الآية ١٣٧ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٣٧ من سورة آل عمران

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ١٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٧ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخاطبا عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أحد ، وقتل منهم سبعون : ( قد خلت من قبلكم سنن ) أي : قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء ، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين ، ولهذا قال : ( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك "، الذين ذكر أنه أعد لهم الجنة التي عرضها السموات والأرض، من المتقين، ووصفهم بما وصفهم به.

ثم قال: هؤلاء الذين هذه صفتهم =" جزاؤهم "، يعني ثوابهم من أعمالهم التي وصَفهم تعالى ذكره أنهم عملوها، (33) = " مغفرة من ربهم "، يقول: عفوٌ لهم من الله عن عقوبتهم على ما سلف من ذنوبهم، ولهم على ما أطاعوا الله فيه من أعمالهم بالحسن منها =" جنات "، وهي البساتين (34) = " تجري من تحتها الأنهار "، يقول: تجري خلال أشجارها الأنهار وفي أسافلها، جزاء لهم على صالح أعمالهم (35) = " خالدين فيها " يعني: دائمي المقام في هذه الجنات التي وصفها =" ونعم أجر العاملين "، يعني: ونعم جزاء العاملين لله، الجنات التي وصفها، كما:- 7866- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين "، أي ثواب المطيعين.

(36) ---------------------- الهوامش : (33) انظر تفسير: "الجزاء" فيما سلف 2: 27 ، 28 ، 314 / 6: 576.

(34) انظر تفسير: "الجنات" فيما سلف 1: 384 / 5 : 535 ، 542.

(35) انظر تفسير: "تجري من تحتها الأنهار" فيما سلف 5: 542.

(36) الأثر: 7866- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7865.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبينهذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين ، والسنن جمع سنة وهي الطريق المستقيم .

وفلان على السنة أي على طريق الاستواء لا يميل إلى شيء من الأهواء ، قال الهذلي :فلا تجزعن من سنة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرهاوالسنة : الإمام المتبع المؤتم به ، يقال : سن فلان سنة حسنة وسيئة إذا عمل عملا اقتدي به فيه من خير أو شر ، قال لبيد :من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمامهاوالسنة الأمة ، والسنن الأمم ; عن المفضل .

وأنشد :ما عاين الناس من فضل كفضلهم ولا رأوا مثلهم في سالف السننوقال الزجاج : والمعنى أهل سنن ، فحذف المضاف .

وقال أبو زيد : أمثال .

عطاء : شرائع .

مجاهد : المعنى قد خلت من قبلكم سنن يعنى بالهلاك فيمن كذب قبلكم كعاد وثمود .

والعاقبة : آخر الأمر ، وهذا في يوم أحد .

يقول فأنا أمهلهم وأملي لهم وأستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجله ، يعني بنصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذه الآيات الكريمات، وما بعدها في قصة "أحد" يعزي تعالى عباده المؤمنين ويسليهم، ويخبرهم أنه مضى قبلهم أجيال وأمم كثيرة، امتحنوا، وابتلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين، فلم يزالوا في مداولة ومجاولة، حتى جعل الله العاقبة للمتقين، والنصر لعباده المؤمنين، وآخر الأمر حصلت الدولة على المكذبين، وخذلهم الله بنصر رسله وأتباعهم.

{ فسيروا في الأرض } بأبدانكم وقلوبكم { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } فإنكم لا تجدونهم إلا معذبين بأنواع العقوبات الدنيوية، قد خوت ديارهم، وتبين لكل أحد خسارهم، وذهب عزهم وملكهم، وزال بذخهم وفخرهم، أفليس في هذا أعظم دليل، وأكبر شاهد على صدق ما جاءت به الرسل؟" وحكمة الله التي يمتحن بها عباده، ليبلوهم ويتبين صادقهم من كاذبهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( قد خلت من قبلكم سنن ) قال عطاء : شرائع ، وقال الكلبي : مضت لكل أمة سنة ومنهاج إذا اتبعوها رضي الله عنهم ، وقال مجاهد : قد خلت من قبلكم سنن بالهلاك فيمن كذب قبلكم ، وقيل : سنن أي : أمم والسنة : الأمة قال الشاعر : ما عاين الناس من فضل كفضلكم ولا رأوا مثلكم في سالف السنن وقيل معناه : أهل السنن ، والسنة هي : الطريقة المتبعة في الخير والشر ، يقال : سن فلان سنة حسنة وسنة سيئة إذا عمل عملا اقتدي به من خير وشر .

ومعنى الآية : قد مضت وسلفت مني سنن فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة ، بإمهالي واستدراجي إياهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لإهلاكهم ، وإدالة أنبيائي عليهم .

( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : آخر أمر المكذبين ، وهذا في حرب أحد ، يقول الله عز وجل : فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأوليائه وإهلاك أعدائه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل في هزيمة أحد «قد خلَت» مضت «من قبلكم سُنَن» طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم «فسيروا» أيها المؤمنون «في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» الرسل أي آخر أمرهم من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فإنا أمهلناهم لوقتهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يخاطب الله المؤمنين لـمَّا أُصيبوا يوم "أُحد" تعزية لهم بأنه قد مضت من قبلكم أمم، ابتُلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين فكانت العاقبة لهم، فسيروا في الأرض معتبرين بما آل إليه أمر أولئك المكذبين بالله ورسله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الفخر الرازى ما ملخصه : اعلم أن الله - تعالى - لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية ، الغفران والجنات ، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية .

وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال : { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } .وأصل الخلو فى اللغة : الانفراد .

والمكان الخالى هو المنفرد عمن يسكن فيه .

ويستعمل أيضا فى الزمان بمعنى المضى : لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه ، وكذا الأمم الخالية .والسنن جمع سنة وهى الطريقة المستقيمة والمثال المتبع .

وفى اشتقاق هذه اللفظة وجوه منها : أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا والى صبه .

والسن الصب للماء .

والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب ، فإنه لتوالى أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشىء الواحد " .والمراد بالسنن هنا : وقائع فى الأمم المكذبة ، أجراها الله - تعالى - على حسب عادته ، وهى الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم عن أمره .والمعنى : إنه قد مضت وتقررت من قبلكم - أيها المؤمنون - سنن ثابتة ، ونظم محكمة فيما قدره - سبحانه - من نصر وهزيمة ، وعزة وذلة ، وعقاب فى الدنيا وثواب فيها ، فالحق يصارع الباطل ، وينتصر أحدهما على الآخر بما سنه - سبحانه - من سنة فى النصر والهزيمة .وقد جرت سننه - سبحانه - فى خلقه أن يجعل العاقبة للمؤمنين الصادقين ، وأن يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .فإن كنتم فى شك من ذلك - أيها المؤمنون - { فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين } .أى : فسيروا فى الأرض متأملين متبصرين ، فسترون الحال السيئة التى انتهى إليها المكذبون من تخريب ديارهم ، وبقايا آثارهم .قالوا : وليس المراد بقوله { فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا } الأمر بذلك لا محالة ، بل المقصود تعرف أحوالهم ، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير فى الأرض كان المقصود حاصلا ، ولا يمتنع أن يقال أيضا : إن لمشاهدة آثار المتقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر :تلك آثارنا تدل علينا ...

فانظروا بعدنا إلى الآثاروالتعبير بلفظ كيف الدال على الاستفهام ، المقصود به تصوير حالة هؤلاء المكذبين التى تدعو إلى العجب ، وتثير الاستغراب ، وتغرس الاعتبار والاتعاظ فى قلوب المؤمنين؛ لأن هؤلاء المكذبين .

مكن الله لهم فى الأرض ، ومنحهم الكثير من نعمه .

ولكنهم لم يشكروه عليها ، فأهلكهم بسبب طغيانهم .فهذه الآية وأشباهها من الآيات ، تدعو الناس إلى الاعتبار بأحوال من سبقوهم .

وإلى الاتعاظ بأيام الله ، وبالتاريخ وما فيه من أحداث ، وبالآثار التى تركها السابقون ، فإنها أصدق من رواية الرواة ومن أخبار المخبرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية الغفران والجنات، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: أصل الخلو في اللغة الانفراد والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه، وكذا الأمم الخالية، وأما السنة فهي الطريقة المستقيمة والمثال المتبع، وفي اشتقاق هذه اللفظة وجوه: الأول: أنها فعلة من سن الماء يسنه اذا والى صبه، والسن الصب للماء، والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب فانه لتوالي أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشيء الواحد، والسنة فعلة بمعنى مفعول.

وثانيها: أن تكون من: سننت النصل والسنان أسنه سنا فهو مسنون إذا حددته على المسن، فالفعل المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمي سنة على معنى أنه مسنون.

وثالثها: أن يكون من قولهم: سن الابل اذا أحسن الرعي، والفعل الذي داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم سمي سنة بمعنى أنه عليه الصلاة والسلام أحسن رعايته وادامته.

المسألة الثانية: المراد من الآية: قد انقضت من قبلكم سنن الله تعالى في الأمم السالفة، واختلفوا في ذلك، فالاكثرون من المفسرين على أن المراد سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله تعالى: ﴿ فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين ﴾ وذلك لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة عليهم، فرغب الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم الى الايمان بالله ورسله والاعراض عن الرياسة في الدنيا وطلب الجاه، وقال مجاهد: بل المراد سنن الله تعالى في الكافرين والمؤمنين؛ فان الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، والكافر بقي عليه اللعنة في الدنيا والعقاب في العقبى ثم إنه تعالى قال: ﴿ فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين ﴾ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، وأيضاً يقال الغرض منه زجر الكفار عن كفرهم وذلك انما يعرف بتأمل أحوال المكذبين والمعاندين، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ  إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون  ﴾ .

المسألة الثالثة: ليس المراد بقوله: ﴿ فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا ﴾ الأمر بذلك لا محالة، بل المقصود تعرف أحوالهم، فان حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلا، ولا يمتنع أن يقال أيضا: ان لمشاهدة آثار المتقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر: إن آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار ثم قال تعالى: ﴿ هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ ﴾ ويعني بقوله: ﴿ هذا ﴾ ما تقدم من أمره ونهيه ووعده ووعيده وذكره لأنواع البينات والآيات، ولا بد من الفرق بين البيان وبين الهدى وبين الموعظة، لأن العطف يقتضي المغايرة فنقول فيه وجهان: الأول: أن البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة، فالفرق أن البيان عام في أي معنى كان، وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي.

وأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان: أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى.

الثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة.

الوجه الثاني: أن البيان هو الدلالة، وأما الهدى فهو الدلالة بشرط كونها مفضية إلى الاهتداء، وقد تقدم هذا البحث في تفسير قوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ في سورة البقرة.

المسألة الرابعة: في تخصيص هذا البيان والهدى والموعظة للمتقين وجهان.

أحدهما: أنهم هم المنتفعون به، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين كالمعدومة ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها  ﴾ ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَّعَ مَنِ اتبع الذكر  ﴾ ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  ﴾ وقد تقدم تقريره في تفسير قوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ الثاني: أن قوله: ﴿ هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ ﴾ كلام عام ثم قوله: ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ ﴾ للمتقين مخصوص بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية، ولا شك أن هذا المعنى لا يحصل إلا في حق المتقين، والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

في مصاحف أهل المدينة والشام (سارعوا) بغير واو.

وقرأ الباقون بالواو.

وتنصره قراءة أبيّ وعبد الله: وسابقوا ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يستحقان به ﴿ عَرْضُهَا السماوات والأرض ﴾ [الحديد: 1] أي عرضها عرض السموات والأرض، كقوله: ﴿ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والارض ﴾ والمراد وصفها بالسعة والبسطة، فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه.

وخص العرض، لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة، كقوله: ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ [الرحمن: 54] .

وعن ابن عباس رضي الله عنه: كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض ﴿ فِى السَّرَّاء والضراء ﴾ في حال الرخاء واليسر وحال الضيقة والعسر، لا يخلون بأن ينفقوا في كلتا الحالتين ما قدروا عليه من كثير أو قليل، كما حكي عن بعض السلف: أنه ربما تصدّق ببصلة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدّقت بحبة عنب أو في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرّة، لا تمنعهم حال فرح وسرور، ولا حال محنة وبلاء، من المعروف، وسواء عليهم كان الواحد منهم في عرس أو في حبس، فإنه لا يدع الإحسان.

وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص، ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين.

كظم القربة: إذا ملأها وشد فاها.

وكظم البعير: إذا لم يجتر.

ومنه كظم الغيظ، وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثراً، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً» ، وعن عائشة رضي الله عنها: أن خادماً لها غاظها فقالت: لله درّ التقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء.

﴿ والعافين عَنِ الناس ﴾ إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه وروي: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا» وعن ابن عيينة: أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هؤلاء في أمّتي قليل إلا من عصم الله، وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت» ﴿ والله يُحِبُّ المحسنين ﴾ يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون.

وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء ﴿ والذين ﴾ عطف على المتقين.

أي أعدت للمتقين وللتائبين.

وقوله: ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الفريقين.

