبَرِ: «لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ، فَقِيلَ لَهُ: حَتّى أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟
فَقالَ: حَتّى أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ».
وجُمْلَةُ ( هم فِيها خالِدُونَ ) اسْتِئْنافِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها ؟
فَأُجِيبَ بِما تَرى، وفِيها تَأْكِيدٌ في المَعْنى لِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلرَّحْمَةِ، ومِن أبْعَدِ البَعِيدِ جَعْلُهُ لِلدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ خِلافًا لِمَن قالَ بِهِ، وجَعَلَ الكَلامَ عَلَيْهِ بَيانًا لِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنِ مُقابِلِهِمْ في العَذابِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ؟
فَأُجِيبَ بِأنَّهم كانُوا خالِدِينَ في الخَيْراتِ، وقُرِئَ: ابْياضَّتْ واسْوادَّتْ.
<div class="verse-tafsir"
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ يقول: أطيعوا الله حق طاعته، وحق طاعته أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر طرفة عين، وأن يذكر فلا ينسى طرفة عين، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] فنسخت هذه الآية.
هكذا قال الكلبي والضحاك ومقاتل، وغيرهم من المفسرين: أن هذه الآية منسوخة.
وقال بعضهم: لا يجوز أن يقال هذه الآية منسوخة، لأنه لا يجوز أن يأمرهم بشيء لا يطيقونه، ولكن الجواب أن يقال عن هذا إنهم يطيقونه، ولكن تلحقهم مشقة شديدة، ولأن ذلك مجهود الطاقة، ولا يستطيعون الدوام عليه، والله تعالى لا يكلف عباده إلا دون ما يطيقون، فخفَّف عنهم بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] ولم ينسخ آخر الآية أولها، وهو قوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يعني اثبتوا على الإسلام، وكونوا بحال يلحقكم الموت، وأنتم على الإسلام وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً يقول: تمسَّكوا بدين الله وبالقرآن.
ويقال: تمسكوا بسبيل السنة والهدى، وَلا تَفَرَّقُوا.
يقول: ولا تختلفوا في الدين، كاختلاف اليهود والنصارى.
ويقال: لا تختلفوا فيما بينكم بالعداوة والبغضاء ويقال وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً يعني: اطلبوا النصرة من الله لا من القبائل والعشيرة.
ويقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً، يعني ما اشتبه عليكم، فردوه إلى كتاب الله كقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59] وقال بعض الحكماء: إن مثل من في الدنيا، كمثل من وقع في بئر، فيها من كل نوع من الآفات، فلا يمكنه أن يخرج منها والنجاة من آفاتها إلا بحبل وثيق، فكذلك الدنيا دار محنة، وفيها كل نوع من الآفات، فلا سبيل إلى النجاة منها إلا بالتمسك بحبل وثيق، وهو كتاب الله تعالى.
ثم ذكَّرهُم نعمته فقال تعالى: اذْكُرُوا نعمتي واحفظوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الإسلام إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً في الجاهلية فَأَلَّفَ الله بَيْنَ قُلُوبِكُمْ يعني جمع بين قلوبكم بالإسلام تودُّداً فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً يقول: فصرتم بنعمة الإسلام إِخْواناً في الدين، وكل ما ذكر في القرآن أصبحتم، معناه صِرْتم، كقوله: أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً [الكهف: 41] أي صار ماؤكم غوراً، وهذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، كان بينهم قتال قبل الإسلام بأربعين عاماً، حتى كادوا أن يتفانوا، فلما بعث النبيّ بمكة آمن به الأوس والخزرج، وهم بالمدينة، ثم خرج إلى رسول الله بمكة، قبل أن يهاجر منهم سبعون رجلاً، فخرج رسول الله ، ومعه عمه العباس حتى أتى إلى العقبة إلى سبعين رجلاً من الأنصار فعاهدوه ثم رجعوا إلى المدينة، وهاجر النبيّ إليهم بعد الحولين، فوقعت بين الأوس والخزرج أُلْفَةٌ، وزالت عنهم العداوة التي كانت بينهم في الجاهلية بالإسلام، وهذا كما ذكر في آية أخرى: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 63] .
وروي عن جابر بن عبد الله أن رجلين من الأنصار: أحدهما من الأوس، والآخر من الخزرج، تفاخرا فيما بينهما، واقتتلا، فاستعان كل واحد منهما بقومه، فاجتمعت الأوس والخزرج، وأخذوا السلاح، وخرجوا للحرب، فبلغ الخبر إلى رسول الله ، فخرج إليهم في ثلاثين من المهاجرين، وهو راكب على حمار له قال جابر: فما كان من طالع يومئذ أكرم إلينا من رسول الله ، إذ طلع علينا، فأومأ إلينا بيده، فكففنا، ووقف بيننا على حمار له فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ إلى قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ.
إلى قوله: عَذابٌ عَظِيمٌ فَأَلْقوا السلاح وأطفؤوا الحرب التي كانت بينهم، وعاتق بعضهم بعضاً يبكون، فما رأيت الناس أكثر باكياً من يومئذ، فلم يكن في الأرض شخص أحب إليهم من رسول الله بعد نزول هذه الآية.
ثم قال تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ قال القتبي: أشفى على كذا إذا أشرف عليه شَفا حُفْرَةٍ، أي حرف حفرة، ومعناه وكنتم في الجاهلية على هلاك بالشرك من مات في الجاهلية كان في النار فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بعد ما كنتم على حرف من النار كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ يعني علاماته حيث كنتم أعداء في الجاهلية إخواناً في الإسلام لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا من الضلالة، وتعرفوا علامته بهذه النعمة وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ فهذه لام الأمر كقوله: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً [الكهف: 110] يعني لتكن منكم أمة.
قال الكلبي: يعني جماعة.
وقال مقاتل: يعني عصبة وقال الزجاج ولتكونوا كلكم أمة واحدة تدعون إلى الخير ومن هاهنا لتخص المخاطبين من بين سائر الأجناس، وهي مؤكدة كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30] وقوله: يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ يعني إلى الإسلام.
ويقال: إلى جميع الخيرات وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ قال الكلبي: يعني باتباع محمد وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني الجبت والطاغوت.
ويقال: المنكر، يعني العمل الذي بخلاف الكتاب والسنة.
ويقال: ما لا يصلح في العقل.
وروي عن سفيان الثوري أنه قال إنما يجب النهي عن المنكر إذا فعل فعلاً يخرج عن الاختلاف، أي اختلاف العلماء.
ويقال: إنما أمر بعض الناس بقوله، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ، ولم يأمر جميع الناس، لأن كل واحد من الناس لا يحسن الأمر بالمعروف، وإنما يجب على من يعلم.
ويقال: إن الأمراء، يجب عليهم الأمر والنهي باليد، والعلماء باللسان، والعوام بالقلب، وهنا كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا رَأَى أَحَدٌ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ» .
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: بحسب امرئ إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره.
وروي عن بعض الصحابة أنه قال: أن الرجل إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: اللهم إِنَّ هذا منكر، فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه.
ثم قال تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر هم الناجون.
ويقال: فازوا بالنعيم.
ثم قال: وَلا تَكُونُوا في الاختلاف كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وهم اليهود والنصارى وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ فافترقت اليهود فرقاً والنصارى فرقاً، فنهى الله المؤمنين عن ذلك، ثم خوفهم فقال: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يعني دائم لا يرفع عنهم أبداً، يعني الذين اختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات، أي العلامات في أمر محمد ، وبيان الطريق.
ثم بَيَّن منازل الذين تفرقوا، والذين لم يتفرقوا فقال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم.
ويقال: إن ذلك عند قوله تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس، 59] تكون وجوه المؤمنين مُبْيَضّة، ووجوه الكفار مُسْوَدَّة.
ويقال: إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذا قرأ المؤمن كتابه، فرأى في كتابه حسناته، استبشر وابيضّ وجهه، وإذا قرأ المنافق والكافر كتابه، فرأى فيه سيئاته، اسودّ وجهه.
ويقال: إن ذلك عند الميزان، إذا رجحت حسناته ابيضّ وجهه، وإذا رجحت سيئاته اسودّ وجهه.
ويقال: إذا كان يوم القيامة يؤمر كل قوم بأن يجتمعوا إلى معبودهم، فإذا انتهوا إليه حزنوا، واسودّت وجوههم، فيبقى المؤمنون، وأهل الكتاب والمنافقون، فيقول الله تعالى للمؤمنين: من ربكم؟
فيقولون: ربنا الله عزّ وجلّ.
فيقول لهم: أتعرفونه إذا رأيتموه؟
فيقولون: سبحانه إذا عرفنا، عرفناه فيرونه كما شاء الله، فيخر المؤمنون سجداً لله تعالى، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضاً، وبقي المنافقون وأهل الكتاب، لا يقدرون على السجود، فحزنوا واسودّت وجوههم، فذلك قوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ يعني يقال لهم: أكفرتم؟
ولكن حُذِفَ القول، لأن في الكلام دليلاً عليه بعد إيمانكم، يعني يوم الميثاق.
قالوا: بَلَى، يعني المرتدين والمنافقين.
ويقال هذا لليهود، وكانوا مؤمنين بمحمد ، قبل أن يُبْعث، فلما بُعث كفروا به.
وقال أبو العالية: هذا للمنافقين خاصة.
يقول: أكفرتم في السرّ بعد إيمانكم، أي مع إقراركم في العلانية فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بمحمد وبالقرآن.
حدثنا الخليل بن أحمد.
قال: حدّثنا عباد بن الوليد قال: حدّثنا محمد بن عباد البنائي قال: حدّثنا حميد بن الخياط قال: سألت أبا العالية عن هذه الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فقال: حدّثنا أبو أمامة عن رسول الله أنه قال: «إنَّهُمُ الخَوَارِجُ» وسألته عن قوله: لاَ تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: 118] قال: إنهم الخوارج قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي في جنة الله قال الزجاج: يعني في الجنة التي صاروا إليها برحمة الله تعالى، لأن الجنة تُنَالُ برحمته، ولا تُنَال بالجهد، وإن اجتهد المجتهد، لأن نعمة الله تعالى لا يكافئها عمل، ففي رحمة الله أي في ثواب الله وَهُمْ فِيها خالِدُونَ أي دائمون.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : قال أهْلُ العلْمِ: وفَرَضَ اللَّه سبحانه بهذه الآية الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عن المُنْكَر، وهو مِنْ فروضِ الكفاية «٢» ، إذا قام به قائمٌ، سقَطَ عن الغَيْر، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَان «٣» والناسُ في الأمر بالمعروفِ وتغْييرِ المُنْكَرِ على مراتِبَ، فَفَرْضُ العلماءِ فيه تنبيهُ الولاةِ، وحَمْلُهُمْ على جَادَّة العلْمِ، وفرضُ الولاةِ تَغْييره بقوَّتهم وسلطانِهِمْ/، ولهم هي اليَدُ، وفَرْضُ سائر الناسِ رَفْعُهُ إلى الولاةِ والحُكَّام بعد النَّهْيِ عنه قولاً، وهذا في المُنْكَرِ الذي له دَوَامٌ، وأما إنْ رأى أحَدٌ نازلةٌ بديهيَّةً مِنَ المُنْكَرِ كالسَّلْبِ والزِّنَا ونحوه، فيغيِّرها بنَفْسِهِ، بحَسَب الحالِ والقدرةِ، ويَحْسُنُ لكلِّ مؤمن أنْ يعتمل في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وإنْ ناله بَعْضُ الأذى ويؤيِّد هذا المَنْزَعَ أنَّ في قراءة عثمانَ وابْنِ مسْعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ: «يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيَسْتَعِينونَ اللَّهَ على مَا أَصَابَهُمْ» «٤» ، فهذا وإنْ لم يثبتْ في المُصْحَفِ، ففيه إشارةٌ إلى التعرُّض لما يصيبِ عَقِيبَ الأمْر والنهْيِ كما هو في قوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ [لقمان: ١٧] .
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)
وقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا ...
الآية: قال ابن عبَّاس: هي إشارة إلى كلِّ مَنِ افترق من الأمَمِ في الدِّين، فأهلكهم الافتراقُ «١» ، وقال الحسنُ: هي إشارة إلى اليهودِ والنصارى «٢» .
قلتُ: وروى أبو داوُدَ في سُنَنِهِ، عن معاويةَ بْنِ أبي سُفْيَان، قال: قَالَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«إنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ افترقوا على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ على ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ الجَمَاعَةُ» «٣» ، وروى أبو هريرة نحوه، ولم يَذْكُرِ النَّار «٤» اهـ.
وقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ...
الآية: بياضُ الوُجُوهِ: عبارةٌ عن إشراقِها واستنارتها وبِشْرِها برحمة اللَّهِ قاله الزَّجَّاج «٥» وغيره.
وقوله تعالى: أَكَفَرْتُمْ: تقريرٌ وتوبيخٌ متعلِّق بمحذوف، تقديره: فيقالُ لهم:
أكفرتم، وفي هذا المَحْذُوفِ جوابُ «أمَّا» ، وهذا هو فحوَى الخطَابِ، وهو أنْ يكون في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ.
