الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٢٩ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 122 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) أي : الجميع ملك له ، وأهلهما عبيد بين يديه ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) أي : هو المتصرف فلا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، والله غفور رحيم .
القول في تأويل قوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء.
* * * فقوله: " أو يتوب عليهم "، منصوبٌ عطفًا على قوله: أَوْ يَكْبِتَهُمْ .
وقد يحتمل أن يكون تأويله: ليس لك من الأمر شيء، حتى يتوب عليهم = فيكون نصب " يتوب " بمعنى " أو " التي هي في معنى " حتى ".
(60) * * * قال أبو جعفر: والقول الأول أولى بالصواب، لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحدٍ سوى خالقهم، قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك.
* * * وتأويل قوله: " ليس لك من الأمر شيء "، ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهيَ فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكمُ بالذي أشاء، من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنّقَم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعددتُ لأهل الكفر بي.
كما:- 7804- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون "، أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئتُ فعلتُ، أو أعذبهم بذنوبهم = (61) " فإنهم ظالمون "، أي قد استحقوا ذلك بمعصيتهم إياي.
(62) * * * وذكر أن الله عز وجل إنما أنـزل هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لما أصابه بأحُد ما أصابه من المشركين، قال، كالآيس لهم من الهدى أو من الإنابة إلى الحق: " كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيهم!!" *ذكر الرواية بذلك: 7805- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا حميد قال، قال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكسرت رَبَاعيته، وشُجَّ، فجعل يمسح عن وجهه الدم ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم!!
فأنـزلت: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوبَ عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
(63) 7806- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
7807- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن حميد الطويل، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
7808- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شُجَّ في جبهته وكسِرت رباعيته: لا يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم!
فأوحى الله إليه: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
(64) 7809- حدثني يعقوب، عن ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحُد: كيف يفلح قوم دمَّوا وجه نبيهم وهو &; 7-197 &; يدعوهم إلى الله عز وجل!!
فنـزلت: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
(65) 7810- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن حميد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحو ذلك.
7811- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون "، ذكر لنا أن هذه الآية أنـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وقد جُرح نبي الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وأصيبَ بعضُ رباعيته، فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم!
فأنـزل الله عز وجل: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
7812- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة قال: أصيب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكِسرت رباعيته، وفُرِق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه فأفاق وهو يقول: كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله!
فأنـزل الله تبارك وتعالى: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
7813- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قوله: " ليس لك من الأمر شيء " الآية قال قال الربيع بن أنس: أنـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحُد، وقد شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وأصيبتْ رباعيته، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعوَ عليهم، فقال: " كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله وهم يدعونه إلى الشيطان، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضلالة، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار!
فهمَّ أن يدعوَ عليهم، فأنـزل الله عز وجل: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون "، فكفَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء عليهم.
7814- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم " الآية كلها، فقال: جاء أبو سفيان من الحول غضبان لما صُنع بأصحابه يوم بدر، فقاتل أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم يوم أحد قتالا شديدًا، حتى قتل منهم بعدد الأسارى يوم بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمةً علم الله أنها قد خالطت غضبًا: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الإسلام!
فقال الله عز وجل: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
7815- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: أن رباعية النبي صلى الله عليه وسلم أصيبت يوم أحد، أصابها عتبة بن أبي وقاص، وشجه في وجهه.
وكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبي صلى الله عليه وسلم الدمَ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كيف يفلح قوم صنعوا بنبيهم هذا!!
فأنـزل الله عز وجل: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
7816- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، وعن عثمان الجزري، عن مقسم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد، حين كسر رباعيته، وَوثأ وجهه، (66) فقال: " اللهم لا يحل عليه الحول حتى يموت كافرا!" قال: فما حال عليه الحول حتى مات كافرا.
7817 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: شج النبي صلى الله عليه وسلم في فرق حاجبه، وكسرت رباعيته.
= قال ابن جريج: ذكر لنا أنه لما جرح، جعل سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله!".
فأنـزل الله عز وجل: (ليس لك من الأمر شيء) * * * وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه دعا على قوم، فأنـزل الله عز وجل: ليس الأمر إليك فيهم.
* ذكر الرواية بذلك: 7818 - حدثني يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يدعو على أربعة نفر، فأنـزل الله عز وجل: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) قال: وهداهم الله للإسلام (67) .
&; 7-200 &; 7819 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن عمر بن حمزة، عن سالم، عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللهم العن أبا سفيان !
اللهم العن الحارث بن هشام !
اللهم العن صفوان بن أميه !
فنـزلت: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) (68) .
&; 7-201 &; 7820 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد الله بن كعب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قالاللهم أنج عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد!
اللهم أنج المستضعفين من المسلمين!
اللهم اشدد وطأتك على مضر!
اللهم سنين كسنين آل يوسف !
فأنـزل الله: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم) (69) الآية.
7821 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب أخبره، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن: أنهما سمعا أبا هريرة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين يفرغ، في صلاة الفجر، من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: " سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد " ثم يقول وهو قائم: " اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين!
اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف!
اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله!".
ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نـزل قوله: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) (70) .
--------------------------- الهوامش : (60) انظر معاني القرآن للفراء 1: 234.
(61) في سيرة ابن هشام: ".
.
.
بذنوبهم ، فبحقي".
(62) الأثر: 7804- سيرة ابن هشام 3: 115 ، وهو تابع الآثار التي آخرها: 7801 ، مع اختلاف يسير في بعض لفظه.
(63) الحديث: 7805- هذا الحديث رواه الطبري متصلا بخمسة أسانيد: 7805 - 7808 ، 7810 ، من طريق بشر بن المفضل ، وابن أبي عدي ، وهشيم ، وأبي بكر بن عياش ، وابن علية = الخمسة عن حميد بن أبي حميد الطويل ، عن أنس بن مالك.
ورواه: 7809 ، من حديث الحسن البصري ، بنحوه ، مرسلا.
وقد رواه أحمد في المسند: 11980 ، عن هشيم ، و: 12862 ، عن سهل بن يوسف ، و: 13115 ، عن يزيد بن هارون ، و: 13170 ، عن ابن أبي عدي = أربعتهم عن حميد الطويل ، به.
(ج3 ص99 ، 178 - 179 ، 201 ، 206 حلبى).
ورواه الترمذي 4: 83 ، عن أحمد بن منيع ، وعبد بن حميد - كلاهما عن يزيد بن هارون ، كرواية المسند: 13115.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه أبو جعفر النحاس ، في الناسخ والمنسوخ ، ص: 90 ، من طريق يزيد بن هارون.
ورواه أحمد أيضًا ، بنحوه: 13692 (ج3 ص253 حلبي) ، عن عفان ، عن حماد - وهو ابن سلمة - عن ثابت ، عن أنس.
وكذلك رواه مسلم 2: 67 ، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي ، عن حماد بن سلمة ، به وذكره البخاري في الصحيح 7: 281 ، مختصرًا ، معلقًا ، من الوجهين.
قال: "قال حميد وثابت ، عن أنس.
.
.".
وبين الحافظ في الفتح أن رواية حميد وصلها أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن إسحاق في المغازي.
وأن رواية ثابت وصلها مسلم.
وذكر ابن كثير 2: 238 رواية البخاري المعلقة.
وفي ص: 239 رواية أحمد عن هشيم.
ثم أشار إلى رواية مسلم.
وذكره السيوطي 2 : 70 - 71 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن المنذر وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الدلائل.
وانظر ما يأتي: 7818 - 7821.
"الرباعية" - على وزن"ثمانية": الأسنان الأربعة التي تلي الثناياه ، بين الثنية والناب.
(64) الحديث: 7808- يحيى بن طلحة اليربوعي: سبق في: 421 أن النسائي ضعفه.
والراجح توثيقه.
فقد ترجمه ابن أبي حاتم 4 / 2 / 160 ، فلم يذكر فيه جرحًا.
(65) الحديث: 7809- هذه رواية الحسن المرسلة.
وقد ذكر السيوطي 2: 71 رواية عن الحسن ، مطولة مرسلة أيضًا ، ونسبها لعبد بن حميد ، وحده.
(66) وثأه وثأه: فهو أن يضرب حتى يرهص الجلد واللحم ، ويصل الضرب إلى العظم من غير أن ينكسر ، يكسر اللحم ولا يكسر العظم.
(67) الحديث: 7818 - خالد بن الحارث بن عبيد ، أبو عثمان الهجيمي : ثقة ثبت إمام .
وقال أحمد : " إليه المنتهى في التثبت بالبصرة " .
والحديث رواه أحمد في المسند: 5813 ، عن يحيى بن حبيب بن عربي- شيخ الطبري هنا- بهذا الإسناد.
ولم يذكر لفظه، إحالة على رواية قبله .
ورواه الترمذي 4 : 84 عن يحيى بن حبيب بن عربي أيضًا .
وقال : " هذا حديث حسن غريب صحيح، يستغرب من هذا الوجه ، من حديث نافع عن ابن عمر.
ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان" .
ورواه أحمد أيضًا: 5812 - قبل الرواية السابقة - : عن أبي معاوية الغلابي ، عن خالد بن الحارث.
ورواه أحمد أيضًا: 5997 ، بنحوه ، عن هارون بن معروف المروزي ، عن ابن وهب ، عن أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر .
وهو متابعة صحيحة لرواية ابن عجلان عن نافع، التي استغربها الترمذي - فكانت غير غريبة ، بهذه المتابعة الصحيحة .
وذكره ابن كثير 2 : 238 ، من رواية المسند : 5812 .
وأشار إليه الحافظ في الفتح 8 : 170 ، من روايتي أحمد والترمذي .
وذكره السيوطي 2 : 71 ، ونسبه للترمذي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم، فقط .
وانظر الحديث التالي لهذا.
(68) الحديث: 7819 - أحمد بن بشير ، أبو بكر الكوفي ، مولى عمرو بن حريث المخزومي: ثقة ، أخرج له البخاري في صحيحه ، وترجمه هو وابن أبي حاتم ، فلم يذكرا فيه جرحًا .
ومن نقل فيه جرحًا عن ابن معين فقد وهم .
ذاك " أحمد بن بشير " آخر ، كما بينه الخطيب في تاريخ بغداد 4 : 46 - 48 .
ووقع في المطبوعة هنا اسم أبيه " سفيان" ، وفي المخطوطة "سنين" - وكلاهما خطأ ، ليس في الرواة من يسمى بهذا أو بذاك ، إلا راويًا اسمه " أحمد بن سفيان أبو سفيان النسائي" وهو متأخر عن هذه الطبقة .
وأثبتنا الصواب عن ذلك ، وعن رواية الترمذي هذا الحديث بهذا الإسناد ، كما سيأتي .
عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: رجحنا توثيقه في شرح المسند : 5638 ، بأنه أخرج له مسلم في صحيحه، وبقول الحاكم : " أحاديثه كلها مستقيمة" .
وهو يروي هنا عن عمه " سالم بن عبد الله بن عمر " عن جده " عبد الله بن عمر" .
والحديث رواه أحمد في المسند : 5674 ، عن أبي النضر ، عن أبي عقيل عبد الله بن عقيل، عن عمر بن حمزة ، به وزاد في آخره بعد نزول الآية : " قال : فتيب عليهم " .
ورواه الترمذي 4 : 83 ، عن أبي السائب سلم بن جنادة بن سلم الكوفي - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد .
وزاد في آخره : " فتاب عليهم ، فأسلموا فحسن إسلامهم " .
وقال الترمذي : " هذا حديث حسن غريب ، يستغرب من حديث عمر بن حمزة عن سالم .
وكذا رواه الزهري، عن سالم ، عن أبيه" .
ورواية الزهري عن سالم - التي أشار إليها الترمذي - رواها أحمد في المسند : 6349 ، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه .
وكذا رواها أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ص : 89 ، من طريق عبد الرزاق ، به .
ورواه أيضًا ابن المبارك عن معمر .
فرواه أحمد في المسند : 6350 ، عن علي بن إسحاق ، عن ابن المبارك ، عن معمر ، عن سالم .
عن أبيه .
وكذلك رواه البخاري 7 / 281 ، 8 : 170 / و 13 : 263 - 264 ، من طريق عبد الله بن المبارك .
ورواه البخاري أيضًا 7 : 281 ، من رواية ابن المبارك ، عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي ، عن سالم بن عبد الله : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو .
.
.
" رواه تبعًا لحديث ابن المبارك عن معمر، فقال الحافظ في الفتح : " والراوي له عن حنظلة، هو عبد الله بن المبارك" .
ووهم من زعم أنه معلق .
وقوله : " سمعت سالم بن عبد الله يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو " ، إلى آخره -: هو مرسل.
وقد ذكره ابن كثير 2 : 238 ، عن رواية المسند : 5674 .
وذكره السيوطي 2 : 71 ، وزاد نسبته للنسائي ، والبيهقي في الدلائل .
(69) الحديث : 7820 - عبد الله بن كعب : هو الحميري المدني ، مولى عثمان بن عفان .
وهو ثقة ، أخرج له مسلم في صحيحه ، وترجمه ابن أبي حاتم 2 / 2 / 142 .
وهذا الحديث مرسل ، لأن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي - تابعي- وقد مضت ترجمته في : 2351.
ولم أجد هذا الحديث المرسل في موضع آخر .
ومعناه ثابت صحيح في الحديث الآتي عقبه : 7821 ، وفي حديث أبي هريرة في المسند : 7656 ، من رواية الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن .
عن أبي هريرة .
ولكن ليس فيه نزول الآية .
ثم وجدته موصولا من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن نفسه : فرواه البخاري 2 : 241 - 242 ، في حديث مطول ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري " قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن : أن أبا هريرة ...
قالا : وقال أبو هريرة : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه .
.
.
" - إلخ .
ورواه البيهقي في السنن الكبرى 2 : 207 ، مقتصرًا على القسم الأخير منه ، من أول قوله : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " - من طريق عثمان بن سعيد الدارمي ، عن أبي اليمان ، بمثل إسناد البخاري ، ثم قال : " رواه البخاري في الصحيح ، عن أبي اليمان " .
ووجدته أيضا مرسلا ، مثل رواية الطبري هنا : فرواه الطحاوي في معاني الآثار 1 : 142 ، من طريق سلمة بن رجاء ، عن محمد بن إسحاق ، بمثل إسناد الطبري هنا .
وزاد في آخره بعد الآية : " قال : فما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء على أحد ".
(70) الحديث: 7821 - روى مسلم في صحيحه 1 : 187 ، عن أبي الطاهر ، وحرملة بن يحيى - كلاهما عن ابن وهب ، بهذا الإسناد .
ورواه البيهقي في السنن الكبرى 2 : 197 ، من طريق بحر بن نصر ، عن ابن وهب ، به .
ثم أشار إلى رواية مسلم .
ورواه الطحاوي في معاني الآثار 1 : 142 ، عن يونس بن عبد الأعلى - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد ؛ ولكنه اختصر آخره ، فلم يذكر قوله : " ثم بلغنا أنه ترك ذلك .
.
.
" .
ورواه أحمد في المسند : 7458 ، عن أبي كامل ، عن إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، بهذا الإسناد ، نحوه .
وكذلك رواه البخاري 8 : 170 - 171 (فتح) ، عن موسى بن إسماعيل ، عن إبراهيم بن سعد ، به .
وكذلك رواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ، ص : 89 ، من طريق الحسن بن محمد ، عن إبراهيم بن سعد .
وكذلك رواه البيهقي 2 : 197 ، من طريق محمد بن عثمان بن خالد ، عن إبراهيم بن سعد .
ونقله ابن كثير 2 : 238 ، عن رواية البخاري ، التي أشرنا إليها آنفًا .
