الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٢ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : قل يا محمد للكافرين : ( ستغلبون ) أي : في الدنيا ، ( وتحشرون ) أي : يوم القيامة ( إلى جهنم وبئس المهاد ) .
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب ورجع إلى المدينة ، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال : " يا معشر يهود ، أسلموا قبل أن يصيبكم الله ما أصاب قريشا " .
فقالوا : يا محمد ، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال ، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ، وأنك لم تلق مثلنا ؟
فأنزل الله في ذلك من قولهم : ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ) إلى قوله : ( لعبرة لأولي الأبصار ) .
وقد رواه ابن إسحاق أيضا ، عن محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس فذكره
القول في تأويل قوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في ذلك.
فقرأه بعضهم: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ ) بالتاء، على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون.
واحتجوا لاختيارهم قراءة ذلك بالتاء بقوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ .
قالوا: ففي ذلك دليل على أن قوله: " ستغلبون "، كذلك، خطابٌ لهم.
وذلك هو قراءة عامة قرأة الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين.
وقد يجوز لمن كانت نيته في هذه الآية: أنّ الموعودين بأن يُغلبوا، هم الذين أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم = أن يقرَأه بالياء والتاء.
لأن الخطابَ بالوحي حين نـزل، لغيرهم.
فيكون نظير قول القائل في الكلام: " قلت للقوم: إنكم مغلوبون "، و " قلت لهم: إنهم مغلوبون ".
وقد ذكر أن في قراءة عبد الله: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرُ لَكُمْ ) [سورة الأنفال: 38]، وهي في قراءتنا: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ .
* * * وقرأت ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة: ( سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ )، على معنى: قل لليهود: سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلى جهنم.
ومن قرأ ذلك &; 6-227 &; كذلك على هذا التأويل، لم يجز في قراءته غير الياء.
(10) * * * قال أبو جعفر: والذي نختار من القراءة في ذلك، قراءةُ من قرأه بالتاء، بمعنى: قل يا محمد للذين كفروا من يهود بني إسرائيل الذين يتبعون ما تشابه من آي الكتاب الذي أنـزلته إليك ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويله: " ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ".
وإنما اخترنا قراءة ذلك كذلك، على قراءته بالياء، لدلالة قوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ، على أنهم بقوله: " ستغلبون "، مخاطبون خطابهم بقوله: " قد كان لكم "، فكان إلحاق الخطاب بمثله من الخطاب، أولى من الخطاب بخلافه من الخبر عن غائب.
= وأخرى أنّ:- 6666 - أبا كريب حدثنا قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال، لما أصاب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قريشًا يوم بدْر فقدم المدينة، جمع يهودَ في سوق بني قَينُقاع.
فقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا!
فقالوا: يا محمد، لا تغرّنك نفسك أنك قتلتَ نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، (11) إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تأت مثلنا!!
(12) فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: " قلْ للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد " إلى قوله: لأُولِي الأَبْصَارِ .
6667 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عُمر بن قتادة، قال: لما أصاب الله قريشًا يوم بدر، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودَ في سوق بني قينقاع حين قدم المدينة = ثم ذكر نحو حديث أبي كريب، عن يونس.
(13) 6668 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان من أمر بني قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بني قَينُقاع، ثم قال: يا معشر اليهود، احذروا من الله مثل ما نـزل بقريش من النِّقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبيٌّ مُرْسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم!
فقالوا: يا محمد، إنك ترى أنا كقومك!
(14) لا يغرَّنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب فأصبتَ فيهم فرصة!
إنا والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنا نحن الناس.
(15) 6669 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما نـزلت هؤلاء الآيات إلا فيهم: " قُلْ للذين كفروا ستغلبون وتحشرونَ إلى جهنم وبئس المهاد " إلى لأُولِي الأَبْصَارِ .
(16) 6670 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد "، قال فِنْحاص اليهودي في يوم بدر: لا يغرَّنَّ محمدًا أنْ غلب قريشًا وقتلهم!
إنّ قريشًا لا تُحسنُ القتال!
فنـزلت هذه الآية: " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ".
* * * قال أبو جعفر: فكل هذه الأخبار تنبئ عن أن المخاطبين بقوله: " ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد "، هم اليهود المقولُ لهم: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ، الآية - وتدل على أن قراءَة ذلك بالتاء، أولى من قراءته بالياء.
* * * ومعنى قوله: " وتحشرون "، وتجمعون، فتجلبون إلى جهنم.
(17) * * * وأما قوله: " وبئس المهاد "، وبئس الفراش جهنم التي تحشرون إليها.
(18) وكان مجاهد يقول كالذي:- 6671 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وبئس المهاد "، قال: بئسما مَهدُوا لأنفسهم.
6672 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
_________________ الهوامش : (10) انظر هذا كله في معاني القرآن للفراء 1: 191-192.
(11) في سيرة ابن هشام: "لا يغرنك من نفسك".
والأغمار جمع غمر (بضم فسكون): وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور ، ولم تحنكه التجارب.
(12) في ابن هشام: "لم تلق مثلنا".
(13) الأثر: 6666 ، 6667- في سيرة ابن هشام 2: 201.
(14) في ابن هشام: "أنا قومك" بحذف الكاف ، وهي جيدة جدًا ، ولكن ما في التفسير موافق لما في التاريخ.
(15) الأثر: 6668- سيرة ابن هشام 3: 50 / تاريخ الطبري 2: 297.
(16) الأثر: 6669 - سيرة ابن هشام 3: 51 .
(17) لم يفسر أبو جعفر"تحشرون" فيما سلف 4: 228 ، وذلك دليل على ما روى من اختصاره هذا التفسير اختصارًا.
(18) انظر ما سلف 4: 246.
قوله تعالى : قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد[ ص: 23 ] يعني اليهود ، قال محمد بن إسحاق : لما أصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشا ببدر وقدم المدينة جمع اليهود فقال : ( يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم ) فقالوا : يا محمد ، لا يغرنك أنك قتلت أقواما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة ، والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس .
فأنزل الله تعالى : قل للذين كفروا ستغلبون بالتاء يعني اليهود : أي تهزمونوتحشرون إلى جهنم في الآخرة .
فهذه رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس .
وفي رواية أبي صالح عنه أن اليهود لما فرحوا بما أصاب المسلمين يوم أحد نزلت .
فالمعنى على هذا " سيغلبون " بالياء ، يعني قريشا ، " ويحشرون " بالياء فيهما ، وهي قراءة نافع .قوله تعالى : وبئس المهاد يعني جهنم ; هذا ظاهر الآية .
وقال مجاهد : المعنى بئس ما مهدوا لأنفسهم ، فكأن المعنى : بئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم .
ثم قال تعالى { قل } يا محمد { للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } وفي هذا إشارة للمؤمنين بالنصر والغلبة وتحذير للكفار، وقد وقع كما أخبر تعالى، فنصر الله المؤمنين على أعدائهم من كفار المشركين واليهود والنصارى، وسيفعل هذا تعالى بعباده وجنده المؤمنين إلى يوم القيامة، ففي هذا عبرة وآية من آيات القرآن المشاهدة بالحس والعيان، وأخبر تعالى أن الكفار مع أنهم مغلوبون في الدار أنهم محشورون ومجموعون يوم القيامة لدار البوار، وهذا هو الذي مهدوه لأنفسهم فبئس المهاد مهادهم، وبئس الجزاء جزاؤهم.
قوله تعالى : ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم ) قرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما ، أي أنهم يغلبون ويحشرون ، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما ، على الخطاب ، أي : قل لهم : إنكم ستغلبون وتحشرون قال مقاتل : أراد مشركي مكة معناه : قل لكفار مكة : ستغلبون يوم بدر وتحشرون إلى جهنم في الآخرة ، فلما نزلت هذه الآية قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر " إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم " .
وقال بعضهم المراد بهذه الآية : اليهود ، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر : هذا - والله - النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له راية ، وأرادوا اتباعه ، ثم قال بعضهم لبعض : لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة أخرى ، فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا فغلب عليهم الشقاء ، فلم يسلموا ، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى مكة ليستفزهم ، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية .
وقال محمد بن إسحاق عن رجاله ورواه سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا : أنه لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال : " يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر وأسلموا قبل أن ينزل بكم مثل ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم " فقالوا : يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة وإنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس ، فأنزل الله تعالى ( قل للذين كفروا ستغلبون ) تهزمون ( وتحشرون ) في الآخرة ( إلى جهنم ) ( وبئس المهاد ) الفراش ، أي بئس ما مهد لهم يعني النار
«قل» يا محمد «للذين كفروا» من اليهود «ستُغلبون» بالتاء والياء في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية وقد وقع ذلك «وتُحشرون» بالوجهين في الآخرة «إلى جهنم» فتدخلونها «وبئس المهاد» الفراش هي.
قل -أيها الرسول-، للذين كفروا من اليهود وغيرهم والذين استهانوا بنصرك في "بَدْر": إنكم ستُهْزَمون في الدنيا وستموتون على الكفر، وتحشرون إلى نار جهنم؛ لتكون فراشًا دائمًا لكم، وبئس الفراش.
وفي قوله : { والله شَدِيدُ العقاب } إشارة إلى أن شدة العقاب سببها شدة الجريمة وتعليم للناس بأن كل فعل له جزاؤه ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وتقرير وتأكيد لمضمون ما قبلها .
ثم أنذر الله - تعالى - الكافرين بسوء المصير ، وبشر المؤمنين بحسن العاقبة فقال - تعالى - : { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المهاد } .وقد وردت روايات في سبب نزول هذه الآية والتي بعدها .
من أشهرها : ما ذكره ابن إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من قريش ما أصاب في غزوة بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال : " يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم ، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم " فقالوا يا محمد ، لا يغرنك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة .
إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس .
فأنزل الله - تعالى - { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } إلى قوله - تعالى - { لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار } " والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود وأمثالهم من المشركين الذين يدلون بقوتهم ، ويغترون بأموالهم وأولادهم وعصبيتهم .
.
قل لهم ستغلبون وتهزمون في الدنيا على أيدى المؤمنين وتحشرون يوم القيامة ثم تساقون إلى نار جهنم لتلقوا فيها مصيركم المؤلم ، { وَبِئْسَ المهاد } أي بئس المكان الذى هيأوه لأنفسهم في الآخرة بسبب سوء فعلهم .والمهاد : المكانل الممهد الذى ينام عليه كالفراش .ولقد أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتولى الرد عليهم .
وأن يواجههم بهذا الخطاب المشتمل على التهديد والوعيد ، لأنهم كانوا يتفاخرون عليه بأموالهم وبقوتهم ، فكان من المناسب أن يتولى صلى الله عليه وسلم الرد عليهم ، وأن يخبرهم بأن النصر سيكون له ولأصحابه ، وأن الدائرة ستدور عليهم .وقوله { سَتُغْلَبُونَ } إخبار عن أمر يحصل في المستقبل ، وقد وقع كما أخبر به الله - تعالى - فقد دارت الدائرة على اليهود من بني قيقناع والنضير وقريظة وغيرهم ، بعد بضع سنوات من الهجرة ، وتم فتح مكة في السنة الثامنة بعد الهجرة .وقوله { وَبِئْسَ المهاد } إما من تمام ما قال لهم ، أو استئناف لتهويل شأن جهنم ، وتفظيع حال أهلها .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي ﴿ سَيَغْلِبُونَ وَيُحْشَرون ﴾ بالياء فيهما، والباقون بالتاء المنقطة من فوق فيهما، فمن قرأ بالياء المنقطة من تحت، فالمعنى: بلغهم أنهم سيغلبون، ويدل على صحة الياء قوله تعالى: ﴿ قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ و ﴿ قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ ﴾ ولم يقل غضوا، ومن قرأ بالتاء فللمخاطبة، ويدل على حسن التاء قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب ﴾ والفرق بين القراءتين من حيث المعنى أن القراءة بالتاء أمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم، والقراءة بالياء أمر بأن يحكي لهم والله أعلم.