ورَحْمَةُ اللَّهِ جَنَّتُهُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسَمّى الجَنَّةَ رَحْمَةً، لِأنَّ دُخُولَهم إيّاها كانَ بِرَحْمَتِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: في ثَوابِ رَحْمَتِهِ، قالَ: وأعادَ ذِكْرَ "فِيها" تَوْكِيدًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللهِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ والعامِلُ في قَوْلِهِ: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ اللامُ في قَوْلِهِ: ( ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ )، قالَ الزَجّاجُ: تَقْدِيرُهُ: ويَثْبُتُ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ،.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ عَظَّمَ العَذابَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ قَوْلَهُ: "عَذابٌ" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ.
وبَياضُ الوُجُوهِ: عِبارَةٌ عن إشْراقِها واسْتِنارَتِها وبِشْرِها بِرَحْمَةِ اللهِ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ.
ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن آثارِ الوُضُوءِ كَما قالَ النَبِيُّ : « "أنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ".» وأمّا سَوادُ الوُجُوهِ: فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هو عِبارَةٌ عَنِ ارْبِدادِها وإظْلامِها بِغَمِّ العَذابِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْوِيدًا يُنْزِلُهُ اللهُ بِهِمْ عَلى جِهَةِ التَشْوِيهِ والتَمْثِيلِ بِهِمْ، عَلى نَحْوِ حَشْرِهِمْ زُرْقًا وهَذِهِ أقْبَحُ طَلْعَةٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَشّارٍ: ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوجُهٌ سُودُ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "تِبْيَضُّ وتِسْوَدُّ" بِكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، "تَبْياضُّ وُجُوهٌ، وتَسْوادُّ وُجُوهٌ" بِألِفٍ، وهي لُغَةٌ.
ولَمّا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ إخْبارًا عن حالٍ لا تَخُصُّ أحَدًا مُعَيَّنًا بُدِئَ بِذِكْرِ البَياضِ لِشَرَفِهِ، وأنَّهُ الحالَةُ المُثْلى، فَلَمّا فُهِمَ المَعْنى وتَعَيَّنَ لَهُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ، بُدِئَ بِذِكْرِ الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم لِلِاهْتِمامِ بِالتَحْذِيرِ مِن حالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أكَفَرْتُمْ" تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ؟
وفي هَذا المَحْذُوفِ هو جَوابُ "أمّا"، وهَذا هو فَحْوى الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لا يَسْتَغْنِي المَعْنى عنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ ﴾ المَعْنى: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ لِهَؤُلاءِ المُوقَفِينَ إيمانًا مُتَقَدِّمًا، فاخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في تَعْيِينِهِمْ، فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: المُوقَفِينَ جَمِيعُ الكُفّارِ، والإيمانُ الَّذِي قِيلَ لَهم بِسَبَبِهِ: "بَعْدَ إيمانِكُمْ" هو الإيمانُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ: "ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى" وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما عَنى بِالتَوْقِيفِ في هَذِهِ الآيَةِ أهْلَ القِبْلَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ، يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ويَكْفُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ، فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ؟
أيْ ذَلِكَ الإيمانُ بِألْسِنَتِهِمْ.
وقالَ السُدِّيُّ: هي فِيمَن كَفَرَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ حِينَ اقْتَتَلُوا، وقالَ أبُو أُمامَةَ: الآيَةُ في الخَوارِجِ، وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ في أهْلِ الرِدَّةِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيَرِدَنَّ عَلى الحَوْضِ رِجالٌ مِن أصْحابِي حَتّى إذا رُفِعُوا إلَيَّ اخْتَلَجُوا فَأقُولُ: أُصَيْحابِي أُصَيْحابِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا، وفي بَعْضِ طُرُقِهِ: "فَأُنادِيهِمْ: ألا هَلُمَّ، ألا هَلُمَّ".» وذَكَرَ النَحّاسُ قَوْلًا: إنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ، وذَلِكَ أنَّهم آمَنُوا بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ واسْتَفْتَحُوا بِهِ، فَلَمّا جاءَهم مِن غَيْرِهِمْ كَفَرُوا، فَهَذا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في أهْلِ الأهْواءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنْ كانَ هَذا فَفي المُخْتَلِجِينَ مِنهُمُ القائِلِينَ ما هو كُفْرٌ، ورُوِيَ حَدِيثٌ أنَّ الآيَةَ في القَدَرِيَّةِ وقالَ أبُو أُمامَةَ: سَمِعْنا مِن رَسُولِ اللهِ : أنَّها في الحَرُورِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عنهُ أنَّها في الخَوارِجِ وهو قَوْلٌ واحِدٌ، و"ما" في قَوْلِهِ "بِما كُنْتُمْ" مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ ﴾ أيْ في النَعِيمِ الَّذِي هو مُوجَبُ رَحْمَةِ اللهِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: "هم فِيها" تَأْكِيدٌ بِجُمْلَتَيْنِ، إذْ كانَ الكَلامُ يَقُومُ دُونَها.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن يكون ﴿ يوم تبيض وجوه ﴾ منصوباً على الظرف، متعلّقاً بما في قوله ﴿ لهم عذاب ﴾ من معنى كائننٍ أو مستقرّ: أي يكون عذاب لهم يوم تبيضّ وجوه وتسْودّ وجوه، وهذا هو الجاري على أكثر الاستعمال في إضافة أسماء الزمان إلى الجُمل.
ويجوز أن يكون منصوباً على المفعول به لفعل اذْكر محذوفاً، وتكون جملة ﴿ تبيضّ وجوه ﴾ صفة ل (يوم) على تقدير: تبيضّ فيهِ وجوه وتسودّ فيه وجوه.
وفي تعريف هذا اليوم بحصول بياض وجوه وسواد وجوه فيه، تهويل لأمره، وتشويق لما يرِد بعده من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضّة، والوجوه المسودّة: ترهيباً لفريق وترغيباً لفريق آخر.
والأظهر أن عِلْم السامعين بوقوع تبييض وجوه وتسويد وجوه في ذلكَ اليوم حاصل من قبل: في الآيات النازلة قبل هذه الآية، مثل قوله تعالى: ﴿ ويوم القيامة ترى الَّذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة ﴾ [الزمر: 60] وقوله: ﴿ وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذٍ عليها غبرة ترهقها قترَة ﴾ [عبس: 38 41].
والبياض والسواد بياض وسواد حقيقيان يوسم بهما المؤمن والكافر يوم القيامة، وهما بياض وسواد خاصّان لأن هذا م أحوال الآخرة فلا داعي لصرفه عن حقيقته.
وقوله تعالى: ﴿ فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ تفصيل للإجمال السابق، سُلك فيه طريق النشَّر المعكوس، وفيه إيجاز لأنّ أصل الكلام، فأمّا الَّذين اسودّت وجوههم فهم الكافرون يقال لهم أكفرتم إلى آخر: وأمّا الَّذين ابيضّت وجوههم فهم المؤمنون وفي رحمة الله هم فيها خالدون.
قدّم عند وصف اليوم ذكر البياض، الَّذي هو شعار أهل النَّعيم، تشريفاً لذلك اليوم بأنَّه يوم ظهور رحمة الله ونعمته، ولأنّ رحمة الله سبقت غضبه، ولأنّ في ذكر سمة أهل النَّعيم، عقب وعيد بالعذاب، حسرةً عليهم، إذ يعلم السَّامع أنّ لهم عذاباً عظيماً في يوم فيه نعيم عظيم، ثُمّ قُدّم في التفصيل ذكر سمة أهل العذاب تعجيلاً بمساءتهم.
وقوله ﴿ أكفرتم ﴾ مقول قول محذوف يحذف مثله في الكلام لظهوره: لأنّ الاستفهام لا يصدر إلاّ من مستفهم، وذلك القول هو جواب أمَّا، ولذلك لم تدحل الفاء على ﴿ أكفرتم ﴾ ليظهر أن ليس هو الجواب وأن الجواب حذف برمَّته.
وقائل هذا القول مجهول، إذ لم يتقدّم ما يدّل عليه، فيحتمل أنّ ذلك يقوله أهل المحشر لهم وهم الَّذين عرفوهم في الدّنيا مؤمنين، ثمّ رأوهم وعليهم سمة الكفر، كما ورد في حديث الحوض «فليَرِدنّ عليّ أقوام أعرفهم ثمّ يُخْتلجُون دوني، فأقولُ: أصَيْحَابي، فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» والمستفهِم سلَفُهم من قومهم أو رسولهم، فالاستفهام على حقيقته مع كنايته عن معنى التعجّب.
ويحتمل أنَّه يقوله تعالى لهم، فالاستفهام مجاز عن الإنكار والتغليط.
ثمّ إن كان المراد بالَّذين اسودّت وجوههم أهل الكتاب، فمعنى كفرهم بعدَ إيمانهم تغييرهم شريعة أنبيائهم وكتمانهم ما كتموه فيها، أو كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بموسى وعيسى، كما تقدّم في قوله ﴿ إنّ الَّذين كفروا بعد إيمانهم ﴾ [آل عمران: 90] وهذا هو المحمل البيّن، وسياق الكلام ولفظه يقتضيه، فإنَّه مسَوق لوعيد أولئك.
ووقعت تأويلات من المسلمين وقعوا بها فيما حذّرهم منه القرآن، فتفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات: الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " مثل أهل الردة الذين ماتوا على ذلك، فمعنى الكفر بعد الإيمان حينئذٍ ظاهر، وعلى هذا المعنى تأوّل الآية مالك بن أنس فيما روى عنه ابن القاسم وهو في ثالثة المسائل من سماعه من كتاب المرتدّين والمحاربين من العتبية قال: «ما آية في كتاب الله أشدّ على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية» يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه» قال مالك: إنَّما هذه لأهل القبلة.
يعني أنَّها ليست للَّذين تفرّقوا واختلفوا من الأمم قبلنا بدليل قوله ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ ورواه أبو غسّان مالك الهروي عن مالك عن ابن عمرَ، ورُوي مثل هذا عن ابن عبّاس، وعلى هذا الوجه فالمراد الَّذين أحدثوا بعد إيمانهم كفرا بالردّة أو بشنيع الأقوال الَّتي تفضي إلى الكفر ونقض الشَّريعة، مثل الغرابية من الشيعة الَّذين قالوا بأنّ النبوءة لعلي، ومثل غلاة الإسماعلية أتباع حمزة بن عليّ، وأتباع الحاكم العُبيدي، بخلاف من لم تبلغ به مقالته إلى الكفر تصريحاً ولا لزوماً بيّنا مثل الخوارج والقدرية كما هو مفصّل في كتب الفقه والكلام في حكم المتأوّلين ومن يؤول قولهم إلى لوازم سيّئة.
وذوق العذاب مجاز للإحساس وهو مجاز مشهور علاقته التقييد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ يَعْنِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ فِيهِ بَيْنَ مُثابٍ بِالجَنَّةِ ومُعاقَبٍ بِالنّارِ فَوُصِفَ وجْهُ المُثابِ بِالبَياضِ لِإسْفارِهِ بِالسُّرُورِ، ووُصِفَ وجْهُ المُعاقَبِ بِالسَّوادِ لِانْكِسافِهِ بِالحُزْنِ.
﴿ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ وفي هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: الأوَّلُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إظْهارِ الإيمانِ بِالنِّفاقِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالِارْتِدادِ بَعْدَ إسْلامِهِمْ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ بِالنَّبِيِّ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ ووَصْفِهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والرّابِعُ: هم جَمِيعُ الكُفّارِ لِإعْراضِهِمْ عَمّا يُوجِبُهُ الإقْرارُ بِالتَّوْحِيدِ حِينَ أشْهَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أنْفُسِهِمْ ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا ﴾ وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة والطبراني وابن المنذر عن أبي غالب قال: «رأى أبو أمامة رؤوس الأزارقة منصوبة على درج مسجد دمشق فقال أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه.
ثم قرأ ﴿ يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه ﴾ الآية.
قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: لو لم أسمعه إلا مرة، أو مرتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، حتى عدَّ سبعاً ما حدثتكموه» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نصر في الإبانة والخطيب في تاريخه واللالكائي في السنة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ﴿ تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ قال: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والضلالة.
وأخرج الخطيب في رواة مالك والديلمي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ قال: «تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدع» .
وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ قال: «تبيض وجوه أهل الجماعات والسنة، وتسود وجوه أهل البدع والأهواء» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في الآية قال: صاروا فرقتين ثوم القيامة يقال لمن اسود وجهه ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ فهو الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث كانوا أمة الذين ابيضت وجوههم فهم الذين استقاموا على إيمانهم، وأخلصوا له الدين، فبيَّض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه وجنته.
وأخرج الفريابي وابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: هم من أهل الكتاب، كانوا مصدقين بأنبيائهم، مصدقين بمحمد، فلما بعثه الله كفروا.
فذلك قوله: ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة في قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم ﴾ قال: هم الخوارج.
وأخرج عبد حميد وابن جرير في الآية عن قتادة قال: لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون ﴿ فأما الذين ابيضت وجوههم ﴾ فأهل طاعة الله والوفاء بعهد الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم ﴾ قال: هم المنافقون كانوا أعطوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ وتسود وجوه ﴾ قال: هم اليهود.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ قال: هذا لأهل القبلة.
وأخرج ابن المنذر عن السدي بسند فيه من لا يعرف ﴿ يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه ﴾ قال: بالأعمال والأحداث.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند فيه من لا يعرف عن عائشة قالت «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تأتي عليك ساعة لا تملك فيها لأحد شفاعة؟
قال: نعم ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ حتى انظر ما يفعل بي.
أو قال: بوجهي» .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى عليه وسلم: المصيبة تبيض وجه صاحبها يوم تسود الوجوه» .