ويجوز أن يكون والذين مبتدأ خبره أولئك ﴿ فاحشة ﴾ فعلة متزايدة القبح ﴿ أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أو أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذون به.

وقيل: الفاحشة والزنا.

وظلم النفس ما دونه من القبلة واللمسة ونحوهما.

وقيل: الفاحشة الكبيرة.

وظلم النفس الصغيرة ﴿ ذَكَرُواْ الله ﴾ تذكروا عقابه أو وعيده أو نهيه، أو حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء منه ﴿ فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ فتابوا عنها لقبحها نادمين عازمين ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله ﴾ وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة وإنّ التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه، وأنّ عدله يوجب المغفرة للتائب، لأن العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو والتجاوز وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها وردع عن اليأس والقنوط وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم.

والمعنى: أنه وحده معه مصححات المغفرة وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ ﴾ ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرّة» وروي: «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ حال من فعل الإصرار وحرف النفي منصب عليهما معاً.

والمعنى: وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها وبالوعيد عليها، لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح.

وفي هذه الآيات بيان قاطع أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متقون وتائبون ومصروُّن.

وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم، دون المصرّين.

ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه.

قال ﴿ أَجْرُ العاملين ﴾ بعد قوله: ﴿ جَزَآؤُهُمْ ﴾ [آل عمران: 87] لأنهما في معنى واحد.

وإنما خالف بين اللفظين لزيادة التنبيه على أنّ ذلك جزاء واجب على عمل، وأجر مستحق عليه، لا كما يقول المبطلون.

وروي أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى موسى: ما أقلّ حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي.

وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة.

وعن الحسن رضي الله عنه: يقول الله تعالى يوم القيامة «جوزوا والصراط بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم» وعن رابعة البصرية رضي الله عنها أنها كانت تنشد: تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ** إنّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى اليَبَسِ والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: ونعم أجر العاملين ذلك.

يعني المغفرة والجنات ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ يريد ما سنه الله في الأمم المكذبين من وقائعه، كقوله: ﴿ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْل ﴾ [الأحزاب: 61] ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ [الفتح: 22] ، ﴿ سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ [الفتح: 23] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ وقائِعُ سَنَّها اللَّهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا ﴾ ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ﴾ وقِيلَ أُمَمٌ قالَ: ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُو ∗∗∗ ولا رَأوْا مِثْلَهُ في سالِفِ السُّنَنِ ﴿ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ لِتَعْتَبِرُوا بِما تَرَوْنَ مِن آثارِ هَلاكِهِمْ.

﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ قَدْ خَلَتْ، أوْ مَفْهُومُ قَوْلِهِ فانْظُرُوا أيْ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ بَيانًا لِلْمُكَذِّبِينَ فَهو زِيادَةُ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ إلى ما لَخَّصَ مِن أمْرِ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ، وقَوْلُهُ قَدْ خَلَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلْبَعْثِ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ وقِيلَ إلى القُرْآنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَدْ خَلَتْ} مضت {مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} يريد ما سنه الله تعالى في

الأمم المكذبين من وقائعه {فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين} فتعتبروا بها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ أيْ وقائِعُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ أجْراها اللَّهُ تَعالى حَسَبَ عادَتِهِ، وقالَ المُفَضَّلُ: إنَّ المُرادَ بِها الأُمَمُ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِمَعْنى الأُمَّةِ في كَلامِهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ: ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكم ولا رَأوْا مِثْلَكم في سالِفِ السُّنَنِ وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِها الشَّرائِعُ والأدْيانُ، فالمَعْنى قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ وأدْيانٌ نُسِخَتْ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِأنَّ هَذا إمّا مُساقٌ لِحَمْلِ المُكَلَّفِينَ أوْ آكِلِي الرِّبا عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ أوْ عَلى التَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ أوْ عَلى كِلَيْهِما بِنَوْعٍ غَيْرِ ما سَبَقَ - كَما قِيلَ - وإمّا عَوْدٌ إلى تَفْصِيلِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ مَبادِي الرَّشَدِ والصَّلاحِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الفَوْزِ والفَلاحِ عَلى رَأْيٍ، وذِكْرُ مُضِيِّ الأدْيانِ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ ارْتِباطٍ بِذَلِكَ، وإنْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ فِيهِ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى دِينِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يَهِنُوا بِقَوْلِ اليَهُودِ أنَّ دِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنْسَخُ ولا يَجُوزُ النَّسْخُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ بَداءٌ، وتَحْرِيضًا لِلْيَهُودِ وحَثًّا عَلى قَبُولِ دِينِ الإسْلامِ، وإنْذارًا لَهم مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ مِثْلُ ما وقَعَ عَلى المُكَذِّبِينَ، وتَقْوِيَةً لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَنْصُرُهم عَلى المُكَذِّبِينَ، نَعَمْ إطْلاقُ السُّنَّةِ عَلى الشَّرِيعَةِ أقْرَبُ مِن إطْلاقِها عَلى الوَقْعَةِ لِأنَّها في الأصْلِ الطَّرِيقَةُ والعادَةُ ومِنهُ قَوْلُهم: سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( سُنَنٌ ) أيْ سُنَنٌ كائِنَةٌ مِن قَبْلِكم ﴿ فَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ أيْ بِأقْدامِكم أوْ بِأفْهامِكم ﴿ فانْظُرُوا ﴾ أيْ تَأمَّلُوا.

﴿ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ (137) أيْ آخِرُ أمْرِهِمُ الَّذِي أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم لِأنْبِيائِهِمْ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِسَبَبِيَّةِ الخُلُوِّ لِلسَّيْرِ والنَّظَرِ أوِ الأمْرِ بِهِما، وقِيلَ: المَعْنى عَلى الشَّرْطِ أيْ إنْ شَكَكْتُمْ ( فَسِيرُوا ) إلَخْ، والخِطابُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُساقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ النَّقّاشُ: لِلْكُفّارِ - وفِيهِ بُعْدٌ - و( كَيْفَ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ - لِكانَ - مُعَلَّقٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ لِأنَّ الأصْلَ اسْتِعْمالُهُ بِالجارِّ وتَجْرِيدُ الفِعْلِ عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ المَرْفُوعَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً نزلت في شأن رجل تَمَّار، جاءت امرأة تشتري منه تمراً، فأدخلها في حانوته وقبلها ثم ندم على ذلك، فنزلت هذه الآية.

ويقال: نزلت هذه الآية في رجل مَسّ امرأة أخيه في الله، وكان أخوه خرج غازياً، ثم ندم وتاب.

ويقال: إنها نزلت في شأن بهلول النباش، تاب عن صنيعه فنزلت هذه الآية.

فقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني الزّنى.

أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني القُبْلَة واللمس.

ويقال: الفاحشة كل فعل يستوجب به الحد في الدنيا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ما دون ذلك.

ويقال: الفاحشة ما استوجب به النار، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ما استوجب به الحساب والحبس.

وقال إبراهيم النخعي: الظلم هاهنا تفسير الفاحشة فكأنه يقول: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ أي خافوا الله، ويقال ذكروا مقامهم بين يدي الله.

ويقال: ذكروا عذاب الله.

فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ يعني الاستغفار باللسان والندامة بالقلب.

ويقال: الاستغفار باللسان بغير ندامة القلب توبة الكذابين.

وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار الكثير.

ثم قال تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ يعني لا يغفر الذنوب إلا الله وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا يعني: لم يقيموا على ما فعلوا من المعصية وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنها معصية فلا يرجعون.

ويقال: في الآية تقديم وتأخير، فكأنه يقول: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم، ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون، ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله أُولئِكَ يعني أهل هذه الصفة جَزاؤُهُمْ يعني ثوابهم مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ يعني: نعم ثواب العاملين الجنة، وهو قول الكلبي.

وقال مقاتل: نعم ثواب التائبين من الذنوب الجنة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ أي قد مضت لكل أمة سنة ومنهاج، فإذا اتبعوها  م.

قال الكلبي: قد مضت سنة بالهلاك فيمن كان قبلكم، فَانْظُروا: أي فاعتبروا كَيْفَ كان جزاء المكذبين.

وقال مقاتل نحو هذا، وقال: يخوف الله هذه الأمة بمثل عذاب الأمم السابقة.

وقال السدي: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي اقرءوا القرآن فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لأن من لم يسافر فإنه لا يعرف ذلك، وأما من قرأ القرآن فإنه يعرف ذلك.

وقال الحسن: اقرءوا القرآن وتدبروا فيه، فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إليه، وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قال السُّدِّيُّ: معناه: وهم يعلَمُونَ أنهم/ قد أَذْنَبُوا «١» ، وقال ابنُ إسحاق: معناه: وهم يعلمون بمَا حَرَّمْتُ عليهم «٢» ، وقيل: وهم يعلَمُونَ أنَّ بابِ التوبة مفتوحٌ، وقيل: وهم يعلمون أنِّي أعاقب عَلَى الإصرار، ثم شَرَّك سبحانه الطَّائفَتَيْنِ المذكورتَيْن في قوله: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ...

الآية.

قال ص: قوله: وَنِعْمَ المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي المغفرة والجنّة.

وقوله سبحانه: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ...

الآية: الخطابُ للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكُمْ أنْ ظَهَرَ الكُفَّار المكذِّبون عليكم بِأُحُدٍ، فإن العاقبة للمتَّقين، وقديماً ما أدال اللَّه المُكَذِّبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيْفَ هلَك المكذِّبون بَعْدَ ذلك، فكذلك تكُونُ عاقبةُ هؤلاءِ، وقال النَّقَّاش: الخِطَابُ ب قَدْ خَلَتْ للكُفَّار.

قال ع «٣» : وذلك قَلِقٌ، وخَلَتْ: معناه: مضَتْ، والسُّنَن: الطرائِقُ.

وقال ابنُ زَيْد: سُنَنَ: معناه: أمثال «٤» ، وهذا تفسيرٌ لا يخُصُّ اللفظة، وقوله:

فَانْظُروا هو عند الجمهورِ مِنْ نظر العين، وقال قوم: هو بالفكر.

وقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ، يريد به القُرآن قاله الحَسَن وغيره «١» ، وقال جماعة: الإشارة ب «هذا» إلى قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ.

وقال الفَخْر «٢» : يعني بقوله: هذا بَيانٌ ما تقدَّم من أمره سبحانه، ونَهْيِهِ، ووعدِهِ، ووعيدِهِ، وذكرِهِ لأنواع البيِّنات والآيات.

انتهى.

ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوَهَنِ، وهو الضَّعْف، وأنَّسهم بأنهم الأعلَوْنَ أصْحَابُ العاقبة، ومِنْ كَرَمِ الخُلُقِ ألاَّ يَهِنَ الإنسانُ في حربه، إذا كان مُحِقًّا، وإنما يحسن اللِّين في السّلم والرضى، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» «٣» ، وقوله سبحانه: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إخبار بعُلُوِّ كلمة الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ.

قال ص: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضِعِ نصبٍ على الحال.

وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: المقصدُ هزُّ النفوسِ، وإقامتها، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ على من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو اضطرب يقينه، أي: لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان، فالزموه، ثم قال تعالى تسليةً للمؤمنين: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والأُسْوَةُ مسلاة للبَشَر ومنه قول الخَنْسَاء: [الوافر]

وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي ...

على إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن ...

أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي «٤»

والقَرْح: القَتْل والجِرَاحْ قاله مجاهدٌ وغيره «٥» .

وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، أخبر سبحانه على جهة التسلية أنَّ

الأيام على قديم الدهر وغابِرِه أيضاً إنما جعلَهَا دُولاً بيْنَ البَشَر، أي: فلا تُنْكِرُوا أنْ يدَالَ عليكم الكفَّار.

وقوله تعالى «١» : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، تقديره: وليَعْلَم اللَّهُ الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنى: ليظهر في الوجود إيمانُ الذين قَدْ علم اللَّه أزلاً أنهم يؤمنون وإلاَّ فقد علمهم في الأزَلِ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ: معناه أهْل فَوْز في سَبِيلِهِ، حسْبما وَرَدَ في فضائلِ الشهداءِ، وذَهَب كثيرٌ من العلماء إلى التَّعْبير عن إدَالَةِ المؤمنين بالنَّصْر، وعن إدالة الكفّار بالإدالة، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك حديثٌ «أنَّهُمْ يُدَالُونَ كَمَا تُنْصَرُونَ» والتمحيصُ: التنقيةُ، قال الخليل: التَّمْحِيصُ: التخليص من العَيْب، فتمحيصُ المؤمنينَ/ هو تنقيتُهم منَ الذُّنُوب، والمَحَقُ: الإذهاب شيْئاً فشيْئاً ومنه: مَحَاقُ القَمَر، وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ...

