الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٣١ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها ، فقال : ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ) .
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم.
* * * وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أنّ الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخِّر عنى ديْنك وأزيدك على مالك.
فيفعلان ذلك.
فذلك هو " الربا أضعافًا مضاعفة "، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه،.
كما:- 7823- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كانت ثقيف تدَّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نـزيدكم وتؤخِّرون؟
فنـزلت: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة ".
7824- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة "، أي: لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، (72) ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم.
(73) 7825- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجلّ: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة " قال: ربا الجاهلية.
7826- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول &; 7-205 &; في قوله: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة "، قال: كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن.
(74) يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟
(75) فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك = إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًا، (76) ثم هكذا إلى فوق = وفي العين يأتيه، (77) فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه.
قال: فهذا قوله: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة ".
* * * وأما قوله: " واتقوا الله لعلكم تفلحون "، فإنه يعني: واتقوا الله أيها المؤمنون، في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه =" لعلكم تفلحون "، يقول: لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغَّبكم فيه من ثوابه والخلود في جنانه، كما:- 7827- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " واتقوا الله لعلكم تفلحون "، أي: فأطيعوا الله لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه.
(78) ----------------- (72) سيرة ابن هشام: "هداكم الله به".
(73) الأثر: 7824- سيرة ابن هشام 3: 115 ، من بقية الآثار التي آخرها رقم: 7822.
(74) السن: العمر.
يريد بها أسنان الأنعام ، كما سيتبين لك من بقية الأثر.
(75) في المخطوطة: "تقضي أو تزدني".
(76) "المخاض": النوق الحوامل.
و"ابن المخاض" و"ابنة المخاض" ، ما دخل في السنة الثانية ، لأن أمه لحقت بالمخاض ، أي الحوامل."واللبون": الناقة ذات اللبن.
و"ابن اللبون" و"ابنة لبون" ، ما أتى عليه سنتان ، ودخل في السنة الثالثة.
فصارت أمه لبونًا ، أي ذات لبن.
و"الحق" و"الحقة" البعير إذا استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة."والجدع" و"الجذعة" ما استكمل أربعة أعوام ودخل في الخامسة.
فإذا طعن البعير في السادسة فهو"ثنى" ، وقد سقط هذا من الأسنان التي يذكرها.
أما "الرباع" للذكر ، و"الرباعية" للأنثى ، فهو الذي دخل في السابعة.
(77) العين: المال.
من ذهب وفضة وأشباهها.
(78) الأثر: 7827- سيرة ابن هشام 3: 115 ، وهو تابع الآثار التي آخرها: 7824 ، وفي السيرة"لعلكم تنجون.
.
.
وتدركون".
ثم خوفهم فقال : واتقوا النار التي أعدت للكافرين قال كثير من المفسرين : وهذا الوعيد لمن استحل الربا ، ومن استحل الربا فإنه يكفر ويكفر .
وقيل : معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار ; لأن من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع الإيمان ويخاف عليه ; من ذلك عقوق الوالدين .
وقد جاء في ذلك أثر أن رجلا كان عاقا لوالديه يقال له علقمة ; فقيل له عند الموت : قل لا إله إلا الله ، فلم يقدر على ذلك حتى جاءته أمه فرضيت عنه .
ومن ذلك قطيعة الرحم وأكل الربا والخيانة في الأمانة وذكر أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة أنه قال : أكثر ما ينزع الإيمان من العبد عند الموت .
ثم قال أبو بكر : فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان فلم نجد شيئا أسرع نزعا للإيمان من ظلم العباد .
وفي هذه الآية دليل على أن النار مخلوقة ردا على الجهمية ; لأن المعدوم لا يكون معدا .
{ واتقوا النار التي أعدت للكافرين } بترك ما يوجب دخولها، من الكفر والمعاصي، على اختلاف درجاتها، فإن المعاصي كلها- وخصوصا المعاصي الكبار- تجر إلى الكفر، بل هي من خصال الكفر الذي أعد الله النار لأهله، فترك المعاصي ينجي من النار، ويقي من سخط الجبار، وأفعال الخير والطاعة توجب رضا الرحمن، ودخول الجنان، وحصول الرحمة
ثم خوفهم فقال : ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) .
«واتقوا النار التي أعدت للكافرين» أن تعذَّبوا بها.
اجعلوا لأنفسكم وقاية بينكم وبين النار التي هُيِّئت للكافرين.
ثم حذرهم - سبحانه - من الأعمال التى تفضى بهم إلى النار فقال : { واتقوا النار التي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } يقول : هى أخوف آية فى القرآن ، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه فى اجتناب محارمه " .
اعلم أن من الناس من قال: انه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بارشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد، أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير فقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا ﴾ وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية ابتداء كلام ولا تعلق لها بما قبلها، وقال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون ذلك متصلا بما تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعياً للمسلمين إلى الاقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر فيتمكنون من الانتقام منهم، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك وفي قوله: ﴿ أضعافا مضاعفة ﴾ مسألتان: المسألة الأولى: كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، فاذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال قال زد في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل ذلك، ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله: ﴿ أضعافا مضاعفة ﴾ .
المسألة الثانية: انتصب ﴿ أَضْعَافًا ﴾ على الحال.
ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
اعلم أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يتوقف عليه، فلو أكل ولم يتق زال الفلاح وهذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر وتفسير قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ تقدم في سورة البقرة في قوله: ﴿ اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ وتمام الكلام في الربا أيضا مر في سورة البقرة.
ثم قال: ﴿ واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ وفيه سؤالات: الأول: أن النار التي أعدت للكافرين تكون بقدر كفرهم وذلك أزيد مما يستحقه المسلم بفسقه، فكيف قال: ﴿ واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ .
والجواب: تقدير الآية: اتقوا أن تجحدوا تحريم الربا فتصيروا كافرين.
السؤال الثاني: ظاهر قوله: ﴿ أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ يقتضي أنها ما أعدت إلا للكافرين، وهذا يقتضي القطع بأن أحدا من المؤمنين لا يدخل النار وهو على خلاف سائر الآيات.
والجواب من وجوه: الأول: أنه لا يبعد أن يكون في النار دركات أعد بعضها للكفار وبعضها للفساق فقوله: ﴿ النار التى أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ اشارة الى تلك الدركات المخصوصة التي أعدها الله للكافرين، وهذا لا يمنع ثبوت دركات أخرى في النار أعدها الله لغير الكافرين.
الثاني: أن كون النار معدة للكافرين، لا يمنع دخول المؤمنين، فيها لأنه لما كان أكثر أهل النار هم الكفار فلأجل الغلبة لا يبعد أن يقال: انها معدة لهم، كما أن الرجل يقول: لدابة ركبها لحاجة من الحوائح، إنما أعددت هذه الدابة للقاء المشركين، فيكون صادقا في ذلك وان كان هو قد ركبها في تلك الساعة لغرض آخر فكذا هاهنا.
الوجه الثالث: في الجواب: أن القرآن كالسورة الواحدة فهذه الآية دلت على أن النار معدة للكافرين وسائر الآيات دالة أيضا على أنها معدة لمن سرق وقتل وزنى وقذف، ومثاله قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ وليس لجميع الكفار يقال ذلك، وأيضا قال تعالى: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون ﴾ الى قوله: ﴿ إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ العالمين ﴾ وليس هذا صفة جميعهم ولكن لما كانت هذه الشرائط مذكورة في سائر السور، كانت كالمذكورة هاهنا، فكذا فيما ذكرناه والله أعلم.
الوجه الرابع: ان قوله: ﴿ أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ اثبات كونها معدة لهم ولا يدل على الحصر كما أن قوله: في الجنة ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين والحور العين.
الوجه الخامس: أن المقصود من وصف النار بأنها أعدت للكافرين تعظيم الزجر، وذلك لأن المؤمنين الذين خوطبوا باتقاء المعاصي اذا علموا بانهم متى فارقوا التقوى أدخلوا النار المعدة للكافرين، وقد تقرر في عقولهم عظم عقوبة الكفار، كان انزجارهم عن المعاصي أتم، وهذا بمنزلة أن يخوف الوالد ولده بأنك ان عصيتني أدخلتك دار السباع، ولا يدل ذلك على أن تلك الدار لا يدخلها غيرهم فكذا هاهنا.
السؤال الثالث: هل تدل الآية على أن النار مخلوقة الآن أم لا؟
الجواب: نعم لأن قوله: ﴿ أُعِدَّتْ ﴾ إخبار عن الماضي فلابد أن يكون قد دخل ذلك الشيء في الوجود.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ ولما ذكر الوعيد ذكر الوعد بعده على ما هو العادة المستمرة في القرآن، وقال: محمد بن إسحاق بن يسار هذه الآية معاتبة للذين عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم يوم أحد، وقالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن حصول الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا عام فيدل الظاهر على أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء أنه ليس أهلا للرحمة وذلك يدل على قول أصحاب الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة ﴾ نهي عن الربا مع توبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه.
كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل فاستغرق بالشيء الطفيف مال المديون ﴿ واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين (131) ﴾ كان أبو حنيفة رحمه الله يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.
وقد أمدّ ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين برحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله.
ومن تأمّل هذه الآية وأمثالها لم يحدث نفسه بالأطماع الفارغة والتمني على الله تعالى، وفي ذكره تعالى (لعل) و (عسى) في نحو هذه المواضع وإن قال الناس ما قالوا ما لا يخفى على العارف الفطن من دقة مسلك التقوى، وصعوبة إصابة رضا الله، وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ بِالتَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ وتَعاطِي أفْعالِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النّارَ بِالذّاتِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ وبِالعَرْضِ لِلْعُصاةِ.
﴿ وَأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ أتْبَعَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ تَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ وتَرْغِيبًا في الطّاعَةِ، ولَعَلَّ وعَسى في أمْثالِ ذَلِكَ دَلِيلُ عِزَّةٍ التَّوَصُّلِ إلى ما جُعِلَ خَبَرًا لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين} كان أبو حنيفة رضى الله عنه يقول هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه وقد أمد ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله بقوله
﴿ واتَّقُوا النّارَ ﴾ أيِ احْتَرِزُوا عَنْ مُتابَعَةِ المُرابِينَ وتَعاطِي ما يَتَعاطَوْنَهُ مِن أكْلِ الرِّبا المُفْضِي إلى دُخُولِ النّارِ ﴿ الَّتِي أُعِدَّتْ ﴾ أيْ هُيِّئَتْ ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ (131) وهي الطَّبَقَةُ الَّتِي اشْتَدَّ حَرُّها وتَضاعَفَ عَذابُها وهي غَيْرُ النّارِ الَّتِي يَدْخُلُها عُصاةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّها دُونَ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أكَلَةَ الرِّبا عَلى شَفا حُفْرَةِ الكَفَرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ النّارَ مُطْلَقًا مَخْلُوقَةٌ لِلْكافِرِينَ مُعَدَّةٌ لَهم أوَّلًا وبِالذّاتِ، وغَيْرُهم يَدْخُلُها عَلى وجْهِ التَّبَعِ فالصِّفَةُ لَيْسَتْ لِلتَّخْصِيصِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُلُّ مِنَ العُلَماءِ، رُوِيَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ في اجْتِنابِ مَحارِمِهِ ولَيْسَ بِنَصٍّ في التَّخْصِيصِ.
<div class="verse-tafsir"
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً قال الزَّجاج: يعني لا تضاعفوا أموالكم بالربا.
وقال القتبي: هو ما يضاعف منها شيء بعد شيء، ويقال أضعافاً مضاعفة عند البيع، ببيعه بأكثر من قيمته مضاعفة بعد العقد، أن يزيده في الأجل ويزيد في المال.
ويقال: المضاعفة هي نعت الأضعاف كما قال تعالى: حَلالًا طَيِّباً [البقرة: 168 وغيرها] والطيب هو نعت الحلال.
ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ في الربا فلا تستحلوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تنجوا من العذاب.
ثم خَوّفهم فقال: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ يعني خُلقت وهيئت للكافرين.
وقالت المعتزلة: من أتى بالكبيرة ومات عليها فإنه يخلد في النار كالكافر، فإنه وعد لأكل الربا النار كما وعد الكفار.
وقال أكثر أهل العلم والتفسير: هذا الوعيد لمن استحل الربا ومن استحل الربا فإنه يكفر ويصير إلى النار.
ويقال: معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبوا النار، لأن من الذنوب ما يستوجب به نزع الإيمان ويخاف عليه، فمن ذلك عقوق الوالدين.
وقد جاء في ذلك أثر أن رجلاً كان عاقاً لوالدته يقال له علقمة، فقيل له عند الموت: قُلْ لا إله إِلا الله فلم يقدر على ذلك، حتى جاءت أمه فرضيت منه.
ومن ذلك قطيعة الرحم، وأكل الربا، والخيانة في الأمانة.
وذكر أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة أنه قال: أكبر ما في الذنوب الذي ينزع الإيمان من العبد عند الموت.
ثم قال أبو بكر: فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان من العبد، فلم نجد شيئاً أسرع نزعاً للإيمان من ظلم العباد.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ...
الآية: رُويَ في سبب هذه الآية أنَّه لما هزم أصحابه صلّى الله عليه وسلّم، وشُجَّ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، جَعَلَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ» ، وفي بعض طُرُق الحَدِيثِ: «كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّه» ، فَنَزَلَتِ الآيةُ، فقيلِ لَهُ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أي: عواقب الأمور بيد اللَّه، فامض أنْتَ لشأْنِكَ، ودُمْ على الدعاء إلى ربِّك.
قلت: وقد فعل ذلك صلّى الله عليه وسلّم ممتثلاً أَمْرَ ربِّه، قال عِيَاض: رُوِيَ أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، شَقَّ ذَلِكَ على أَصْحَابِهِ، وَقَالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَلَكِنِّي بُعِثْتُ دَاعِياً، وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهد قَوْمِي، فإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» «١» ، ورُوِيَ عن عُمَر (رضي اللَّه عنه) أنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ كلامه: بِأَبِي وَأُمِّي أنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ دَعَا نُوحٌ على قَوْمِهِ، فَقَالَ: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ [نوح: ٢٦] الآية وَلَوْ دَعَوْتَ عَلَيْنَا، لَهَلَكْنَا مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا، فَلَقَدْ وُطِيءَ ظَهْرُكَ، وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ، وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَتُكَ، فَأَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إلاَّ خَيْراً، فَقُلْتَ: «اللَّهُمَّ، اغفر لِقَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» اهـ.
قال الطبريُّ «٢» وغيره من المفسِّرين: أَوْ يَتُوبَ عطْفٌ على يَكْبِتَهُمْ والمعنى:
أوْ يَتُوبَ عليهم، فَيَسْلَمُونَ/ أو يُعَذِّبَهم، إنْ تَمَادَوْا على كفرهم فإنهم ظالمون، ثم أكَّد سبحانه معنى قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ بذكْرِ الحُجَّةِ السَّاطعة في ذلك، وهي ملكه الأشياء، فقال سُبْحانه: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: فله سبحانه أنْ يفعل بحَقِّ ملكه ما يشاء، لا اعتراض علَيْه ولا معقِّب لحُكْمه، وذَكَر سبحانَهُ: أنَّ الغُفْران أو التَّعْذيب، إنما هو بمشيئَتِهِ، وبحَسَب السَّابق في علْمه، ثم رجى سبحانه في آخر ذلك تأنيسا للنّفوس.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً ...
الآية.
قال ع «٣» : هذا النهْيُ عن أَكْلِ الربا اعترَضَ أثناء قِصَّة أُحُدٍ، ولا أحفظ سببا في ذلك
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِئَلّا يَسْتَحِلُّوا الرِّبا.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: اتَّقُوا أنْ تَحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَكْفُرُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا النارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَأطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ هَذا النَهْيُ عن أكْلِ الرِبا اعْتِراضٌ أثْناءَ قِصَّةِ أُحُدٍ، ولا أحْفَظُ سَبَبًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا.
والرِبا: الزِيادَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وأحْكامِ الرِبا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: "أضْعافًا" نُصِبَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: الرِبا الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تُضَعِّفُ فِيهِ الدَيْنَ، فَكانَ الطالِبُ يَقُولُ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي؟
وقَوْلُهُ: "مُضاعَفَةً" إشارَةٌ إلى تَكْرارِ التَضْعِيفِ عامًا بَعْدَ عامٍ كَما كانُوا يَصْنَعُونَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ العِبارَةُ المُؤَكِّدَةُ عَلى شُنْعَةِ فِعْلِهِمْ وقُبْحِهِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَتْ حالَ التَضْعِيفِ خاصَّةً.
وقَدْ حَرَّمَ اللهُ جَمِيعَ أنْواعِ الرِبا، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ، إذِ المَسْكُوتُ عنهُ مِنَ الرِبا في حُكْمِ المَذْكُورِ، وأيْضًا فَإنَّ الرِبا يَدْخُلُ جَمِيعَ أنْواعِهِ التَضْعِيفُ والزِيادَةُ عَلى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ العَيْنِ أو مِنَ التَأْخِيرِ ونَحْوِهِ.