وأخرج أبو نعيم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغبار في سبيل الله إسفار الوجوه يوم القيامة» .
وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من عبد يقول لا إله إلا الله مرة إلا بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر» .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب أنه قرأ كل شيء في القرآن ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ بنصب التاء وكسر الجيم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس (١) قال أهل المعاني (٢) (٣) (٤) وقال آخرون (٥) وقوله تعالى: ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ قال أبو إسحاق (٦) وقال غيره (٧) (٨) (١) لم أقف على مصدر قوله وقد أورده ابن الجوزي في الزاد:1/ 437.
(٢) ممن قال ذلك: ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 145.
وانظر: "الوجوه والنظائر" لهارون بن موسى: 53، "تفسير الطبري" 4/ 40، "الأشباه والنظائر" للثعلبي: 162، "قاموس القرآن" للدامغاني: 199، "نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي: 331، "تفسير الكريم المنان" للسعدي: 1/ 194، "محاسن التأويل" 4/ 932.
حيث فسروها جميعًا بالجنة.
(٣) ما بين المعقوفين مطموس في (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
(٤) في (ج): (رحمة الله).
(٥) ممن قال بذلك: الزجاج، في "معاني القرآن" 1/ 455، والنحاس، في "معاني القرآن" 1/ 458.
(٦) في "معاني القرآن" له 1/ 455.
وعبارته -هنا- بالمعنى.
(٧) لم أقف على هذا القائل.
(٨) في (ج): (البيان عن الصفين).
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ﴾ العامل فيه محذوف وقيل: عذاب عظيم ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ أي يقال لهم: أكفرتم؟
والخطاب لمن ارتد عن الإسلام، وقيل: للخوارج، وقيل لليهود؛ لأنهم آمنوا بصفة النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في التوراة ثم كفروا به لما بعث.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حق تقاته ﴾ بالإمالة: علي ﴿ ولا تفرقوا ﴾ بتشديد الراء: البزي وابن / فليح.
الوقوف: ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ ولا تفرقوا ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ إخواناً ﴾ ج لاحتمال الواو وللحال والاستئناف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط للعدول ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه (لا) لتعلق الظرف بلهم على الأصح.
وقيل: مصنوب بإضمار "اذكر".
﴿ وتسود وجوه ﴾ ج ﴿ اسودت وجوههم ﴾ (لا) لأن التقدير: فيقال لهم: أكفرتم؟
﴿ تكفرون ﴾ 5 ﴿ ففي رحمة الله ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ 5 ﴿ ما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ وتؤمنون بالله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه وعليه وقف لأن المعرف لا يتصف بالجملة ﴿ إلا أذى ﴾ ط و ﴿ الأدبار ﴾ وقفة لأن "ثم" لترتيب الإخبار أي ثم هم لا ينصرون، ولو كان عطفاً لكان ثم لا ينصروا.
﴿ لا ينصرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما حذر المؤمنين إضلال الكفار أمرهم في هذه الآيات بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات، فأولها لزوم سيرة التقوى.
عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ وهو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى.
أو هو القيام بالمواجب كلها والاجتناب عن المحارم بأسرها، وأن لا يأخذه في الله لومة لائم، ويقول بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، شق ذلك على المسلمين فنزلت ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ والجمهور على أنها منسوخة لأن معنى ﴿ حق تقاته ﴾ واجب تقواه وكما يحق أن يتقى وهو أن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ وإلا كان إباحة لبعض المعاصي.
ولا يجوز أن يراد بقوله: ﴿ حق تقاته ﴾ ما لا يستطاع من التكاليف كالصادر على سبيل الخطأ والسهو والنسيان لقوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ فعلى هذا لم يبق فرق بين الآيتين.
ولناصر القول الأول أن يقول: إن كنه الإلهية غير معلوم للخلق، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً فلا يحصل الخوف اللائق بذلك فلا يحصل حق الاتقاء، وإذا كان كذلك فيجوز أن يؤمر بالاتقاء الأغلظ والأخف، ثم ينسخ الأغلظ ويبقى الأخف، ونزول هذه الآية بعد قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ ممنوع ﴿ ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ﴾ ليس نهياً عن الموت وإنما هو نهي عن أن يدركهم الموت على خلاف حال الإسلام وقد مر في البقرة مثله.
ثم إنه أمرهم بما هو كالأصل لجميع الخيرات وإصلاح المعاش والمعاد وهو الاجتماع على التمسك بدين الله واتفاق الآراء على إعلاء كلمته فقال: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ حال كونهم مجموعين.
وقولهم: اعتصمت بحبله يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به ووثوقه بعنايته باستمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، / لأن وجه الشبه وصف غير حقيقي ومنتزع من عدة أمور.
ويجوز أن يكون الحبل استعارة للعهد والاعتصام لوثوقه بالعهد بناء على أن في الكلام تشبيهين، ويجوز أن تفرض الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام ترشيحاً لها.
والحاصل أن طريق الحق دقيق والسائر عليه غير مأمون أن تزل قدمه عن الجادة، فيراد بالحبل ههنا ما يتوصل به إلى الثبات على الحق وإن كانت عبارات المفسرين متخالفة.
فعن ابن عباس: هو العهد كما يجيء ﴿ إلا بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ وقيل: إنه القرآن كما روي عن علي بن أبي طالب عن النبي : " "أما إنها ستكون فتنة.
قيل: فما المخرج منها؟
قال : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين" وروى ابن مسعود عن النبي : " هذا القرآن حبل الله " وعن أبي سعيد الخدري عن النبي : " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل متين ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي " وقيل: إنه دين الله.
وقيل: إنه طاعة الله.
وقيل: إخلاص التوبة.
وقيل: الجماعة لقوله عقيب ذلك: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما بعد الحق إلا الضلال.
ويد الله مع الجماعة.
قال : " "ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد فقيل: ومن هم يا رسول الله؟
قال: الجماعة " وروي "السواد الأعظم" وروي " ما أنا عليه وأصحابي" " قال : " لا تجتمع أمتي على الضلالة " وقد يتمسك بالآية نفاة القياس قالوا: الأحكام الشرعية إن احتيج فيها إلى الدلائل اليقينية امتنع الاكتفاء فيها بالقياس، وإن اقتصر فيها على الدلائل الظنية فالقول بجواز القياس لكل أحد يوجب التفرق والاختلاف وهو منهي عنه.
وأجيب بأن الدلائل الدالة على وجوب العمل بالقياس مخصصه لعموم قوله: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ .
ثم إنه ذكرهم نعمته عليهم وذلك أنهم كانوا في الجاهلية بينهم إلا حن والبغضاء والحروب المتطاولة، فألف الله بين قلوبهم ببركة الإسلام فصاروا إخواناً في الله متراحمين متناصحين، وذلك أن من كان وجهه إلى الدنيا فقلما يخلو من معاداة ومناقشة بسبب الأغراض الدنيوية، أما العارف الناظر من الحق إلى الخلق فإنه يرى الكل اسيراً في قبضة القضاء فلا يعادي أحداً ألبتة لأنه مستبصر بسر الله في القدر.
فإذا أمر أمر برفق ناصح لا بعنف معير وكان حبه لحزب الله ونظرائه في الدين ورفقائه في طلب / اليقين أشد من حب الوالد لولده، فكانوا كالأقربين والإخوان بل كجسد واحد وكنفس واحدة, وقيل: يريد الإخوان في النسب.
وذلك أن الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم، وكان بينهما العداوة والحروب، وبقيا على ذلك مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسول الله، فذكر الله تلك النعمة.
وفيه دليل على أن المعاملات الحسنة الجارية فيما بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله حيث خلق فيهم تلك الداعية المستلزمة لحصول الفعل.
قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعونة والألطاف لا بخلق الفعل.
وأجيب بأن كل هذا كان حاصلاً قبل ذلك.
فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم.
هذا شرح النعم الدنيوية عليهم، ثم ذكرهم النعم الأخروية بقوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ وشفا الحفرة وشفتها حرفها بالتذكير والتأنيث، ومنه يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حده وطرفه.
وأنقذه واستنقذه خلصه ونجاه.
والضمير في ﴿ منها ﴾ للحفرة أو النار أو للشفاء إما لأنه في معنى الشفة وإما لإضافته إلى الحفرة وهو بعضها وهو كقوله: كما شرقت صدر القناة من الدم *** قال بعضهم: الشفة أصغر من الشفا وكذلك الضلالة والضلال لذلك قال نوح : ﴿ ليس بي ضلالة ﴾ حين قال له قومه ﴿ إنا لنراك في ضلال مبين ﴾ أي ليس بي صغير من الضلال فكيف الكبير منه؟
ومعنى الآية إنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم تشبيهاً لها بالحفر التي فيها النار وتمثيلاً بحياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها.
وفيه تنبيه على تحقير مدة الحياة وإن طالت كأنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك الشيء.
قالت المعتزلة: معنى الإنقاذ أنه لطف بهم بالرسول وبسائر ألطفاه حتى آمنوا.
وقال أهل السنة: جميع الألطاف مشتركة بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، لكن الآية دلت على أن الله هو المنقذ فعلم أن خالق أفعال العباد هو الله .
﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان البليغ ﴿ يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ﴾ إرادة أن تزدادوا هدى أو لتكونوا على رجاء هداية.
فالأول قول المعتزلة والثاني لأهل السنة، وقد مر في أوائل سورة البقرة.
ثم رغب المؤمنين الكاملين في تكميل غيرهم فقال: ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴾ وهو جنس تحته نوعان: الترغيب في فعل ما / ينبغي من واجبات الشرع ومندوباته والكف عما لا ينبغي من محرماته ومكروهاته، فلا جرم أتبعه النوعين زيادة في البيان فقال: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ واختلفوا في أن كلمة "من" في قوله: ﴿ منكم ﴾ للتبيين أو للتبيعض.
فذهب طائفة إلى أنها للتبيين لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، وكيف لا وقد وصفهم الله بذك في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ فهذا كقولك: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر.
وتريد جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم.
ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به بعض سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات.
وقال آخرون: إنها للتبعيض إما لأن في القوم من لا يقدر على الدعوة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنساء والمرضى والعاجزين، وإما لأن هذا التكليف مختص بالعماء الذين يعرفون الخير ما هو والمعروف والمنكر ما هما، ويعلمون كيف يرتب الأمر في إقامتهما، وكيف يباشر فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً.
وأيضاً قد أجمعنا على أن ذلك واجب على الكفاية، فكان هذا بالحقيقة إيجاباً على البعض الذي يقوم به.
ثم إن نصب لذلك رجل تعين عليه بحكم الولاية وهو المحتسب.
واعلم أن الأمر بالمعروف على ثلاثة أضرب: أحدها ما يتعلق بحقوق الله وهو نوعان: أحدهما ما يؤمر به الجمع دون الأفراد كإقامة الجمعة حيث تجتمع شرائطها، فإن كانوا عدداً يرون انعقاد الجمعة بهم والمحتسب لا يراه فلا يأمرهم بما لا يجوّزه ولا ينهاهم عما يرونه فرضاً عليهم ويأمرهم بصلاة العيد.
والثاني ما يؤمر به الأفراد كما إذا أخر بعض الناس الصلاة عن الوقت.
فإن قال: نسيتها.
حثه على المراقبة.
ولا يعترض على من أخرها والوقت باق.
وثانيها ما يتعلق بحقوق الآدميين وينقسم إلى عام كالبلد إذا تعطل شربه أو انهدم سوره أو طرقه أبناء السبيل المحتاجون وتركوا معونتهم.
فإن كان في بيت المال مال لم يؤمر الناس بذلك، وإن لم يكن أمر ذوو المكنة برعايتها والي خاص كمطل المديون الموسر بالدين.
فالمحتسب يأمره بالخروج عنه إذا استعداه رب الدين وليس له الحبس.
وثالثها الحقوق المشتركة كأمر الأولياء بإنكاح الأكفاء، وإلزام النساء أحكام العدد، وأخذ السادة بحقوق الأرقاء، وأرباب البهائم بتعهدها وأن لا يستعملون فيما لا تطيق، ومن يغير هيئات العبادات كالجهر في الصلاة السرية وبالعكس، أو يزيد في الأذان يمنعه وينكر عليه، / من تصدى للتدريس والوعظ وهو ليس من أهله ولم يؤمن اغترار الناس به في تأويل أو تحريف، فينكر المحتسب عليه ويظهر أمره لئلا يغتر به.
وإذا رأى رجلاً واقفاً مع امرأة في شارع يطرقه الناس لم ينكر عليه، وإن كان في طريق خال فهو موضع ريبة فينكر ويقول: إن كانت ذات محرم فصنها عن مواضيع الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله معها في الخلوة.
ولا ينكر في حقوق الآدميين كتعدي الجار في جدار الجار إلا باستعداء صاحب الحق، وينكر على من يطيل الصلاة من أئمة المساجد المطروقة، وعلى القضاة إذا حجبوا الخصوم وقصروا في النظر في الخصومات.
والسوقي المختص بمعاملة النساء يختبر أمانته فإن ظهرت منه خيانة منع من معاملتهن.
وبالجملة: " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فلينظر الداعي إلى الخير في حال كل مكلف وغير مكلف حتى الصبيان، ليتمرنوا والمجانين كيلا يضروا ويدعوه إلى ما يليق به متدرجاً من الأسهل إلى الأصعب في الأمر والإنكار كل ذلك إيماناً واحتساباً لا سمعة ورياء، ولا لغرض من الأغراض النفسانية والجسمانية، وذلك أنّ هذه الدعوة منصب النبي وخلفائه الراشدين بعده، ومن ههنا ذهب الضحاك إلى أن المراد من المذكورين في هذه الآية أصحاب رسول الله الذين يتعلمون من الرسول ويعلمون الناس.