الآية: حَسِبْتُم: معناه: ظَنَنْتُم، وهذه الآيةُ وما بعدها عَتْبٌ وتقريعٌ لطوائفَ مِنَ المؤمنين الَّذينَ وقَعَتْ منهم الهَنَوَاتُ المشْهورة في يَوْمِ أُحُدٍ، ثم خاطب اللَّه سبحانَهُ المؤمنين بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، والسبب في ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ في غزوةِ بَدْرٍ، يريدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مبادراً، فلم يوعب النَّاس معه إذ كان الظنُّ أنه لا يلقى حَرْباً، فلَمَّا قضَى اللَّه ببَدْرٍ ما قضى، وفاز حاضِرُوها بالمَنْزِلة الرَّفيعةِ، كان المتخلِّفون من المؤمنين عنْها يتمنَّوْن حُضُور قتالِ الكُفَّار ليكونَ منْهُمْ في ذلك غَنَاء يُلْحِقُهُمْ عِنْدَ ربِّهم ونبيِّهم بمنزلةِ أهْل بَدْر، فلمَّا جاء أمْر أُحُدٍ، لم يَصْدُقْ كُلُّ المؤمنين، فعاتبهم اللَّه بهذه الآية، وألزمهم تمنِّيَ المَوْتِ من حيثُ تَمَنَّوْا أسبابه، وهو لقاءُ العَدُوِّ ومُضَارَبَتُهم، وإلاَّ فنَفْسُ قَتْل المُشْرِك للمُسْلِم لا يجُوزُ أنْ يتمنى من حيث هو قَتْلٌ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادةِ والتّنعيم، قُلْتُ:

وفي كلام ع «٢» : بعضُ إجمالٍ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ، ثم أسند عن أبي هريرة، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» وخرَّجه أيضًا مسلمٌ «٣» ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُهُما: قَدْ مَضى قَبْلَكم أهْلُ سُنَنٍ وشَرائِعَ، فانْظُرُوا ماذا صَنَعْنا بِالمُكَذِّبِينَ مِنهم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَدْ مَضَتْ قَبْلَكم سُنَنُ اللَّهِ في إهْلاكِ مَن كَذَّبَ مِنَ الأُمَمِ، فاعْتَبِرُوا بِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٌ.

وفي مَعْنى ﴿ فَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ السَّيْرُ في السَّفَرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ: إذا سِرْتُمْ في أسْفارِكم، عَرَفْتُمْ أخْبارَ الهالِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّفَكُّرُ.

ومَعْنى: فانْظُرُوا: اعْتَبِرُوا، والعاقِبَةُ: آَخِرُ الأمْرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "قَدْ خَلَتْ" لِلْمُؤْمِنِينَ.

والمَعْنى: لا يَذْهَبْ بِكم إنْ ظَهَرَ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ عَلَيْكم بِأُحُدٍ، فَإنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وقَدِيمًا أدالَ اللهُ المُكَذِّبِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَكِنِ انْظُرُوا كَيْفَ هَلَكَ المُكَذِّبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ تَكُونُ عاقِبَةُ هَؤُلاءِ.

وقالَ النَقّاشُ: الخِطابُ بَعْدَ "قَدْ خَلَتْ" لِلْكُفّارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ قَلِقٌ، وخَلَتْ مَعْناهُ: مَضَتْ وسَلَفَتْ.

قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: أهْلُ سُنَنٍ.

والسُنَنُ: الطَرائِقُ مِنَ السِيَرِ والشَرائِعِ والمُلْكِ والفِتَنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وسُنَّةُ الإنْسانِ: الشَيْءُ الَّذِي يَعْمَلُهُ ويُوالِيهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ خالِدٍ الهُذَلِيِّ لِأبِي ذُؤَيْبٍ: فَلا تَجْزَعن مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها وَقالَ سُلَيْمانُ بْنُ قَتَّةَ: وإنَّ الأُلى بِالطَفِّ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَأسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَأسِّيا وقالَ لَبِيدٌ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ∗∗∗ ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ"- مَعْناهُ: أمْثالٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ.

وقالَ تَعالى: "فَسِيرُوا" وهَذا الأمْرُ يُنْبِئُكَ بِالإخْبارِ دُونَ السِيَرِ لِأنَّ الإخْبارَ إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ سارَ وعايَنَ، إذْ هو مِمّا يُدْرَكُ بِحاسَّةِ البَصَرِ وعن ذَلِكَ يَنْتَقِلُ خَبَرُهُ، فَأحالَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.

وقَوْلُهُ: "فانْظُرُوا"، هو عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن نَظَرِ العَيْنِ، وقالَ قَوْمٌ: هو بِالفِكْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هو هَذا القُرْآنُ جَعَلَهُ اللهُ بَيانًا لِلنّاسِ عامَّةً وهُدىً ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خاصَّةً، وقالَ بِمِثْلِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ والرَبِيعُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَوْنُهُ بَيانًا لِلنّاسِ ظاهِرٌ، وهو في ذاتِهِ أيْضًا هُدىً مَنصُوبٌ ومَوْعِظَةٌ، لَكِنَّ مَن عَمِيَ بِالكُفْرِ وضَلَّ وقَسا قَلْبُهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ القُرْآنُ، وتَحْسُنُ إضافَتُهُ إلى المُتَّقِينَ الَّذِينَ فِيهِمْ نَفْعٌ وإيّاهم هَدى، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ والطَبَرِيُّ وجَماعَةٌ: الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ ....

الآيَةِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَعْنى: هَذا تَفْسِيرٌ لِلنّاسِ إنْ قَبِلُوهُ، قالَ الشَعْبِيُّ: المَعْنى: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ مِنَ العَمى.

ثُمَّ نَهى عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ عَنِ الوَهْنِ لِما أصابَهم بِأُحُدٍ، والحُزْنِ عَلى مَن فُقِدَ وعَلى مَذَمَّةِ الهَزِيمَةِ، وآنَسَهم بِأنَّهُمُ الأعْلَوْنَ أصْحابُ العاقِبَةِ والوَهْنُ والوَهَنُ: الضَعْفُ واللِينُ والبِلى، ومِنهُ: ﴿ وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي  ﴾ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:.

............................

∗∗∗ فَأصْبَحَ الحَبْلُ مِنها واهِنًا خَلَقا ومِن كَرَمِ الخُلُقِ ألّا يَهِنَ الإنْسانُ في حَرْبِهِ وخِصامِهِ، ولا يَلِينَ إذا كانَ مُحِقًّا، وأنْ يَتَقَصّى جَمِيعَ قُدْرَتِهِ ولا يَضْرَعَ ولَوْ ماتَ، وإنَّما يَحْسُنُ اللِينُ في السِلْمِ والرِضى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ"» و« "المُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ"» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرُكَ ما إنْ أبُو مالِكٍ ∗∗∗ بِواهٍ ولا بِضَعِيفٍ قُواهْ إذا سُدْتَهُ سُدْتَ مِطْواعَةً ∗∗∗ ومَهْما وكَلْتَ إلَيْهِ كَفاهْ وفِي هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَجْرِي قَوْلُ النابِغَةِ: ومَن عَصاكَ فَعاقِبْهُ مُعاقَبَةً ∗∗∗ تَنْهى الظَلُومَ ولا تَقْعُدْ عَلى ضَمَدِ إلّا لِمِثْلِكَ أو مَن أنْتَ سابِقُهُ ∗∗∗ سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ وفِيهِ يَجْرِي قَوْلُ العَرَبِ: "إذا لَمْ تَغْلِبِ اخْلُبْ"، عَلى مَن تَأوَّلَهُ مِنَ المِخْلَبِ، أيْ حارِبْ ولَوْ بِالأظافِرِ، وهَذا هو فِعْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ طارِقٍ وهو مِن أصْحابِ عاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ حِينَ نَزَعَ يَدَهُ مِنَ القِرانِ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، وفِعْلُ المُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ في يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ.

ومَن رَآهُ مِن مَعْنى الخَلْبِ والخِلابَةِ الَّذِي هو الخَدِيعَةُ والمَكْرُ، فَهو رَأْيُ دُهاةِ العَرَبِ، ولَيْسَ بِرَأْيِ جُمْهُورِها، ومِنهُ فِعْلُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الأشْدَقِ مَعَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانٍ عِنْدَ قَتْلِهِ إيّاهُ، والأمْثِلَةُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وأيْضًا فَلَيْسَ المَكْرُ والخَدِيعَةُ بِذُلٍّ مَحْضٍ، ولِذَلِكَ رَآهُ بَعْضُهم.

وأمّا قَوْلُهُمْ: "إذا عَزَّ أخُوكَ فَهِنْ"، فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ المَعْنى فِيهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِمَعْنى: لِنْ واضْعُفْ ضَعْفَ المِطْواعِ.

وأمّا الرِوايَةُ بِضَمِّ الهاءِ فَهي أمْرٌ بِالهَوانِ، وما أعْرِفُ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِن مَقاطِعِ العَرَبِ، وأمّا الشَرْعُ فَقَدْ قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"،» ورَأيْتُ لِعاصِمٍ أنَّ المَثَلَ عَلى ضَمِّ الهاءِ إنَّما هو مِنَ الهَوْنِ الَّذِي هو الرِفْقُ ولَيْسَ مِنَ الهَوانِ.

قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَجِبُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُوادَعَ العَدُوُّ ما كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَإنْ كانُوا في قُطْرٍ ما عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْظُرُ الإمامُ لَهم بِالأصْلَحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ إخْبارٌ بِعُلُوِّ كَلِمَةِ الإسْلامِ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وظاهِرُ اللَفْظِ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ: إنَّما قالَ اللهُ لَهم ذَلِكَ بِسَبَبِ عُلُوِّهِمْ في الجَبَلِ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  حِينَ انْحازَ في نَفَرٍ يَسِيرٍ مِن أصْحابِهِ إلى الجَبَلِ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ عَلاخالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ فَقالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: "اللهُمَّ لا يَعْلُونَنا" ثُمَّ قامَ وقامَ مَن مَعَهُ فَقاتَلَ أصْحابُهُ وقاتَلَ حِينَئِذٍ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى أزالُوا المُشْرِكِينَ عن رَأْسِ الجَبَلِ، وصَعِدَ رَسُولُ اللهِ  وأصْحابُهُ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ » وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ فَيَكُونَ المَقْصِدُ هَزَّ النُفُوسِ وإقامَتَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ" فَيَكُونَ الشَرْطُ عَلى بابِهِ دُونَ تَجَوُّزٍ، ويَتَرَتَّبُ مِن ذَلِكَ الطَعْنُ عَلى مَن نَجَمَ نِفاقُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وعَلى مَن تَأوَّدَ إيمانُهُ واضْطَرَبَ يَقِينُهُ: ألا لا يُتَحَصَّلُ الوَعْدُ إلّا بِالإيمانِ، فالزَمُوهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى، تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ والأُسْوَةُ مَسْلاةٌ لِلْبَشَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَفْسَ عنهُ بِالتَأسِّي والسُلُوُّ بِالتَأسِّي هو النَفْعُ الَّذِي يَجُرُّهُ إلى نَفْسِهِ الشاهِدُ المَحْدُودُ، فَلِذَلِكَ رُدَّتْ شَهادَتُهُ فِيما حُدَّ فِيهِ وإنْ تابَ وحَسُنَتْ حالُهُ.

والقَرْحُ: القَتْلُ والجِراحُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والرَبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم.

والمَعْنى: إنْ مَسَّكم في أُحُدٍ فَقَدْ مَسَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ بِأيْدِيكم.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "قَرْحٌ" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "قُرْحٌ" بِضَمِّ القافِ، وكُلُّهم سَكَّنَ الراءَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما لُغَتانِ كالضَعْفِ والضُعْفِ والكَرْهِ والكُرْهِ، والفَتْحُ أولى، لِأنَّها لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ والأخْذُ بِها أوجَبُ لِأنَّ القُرْآنَ عَلَيْها نَزَلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ القِراءاتُ لا يُظَنُّ إلّا أنَّها مَرْوِيَّةٌ عَنِ النَبِيِّ  ، وبِجَمِيعِها عارَضَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مَعَ طُولِ السِنِينَ تَوْسِعَةً عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، وتَكْمِلَةً لِلسَّبْعَةِ الأحْرُفِ حَسَبَ ما بَيَّنّاهُ في صَدْرِ هَذا التَعْلِيقِ، وعَلى هَذا لا يُقالُ: هَذِهِ أولى مِن جِهَةِ نُزُولِ القُرْآنِ بِها، وإنْ رَجَحَتْ قِراءَةٌ فَبِوَجْهٍ غَيْرِ وجْهِ النُزُولِ.

قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: القَرْحُ والقُرْحُ مَصْدَرانِ بِمَعْنىً واحِدٍ، ومَن قالَ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجِراحاتُ بِأعْيانِها، والقُرْحُ بِضَمِّ القافِ ألَمُ الجِراحاتِ قُبِلَ مِنهُ إذا أتى بِرِوايَةٍ، لِأنَّ هَذا مِمّا لا يُعْلَمُ بِقِياسٍ، وقالَ بِهَذا التَفْسِيرِ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الأعْمَشُ "إنْ تَمْسَسْكُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "قُرُوحٌ" بِالجَمْعِ، "فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ"، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "قَرَحٌ" بِفَتْحِ القافِ والراءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هي لُغَةٌ في القَرْحِ كالشَلِّ والشَلَلِ والطَرْدِ والطَرَدِ،.

هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، ولَيْسَ هَذا عِنْدَهم مِن تَأْثِيرِ حَرْفِ الحَلْقِ، وأنا أمِيلُ في هَذا إلى قَوْلِ أصْحابِنا البَغْدادِيِّينَ: في أنَّ لِحَرْفِ الحَلْقِ في مِثْلِ هَذا أثَرًا مُعْتَمَدًا، وقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ بَنِي عَقِيلٍ يَقُولُ: نَحْوَهُ بِفَتْحِ الحاءِ، يُرِيدُ نَحْوَهُ، ولَوْ كانَتِ الكَلِمَةُ مَبْنِيَّةً عَلى فَتْحِ الحاءِ لَأُعِلَّتِ الواوُ كَعُصاةٍ وقَناةٍ، وسَمِعْتُ غَيْرَهُ يَقُولُ: أنا مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولا قَرابَةَ بَيْنِي وبَيْنَ البَصْرِيِّينَ ولَكِنَّها بَيْنِي وبَيْنَ الحَقِّ، والحَمْدُ لِلَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي: تمهيد لإعادة الكلام على ما كان يوم أحُد، وما بينهما استطراد، كما علمت آنفاً، وهذا مقدّمة التَّسلية والبشارة الآيتين.

ابتدئت هاته المقدّمة بحقيقة تاريخية: وهي الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.

وجيء ب (قد)، الدّالة على تأكيد الخبر، تنزيلاً لهم منزلة من ينكر ذلك لما ظهر عليهم من انكسار الخواطر من جراء الهزيمة الحاصلة لهم من المشركين، مع أنّهم يقاتلون لنصر دين الله، وبعد أن ذاقوا حلاوة النَّصر يوم بدر، فبيّن الله لهم أنّ الله جعل سنّة هذا العامل أن تكون الأحوال فيه سجالاً ومداولة، وذكّرهم بأحوال الأمم الماضية، فقال: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ .

والله قادر على نصرهم، ولكن الحكمة اقتضت ذلك لئلاّ يغترّ من يأتي بعدهم من المسلمين، فيحسب أنّ النَّصر حليفهم.

ومعنى خلت مضت وانقرضت.

كقوله تعالى: ﴿ قد خلت من قبله الرسل ﴾ [آل عمران: 137].

والسنن جمع سنة وهي السيرة من العمل أو الخلق الذي يلازم المرءُ صدور العمل على مثالها قال لبيد: من معشر سنَّت لهم آباؤهم *** ولكُلّ قوم سْنَّة وإمَامُهَا وقال خالد الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي: فَلاَ تَجْزَعَنْ من سُنّة أنتَ سرْتها *** فأوّلُ راضضٍ سنّةً من يَسيرها وقد تردّد اعتبار أيمّة اللّغة إيّاها جامداً غير مشتقّ، أو اسم مصْدر سَنّ، إذ لم يرد في كلام العرب السَّنُّ بمعنى وضْع السنّة، وفي «الكشاف» في قوله: ﴿ سنة اللَّه في الذين خلوا من قبل ﴾ في سورة [الأحزاب: 38]: سنة الله اسم موضوع موضع المصدر كقولهم تُرْباً وَجَنْدَلاً، ولعلّ مراده أنَّه اسم جامد أقيم مقام المصدر كما أقيم تُربا وجندلاً مُقام تَبَّاً وسُحْقاً في النصب على المفعولية المطلقة، الَّتي هي من شأن المصادر، وأنّ المعنى تراب له وجندل له أي حُصِب بتراب ورُجم بجندل.

ويظهر أنَّه مختار صاحب القاموس } لأنَّه لم يذكر في مادّة سَنّ ما يقتضي أنّ السنّة اسم مصدر، ولا أتى بها عقب فعل سَنّ، ولا ذكر مصدراً لفعل سنّ.

وعلى هذا يكون فعل سنّ هو المشتقّ من السنّة اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة، وهو اشتقاق نادر.

والجاري بكثرة على ألسنة المفسّرين والمعربين: أنّ السنّة اسم مصدر سَنّ ولم يذكروا لِفعل سَنّ مصدراً قياسياً.

وفي القرآن إطلاق السنّة على هذا المعنى كثيراً: ﴿ فلن تجد لسنة اللَّه تبديلاً ﴾ [فاطر: 43] وفسّروا السنن هنا بسنن الله في الأمم الماضية.

والمعنى: قد مضت من قبلكم أحوال للأمم، جارية على طريقة واحدة، هى عادة الله في الخلق، وهي أنّ قوّة الظالمين وعتّوهم على الضعفاء أمر زائل، والعاقبة للمتّقين المحقّين، ولذلك قال: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ أي المكذّبين بِرسل ربّهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقّق ما بلغ من أخبارهم، أو السؤال عن أسباب هلاكهم، وكيف كانوا أولي قوة، وكيف طغوا على المستضعفين، فاستأصلهم الله أو لتطمئنّ نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدةَ عيان، فإنّ للعيان بديع معنى لأنّ بَلَغتهم أخبار المكذّبين، ومن المكذّبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرسّ، وكلّهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم.

وفي الآية دلالة على أهميِّة علم التَّاريخ لأنّ فيه فائدة السير في الأرض، وهي معرفة أخبار الأوائل، وأسباب صلاح الأمم وفسادها.

قال ابن عرفة: «السير في الأرض حسّي ومعنوي، والمعنوي هو النظر في كتب التَّاريخ بحيث يحصل للنَّاظر العلم بأحوال الأمم، وما يقرب من العلم، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض لِعجز الإنسان وقصوره».

وإنَّما أمر الله بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب لأنّ في المخاطبين مَن كانوا أمِّيين، ولأنّ المشاهدة تفيد من لم يقرأ علماً وتقوّي عِلْم من قرأ التَّاريخ أو قصّ عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُنَنٌ مِنَ اللَّهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ أهْلَكَهم بِها.

والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم أهْلُ سُنَنٍ كانُوا عَلَيْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، وأصْلُ السُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ المُتَّبَعَةُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِنهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ  ، قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وَقالَ سُلَيْمانُ بْنُ فَيْدٍ: فَإنَّ الأُلى بِالطَّفِّ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَّآسِيا ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

﴿ وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ نُورٌ وأدَبٌ.

﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ يَعْنِي أنْ يُصِيبَكم قَرْحٌ، قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ.

والثّانِي: أنَّ القَرْحَ بِالفَتْحِ: الجِراحُ، وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وَأمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَسِّ واللَّمْسِ فَهو أنَّ اللَّمْسَ مُباشَرَةٌ بِإحْساسِ، والمَسَّ مُباشَرَةٌ بِغَيْرِ إحْساسٍ، وهَذا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ تَسْلِيَةً لَهم فَإنْ أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ قَرْحٌ فَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلُهُ.

﴿ وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: أيْ تَكُونُ مَرَّةً لِفِرْقَةٍ، ومَرَّةً عَلَيْها والدُّوَلَةُ: الكَرَّةُ، يُقالُ: أدالَ اللَّهُ فُلانًا مِن فُلانٍ بِأنْ جَعَلَ الكَرَّةَ لَهُ عَلَيْهِ.

﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لِيَبْتَلِيَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالتَّمْحِيصِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ والزَّجّاجِ، أصْلُ التَّمْحِيصِ عِنْدَهُما التَّخْلِيصُ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِينَ آمَنُوا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.

﴿ وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْقُصُهم.

﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ قِيلَ: تَمَنّى المَوْتَ بِالجِهادِ مَن لَمْ يَحْضُرْ بَدْرًا، فَلَمّا كانَ أُحُدٌ أعْرَضَ كَثِيرٌ مِنهم فَعاتَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ.

والثّانِي: فَقَدْ رَأيْتُمْ أسْبابَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ قد خلت ﴾ يعني مضت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ يعني تداول من الكفار والمؤمنين في الخير والشر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ قال: عاقبة الأولين والأمم قبلكم، كان سوء عاقبتهم متعهم الله قليلاً ثم صاروا إلى النار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ أصل (١) (٢) (٣) ويستعمل في الزمان، والقُرُون، بمعنى: المُضِيِّ، لأن ما مضى انفرد عمَّا يأتي بعده.

فالأيَّام الماضية: التي انفردت بالمُضِيِّ عن غيرها، كذلك الأمَم الخالية (٤) والسُّنَنُ: جمع: سُنَّة (٥) (٦) (٧) و (سَنَّ اللهُ سُنَّةً)؛ أي: بَيَّنَ طريقًا قويمًا.

ويقال: (هذه سُنَّةْ اللهِ)؛ أي: أمْرُهُ ونَهْيُهُ وحُكْمُهُ.

و (سُنَّةُ النبي  ): طريقته.

والسُّنَّةُ (٨) (٩) (١٠) قال لَبِيد: مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّت لهمْ آباؤُهُمْ (١١) (١٢) واختلفوا في اشتقاق (السُّنَّةِ): فقال بعضهم: هي (فُعْلَة)، من: (سَنَّ الماءَ، يَسُنُّهُ): إذا والَى صَبَّهُ.

والسَّنُّ: صَبُّ الماءِ، والعَرَقِ، وغيره (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) أي: يُصَبُّ عليها دُفَعٌ (١٧) شُبِّهَ فِعْلُ النبي  ، الذي كان يأتيه مَرَّةً بعد أخرى، بالماءِ المَسْنُون؛ وهو (١٨) (١٩)  : (سُنَّة)، و (مسنون).

ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَنْتُ النَّصْلَ والسِّنَانَ، أسُنُّهُ سَنًّا)، فهو (مَسْنُون): إذا أحْدَدْتُهُ على المِسَنِّ (٢٠) (٢١) ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَّ الإِبِلَ): إذا أحْسَنَ رِعْيَتَها (٢٢)  يتولَّى رِعايَتَه وإدامَتَه مِن العبادات سُمِّيَ: (سُنَّةً ومسنونًا)؛ ذهابًا إلى أنَّه كان يَتَوَفَّرُ عليها بإقامةِ شروطِها، تَوَفُّرَ الرَّاعِي على الإِبِلِ بإِحْسانِ رَعْيَها.

هذا كلامُ أهلِ اللغة في (السُّنَةِ).

فأما معنى الآية وتفسيرها؛ فقال أكثر المفسِّرين (٢٣) معنى الآية: قد مضت منِّي-فيمن (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) والمعنى: أنكم إذا سِرْتُم في أسفاركم، عرفتم أخبارَ قومٍ أُهْلِكُوا؛ بتكذيبهم، ورأيتم مصارِعَهم، وما بقي بعدَهم مِن آثارِ مساكنهم، التي [خربت] (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) فـ (السُّنَنُ) -على هذا- جمع: (سُنَّة)، وهي سُنَّة الله عز وجل في [إهلاكِ الأُمَمِ الضالَّةِ] (٣٣) وقال (٣٤) (٣٥) قال ابن الأنباري (٣٦) (٣٧) وتلخيص الآية: قد خَلَت مِن قبلكم طرائقُ سَلَكها (٣٨) وقالَ أبو إسحاق (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) و (العاقبة): آخر الأمر (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) ومنه قيل للنبي  : (العاقب) (٤٩) (١) (أصل): ساقطة من (ج).

(٢) في (ج): (الخال).

(٣) في كتاب "العين": (والخَلِيَّة: الناقة التي خلت من ولدها، ورَعَت ولدَ غيرها.

ويقال: هي التي ليس معها ولد) 4/ 308 (خلو).

وذكر الأزهري أنها التي ينحر ولدها عمدًا؛ ليدوم لبَنُها، فتُستَدَرَّ بِخُوارِ غيرها، أو التي يُجَرُّ ولدُها مِن تحتها، ويُجعَل تحت أخرى، وتُخلى هي للحلب.

انظر: "التهذيب" 1/ 1074 (خلو).

وانظر المعاني السابقة لـ (خلو) في المصدر السابق 1/ 1074، و"المقاييس" 2/ 204.

(٤) انظر: (خلو) في "التهذيب" 1/ 1074، و"مفردات ألفاظ القرآن" 297.

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 99.

(٦) من قوله: (والسنة ..) إلى (..

قويما): نقله بنصه عن "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن).

وانظر: "الزاهر" 2/ 352، و"اللسان" 4/ 2125 (سنن).

(٧) قال ابن الأنباري في: "الزاهر" 2/ 352: (وهي مأخوذة من: (السَّنَن)، وهو: الطريق.

يقال: (خذ على سَنَنِ الطريق، وسُننَهِ، وسُنُنه) ..

أي: وسطه وجادته).

وقال: (ثم تستعمل السن في كل شيء يراد به القصد).

(٨) من قوله: (والسنة ..) على نهاية بيت الشعر (..

وإمامها): نقله -بتصرف يسير- عن: "تفسير الطبري" 4/ 100.

(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"تفسير الطبري" 4/ 100.

(١٠) في "تفسير الطبري" اتبع عليه.

(١١) في (أ): (آبائهم)، وفي (ب): (آبائهم).

والمثبت من (ج)، ومن مصادر البيت.