وذكره السيوطي 2 : 71 ، وزاد نسبته لابن المنذر ، وابن أبي حاتم .
ولم يفرق بين روايتي إبراهيم بن سعد ويونس ، والفرق بينهما واضح - فنسبه بنحو رواية يونس - للبخاري والنحاس ، وهما لم يروياه بهذا اللفظ .
وقد قال الحافظ في الفتح 7 : 282 ، في شرح حديث ابن عمر ، الذي أشرنا إليه في شرح : 7819 - قال : " ووقع في رواية يونس ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، نحو حديث ابن عمر ، لكن فيه : اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية، قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت : ( ليس لك من الأمر شيء ) .
قلت: [القائل ابن حجر] .
وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن قصة أحد .
لأن قصة رعل وذكوان كانت بعدها ، كما سيأتي تلو هذه الغزوة ، وفيه بعد .
والصواب : أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد .
والله أعلم .
ويؤيد ذلك ظاهر قوله في صدر الآية : ( ليقطع طرفًا من الذين كفروا ) أي يقتلهم ، ( أو يكبتهم ) أي يخزيهم ، ثم قال : ( أو يتوب عليهم) أي فيسلموا ، ( أو يعذبهم ) أي إن ماتوا كفارًا " .
وهذا تحقيق نفيس جيد من الطراز العالي.
لا يوجد تفسير لهذه الأية
ولما نفى عن رسوله أنه ليس له من الأمر شيء قرر من الأمر له فقال { ولله ما في السماوات وما في الأرض } من الملائكة والإنس والجن والحيوانات والأفلاك والجمادات كلها، وجميع ما في السماوات والأرض، الكل ملك لله مخلوقون مدبرون متصرف فيهم تصرف المماليك، فليس لهم مثقال ذرة من الملك، وإذا كانوا كذلك فهم دائرون بين مغفرته وتعذيبه فيغفر لمن يشاء بأن يهديه للإسلام فيغفر شركه ويمن عليه بترك العصيان فيغفر له ذنبه، { ويعذب من يشاء } بأن يكله إلى نفسه الجاهلة الظالمة المقتضية لعمل الشر فيعمل الشر ويعذبه على ذلك، ثم ختم الآية باسمين كريمين دالين على سعة رحمته وعموم مغفرته وسعة إحسانه وعميم إحسانه، فقال { والله غفور رحيم } ففيها أعظم بشارة بأن رحمته غلبت غضبه، ومغفرته غلبت مؤاخذته، فالآية فيها الإخبار عن حالة الخلق وأن منهم من يغفر الله له ومنهم من يعذبه، فلم يختمها باسمين أحدهما دال على الرحمة، والثاني دال على النقمة، بل ختمها باسمين كليهما يدل على الرحمة، فله تعالى رحمة وإحسان سيرحم بها عباده لا تخطر ببال بشر، ولا يدرك لها وصف، فنسأله تعالى أن يتغمدنا ويدخلنا برحمته في عباده الصالحين.
ثم قال:"ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم ".
«ولله ما في السماوات وما في الأرض» ملكا وخلقا وعبيدا «يغفر لمن يشاء» المغفرة له «ويعذب من يشاء» تعذيبه «والله غفور» لأوليائه «رحيم» بأهل طاعته.
ولله وحده ما في السموات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعدله.
والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم.
ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة ، وإرادته النافذة فقال - سبحانه - : { وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .أى لله جميع ما فى السموات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض ، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما ، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { والله غَفُورٌ } أى كثير المغفرة يحبها ويريدها ، { رَّحِيمٌ } أى واسع الرحمة بعباده ، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها ، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة ، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قتلهم وضعفهم ، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يأتى مع صفاء النفوس ، ونقاء القلوب ، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا .وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد ، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا ، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى - : { يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ .
.
.
} .
فيه مسألتان: المسألة الأولى: إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولاً من قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيء ﴾ والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك، وملك السموات والأرض وليس إلا لله تعالى فالأمر في السموات والأرض ليس إلا لله، وهذا برهان قاطع.
المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ولم يقل (من) لأن المراد الإشارة إلى الحقائق والماهيات، فدخل فيه الكل.
أما قوله: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء ﴾ فاعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أنه سبحانه له أن يدخل الجنة بحكم إلهيته جميع الكفار والمردة، وله أن يدخل النار بحكم إلهيته جميع المقربين والصدّيقين وأنه لا اعتراض عليه في فعل هذه الأشياء ودلالة الآية على هذا المعنى ظاهرة والبرهان العقلي يؤكد ذلك أيضاً، وذلك أن فعل العبد يتوقف على الإرادة وتلك الإرادة مخلوقة لله تعالى، فإذا خلق الله تلك الإرادة أطاع، وإذا خلق النوع الآخر من الإرادة عصى، فطاعة العبد من الله ومعصيته أيضاً من الله، وفعل الله لا يوجب على الله شيئاً ألبتة، فلا الطاعة توجب الثواب، ولا المعصية توجب العقاب، بل الكل من الله بحكم إلهيته وقهره وقدرته، فصح ما ادعيناه أنه لو شاء يعذب جميع المقربين حسن منه، ولو شاء يرحم جميع الفراعنة حسن منه ذلك، وهذا البرهان هو الذي دل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء ﴾ .
فإن قيل: أليس أنه ثبت أنه لا يغفر للكفار ولا يعذب الملائكة والأنبياء.
قلنا: مدلول الآية أنه لو أراد لفعل ولا اعتراض عليه، وهذا القدر لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل، وهذا الكلام في غاية الظهور.
ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ والمقصود بيان أنه وإن حسن كل ذلك منه إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الفضل والإحسان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوْ يَتُوبَ ﴾ عطف على ما قبله.
و ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الامر شَيْء ﴾ اعتراض.
والمعنى أنّ الله مالك أمرهم، فإما يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم.
وقيل: إنّ ﴿ يَتُوبَ ﴾ منصوب بإضمار (إن) و ﴿ وأن يتوب ﴾ في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أو على شيء، أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم.
أو ليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة عليهم، أو تعذيبهم، وقيل (أو) بمعنى (إلا أن) كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، على معنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.
وقيل: شجه عتبة ابن أبي وقاص يوم أحد وكسر رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه، وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم، وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم، فنزلت.
وقيل: أراد أن يدعو الله عليهم فنهاه الله تعالى، لعلمه أن فيهم من يؤمن.
وعن الحسن ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء ﴾ بالتوبة، ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين ﴿ وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ ﴾ ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب.
وعن عطاء: يغفر لمن يتوب إليه ويعذب من لقيه ظالماً.
وأتباعه قوله ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالمون ﴾ تفسير بين لمن يشاء، وأنهم المتوب عليهم، أو الظالمون، ولكن أهل الأهواء والبدع يتصامُّون ويتعامون عن آيات الله فيخبطون خبط عشواء، ويطيبون أنفسهم بما يفترون على ابن عباس من قولهم: يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ خَلْقًا ومِلْكًا فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا لَكَ.
﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ صَرِيحٌ في نَفْيِ وُجُوبِ التَّعْذِيبِ، والتَّقْيِيدُ بِالتَّوْبَةِ وعَدَمِها كالمُنافِي لَهُ.
﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِعِبادِهِ فَلا تُبادِرُ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ لا تَزِيدُوا زِياداتٍ مُكَرَّرَةً، ولَعَلَّ التَّخْصِيصَ بِحَسَبِ الواقِعِ.
إذْ كانَ الرَّجُلُ مِنهم يُرْبِي إلى أجَلٍ ثُمَّ يَزِيدُ فِيهِ زِيادَةً أُخْرى حَتّى يَسْتَغْرِقَ بِالشَّيْءِ الطَّفِيفِ مالَ المَدْيُونِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ «مُضَعَّفَةً» .
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيما نُهِيتُمْ عَنْهُ.
﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ راجِينَ الفَلاحَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض} أي الأمر له لا لك لأن ما في السموات وما في الأرض ملكه {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ} للمؤمنين {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} الكافرين {والله غفور رحيم}
﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ اخْتِصاصِ مِلْكِيَّةِ جَمِيعِ الكائِناتِ بِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ طَرَفٍ مِن ذَلِكَ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ تَقْرِيرًا لِما سَبَقَ وتَكْمِلَةً لَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلْقَصْرِ، (وما) عامَّةٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ تَغْلِيبًا أيْ لَهُ سُبْحانَهُ ما في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، أوْ ما في هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ مُلْكًا ومِلْكًا وخَلْقًا واقْتِدارًا لا مَدْخَلَ لِأحَدٍ مَعَهُ في ذَلِكَ، فالأمْرُ كُلُّهُ لَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلا يُعاقِبُهُ عَلى ذَنْبِهِ فَضْلًا مِنهُ ﴿ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ عَدْلًا مِنهُ، وإيثارُ كَلِمَةِ ( مَن ) في المَوْضِعَيْنِ لِاخْتِصاصِ المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ بِالعُقَلاءِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ لِلْإيذانِ بِسَبْقِ رَحْمَتِهِ تَعالى عَلى غَضَبِهِ.
وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعالى وتَعْذِيبَهُ غَيْرُ مُقَيَّدَيْنِ بِشَيْءٍ، بَلْ قَدْ يُدَّعى أنَّ التَّقْيِيدَ مُنافٍ لِلسَّوْقِ إذْ هو لِإثْباتِ أنَّهُ سُبْحانَهُ المالِكُ عَلى الإطْلاقِ، فَلَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ لا مانِعَ لَهُ مِن مَشِيئَتِهِ ولَوْ كانَتْ مَغْفِرَتُهُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ، وتَعْذِيبُهُ بِالظُّلْمِ لَمْ يَكُنْ فاعِلًا لِما يَشاءُ، بَلْ لِما تَسْتَدْعِيهِ التَّوْبَةُ أوِ الظُّلْمُ، فالآيَةُ ظاهِرَةٌ في نَفْيِ الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَغْفِرَ سُبْحانَهُ لِلْمُذْنِبِ ويُعَذِّبَ المُصْلِحَ، وهو مَذْهَبُ الجَماعَةِ، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالتَّوْبَةِ، فَمَن لَمْ يَتُبْ لا يَجُوزُ أنْ يُغْفَرَ لَهُ أصْلًا، وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: الآياتُ والأحادِيثُ النّاطِقَةُ بِوَعِيدِ العُصاةِ، الثّانِي: أنَّ المُذْنِبَ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ كانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لَهُ وإغْراءً لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ، وهَذا يُنافِي حِكْمَةَ إرْسالِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وحَمَلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى التَّقْيِيدِ وخَصُّوا أمْثالَها مِنَ المُطْلَقاتِ بِالصَّغائِرِ أوِ الكَبائِرِ المَقْرُونَةِ بِالتَّوْبَةِ وقالُوا: إنَّ المُرادَ: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ إذا تابَ، وجَعَلُوا القَرِينَةَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى عَقَّبَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَإنَّهم ظالِمُونَ ﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الظُّلْمَ هو السَّبَبُ المُوجِبُ فَلا تَعْذِيبَ بِدُونِهِ، ولا مَغْفِرَةَ مَعَ وُجُودِهِ، فَهو مُفَسِّرٌ ( لِمَن يَشاءُ ) وأيَّدُوا كَوْنَ المُرادِ ذَلِكَ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ولا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ إلّا لِلتّائِبِينَ ﴿ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ ولا يَشاءُ أنْ يُعَذِّبَ إلّا لِلْمُسْتَوْجِبِينَ، وبِما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ ﴿ يَغْفِرُ لِمَن ﴾ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴿ ويُعَذِّبُ مَن ﴾ لَقِيَهُ ظالِمًا، والجَماعَةُ تَمَسَّكُوا بِإطْلاقِ الآياتِ، وأجابُوا عَنْ مُتَمَسِّكِ المُخالِفِ، أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّ تِلْكَ الآياتِ والأحادِيثَ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِها إنَّما تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ دُونَ الوُجُوبِ، والنِّزاعُ فِيهِ عَلى أنَّ كَثْرَةَ النُّصُوصِ في العَفْوِ تُخَصِّصُ المُذْنِبَ المَغْفُورَ عَنْ عُمُوماتِ الوَعِيدِ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ مُجَرَّدَ جَوازِ العَفْوِ لا يُوجِبُ ظَنَّ عَدَمِ العِقابِ فَضْلًا عَنِ الجَزْمِ بِهِ، وكَيْفَ يُوجِبُ جَوازَ العَفْوِ العِلْمُ بِعَدَمِ العِقابِ، والعُمُوماتُ الوارِدَةُ في الوَعِيدِ المَقْرُونَةُ بِغايَةٍ مِنَ التَّهْدِيدِ تُرَجِّحُ جانِبَ الوُقُوعِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ واحِدٍ وكَفى بِهِ زاجِرًا، فَكَيْفَ يَكُونُ العِلْمُ بِجَوازِ العَفْوِ تَقْرِيرًا وإغْراءً عَلى الذَّنْبِ مَعَ هَذا الزّاجِرِ.
وأيْضًا إنَّ الكَثِيرَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ خَصُّوا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ بِالصَّغائِرِ، فَلَوْ كانَ جَوازُ العَفْوِ مُسْتَلْزِمًا كَما زَعَمُوا لِلْعِلْمِ بِعَدَمِ العِقابِ لَزِمَ اشْتِراكُ الإلْزامِ بِأنْ يُقالَ: إنَّ المُرْتَكِبَ لِلصَّغائِرِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ كانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لَهُ وإغْراءً لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ وفِيهِ مِنَ الفَسادِ ما فِيهِ، وما جَعَلُوهُ قَرِينَةً عَلى التَّقْيِيدِ مُعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى الإطْلاقِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ مَعْنًى عَلى قَوْلِهِ جَلَّ اسْمُهُ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ التَّصَرُّفَ المُطْلَقَ وهو عَلى خِلافِ ما يَقُولُونَ حَيْثُ جَعَلُوا تَصَرُّفَهُ ومَشِيئَتَهُ مُقَيَّدًا بِأنْ يَكُونَ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ غُفْرانِ مَن لَمْ يَتُبْ، ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ والحِكْمَةَ كِلاهُما مِن صِفاتِهِ تَعالى لا تَتْبَعُ إحْداهُما الأُخْرى، وبِتَقْدِيرِ الِاسْتِتْباعِ لا نُسَلِّمُ أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ غُفْرانِ مَن لَمْ يَتُبْ عَلى أنَّ تَعْقِيبَ ﴿ أوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنَّهم ظالِمُونَ ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ الظُّلْمَ مُفْضٍ إلى التَّعْذِيبِ، ومَن يَمْنَعُ الإفْضاءَ، إنَّما المَنعُ عَلى أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا ( لِمَن يَشاءُ ) وأيْنَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ كُلَّ ظُلْمٍ كَذَلِكَ ولا عُمُومَ لِلَّفْظِ ولا هو مِن قَبِيلِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ لِيَصْلُحَ مُتَمَسِّكًا في الجُمْلَةِ، وما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، لا يُعْرَفُ لَهُ سَنَدٌ أصْلًا، ومَنِ ادَّعاهُ فَلْيَأْتِ بِهِ إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِ أنَّ فِيهِ حَجْرًا عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ وتَضْيِيقَ مَسالِكِها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، ولا يُظَنُّ بِمِثْلِ الحَسَنِ هَذا القَبِيحُ، سَلَّمْنا الصِّدْقَ وعَدَمَ لُزُومِ ما ذُكِرَ، لَكِنْ قَوْلُ الحَسَنِ ونَحْوُهُ لا يُتْرَكُ لَهُ ظاهِرُ الكِتابِ، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ.