المسألة الثانية: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً الأول: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر وقدم المدينة، جمع يهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً، فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال، لو قاتلتنا لعرفت، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
الرواية الثانية: أن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر، قالوا: والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة، ونعته وأنه لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا فلما كان يوم أُحد ونكب أصحابه قالوا: ليس هذا هو ذاك، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
والرواية الثالثة: أن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم.
المسألة الثالثة: احتج من قال بتكليف ما لا يطاق بهذه الآية، فقال: إن الله تعالى أخبر عن تلك الفرقة من الكفار أنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب هذا الخبر كذباً وذلك محال، ومستلزم المحال محال، فكان الإيمان والطاعة محالاً منهم، وقد أمروا به، فقد أمروا بالمحال وبما لا يطاق، وتمام تقريره قد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ سَتُغْلَبُونَ ﴾ إخبار عن أمر يحصل في المستقبل، وقد وقع مخبره على موافقته، فكان هذا إخباراً عن الغيب وهو معجز، ونظيره قوله تعالى: ﴿ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ الآية، ونظيره في حق عيسى عليه السلام ﴿ وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ .
المسأُلة الخامسة: دلّت الآية على حصول البعث في القيامة، وحصول الحشر والنشر، وأن مرد الكافرين إلى النار.
ثم قال: ﴿ وَبِئْسَ المهاد ﴾ وذلك لأنه تعالى لما ذكر حشرهم إلى جهنم وصفه فقال: ﴿ بِئْسَ المهاد ﴾ والمهاد: الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه كالفراش، قال الله تعالى: ﴿ والأرض فرشناها فَنِعْمَ الماهدون ﴾ فلما ذكر الله تعالى مصير الكافرين إلى جهنم أخبر عنها بالشر لأن بئس مأخوذ من البأساء هو الشر والشدة، قال الله تعالى: ﴿ وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ أي شديد وجهنم معروفة أعاذنا الله منها بفضله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِّنَ ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ الله ﴾ مثله في قوله: ﴿ وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئاً ﴾ [النجم: 28] والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعة الله ﴿ شَيْئًا ﴾ أي بدل رحمته وطاعته وبدل الحق: ومنه: (ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ) أي لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بذلك، أي بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وفي معناه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى ﴾ [سبأ: 37] وقرئ: ﴿ وقود ﴾ ، بالضم بمعنى أهل وقودها.
والمراد بالذين كفروا من كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير.
الدأب: مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم.
ويجوز أن ينتصب محل الكاف بلن تغني، أو بالوقود.
أي لن تغني عنهم مثل ما لم تغني عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم، تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإنّ فلاناً لمحارف كدأب أبيه، تريد كما حورف أبوه ﴿ كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ تفسير لدأبهم مافعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ هم مشركو مكة ﴿ سَتُغْلَبُونَ ﴾ يعني يوم بدر.
وقيل: هم اليهود.
ولما غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر قالوا: هذا والله النبي الأميّ الذي بشرنا به موسى، وهموا باتباعه.
فقال بعضهم: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد شَكُّوا.
وقيل: جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في سوق بني قينقاع، فقال: «يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل» ، فقالوا لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت.
وقرئ: ﴿ سيغلبون ويحشرون ﴾ ، بالياء، كقوله تعالى: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ ﴾ [الأنفال: 38] على قل لهم قولي لك سيغلبون.
فإن قلت: أي فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟
قلت: معنى القراءة بالتاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم.
فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ، ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه.
كأنه قال: أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ ﴾ أيْ قُلْ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ سَتَغْلِبُونَ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ لِلْيَهُودِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَمَعَهم بَعْدَ بَدْرٍ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ فَحَذَّرَهم أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ، فَقالُوا لا يَغُرَّنَّكَ أنَّكَ أصَبْتَ أغْمارًا لا عِلْمَ لَهم بِالحَرْبِ لَئِنْ قاتَلْتَنا لَعَلِمْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ، فَنَزَلَتْ.
وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ لَهم بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ وفَتْحِ خَيْبَرَ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى مَن عَداهم وهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ فِيهِما عَلى أنَّ الأمْرَ بِأنْ يَحْكِيَ لَهم ما أخْبَرَهُ بِهِ مِن وعِيدِهِمْ بِلَفْظِهِ.
﴿ وَبِئْسَ المِهادُ ﴾ تَمامُ ما يُقالُ لَهُمْ، أوِ اسْتِئْنافٌ وتَقْدِيرُ بِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ أوْ ما مَهَّدُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{قل للذين كفروا} هم مشكرو مكة {سَتُغْلَبُونَ} يوم بدر {وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ} من الجهنام وهى بئر عميقة بالياء فيها حمزة وعلي {وَبِئْسَ المهاد} المستقر جهنم
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ يَهُودَ أهْلِ المَدِينَةِ قالُوا لَمّا هَزَمَ اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: هَذا واَللَّهِ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي بَشَّرَنا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَجِدُهُ في كِتابِنا بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ وأنَّهُ لا يُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، وأرادُوا تَصْدِيقَهُ واتِّباعَهُ ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تُعَجِّلُوا حَتّى تَنْظُرُوا إلى وقْعَةٍ لَهُ أُخْرى فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ ونُكِبَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ شَكَوْا وقالُوا: لا واَللَّهِ ما هو بِهِ، وغَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقاءُ فَلَمْ يُسَلِّمُوا، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ فَنَقَضُوا ذَلِكَ العَهْدَ وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أهْلِ مَكَّةَ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ فَوافَقُوهم وأجْمَعُوا أمْرَهم وقالُوا: لَتَكُونَنَّ كَلِمَتُنا واحِدَةً ثُمَّ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ».
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا: «”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا أصابَ ما أصابَ مِن بَدْرٍ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ وقالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما أصابَ قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرُّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ إنَّكَ واَللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ وأنَّكَ لَمْ تَكُنْ مِثْلَنا“، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لأُولِي الأبْصارِ ﴾ ».
فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ اليَهُودُ، والسِّينُ لِقُرْبِ الوُقُوعِ أيْ تَغْلِبُونَ عَنْ قَرِيبٍ وأُرِيدَ مِنهُ في الدُّنْيا، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ رَسُولَهُ فَقَتَلَ كَما قِيلَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ في يَوْمٍ واحِدٍ سِتُّمِائَةٍ جَمَعَهم في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ وأمَرَ السَّيّافَ بِضَرْبِ أعْناقِهِمْ وأمَرَ بِحَفْرِ حُفَيْرَةٍ ورَمْيِهِمْ فِيها وأجْلى بَنِي النَّضِيرِ وفَتَحَ خَيْبَرَ وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ وهَذا مِن أوْضَحِ شَواهِدِ النُّبُوَّةِ.
﴿ وتُحْشَرُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ سَتُغْلَبُونَ ﴾ والمُرادُ في الآخِرَةِ ﴿ إلى جَهَنَّمَ ﴾ وهي غايَةُ حَشْرِهِمْ ومُنْتَهاهُ فَإلى عَلى مَعْناها المُتَبادِرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى فِي، والمَعْنى أنَّهم يُجْمَعُونَ فِيها، والآيَةُ كالتَّوْكِيدِ لِما قَبْلَها فَإنَّ الغَلَبَةَ تَحْصُلُ بِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، والحَشْرُ إلى جَهَنَّمَ مَبْدَأُ كَوْنِهِمْ وقُودًا لَها، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ عاصِمٍ (سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ) بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ، وفُرِّقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ بِأنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ تاءِ الخِطابِ أمَرَ النَّبِيَّ أنْ يُخْبِرَهم مِن عِنْدِ نَفْسِهِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ حَتّى لَوْ كَذَّبُوا كانَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلَيْهِ، وعَلى تَقْدِيرِ ياءِ الغَيْبَةِ أمَرَهُ بِأنْ يُؤَدِّيَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الحُكْمِ بِأنَّهم سَيُغْلَبُونَ بِحَيْثُ لَوْ كَذَّبُوا كانَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ إمّا مِن تَمامِ ما يُقالُ لَهم أوِ اِسْتِئْنافٌ لِتَهْوِيلِ جَهَنَّمَ وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، ومِهادٌ كَفِراشٍ لَفْظًا ومَعْنًى، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مُقَدَّرٌ وهو جَهَنَّمُ، أوْ ما مَهَّدُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا قال الضحاك: يعني كفار مكة لما ظهروا يوم أحد، فرحوا بذلك، فنزل قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة سَتُغْلَبُونَ بعد هذا وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وقال الكلبي نزلت في شأن بني قريظة وذلك أن رسول الله لما هزم المشركين يوم بدر، قالت اليهود هذا النبي الأمّي الذي بشرنا به موسى الذي نجده في التوراة، فأرادوا تصديقه ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى له، فلما كان يوم أحد، ونكب أصحاب رسول الله قالوا: والله ما هو إياه، فقد تغيّرت صفته وحاله، فشكوا فيه ولم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة، فنقضوا ذلك العهد، فأنزل الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وقال عكرمة عن عبد الله بن عباس أنه قال، لما أصاب رسول الله قريشاً يوم بدر، وقَدِم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال: «يا مَعْشَر اليَهُودِ، أَسْلِمَوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمُ الله بِمِثْلِ مَا أَصَابَ قُرَيْشاً» .
قالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك.
إنك قتلت نفراً من قريش كانوا أَغماراً لا يعرفون القتال فإنك لو قاتلنا لعرفت أنّا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا فأنزل الله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ يعني تُهْزمون وتُقْهَرون وتُحْشرون بعد القتل إلى جهنم وَبِئْسَ الْمِهادُ يعني لبئس موضع القرار جهنم.
قرأ حمزة والكسائي سَيُغْلبونَ وَيُحشرُون بالياء على معنى الخبر والباقون بالتاء على معنى المخاطبة.
<div class="verse-tafsir"
والرَّيْبُ: الشكُّ، والمعنى أنه في نفْسِه حقٌّ لا رَيْبَ فيه.
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ، يحتمل: أنْ يكون إِخباراً منه سبحانه لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، ويحتملُ: أنْ يكون حكايةً مِنْ قول/ الداعين، ففي ذلك إِقرارٌ بصفة ذاتِ اللَّه تعالى، والميعادُ: من الوَعْد.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ...
