الآية ١٢٠ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٢٠ من سورة آل عمران

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌۭ يَفْرَحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ ١٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٠ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ) وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ، ونصر وتأييد ، وكثروا وعز أنصارهم ، ساء ذلك المنافقين ، وإن أصاب المسلمين سنة - أي : جدب - أو أديل عليهم الأعداء ، لما لله في ذلك من الحكمة ، كما جرى يوم أحد ، فرح المنافقون بذلك ، قال الله تعالى مخاطبا عباده المؤمنين : ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا [ إن الله بما يعملون محيط ] ) يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار ، باستعمال الصبر والتقوى ، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم ، فلا حول ولا قوة لهم إلا به ، وهو الذي ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن .

ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته ، ومن توكل عليه كفاه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ها أنتم، أيها المؤمنون، الذين تحبونهم، يقول: تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم، بل يبطنون لكم العداوة والغش (32) = " وتؤمنون بالكتاب كله ".

* * * ومعنى " الكتاب " في هذا الموضع معنى الجمع، كما يقال: " كثر الدرهم في أيدي الناس "، بمعنى الدراهم.

فكذلك قوله: " وتؤمنون بالكتاب كله "، إنما معناه: بالكتب كلها، كتابكم الذي أنـزل الله إليكم، وكتابهم الذي أنـزله إليهم، وغير ذلك من الكتب التي أنـزلها الله على عباده.

يقول تعالى ذكره: فأنتم = إذ كنتم، أيها المؤمنون، تؤمنون بالكتب كلها، وتعلمون أنّ الذين نهيتكم عن أن تتخذوهم بطانة من دونكم كفار بذلك كله، بجحودهم ذلك كله من عهود الله إليهم، وتبديلهم ما فيه من أمر الله ونهيه = (33) أولى بعداوتكم إياهم وبغضائهم وغشهم، منهم بعداوتكم وبغضائكم،مع جحودهم بعضَ الكتب وتكذيبهم ببعضها.

كما:- 7695- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " تؤمنون بالكتاب كله "، أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحقّ بالبغضاء لهم، منهم لكم.

(34) * * * قال أبو جعفر: وقال: " ها أنتم أولاء " ولم يقل: " هؤلاء أنتم "، (35) ففرق بين " ها " و " أولاء " بكناية اسم المخاطبين، لأن العرب كذلك تفعل في" هذا " إذا أرادت به التقريب ومذهب النقصان الذي يحتاج إلى تمام الخبر، (36) وذلك مثل &; 7-150 &; أن يقال لبعضهم: " أين أنت "، فيجيب المقول ذلك له." ها أنا ذا " = (37) فتفرق بين التنبيه و " ذا " بمكنيّ اسم نفسه، (38) ولا يكادون يقولون: " هذا أنا "، ثم يثني ويجمع على ذلك.

وربما أعادوا حرف التنبيه مع: " ذا " فقالوا: " ها أنا هذا ".

ولا يفعلون ذلك إلا فيما كان تقريبًا، (39) فأما إذا كان على غير التقريب والنقصان قالوا: " هذا هو "" وهذا أنت ".

وكذلك يفعلون مع الأسماء الظاهرة، يقولون: " هذا عمرو قائمًا "، إن كان " هذا " تقريبًا.

(40) وإنما فعلوا ذلك في المكني مع التقريب، (41) تفرقة بين " هذا " إذا كان بمعنى الناقص الذي يحتاج إلى تمام، وبينه إذا كان بمعنى الاسم الصحيح.

(42) * * * وقوله: " تحبونهم " خَبَرٌ للتقريب.

(43) * * * قال أبو جعفر: وفي هذه الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين - أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان، كما:- 7696- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله "، فوالله إن المؤمن ليحب المنافق ويأوى له ويرحمه.

ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه، لأباد خضراءه.

(44) 7697- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن، يرحمه.

ولو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر المؤمن عليه منه، لأباد خضراءه.

* * * وكان مجاهد يقول: نـزلت هذه الآية في المنافقين.

7698- حدثني بذلك محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.

* * * القول في تأويل قوله : وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن هؤلاء الذين نهى الله المؤمنين أن يتخذوهم بطانة من دونهم، ووصفهم بصفتهم، إذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطوهم بألسنتهم تقيةً حذرًا على أنفسهم منهم فقالوا لهم: " قد آمنا وصدقنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم "، وإذا هم خلوا فصاروا في خلاء حيث لا يراهم المؤمنون، (45) عضوا - على ما يرون من ائتلاف &; 7-152 &; المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم - أناملَهم، وهي أطراف أصابعهم، تغيُّظًا مما بهم من الموجدة عليهم، وأسىً على ظهرٍ يسنِدون إليه لمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم المحاربة.

(46) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 7699- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ "، إذا لقوا المؤمنين قالوا: "آمنا "، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك =" وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ "، يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه.

لو يجدون ريحًا لكانوا على المؤمنين، (47) فهم كما نعت الله عز وجل.

7700- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله = إلا أنه قال: من الغيظ لكراهتهم الذي هم عليه = ولم يقل: " لو يجدون ريحًا "، وما بعده.

7701- حدثنا عباس بن محمد قال، حدثنا مسلم قال: حدثني يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري قال، حدثنا أبي قال: كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية: " وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ "، قال: هم الإباضية.

(48) * * * و " الأنامل " جمع " أنملة " ويقال " أنملة "، (49) وربما جمعت " أنملا "، (50) قال الشاعر: (51) أوَدُّكُمــا، مَـا بَـلَّ حَـلْقِيَ رِيقَتِـي وَمـا حَـمَلَتْ كَفَّـايَ أَنْمُـلِيَ العَشْـرَا (52) وهي أطراف الأصابع; كما:- 7702- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " الأنامل "، أطراف الأصابع.

7702 م - حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله.

7703- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل "، الأصابع.

7704- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي &; 7-154 &; الأحوص، عن عبد الله، قوله: " عضوا عليكم الأنامل من الغيظ "، قال: عضوا على أصابعهم.

(53) * * * القول في تأويل قوله عز وجل : قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) قال أب جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قل "، يا محمد، لهؤلاء اليهود الذين وصفت لك صفتهم، وأخبرتك أنهم إذا لقوا أصحابك قالوا: آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ =: " موتوا بغيظكم " الذي بكم على المؤمنين لاجتماع كلمتهم وائتلاف جماعتهم.

وخرَج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله، كمَدًا مما بهم من الغيظ على المؤمنين، قبل أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت في دينهم، والضلالة بعد هداهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: أهلكوا بغيظكم =" إن الله عليم بذات الصدور "، &; 7-155 &; يعني بذلك: إن الله ذو علم بالذي في صدور هؤلاء الذين إذا لقوا المؤمنين، قالوا: "آمنا "، وما ينطوون لهم عليه من الغل والغم، ويعتقدون لهم من العداوة والبغضاء، وبما في صدور جميع خلقه، حافظٌ على جميعهم ما هو عليه منطوٍ من خير وشر، حتى يجازي جميعهم على ما قدَّم من خير وشر، واعتقد من إيمان وكفر، وانطوى عليه لرسوله وللمؤمنين من نصيحة، أو غِلّ وغِمْر.

(54) --------------------- الهوامش : (32) في المطبوعة: "بل سطروه" ، وفي المخطوطة: "بل ينتظرون" غير منقوطة ، وصوابها ما أثبت كما استظهره طابع الأميرية.

(33) سياق هذه العبارة: فأنتم ...

أولى بعداوتكم إياهم.

(34) الأثر: 7695- سيرة ابن هشام 2: 207 ، وهو من تمام الآثار السالفة التي آخرها: 7680.

(35) في المخطوطة: "ولم يقل: هذا أنتم" ، والصواب ما في المطبوعة ، فهو حق السياق.

(36) التقريب" من اصطلاح الكوفيين ، وقد فسره السيوطي في همع الهوامع 1: 113 ، فقال [ذهب الكوفيون إلى أن"هذا" و"هذه" ، إذا أريد بها التقريب كانا من أخوات"كان" ، في احتياجهما إلى اسم مرفوع وخبر منصوب ، نحو: "كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادمًا؟" ، "وكيف أخاف البرد ، وهذه الشمس طالعة؟" ، وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود ، نحو: "هذا ابن صياد أسقى الناس" ، فيعربون"هذا" تقريبًا ، والمرفوع اسم التقريب ، والمنصوب خبر التقريب.

لأن المعنى إنما هو عن الخليفة بالقدوم ، وعن الشمس بالطلوع ، وأتى باسم الإشارة تقريبا للقدوم والطلوع.

ألا ترى أنك لم تشر إليهما وهما حاضران؟

وأيضًا ، فالخليفة والشمس معلومان ، فلا يحتاج إلى تبيينهما بالإشارة إليهما.

وتبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة يخبر عنه بالمنصوب ، لأنك لو أسقطت الإشارة لم يختل المعنى ، كما لو أسقطت"كان" من: "كان زيد قائما"].

(37) في المطبوعة: "فيفرق" ، والصواب بالتاء ، لأنه يريد"العرب".

وسياق الكلام: "لأن العرب كذلك تفعل ...

فتفرق ...".

(38) في المخطوطة: "بين التنبيه وأولاء".

والذي في المطبوعة أجود وأمضى على السياق ، وهو تغيير مستحسن.

والظاهر أن الخطأ قديم في نسخ الطبري ، بل لعله من فعل أبي جعفر نفسه ، وكأنه لما نقل هذا الكلام ، وهو كلام الفراء ، اختصر أوله فقال: "لأن العرب كذلك تفعل في هذا" ، واقتصر عليها ، مع أن الفراء ذكر"هذا ، وهذان ، وهؤلاء".

هذا مع اشتغال ذهنه بنص الآية نفسها ، فدخل عليه السهو فيما كتب.

هذا ما أرجحه والله ولي التوفيق.

(39) انظر معنى"التقريب" فيما سلف ص: 149 تعليق: 4.

(40) في المطبوعة والمخطوطة: "وإن كان ..." بالواو ، وإثباتها فساد في الكلام شديد لأنه يعني أنهم ينصبون: "قائما" ، إن كان"هذا" بمعنى التقريب.

والجملة الآتية مؤيدة لذلك.

(41) انظر معنى"التقريب" فيما سلف ص: 149 تعليق: 4.

(42) في المطبوعة: "وبينه وبين ما إذا كان بمعنى الاسم الصحيح" ، زاد من زاد"وبين ما" ظنا منه أن ذلك أقوم في الدلالة على المعنى من عبارة أبي جعفر التي ثبتها من المخطوطة.

وقد أساه غاية الإساءة!

(43) يعني بقوله: "خبر للتقريب" ، أي هو في موضع نصب خبرًا للتقريب ، كما أسلفت بيان ذلك من كلام السيوطي في ص 149 ، تعليق: 4.

(44) أوى له وأوى إليه: رثى له وأشفق عليه ورحمه.

ويقال: "أباد خضراءهم" ، أي سوادهم ومعظمهم ، واستأصلهم.

وذلك أن الكثرة المجتمعة ، ترى من بعيد سوداء ، والعرب تسمى الأخضر ، أسود.

(45) انظر تفسير"خلا" فيما سلف 1: 298 ، 299.

(46) الظهر: الأعوان والأنصار ، كأنهم لمن ينصرونه ظهر.

(47) الريح: القوة والغلبة ، ومنه قول تأبط شرًا أو السليك بن السلكة: أَتَنْظُــرَانِ قَلِيــلا رَيْــثَ غَفْلَتِهـمْ أَوْ تَعْــدُوَان، فَـإِنَّ الـرِّيحَ للعَـادِي (48) الأثر: 7701-"عباس بن محمد بن حاتم" الدوري ، روى عنه الأربعة.

مترجم في التهذيب.

و"مسلم" هو"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي" ، مضت ترجمته برقم: 2861.

و"يحيى بن عمرو بن مالك النكري".

روى عن أبيه ، وهو منكر الحديث.

و"النكرى" بضم النون وتسكين الكاف ، نسبة إلى بني نكرة بن لكيز من عبد قيس.

وأبوه"عمرو بن مالك النكري" ، ثقة وتكلم فيه البخاري وضعفه.

روى عن أبيه وعن أبي الجوزاء.

و"أبو الجوزاء" هو"أوس بن عبد الله الربعي من الأزد" ، روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس.

كان عابدًا فاضلا.

واستضعف البخاري إسناده إلى عائشة وابن مسعود وغيرهما من الصحابة.

مترجم في التهذيب.

و"الإباضية" ، فرقة من الحرورية ، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي ، الخارج في أيام مروان بن محمد.

ومن قولهم: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين ، ومناكحتهم جائزة ، وموارثتهم حلال ، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال ، وما سواه حرام ، وإن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد.

وقالوا: إن مرتكب الكبيرة موحد ، لا مؤمن.

(49) يعني بفتح الهمزة وضم الميم ، وضم الهمزة والميم جميعا.

(50) "أنمل" هذا جمع لم تورده كتب اللغة ، وإنما ذكروا"أنملات" ، وقالوا إنه أحد ما كسر وسلم بالتاء ، قال ابن سيدهْ: "إنما قلت هذا ، لأنهم قد يستغنون بالتكسير عن جمع السلامة ، وبجمع السلامة بالتكسير ، وربما جمع الشيء بالوجهين جميعًا".

(51) لم أعرف قائله.

(52) قوله: "أود كما" أي: لا أود كما ، حذفت"لا" مع القسم.

والريقة: الريق.

وقوله: "ما بل حلقي ريقي ..." إلى آخر البيت بمعنى التأييد ، أي.

لا أود كما أبدًا ما حييت.