فَإنْ قالَ الخَصْمُ: نَحْنُ نَتَمَسَّكُ في هَذا المَطْلَبِ بِلُزُومِ الخُلْفِ، قُلْنا: يَكُونُ رُجُوعًا إلى الِاسْتِدْلالِ بِالمَعْقُولِ، وقَدْ أذَقْناكُمُ المَوْتَ الأحْمَرَ فِيهِ لا بِالآياتِ فَتَبْقى دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عُمُومِها وهو مَطْلُوبُنا هُنا، عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ في الكُفّارِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، ومُعْتَقَدُ الجَماعَةِ أنَّ المَغْفِرَةَ في حَقِّهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ والرُّجُوعِ إلى الإيمانِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ولَيْسُوا مَحَلَّ خِلافٍ بَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِها مِنَ المُعْتَزِلَةِ عَلى غَرَضِهِ الفاسِدِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.
﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (129) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ( يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ) مَعَ زِيادَةٍ، وفي تَخْصِيصِ التَّذْيِيلِ بِهِ إشارَةٌ إلى تَرْجِيحِ جِهَةِ الإحْسانِ والإنْعامِ، وفِيهِ ما يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ الجَماعَةِ.
* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ ) ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْدادُ وظُهُورُ الحَقِّ فِيهِمْ ﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ الَّذِينَ ظَهَرَتْ فِيهِمْ نُقُوشُ الكِتابِ الآلِهِيِّ الأزَلِيِّ ﴿ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ بِاللَّهِ تَعالى لَهُ ﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ يُظْهِرُونَ لِلْمُسْتَعِدِّينَ ما فاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأسْرارِ ﴿ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ أوْقاتَ لَيْلِ الجَهالَةِ وظُلْمَةِ الحَيْرَةِ ﴿ وهم يَسْجُدُونَ ﴾ أيْ يُخْضِعُونَ لِلَّهِ تَعالى، ولا يَحْدُثُ فِيهِمُ الأنانِيةَ أنَّهم عالِمُونَ وأنَّ مَن سِواهم جاهِلُونَ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أيْ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ ﴿ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ حَسْبَما اقْتَضاهُ الشَّرْعُ، ولِكَوْنِ ما تَقَدَّمَ نَظَرًا لِلْخُصُوصِ؛ لِأنَّ إيداعَ الأسْرارِ عِنْدَ الأحْرارِ، وهَذا بِالنَّظَرِ إلى العُمُومِ لِأنَّ الشَّرِيعَةَ أوْسَعُ دائِرَةً مِنَ الحَقِيقَةِ قَدَّمَ وأخَّرَ ﴿ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ مِن تَكْمِيلِ أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ ﴿ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ القائِمِينَ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ ﴿ وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ ﴾ يُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ فَقَدْ جاءَ: ”«مَن تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً“» ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّقَوْا ما يَحْجُبُهم عَنْهُ فَيَتَجَلّى لَهم بِقَدْرِ زَوالِ الحِجابِ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ واحْتَجَبُوا عَنِ الحَقِّ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ وأشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى ما لا وُجُودَ لَهُ في عِيرٍ ولا نَفِيرٍ ﴿ لَنْ تُغْنِيَ ﴾ لَنْ تَدْفَعَ ﴿ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ عَذابَهُ ﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الدَّفْعِ؛ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ أصْنامِهِمُ الَّتِي عَبَدُوها ﴿ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ ﴾ وهي الحِجابُ والبُعْدُ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لِاقْتِضاءِ صِفَةِ الجَلالِ مَعَ اسْتِعْدادِهِمْ ذَلِكَ.
﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ الفانِيَةِ الدَّنِيَّةِ ولَذّاتِها السَّرِيعَةِ الزَّوالِ طَلَبًا لِلشَّهَواتِ ومَحْمَدَةِ النّاسِ لا يَطْلُبُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ ﴾ أيْ بَرْدٌ شَدِيدٌ ﴿ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالشِّرْكِ والكُفْرِ ﴿ فَأهْلَكَتْهُ ﴾ عُقُوبَةً لَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى لِظُلْمِهِمْ ﴿ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾ بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ ﴿ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الغَيْرِ المَقْبُولِ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً ﴾ أيْ خاصَّةً تُطْلِعُونَهُ عَلى أسْرارِكم ﴿ مِن دُونِكُمْ ﴾ كالمُنْكِرِينَ المَحْجُوبِينَ إذِ المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ المُوَحِّدِينَ لِكَوْنِها ظِلَّ الوَحْدَةِ، ولا تَكُونُ بَيْنَ المَحْجُوبِينَ لِكَوْنِهِمْ في عالَمِ التَّضادِّ والظُّلْمَةِ، ولا يَتَأتّى الصَّفاءُ والوِفاقُ الَّذِي هو ثَمَرَةُ المَحَبَّةِ في ذَلِكَ العالَمِ، فَلِذا تَرى مَحَبَّةَ غَيْرِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى تَدُورُ عَلى الأغْراضِ، ومِن هُنا تَتَغَيَّرُ لِأنَّ اللَّذّاتِ النَّفْسانِيَّةَ لا تَدُومُ، فَإذا كانَ هَذا حالُ المَحْجُوبِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فَكَيْفَ تَتَحَقَّقُ المَحَبَّةُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن يُخالِفُهم في الأصْلِ والوَصْفِ، وأنّى يَتَجانَسُ النُّورُ والظُّلْمَةُ، وكَيْفَ يَتَوافَقُ مَشْرِقٌ ومَغْرِبٌ ؟
!
أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ هِيَ شامِيَّةٌ إذا ما اسْتَقَلَّتْ ∗∗∗ وسُهَيْلٌ إذا اسْتَقَلَّ يَمانِي فَفِي الحَقِيقَةِ بَيْنَهُما عَداوَةٌ حَقِيقَةٌ وبُعْدٌ كُلِّيٌّ إلى حَيْثُ لا تَتَراءى ناراهُما، وآثارُ ذَلِكَ ظاهِرَةٌ كَما بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ لِامْتِناعِ إخْفاءِ الوَصْفِ الذّاتِيِّ ﴿ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ ﴾ لِأنَّهُ المَنشَأُ لِذَلِكَ فَهو نارٌ وذاكَ شِرارٌ وهو جَبَلٌ والظّاهِرُ غُبارٌ ﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ ﴾ وهي العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى المَحَبَّةِ والعَداوَةِ وأسْبابُهُما ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ وتَفْهَمُونَ مِن فَحْوى الكَلامِ.
﴿ ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ بِمُقْتَضى ما عِنْدَكم مِنَ التَّوْحِيدِ لِأنَّ المُوَحِّدَ يُحِبُّ النّاسَ كُلَّهم بِالحَقِّ لِلْحَقِّ، ويَرى الكُلَّ مَظْهَرًا لِحَبِيبِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، فَيَرْحَمُ الجَمِيعَ، ويَعْلَمُ أنَّ البَعْضَ مِنهم قَدِ اشْتَغَلَ بِباطِلٍ نَظَرًا إلى بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ وابْتُلِيَ بِالقَدَرِ، وهَذا لا يُنافِي ما قَدَّمْنا آنِفًا عِنْدَ التَّأمُّلِ ﴿ ولا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ بِمُقْتَضى الحِجابِ والظُّلْمَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ عَلَيْهِمْ ﴿ وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ ﴾ أيْ جِنْسِهِ ﴿ كُلِّهِ ﴾ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ ﴿ وهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ بِذَلِكَ لِلِاحْتِجابِ بِما هم عَلَيْهِ.
﴿ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا ﴾ لِما فِيهِمْ مِنَ النِّفاقِ المُسْتَجْلِبِ لِلْأغْراضِ العاجِلَةِ ﴿ وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ ﴾ الكامِنِ في صُدُورِهِمْ ﴿ إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ ﴾ كَآثارِ تَجَلِّي الجَمالِ ﴿ تَسُؤْهُمْ ﴾ ويَحْزَنُوا لَها ﴿ وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ ﴾ أيْ ما يَظُنُّونَ أنَّهُ سَيِّئَةٌ كَآثارِ تَجَلِّي الجَلالِ ﴿ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى ما ابْتُلِيتُمْ بِهِ وتَثْبُتُوا عَلى التَّوْحِيدِ ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ الِاسْتِعانَةَ بِالسَّوِيِّ ﴿ لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ لِأنَّ الصّابِرَ عَلى البَلاءِ المُتَوَكِّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى المُسْتَعِينَ بِهِ المُعْرِضَ عَمَّنْ سِواهُ ظافِرٌ بِطِلْبَتِهِ، غالِبٌ عَلى خَصْمِهِ مَحْفُوفٌ مَحْفُوظٌ بِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَخْذُولُ مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ وقَصَدَ سِواهُ، كَما قِيلَ: مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِ اللَّهِ في طَلَبٍ ∗∗∗ فَإنَّ ناصِرَهُ عَجْزٌ وخِذْلانُ ﴿ إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ المَكايِدِ ﴿ مُحِيطٌ ﴾ فَيُبْطِلُها ويُطْفِئُ نارَها.
﴿ ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ ﴾ لِلَّهِ تَعالى تَحْتَ ظِلِّ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ذَلِكَ وبِالشُّكْرِ تُزادُ النِّعَمُ ﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ لِما رَأيْتَ مِن حالِهِمْ ﴿ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ السِّكِّينَةَ عَلَيْكم، أوْ (مُنْزَلِينَ) عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن جانِبِ المَلَكُوتِ إلَيْكم ﴿ بَلى إنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى صَدَماتِ تَجَلِّيهِ سُبْحانَهُ ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ مَن سِواهُ ﴿ ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا ﴾ أيْ بِلا بُطْءٍ ﴿ يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ أيْ مُعَلِّمِينَ أرْواحَكم بِعَلائِمِ الطُّمَأْنِينَةِ أوْ ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ بِعَمائِمَ بِيضٍ، وهي إشارَةٌ إلى الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ الظّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُ الخَمْسَةِ آلافٍ بِالذِّكْرِ لَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى إمْدادِ كُلِّ لَطِيفَةٍ مِنَ اللَّطائِفِ الخَمْسِ بِألْفٍ، والألْفُ إشارَةٌ إلى الإمْدادِ الكامِلِ حَيْثُ إنَّها نِهايَةُ مَراتِبِ الأعْدادِ، وشَرْطُ ذَلِكَ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى لِأنَّ النَّصْرَ عَلى الأعْداءِ - وأعْدى أعْدائِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ - لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ تَقْوى القَلْبِ، وكَذا سائِرُ جُنُودِ الرُّوحِ، بَلْ والرُّوحُ نَفْسُها أيْضًا بِتَأْيِيدِ الحَقِّ والتَّنُّورِ بِنُورِ اليَقِينِ، فَتَحْصُلُ المُناسَبَةُ بَيْنَ القَلْبِ مَثَلًا وبَيْنَ مَلَكُوتِ السَّماءِ، وبِذَلِكَ التَّناسُبِ يَسْتَنْزِلُ قُواها وأوْصافَها في أفْعالِهِ، ورُبَّما يَسْتَمِدُّ مِن قُوى قَهْرِها عَلى مَن يَغْضَبُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ نُزُولِ المَلائِكَةِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى تَحَمُّلِ المَكْرُوهِ طَلَبًا لِرِضا اللَّهِ تَعالى والتَّقْوى مِن مُخالَفَةِ أمْرِ الحَقِّ والمَيْلِ إلى نَحْوِ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ واللَّذّاتِ الفانِيَةِ.
وأمّا إذا جَزِعَ وهَلَعَ ومالَ إلى الدُّنْيا فَلا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ حِينَئِذٍ تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ وتَحْجُبُهُ بِظُلْمَةِ صِفاتِها عَنِ النُّورِ، فَلَمْ تَبْقَ تِلْكَ المُناسَبَةُ وانْقَطَعَ المَدَدُ ولَمْ تَنْزِلِ المَلائِكَةُ، ﴿ وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكُمْ ﴾ أيْ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ فَيَزْدادَ نَشاطُكم في التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ ﴿ ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ فَيَتَحَقَّقُ الفَيْضُ بِقَدْرِ التَّصْفِيَةِ ﴿ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ لا مِنَ المَلائِكَةِ فَلا تَحْتَجِبُوا بِالكَثْرَةِ عَنِ الوَحْدَةِ، وبِالخَلْقِ عَنِ الحَقِّ، فالكُلُّ مِنهُ تَعالى وإلَيْهِ ﴿ العَزِيزِ ﴾ فَلا يُعْجِزُهُ الظُّهُورُ بِما شاءَ وكَيْفَ شاءَ ﴿ الحَكِيمِ ﴾ الَّذِي سَتَرَ نَصْرَهُ بِصُوَرِ المَلائِكَةِ لِحِكْمَةٍ ﴿ لِيَقْطَعَ ﴾ أيْ يُهْلِكَ ﴿ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى ﴿ أوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ يُخْزِيَهِمْ ويُذِلَّهم ﴿ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ فَيَرْجِعُوا غَيْرَ ظافِرِينَ بِما أمَّلُوا.
﴿ لَيْسَ لَكَ ﴾ مِن حَيْثُ أنْتَ ﴿ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ وكُلُّهُ لَكَ مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى ﴿ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ إذا أسْلَمُوا فَتَفْرَحَ لِأنَّكَ المُظْهِرُ لِلرَّحْمَةِ الواسِعَةِ ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ .
﴿ أوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ لِأجْلِكَ فَتَشْتَفِيَ بِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم خالَفُوا الأمْرَ الَّذِي بُعِثْتَ بِهِ إلى النّاسِ كافَّةً فَإنَّهم ظالِمُونَ بِتِلْكَ المُخالَفَةِ.
﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ ﴾ مِن عالَمِ الأرْواحِ ﴿ وما في الأرْضِ ﴾ مِن عالَمِ الطَّبِيعِيّاتِ يَتَصَرَّفُ فِيهِما كَيْفَما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ لِأنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ المُطْلَقَ في المُلْكِ والمَلَكُوتِ ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.
نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَغْفِرَ لَنا ويَرْحَمَنا.
<div class="verse-tafsir"
ثم عظم نفسه فقال تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني: إن جميع الخلق في ملكه وعبيده يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وقال الضحاك: يغفر لمن يشاء الذنب العظيم، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ على الذنب الصغير إذا أصرَّ على ذلك وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ في تأخير العذاب عنهم، حيث لم يعاقبهم قبل توبتهم.
<div class="verse-tafsir"
ومُسَوِّمِينَ: معناه: مُعْلِمِينَ بعَلاَماتٍ، وروي أنَّ الملائكةَ أَعْلَمَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بعمائمَ بِيضٍ إلاَّ جِبْرِيل فإنه كان بِعَمَامَةٍ صَفْرَاءَ على مثالِ عَمَامَةِ الزُّبَيْرِ بن العوّام «١» ، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ للمسلمينَ يَوْمَ بَدْرٍ: «سُوِّمُوا فَإنَّ المَلاَئِكَةَ قد سوّمت» «٢» .
وقوله سبحانه: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: الضميرُ في جَعَلَهُ اللَّهُ: عائدٌ على الإنزال والإمداد، ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا بهِ، وتطمئنَّ به قلوبكم، وترون حِفَايَةَ اللَّه بكم، وإلا فالكثرةُ لا تُغْنِي شيئًا إلاَّ أنْ ينصر اللَّه، واللاَّمُ في قوله: لِيَقْطَعَ متعلِّقة بقوله: وَمَا النَّصْرُ، ويحتمل أنْ تكون متعلِّقة ب جَعَلَهُ فيكون قَطْع الطَّرف إشارةً إلى مَنْ قتل ببَدْرٍ على قول ابن إسحاق وغيره، أو إلى «٣» من قتل بأحد على ما قال السُّدِّيُّ «٤» ، وقتل من المشركين ببَدْرٍ سبعون، وقُتِلَ منهم يوم أحد اثنان وعِشْرُونَ رجُلاً، والطرف الفريق.