والنارُ في قَوْلِهِ: "واتَّقُوا النارَ" هي اسْمُ الجِنْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، أيْ أنَّهم هُمُ المَقْصُودُ والمُرادُ الأوَّلُ، وقَدْ يَدْخُلُها سِواهم مِنَ العُصاةِ، فَشَنَّعَ أمْرَ النارِ بِذِكْرِ الكُفْرِ، وحَسَّنَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَحْذَرَها ويَبْعُدَ بِطاعَةِ اللهِ عنها وهَذا كَما قالَ في الجَنَّةِ: "أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" أيْ أنَّهم هُمُ المَقْصُودُ، وإنْ كانَ يَدْخُلُها غَيْرُهم مِن صَبِيٍّ ومَجْنُونٍ ونَحْوِهِ مِمَّنْ لا يُكَلَّفُ ولا يُوصَفُ بِتَقْوى، هَذا مَذْهَبُ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وحَكى الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ عن قَوْمٍ أنَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ أكَلَةَ الرِبا إنَّما تَوَعَّدَهُمُ اللهُ بِنارِ الكَفَرَةِ، إذِ النارُ سَبْعُ طَبَقاتٍ، العُلْيا مِنها وهي جَهَنَّمُ لِلْعُصاةِ، والخَمْسُ لِلْكُفّارِ، والدَرْكُ الأسْفَلُ لِلْمُنافِقِينَ، قالُوا: فَأكَلَةُ الرِبا إنَّما يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِنارِ الكَفَرَةِ لا بِنارِ العُصاةِ، وبِذَلِكَ تُوُعِّدُوا، فالألِفُ واللامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: "واتَّقُوا النارَ" إنَّما هي لِلْعَهْدِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ.
والطاعَةُ هي مُوافَقَةُ الأمْرِ الجارِي عِنْدَ المَأْمُورِ مَعَ مُرادِ الأمْرِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "مَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللهَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ عَصى اللهَ، ومَن أطاعَ الأمِيرَ فَقَدْ أطاعَنِي، ومَن عَصى الأمِيرَ فَقَدْ عَصانِي".» وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَأطِيعُوا اللهَ" هي ابْتِداءُ المُعاتَبَةِ في أمْرِ أُحُدٍ، وانْهِزامِ مَن فَرَّ وزَوالِ الرُماةِ عن مَراكِزِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
ا أنّ الكلام على يوم أحُد لم يكمل، إذ هو سيعاد عند قوله تعالى: ﴿ قد خَلت من قبلِكُم سنن ﴾ إلى قوله: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله...
﴾ [آل عمران: 171] الآية لقلنا إنّ قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا ﴾ اقتضاب تشريع، ولكنّه متعيّن لأنْ نعتبره استطراداً في خلال الحديث عن يوم أحُد، ثمّ لم يظهر وجه المناسبة في وقوعه في هذا الأثناء.
قال ابن عطية: ولا أحفظ سبباً في ذلك مروياً.
وقال الفخر: من النّاس من قال: لمّا أرشد الله المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنَّهي فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا ﴾ فلا تعلّق لها بما قبلها.
وقال القفّال: لمّا أنفق المشركون على جيوشهم أموالاً جمعوها من الربا، خيف أن يدعُو ذلك المسلمين إلى الإقدام على الرّبا.
وهذه مناسبة مستبعدة.
وقال ابن عرفة: لمّا ذكر الله وعيد الكفار عقّبه ببيان أن الوعيد لا يخصّهم بل يتناول العصاة، وذكر أحد صور العصيان وهي أكل الربا.
وهو في ضعف ما قبله، وعندي بادئ ذي بدء أن لا حاجة إلى اطّراد المناسبة، فإن مدّة نزول السورة قابلة، لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن فيكون من جملة تلك السورة، كما بيّناه في المقدّمة الثَّامنة، فتكون هاته الآية نزلت عقب ما نزل قبلها فكتبت هنا ولا تكون بَينهما مناسبة إذ هو ملحق إلحاقاً بالكلام.
ويتّجه أن يسأل سائل عن وجه إعادة النّهي عن الربا في هذه السورة بعد ما سبق من آيات سورة البقرة بما هو أوفى ممَّا في هذه السورة، فالجواب: أنّ الظاهر أنّ هذه الآية نزلت قبل نزول آية سورة البقرة فكانت هذه تمهيداً لتلك، ولم يكن النّهي فيها بالغاً ما في سورة البقرة وقد روي أن آية البقرة نزلت بعد أن حَرّم الله الربا وأن ثقيفاً قالوا: كيف ننهى عن الربا، وهومثل البيع، ويكون وصف الربا ب ﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ نهياً عن الربا الفاحش وسَكت عمّا دون ذلك ممّا لا يبلغ مبلغ الأضعاف، ثمّ نزلت الآية الَّتي في سورة البقرة ويحتمل أن يكون بعض المسلمين داين بعضاً بالمراباة عقب غزوة أحُد فنزل تحريم الرّبا في مدّة نزول قصّة تلك الغزوة.
وتقدّم الكلام على معنى أكل الرّبا، وعلى معنى الربا، ووجه تحريمه، في سورة البقرة.
وقوله: ﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ حال من ﴿ الرّبا ﴾ والأضعاف جمع ضعف بكسر الضّاد وهو معادل الشيء في المقدار إذا كان الشيء ومماثله متلازمين، لا تقول: عندي ضعف درهمك، إذ ليس الأصل عندك، بل يحسن أن تقول: عندي درهمان، وإنَّما تقول: عندي درهم وضعفه، إذا كان أصل الدرهم عندك، وتقول: لك درهم وضِعفه، إذا فعلت كذا.
والضعف يطلق على الواحد إذا كان غير معرّف بأل نحو ضِعفُه، فإذا أريد الجمع جيء به بصيغة الجَمع كما هنا، وإذا عُرف الضعف بأل صحّ اعتبار العهد واعتبارالجنس، كقوله تعالى: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ﴾ [سبأ: 37] فإن الجزاء أضعاف، كما جاء في الحديث إلى سبعمائة ضعف.
وقوله: ﴿ مضاعفة ﴾ صفة للأضعاف أي هي أضعاف يدخلها التَّضعيف، وذلك أنّهم كانوا إذا دَاينوا أحداً إلى أجل داينوه بزيادة، ومتى أعسر عند الأجل أو رام التأخير زاد مثل تلك الزيادة، فيصير الضِعف ضعفاً، ويزيد، وهكذا، فيصدق بصورة أن يجعلوا الدّين مضاعفاً بمثله إلى الأجل، وإذا ازداد أجلاً ثانياً زاد مثل جميع ذلك، فالأضعاف من أوّل التداين للأجل الأوّل، ومضاعفتها في الآجال الموالية، ويصدُق بأن يداينوا بمراباة دون مقدار الدّين ثُمّ تزيد بزيادة الآجال، حتَّى يصير الدّين أضعافاً، وتصير الأضعاف أضعافاً، فإن كان الأوّل فالحال واردة لحكاية الواقع فلا تفيد مفهوماً: لأنّ شرط استفادة المفهوم من القيود أن لا يكون القيد الملفوظ به جرَى لحكاية الواقع، وإن كان الثَّاني فالحال واردة لقصد التشنيع وإراءة هذه العاقبة الفاسدة.
وإذ قد كان غالب المدينين تستمرّ حاجتهم آجالاً طويلة، كان الوقوع في هذه العاقبة مطرّداً، وحينئذ فالحال لا تفيد مفهوماً كذلك إذ ليس القصد منها التقييدَ بل التشنيعَ، فلا يقتصر التَّحريم بهذه الآية على الربا البالغ أضعافاً كثيرة، حتَّى يقول قائل: إذا كان الرّبا أقلّ من ضعف رأس المال فليس بمحرّم.
فليس هذا الحال هو مصبّ النَّهي عن أكل الربا حتَّى يَتَوهَّم متوهّم أنَّه إن كان دون الضعف لم يكن حرَاماً.
ويظهر أنَّها أوّل آية نزلت في تحريم الربا، وجاءت بعدها آية البقرة، لأن صيغة هذه الآية تناسب ابتداء التشريع، وصيغة آية البقرة تدلّ على أن الحكم قد تقرّر، ولذلك ذكر في تلك الآية عذابُ المستمرّ على أكل الرّبا.
وذُكر غرور من ظنّ الرّبا مثل البيع، وقيل فيها ﴿ فمن جاءه موعظة من ربِّه فانتهى فله ما سلف ﴾ [البقرة: 275] الآية، كما ذكرناه آنفاً، فمفهوم القيد معطَّل على كُلّ حال.
وحكمة تحريم الرّبا هي قصد الشَّريعة حملَ الأمَّة على مواساة غنيِّها محتاجَها احْتياجاً عارضاً موقّتاً بالقرض، فهو مرتبة دون الصدقة، وهو ضرب من المواساة إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة، ومنها ندب كالصّدقة والسلففِ، فإن انتدب لها المكلّف حرّم عليه طلب عوض عنها، وكذلك المعروف كُلّه، وذلك أن العادة الماضية في الأمم، وخاصّة العرب، أنّ المرء لا يتداين إلاّ لضرورة حياته، فلذلك كان حقّ الأمَّة مواساته.