(١٢) البيت في: ديوانه: 320، وورد منسوبًا له في: "تفسير الطبري" 4/ 100، و"جمهرة أشعار العرب" (137)، و"الزاهر" 2/ 352، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 593، و"تهذيب اللغة" 1/ 206، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني 251، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي 173، و"اللسان" 1/ 134 (أمم)، و"الدر المصون" 3/ 399.

والبيت من معلقته.

وقد تقدم هذا البيت أبياتٌ يذكر فيها قومه، ويذكر أنَّ مِن قومه مَن لهم فضائل متعددة، ومكارم وجلائل من الأعمال متنوعة.

وفي هذا البيت يقول: إن هؤلاء الذين ذكرتهم وأشرت إليهم هم من معشر فيهم هذه العادات والفضائل سنة قديمة متَّبعة، سنَّها لهم آباؤهم فتوارثوا عنهم، ولكل قوم سنة، وإمامها؛ أي: مِثَال يُحتَذى ويُسَارُ على طريقته.

(١٣) قال ابن السكيت: (وكل صبٍّ سهل، فهو: سَنّ).

"إصلاح المنطق": 378.

وانظر هذا المعنى في: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي:270، و"تهذيب اللغة" 2/ 1777 (سنن)، و"غريب الحديث" للخطابي 1/ 438 - 439، و"مجالس ثعلب" 2/ 352، و"الصحاح" 2141 (سنن)، و"المقاييس" 3/ 60، و"اللسان": 4/ 2126 (سنن).

(١٤) في (ب): مطرد.

(١٥) في (ج): وكل.

(١٦) البيت في: "شرح ديوانه" ص187، ورد منسوبا له في: "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن)، و"مقاييس اللغة" 5/ 77 (قرن)، و"الدر المصون" 3/ 440، و"اللسان" 4/ 2522 (صوح)، 4/ 2125 (سنن)، 6/ 3609 (قرن).

ورد في كل المصادر السابقة: (نُعَوِّدُها) -بالنون-.

وورد الشطر الأول في الديوان، و"اللسان" 6/ 3609 (قرن): (تُضَمَّر بالأصائل كل يوم ..).

وورد في الديوان و"اللسان" (تُسَنُّ) -بالتاء-.

الطِّرَاد: هو عَدْوُ الخيل، وتتابعها.

انظر: "اللسان" 5/ 2653 (طرد).

السَّنابِك: جمع: سُنْبُك، وهو: طرف الحافر في الفرس.

انظر: "كتاب الفرق" لابن فارس 63، و"القاموس" 944.

والقُرُون: جمع: قَرْن، وهو: الدُّفْعَة من العَرَق.

وقال أبو عمرو الشيباني: (القرن: العرق).

كتاب الجيم، له: 70.

وانظر: "اللسان" 6/ 3609 (قرن).

يقول: إننا نعوِّدها الجري في كل يوم، حتى يسيل عرقها، ويصل إلى سنابكها؛ مبتغين بذلك أن تكون ضامرة، خفيفة الجسم.

(١٧) في (أ)، (ب)، (ج): رسمت الدالُ فيها قريبًا من الراء.

والمثبت من كتب اللغة وهو الصواب.

والدُّفَع: جمع: دُفْعَة.

وهي: الدَّفْقَة المنصبة بمرَّة انظر: "القاموس" 715 (دفع).

(١٨) (أ)، (ب): (وهي)، والمثبت من (ج).

وهو الصواب؛ لأن الضمير يعود على الماء المسنون.

(١٩) في أ: قد تُقرأ: (الغَرْفة) -لقرب رسم الفتحة كالضمة-.

وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل.

وما أثبته هو الصواب؛ لأن (الغَرْفة) لا دليل فيها على ما أراد المؤلف.

أما (الغُرْفَة) فهي من: (غَرَفَ الماء يَغرِفُه، وَيغرُفه).

و (اغترَفَهُ): أخذه بيده.

واسم المَرَّة منه: (غَرْفَة).

و (الغِرْفة) -بكسر الغين-: هيئة الغَرْفِ.

و (الغُرفَة) بضم "العين": بمعنى: المغروف.

وهي المراد بالتمثيل هنا.

انظر: "القاموس" (841) (غرف).

(٢٠) انظر: (سنن) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1776، و"اللسان" 4/ 2123.

(٢١) في (ج): (والفعل).

(٢٢) قال ابن السكيت: (ويقال: (سَنَّ الإبل، يَسُنُّها، سَنًّا): إذا أحسن رِعْيَتها، حتَّى كأنه صَقَلَها).

"إصلاح المنطق" 54.

وانظر: (سنن) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1777، و"الصحاح" 2139، و"اللسان" 4/ 2123.

(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 303، و"تفسير الطبري" 4/ 99، 100، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 768، و"بحر العلوم" 1/ 300، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب.

(٢٤) في (ج): (في من).

(٢٥) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).

(٢٦) في (ج): فهم.

(٢٧) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (احزا من).

والمثبت من (ج).

(٢٨) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٢٩) في (أ): (يرون)، والمثبت من (ب)، (ج).

(٣٠) المَثُلات، والمُثُلات: جمع: مَثُلَة؛ وهي: النقمة والعقوبة التي تنزل بالإنسان، فيجعل مثالًا يرتدع به غيره.

انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 760 (مثل)، و"تذكرة الأريب" لابن الجوزي 1/ 271، و"تحفة الأريب" لأبي حيان 284.

(٣١) في (ج): (مهلكهم).

(٣٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٣٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٣٤) في (ج): (قال) بدون واو.

(٣٥) أورد هذا القول الثعلبي في: "تفسيره" 3/ 121 ب، وعزاه لعطاء دون ابن عباس.

وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 465.

(٣٦) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٧) في (أ): (وجازين).

وفي (ب): (وجازبن).

والمثبت من (ج).

(٣٨) في (ب): (سنها).

(٣٩) في: "معاني القرآن" له 1/ 470.

نقله عنه بمعناه.

(٤٠) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٤١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٤٢) في "معاني القرآن" (وقول الناس: فلان على السنة؛ معناه: على الطريقة، ولم يحتاجوا أن يقولوا على السنة المستقيمة؛ لأن في الكلام دليلًا على ذلك).

(٤٣) في (ج): (وهو).

(٤٤) انظر: "القاموس" ص 116 - 117 (عقب).

(٤٥) في (ج): (وإذا).

(٤٦) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 147، و"اللسان" 5/ 3022 (عقب).

(٤٧) في (ب): (كالعاقب).

وفي (ج): (والعاقب).

(٤٨) العاقب: الآخر، والذي هو دون السيد، وقيل: الذي يخلفه، وقيل: الذي يخلف من كان قبله في الخير، وهو -كذلك-: العَقُوب.

انظر: (عقب) في: "اللسان" 5/ 3022، و"القاموس" ص 116.

(٤٩) ورد ذلك في الحديث الذي رواه جبير بن مطعم  ، عن النبي  ، قال: "إن لي أسماء: أنا محمد: وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب".

أخرجه: البخاري في "الصحيح" (3532).

كتاب التفسير.

سورة الصف (61).

ومسلم في " الصحيح" رقم (2354) كتاب الفضائل.

باب في أسمائه  ، وفيه: "وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد"، وفي لفظ: "ليس بعده نبي".

وأخرجه الترمذي في "السنن" (2840).

كتاب الأدب باب ما جاء في أسماء النبي  .

والدارمي في "السنن" (2817).

وأحمد في "المسند" 4/ 81، 84 (وانظر: "الفتح الرباني" 2/ 187 - 188).

وأخرجه عبد الرزاق في: "المصنف": 10/ 446 رقم 16957) وفيه: (قال معمر: قلت للزهري: وما العاقب؟

قال: الذي ليس بعده نبي).

وأخرجه مالك في: "الموطأ" (انظر: "تنوير الحوالك" 3/ 162 - 163).

وقال السيوطي عن عبارة (والعاقب: الذي ليس بعده نبي): (وهو مدرج من تفسير الزهري).

"تنوير الحوالك" 3/ 163.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فِي السَّرَّآءِ والضرآء ﴾ في العسر واليسر ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ حذف مفعوله وتقديره: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ خطاب للمؤمنين تأنيساً لهم وقيل: للكافرين تخويفاً لهم ﴿ فانظروا ﴾ من نظر العين عند الجمهور وقيل: هو بالفكر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو العطف: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

﴿ قرح ﴾ بالضم حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة.

الباقون بالفتح.

الوقوف: ﴿ مضاعفة ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفحلون ﴾ ه ج للعطف ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ومن قرأ ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو فوقه مطلق ﴿ والأرض ﴾ ص لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً أي جنة واسعة معدّة.

﴿ للمتقين ﴾ لا لأن الذين صفتهم.

﴿ عن الناس ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ج ه لأن والذين يصلح مبتدأ وخبره ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ فلا وقف على ﴿ يعلمون ﴾ ويصلح معطوفاً لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيوقف على ﴿ يعلمون ﴾ لينصرف عموم أولئك إلى المتقين السابقين منهم بعصمة الله واللاحقين بهم برحمة الله.

والوقف لطول الكلام على ﴿ لذنوبهم ﴾ للابتداء بالاستفهام وعلى ﴿ إلا الله ﴾ لاعتراض الاستفهام ولزوم الجواب بأن يقول الروح: لا أحد يغفر الذنوب إلا أنت ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ سنن ﴾ لا لتعقب الأمر بالاعتبار بعد الإخبار بالتبار.

﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ بين الناس ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوفة أي ليعتبروا ﴿ وليعلم شهداء ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ لا للعطف على ﴿ ليعلم ﴾ ﴿ الكافرين ﴾ ه.

التفسير: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين كانت قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر، وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر ويتمكنوا من الانتقام منهم، فورد النهي عن ذلك نظراً لهم ورحمة عليهم.

وقيل: إن هذه الآيات ابتداء أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد.

وليس المراد النهي عن الربا في حال كونه أضعافاً لما علم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما هو نهي عنه مع توبيخ بما كانوا عليه في الغالب والمعتاد من تضعيفه.

كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، وهكذا مرة بعد أخرى حتى استغرق بالشيء الطفيف مال المديون ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ فيه أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يقف عليه.

فلو أكل ولم يتق زال الفلاح.

ويعلم منه أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ويؤكد قوله: ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار / المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.

وكون النار معدّة للكافرين لا يمنع دخول الفساق وهم مسلمون فيها لأن أكثر أهل النار الكفار فغلب جانبهم كما لو قلت: أعددت هذه الدابة للقاء المشركين.

لم يمتنع من أن تركبها لبعض حوائجك.

ومثله قوله في صفة الجنة: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ فإنه لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين وغيرهم كالملائكة والحور.

﴿ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ فيه أن رجاء الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول فلهذا يتمسك به أصحاب الوعيد في أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء فهو ليس أهلاً للرحمة.

وغيرهم يحمل الآية على الزجر والتخويف ﴿ وسارعوا ﴾ معطوف على ما قبله.

ومن قرأ بغير الواو فلأنه جعل قوله: ﴿ سارعوا ﴾ وقوله: ﴿ أطيعوا الله ﴾ كالشيء الواحد لأنهما متلازمان.

وتمسك كثير من الأصوليين به في أن ظاهر الأمر يوجب الفور قالوا: في الكلام محذوف والتقدير: سارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم.

ونكر المغفرة ليفيد المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وليس ذلك إلا المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام والإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن كل المنهيات وهذا قول عكرمة.

وعن علي بن أبي طالب: هو أداء الفرائض.

وعن عثمان بن عفان أنه الإخلاص لأنه المقصود من جميع العبادات.

وعن أبي العالية أنه الهجرة.

وقال الضحاك ومحمد بن إسحق: إنه الجهاد لأنه من تمام قصة أحد.

وقال الأصم: بادروا إلى التوبة من الربا لأنه ورد عقيب النهي عن الربا.

ثم عطف عليه المسارعة إلى الجنة لأن الغفران ظاهره إزالة العقاب.

والجنة معناها حصول الثواب، ولا بد للمكلف من تحصيل الأمرين.

ثم وصف الجنة بأن عرضها السموات، ومن البيّن أن نفس السموات لا تكون عرضاً للجنة، فالمراد كعرض السموات لقوله في موضع آخر ﴿ عرضها كعرض السماء  ﴾ والمراد المبالغة في وصف سعة الجنة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ونظيره ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض  ﴾ لأنها أطول الاشياء بقاء عندنا.

وقيل: المراد أنه لو جعلت السموات والأرضون طبقاً طبقاً بحيث يكون كل واحد من تلك الطبقات سطحاً مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقاً واحداً لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذه غاية من السعة لا يعلمها إلا الله  .

وقيل: إن الجنة التي عرضها عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكاً له، فلا بد أن تكون الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا.

وقال أبو مسلم: معنى العرض القيمة، ومنه عارضت الثوب بكذا.

معناه لو عرضت السموات والأرض على / سبيل البيع لكاتنا ثمناً للجنة.

والأكثرون على أن المراد بالعرض ههنا خلاف الطول.

وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول، وإذا كان العرض هكذا فما ظنك بالطول.