الآية: الإِشارة بالآيةِ إلى معاصري النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا يفْخَرُون بأموالهم وأبنائهم، وهي بَعْدُ متناوِلَةٌ كلَّ كافرٍ، والوَقُود بفتحِ الواوِ: كلُّ ما يحترق في النار من حَطَبٍ ونحوه، والدَّأْبُ، والدَّأَبُ بسكون الهمزة وفتحها: مصدرُ: دَأَبَ يَدْأَبُ، إذا لازم فعل شيءٍ، ودام عليه مجتهداً فيه، ويقال للعادة دَأْبٌ، والمعنى في الآية: تشبيهُ هؤلاء في لزومهم الكُفْر ودوامِهِم عليه بأولئك المتقدِّمين، وآخر الآية يقتضي الوعيدَ بأنْ يصيب هؤلاءِ ما أصَابَ أولئك، والكافُ في قوله: كَدَأْبِ في موضعِ رفعٍ، والتقدير: دَأْبُهُمْ كَدَأْبِ، والضمير في قَبْلِهِمْ عائد على آلِ فِرْعَوْنَ، ويحتمل: على معاصري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الكفار.
وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا: يحتمل: أنْ يريد المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ.
وقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ...
الآية: اختلف في تعيين هؤلاء الذين أمر صلّى الله عليه وسلّم بالقَوْل لهم:
فقيل: هم جميعُ معاصريه أمر أنْ يقول لهم هذا الذي فيه إعلامٌ بغَيْب، فوقع بحَمْدِ اللَّه كذلك، فغُلِبُوا، وصار مَنْ مات منهم على الكُفْرِ إلى جهنم.
وتظاهرتْ رواياتٌ عن ابن عبَّاس وغيره بأنَّ المراد يهودُ المدينةِ، لما قَدِمَ رسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم من غزوة بَدْرٍ، جمعهم، وقال: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشاً» ، فقالوا: يَا مُحَمَّدُ، لاَ تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أَنْ قَتَلْتَ نَفَراً مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَاراً لاَ يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا، لَعَرَفْتَ أَنَّا نحْنُ النَّاسُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هذه الآية» «١»
والحَشْر: الجمْعُ والإِحضار.
وقوله تعالى: وَبِئْسَ الْمِهادُ: يعني: جهنَّم هذا ظاهر الآية، وقال مجاهدٌ:
المعنى: بِئْسَ ما مهدوا لأنفسهم «١» .
قال ع «٢» : فكان المعنى: وبئس فعْلُهُم الذي أدَّاهم إِلى جهنَّم.
وقوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ...
الآيةُ تحتملُ أنْ يخاطب بها المؤمنون تثبيتاً لنفوسهم، وتشجيعاً لها، وأن يُخَاطَبَ بها جميعُ الكُفَّار، وأنْ يخاطب بها يهودُ المدينةِ، وبكلِّ احتمال منْها قد قال قومٌ، وقرىء شاذًّا: «تَروْنَهُمْ» بضم التاء «٣» فكأن معناها أنَّ اعتقادَ التضْعيف في جَمْعِ الكفَّار إنما كان تخميناً وظَنًّا لا يقيناً، وذلك أنَّ «أرى» بضم الهمزة: تقولها فيما بَقِيَ عندك فيه نَظَرٌ، وأرى بفتح الهمزةِ: تقولها في ما قد صَحَّ نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفَتْحِ «٤» ، وهو صحيحٌ، والمراد بالفئتَيْنِ: جماعةُ المؤمنين، وجماعةُ الكفَّار ببَدْرٍ.
قال ع «٥» : ولا خلاف أن الإِشارة بهاتين الفئَتَيْنِ هي إلى يوم بدر ويُؤَيِّدُ:
معناه يقوّي من «الأيد» ، وهو القوّة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ (سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ) بِالتّاءِ و(يَرَوْنَهُمْ) بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ ثَلاثَتُهُنَّ بِالتّاءِ، وقَرَأهُنَّ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ.
وفي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ لَمّا رَأوْا وقْعَةَ بِدْرٍ، هَمُّوا بِالإسْلامِ، وقالُوا: هَذا هو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في كِتابِنا، لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَعْجَلُوا حَتّى تَنْظُرُوا لَهُ وقْعَةً أُخْرى، فَلَمّا كانَتْ أُحُدٌ، شَكَوْا، وقالُوا: ما هو بِهِ، ونَقَضُوا عَهْدًا كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ، وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَقالُوا: تَكُونُ كَلِمَتُنا واحِدَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ، فَحَقَّقَ اللَّهُ وعْدَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.
والثّالِثُ: أنَّ أبا سُفْيانَ في جَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ، جَمَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ، بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وحَكى أبانُ عن عاصِمٍ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وقَرَأ نافِعٌ ثَلاثَتَهُنَّ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ ثَلاثَتَهُنَّ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وبِكُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ قَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يُرَوْنَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةً.
واخْتُلِفَ، مَنِ الَّذِينَ أُمِرَ بِالقَوْلِ لَهم مِنَ الكُفّارِ؟
فَقِيلَ: هم جَمِيعُ مُعاصِرِيهِ مِنَ الكُفّارِ، أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذا الَّذِي فِيهِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ ووَعِيدٌ قَدْ صَدَقَ بِحَمْدِ اللهِ، غُلِبَ الكُفْرُ وصارَ مَن ماتَ عَلَيْهِ إلى جَهَنَّمَ.
ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ في "الحُجَّةِ" وتَظاهَرَتْ رِواياتٌ بِأنَّ المُرادَ يَهُودُ المَدِينَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: « "لَمّا أصابَ رَسُولُ اللهِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدِمَ المَدِينَةَ، جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ فَقالَ: "يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قُرَيْشًا" فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، لا يَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ الناسُ، فَأنْزَلَ اللهُ في قَوْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ".» ورُوِيَ حَدِيثٌ آخَرُ ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو « "أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ قالَتِ اليَهُودُ: هَذا هو النَبِيُّ المَبْعُوثُ الَّذِي في كِتابِنا وهو الَّذِي لا تُهْزَمُ لَهُ رايَةٌ، وكَثُرَتْ فِتْنَتُهم بِالأمْرِ، فَقالَ لَهم رُؤَساؤُهم وشَياطِينُهُمْ: لا تَعْجَلُوا وأمْهِلُوا حَتّى نَرى أمْرَهُ في وقْعَةٍ أُخْرى، فَلَمّا وقَعَتْ أُحُدٌ كَفَرَ جَمِيعُهم وبَقُوا عَلى أوَّلِهِمْ، وقالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ بِالنَبِيِّ المَنصُورِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ.
سَيَغْلِبُونَ "يَعْنِي قُرَيْشًا" وهَذا التَأْوِيلُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قِراءَةِ "سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا هَذِهِ الألْفاظَ.
ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: قُلْ لَهم كَلامًا هَذا مَعْناهُ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةُ التاءِ التَأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا، أيْ قُلْ لِلْيَهُودِ: سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ.
ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ التاءِ عَلى المُواجَهَةِ، وأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ: المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، وكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَيْفِ والجِزْيَةِ والذِلَّةِ.
والحَشْرُ: الجَمْعُ والإحْضارُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِئْسَ المِهادُ ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، هَذا ظاهِرُ الآيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: وبِئْسَ فِعْلُهُمُ الَّذِي أدّاهم إلى جَهَنَّمَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ ﴾ ...
الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُخاطَبَ بِها المُؤْمِنُونَ، وأنْ يُخاطَبَ بِها جَمِيعُ الكُفّارِ، وأنْ يُخاطَبَ بِها يَهُودُ المَدِينَةِ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ مِنها قَدْ قالَ قَوْمٌ، فَمَن رَأى أنَّ الخِطابَ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَعْنى الآيَةِ تَثْبِيتُ النُفُوسِ وتَشْجِيعُها، لِأنَّهُ لَمّا قالَ لِلْكُفّارِ ما أُمِرَ بِهِ أمْكَنَ أنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ وبَعْضُ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ قائِلٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ: "يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أمْوالَ كِسْرى وقَيْصَرٍ، ونَحْنُ لا نَأْمَنُ عَلى أنْفُسِنا في المَذْهَبِ"، وكَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ حِينَ أخْبَرَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمَنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ في نَفْسِي: « "وَأيْنَ دُعّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا البِلادَ"؟...» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُقَوِّيَةً لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ ومُبَيِّنَةً صِحَّةَ ما أخْبَرَ بِهِ بِالمِثالِ الواقِعِ.
فَمَن قَرَأ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَهي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إذْ قَدْ رَأى ذَلِكَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ، والهاءُ والمِيمُ في "تَرَوْنَهُمْ" لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وفي "مِثْلَيْهِمْ" لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن رَأى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ ومَن رَأى أنَّهُ لِلْيَهُودِ فالآيَةُ عِنْدَهُ داخِلَةٌ فِيما أُمِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ في أنَّهم سَيُغْلَبُونَ.
فَمَن قَرَأ "يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى: فَلَوْ حَضَرْتُمْ أو إنْ كُنْتُمْ حَضَرْتُمْ، وساغَتِ العِبارَةُ لِوُضُوحِ الأمْرِ في نَفْسِهِ ووُقُوعِ اليَقِينِ بِهِ لِكُلِّ إنْسانٍ في ذَلِكَ العَصْرِ، ومَن قَرَأ بِضَمِّ التاءِ أوِ الياءِ فَكَأنَّ المَعْنى: إنَّ اعْتِقادَ التَضْعِيفِ في جَمِيعِ الكُفّارِ إنَّما كانَ تَخْمِينًا وظَنًّا لا يَقِينًا، فَلِذَلِكَ تُرِكَ في العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ الشَكِّ، وذَلِكَ أنَّ أُرى - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما بَقِيَ عِنْدَكَ فِيهِ نَظَرٌ، وأرى- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما قَدْ صَحَّ نَظَرُكَ فِيهِ.
ونَحا هَذا المَنحى أبُو الفَتْحِ وهو صَحِيحٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عَيْنٌ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وَ"مِثْلَيْهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في "تَرَوْنَهُمْ"، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ الفاعِلَ بِـ "تَرَوْنَ" هُمُ المُؤْمِنُونَ، والضَمِيرَ المُتَّصِلَ هو لِلْكُفّارِ، إلّا ما حَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: بَلْ كَثَّرَ اللهُ عَدَدَ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكافِرِينَ حَتّى كانُوا عِنْدَهم ضِعْفَيْهِمْ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وكَذَلِكَ هو مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ، بَلْ قَلَّلَ اللهُ كُلَّ طائِفَةٍ في عَيْنِ الأُخْرى، لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، فَقَلَّلَ الكُفّارَ في عُيُونِ المُؤْمِنِينَ لِيَقَعَ التَجاسُرُ ويُحْتَقَرَ العَدُوُّ، وهَذا مَعَ اعْتِقادِ النَبِيِّ وقَوْلِهِ، واعْتِقادِ أُولِي الفَهْمِ مِن أصْحابِهِ أنَّهم مِنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، لَكِنْ أذْهَبَ اللهُ عنهُمُ البَهاءَ وانْتِشارَ العَساكِرِ وفَخامَةَ التَرْتِيبِ، حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: لَقَدْ قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي أتَراهم سَبْعِينَ؟
فَقالَ: أظُنُّهم مِائَةً، فَلَمّا أخَذْنا الأسْرى أخْبَرُونا أنَّهم كانُوا ألْفًا.