والمواساة يظهر أنَّها فرض كفاية على القادرين عليها، فهو غير الَّذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعيْن والمتقارضين: للفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلاّ أن الشرع ميّز هاته الواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية، لا باختلاف أحوال المتعاقدين، فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الرّبا في السلف، ولو كان المستسلف غير محتاج، بل كان طالبَ سعة وإثراءٍ بتحريك المال الَّذي يتسلّفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك، وسمَح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتِّجارة ودين السَّلَم، ولو كان الرّبح في ذلك أكثر من مقدار الرّبا تفرقة بين المواهي الشرعية.
ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الرّبا البعدَ بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال، وإلجاؤهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا، فيكون تحريم الرّبا، ولو كان قليلاً، مع تجويز الربح من التِّجارة والشركات، ولو كان كثيراً تحقيقاً لهذا المقصد.
ولقد قضى المسلمون قروناً طويلة لم يروا أنفسهم فيها محتاجين إلى التعامل بالرّبا، ولم تكن ثروتهم أيّامئذ قاصرة عن ثروة بقية الأمم في العالم، أزمان كانت سيادة العالم بيدهم، أو أزمان كانوا مستقلّين بإدارة شؤونهم، فلمَّا صارت سيادة العالم بيد أمم غير إسلامية، وارتبط المسلمون بغيرهم في التِّجارة والمعاملة، وانتظمت سوق الثَّروة العالمية على قواعد القوانين الَّتي لا تتحاشى المراباة في المعاملات، ولا تعْرف أساليب مواساة المسلمين، دهش المسلمون، وهم اليوم يتساءلون، وتحريم الربا في الآية صريح، وليس لما حرّمه الله مبيح.
ولا مخلص من هذا المضيق إلا أن تجعل الدول الإسلامية قوانين مالية تُبنى على أصول الشريعة في المصارف، والبيوع، وعقود المعاملات المركبة من رؤوس الأموال وعمل العمّال.
وحوالات الديون ومقاصّتها وبيعها.
وهذا يقضي بإعمال أنظار علماء الشريعة والتدارس بينهم في مجمع يحوي طائفة من كلّ فرقة كما أمر الله تعالى.
وقد تقدّم ذكر الربا والبيوع الربوية عند تفسير قوله تعالى: ﴿ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس الآيات الخمس ﴾ من سورة [البقرة: 275].
(وقوله: واتقوا النار التي أعدت للكافرين} تحذير وتنفير من النَّار وما يوقع فيها، بأنَّها معدودة للكافرين وإعدادها للكافرين.
عَدل من الله تعالى وحكمة لأنّ ترتّب الأشياء على أمثالها من أكبر مظاهر الحكمة، ومَن أشركوا بالله مخلوقاته، فقد استحقّوا الحرمان من رحماته، والمسلمون لا يرضَون بمشاركة الكافرين لأنّ الإسلام الحقّ يوجب كراهية ما ينشأ عن الكفر.
وذاك تعريض واضح في الوعيد على أخذ الربا.
ومقابل هذا التنفير الترغيب الآتي في قوله: ﴿ وجنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين ﴾ [آل عمران: 133]، والتَّقوى أعلى درجات الإيمان.
وتعريف النار بهذه الصّلة يُشعر بأنَّه قد شاع بين المسلمين هذا الوصف للنَّار بما في القرآن من نحو قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ﴾ [التحريم: 6]، وقوله: ﴿ وبرزت الجحيم للغاوين ﴾ [الشعراء: 91] الآية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا ﴾ يُرِيدُ بِالأكْلِ الأخْذَ، والرِّبا زِيادَةُ القَدْرِ مُقابَلَةً لِزِيادَةِ الأجَلِ، وهو رِبا الجاهِلِيَّةِ المُتَعارَفُ بَيْنَهم بِالنَّساءِ.
﴿ أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ وهو أنْ يَقُولَ لَهُ بَعْدَ حُلُولِ الأجَلِ: إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ ضاعَفَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَفْعَلُ كَذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِهِ مِن بَعْدُ حَتّى تَصِيرَ أضْعافًا مُضاعَفَةً.
﴿ واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ فَدَلَّ أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ الَّتِي يُسْتَحَقُّ عَلَيْها الوَعِيدُ بِالنّارِ.
واخْتَلَفُوا في نارِ آكِلِ الرِّبا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها كَنارِ الكافِرِينَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ تَمَسُّكًا بِالظّاهِرِ.
والثّانِي: أنَّها ونارَ الفُجّارِ أخَفُّ مِن نارِ الكُفّارِ، لِما بَيْنَهُما مِن تَفاوُتِ المَعاصِي.
﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ أمّا الفاحِشَةُ هَهُنا فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَبائِرُ مِنَ المَعاصِي.
والثّانِي: الرِّبا وهو قَوْلُ جابِرٍ والسُّدِّيِّ.
﴿ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّغائِرُ مِنَ المَعاصِي.
﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم ذَكَرُوهُ بِقُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَنْسَوْهُ، لِيُعِينَهم ذِكْرُهُ عَلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ.
والثّانِي: ذَكَرُوا اللَّهَ قَوْلًا بِأنْ قالُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ سَهَّلَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ما شَدَّدَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، إذْ كانُوا إذا أذْنَبَ الواحِدُ مِنهم أصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ مِن كَفّارَةِ ذَنْبِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، اجْدَعْ أُذُنَكَ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَجُعِلَ الِاسْتِغْفارُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ.
﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الإصْرارُ عَلى المَعاصِي، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ مُواقَعَةُ المَعْصِيَةِ إذا هَمَّ بِها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: السُّكُوتُ عَلى المَعْصِيَةِ وتَرْكُ الِاسْتِغْفارِ مِنها، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الذَّنْبُ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.
﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم قَدْ أتَوْا مَعْصِيَةً ولا يَنْسَوْنَها، وقِيلَ: مَعْناهُ وهم يَعْلَمُونَ الجِهَةَ في أنَّها مَعْصِيَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كانوا يتبايعون إلى الأجل.
فإذا حل الأجل زادوا عليهم وزادوا في الأجل، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء قال: كانت ثقيف تداين بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حل الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخرون عنا.
فنزلت ﴿ لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: إن الرجل كان يكون له على الرجل المال، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول المطلوب: أخِّر عني وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك.
فذلك ﴿ الربا أضعافاً مضاعفة ﴾ فوعظهم الله ﴿ واتقوا الله ﴾ في أمر الربا فلا تأكلوا ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ لكي تفلحوا ﴿ واتقوا النار التي أعدَّت للكافرين ﴾ فخوف آكل الربا من المؤمنين بالنار التي أعدت للكافرين ﴿ وأطيعوا الله والرسول ﴾ يعني في تحريم الربا ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ يعني لكي ترحموا فلا تعذبون.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن معاوية بن قرة قال: كان الناس يتأولون هذه الآية ﴿ واتقوا النار التي أعدَّت للكافرين ﴾ اتقوا لا أعذبكم بذنوبكم في النار التي أعددتها للكافرين.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُواْ النَّارَ ﴾ الآية.
قال أبو إسحاق (١) (٢) وهذا معنى قول ابن عبَّاس، قال (٣) (٤) وفي الآية تَقْويَةٌ لِرَجاءِ المؤمنين، رحمةً من الله -تعالى-؛ لأنه قال: ﴿ أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ ﴾ .
فَجَعلها مُعَدَّةً للكفار، دونَ أهلِ الإيمان.
(١) في "معاني القرآن" له 1/ 468.
نقله عنه بنصه.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ج) و"معاني القرآن".
(٣) لم أقف على مصدر قوله.
وقد ذكره ابن الجوزي في: "زاد المسير" 1/ 459.
(٤) في (ج): (فيستحقوها).
<div class="verse-tafsir"
﴿ أضعافا مضاعفة ﴾ كانوا يزيدون كل ما حل عاماً بعد عام ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو استئناف، وبالواو عطف على ما تقدم ﴿ إلى مَغْفِرَةٍ ﴾ أي إلى الأعمال التي تستحقون بها المغفرة ﴿ عَرْضُهَا ﴾ قال ابن عباس: تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض، كما تقرن الثياب فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلاّ الله؛ وقيل: ليس العرض هنا خلاف الطول، وإنما المعنى سعتها كسعة السموات والأرض.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو العطف: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
﴿ قرح ﴾ بالضم حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة.
الباقون بالفتح.
الوقوف: ﴿ مضاعفة ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفحلون ﴾ ه ج للعطف ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ومن قرأ ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو فوقه مطلق ﴿ والأرض ﴾ ص لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً أي جنة واسعة معدّة.
﴿ للمتقين ﴾ لا لأن الذين صفتهم.
﴿ عن الناس ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ج ه لأن والذين يصلح مبتدأ وخبره ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ فلا وقف على ﴿ يعلمون ﴾ ويصلح معطوفاً لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيوقف على ﴿ يعلمون ﴾ لينصرف عموم أولئك إلى المتقين السابقين منهم بعصمة الله واللاحقين بهم برحمة الله.