وروي عن النبي " "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسول الله وخليفة كتابه" وعن علي: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وكفى بقوله : ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ أي الأخصاء بالفالح مدحاً لهم.
وقد يتمسك بهذا في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأنه ليس من أهل الفلاح.
وأجيب بأن هذا ورد على سبيل الغالب، فإن الظاهر أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يشرع فيه إلا بعد إصلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير وقلما يتفق ممن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت عن وجهها.
قال بعض العلماء: إن ترك ارتكاب المنهي عنه والنهي عن ارتكاب المنهي واجبان على الفاسق، فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر, وعن بعض السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا.
وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل فقال: وأينا يفعل ما يقول؟
ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهي عن منكر.
والحق في هذه القضية ما قيل:/ وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوي الناس وهو مريض والقرآن ينعي عليه بقوله: ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ وقد سلف تقريره في البقرة.
وعن داود الطائي أنه سمع صوتاً من قبر: ألم أزكِ ألم أصلِ ألم أصم ألم أفعل كذا وكذا؟
أجيب بلى يا عدو الله ولكن إنك إذا خلوت بارزته بالمعاصي ولم تراقبه.
قوله : ﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا ﴾ في النظم وجهان: أحدهما أنه ذكر في الآيات المتقدمة أنه بين في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام، ثم إن أهل الكتاب حسدوا محمداً فاحتالوا لإلقاء الشكوك في تلك النصوص، ثم انجز الكلام إلى أنه أمر المؤمنين بالدعاء إلى الخير، فختم الكلام بتحذير المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب من إلقائ الشبهات في النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة، فعلى هذا تكون الآية من تتمة الآيات المتقدمة.
وثانيهما أنه لما أمر الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن ضده وكان ذلك مما لا يتم إلا بالقدرة على تنفيذه، كيف وفي الناس ظلمة ومتغلبون، فلا جرم حذر أهل الحق أن يتفرقوا ويختلفوا كيلا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف، وعلى هذا تكون الآية من تتمة الآية السابقة فقط.
قال بعضهم: تفرقوا واختلفوا مؤداهما واحد والتكرير للتأكيد.
وقيل: معناهما مختلف.
تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين.
أو تفرقوا بسبب التأويلات الفاسدة للنصوص، واختلفوا كل منهم نصرة قوله.
أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل من الأحبار رئيسا في بلد، واختلفوا بأن صار كل منهم يدعي أنه على الحق وصاحبه على الباطل.
ولعل الإنصاف أن أكثر علماء الزمان بهذه الصفة فنسأل الله العصمة والسداد.
﴿ وأولئك ﴾ اليهود والنصارى الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم الدلالات الواضحة والنصوص الظاهرة، أو أولئك الذين اقتفوا آثارهم من مبتدعه هذه الأمة ﴿ لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ وفي تعليق الظرف بقوله ﴿ لهم ﴾ فائدتان: إحداهما أن ذلك العذاب في هذا اليوم، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن يبيض بعض الوجوه ويسود بعضها ونظير ذلك في القرآن: ﴿ وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ﴾ وفي أمثال هذه الألوان للمفسرين قولان: أحدهما - وإليه ميل أبي مسلم -: أن البياض مجاز عن الفرح والسواد عن الغم وهذا مجاز مستعمل قال : ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّاً ﴾ ولما سلم الحسن بن علي الأمر على معاوية قال له رجل: يا مسوّد وجوه المؤمنين.
وتمام الخبر سوف يجيء إن شاء الله في تفسير سورة القدر، ولبعض الشعراء في الشيب: / يا بياض القرون سودت وجهي *** عند بيض الوجوه سود القرون.
وثانيهما: أن السواد والبياض محمولان على ظاهرهما وهما النور والظلمة، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة.
فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكمده واسودت صحيفته وأحاطبت به الظلمة من كل جانب.
قالوا: والحكمة في ذلك أن يعرف أهل الموقف كل صنف فيعظمونهم أو يصغرون بحسب ذلك ويحصل لهم بسببه مزيد بهجة وسرور أو ويل وثبور.
وأيضاً إذا عرف المكلف في الدنيا أنه يحصل له في الآخرة إحدى الحالتين ازدادت رغبته في الطاعات وترك المحرمات.
قلت: والتحقيق فيه أن الهيئات والأخلاق الحميدة أنوار، والملكات والعادات الذميمة ظلمات، وكل منهما لا يظهر آثارهما كما هي إلا بعد المفارقة إلى الآخرة ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ﴾ واحتج أهل السنة بالآية على أن المكلف إما مؤمن وإما كافر وإنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين، لأنه قسم أهل القيامة إلى قسمين: مبيض الوجوه وهم المؤمنون، ومسودها وهم الكافرون لقوله في آخر الآية ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ واعترض القاضي عليه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه، وأيضاً لفظ وجوه نكرة فلا يفيد العموم.
وأيضاً المذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان، ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين فكذا القول في الفساق.
والجواب لم لا يجوز أن يكون المراد أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم، فيكون الخطاب لجميع الكفار؟
وأنه أيضاً جعل موجب العذاب في آخر الآية هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث إنه بعد الإيمان.
فإن قيل: لم قدم البياض على السواد أوّلاً وعكس آخراً؟
فالجواب بعد تسليم إفادة الواو الترتيب، أنه بدأ بذكر أهل الثواب وختم بها أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال: " "سبقت رحمتي غضبي" ولما في ذلك من رعاية حسن المطلع والمقطع وأنه فن بديع في الفصاحة.
ومن المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟
قال أبي بن كعب: هم جميع الكفار لأنهم آمنوا وقت الميثاق، ورواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي .
وقيل: المراد أكفرتم بعدما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو ما نصبه الله من دلائل التوحيد والنبوة؟
وقال عكرمة والأصم والزجاج: إنهم أهل الكتاب آمنوا قبل مبعث النبي وكفروا به بعد بعثه.
وقال قتادة: إنهم المرتدون.
وقال الحسن: هم المنافقون.
وقيل: هم الخوارج الذين قال فيهم رسول الله : "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من / الرمية" ولما رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق دمعت عنياه ثم قال: كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء.
فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله ؟
قال: بل سمعته من رسول الله ، ولو لم أسمعه، إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبعاً ما حدثتكموه.
قال: فما شأنك دمعت عيناك؟
قال: رحمة لهم.
كانوا من أهل الإسلام فكفروا ثم قرأ هذه الآية.
ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيراً فأعاذ الله منهم.
هذا مما أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعة.
ولكن المشهور من مذهب أهل السنة أنّ الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة، والاستفهام في قوله : ﴿ أكفرتم ﴾ بمعنى الإنكار.
قال القاضي: وفيه وكذا في قوله: ﴿ ما كنتم تكفرون ﴾ دليل على أن الكفر منهم لا من الله.
وقالت المرجئة: فيه دلالة على أن العذاب لا يكون إلا للكفار.
أما قوله: ﴿ ففي رحمة الله ﴾ فالمراد بها الجنة التي هي محل الرحمة.
وموقع قوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ موقع الاستئناف كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟
فأجيب بذلك أي لا يظعنون عنها ولا يموتون.
وفي إقامة الرحمة مقام الجنة دليل على أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا بفضل الله وبرحمته.
وفي إضافة الرحمة إلى نفسه وتعليل العذاب بكفرهم والنص على خلود أهل الثواب دون أهل النار وإن كانوا مخلدين أيضاً دلائل وإشارات إلى أن جانب العفو والمغفرة والرحمة مغلب، وكيف لا وقد أردفه بقوله: ﴿ تلك ﴾ الأحكام التي وردت في حيز الوعيد والوعد وانقضى ذكرها ﴿ آيات الله نتلوها عليك ﴾ متلبسة ﴿ بالحق ﴾ العدل من جزاء المحسن بإحسانه وجزاء المسيء بإساءته، أو ملتبسه بالمعنى الحق لأن معنى المتلو حق ﴿ وما الله يريد ظلما للعالمين ﴾ ولكن مصالح الخلق لا نتتظم إلا بتهديد المذنبين، وإذا حصل التهديد فلا بد من التحقيق دفعاً للكذب عمن هو أصدق القائلين.
قال الجبائي: قوله: ﴿ ظلماً ﴾ نكرة في سياق النفي فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً سواء فرض منه أو من العبد على نفسه أو على غيره، وإذا لم يرد لم يفعل إذ لو كان فاعلاً لشيء من الأقسام الثلاثة كان مريداً له هذا خلف، فثبت بهذه الآية أنه غير فاعل للظلم وغير فاعل لأعمال العباد، إذ من جملتها القبائح، وقد بينا أنه لا يريدها.
ثم إنه تمدح بأنه لا يريد ذلك، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له، فدلت الآية على أنه قادر على الظلم وعلى أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر فلهذا قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وأيضاً لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح للجهل أو العجز أو الحاجة.
وكل ذلك على / الله محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض بل لكل ما في الوجود.
وربما يقال: معنى الآية إما أن يكون أنه لا يريد أن يظلمهم، أو أنه لا يريد أن يظلم بعضهم بعضاً.
والأول لا يستقيم على مذهبكم لأن من مذهبكم أنه لو عذب البريء من الذنب أشد العذاب لم يكن ظالماً بل كان عادلاً لأن الظلم تصرف في ملك الغير وهو إنما يتصرف في ملك نفسه، فتصور الظلم منه محال عندكم، فلا يلزم منه مدح.
والثاني أيضاً محال على قولكم لأن كلاً بإرادة الله وبتكوينه عندكم، فثبت أنه لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح في مذهبكم.
أجاب أهل السنة من وجهين: الأول أنه يتوقف التمدح بنفي صفة على إمكان تصور ذلك الشيء منه بدليل قوله: ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ ولا يتوقف التمدح بذلك على صحة النوم والأكل عليه.
الثاني أنه إن عذب من ليس بمستحق للظلم لم يكن ظالماً لكنه في صورة الظلم.
وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ والحق في هذا المقام أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه.
وإذا كان اللطف والقهر من ضرورات صفات الكمال، فوضع كل منهما في مظهره يكون وضع الشيء في موضعه فلا يكون ظلماً.
واحتجت الأشاعرة بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأنها من جملة ما في السموات وما في الأرض.
أجابت المعتزلة بأن قوله: ﴿ لله ﴾ إضافة ملك لا إضافة فعل كما يقال: هذا البناء لفلان.
يراد أنه مملوكه لا أنه مفعوله.
وأيضاً الآية مسوقة في معرض المدح ولا مدح في نسبة الفواحش والقبائح إلى نفسه.
وأيضاً قوله: ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ يتناول ما كان مظروفاً لهما وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض، والداعية المنتهية إلى تخليق الله دفعاً للتسلسل أو لترجيح من غير مرجح، قالت الحكماء: تقديم السموات في الذكر على الأرض دليل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأسباب السموية، ولا شك أن الأحوال السموية مستندة إلى خلقه وتكوينه فيكون الجبر أيضاً لازماً من هذا الوجه.
﴿ وإلى الله ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ﴿ ترجع الأمور ﴾ فالأول إشارة إلى أنه مبدأ المخلوقات كلها، وهذا إشارة إلى أن معاد الكل إليه.
قوله عز من قائل: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ في النظم وجهان: أحدهما أنه لما أمر المؤمنين بما أمر ونهاهم عما نهى، عدل إلى طريق آخر يقتضي حملهم على الانقياد والطاعة لأن كونهم خير الأمم مما يقوّي داعتيهم في أن لا يبطلوا على أنفسهم هذه المزية، وذلك إنما / يكون بالتزام التكاليف الشرعية، وثانيهما أنه لما ذكر حال الاشقياء وحال السعداء نبه أوّلاً على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله: ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ بمعنى أنهم استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة.
ثم نبه على سبب وعد السعداء بقوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ أي تلك الكرامات والسعادات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا خير أمة، وأقول: لما انجز الكلام في مخاطبة المؤمنين الى بيان أن كل ما في الوجود ملكه وملكه إبداعاً واختراعاً وأن منتهى الكل إليه، أتبع ذلك مزية هذه الأمة ليعلم أنها بسابقة العناية الأزلية إذ جعلهم مظهر الألطاف، وذكر بعدها رذيلة أهل الكتاب ليعرف أنها لوقوعهم في طريق القهر ولا اعتراض لأحد على ما يفعله المالك في ملكه.
عن عكرمة ومقاتل "أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوديا اليهوديين قالا لابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه، ونحن خير وأفضل منكم, فأنزل الله هذه الآية" .
قال بعض المفسرين: "كان" ههنا تامة، وانتصاب ﴿ خير أمة ﴾ على الحال حدثتم ووجدتم خير أمة.
والأكثرون على أنها ناقصة، فجاء إيهام أنهم كانوا موصوفين بالخيرية في الزمان الماضي دون ما يستقبل.
فأجيب بأن "كان" لا تدل على عدم سابق ولا انقطاع طارىء بدليل قوله: ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ {النساء: 96] وقيل: المراد كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ خير أمة، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة كقوله: ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ﴾ وقال أبو مسلم: هذا تابع لقوله: ﴿ وأما الذين ابيضت وجوههم ﴾ وما بينهما اعتراض والتقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فلهذا نلتم من الرحمة وبياض الوجه ما نلتم.