ونظيره ﴿ بطائنها من استبرق  ﴾ لأن البطائن في العادة تكون أدون حالاً من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة؟

وقال القفال: العرض عبارة عن السعة.

تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة.

والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق، وما ضاق عرضه دق.

فجعل العرض كناية عن السعة.

وسئل ههنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟

وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السموات وتحت العرش.

قال  في صفة الفردوس " سقفها عرش الرحمن " وروي أن رسول هرقل سأل النبي  وقال: إنك تدعو الجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟

فقال النبي  : "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار" ؟

والمعنى - والله ورسوله أعلم - أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل.

وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟

فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟

قيل: فأين هي؟

قال: فوق السموات السبع تحت العرش.

ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.

منها قوله: ﴿ الذين ينفقون في السراء والضراء ﴾ في حال الغنى والفقر لا يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه.

عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة.

وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت: احسب كم هي من مثقال ذرة.

وقيل: في عرس أو حبس.

والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن.

وقيل: إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان مخالفاً له، فإنهم لا يتركونه.

وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على عظم وقعه عند الله لأنه طاعة شاقة, أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين.

ومنها قوله ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ كظم القربة إذا ملأها وشد فاها.

ويقال: كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه، ورد غيظه في جوفه، وكف غضبه عن الإمضاء، وهو من أقسام الصبر والحلم.

قال  : "من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً" وقال أيضاً: " "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ومنها قوله: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قيل: يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة: ﴿ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم  ﴾ ويحتمل أنه  غضب على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال: لأمثلن بهم.

فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والعفو عنهم.

والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه.

قال  : " لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" وعن عيسى ابن مريم  : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون، وأن يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء.

وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات.

ويدخل فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.

ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ، وإما في الآخرة بأن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو.

فإذن الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير.

فذكر ثواب المجموع بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ فإن محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب.

قال ابن عباس في رواية عطاء: "إن منهالاً التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي  وذكر ذلك له فنزلت ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ الآية" .

وقال في رواية الكلبي: "إن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله  بينهما، فكانا لا يفترقان في احوالهما.

فخرج الثقفي مع رسول الله  بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته.

فأقبل ذات يوم فأبصر امراة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها.

ذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعاً فقال: سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك.

قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح ي الجبال ويتوب / الى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول: رب ذنبي ذنبي.

قد خنت أخي فقال له: يا فلان قم فانطلق الى رسول الله  فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجاً وتوبة.

فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر فنزل جبريل  بتوبته فتلا على رسول الله  ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ فقال عمر: يا رسول الله أخاص هذا لهذا أم للناس عامة؟

فقال: بل للناس عامة في التوبة" .

وعن ابن مسعود "أن المسلمين قالوا للنبي  : أبنوا إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟

كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أذنك اجدع أنفك افعل كذا.

فسكت النبي  فنزلت/.

فقال النبي  : ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها عليهم" ، وبيّن أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار.

والفاحشة نعت محذوف أي فعلوا فعلة فاحشة متزايدة القبح ﴿ أو ظلموا أنفسهم ﴾ أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به.

وقيل: الفاحشة هي الزنا لقوله  : ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ وظلم النفس ما دونه من القبلة واللسمة.

وهذا القول أنسب بسبب النزول الذي رويناه.

وقيل: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة والصغيرة يجب الاستغفار منها لأنه  كان مأموراً بالاستغفار ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ وما كان استغفاره إلا عن الصغائر بل ترك الأولى ﴿ ذكروا الله ﴾ أي وعيده أو عقابه وأنه سائلهم أو نهيه، أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، أو ذكروا العرض الأكبر على الله.

وعلى جميع التقادير فلا بد من مضاف محذوف.

ويكون الذكر بمعنى ضد النسيان وإليه ذهب الضحاك ومقاتل والواقدي.

ونظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ وقيل: المراد ذكروا الله بالثناء والتعظيم والإجلال، فإن من آداب المسألة والدعاء تقديم التعظيم والثناء ﴿ فاستغفروا لذنوبهم ﴾ يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى.

والمراد بالاستغفار الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل.

فأما الاستغفار بمجرد اللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب وإنما يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ لأن كمال قدرته وغناه كما أنه يقتضي إيقاع العبد في العقاب، فكمال رحمته وعفوه يقتضي إزالة ذلك العقاب عنه، لكن صدور الرحمة عنه بالذات " سبقت رحمتي غضبي" فجانب العفو والمغفرة أرجح ولا سيما إذا اقترن الذنب / بالتوبة والاعتذار والتنصل بأقصى ما يمكن للعبد.

وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" وعن أنس قال: سمعت رسول الله  يقول: "قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.

يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.

يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرضين خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" وعن علي  قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله  يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له" ثم قرأ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ وهذه الجملة معترضة والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ﴿ ولم يصروا ﴾ لم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.

والتركيب يدل على الشدة، ومنه صررت الصرة شددتها، وصر الفرس أذنيه ضمهما إلى رأسه.

وأصر أيضاً عن النبي  : " "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " وروي " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار " ﴿ وهم يعلمون ﴾ حال من فاعل يصروا، وحرف النفي منصب عليها معاً كما لو قلت: ما جاءني زيد وهو راكب.

وأردت نفي المجيء والركوب معاً.

وذلك أن المقام مقام مدح لهم بعدم الإصرار.

والمعنى ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها لأنه قد يعذر الجاهل ولا يعذر العالم، ويحتمل أن يراد بالعلم العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز عن الفواحش فيجري مجرى قوله  : " رفع القلم عن ثلاث " وعلى هذا يجوز أن يراد نفي الإصرار في حالة العلم لا نفيه مطلقاً كما لو أردت في المثال المذكور نفي المجيء / في حال الركوب لا نفي المجيء على الإطلاق ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ﴾ وهي إشارة إلى إزالة العقاب ﴿ وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ وهذه إشارة إلى إيصال الثواب ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ ذلك الجزاء.

قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال: إن الثواب تفضل من الله وليس جزاء على عملهم، وذلك أنه سمى الجزاء أجراً والأجر واجب مستحق فكذلك الجزاء.

ولقائل أن يقول: إنه على وجه التشبيه لا التحقيق.

واستدلوا أيضاً بالآية على أن أهل الجنة هم المتقون والتائبون دون المصرين لقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ والجواب ما مر أن كون الجنة معدة للمتقين الموصوفين لا يوجب أن لا يدخلها غيرهم بفضل الله وبرحمته.

ثم ذكر ما يحمل المكلفين على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية فقال: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ وأصل الخلو الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه، وكل ما انقرض ومضى فقد انفرد عن الوجود، والسنة الطريقة المستقيمة.

والمثال المتبع وهي "فعلة" بمعنى "مفعولة" من سن الماء يسنه إذا والى صبه فكأنه أجراه على نهج واحد، أو من سننت النصل أحددته، أو من سن الإبل إذا حسن الرعي.

والمراد قد مضت من قبلكم سنن الله  في الأمم السالفة يعني سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ فإنهم خالفوا رسلهم للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة هذا قول أكثر المفسرين.

قال مجاهد: المراد سنن الله في الكافرين والمؤمنين فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن بقي له الثناء الجميل والثواب الجزيل والكافر له اللعن والعقاب.

ثم قال ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، أو لأن الغرض زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يحصل بتأمل أحوال أمثالهم وليس المراد من قوله ﴿ فسيروا في الأرض ﴾ الأمر بالسير بل المقصود تعرّف أحوالهم.

فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلاً.

ولا يبعد أن يقال: ندب إلى السير لأن لمشاهدة آثار الأقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قيل: إن آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار ﴿ هذا بيان ﴾ المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: ﴿ قد خلت ﴾ جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر في سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم.

أما البيان والهدى والموعظة فلا بد من / الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة، فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي في طريق الدين وهو الموعظة.

وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به.

وقيل: البيان عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية, وأقول: يشبه أن يكون البيان عاماً لجميع المكلفين وبأي طريق كان من طرق الدلالة.

والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي، والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ وخص المتقون بالذكر لأن البيان في حق غيرهم غير مثمر.

ثم لما بيّن هذه المقدمات ومهدها ذكر المقصود وهو قوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ .

كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق.

والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهناً وجبناً ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على من قتل منكم وجرح ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، أو أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ وفي هذا تسلية لهم وبشارة.

وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة، وإما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ أي إن صح إيمانكم بالله وبحقية هذا الدين فلا تضعفوا لثقتكم بأن الله سيتم هذا الأمر.

قال ابن عباس: "انهزم أصحاب رسول الله  يوم أحد.

فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل.

فقال النبي  : اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر.

فأنزل الله  هذه الآية" .

وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وقال راشد بن سعد: "لما انصرف رسول الله  يوم أحد كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها مقتولين فقال رسول الله  : أهكذا تفعل برسولك؟

فنزلت" ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ بفتح القاف وبضمها وهما لغتان كالضعف والضعف، والجهد والجهد.

وقيل بالفتح لغة تهامة والحجاز.

وقيل بالفتح مصدر، وبالضم اسم.

وقال الفراء: إنه بالفتح الجراحة بعينها، وبالضم ألم الجراحة.

وقال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع / قرحة.

ومعنى الآية إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبل ذلك في يوم بدر.

ثم لم يثبطهم ذلك عن معاودة القتال فأنتم أولى بأن لا تفرقوا ولا تجبنوا ونظيره ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون  ﴾ وقيل: القرحان في يوم أحد وذلك أنه قتل يومئذٍ خلق من الكفار نيف وعشرون رجلاً، وقتل صاحب لوائهم، وكثرت الجراحات فيهم، وعقرت عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار كما يجيء من قوله  : ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم  ﴾ والمماثلة في عدد القتلى والجرحى غير لازمة وإنما تكفي المثلية في نفس القتل والجراحة ﴿ وتلك الأيام ﴾ موصوفاً وصفته مبتدأ خبره ﴿ نداولها ﴾ وتلك مبتدأ أو الأيام خبره كقولك: "هي الأيام تبلي كل جديد" فإن الضمير لا يوصف ويكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الوقائع والأحوال العجيبة التي يعرفها أهل التجارب من أبناء الزمان.

والمراد بالأيام ما في تلك الأوقات من الظفر والغلبة والحالات الغريبة.

وقوله ﴿ نداولها ﴾ كالتفسير لما تقدمه.

والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر.

ويقال: تداولته الأيدي أي تناقلته.

والدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين لا تدوم مسارّها ومغامها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوّه، ويوم آخر بالعكس فلا يبقي شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ونظيره قولهم: "الحرب سجال".

شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة، وليس المراد من هذه المداولة أنه  تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون.

بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب.

فالحكمة في المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله  : ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ويقرر الفوائد.

والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم.

وفي إيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ولكن في ضمنها مصالح جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله.

وقد احتج هشام بن الحكم بظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ على أنه  لا يعلم الحوادث إلا عند وقوعها وقد سبق الأجوبة عنها في تفسير قوله  : ﴿ وإذا ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ وتأويل الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على / المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره.

فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير في علم الله  محال.

فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار.

وقيل: معناه ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مقام الحكم.

وقيل: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.

وقيل: ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيماً لهم.

وعلى الأقوال العلم بمعنى العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد.

وقيل: إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى الى مفعولين والتقدير: وليعلمهم مميزين عن غيرهم.

ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق وليعلم بعده ومعناه: وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما فعلنا.

ومن حكم المداولة قوله: ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة كقوله: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ فإن كونهم كذلك منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ابتلوا به من الشدائد.

أو المراد ليكرم ناساً منكم بالشهادة.

والشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء.

والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيداً.

قال النضر بن شميل: لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم.

وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ قال ابن عباس: وقيل: لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى، وهو اعتراض بين بعض المعللات وبعض.

وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة لا لأنه يحبهم.

ومن الحكم قوله: ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ﴾ والمحص في اللغة التنقية والمحق النقصان.

وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء.

وقال الزجاج: معنى الآية أنه أن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم، وإن كان بالعكس فالمراد محو آثار الكفار.

وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل لايقطع طرفاً ننقصها من أطرافها.

التأويل: ﴿ لا تأكلوا الربا ﴾ ما يؤدي إلى الحرص إلى طلب الدنيا ﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ إلى ما لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.

﴿ واتقوا الله ﴾ خطاب للخواص أي اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ عن حجب ما سوى الله، وتظفرون بالوصول إلى الله.

ثم خاطب العوام الذين هم ارباب الوسائط بقوله: ﴿ واتقوا ﴾ أي بالقناعة ﴿ النار ﴾ / أي نار الحرص التي توري عنها نار القطيعة، وجوزوا بقدمي طاعة الله وطاعة رسوله.

ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بمصارعة النفس والجنان ﴿ عرضها السموات والأرض ﴾ أي المسافة بين العبد وبينها هذا القدر لأن الوصول إليها بعد العبور عما في السموات والأرض وهو عالم المحسوسات كما قال النبي  عن عيسى أنه قال: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.

فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها.

وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية ﴿ ينفقون أموالهم في السراء ﴾ وأرواحهم في الضراء بل من سوى الله في طلب الله ﴿ فعلوا فاحشة ﴾ هي رؤية غير الله ﴿ أوظلموا أنفسهم ﴾ بالتعليق بما سوى الله ﴿ وذكروا الله ﴾ بالنظر إليه وبرؤيته ﴿ ومن يغفر ﴾ ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار ﴿ إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ من رؤية الوسائط والتعلق بها ﴿ وهم يعلمون ﴾ أن كل شيء ما خلا الله باطل ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة ﴾ أي هم مستحقون لمقامات القرب ﴿ من ربهم وجنات ﴾ من أصناف ألطافه ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ العناية ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ لأن نيل المقصود في بذل المجهود ﴿ قد خلت من قبلكم أمم ﴾ لهم ﴿ سنن فسيروا في الأرض ﴾ نفوسكم الحيوانية بالعبور على أوصافها الدنية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية ﴿ ولا تهنوا ﴾ أيها السائرون في السر إلى الله ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما فاتكم من اللذات الفانية ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ من أهل الدنيا والآخرة لأنكم من أهل الله ﴿ إن يمسسكم ﴾ في أثناء المجاهدات ﴿ قرح ﴾ ابتلاء وامتحان ﴿ فقد مس القوم ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ قرح ﴾ محن ﴿ مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ السائرين يوماً نعمة ويوماً نقمة، ويوماً منحة ويوماً محنة ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ أرباب المشاهدات والمكاشفات ﴿ وليمحص الله ﴾ فيه إشارة إلى أن كل ألم ونصب يصيب المؤمن فهو تطهير لقلبه وتكفير لسره، وما يصيب الكافر من نعمة ودولة وغنى ومنى فهو سبب لكفرانه ومزيد لطغيانه.

وبوجه آخر البلاء لأهل الولاء تمحيص للقلوب عن ظلمات العيوب وتنويرها بأنوار الغيوب ومحق صفات نفوسهم الكافرة ومحو سمات أخلاقهم الفاجرة ليتخلصوا عن قفص الأشباح إلى حظائر الأرواح.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ .

يحتمل أحكاماً، والأحكام تكون على وجهين: حكم يجب لهم، وهو الثواب عند الطاعة، واتباع الحق، وعذاب يحل بهم عند الخلاف والمعصية.

ويحتمل "السنين": الأحكام المشروعة.

﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ حتى تروا آثار من كذب الرسل وما حلَّ بهم من العذاب؛ بالتكذيب.

أو ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : أي سلوا من يعلم ما الذي حل بهم حتى يخبروكم ما مضى من الهلاك في الأمم الخالية، فهذا تنبيه من الله - عز وجل - إياهم أنكم إن كذبتم الرسول - فيحل بكم ما قد حلَّ بمن قد كان قبلكم، وإن أطعتم الرسول  - فكلم من الثواب ما لهم، فاعتبروا به كيف كان جزاؤهم بالتكذيب.

وما في القرآن مثل هذا فمعناه: لو سئلت لأخبروك.

وقيل: ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : أي: تفكروا في القرآن يخبركم عن الأمم الماضية؛ فكأنكم سرتم في الأرض، وما في القرآن مثل هذا - فمعناه: لو سألتَ لأخبروك؛ فإن فيه خبر من كان قبلكم من الأمم، وما لهم من الثواب بالتصديق والطاعة، وما عليهم من العقاب بالتكذيب، والله أعلم.

وفيه قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ يحتمل في المكذبين بالرسل والمصدقين، ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل: لو سرتم فيها لرأيتم آثارهم، ولعرفتم بذلك ما إليه ترجع عواقب الفريقين.

ويحتمل: الأمر بالتأمّل في آثارهم، والنظر في الأنباء عنهم؛ ليكون لهم به العبر، وعما هم عليه مزدجر.

ويحتمل "السنن": الموضوع من الأحكام، وبما به امتحن من قبلهم؛ ليعلموا أن الذي بلوا به ليس ببديع؛ بل على ذلك أمر من تقدمهم؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ ، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَيَانٌ ﴾ يعني: القرآن؛ هو بيان للناس، وهدى من الضلالة.

﴿ وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: يتعظ به المتقون.

ويحتمل: ﴿ بَيَانٌ لِّلنَّاسِ ﴾ : ما ذكر من السنن التي في الأمم الخالية.

دل قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ أن لله في صرف الدوْلة إلى أهل الشرك فعل وتدبير؛ إذ أضاف ذلك إليه ما به الدولة، ثم ذلك معصية وقهر وتذليل، فثبت جواز كون ما هو فعل معصية إلى الله من طريق التخليق والتقدير، والله أعلم؛ إذ ذلك لهم بما هم عصاة به - عز وجل - والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا ﴾ : ولا تضعفوا في محاربة العدو، ولا تحزنوا بما يصيبكم من الجراحات والقروح؛ كقوله -  -: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ  ﴾ ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا ﴾ : في الحرب وأنتم تعلمون لله؛ إذ هم لا يضعفون فيها، وهم يعملون للشيطان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنُوا ﴾ على ما فاتكم من إخوانكم الذين قتلوا.

ويحتمل: ما أصابكم من القروح؛ أي: تلك القروح والجراحات لا تمنعكم عن قتال العدو؛ ولكم الآخرة والشهادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ في الآخرة.

وقيل: ﴿ الأَعْلَوْنَ ﴾ المحقون بالحجج.

وقيل: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ في النصر؛ أي: ترجع عاقبة الأمر إليكم.

ويحتمل أن النصر لكم إن لم تضعفوا في الحرب، ولم تعصوا الله - عز وجل - ورسوله  .

ويحتمل: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ : لكم الشهادة إذا قتلتم؛ وأحياء عند الله، وهم أموات.

وقوله - عز وجل -: [ ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ].

ليس على الشرط؛ ولكن على الخبر؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ  ﴾ أي: إذ كن يؤمن [بالله]، وإن كنتم مؤمنين بالوعد والخبر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما ابتُلي المؤمنون بما نزل بهم يوم أُحد قال الله معزيًا لهم: قد مضت من قبلكم سُنن إلهية في إهلاك الكافرين، وجعل العاقبة للمؤمنين بعد ابتلائهم، فسيروا في الأرض فانظروا معتبرين كيف كان مصير المكذبين لله ورسله، خلت ديارهم، وزال ملكهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.LBk5d"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآيات وما بعدها في قصة أُحد وما فيها من السنن الاجتماعية والحكم والأحكام فهي متصلة بقوله  : ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ إلخ الآيات التي تقدمت.

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ إن بعض المفسرين يجعل الآيتين الأوليين من هذه الآيات تمهيدًا لما بعدهما من النهي عن الوهن والحزن وما يتبع ذلك، وعلى هذا جرى (الجلال) كأنه يقول إن هذا الذي وقع لا يصح أن يضعف عزائمكم فإن السنن التي قد خلت من قبلكم تبين لكم كيف كانت مصارعة الحق للباطل وكيف ابتلي أهل الحق أحيانًا بالخوف والجوع والانكسار في الحرب ثم كانت العاقبة لهم فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين للرسل المقاومين لهم فإنهم كانوا هم المخذولين المغلوبين وكان جند الله هم المنصورين الغالبين، وإذا كان الأمر كذلك فلا تهنوا ولا تحزنوا لما أصابكم في أُحد.

هذا رأي ضعيف، فإن ذكر السنن بعد آيات متعددة، في موضوعات مختلفة، تفيد معاني كثيرة.

فإن الله تعالى نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين بدت لهم بغضاؤهم، وبيّن هو لهم مجامع خبثهم وكيدهم.

ثم ذكر النبي  والمؤمنين بوقعة أحد وما كان فيها بالإجمال، وذكرهم بنصره لهم ببدر.

ثم ذكر المتقين وأوصافهم وما وعدوا به.

ثم ذكر بعد ذلك كله مضي السنن في الأمم وأنه بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين، فذكر السنن بعد ذلك كله يفيد معاني كثيرة تحتاج إلى شرح طويل جدًا لا معنى واحدًا كما قيل.

وإن في القرآن من إفادة المباني القليلة للمعاني الكثيرة بمعونة السياق والأسلوب ما لا يخطر في بال أحد من كتاب البشر وعلمائهم ومثل هذا مما تجب العناية ببيانه.

يقول الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز إن كون القرآن معجزًا ببلاغته يوجب علينا أن نجعل أسلوبه الذي كان معجزًا به فنًا ليبقى دالًا على وجه إعجازه، كذلك أقول إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننًا يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبيّنها العلماء بالتفصيل عملًا بإرشاده كالتوحيد والأصول والفقه.

والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها.

ولا يحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لها فإن الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية التي وضعت لها الأصول والقواعد، وفرعت منها الفروع والمسائل.

وإنني لا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله من ذكرها.

يعني أنهم بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم ومن التجارب والأخبار في الحرب وغيرها وبما منحوا من الذكاء والحذق وقوة الاستنباط كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها.

وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل انفع من العلم النظري المحض وكذلك كانت علومهم كلها، ولما اختلفت حالة العصر اختلافًا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما كانت محتاجة أيضًا إلى تدوين هذا العلم، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية أو علم الاجتماع أو علم السياسة الدينية.

سم بما شئت فلا حرج في التسمية.

ومعنى الجملة: انظروا إلى من تقدمكم من الصالحين والمكذبين فإذا أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم، وإن سلكتم سبل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم، وفي هذا تذكير لمن خالف أمر النبي  في أُحد.

ففي الآية مجاري أمن ومجاري خوف، فهو على بشارته لهم فيها بالنصر وهلاك عدوهم ينذرهم عاقبة الميل عن سننه ويبين لهم أنهم إذا ساروا في طريق الضالين من قبلهم فإنهم ينتهون إلى مثل ما انتهوا إليه، فالآية خبر وتشريع، وفي طيها وعد ووعيد.

﴿ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ  ﴾ أي أن المصارعة بين الحق والباطل قد وقعت من الأمم الماضية، وكان أهل الحق يغلبون أهل الباطل ويُنْصَرون عليهم بالصبر والتقوى، وكان ذلك يجري بأسباب مطردة، وعلى طرائق مستقيمة، يعلم منها أن صاحب الحق إذا حافظ عليه ينصر ويرث الأرض، وأن من ينحرف عنه ويعيث في الأرض فسادًا يخذل وتكون عاقبته الدمار، فسيروا في الأرض واسْتْقرُوا ما حل بالأمم ليحصل لكم العلم الصحيح التفصيلي بذلك وهو الذي يحصل به اليقين ويترتب عليه العمل.

وقال بعض المفسرين إن لم تصدقوا فسيروا.

وهذا قول باطل.

والسير في الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم هو الذي يوصل إلى معرفة تلك السنن والاعتبار بها كما ينبغي.

نعم إن النظر في التاريخ الذي يشرح ما عرفه الذين ساروا في الأرض ورأوا آثار الذين خلوا يعطي الإنسان من المعرفة ما يهديه إلى تلك السنن ويفيده عظة واعتبارًا، ولكن دون اعتبار الذي يسير في الأرض بنفسه ويرى الآثار بعينه ولذلك أمر بالسير والنظر.

ثم اتبع ذلك بقوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ كأنه يقول إن كل إنسان له عقل يعتبر به فهو يفهم أن السير في الأرض يدله على تلك السنن، ولكن المؤمن المتقي أجدر بفهمها لأن كتابه أرشده إليها وأجدر كذلك بالاهتداء والاتعاظ بها.

وقد بينا في تفسير الفاتحة أن لسير الناس في الحياة سننًا يؤدي بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها إلى الهلاك والشقاء وأن من يتبع تلك السنن فلا بد أن ينتهي إلى غايتها سواء كان مؤمنًا أو كافرًا كما قال سيدنا علي: "إن هؤلاء قد انتصروا باجتماعهم على باطلهم وخذلتهم بتفرقكم عن حقكم".

ومن هذه السنن أن اجتماع الناس وتواصلهم وتعاونهم على طلب مصلحة من مصالحهم يكون، مع الثبات، من أسباب نجاحهم ووصولهم إلى مقصدهم سواء كان ما اجتمعوا عليه حقًا أو باطلًا، وإنما يصلون إلى مقصدهم بشيء من الحق والخير ويكون ما عندهم من الباطل قد ثبت باستناده إلى ما معهم من الحق وهو فضيلة الاجتماع والتعاون والثبات.

فالفضائل لها عماد من الحق فإذا قام رجل بدعوى باطلة ولكن رأى جمهور من الناس أنه محق يدعو إلى شيء نافع وأنه يجب نصره فاجتمعوا عليه ونصروه وثبتوا على ذلك فإنهم ينجحون معه بهذه الصفات.