(53) عند هذا آخر قسم من التقسيم القديم ، وفي المخطوطة هنا ما نصه: "يتلوه القولُ في تأويل قوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيظكم إنَّ الله عليمٌ بذات الصُّدُور وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرًا" ثم يتلوه بعد: "بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان ، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير" ثم انظر ما سلف في بيان هذا الإسناد الجديد للنسخة ، في 6: 495 ، 496 تعليق: 5 / ثم 7: 23 ، تعليق 1.

(54) الغمر (بكسر الغين وسكون الميم) ، والغمر (بفتحتين) ، الحقد والغل ، الذي يغمر القلب غمرًا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيطقوله تعالى : إن تمسسكم حسنة تسؤهم قرأ السلمي بالياء والباقون بالتاء .

واللفظ عام في كل ما يحسن ويسوء .

وما ذكره المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم إلى غير ذلك من الأقوال أمثلة وليس باختلاف .

والمعنى في الآية : أن من كانت من صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين ، لم يكن أهلا لأن يتخذ بطانة ، لا سيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو ملاك الدنيا والآخرة ; ولقد أحسن القائل في قوله :كل العداوة قد ترجى إفاقتها إلا عداوة من عاداك من حسدوإن تصبروا أي على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين .

وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا يقال : ضاره يضوره ويضيره ضيرا وضورا ; فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى ، فكان ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم .قلت : قرأ الحرميان وأبو عمرو " لا يضركم " من ضار يضير كما ذكرنا ; ومنه قوله لا ضير ، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين ; لأنك لما حذفت الضمة من الراء بقيت الراء ساكنة والياء ساكنة فحذفت الياء ، وكانت أولى بالحذف ; لأن قبلها ما يدل عليها .

وحكى الكسائي أنه سمع " ضاره يضوره " وأجاز " لا يضركم " وزعم أن في قراءة أبي بن كعب " لا يضرركم " .

قرأ الكوفيون : لا يضركم بضم الراء وتشديدها من ضر يضر .

ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير إضمار الفاء ; والمعنى : فلا يضركم ، ومنه قول الشاعر :من يفعل الحسنات الله يشكرهاهذا قول الكسائي والفراء ، أو يكون مرفوعا على نية التقديم ; وأنشد سيبويه :وإنك إن يصرع أخوك تصرعأي لا يضركم أن تصبروا وتتقوا .

ويجوز أن يكون مجزوما ، وضمت الراء لالتقاء [ ص: 175 ] الساكنين على إتباع الضم .

وكذلك قراءة من فتح الراء على أن الفعل مجزوم ، وفتح " يضركم " لالتقاء الساكنين لخفة الفتح ; رواه أبو زيد عن المفضل عن عاصم ، حكاه المهدوي .

وحكى النحاس : وزعم المفضل الضبي عن عاصم " لا يضركم " بكسر الراء لالتقاء الساكنين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إن تمسسكم حسنة } كالنصر على الأعداء وحصول الفتح والغنائم { تسؤهم } أي: تغمهم وتحزنهم { وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } فإذا أتيتم بالأسباب التي وعد الله عليها النصر - وهي الصبر والتقوى- لم يضركم مكرهم، بل يجعل الله مكرهم في نحورهم لأنه محيط بهم علمه وقدرته فلا منفذ لهم عن ذلك ولا يخفى عليهم منهم شيء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقوله تعالى : ( إن تمسسكم حسنة ) أي : تصبكم أيها المؤمنون بظهوركم على عدوكم وغنيمة تنالونها منهم ، وتتابع الناس في الدخول في دينكم ، وخصب في معايشكم ( تسؤهم ) تحزنهم ، ( وإن تصبكم سيئة ) مساءة بإخفاق سرية لكم أو إصابة عدو منكم ، أو اختلاف يكون بينكم أو جدب أو نكبة تصبكم ( يفرحوا بها وإن تصبروا ) على أذاهم ( وتتقوا ) وتخافوا ربكم ( لا يضركم ) أي : لا ينقصكم ، ( كيدهم شيئا ) قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة ( لا يضركم ) بكسر الضاد خفيفة يقال : ضار يضير ضيرا ، وهو جزم على جواب الجزاء ، وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء من ضر يضر ضرا مثل رد يرد ردا وفي رفعه وجهان .

أحدهما : أنه أراد الجزم وأصله يضرركم فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الثانية اتباعا ، والثاني : أن يكون لا بمعنى ليس ويضمر فيه الفاء تقديره : وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا ، ( إن الله بما يعملون محيط ) عالم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن تَمْسَسْكُمْ» تصبكم «حسنة» نعمة كنصر وغنيمة «تسؤهم» تحزنهم» «وإن تصبكم سيئة» كهزيمة وجدب «يفرحوا بها» وجملة الشرط متصلة بالشرط قبل وما بينهما اعتراض والمعنى أنهم متناهون في عداوتكم فلم توالوهم فاجتنبوهم «وإن تصبروا» على أذاهم «وتتقوا» الله في موالاتهم وغيرها «لا يضركمْ» بكسر الضاد وسكون الراء وضمها وتشديدها «كيدهم شيئا إن الله بما يعلمون» بالياء والتاء «محيط» عالم فيجازيهم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن عداوة هؤلاء أنكم -أيها المؤمنون- إن نزل بكم أمرٌ حسن مِن نصر وغنيمة ظهرت عليهم الكآبة والحزن، وإن وقع بكم مكروه من هزيمة أو نقص في الأموال والأنفس والثمرات فرحوا بذلك، وإن تصبروا على ما أصابكم، وتتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، لا يضركم أذى مكرهم.

والله بجميع ما يعمل هؤلاء الكفار من الفساد محيط، وسيجازيهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - لونا آخر من ألوان بغض هؤلاء الكافرين للمؤمنين فقال - سبحانه - : { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } والمس : أصله الجس باليد .

أطلق على كل ما يصل إلى الشىء على سبيل التشبيه ، فيقال : فلان مسه النصب أو التعب ، أى أصابه .والمراد بالحسنة هنا منافع الدنيا على اختلاف ألوانها ، كصحة البدن ، وحصول النصر ، ووجود الألفة والمحبة بين المؤمنين .أى إن تمسسكم - أيها المؤمنون - حسنة كنصركم على أعدائكم .

وإصلاح ذات بينكم ، { تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ } كنزول مصيبة بكم ، يفرحوا بها .

أى يبتهجوا بها ، وتستطار ألبابهم سرورا وحبورا بسبب ما نزل بكم من مكاره .فالجملة الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين ، حيث يحسدونهم على ما ينالهم من خيرن ويشمتون بهم عندما ينزل بهم شر .وعبر فى جانب الحسنة بالمس ، وفى جانب السيئة بالإصابة ، للإشارة إلى تمكن الأحقاد من قلوبهم ، بحيث إن أى حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفاً وليس غامراً عاما فإن هؤلاء المنافقين يحزنون لذلك ، لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمنين حتى ولو كان هذا الخير ضئيلا .أما بالنسبة لما يصيب المؤمنين من مكاره ، فإن هؤلاء المنافقين لا يفرحون بالمصيبة التى تمس المؤمنين مساً خفيفاً ، فإنها لا تشفى غيظهم وحقدهم ، وإنما يفرحون بالمصائب الشديدة الت تؤذى المؤمنين فى دينهم ودنياهم أذى شديدا ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بغرشاد المؤمنين إلى الدواء الذى يتقون به كيد أعدائهم وأعدائه فقال - تعالى - : { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } .وقوله : { تَصْبِرُواْ } من الصبر وهو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع والعقل .وقوله : { وَتَتَّقُواْ } من التقوى وهى صيانة الإنسان نفسه عن محارم الله .وقوله : { كَيْدُهُمْ } من الكيد وهو أن يحتال الشخص ليوقع غيره في مكروه .والمعنى : { وَإِن تَصْبِرُواْ } أيها المؤمنون على طاعة الله ، فتضبطوا أنفسكم ولا تنساقوا فى مبحة من لا يستحق المحبة ، وتتحملوا بعزيمة صادقة مشاق التكاليف التى كلفكم الله بها ، وتقاوموا العداوة بمثلها { وَتَتَّقُواْ } الله - تعالى - فى كل ما نهاكم عنه ، وتمتثلوا أمره فى كل ما أمركم به ، إن فعلتم ذلك { لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ } وتدبيرهم السىء { شَيْئاً } من الضرر ببركة هاتين الفضيلتين : الصبر والتقوى ، فإنهما جامعتان لمحاسن الطاعات ، ومكارم الأخلاق .وإن لم تفعلوا ذلك اصابكم الضرر ، واستمكنوا منكم بكيدهم ومكرهم ، قال الجمل ما ملخصه : وقوله : { لاَ يَضُرُّكُمْ } وردت فيه قراءتان سبعيتان :إحداهما : بضم الضاد وضم الراء مع التسديد - من ضر يضر .والثانية : { لاَ يَضِرْكُمْ } بكسر الضاد وسكون الراء - من ضار يضير .

والفعل فى كليهما مجزوم جواباً للشرط ، وجزمه على القراءة الثانية " يضركم " ظاهر ، وعلى القراءة الأولى " يضركم " يكون مجزوماً بسكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الإتباع للتخلص من التقاء الساكنين ، وأصل الفعل يضرركم - بوزن ينصركم - نقلت حركة الراء الأولى إلى الضاد ثم أدغمت فى الثانية ، وحركت الثانية بالضم إتباعاً لحركة الضاد " .وقوله : { شَيْئاً } نصب على المصدرية .

أى لا يضركم كيدهم شيئاً من الضرر لا قليلا ولا كثيرا بسبب اعتصامكم بالصبر والتقوى .وقوله : { إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } تذييل قصد به إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين ، والرعب فى قلوب أعدائهم .

.

أى إنه - سبحانه - محيط بأعمالهم وبكل أحوالهم ، ولا تخفى عليه خافية منها ، وسيجازيهم عليها بما يستحقونه من عذاب أليم بسبب نياتهم الخبيثة ، وأقوالهم الذميمة .

وأفعالهم القبيحة .وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين بأسلوب بليغ حكيم عن مصافاة من يخالفونهم فى الدين ، وذكرت لهم من صفات وأحوال هؤلاء المخالفين ما يحملهم على منابذتهم والحذر منهم والبعد عنهم ، وأرشدتهم إلى ما يعينهم على النصر عليهم وعلى التخلص من آثار مكرهم وكيدهم .وإنها لوصايا حكيمة وتوجيهات سديدة ، وإرشادات عالية ، ما أحوج المسلمين فى كل زمان ومكان إلى العمل بها لكى يفلحوا فى دنياهم وآخرتهم .تدبر معى - أخى القارىء - هذه الآيات مرة أخرى فماذا ترى؟إنك تراها توجه إلى المؤمنين نداء محببا إلى نفوسهم ، محركا لحرارة العقيدة فى قلوبهم .

.

حيث نادتهم بصفة الإيمان ، ونهتهم فى هذا النداء عن اتخاذ أولياء وأصفياء لهم من غير إخوانهم المؤمنين .

ولكن هل اكتفت بهذا النهى مع أنه كفيل بحجز المؤمنين علما نهتهم عنه؟كلا ، إنها لم تكتف بذلك ، بل ساقت لهم صورة كاملة السمات لأحوال أعدائهم ، صورة ناطقة بدخائل نفوسهم ، وبمشاعرهم الظاهرة والخفية ، وبانفعالاتهم القلبية والجسدية ، وبحركاتهم الذاهبة والآيبة ، صورة ناطقة بحالهم عندما يلتقون بالمؤمنين ، وبحالهم عندما يفارقونهم ويخلون بأنفسهم ، أو عندما يلتقون بأمثالهم من الضالين .

صورة ناطقة بسرورهم عند ما تصيب المسلمين مصيبة ، وبحزنهم عندما يرون المؤمنين فى نعمة يسيرة .صورة ناطقة بموقف المؤمنين منهم وبموقفهم هم من المؤمنين ثم بعد رسم هذه الصورة العجيبة المتكاملة لهم ، يسوق القرآن للمؤمنين أسمى وأحكم ألوان التوجيه والإرشاد الذى يجعلهم فى مأمن من كيدهم ومكرهم { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } .أرأيت - يا أخى - كيف ربى القرآن أتباعه أكمل تربية وأحكمها وأسماها؟

إنه نهاهم أولا عن مباطنة أعدائهم ، ثم ساق لهم بعد ذلك من أوصافهم وأحوالهم ما يقنعهم ويحملهم على البعد عنهم ، ثم أرشدهم إلى الدواء الذى ينجيهم من مكرهم .فما أحكمه من توجيه .

وما أسماه من إرشاد ، وإن ذلك ليدل على أن هذا القرآن من عند الله { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } وإلى هنا تكون سورة آل عمران قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - فى مائة وعشرون آية منها ، عن بعض الأدلة على وحدانية الله - تعالى - ، وعن مظاهر قدرته ورحمته ، وعن كتبه التى أنزلها على أنبيائه لسعادة الناس وهدايتهم وعن حب الناس للشهوات وعما هو أسمى وأفضل من هذه الشهوات الزائلة ، وعن المجادلات التى حدثت بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أهل الكتاب فيما يتعلق بوحدانية الله - تعالى - وبصحة دين الإسلام ، وعن جوانب من قصة آل عمران وما اشتملت عليه من عظات وعبر ، وعن الشبهات التى آثارها اليهود حول الدعوة الإسلامية والمسالك الخبيثة التى سلكوها فى حربهم لها وكيف رد القرآن عليهم بما يفضحهم ويكشف عن كذبهم ، ويجعل المؤمنين يزدادون إيمانا على إيمانهم .والخلاصة أن السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا قد ساقت - من بين ما ساقت - ألوانا من الحرب النفسية التى شنها أهل الكتاب على الدعوة الإسلامية ، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويبصرهم بالحق - إن كانوا طلاب حق - وساقت للمؤمنين من التوجيهات والعظات ، ما يهدى قلوبهم ، ويصلح بالهم ويكفل لهم النصر على أعدائهم .وبعد هذا السبح الطويل فى الحديث عما دار بين المسلمين وبين أعدائهم من حرب كلامية وفكرية ونفسية .

.

.

انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن حروب السيف والسنان ، وما صاحبها من أفكار وأقوال وأفعال .فقد حدثتنا السورة الكريمة فى حوالي ستين آية عن جوانب متعددة من غزوة " أحد " تلك الغزوة التى كانت لها آثارها الهامة في حياة المسلمين وأحوالهم .ولعل من الخير - قبل أن نبدأ فى تفسير الآيات الكريمة التى وردت فى سورة آل عمران بشأن هذه الغزوة - أن نسوق خلاصة تاريخية لهذه الغزوة تعين على فهم الآيات المتعلقة بها ، فنقول :كانت غزوة بدر من الغزوات المشهورة فى تاريخ الدعوة الإسلامية ، فقد انتصر المسلمون فيها انتصارا مؤزرا على كفار قريش .وصمم المشركون على أن يأخذوا بثأرهم من المسلمين ، فجمعوا جموعهم ، وخرجوا فى جيش كبير ، ومعهم بعض نسائهم حت يكون ذلك أبلغ فى استماتة الرجال فى القتال .ووصل مشركو قريش ومعهم حلفاؤهم إلى أطراف المدينة فى أوائل شوال من السنة الثالثة ، وكان عددهم يربو على ثلاثة آلاف رجل .واستشار النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه فى شان هؤلاء المشركين الزاحفين إلى المدينة .فكان رأى بعضهم - ومعظمهم من الشباب - الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة .وكان من رأى فريق آخر من الصحابة ، استدراج المشركين إلى أزقة المدينة ومقاتلتهم بداخلها ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يميل إلى رأى هذا الفريق ، إلا أنه آثر الأخذ برأى الفريق الأول الذى يرى أصحابه الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة ، نظراً لكثرة عدد القائلين بذلك .ثم دخل النبى صلى الله عليه وسلم بيته ، ثم خرج منه وقد لبس آلة حربه ، وشعر بعض المسلمين أنهم قد استكرهوا النبى صلى الله عليه وسلم على القتال ، فأظهروا له الرغبة فى النزول على رأيه ، إلا أنه لم يستجب لهم ، وقال كلمته التى تعمل الناس الحزم وعدم التردد : " ما ينبغى لنبى لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ، لقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج ، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس .

وانظروا ما أمركم الله به فافعلوه " .ثم خرج النبى صلى الله عليه وسلم فى ألف مقاتل من المسلمين حتى نزل قريباً من جبل " أحد " إلا أن " عبد الله بن أبى بن سلول " انسحب في الطريق بثلث الناس محتجا بأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه ، بل أخذ برأى غيره .وعكسر المسلمون بالشعب من أحد ، جاعلين ظهرهم إلى الجبل ، ورسم النبى صلى الله عليه وسلم الخطة لكسب المعركة ، فجاءت خطة محكمة رائعة .

فقد وزع الرماة على أماكنهم - وكانوا خمسين راميا- ، وقال لهم : " انضحوا الخيل عنا بالنبل ، لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا فالزموا أماكنكم لا نؤتين من قبلكم " .وفى رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم : " أحموا ظهورنا ، وإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا .

وإن رأيتمونا نغنم فلا تُشركونا " .وأخيراً التقى الجمعان ، وأذن النبى صلى الله عليه وسلم لأتباعه أن يجالدوا أعداءهم ، وأظهر المسلمون أسمى صور البطولة والإقدام ، وكان شعارهم فى هذا الالتحام " أمت أمت " .وما هى إلى جولات فى أوائل المعركة ، حتى ولى المشركون المسلمين الأدبار ، ولم يغن عن المشركين شيئاً ما كانت تقوم به نسوتهم من تحريض واستنهاض للعزائم .قال ابن إسحاق : ثم أنزل الله - تعالى - نصره ، وصدق وعده ، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعكسر ، وكانت الهزيمة لا شك فيها .ورأى الرماة الهزيمة وهى تحل بقريش ، فتطلعت نفوسهم إلى الغنائم ، وحاول أميرهم ، عبد الله بن جبير أن يمنعهم من ترك أماكنهم عملا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن معظهم تركوا أماكنهم ونزلوا إلى ساحة المعركة ليشاركوا فى جمع الغنائم والأسلاب .وأدرك خالد بن الوليد - وكان ما زال مشركا - أن ظهور المسلمين قد انكشفت بترك الرماة لأماكنهم ، فاهتبل الفرصة على عجل ، واستدار بمن معه من خيل المشركين خلف المسلمين فأحدق بهم ، وأخذ فى مهاجمتهم من مكان ما كانوا ليظنوا أنهم سيهاجمون منه ، فقد كانوا يعتمدون على الرماة فى حماية ظهورهم .وعاد المشركون المنهزمون إلى مقاتلة المسلمين ، بعد أن رأوا ما فعله خالد ومن معه .

واضطربت صفوف المسلمين للتحول المفاجىء الذى حدث لهم ، إلا أن فريقا منهم أخذ يقاتل ببسالة وصبر .

واستشهد عدد كبير منهم وهم يحاولون شق طريقهم .وأصيب النبى صلى الله عليه وسلم خلال ذلك بجروح بالغة ، وأشيع أنه قد قتل ، إلا أنه صلى الله عليه وسلم جعل يصيح بالمسلمين : إلى عباد الله ، إلى عباد الله .

.

.

فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلا ، ودافعوا عنه دفاع الأبطال المخلصين .ومرت على المسلمين ساعة من أحرج الساعات فى تاريخ الدعوة الإسلامية فقد كان المشركون يهاجمون النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعناد وحقد ، وكان المسلمون مستميتين فى الدفاع عن رسولهم صلى الله عليه وسلم وعن أنفسهم .وكان لهذه الاستماتة آثارها فى تراجع المشركين ، وقد ظنوا أنهم قد أخذوا بثأرهم من المسلمين .

.وخشى النبى صلى الله عليه وسلم أن يكون تراجع المشركين من أجل مهاجمة المدينة ، فقال لعلى بن أبى طالب : " اخرج فى آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟

فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ، فإنهم يريدون مكة .

وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل ، فهم يريدون المدينة .

فوالذى نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ، ثم لأناجزنهم فيها " .قال على : فخرجت فى آثارهم فرأيتهم جنبوا الخيل ، وامتطوا الإبل ، واتجهوا إلى مكة .وعندما انصرف أبو سفيان نادى : إن موعدكم بدر العام المقبل ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه : قل لهم : نعم بيننا وبينك موعد .وانتهت غزوة أحد باستشهاد حوالى سبعين صحابيا من بينهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ، وسعد بن الربيع .

وغيرهم من الأبطال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .وهذه خلاصة لأحداث غزوة أحد كما روتها كتب السيرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن هذه الآية من تمام وصف المنافقين، فبيّن تعالى أنهم مع ما لهم من الصفات الذميمة والأفعال القبيحة مترقبون نزول نوع من المحنة والبلاء بالمؤمنين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المس أصله باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء (ماساً) على سبيل التشبيه فيقال: فلان مسّه التعب والنصب، قال تعالى: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر  ﴾ قال صاحب الكشاف: المس هاهنا بمعنى الإصابة، قال تعالى: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ  ﴾ وقوله: ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ  ﴾ وقال: ﴿ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا  ﴾ .

المسألة الثانية: المراد من الحسنة هاهنا منفعة الدنيا على اختلاف أحوالها، فمنها صحة البدن وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على الأعداء وحصول المحبة والأُلفة بين الأحباب والمراد بالسيئة أضدادها، وهي المرض والفقر والهزيمة والانهزام من العدو وحصول التفرق بين الأقارب، والقتل والنهب والغارة، فبيّن تعالى أنهم يحزنون ويغتمون بحصول نوع من أنواع الحسنة للمسلمين ويفرحون بحصول نوع من أنواع السيئة لهم.

المسألة الثالثة: يقال ساء الشيء يسوء فهو سيء، والأنثى سيئة أي: قبح، ومنه قوله تعالى: ﴿ سَاء مَا يَعْمَلُونَ  ﴾ والسوأى ضد الحسنى.

ثم قال: ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ ﴾ يعني على طاعة الله وعلى ما ينالكم فيها من شدة وغم ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ كل ما نهاكم عنه وتتوكلوا في أموركم على الله ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد وسكون الراء، وهو من ضاره يضيره، ويضوره ضوراً إذا ضرَّه، والباقون ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ ﴾ بضم الضاد والراء المشددة وهو من الضر، وأصله يضرركم جزماً، فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الراء الأخيرة، اتباعاً لأقرب الحركات وهي ضمة الضاد، وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير تقديره: ولا يضركم كيدهم شيئاً إن تصبروا وتتقوا، قال صاحب الكشاف: وروى المفضل عن عاصم ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ ﴾ بفتح الراء.

المسألة الثانية: الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه، وابن عباس فسّر الكيد هاهنا بالعداوة.

المسألة الثالثة: ﴿ شَيْئاً ﴾ نصب على المصدر أي شيئاً من الضر.

المسألة الرابعة: معنى الآية: أن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى واتقى كل ما نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره كيد الكافرين ولا حيل المحتالين.

وتحقيق الكلام في ذلك هو أنه سبحانه إنما خلق الخلق للعبودية كما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ فمن وفى بعهد العبودية في ذلك فالله سبحانه أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه عن الآفات والمخافات، وإليه الإشارة بقوله ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمْرِهِۦ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا  ﴾ إشارة إلى أنه يوصل إليه كل ما يسره، وقال بعض الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسد فاجتهد في اكتساب الفضائل.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ بما يعملون بالياء على سبيل المغايبة بمعنى أنه عالم بما يعملون في معاداتكم فيعاقبهم عليه، ومن قرأ بالتاء على سبيل المخاطبة، فالمعنى أنه عالم محيط بما تعملون من الصبر والتقوى فيفعل بكم ما أنتم أهله.

المسألة الثانية: إطلاق لفظ المحيط على الله مجاز، لأن المحيط بالشيء هو الذي يحيط به من كل جوانبه، وذلك من صفات الأجسام، لكنه تعالى لما كان عالماً بكل الأشياء قادراً على كل الممكنات، جاز في مجاز اللغة أنه محيط بها، ومنه قوله: ﴿ والله مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ  ﴾ وقال: ﴿ والله مُحِيطٌ بالكافرين  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً  ﴾ وقال: ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وأحصى كُلَّ شَيء عَدَداً  ﴾ .

المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ ولم يقل إن الله محيط بما يعملون لأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه، أعني وليس المقصود هاهنا بيان كونه تعالى عالماً، بينا أن جميع أعمالهم معلومة لله تعالى ومجازيهم عليها، فلا جرم قد ذكر العمل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الحسنة: الرخاء والخصب والنصرة والغنيمة ونحوها من المنافع.

والسيئة ما كان ضدّ ذلك وهذا بيان لفرط معاداتهم حيث يحسدونهم على ما نالهم من الخير ويشمتون بهم فيما أصابهم من الشدّة.

فإن قلت: كيف وصفت الحسنة بالمس والسيئة بالإصابة؟

قلت: المس مستعار لمعنى الإصابة فكان المعنى واحداً.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ ﴾ [التوبة: 50] ، ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ ، ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً ﴾ [المعارج: 20 21].

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُواْ ﴾ على عداوتهم ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ ما نهيتم عنه من موالاتهم.

أو وإن تصبروا على تكاليف الدين ومشاقه وتتقوا الله في اجتنابكم محارمه كنتم في كنف الله فلا يضركم كيدهم.

وقرئ ﴿ لا يضركم ﴾ من ضاره يضيره.

ويضركم على أن ضمة الراء لإتباع ضمة الضاد، كقولك مدّ يا هذا.

وروى المفضل عن عاصم ﴿ لا يضركم ﴾ بفتح الراء، وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى.

وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك ﴿ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من الصبر والتقوى وغيرهما ﴿ مُحِيطٌ ﴾ ففاعل بكم ما أنتم أهله.

وقريء بالياء بمعنى أنه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها ﴾ بَيانٌ لِتَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدٍّ حَسَدُوا ما نالَهم مِن خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، وشَمِتُوا بِما أصابَهم مِن ضُرٍّ وشِدَّةٍ، والمَسُّ مُسْتَعارٌ لِلْإصابَةِ ﴿ وَإنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى عَداوَتِهِمْ، أوْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ.

﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ مُوالاتِهِمْ، أوْ ما حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ عَلَيْكم.

﴿ لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحِفْظِهِ المَوْعُودِ لِلصّابِرِينَ والمُتَّقِينَ ولِأنَّ المُحِدَّ في الأمْرِ، المُتَدَرِّبَ بِالِاتِّقاءِ والصَّبْرِ يَكُونُ قَلِيلَ الِانْفِعالِ جَرِيئًا عَلى الخَصْمِ، وضَمُّهُ الرّاءَ لِلِاتِّباعِ كَضَمَّةِ مَدٍّ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ لا يَضُرُّكم مِن ضارَّهُ يَضِيرُهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى وغَيْرِهِما.

﴿ مُحِيطٌ ﴾ أيْ مُحِيطٌ عِلْمُهُ فَيُجازِيكم مِمّا أنْتُمْ أهْلُهُ.