وقال بعضهم: لو شاء الله لقال: أنتم.
فكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا، ولكنه مخصوص بقوم معينين من أصحاب رسول الله وهم السابقون الأولون ومن صنع مثل صنيعهم.
وقيل: إنها زائدة والمعنى: أنتم خير أمة.
وزيفه ابن الأنباري بأن الزائدة لا تقع في أول الكلام ولا تعمل كقول العرب "عبد الله كان قائم وعبد الله قائم كان" ولا يقولون: "كان عبد الله قائم" على أن "كان" زائدة.
لأن البداءة بها دليل شدة العناية، والملغى لا يكون في محل العناية.
وقيل: إنها بمعنى صار أي صرتم خير أمة.
وأصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد، وأمة محمد هي الطائفة الموصوفة بالإيمان به والإقرار بنبوته.
وإذا أطقلت الأمة في نحو قول العلماء"اجتمعت الأمة" وقعت عليهم.
وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم لفظ الأمة إلا بهذا القيد.
قال الزجاج: ظاهر الخطاب في ﴿ كنتم ﴾ مع أصحاب النبي ولكنه عام في حق لكل الأمة.
ونظيره ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ وقوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ أخرجت ﴾ / والمعنى: كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار.
ومعنى إخراجها أنها أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها.
وإما أن يتعلق بـ ﴿ كنتم ﴾ أي كنتم للناس خير أمة.
ثم بين سبب الخيرية على سبيل الاستئناف بقوله: ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾ كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم.
وقد يستدل بالآية على أن إجماع هذه الأمة حجة لأنها لو لم تحكم بالحق لم تكن خيراً من المبطل، ولأن اللام في ﴿ المعروف ﴾ وفي ﴿ المنكر ﴾ للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر فيكون إجماعهم حقاً , وأما أنه من أي وجه يقتضي ذلك كون هذه الأمة خير الأمم مع أن الصفات الثلاثة كانت حاصلة لسائر الأمم فذلك أن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال لأنه إلقاء النفس في خطر القتل.
وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين تحملاً لأعظم المضارّ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار، فكان من أعظم العبادات.
ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع كما قال النبي : " "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" " فلا جرم صار لك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله أعظم المعروف والتكذيب أنكر المنكر.
وفائدة القتل على الدين لا ينكره منصف فإن أكثر الناس يحبون ما ألفوه من الأديان الباطلة ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم، فإذا خوف بالقتل دخل في دين الحق مكرهاً إلى أن يألفه متدرجاً.
وأما الإيمان بالله فلا شك أنه في هذه الأمة أكمل لأنهم آمنوا بكل ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب إلى غير ذلك، ولا يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
وإنما اقتصر في وصف الأمة على الإيمان بالله لأنه يستلزم الإيمان بالنبوة وبسائر ما عددنا وإلا لم يكن في الحقيقة إيمانأ، ولهذا نفى عن أهل الكتاب في قوله: ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ وإنما قدم الأمر بالمعروف على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، لأن الآية سيقت لبيان فضل الأمر بالمعروف وتأكد القيام به ولهذا كرر بعد قوله: ﴿ ولتكن منكم / أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ﴾ فكانت العناية به أشد فكان تقديمه أهم.
وليعلم أن التكميل أفضل من الكمال نفسه ولهذا استلزم الأول الثاني دون العكس، ولأن التكميل يتضمن الكمال فكان في تأخير الإيمان بالله تكريراً له مرة بالتضمن وأخرى بالمطابقة على أن الواو لا تفيد الترتيب، وأيضاً أراد أن يبني عليه قوله: ﴿ ولو آمن ﴾ وفي التفسير الكبير: إن أصل الإيمان مشترك فيه بين الأديان فلا تتبين فيه الخيرية، لكن الآية سيقت لبيان الخيرية وليس ذلك إلا لأن هذه الأمة أقوى في باب الأمر بالمعروف فلهذا قدم، ثم أتبع ذكر الإيمان بالله ليعلم أن شرط تأثير الأمر بالمعروف في الخيرية حاصل.
ولا يخفى أن هذا الجواب مبني على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعلى أن إيمان أهل الكتاب معتد به وليس كذلك، ولهذا قال : ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ يعني إيماناً متعتبراً وهو الإيمان بالله وبسائر ما لا بد منه من الأمور المعدودة ﴿ كان خيرا لهم ﴾ لحصلت لهم صفة الخيرية أيضاً لانضمامهم في زمرة هذه الأمة، أو لحصل لهم من الرياسة وحظوظ الدنيا ما هو خير مما تركوا هذا الدين لأجله، لأن الحاصل على هذا التقدير عزة الإسلام مع الفوز بما وعدوا من إيتاء الأجر في الآخرة مرتين، وعلى ما هم فيه ليس إلا استتباع بعض الجهلة من العوام وشيء نزر من الرشا، وبعد ذلك خلود في النار، ثم فصل أهل الكتاب على سبيل الاستئناف فقال: ﴿ منهم المؤمنون ﴾ كعبد الله بن سلام ورهطه وكالنجاشي وأصحابه، فاللام للمعهود السابق ﴿ وأكثرهم الفاسقون ﴾ الخارجون عن طاعة الله وعن دينه فيقارب الكفر أو يرادفه، أو المراد أنهم ليسوا بعدول في دينهم أيضاُ فهم مردودون باتفاق الطوائف كلهم، فلا ينبغي أن يقتدى بهم ألبتة.
ثم أخبر عن حالهم وكان كما قال وهو آية الإعجاز بجملة مستأنفة هي ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ الإضرار ألا يجاوز أذى بقول كطعن في الدين أو تهديد أو تحريف نص أو إلقاء شبهة أو إظهار كلمة الكفر بإشراكهم عزيراً والمسيح.
والأذى مصدر كالأسى يقال: يفعلون أذاه يؤذيه أذى وأذاة وأذية.
والأذى نوع من الضر فصح انصابه به والتقدير: لن يضروكم شيئاً من أنواع الضرر إلا ضرراً يسيراً.
ومن هذا تبين أن الاستثناء ليس بمنقطع على ما ظن ﴿ وإن قاتلوكم بولوكم الأدبار ﴾ منهزمين ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ وإنما لم يجزم بالعطف على ﴿ يولوكم ﴾ لئلا يصير نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم بل يرفع ليكون نفي النصر وعداً مطلقاً، وتكون هذه الجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم وأبشركم أن النصر والقوة منتفٍ عنهم رأساً فلن يستقيم لهم أمر ألبتة.
ومعنى "ثم" إفادة التراخي في الرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أينما كانوا أعظم من الإخبار بانهزامهم عند القتال.
فإن قيل: هب أن اليهود كذلك، لكن النصارى قد يوجد لهم قوى وشوكة في ديارهم.
قلنا: هذه الآيات مخصوصة باليهود وأسباب النزول تدل على ذلك، فكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع وأهل خيبر، أو لعل نفي النصرة عنهم بعد القتال ولم يوجد نصراني بهذه الحالة.
وفي الآية تشجيع للمؤمن وتثبيت لمن آمن من أهل الكتاب كيلا يلتفتوا إلى تضليلاتهم وتحريفاتهم.
التأويل: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ لأهل العزائم وقوله: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ لأهل الرخص.
والمعنى: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده ﴿ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ لا ينتف وجودكم المجازي إلا وقد سلمتم لتصرفات الأحكام الإلهية والجذبات الربانية، واستفدتم الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله ﴿ واعتصموا ﴾ أهل الاعتصام طائفتان: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب لأن مشربهم الأعمال فقيل لهم اعتصموا بحبل الله وهو كل سبب يتوصل به إلى الله من أعمال البر، وأهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب إذ مشربهم الأحوال فقيل لهم: واعتصموا بالله هو مولاكم مقصودكم أو ناصركم، ولا تفرقوا في الظاهر وهو مفارقة الجماعة، وفي الباطن وهو الميل إلى البدع والأهواء.
﴿ وكنتم على شفا حفرة ﴾ وهي عداوة بعضكم لبعض وعداوتكم لله ولأنفسكم ﴿ فأنقذكم منها ﴾ بالهداية والإيمان وتأليف القلوب ﴿ كذلك ﴾ مثل ما بين آياته للأوس والخزرج حتى صاروا إخواناً ﴿ يبين لكم ﴾ أيها الطلاب ﴿ آياته ﴾ وهي الجذبة الإلهية وتجلي صفات الربوبية ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴾ بالأفعال دون الأقوال ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ لأن الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله: ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ أي يجعل ما في الضمائر على الظواهر ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ هم أرباب الطلب السائرون إلى الله انقطعوا في بادية النفس واتبعوا غول الهوى وارتدوا على أعقابهم القهقرى.
﴿ فذوقوا العذاب ﴾ لأن الناس نيام لا يذوقون ألم جراحات الانقطاع والإعراض عن الله، فإذا ماتوا انتبوا وذاقوا ﴿ ففي رحمة الله ﴾ في الدنيا بالجمعية والوفاق مع أهل الله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ في الآخرة، ولأنه يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ﴿ تلك ﴾ الأحوال ﴿ آيات الله ﴾ مع خواصه ﴿ نتلوها عليك بالحق ﴾ نظهرها على قلبك بالتحقيق ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ بأن يضع السواد والبياض في غير موضعهما ﴿ كنتم خير أمة أخرجت ﴾ من العدم إلى الوجود مستعدة لقبول كمالية الإنسان من جملة الخيرية تخفيف التكليف وضمان التضعيف، ومنها عاقب مطيعهم بشؤم عصيانهم، وغفر لعصاة هذه الأمة ببركة مطيعهم، ومنها زلاتهم لعنة وزلاتنا رحمة، ومنها شكا منهم إلينا وشكر منا إليهم قبل وجودنا ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ يعني علماء السوء ﴿ لن يضروكم ﴾ أيها المحققون ﴿ إلا أذى ﴾ من طريق الإنكار والحسد ﴿ وإن يقاتلوكم ﴾ ينازعوكم ويخاصموكم ﴿ يولوكم الأدبار ﴾ من صدق نياتكم ﴿ لا ينصرون ﴾ لأنكم أهل الحق وحزب الله وإن حزب الله هم الغالبون.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا خبراً في الحقيقة، وإن كان في الظاهر أمراً؛ فإن كان خبراً ففيه دلالة أن جماعة منهم إذا قاموا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - سقط ذلك عن الآخرين؛ لأنه ذكر فيه حرف التبعيض، وهو قوله: ﴿ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ...
﴾ الآية.
ويحتمل أن يكون على الأمر في الظاهر والحقيقة جميعاً، ويكون قوله: ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ - صلة، فإن كان على هذا ففيه أن على [كل] أحد أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وذلك واجب؛ كأنه قال: كونوا أمّة ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ الآية؛ لأنه ذكر - جل وعز - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آي كثيرة من كتابه، منها هذا: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ...
﴾ الآية، ومنها قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، وذمّ من تركهما بقوله: ﴿ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ .
ورُوي عن عكرمة أن ابن عباس - ما - قال له: "قد أعياني أن أعلم ما يفعل بمن أمسك عن الوعظ، فقلت: أنا أعلمك ذلك، اقرأ الآية الثانية: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ...
﴾ ، فقال لي: أصبت.
فاستدل ابن عباس - - بهذه الآية على أنّ الله أهلك من عمل السوء، ومن لم ينه عنه من يعمله، فجعل - والله أعلم - الممسكين عن نهي الظالمين مع الظالمين في العذاب.
وقد رُوي عن أبي بكر الصديق - - قال: "يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ وإني سمعت رسول الله يقول: "إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ - أَو شَكَ أَنْ يَعُمَّهُم اللهُ بِعِقَابٍ" وعن جرير قال: سمعت رسول الله يقول: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ فِي القَوْمِ، وَيَعْمَلُ فِيهِمْ بِمَعَاصِي الرَّحْمَنِ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَعَزُّ، وَلَوْ شَاءُوا أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ لأَخَذُوا عَلَى يَدِهِ؛ فَيَرْهَبُوا لَهُ؛ فَيُعَذِّبُهُمُ اللهُ بِهِ" وعن حذيفة قال: قال رسول الله : "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوْنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيَعُمَّكُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُونَهُ ولا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ" وعن أبي سعيد الخدري يذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ اللهَ لَيَسْأَلُ العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذَا رَأَيْتَ مُنْكَراً أَنْ تُنْكِرَهُ؟
فإذَا اللهُ لَقَّنَ عَبْداً حُجَّتَهُ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، وَثِقْتُ بِكَ، وَفَرَقْتُ مِنَ النَّاسِ" وعن أبي هريرة - - قال: اجتمع نفر من أصحاب رسول الله [فقالوا: يا رسول الله]، أرأيت إن قلنا بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف إلا ما عملنا به، وانتهينا عن المنكر حتى لا يبقى، أيسعنا ألا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر؟
فقال: "مُرُوا بالمَعْروفِ، وإنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تُنْهَوُا عَنْهُ".
ولا ينبغي للرجل أن يقول: لست ممن يعمل بالمعروف كله، وينتهي عن المنكر كله، حتى آمر غيري وأنهاه، فإن فعله المعروف واجب عليه، فلا يجب إذا قصر في واجب أن يقصر في غيره.
وقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ .
يحتمل: وجوهاً: يحتمل: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ : أي: صرتم خير أمّة أظهرت للناس؛ بما تدعون الخلق إلى النجاة والخير.
ويحتمل: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ في الكتب السالفة؛ بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.