وقوله سبحانه: أَوْ يَكْبِتَهُمْ: معناه يُخْزِيَهُمْ والكَبْتُ: الصرع لليَدَيْن.
وقال ص: الكَبْت: الهزيمة، وقيل: الصَّرْع لليدين اهـ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ فِي رِبا الجاهِلِيَّةِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ عَلى الرَّجُلِ المالُ، فَإذا حَلَّ الأجَلُ، فَيَقُولُ: أخِّرْ عَنِّي، وأزِيدُكَ عَلى مالِكَ، فَتِلْكَ الأضْعافُ المُضاعَفَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما جَعَلَهُ اللهُ إلا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهُ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أو يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ الضَمِيرُ في "جَعَلَهُ اللهُ" عائِدٌ عَلى الإنْزالِ والإمْدادِ، والبُشْرى مَصْدَرٌ، واللامُ فِي: "وَلِتَطْمَئِنَّ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "جَعَلَهُ".
ومَعْنى الآيَةِ: وما كانَ هَذا الإمْدادُ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ وتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وتَرَوْا حِفايَةَ اللهِ بِكُمْ، وإلّا فالكَثْرَةُ لا تُغْنِي شَيْئًا إلّا أنْ يَنْصُرَ اللهُ.
وقَوْلُهُ: "وَما النَصْرُ" يُرِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي الإدالَةُ لِلْكُفّارِ مِن عِنْدِ اللهِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَقْطَعَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ وعَلى هَذا لا يَكُونُ قَطْعُ الطَرَفِ مُخْتَصًّا بِيَوْمٍ، اللهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ في "النَصْرُ" لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ "وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ"، حَكاهُ ابْنُ فُورَكٍ وهو قَلِقٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "أو يَكْبِتَهُمْ" لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَقْطَعَ" مُتَعَلِّقَةً بِـ "جَعَلَهُ"، فَيَكُونَ قَطْعُ الطَرَفِ إشارَةً إلى مَن قُتِلَ بِبَدْرٍ عَلى ما قالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُمْ، أو إلى مَن قُتِلَ بِأُحُدٍ عَلى ما قالَ السُدِّيُّ، وقُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ سَبْعُونَ، وقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا.
وقالَ السُدِّيُّ: قُتِلَ مِنهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ والأوَّلُ أصَحُّ.
والطَرَفُ: الفَرِيقُ، ومَتى قَتَلَ المُسْلِمُونَ كُفّارًا في حَرْبٍ فَقَدْ قَطَعُوا طَرَفًا، لِأنَّهُ الَّذِي ولِيَهم مِنَ الكُفّارِ، فَكَأنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ رُقْعَةٌ وهَؤُلاءِ المَقْتُولُونَ طَرَفٌ مِنها أيْ حاشِيَةٌ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "لِيَقْطَعَ طَرَفًا" بِمَنزِلَةِ: لِيَقْطَعَ دابِرًا.
وقَوْلُهُ: "أو يَكْبِتَهُمْ" مَعْناهُ: أو يُخْزِيهِمْ، والكَبْتُ: الصَرْعُ لِلْيَدَيْنِ، وقالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: التاءُ بَدَلٌ مِن دالِ كَبَتَهُ، أصْلُها كَبَدَهُ أيْ: فَعَلَ بِهِ ما يُؤْذِي كَبِدَهُ، وإذا نَصَرَ اللهُ عَلى أُمَّةٍ كافِرَةٍ فَلا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُقْتَلَ مِنهم أو يَخِيبُوا، فَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الهَزْمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وهَذا التَوْقِيفُ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ بِسَبَبٍ كَمَنَ جِهَةَ النَبِيِّ .
ورُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّهُ لَمّا هُزِمَ أصْحابُهُ، وشُجَّ في وجْهِهِ حَتّى دَخَلَتْ بَعْضُ حَلَقِ الدِرْعِ في خَدِّهِ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، وارْتَثَّ بِالحِجارَةِ حَتّى صُرِعَ لِجَنْبِهِ، تَحَيَّزَ عَنِ المَلْحَمَةِ، وجَعَلَ يَمْسَحُ الدَمَ مِن وجْهِهِ ويَقُولُ: "لا يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ"» هَكَذا لَفْظُ الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وفي بَعْضِ الطُرُقِ: "وَكَيْفَ يُفْلِحُ؟" وفي بَعْضِها «أنَّ سالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ كانَ يَغْسِلُ الدَمَ عن وجْهِ رَسُولِ اللهِ ، قالَ: فَأفاقَ وهو يَقُولُ: "كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ وهو يَدْعُوهم إلى اللهِ؟" فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّ النَبِيَّ لَحِقَهُ في تِلْكَ الحالِ يَأْسٌ مِن فَلاحِ كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَمالَتْ نَفْسُهُ إلى أنْ يَسْتَأْصِلَهُمُ اللهُ ويُرِيحَ مِنهُمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ دَعا عَلَيْهِمْ أوِ اسْتَأْذَنَ في أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ، ورَوى ابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهُ: أنَّهُ دَعا عَلى أبِي سُفْيانَ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بِاللَعْنَةِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن مَعْناهُ، فَقِيلَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ أيْ: عَواقِبُ الأُمُورِ بِيَدِ اللهِ، فامْضِ أنْتَ لِشَأْنِكَ ودُمْ عَلى الدُعاءِ إلى رَبِّكَ.
قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ: ﴿ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَكْبِتَهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ، وقَوْلُهُ: "أو يَتُوبَ" مَعْناهُ: فَيُسْلِمُونَ، وقَوْلُهُ: "أو يُعَذِّبَهُمْ" مَعْناهُ: في الآخِرَةِ بِأنْ يُوافُوا عَلى الكُفْرِ.
قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يَتُوبَ" بِمَعْنى حَتّى يَتُوبَ، أو إلى أنْ يَتُوبَ، فَيَجِيءُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لا أُفارِقُكَ أو تَقْضِينِي حَقِّي، وكَما تَقُولُ: لا يَتِمُّ هَذا الأمْرُ أو يَجِيءُ فُلانٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ لَيْسَ بِاعْتِراضٍ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وإنَّما المَعْنى الإخْبارُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَيْسَ يَتَحَصَّلُ لَهُ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَيْءٌ يُؤَمِّلُهُ إلّا أنْ يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَيُسْلِمُوا، فَيَرى مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أحَدَ أمَلَيْهِ فِيهِمْ، أو يُعَذِّبَهُمُ اللهُ بِقَتْلٍ في الدُنْيا، أو بِنارٍ في الآخِرَةِ أو بِهِما، فَيَرى مُحَمَّدٌ الأمَلَ الآخَرَ.
وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ رَدْعٌ كَما هو في التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وذَلِكَ التَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "أو يَتُوبُ" "أو يُعَذِّبُ" بِرَفْعِ الباءِ فِيهِما، المَعْنى: أو هو يَتُوبُ، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى ظُلْمَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ.
ثُمَّ أكَّدَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ بِالقَوْلِ العامِّ، وذَكَرَ الحُجَّةَ الساطِعَةَ في ذَلِكَ وهي مِلْكُهُ الأشْياءَ، إذْ ذَلِكَ مُقْتَضٍ أنْ يَفْعَلَ بِحَقِّ مِلْكِهِ ما شاءَ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وذَكَرَ أنَّ الغُفْرانَ أوِ التَعْذِيبَ إنَّما هو بِمَشِيئَتِهِ وحَسَبَ السابِقِ في عِلْمِهِ، ثُمَّ رَجا في آخِرِ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِلنُّفُوسِ وجَلْبًا لَها إلى طاعَتِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .
و"ما" في قَوْلِهِ ﴿ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ ، إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ العالَمِ فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ ما؛ وما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِدُعاءِ النَبِيِّ عَلى المُشْرِكِينَ كَلامٌ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، ولَيْسَ هَذا مِن مَواضِعِ الناسِخِ والمَنسُوخِ.
<div class="verse-tafsir"
تذييل لقوله: ﴿ أو يتوب عليهم أو يعذبهم ﴾ مشير إلى أن هذين الحالين على التوزيع بين المشركين، ولمَّا كان مظنّة التطلّع لمعرفة تخصيص فريق دون فريق، أو تعميم العذاب، ذيّله بالحوالة على إجمال حضرة الإطلاق الإلهية، لأنّ أسرار تخصيص كلّ أحد بما يعيَّن له، أسرار خفيّة لا يعلمها إلاّ الله تعالى، وكلّ ميسّر لما خلق له.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ والكِفايَةُ مِقْدارُ سَدِّ الخَلَّةِ، والِاكْتِفاءُ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ، والإمْدادُ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، والأصْلُ في الإمْدادِ هو الزِّيادَةُ ومِنهُ مَدُّ الماءِ وهو زِيادَتُهُ.
﴿ بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن وجْهِهِمْ هَذا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: مِن غَضَبِهِمْ هَذا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وأبِي صالِحٍ، وأصْلُ الفَوْرِ فَوْرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُها عِنْدَ شِدَّةِ الحُمّى، ومِنهُ فَوْرُ الغَضَبِ لِأنَّهُ كَفَوْرِ القِدْرِ.
﴿ يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ قَرَأ بِكَسْرِ الواوِ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، ومَعْناها: أنَّهم سَوَّمُوا خَيْلَهم بِعَلامَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ، ومَعْناها: أنَّها سائِمَةٌ وهي المُرْسَلَةُ في المَرْعى.
واخْتَلَفُوا في التَّسْوِيمِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ بِالصُّوفِ في نَواصِي الخَيْلِ وآذانِها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ.
الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ وعَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وهو قَوْلُ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ.
واخْتَلَفُوا في عَدَدِهِمْ فَقالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةَ آلافٍ، وقالَ غَيْرُهُ: كانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُقاتِلِ المَلائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وقادَتِهِمْ إلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، كانَ الَّذِي قُتِلَ مِنهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وسَطًا، لِأنَّ الطَّرَفَ أقْرَبُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الوَسَطِ، فاخْتَصَّ القَطْعُ بِما هو إلَيْهِمْ أقْرَبُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ ﴿ أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ ، وفِي: ( يَكْبِتَهم ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُحْزِنُهم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: الكَبْتُ: الصَّرْعُ عَلى الوَجْهِ، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الخائِبِ والآيِسِ أنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ أمَلٍ، واليَأْسُ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ أمَلٍ.
﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ في عِقابِهِمْ واسْتِصْلاحِهِمْ، وإنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم.
والثّانِي: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ فِيما تُرِيدُهُ وتَفْعَلُهُ في أصْحابِكَ وفِيهِمْ، وَإنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يَفْعَلُهُ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ في التَّوْبَةِ والِاسْتِصْلاحِ أوْ في العَذابِ والِانْتِقامِ.
والثّالِثُ: أُنْزِلَتْ عَلى سَبَبٍ لَمّا كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ .
واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْمًا قالُوا بَعْدَ كَسْرِ رَباعِيَتُهُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ نالُوا هَذا مِن نَبِيِّهِمْ، وهو حَرِيصٌ عَلى هِدايَتِهِمْ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، والحَسَنِ وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ هَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ فاسْتَأْذَنَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَكَفَّ وإنَّما لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ لِما في المَعْلُومِ مِن تَوْبَةِ بَعْضِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس، «أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال» كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟
فأنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أويعذبه فإنهم ظالمون ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقد جرح في وجهه، وأصيب بعض رباعيته وفوق حاجبه فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟
فأنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقد شج في وجهه وأصيبت رباعيته، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم فقال: «كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى الشيطان، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضلالة، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار؟
فهمَّ أن يدعو عليهم.
فأنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء عليهم» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انكشف عنه أصحابه يوم أحد، كسرت رباعيته وجرح وجهه فقال وهو يصعد على أحد «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟
فأنزل الله مكانه ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة، ان رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيبت يوم أحد، أصابها عتبة بن أبي وقاص وشجه في وجهه، فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم؟
فانزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية» .
وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية.
فنزلت هذه الآية ﴿ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ﴾ فتيب عليهم كلهم» .
وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر.
فانزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية فهداهم الله للإسلام.
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين.
اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف يجهر بذلك وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر اللهم العن فلاناً وفلاناً...
لأحياء من أحياء العرب يجهر بذلك حتى أنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ وفي لفظ اللهم العن لحيان، ورعلا، وذكوان، وعصية، عصت الله ورسوله.
ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزل قوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد والنحاس في ناسخه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن في صلاة الفجر بعد الركوع في الركعة الآخرة فقال: «اللهم العن فلاناً وفلاناً ناساً من المنافقين دعا عليهم فأنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمرشيء ﴾ الآية» .
وأخرج ابن إسحاق والنحاس في ناسخه عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنك تنهى عن السبي يقول: قد سبى العرب.
ثم تحول قفاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكشف استه فلعنه ودعا عليه.
فأنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية.
ثم أسلم الرجل فحسن إسلامه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال أهلُ المعاني (١) (٢) ، ذَكَرَ أنَّ جميع الأمر له؛ كأنه قال: الأمر ليس لك منه شيءٌ، فمن شاء عَذَّبَهُ، ومَن شاءَ غَفَرَ له.
وقوله تعالى: ﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ ولم يقل: (مَنْ)؛ لأنه ذهب به مَذْهَب الجنس، فَدَخَلَ فيه الجميع (٣) وقوله تعالى: ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ قال ابنُ عَبَّاس، في رواية عطاء (٤) (٥) ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ يريد: المشركين (٦) (٧) ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لأوليائه، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بهم.
(١) لم أقف عليهم.
(٢) ما بين المعقوفين: زيادة من (ب).
(٣) قال البقاعي: (وعُبِّر بـ (ما)؛ لأن غير العاقل أكثر، وهي به أجدر).
"نظم الدرر" 5/ 61.
(٤) لم أقف على مصدر هذه الرواية (٥) وقد أورد أبو الليث عن الضحاك مثل هذا القول: انظر: "بحر العلوم" 1/ 297.
(٦) في (ج): (للمشركين).
(٧) في (ج): (الصغير).
وفي "تفسير ابن أبي حاتم" عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة في قوله تعالى: ﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ﴾ قال: (وأما أهل الشكِّ والرَّيْب فيخبرهم بما أخفوا من تكذيب) 3/ 758.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ ﴾ الضمير للمشركين، والفور السرعة: أي من ساعتهم وقيل: المعنى من سفرهم ﴿ بِخَمْسَةِ ءالاف ﴾ بأكثر من العدد الذي يكفيكم ليزيد ذلك في قوتكم، فإن كان هذا يوم بدر، فقد قاتلت فيه الملائكة، وإن كان يوم أحد فقد شرط في قوله: إن تصبروا وتتقوا، فلما خالفوا الشرط لم تنزل الملائكة ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ بفتح الواو وكسرها أي معلمين، أو معلمين أنفسهم أو خيلهم، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء، إلاّ جبريل فإنه كانت عمامته صفراء، وقيل: كانت عمائمهم صفر، وكانت خيلهم مجزوزة الأذناب وقيل: كانوا على خيل بُلق ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ﴾ الضمير عائد على الإنزال، أو الإمداد ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ ﴾ معطوف على بشرى لأنه هذا الفعل بتأويل المصدر، وقيل: يتعلق بفعل مضمر يدل عليه جعله ﴿ لِيَقْطَعَ ﴾ يتعلق بقوله: ولقد نصركم الله أو بقوله: وما النصر ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ ﴾ جملة اعتراضية بين المعطوفين، ونزلت لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة على أحياء قبائل من العرب فترك الدعاء عليهم ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ معناه يسلمون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تبوّى المؤمنين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش والأعشى وحمزة في الوقف.
﴿ منزلين ﴾ بالتشديد وفتح الزاي: ابن عامر.
الباقون: بالتخفيف والفتح أيضاً.
﴿ مسوّمين ﴾ بكسر الواو: أبو عمرو وابن كثير وعاصم وسهل ورويس.
الباقون.
بالفتح.
الوقوف: ﴿ للقتال ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لأن "إذ" بدل من ﴿ إذ غدوت ﴾ أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ﴿ تبوىء ﴾ ﴿ أن تفشلا ﴾ (لا) لأن الواو للحال ﴿ وليهما ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج للفاء ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ط لتمام القول ﴿ بلى ﴾ (لا) لاتحاد مع ما بعده ﴿ مسوّمين ﴾ ه ﴿ قلوبكم به ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ (لا) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر ﴿ خائبين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
/ التفسير: أنه لما وعدهم النصر على الأعداء إن هم صبروا واتقوا وخلاف ذلك إن لم يصبروا، أتبعه قوله: ﴿ وإذا غدوت من أهلك ﴾ ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ يعني أنهم يوم أحد كانوا كثيرين مستعدين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين لكنهم أطاعوا أمر الرسول فغلبوا واستولوا على خصومهم.
ووجه آخر في النظر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ المنافقين بطانة.
قال أبو مسلم: هذا كلام معطوف بالواو عل قوله: ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ أي قد كان لكم مثل تلك الآية إذ غدا الرسول يبوىء المؤمنين.
والجمهور على أنه منصوب بإضمار "اذكر" وعن الحسن أن هذا الغدو كان يوم بدر.
وعن مجاهد أنه يوم الأحزاب.
وأكثر العلماء بالمغازي على أن هذه الآية نزلت في واقعة أحد.
وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحق والربيع والأصم وأبي مسلم.
"روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار رسول الله أصحابه ودعا عبد الله بن أبيّ ولم يدعه قط قبلها فاستشاره.
فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟
فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين.
وقال بعضهم: يا رسول الله اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم.
وقال : إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأوّلتها خيراً، أو رأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأوّلتها المدينة.
فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم، فقال رجال من المسلمين - قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد-: اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته.
فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، نشير على رسول الله والوحي يأتيه.
فقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت.
فقال: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل.
فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة من المدينة" .
قالوا من منزل عائشة وهو المراد بقوله: ﴿ من أهلك ﴾ عن مجاهد والواحدي "أنه مشى على رجليه إلى أحد وأصبح بالشعب منها يوم السبت للنصف من شوّال.
وجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القداح إن رأى صدراً خارجاً قال: تأخر.
وكان نزوله في جانب الوادي، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد.
وأمر عبد الله بن جبير علىالرماة وقال لهم: انضحوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا، وقال لأصحابه: اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام" .
"ثم إن رسول الله لما خالف، رأى عبد الله بن أبيّ شق عليه ذلك وقال: أطاع الصبيان وعصاني ثم قال لأصحابة: إن محمداً إنما يظفر بعدوّكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما ذكر محمد .
فلما التقى الفريقان انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أولادنا وأنفسنا.
وكان جملة عسكر الإسلام ألفاً - وقيل: تسعمائة وخمسين - فبقي نحو من سبعمائة.
وكان المشركون ثلاثة آلاف فقوّاهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين.
لكنهم لما رأوا انهزام القوم وكان الله بشرهم بذلك طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع وخالفوا أمر الرسول الله ولم يعلموا أن ظفرهم يوم بدر ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله مع عدوّهم لم يقوموا لهم.
فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكرّوا على المسلمين وتفرق العسكر عن رسول الله كما قال: ﴿ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ﴾ وشج وجه رسول الله وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد.
ووقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قتل.
فأشرف أبو سفيان وقال: أفي القوم محمد؟
فقال النبي : لا تجيبوه.
فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟
فقال: لا تجيبوه؟
قال: أفي القوم ابن الخطاب؟
فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا.
فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوّ الله.
أبقى الله لك ما يخزيك.
فقال أبو سفيان مرتجزاً: أعل هبل أعل هبل.
فقال النبي : أجيبوه.
فقالوا: ما نقول؟
قال: قولوا: الله أعلى وأجل.
قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال : أجيبوه.
قالوا: ما نقول؟
قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال.
فقال رسول الله : أجيبوه.
قالوا: ما نقول؟
قال: قولوا لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" .
ولنرجع إلى التفسير بوّأته منزلاً وبوّأت له منزلاً أنزلته فيه.
ومقاعد أي مواطن ومواقف، وقد اتتسع في "قعد" و"قام" حتى استعمل المقعد والمقام في المكان ومنه قوله تعالى: ﴿ في مقعد صدق ﴾ وقوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ أي من موضع حكمك.
ويحتمل أنه لما أمرهم أن يثبتوا في تلك الأمكنة ولا ينتقلوا عنها شبهت بالمقاعد لذلك، ويحتمل أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدوّ فيقوموا فلهذا سميت تلك المواضع مقاعد ﴿ والله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم ونياتكم فإنا بينا أنه كان في القوم موافق ومنافق ﴿ إذ همت طائفتان منكم ﴾ هما / حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان.
﴿ أن تفشلا ﴾ والفشل الجبن والخور.
والظاهر أنها ما كانت عزيمة ممضاة ولكنها كانت حديث نفس وقلما تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع.
فإن ساعدها صاحبها ذم وإن ردها إلى الثبات والصبر فلا بأس بما فعل.
وعن معاوية أنه قال: عليكم بحفظ الشعر فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين فما ثبتني إلاّ قوم عمرو بن الأطنابة: أقول لها إذا جشأت وجاشت *** مكانك تحمدي أو تستريحي ومما يدل على أن ذلك الهمّ لم يفض إلى حد العصيان قوله : ﴿ والله وليهما ﴾ ولو كانت عزيمة لما ثبت معها الولاية.
ويجوز أن يراد والله ناصرهما ومتولي أمرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ والتوكل "تفعل" من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد في كفايته عليه ولم يتوله بنفسه.
وفيه إشارة إلى أن الإنسان يجب أن يدفع ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك.
عن جابر: "فينا نزلت ﴿ إذ همت طائفتان ﴾ نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة.
وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله ﴿ والله وليهما ﴾ " أخرجاه في الصحيحين.
ومع ذلك قال بعض العلماء: إن الله أبهم ذكرهما وستر عليهما ولا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر.
﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ وإنه ماء بين مكة والمدينة.
عن الواقدي أنه اسم لماء بعينه.
وعن الشعبي أنه سمي باسم رجل كان ذلك الماء له ﴿ وأنتم أذلة ﴾ إنما جاء بجمع القلة دون الأذلاء الذي هو للكثرة ليدل على أنهم مع قلة العدد - وهو المراد بذلتهم - كانوا قليلي العدد أيضاً كما مر في تفسير قوله: ﴿ قد كان لكم آية ﴾ ولم يعن بالذلة ههنا نقيض العزة لقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ أو لعل المراد أنهم كانوا أذلة في عزم المشركين وفي اعتقادهم لقلة عددهم وسلاحهم كما حكى عنهم "ليخرجن الأعز منها الأذل" أو لعل الصحابة كانوا قد شاهدوا الكفار في مكة في غاية القوة والشوكة، وإلى هذا الوقت ما اتفق لهم استيلاء على أولئك الكفار فكانت هيبتهم باقية في نفوسهم ﴿ فاتقوا الله ﴾ وفي الثبات مع رسوله ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ بسبب تقواكم ما أنعم به عليكم من نصره.
أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر فيكون العامل في "إذ" قوله: ﴿ نصركم ﴾ أو حصل يوم أحد فيكون بدلاً ثانياً من ﴿ إذا غدوت ﴾ والأول قول أكثر المفسرين لأن الكلام متصل بقصة بدر، ولأن العدد والعُدَدَ يوم بدر أقل وكان الاحتياج إلى المدد أكثر.
والثاني مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحق، لأن المدد / يوم بدر كان بألف من الملائكة لقوله في سورة الأنفال ﴿ فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ﴾ دون ثلاثة آلاف وخمسة آلاف فأنى صاروا خمسة الاف؛ وأجيب بأنهم أمدوا بألف ثم زيد ألفان ثم زيد فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زيدت ألفان آخران فصاروا خمسة آلاف.
فكأنه قيل لهم: ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة؟
فقالوا: بلى ثم قيل: ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف؟
فقالوا: بلى.
ثم قيل لهم: إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف.
وهو كما روي أنه قال لأصحابه: " أيسركم أن تكونوا ربع أهل الجنة؟
قالوا: نعم.
قال: أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟
قالوا: نعم.
قال: فإني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" وأيضاً لعل أهل بدر أمدوا بألف، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير فخافوا وشق ذلك عليهم لقلة عددهم فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة.
ثم إنه لم يأت قريشاً ذلك المدد بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة على الألف.
قالوا: إن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً والمسلمون على الثلث منهم فأنزل الله ألفاً من الملائكة بعدد الكفار، وأما يوم أحد فكان عدد المسلمين ألفاً وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فلا جرم أنزل الله ثلاثة آلاف من الملائكة بعدد الكفار أيضاً، ثم وعدهم أن يجعل الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا واتقوا.
وأجيب بأن هذا تقريب حسن ولكنه لا يغلب على الظن أن يكون الأمر كذلك.
قالوا: قال : ﴿ ويأتوكم من فورهم ﴾ ويوم أحد هو الذي كان يأتيهم الأعداء، أما يوم بدر فهم ذهبوا إلى الأعداء.
وأجيب بأن المشركين لما سمعوا يوم بدر أن الرسول وأصحابه قد تعرضوا للعير، ثار الغضب في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي .
ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله أنهم إن أتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف.
ثم قالوا في وجه النظم إنه ذكر قصة أحد ثم قال: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ أي يجب أن يكون توكلكم على الله لا على كثرة عددكم وعُدَدِكم ﴿ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ﴾ ثم عاد إلى قصة أحد.
ثم إنزال خمسة آلاف كان مشروطاً بشرط أن يصبروا ويتقوا.
ثم إنهم لم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا بل خالفوا أمر الرسول، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط.
وأما إنزال ثلاثة آلاف فإنه وعدهم ذلك بشرط أن يثبتوا في تلك المقاعد، فلما أهملوا الشرط لم يحصل المشروط.
روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أحد ولكنهم لم يقاتلوا.
وروي عن / رسول الله أنه أعطى اللواء مصعب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب فقال رسول الله : تقدم يا مصعب.
فقال الملك: لست بمصعب.
فعرف الرسول أنه ملك أمد به.
وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذٍ فيرده عليّ رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه، فظننت أنه ملك.
هذا حاصل تقرير القولين.
واختلفوا أيضاً في عدد الملائكة فمنهم من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد لأن الوعد بإمداد الثلاثة الآلاف لا شرط فيه، والوعد بإمداد خمسة الآلاف مشروط بالصبر والتقوى ومجيء الكفار من فورهم فهما متغايران وعلى هذا إن حملنا الآية على قصة بدر وقد ورد فيها ذكر الألف في موضع آخر فيكون المجموع تسعة آلاف، وإن حملناها على قصة أحد كان الجميع ثمانية آلاف.
ومنهم من أدخل الناقص في الزائد فقال: وعدوا بألف ثم زيد ألفان فصح أن يقال: وعدوا بثلاثة آلاف.
ثم زيد ألفان آخران فوعدوا بخمسة آلاف.
وأجمع أهل التفسير وأرباب السير أنه أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار.
وعن ابن عباس أنه لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر، وفيما سواه كانوا عدداً ومدداً لا يقاتلون ولا يضربون.
ومنهم من قال: إن نصر الملائكة بإلقاء الرعب في قلوب الكفار وبإشعار المؤمنين بأن النصرة لهم.
وأما أبو بكر الأصم فقد أنكر إمداد الملائكة وقال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط، فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار، وبتقدير حضوره فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟
وأيضاً فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم.
وأيضاً لو قاتلوا فإما أن يكون بحيث يراهم الناس أولاً، وعلى الأول كان المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك، ولأنه خلاف قوله ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ألبتة.
وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزيق البطون وإسقاط الكفار عن الأفراس من غير مشاهدة فاعل لهذه الأفعال ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والموافق والمخالف.
وأيضاً إنهم لو كانوا أجساماً كثيفة وجب أن يراهم الكل، وإن كانوا أجساماً لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخبول؟
واعلم أن هذه الشبة لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة وبمن يدعي التمسك بها ويعترف بأنه قادر على ما يشاء فاعل لما يريد، فما كان يليق بالأصم إيرادها مع أن نص القرآن ناطق بها وورودها في الإخبار قريب من التواتر.
روى عبيد بن عمير قال: "لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ويقولون: لم نر الخيل البلق ولا الرجال / البيض الذين كنا نراهم يوم بدر" .
والتحقيق في هذا المقام أن التكليف ينافي الإلجاء، وأنه قادر على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملك واحد بل بأدنى من ذلك أو بلا سبب، وكذا على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم عليه، لكنه لما أراد إشادة هذا الدين على مهل وتدريج بواسطة الدعوة بطريق الابتلاء والتكليف، فلا جرم أجرى الأمور على ما أجرى فله الحمد على ما أولى، وله الحكم في الآخرة والأولى.
والحاصل أن إهلاك قوم لوط كان بعد انقضاء تكليفهم وهو حين نزول البأس، فلا جرم أظهر القدرة وجعل عاليها سافلها، وفي حرب أحد كان الزمان زمان تكليف، فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز الموافق من المنافق، والثابت من المضطرب، فإنه لو جرى الأمر في أحد كما جرى في بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب والعقاب به، ولمثل ذلك أمد بالملائكة حين أمد على عادة الإمداد بالعساكر وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك كثير من الناس فاعلم.
ولنعد إلى تفسير الألفاظ.
قال صاحب الكشاف: إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة ليقوي قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله.
ومعنى ﴿ ألن يكفيكم ﴾ إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء بـ "لن" الذي هو تأكيد النقي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم كالآيسين من النصر.
ومعنى الكفاية سد الخلة والقيام بما يجب، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال.
قال بعضهم: ما كان على جهة القوة والإعانة.
قيل فيه: أمده يمده.
وما كان على جهة الزيادة قيل فيه: مده يمده.
وقرىء ﴿ منزلين ﴾ بكسر الزاي بمعنى منزلين النصر.
﴿ بلى ﴾ إيجاب لما بعد "لن" أي بلى يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية.
ثم قال: ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ يعني المشركين ﴿ من فورهم هذا ﴾ أي من ساعتهم هذه.
والفور مصدر من فارت القدر إذا غلت، ثم استعمل في معنى السرعة.
يقال: جاء فلان ورجع من فوره.
ومنه قول الأصوليين الأمور للفور أو للتراخي.
ثم سميت به الحالة التي لا توقف فيها على صاحبها فقيل: خرج من فوره كما يقال من ساعته لم يلبث.
جعل مجيء خمسة آلاف مشروطاً بثلاثة أشياء: الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور.
فلما لم توجد هذه الشرائط بكلها أو بجلها فلا جرم لم يوجد المشروط.
ويحتمل أن يعلق قوله: ﴿ من فورهم هذا ﴾ بما بعده أي يمددكم ربكم بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر النزول عن الإتيان.
وفيه بشارة بتعجيل النصر والفتح إن صبروا عن الغنائم واتقوا مخالفة الرسول.
وقوله: ﴿ مسومين ﴾ من السومة العلامة، وقد يعلم الفارس يوم اللقاء بعلامة ليعرف بها.