ولكن الغالب أن الباطل لا يدوم بل لا يستمر زمنًا طويلًا لأنه ليس له في الواقع ما يؤيده بل له ما يقاومه فيكون صاحبه دائمًا متزلزلًا فإذا جاء الحق ووجد أنصارًا يجرون على سنة الاجتماع في التعاون والتناصر، ويؤيدون الداعي إليه بالثبات والتعاون، فإنه لا يلبث أن يدمغ الباطل وتكون العاقبة لأهله، فإن شابت حقهم شائبة من الباطل، أو انحرفوا عن سنن الله في تأييده، فإن العاقبة تنذرهم بسوء المصير.

فالقرآن يهدينا في مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نعرف أنفسنا وكنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا ومن السير على سنن الله في طلبه وفي حفظه وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين.

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ إن الحزن إنما يكون على ما فات الإنسان وخسره مما يحبه.

وسببه أنه يشعر أنه قد فاته بفوته شيء من قوته وفقد بفقده شيئًا من عزيمته أو أعضائه.

ذلك بأن صلة الانسان بمحبوباته من المال والمتاع والناس كالأصدقاء وذي القربى تكسبه قوة وتعطيه غبطة وسرورًا فإذا هو فقد شيئًا منها بلا عوض فإنه يعرض لنفسه ألم الحزن الذي يشبه الظلمة ويسمونه كدرًا كأن النفس كانت صافية رائقة فجاء ذلك الانفعال فكدرها بما أزال من صفوها.

وقد يقال هنا نهاهم عن الوهن بما عرض لهم والحزن على ما فقدوا في "أُحد" وكل من الوهن والحزن كان قد وقع وهو أمر طبيعي في مثل الحال التي كانوا عليها؟

والجواب أن المراد بالنهي ما يمكن أن يتعلق به الكسب من معالجة وجدان النفس بالعمل ولو تكلفًا.

كأنه يقول: انظروا في سنن من قبلكم تجدوا أنه ما اجتمع قوم على حق وأحكموا أمرهم وأخذوا أهبتهم وأعدوا لكل أمر عدته، ولم يظلموا أنفسهم في العمل لنصرته، إلا وظفروا بما طلبوا، وعوضوا مما خسروا، فحولوا وجوهكم عن جهة ما خسرتم، وولوها جهة ما يستقبلكم، وانهضوا به العزيمة والحزم، مع التوكل على الله  ، والحزن إنما يكون على فقد ما لا عوض منه وإن لكم خير عوض مما فقدتم، وأنتم الأعلون برجحانكم عليهم في مجموع الوقعتين -بدر وأحد- إذ الذين قتلوا منهم أكثر من الذين قتلوا منكم، على كثرتهم وقلتكم، أو جملة وأنتم الأعلون معترضة يراد بها التبشير بما يكون في المستقبل من النصر، وهما قولان المفسرين.

وسواء كانت للتسلية أو للبشارة فهي مرتبطة بالإيمان الصحيح الذي لا شائبة فيه فإن من اخترق هذا الإيمان فؤاده وتمكن من سويدائه، يكون على يقين من العاقبة، بعد الثقة من مراعاة السنن العامة، والأسباب المطردة، ولذلك قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ومثل هذا الشرط كثير في القرآن وهو ليس للشك وإنما يراد به تنبيه المؤمن إلى حاله، ومحاسبة نفسه على أعماله.

رأيت النبي  ليلة الخميس الماضية (غرة ذي القعدة سنة ١٣٢٠) في الرؤيا منصرفًا مع أصحابه من أحد وهو يقول: "لو خيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة" أي لما في الهزيمة من التأديب الإلهي للمؤمنين وتعليمهم أن يأخذوا بالاحتياط ولا يغتروا بشيء يشغلهم عن الاستعداد وتسديد النظر وأخذ الأهبة وغير ذلك من الأسباب والسنن.

ثم بين تعالى وجه جدارتهم بأن لا يهنوا ولا يحزنوا فقال: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ  ﴾ قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم "قرح" بضم القاف والباقون بفتحها.

قال كثير من المفسرين إن القرح بالفتح والضم واحد فهو "كالضعف" فيه اللغتان ومعناه الجرح، وقال بعضهم إن القرح بالفتح هو الجراح وبالضم أثرها وألمها.

ورجح ابن جرير قراءة الفتح قال "لإجماع أهل التأويل على أن معناه القتل والجراح فذلك يدل على أن القراءة هي بالفتح وكان بعض أهل العربية يزعم أن القَرح والقُرح لغتان بمعنى واحد والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا" أي من أن القرح بالفتح يشمل الجرح والقتل ويؤيده أنه هو الذي حصل.

وفي لسان العرب "القَرح والقُرح" لغتان عض السلاح ونحوه مما يجرح الجسد وقيل القَرح الآثار والقُرح الألم.

عبر المضارع بدل الماضي فلم يقل: "إن يمسكم قرح" ليحضر صورة المس في أذهان المخاطبين.

وإن اعتبار المساواة في المثل من التدقيق الفلسفي الذي لم تكن تقصده العرب في مثل هذه العبارة، وهذا القول صحيح على كل تقدير.

﴿ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ .

هذه قاعدة كقاعدة ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ أي هذه سنة من تلك السنن وهي ظاهرة بين الناس بصرف النظر عن المحقين والمبطلين.

والمداولة في الواقع تكون مبنية على أعمال الناس فلا تكون الدولة لفريق دون آخر جزافًا وإنما تكون لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها.

أي إذا علمتم أن ذلك سنة، فعليكم أن لا تهنوا وتضعفوا بما أصابكم لأنكم تعلمون أن الدولة تدول.

والعبارة تومئ إلى شيء مطوي كان معلومًا لهم وهو أن لكل دولة سبب فكأنه قال: إذا كانت المداولة منوطة بالأعمال التي تفضي إليها كالاجتماع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال وتحكموها أتم الإحكام.

وفي الجملة من الإيجاز وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة ما لا يعهد مثله في غير القرآن.

ثم قال  : ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ إن المراد بعلم الله فيه علم عباده، وإنهم يفسرونه بعلم الظهور أي ليظهر علمه بذلك.

ومعنى قول الجمهور: أن المراد بالعلم علم الظهور أن العلم بالشيء على أنه سيقع ثابت في الأزل فإذا وقع ذلك الشيء حصل تغير في ذلك المعلوم فصار حالًا بعد أن كان مستقبلًا فهل تعَلُّق العلم به عند الوقوع هو عين تَعَلُّقه به من الأزل إلى قبيل وقوعه؟

قال الحكماء: إن الزمن ليس بشيء بالنسبة إلى الله فليس هناك تقدم ولا تأخر ولا متقدم ولا متأخر فتعلق العلم بالمعلوم واحد في الأزل والأبد.

فعلى هذا القول يكون معنى ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ  ﴾ ليظهر علمه للناس بظهور المعلوم لهم فهو كقوله: ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  ﴾ أي يعلم الناس ذلك ويميزونه.

وأما جمهور المتكلمين فيقولون إن الله تعالى يعلم كل شيء أزلًا وأبدًا ولكن تعلق علمه بالأشياء على أنها ستقع غير تعلق علمه بها وهي واقعة فذلك علم غير ظاهر فيه المعلوم في الوجود وهذا علم ظهر متعلقه ووجد.

والمراد بقوله: "ليعلم" الثاني.

إنهم يريدون بعلم الغيب والشهادة معنى آخر، إن العبارة ظاهرة الصحة وإيهام تجدد العلم الإلهي مدفوع، ولكن ما النكتة في اختيار هذه العبارة وأمثالها كقوله في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ولم لم يبين المراد بعبارة لا إيهام فيها؟

النكتة بيان أن العلم إذا لم يصدقه العمل لا يعتد به.

وبيان ذلك أن الانسان كثيرًا ما يتصور الشيء ويحكم بصحته فيرى أنه يعتقده، ولكن إذا عرض العمل كذبه في اعتقاده وتبين أنه لم يكن متحققًا به وإنما كان صورة انطبعت في مخه مع الغفلة عما يعارضها من سائر عقائده المتمكنة التي لها سلطان على وجدانه وأثر في عمله وأخلاقه وعادته التي تجري عليها أعماله.

مثال ذلك أن بعض الناس تحدثه نفسه بأنه شجاع ويعتقد ذلك لعدم وجود ما يعارضه في نفسه حتى إذا ما عرض له ما لا تظهر به حقيقة الشجاعة بالفعل من الحاجة إلى ركوب الخطر وخوض غمرات الموت دفاعًا عن الحق أو الحقيقة جبن وجزع وظهر غروره بنفسه وانخداعه لوهمه.

ومثله من تحدثه نفسه بأنه لقوة إيمانه عظيم الثقة بالله والتوكل عليه، حتى تظهر الحوادث والوقائع أنه هلوع إذا مسه الشر كان جزوعًا، وإذا مسه الخير كان منوعًا، لا يثق بربه ولا بنفسه.

فأراد الله تعالى أن يرشدنا بقوله ﴿ لِيَعْلَمَ  ﴾ إلى أن العلم لا يكون علمًا والإيمان لا يكون إيمانًا إلا إذا صدقهما العمل وظهر أثرهما بالفعل فكأنه قال ليتبين الذين آمنوا على طريق التمثيل.

وأما قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ  ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه من الشهادة في القتال وهي أن يقتل المؤمن في سبيل الله أي مدافعًا عن الحق قاصدًا إعلاء كلمته.

والثاني: أنه من الشهادة على الناس بالمعنى الذي تقدم في قوله  : ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ  ﴾ والأول هو الذي يسبق إلى الذهن في هذا المقام.

وإنما سمي هؤلاء المقتولون شهداء لأنهم يشاهدون بعد الموت من الملكوت ونعيمه ما لا يكون لغيرهم، أو لأنهم ببذل أنفسهم في سبيل الله يكونون من الشهداء على الناس يوم القيامة بالمعنى المشار إليه آنفًا، أو لأنه مشهود لهم بالجنة، ولأن الملائكة تشهد موتهم.

أقوال.

وقوله: ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ  ﴾ جملة معترضة مسوقة لبيان أن الشهداء يكونون مما خلصوا لله وأخلصوا في إيمانهم وأعمالهم فلم يظلموا أنفسهم بمخالفة الأمر أو النهي، ولا بالخروج عن سنن الله في الخلق، وأنه تعالى لا يصطفي للشهادة الظالمين ما داموا على ظلمهم، وفي ذلك بشارة للمتقين، وإنذار للمقصرين، فالناس قبل الابتلاء بالمحن والفتن يكونون سواء، فإذا ابتلوا تبين المخلص والصادق، والظالم والمنافق، وما أسهل ادعاء الاخلاص والصدق إذا كانت آياتهما مجهولة.

فبيان السبب مؤدب للمقصرين، وقاطع لألسنة المدعين، إلا أن يكونوا مع الأغبياء الجاهلين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ  ﴾ قال البعض إن التمحيص تكفير الذنوب وهو مردود بأن المعهود من القرآن التعبير عن هذا المعنى بالتكفير، وبأن للتمحيص هنا معنى آخر يتفق مع ما قاله بعض المفسرين في جملته لا في تصويره.

كل إنسان يحكم لنفسه في نفسه بأمور كثيرة يصدقه فيها الحق الواقع أو يكذبه فالمعتقد حقية الدين قد يتصور وقت الرخاء أنه يسهل عليه بذل ماله ونفسه في سبيل الله ليحفظ شرف دينه ويدفع عنه كيد المعتدين، فإذا جاء البأس ظهر له من نفسه خلاف ما كان يتصور.

فالإنسان يلتبس عليه أمر نفسه فلا يتجلى كمال التجلي إلا بالتجارب الكثيرة والامتحان بالشدائد العظيمة، فالتجارب والشدائد كتمحيص الذهب يظهر به زيفه ونضاره.

ثم إنها أيضًا تنفي خبثه وزغله.

كذلك كان الأمر في أحد: تميز المؤمنون الصادقون من المنافقين، وتطهرت نفوس بعض ضعفاء المؤمنين من كدورتها فصارت تبرًا خالصًا، وهؤلاء هم الذين خالفوا أمر النبي  وطمعوا في الغنيمة والذين انهزموا وولوا وهم مدبرون، محص الجميع بتلك الشدة فعلموا أن المسلم ما خلق ليلهو ويلعب، ولا ليكسل ويتواكل، ولا لينال الظفر والسيادة بخوارق العادات، وتبديل سنن الله في المخلوقات، بل خلق ليكون أكثر الناس جدًا في العمل، وأشدهم محافظة على النواميس والسنن.

وأما محق الكافرين بالشدائد فليس معناه فناؤهم وهلاكهم وإنما هو اليأس يسطو عليهم، وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم، حتى يذهب ما كان قد بقي من نور الفضيلة في نفوسهم، فلا تبقى لهم شجاعة ولا بأس، ولا شيء من عزة النفس، فيكون أحدهم كالهلال في المحاق لا نور له، بل يكون وجوده كالعدم لأنه لا أثر له ولا فائدة فيه، فذلك محقه إذا غلب على أمره.

وإذا هو انتصر طغى وتجبر، وبغى وظلم، وذلك محق معنوي، وتكون عاقبته المحق الصوري، كذلك لا يثبت للكافرين المبطلين وجود مع المؤمنين الصادقين، وإنما يبقون ظاهرين إذا لم يظهر من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد