الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٤٣ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) أي : قد كنتم - أيها المؤمنون - قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو وتتحرقون عليهم ، وتودون مناجزتهم ومصابرتهم ، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه ، فدونكم فقاتلوا وصابروا .
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " .
ولهذا قال : ( فقد رأيتموه ) يعني الموت شاهدتموه في لمعان السيوف وحد الأسنة واشتباك الرماح ، وصفوف الرجال للقتال .
والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل ، وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تتخيل الشاة صداقة الكبش وعداوة الذئب .
القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ولقد كنتم تمنون الموت "، ولقد كنتم، يا معشر أصحاب محمد =" تمنون الموت "، يعني أسبابَ الموت، وذلك: القتالُ =" فقد رأيتموه "، فقد رأيتم ما كنتم تمنونه - و " الهاء " في قوله " رأيتموه " عائدة على " الموت "، والمعنىُّ: [القتال] = (9) " وأنتم تنظرون "، يعني: قد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر، أي بقرب منكم.
* * * وكان بعض أهل العربية يزعم أنه قيل: " وأنتم تنظرون "، على وجه التوكيد للكلام، كما يقال: " رأيته عيانًا " و " رأيته بعيني، وسمعته بأذني".
* * * قال أبو جعفر: وإنما قيل: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه "، لأن قومًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهد بدرًا، كانوا يتمنون قبل أحد يومًا مثل يوم بدر، فيُبْلُوا الله من أنفسهم خيرًا، وينالوا من الأجر مثل ما نال أهل بدر.
فلما كان يوم أحد فرّ بعضهم، وصبرَ بعضهم حتى أوفَى بما كان عاهد الله قبل ذلك، فعاتب الله من فرّ منهم فقال: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه "، الآية، وأثنى على الصابرين منهم والموفين بعهدهم.
*ذكر الأخبار بما ذكرنا من ذلك: 7930- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون "، قال: غاب رجال عن بدر، فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه، فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصابَ أهل بدر.
فلما كان يوم أحد، ولَّى من ولىَّ منهم، فعاتبهم الله = أو: فعابهم، أو: فعيَّبهم = على ذلك.
(10) شك أبو عاصم.
7931- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه - إلا أنه قال: " فعاتبهم الله على ذلك "، ولم يشكّ.
7932- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون "، أناسٌ من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطى الله أهل بدر من الفضل والشرف والأجر، فكان يتمنون أن يرزقوا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى كان في ناحية المدينة يوم أحُد، فقال الله عز وجل كما تسمعون: " ولقد كنتم تمنون الموت "، حتى بلغ الشَّاكِرِينَ .
7933- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه "، قال: كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحد ولّوا.
7934- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: إن أناسًا من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل، فكانوا يتمنون أن يروا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى كان بناحية المدينة يوم أحد، فأنـزل الله عز وجل: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه "، الآية.
7935- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة قال، حدثنا عوف، &; 7-250 &; عن الحسن قال: بلغني أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: " لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه وسلم لنفعلن ولنفعلن "، فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلُّهم صَدق الله، فأنـزل الله عز وجل." ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ".
7936- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: كان ناسٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يشهدوا بدرًا، فلما رأوا فضيلة أهل بدر قالوا: " اللهم إنا نسألك أن ترينا يومًا كيوم بدر نبليك فيه خيرًا "!
فرأوا أحدًا، فقال لهم: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ".
7937- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون "، أي: لقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم = يعني الذين استنهضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على خروجه بهم إلى عدوهم، (11) لما فاتهم من الحضور في اليوم الذي كان قبله ببدر، رغبة في الشهادة التي قد فاتتهم به.
يقول: " فقد رأيتموه وأنتم تنظرون "، أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خلَّى بينكم وبينهم، (12) وأنتم تنظرون إليهم، فصددتُم عنهم.
(13) ---------------- الهوامش : (9) في المطبوعة: " عائدة على الموت ، ومعنى وأنتم تنظرون" ، وهو كلام فاسد.
وفي المخطوطة: "عائدة على الموت ، والمعنى" وبعدها بياض قدر كلمة ، ثم كتب: "وأنتم تنظرون" فوضعت بين القوسين ما استظهرته من كلام أبي جعفر.
(10) في المطبوعة: "أو فعتبهم" ، وفي المخطوطة" فتعتهم" غير منقوطة ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت عابه وعيبه: نسبه إلى العيب.
(11) في المطبوعة: "يعني الذين حملوا رسول الله.
." ، غيره الناشر ، وكان في المخطوطة"استاصوا" غير منقوطة ، ولولا أن الذي في سيرة ابن هشام"استنهضوا" ، لقلت إن صواب قراءتها: "استباصوا" بالصاد في آخره من قولهم: "بصت فلانًا" إذا استعجلته.
والبوص (بفتح فسكون): أن تستعجل إنسانًا في تحميلكه أمرًا ، لا تدعه يتمهل فيه.
وهذه صفة فعل أصحاب رسول الله الذين لم يشهدوا بدرًا ، وأرادوا القتال يوم أحد.
(12) في المطبوعة: "قد حل بينكم وبينهم" ، وهي في المخطوطة غير بينة ، والصواب ما جاء في سيرة ابن هشام ، وقد أثبته.
(13) الأثر: 7937- سيرة ابن هشام 3: 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7929.
هذا وفي السيرة خطأ بين ، تصحيحه في رواية الطبري ، فليراجع.
وقد جاء في السيرة."ثم صدهم عنكم" مكان"فصددتم عنهم" ، وهما معنيان مختلفان ، ولكنها الرواية ، لا يمكن أن أرجح فيها بغير مرجح ، فكلاهما صواب.
قوله تعالى : ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرونقوله تعالى : ولقد كنتم تمنون الموت أي الشهادة من قبل أن تلقوه .
وقرأ الأعمش " من قبل أن تلاقوه " أي من قبل القتل .
وقيل : من قبل أن تلقوا أسباب الموت وذلك أن كثيرا ممن لم يحضروابدرا كانوا يتمنون يوما يكون فيه قتال ، فلما كان يوم أحد انهزموا ، وكان منهم من تجلد حتى قتل ، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك ، فإنه قال لما انكشف المسلمون : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، وباشر القتال وقال : إيها إنها ريح الجنة !
إني لأجدها ، ومضى حتى استشهد .
قال أنس : فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعا وثمانين جراحة .
وفيه وفي أمثاله نزل رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .
فالآية عتاب في حق من انهزم ، لا سيما وكان منهم حمل للنبي - صلى الله عليه وسلم - على الخروج من المدينة ، وسيأتي .
وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد ، لا إلى قتل [ ص: 210 ] الكفار لهم ; لأنه معصية وكفر ولا يجوز إرادة المعصية ، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة ، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدى إلى القتل .قوله تعالى : وأنتم تنظرون قال الأخفش : هو تكرير بمعنى التأكد لقوله : فقد رأيتموه مثل ولا طائر يطير بجناحيه .
وقيل : معناه وأنتم بصراء ليس في أعينكم علل ; كما تقول : قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك علة ، أي فقد رأيته رؤية حقيقية ; وهذا راجع إلى معنى التوكيد .
وقال بعضهم : وأنتم تنظرون إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وفي الآية إضمار ، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلم انهزمتم ؟
ثم وبخهم تعالى على عدم صبرهم بأمر كانوا يتمنونه ويودون حصوله، فقال: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } وذلك أن كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم ممن فاته بدر يتمنون أن يحضرهم الله مشهدا يبذلون فيه جهدهم، قال الله تعالى لهم: { فقد رأيتموه } أي: رأيتم ما تمنيتم بأعينكم { وأنتم تنظرون } فما بالكم وترك الصبر؟
هذه حالة لا تليق ولا تحسن، خصوصا لمن تمنى ذلك، وحصل له ما تمنى، فإن الواجب عليه بذل الجهد، واستفراغ الوسع في ذلك.
وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة، ووجه الدلالة أن الله تعالى أقرهم على أمنيتهم، ولم ينكر عليهم، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها، والله أعلم.
( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ) وذلك أن قوما من المسلمين تمنوا يوما كيوم بدر ليقاتلوا ويستشهدوا فأراهم الله يوم أحد وقوله ( تمنون الموت ) أي : سبب الموت وهو الجهاد من قبل أن تلقوه ، ( فقد رأيتموه ) يعني : أسبابه .
فإن قيل : ما معنى قوله ( وأنتم تنظرون ) بعد قوله : ( فقد رأيتموه ) قيل : ذكره تأكيدا وقيل : الرؤية قد تكون بمعنى العلم ، فقال : ( وأنتم تنظرون ) ليعلم أن المراد بالرؤية النظر ، وقيل : وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم .
«ولقد كنتم تمنون» فيه حذف إحدى التاءين في الأصل «الموت من قبل أن تلقوه» حيث قلتم ليت لنا يوما كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه «فقد رأيتموه» أي سببه الحرب «وأنتم تنظرون» أي بصراء تتأملون الحال كيف هي فلم انهزمتم؟
ونزل في هزيمتهم لما أشيع أن النبي قتل وقال لهم المنافقون إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم.
ولقد كنتم -أيها المؤمنون- قبل غزوة "أُحد" تتمنون لقاء العدو؛ لتنالوا شرف الجهاد والاستشهاد في سبيل الله الذي حَظِي به إخوانكم في غزوة "بدر"، فها هو ذا قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا.
ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من تمنى الشهادة فى سبيله فقال { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } .قال ابن جرير ما ملخصه : كان قوم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهدوا بدراً ، يتمنون قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر ، فيعطون الله من أنفسهم خيرا ، وينالون من الأجر مثل ما نال أهل بدر ، فلما كان يوم أحد ، فر بعضهم وصبر بعضهم ، حتى أوفى بما كان عاهد الله عليه قبل ذلك ، فعاتب الله من فر منهم بقوله : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } .
.
.
الآية .والخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة فى غزوة أحد ، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام .والمراد بالموت هنا الشهادة فى سبيل الله ، أو الحرب والقتال لأنهما يؤديان إلى الموت .والمعنى : ولقد كنتم - يا معشر المؤمنين - { تَمَنَّوْنَ الموت } ، أى الحرب أو الشهادة فى سبيل الله { مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } أى تشاهدوه وتعرفوا أهواله { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } أى فقد رأيتم ما تتمنونه من الموت بمشاهدة أسبابه وهى الحرب وما يترتب عليها من جراح وآلام وقتال { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } أى رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أنتم أيها الأحياء أن تقتلوا .{ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } متعلق بقوله { تَمَنَّوْنَ } مبين لسبب إقدامهم على التمنى .
أى من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا مصاعبه .ففى الجملة الكريمة تعريض بأنهم تمنوا أمرا دون أن يقدروا شدته عليهم ، ودون أن يوطنوا أنفسهم على تحمل مشقاته وتبعاته .والفاء فى قوله { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } للإفصاح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام .
والتقدير : إذا كنتم قد تمنيتم الموت فقد وقع ما تمنيتموه ورأيتموه رأى العين ، فأين بلاؤكم وصبركم وثباتكم؟
.وقوله { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } جملة حالية من ضمير المخاطبين مؤكدة لمعنى رأيتموه .
أى رأيتموه معاينين له ، وهذا على حد قولك : رأيته وليس فى عينى علة ، أى رأيته رؤية حقيقة لا خفاء ولا التباس .والتعبير بالمضارع { تَنظُرُونَ } يفيد التصوير .
وإحضار الصورة الواقعة فى الماضي كأنها واقعة فى الحاضر ، فيستحضرها العقل كما وقعت ، وكما ظهرت فى الوجود .والنظر الذى قرره الله - تعالى - بقوله { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } يتضمن النظر إلى الموقعة كلها ، وكيف كان النصر فى أول الأمر للمسلمين ، ثم كيف كانت الهزيمة بعد ذلك بسبب تطلع بعضهم إلى أعراض الدنيا .