والوقف لطول الكلام على ﴿ لذنوبهم ﴾ للابتداء بالاستفهام وعلى ﴿ إلا الله ﴾ لاعتراض الاستفهام ولزوم الجواب بأن يقول الروح: لا أحد يغفر الذنوب إلا أنت ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ سنن ﴾ لا لتعقب الأمر بالاعتبار بعد الإخبار بالتبار.
﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ بين الناس ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوفة أي ليعتبروا ﴿ وليعلم شهداء ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ لا للعطف على ﴿ ليعلم ﴾ ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين كانت قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر، وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر ويتمكنوا من الانتقام منهم، فورد النهي عن ذلك نظراً لهم ورحمة عليهم.
وقيل: إن هذه الآيات ابتداء أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد.
وليس المراد النهي عن الربا في حال كونه أضعافاً لما علم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما هو نهي عنه مع توبيخ بما كانوا عليه في الغالب والمعتاد من تضعيفه.
كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، وهكذا مرة بعد أخرى حتى استغرق بالشيء الطفيف مال المديون ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ فيه أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يقف عليه.
فلو أكل ولم يتق زال الفلاح.
ويعلم منه أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ويؤكد قوله: ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار / المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.
وكون النار معدّة للكافرين لا يمنع دخول الفساق وهم مسلمون فيها لأن أكثر أهل النار الكفار فغلب جانبهم كما لو قلت: أعددت هذه الدابة للقاء المشركين.
لم يمتنع من أن تركبها لبعض حوائجك.
ومثله قوله في صفة الجنة: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ فإنه لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين وغيرهم كالملائكة والحور.
﴿ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ فيه أن رجاء الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول فلهذا يتمسك به أصحاب الوعيد في أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء فهو ليس أهلاً للرحمة.
وغيرهم يحمل الآية على الزجر والتخويف ﴿ وسارعوا ﴾ معطوف على ما قبله.
ومن قرأ بغير الواو فلأنه جعل قوله: ﴿ سارعوا ﴾ وقوله: ﴿ أطيعوا الله ﴾ كالشيء الواحد لأنهما متلازمان.
وتمسك كثير من الأصوليين به في أن ظاهر الأمر يوجب الفور قالوا: في الكلام محذوف والتقدير: سارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم.
ونكر المغفرة ليفيد المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وليس ذلك إلا المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام والإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن كل المنهيات وهذا قول عكرمة.
وعن علي بن أبي طالب: هو أداء الفرائض.
وعن عثمان بن عفان أنه الإخلاص لأنه المقصود من جميع العبادات.
وعن أبي العالية أنه الهجرة.
وقال الضحاك ومحمد بن إسحق: إنه الجهاد لأنه من تمام قصة أحد.
وقال الأصم: بادروا إلى التوبة من الربا لأنه ورد عقيب النهي عن الربا.
ثم عطف عليه المسارعة إلى الجنة لأن الغفران ظاهره إزالة العقاب.
والجنة معناها حصول الثواب، ولا بد للمكلف من تحصيل الأمرين.
ثم وصف الجنة بأن عرضها السموات، ومن البيّن أن نفس السموات لا تكون عرضاً للجنة، فالمراد كعرض السموات لقوله في موضع آخر ﴿ عرضها كعرض السماء ﴾ والمراد المبالغة في وصف سعة الجنة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ونظيره ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ لأنها أطول الاشياء بقاء عندنا.
وقيل: المراد أنه لو جعلت السموات والأرضون طبقاً طبقاً بحيث يكون كل واحد من تلك الطبقات سطحاً مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقاً واحداً لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذه غاية من السعة لا يعلمها إلا الله .
وقيل: إن الجنة التي عرضها عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكاً له، فلا بد أن تكون الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا.
وقال أبو مسلم: معنى العرض القيمة، ومنه عارضت الثوب بكذا.
معناه لو عرضت السموات والأرض على / سبيل البيع لكاتنا ثمناً للجنة.
والأكثرون على أن المراد بالعرض ههنا خلاف الطول.
وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول، وإذا كان العرض هكذا فما ظنك بالطول.
ونظيره ﴿ بطائنها من استبرق ﴾ لأن البطائن في العادة تكون أدون حالاً من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة؟
وقال القفال: العرض عبارة عن السعة.
تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة.
والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق، وما ضاق عرضه دق.
فجعل العرض كناية عن السعة.
وسئل ههنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟
وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السموات وتحت العرش.
قال في صفة الفردوس " سقفها عرش الرحمن " وروي أن رسول هرقل سأل النبي وقال: إنك تدعو الجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟
فقال النبي : "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار" ؟
والمعنى - والله ورسوله أعلم - أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل.
وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟
فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟
قيل: فأين هي؟
قال: فوق السموات السبع تحت العرش.
ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.
منها قوله: ﴿ الذين ينفقون في السراء والضراء ﴾ في حال الغنى والفقر لا يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه.
عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة.
وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت: احسب كم هي من مثقال ذرة.
وقيل: في عرس أو حبس.
والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن.
وقيل: إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان مخالفاً له، فإنهم لا يتركونه.
وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على عظم وقعه عند الله لأنه طاعة شاقة, أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين.
ومنها قوله ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ كظم القربة إذا ملأها وشد فاها.
ويقال: كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه، ورد غيظه في جوفه، وكف غضبه عن الإمضاء، وهو من أقسام الصبر والحلم.
قال : "من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً" وقال أيضاً: " "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ومنها قوله: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قيل: يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة: ﴿ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم ﴾ ويحتمل أنه غضب على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال: لأمثلن بهم.
فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والعفو عنهم.
والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه.
قال : " لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" وعن عيسى ابن مريم : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون، وأن يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء.
وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات.
ويدخل فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ، وإما في الآخرة بأن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو.
فإذن الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير.
فذكر ثواب المجموع بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ فإن محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب.
قال ابن عباس في رواية عطاء: "إن منهالاً التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي وذكر ذلك له فنزلت ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ الآية" .
وقال في رواية الكلبي: "إن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله بينهما، فكانا لا يفترقان في احوالهما.
فخرج الثقفي مع رسول الله بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته.
فأقبل ذات يوم فأبصر امراة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها.
ذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعاً فقال: سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك.
قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح ي الجبال ويتوب / الى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول: رب ذنبي ذنبي.
قد خنت أخي فقال له: يا فلان قم فانطلق الى رسول الله فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجاً وتوبة.
فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر فنزل جبريل بتوبته فتلا على رسول الله ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ فقال عمر: يا رسول الله أخاص هذا لهذا أم للناس عامة؟
فقال: بل للناس عامة في التوبة" .
وعن ابن مسعود "أن المسلمين قالوا للنبي : أبنوا إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟
كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أذنك اجدع أنفك افعل كذا.
فسكت النبي فنزلت/.
فقال النبي : ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها عليهم" ، وبيّن أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار.
والفاحشة نعت محذوف أي فعلوا فعلة فاحشة متزايدة القبح ﴿ أو ظلموا أنفسهم ﴾ أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به.
وقيل: الفاحشة هي الزنا لقوله : ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ﴾ وظلم النفس ما دونه من القبلة واللسمة.
وهذا القول أنسب بسبب النزول الذي رويناه.
وقيل: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة والصغيرة يجب الاستغفار منها لأنه كان مأموراً بالاستغفار ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ وما كان استغفاره إلا عن الصغائر بل ترك الأولى ﴿ ذكروا الله ﴾ أي وعيده أو عقابه وأنه سائلهم أو نهيه، أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، أو ذكروا العرض الأكبر على الله.
وعلى جميع التقادير فلا بد من مضاف محذوف.
ويكون الذكر بمعنى ضد النسيان وإليه ذهب الضحاك ومقاتل والواقدي.
ونظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ وقيل: المراد ذكروا الله بالثناء والتعظيم والإجلال، فإن من آداب المسألة والدعاء تقديم التعظيم والثناء ﴿ فاستغفروا لذنوبهم ﴾ يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى.
والمراد بالاستغفار الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل.
فأما الاستغفار بمجرد اللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب وإنما يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ لأن كمال قدرته وغناه كما أنه يقتضي إيقاع العبد في العقاب، فكمال رحمته وعفوه يقتضي إزالة ذلك العقاب عنه، لكن صدور الرحمة عنه بالذات " سبقت رحمتي غضبي" فجانب العفو والمغفرة أرجح ولا سيما إذا اقترن الذنب / بالتوبة والاعتذار والتنصل بأقصى ما يمكن للعبد.
وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" وعن أنس قال: سمعت رسول الله يقول: "قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.
يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.
يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرضين خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" وعن علي قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له" ثم قرأ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ وهذه الجملة معترضة والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ﴿ ولم يصروا ﴾ لم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.