وقَلَّلَ اللهُ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكُفّارِ لِيَغْتَرُّوا ولا يَحْزَمُوا، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ جَمْعَ الكُفّارِ بِبَدْرٍ كانَ نَحْوَ الألْفِ فَوْقَ التِسْعِمِائَةِ، وأنَّ جَمْعَ المُؤْمِنِينَ كانَ ثَلاثَمِائَةً وأرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وقِيلَ: وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَكانَ الكُفّارُ ثَلاثَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، لَكِنْ رَجَعَ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، ورَجَعَ طالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ وأتْباعٌ وناسٌ كَثِيرٌ حَتّى بَقِيَ لِلْقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنَ المِثْلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ نَحْوًا مِن هَذا.
فَذِكْرُ اللهِ تَعالى المَثَلَيْنِ إذْ أمَرَهُما مُتَيَقَّنٌ لَمْ يَدْفَعْهُ قَطُّ أحَدٌ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُشْرِكِينَ في قِتالِ بَدْرٍ كانُوا سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ رَجُلًا.
وقَدْ ذَهَبَ الزَجّاجُ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كانُوا نَحْوَ الألْفِ، وأراهُمُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ فَقَطْ، قالَ: فَهَذا التَقْلِيلُ في الآيَةِ الأُخْرى، ثُمَّ نَصَرَهم عَلَيْهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم مِثْلاهم في العَدَدِ، لِأنَّهُ كانَ أعْلَمَ المُسْلِمِينَ أنَّ المِائَةَ مِنهم تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ "القَوْمُ ألْفٌ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكم آيَةٌ ﴾ يُرِيدُ عَلامَةً وأمارَةً ومُعْتَبَرًا، والفِئَةُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها يُفاءُ إلَيْها، أيْ يُرْجَعُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ الزَجّاجُ: الفِئَةُ: الفِرْقَةُ، مَأْخُوذَةٌ مِن فَأوتُ رَأْسَهُ بِالسَيْفِ، ويُقالُ: فَأيْتُهُ إذا فَلَقْتُهُ، ولا خِلافَ أنَّ الإشارَةَ بِهاتَيْنِ الفِئَتَيْنِ هي إلى يَوْمِ بَدْرٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فِئَةٌ تُقاتِلُ" بِرَفْعِ فِئَةٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: إحْداهُما فِئَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والزُهْرِيُّ وحُمَيْدٌ: "فِئَةٍ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ، ومِنهم مَن رَفَعَ "كافِرَةٌ".
ومِنهم مَن خَفَضَها عَلى العَطْفِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةً" بِالنَصْبِ وكَذَلِكَ "كافِرَةً" قالَ الزَجّاجُ: يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: التَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً، ويَتَّجِهُ أنْ يُضْمِرَ فِعْلَ أعْنِي ونَحْوَهُ.
و"رَأْيَ العَيْنِ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.
و"يُؤَيِّدُ" مَعْناهُ: يُقَوِّي مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي، للانتقال من النذارة إلى التهديد، ومن ضَرب المثل لهم بأحوال سلفهم في الكفر، إلى ضرب المثل لهم بسابق أحوالهم المؤذنة بأنّ أمرهم صائر إلى زوال، وأنّ أمر الإسلام ستندكّ له صمّ الجبال.
وجيء في هذا التهديد بأطنب عبارة وأبلغها؛ لأنّ المقام مقام إطناب لمزيد الموعظة، والتذكير بوصف يوم كانَ عليهم، يعلمونه.
﴿ والذين كفروا ﴾ [البقرة: 39] يحتمل أنّ المراد بهم المذكورون في قوله: ﴿ إنّ الذين كفروا لن تغني عنهم ﴾ [آل عمران: 116] فيجيء فيه ما تقدّم والعدول عن ضمير (هم) إلى الاسم الظاهر لاستقلال هذه النذارة.
والظاهر أنّ المراد بهم المشركون خاصّة، ولذلك أعيد الاسم الظاهر، ولم يؤت بالضمير بقرينة قوله بعدَه: ﴿ قد كان لكم آية ﴾ إلى قوله ﴿ يرونهم مثليهم رأى العين ﴾ وذلك ممّا شاهده المشركون يوم بدر.
وقد قيل: أريد بالذين كفروا خصوص اليهود، وذكروا لذلك سبباً رواه الواحدي، في أسباب النزول: أنّ يهود يَثرب كانوا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مدّة فلمّا أصاب المسلمين يوم أحد ما أصابهم من النكبة.
نقضوا العهد وانطلق كعب بن الأشْرَف في ستين راكباً إلى أبي سفيان بمكة وقالوا لهم: لتكونَنّ كلمتنا واحدة، فلمّا رجعوا إلى المدينة أنزلت هذه الآية.
وروى محمد بن إسحاق: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غَلَب قريشاً ببدر، ورجع إلى المدينة، جمع اليهودَ وقال لهم: " يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش وأسلموا فقد عرفتم، أنّي نبيء مرسل " فقالوا: «يا محمد لا يغرنّك أنّك لقيتَ قوماً أغمارَا لا معرفة لهم بالحرب فأصبْتَ فيهم فرصة أمَا والله لو قاتلناك لعرفتَ أنّا نحن الناس» فأنزل الله هذه الآية.
وعلى هاتين الروايتين فالغلب الذي أنذروا به هو فتح قريظة والنضِير وخَيبر، وأيضاً فالتهديد والوعيد شامل للفريقين في جميع الأحوال.
وعطف ﴿ بئس المهاد ﴾ على ﴿ ستغلبون ﴾ عطف الإنشاء على الخبر.
وقرأ الجمهور ﴿ ستُغلبون وتُحشرون ﴾ كلتيهما بتاء الخطاب وقرأه حمزة، والكسائي، وخلَف: بياء الغيبة، وهما وجهان فيما يحكَى بالقول لمخاطب، والخطابُ أكثر: كقوله تعالى: ﴿ ما قلتُ لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعبُدوا الله ربّي وربّكم ﴾ [المائدة: 117] ولم يقل ربَّك وربَّهم.
والخطاب في قوله: ﴿ قد كان لكم آية ﴾ خطاب للذين كفروا، كما هو الظاهر؛ لأنّ المقام للمحاجّة، فأعقب الإنذار والوعيد بإقامة الحجّة.
فيكون من جملة المقول، ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين، فيكون استئنافاً ناشئاً عن قوله ستُغلبون؛ إذ لعلّ كثرة المخاطبين من المشركين، أو اليهود، أو كليهما، يثير تعجّب السامعين من غلبهم فذكرهم الله بما كان يوم بدر.
والفئتان هما المسلمون والمشركون يوم بدر.
والالتقاء: اللقاء، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة، واللقاء مصادفة الشخصصِ شخصاً في مَكان واحد، ويطلق اللقاء على البروز للقتال كما في قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾ الآيَةَ.
في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ قَبْلَ بَدْرٍ بِسَنَةٍ، فَحَقَّقَ اللَّهُ قَوْلَهُ، وصَدَّقَ رَسُولَهُ، وأنْجَزَ وعْدَهُ بِمَن قَتَلَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي قَيْنُقاعَ لَمّا هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَدَعاهُمُ النَّبِيُّ إلى الإسْلامِ، وحَذَّرَهم مِثْلَ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ، فَأبَوْا وقالُوا: لَسْنا كَقُرَيْشٍ الأغْمارِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ النّاسَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في عامَّةِ الكُفّارِ.
وَفي الغَلَبَةِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالقَهْرِ والِاسْتِيلاءِ، إنْ قِيلَ: إنَّها خاصَّةٌ.
والثّانِي: بِظُهُورِ الحُجَّةِ، إنْ قِيلَ: إنَّها عامَّةٌ.
وَفي ﴿ وَبِئْسَ المِهادُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: مَعْناهُ بِئْسَ القَرارُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفي (بِئْسَ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَأْسِ، وهو الشِّدَّةُ.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَأْساءِ وهو الشَّرُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ بَدْرٍ.
﴿ وَأُخْرى كافِرَةٌ ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
﴿ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ ﴾ وفي مِثْلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مِثْلانِ زائِدانِ عَلى العَدَدِ المُتَحَقِّقِ، فَيَصِيرُ العَدَدُ ثَلاثَةَ أمْثالٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: هو المَزِيدُ في الرُّؤْيَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الَّتِي تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، بِأنْ أراهُمُ اللَّهُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ عَدَدِ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ عِدَّةَ المُسْلِمِينَ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وعِدَّةُ المُشْرِكِينَ في رِوايَةِ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ ألْفٌ، وفي رِوايَةِ عُرْوَةَ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ ما بَيْنَ تِسْعِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، فَقَلَّلَهُمُ اللَّهُ في أعْيُنِهِمْ تَقْوِيَةً لِنُفُوسِهِمْ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ الفِئَةَ الَّتِي أراها اللَّهُ ذَلِكَ هي الفِئَةُ الكافِرَةُ، أراهُمُ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ مُكَثِّرًا لَهم، لِتَضْعُفَ بِهِ قُلُوبُهم.
والآيَةُ في الفِئَتَيْنِ هي تَقْلِيلُ الكَثِيرِ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ، وتَكْثِيرُ القَلِيلِ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعْدِ بِالغَلَبَةِ، فَتَحَقَّقَ، قَتْلًا، وأسْرًا، وسَبْيًا.
﴿ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنِي مِن أهْلِ طاعَتِهِ.
وَفي التَّأْيِيدِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَعُونَةُ.
والثّانِي: القُوَّةُ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ في نُصْرَةِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ قِلَّةِ أصْحابِهِ عِبْرَةً لِذَوِي البَصائِرِ والعُقُولِ.
والثّانِي: أنَّ فِيما أبْصَرَهُ المُشْرِكُونَ مِن كَثْرَةِ المُسْلِمِينَ مَعَ قِلَّتِهِمْ عِبْرَةً لِذَوِي الأعْيُنِ والبَصائِرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن اسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب ما أصاب من بدر ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً ولا يعرفون القتال، إنك والله لو ما قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا.
فأنزل الله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ إلى قوله: ﴿ لأولي الأبصار ﴾ .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن عاصم بن عمر عن قتادة.
مثله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: قال فنحاص اليهودي في يوم بدر: لا يغرن محمداً أن غلب قريشاً وقتلهم، إن قريشاً لا تحسن القتال.
فنزلت هذه الآية ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ قد كان لكم آية ﴾ عبرة وتفكر.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله ﴾ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ﴿ وأخرى كافرة ﴾ فئة قريش الكفار.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة قال: في أهل بدر نزلت ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ﴾ [ الأنفال: 7] وفيهم نزلت ﴿ سيهزم الجميع...
﴾ [ القمر: 45] الآية.
وفيهم نزلت ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ [ المؤمنون: 64] وفيهم نزلت ﴿ ليقطع طرفاً من الذين كفروا ﴾ [ آل عمران: 127] وفيهم نزلت ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ [ آل عمران: 128] وفيهم نزلت ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ [ إبراهيم: 28] وفيهم نزلت ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء ﴾ [ الأنعام: 47] وفيهم نزلت ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ قد كان لكم آية ﴾ يقول: قد كان لكم في هؤلاء عبرة ومتفكر.
أيدهم الله ونصرهم على عدوّهم وذلك يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة عشر رجلاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ قد كان لكم آيةٌ في فئتين ﴾ الآية.