فمن قرأ بكسر الواو فمعناه معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة، ومن قرأ بالفتح فالمعنى أن الله سوّمهم.
قال / الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم.
وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيول وأذنابها.
وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم.
وعن قتادة: كانوا على خيل بلق.
وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك.
وعن رسول الله أنه قال لأصحابه يوم بدر: تسوموا فإن الملائكة قد تسوّمت.
وقيل: مسومين مرسلين من أسمت الإبل وسوّمتها أرسلتها للرعي.
فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيولهم على الكفار لقتلهم وأسرهم، أو أن الله أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات في المراعي.
﴿ وما جعله الله ﴾ الضمير عائد إلى المدد أو الإمداد الدال عليه الفعل.
وقال الزجاج: وما جعل الله ذكر المدد إلا بشرى وهي اسم من البشارة أي إلا لتبشروا بأنكم تنصرون ﴿ ولتطمئن قلوبكم به ﴾ كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم.
﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ لا من المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة.
ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة ويربط به على قلوب المجاهدين.
وفيه تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسببها.
وقوله: ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى كمال قدرته و ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى كمال علمه فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن أنجاحها ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ أي طائفة وقطعة من الذين كفروا.
وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف دون الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف كما قال: ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ﴾ ﴿ أو يكبتهم ﴾ الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه.
وفسره الأئمة ههنا بالإخزاء والإهلاك واللعن والهزيمة والغيظ والإذلال والكل متقارب ﴿ فينقلبوا خائبين ﴾ غير ظافرين بمبتغاهم قيل: الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع ونقيضه الظفر.
وأما الياس فقد يكون قبل التوقع وبعده.
ونقيضه الرجاء، واللام في ﴿ ليقطع ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد نصركم ﴾ أو بقوله ﴿ وما النصر ﴾ ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ ولتطمئن ﴾ ولكنه ذكر بغير العاطف لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف كما يقول السيد لعبده: اشتريتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي.
قوله عز من قائل: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ فيه قولان: أحدهما وهو الأشهر أنه نزل في قصة أحد عن أنس بن مالك قال: "كسرت رباعية رسول الله يوم أحد ودمي وجهه فجعل يسيل الدم على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟" وفي رواية: "شج رأسه عتبة بن أبي وقاص يوم أحد وكسر رباعيته / فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول الحديث فنزلت" .
وفي رواية عن ابن عمر أن النبي لعن أقواماً فقال : " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية.
وفيها ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ فتاب الله على هؤلاء فحس إسلامهم.
وقيل نزلت في حمزة بن عبد المطلب.
وذلك أنه لما رآه ورأى ما فعلوه به من المثلة قال: لأمثلن منهم بثلاثين فنزلت، وقيل: أراد يعلن المسلمين الذين خالفوه أمره والذين انهزموا فمنعه الله عن ذلك.
مروى عن ابن عباس، وقيل: أراد أن يستغفر للمسلمين الذين عصوا أمره فنزلت.
وقال القفال: كل هذه الأمور وقعت يوم أحد فلا يمتنع حمل نزول الآية في الكل.
القول الثاني: وإليه ذهب مقاتل أنها نزلت في واقعة أخرى وهي "أن النبي بعث جمعاً من خيار الصحابة زهاء سبعين إلى بني عامر ليعلموهم القرآن.
فلما وصلوا إلى موضع يقال له بئر معونة، ذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره وأخذهم وقتلهم.
فجزع من ذلك رسول الله شديداً ودعا على الكفار في القنوت أربعين يوماً يقول بعد ما يرفع رأسه من الركعة الثانية في الصبح: اللهم العن بني لحيان والعن رعلاً وذكوان.
اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمسضعفين بمكة.
اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف حتى أنزل الله عز وجل ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ " ولا يخفى أن ظاهر الآية يدل على أنه كان يفعل فعلاً فمنع منه، وحينئذٍ يتوجه الإشكال بأن فعل ذلك الفعل إن كان من الله فكيف منعه منه وإلا فهو قدح في عصمته ومناف لقوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ والجواب أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع مشتغل به كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ مع أنه ما أطاعهم وقوله: ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ مع أنه ما أشرك قط.
ولعله شاهد من قتل حمزة وغيره ما أورثه حزناً شديداً، وكان من الممكن أن يحمله على ما لا ينبغي من الفعل والقول، فنص الله على المنع تقوية لعصمته وتأكيداً لطهارته.
ولئن سلمنا أنه كان مشغولاً بذلك الفعل والقول فإنه محمول على ترك الأولى، والنهي إرشاد إلى اختيار الأفضل وأيضاً إن دعاء النبي لا يكون بمجرد التشهي وإنما هو بطلب الأصلح فالذي يظن به خلاف مسؤوله وقد وقع فهو بالحقيقة سؤاله ، ولهذا سأل الله أن يجعل لعنه على من لا يستحقه طهراً وزكاة ورحمة والله أعلم.
وقوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء، فإني أعلم بمصالح عبادي، أو المراد الأمر الذي هو خلاف النهي أي ليس لك من / أمر خلقي شيء إلا ما يكون أمري وحكمي.
وقوله: ﴿ أو يتوب ﴾ منصوب بإضمار "أن".
و"أن يتوب" في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم.
ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ شيء ﴾ والحاصل منع رسول الله من كل فعل أو قول إلا ما كان بإذنه وأمره.
وفيه إرشاد إلى كمال درجات العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار ملكه وملكوته.
وعن الفراء والزجاج أن قوله: ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ عطف على ﴿ ليقطع ﴾ وما بعده.
وقوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقول: ضربت زيداً فاعلم ذاك وعمراً.
فيكون المعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر.
وقيل: "أو" بمعنى "إلا أن" كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي.
والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم.
ثم التوبة عليهم مفسرة عند أهل السنة بخلق الندم فيه على ما مضى، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل.
وأكدوا هذا الظاهر ببرهان عقلي وهو أن الندم كراهة تحصل في القلب عما سلف منه، والعزم إرادة تتعلق بترك ذلك الفعل فيما يستقبل.
فلو كانت هذه الإرادة فعل العبد لافتقر في فعلها إلى إرادة أخرى وتسلسل، فهو إذن بخلق الله .
وأما المعتزلة ففسروا التوبة عليهم إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة منهم.
وقوله: ﴿ فإنهم ظالمون ﴾ تعليل حسن التعذيب بسبب شركهم أو عصيانهم.
ثم أكد ما ذكر من قوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ أي هما والحقائق والماهيات التي فيهما لله، فليس الحكم فيهما إلا له.
ثم ذكر لازم الملك والحكم فقال: ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ بعميم فضله وإن كان من الأبالسة والفراعنة ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ بحكم الإلهية والقدرة وإن كان من الملائكة المقربين والصديقين وكل ذلك يحسن منه شرعاً وعقلاً وإلا لم يحصل لكمال الملك والحكم إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب، ولهذا ختم الكلام بقوله: ﴿ والله غفور رحيم ﴾ هذا قول الأشاعرة ويؤكده ما يروى عن ابن عباس في تفسير الآية: يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير, وأيدوا هذا النقل بدليل عقلي يشبه ما مر آنفاً، وهو أن الإرادات كلها تستند إلى الله دفعاً للتسلسل.
فإذا خلق الله إرادة الطاعة أطاع، وإذا خلق إرادة المعصية عصى.
فطاعة العبد أو معصيته تنتهي إلى الله، وفعل الله لا يوجب على الله شيئاً.
أما المعتزلة فناقشوا في ذلك ورووا عن الحسن: يغفر لمن يشاء بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين، ويعذب من يشاء ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب.
والحق / أن العذاب لازم ملكة العصيان، وكذا القرب منه لازم ملكة الطاعة.
فإن أريد بالوجوب هذا فلا نزاع، وإن أريد غير ذلك فممنوع والله أعلم.
التأويل: أخبر عن النصر بعد الصبر بقوله: ﴿ وإذا غدوت ﴾ وهو إشارة إلى جوهر السالك الصادق والسائر العاشق، وذلك أن يغدو في طلب الحق والرجوع إلى المبدأ من أصله أي صفات نفسه الحيوانية والبهيمية ﴿ تبوىء المؤمنين ﴾ أي صفاتك الروحانية مقاعد لقتال النفس والشيطان والدنيا ﴿ والله سميع ﴾ لدعائكم بالإخلاص للخلاص عن ورطة تيه الهوى ﴿ عليم ﴾ بصدق نياتكم في طلب الحق.
﴿ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ﴾ يعني القلب وأوصافه والروح وأخلاقه ﴿ والله وليهما ﴾ ليخرجهما من ظلمات البشرية إلى نور الربوبية ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ الدنيا ﴿ وأنتم أذلة ﴾ من غلبات شهوات النفس ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ فيه إشارة إلى أن نور النبي يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقاتلة الشياطين ومجاهدة النفس ومكابدة الهوى في الركون إلى زخارف الدنيا.
وثلاثة آلاف من الملائكة إشارة إلى الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس كقوله: ﴿ وأنزل جنوداً لم تروها ﴾ ﴿ بلى إن تصبروا ﴾ على مخالفة النفس وتثقوا بالله عما سواه يزدكم في الإمداد بالجنود ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ ليقهر بعضاً من الصفات النفسانية التي هي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته ﴿ أو يكبتهم ﴾ أو يغلبهم ويظفر بهم ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ يعز بحكمته من يشاء على ما يشاء والله المستعان على ما تصفون.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية.
قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ : إنما أنت عبد مأمور؛ فليس لك من الأمر؛ إنما ذلك إلى الواحد القهار، الذي لا شريك له ولا ندّ؛ كقوله: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ...
﴾ الآية.
فيه: إنه كان من النبي معنى قولاً وفعلاً، حتى ترك قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ ، ولكنا لا نعلم ذلك المعنى، غير أنه قيل في بعض القصّة: "إن النبي شج يوم أحد في وجهه، وكسرت رباعيته، فدعا عليهم؛ فنزل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ " .
وقيل: "إن سرية من [أصحاب رسول الله ] خروجوا إلى قتال المشركين يقاتلونهم حتى قتلوا جميعاً، فشق على النبي وأصحابه بقتلهم، فدعا عليهم باللعنة - يعني: على المشركين - أربعين يوماً في صلاة الغداة؛ فنزل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ " .
وعن ابن عمر - [ - أنه] قال: قال النبي يوم أحد: "اللَّهُمَّ الْعَنْ أَبَا سُفْيان، اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلاناً، حتى لعن نفراً منهم فنزل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ...
﴾ الآية" .
وقيل: "إن نفراً من المسلمين انهزموا، فشق ذلك على رسول الله ، فنزل: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ ، فأمره بكف الدعاء عنهم، والله أعلم بالقصّة في ذلك.
وقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ : فإن كانت القصة في الكفار فكأنه طلب التوبة والهدى، وأفرط في الشفقة فقال: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ فيهديهم لدينه، ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ على كفرهم؛ ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .
فإن كان في المؤمنين فقوله: ﴿ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ عن ذنبهم الذي ارتكبوا، ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ بنذبهم، ولا يعفو عنهم، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية.
فيه دلالة ما ذكرنا في قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ إنما الأمر إلى الله، الذي له ما في السماوات وما في الأرض، هو الذي يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء.
وفي قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ جواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - عمل بالاجتهاد لا بالأمر، حتى منع عنه، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ يحتمل أن يكون على أثر أمر مما جبل عليه البشر ما رأى في ذلك صلاح الخلق، ومما عليه التدبير بحيث الإطلاق فقيل هذا، وإن كان على ما رأيت فليس لك من أمر هذا شيء، وإنما الذي إليك الصفح عن ذلك والإعراض، والله أعلم ما كان.
ويحتمل أن يكون يبتدئ القول به من غير أن يسبق منه ما يعاتب عليه أو يمنع منه؛ ليكون - أبداً - مُتَقبلا الإذن له في كل شيء والأمر، ولا يطمع نفسه في شيء لم يسبق له البشارة به، على أن النهي والوعيد أمران جائزان، وإن كان قد عصم عن ركوب المنهي، ووجوب الوعيد؛ إذ هناك تظهر رتبة العصمة، ولا قوة إلا بالله.
والظاهر أن يكون على إثر أمر استعجل ذلك من: دعاء الإهلاك أو الهداية لقبول الحق والخضوع له؛ فيقول: ليس لك شيء من ذلك في أحد على الإشارة إليه، إنما ذلك إلى الله، يصنع فيهم ما عنده من الثواب أو التعذيب، على قدر ما يعلم من إقبالهم على الطاعة له أو نفاذهم عنها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولله ما في السماوات وما في الأرض خَلْقًا وتدبيرًا، يغفر الذنوب لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعد الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.yAvzO"
إن هذه الآيات وعشرات بعدها نزلت في شأن غزوة أحد، ويتوقف فهمها على الوقوف على قصة تلك الغزوة ولو إجمالًا فوجب لذلك أن نأتي قبل تفسيرها بما يعين على فهمها ويبين له مواقع تلك الأخبار وما فيها من الحكم والأحكام فنقول: لما خذل الله المشركين في غزوة بدر ورجع فلهم إلى مكة مقهورين موتورين نذر أبو سفيان بن حرب أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا فخرج في مائة رجل من قريش حتى أتى بني النضير ليلًا، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي سيد بني النضير وصاحب كنزهم فسقاه الخمر وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقبة ليلته وأرسل أصحابه إلى ناحية من المدينة يقال لها العريض فقطعوا وحرقوا صورًا من النخل ورأوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له فقتلوهما ونذر به رسول الله ، فخرج في طلبهم فلم يدركهم لأنهم فروا وألقوا سويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به فسميت غزوة السويق وكانت بعد بدر بشهرين، وإنما ذكرناها قبل ذكر أحد ليعلم القارئ أن العدوان من المشركين على المسلمين كان متصلًا متلاحقًا.
ولما رجع أبو سفيان إلى مكة أخذ يؤلب على رسول الله والمسلمين وكان بعد قتل صناديد قريش في بدر هو السيد الرئيس فيهم، لذلك كلمه في أمر المسلمين الموتورون من عظماء قريش كعبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ليبذل مال العير التي كان جاء بها من الشام في أخذ الثأر فرضي هو وأصحاب العير بذلك، وكان مال العير كما في السيرة الحلبية خمسين ألف دينار ربحت مثلها فبذلوا الربح في هذه الحرب فاجتمعت قريش للحرب حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب وخرجت بحدها وجدها وأحابيشها، ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة فكانوا نحو ثلاثة آلاف وأخذوا معهم نساءهم التماس الحفيظة وأن لا يفروا فإن الفرار بالنساء عسر والفرار دونهن عار، وكان مع أبي سفيان وهو القائد زوجه هند ابنة عتبة فكانت تحرض الغلام وحشيًا الحبشي الذي أرسله مولاه جبير بن مطعم ليقتل حمزة عم النبي بعمه طعمة بن عدي الذي قتل ببدر وقد علق عتقه على قتله وكان هذا الحبشي ماهرًا في الرمي بالحربة على بعد قلما يخطئ فكانت هند كلما رأته في الجيش تقول له" ويها أبا دسمة اشف واشتف"، تخاطبه بالتكنية تكريمًا له، وذكر الحلبي أنهم ساروا أيضًا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور.
نزل أبو سفيان بجيشه قريبًا من أحد في مكان يقال له "عينين" على شفير الوادي مقابل المدينة وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة فلما علم رسول الله بذلك استشار أصحابه كعادته أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأيه هو أن يتحصنوا بالمدينة فإن دخلها العدو عليهم قاتلوه على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت ووافقه على هذا الرأي أكابر المهاجرين والأنصار كما في السيرة الحلبية وعبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، وأشار عليه جماعة من الصحابة أكثرهم من الأحداث وممن كان فاتهم الخروج يوم بدر بأن يخرج إليهم رغبتهم في القتال فما زالوا يلحون على رسول الله حتى دخل فلبس لأمته بعد صلاة الجمعة وكان قد أوصاهم في خطبتها ووعدهم بأن لهم النصر ما صبروا، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله ولم يكن لنا ذلك وقالوا له قد استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال: "ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه"، أي لما في فسخ العزيمة بعد إحكامها وتوثيقها من الضعف ومبادئ الفشل وسوء الأسوة.
وفي سحر يوم السبت خرج بألف من أصحابه واستعمل بالمدينة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى على الصلاة بمن بقي فيها.
فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انعزل عنه عبد الله بن أُبي بن سلول بنحو ثلث العسكر (وهم ٣٠٠) وقال: أطاعهم وعصاني -وفي رواية أطاع الولدان زمن لا رأي له- فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس.
فرجع بمن اتبعه من قومه أهل النفاق والريب فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا.
قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ولكن نرى أنه لا يكون قتال.
وقد كان المسلمون نحو ثلث المشركين الذين خرجوا إليهم فأمسوا وقد ذهب من الثلث نحو ثلثه.
وهمت بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج أن تفشلا فعصمهما الله تعالى.
وقد كان خروج المنافقين منهم خيرًا لهم كما قال تعالى في مثل ذلك يوم تبوك ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ﴾ الآية وإنما ارتأى عبد الله بن أُبي عدم الخروج ليكتفي أمر القتال أو خطره حرصًا على الحياة وإيثارًا لها على إعلاء كلمة الله فكان على موافقته للرسول في الرأي مخالفًا له في سببه وعلته، فالرسول كان يراعي في جميع حروبه التي كانت كلها دفاعًا قاعدة ارتكاب أخف الضررين وأبعد الأمرين عن العدوان رحمة بالناس وإيثارًا للسلام.
وتعزز رأيه المبني على هذه السنة برؤيا رآها قبل ذلك وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
رأى أن في سيفه ثلمة ورأى أن بقرًا تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته فكان ذلك الرجل حمزة عمه -وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون وتأول الدرع بالمدينة.
ولكنه على هذا كله عمل برأي الجمهور من أصحابه.
إقامة لقاعدة الشورى التي أمره الله بها وهو لم يخالف بذلك قاعدة ارتكاب أخف الضررين بل جرى عليها لأن مخالفة رأي الجمهور ولو إلى خير الأمرين هضم لحق الجماعة وإخلال بأمر الشورى التي هي أساس الخير كله.
وإنما يكون المكث في المدينة خيرًا من الخروج إلى العدو في أحد لو لم يكن مخلًا بقاعدة الشورى كما هو ظاهر، فكيف ترك المسلمون هذا الهدى النبوي الأعلى ورضوا بأن يكون ملوكهم وأمراؤهم مستبدين بالأحكام والمصالح العامة يديرون دولابها بأهوائهم التي لا تتفق مع الدين ولا مع العقل؟؟
وسأل قوم من الأنصار النبي أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى وكان في الحقيقة ضلع اليهود مع المشركين، ولم يكونوا في عهودهم بموفين.
ومضى النبي بأصحابه حتى مر بهم في حرة بني حارثة وقال لهم "من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (قرب) لا يمر بنا عليهم؟" قال أبو خثيمة أخو بني حارثة ابن الحارث: أنا يا رسول الله.
فنفذ به في حرة قومه بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر.
فلما سمع حس رسول الله وأصحابه قام يحثو في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فلا أحل لك أن تدخل حائطي.
قال ابن هشام: وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: والله لو أني أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك.
فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله : "لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر".
وفي هذه المسألة من علم النبي بفن الحرب الإرشاد إلى اختيار أقرب الطرق إلى العدو وأخفاها عنه وذلك يتوقف على العلم بخرت الأرض الذي يعرف اليوم بعلم الجغرافية وإباحة المرور في ملك الناس عند الحاجة إلى ذلك لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
وفيها من رحمته أنه لم يأذن بقتل ذلك المنافق المجاهر بعدائه بل رحمه وعذره ولم تكن المصلحة العامة تتوقف على قتله.
ولم تكن العرب قبل الإسلام تراعي هذه الدقة في حفظ الدماء بل قلما تراعيه أمة من الأمم في زمن الحرب.
ومضى رسول الله حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: "لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال" وفي ذلك من إحكام الحرب أن الرئيس هو الذي يفتحها وما كانت العرب تراعي ذلك دائمًا لا سيما إذا حدث ما يثير حميتهم وقد امتثلوا الأمر على استشراف ولذلك قال بعض الأنصار وقد رأى قريشًا قد سرحت الظهر والكراع في زروع للمسلمين: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟
وفيه من الفوائد ما لا محل لشرحه هنا.
فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبعمائة فيهم خمسون فارسًا وظاهر بين درعين - أي لبس درعًا فوق درع - واستعمل على الرماة وكانوا خمسين عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض وقال: "انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك" ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بين العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو.
ثم استعرض الشبان يومئذ فرد من استصغره عن القتال وهم ١٧ وأجاز أفرادًا من أبناء الخامسة عشرة قيل لسنهم وقيل لبنيتهم وطاقتهم ولعله الصواب فإنه كان قد رد سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة فقيل له يا رسول الله إن رافعًا رام فأجازه فقيل له فإن سمرة يصرع رافعًا.
فأجازه وروي أنهما تصارعا أمامه.
ورد عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة إذ كانوا يطيقون القتال في هذه السن كما هو الغالب في العرب يومئذ.
وتعبت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل معهم مئتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وابتدأت الحرب بالمبارزة.
ولما اشتبك القتال والتقى الناس بعضهم ببعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضهن، فقالت هند فيما يقول: ويهًا بني عبد الدار * ويهًا حماة الأدبار * ضربًا بكل بتار * إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق.
وروي أن النبي كان يقول عند سماع نشيد النساء: "اللهم بك أحول وبك أصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل".
وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر عبد بن عمرو بن صيفي وكان رأس الأوس في الجاهلية فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر رسول الله بالعداوة، وخرج من المدينة إلى مكة يؤلب قريشًا على قتاله ويزعم أن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه، وكان يسمى الراهب فسماه النبي بالفاسق.
ولما برز نادى قومه وتعرف إليهم فقالوا له: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق.
فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر.
وقاتل قتالًا شديدًا.
وقد كان الظفر للمسلمين في المبارزة ثم في الملاحمة وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري الذي أعطاه النبي سيفه وحمزة أسد الله وأسد رسوله وعلي بن أبي طالب والنضر بن أنس وسعد بن الربيع وغيرهم بلاء عظيمًا حتى انهزم المشركون وولوا مدبرين.
وروي أن حمزة قتل ٣١ مشركًا.
لما انهزم المشركون وولوا إلى نسائهم مدبرين ورأى الرماة من المسلمين هزيمتهم ترك الرماة مركزهم الذي أمرهم رسول الله بحفظه وأن لا يدعوه سواء كان الظفر للمسلمين أو عليهم "وإن رأوا الطير تتخطف العسكر" لئلا يكر عليهم المشركون ويأتوهم من ورائهم وهو ما يعبر عنه في الاصطلاح العسكري بخط الرجعة.
وقالوا: يا قوم الغنيمة الغنيمة.
فذكرهم أميرهم عهد رسول الله فلم يرجعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر.
فلما رأى الفرسان المشركين الثغر خاليًا قد خلا من الرماة كروا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين وأبلوا فيهم حتى خلصوا إلى رسول الله فجرحوا وجهه الشريف وكسروا رباعيته اليمنى من ثناياه السفلى وهشموا البيضة التي على رأسه ودثوه بالحجارة حتى وقع لشقه وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين فأخد علي بيده واحتضنه طلحة بن عبيد الله.
وكان الذي تولى أذاه عمر بن قمئة وعتبة ابن وقاص.
وقتل مصعب بن عمير بين يديه فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة ابن الجراح عض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وطمع فيه المشركون فأدركوه يريدون منه ما الله عاصم إياه منهم بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾ وحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، وترس عليه أبو دجانة بنفسه فكان يقع النبل على ظهره وهو لا يتحرك حتى كثر فيه، ودافع عنه أيضًا بعض النساء اللواتي شهدن القتال.
وقد انتهت الحرب بصرف الله المشركين عما كانوا يريدون من استئصال المسلمين فإن المسلمين كانوا أولًا هم الغالبين بحسن تدبير الرسول والصبر والثبات وتمحض القصد إلى الدفاع عن دين الله وأهله فلما أخرجهم الظفر عن التزام طاعة رسولهم وقائدهم ودب إلى قلوب فريق منهم الطمع في الغنيمة فشلوا وتنازعوا في الأمر كما سيأتي في تفسير قوله ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ وزادهم فشلًا إشاعة قتل الرسول حتى فر كثيرون إلى المدينة منهم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ولكنهم استحيوا من دخولها فرجعوا بعد ثلاث.
واختلط الأمر على كثير ممن ثبت ولما جاءهم خالد بالفرسان من ورائهم صار يضرب بعضهم بعضًا على غير هدى فمنهم الذين استبسلوا وأرادوا أن يموتوا على ما مات عليه رسول الله ومنهم الذين كانوا معه يفدونه بأنفسهم ويتلقون السهام والسيوف دونه حتى كان يعز عليهم أن يروه ناظرًا إلى جهة المشركين لئلا يصيبه سهم فكان أبو طلحة الذي تقدم ذكر نضاله عنه يقول له: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تنظر يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك، ولما علم سائر المسلمين ببقاء رسول الله نفخت فيهم روح جديدة من القوة فاجتمع أمرهم حتى يئس المشركون منهم وصرفهم الله عنهم كما صرح به القرآن العزيز فيما يأتي.
فهذا ما كان من حرب الثلاثة آلاف من المشركين للسبعمائة من المسلمين.
ولما انكفأ المشركون راجعين ظن المسلمون أنهم يريدون المدينة فقال النبي لعلي: "أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدنية، فوالذي نفس محمد بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأنجزنهم فيها" فرآهم علي قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا مكة.
ولما عزموا على الرجوع أشرف أبو سفيان على المسلمين وناداهم: موعدكم الموسم ببدر.
فقال النبي : "قولوا نعم قد فعلنا".
ولما كان المشركون في الطريق تلاوموا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم وتركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.
فبلغ ذلك النبي فنادى الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال: "لا يخرج معنا إلا من شهد القتال" فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف وقالوا: "سمعًا وطاعة" وذلك من خوارق قوة الإيمان وآياته الكبرى فإن هؤلاء المستجيبين كان قد برح بهم التعب والجراح تبريحًا.
فسار بهم حتى بلغوا "حمراء الأسد".
وأقبل معبد الخزاعي إلى رسول الله فأسلم فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله فلحقه بالروحاء، فقال ما وراءك يا معبد؟
فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم.
فقال: ما تقول؟
قال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول جيش من وراء هذه الأكمة.
فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم.
قال: فلا تفعل فإني لك ناصح.
فرجعوا على أعقابهم إلى مكة.
ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تبلغ محمدًا رسالة وأوقر لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟
قال: نعم.
قال: أبلغ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه.
فلما بلغ النبي والمؤمنين قوله قولوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل".
ولما رجعوا قال المنافقون فيمن قتل لو كانوا أطاعونا ولم يخرجوا لما قتلوا.
وجه اتصال الآيات بما قبلها هو أنه تعالى نهاهم في تلك عن اتخاذ بطانة من الأعداء المعروفين بالعداوة لهم وأعلمهم ببغضهم إياهم وإن خادعهم أفراد منهم بدعوى الإيمان وأنهم إن يصبروا ويتقوا ما يجب اتقاؤه لا يضرهم كيدهم شيئًا.
وبعد هذا البيان ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد وما كان فيها من كيد المنافقين إذ قالوا أولًا وآخرًا وإذ خرجوا ثم انشقوا ورجعوا ليخذلوا المؤمنين ويوقعوا الفشل فيهم، ومن كيد المشركين وتألبهم الذي لم يكن له من دافع إلا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا موقعهم، وإلا التقوى ومنها بل أهمها طاعة الرسول فيما أمر به هؤلاء الرماة، وذكرهم أيضًا بوقعة بدر إذ نصرهم على قلتهم بصبرهم وتقواهم.
قال تعالى ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ أي واذكر بعد هذا يا محمد إذ خرجت من بيت أهلك غدوة وذلك سحر يوم السبت سابع شوال من سنة ثلاث للهجرة ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ أي توطنهم وتنزلهم أماكن ومواضع في الشعب من "أُحد" لأجل القتال فيها، فمنها موضع للرماة وموضع للفرسان وموضع لسائر المؤمنين، فالمقاعد جمع مقعد وهو في الأصل مكان القعود كالمجلس لمكان الجلوس والمقام لمكان القيام، ثم استعملت هذه الألفاظ كلها بمعنى المكان توسعًا.
وقيل تبوئة المقاعد تسويتها وتهيئتها ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ لم يخف عنه شيء مما قيل في مشاورتك لمن معك في أمر الخروج إلى لقاء المشركين في "أُحد" أو انتظارهم في المدينة، فهو قد سمع أقوال المشركين وعلم نية كل قائل وأن منهم المخلص في قوله وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم ومنهم غير المخلص في قوله وإن كان صوابًا كعبد الله بن أُبي ومن معه من المنافقين.
ويصح أن يكون الوصفان الكريمان متعلقًا للظرف في الآية التالية كما نبينه في تفسيرها.
وذهب ابن جرير إلى أن الخطاب في هذه الآية للنبي والمراد به أصحابه يضرب لهم مثلًا أو مثلين على صدق وعده في الآية السابقة ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ بتذكيرهم بما كان يوم "أُحد" من وقوع المصيبة بهم عند ترك الرماة الصبر والتقوى - وذنب الجماعة أو الأمة لا يكون عقابه قاصرًا على من اقترفه بل يكون عامًا- وبما كان يوم بدر إذ نصرهم على قلتهم وذلتهم.
وهذا الرأي يتفق مع ما ذكرناه في وجه الاتصال بين الآيات.
﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ﴾ قال ابن جرير يعني بذلك جل ثناؤه والله سميع عليم حين همت طائفتان منكم أن تفشلا.
والهم حديث النفس وتوجهها إلى الشيء والفشل ضعف مع جبن.
وقيل إن هذا بدل من قوله ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ ﴾ وقيل متعلق بتبوئ.
أي كان يتخذ المعسكر للمؤمنين وينزل كل طائفة منهم منزلًا في وقت همت فيه طائفتان منهم بالفشل افتتانًا بكيد المنافقين الذين رجعوا من المعسكر.
والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار، ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ أي متولي أمورهما لصدق إيمانهما لذلك صرف الفشل عنهما وثبتهما فلم يجيبا داعي الضعف الذي ألمّ بهما عند رجوع ثلث العسكر بل تذكرا ولاية الله للمؤمنين فوثقا به وتوكلا عليه ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ أمثالهم لا على حولهم وقوتهم ولا على أعوانهم وأنصارهم وإنما يبذلون حولهم وقوتهم.
ويأخذون أهبتهم وعدتهم، إقامة لسنن الله تعالى في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات وهو الفاعل المسخر للسبب والمسبب والموفق بينهما فينصر الفئة القليلة على الكثيرة إن شاء كما نصر المؤمنين يوم بدر ولذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ وهو ماء أو بئر بين مكة والمدينة كان لرجل اسمه بدر فسمي باسمه ثم أطلق اللفظ على المكان الذي هو فيه.