والتركيب يدل على الشدة، ومنه صررت الصرة شددتها، وصر الفرس أذنيه ضمهما إلى رأسه.
وأصر أيضاً عن النبي : " "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " وروي " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار " ﴿ وهم يعلمون ﴾ حال من فاعل يصروا، وحرف النفي منصب عليها معاً كما لو قلت: ما جاءني زيد وهو راكب.
وأردت نفي المجيء والركوب معاً.
وذلك أن المقام مقام مدح لهم بعدم الإصرار.
والمعنى ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها لأنه قد يعذر الجاهل ولا يعذر العالم، ويحتمل أن يراد بالعلم العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز عن الفواحش فيجري مجرى قوله : " رفع القلم عن ثلاث " وعلى هذا يجوز أن يراد نفي الإصرار في حالة العلم لا نفيه مطلقاً كما لو أردت في المثال المذكور نفي المجيء / في حال الركوب لا نفي المجيء على الإطلاق ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ﴾ وهي إشارة إلى إزالة العقاب ﴿ وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ وهذه إشارة إلى إيصال الثواب ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ ذلك الجزاء.
قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال: إن الثواب تفضل من الله وليس جزاء على عملهم، وذلك أنه سمى الجزاء أجراً والأجر واجب مستحق فكذلك الجزاء.
ولقائل أن يقول: إنه على وجه التشبيه لا التحقيق.
واستدلوا أيضاً بالآية على أن أهل الجنة هم المتقون والتائبون دون المصرين لقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ والجواب ما مر أن كون الجنة معدة للمتقين الموصوفين لا يوجب أن لا يدخلها غيرهم بفضل الله وبرحمته.
ثم ذكر ما يحمل المكلفين على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية فقال: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ وأصل الخلو الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه، وكل ما انقرض ومضى فقد انفرد عن الوجود، والسنة الطريقة المستقيمة.
والمثال المتبع وهي "فعلة" بمعنى "مفعولة" من سن الماء يسنه إذا والى صبه فكأنه أجراه على نهج واحد، أو من سننت النصل أحددته، أو من سن الإبل إذا حسن الرعي.
والمراد قد مضت من قبلكم سنن الله في الأمم السالفة يعني سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ فإنهم خالفوا رسلهم للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة هذا قول أكثر المفسرين.
قال مجاهد: المراد سنن الله في الكافرين والمؤمنين فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن بقي له الثناء الجميل والثواب الجزيل والكافر له اللعن والعقاب.
ثم قال ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، أو لأن الغرض زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يحصل بتأمل أحوال أمثالهم وليس المراد من قوله ﴿ فسيروا في الأرض ﴾ الأمر بالسير بل المقصود تعرّف أحوالهم.
فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلاً.
ولا يبعد أن يقال: ندب إلى السير لأن لمشاهدة آثار الأقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قيل: إن آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار ﴿ هذا بيان ﴾ المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: ﴿ قد خلت ﴾ جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر في سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم.
أما البيان والهدى والموعظة فلا بد من / الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة، فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي في طريق الدين وهو الموعظة.
وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به.
وقيل: البيان عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية, وأقول: يشبه أن يكون البيان عاماً لجميع المكلفين وبأي طريق كان من طرق الدلالة.
والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي، والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ وخص المتقون بالذكر لأن البيان في حق غيرهم غير مثمر.
ثم لما بيّن هذه المقدمات ومهدها ذكر المقصود وهو قوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ .
كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق.
والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهناً وجبناً ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على من قتل منكم وجرح ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، أو أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ وفي هذا تسلية لهم وبشارة.
وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة، وإما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ أي إن صح إيمانكم بالله وبحقية هذا الدين فلا تضعفوا لثقتكم بأن الله سيتم هذا الأمر.
قال ابن عباس: "انهزم أصحاب رسول الله يوم أحد.
فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل.
فقال النبي : اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر.
فأنزل الله هذه الآية" .
وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وقال راشد بن سعد: "لما انصرف رسول الله يوم أحد كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها مقتولين فقال رسول الله : أهكذا تفعل برسولك؟
فنزلت" ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ بفتح القاف وبضمها وهما لغتان كالضعف والضعف، والجهد والجهد.
وقيل بالفتح لغة تهامة والحجاز.
وقيل بالفتح مصدر، وبالضم اسم.
وقال الفراء: إنه بالفتح الجراحة بعينها، وبالضم ألم الجراحة.
وقال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع / قرحة.
ومعنى الآية إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبل ذلك في يوم بدر.
ثم لم يثبطهم ذلك عن معاودة القتال فأنتم أولى بأن لا تفرقوا ولا تجبنوا ونظيره ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ وقيل: القرحان في يوم أحد وذلك أنه قتل يومئذٍ خلق من الكفار نيف وعشرون رجلاً، وقتل صاحب لوائهم، وكثرت الجراحات فيهم، وعقرت عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار كما يجيء من قوله : ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم ﴾ والمماثلة في عدد القتلى والجرحى غير لازمة وإنما تكفي المثلية في نفس القتل والجراحة ﴿ وتلك الأيام ﴾ موصوفاً وصفته مبتدأ خبره ﴿ نداولها ﴾ وتلك مبتدأ أو الأيام خبره كقولك: "هي الأيام تبلي كل جديد" فإن الضمير لا يوصف ويكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الوقائع والأحوال العجيبة التي يعرفها أهل التجارب من أبناء الزمان.
والمراد بالأيام ما في تلك الأوقات من الظفر والغلبة والحالات الغريبة.
وقوله ﴿ نداولها ﴾ كالتفسير لما تقدمه.
والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر.
ويقال: تداولته الأيدي أي تناقلته.
والدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين لا تدوم مسارّها ومغامها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوّه، ويوم آخر بالعكس فلا يبقي شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ونظيره قولهم: "الحرب سجال".
شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة، وليس المراد من هذه المداولة أنه تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون.
بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب.
فالحكمة في المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله : ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ويقرر الفوائد.
والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم.
وفي إيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ولكن في ضمنها مصالح جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله.
وقد احتج هشام بن الحكم بظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا ﴾ على أنه لا يعلم الحوادث إلا عند وقوعها وقد سبق الأجوبة عنها في تفسير قوله : ﴿ وإذا ابتلى إبراهيم ربه ﴾ وتأويل الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على / المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره.
فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير في علم الله محال.
فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار.
وقيل: معناه ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مقام الحكم.
وقيل: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.
وقيل: ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيماً لهم.
وعلى الأقوال العلم بمعنى العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد.
وقيل: إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى الى مفعولين والتقدير: وليعلمهم مميزين عن غيرهم.
ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق وليعلم بعده ومعناه: وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما فعلنا.
ومن حكم المداولة قوله: ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة كقوله: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ فإن كونهم كذلك منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ابتلوا به من الشدائد.
أو المراد ليكرم ناساً منكم بالشهادة.
والشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء.
والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيداً.
قال النضر بن شميل: لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم.
وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ قال ابن عباس: وقيل: لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى، وهو اعتراض بين بعض المعللات وبعض.
وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة لا لأنه يحبهم.
ومن الحكم قوله: ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ﴾ والمحص في اللغة التنقية والمحق النقصان.
وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء.
وقال الزجاج: معنى الآية أنه أن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم، وإن كان بالعكس فالمراد محو آثار الكفار.
وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل لايقطع طرفاً ننقصها من أطرافها.
التأويل: ﴿ لا تأكلوا الربا ﴾ ما يؤدي إلى الحرص إلى طلب الدنيا ﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ إلى ما لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.
﴿ واتقوا الله ﴾ خطاب للخواص أي اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ عن حجب ما سوى الله، وتظفرون بالوصول إلى الله.
ثم خاطب العوام الذين هم ارباب الوسائط بقوله: ﴿ واتقوا ﴾ أي بالقناعة ﴿ النار ﴾ / أي نار الحرص التي توري عنها نار القطيعة، وجوزوا بقدمي طاعة الله وطاعة رسوله.
ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بمصارعة النفس والجنان ﴿ عرضها السموات والأرض ﴾ أي المسافة بين العبد وبينها هذا القدر لأن الوصول إليها بعد العبور عما في السموات والأرض وهو عالم المحسوسات كما قال النبي عن عيسى أنه قال: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.
فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها.
وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية ﴿ ينفقون أموالهم في السراء ﴾ وأرواحهم في الضراء بل من سوى الله في طلب الله ﴿ فعلوا فاحشة ﴾ هي رؤية غير الله ﴿ أوظلموا أنفسهم ﴾ بالتعليق بما سوى الله ﴿ وذكروا الله ﴾ بالنظر إليه وبرؤيته ﴿ ومن يغفر ﴾ ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار ﴿ إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ من رؤية الوسائط والتعلق بها ﴿ وهم يعلمون ﴾ أن كل شيء ما خلا الله باطل ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة ﴾ أي هم مستحقون لمقامات القرب ﴿ من ربهم وجنات ﴾ من أصناف ألطافه ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ العناية ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ لأن نيل المقصود في بذل المجهود ﴿ قد خلت من قبلكم أمم ﴾ لهم ﴿ سنن فسيروا في الأرض ﴾ نفوسكم الحيوانية بالعبور على أوصافها الدنية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية ﴿ ولا تهنوا ﴾ أيها السائرون في السر إلى الله ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما فاتكم من اللذات الفانية ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ من أهل الدنيا والآخرة لأنكم من أهل الله ﴿ إن يمسسكم ﴾ في أثناء المجاهدات ﴿ قرح ﴾ ابتلاء وامتحان ﴿ فقد مس القوم ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ قرح ﴾ محن ﴿ مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ السائرين يوماً نعمة ويوماً نقمة، ويوماً منحة ويوماً محنة ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ أرباب المشاهدات والمكاشفات ﴿ وليمحص الله ﴾ فيه إشارة إلى أن كل ألم ونصب يصيب المؤمن فهو تطهير لقلبه وتكفير لسره، وما يصيب الكافر من نعمة ودولة وغنى ومنى فهو سبب لكفرانه ومزيد لطغيانه.
وبوجه آخر البلاء لأهل الولاء تمحيص للقلوب عن ظلمات العيوب وتنويرها بأنوار الغيوب ومحق صفات نفوسهم الكافرة ومحو سمات أخلاقهم الفاجرة ليتخلصوا عن قفص الأشباح إلى حظائر الأرواح.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ .
قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ - كقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ففيه نهي عن الأخذ، كقوله: ﴿ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، أي: لا تأخذوا.
وقوله: ﴿ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ .
فإن قيل: ما معنى النهي عن المضاعفة وغير المضاعفة حرام؟!
لكنه يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل: أن يكون هذا قبل تحريم الربا، فنهوا عن أخذ المضاعفة.
ويحتمل قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ : أي: لا تكثروا أموالكم بأخذ المضاعفة.
ويحتمل: ﴿ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ ، أي: لا تصرّوا على استحلال الرّبا فتثبتون عليه آخر الأبد.
ويحتمل: ﴿ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ : تضعيف العذاب.
ويحتمل ما قيل: كان أحدهم يبايع الرجل إلى أجل، فإذا حل الأجل زاد في الربح، وزاد الآخر في الأجل، وذلك كان ربا الجاهلية.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ .
يحتمل الأكل؛ لأنه نهاية كل كسب.
ويحتمل الأخذ؛ كقوله: ﴿ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ وقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ : في الأخذ، أي: لا تأخذوا لتُكَثِّروا أموالكم، أو تقصدوا بذلك تضاعف أموالكم إلى غير حد؛ وليس فيه أن القليل ليس بمحرم، لكن ذلك هو مقصود أكله؛ فنهوا عن ذلك، وحرمة القليل بغير ذلك من ليُكَثِّروا أن يكون في نازلة عليها، خرج النهي لا على الإذن بدون ذلك، ولو كان على حقيقة الأكل فهو على النهي عن التوسع بالربا أو بالأمر بالعود إلى ما لا ربا فيه، وإن كان في ذلك ضيق، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون في الآية إضمار؛ فيقول: لا تأكلوا الربا؛ لأنكم إن أكلتموه بعد العلم بالتحريم - تضاعفت عليكم المآثم والعقوبات، وقد جعل الله للربا أعلاماً دلت على ما غلظ شأنها؛ نحو ما وصف من لا يتقيه لا ينفيه بالخروج بحرب الله وحرب رسوله وبالتخبط يوم القيامة، وانتفاخ البطن وما جرى في معاقبة اليهود، وبتحريم أشياء لمكان ذلك، وقوم شعيب ما حل بهم بلزومهم بتعاطي الربا، والله أعلم، ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تأخذوا الربا ولا تستحلوه ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ .
فيه دلالة أنها إنما أعدت للكافرين، لم تعدَّ لغيرهم، فذلك يرد على المعتزلة؛ حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، والله - - يقول: إنها أعدت للكافرين، وهم يقولون: ولغير الكافرين.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ : يحتمل: للذين اتقوا الشرك؛ كقوله: ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
ويحتمل: للذين اتقوا جميع أنواع المعاصي: فإن كان التأويل هو الأول - فكل من لم يستحق بفعله اسم الكفر - فهو في الآية؛ إذ قال في النار: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، لم يجز أن تكون هي أبداً لغيرهم؛ لوجهين: أحدهما: إذ لا يجوز أن تكون الجنة المتخذة للمؤمنين تكون لغيرهم؛ فكذلك النار المعدة للكافرين، وهذا أولى بجواز القول في إيجاب الجنة لمن لا يكون منه الإيمان؛ نحو الذرية، وفساد القول فيهم بالنار، والله أعلم.
والثاني: أنها إذا جعلت لغيرهم أو أعدت لغيرهم - كان لا يكون للكفر فضل هيبة ولفعله فضل فزع في القلوب بوجود ذلك، ومعلوم أن ذلك بالعواقب لا بنفس الفعل - ثبت أنه لا يجب خلود من ليس بكافر فيها حتى يكون ممن أعدّت له، ولغير أثر وتحذير لا تحقيق ذلك كله، والله أعلم.
وإن كان التأويل هو الثاني من اتقاء جميع المعاصي؛ فيكون لذلك بعد عبارتان: إحداهما: أن قد ظهر أهل الجنة وأهل النار، وبينهم قوم لم تبلغ بهم الذنوب الشرك، فيدخلون في الوعيد بالنار المعدة لهم، ولا اتقوا جميع المعاصي؛ فيكونون في الوعد المطلق فيمن أعدت له الجنة؛ فحقه الوقف فيه حتى يظهر ذلك في قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآية، وغير ذلك من آيات العفو والمغفرة، وما كان ذلك واجباً في الحكمة، فيكون القائم به يستحق وصف العدل لا العفو والمغفرة - ثبت أن ذلك فيما قد وجب، أو يكون فيمن يجزيهم جزاءهم ويدخلهم الجنة؛ إذ أخبر أنه لا يجزي السيئة إلا بمثلها، وبالتخليد مضاعفة ذلك من وجهين: أحدهما: أنه عذاب الكفر، وهذا دونه.
والثاني: منع لذة الحسنة بكليتها، بل حق ذلك أن يكون كقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ الآية [الزلزلة: 7] أن يجزي بالأمرين جميعاً، ولا قوة إلا بالله.
والثاني: أنه قد جاء بمقابل السيئة من الحسنات، ومقابل كل أنواع من المعاصي من الطاعات، وقد وعد على الحسنة عشر أمثالها؛ فمحال أن يقابل مثل الذي دون الشرك من السيئات - الشرك في إحباط العمل، ولا يقابل مثل الذي دون الإيمان الإيمانَ في إحباط الذنوب، ويجب له الجنة، ثم مع ذلك الإيمان الذي لا أرفع منه، وهو الذي بعثه على الخوف والرجاء وقت الإساءة، وعلى أنه لو خشي على نفسه كل بلاء ورجا كل نفع في الكفر بربه - لم يؤثر ذلك مع ما وعد على الحسنة عشر أمثالها، ثم يبطل لذة ذلك كله، ويلزم الخلق القول فيه بالكرم والعفو والرحمة، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ﴾ .
ذكر - والله أعلم - طاعة الرسول؛ لأن من الناس من لا يرى طاعة الرسول؛ فأمر - عز وجل - بطاعة رسوله - لئلا يخالفوا أمر الله ولا أمر رسوله، وأن من أطاع الله ولم ير طاعة رسوله فهو لم يطع الله في الحقيقة.
ويحتمل: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ ﴾ في أمره ونهيه، وأطيعوا الرسول فيما بين في سننه أو دعا أو بلغ، والقصد في الآية إلى فرض طاعة الرسول، وأطيعوا الرسول في أمره ونهيه، كما أطعتم الله في أمره ونهيه.
<div class="verse-tafsir"
واجعلوا بينكم وبين النار التي أعدها الله للكافرين به وقاية؛ وذلك بعمل الصالحات وترك المحرمات.
<div class="verse-tafsir" id="91.D0wZ1"
وجه الاتصال بين هذه الآيات وما قبلها أن ما قبلها في بيان أن الله نصر المؤمنين وهم أذلة وأنهم إنما نصروا بتقوى الله وامتثال الأمر والنهي، ولذلك خذلوا في أحد عند المخالفة والطمع في الغنيمة.
وقد جاء هذا بعد النهي عن اتخاذ البطانة من اليهود وبيان أنه لا يضر المؤمنين كيد هؤلاء اليهود ما اعتصموا بالصبر والتقوى.