ثم كيف تفرقت صفوفهم بعد اجتماعها وكيف تضعضعت بعض العزائم بعد مضائها وقوتها .ولقد حكت الآية الكريمة أن المسلمين كانوا يتمنون الموت فى معركة ، وليس فى ذلك من بأس ، بل إن هذا هو شعار المؤمن الصادق ، لأن المؤمن الصادق هو الذى يتمنى الشهادة فى سبيل الله ومن أجل نصرة دينه ، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لوددت أنى اقتل فى سبيل الله ، ثم أحيا ، ثم أقتل ، ثم أحيا ثم أقتل " .وقال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - " اللهم إنى أسألك شهادة فى سبيلك " .
ولكن الذى يكرهه الإسلام هو أن يتمنى المسلم الشهادة ثم لا يفى بما تمناه ، بمعنى أن يفر من الميدان أو يفعل ما من شأنه أن يتنافى مع الجهاد الحق فى سبيل الله .ولذا قال الآلوسى : " والمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم الشهادة ، وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا ، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم " .فالآية الكريمة تعظ المؤمنين بأن لا يتمنوا أمرا حتى يفكروا فى عواقبه ، ويعدوا أنفسهم له ، ويلتزموا الوفاء بما تمنوه عند تحققه ، ولقد رسم النبى صلى الله عليه وسلم الطريق القويم الذى يجب أن يسلكه المسلم في حياته فقال فى حديثه الصحيح :" أيها الناس ، لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية .
فإذا لقيتموهم فاصبروا .
واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بأن يعتبروا بأحوال من سبقهم ، وأن يتجنبوا ما كان عليه المكذبون من ضلال وعصيان وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل المصائب والآلام فإن العاقبة لهم ، وأن يعملوا أن الحياة لا تخلو من نصر وهزيمة ، وسراء وضراء حتى يتميز الخبيث من الطيب ، وأن يعرفوا أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى إيمان عميق ، وصبر طويل ، وجهاد شديد ، واستجابة كاملة لتعاليم الإسلام وآدابه .
ثم تمضى السورة الكريمة فى حديثها عن غزوة أحد ، فتذكر المؤمنين بما كان منهم عندما اشيع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل ، وترشدهم إلى أن الآجال بيد الله ، وأن المؤمنين الصادقين قاتلوا مع أنبيائهم فى سبيل إعلاء كلمة الله بدون ضعف أو ملل فعليهم أن يتأسوا بهم فى ذلك ، وأن الله - تعالى - قد تكفل بان يمنح المؤمنين الصادقين المجاهدين فى سبيله أجرهم الجزيل فى الدنيا والآخرة .
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى الوجوه التي هي الموجبات والمؤثرات في مداولة الأيام ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصلي لذلك، فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة ﴾ بدون تحمل المشاق وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أم: منقطعة، وتفسير كونها منقطعة تقدم في سورة البقرة.
قال أبو مسلم: في ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت، وتلخيصه: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد، وهو كقوله: ﴿ الٓمٓ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ وافتتح الكلام بذكر أم التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما لا بعينه، يقولون: أزيداً ضربت أم عمرواً، مع تيقن وقوع الضرب بأحدهما، قال: وعادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً، فلما قال: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا ﴾ كأنه قال: أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر، وإنما استبعد هذا لأن الله تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة، وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح فيها في الدين وفي الدنيا، فلما كان كذلك، فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة.
المسألة الثانية: قال الزجاج: إذا قيل فعل فلان، فجوابه أنه لم يفعل، وإذا قيل قد فعل فلان، فجوابه لما يفعل.
لأنه لما أكد في جانب الثبوت بقد، لا جرم أكد في جانب النفي بكلمة لما.
المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم، والمراد وقوعه على نفي المعلوم، والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يصدر الجهاد عنكم، وتقريره أن العلم متعلق بالمعلوم، كما هو عليه، فلما حصلت هذه المطابقة لا جرم.
حسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر، وتمام الكلام فيه قد تقدم.
أما قوله: ﴿ وَيَعْلَمَ الصابرين ﴾ فاعلم أنه قرأ الحسن ﴿ وَيَعْلَمَ الصابرين ﴾ بالجزم عطفاً على ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله ﴾ وأما النصب فبإضمار أن، وهذه الواو تسمى واو الصرف، كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما، وكذا هاهنا المراد أن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان، وقرأ أبو عمرو ﴿ وَيَعْلَمَ ﴾ بالرفع على تقدير أن الواو للحال.
كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.
واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة، فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر، وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا، والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله، وهذان الأمران مما لا يجتمعان، فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما، وأيضاً حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى، فليس كل من أقر بدين الله كان صادقا، ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحبوبات، فان الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء، فإن بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أن ذلك الحب كان حقيقياً، فلهذه الحكمة قال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة ﴾ بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت ﴾ خوطب به الذين لم يشهدوا بدراً وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا من كرامة الشهادة ما نال شهداء بدر.
وهم الذين ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى المشركين، وكان رأيه في الإقامة بالمدينة، يعني: وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدّته وصعوبة مقاساته ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ أي رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تقتلوا.
وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت، وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه وقلة ثباتهم عنده.
فإن قلت: كيف يجوز تمني الشهادة وفي تمنيها تمني غلبة الكافر المسلم؟
قلت: قصد متمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء لا غير، ولا يذهب وهمه إلى ذلك المتضمن، كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني قاصد إلى حصول المأمول من الشفاء، ولا يخطر بباله أنّ فيه جرّ منفعة وإحسان إلى عدوّ الله وتنفيقا لصناعته.
ولقد قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه حين نهض إلى مؤتة وقيل له ردكم الله: لكِنَّني أَسْألُ الرَّحْمنَ مَغْفِرَةً ** وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا أو طَعْنَةً بِيَدي حَرَّانَ مُجْهِزَةً ** بِحَرْبَةَ تَنفُذُ الأَحْشَاءَ وَالكَبِدَا حَتَّى يَقُولُوا إذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثي ** أرشدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَد رَشَدا <div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ أيِ الحَرْبَ فَإنَّها مِن أسْبابِ المَوْتِ، أوِ المَوْتَ بِالشَّهادَةِ.
والخِطابُ لِلَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا وتَمَنَّوْا أنْ يَشْهَدُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مَشْهَدًا لِيَنالُوا ما نالَ شُهَداءُ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ فَألَحُّوا يَوْمَ أُحُدٍ عَلى الخُرُوجِ.
﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ مِن قَبْلِ أنْ تُشاهِدُوهُ وتَعْرِفُوا شِدَّتَهُ.
﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ أيْ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ مُعايِنِينَ لَهُ حِينَ قُتِلَ دُونَكم مَن قُتِلَ مِن إخْوانِكُمْ، وهو تَوْبِيخٌ لَهم عَلى أنَّهم تَمَنَّوُا الحَرْبَ وتَسَبَّبُوا لَها ثُمَّ جَبُنُوا وانْهَزَمُوا عَنْها، أوْ عَلى تَمَنِّي الشَّهادَةِ فَإنَّ في تَمَنِّيها تَمَنِّيَ غَلَبَةِ الكُفّارِ.
<div class="verse-tafsir"
خوطب به الذين لم يشهدوا بدرا وكان يتمنون أن يحضروا مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوا كرامة الشهادة وهم الذين ألحو على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة يعني وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تنظرون} أى رأيتموه معا بين مشاهدين له حين قتل إخوانكم بين أيديكم وشارفتم أن تقتلوا وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاحهم عليه ثم انهزامهم عنه وإنما تمنوا الشهادة لينالوا كرامة الشهداء من غير قصد إلى ما يتضمنه من علبة الكفار كمن شرب الدواء من طيبب نصراني فإن قصده حصول الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة إلى عدو الله وتنفيقا لصناعته
﴿ ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ خِطابٌ لِطائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْهَدُوا غَزْوَةَ بَدْرٍ لِعَدَمِ ظَنِّهِمُ الحَرْبَ حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْها، فَلَمّا وقَعَ ما وقَعَ نَدِمُوا فَكانُوا يَقُولُونَ: لَيْتَنا نُقْتَلُ كَما قُتِلَ أصْحابُ بَدْرٍ، ونُسْتَشْهَدَ كَما اسْتَشْهَدُوا، فَلَمّا أشْهَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى أُحُدًا لَمْ يَلْبَثْ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنهم.
فالمُرادُ بِالمَوْتِ هُنا المَوْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهي الشَّهادَةُ، ولا بَأْسَ بِتَمَنِّيها، ولا يَرِدُ أنَّ في تَمَنِّي ذَلِكَ غَلَبَةَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ قَصْدَ المُتَمَنِّي الوُصُولُ إلى نَيْلِ كَرامَةِ الشُّهَداءِ لا غَيْرَ، ولا يَذْهَبُ إلى ذَلِكَ وهْمُهُ كَما أنَّ مَن يَشْرَبُ دَواءَ النَّصْرانِيِّ مَثَلًا يَقْصِدُ الشِّفاءَ لا نَفْعَهُ ولا تَرْوِيجَ صِناعَتِهِ، وقَدْ وقَعَ هَذا التَّمَنِّي مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ مِن كِبارِ الصَّحابَةِ ولَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَوْتِ الحَرْبُ فَإنَّها مِن أسْبابِهِ، وبِهِ يُشْعِرُ كَلامُ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ فَحِينَئِذٍ المُتَمَنّى الحَرْبُ لا المَوْتُ.
﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تمنونَ ) مُبَيِّنٌ لِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّمَنِّي أيْ مِن قَبْلِ أنْ تُشاهِدُوا وتَعْرِفُوا هَوْلَهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ اللّامِ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ ونِيَّةِ مَعْناهُ، وأنْ تَلْقَوْهُ حِينَئِذٍ بَدَلٌ مِنَ المَوْتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ أيْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ أنْ تَلْقَوْهُ مِن قَبْلِ ذَلِكَ، وقُرِئَ تَلاقَوْهُ مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وما لَقِيَكَ فَقَدْ لَقِيتَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ سافَرْتَ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى العَدُوِّ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ ﴾ أيْ ما تَمَنَّيْتُمُوهُ مِنَ المَوْتِ بِمُشاهَدَةِ أسْبابِهِ أوْ أسْبابِهِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في تَمَنِّيكم ذَلِكَ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ، وإيثارُ الرُّؤْيَةِ عَلى المُلاقاةِ إمّا لِلْإشارَةِ إلى انْهِزامِهِمْ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ كَتَقْيِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ (143) لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ رَأيْتُمُوهُ مُعايِنِينَ لَهُ وهَذا عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: رَأيْتُهُ ولَيْسَ في عَيْنِي عِلَّةٌ أيْ رَأيْتُهُ رُؤْيَةً حَقِيقِيَّةً لا خَفاءَ فِيها ولا شُبْهَةً، وقِيلَ: ( تَنْظُرُونَ ) بِمَعْنى تَتَأمَّلُونَ وتَتَفَكَّرُونَ أيْ وأنْتُمْ تَتَأمَّلُونَ الحالَ كَيْفَ هي، وقِيلَ: مَعْناهُ ( وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ عِتابُ المُنْهَزِمِينَ عَلى تَمَنِّيهِمُ الشَّهادَةَ وهم لَمْ يَثْبُتُوا حَتّى يَسْتَشْهِدُوا، أوْ عَلى تَمَنِّيهِمُ الحَرْبَ وتَسَبُّبِهِمْ لَها ثُمَّ جُبْنِهِمْ وانْهِزامِهِمْ لا عَلى تَمَنِّي الشَّهادَةِ نَفْسِها لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا عِتابَ عَلَيْهِ كَما وُهِمَ.
<div class="verse-tafsir"
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ قال مقاتل: بيّن للمؤمنين أنه نازل بهم الشدة والبلاء في ذات الله لكي يصبروا ويحتسبوا.
فقال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ يقول: أَظننتم أن تدخلوا الجنة بغير شيء قبل أن يصيبكم من الشدة في ذات الله، فذلك قوله تعالى: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ قال مقاتل: أي ولما يرى الله الذين جاهدوا مِنكُمْ.
ويقال: ولما يظهر جهاد الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ الذين يصبرون عند البلاء.
ويقال: ويعلم الكارّين أي غير الفارين عن القتال.
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ وذلك أنه لما وصف الله لهم ما نزل بشهداء بدر من الكرامة، فقالوا: ليتنا نجد قتالاً فنقتل فيه لكي نصيب مثل ما أصابوا، فلما لقوا القتال يوم أُحد هربوا، فعاقبهم الله تعالى بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أي القتال والشهادة من قبل أن تلقوه، لأن القتال سبب الموت فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ يوم أحد وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى السيوف فيها الموت.
وقال الزجاج: معناه ولقد كنتم تمنون القتال لأن القتال سبب الموت، فقد رأيتموه، يعني وأنتم بصراء كقولك: رأيت كذا وكذا ولم يكن في عينيك علّة.
ويقال: وأنتم تنظرون إلى محمد .
وقال القتبي: فقد رأيتموه، يعني أسبابه وهو السيف.
<div class="verse-tafsir"
إليه، وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قال السُّدِّيُّ: معناه: وهم يعلَمُونَ أنهم/ قد أَذْنَبُوا «١» ، وقال ابنُ إسحاق: معناه: وهم يعلمون بمَا حَرَّمْتُ عليهم «٢» ، وقيل: وهم يعلَمُونَ أنَّ بابِ التوبة مفتوحٌ، وقيل: وهم يعلمون أنِّي أعاقب عَلَى الإصرار، ثم شَرَّك سبحانه الطَّائفَتَيْنِ المذكورتَيْن في قوله: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ...
الآية.
قال ص: قوله: وَنِعْمَ المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي المغفرة والجنّة.
وقوله سبحانه: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ...
الآية: الخطابُ للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكُمْ أنْ ظَهَرَ الكُفَّار المكذِّبون عليكم بِأُحُدٍ، فإن العاقبة للمتَّقين، وقديماً ما أدال اللَّه المُكَذِّبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيْفَ هلَك المكذِّبون بَعْدَ ذلك، فكذلك تكُونُ عاقبةُ هؤلاءِ، وقال النَّقَّاش: الخِطَابُ ب قَدْ خَلَتْ للكُفَّار.
قال ع «٣» : وذلك قَلِقٌ، وخَلَتْ: معناه: مضَتْ، والسُّنَن: الطرائِقُ.
وقال ابنُ زَيْد: سُنَنَ: معناه: أمثال «٤» ، وهذا تفسيرٌ لا يخُصُّ اللفظة، وقوله:
فَانْظُروا هو عند الجمهورِ مِنْ نظر العين، وقال قوم: هو بالفكر.
وقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ، يريد به القُرآن قاله الحَسَن وغيره «١» ، وقال جماعة: الإشارة ب «هذا» إلى قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ.
وقال الفَخْر «٢» : يعني بقوله: هذا بَيانٌ ما تقدَّم من أمره سبحانه، ونَهْيِهِ، ووعدِهِ، ووعيدِهِ، وذكرِهِ لأنواع البيِّنات والآيات.
انتهى.
ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوَهَنِ، وهو الضَّعْف، وأنَّسهم بأنهم الأعلَوْنَ أصْحَابُ العاقبة، ومِنْ كَرَمِ الخُلُقِ ألاَّ يَهِنَ الإنسانُ في حربه، إذا كان مُحِقًّا، وإنما يحسن اللِّين في السّلم والرضى، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» «٣» ، وقوله سبحانه: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إخبار بعُلُوِّ كلمة الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ.
قال ص: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضِعِ نصبٍ على الحال.
وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: المقصدُ هزُّ النفوسِ، وإقامتها، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ على من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو اضطرب يقينه، أي: لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان، فالزموه، ثم قال تعالى تسليةً للمؤمنين: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والأُسْوَةُ مسلاة للبَشَر ومنه قول الخَنْسَاء: [الوافر]
وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي ...
على إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن ...
أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي «٤»
والقَرْح: القَتْل والجِرَاحْ قاله مجاهدٌ وغيره «٥» .
وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، أخبر سبحانه على جهة التسلية أنَّ
الأيام على قديم الدهر وغابِرِه أيضاً إنما جعلَهَا دُولاً بيْنَ البَشَر، أي: فلا تُنْكِرُوا أنْ يدَالَ عليكم الكفَّار.
وقوله تعالى «١» : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، تقديره: وليَعْلَم اللَّهُ الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنى: ليظهر في الوجود إيمانُ الذين قَدْ علم اللَّه أزلاً أنهم يؤمنون وإلاَّ فقد علمهم في الأزَلِ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ: معناه أهْل فَوْز في سَبِيلِهِ، حسْبما وَرَدَ في فضائلِ الشهداءِ، وذَهَب كثيرٌ من العلماء إلى التَّعْبير عن إدَالَةِ المؤمنين بالنَّصْر، وعن إدالة الكفّار بالإدالة، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك حديثٌ «أنَّهُمْ يُدَالُونَ كَمَا تُنْصَرُونَ» والتمحيصُ: التنقيةُ، قال الخليل: التَّمْحِيصُ: التخليص من العَيْب، فتمحيصُ المؤمنينَ/ هو تنقيتُهم منَ الذُّنُوب، والمَحَقُ: الإذهاب شيْئاً فشيْئاً ومنه: مَحَاقُ القَمَر، وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ...
الآية: حَسِبْتُم: معناه: ظَنَنْتُم، وهذه الآيةُ وما بعدها عَتْبٌ وتقريعٌ لطوائفَ مِنَ المؤمنين الَّذينَ وقَعَتْ منهم الهَنَوَاتُ المشْهورة في يَوْمِ أُحُدٍ، ثم خاطب اللَّه سبحانَهُ المؤمنين بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، والسبب في ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ في غزوةِ بَدْرٍ، يريدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مبادراً، فلم يوعب النَّاس معه إذ كان الظنُّ أنه لا يلقى حَرْباً، فلَمَّا قضَى اللَّه ببَدْرٍ ما قضى، وفاز حاضِرُوها بالمَنْزِلة الرَّفيعةِ، كان المتخلِّفون من المؤمنين عنْها يتمنَّوْن حُضُور قتالِ الكُفَّار ليكونَ منْهُمْ في ذلك غَنَاء يُلْحِقُهُمْ عِنْدَ ربِّهم ونبيِّهم بمنزلةِ أهْل بَدْر، فلمَّا جاء أمْر أُحُدٍ، لم يَصْدُقْ كُلُّ المؤمنين، فعاتبهم اللَّه بهذه الآية، وألزمهم تمنِّيَ المَوْتِ من حيثُ تَمَنَّوْا أسبابه، وهو لقاءُ العَدُوِّ ومُضَارَبَتُهم، وإلاَّ فنَفْسُ قَتْل المُشْرِك للمُسْلِم لا يجُوزُ أنْ يتمنى من حيث هو قَتْلٌ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادةِ والتّنعيم، قُلْتُ:
وفي كلام ع «٢» : بعضُ إجمالٍ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ، ثم أسند عن أبي هريرة، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» وخرَّجه أيضًا مسلمٌ «٣» ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ، بِما فَعَلَ بِشُهَداءِ يَوْمِ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ، رَغِبُوا في ذَلِكَ، فَتَمَنُّوا قِتالًا يَسْتَشْهِدُونَ فِيهِ، فَيَلْحَقُونَ بِإخْوانِهِمْ، فَأراهُمُ اللَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنِ انْهَزَمُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم، فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ يَعْنِي القِتالَ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ تَنْظُرُوا إلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ ﴾ يَوْمَئِذٍ، قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: رَأيْتُمْ أسْبابَهُ، وهي السَّيْفُ ونَحْوُهُ مِنَ السِّلاحِ.
وفي مَعْنى ﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تَنْظُرُونَ إلى السُّيُوفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّوْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ، وأنْتُمْ بُصَراءُ، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ كَذا وكَذا، ولَيْسَ في عَيْنِكَ عِلَّةٌ، أيْ: رَأيْتُهُ رُؤْيَةً حَقِيقَةً.
.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ما تَمَنَّيْتُمْ.
وفي الآَيَةِ إضْمارٌ [أيْ: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ] فَلِمَ انْهَزَمْتُمْ؟!
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصابِرِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ "أمْ" هي بِمَعْنى الإضْرابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ والتَرْكِ لَهُ، وفِيها لازَمَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَلِذَلِكَ قَدَّرَها سِيبَوَيْهِ بِبَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
و"حَسِبْتُمْ" مَعْناهُ: ظَنَنْتُمْ؛.
وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها تَقْرِيعٌ وعَتْبٌ لِطَوائِفِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وقَعَتْ مِنهُمُ الهَفَواتُ المَشْهُورَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ ﴾ نَفْيٌ مُؤَكَّدٌ وهو مُعادِلٌ لِقَوْلِ القائِلِ: قَدْ كانَ كَذا، فَلَمّا أكَّدَ هَذا الخَبَرَ المُوجَبَ بِقَدْ أكَّدَ النَفْيَ المُعادِلَ لَهُ بِلَمّا، وإذا قالَ القائِلُ: كانَ هَذا، فَمُعادِلُهُ: لَمْ يَكُنْ دُونَ تَأْكِيدٍ في الوَجْهَيْنِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: بِكَسْرِ المِيمِ لِلِالتِقاءِ في قَوْلِهِ: "وَلَمّا يَعْلَمِ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَلَمّا يَعْلَمَ" بِفَتْحِ المِيمِ إتْباعًا لِفَتْحَةِ اللامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَيَعْلَمَ" عَلى النَصْبِ بِإضْمارِ "أنْ" عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وبِواوِ الصَرْفِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ورُوِيَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَفْعِ عَلى اسْتِئْنافِ الفِعْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأبُو حَيْوَةَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "وَيَعْلَمِ" بِكَسْرِ المِيمِ جَزْمًا مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: "وَلَمّا يَعْلَمِ".
ثُمَّ خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ والسَبَبُ في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مُبادِرًا فَلَمْ يُوعِبِ الناسُ مَعَهُ، إذْ كانَ الظَنُّ أنَّهُ لا يَلْقى حَرْبًا، فَلَمّا قَضى اللهُ بِبَدْرٍ ما قَضى وفازَ حاضِرُوها بِالمَنزِلَةِ الرَفِيعَةِ؛ كانَ المُتَخَلِّفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عنها يَتَمَنَّوْنَ حُضُورَ قِتالِ الكُفّارِ مَعَ النَبِيِّ لِيَكُونَ مِنهم في ذَلِكَ غَناءٌ يُلْحِقُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ونَبِيِّهِمْ بِمَنزِلَةِ أهْلِ بَدْرٍ، ولِأنَسِ بْنِ النَضْرِ في ذَلِكَ كَلامٌ مَحْفُوظٌ، فَلَمّا جاءَ أمْرُ أُحُدٍ وحَضَرَ القِتالُ لَمْ يَصْدُقْ كُلُّ المُؤْمِنِينَ، فَعاتَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وألْزَمَهم تَعالى تَمَنِّي المَوْتِ مِن حَيْثُ تَمَنَّوْا لِقاءَ الرِجالِ بِالحَدِيدِ ومُضارَبَتَهم بِهِ، وهي حالٌ في ضِمْنِها في الأغْلَبِ المَوْتُ، ولا يَتَمَنّاها إلّا مَن طابَتْ نَفْسُهُ بِالمَوْتِ، فَصارَ المَوْتُ كَأنَّهُ المُتَمَنّى، وإلّا فَنَفْسُ قَتْلِ المُشْرِكِ لِلْمُسْلِمِ لا يَجُوزُ أنْ يُتَمَنّى مِن حَيْثُ هو قَتْلٌ، وإنَّما تُتَمَنّى لَواحِقُهُ مِنَ الشَهادَةِ والتَنْعِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ"، وقَرَأ الزُهْرِيُّ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "مِن قَبْلِ أنْ تُلاقُوهُ"، وهَذِهِ والأُولى في المَعْنى سَواءٌ، مِن حَيْثُ "لَقِيَ" مَعْناهُ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ "مِن قَبْلُ" بِضَمِّ اللامِ وتَرْكِ الإضافَةِ، وجَعْلِ "أنْ تَلْقَوْهُ" بَدَلًا مِنَ "المَوْتَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ" يُرِيدُ رَأيْتُمْ أسْبابَهُ، وهي الحَرْبُ المُشْتَعِلَةُ والرِجالُ بِأيْدِيهِمُ السُيُوفُ، وهَذا كَما قالَ عُمَيْرُ بْنُ وهْبٍ يَوْمَ بَدْرٍ: رَأيْتُ البَلايا تَحْمِلُ المَنايا قالَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ: ووَجَدْتُ رِيحَ المَوْتِ مِن تِلْقائِهِمْ في مَأْزِقٍ والخَيْلُ لَمْ تَتَبَدَّدِ يُرِيدُ لِقُرْبِ الأمْرِ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ عامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ: لَقَدْ رَأيْتُ المَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ يُرِيدُ لَمّا اشْتَدَّ بِهِ المَرَضُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "فَلَقَدْ رَأيْتُمُوهُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها: التَأْكِيدُ لِلرُّؤْيَةِ وإخْراجُها مِنَ الاشْتِراكِ الَّذِي بَيْنَ رُؤْيَةِ القَلْبِ ورُؤْيَةِ العَيْنِ في اللَفْظِ، والآخَرُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ في أسْبابِ النَجاةِ والفِرارِ وفي أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ هَلْ قُتِلَ أمْ لا؟
وذَلِكَ كُلُّهُ نَقْضٌ لِما كُنْتُمْ عاهَدْتُمُ اللهَ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَكى مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: المَعْنى: وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى مُحَمَّدٍ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، إلّا أنْ يُنْحى بِهِ إلى هَذا القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ أنَّهُ النَظَرُ في أمْرِهِ هَلْ قُتِلَ؟
والِاضْطِرابُ بِحَسَبِ ذَلِكَ.
والمَعْنى الثالِثُ: أنْ يَكُونَ قَدْ وقَّفَهم عَلى تَمَنِّيهِمْ ومُعاهَدَتِهِمْ، وعَلى أنَّهم رَأوُا الَّذِي تَمَنَّوْا، ثُمَّ قالَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والعَتْبِ: ﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ في فِعْلِكُمُ الآنَ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ هَلْ وفَّيْتُمْ أمْ خالَفْتُمْ؟
كَأنَّهُ قالَ: وأنْتُمْ حُسَباءُ أنْفُسِكُمْ، فَتَأمَّلُوا قَبِيحَ فِعْلِكُمْ، وفي هَذا التَوْبِيخِ عَلى هَذا الوَجْهِ ضَرْبٌ جَمِيلٌ مِنَ الإبْقاءِ والصَوْنِ والِاسْتِدْعاءِ.
قالَ ابْنُ فُورَكٍ: المَعْنى وأنْتُمْ تَتَأمَّلُونَ الحالَ في ذَلِكَ وتُفَكِّرُونَ فِيها كَيْفَ هِيَ؟
وهَذا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
كلام ألقي إليهم بإجمال بالغ غاية الإيجاز، ليكون جامعاً بين الموعظة، والمعذرة، والملام، والواو عاطفة أو حالية.
والخطاب للأحياء، لا محالة، الَّذين لم يذوقوا الموت، ولم ينالوا الشهادة، والَّذين كان حظّهم في ذلك اليوم هو الهزيمة، فقوله: ﴿ كنتم تمنّون الموت ﴾ أريد به تمنّي لقاء العدوّ يوم أُحُد، وعدم رضاهم بأن يتحصّنوا بالمدينة، ويقفوا موقف الدّفاع، كما أشار به الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنّهم أظهروا الشجاعة وحبّ اللِّقاء، ولو كان فيه الموت، نظراً لقوة العدوّ وكثرته، فالتمنّي هو تمنّي اللِّقاء ونصر الدّين بأقصى جهدهم، ولمَّا كان ذلك يقتضي عدم اكتراث كُلّ واحد منهم بتلف نفسه في الدّفاع، رجاء أن يكون قبل هلاكه قد أبلى في العدوّ، وهيّأ النَّصر لمن بقي بعده، جعل تمنّيهم اللِّقاء كأنَّه تمنّي الموت من أوّل الأمر، تنزيلاً لِغاية التمنّي منزلة مبدئه.
وقوله: ﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ تعريض بأنَّهم تمنّوا أمراً مع الإغضاء عن شدّته عليهم، فتمنّيهم إيّاه كتمنّي شيء قد جهلوا ما فيه من المصائب.
وقوله: ﴿ فقد رأيتموه ﴾ أي رأيتم الموت، ومعنى رؤيته مشاهدة أسبابه المحقّقة، الَّتي رؤيتها كمشاهدة الموت، فيجوز أن يكون قوله: ﴿ فقد رأيتموه ﴾ تمثيلاً، ويجوز أن تطلق الرؤية على شدّة التوقّع، كإطلاق الشمّ على ذلك في قول الحارث بن هشام المخزومي: وشممتُ ريح الموت من تلقائهم *** في مأزق والخيل لم تتبدّد وكإطلاقه في قول ابن معد يكرب يوم القادسية: فضمّني ضمّة وَجَدْت منها ريحَ الموت.
والفاء في قوله: ﴿ فقد رأيتموه ﴾ فاء الفصيحة عن قوله: ﴿ كنتم تمنون ﴾ والتقدير: وأجبتم إلى ما تمنّيتم فقد رأيتموه، أو التقدير: فإن كان تمنّيكم حقّاً فقد رأيتموه، والمعنى: فأين بلاء من يتمنّى الموت، كقول عباس بن الأحنف: قالُوا خُراسانُ أقصى ما يُراد بنا *** ثُمّ القُفول فقدْ جِئْنا خُراسانا ومنه قوله تعالى: ﴿ فقد كذّبوكم بما تقولون ﴾ [الفرقان: 19] وقوله في سورة الروم (56): ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ ﴿ وجملة وأنتم تنظرون ﴾ حال مؤكّدة لمعنى ﴿ رأيتُموه ﴾ ، أو هو تفريع أي: رأيتم الموت وكان حظّكم من ذلك النظر، دون الغَناء في وقت الخطر، فأنتم مبهوتون.
ومحلّ الموعظة من الآية: أنّ المرء لا يطلب أمراً حَتَّى يفكِّر في عواقبه، ويسبر مقدار تحمّله لمصائبه.
ومحلّ المعذرة في قوله: ﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ وقوله: ﴿ فقد رأيتموه ﴾ ومحلّ الملام في قوله: ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ تمنون الموت ﴾ بمعنى تتمنَّوْن موت الشهادة في سبيل الله فقد رأيتم مشارفة الموت إياكم، وأنتم تنظرون من مات من إخوانكم، أي فكيف وجدتم أنفسكم حين رأيتم الموت، وكأنَّه تعريض بهم بأنَّهم ليسوا بمقام من يتمنّى الشهادة.
إذ قد جبنوا وقت الحاجة، وخفّوا إلى الغنيمة، فالكلام ملام محض على هذا، وليس تمنّي الشهادة بملوم عليه، ولكن اللَّوم على تمنّي ما لا يستطيع كما قيل: (إذا لم تستطع شيئاً فدعه).
كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولوددت أنّي أقتل في سبيل الله، ثُمّ أُحيا ثُمّ أقتل ثمّ أحيا، ثمّ أقْتل " وقال عمر: «اللَّهم إنّي أسألك شهادة في سبيلك» وقال ابن رواحة: لكنّني أسأل الرّحمانَ مغفرة *** وضربةً ذات فرغ تقذِف الزبدا حتَّى يقولوا إذا مَرّوا على جَدثي *** أرشدَك الله من غازٍ وقد رشدا وعلى هذا الاحتمال فالضّمير راجع إلى الموت، بمعنى أسبابه، تنزيلاً لرؤية أسبابه منزلة رؤيته، وهو كالاستخدام، وعندي أنَّه أقرب من الاستخدام لأنَّه عاد إلى أسباب الموت باعتبار تنزيلها منزلة الموت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُنَنٌ مِنَ اللَّهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ أهْلَكَهم بِها.
والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم أهْلُ سُنَنٍ كانُوا عَلَيْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، وأصْلُ السُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ المُتَّبَعَةُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِنهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ ، قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وَقالَ سُلَيْمانُ بْنُ فَيْدٍ: فَإنَّ الأُلى بِالطَّفِّ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَّآسِيا ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
﴿ وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ نُورٌ وأدَبٌ.
﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ يَعْنِي أنْ يُصِيبَكم قَرْحٌ، قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّ القَرْحَ بِالفَتْحِ: الجِراحُ، وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وَأمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَسِّ واللَّمْسِ فَهو أنَّ اللَّمْسَ مُباشَرَةٌ بِإحْساسِ، والمَسَّ مُباشَرَةٌ بِغَيْرِ إحْساسٍ، وهَذا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ تَسْلِيَةً لَهم فَإنْ أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ قَرْحٌ فَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلُهُ.
﴿ وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: أيْ تَكُونُ مَرَّةً لِفِرْقَةٍ، ومَرَّةً عَلَيْها والدُّوَلَةُ: الكَرَّةُ، يُقالُ: أدالَ اللَّهُ فُلانًا مِن فُلانٍ بِأنْ جَعَلَ الكَرَّةَ لَهُ عَلَيْهِ.
﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لِيَبْتَلِيَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَعْنِي بِالتَّمْحِيصِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ والزَّجّاجِ، أصْلُ التَّمْحِيصِ عِنْدَهُما التَّخْلِيصُ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِينَ آمَنُوا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.
﴿ وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْقُصُهم.
﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ قِيلَ: تَمَنّى المَوْتَ بِالجِهادِ مَن لَمْ يَحْضُرْ بَدْرًا، فَلَمّا كانَ أُحُدٌ أعْرَضَ كَثِيرٌ مِنهم فَعاتَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ.
والثّانِي: فَقَدْ رَأيْتُمْ أسْبابَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس.
أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد.
أو ليت لنا يوماً كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونبلى فيه خيراً، ونلتمس الشهادة والجنة والحياة والرزق.
فأشهدهم الله أحداً، فلم يلبثوا إلا من شاء منهم فقال الله: ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: غاب رجال عن بدر، فكانوا يتمنون مثل بدر أن يلقوه فيصيبوا من الأجر والخير ما أصاب أهل بدر، فلما كان يوم أحدٍ ولَّى من وَلَّى، فعاتبهم الله على ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع وقتادة قالا: أن أناساً من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل، فكانوا يتمنون أن يروا قتالاً فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى إذا كان بناحية المدينة يوم أحد؛ فأنزل الله: ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: بلغني أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه وسلم، لنفعلن ولنفعلن...
فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلهم صدق الله.
فأنزل الله: ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت...
﴾ الآية.
وأخرج عن السدي قال: كان ناس من الصحابة لم يشهدوا بدراً، فلما رأوا فصيلة أهل بدر قالوا: اللهم إنا نسألك أن ترينا يوماً كيوم بدر، نبليك فيه خيراً.
فرأوا أُحُداً فقال لهم ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت...
﴾ الآية.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ﴾ الآية.
قال الحسن (١) (٢) وقتادة (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) ، ويقولون: لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، ثم انهزموا يوم أُحُد، واستحقوا العِتَاب (٩) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾ .
يعني: مِن قَبْلِ يوم أُحُد.
وقوله تعالى: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ أي: رأيتم أسبابَهُ، وما يتولَّدُ منه الموتُ (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ .
قال الأخفش (١٢) (١٣) ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ .
وقال أبو إسحاق (١٤) (١٥) (١٦) وقال غيره (١٧) وقيل (١٨) ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ؛ أي: تَتَأَمَّلُون الحالَ في ذلك، كيف هي؟
(١٩) (٢٠) (١) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 109، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 776.
(٢) قوله، في: "تفسيره" 137، و"تفسير الطبري" 4/ 109، و"تفسير ابن أبي حاتم" == 3/ 776، و"معاني القرآن"، للنحاس 485، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 141 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) قوله، في: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 134، و"الطبري" 4/ 109، و"ابن أبي حاتم" 3/ 776، وأورده السيوطي فى "الدر" 2/ 141 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.
(٤) قوله، في: المصادر السابقة.
(٥) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 110، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 776.
(٦) قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 64، والمصادر السابقة.
(٧) في (ج): (يأسفون).
(٨) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).
(٩) في (ج): (العقاب).
(١٠) في (أ): (وما يتولد منه الموت منه)، وفي (ب): (وما يتولد الموت منه)، والمثبت من (ج).
(١١) انظر: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 236، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 106، و"تفسير الطبري" 4/ 108.
(١٢) قوله في "معاني القرآن" له 1/ 236، وهو معنى قوله.
(١٣) في (ب): (تأكيد).
(١٤) في "معاني القرآن"، له 1/ 473.
نقله عنه بنصه.
(١٥) في (ج): (عينك).
(١٦) ورد في مخطوطات "معاني القرآن" -كما ذكر محققه-: (علمه)، ورأى المحقق أنها لا تناسب ما بعدها؛ ولذا أثبَتَها (عَمَه)، وفسرها في الحاشية بـ (العَمَى).
وليس كما قال؛ لأن (العَمَه) هو: التَّحَيُّرُ في منازعة أو طريق، والتردد في الضلال.
انظر: (عمه) في: "اللسان" 5/ 3114، و"القاموس" 1250.
وأرى أن صوابها كما أثْبَتَ المؤلف هنا، وإنما صُحِّفت في أصول مخطوطات "معاني القرآن".
وقد وردت (عِلَّة) في "بحر العلوم" 1/ 305 حيث نقل قول الزجاج.
(١٧) لم أهتد إلى القائل.
(١٨) لم أهتد إلى القائل.
(١٩) قال الطبري: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ يعني: فقد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر؛ أي: بقرب منكم).
"تفسيره" 4/ 109.
وحكى الزجاجُ قولًا، ولم يعزه لقائل، فقال: (وقال بعضهم: وأنتم تنظرون إلى محمد ).
"معاني القرآن" 1/ 473، وانظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 271.
وقد أورده ابنُ عطيَّة، وضَعَّفَه.
انظر: "المحرر" 3/ 346.
وقال أبو الليث: (وأنتم تنظرون إلى السيوف التي فيها الموت).
"بحر العلوم" 1/ 305 وأورد هذا القولَ ابنُ الجوزي في "زاد المسير" 1/ 468، وعزاه إلى أبن عباس.
وعن ابن إسحاق: (تنظرون إليهم).
"سيرة أبن هشام" 3/ 64، و"تفسير الطبري" 4/ 110، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 777.
(٢٠) لم أقف على مصدر قوله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ أم هنا منقطعة مقدرة ببل والهمزة عند سيبوية، وهذه الآية وما بعدها معاتبة لقوم من المؤمنين صدرت منهم أشياء يوم أحد ﴿ تَمَنَّوْنَ الموت ﴾ خوطب به قوم فاتتهم غزوة بدر، فتمنوا حضور قتال الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم ليستدركوا ما فاتهم من الجهاد، فعلى هذا إنما تمنوا الجهاد وهو سبب الموت، وقيل: إنما تمنوا الشهادة في سبيل الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ رايتموه ﴾ بغير همزة يعني بالتليين ونحوه ﴿ رأوك ﴾ و ﴿ رأوه ﴾ روى هبة الله بن جعفر الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ يرد ثواب ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمروا وشان بن عامر وسهل وحمزة وعلي وخلف ﴿ نؤته ﴾ مثل ﴿ يؤده ﴾ ﴿ وكائن ﴾ بالمد والهمز مثل "كاعن" حيث كان: ابن كثير.
وقرأ يزيد ﴿ وكاين ﴾ بالمد بغير همزة.
وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي بغير نون في الوقف ﴿ وكأي ﴾ الباقون: ﴿ وكأين ﴾ في الحالين ﴿ قتل ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع وقتيبة والمفضل.
الباقون.
﴿ قاتل ﴾ .
الوقوف: ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ تلقوه ﴾ ص لطول الكلام ﴿ رسول ﴾ ج لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ أعقابكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ مؤجلاً ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ منها ﴾ ج للعطف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ قتل ﴾ ط ليكون قتل النبي إلزاماً للحجة على من اعتذر في الانهزام بما سمع من نداء إبليس ألا إن محمداً قد قتل.
والتقدير ومعه ريبون كثير.
ولو وصل كان الريبون مقتولين.
ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فله أن لا يقف ﴿ كثير ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب ﴿ وما استكانوا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ج ﴿ الناصرين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر فوائد مداولة الأيام وحكمها، أتبعها ما هو السبب الأصلي في ذلك فقال: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ بدون تحمل المشاق.
و"أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار و"لما" بمعنى "لم" مع زيادة التوقع.
وليس المراد نفي العلم بالمجاهدين ولكن المراد نفي المعلوم.
وإنما حسن إقامة ذلك مقام هذا لأن العلم متعلق بالمعلوم كما هو عليه، فلما حصلت بينهما هذه المطابقة حسن إقامة أحدها مقام الآخر.
تقول: ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه.
فحاصل الكلام لا تحسبوا أن / تدخلوا الجنة ولم تجاهدوا بعد.
وإنما أنكر هذا الحسبان لأنه أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة, وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح المنوطة بها في الدين والدنيا.
وإذا كان كذلك فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال مثل هذه الطاعة.
والواو في قوله: ﴿ ويعلم الصابرين ﴾ واو الجمع في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.
كأنه قيل: إن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان فليس كل من أقر بدين الله كان صادقاً، ولكن الفيصل فيه تسليط المكروهات ومخالفات النفس فإن الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء.
وقيل: التقدير أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين؟
ووجه آخر وهو أن يكون مجزوماً أيضاً لكن الميم لما حركت للساكنين حركت بالفتحة إتباعاً للفتحة قبلها.
وهذا كما قرىء ﴿ ولما يعلم الله ﴾ بفتح الميم إلا أن يراد ولما يعلمن بالنون الخفيفة ثم حذفت.
وقرأ الحسن ﴿ ويعلم ﴾ بالجزم على العطف.
وروي عن أبي عمرو ﴿ ويعلم ﴾ بالرفع على الحال كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون ﴿ ولقد كنتم تمنون الموت ﴾ الخطاب فيه للذين ألحوا على رسول الله في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة.
ويراد بالموت سببه وهو الجهاد والقتل.
قال المحققون: إنه لم يكن تمنيهم للموت تمنياً لأن يقتلوا لأن قتل المشركين لهم كفر.
ولا يجوز للمؤمن أن يتمنى الكفر أو يريده أو يرضى به، بل إنما تمنوا الفوز بدرجات الشهداء والوصول إلى كراماتهم.
وشبهوا ذلك بمن شرب دواء الطبيب النصراني فإن غرضه حصول الشفاء.
ولا يخطر بباله جر منفعة وإحسان إلى عدو الله وتنفيق صناعته، قالت الأشاعرة ههنا: من أراد شيئاً أراد ما هو من لوازمه، وثواب الشهداء لا يحصل إلا بالشهادة، ولا ريب أنه أراد إيصال ثواب الشهداء إلى المؤمنين، ولهذا ورد من الترغيبات ما ورد فأراد صيرورتهم شهداء، ولن يصيروا شهداء إلا إذا قتلهم الكفار فلا بد أن يريد أن يقتلهم الكفار وذلك القتل كفر ومعصية، فثبت أنه مريد للكفر والإيمان والطاعة والعصيان.
﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته وصعوبة مقاساته.
﴿ فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ﴾ قال الزجاج: أي وأنتم بصراء كقولهم: رأيته بعيني أي رأيتموه معاينين حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وشارفتم أن تقتلوا.
ويحتمل أن يراد رأيتم إقدام القوة وشدة حرصهم على قتلكم وعلى قتل الرسول، ثم بقيتم أنتم تنظرون إليهم من غير جد في دفعهم ولا اجتهاد في مقاتلتهم، وفيه توبيخ لهم على تمنيهم الجهاد وعلى إلحاحهم في الخروج إليه، ثم انهزامهم وقلة ثباتهم عنده.
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: "لما نزل النبي بالشعب أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ولا ينتقلوا سواء كان الأمر لهم أو عليهم.
فلما وقفوا وحملوا على الكفار هزموهم وقتل علي عليه / السلام طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير والمقداد شدا على المشركين، ثم حمل الرسول مع أصحابه فهزموا أبا سفيان.
ثم إن بعض القوم لما رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة، وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم، وكثر القتل في المسلمين، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله بحجر وكسر رباعيته وشج وجهه وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة.
واحتمل طلحة بن عبيد الله رسول الله ودافع عنه أبو بكر وعلي .
وظن ابن قميئة أنه قتل رسول الله فقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخاً ألا إن محمداً قد قتل.
قيل: وكان الصارخ الشيطان ففشا في الناس خبر قتله فانكفؤا، وجعل رسول الله يدعو: إليّ عباد الله، حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فنزلت" ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ أي مرسل.
قال أبو علي: وقد يكون الرسول في غير هذا الموضع بمعنى الرسالة أي حاله مقصور على الرسالة لا يتخطاها إلى البقاء والدوام ﴿ قد خلت من قبله الرسل ﴾ فسيخلو كما خلوا.
وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فكونوا أنتم كذلك لأن الغرض من إرسال الرسل التبليغ وإلزام الحجة لا وجودهم بين أممهم أبداً ﴿ أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ الفاء لتسبيب الجملة الشرطية عن الجملة التي قبلها، والهمزة لإنكار الجزاء لأنه في الحقيقة كأنه دخل عليه.
والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمداً أو قتل؟
وسبب الإنكار ما تقدم من الدليلين: أحدهما أن الحاجة الى الرسول هي التبليغ وبعد ذلك لا حاجة إليه، فلا يلزم من قتله أو موته الإدبار عما كان هو عليه من الدين وما يلزم كالجهاد.
وثانيهما القياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم، فإن موسى مات ولم ترجع أمته عن ذلك الدين.
والنصارى زعموا أن عيسى قتل وهم لم يرجعوا عن دينه وإنما ذكر القتل.
وقد علم أنه لا يقتل لكونه مجوّزاً عند المخاطبين.
وقوله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ لو سلم أنه متقدم في النزول فإنه مما كان يختص بمعرفته العلماء منهم على أنه ليس نصاً في العصمة عن القتل، بل يحتمل العصمة من فتنة الناس وإضلالهم.
وقوله: ﴿ إنك ميت ﴾ يراد به المفارقة إلى الآخرة بأي طريق كان بدليل ﴿ وإنهم ميتون ﴾ وكثير منهم قد قتلوا.
ويمكن أن يقال: صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق جزأيها لصدق قولنا إن كانت الخمسة زوجاً فهي تنقسم بمتساويين مع كذب جزأيها.
ومعنى "أو" هو الترديد والتشكيك أي سواء فرض / وقوع الموت أو القتل فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الإدبار أو الارتداد ﴿ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ﴾ بل لا يضر إلا نفسه، وهذا كما يقول الوالد لولده عند العتاب إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض.
يريد أنه يعود ضرره عليه.
وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين.
ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والإنكشاف عن رسول الله .
روي أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.
وقال ناس من المنافقين: لو كان نبياً لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم.
فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت.
وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟
فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه.
ثم قال: اللهم إني اعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل.
وعن بعض المهاجرين أنه مر بأنصاري يتشحط في دمه فقال: يا فلان، اشعرت أن محمداً قد قتل؟
فقال: إن كان قتل فقد بلغ قاتلوا على دينكم.
ففي أمثالهم قال تعالى: ﴿ وسيجزي الله الشاكرين ﴾ لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا من الصبر والثبات.
ثم قال: ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ ووجه النظم أن المنافقين أرجفوا أن محمداً قتل فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان، فأبطل قولهم بأن القتل مثل الموت في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر.
وكما أنه لو مات في بلده لم يدل ذلك على فساد دينه فكذا لو قتل.
وفيه تحريض المؤمنين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يغنى عن القدر، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإن خوّض المهالك واقتحم المعارك.
أو الغرض بيان حفظة وكلاءته لنبيه فإنه ما بقي في تلك الواقعة سبب من أسباب الهلاك والشر إلا وقد حصل إلا أنه لما كان حافظاً لنبيه ولم يقدّر في ذلك الوقت أجله لم يضره ذلك.
وفيه تقريع لأصحابه أنهم قد قصروا في الذب عنه ، وجواب عما قاله المنافقون للصحابة لما رجعوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
قال الأخفش والزجاج: تقدير الكلام وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله.
وقال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئة الله وأرادته، فأورد الكلام على سبيل التمثيل كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله فيه، وذلك أن إسناد الموت إلى النفس نسبة الفعل إلى القابل لا إلى الفاعل، فأقيم القابل مقام الفاعل.
وقال أبو مسلم: الإذن هو الأمر.
والمعنى أن الله يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر.
وقيل: المراد التكوين والتخليق لأنه لا يقدر على خلق الموت والحياة أحد إلا الله.
وقيل: التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار.
/ والمعنى ما كان لنفس أن تموت بالقتل إلا بأن يخلي الله بين القاتل والمقتول.
وفيه أنه تعالى لا يخلي بين نبيه وبين أحد ليقتله ، ولكنه جعل من بين يديه ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به فلا تهنوا في غزواتكم بعد ذلك بإرجاف مرجف.
وقيل: الإذن العلم أي لن تموت نفس إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه.
وفي الآية دليل على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع ولذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ كتاباً موجلاً ﴾ وهو مصدر مؤكد لنفسه لدلالة ما قبله عليه أي كتب الموت كتاباً مؤجلاً مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر.
وقيل: الكتاب المؤجل هو المشتمل على الآجال.
وقيل: هو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع الحوادث من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.
قال القاضي: الأجل والرزق مضافان إلى الله ، وأما الكفر والفسق والإيمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد.
فإذا كتب ذلك فإنما يكتب ما يعلمه من اختيار العبد وذلك لا يخرج فيه العبد من أن يكون مذموماً أو ممدوحاً.
والحق أن هذا تعكيس للقضية فإن الله إذا علم من العبد الكفر استحال أن يأتي هو بالإيمان وإلا انقلب علم الله جهلاً، وإذا كان هو غير قادر على الإيمان حينئذٍ فما معنى اختياره؟
ثم إنه كان في الذين حضروا يوم أحد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة كما أخبر الله في هذه السورة فقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ أي من ثوابها تعريض بالفريق الدنيوي وهم الذين شغلتهم الغنائم، وباقي الآية مدح للفريق الآخر الأخروي، وإن فضله وعطيته شامل لكلا الفريقين، لكن ثواب الفريق الثاني هو المعتد به في الحقيقة ولهذا ختم الكلام بقوله: ﴿ وسنجزي الشاكرين ﴾ فأبهم الجزاء وأضافه إلى نفسه تنبيهاً على جزاء الذين شكروا نعمة الإسلام فلم يشغلهم عن الجهاد شيء لا يكتنه كنهه وتقصر عنه العبارة، وأنه كما يليق بعميم فضله وجسيم طوله.
وهذه الآية وإن وردت في الجهاد لكنها عامة في جميع الأعمال كما قال : " "إنما الأعمال بالنيات" " وذلك لأن المؤثر في جانب الثواب والعقاب القصود والدواعي.
فمن وضع الجبهة على الأرض والوقت ظهر والشمس أمامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله كان من الإيمان، وإن قصد تعظيم الشمس كان من الكفر.
﴿ وكأين ﴾ الأكثرون على أنها في الأصل مركبة من كاف التشبيه و"أي" التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة.
كما أن "كذا" مركبة من "الكاف" و"ذا" المقصود به / الإشارة.
"فكأين" مثل "كذا" في كون المجرورين مبهمين عند السامع إلا أن في "ذا" إشارة في الأصل إلى ما في ذهن المتكلم بخلاف "أي" فإنه للعدد المبهم ومميزها منصوب ومفرد على الأصل.
والأكثر إدخال "من" في مميز "كأين" وبه ورد القرآن, والتمييز بعد "كذا" و"كأين" في الأصل عن الكاف لا عن "ذا" و"أي" كما في "مثلك رجلاً" لأنك تبين في كذا رجلاً وكأين رجلاً أن مثل العدد المبهم في أي جنس هو ولم تبين العدد المبهم.
فأي في الأصل كان معرباً لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة كما في "من" لا تنوين تمكن فلهذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين لا صورة له خطاً ولأجل التركيب تصرف فيه فقيل: كائن مثل كاعن.
وربما ظن بعضهم أنه اسم فاعل من كان، ولكنه بني لكثرة الاستعمال وهاتان اللغتان فيه مشهورتان ولهذا قرىء بهما.
وفيه لغات آخر غير مشهورة تركنا ذكرها لأنه لم يقرأ بها ولعلك تجدها في كتبنا الأدبية، ومحل ﴿ كأين ﴾ ههنا رفع على الابتداء، وقوله ﴿ قتل ﴾ أو ﴿ قاتل ﴾ خبره والضمير يعود إلى لفظ ﴿ كأين ﴾ فإنه مفرد اللفظ.
وإن كان مجموع المعنى.
والربيون معناه الألوف أو الجماعات الكثيرة.
الواحد ربى عن الفراء والزجاج.
قال ابن قتيبة: أصله من الربة الجماعة، فحذفت الهاء في النسبة، ويقال: ترببوا أي تجمعوا.
وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية.
والكسر فيه من تغييرات النسب كالضم في دهري، والقياس الفتح، ثم من قرأ ﴿ قتل ﴾ فمعنى الآية إن كثيراً من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعده ما وهنوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوّهم ونصرة دينهم وكان ينبغي أن يكون لكم فيهم أسوة حسنة.
فيكون المقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنيباء لتقتدي هذه الأمم بهم.
ومن قرأ ﴿ قاتل ﴾ فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوّهم قروح فما وهنوا.
فعلى هذا يكون الغرض من الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي في القتال.
وربما تؤيد هذه القراءة بما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال، ويحتمل أن تنزل القراءة الأولى على هذه الرواية أيضاً بأن يقال: المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير، فما ضعف الباقون وما استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدّوهم.
ثم إنه مدح هؤلاء الربيين بصفات وذلك قوله ﴿ فما وهنوا ﴾ إلخ ولا بد من تغايرها فقيل ﴿ فما وهنوا ﴾ عند قتل النبي ﴿ وما ضعفوا ﴾ عن الجهاد بعده ﴿ وما استكانوا ﴾ للعدو أي لم يخضعوا له، وفيه تعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عن الإرجاف بقتل رسول الله ، وبضعفهم عند ذلك عن جهاد الكفار / واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان.
وقيل: الوهن استيلاء الخوف عليهم، والضعف ضعف الإيمان واختلاج الشبهات في صدورهم، والاستكانة الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم.
وقيل: الوهن ضعف يلحق القلب، والضعف مطلقاً اختلال القوة الجسمية، والاستكانة إظهار ذلك العجز والضعف.
واستكان قيل"افتعل" من السكون كأنه سكن لصاحبه ليفعل به ما يريد.
وعلى هذا فالمد شاذ كقولهم "هو منه بمنتزاح" أي ببعد يراد بمنتزح.
والأصح أنه استفعل من "كان" والمد قياسي كأن صاحبه تغير من كون إلى كون أي من حال إلى حال.
﴿ والله يحب الصابرين ﴾ بأن يريد إكرامهم والحكم بالثواب والجنة لهم.
ثم أخبر أنهم كانا مستعينين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع وطلب الإمداد والنصر من الله، والغرض أن تقتدي هذه الأمة بهم.
فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه وعدده وعُدَدِه ذل، ومن اعتصم بالله والتجأ إليه فاز بالظفر.
وفي إضافتهم الذنوب والإسراف إلى أنفسهم وهم ربانيون هضم للنفس واستصغار لها.قال المحققون: إنما قدموا الاستغفار لعلمهم بأنه ضمن نصر المؤمنين، فإذا لم يحصل النصرة وظهرت أمارات واستيلاء الأعداء دل ذلك على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فيلزم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة أقرب إلى الاستجابة.
إنهم عمموا الذنوب أوَّلاً الصغائر والكبائر بقولهم: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ ثم خصصوا الذنوب الكبائر بقولهم ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه.
والمراد بتثبيت الأقدام وإزالة الخوف عن قلوبهم وإماطة الخواطر الفاسدة عن صدورهم.
والمراد بالنصر الأمور الزائدة على القوة والعدة والشدة كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وكإحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم كهبوب ريح تثير الغبار في وجوههم، وإجراء سيل في مواضع وقوفهم.
وفي الآية تأديب وإراشاد من الله في كيفية الطلب عند النوائب جهاداً كان أو غيره ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر وانشراح الصدر ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ وهو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وذلك غير حاصل في الحال.
والمراد أنه حكم لهم بحصولها في الآخرة، وحكم الله بالحصول كنفس الحصول.
أو المراد أنه سيؤتيهم مثل أتى أمر الله أي سيأتي، قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون الآية مختصة بالشهداء وأنهم في الجنة عند ربهم كما ماتوا أحياء، وثواب الآخرة كله حسن، فما ظنك بحسن ثوابها؟
وإنما لم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلتها وامتزاجها بالمضار وكدر صفوها بالانقطاع والزوال.
قال القفال: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله: ﴿ وقولوا للناس / حسناً ﴾ والغرض منه المبالغة كما يقال: فلان جود وعدل إذا كان غاية في الجود ونهاية في العدل.
وههنا نكتة وهي أنه أدخل "من" التبعيضية في الآية المتقدمة في قوله: ﴿ نؤته منها ﴾ في الموضعين، ولم يذكر في هذه الآية.
لأن أولئك اشتغلوا بالثواب عن العبودية فلم ينالوا إلا البعض، بخلاف هؤلاء فإنهم لم يذكروا أنفسهم إلا بالعيب والقصور ولم يسألوا ربهم إلا ما يوجب إعلاء كلمته، فلا جرم فازوا بالكل.
وفيه تنبيه على أن من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله.
ثم قال ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.
وههنا سر وهو أنه وفقهم للطاعة ثم أثابهم عليها ثم مدحهم على ذلك فسماهم محسنين، ليعلم العبد أن الكل بعنايته وفضله.
﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ عن السدي: المراد بالذين كفروا هو أبو سفيان وأصحابه فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم.
والمعنى إن تستكينوا لهم وتستأمنوهم.
وعن علي : هم المنافقون عبد الله بن أبيّ وأشياعه قالوا للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.
وعن الحسن: هم اليهود والنصارى يستغوونهم ويوقعون لهم الشبهة في الدين ولا سيما عند هذه الواقعة كانوا يقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوم له ويوم عليه.
والأقرب أنه عام في جميع الكفار فإن خصوص السبب لا ينافي إرادة العموم، فعلى المؤمنين أن لا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم وعلى مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم وهو المراد بقوله: ﴿ يردوكم على أعقابكم ﴾ أي إلى الكفر بعد الإيمان ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الدنيا باستبدال ذلة الكفر بعزة الإسلام والانقياد للأعداء الذي هو اشق الأشياء لدى العقلاء، وفي الآخر بالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد.
﴿ بل الله مولاكم ﴾ ناصركم وهو إضراب عما كانوا بصدده من طاعة الكفار.
والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا خطأ وجهالة لأنهم عاجزون مثلكم متحيرون، وبغير إذن الله لا ينفعون ولا يضرون.
﴿ وهو خير الناصرين ﴾ لو فرض أن لأحد سواه قدرة على النصر لأنه خبير بمواقع الحاجات، قدير على إنجاز الطلبات، ينصر في الدنيا والآخرة بلا شائبة علة من العلات، ونصرة غيره لو فرض فإنه مخصوص بالدنيا وببعض الأمور وفي بعض الأوقات ولغرض من الأغراض الفاسدات، كيف ولا ناصر بالحقيقة سواه.
التأويل: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق / الشريعة وقانون الطريقة لتتحلى الأرواح بأنوار الحقيقة ﴿ ولقد كنتم ﴾ يا أرباب الصدق وأصحاب الطلب ﴿ تمنون ﴾ موت النفوس عن صفاتها تزكية لها ﴿ من قبل أن تلقوه ﴾ بالمجاهدات والرياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد الأصغر ظاهراً وفي الجهاد الأكبر باطناً ﴿ فقد ﴾ رأيتم هذه الأسباب التي كنتم تمنونها عياناً ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ لا تفدون أرواحكم و لاتجاهدون حق الجهاد في الله بأرواحكم وأشباحكم ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ فيه أن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند إعدام المقلد من الوالدين أو الاستاذ، وكذا عند موت المقلد فيعجز عند سؤال الملكين في قولهما له من ربك؟
فيقول: هاه لا أدري.
فيقولون: ما تقول في هذا الرجل؟
فيقول: هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس.
فيقولان له: لا دريت ولا تليت.
﴿ وسيجزي الله ﴾ بالإيمان الحقيقي ﴿ الشاكرين ﴾ الذين شكروا نعمة الإيمان التقليدي بأداء حقوقه وهو الائتمان بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه ﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية وتتخلص عنها بطبعها إلا بتوفيق الله وجذبه وإشراق نوره كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس.
ثم أثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله: ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وهذه رتبة الخواص أي من عمل شوقاً إلى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم، فثوابه نقد في الدنيا لأنه حاضر لا غيبه له وهو معنى قولهم "الصوفي ابن الوقت" وفيه أنشد: خليلي هل أبصرتما أو سمعتما *** بأكرم من مولى تمشى إلى عبد أتى زائراً من غير وعد وقال لي *** أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد.
ومن عمل شوقاً إلى الجنة فنظره على النعمة فثوابه في الآخرة ﴿ وسجيزي الشاكرين ﴾ أي كلا الفريقين على قدر شكرهما ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ أعدى العدو الذي بين جنبيه و ﴿ معه ربيون ﴾ متخلقون بأخلاق الرب ﴿ فما وهنوا لما أصابهم ﴾ من تعب المجاهدات ﴿ وما ضعفوا ﴾ في طلب الحق ﴿ وما استكانوا ﴾ باحتمال الذلة والالتفات إلى غير الله.
﴿ إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة وصفاتها ﴿ يردّوكم ﴾ إلى أسفل سافلين بشريتكم وبهيمتكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ ﴾ : قيل فيه بوجهين: قيل: قوله - عز وجل -: تمنون ما فيه الموت، وهو القتال.
وقيل: تمنون الموت نفس الموت.
ثم يحتمل وجوهاً: يحتمل: يتمنون إشفاقاً على دينهم الإسلام؛ لئلا يخرجوا من الدنيا على غير دينهم الذي هم عليه، ويحتمل أن يكونوا تمنوا الموت، لينجوا أو يتخلصوا من تعذيب الكفار إيّاهم وتغييرهم؛ على ما قيل: إن أهل مكة كانوا يعذبونهم، طلبوا النجاة منهم والخلاص، والله أعلم.
وقيل: يتمنون الموت، أي: يتمنون الشهادة؛ لما سمعوا من عظيم الثواب وجزيل الأجر، تمنوا أن يكونوا شهداء الله - عز وجل - أحياء عند ربهم، والله أعلم.
وقيل: في قوله - عز وجل -: ﴿ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ ﴾ : وذلك حين أخبر الله - عزّ وجلّ - عن قتلى بدر، وما هم فيه من الخير؛ فتمنوا يوماً مثل يوم بدر؛ فأراهم الله يوم أحد [فانهزموا]، فعوتبوا على ذلك بقوله: ﴿ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ ، يعني: يوم أحد.
وقوله: - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ .
يحتمل [أيضاً] وجوهاً: يحتمل: فقد رأيتم أسباب الموت وأهواله.
ويحتمل: فقد رأيتم أصحابكم الذين قتلوا بين أيديكم، على تأويل من صرف قوله - عز وجل -: ﴿ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ ﴾ إلى القتال، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ إلى الموت، يعني: إلى موت أصحابكم أو إلى القتال.
ويحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ ، أي: تعلمون أنكم كنتم تمنون الموت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: يحتمل: - والله أعلم -: أن يقول لهم: إنكم لما آمنتم بمحمّد قبل أن يبعث لم تؤمنوا به؛ لأنّه محمّد [رسول الله ]، ولكن آمنتم بالذي أرسله إليكم، والمُرْسِل حي، وإن كان محمد قتل أو مات على زعمكم؛ فكيف أنقبلتم على أعقابكم؟!.
قال الشيخ: رحمه الله -: في الآية خبر بانقلاب من علم الله أنه يرتد بموت رسول الله صلى الله وسلم كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ .
والشاكرون: الذين جاهدوهم، قد أخبر الله - - أنه يحبّهم ويحبّونه.
وقال الحسن: إن أبا بكر الصّديق - - كان - والله - إمام الشاكرين.
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن من كان قبلكم من قوم موسى وعيسى - عليهما السلام - كانوا يكذبون رسلهم ما داموا أحيّاء؛ حتى قال لهم موسى - - ﴿ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ ، وكذلك قال عيسى - -: ﴿ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً ﴾ الآية [الصف: 6]، فإذا ماتوا ادعوا أنهم على دينهم، وأنهم صدقوهم فيما دعوهم إليه، وإن لم يكونوا على ذلك، فلم ينقلبوا على أعاقبهم؛ فيكف تنقلبون أنتم على أعقابكم إن مات محمد أو قتل؟!.
والانقلاب على الأعقاب: على الكناية والتمثيل، ليس على التصريح، وهو الرجوع إلى ماكانوا عليه من قبل من الدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ : أي: من ارتدّ بعد الإسلام فلن يضرّ الله شيئاً؛ لأنه لم يستعملهم لنفسه، ولكن إنما استعملهم لأنفسهم؛ ليستوجبوا بذلك الثواب الجزيل في الآخرة، فإنما يضرون بذلك أنفسهم، لا الله - .
والثاني: أنه إنما يأمرهم ويكلفهم؛ لحاجة أنفسهم، لا أنه يأمر لحاجة نفسه، ومن أمر آخر في الشاهد: إنما يأمر لحاجة نفس الآمر، فإذا لم يأتمر لَحِق ضرر نَفْس ذلك الآمر، فإذا كان الله - - يتعالى عن أن يأمر لحاجته؛ وإنما يأمر لحاجة المأمور، فإذا ترك أمره - ضر نفسه، وبالله التوفيق.
﴿ وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ : قيل: الموحّدين لله.
وقيل: الذين آمنوا وجاهدوا يجزيهم في الآخرة، وكل متمسك بأمر الله ومؤتمر بأمره فهو شاكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ ﴾ ، أي: لا يموت إلا بقبض المسلط على قبض الأرواح - روحه؛ كقوله: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ : إن مات أو قتل.
ويحتمل: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ ﴾ : إلا بعلم الله.
﴿ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً ﴾ : قيل: وقتاً موقتاً، لا يتقدم ولا يتأخر، مات أو قتل، ما لم تستوف رزقها وأجلها.
وقيل: ﴿ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً ﴾ ، أي: مبيناً في اللوح المحفوظ، مكتوباً فيه.
وقوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : أي: من أراد بمحاسن أعماله الدنيا نؤته منها.
﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : أي: من يرد بأعماله الصّالحات ومحاسنه الآخرة نؤته منها.
﴿ وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ : وهو كقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ على قدر ما قدّر ﴿ وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ ؛ فكذلك هذا - أيضاً - والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولقد كنتم -أيها المؤمنون- تتمنون لقاء الكفار لتنالوا الشهادة في سبيل الله، كما نالها إخوانكم في يوم بدر من قبل أن تلاقوا أسباب الموت وشدته، فها قد رأيتم في يوم أُحد ما تمنيتم، وأنتم تنظرون له عيانًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.NVLZq"
الكلام متصل بما قبله والخطاب فيه لمن شهد وقعة "أحد" من المؤمنين.
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ إن "أم" الاستفهام المجرد أو للمعادلة.
إنه تعالى يقول المؤمنين بعد ذلك التنبيه والإرشاد لسنته وحكمه فيما حصل المتضمن للوم والعتاب في مثل ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وقوله: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾ إلخ: هل جريتم على تلك السنن؟
هل تدبرتم تلك الحكم؟
أم حسبتم كما يحسب أهل الغرور أن تدخلوا الجنة وأنتم إلى الآن لم تقوموا بالجهاد في سبيله حق القيام، ولم تتمكن صفة الصبر من نفوسكم تمام التمكن، والجنة إنما تنال بهما، ولا سبيل إلى دخولها بدونهما، لو قمتم بذلك لعلمه تعالى منكم وجازاكم عليه بالنصر والظفر في غزوتكم هذه وكان ذلك آية على أنه سيجازيكم بالجنة في الآخرة.
ربما يقول قائل أن الآية تفيد أن من لم يجاهد ويصبر لا يدخل الجنة مع أن الجهاد فرض كفاية.
ونقول: نعم إنه لا يدخل الجنة من لم يجاهد في سبيل الحق ولكن الجهاد في الكتاب والسنة يستعملان بمعناهما اللغوي وهو احتمال المشقة في مكافحة الشدائد ومنه جهاد النفس الذي روي عن السلف التعبير عنه بالجهاد الأكبر.
ومن أمثلة ذلك مجاهدة الإنسان لشهواته لا سيما في سن الشباب، وجهاده بماله، وما يبتلي به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق.
إن الله في كل نعمة عليك حقًا وللناس عليك حقًا، وأداء هذه الحقوق يشق على النفس فلا بد من جهادها ليسهل عليه أداؤها وربما يفضل بعض جهاد النفس جهاد الأعداء في الحرب، فإن الإنسان إذا أراد أن يبث فكرة صالحة في الناس أو يدعوهم إلى خيرهم من إقامة سنة، أو مقاومة بدعة، أو النهوض بمصلحة، فإنه يجد أمامه من الناس من يقاومه ويؤذيه إيذاء قلما يصبر عليه أحد.
وناهيك بالتصدي لإصلاح عقائد العامة وعاداتهم وما الخاصة في ضلالهم إلا أصعب مراسًا من العامة.
ومن مباحث اللفظ في الآية ما تقدم بيانه من معنى أم ولما.
ومنها أن قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُ ﴾ منصوب بإضمار "إن" على أن الواو للجمع كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا يكن أكل السمك وشرب اللبن معًا، فالتقدير في الآية على هذا: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجمع بين الجهاد والصبر.
بعد ما بيّن تعالى للمؤمنين أن الفوز والظفر في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة لا يكونان بالأماني والغرور، ولا ينالان بالمحاباة والكيل الجزاف، بل بالجهاد ومكافحة الأيام، ومصابرة الشدائد والأخوال، واتباع سنن الله في هذا العالم.
وبعد ما بيّن لهم أن دعوى الإيمان ودعوى الجهاد والصبر لا يترتب عليهما الجزاء بالنصر ودخول الجنة وإنما يترتب ذلك على تحققهما بحسب علم الله المطابق للواقع لا بحسب ظن الناس وشعورهم.
بعد هذا وذاك أرشدهم إلى أمر واقع يظهر لهم به تأويل قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ﴾ إلخ، وطريق الجمع بينه وبين شعورهم واعتقادهم قبل ذلك أنهم لم يقصروا في الجهاد والصبر فيتعلموا كيف يحاسبون أنفسهم ولا يغترون بشعورهم وخواطرهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ الخطاب لجماعة المسلمين الذين شهدوا وقعة أُحد.
فلقد كان النبي يرى أن لا يخرج للمشركين بل يستعد لمدافتعهم في المدينة، وكان على هذا الرأي جماعة من كبراء الصحابة، وبه صرح عبدالله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين ولكن أكثر الصحابة أشاروا بالخروج إلى أُحد حيث عسكر المشركين ومناجزتهم هناك، وإن الشبان ومن لم يشهد بدرًا كانوا يلحون في الخروج.
لهذا قال مجاهد: إن هذه الآية عتاب لرجال غابوا عن بدر فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر فلما كان يوم أُحد ولى منهم من ولى فعاتبهم الله، وروي نحو ذلك عن غيره منهم الربيع والسدي، وروي عن الحسن أنه قال بلغني أن رجالًا من أصحاب النبي كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي لنفعلن ولنفعلن فابتلوا بذلك فلا والله ما كلهم صدق فأنزل الله : ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ﴾ الآية.
فأطلق الحسن ولم يخص من لم يشهد بدرًا وهو الصواب، فإن الذين كانوا يتمنون القتال كثيرون.
قلنا إن هذه الآية أظهرت للمؤمنين تأويل قوله تعالى في إيمانهم وجهادهم وصبرهم، وعلمتهم كيف يحاسبون أنفسهم ويمتحنون قلوبهم، وبيان ذلك أنهم تمنوا القتال، أو الموت في القتال لينالوا مرتبة الشهادة، وقد أثبت الله لهم هذا التمني وأكده بقوله: ﴿ وَلَقَدْ ﴾ فلم يكن ذلك منهم دعوى قولية، ولا صورة في الذهن خيالية، بل كان حقيقة واقعة في النفس، ولكنها زالت عند مجيء دور الفعل، وهذه مرتبة من مراتب النفس في شعورها وعرفانها هي دون مرتبة الكمال الذي يصدقه العمل، وفوق مرتبة التصور والتخيل مع الانصراف عن تمني العمل بمقتضاه، أو مع كراهته والهرب منه كما يتوهم بعض الناس أنه يحب ملته أو وطنه ولكنه يهرب من كل طريق يخشى أن يطالب فيه بعمل يأتيه لأجلهما، أو مال يعاون به العاملين لهما، أو يكون خالي الذهن من الفكر في العمل، أو البذل لإعلاء شأن هذا المحبوب، أو كف العدوان أو الشر عنه، فهاتان مرتبتان دون مرتبة من يتصور أنه يحب ملته ووطنه، ويفكر في خدمتهما ويتمنى لو يتاح له ذلك، حتى إذا احتيج إلى خدمته التي كان يفكر فيها ويتمناها وجد من نفسه الضعف فأعرض عن العمل قبل الشروع أو بعد أن ذاق مرارته، وكابد مشقته، وإنما المطلوب في الإيمان ما هو أعلى من هذه المرتبة، المطلوب فيه مرتبة اليقين والاذعان النفسي التي من مقتضاها العمل مهما كان شاقًا، والجهاد مهما كان عسيرًا، والصبر على المكاره، وإيثار الحق على الباطل، وقد تقدم في تفسير: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ وتفسير ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ ﴾ من الآيتين السابقتين أمثلة تزيد المبحث وضوحًا.
وقد كان في مجموع المخاطبين بالآية عند نزولها من هم في المرتبة العليا، وأولئك هم المجاهدون الصابرون الذين ثبتوا مع النبي ثبات الجبال لا ثبات الأبطال وهم نحو ثلاثين رجلًا، وقد ذكرنا أسماء بعضهم في تلخيص القصة وإنما جعل الخطاب عامًا؛ ليكون تربية عامة فإن أصحاب المراتب العلية يتهمون أنفسهم بالتقصير فيزدادون كمالًا.
فهذه الآية تنبه كل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس والتمني والتشهي وتهديه إلى امتحان نفسه بالعمل الشاق، وعدم الثقة منها بما دون الجهاد والصبر على المكاره في سبيل الحق، حتى يأمن الدعوى الخادعة، بله الدعوى الباطلة، وإنما الخادعة أن تدعي ما تتوهم أنك صادق فيه، مع الغفلة أو الجهل بعجزك عنه، والباطلة لا تخفى عليك، وإنما تظن أنها تخفى على سواك.
قد أشرنا إلى أن الظاهر من تمني الموت هو تمني الشهادة في سبيل الله، وقال بعضهم إن المراد بالموت الحرب لأنها سببه.
وعد بعضهم تمني الشهادة المأثور عن كثير من الصحابة مشكلًا لأنه يستلزم انتصار الكفار على المسلمين، ولا إشكال إلا في مخ من اخترع هذه العبارة، فإن الذي يتمنى الشهادة في سبيل الله لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، ولا يقصر في الدفاع والصدام حتى يقال إنه مكن الأعداء منه، ومهد لهم سبيل الظفر بالمؤمنين وإنما يكون أقوى جهادًا وأشد وأجدر بأن ينصر قومه ويخذل من يحاربهم.
ثم إنه لا يقصد لازم الموت والشهادة من نقص عدد المسلمين أو ضعفهم على أن هذا اللازم إنما يتبع استشهاد الكثير أو الأكثر منهم، ومن يتمن الشهادة فإنما يتمناها لنفسه دون العدد الكثير من قومه.
إن تمني الشهادة الذي وقع ليس تمنيًا مطلقًا وإنما هو تمني من يقاتل لنصرة الحق أن تذهب نفسه دونه، فإذا هو وصل إلى ما ينبغي من نصرة الحق وإعزازه بانهزام أهل الباطل وخذلانهم فيها ونعمت وإلا فضل الموت في سبيل إعزاز الحق ورآه خيرًا من البقاء مع إذلاله وغلبه الباطل عليه.
وإن الخطاب لمن سبق لهم تمني الموت بعد أن فاتهم حضور وقعة بدر أو الشهادة فيها لبعض من حضرها، ثم جاءت وقعة أُحد فكان منهم من انكسرت نفسه في أثناء الواقعة ووهن عزمه، ومنهم من وهن وضعف بعدها عند ما ندبهم النبي إلى اتباع المشركين معه في حمراء الأسد، كأنه يقول: يا سبحان الله لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الحرب فها أنتم أولاء قد رأيتم ما كنت تتمنونه وأنتم تنظرون إليه لا تغفلون عنه فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم؟، وما بالكم تحزنون وتضعفون، عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون؟، ومن تمنى الشيء وسعى إليه لا ينبغي أن يحزنه لقاؤه ويسوءه، فقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ للتأكيد لأن الإنسان يرى الشيء أحيانًا ولكنه لانشغاله عنه ربما لا يتبينه، فأراد أن يقول إنكم قد رأيتموه رؤية كان لها الأثر الثابت في نفوسكم لا رؤية من قبيل لمح الشيء مع الغفلة عنه وعدم المبالاة به.
وقال بعض المفسرين إن الجملة مستأنفة أي أبصرتموه وأنتم الآن تنظرون وتتأملون فيما رأيتموه وتفكرون في علاقته بشؤونكم، والذي يظهر هو صحة التأويل الأول.
بعد هذا بيّن الله تعالى حكمة أخرى من أعظم الحكم المتعلقة بغزوة أُحد وهي إشاعة قتل النبي ، وما كان من تأثيرها في المسلمين، وما كان يجب أن يكون فقال: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ إلخ.
إن كلمة ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ من قبيل المثل تضرب لمن رجع عن الشيء بعد الإقبال عليه، والأحسن أن تكون عامة تشمل الارتداد عن الدين الذي جاهر بالدعوة إليه بعض المنافقين، والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحق وهذا هو الصواب.
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ في هذه الآية إرشاد لنا إلى أن لا نجعل المصائب الشخصية دليلًا على كون من تصيبه على باطل أو على حق، فإن من الجائز عقلًا والواقع فعلًا أن يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وأن يبتلى صاحب الباطل بالنعم والعطايا، كما أن عكس ذلك جائز وواقع.
وتعلمنا أيضًا أن لا نعتمد في معرفة الحق والخير على وجود المعلم بحيث نتركهما بعد ذهابه أو موته وإنما نعتمد على معرفتهما والتحقق بهما والسير على منهاجهما في حال وجود المعلم وبعده.
فالله تعالى يقول عليكم أن تستضيئوا بالنور، وتتقلدوا سيف البرهان اللذين جاءكم بهما محمد، وأما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم، وما يعرض له من حياة أو موت، فلا مدخل له في صحة دعوته، ولا في إضعاف النور الذي جاء به، فلا معنى إذًا لتعليق إيمانكم بحياته أو سلامة بدنه مما يعرض له من حيث هو بشر مثلكم، خاضع لسنن الله كخضوعكم.
﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾ الآية.
تلك قضية وهذه قضية أخرى ووجه الاتصال بينهما أن المراد بتلك لوم المؤمنين على ما وقع منهم إذ بلغهم قتل النبي ، والمراد بهذه بيان أنه لو قتل لما كان قتله إلا بإذن الله ومشيئته، فهو توبيخ لمن اندهش من خبر موته كأنهم بسبب زلزالهم وزعزعة عقائدهم قد جعلوا موته جناية منه، فأذاقهم تعالى بهذه العبارة مرارة خطأهم، وأراهم بها قبح جهلهم، كأنه يقول إن محمدًا يدعوكم إلى الله -أي لا إلى نفسه- فلو كان هذا الموت يقع بدون إذن الله لكان الانقلاب صوابًا، ولكن إذا كان هذا الموت لا يقع إلا بإذنه تعالى، إذ ليس لأحد في العالم سلطان يقهره ويوقع في ملكه شيئًا بالكره منه فلا معنى لزلزلة ثقتكم بالله، وضعفكم عن المضي فيما كنتم عليه مع النبي في حياته لأن الله لم يزل حيًا باقيًا عليمًا حكيمًا.
وفي الآية معنى آخر وهو أنه ما دام محيانا ومماتنا بيد الله فلا محل للجبن والخوف، ولا عذر في الوهن والضعف، وفيها تأكيد لما تقدم بيانه في الآية التي قبلها وهو أن الموت لا يدل على بطلان ما كان عليه من يموت ولا على حقيته، ولقد جعل صاحب الكشاف الجملة تمثيلًا.
﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ ، هذه قضية أخرى فيها وجهان: أحدهما: أنها رد لاستدلال من استدل بما حل بالمسلمين على أن ما هم عليه غير الحق، فهي من هذا الوجه فرع من فروع قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ فهو يقول إن لنيل ثواب الدنيا سننًا ولنيل ثواب الآخرة سننًا فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها.
فإذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين في هذه المرة فلأنهم طلبوا بعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من حيث قد قصر المسلمون في اتباع السنن في ذلك بمخالفة الرسول كما تقدم.
والوجه الثاني: أنه يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا وانقلبوا على أعقابهم: ما الذي تريدون بعملكم هذا؟
إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك وما عليكم إلا أن تسلكوا طريقه، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد وإنما يدعوكم إلى خير ترون حظًا منه في الدنيا، والمعول فيه على ما في الآخرة، فالمسألة معكم بين أمرين: إرادة الدنيا، وإرادة الآخرة، كل يريد أمرًا ولكل أمر سنن تتبع ولكل دار طريق تسلك.
﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ ، كأنس بن النضر وأمثاله الذين جاهدوا وصبروا مع النبي بحفظهم قوة إرادتهم فكانوا السبب في انجلاء المشركين عن المسلمين، وخصهم بالذكر الذي يعينه الوصف تنويهًا بهم ووعدًا لهم بالجزاء، وهو من التفصيل لإجمال من يريد الآخرة.
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ثواب هؤلاء حسن على كل حال ولكن ذكر الحسن في ثواب الآخرة مزيد في تعظيم أمره، وتنبيه على أنه ثواب لا يشوبه أذى، فليس مثل ثواب الدنيا عرضة للشوائب والمنغصات.
ولقد اتفق المفسرون على أن الآيات جاءت تأديبًا للمؤمنين وتوبيخًا لمن فرط منهم ما فرط والأمر ظاهر كالشمس في الضحى أو أشد ظهورًا.
<div class="verse-tafsir"