ويحتمل: تكونون خير أمة إن أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.
ويحتمل: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ : صرتم خير أمّة، وكانوا كذلك هم خير ممن تقدمهم من الأمم؛ بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته، والإشفاق على رسوله، حتى كان أحبّ إليهم من أنفسهم؛ ويرونه أولى بهم، والله الموفق.
ثم اختلف في المعروف والمنكر، قيل: المعروف: كل مستحسن في العقل فهو معروف، وكل مستقبح فيه فهو منكر.
ويحتمل الأمر بالمعروف: هو الأمر بالإيمان، والنهي عن المنكر: هوا لنهي عن الكفر؛ دليله: قوله: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية، يؤمنون هم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، وينهون عن الكفر.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ ﴾ : لأن التفرق هو سبيل الشيطان بقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .
﴿ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ : والبينات: هي الحجج التي أتى بها.
ويحتمل: بيان ما في كتابهم من صفة [رسولنا] محمد ونعته [الشريف].
ويحتمل: تفرقوا عما نهج لهم الله، وأوضح لهم الرسل؛ فأبدعوا لأنفسهم الأديان بالأهواء، فحذرنا ذلك، وعرفنا أن الخير كله في اتباع من جعله الله حجة له، ودليلاً عليه، وداعياً إليه، ولا قوة إلا بالله.
﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : دلّ هذا أن السبيل هو الذي يدعو الشيطان إليها.
وقوله: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ...
﴾ الآية: وصف الله - عز وجل - وجوه أهل الجنة بالبياض؛ لأن البياض هو غاية ما يكون به الصفاء؛ لأن كل الألوان تظهر في البياض، ووصف - عز وجل - وجوه أهل النار بالسواد؛ لأن السواد هو نهاية ما تكون به الظلمة؛ إذ الألوان لا تظهر في السواد فهو شبيه بالظلمة.
وقد يحتمل أن يكون المراد من وصف البياض والسواد - ليس نفس البياض والسواد؛ ولكنّ البياض هو كناية عن شدّة السرور والفرح، والسّواد كناية عن شدة الحزن والأسف؛ كقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ ، ووصف وجوه أهل الجنة بالضحك، وليس على حقيقة الضحك؛ ولكن وصف بغاية السرور والفرح؛ وكذلك وجوه أهل النار وصفها بالغير والقتر؛ وهو وصف بشدة الحزن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أكفرتم بألسنتكم بعدما شهدت خلقتكم بوحدانية الله ؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانيته.
ويحتمل: أي: كفرتم بعدما آمنتم بمحمّد قبل أن يبعث بوجودكم، نعته وصفته في كتابكم وعلى هذا قال بعض أهل التأويل: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ : أي: على استجابة كثير منهم من الأجلّة والكبراء، الذين لا يعرفون بالتعنت في الدّين ولا بالتقليد، [والله أعلم].
ويحتمل قوله: أكفرتم أنتم بعد أن آمن منكم فرق؟!؛ لأن منهم من قد آمن، ومنهم من كفر، فقال لمن كفر: أكفرتم أنتم وقد آمن منكم نفر؟!
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ والله أعلم؛ وكقوله: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ﴾ ؟!
[الصف: 14].
وقيل: أراد بالإيمان - الذي قالوا حين أخرجوا من ظهر آدم.
وفي الآية ردّ قول المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار، وإخراجهم إياهم من الإيمان من غير أن أدخلوهم في الكفر؛ لأنه - عز وجل - لم يجعل إلا فريقين: بياض الوجوه، وسواد الوجوه، فبياض الوجوه هم المؤمنون، وسواد الوجوه هم الكافرون؛ لأنه قال: ﴿ أَكْفَرْتُمْ ﴾ فأصحاب الكبائر لم يكفروا بارتكابهم الكبيرة، ولم يجعل الله - - فرقة ثالثة؛ وهم فرقة ثالثة؛ وكذلك قال - عز وجل -: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ لم يجعل الخلق إلا فريقين، وهم جعلوا فرقاً؛ وكقوله: ﴿ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ﴾ .
فإن قيل: ذكر في الآية الكفر بعد الإيمان، ثم لم يكن فيه منع دخول من لم يكفر بعد الإيمان؛ فامتنع ألا يكون فيه منع دخول صاحب الكبيرة.
فجوابنا ما سبق: أن خلقه كل كافر تشهد على [وحدانية الله ]، لكنهم كفروا بألسنتهم، وذلك كفر بعد الإيمان؛ فلم يجز أن يدخل في الآية من لم يكن كافراً في حكم الكافر، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .
في الظاهر أمر، لكنه في الحقيقة ليس بأمر؛ لأن العذاب لا يذاق، وإنما يذوق هو؛ فكأنه قال: اعلموا أن عليكم العذاب.
وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ...
﴾ \[الآية\]: يحتمل: ﴿ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : حجج الله وبراهنيه.
ويحتمل: ﴿ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : القرآن.
﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : ببيان الحق.
ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : بالدّين، والدين هو الحق، ويحتمل: أن الآيات هي الحق.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: بالأمر بالدعاء إلى الحق.
ويحتمل: الحق الذي لله على عباده، ولبعضهم على بعض.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ : والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان ما في السماوات وما في الأرض كله له، من وصف في الخلق بالظلم إنما وصف؛ لأنه يضع حق بعض في بعض، ويمنع حق بعض؛ فيجعل لغير المحق، فالله يتعالى عن ذلك.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
أي: لا يريد أن يظلمهم، وإن شئت قلت: قلت الإرادة صفة لكل فاعل في الحقيقة؛ فكأنه قال: لا يظلمهم، وكيف يظلم؟!
وإنما يظلم بنفع تسرّه إليه النفس، أو ضرر يدفع به، فالغني بذاته متعال عن ذلك.
وقوله: ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .
أي: إليه يرجع إمر كل أحد، فلا يحتمل الظلم [وجود الظلم منه].
<div class="verse-tafsir"
وأما الذين ابيضت وجوههم فمقامهم في جنات النعيم، خالدين فيها أبدًا، في نعيم لا يزول ولا يحول.
<div class="verse-tafsir" id="91.jnQ9j"
إن الله تعالى قد وضع لنا بفضله ورحمته قاعدة نرجع إليها عند تفرق الأهواء واختلاف الآراء وهي الاعتصام بحبله، ولذلك نهانا عن التفرق بعد الأمر بالاعتصام الذي قلنا في تفسيره إنه تمثيل لجميع أهوائهم وضبط إرادتهم.
ومن القواعد المسلمة أنه لا تقوم لقوم قائمة إلا إذا كان لهم جامعة تضمهم ووحدة تجمعهم وتربط بعضهم ببعض فيكونون بذلك أمة حية كأنها جسد واحد كما ورد في حديث: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" وحديث: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".
فإذا كانت الجامعة الموحدة للأمة هي مصدر حياتها، سواء كانت مؤمنة أم كافرة، فلا شك أن المؤمنين أولى بالوحدة من غيرهم لأنهم يعتقدون أن لهم إلهًا واحدًا يرجعون في جميع شؤونهم إلى حكمه الذي يعلو جميع الأهواء ويحول دون التفرق والخلاف.
بل هذا هو ينبوع الحياة الاجتماعية لما دون الأمم من الجمعيات حتى البيوت.
ولما كان لكل جامعة وكل وحدة حفاظ يحفظها أرشدنا إلى ما تحفظ به جامعتنا التي هي مناط وحدتنا -وأعني بها الاعتصام بحبله- فقال: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفاظ الجامعة وسياج الوحدة.
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى "منكم" هل معناه بعضكم أم "من" بيانية.
ذهب مفسرنا (الجلال) إلى الأول لأن ذلك فرض كفاية وسبقه إليه الكشاف وغيره وقال بعضهم بالثاني، قالوا والمعنى ولتكونوا أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.
والظاهر أن الكلام على حد "ليكن لي منك صديق" فالأمر عام، ويدل على العموم قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ فإن التواصي هو الأمر والنهي وقوله : ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ وما قص الله علينا شيئًا من أخبار الأمم السالفة إلا لنعتبر به.
وقد أشار المفسر (الجلال) إلى الاعتراض الذي يرد على القول بالعموم وهو أنه يشترط فيمن يأمر وينهي أن يكون عالمًا بالمعروف الذي يأمر به والمنكر الذي ينهى عنه وفي الناس جاهلون لا يعرفون الأحكام.
ولكن هذا الكلام لا ينطبق على ما يجب أن يكون عليه المسلم من العلم، فإن المفروض الذي ينبغي أن يحمل عليه خطاب التنزيل هو أن المسلم لا يجهل ما يجب عليه، وهو مأمور بالعلم والتفريق بين المعروف والمنكر، على أن المعروف عند إطلاقه يراد به ما عرفته العقول والطباع السليمة والمنكر ضده وهو ما أنكرته العقول والطباع السليمة، ولا يلزم لمعرفة هذا قراءة "حاشية ابن عابدين على الدرر" ولا "فتح القدير" ولا "المبسوط" وإنما المرشد إليه، مع سلامة الفطرة، كتاب الله وسنة رسوله المنقولة بالتواتر والعمل وهو ما لا يسع أحد جهله ولا يكون المسلم مسلمًا إلا به.
فالذين منعوا عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جوزوا أن يكون المسلم جاهلًا لا يعرف الخير من الشر ولا يميز بين المعروف والمنكر وهو لا يجوز دينًا.
ثم إن هذه الدعوة إلى الخير والأمر والنهي لها مراتب: فالمرتبة الأولى هي دعوة هذه الأمة سائر الأمم إلى الخير وأن يشاركوهم فيما هم عليه من النور والهدى، وهو الذي يتجه به قول المفسر: إن المراد بالخير الإسلام، وقد فسرنا الإسلام من قبل بأنه دين الله على لسان جميع الأنبياء لجميع الأمم وهو الإخلاص لله تعالى والرجوع عن الهوى إلى حكمه وهذا مطلوب منا بحكم جعلنا أمة وسطًا وشهداء على الناس -كما تقدم في سورة البقرة- وخير أمة أخرجت للناس كما سيأتي بعد آيات مقيدًا بكوننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وبحكم قوله في وصف المؤمنين الذي أذن لهم بالقتال: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ فالواجب دعوة الناس إلى الإسلام أولًا فإن أجابوا وجب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وأما كون هذا حفاظًا للوحدة ومانعًا من الفرقة فهو أن الأمة إذا اجتمعت على هذا المقصد العالي الشريف، وهو أن تكون مسيطرة على الأمم كلها ومربية لها ومهذبة لنفوسها، فلا شك أن جميع الأهواء الشخصية تتلاشى من بينهم، فإذا عرض الحسد والبغي لأحد من أفرادهم تذكروا وظيفتهم العالية الشريفة التي لا تتم إلا بالتعاون والاجتماع فأزالت الذكرى ما عرض، وشفت النفوس قبل تمكن المرض.
والمرتبة الثانية في الدعوة والأمر والنهي هي دعوة المسلمين بعضهم بعضًا إلى الخير وتآمرهم فيما بينهم بالمعروف وتناهيهم عن المنكر، والعموم فيها ظاهر أيضًا وله طريقان: أحدهما: الدعوة العامة الكلية -كهذا الدرس- ببيان طرق الخير وتطبيق ذلك على أحوال الناس وضرب الأمثال المؤثرة في النفوس التي يأخذ كل سامع منها بحسب حاله.
وإنما يقوم على هذا الطريق خواص الأمة العارفون بأسرار الأحكام وحكمة الدين وفقهه وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ ومن مزايا هؤلاء تطبيق أحكام الله تعالى على مصالح العباد في كل زمان ومكان فهم يأخذون من الأمر العام بالدعوة والأمر والنهي على مقدار علمهم.
والطريق الثاني: الدعوة الجزئية الخاصة وهي ما يكون بين الأفراد بعضهم مع بعض، ويستوي فيه العالم والجاهل وهو ما يكون بين المتعارفين من الدلالة على الخير والحث عليه عند عروضه والنهي عن الشر والتحذير منه، وكل من ذلك التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وكل واحد يأخذ من الفريضة العامة بقدره.
وقد يقال: كيف يكون التآمر والتناهي حافظًا للوحدة ونحن نرى الأمر بالعكس، نرى التناصح سبب التخاصم والتدابر حتى صار من أعسر الأمور بين الإخوان والأصحاب أن يقول أحدهما للآخر إنك فعلت كذا وهو منكر فارجع عنه أو إنك قادر على كذا من المعروف فأته.
وعن نفسي فلقد صار من الصعب جدًا، حتى مع من أعده صنيعة لي أو ولدًا أو أخًا، أن أنصحه في الأمر أكثر من مرة خشية أن ينفر ويحمله ذلك على قطع ما بيننا من الرابطة.
فكأن النصح لهم من الكليات التي لا يوجد لها إلا فرد واحد.
ولقد أصبحت -لهذا النفور من النصح- أسلك مع أصحابي والمتصلين بي مسلك الكناية والتعريض في الغالب.
غير أن هذا لا يعد حجة على الله ولا شبهة على دينه لأنه منتهى ما تصل إليه الأمم من الفساد والبعد عن الخير واستحقاق الغضب الإلهي، وتكاد الأمة التي يفشو هذا فيها تكون من الأمم التي تودِّع منها.
وإنما الكلام في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع المسلمين الذين كانوا يشعرون بنعمة الله عليهم بالتأليف بين قلوبهم وإنقاذهم من النار بعد أن كانوا قد أشفوا عليها ومع من يشاركونهم في شعورهم ذاك ويتبعون سنتهم في الاهتداء بما أنزل الله، كما وقع بين الأوس والخزرج في الرواية التي سبق ذكرها.
فأمثال هؤلاء هم الذين يصدق عليهم قوله : "المؤمن مرآة المؤمن".
إن ما نحن فيه الآن من سوء الحال أثر تفريط كبير تمادى في زمن طويل بعد ما عظم التساهل في ترك التناصح وبطل رد ما يتنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله، أي إلى كتاب الله وسنة رسوله، وخوت القلوب من احترام الدين حتى لم يعد له سلطان على الإرادة، بل صار كل شخص أسير هواه، ومتى أمسى الناس هكذا -لا دين ولا مروءة ولا أدب- فأي فرق بين الطائفة منهم والقطيع من المعز أو البقر.
وإذا سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ ؟
فالجواب: أن هذا بعد القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أن الإنسان لا يضره ضلال غيره إذا هو أمره ونهاه، فإنه لا يكون مهتديًا مع تركه لهذه الفريضة.
من العجب أن بعض الناس اشترطوا لهذه الفريضة شرطًا لم يأذن به الله ولم ينزله في كتابه وهو أنه لا يأمر ولا ينهى إلا من كان مؤتمرًا ومنتهيًا.
ويشترط بعضهم للوجوب شرطًا آخر وهو الأمن على النفس، وكان ينبغي أن يقولوا على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة حتى لا ينفر الناس أو لا يحملهم على إيذائه فإن الله يقول إنه لا نجاة للناس إلا بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر ولم يشترط في ذلك شرطًا.
إن الله تعالى أمر الناس بالتواصي بالحق والدعوة إلى الخير وأمرهم أن يعدوا لذلك عدته ويعرفوا سبلهن وهي مبسوطة في السنة، كقصة ذلك الرجل الذي كان ينادي في الطريق أريد أن أزني: فجاء النبي وضرب على كتفه وقال: "أتفعل هذا بأمك؟" قال: لا، قال: "أتفعله بأختك؟" قال: لا، وخجل الرجل وانصرف.
وكقصة الأعرابي الذي عاهد الرسول على ترك الكذب.
فهذه هي الحكمة وبها تجب القدوة ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ وإنا لن نكون متبعين له حتى نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر على سنته وطريقته.
هنا يخلطون بين النهي عن المنكر وتغيير المنكر الذي جاء في حديث: "من رأى منكم منكرًا فليغيره".
وهذا شيء آخر غير النهي البتة، فإن النهي عن الشيء إنما يكون قبل فعله وإلا كان رفعًا للواقع أو تحصيلًا للحاصل، فإذا رأيت شخصًا يغش السمن مثلًا وجب عليك تغيير ذلك ومنعه منه بالفعل إن استطعت، فالقدرة والاستطاعة هنا مشروطة بالنص، فإن لم تقدر على ذلك وجب عليك التغيير باللسان، وهو غير خاص بنهي الغاش ووعظه بل يدخل فيه رفع أمره إلى الحاكم الذي يمنعه بقدرة فوق قدرتك.
أما التغيير بالقلب فهو عبارة عن مقت الفاعل وعدم الرضى بفعله.
وللنهي طرق كثيرة وأساليب متعددة ولكل مقام مقال.
نعم إن دعوة الأمة غيرها من الأمم إلى الخير الذي هي عليه لا يطالب بها كل فرد بالفعل، إذ لا يستطيع كل فرد ذلك، وإنما يجب على كل فرد أن يجعل ذلك نصب عينيه حتى إذا عنَّ له بأن لقي أحدًا من أفراد تلك الأمم دعاه، لا أنه ينقطع لذلك ويسافر لأجله، وإنما يقوم بهذا طائفة يعدون له عدته، وسائر الأفراد يقومون به عند الاستطاعة فهو يشبه فريضة الحج، هي فرض عين ولكن على المستطيع.
وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آكد من فريضة الحج، ولم يشترط فيها الاستطاعة لأنها مستطاعة دائمًا.
فإذا قال قائل إن من الناس من لا يستطيع ذلك قطعًا.
فقوله مردود..
والدليل، مثلًا، طائفة الشيعة، فإنهم لما كانت الدعوة ملتزمة عندهم صاروا كلهم دعاة عندما يعن لهم من يدعونه.
ولما كنت في بيروت احتجت إلى ظئر لإرضاع ابنة لي، فجيء بظئر شيعية من "المتاولة"، فكانت في الدار تدعو النساء إلى مذهبها.
وإن رعاة الإبل من الصحابة والتابعين كانوا يدعون كل أحد إلى الإسلام حتى الملوك والأمراء.
فهذا يدل على أن الأمة إذا أرادت الدعوة لا يقف في سبيلها شيء.
وإن الجهل ليس بعذر للمسلم لأنه يجب أن يكون عالمًا.
جملة القول أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض حتم على كل مسلم كما تدل الآية في ظاهرها المتبادر وغيرها من الآيات كقوله تعالى: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ وكذلك عمل الرسول وأصحابه .
وكون هذا حفاظًا للأمة وحرزًا ظاهرًا، فإن الناس إذا تركوا دعوة الخير وسكت بعضهم لبعض على ارتكاب المنكرات خرجوا عن معنى الأمة وكانوا أفذاذًا متفرقين لا جامعة لهم ولهذا ضرب الرسول للمداهن مثل راكب في سفينة يطوف على جماعة معه بماء وكل ينفر مما معه فقال لهم إني في حاجة إليه وذهب ينقر في السفينة فإن أخذوا على يده نجوا ونجا معهم وإلا هلك وهلكوا جميعًا.
ففشوا المنكرات مهلكة للأمة ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ فلا بد للمرء في حفظ نفسه ومن معه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا سيما أمهات المنكرات المفسدة للاجتماع كالكذب والخيانة والحسد والغش.
فهذا ليس من فروض الكفاية التي يتواكل فيها الناس كصلاة الجنازة، إذ لا تجب على كل من علم أن هنا ميتًا أن ينتظر غسله ليصلي عليه بل يكفي أن يعلم أنه يوجد من يصلي عليه، ولكنه إذا رأى منكرًا وجب عليه أن ينهي عنه ولا ينتظره غيره لأنه تغيير على رأيه.
بقي علينا بيان معنى الآية على القول بأن "من" للتبعيض وتقدير الكلام ولتكن منكم طائفة متميزة تقوم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمخاطب بهذا جماعة المؤمنين كافة فهم المكلفون أن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة فههنا فريضتان، إحداهما: على جميع المسلمين والثانية: على الأمة التي يختارونها للدعوة.
ولا يفهم معنى هذا حق الفهم إلا بفهم معنى لفظ الأمة وليس معناه الجماعة كما قيل وإلا لما اختير هذا اللفظ.
والصواب أن الأمة أخص من الجماعة فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص، والمراد بكون المؤمنين كافة مخاطبين بتكوين هذه الأمة لهذا العمل هو أن يكون لكل فرد منهم إرادة وعمل في إيجادها وإسعادها ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة حتى إذا رأوا منها خطأ أو انحرافًا أرجعوها إلى الصواب.
وقد كان المسلمون في الصدر الأول، لا سيما زمن أبي بكر وعمر على هذا النهج من المراقبة للقائمين بالأعمال العامة حتى كان الصعلوك من رعاة الإبل يأمر مثل عمر بن الخطاب -وهو أمير المؤمنين- وينهاه فيما يرى أنه الصواب، ولا بدع فالخلفاء على نزاهتهم وفضلهم ليسوا بمعصومين، وقد صرح عمر بخطئه ورجع عن رأيه غير مرة.
ومن العبر في هذا المقام تنفيذ بلال الحبشي العتيق لأمر عمر بمحاسبة خالد بن الوليد سيد بني مخزوم بعد تبليغه عزله من قيادة الجيش بالشام، ومجمل القصة: أن عمر كتب عندما ولي الخلافة إلى أبي عبيدة وهو في جيش خالد على الشام يوليه إمارة الجيش العامة ويعزل خالدًا عنها، وكان الجيش على حصار دمشق أو في اليرموك -(روايتان)- فكتم أبو عبيدة الأمر وكبر عليه أن يظهره قبل أن يتم لهم النصر، ولما أبطأ على عمر الجواب كتب إلى عبيدة ثانية يأمره فيه بأن يقرأه على ملأ المسلمين، وفيه الإذن بأن يعتقل خالد بعمامته ويحاسب على ما كان منه في إمارته، فهابه أبو عبيدة لشرفه وشجاعته وبلائه في الحرب وحب الجيش له، ولكنه لما قرأ الكتاب قام بلال الحبشي من فقراء الموالي، وحلّ عمامة خالد واعتقله بها، وسأله عما أمر به عمر فخضع وأجاب.
فانظروا ما فعل هدى الإسلام بهؤلاء الكرام، يقوم مولى من الفقراء الضعفاء إلى السيد القرشي العظيم والقائد الكبير فيعقله بعمامته على أعين الملأ الذين كان أميرهم وقائدهم ويحاسبه فيجيبه عن كل ما سأله.
وروى أنه بعد أن أطاع وأجاب داعي الخليفة أعاد إليه بلال قلنسوته وعممه بيده قائلًا: نسمع ونطيع ونفخم موالينا.
وروي أيضًا أن عمر استحضر خالدًا إلى المدينة واعتذر له بعد العتاب بأنه لم يعزله ويأمر فيه بما أمر لريبة وإنما رأى أن الناس افتتنوا به وخاف عليه أن يفتتن بهم وقيل إنه قال له: خفت أن يعبدك أهل الشام.
إذا كان كل فرد من أفراد المسلمين مكلفًا الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقتضى الوجه الأول في تفسير الآية، فهم مكلفون بمقتضى هذا الوجه الثاني أن يختاروا أمة منهم تقوم بهذا العمل لأجل أن تتقنه وتقدر على تنفيذه، إن لم يوجد ذلك بطبعه كما كان في زمن الصحابة، فإقامة هذه الأمة الخاصة فرض عين يجب على كل مكلف أن يشترك فيه مع الآخرين، ولا مشقة في هذا علينا، فإنه يتيسر لأهل كل قرية أن يجتمعوا ويختاروا واحدًا منهم أو أكثر.
أن يختاروا جماعة يصح أن يطلق عليهم لفظ الأمة ويعملوا ما تعمله بالاتحاد والقوة ليتولوا إقامة هذه الفريضة فيها كما يجب ذلك في كل مجتمع إسلامي سواء كان في الحواضر أو البوادي.
فإن معنى الأمة يدخل فيه معنى الارتباط والوحدة التي تجعل أفرادها على اختلاف وظائفهم وأعمالهم، حتى في إقامة هذه الفريضة عند تشعب الأعمال فيها، كأنهم شخص واحد.
وهذه الأمة يدخل في عملها الأمور العامة التي هي من شأن الحكام وأمور العلم وطرق إفادته ونشره وتقرير الأحكام وأمور العامة الشخصية، ويشترط فيها العلم بذلك، ولذلك جعلت أمة وفي معنى الأمة القوة والاتحاد، وهذه الأمة لا تتم إلا بالقوة والاتحاد، فالأمة المتحدة لا تقهر ولا تغلب من الأفراد ولا تعتذر بالضعف يومًا ما فتترك ما عهد إليها وهو ما لو ترك لتسرب الفساد إلى مجموع المسلمين.
وقد كان المسلمون في زمن الصدر الأول، لا سيما على عهد الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، على هذه الطريقة فقد كانت خاصة الصحابة الذين عاشروا النبي وتلقوا عنه متواصلين متكاتفين يشعر كل منهم بما يشعر به الآخر من الحاجة على نشر الإسلام وحفظه ومقاومة كل ما يمس شيئًا من عقائده وآدابه وأحكامه ومصالح أهله وكان سائر المسلمين تبعًا لهم.
ولا نتكلم هنا فيما طرأ على الإسلام فأزال تلك الوحدة ولكننا نذكر ما يجب أن تكون عليه الأمة الداعية على الخير الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، أي القائمة بالواجبات التي هي قوام الوحدة وحفاظها، فإن أعمالها لا تتم إلا بأمور كثيرة، منها: العلم التام بما يدعون إليه: عن أول ما يجب على هؤلاء الدعاة العلم بالقرآن والعلم بالسنة وسيرة النبي والخلفاء الراشدين وسلف الأمة الصالح وبالقدر الكافي من الأحكام.
فهذا شيء من البيان وهو في نفسه يحتاج إلى بيان وتفصيل أهمه: أن العلم بالقرآن إنما ينظر فيه قبل كل شيء إلى كونه هدى وعبرة وموعظة على نحو تفسيرنا هذا وكذلك السنة وما صح من أقوال الرسول وسيرته وينظر في هذا أيضًا إلى الفرق بين ما تواتر عملًا وما صح سندًا وما ليس كذلك.
العلم بحال من توجه إليهم الدعوة: في شئونهم واستعدادهم وطبائع بلادهم وأخلاقهم، أو ما يعبر عنه في عرف العصر بحالهم الاجتماعية، وقد روي أن من أسباب ارتضاء الصحابة بخلافة أبي بكر كونه أنسب العرب، وليس معنى كونه أعلم بالأنساب أنه كان عنده كتاب "بحر الأنساب" يراجع فيه وإنما معناه أنه كان أعلمهم بأحوال قبائل العرب وبطونها وتاريخ كل قبيلة وسابق أيامها وأخلاقها، كالشجاعة والجبن والأمانة والخيانة ومكانها من الضعف والقوة والغنى والفقر وما كان إقدامه -مع لينه وسهولة خلقه التي يعرفها له كل أحد حتى الإفرنج- على حرب أهل الردة إلا لهذا العلم الذي كان به على بصيرة، فلم يهب ولم يخف، وقد خاف عمر وأحجم على شدته المعروفة على الكافرين والمنافقين.