وقد كان من موادة المؤمنين لليهود واتخاذ البطانة منهم أن منهم من رابى كما كانوا يرابون وكان البعض الآخر مظنة أن يرابي توسلًا لجلب المال المحبوب بسهولة.
فكان الترتيب في الآيات هكذا: نهاهم عن اتخاذ البطانة من اليهود وأمثالهم من المشركين بشروطها التي هي مثار الضرر، ثم بينّ لهم ما يتقون به ضررهم وشر كيدهم وهو تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك طردًا وعكسًا بذكر وقعة بدر ووقعة أحد، ثم نهاهم عن عمل آخر من شر أعمال أولئك اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين وأشدها ضررًا وهو أكل الربا أضعافًا مضاعفة.
وقد كان ما تقدم تمهيدًا لهذا النهي وحجة على أن الربح المتوقع منه ليس هو سبب السعادة وإنما سببها ما ذكر من التقوى والامتثال.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ هذا أول ما نزل في تحريم الربا، وآيات البقرة في الربا نزلت بعد هذه، بل هي آخر آيات الأحكام نزولًا.
والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة محرم.
والأضعاف جمع قلة لضعف (بكسر الضاد) وضعف الشيء مثله الذي يثنيه، فضعف الواحد واحد فهو إذا أضيف إليه ثناه.
وهو من الألفاظ المتضايقة أي التي يقتضي وجودها وجود آخر من جنسها كالنصف والزوج، ويختص بالعدد، فإذا ضاعفت الشيء ضممت إليه مثله مرة فأكثر.
وإذا قلنا إن الأضعاف المضاعفة في الزيادة فقط (التي هي الربا) يصح ما قاله المفسر (الجلال) في تصوير المسألة بتأخير أجل الدين والزيادة في المال، وهذا هو الذي كان معروفًا في الجاهلية، ويصح أيضًا أن تكون الأضعاف بالنسبة إلى رأس المال، وهذا واقع الآن، فإنني رأيت في مصر من استدان بربا ثلاثة في المئة كل يوم فانظر كم ضعفًا يكون في السنة.
وقد قال "مضاعفة" بعد ذكر الأضعاف كأن العقد قد يكون ابتداء على الأضعاف ثم تأتي المضاعفة بعد ذلك بتأخير الأجل وزيادة المال.
قوله: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ إلخ وعيد للمرابين يجعلهم مع الكافرين إذا عملوا فيه عملهم، وفيه تنبيه إلى أن الربا قريب من الكفر.
وهذا القول بعد قوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ تأكيد بعد تأكيد، ثم أكده أيضًا بالأمر بطاعته وطاعة الرسول، فمؤكدات التنفير من الربا أربعة.
وقد قلنا من قبل إن مسألة الربا ليست مدنية محضة بل هي دينية أيضًا، والغرض الديني منها التراحم المفضي إلى التعاون، فالمقرض اليوم قد يكون مقترضًا غدًا، فمن أعان جدير بأن يعان.
ثم ذكر جزاء المتقين بعد الأمر المؤكد باتقاء النار إتباعًا للوعيد بالوعد وقرنا للترهيب بالترغيب كما هي سنته فقال: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ المسارعة إلى المغفرة والجنة هي المبادرة إلى أسبابها وما يُعد الإنسان لنيلها من التوبة عن الإثم كالربا والإقبال على البر كالصدقة.
وقد اختلفوا في الجنة هل هي موجودة بالفعل أن توجد بعد في الآخرة، ولا معنى لهذا الخلاف، ولا هو مما يصح التفرق واختلاف المذاهب فيه.
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ إن المال عزيز على النفس لأنه الآلة لجلب المنافع والملذات ودفع المضار والمؤلمات، وبذله في طرق الخير والمنافع العامة التي ترضي الله تعالى يشق على النفس، أما في السراء فلما يحدثه السرور والغنى من الأشر والبطر والطغيان وشدة الطمع وبعد الأمل، وأما في الضراء فلأن الإنسان يرى نفسه فيها جديرًا بأن يأخذ ومعذورًا إن لم يُعطِ وإن لم يكن معذورًا بالفعل إذ مهما كان فقيرًا لا يعدم وقتًا يجد فيه فضلًا ينفقه في سبيل الله ولو قليلًا.
وداعية البذل في النفس هي التي تنبه الإنسان إلى هذا العفو الذي يجده أحيانًا ليبذله.
فإن لم تكن الداعية موجودة في أصل الفطرة فأمر الدين الذي وضعه الله لتعديل الفطرة المائلة وتصحيح مزاج المعتلة يوجدها ويكون نعم المنبه لها.
وقد فسر بعضهم الضراء بما يخرج الفقراء من هذه الصفة من صفات المتقين وليس بسديد.
يقول من لا علم عنده إن تكليف الفقير والمسكين البذل في سبيل الله لا معنى له ولا غناء فيه.
وربما يقول أكثر من هذا -يعني أنه ينتقد ذلك من الدين- والعلم الصحيح يفيدنا أنه يجب أن تكون نفس الفقير كريمة في ذاتها وأن يتعود صاحبها الإحسان بقدر الطاقة، وبذلك ترتفع نفسه وتطهر من الخسة وهي الرذيلة التي تعرض للفقراء فتجرهم إلي رذائل كثيرة ثم إن النظر يهدينا إلى أن القليل من الكثير كثير فلو أن كل فقير في القطر المصري مثلًا يبذل في السنة قرشًا واحدًا لأجل التعليم لاجتمع من ذلك ألوف الألوف وتيسر به عمل في البلاد كبير فكيف إذا انفق كل أحد على قدره كما قال تعالى : ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾ إلخ.
إذا كان الله تعالى قد جعل الإنفاق في سبيله علامة على التقوى أو أثرًا من آثارها حتى في حال الضراء، وكان انتفاؤه علامة على عدم التقوى التي هي سبب دخول الجنة، فكيف يكون حال أهل السراء الذين يقبضون أيديهم؟
وهل يغني عن هؤلاء من شيء أداء الرسوم الدينية الظاهرة التي يتمرنون عليها عادة مع الناس؟
﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ الغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حق من حقوقها المادية كالمال أو المعنوية كالشرف فيزعجها إلى التشفي والانتقام، ومن أجاب داعي الغيظ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال ولا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي، فلذلك كان من التقوى كظمه.
وفي (روح المعاني) أن الغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل أن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة ولا كذلك الغيظ وقيل الغضب ما يظهر على الجوارح والغيظ ليس كذلك.
أصل الكظم مخرج النفس.
والغيظ وإن كان معنى له أثر في الجسم يترتب عليه عمل ظاهر فإنه يثور بنفس الإنسان حتى يحمله ما لا يجوز من قول أو فعل، فلذلك سمي حبسه وإخفاء أثره كظمًا.
﴿ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾ العفو عن الناس هو التجافي عن ذنب المذنب منهم وترك مؤاخذته مع القدرة عليها وتلك مرتبة في ضبط النفس والحكم عليها وكرم المعاملة قل من يتبوأها.
فالعفو مرتبة فوق مرتبة كظم الغيظ إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد وضغينة وهناك مرتبة أعلى منها وهي ما أفاده قوله : ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ الفاحشة الفعلة الشديدة القبح، وظلم النفس يطلق على كل ذنب.
قال البيضاوي: "وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ولعل الفاحشة ما تتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك" وذكر الله عند الذنب يكون بتذكر نهيه ووعيده أو عقابه أو تذكر عظمته وجلاله وهما مرتبتان: مرتبة دنيا: لعامة المؤمنين ومرتبة عليا: لخواص المتقين وهي أن يذكروا إذا فرط منهم ذنب ذلك المقام الإلهي الأعلى المنزه عن النقص الذي هو مصدر كل كمال، وما يجب من طلب قربه بالمعرفة والتخلق الذي هو منتهى الآمال، فإذا هم تذكروا انصرف عنهم طائفة الشيطان، ووجدوا نفس الرحمن، فرجعوا إليه طالبين مغفرته، راجين رحمته، ملتزمين سنته، واردين شرعته، عالمين أنه لا يغفر الذنوب سواه، وأنه يضل من يدعون عند الحاجة إلا إياه، لأن الكل منه وإليه، وهو المتصرف بسنته فيه والحاكم بسلطانه عليه، ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ لا يصر المؤمن المتقي من أهل الدرجة الدنيا على ذنبه وهو يعلم أن الله تعالى نهى عنه وتوعد عليه، ولا يصر كذلك بالأولى صاحب الدرجة العليا من أهل الإيمان والتقوى، وهو يعلم أن الذنب فسوق عن نظام الفطرة السليمة، واعتداء على قانون الشريعة القويمة، وبعد عن مقام النظام العام، الذب يعرج عليه البشر إلى قرب ذي الجلال والإكرام، ومثال ذلك من يخضع لقوانين الحكام الوضعية خوفًا من العقوبة، ومن يخضع لها احترامًا للنظام، وما أبعد الفرق بين الفريقين.
<div class="verse-tafsir"