قال: هذا يوم بدر فنظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً.
وذلك قول الله: ﴿ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ﴾ [ الأنفال: 44] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد كان لكم آية في فئتين...
﴾ الآية.
قال: أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين، كانوا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون مثليهم ستة وعشرين وستمائة، فأيد الله المؤمنين فكان هذا في التخفيف على المؤمنين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس، أن أهل بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر.
المهاجرون منهم خمسة وسبعون، وكانت هزيمة بدر لسبع عشرة من رمضان ليلة جمعة.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ يؤيد بنصره من يشاء ﴾ قال: يقوي بنصره من يشاء قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: برجال لستمو أمثالهم ** أيدوا جبريل نصراً فنزل <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .
قال ابن عباس في رواية عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي صالح (١) (٢) (٣) وقال مقاتل (٤) ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ ﴾ فَفَسَّرَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بالقبيلين، وكذلك قوله: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ سَتُغْلَبُونَ ﴾ .
يقال: غَلَبَ، غَلَبةً، وغَلَبًا.
والغَلَبة أكثر (٥) قال الفرَّاء (٦) ﴿ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ ﴾ ، حُذفت منها الهاء لمَّا أُضيفت (٧) ﴿ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾ فحُذفت منها الهاء للإضافة.
وفيه قراءتان: الياء والتاء (٨) ﴿ تُحْشَرُونَ ﴾ .
فمن قرأ بالتاء: فللمخاطبة.
ويدل (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ ﴾ .
ومن قرأ بالياء، فالمعنى: بلِّغهم أنهم سيُغلَبون.
ويدل على صحة الياء: قوله: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ ، ولم يقل: (غُضُّوا).
قال الفرَّاء (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وفي حرف عبد الله (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) ومن قرأ بالياء: فإنه ذهب إلى مخاطبة اليهود، وإلى أن الغلبة تقع على المشركين، كأنه قيل: (قل يا محمد لليهود: سَيُغلَبُ المُشركون، ويُحشَرون) فليس يجوز في هذا المعنى (٢١) وقال غير الفرَّاء (٢٢) (٢٣) وقال صاحب النظم (٢٤) (٢٥) (٢٦) قال مقاتل (٢٧) للكفار يوم بدر: "إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم".
وقوله تعالى: ﴿ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ قال مجاهد (٢٨) وقال الحسن (٢٩) وقيل (٣٠) (٣١) وقال أصحاب المعاني: ليس (٣٢) ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ (٣٣) (١) هو: باذام، أو باذان، مولى أم هانىء.
تقدمت ترجمته.
(٢) (عطاء): غير مقروءة في: (ج).
(٣) أثر ابن عباس هذا برواية عكرمة وسعيد بن جُبير في: "سنن أبي داود": برقم (3001) كتاب "الخراج" باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة "تفسير الطبري" 3/ 192، "سيرة ابن هشام" 2/ 179، "تفسير الثعلبي" 3/ 12 أ، "أسباب النزول" للواحدي: ص 100 - 101، "تفسير البغوي" 2/ 13، "لباب النقول" للسيوطي ص 51.
وورد من رواية الكلبي عن أبي صالح في "تفسير الثعلبي" 3/ 12 أ، "أسباب النزول" للواحدي ص 100، "تفسير البغوي" 2/ 13.
أما رواية عطاء عن ابن عباس، فلم أهتد إلى مصدرها.
ونص الأثر في: "سنن أبي داود": (لما أصاب رسولُ الله قريشًا يوم بدر، وقدم المدينة، جَمَع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال: "يا معشَرَ يهودَ، أسلموا قبل أن يصيبكم مثلُ ما أصاب قريشا" قالوا: يا محمدُ، لا يغرَّنَّكَ من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفتَ أنَّا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله عز وجل في ذلك ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾ (٤) قوله في "تفسيره" 1/ 265، "تفسير الثعلبي" 3/ 12 أ، "تفسير البغوي" 2/ 12.
(٥) انظر: (غلب) في: كتاب "العين": 4/ 420 "تهذيب اللغة" 3/ 2682، "اللسان" 6/ 3278.
(٦) في "معاني القرآن" 2/ 319.
(٧) في (ب)، (د): (أضيف).
(٨) في (د): (التاء والياء).
قرأ حمزة والكسائي من السبعة بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.
انظر: "الحجة" للفارسي 3/ 17، "المبسوط" لابن مهران 140، "حجة القراءات" لابن زنجلة 154 - 155، وكتاب "الإقناع" لابن الباذش 2/ 618.
(٩) في (د): (يدل).
(١٠) في (ج): (صحة).
(١١) من قوله: (ويدل على ..) إلى (..
ولم يقل غضوا): نقله عن "الحجة" للفارسي 3/ 18 بتصرف واختصار.
(١٢) من قوله: (تعالى ..) إلى (..
صحة الياء): ساقط من: (ج).
(١٣) في "معاني القرآن" 1/ 191.
(١٤) في (ج): (ومن).
(١٥) في (ج): (المشركين واليهود).
(١٦) (وإنك قائم): ساقط م: ن (ج).
(١٧) هو عبد الله بن مسعود .
(١٨) في (ب): (تنتهوا).
(١٩) في (ج): (د): (لهم).
(٢٠) انظر هذه القراءة، في "المحرر الوجيز" 6/ 300، "البحر المحيط" 4/ 494، ووردت فيه: (تنتهوا).
والقراءة المتواترة: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
(٢١) في (ج): (الموضع).
(٢٢) القائل هو: أبو علي الفارسي في "الحجة" 3/ 19، ونقله المؤلف عنه بتصرف.
(٢٣) في (ج): (د): (الخزى) وفي "الحجة" الجِزَى، وما أثبته صحيح كذلك؛ لأن الجزي، والجِزى، جمعٌ للجزية وهي: خراج الأرض، وما يؤخذ من أهل الذمة من مال.
انظر: "اللسان" 2/ 621 (جزى).
(٢٤) هو: أبو علي، الحسن بن حييى بن نَصْر الجُرْجاني، وكتابه "نظم القرآن".
(٢٥) من قوله: (أي ..) إلى (..
هذه اللفظة بعينها) ساقطة من (د).
(٢٦) وانظر في توجيه القراءة بالتاء والياء: "الحجة في القراءات السبع" لابن خالويه ص 106، "الكشف" لمكي 1/ 335.
(٢٧) قوله في "تفسيره" 1/ 256، "تفسير الثعلبي" 3/ 12 أ.
(٢٨) انظر: "تفسير مجاهد": 1/ 122، "تفسير الطبري" 3/ 193، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 604.
(٢٩) لم أهتد إلى مصدر قوله.
(٣٠) ممن قال بذلك: الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 380.
(٣١) لم أقف على هذه الرواية عن ابن عباس، والذي في "الدر المنثور" 1/ 430 هو قوله: (بئس ما مهدوا لأنفسهم).
ونسب إخراجه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، ولم يذكر الرواي عنه.
(٣٢) في (ج): (وليس).
(٣٣) سورة آل عمران: 21، التوبة: 34، والانشقاق: 24.
وأصل المَهْد لغة: التوثير، ويقال: (مَهَدْت لنفسي مهدًا) و (مَهَّدت لنفسي) أي: جعلت لها مكانا وطيئًا سهلًا، و (مَهَد لمسه خيرًا)، و (امْتَهده): هيأه وتوطأه.
والمِهاد: الفراش، سمي بذلك لوثارته، و (مهدت الفراش مهدًا): بسطته ووطأته، والجمع: (أمهِدة) و (مُهُد)، و (مهْد الصبي): موضعه الذي يُهَيَّأ له لينام فيه، وجمعه: مُهود.
انظر: (مهد) في: "الجمهرة" لابن دريد ص 685، "اللسان" 7/ 4286.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَدَأْبِ ﴾ في موضع رفع أي دأب هؤلاء كدأب ﴿ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ وفي ذلك تهديد ﴿ والذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ عطف على آل فرعون، ويعني بهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، والضمير عائد على آل فرعون ﴿ بآياتنا ﴾ البراهين أو الكتاب ﴿ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ ﴾ قرئ بتاء الخطاب ليهود المدينة، وقيل لكفار قريش، وقرئ بالياء إخباراً عن يهود المدينة، وقيل: عن قريش وهو صادق على كل قول، أما اليهود فغلبوا يوم قريظة والنضير وقينقاع، وأما قريش ففي بدر وغيرها.
والأشهر أنها في بني قينقاع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام بعد غزوة بدر، فقالوا له: لا يغرنك أنك قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال فلو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، فنزلت الآية: ثم أخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سيغلبون ويحشرون ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير.
الباقون بتاء الخطاب ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.
الباقون بالياء ﴿ مثليهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ﴿ بجنتيهم ﴾ ﴿ رأى العين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الباقون بهمزة ساكنة ﴿ أونبئكم ﴾ بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون.
﴿ آونبئكم ﴾ بالمد والواو المضمومة: يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب.
الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة.
﴿ ورضوان ﴾ بضم الراء حيث كان: الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ في المائدة ﴿ أن الدين ﴾ بفتح "إن" علي.
الباقون بالكسر.
﴿ وجهي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.
﴿ ومن اتبعني ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل.
﴿ ويقاتلون الذين ﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير.
الباقون ﴿ ويقتلون ﴾ .
﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: أبو جعفر.
الباقون بالعكس.
/ الوقوف: ﴿ جهنم ﴾ ط، ﴿ المهاد ﴾ ه، ﴿ التقتا ﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما.
﴿ العين ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ه، ﴿ والحرث ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين.
﴿ المآب ﴾ ج ﴿ من ذلكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام.
﴿ من الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ج للاية على جعل "الذين" خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على "أعني الذين" ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين.
﴿ النار ﴾ ج لأن "الصابرين" يصلح بدلاً من "الذين" والوقف أجود نصباً على المدح.
﴿ بالأسحار ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف،ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً.
﴿ بالقسط ﴾ ط، ﴿ الحكيم ﴾ ط إلا لمن قرأ "إن" بالفتح على البدل من "أنه" ﴿ الإسلام ﴾ ه، ﴿ بينهم ﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله.
﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿ أأسلمتم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ اهتدوا ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.
﴿ البلاغ ﴾ ط، ﴿ بالعباد ﴾ ه، ﴿ بغير حق ﴾ ز لمن قرأ ﴿ ويقاتلون ﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿ يقتلون ﴾ ﴿ أليم ﴾ ه، ﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود.
﴿ من ناصرين ﴾ ه، ﴿ معرضون ﴾ ه، ﴿ معدودات ﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال.
﴿ يفترون ﴾ ه، ﴿ يظلمون ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: "لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت يهود المدينة: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا ترد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه.
ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى.
فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله شكوا فقالوا: لا والله ما هو به.
وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا.
وكان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد.
وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة.
ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية" .
وقال محمد بن إسحق بن يسار في رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس: "لما أصاب رسول الله قريشاً ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.
فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة.
أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس" فأنزل الله ﴿ قل للذين كفروا ﴾ يعني اليهود ﴿ ستغلبون ﴾ / تهزمون ﴿ وتحشرون إلى جهنم ﴾ في الآخرة.