وقُرِئَ بِالياءِ أيْ بِما يَعْمَلُونَ، في عَداوَتِكم عَلِيمٌ فَيُعاقِبُهم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} رخاء وخصب وغنيمة ونصرة {تَسُؤْهُمْ} تحزنهم إصابتها {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ} أضداد ما ذكرنا والمس مستعار من الإصابة فكأن المعنى واحدا ألا ترى إلى قوله تعالى {إِن تُصِبْكَ حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة} {يَفْرَحُواْ بِهَا} بإصابتها {وَإِن تَصْبِرُواْ} على عداوتهم {وَتَتَّقُواْ} ما نهيتم عنه من موالاتهم أو وإن تصبروا على تكاليف الدين ومشاقه وتتقوا الله في اجتنابكم محارمه {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} مكرهم وكنتم في حفظ الله وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى وقال الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك لاَ يَضُرُّكُمْ مكي وبصري ونافع من ضاره يضيره بمعنى ضره وهو واضح والمشكل قراءة غيرهم لأنه جواب الشرط وجواب الشرط مجزوم فكان ينبغي أن يكون بفتح الراء كقراءة المفصل عن عاصم إلا أن ضمة الراء لا تباع ضمة الضاد نحو مد يا هذا {إِنَّ الله بما تعملون} بالتاء سهل أي من الصبر والتقوى وغيرهما {مُحِيطٌ} ففاعل بكم ما أنتم أهله وبالياء غيره أي أنه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنْ تَمْسَسْكُمْ ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ نِعْمَةٌ مِن رَبِّكم كالأُلْفَةِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ ﴿ تَسُؤْهُمْ ﴾ أيْ تُحْزِنْهم وتُغِظْهم ﴿ وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ ﴾ أيْ مِحْنَةٌ كَإصابَةِ العَدُوِّ مِنكم واخْتِلافِ الكَلِمَةِ فِيما بَيْنَكم ﴿ يَفْرَحُوا ﴾ أيْ يَبْتَهِجُوا ( بِها ) وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدِّ الحَسَدِ والشَّماتَةِ، والمَسُّ قِيلَ: مُسْتَعارٌ لِلْإصابَةِ فَهُما هُنا بِمَعْنى، وقَدْ سَوّى بَيْنَهُما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ ﴾ ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾ ﴿ وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ والتَّعْبِيرُ هُنا بِالمَسِّ مَعَ الحَسَنَةِ وبِالإصابَةِ مَعَ السَّيِّئَةِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ في التَّعْبِيرِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الأحْسَنُ والأنْسَبُ بِالمَقامِ ما قِيلَ: إنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى إفْراطِهِمْ في السُّرُورِ والحُزْنِ؛ لِأنَّ المَسُّ أقَلُّ مِنَ الإصابَةِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإذا ساءَهم أقَلُّ خَيْرٍ نالَهم فَغَيْرُهُ أوْلى مِنهُ، وإذا فَرِحُوا بِأعْظَمِ المَصائِبِ مِمّا يَرْثى لَهُ الشّامِتُ ويَرِقُّ الحاسِدُ فَغَيْرُهُ أوْلى، فَهم لا تُرْجى مُوالاتُهم أصْلًا فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهم بِطانَةً ؟!

والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُصِيبُهم مِنَ الخَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى لُطْفِ اللَّهِ تَعالى مَعَهم خَيْرٌ قَلِيلٌ، وما يُصِيبُهم مِنَ السَّيِّئَةِ بِالنِّسْبَةِ لِما يُقابَلُ بِهِ مِنَ الأجْرِ الجَزِيلِ عَظِيمٌ بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى ﴿ وإنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى أذاهم أوْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ومَضَضِ الجِهادِ في سَبِيلِهِ ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْكم ﴿ لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ ﴾ أيْ مَكْرُهم، وأصْلُ الكَيْدِ المَشَقَّةُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ( لا يَضِرْكم ) بِكَسْرِ الضّادِ وجَزْمِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ مِن ضارَّهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى ضَرَّهُ يَضُرُّهُ، وضَمُّ الرّاءِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لِاتِّباعِ ضَمَّةِ الضّادِ كَما في الأمْرِ المُضاعَفِ المَضْمُومِ العَيْنِ كَمُدَّ، والجَزْمُ مُقَدَّرٌ، وجَوَّزُوا في مَثَلِهِ الفَتْحَ لِلْخِفَّةِ والكَسْرِ لِأجْلِ تَحْرِيكِ السّاكِنِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِ الفاءِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ( ﴿ شَيْئًا ﴾ ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ ( لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ) مِنَ الضَّرَرِ لا كَثِيرًا ولا قَلِيلًا بِبَرَكَةِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِكَوْنِهِما مِن مَحاسِنِ الطّاعاتِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، ومَن تَحَلّى بِذَلِكَ كانَ في كَنَفِ اللَّهِ تَعالى وحِمايَتِهِ مِن أنْ يَضُرَّهُ كَيْدُ عَدُوٍّ، وقِيلَ: ( لا يَضُرُّكم كَيْدُهم ) لِأنَّهُ أحاطَ بِكم فَلَكُمُ الأجْرُ الجَزِيلُ، إنْ بَطَلَ فَهو النِّعْمَةُ الدُّنْيا فَأنْتُمْ لا تُحْرَمُونَ الحُسْنى عَلى كِلْتا الحالَتَيْنِ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿ إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الكَيْدِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حاتِمٍ ( تَعْمَلُونَ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى ( ﴿ مُحِيطٌ ﴾ ) عِلْمًا أوْ بِالمَعْنى اللّائِقِ بِجَلالِهِ فَيُعاقِبُهم بِهِ أوْ فَيُثِيبُكم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال للمؤمنين: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ يعني الظفر والغنيمة، كما أصابكم يوم بدر تَسُؤْهُمْ أي يسوؤهم وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يعني الهزيمة، كما أصابكم يوم أحد، ويقال: الشدة في العيش والقحط يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا على أذى المنافقين واليهود وَتَتَّقُوا المعصية والشرك.

وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل وَإِنْ تَصْبِرُوا على أمر الله وَتَتَّقُوا معاصيه.

لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً يقول: لا تضركم عداوتهم شيئاً.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: لاَ يَضِرْكُمْ بكسر الضاد وجزم الراء، وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء، ومعناهما قريب في التفسير، يعني لا ضير عليكم من كيدهم إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ يعني أحاط علمه بأعمالهم، والإحاطة هي إدراك الشيء بكماله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال الزُّبَيْدِيُّ: العَنَتُ: الهلاك.

اهـ.

وقوله تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، أي: فهم فوق المستَتِر الَّذي تبدو البغضاءُ في عينيه، وخصَّ سبحانه الأفواه بالذكْرِ دون الألسنة إشارةً إلى تشدُّقهم وثَرْثَرَتِهِمْ في أقوالهم هذه، ثمَّ قال سبحانه للمؤمنين: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ تحْذيراً وتنبيهاً، وقد عَلِمَ سبحانه أنهم عقلاء، ولكن هذا هَزٌّ للنفوس، كما تقول: إنْ كُنْتَ رَجُلاً، فافعل كذا وكذا.

وقوله: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ: الضمير في «تُحِبُّونهم» للذين تقدَّم ذكْرُهم في قوله: بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ، قال: ص: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ، قال أبو البقاء:

الكِتَاب، هنا: جنس، أيْ: بالكتب كلِّها.

اهـ.

وقوله تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ: عبارةٌ عن شدَّة الغيظِ، مع عدم القُدْرة على إنفاذه ومنه قولُ أبي طَالِبٍ: [الطويل]

................

...

يَعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ «١»

وقوله سبحانه: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ قال فيه الطبريُّ «٢» ، وكثيرٌ من المفسِّرين: هو دعاءٌ عليهم، وقال قومٌ: بل أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأمَّتَه أنْ يواجهُوهم بهذا فعلَى/ هذا زال معْنَى الدعاء، وبَقِيَ معنى التقْرِيعِ.

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ: وعيد وذات الصدور: ما تنطوي عليه.

وقوله سبحانه: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ...

الآية: الحَسَنَةُ والسيِّئة في هذه الآية: لفظ عامٌّ في كل ما يَحْسُنُ ويَسُوء، قلْتُ: ويجبُ على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة وَرُوِّينا في «كتاب الترمذيِّ» ، عن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ (رضي اللَّه عنه) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ» «١» اهـ.

والكَيْد: الاحتيالُ بالأباطيل، وقوله تعالى: وَأَكِيدُ كَيْداً [الطارق: ١٦] من باب تسمية العقوبة باسم الذَّنْب.

وقوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ هذا ابتداءُ عتْبِ

المؤمنين في أَمْر أُحُدٍ، وفيه نزلَتْ هذه الآياتُ كلُّها، وكان من أمر غزوة أُحُدٍ أَنَّ المُشْرِكِينَ اجتمعوا في ثلاثة آلاف رجُلٍ، وقصدوا المدينةَ ليأخذوا بثأرهم في يوم بَدْرٍ، فنزلوا عند أُحُدٍ يوم الأربعاء، الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ، سنَةَ ثلاثٍ من الهجرةِ، على رأس أَحَدٍ وثلاثين شهرًا من الهجْرة، وأقاموا هنالك يوم الخميس، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة يدبِّر وينتظرُ أمْرَ اللَّهِ سبحانه، فلَمَّا كان في صَبِيحَة يَوْم الجُمُعة، جَمَعَ رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم النَّاس واستشارهم، وأخبرهم أنه كان يرى بقرًا تُذْبَح، وثَلْماً في ذُبَابِ سَيْفه، وأنَّهُ يُدْخِلُ يده في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنه تأوَّلها المدينةَ، وقال لهم: أرى ألاَّ نخرج إلى هؤلاء الكُفَّارِ، فقال له عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: أَقِمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالنَّاسِ، فَإنْ هُمْ أَقَامُوا، أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا، مَضَوْا خَائِبِينَ، وَإنْ جَاءُونَا إلَى المَدِينَةِ، قَاتَلْنَاهُمْ فِي الأَفْنِيَةِ وَرَمَاهُمُ النّساء والصّبيان بالحجارة من الآطام «١» ، فو الله، مَا حَارَبَنَا قَطُّ عَدُوٌّ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ إلاَّ غَلَبْنَاهُ، وَلاَ خَرَجْنَا مِنْهَا إلى عَدُوٍّ إلاَّ غَلَبَنَا، فَوَافَقَ هَذَا الرَّأْيُ رَأْيَ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، ورَأْيَ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وقَالَ قَوْمٌ مِنْ صُلَحَاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ فَاتَتْهُ بَدْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اخرج بِنَا إلى عَدُوِّنَا، وَشَجَّعُوا النَّاسَ، وَدَعَوْا إلَى الحَرْبِ، فَقَامَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، فصلى بِالنَّاسِ صَلاَةَ الجُمُعَةِ، وَقَدْ حَشَّمَهُ هَؤُلاَءِ الدَّاعُونَ إلَى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرِ صَلاَتِهِ بَيْتَهُ، وَلَبِسَ سِلاَحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ، وَقَالُوا: أَكْرَهْنَا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا خرج عليهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فِي سِلاَحِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ، إنْ شِئْتَ، فَإنَّا لاَ نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ سِلاَحَهُ أَنْ يَضَعَهَا حتى يُقَاتِل، ثُمَّ خَرَجَ بِالنَّاسِ، وَسَارَ حتى قَرُبَ مِنْ عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ، فَعَسْكَرَ هُنَالكَ، وَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ، وَعَصَانِي، فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، اعتزم النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى المَسِيرِ إلى مُنَاجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وَهُوَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، فانخزل عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ بِثَلاَثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُنَافِقٍ وَمُتَّبِعٍ، وَقَالُوا: نَظُنُّ أَنَّكُمْ لا تلقون قتالا، ومضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فِي سبْعِمِائةٍ/ فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حَارِثَةَ مِنَ الأَوْسِ وَبَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بالانْصِرَافِ، وَرَأَوْا كَثَافَةَ المُشْرِكِينَ، وَقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وَكَادُوا أَنْ يَجْبُنُوا، وَيَفْشَلُوا، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ تعالى، وَذَمَّ بَعْضُهُمْ بعضا، ونهضوا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتى أَطَلَّ عَلَى المُشْرِكِينَ فَتَصَافَّ النَّاسُ، وَكَانَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَدْ أَمَّرَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ «٢» ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً، وَجَعَلَهُمْ يَحْمُونَ الجَبَلَ وراء المسلمين،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: وهي الأُلْفَةُ والجَماعَةُ.

والسَّيِّئَةُ: الفُرْقَةُ والِاخْتِلافُ، وإصابَةُ طَرَفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَسَنَةُ: النِّعْمَةُ.

والسَّيِّئَةُ: المُصِيبَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَصْبِرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَلى أذاهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَلى أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَعاصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَضُرُّكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، " يَضِرْكم " بِكَسْرِ الضّادِ، وتَخْفِيفِ الرّاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لا يَضُرُّكم " بِضَمِّ الضّادِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الضُّرُّ والضَّيْرُ بِمَعْنًى واحِدٍ.

فَأمّا الكَيْدُ فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المَكْرُ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: والمُحِيطُ: الَّذِي أحاطَتْ قُدْرَتُهُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وأحاطَ عِلْمُهُ بِالأشْياءِ كُلِّها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنْ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ الحَسَنَةُ والسَيِّئَةُ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما يَحْسُنُ ويَسُوءُ، وما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِنَ الخِصْبِ والجَدْبِ واجْتِماعِ المُؤْمِنِينَ ودُخُولِ الفُرْقَةِ بَيْنَهم وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ فَإنَّما هي أمْثِلَةٌ ولَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلافٍ، وذَكَرَ تَعالى المَسَّ في الحَسَنَةِ لِيُبَيِّنَ أنَّ بِأدْنى طُرُوءِ الحَسَنَةِ تَقَعُ المَساءَةُ بِنُفُوسِ هَؤُلاءِ المُبْغِضِينَ، ثُمَّ عادَلَ ذَلِكَ بِالسَيِّئَةِ بِلَفْظِ الإصابَةِ وهي عِبارَةٌ عَنِ التَمَكُّنِ، لِأنَّ الشَيْءَ المُصِيبَ لِشَيْءٍ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ أو فِيهِ، فَدَلَّ هَذا المَنزَعُ البَلِيغُ عَلى شِدَّةِ العَداوَةِ، إذْ هو حِقْدٌ لا يَذْهَبُ عِنْدَ الشَدائِدِ، بَلْ يَفْرَحُونَ بِنُزُولِ الشَدائِدِ بِالمُؤْمِنِينَ، وهَكَذا هي عَداوَةُ الحَسَدِ في الأغْلَبِ، ولا سِيَّما في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الجَسِيمِ الَّذِي هو مِلاكُ الدُنْيا والآخِرَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: كُلُّ العَداوَةِ قَدْ تُرْجى إزالَتُها إلّا عَداوَةَ مَن عاداكَ مِن حَسَدِ ولَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا الحالَ لِهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وأوجَبَتِ الآيَةُ أنْ يَعْتَقِدَهُمُ المُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةً لِنُفُوسِهِمْ، وشَرَطَ ذَلِكَ بِالصَبْرِ والتَقْوى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ: "لا يَضِرْكُمْ" بِكَسْرِ الضادِ وجَزْمِ الراءِ، وهو مِن ضارَ يَضِيرُ بِمَعْنى: ضَرَّ يَضُرُّ وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ، وحَكى الكِسائِيُّ: ضارَ يَضُورُ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلى هَذِهِ اللُغَةِ.

ومِن ضارَ يَضِيرُ في كِتابِ اللهِ "لا ضَيْرَ"، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: فَقِيلَ: تَحَمَّلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ مُطَبَّعَةٌ مَن يَأْتِها لا يَضِيرُها يَصِفُ مَدِينَةً، والمَعْنى: فَلَيْسَ يَضِيرُها، وفي هَذا النَفْيِ المُقَدَّرِ بِالفاءِ هو جَوابُ الشَرْطِ.

ومِنَ اللَفْظِ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيِّرِ: وقالَ أُناسٌ لا يَضِيرُكَ نَأْيُها ∗∗∗ بَلى كُلُّ ما شَفَّ النُفُوسَ يَضِيرُها وَقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لا يَضُرُّكُمْ" بِضَمِّ الضادِ والراءِ والتَشْدِيدِ في الراءِ، وهَذا مِن ضَرَّ يَضُرُّ، ورُوِيَ عن حَمْزَةَ مِثْلُ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو.

وأمّا إعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ فَجَزْمٌ، وضُمَّتِ الراءُ لِلِالتِقاءِ، وهو اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا إتْباعًا لِضَمَّةِ الضادِ، ويَجُوزُ فَتْحُ الراءِ وكَسْرُها مَعَ إرادَةِ الجَزْمِ، فَأمّا الكَسْرُ فَلا أعْرِفُها قِراءَةً، وعِبارَةُ الزَجّاجِ في هَذا مُتَجَوِّزٌ فِيها، إذْ يَظْهَرُ مِن دَرْجِ كَلامِهِ أنَّها قِراءَةٌ، وأمّا فَتْحُ الراءِ مِن قَوْلِهِ "لا يَضُرَّكُمْ" فَقَرَأ بِهِ عاصِمٌ فِيما رَواهُ أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عنهُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ إعْرابُ قَوْلِهِ، "لا يَضُرُّكُمْ"، رَفْعًا إمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَلَيْسَ يَضُرُّكُمْ، عَلى نَحْوٍ تَقَدَّمَ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ، وإمّا عَلى نِيَّةِ التَقَدُّمِ عَلى: "وَإنْ تَصْبِرُوا" كَما قالَ: يا أقْرَعُ بْنُ حابِسٍ يا أقْرَعُ ∗∗∗ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ المُرادُ أنَّكَ تُصْرَعُ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لا يَضْرُرْكُمْ" بِراءَيْنِ، وذَلِكَ عَلى فَكِّ الإدْغامِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وعَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ: "إنْ تَمْسَسْكُمْ" ولُغَةُ سائِرِ العَرَبِ الإدْغامُ في مِثْلِ هَذا كُلِّهِ.

والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ بِالأباطِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأكِيدُ كَيْدًا" إنَّما هي تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ وعِيدٌ، والمَعْنى: مُحِيطٌ جَزاؤُهُ وعِقابُهُ وبِالقُدْرَةِ والسُلْطانِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ، وهَذا إمّا عَلى تَوَعُّدِ المُؤْمِنِينَ في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ بِطانَةً، وإمّا عَلى تَوَعُّدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِتَقْدِيرِ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا}.

زاد الله كشفا لِما في صدورهم بقوله: ﴿ إن تمسسكم حسنة نسؤهم ﴾ أي تصبكم حسنة والمسّ الإصابة، ولا يختصّ أحدهما بالخير والآخر بالشرّ، فالتَّعبير بأحدهما في جانب الحسنة، وبالآخر في جانب السيِّئة، تفنّن، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ كالذي يتخبطه الشيطان ﴾ من المس في سورة البقرة (275).

والحسنة والسيِّئة هنا الحادثة أو الحالة الَّتي تحسن عند صاحبها أو تسوء وليس المراد بهما هنا الاصطلاح الشَّرعي.

وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.

أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقّي أذى العدوّ: بأن يتلقّوه بالصّبر والحذر، وعبّر عن الحذر بالاتّقاء أي اتّقاء كيدهم وخداعهم، وقوله ﴿ لا يَضِركم كيدهم شيئاً ﴾ أي بذلك ينتفي الضرّ كلّه لأنّه أثبت في أوّل الآيات أنّهم لا يضرّون المؤمنين إلاّ أذى، فالأذى ضرّ خفيف، فلمَّا انتفى الضرّ الأعظم الَّذي يحتاج في دفعه إلى شديدِ مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق، كان انتفاء ما بَقي من الضرّ هيّناً، وذلك بالصّبر على الأذى، وقلّة الاكتراث به، مع الحذر منهم أن يتوسّلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرّاً عظيماً.

وفي الحديث: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّهِ يدعون له نِدّاً وهو يرزقهم».

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: ﴿ لا يضركم ﴾ بكسر الضاد وسكون الراء من ضارُه يضيره بمعنى أضرّه.

وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف بضم الضاد وضم الراء مشدّدة مِن ضرّهُ يضُرّه، والضمّة ضمّة إتباع لحركة العين عند الإدغام للتخلّص من التقاء الساكنين: سكون الجزم وسكوننِ الإدغام، ويجوز في مثله من المضموم العين في المضارع ثلاثةُ وجوه في العربية: الضمّ لإتباع حركة العين، والفتح لخفّته، والكسر لأنَّه الأصل في التخلّص من التقاء الساكنين، ولم يُقرأ إلاّ بالضمّ في المتواتر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ صافَوْا بَعْضَ المُشْرِكِينَ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ المَوَدَّةَ لِمُصاحَبَةٍ في الجاهِلِيَّةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.

والبِطانَةُ هم خاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَسْتَبْطِنُونَ أمْرَهُ، والأصْلُ البَطْنُ، ومِنهُ بِطانَةُ الثَّوْبِ لِأنَّها تَلِي البَطْنَ.

﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ في أمْرِكم.

والخَبالُ: النَّكالُ، وأصْلُهُ الفَسادُ ومِنهُ الخَبَلُ الجُنُونُ.

﴿ وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ودُّوا إضْلالَكم عَنْ دِينِكم، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: ودُّوا أنْ تَعَنَّتُوا في دِينِكم أيْ تَحْمِلُونَ عَلى المَشَقَّةِ فِيهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وأصْلُ العَنَتِ المَشَقَّةُ.

﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ أيْ بَدا مِنها ما يَدُلُّ عَلَيْها.

﴿ وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ ﴾ مِمّا بَدا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم منهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ قال: هم المنافقون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: نزلت في المنافقين من أهل المدينة.

نهى المؤمنين أن يتولَّوهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند جيد عن حميد بن مهران المالكي الخياط قال: سألت أبا غالب عن قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم...

﴾ الآية قال: «حدثني أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: هم الخوارج» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً، ولا تستضيئوا بنار المشركين.

فذكر ذلك للحسن فقال: نعم.

لا تنقشوا في خواتيمكم محمداً، ولا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم» قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب، أنه قيل له إن هنا غلاماً من أهل الحيرة حافظاً كاتباً، فلو اتخذته كاتباً قال: قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين.

وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ لا تتخذوا بطانة ﴾ يقول: لا تستدخلوا المنافقين تتولوهم دون المؤمنين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ودوا ما عنتم ﴾ يقول: ما ضللتم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ ودوا ما عنتم ﴾ يقول: ودّ المنافقون ما عنت المؤمنون في دينهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ يقول: من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار من غشهم للإسلام وأهله وبغضهم إياهم ﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ يقول: ما تكنُّ صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ قال المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن يرحمه في الدنيا.

لو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر عليه منه لأباد خضراءه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة.

مثله.

وأخرج إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ أي بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﴿ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ﴾ قال: هكذا ووضع أطراف أصابعه في فيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا لقوكم...

﴾ الآية.

قال: إذا لقوا المؤمنين ﴿ قالوا آمنا ﴾ ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم فصانعوهم بذلك ﴿ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه، لو يجدون ريحاً لكانوا على المؤمنين.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ عضوا عليكم الأنامل ﴾ قال: الأصابع.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء قال: نزلت هذه الآية في الأباضية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ يعني النصر على العدوّ، والرزق، والخير، يسؤهم ذلك ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ يعني القتل والهزيمة والجهد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: إذا رأوا من أهل الإسلام إلفة وجماعة وظهوراً علىعدوّهم غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافاً أو أصيب طرف من أطراف المسلمين سرهم ذلك وابتهجوا به.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ﴾ مشددة برفع الضاد والراء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ الآية.

(المَسُّ)، أصله باليد، ثم يُسَمَّى المُقارِبُ والمخالِطُ: (ماسًّا)؛ تشبيهًا بالمتناوِلِ للشيء، فيقال: (أمْرُكَ يَمَسُّنِي)؛ أي: يَكْرِثُني (١) (٢) ومعنى (الحسنة) -ههنا-: النصر (٣) (٤) و (تسؤْهم)، أي: تُخْزِيْهم، يقال: (ساءَهُ، يَسُوءُهُ، مَسَاءَةً (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ أي: نالكم ضد ذلك.

ويقال: (ساء (٩) (١٠) (١١) ﴿ سَاَءَ مَا يَعمَلُونَ  ﴾ .

و (سَوَّأتُ على الرجل (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا ﴾ .

أي: على ما تسمعون منهم، وعلى أذاهم.

﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ .

قال ابنُ عباس (١٦) (١٧) ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ يقال: (ضارَهْ، يَضِيرُهُ، ضَيْرًا)، و (يَضُورُهْ ضَوْرا): إذا ضرَّهُ (١٨) وقرئ: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾ مُشَدَّدا (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) واعلم أنه إذا كان قبل الحرف المُدْغم (٢٣) (٢٤) قال جرير: فَغُضّ الطَرْفَ إنك مِن نُمَيْرٍ (٢٥) يُنشَد باللغات الثلاث (٢٦) (٢٧) قال أبو إسحاق (٢٨) (٢٩) والكَيْدُ -في اللغة-: الاحتيال بغير ما يبدي (٣٠) (٣١) (٣٢) [ورُدَّ على الفرَّاء] (٣٣) أحدهما: أنه قال (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) قال الزجاج (٣٩) والآخر: أنه قال (٤٠) ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾ -على قراءة من قرأ بالتشديد-: يجوز أن يكون جواب الشرط: فَاء مُضْمَرَة (٤١) وأنشد (٤٢) (٤٣) قال النحويون: وهذا غلطٌ، مَن حَذَفَ الفاءَ، إنما (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) ﴿ يَضُرُّكُمْ ﴾ وجهٌ حسن.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ أي: عالم به؛ على معنى: أنه باقتداره عليه، وعلمه به (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (١) يقال: (كَرَثَه، وأكرَثَه الغَمُّ)، (يكرِثُهْ ويَكرُثه): اشتد عليه، وأقلقه، وحرَّكَه.

و (الاكتراث): الاعتناء.

و (لا تكترث بالأمر): لا تعبأ به، ولا تبالي.

وذكر ابن الأثير أنها لا تستعمل إلا في النفي، وقد جاءت في الإثبات وهو شاذ.

انظر: (كرث) في: "أساس البلاغة" 2/ 302، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير 4/ 161، و"التاج" 3/ 252.

(٢) يقال: (مَسَسْتُ) -بفتح السين الأولى وبكسرها-، (أمَسُّ مَسًّا ومَسِيسا، ومِسِّيسَى): وهو ما كان باليد.

و (المَسُّ، والمَسِيس) يُكنى به عن النكاح -كذلك-.

ويقال: (مِسْتُ) - يحذفون السين الأولى، ويحولون كسرتها إلى الميم، أو تترك الميمُ مفتوحة.

انظر: "العين"، للخليل 7/ 208، 209 (مسس)، و"إصلاح المنطق" 211، و"المقاييس" 5/ 271، و"الفرق بين الحروف الخمسة" 408، 409، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 498.

(٣) في (ج): (النصرة).