حتى قال أبو بكر: والله لو منعوني عقالًا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه.
فهذه قوة العلم، لا قوة الجهل.
مناشئ علم التاريخ العام: ليعرفوا الفساد في العقائد والأخلاق والعادات فيبنون الدعوة على أصل صحيح ويعرفون كيف تنهض الحجة ويبلغ الكلام غايته من التأثير وكيف يمكن نقل هؤلاء المدعوين من حال إلى حال.
ولهذا كان القرآن مملوءًا بعبر التاريخ.
علم تقويم البلدان: ليعد الدعاة لكل بلاد منها عدتها إذا أرادوا السفر إليها، وقد كان الصحابة أعلم أهل زمانهم بالتاريخ وما يسمى الآن بتقويم البلدان وبالجغرافية ولذلك أقدموا على الفتوح ومحاربة الأمم فانتصروا عليهم بالعلم لا بالجهل، فلو كانوا يجهلون مسالك بلادهم وطرقها ومواقع المياه وما يصلح موقعًا للقتال فيها لهلكوا وكان الجهل أول أسباب هلاكهم.
ومن قرأ ما حفظ من خطبهم وكتبهم التي كانوا يتراسلون بها ومحاوراتهم في تدبير الأعمال يظهر له ذلك بأجلى بيان.
ومن الناس من ينفر من التاريخ وتقويم البلدان، الذي هو فرع من فروعه، وما أضر هؤلاء إلا بأنفسهم وأمتهم!!
فقد قطعوا الصلة بينهم وبين القدوة الصالحة من سلفهم حتى صار أكثر المسلمين لا يعرفون مبدأ الإسلام ولا كيفية نشأته ولا كيف انتسبوا إليه، فالتاريخ يعرف الإنسان بنفسه من حيث هو متدين إن كان له دين أو من حيث هو إنسان إن كان من بني الإنسان، وما أضر بالفقه شيء كالجهل بالتاريخ لأننا لو حفظنا تاريخ الناس، ومنه عاداتهم وعرفهم ومصالحهم في البلاد التي كان فيها المجتهدون الواضعون لهذا الفقه، لكنا نعرف من أسباب خلافهم ومدارك أقوالهم ما لا نعرفه اليوم، فما كان ذلك الخلاف جزافًا ولا عبثًا.
ألم تر أن الشافعي وضع بعد مجيئه إلى مصر مذهبًا جديدًا غير المذهب القديم الذي كان عليه أيام لم يكن خبيرًا بغير الحجاز والعراق؟
وكذلك كان من خالف به أبو يوسف أستاذه أبا خليفة مما يرجع الكثير منه إلى ما اختبره من حال الناس في مصالحهم ومنافعهم وعرفهم.
فبالله كيف ينتسب امرؤ إلى إمام ويشتغل بعلم مذهبه وهو لا يعرف تاريخه وتاريخ عصره!!
وجملة القول أن الجاهل بالتاريخ لا يصلح أن يكون فردًا من الأمة الداعية إلى الإسلام الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر في الأمور العامة على الوجه الذي يرجى قبوله.
علم النفس: وهو يساوي علم التاريخ في المكانة والفائدة، أي العلم الباحث عن قوى النفس وتصرفها في علومها وتـأثير علومها في أعمالها الإدارية.
مثالب ذلك أن الأصل أن يكون العمل تابعًا للعلم، ولكن كثيرًا من الناس يعتقدون أن عمل كذا ضار ويأتونه وعمل كذا نافع ويتركونه.
فما هو السبب في ذلك، وهل يحسن دعوة هؤلاء إلى الخير وإقناعهم بترك الشر من لا يعرف لماذا تركوا الخير واقترفوا الشر؟
فهذه المعرفة هي من علم النفس الذي يؤخذ منه أن من العلم ما يكون صفة للنفس حاكمة على إرادتها مصرفة لها في أعمالها ومنه ما هو صورة تعرض للذهن لا أثر لها في الإرادة فلا تبعث على العمل وإنما يكون مظهره القول أحيانًا.
ولا تظنوا أن الصحابة لم يكن عندهم شيء من هذا العلم إذ لم يكونوا يدرسونه في الكتب ويتلقونه عن المعلمين فإنكم إذا قرأتم التاريخ وعرفتم كيف كانوا يتجالدون في الحرب، ويجادلون في مواقع الخطب، بمجرد الفطرة التي بعدنا عنها أمكنكم أن تعرفوا مكانهم منه، نعم إن الإنسان في كل زمن يحتاج إلى نوع من طرق التعليم غير ما كان في الزمن الذي قبله، فالحقيقة الواحدة قد تختلف طرق العلم بها باختلاف الزمان والمكان والأحوال.
علم الأخلاق: وهو العلم الذي يبحث في الفضائل وكيفية تربية المرء عليها، وعن الرذائل وطرق توقيه منها، وهو ضروري، وما ورد فيه من الآيات والأحاديث وآثار الصحابة والتابعين يغني بشهرته واستفاضته عن إطالة الكلام فيه.
علم السياسة: وليس المراد بالسياسة الشرعية التي كتب فيها ابن تيمية وغيره.
فهذه على ضرورتها داخلة في علم الكتاب والسنة والأحكام.
وإنما المراد العلم بحال دول العصر، وعلاقتها وطرق سعيها..
والسياسة بهذا المعنى لم تكن في عصر الصحابة.
العلم بالفنون والعلوم: المتداولة في الأمم التي توجه إليها الدعوة ولو بقدر ما يفهم به الدعاة ما يورد على الدين من شبهات تلك العلوم والجواب عنها بما يليق بمعارف المخاطبين بالدعوة.
معرفة الملل والنحل: ومذاهب الأمم فيها ليتيسر للدعاة بيان ما فيها من الباطل، فإن من لم يتبين له بطلان ما هو عليه، لا يلتفت إلى الحق الذي عليه غيره وإن دعاه إليه.
العلم بلغات الأمم التي تراد دعوتها: ومن أعمال هذه الأمة الأخذ على أيدي الظالمين، فإن الظلم أقبح المنكر، والظالم لا يكون إلا قويًا، ولذلك اشترط في الناهين عن المنكر أن يكونوا أمة لأن الأمة لا تخاف ولا تغلب، فهي التي تقوّم عوج الحكومة والمعروف أن الحكومة الإسلامية مبنية على أصل الشورى وهذا صحيح، والآية أدل دليل عليه ودلالتها أقوى من قوله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ لأن هذا وصف خبري لحال طائفة مخصوصة أكثر ما يدل عليه أن هذا الشيء ممدوح في نفسه محمود عند الله.
وأقوى دلالة قوله: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ فإن أمر الرئيس بالمشاورة يقتضي وجوبه عليه.
ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله للأمر فماذا يكون إذا هو تركه؟
وأما هذه الآية فإنها تفرض أن يكون في الناس جماعة متحدون أقوياء يتولون الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو عام في الحكام والمحكومين، ولا معروف أعرف من العدل ولا منكر أنكر من الظلم، وقد ورد في الحديث: "لا بد أن يأطروهم على الحق أطرًا".
ومما يناط بهذه الأمة وهو أصل كل معروف النظر في تعليم الجاهلين، فإذا علمت أن في مكان ما طائفة من المسلمين جاهلين بما يجب اتخذت الوسائل لتعليمهم.
ومن هنا يعلم فساد ما يقوله كثير من الفقهاء من أنه لا يجب عليهم أن يتصدوا لتعليم الناس ما لم يسعوا إليهم ويسألوهم.
ولا يجهل أحد أن رسول الله قد تصدى لتعليم الناس ولم يقعد في بيته منتظرًا سؤال الناس ليفيدهم وكذلك فعل الصحابة عليهم الرضوان اهتداء بهديه.
ثم إن كون القائمين بالأمر والنهي أمة يستلزم أن يكون لها رياسة تدبرها، لأن أمر الجماعة بغير رياسة يكون مختلًا معتلًا، فكل كون لا رياسة فيه فاسد، فالرأس هو مركز تدبير البلدان وتصريف الأعضاء في أعمالها، ،وكذلك يكون رئيس هذه الأمة مصدر النظام وتوزيع الأعمال على العاملين، فمنهم من يوجهون إلى دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ومنهم من يوجهونهم إلى إرشاد المسلمين في بلادهم، ومقام الرياسة يختار بالمشاورة لكل عمل ولكل بلاد من يكونون أكفاء للقيام بالواجب فيها لتكون أعمالهم مؤدية إلى مقصد الأمة العام، فإن من معنى الأمة أن يكون للأفراد الذين تتكون منهم وحدة في القصد من أعمالهم وسيرهم فإذا اختلفت المقاصد فسد العمل باختلاف الآراء وتنكيث القوى، ولذلك جاء بعد هذه الآية النهي عن التفرق والاختلاف.
ثم إن كون الأمة الخاصة منتخبة من الأمة العامة يقتضي أن تكون للعامة رقابة وسيطرة على الخاصة تحاسبها على تفريطها ولا تعيد انتخاب من يقصر في عمله لمثله.
فالأمة الصغرى المنتخبة (بفتح الخاء) تكون مسيطرة على أفراد الأمة الكبرى المنتخبة (بكسر الخاء) وهذه تكون مسيطرة على الأمة الصغرة وبهذا يكون المسلمون في تكافل وتضامن.
بعد أن أمر بأن تكون منا أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وبيّن أن أولئك هم المفلحون دون سواهم لأنهم هم الذين يقيمون الدين ويحفظون سياجه وبهم تتحقق الوحدة المقصودة منه -نهانا عن التفرق والاختلاف الذي يذهب بتلك الوحدة ويتعذر معه القيام بتلك الدعوة الصالحة فقال عز من قائل ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ .
إن هذه الآية كالدليل على أنه يجب أن تكون وجهة الأمة الداعية الآمرة الناهية واحدة، لأن الذين سبقوهم ما أفلحوا لعدم وحدتهم، كأنه يقول لا يمكن أن تتكون فيكم أمة للدعوة والأمر والنهي إلا إذا اجتمعت على مقصد واحد فالترتيب في الآيات طبيعي إذ من البديهي أن المتفقين في المقصد لا يختلفون اختلافًا ضارًا ينافيه وإنما يقع الاختلاف بعد التفرق في المقاصد والتباين في الأهواء بذهاب كل إلى تأييد مقصده وإرضاء هواه فيه.
والاختلاف في الرأي لأجل تأييد المقصد المتفق عليه لا يضر بل ينفع وهو طبيعي لا مندوحة عنه.
قال تعالى في المتفرقين المختلفين بعد مجيء البينات ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
أما عذاب الدنيا فهو أن المتفرقين المختلفين الذين اتبعوا أهواءهم، وحكموا في دينهم آراءهم، يكون بأسهم بينهم شديدًا فيشقى بعضهم ببعض ثم يبتلون بالأمم الطامعة في الضعفاء فتذيقهم الخزي والنكال، وتسلبهم عزة الاستقلال، وأما عذاب الآخرة فقد بيّن الله في كتابه أنه أشد من عذاب الدنيا وأبقى.
هل قام المسلمون بذلك الأمر: "ولتكن منكم أمة"؟
وانتهوا من هذا النهي: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا"؟!!
أما المتفقون جمعوا عزائمهم وإرادتهم على العلم بما فيه مصلحة أمتهم وملتهم واعتصموا واتفقوا على الأعمال النافعة التي فيها عزتهم وشرفهم وأصبح كل واحد منهم عونًا للآخر ووليًا له فأولئك تبيض وجوههم -أي تنبسط وتتلألأ بهجة وسرورًا- عند ظهور أثر الاتفاق والاعتصام ونتائجهما، وهي السلطة والعزة والشرف وارتفاع المكانة وسعة السلطان.
وهذا الأثر ظاهر في الأمم المتفقة المتحدة التي يتألم مجموعها إذا أهين واحد منها في قطر من أقطار الأرض بعيد أو قريب، وتجيش جميعها مطالبة بنصره والانتقام له لأنه ظلم وأُهين ولا يصح عندها أن يكون منها ثم يظلم أو يهان وتكون هي راضية ناعمة البال.
أولئك الأقوام ترى على وجوههم لألاء العزة وتألق البشر بالشرف والرفعة وهو ما يعبر عنه ببياض الوجه: وأما المختلفون لافتراقهم في المقاصد، وتباينهم في المذاهب والمشارب، الذين لا يتناصرون ولا يتعاضدون ولا يهتم أفرادهم بالمصلحة العامة التي فيها شرف الملة وعزة الأمة فهم الذين تسود وجوههم بالذلة والكآبة يوم تظهر عاقبة تفرقهم واختلافهم بقهر الأجنبي لهم ونزعه السلطة من أيديهم.
والتاريخ شاهد على صدق هذا الجزاء في الماضين، والمشاهدة أصدق وأقوى حجة في الحاضرين.
(فأما اذين اسودت وجوههم) فيقال لهم: ﴿ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ يقال لهم هذا القول في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلا بد أن يوجد في الناس من يقول للأمة التي وقع لها ذلك مثل هذا القول تغليظًا عليها لأن عملها لا يصدر إلا من الكافرين، وأما في الآخرة فيوبخهم الله بمثل هذا السؤال.
<div class="verse-tafsir"