ومعنى جهنم قد مر في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ولبئس المهاد ﴾ وقيل: هم مشركو مكة ﴿ ستغلبون ﴾ يعني يوم بدر من قرأ بتاء الخطاب فمعناه الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر بأي لفظ أراد ، ومن قرأ بالياء فالأمر متوجه إلى حكاية هذا اللفظ أي قل لهم قولي لك: ﴿ سيغلبون ﴾ .
وفي الآية حجاج للقائل بتكليف ما لا يطاق، فإنه أخبر عنهم بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب الخبر كذباً.
وفيها دليل على صحة البعث والحشر بإخبار الصادق وفي قوله ﴿ ستغلبون ﴾ وقد وقع كما أخبر إخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدق النبي .
نظيره في حق عيسى ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ ثم إنه ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ يوم بدر ﴿ فئة ﴾ إحداهما جماعة ﴿ تقاتل في سبيل الله ﴾ وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ﴿ وفئة ﴾ أخرى ﴿ كافرة ﴾ هم كفار قريش.
وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه: أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها: قلة العَدَدِ والعُدَدِ، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان.
ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا.
ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني.
كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات.
وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة.
وثانيها أنه كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ﴾ يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان.
وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز.
وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة.
ورابعها قوله ﴿ يرونهم مثليهم ﴾ وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في "يرون" إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ﴿ مثليهم ﴾ إلى كل منهما فهذه أربعة: الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.
الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم.
ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في "يرون" إلى /الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله ﴿ قد كان لكم آية ﴾ فوجب أن يكون الراؤون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة.
والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا.
على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية.
الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون.
فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا.
الاحتمال الرابع أن يكون الراؤون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك.
وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة.
وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي.
أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل: لعل الله أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً.
وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون ﴿ مثليهم ﴾ نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله: ﴿ رأى العين ﴾ لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات.
وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات.
وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض.
أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل.
﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد.
﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكره من / الآية ﴿ لعبرة ﴾ نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم ﴿ لأولي الأبصار ﴾ ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين.
ثم ذكر ما هو كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه ﴿ زين للناس ﴾ اللذات الجسمانية والآخرة.
وهي عالم الروحانيات - خير وأبقى، وأنها معدة لمن واظب على العبودية واتصف بالخصال الحميدة.
وأما ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد إلا أنه يمنعه من اتباعه حب المال والجاه.
وروينا أيضاً أنه لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالعدة والعدد، فبيّن الله في هذه الآية أن تلك الأشياء متاع الدنيا وزينتها، والآخرة خير.
والمزين هو الله .
أما عند الأشاعرة فلأنه خالق أفعال العباد كلها، ولو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان؟
وأما عند جمهور المعتزلة فلحكمة الابتلاء ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ ولأنها وسائل إلى منافع الآخرة وهو أن يتصدق بها أو يتقوى بها على طاعة الله أو يشتغل بشكرها.
كان الصاحب بن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب.
ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان أشق له وأكثر ثواباً.
وعن الجبائي واختاره القاضي، أن كل ما كان واجباً أو مندوباً أو مباحاً فالتزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان.
وحكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله على ذلك.
واحتجاجه في الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات، وإن تزيينها وظيفة الشيطان.
وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده.
وقال في معرض الذم ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ والذام للشيء لا يكون مزيناً له.
وقال ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزيناً لها؟.
ثم إنه جعل الأعيان المشتهاة شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها وذلك للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور "قدرة" وللمرجو "رجاء".
وفيه فائدة أخرى هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية.
فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها.
قال المتكلمون: في الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون مغايراً للمضاف إليه.
فالشهوة من فعل الله ، والمحبة من أفعال العباد، وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات.
واعلم أن الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة، ومنه قوله حكاية عن سليمان / ﴿ إني أحببت حب الخير ﴾ ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير.
فقوله: ﴿ حب الشهوات ﴾ قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة.
ولفظ ﴿ الناس ﴾ عام فظاهره يقتضي أن هذا المعنى عام لجميع الناس ولا شك أنه موجود في الأغلب وفي أكثر الأوقات فلا يبعد التعميم، فطالما أعطى للأغلب حكم الكل.
على أن من همته بجوامعها مقصورة على طلب اللذات الروحانية في غاية الندرة، وبقاء ذلك النادر في جميع الأحيان على ذلك الخاطر أعز وأمنع.
ثم شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة ﴾ وقال : " إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" " الثانية الأولاد ولا سيما البنين ولهذا خصوا بالذكر، ومحبة النساء والأولاد كأنها حالة غريزية ولولاها لم يتصور بقاء النسل للحيوانات.
الثالثة والرابعة القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.
قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ومنه القنطرة.
والمال الكثير قنطار لأن الإنسان يتوثق بها في دفع النوائب.
أبو عبيد: إنه وزن لا يحد.
روى أبو هريرة عن النبي : " "القنطار اثنا عشر ألف أوقية " وروى أنس عنه هو ألف دينار.
وروى أبي بن كعب عنه هو ألف ومائتا أوقية.
وقال ابن عباس: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية.
وبه قال الحسن.
وزعم الكلبي أن القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة.
وعن سعيد بن جبير أنه مائة ألف دينار.
والمقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم "ألف مؤلفة وبدرة مبدّرة وإبل مؤبلة".
قال الكلبي: القناطير ثلاثة والمقنطرة المضاعفة فكان المجموع ستة.
وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء.
وكل الصيد يوجد في الفرا *** ولولا التقى لقلت جلت قدرته وصفة المالكية هي القدرة، وأنها صفة كمال والكمال محبوب لذاته.
والخامسة الخيل المسوّمة قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لاختيالها وهو جولانها في مشيتها.
ويسمى الخيال خيالاً لجولان هذه القوة في استحضار الصور.
والمسومة قيل المرعية.
أسمت الدابة وسوّمتها إذا أرسلتها في مرجها للرعي.
ولا شك أنها إذا رعت ازدادت حسناً وبهاء.
وقيل: هي المعلمة من السومة / العلامة.
ثم اختلفوا في تلك العلامة فعن أبي مسلم: الغرة والتحجيل، وقال الأصم: هي البلق.
وقال قتادة: الشية - وقيل: الكي.
وقال مجاهد وعكرمة: المسومة المطهمة أي الحسان.
قال الأصمعي: رجل مطهم وفرس مطهم وفرس مطهم أي تام، كل شيء على حدته فهو بارع الجمال.
السادسة الأنعام وهو جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم.
ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.
السابعة الحرث وهو الزراعة ذلك الذي ذكر متاع الحياة الدنيا لأن وجوه الانتفاعات الدنيوية للإنسان إما أن تكون من بني نوعه أو من غيره.
والأول أصل وهو المرأة وفرع وهو الولد، وإنما فرض الكلام في الذكور لشرفهم.
والثاني إما أن تكون من المعدنيات وأكثرها فائدة وأعمها عائدة الجوهران الثمينان فخصا بالذكر، وإما أن تكون من الحيوانات للركوب والكر والفر وهو الخيل، أو للحمل واللحم وهو الأنعام، وإما أن تكون من النباتات وهو الحاصل من الزراعة وإنما لم يتعرض للدور والقصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب، والقرآن يخاطب أولاً معهم.
﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ أي المرجع.
وإنما لم يذكر المآب القبيح وهو النار لأنها غير مقصودة بالذات لأنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولهذا قال: " "سبقت رحمتي غضبي" " ثم بيّن أن ذلك المرجع كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا.
والمقصود أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأفسح من بطن الأم فكذلك الآخرة أفسح وأوسع من الدنيا، أو لأنه لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ قل أؤنبئكم بخير ﴾ أي بشيء هو خير ﴿ من ذلكم ﴾ الذي عددنا.
ثم استأنف بيانه وتقريره فقال: ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات ﴾ كما تقول: هل أدلكم على حبر خير من فلان؟
عندي رجل من صفته كيت وكيت.
وبيان الخيرية ظاهر من وصف الجنات والأزواج مع قيد الخلود، فإن النعمة وإن عظمت، فتوهم الانقطاع والزوال ينغص صفوها وينقص لذتها، وبعد زوال هذا الوهم لن يتكامل طيبها إلا بالنساء فبهن يحصل الأنس.
ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة فقال: ﴿ مطهرة ﴾ أي من الأقذار والمنفرات.
وبعد ذكر تمام النعمة ذكر ماهو فوق التمام فقال: ﴿ ورضوان من الله ﴾ ويندرج فيه جميع المطالب والمقاصد لأن العبد إذا رضي عنه المولى لم يتصور منصب أجل منه وأعلى، وكأن المولى وما يملكه للعبد، كما أن العبد وما يملكه للمولى ﴿ ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ﴾ ويحتمل أن يكون اللام في قوله: ﴿ للذين اتقوا ﴾ متعلقاً بخير.
واختص المتقين لأنهم /هم المنتفعون به ويرتفع ﴿ جنات ﴾ على الخبر أي هو جنات ويعضده قراءة بعضهم ﴿ جنات ﴾ بالجر على البدل من ﴿ خير ﴾ وذلك أن اللام في هذه القراءة يتعين أن يكون متعلقاً بخير.
وقوله: ﴿ عند ربهم ﴾ يحتمل أن يتعلق بما يتعلق بما تعلق به قوله: ﴿ للذين ﴾ أي ثبت لهم عند ربهم.
ويحتمل أن يكون صفة لخير، ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ اتقوا ﴾ فيكون إشارة إلى أن هذا الثواب لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله فلا يدخل فيه إلا من كان مؤمناً في علم الله ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختار لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا، أو بصير بهم يثيب ويعاقب بحسب الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا ربهم وبأحوالهم فلذلك أعدّ لهم الجنات ﴿ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة.
وقد حكى الله ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فقيل: دل ذلك على أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن العمل الصالح لو كان داخلاً فيه كما زعموا كان إدخاله في النار قبيحاً عندهم فيكون ممتنع الوقوع من الله ، وضده واجب الوقوع، وسؤال الواجب وقوعه عبث فلا يصلح للمدح.
ويمكن أن يجاب عنه بأن العبد قد يدعو بما يعلم أنه حاصل له إظهار الذل و العبودية وإبداء للاستكانة والخشوع.
وأيضاً صورة العمل الصالح لا تفيد ما لم تقع في حيز القبول.
فعلى المتقي أن لا يتكل عليها ويبتهل إلى الله في مواجب الغفران.
ثم عدد من أوصاف عباده خمسة ووسط العاطف بينها دلالة على كمالهم في كل واحد منها، أو إشارة إلى أن كل واحد منها يكفي في استحقاق المدح والثواب فقال: ﴿ الصابرين ﴾ أي في أداء الطاعات وعلى ترك المحظورات وعند المحن والشدائد.
وقف رجل على الشبلي فقال: أيّ صبر أشد على الصابرين؟
فقال: الصبر في الله .
فقال: لا.
فقال: الصبر لله.
فقال: لا.
فقال: الصبر مع الله.
قال: لا.
قال: فأي شيء؟
قال: الصبر عن الله.
فصرخ الشبلي صرخة كاد يتلف روحه.
﴿ والصادقين ﴾ أي في الأقوال وفي الأفعال بأن لا ينصرف عنها قبل تمامها، وفي النيات بأن يمضي العزم على الخيرات.