(٤) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 103، و"تفسير الطبري" 4/ 67، و"بحر العلوم" 1/ 295، و"تفسير ابن كثير" 1/ 429.

لفظ الآية في (الحسنة) و (السيئة) عامٌّ، لم يخصص نوعًا منها دون نوع، فيدخل فيها كل ما يحسن ويسوء.

وما ذكره المؤلف من النصر والغنيمة والخصب، إنما هو على سبيل التمثيل لها.

انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 292.

(٥) في (ج): (ساه يسوه مساه).

(٦) في (أ)، (ب)، (ج): مسايبة والمثبت من كتب اللغة.

وفي "القاموس المحيط" 43 (سوء): قال: (ومسائية مقلوبًا، وأصله: مساوِئة).

(٧) في (أ): فاستَاءً، والمثبت من: (ب)، (ج)، وكتب اللغة.

(٨) انظر: (سوء) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1795 - 1796، و"القاموس" 43.

(٩) في (ج): (أسى).

(١٠) يسوء: ساقطة من (ج).

(١١) في (ب): (قبح).

(١٢) في (ب): (الوجه).

(١٣) في (ج): (السوى).

(١٤) في (ب): (السؤا).

وفي (ج): (السوا).

(١٥) انظر: المصادر السابقة.

قال ابن عطية: (وذكر تعالى المسَّ في (الحسنة)؛ ليُبَيِّن أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءةُ بنفوس المبغِضِين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة، وهي: عبارة عن التمكن؛ لأن الشيء المصيب لشيء، فهو متمكن منه أو فيه، فدلَّ هذا المنزعُ البليغُ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين، وهكذا هي عداوة الحسد في الأغلب، ولا سيما في هذا الأمر الجسيم الذي هو ملاك الدنيا والآخرة).

"المحرر الوجيز" 3/ 292 - 293.

(١٦) لم أقف على مصدر قوله.

والذي في: "زاد المسير" 1/ 448 من قول ابن عباس: (الشرك).

(١٧) لم أهتد لقائل هذا القول.

وقد يفهم ذلك من عبارة الطبري في "تفسيره" 4/ 68، حيث قال: (وإن تصبروا -أيها المؤمنون- على طاعة الله، واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه: من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود -الذين وصف الله صفتهم- من دون المؤمنين وغير ذلك من سائر ما نهاكم ..).

(١٨) انظر: "الزاهر" 2/ 174، و"تهذيب اللغة" 3/ 2078 (ضور)، و"اللسان" 5/ 2619 (ضور)، 5/ 2623 (ضير).

(١٩) هي قراءة عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي -بضم الصاد، وتشديد الراء المرفوعة-.

انظر: "السبعة" 215، و"الحجة" للفارسي 3/ 74.

(٢٠) انظر: "الحجة"، لابن خالويه 113.

وورد في: "اللسان": (الضَّرُّ، والضَّرُّ): ضد النفع.

و (الضَّرُّ): المصدر، و (الضُّرُّ): الاسم.

وقيل: إذا جمعت بين الضَّرِّ والنفع: فتحتَ الضاد، وإذا أفردت الضُّرَّ: ضممت الضاد: إذا لم تجعله مصدرًا.

وقال: (وضَرَّه يضُرُّه ضَرًّا)، و (ضَرَّ به وأضَرَّ به)، و (ضارَّه مُضَارَّة، وضِرَارًا) والاسم: (الضَّرر).

"اللسان" 5/ 2573 (ضرر)، وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 68.

(٢١) في (ج): (فأدغمت).

(٢٢) انظر: "المغني" لابن هشام 717 - 718؛ حيث لم ير في إعرابها إلا أنها مجزومة، وأن الضم اتباع، كالضمة في قولك: (لم يَشُذُّ ولم يَرُدُّ).

(٢٣) (المدغم): ساقطة من (ب).

(٢٤) في (ب): (التأنيث).

بدلًا من: (ما يجب).

(٢٥) صدر بيت، وتمامه: فلا كَعْبَا بَلَغتَ ولا كِلابا وهو في: ديوانه: 63، وورد في: "كتاب سيبويه" 3/ 533، و"المقتضب" 1/ 158، و"المصون في الأدب" 19، و"العمدة" 126، 127، 844، 1053، و"شرح المفصل" 9/ 128، و"المقاصد النحوية" 4/ 494، و"منهج السالك" 1/ 252، و"التصريح" 2/ 401، و"همع الهوامع" 6/ 288، و"خزانة الأدب" 1/ 72، 6/ 531، 9/ 306، 542، و"شرح شواهد شرح الشافية" 4/ 163.

والبيت من قصيدة طويلة له، يهجو فيها الراعي النميري، وُيعَرِّض بقومه.

(٢٦) أي يقال: (فَغُضَّ) -بضم الضاد المشددة، وفتحها، وكسرها.

انظر فيما ذكره المؤلف سابقًا: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 232، و"الطبري" 4/ 68.

(٢٧) أي: لا يجوز في قراءة: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾ إلا الرفع في الراء، من ناحية القراءة القرآنية، مع صحة قراءتها بالفتح والكسر من ناحية اللغة كما ذكر المؤلف؛ لأن == الراء الثانية مُدغَمَة في الراء الأولى، مع سبقها بحرف مضموم.

وقد وردت قراءة أخرى صحيحة، متواترة، وهي: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾ على التخفيف -بتسكين الراء وكسر الضاد المخففة- وقد قرأ بها: ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، ويعقوب، ورواية أخرى عن حمزة.

انظر: "السبعة" 215.

قال الفارسي: (فكلتا القراءتين حسنة؛ لمجيئهما جميعًا في التنزيل).

"الحجة" 3/ 75.

وانظر: "المحلى" لابن شغير 17.

ووردت قراءات أخرى شاذة، وهي: قراءة عاصم برواية أبي زيد عن المفضل عنه: (لا يَضُرَّكم) بضم الضاد وفتح الراء المشددة.

وقرأ الضحاك: (يَضُرِّكم) -بضم الضاد، وكسر الراء المشددة-.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 361، و"تفسير القرطبي" 4/ 184، و"البحر المحيط" 3/ 43.

(٢٨) في "معاني القرآن" له 1/ 465.

نقله عنه بنصه.

(٢٩) في "معاني القرآن": عدوانهم.

(٣٠) في (ج): (ما مدى).

(٣١) أصل (كَيَدَ) -في اللغة- يدل على معالجة شيء بشدة، ثم يتسع بابه ويدخل فيه المعنى المراد -هنا- الذي ذكره المؤلف وهو: الاحتيال لإيقاع مكروه بالغير؛ لأنه فيه معالجة وبذل وُسْع، واجتهاد للمكر والإضرار بالآخرين.

انظر: "المقاييس" 5/ 149 (كيد).

وعَرَّف الجرجانيُّ (الكيد)، فقال: (إرادة مضرة الغير خفية، وهو من الخلق: الحيلة السيئة).

التعريفات: 189.

وانظر: "اللسان": 7/ 3966 (كيد)، و"التوقيف على مهمات التعاريف" 614.

(٣٢) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٣) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، وساقط من (ب)، والمثبت من (ج).

(٣٤) في: "معاني القرآن" له 1/ 232.

نقله عنه بمعناه.

(٣٥) ما بين المعقوفين مطموس في: (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).

(٣٦) العالية: اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة إلى تهامة، وهي عالية الحجاز، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة.

وقيل: هي ما جاوز الرُّمَّة -وهي أرض واسعة بنجد تنصب فيها عدَّة أودية- إلى مكة.

انظر: "معجم البلدان" 4/ 71.

(٣٧) (ذاك) مطموس في (أ).

وساقط من (ب).

ومثبت من (ج)، و"تهذيب اللغة": 3/ 2078.

وفي "معاني القرآن": ذلك.

(٣٨) (يضورني): مطموسة في (أ).

وفي (ب): (يضرني).

والمثبت من (ج)، و"تهذيب اللغة" 3/ 2078، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 232، و"تفسير الطبري" 4/ 68.

(٣٩) في: "معاني القرآن" له 1/ 465.

نقله عنه بتصرف يسير.

(٤٠) في: "معاني القرآن" له 1/ 232.

نقله عنه بمعناه (٤١) (فاء مضمرة): مطموس في (أ)، وساقط من (ب).

والمثبت من (ج).

(٤٢) من قوله: (وأنشد ..) إلى (من حذف الفاء): مطموس في (أ).

وساقط من (ب).

والمثبت من (ج).

(٤٣) البيت هو: فإن كان لا يُرضيكَ حتى تَرُدُّني ...

إلى قَطَريِّ لا إخالُكَ راضيا.

وقائله، هو: سوَّار بن المُضَرِّب السعدي التميمي.

وقد ورد البيت في: "النوادر" لأبي زيد 54، و"الكامل" للمبرد 2/ 102، و"الطبري" 4/ 68، و"القراءات" للأزهري 1/ 124، و"الخصائص" 2/ 433، و"المحتسب" 2/ 192، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 185، و"شرح المفصل" 1/ 80، و"المقاصد النحوية" 2/ 451، و"منهج السالك" 2/ 45، و"التصريح" 1/ 272.

والشاعر يخاطب الحجاجَ لمَّا أراد بعثَه وقومَه بني تميم لقتال الخوارج وزعيمِهم قَطَرِي بن الفجاءة.

ويعبر الشاعر عن رفضه لهذا الأمر.

والشاهد في البيت قوله: (لا إخالُك)، أي: فلست إخالُك) -برفعها-.

(٤٤) في (ب): وإنما.

والمثبت من (ج).

وهو الصواب.

(٤٥) انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 64 - 65، و"المقتضب" 2/ 71، و"المغني" لابن هشام: 80، 133، 218، 311، 832.

وذكر ابن هشام أن المبرّدَ منع حذف الفاء حتى في الشعر.

انظر: "المغني" 219.

إلا أن الظاهر من كلام المبرّد في كتابه "المقتضب": 2/ 72 خلاف ما ذكره ابن هشام.

وانظر تعليق محقق "المقتضب" في هامش 2/ 72 - 73.

وأجاز الأخفشُ حذفَ الفاء في جواب الشرط في القرآن.

انظر: "معاني القرآن" له 1/ 158 عند تفسيره لآية (180) من سورة البقرة ﴿ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ ﴾ .

ورُدّ بأن ﴿ الوَصِيَّةُ ﴾ نائب فاعل لـ ﴿ كُتِبَ ﴾ ، وجواب الشرط محذوف، وهو (فَلْيُوصِ).

انظر: "المغني" 133، 219.

(٤٦) في (ج): (لا يحمل).

(٤٧) في (ب): (الشاعر).

(٤٨) أنه باقتداره عليه وعلمه به: مطموس في (أ).

وساقط من (ب).

ومثبت من (ج).

(٤٩) في (ج): (ود).

والمثبت من (ب).

(٥٠) في (ج): (في).

والمثبت من (ب).

(٥١) في (ج): (يحصره)، والمثبت من (ب).

(٥٢) في (ج): (الأجسام)، والمثبت من (ب).

(٥٣) ما بين المعقوفين مطموس في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ ﴾ الحسنة هنا: الخيرات من النصر والرزق وغير ذلك، والسيئة ضدها ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ ﴾ من الضير بمعنى الضرّ ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ نزلت في غزوة أحد، وكان غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال صبيحة يوم السبت وخرج من المدينة يوم الجمعة بعد الصلاة وكان قد شاور أصحابه قبل الصلاة ﴿ تُبَوِّىءُ المؤمنين ﴾ تنزلهم وذلك يوم السبت حين حضر القتال، وقيل: ذلك يوم الجمعة بعد الصلاة حين خرج من المدينة، وذلك ضعيف؛ لأنه لا يقال: غدوت فيما بعد الزوال إلاّ على المجاز، وقيل: ذلك يوم الجمعة قبل الصلاة حين شاور الناس وذلك ضعيف؛ لأنه لم يبوئ حينئذٍ مقاعد للقتال؛ إلاّ أن يراد أنه بوأهم بالتدبير حين المشاورة ﴿ مقاعد ﴾ مواضع وهو جمع مقعد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويسارعون ﴾ وبابه كـ ﴿ سارعوا  ﴾ و ﴿ نسارع ﴾ \[المؤمنون:56\] ممالة: قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس.

﴿ ما يفعلوا ﴾ ﴿ فلن يكفروه ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ تسؤهم ﴾ وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة: الأعشى وأوقية، والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ لا يضركم ﴾ من الضير: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع.

وقرأ المفضل ﴿ لا يضركم ﴾ بالفتح الباقون: ﴿ لا يضركم ﴾ بالضم كلاهما من الضر مجزوماً ثم محركاً للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع ﴿ تعملون محيط ﴾ بتاء الخطاب: سهل.

الباقون: بياء الغيبة.

الوقوف: ﴿ المسكنة ﴾ ط ﴿ بغير حق ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه لأن ضمير ﴿ ليسوا ﴾ يعود إلى ما يعود إليه ضمير ﴿ منهم المؤمنون ﴾ لبيان الفضل بين الفريقين، والذين / عصوا واعتدوا أحد الفريقين ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يسجدون ﴾ ه قيل: لا وقف على جعل ﴿ يؤمنون ﴾ حالاً لضمير ﴿ يسجدون ﴾ ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ يكفروه ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ 5 ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ فأهلكته ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ج ﴿ خبالاً ﴾ ط ﴿ ما عنتم ﴾ ج لاحتمال كون قد بدت حالا ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ج للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم ﴿ آمنا ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق ﴿ من الغيظ ﴾ ط ﴿ يغيظكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تسؤهم ﴾ ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد الحالين منهم.

﴿ يفرحوا بها ﴾ ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: هذا خبر آخر من مستقبلات أحوال اليهود المعلومة بالوحي.