وقد كانت فيه أول غزوة قاتل فيها النبي المشركين في ١٧ رمضان من السنة الثالثة للهجرة فنصره الله عليهم نصرًا مؤزرًا ﴿ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ أي نصركم في حال ذلة كنتم فيها على قتلكم -كما يفيده لفظ أذلة، إذ هو جمع قلة- وقد كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلًا.
والمراد بكونهم أذلة أنهم لا منعة لهم إذ كانوا قليلي العدة من السلاح والظهر والزاد.
ولا غضاضة في الذل إلا إذا كان عن قهر من البغاة والظالمين، ولم يكن المؤمنون بمقهورين ومستذلين من الكافرين وإنما كانت قوتهم في أوائل تكونها ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ فإن التقوى هي التي تعدكم لقيام مقام الشكر على النعم التي يسديكم إياها فمن لم يَرُضْ نفسه بالتقوى غلب عليه اتباع الهوى فلا يرجى له أن يكون شاكرًا يصرف النعمة التي وهبت لأجله من الحكم والمنافع.
﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قيل إن هذا متعلق بقوله ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ وقيل إنه خاص بوقعة أحد التي ورد فيها هذا السياق كقوله ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ﴾ متعلق بتبوئ أو بسميع أو بدل من إذ الأولى.
والتقدير تبوئهم مقاعد للقتال في الوقت الذي هَمَّ فيه بعضهم بالفشل مع أن الله نصركم ببدر على قلة وذلة -وفي الوقت الذي كنت تقول فيه للمؤمنين ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ وهذا هو المختار.
والتقدير على الأول أن الله نصركم ببدر في ذلك الوقت الذي كنت تقول فيه لهم ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ إلخ أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين.
فشق ذلك عليهم فأنزل الله ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ إلخ فبلغت كرزًا الهزيمة فلم يمد المشركين.
ورواه ابن جرير عن الشعبي وعن غيره وذكر الخلاف في حصول هذا الإمداد بالفعل وأن بعضهم يقول أنه لم يحصل وبعضهم قال إنه حصل يوم بدر ونقل عن بعضهم أن الوعد بالإمداد وإن لم يحصل ببدر عام في كل الحروب وأنهم أُمدوا في حرب قريظة والنضير والأحزاب ولم يمدوا يوم أحد لأنهم لم يصبروا ولم يتقوا.
وروي عن الضحاك أن هذا كان وعدًا من الله يوم أحد عرضه على نبيه محمد أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف.
وروي نحوه عن ابن زيد قال "قالوا لرسول الله وهم ينظرون المشركين أليس الله يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟
فقال رسول الله ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وإنما أمدكم يوم بدر بألف.
قال فجاءت الزيادة ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ الفور في الأصل فوران القِدْر ونحوها ثم استعير الفور للسرعة ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج من صاحبها على شيء، فمعنى يأتوكم من فورهم من ساعتهم هذه بدون إبطاء ومسومين من التسويم قرأها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو المشددة والباقون بفتحها.
وقد ورد سومه الأمر بمعنى كلفه إياه وسوم فلانًا خلاه وسومه في ماله حكمه وصرفه وسوم الخيل أرسلها، وكل هذه المعاني ظاهرة على قراءة فتح الواو من "مسومين" فيصح أن يكون المعنى أن هؤلاء الملائكة يكونون مكلفين من الله تثبيت قلوب المؤمنين، أو محكمين ومصرفين فيما يفعلونه في النفوس من إلهام النصر بتثبيت القلوب والربط عليها، أو مرسلين من عنده تعالى.
وأما قراءة كسر الواو "مسومين" فهي من قولهم سوم على القوم إذا أغار عليهم ففتك بهم ولو بالإعانة المعنوية على ذلك.
وقال بعض المفسرين إنه من التسويم بمعنى إظهار سيما الشيء أي علامته أي معلمين أنفسهم أو خيلهم وهو كما ترى لولا الرواية لم يخطر على بال أحد منهم ويمكن أن يقال مسومين للمؤمنين بما يظهر عليهم من سيما تثبيتهم إياهم.
قال ابن جرير بعد ذكر الخلاف في هذا الإمداد ما نصه: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال إن الله أخبر عن نبيه محمد أنه قال للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين اثبتوا أن الله أمدّهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على النحو الذي ذكره من أنكر ذلك.
ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به ولا خبر به فنسلم لأحد الفريقين قوله.
غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أُمدوا يوم بدر بألف من الملائكة وذلك قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أُمدوا وذلك أنهم لو أُمدوا لم يهزموا وينل منهم ما نيل منهم".
﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزٌ الحَكِيمٌ ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم به من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم إلا بشرى لكم يبشركم بها ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ يقول وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم فتسكن إليه ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم وقلة عددكم ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ يعني وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة.
وذكر بعض أهل السير أن الملائكة قاتلت يوم أحد، وهو ما نفاه ابن جرير وقد ذكرنا عبارته، بل روي عن ابن عباس أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر وفيما عداه كانوا عددًا ومددًا لا يقاتلون.
وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار وبتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة، وأيضًا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم، وأيضًا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك ولأنه خلاف قوله: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل البتة، وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والمرافق والمخالف.
وأيضًا إنهم كانوا أجسامًا كثيفة وجب أن يراهم الكل وإن كانوا أجسامًا لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخيول.
ذكر ذلك الرازي والنيسابوري فالرازي أورد هذا عن الأصم وذكر حججه مفصلة كعادته بقوله الحجة الأولى- الحجة الثانية إلخ ولخصه النيسابوري عنه بما ذكرناه.
واعترض الرازي عليه بأن مثل هذا إنما يصدر من غير المؤمنين وكان يجب أن يرد عليه بما يدفع هذه الحجج أو يبين لها مخرجًا.
ليس في القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل فيحتج به الرازي على أبي بكر الأصم وإنما جاء ذكر الملائكة في سياق الكلام عن غزوة بدر في سورة الأنفال على أنها وعد من الله تعالى بإمداد المؤمنين بألف من الملائكة، وفسر هذا الإمداد بقوله : ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ قال ابن جرير في معنى التثبيت "يقول قووا بقتال أعدائهم" فأنت ترى أنه جزم بأن عمل الملائكة في ذلك اليوم إنما كان موضوعه القلوب بتقوية عزيمتها، وتصحيح نيتها، وذكر قول من قال إن ذلك كان بمعونتهم في القتال بصيغة تدل على ضعفه "قيل" وجعل قوله تعالى: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ إلخ من تتمة خطاب الله للمؤمنين وهو الظاهر.
وبعض المفسرين يجعله بيانًا لما تثبت به الملائكة النفوس أي أنها تلقي فيها اعتقاد القاء الله الرعب في قلوب المشركين إلخ.
وبهذا يندفع ما قاله الرازي على الأصم ولا يبقى محل لحججه فإنه لا ينكر أن الملائكة أرواح يمكن أن يكون لها اتصال ما بأرواح بعض البشر وتأثير فيها بالإلهام أو تقوية العزائم.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى ﴾ كما قال مثل ذلك في هذه السورة.
هذا ما كان يوم بدر وسيأتي بسطه في تفسير سورة الأنفال إن أحيانا الله تعالى.
وأما يوم أحد فالمحققون على أنه لم يحصل إمداد بالملائكة ولا وعد من الله بذلك وإنما أخبر الله عن رسوله أنه ذكر ذلك لأصحابه وجعل الوعد به معلقًا على ثلاثة أمور: الصبر، والتقوى، وإتيان الأعداء من فورهم.
ولم تتحقق هذه الشروط فلم يحصل الإمداد كما تقدم.
ولكن القول أفاد البشارة والطمأنينة.
وبقي أن يقال ما الحكمة وما السبب في إمداد الله المؤمنين يوم بدر بملائكة يثبتون قلوبهم، وحرمانهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب؟
والجواب عن ذلك يعلم من اختلاف حال المؤمنين في ذينك اليومين فنذكره هنا مجملًا مع بيان فلسفته الروحانية وندع التفصيل فيه إلى تفسير الآيات هنا وفي سورة الأنفال فإن ما هنا تفصيل لما في وقعة أحد من الحكم وما في سورة الأنفال تفصيل لما كان في وقعة بدر من ذلك.
كان المؤمنون يوم بدر في قلة وذلة من الضعف والحاجة فلم يكن لهم اعتماد إلا على الله تعالى وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم وما أمرهم به من الثبات والذكر إذ قال: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ فبذلوا كل قواهم وامتثلوا أمر ربهم ولم يكن في نفوسهم استشراف إلى شيء ما غير نصر الله وإقامة دينه والذود عن نبيه لا في أول القتال ولا في أثنائه فكانت أرواحهم بهذا الإيمان وهذا الصفاء قد علت وارتقت حتى استعدت لقبول الإلهام من أرواح الملائكة والتقوى بنوع ما من الاتصال بها.
وأما يوم أحد فقد كان بعضهم في أول الأمر على مقربة من الافتتان بما كان من المنافقين، ولذلك همت طائفتان منهم أن تفشلا، ثم إنهم لما تثبتوا وباشروا القتال انتصروا وهزموا المشركين الذين هم أكثر من ثلاثة أمثالهم، فكان بعد ذلك أن خرج بعضهم عن التقوى وخالفوا أمر الرسول وطمعوا في الغنيمة وفشلوا وتنازعوا في الأمر فضعف استعداد أرواحهم فلم ترتق إلى أهلية الاستمداد من أرواح الملائكة فلم يكن لهم منهم مدد لأن الإمداد، لا يكون إلا على حسب الاستعداد.
هذا هو السبب لما حصل بحسب ما يظهر لنا وأما حكمته فهي تمحيص المؤمنين كمل سيأتي في قوله ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ ﴾ إلخ وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في الأسباب والمسببات كما سيأتي في قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ وبيان أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول ، وأن قتل الرسول ، أو موته لا ينبغي أن يكون مثبطًا للهمم ولا داعية إلى الانقلاب على الأعقاب وأنه ليس له من أمر العباد شيء وأن كل ما يصيبهم من المصائب فهو نتيجة عملهم إذ هو عقوبة طبيعية لهم وغير ذلك مما بينه الله تعالى في قوله: ﴿ أو لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ إلخ وقوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ ﴾ إلخ وغيرهما فلا نتعجله قبل الكلام في تفسير الآيات الناطقة به وما هي ببعيد.
ومن نكت البلاغة المؤيدة لما ذكرنا من اختلاف الحالين في الوقعتين أنه تعالى قال هنا: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ وقال في سورة الأنفال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ والفرق بينهما أن المؤمنين لم يكن لهم يوم بدر ما تطمئن به قلوبهم غير وعد الله وبشارته لهم على لسان رسوله ، ولذلك كان من دعائه يومئذ: "اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعْبَد في الأرض أبدًا"، وقال عمر راوي هذا الحديث: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك فإنه سينجر لك ما وعدك.
وأنزل الله يومئذ ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ ﴾ .
فكان بهذا الوعد اطمئنان قلوبهم لا بسواه، فلذلك قدم "به" على "قلوبكم" وأما في يوم أحد فلم تكن الحال كذلك، كما علم مما تقدم آنفًا، فلم تَعْدُ البشارة أن تكون مما يطمئن به القلب فقال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ من غير قصر ثم قال تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا متعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ وبعض آخر إلى أنه من الكلام في وقعة أحد المقصودة بالذات فإن ذكر النصر ببدر إنما جاء استطرادًا، ولذلك أنكروا أن يكون ذكر الملائكة الثلاثة الآلاف والخمسة الآلاف متعلقًا به.
وهذا هو المختار عندنا.
أي أنه فعل ما فعل ليقطع طرفًا، أو ما النصر إلا من عنده ليقطع طرفًا.
ومعنى قطع الطرف منهم إهلاك طائفة منهم، يقال: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ ﴾ إذا هلكوا، وقد نطق به التنزيل.
وعبر عن الطائفة بالطرف لأنهم الأقرب إلى المسلمين من الوسط أو أراد بهم الأشراف منهم، كذا قيل، والمتبادر الأول لا لأنه من باب ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ ﴾ كما قيل، بل لأن الطرف هو أول ما يوصل إليه من الجيش.
وقد أهلك الله من المشركين يوم أحد طائفة في أول الحرب.
روى ابن جرير عن السدي أنه قال: ذكر الله قتلى المشركين يعني بأحد وكانوا ثمانية عشر رجلًا فقال: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلخ.
ونقول: قد ذكر غير واحد من أهل السير أن قتلى المشركين يوم أحد كانوا ثمانية عشر رجلًا ورد عليهم آخرون بأن حمزة وحده قتل نحو ثلاثين.
وصرح بعضهم بأن سبب غلط من قال ذلك القول هو ما روي أن بعض المسلمين أراد عد قتلى المشركين بعد ثمانية عشر.
وصرح بعضهم بأن سبب ذلك أن المشركين أخذوا قتلاهم أو دفنوهم لئلا يمثل بهم المسلمون بعد المعركة كما مثلوا هم بالمسلمين عندما أصابوا الغرة منهم وهذا هو المعقول.
وأما قوله: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ فقد فسروه بأقوال منها أن معناه يخزيهم ومنها أن معناه يصرعهم لوجوههم، وفي الأساس: كبت الله عدوه أكبه وأهلكه.
ولكن صاحب الأساس فسر الكلمة في الكشاف بقوله: "ليخزيهم ويغيظهم بالهزيمة" وقال الراغب: الكبت الرد بعنف وتذليل.
وقال البيضاوي "أو يخزيهم والكبت شدة الغيظ أو وهن يقع في القلب" وكل هذه المعاني وردت في كتب اللغة وصرح البيضاوي بأن "أو" هنا للتنويع لا للترديد، والمعنى أنه يقطع طرفًا وطائفة ويكبت طائفة أخرى أي ويتوب على طائفة ويعذب طائفة كما في الآية الآتية: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ جملة "ليس لك من الأمر شيء" معترضة بين هذا التقسيم وما بعدها معطوف على ما قبلها.
ولما كانت هذه الآية مما نزل في وقعة أحد كما روي في الصحيح تعينّ أن تكون التي قبلها كذلك وإلا كانت غير مفهومة إلا بتكلف ينزه القرآن عن مثله على كونه لا حاجة إليه.
أما كونها نزلت في شأن واقعة أحد فيدل عليه ما ورد في سبب نزولها روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله يوم أحد "اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية فتيب عليهم كلهم، وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه وروى أحمد ومسلم من حديث أنس أن النبي كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم" فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ الآية ذكر ذلك كله السيوطي في لباب النقول ولم يعز الأول إلى الترمذي والنسائي اكتفاء بمن هو أصح منهما رواية.
وقد روى ذلك ابن جرير من عدة طرق.
وما روي غير ذلك لا يعتد به.
ولا تنافي بين حديث ابن عمرو وحديث أنس لأن الجمع بينهما ظاهر وهو أنه قال ما قال فيهم حين أدموه ثم لعن رؤساءهم فنزلت الآية عقب ذلك كله.
وأما المعنى فقد قال ابن جرير: يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من اللذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء.
فقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ منصوب عطفًا على قوله أو: ﴿ يَكْبِتَهُمْ ﴾ وقد يحتمل أن يكون تأويله ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم فيكون نصب يتوب بمعنى "أو" التي هي في معنى "حتى" والقول الأول أولى بالصواب لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحد سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك.
وتأويل "ليس لك من الأمر شيء ليس إليك يا محمد من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري وتنهى فيهم إلى طاعتي وإنما أمرهم إلي والقضاء فيهم بيدي دون غيري أقضي فيهم وأحكم بالذي أشاء من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي.
انتهى قول ابن جرير وقد أورد بعده ما عنده من الروايات في الآية.
<div class="verse-tafsir"