﴿ والقانتين ﴾ والمقيمين على الطاعات والمواظبين عليها ﴿ والمنفقين ﴾ ما تيسر على من تيسر بشروطه ومصارفه وجوباً وندباً ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ أي فيها.
والسحر قبل طلوع الفجر.
وخص هذا الوقت لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا ليلهم وذلك نهارهم.
وللاستغفار بالأسحار مزيد آثار وأنوار لأن السحر وقت النوم والغفلة، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة عرض الذلة على حضرة العزة لا يبعد أن يفيض عليه سجال المغفرة وأن يطلع صبح العالم الصغير عند طلوع صبح العالم الكبير فيستنير قلب المؤمن بأنوار المعارف وآثار اللطائف.
أما بيان ترتيب الأوصاف، / فالصبر يشمل أداء جميل التكاليف.
ثم الإنسان قد يلتزم من نفسه ما هو غير واجب عليه، فالصادق من يخرج عن عهدة ذلك ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ ثم المواظبة على سلوك سبيل الخيرات أمر محمود فأشير إلى ذلك بقوله: ﴿ والقانتين ﴾ ثم إن ههنا أمرين يعينان على الطاعة: الخدمة بالمال والابتهال والتضرع إلى حصرة القدس والجلال وذلك قوله: ﴿ والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ﴾ فقوله: ﴿ والمنفقين ﴾ معناه الشفقة على خلق الله وباقي الأوصاف حاصله التعظيم لأمر الله.
قال الكلبي: "لما ظهر رسول الله بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان!
فلما دخلا على النبي عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت محمد؟
قال: نعم.
قالا: وأنت أحمد؟
قال: نعم.
قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك.
فقال لهما رسول الله : سلاني.
قالا: أخبرنا من أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله " .
ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله: ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ ثم بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية.
واعلم أن الشهادة من الله ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك.
أما الأول فتقريره من وجهين: أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم.
أما من الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، التمسك بالدلائل السمعية في هذه المسألة جائز لأن العلم بنبوّة محمد لا يتوقف على العلم بها.
وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحداينة الله بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضاً أن الله واحد لا شريك له.
وثاني الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان.
فالله أظهر ذلك وبيّن بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه.
أيضاً الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق.
فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان.
فأما مفهوم الإظهار والبيان فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي : إن وحدانية الله أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فأثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.
وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله على / توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.
فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله.
فكيف يكون المدعي شاهداً؟
فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ذلك ولهذا قال: ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ﴾ وفي انتصاب ﴿ قائماً بالقسط ﴾ وجوه: الأول أنه حال مؤكدة والتقدير: شهد الله قائماً بالقسط، أو لا إله إلا هو قائماً بالقسط.
وهذا أوجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضياً للعدالة مثل: هذا أبوك عطوفاً.
أو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً.
ويحتمل أن يكون حالاً من "أولي العلم" أي حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة.
الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو.
وقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف.
الثالث أن يكون نصباً على المدح وإن كان نكرة كقوله: ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثاً مراضيع مثل السعالى ومعنى كونه قائماً بالقسط قائماً بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي يجريه على سن الاستقامة، أو مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآحال، ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم.
واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا.
ومركوز في العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية التسوية ورعاية الأصلح عموماً أو خصوصاً.
فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادىء والغايات، فانظر في كيفية خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب.
ثم انظر في كيفية خلقه العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها حكمة وعدالة.
وانظر إلى تفاوت الخلائق / في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله.
فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء.
فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد.
ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله ، ولا خالق إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو.
وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك: الدليل دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله.
وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه هو المسك ما كررته يتضوّع *** ثم أكد كونه منفرداً بالألوهية وقائماً بالعدل بقوله: ﴿ الغزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم.
ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى.
والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة.
سميت ديناً لأنها سبب الجزاء.والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص العبادة من قولهم: "سلم له الشيء" أي خلص له.
والإسلام في عرف الشرع يطلق تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد ههنا.
وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد.
أما التوحيد فأن يعلم أن الله لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو به، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه / عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبداً منقاداً معترفاً بأنه قائم بالقسط.
ومن قرأ بفتح "أن" فتقديره عند البصريين ذلك بدل من الأول، بدل الكل فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** وقيل: تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام.
وقيل: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام.
لأن كونه واحداً يوجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الواحدانية.
وقرىء الأول بالكسر والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض.
ثم ذكر أنه أوضح الدلائل وأزل الشبهات، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم فقال: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم اليهود واختلافهم أن موسى عليه موسى لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلاً من الأحبار وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم التوراة بغياً بينهم وتحاسداً على طلب الدنيا.
وقيل: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله.
وقيل: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.
وأنكروا نبوة محمد وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن أهل كتاب.
﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم.
لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو بعيد قاله في التفسير الكبير.
﴿ ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ﴾ لا يصعب عليه عدة أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة، أو المراد أنه سيصل إلى الله سريعاً فيحاسبه أي يجازيه على كفره.
ثم بين للرسول ما يقوله في محاجتهم فقال: ﴿ فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ قال الفراء: أي أخلصت عملي لله.
فعلى هذا "الوجه" في معنى العمل.
وقيل: أي أسلمت وجه عملي لله.
فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال.
فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله والانقياد لإلهيته وحكمه.
وقيل: الوجه مقحم، والتقدير: أسلمت نفسي لله، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف على عبادته معرض عن كل ما سواه، وقوله: ﴿ ومن اتبعن ﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿ أسلمت ﴾ وحسن للفصل.
أو مفعول معه والواو بمعنى "مع".
ثم في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه كان قد أظهر المعجزات / كالقرآن ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وقد مر في هذه السورة إبطال إلهية عيسى وإثبات نبوة محمد .
ثم بيّن نفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ وذكر أن اختلاف هؤلاء اليهود والنصارى إنما هو لأجل البغي والحسد فلم يبق إلا أن يقول: أما أنا ومن اتبعن فمنقادون للحق مستسلمون له مقبلون على عبودية الله .
وهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.
وثانيهما أن قوله: ﴿ أسلمت ﴾ محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه قال هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا متمسك بهذا القدر المتفق عليه وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك.
فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان.
فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ونظير هذه الآية ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ﴾ وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ﴾ كأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ والأميين ﴾ وهم مشركو العرب الذين لا كتاب لهم ﴿ أأسلمتم ﴾ ومعناه الأمر وفائدته التعيير بالعناد وقلة الإنصاف كقولك لمن لخصت له المسئلة ولم تأل جهداً في سلوك طريقة الكشف والبيان له: هل فهمتها؟
فإنه يكون توبيخاً له بالبلادة وكلال الذهن ومثله في آية تحريم الخمر ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء.
﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ إلى ما يهدي الله إليه أو إلى الفوز والنجاة في الآخرة ﴿ وإن تولوا ﴾ أعرضوا عن الإسلام لي والاتباع لك ﴿ فإنما عليك البلاغ ﴾ .
ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الرشاد ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ يوفق للصلاح من شاء ويترك على الضلالة من أراد.
ثم وصف المتولي بصفات ثلاث وأردفه بوعيده فقال: ﴿ إن الذين يكفرون بآيات الله ﴾ أي ببعضها المعهود لأن اليهود كانوا مقرين ببعض الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وشيء من المعاد أو بكلها كما هو ظاهر الجمع المضاف، وتوجيهه أن المكذب ببعض آيات الله كالكافر بجميعها ﴿ ويقتلون النبيين ﴾ أي المعهودين لأنهم ما قتلوا كلهم ولا أكثرهم ﴿ بغير حق ﴾ من غير ما شبهة عندهم ﴿ ويقتلون ﴾ أو يقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.
عن الحسن أن في الآية دلالة على أن الآمر / بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزل الأنبياء فلهذا ذكرهم عقيبهم.
"وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله فقال: أيّ الجهاد أفضل؟
فقال : أفضل الجهاد كلمة حق عند سطان جائر" .
فإن قيل: إذا كان قوله: ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ في حكم المستقبل لا أقل من الحال لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول الله، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح الكلام؟
قلنا: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله والمؤمنين جميعاً، إلا أنه عصمهم منهم فصح إطلاق القاتل عليهم كما يقال: السم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل.
أو نقول: وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك.
عن أبي عبيدة بن الجراح "قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟
قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية.
ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة.
فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار" ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ إنما دخلت الفاء لتضمن اسم "إن" معنى الشرط، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف "ليت" و"لعل".
واعلم أنه قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم، واستعارة البشارة ههنا للتهكم.
الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية، وأما في الآخرة فكما قال عز من قائل ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ﴾ الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ عن ابن عباس قال: "دخل رسول الله بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟
فقال: على ملة إبراهيم.
فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً.
فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا" فنزلت.
وقال الكلبي: نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه وسوف تجيء القصة في سورة المائدة مفصلة.
وقيل: دعاهم النبي أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت.
ومعنى قوله: ﴿ أوتوا نصيباً ﴾ أي حظاً وافراً من علم الكتاب يريد أحبار اليهود.
و"من" إما للتبعيض وإما للبيان.
والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها.
/ وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم.
ثم بين سبب التعجيب بقوله: ﴿ يدعون إلى كتاب الله ﴾ وهو التوراة كما مر في أسباب النزول، ولأنه عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم، وإنما يتوجه التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته.
وعن ابن عباس أنه القرآن وليس ببعيد لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله ، فحذف الثاني للعلم به.
أو يراد الحكم في الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، قال في الكشاف: والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم ومعنى "ثم" استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي ﴿ وهم معرضون ﴾ قوم لا يزال الإعراض ديدنهم وهجيراهم.
والضمير في "هم" إما أن يرجع إلى الفريق أي هم جامعون بين التولي والإعراض لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر المقامات.
وإما أن يرجع إلى الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم.
وإما أن يرجع إلى كل أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ذلك التولي والإعراض، أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعها فقالوا: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ﴾ هي أيام عبادة العجل فاستوجبوا الذم من وجوه: أحدها استقصار مدة العذاب ومن أين لهم العلم بذلك؟
وثانيها أن عبادة العجل كفر والكفر يستحق به الكافر عذاباً دائماً.
وثالثها أن استثناء الأيام المعدودات فقط فيه دليل على أنهم استحقروا تكذيب محمد والقرآن وذلك كفر صريح.
﴿ وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ من قولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ أو من قولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً ﴾ أو من قولهم "نحن أولى بالنبوة من قريش" أو من زعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم.
﴿ فكيف ﴾ يصنعون؟
أو فكيف حالهم؟
وفي هذا الحذف فخامة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من العذاب ﴿ إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ قال الفراء: إذا قلت جمعوا اليوم الخميس معناه جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس.
أما إذا قلت: جمعوا في يوم الخميس فلا تضمر فعلاً.
وأيضاً من المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة والفرق بين المثاب والمعاقب.
﴿ ووفيت كل نفس ما كسبت ﴾ من ثواب أو عقاب أو جزاء / ما عملت ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس تريد ثلاثة أناسي.
روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الإشهاد ثم يأمر بهم إلى النار.
التأويل: ﴿ ستغلبون ﴾ إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا ﴾ \[المؤمنون: 106\] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا.
فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه.
﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ إن لله فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله: ﴿ زين للناس ﴾ .
واعلم أنالله خلق الخلق على طبقات ثلاث: العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ والغالب فهيم المحبة والشوق.
ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات.
فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ﴾ وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى.
ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ ورضوان من الله ﴾ والإيمان ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات.
والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك.
ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله: ﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ ما زاغ البصر وما طغى ﴾ وإنما طلبوا قرب المولى ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ ﴿ شهد الله ﴾ بكلامه / الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿ أنه لا إله إلا هو ﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات.
شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.
فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم.
ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ .
لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي فحقيقة معنى الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم.
ثم فائدة التكرار بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ﴿ لا إله إلا هو العزيز ﴾ الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية ﴿ الحكيم ﴾ الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة.
﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف.
﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة.
﴿ ويقتلون النبيين ﴾ الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً / من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله؟
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ هذا - والله أعلم - في قوم قد علم الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون أبداً؛ لذلك قال [تعالى] لنبيّه : أن قل لهم: ﴿ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية، وإلا فلا يلحقه ذلك الوعيد، والله أعلم؛ لأن من الكفار من يسلم ومن لا يسلم، [وإلا فلا يلحق بالوعيد من الكفار من أسلم].
وقوله: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ﴾ .
فيه: فإن قال قائِل: ما في فئة قليلة، وهى فئة أهل الإسلام، في غلبة فئة كثيرة، وهي فئة المشركين؛ حيث غلبت فئةُ المسلمين - وهم قليل - فئةَ المشركين - وهم كثير - يوم بدر، وقد يكون لأهل الكفر إذا كانوا قليلاً، فغَلَبُوا على أهل الإسلام - آيةٌ.
قيل: ليست الآية في الغلبة خاصّة؛ لكن الآية فيها [والله أعلم] وفي غيرها من وجوه: أحدها: أن غلبة المسلمين، مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وخروجهم لا على وجه الحرب والقتال - المشركين مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، واستعدادهم للحرب، وخروجهم على ذلك، والقتال - آيةٌ، وعلم العدو أنْ ليس لهم فئة، ولا لهم رجاء المدد، وأنْ لا غياث لهم من البشر، وذلك آية الجرأة وعلامة الشجاعة، ومعه آمَنُ، والله أعلم.
والثاني: [أن] ما روي "أن رسول الله أخذ كفاً من تراب، فرماه على وجوههم، وقال: شَاهَتِ الوُجُوُه" ؛ فامتلأت أعينهم من ذلك وعموا؛ حتى انهزموا؛ فصار آية.
والثالث: ما قيل: إن أبا جهل قام فدعا فقال: "أيُّنا أَحَقُّ دِيناً، وَأوصَلُ رَحِماً؛ فَانْصُرْهُ، واجْعِلِ الغَلَبَةَ والْهَزِيمَةَ عَلَى الآخَرِ"، فأستجيبت؛ فكانت الغلبة والهزيمة عليهم؛ فكان آية.
والرابع: ما أعان الملائكةُ المسلمين، وبعثهم الله - عز وجل - مدداً لنصرة المؤمنين على الكافرين يوم بدر؛ فذلك آية.
ووجه آخر: ما ذكرنا أن أصحاب رسول الله كانوا خرجوا شبه العير بغير سلاح، غير مستعدين للقتال على علم منهم بذلك، وأولئك خرجوا مستعدين لذلك، فكان ما ذكر، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: في ذكر القليل في الأعين من الجانبين آيةٌ عظيمة؛ إذ هي حسّية، والحواس تؤدي عن المحسوسات حقائقها، فجعلها الله بحيث لا تؤدي؛ لما قال: ﴿ لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ ؛ فيحتمل أن يكون المراد مما ذكر من الآية في أمر الفئتين - هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ ﴾ .
وفي بعض القراءات: "ترونهم" بالتاء: يرى المؤمنون أولئك مثلي أنفسهم لا أكثر، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم، على ما روي في القصة؛ وهذا لما جعل الحق عليهم قيام الواحد من المسلمين بالاثنين منهم، مع ضعفهم؛ لجهدهم في العبادات، ويلوغهم الغاية من احتمال الشدائد والمشقات.
أخبر - عز وجل - بمعرفتهم أمر أهل الحرب، وشدة رغبتهم في تعلمهم ما يحتاجون في الحرب والقتال؛ ولهذا قالوا: إن الله - عز وجل - علم المؤمنين جميع ما يحتاجون في الحرب من الآداب وغيرها في الكتاب؛ كقوله: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ ﴾ : أمرهم بالتثبت، ثم قال: ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ ﴾ : فجعل التنازع الواقع بينهم - على خلاف بعضهم بعضاً - سببَ الهزيمة؛ ففيه أمر بالاجتماع، وجعل التدبير واحداً، والطاعة لإمامهم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ ﴾ : وإنما كان عبرة؛ لما ذكرنا من خروج المؤمنين بقلة عددهم، وضعف أبدانهم، بلا استعداد للحرب والقتال، إنما هو خروج شبه العير، وخروج أولئِك بالعدة مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، وطمع المدد لهم، ولم يكن للمسلمين ذلك؛ ففي مثل غلبة المؤمنين الكافرين، والظفر بهم، والنصر لهم عليهم، على الوصف الذي وصفناهم - عبرةٌ وآيةٌ لأولي الأبصار والعبر.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- للذين كفروا على اختلاف دياناتهم: سيغلبكم المؤمنون، وتموتون على الكفر، ويجمعكم الله إلى نار جهنم، وبئس الفراش لكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.vWMBZ"
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ يقال أن هذه الآية وما قبلها في تقرير التوحيد سواء كان ردًا على نصارى نجران أو كان كلامًا مستقلًا، فإن التوحيد لما كان أهم ركن للإسلام كان مما تعرف البلاغة أن يبدأ بتقرير الحق في نفسه ثم يؤتى ببيان حال أهل المناكرة والجحود ومناشئ اغترارهم بالباطل وأسباب استغنائهم عن ذلك الحق أو اشتغالهم عنه، وأهمها الأموال والأولاد، فهي تنبئهم هنا بأنها لا تغني عنهم في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه إذ يجمع الله فيه الناس ويحاسبهم بما عملوا، بل ولا في أيام الدنيا لأن أهل الحق لا بد أن يغلبوهم على أمرهم، وما أحوج الكافرين إلى هذا التذكير.
إن الجحود إنما يقع من الناس للغرور بأنفسهم وتوهمهم الاستغناء عن الحق فإن صاحب القوة والجاه إذا وعظ بالدين عند هضم حق من الحقوق لا يؤثر فيه الوعظ ولكنه إذا رأى أن الحق له واحتاج إلى الاحتجاج عليه بالدين فإنه ينقلب واعظًا بعد أن كان جاحدًا، فهم لظلمة بصيرتهم وغرورهم بما أوتوا من مال وولد وجاه يتبعون الهوى في الدين في كل حال.
فسر مفسرنا (الجلال) تغني بتدفع، وهو خلاف ما عليه جمهور المفسرين وإنما تغني هنا كيغني في قوله ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ ولا أراك تقول أن معناها لن يدفع من الحق شيئًا وإنما معنى "من" هنا البدلية، أي أن أموالهم وأولادهم لن تكون بدلًا لهم من الله تعالى تغنيهم عنه، فإنهم إذا تمادوا على باطلهم يغلبون على أمرهم في الدنيا ويعذبون في الآخرين.
بل توعدهم أيضًا بقوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ الوقود بالفتح (كصبور) ما توقد به النار من حطب ونحوه، أي أنهم سبب وجود نار الآخرة كما أن الوقود سبب وجود النار في الدنيا، أو أنهم مما توقد به.
ولا نبحث عن كيفية ذلك فإنه من أمور الغيب التي تؤخذ بالتسليم.
ثم ذكر تعالى مثلًا لهؤلاء الكافرين الذين استغنوا بما أوتوا في الدنيا عن الحق فعارضوه وناهضوه حتى ظفر بهم فقال ﴿ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ بأن أهلكهم ونصر موسى على آل فرعون ومن قبله من الرسل على أممهم المكذبين، ذلك بأنهم كانوا بكفرهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون فما أخذوا إلا بذنوبهم وما نصر الرسل ومن آمن معهم إلا بصلاحهم وإصلاحهم فالله تعالى لا يحابي ولا يظلم ﴿ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ على مستحقه إذ قضت سنته بأن يكون العقاب أثرًا طبيعيًا للذنوب والسيئات وأشدها الكفر وما تفرع عنه، فليعتبر المخذولون إن كانوا يعقلون.
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ : كان الكافرون يعتزون بأموالهم وأولادهم فتوعدهم الله تعالى وبيّن لهم أن الأمر ليس بالكثرة والثروة وإنما هو بيده .
﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ﴾ : لا يبعد أن تكون الآية تشير إلى واقعة بدر كما قال المفسر (الجلال)، ويحتمل أن تكون إشارة إلى وقائع أخرى قبل الإسلام، ويرجح هذا إذا كان الخطاب لليهود فإن في كتبهم مثل هذه العبرة كقصة طالوت وجالوت في سورة البقرة.
ويرجح الأول إذا كان الخطاب لمشركي العرب وثبت أن نزول الآية كان بعد وقعة بدر.
وقد كانت الفئة الكافرة في بدر ثلاثة أضعاف المسلمة، ويصح أن يكونوا مع ذلك رأوهم مثليهم فقط لأن الله قللهم في أعينهم كما ورد في سورة الأنفال.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ : وجه العبرة أن هناك قوة فوق جميع القوى قد تؤيد الفئة القليلة فتغلب الكثيرة بإذن الله.
وقد ورد في القرآن ما يمكن أن نفهم به سنته تعالى في مثل هذا التأييد، لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا ويجب أخذه بجملته، بل هذه الآية نفسها تهدي إلى السر في هذا النصر، فإنه قال: ﴿ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ومتى كان القتال في سبيل الله أي سبيل حماية الحق والدفاع عن الدين وأهله فإن النفس تتوجه إليه بكل ما فيها من قوة وشعور ووجدان وما يمكنها من تدبير واستعداد مع الثقة بأن وراء قوتها معونة الله وتأييده.
ومما يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ، ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ : ولا شك أن المؤمنين قد امتثلوا أمر الله تعالى في كل ما أوصاهم به بقدر طاقتهم فاجتمع لهم الاستعداد والاعتقاد فكان المؤمن يقاتل ثابتًا واثقًا والكافر متزلزلًا مائقًا ونصروا الله فنصرهم وفاء بوعده في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ فالمؤمن من يشهد له بإيمانه وإيتاؤه ما وعد الله المؤمنين لا من يدعي الإيمان بلسانه وأخلاقه وأعماله وحرمانه ما وعد الله المؤمنين تكذب دعواه.
وغزوات الرسول وأصحابه شارحة لما ورد من الآيات في ذلك، وناهيك بغزوة أُحد فإنهم لما خالفوا ما أمروا به نزل بهم ما نزل وهذا أكبر عبرة لمن بعدهم لو كانوا يعتبرون بالقرآن ولكنهم أعرضوا عنه ونبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما اختاروا لأنفسهم.
ولو عادوا إليه واتحدوا فيه واعتصموا بحبله لفازوا بالعز الدائم والسعادة الكبرى والسيادة العليا في الدنيا والأخرى.
<div class="verse-tafsir"