والمعنى ضربت عليهم الذلة والهوان في عامة الأحوال بالقتل والسبي والنهب أينما وجدوا إلا معتصمين أو متلبسين أي إلا في حال اعتصامهم ﴿ بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ يعني ذمة الله وذمة المسلمين، فهما في حكم واحد أي لا عزلهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة بقبول الجزية، فحينئذٍ يكون دمهم محقوناً ومالهم مصوناً وهو نوع من العزة وقيل: حبل الله الإسلام، وحبل الناس الذمة.

فعلى هذا يكون الواو بمعنى "أو".

وقيل: ذمة الله الجزية المنصوص عليها، وذمة الناس ما يزيد الإمام عليها أو ينقص بالاجتهاد.

وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب نظراً إلى المعنى لأن ضرب الذلة عليهم معناه لا تنفك عنهم ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ قيل: إنه من قولك "تبوأ فلان منزل كذا" والمعنى مكثوا في غضب الله.

وسواء قولك حل بهم الغضب وحلوا بالغضب.

﴿ وضربت عليهم المسكنة ﴾ عن الحسن أن المراد بها الجزية، وإنما أفردت بالذكر بعد الاستثناء ليعلم أنها باقية غير زائلة بعد اعتصامهم بالذمة.

وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً مطاعاً لكنهم مستخفون في جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة ألبتة.

وباقي الآية قد مر تفسيره في البقرة إلا أنه  قال في هذا الموضع من هذه السورة وفي النساء ﴿ الأنبياء بغير حق ﴾ لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر في الموضعين أعني في البقرة وفي أول السورة ما ينبىء عن القلة مع أن ذلك موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما.

ثم تدرج إلى ما هو نص في الكثرة في الموضعين الآخرين نعياً علهيم وتفظيعاً لشأنهم، ولمثل هذا عرّف الحق في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن / تقتل النفس به وهو قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق  ﴾ ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالاً في نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم.

﴿ لسوا سواء ﴾ كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان.

قال الفراء وابن الأنباري: تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً.

قال أبو ذؤيب: عاني إليها القلب إني لأمرها *** مطيع فما أدري أرشد طلابها؟

أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده.

وتقول: زيد وعبد الله لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي.

فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك.

وقيل: وهو اختيار أبي عبيدة أن ﴿ أمة ﴾ مرفوعة بـ ﴿ ليس ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث.

أو هو بدل من الضمير على نحو ﴿ أسروا النجوى الذين ظلموا  ﴾ والتقدير: ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة.

وفي تفسير أهل الكتاب قولان: الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى.

قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنياً غيره فنزلت.

وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد  الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذه يكون المسلمون منهم.

عن ابن مسعود قال: "أخر رسول الله  ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم" .

وفي رواية: "فبشر  أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل الله هذه الآيات" ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ قال القفال رحمه الله : لا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب.

فقيل: ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد  فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا.

ولا يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد  فسماهم الله أهل الكتاب كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله  أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان؟

فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً ما تقدم من قوله: ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ كقوله: ﴿ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون  ﴾ ثم إنه  مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان: الأولى: أنها / قائمة.

قيل: أي في الصلاة.

وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة.

وقيل: أي مستقيمة عادلة من قولك: "أقمت العود فقام" بمعنى استقام.

وههنا نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية.

وقوله: ﴿ قائماً بالقسط  ﴾ دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم  ﴾ الصفة الثانية: ﴿ يتلون ﴾ أي أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل.

فالتلاوة القراءة.

وأصل الكلمة الإتباع.

فكأن التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن.

وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على صانعها.

وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل "معاً" و "أني" و"أنوا" مثل "نحى" و"تلو".

الصفة الثالثة: ﴿ وهم يسجدون ﴾ يحتمل أن يكون حالاً من ﴿ يتلون ﴾ كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعاً إلا أن ما روي عن النبي  : " "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً" يأباه وأن يكون كلاماً مستقلاً أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن كقوله: ﴿ يبيتون لربهم سجداً وقياماً  ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن يكون المراد: وهم يصلون ويتهجدون.

والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد وهم يخضعون لله كقوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض  ﴾ وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالاً.

الصفة الرابعة: ﴿ يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية.

وهذه إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد.

ولا يخفى أن غير مؤمني أهل الكتاب ليسوا من القبيلين في شيء بسبب تحريفاتهم واعتقاداتهم الفاسدة.

الخامسة والسادسة: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي.

وفيه تعريض بالأمة المذمومة أنهم كانوا مداهنين.

وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.

الصفة السابعة ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ أي المذكورات كلها وهي من صفات المدح لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات.وما روي أنه  قال: " "العجلة من الشيطان " مخصوص بهذه الآية.

على أنها لا تفيد كلية الحكم لأن القضية أهملت إهمالاً، كيف لا والأمور متفاوتة.

منها ما يحمد فيه التأخير لكونه مما يحصل على مهل وتدريج فلو طلب منه خلاف وضعه / فات الغرض وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر وتأمل.

ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم، فإن الفرص تمر مر السحاب.

قال  : " اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " الصفة الثامنة: ﴿ أولئك من الصالحين ﴾ وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله  فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود.

ثم شرط للأمة الموصوفة بل بجميع المكلفين إيصال الجزاء إليهم ألبتة تأكيداً للإخبار عنهم بقوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ فقال: ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه.

فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين، مع أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو: شكر النعمة وكفرها.

وسمى منع الجزاء كفراً كما سمى إيصال الثواب شكراً في قوله: ﴿ فإن الله شاكر عليم  ﴾ ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهاً على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟!

ثم بين أحوال أهل الشقاء بقوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

وقد سبق تفسير مثله من أول السورة.

ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً أمكن أن يخطر ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوده الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك الوهم بقوله: ﴿ مثل ما ينفقون ﴾ الآية.

قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد.

وهو منقول عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.

وفي الصحاح: الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث.

وعلى هذا فمعنى الآية: كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر.

وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه البارد فيكون موصوفة محذوفاً بمعنى فيها قرّة صر كما تقول: برد بارد على المبالغة، أو تكون "في" تجريدية كما يقال: رأيت فيك أسداً أي أنت أسد، وإن ضيعني فلان ففي الله كافٍ وكافل.

وقيل: الصر السموم الحارة.

وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس ﴿ فيها صر ﴾ قال: فيها نار.

وعلى القولين، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان برداً مهلكاً أو حرّاً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث فيصح التشبية.

وهذا في التشبية المركب الذي مر ذكره في أول سورة البقرة.

ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث.

والمراد ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون بها وجه الله، ولهذا قيده بقوله: ﴿ في هذه الحياة / الدنيا ﴾ فشبه ذلك بالزرع الذي حسه البرد فصار حطاماً.

وقيل: مثل ما ينفقون يعني أبا سفيان وأصحابه من سفلة اليهود المنفقين على أحبارهم في إيذاء رسول الله  وفي جمع العساكر عليه  في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر، كمثل ريح فيها صر في كونه مبطلاً للحرث.

والظاهر أن الضمير في ﴿ ينفقون ﴾ عائد إلى جميع الكفار.

وذلك أن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر، وإما أن يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع، ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيراً كثيراً في المعاد، لكنهم إذا قدمواالآخرة رأوا كفرهم مبطلاً لآثار تلك الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كبيراً فأصابه جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف.

ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيراً وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول  وفي تخريب ديار المسلمين.

ولا يبعد أيضاً تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالاً كثيرة في تجهيز الجيوش والإغراء على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الأمر عليهم وأظهر الله الإسلام وأعز أهله، فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة.

وقيل: المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة كقوله: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ والمراد جميع الانتفاعات.

أما فائدة قوله: ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ وعدم الاقتصار على قوله: ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ فهي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه أثر ولاعثر، وحرث المسلم المطيع ليس كذلك لأنه إذا أصابته جائحة في الدنيا أبدله الله خيراً منه في الدنيا أو في الآخرة.

فإن المسلم مثاب على كل ألم يصيبه حتى الشوكة يشاكها، أما الذين عصوا الله فاستحقوا إهلاك حرثهم عقوبة لهم فحرثهم هو الذي لا يتصور منه بعد الإهلاك فائدة أصلاً.

ويحتمل أن يراد بالظالم ههنا وضع الزرع في غير موضعه.

فإن من زرع لا في موضعه وفي غير أوانه ثم أصابته الآفة كان أولى بأن يصير ضائعاً.

والضمير في ﴿ وما ظلمهم ﴾ للمنفقين أي ما ظلمهم بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث أي ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما ستحقوا به العقوبة.

ثم إنه تعالى لما بالغ في شرح احوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين من مخالطة الكافرين.

قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواطؤن رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فنهاهم الله عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم وبطانة الرجل خصيصه وصفيه الذي يفضي / إليه بشقوره أي أموره اللاصقة بالقلب المهمة له.

الواحد شقر وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب للذي يلي منه الجسد خلاف الظهارة، نهاهم عن مودة كل كافر لأن قوله: ﴿ بطانة ﴾ نكرة في سياق النفي.

وقوله: ﴿ من دونكم ﴾ يؤكد ذلك.

وهو إما أن يتعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ ويكون صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم والأول أولى، لأن الغرض ليس هو النهي عن اتخاذ البطانة وإنما المقصود النهي عن الاتخاذ من غير أبناء جنسهم وأهل ملتهم بطانة، وأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى.

و"من" للتبيين وقيل: زائدة.

ثم ذكر علة النهي فقال: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ يقال: ألا في الأمر يألو إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: "لا آلوك نصحاً أو جهداً" على التضمين أي لا أمنعك نصحاً.

والخبال الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ومخبل ناقص العقل فاسدة.

وقيل: خبالاً نصب على التمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال.

والمعنى لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفساد حالكم.

﴿ ودّوا ما عنتم ﴾ أي عنتكم على أن "ما" مصدرية.

والعنت الوقوع في أمر شاق ومنه يقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه قد أعنته.

والمراد أحبوا وتمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.

والحاصل من الجمليتن أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم فإن لم يمكنهم ذلك لمانع من خارج فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم ﴿ قد بدت البغضاء ﴾ هي شدة البغض كالضراء شدة الضر.

والأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل تكسيره كسوط وأسواط.

فحذفت الهاء تخفيفاً وأقيمت الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.

وظهور البغضاء من اليهود واضح لقشرهم العصا وكشرهم عن الأنياب وعدم التقية في تكذيب النبي  والكتاب.

وأما من المنافقين فذلك أن المداجي لا بد أن ينفلت من لسانه ما يكشف عن نفاقه وخبث طويته.

وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك.

﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ لأن فلتات اللسان متناهية وكوامن الصدور تكاد تكون غير متناهية.

ثم بيّن أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من غاية العناية وحثهم على إعمال العقل في مدلولات هذه النصائح فقال: ﴿ قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ من أهل العقول.

وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه العدوّ والولي.

ثم إن سياق هذه الجمل يحتمل أن يكون على سبيل تنسيق الصفات للبطانة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة غير آليكم خبالاً وادّين عنتكم بادية بغضاؤهم.

وأما ﴿ قد بينا ﴾ فكلام مبتدأ، أو أحسن من ذلك وأبلغ أن تكون الجمل مستأنفات كلها على جهة التعليل للنهي كما قلنا، فكأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة، فقيل: لأنهم لا يقصرون فقيل: لم يفعلون ذلك؟

فقيل: لأنهم يودون عنتكم.

ثم قيل: وما آية / ودادة العنت؟

فقيل: قد بدت والله أعلم.

أما كون هذا التقدير أحسن فلأن الجمل المتعاقبة على سبيل التنسيق يتوسط بينها العاطف ولا عاطف ههنا، وأما كونه أبلغ فلبناء الكلام على السؤال والجواب ولتقليل اللفظ وتكثير المعنى ولإثبات الدعاوى بالبراهين، ولا يخفى جلالة قدر هذه الفوائد.

ثم استأنف للتحذير نمطاً آخر من البيان مشتملاً على التوبيخ فقال: ﴿ ها أنتم أولاء ﴾ الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ثم ذيله ببيان الخطأ وهو قوله: ﴿ تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ لأنكم تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ويريدون لكم الكفر وهو أقبح الأشياء، أو تحبونهم لما بينكم وبينهم من الرضاعة والقرابة ولا يحبونكم لاختلاف الدين، أو تحبونهم لأنهم أظهروا لكم الإيمان ولا يحبونكم لتمكن الكفر في باطنهم، أو تحبونهم لأنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب ولا يحبونكم لأنكم تحبون الرسول وهم يبغضونه ومحب المبغوض مبغوض، أو تحبونهم فتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ولا يحبونكم لأنهم لا يفعلون مثل ذلك بكم، أو تحبونهم لأنكم لا تريدون وقوعهم في المحن ولا يحبونكم لأنهم يتربصون بكم الدوائر.

والحق أن هذه الاعتبارات وأمثالها مما لا تكاد تنحصر داخلة في الآية.

ثم ذكر سبباً آخر مما يأبى أن يكون بينهما جامع فقال: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ وأضمر قرينه وهو "وهم لا يؤمنون به" لأن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر غالباً.

والمراد بالكتاب الجنس كقولهم "كثر الدرهم في أيدي الناس".

وفي الكشاف: إن الواو في ﴿ وتؤمنون ﴾ للحال، واللام في ﴿ الكتاب ﴾ للعهد أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله.

وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطنهم أصلب منكم في حقكم.

ثم ذكر مضادة أخرى فقال: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ أحدثنا الدخول في الإيمان ﴿ وأذا خلوا عضوا ﴾ ويوصف المغتاظ أو النادم بعض الأنامل والبنان والإبهام لأن هذا الفعل كثيراً ما يصدر منهما فجعل كناية عن الغضب والندم، وإن لم يكن هناك عض وإنما حصل لهم هذا الغيظ وهو شدة الغضب لما رأوا من ائتلاف المؤمنين وعلو دينهم وارتفاع شأنهم ﴿ قل موتو بغيظكم ﴾ دعاء عليهم بأن يزداد ما يوجب غيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، فإن ذلك يتضمن ذلهم وخزيهم.

والحاصل أنه أمر النبي  أن يخبرهم بأن الله  أتاح أن يظهر دين الإسلام علىالأديان كلها والمقدر كائن، فإن كان هذا سبباً لغيظكم فلا محالة يكون موتكم على هذا الغيظ.

ثم إن قوله: ﴿ إن الله عليم بذات الصدور ﴾ أي بصواحباتها وهي الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه.

إن كان داخلاً في جمل المقول، فمعناه أخبرهم بما يسرونه من الغيظ وقل لهم: إن غيظكم سيزداد إلى أن يذيبكم أو تموتوا عليه، وقل لهم: إن الله يعلم ما هو أخفى / مما تسرونه وهو مضمرات القلوب وخفياتها.

وإن كان خارجاً فالمعنى قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني أعلم ما أضمره الخلائق ولم يظهروه على ألسنتهم أصلاً.

ويجوز أن لا يكون أمراً بالقول لفظاً بل يراد حدّث نفسك بأنهم سيهلكون غيظاً وحسداً، فيكون أمراً للرسول بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله ونصره.

ثم ذكر نوعاً آخر من مضادتهم ومعاداتهم فقال: ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ أي حسنة كانت من منافع الدنيا كالصحة والخصب والغنيمة والظفر على الأعداء والائتلاف بين الأحباء ﴿ تسؤهم ﴾ ساءه يسوءه نقيض سره يسره ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ ضد من أضداد ما عددنا.

﴿ يفرحوا بها ﴾ ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة وجعل المعنى واحداً.

وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد *** إلا أن يكون ثمة غاية الحقد.

وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال التنوين في ﴿ حسنة ﴾ للتقليل وفي ﴿ سيئة ﴾ للتعظيم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على عداوتهم ﴿ وتتقوا ﴾ ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو إن تصبروا على أوامر الله  وتتقوا محارمه ﴿ لا يضركم كيدهم ﴾ وهو احتيال الإنسان لإيقاع غيره في مكروه.

وقال ابن عباس: هو العداوة.

﴿ شيئاً ﴾ من الضرر بل كنتم في كنف الله وحفظه.

وفيه إرشاد من الله  إلى أن يستعان على دفع مكايد الأعداء بالصبر والتقوى، فمن كان لله كان الله له.

وفي كلام الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.

وقال بعضهم: إذا ما شئت إرغام الأعادي *** بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى *** على الأعداء من نوب الزمان ﴿ إن الله بما تعملون ﴾ في عداوتكم أو بما تعملون أنتم من الصبر والتقوى.

﴿ محيط ﴾ فيجازي كل أحد بما هو أهله.

التأويل: ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل من الناس يعني متابعة النبي  وسيرته.

ويقتلون الأنبياء يميتون سنتهم وسيرهم.

ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون.

فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً.

ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات الجسمانية بقوله: ﴿ مثل ما / ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح ﴾ هي هواء الهوى ﴿ فيها صر ﴾ الشهوة ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ هو الحرث الروحاني ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ بإبطال الاستعداد الإنساني.

ثم نهي أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من هذا الحديث فقال: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ﴾ لا يقصرون في إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم ﴿ ودّوا ﴾ من نعيم الدنيا ومشتهياتها ﴿ ما عنتم ﴾ ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاستيم من المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ اعتراضاتهم الفاسدة ﴿ وما تخفي صدورهم ﴾ الحاسدة من الغل والحقد ﴿ أكبر ﴾ ﴿ تحبونهم ﴾ محبة الرحمة والشفقة ﴿ ولا يحبونكم ﴾ لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح ﴿ ويؤتون بالكتاب كله ﴾ بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس ﴿ عليم بذات الصدور ﴾ بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد.

﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ كرامة من الله وقبول من الخلق.

سيئة إنكار من الجهال وطعن.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ ﴾ : اختلف فيه: قيل: نهى الله المؤمنين أن يستخدلوا المنافقين، أو يؤاخوهم، أو يتولوهم دون المؤمنين.

وقيل في حرف حفصة: "لا تتخذوا بطانة من دون أنفسكم"، يعني: من دون المؤمنين.

وعن ابن عباس -  - قال: "نهى الله المؤمنين أن يتخذوا اليهود [والنصارى] والمنافقين - بطانة دون إخوانهم من المؤمنين، فيحدثونهم ويفشوا إليهم سرّهم دون المؤمنين".

والبطانة: قيل: هم الإخوان، ويجعلونهم موضع إفشاء سرّهم.

قال الشيخ - رحمه الله -: والنهي عن اتخاذ الكافر بطانة لوجهين: أحدهما: العرف به؛ إذ كل يعرف بمن يصحبه.

والثاني: الميل إليه بما يريه عدوه أنه حسن العشرة وحسن الصحبة، مع ما فيه الإسقاط عما به يستعان على أمر الدين، والإغفال عن حقه.

وقوله: ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ : يقولون: لا يتركون عهدهم في إفشاء أمركم.

وقوله: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ : أي: يودون ويتمنون ما أثمتم.

قال الشيخ - رحمه الله -: أي: ودوا أن تشاركوهم في أشياء تؤثمكم ويبعثكم عليه.

وقيل: العنت: الضيق؛ أي: ذلك قصدهم؛ كالآية التي تتلوها.

وقوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : من قال: إن أول الآية في المنافقين يقول: قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ  ﴾ أنهم كانوا يعرفون المنافق من لحن كلامه.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : ما كان من التفريق بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ  ﴾ ، وإظهار السرور بنكبتهم، كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ...

﴾ الآية [النساء: 72].

وقوله: ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون العداوة والخلاف لهم، والسعي في هلاكهم فما كانوا يضمرون أكثر ما [كانوا] يظهرون.

ومن قال بأن الآية في الكفار - فهو ظاهر.

وقوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : من الشتيمة والعداوة، ويضمرون أكثر من ذلك من الفساد والشرور، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون ﴾ البينات، ويحتمل قوله: إن كنتم تنتفعون بعقولكم؛ لأن - عز وجل - ذكر في غير أي من القرآن أنهم لا يعقلون، قد كان لهم عقول لكنهم لم ينتفعوا بعقولهم، فإذا لم ينتفعوا نفي عنهم العقل رأساً.

وقوله: ﴿ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ : من قال: إن أول الآية في المنافقين فهذا يدل له ويشهد؛ لأنه قال: ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا...

﴾ الآية.

يقول: ها أنتم يا هؤلاء المسلمون تحبونهم - يعني: المنافقين - ولا يحبونكم على دينكم.

قال الشيخ - رحمه الله -: وفي الآية بيان أن أولئك قوم يحبهم المؤمنون، إمّا بظاهر الإيمان أو بظاهر الحال، منهم من طلب مودتهم، فأطلع الله المؤمنين على سرّهم؛ لئلا يغترُّوا بظاهرهم، وليكون حجة لهم ولرسول الله  بما أطلعه الله على ما أسرّوا، والله أعلم.

ومن قال: إن أوّل الآية في الكفار - يجعل قوله: ﴿ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ على الابتداء، والقطع من الأوّل؛ لأنه وصفهم بصفة المنافقين، ووسمهم بسمتهم وليس في الأول ذلك.

وقوله: ﴿ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ .

هو على التمثيل، يقال عند شدة الغضب: فلان يعض أنامله على فلان، وذلك إذا بلغ الغضب غايته.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ : إنما كان يغيظهم ما كان للمسلمين من السعة، والنصر، والتكثر، والعز، فيكون في ذلك دعاء لهم بتمام ذلك، حتى لا يروا فيهم الغير، والله أعلم.

وفي حرف حفصة: "قل موتوا بغيظكم لن تضرونا شيئاً إن الله عليم بذات الصدور" على الوعيد.

وقوله: ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ .

قال: ليس هذا وصف المنافقين في الظاهر؛ لأنهم كانوا يطمئنون عند الخيرات، لكنّه يحتمل أنهم كانوا يطمئنون بخيرات تكون لهم لا للمؤمنين: ﴿ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا ﴾ ذكر في القصة أنهم إذا رأوا للمسلمين الظفر على عدوهم الغنيمة - يسوءهم ذلك، وإذا رأوا القتل والهزيمة عليهم - يفرحون به ويسرّون.

وقيل: إذا رأوا للمؤمنين الخصب والسعة - ساءهم، وإذا رأوا لهم القحط والجدب وغلاء السعر - فرحوا به، لكن هذا يحتمل في كل خير رأوا لهم - اهتموا لذلك، وفي كل مصيبة ونكبة رأوا لهم - فرحوا بها.

وقوله: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ .

وعد النصر بشرط: ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ ، أخبر أن المؤمنين إذا اتقوا وصبروا لا يضرهم كيدهم شيئاً، حتى يعلم أن ما يصيب المؤمنين إنما يصيب بما كسبت أيديهم.

قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ على الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن تصبكم -أيها المؤمنون- نعمة من نصر على عدو، أو زيادة في مال وولد؛ يصبهم الهم والحزن، وإن تصبكم مصيبة من نصر عدو أو نقص في مال وولد، يفرحوا بذلك، ويشمتوا بكم، وإن تصبروا على أوامره وأقداره، وتتقوا غضبه عليكم؛ لا يضركم مكرهم وأذاهم، إن الله بما يعملون من الكيد محيط، وسيردهم خائبين.

<div class="verse-tafsir" id="91.81JjO"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن الآيات السابقة من أول السورة كانت في الحجاج مع أهل الكتاب وكذا مع المشركين بالتبع والمناسبة، وإن هذه الآيات وما بعدها إلى آخر السورة في بيان أحوال المؤمنين ومعاملة بعضهم لبعض وإرشادهم في أمرهم.

ولبيان اتصال هذه الآيات بما قبلها لا بد من ذكر ثلاث مقدمات: أنه كان بين المؤمنين وغيرهم صلات كانت مدعاة إلى الثقة بهم والإفضاء إليهم بالسر وإطلاعهم على كل أمر، منها المحالفة والعهد، ومنها النسب والمصاهرة، ومنها الرضاعة.

أن الغِرَّة من طبع المؤمن، فإنه يبني أمره على اليسر والأمانة والصدق، ولا يبحث عن العيوب، ولذلك يظهر لغيره من العيوب وإن كان بليدًا ما لا يظهر له هو وإن كان ذكيًا.

أن المناصبين للمؤمنين من أهل الكتاب والمشركين كان همهم الأكبر إطفاء نور الدعوة وإبطال ما جاء به الإسلام، وكان همّ المؤمنين الأكبر نشر الدعوة وتأييد الحق.

فكان الهمان متباينين، والقصدان متناقضين.

فإذا كانت حالة الفريقين على ما ذكر فهي لا شك مقتضية لأن يفضي النسيب من المؤمنين إلى نسيبه من أهل الكتاب والمشركين والمحالف منهم لمحالفه من غيرهم بشيء مما في نفسه وإن كان من أسرار الملة التي هي موضوع التباين والخلاف بينهم وفي ذلك تعريض مصلحة الملة للخبال.

لذلك جعل الله تعالى للصلات بين المؤمنين وغيرهم حدًا لا يتعدونه فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ  ﴾ إلى آخر الآيات.

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا  ﴾ إن الصبر يذكر في القرآن في مقام ما يشق على النفس، وحبس الإنسان سره عن وديده وعشيره ومعامله وقريبه مما يشق عليه فإن من لذات النفوس أن تفضي بما في الضمير إلى من تسكن إليه وتأنس به، فلما نهوا عن اتخاذ بطانة ممن دونهم من خلطائهم وعشرائهم وحلفائهم، وعلل بما علل به من بيان بغضائهم وكيدهم، حسن أن يذكروا بالصبر على هذا التكليف الشاق عليهم وباتقاء مت يجب اتقاؤه لأجل السلامة من عاقبة كيدهم.

ويصح أن يراد بالتقوى الأخذ بوصاياه، وامتثال أمره تعالى في البطانة وغيرها.

ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ  ﴾ المحيط بالعمل هو الواقف على دقائقه، فهو إذا دل على طريق النجاة لعامل من كيد الكائدين والوسيلة للخلاص من ضررهم فإنما يدل على الطريق الموصل للنجاة حتمًا، والوسيلة المؤدية إلى النجاح قطعًا، فالكلام كالتعليل لكون الاستعانة بالصبر والتمسك بالتقوى شرطين للنجاح.

وهناك وجه آخر وهو أن الخطاب بيعملون عام للمؤمنين والكافرين جميعًا -يعني على قراءة الحسن وأبي حاتم "تعملون" بالمثناة الفوقية أو على الالتفات- ومن كان عالمًا بعمل فريقين متحادين محيطًا بأسباب ما يصدر عن كل منهما ومقدماته، ونتائجه وغاياته، فهو الذي يعتمد على إرشاده في معاملة أحدهما للآخر، ولا يمكن أن يعرف أحدهما من نفسه في حاضرها وآتيها ما يعرفه ذلك المحيط بعمله وعمل من يناهضه ويناصبه، فهداية الله تعالى للمؤمنين خير ما يبلغون به المآرب، وينتهون به إلى أحسن العواقب.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل