الآية ١٦٨ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٦٨ من سورة آل عمران

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٦٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٨ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ) أي : لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل .

قال الله تعالى : ( قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) أي : إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت ، فينبغي ، أنكم لا تموتون ، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة ، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين .

قال مجاهد ، عن جابر بن عبد الله : نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي - ابن سلول .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " وليعلم الله الذين نافقوا " =" الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ".

* * * فموضع " الذين " نصب على الإبدال من الَّذِينَ نَافَقُوا .

وقد يجوز أن يكون رفعًا على الترجمة عما في قوله: يَكْتُمُونَ من ذكر الَّذِينَ نَافَقُوا .

* * * فمعنى الآية: وليعلم الله الذين قالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين بأحد يوم أحد فقتلوا هنالك من عشائرهم وقومهم =" وقعدوا "، يعني: وقعد هؤلاء المنافقون القائلون ما قالوا - مما أخبر الله عز وجل عنهم من قيلهم - عن الجهاد مع إخوانهم وعشائرهم في سبيل الله =" لو أطاعونا "، يعني: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا =" ما قتلوا " يعني: ما قتلوا هنالك = قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء القائلين هذه المقالة من المنافقين =" فادرأوا "، يعني: فادفعوا.

* * * من قول القائل: " درأت عن فلان القتل "، بمعنى دفعت عنه،" أدرؤه دَرْءًا "، (14) ومنه قول الشاعر: (15) تَقُــولُ وَقَــدْ دَرَأْتُ لَهَـا وَضِينِـي أهـــذَا دِينُـــهُ أَبَــدًا وَدِينــي (16) * * * يقول تعالى ذكره: قل لهم: فادفعوا = إن كنتم، أيها المنافقون، صادقين في قيلكم: لو أطاعنا إخواننا في ترك الجهاد في سبيل الله مع محمد صلى الله عليه وسلم وقتالهم أبا سفيان ومن معه من قريشْ، ما قُتلوا هنالك بالسيف، ولكانوا أحياء بقعودهم معكم، وتخلّفهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وشهود جهاد أعداء الله معه = [عن أنفسكم] الموت، (17) فإنكم قد قعدتم عن حربهم وقد تخلفتم عن جهادهم، وأنتم لا محالة ميتون.

كما:- 8199- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " الذين قالوا لإخوانهم "، الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم =" لو أطاعونا ما قتلوا " الآية، أي: أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا.

وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصًا على البقاء في الدنيا، وفرارًا من الموت.

(18) * * * *ذكر من قال: الذين قالوا لإخوانهم هذا القول، هم الذين قال الله فيهم: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا .

8200- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا " الآية، ذكر لنا أنها نـزلت في عدوّ الله عبدالله بن أبيّ.

8201- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هم عبدالله بن أبيّ وأصحابه.

8202- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: هو عبدالله بن أبيّ الذي قعد وقال لإخوانه الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: " لو أطاعونا ما قتلوا "، الآية = قال ابن جريج، عن مجاهد قال، قال جابر بن عبدالله: هو عبدالله بن أبيّ ابن سلول.

8203- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا " الآية، قال: نـزلت في عدوّ الله عبدالله بن أبيّ.

(19) -------------------- الهوامش : (13) في المطبوعة: "بما يخفونه من ذلك" ، غير ما في المخطوطة لغير شيء!!

، إلا أن يريدوا أن يدرجوا به على ما ألفوا من الكلام!!

(14) انظر تفسير"الدرء" فيما سلف 2: 222 - 228.

(15) هو المثقب العبدي.

(16) مضى تخريجه وشرحه فيما سلف 2:547 ، 548 ، والاستشهاد بهذا البيت لمعنى الدفع ، غريب من مثل أبي جعفر ، فراجع شرح البيت هناك.

(17) السياق: "قل لهم: فادفعوا.

.

.

عن أنفسكم الموت" ، والزيادة التي بين القوسين زيادة لا بد منها يقتضيها السياق ، وعن نص الآية ، فلذلك أثبتها.

(18) الأثر: 8199- سيرة ابن هشام 3: 125 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8194.

(19) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفي المخطوطة ما نصه: "يتلوهُ إِن شاء الله: القول في تأويل قوله جل ثناؤه ولا تحسبَنَّ الذينَ قتلوا في سبيلِ الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون.

والحمد لله على إحسانه ونعمته ، وصلى الله على محمد وعلى آله الطاهرين ، وسلَّمَ كثيرًا".

ثم يتلوه أول الجزء ، وفيها ما نصه: " بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر يا كريم أخبرنا أبو بكر محمد بن داود قال ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير".

وانظر التعليق على هذا الإسناد فيما سلف 6: 496 ، 497 / 7: 23 ، 154 ، 280 ، 281.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقينقوله تعالى : الذين قالوا لإخوانهم معناه لأجل إخوانهم ، وهم الشهداء المقتولون من الخزرج ; وهم إخوة نسب ومجاورة ، لا إخوة الدين .

أي قالوا لهؤلاء الشهداء : لو قعدوا ، أي بالمدينة ما قتلوا .

وقيل : قال عبد الله بن أبي وأصحابه لإخوانهم ، أي لأشكالهم من المنافقين : لو أطاعونا ، هؤلاء الذين قتلوا ، لما قتلوا .وقوله لو أطاعونا يريد في ألا يخرجوا إلى قريش .

وقوله : وقعدوا أي قالوا هذا القول وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد ; فرد الله عليهم بقوله : قل فادرءوا أي قل لهم يا محمد : إن صدقتم فادفعوا الموت عن أنفسكم .

والدرء الدفع .

بين بهذا أن الحذر لا ينفع من القدر ، وأن المقتول يقتل بأجله ، وما علم الله وأخبر به كائن لا محالة .

وقيل : مات يوم قيل هذا ، سبعون منافقا .

وقال أبو الليث [ ص: 252 ] السمرقندي : سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول : لما نزلت الآية فادرءوا عن أنفسكم الموت مات يومئذ سبعون نفسا من المنافقين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

: { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا } أي: جمعوا بين التخلف عن الجهاد، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره، قال الله ردًّا عليهم: { قل فادرءوا } أي: ادفعوا { عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } إنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، لا تقدرون على ذلك ولا تستطيعونه.

وفي هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان، وقد يكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الأخرى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين قالوا لإخوانهم ) في النسب لا في الدين وهم شهداء أحد ( وقعدوا ) يعني : قعد هؤلاء القائلون عن الجهاد ( لو أطاعونا ) وانصرفوا عن محمد صلى الله عليه وسلم وقعدوا في بيوتهم ( ما قتلوا قل ) يا محمد ، ( فادرءوا ) فادفعوا ، ( عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) إن الحذر لا يغني عن القدر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين» بدل من الذين قبله أو نعت «قالوا لإخوانهم» في الدين «و» قد «قعدوا» عن الجهاد «لو أطاعونا» أي شهداء أحد أو إخواننا في القعود «ماقتلوا قل» لهم «فادرَءُوا» ادفعوا «عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين» في أن القعود ينجي منه ونزل في الشهداء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء المنافقون هم الذين قعدوا وقالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين يوم "أُحد": لو أطاعَنا هؤلاء ما قتلوا.

قل لهم -أيها الرسول-: فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، وأنكم قد نجوتم منه بقعودكم عن القتال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من أراجيفهم وأكاذيبهم التى قصدوا من ورائها الإساءة إلى المؤمنين ، والتشكيك فى صدق تعاليم الإسلام فقال - تعالى - : { الذين قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } .أى أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بما ارتكبوه من جنايات قبيل غزوة أحد وخلالها ، بل إنهم بعد انتهاء المعركة قالوا لإخوانهم الذين هم مثلهم فى المشرب والاتجاه ، : قالوا لهم وقد وقعوا عن القتال : لو أن هؤلاء الذين استشهدوا فى أحد أطاعونا وقعدوا معنا فى المدينة لما أصابهم القتل ، ولكنهم خالفونا فكان مصيرهم إلى القتل .ويجوز أن تكون اللام فى قوله " لإخوانهم " للتعليل فيكون المعنى : أنهم قالوا من أجل إخوانهم الذين استشهدوا فى غزوة أحد ، لو أن هؤلاء الذين قتلوا أطاعونا ولم يخرجوا لبقوا معنا على قيد الحياة ، كما هو حالنا الآن ، ولكنهم لم يستمعوا إلى نصحنا وخرجوا للقتال فقتلوا .وعلى كلا التفسيرين فقولهم هذا يدل على خبث نفوسهم ، وانطماس بصيرتهم وجهلهم بقدرة الله ونفاذ إرادته ، وشماتتهم فيما حل بالمسلمين من قتل وجراح يوم أحد .ولذا فقد رد الله عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويدحض قولهم ، ويكشف عن جهلهم وسوء تفكيرهم فقال - تعالى - { قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .أى قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم الفارغة : إذا كنتم تظنون أنكم دفعتم عن أنفسكم الموت بقعودكم فى بيوتكم ، وامتناعكم عن الخروج للقتال ، إذا كنتم تظنون ذلك { فَادْرَءُوا } أى ادفعوا عن أنفسكم الموت المكتوب عليكم ، والذى سيدرككم ولو كنتم فى بروج مشيدة .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة الرد عليهم بما يبطل أقوالهم عن طريق الحس والمشاهدة ، وذلك ببيان أن القعود عن الجهاد لا يطيل الحياة ، كما أن الخروج إلى ساحات القتال لا ينقص شيئا من الآجال ، فكم من مجاهد عاد من جهاده سالما ، وكم من قاعد أتاه الموت وهو فى عقر داره .فزعم هؤلاء المنافقين بأن أولئك الذين استشهدوا فى أحد لو أطاعوهم ولم يخرجوا للقتال لما أصابهم القتل زعم باطل ، وإلا فإن كانوا صادقين فى هذا الزعم فليدفعوا عن أنفسهم الموت الذى سينزل بهم حتما فى الوقت الذى يشاؤه الله ، ولا شك أنهم لن يستطيعوا دفعه فثبت كذبهم وافتراؤهم .وقوله تعالى { الذين قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ } فى محل نصب بدل من قوله { الذين نَافَقُواْ } .أو فى محل رفع بدل من الضمير فى قوله { يَكْتُمُونَ } فكأنه قيل : والله أعلم بما يكتم هؤلاء الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا .

.

.وقوله { وَقَعَدُواْ } حال من الضمير فى { قَالُواْ } بتقدير حرف قد أى قالوا ما قالوا والحال أنهم قد قعدوا عن القتال .وجواب الشرط فى قوله { الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو قوله { قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ } .والتقدير : إن كنتم صادقين فى زعمكم أن الذين قتلوا فى أحد لو أطاعوكم وقعدوا كما قعدتم لما أصابهم القتل ، إن كنتم صادقين فى هذا الزعم فادرأوا عن أنفسكم الموت عند حلوله .قال الآلوسى : والمراد أن ما ادعيتموه سببا للنجاة ليس بمستقيم ، ولو فرض استقامته فليس بمفيد ، أما الأول : فلأن أسباب النجاة كثيرة .

غايته أن القعود والنجاة وجدا معا وهو لا يدل على السببية .وأما الثانى : فلأن المهروب عنه بالذات هو الموت الذى القتل أحد أسبابه فإن صح ما ذكرتم فادفعوا سائر أسبابه ، فإن أسباب الموت فى إمكان المدافعة بالحيل وامتناعها سواء وأنفسكم أعز عليكم ، وأمرها أهم لديكم " .وقال ابن القيم : وكان من الحكم التى اشتملت عليها غزوة أحد ، أن تكلم المنافقون بما فى نفوسهم ، فسمعه المؤمنون ، وسمعوا رد الله عليهم ، وجوابه لهم ، وعرفوا مراد النفاق ، وما يؤول إليه ، كيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة .فالله الله كم من حكمة فى ضمن هذه القصة بالغة ، ونعمة على المؤمنين سابغة ، وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه ، وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما .وبعد هذا الحديث الكاشف عن طبيعة المنافقين وعن أحوالهم ، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الشهداء وفضلهم وما أعده الله لهم من نعيم مقيم فقال - تعالى - : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ .

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم  ﴾ وصفهم الله تعالى بأنهم كما قعدوا واحتجوا لقعودهم، فكذلك ثبطوا غيرهم واحتجوا لذلك، فحكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا لاخوانهم إن الخارجين لو أطاعونا ما قتلوا، فخوفوا من مراده موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم في محاربة الكفار بالقتل لما عرفوا ما جرى يوم أحد من الكفار على المسلمين من القتل، لأن المعلوم من الطباع محبة الحياة فكان وقوع هذه الشبهة في القلوب يجري مجرى ما يورده الشيطان من الوسواس، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في محل ﴿ الذين ﴾ وجوه: أحدها: النصب على البدل من ﴿ الذين نَافَقُواْ  ﴾ .

وثانيها: الرفع على البدل من الضمير في ﴿ يَكْتُمُونَ  ﴾ .

وثالثها: الرفع على خبر الابتداء بتقدير: هم الذين.

ورابعها: أن يكون نصبا على الذم.

المسألة الثانية: قال المفسرون: المراد (بالذين قَالُواْ) عبدالله بن أبي وأصحابه، وقال الأصم: هذا لا يجوز لأن عبدالله بن أبي خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد يوم أحد، وهذا القول فهو واقع فيمن قد تخلف لأنه قال: ﴿ الذين قَالُواْ لإخوانهم وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا ﴾ أي في القعود ما قتلوا فهو كلام متأخر عن الجهاد، قاله لمن خرج الى الجهاد ولمن هو قوي النية في ذلك ليجعله شبهة فيما بعده صارفاً لهم عن الجهاد.

المسألة الثالثة: قالوا لاخوانهم: أي قالوا لأجل إخوانهم، وقد سبق بيان المراد من هذه الأخوة، الأخوة في النسب، أو الأخوة بسبب المشاركة في الدار، أو في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عبادة الأوثان؟

والله أعلم.

المسألة الرابعة: قال الواحدي: الواو في قوله: ﴿ وَقَعَدُواْ ﴾ للحال ومعنى هذا القعود القعود عن الجهاد يعني من قتل بأحد لو قعدوا كما قعدنا وفعلوا كما فعلنا لسلموا ولم يقتلوا، ثم أجاب الله عن ذلك بقوله: ﴿ قل فادرؤا عن أنفسكم الموت ان كنتم صادقين ﴾ .

فإن قيل: ما وجه الاستدلال بذلك مع أن الفرق ظاهر فان التحرز عن القتل ممكن، أما التحرز عن الموت فهو غير ممكن ألبتة؟

والجواب: هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى لا يتمشى إلا إذا اعترفنا بالقضاء والقدر، وذلك لأنا إذا قلنا لا يدخل الشيء في الوجود إلا بقضاء الله وقدره، اعترفنا بأن الكافر لا يقتل المسلم إلا بقضاء الله، وحينئذ لا يبقى بين القتل وبين الموت فرق، فيصح الاستدلال.

أما إذا قلنا بأن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه، كان الفرق بين الموت والقتل ظاهراً من الوجه الذي ذكرتم، فتفضي إلى فساد الدليل الذي ذكره الله تعالى، ومعلوم أن المفضي إلى ذلك يكون باطلا، فثبت أن هذه الآية دالة على أن الكل بقضاء الله.

وقوله: ﴿ ان كنتم صادقين ﴾ يعني: إن كنتم صادقين في كونكم مشتغلين بالحذر عن المكاره، والوصول إلى المطالب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ يريد: ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم ﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا ﴾ يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين.

و ﴿ لَّمّا ﴾ نصب بقلتم.

و ﴿ أصابتكم ﴾ في محل الجرّ بإضافة ﴿ لَّمّا ﴾ إليه وتقديره: أقلتم حين أصابتكم.

و ﴿ أنى هذا ﴾ نصب لأنه مقول، والهمزة للتقرير والتقريع.

فإن قلت: علام عطفت الواو هذه الجملة؟

قلت: على ما مضى من قصة أحد من قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ﴾ ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، كأنه قيل: أفعلتم كذا وقلتم حينئذ كذا، أنى هذا: من أين هذا.

كقوله تعالى: ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ [آل عمران: 7] لقوله: ﴿ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ والمعنى: أنتم السبب فيما أصابكم، لاختياركم الخروج من المدينة، أو لتخليتكم المركز.

وعن عليّ رضي الله عنه: لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو قادر على النصر وعلى منعه، وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى ﴿ وَمَا أصابكم ﴾ يوم أحد يوم التقى جمعكم وجمع المشركين ﴿ ف ﴾ هو كائن ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ أي بتخليته، استعار الإذن لتخليته الكفار.

وأنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم، لأنّ الآذن مخل بين المأذون له ومراده ﴿ وَلِيَعْلَمَ ﴾ وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون، وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ﴾ من جملة الصلة عطف على نافقوا، وإنما لم يقل فقالوا لأنه جواب لسؤال اقتضاه دعاء المؤمنين لهم إلى القتال، كأنه قيل: فماذا قالوا لهم.

فقيل: قالوا: لو نعلم.

ويجوز أن تقتصر الصلة على ﴿ نَافَقُواْ ﴾ ، ويكون ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ﴾ كلاما مبتدأ قسم الأمر عليهم بين أن يقاتلوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون، وبين أن يقاتلوا إن لم يكن بهم غم الآخرة دفعاً عن أنفسهم وأهليهم وأموالهم، فأبوا القتال وجحدوا القدرة عليه رأساً لنفاقهم ودغلهم وذلك ما روى أن عبد الله بن أبيّ انخذل مع حلفائه، فقيل له، فقال ذلك.

وقيل: ﴿ أَوِ ادفعوا ﴾ العدوّ بتكثيركم سواد المجاهدين وإن لم تقاتلوا لأنّ كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه.

وعن سهل بن سعد الساعدي وقد كف بصره: لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوهم.

قيل وكيف وقد ذهب بصرك؟

قال لقوله: ﴿ أَوِ ادفعوا ﴾ أراد: كثروا سوادهم.

ووجه آخر وهو أن يكون معنى قولهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً ﴾ لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً ﴿ لاتبعناكم ﴾ يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالأنفس إلى التهلكة، لأنّ رأي عبد الله كان في الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان ﴾ يعني أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا، تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر.

وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأنّ تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال تقوية للمشركين ﴿ يَقُولُونَ بأفواههم ﴾ لا يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم ولا تعي قلوبهم منه شيئاً.

وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم، وأنّ إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم، خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾ من النفاق.

وبما يجري بعضهم مع بعض من ذمّ المؤمنين وتجهيلهم وتخطئة رأيهم والشماتة بهم وغير ذلك، لأنكم تعلمون بعض ذلك علماً مجملاً بأمارات، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته ﴿ الذين قَالُواْ ﴾ في إعرابه أوجه: أن يكون نصباً على الذمّ أو على الردّ على الذين نافقوا، أو رفعاً على هم الذين قالوا أو على الإبدال من واو يكتمون.

ويجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في بأفواههم أو قلوبهم، كقوله: عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حَاتِمُ ﴿ لإخوانهم ﴾ لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب وفي سكنى الدار ﴿ وَقَعَدُواْ ﴾ أي قالوا وقد قعدوا على القتال: لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من القعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل ﴿ قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ معناه: قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتال، فجدوا إلى دفع الموت سبيلاً، يعني أن ذلك الدفع غير مغن عنكم، لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة، ولا بد لكم من أن يتعلق بكم بعضها.

وروي: أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.

فإن قلت: فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، فما معنى قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ ؟

قلت: معناه أن النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال وأن يكون غيره، لأن أسباب النجاة كثيرة، وقد يكون قتال الرجل سبب نجاته ولو لم يقاتل لقتل، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وأنكم صادقون في مقالتكم؟

وما أنكرتم أن يكون السبب غيره.

ووجه آخر: إن كنتم صادقين في قولكم: لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا، يعني أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين.

وقوله: ﴿ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ ﴾ استهزاء بهم، أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت، فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ قالُوا ﴾ رُفِعَ بَدَلًا مِن واوِ يَكْتُمُونَ، أوْ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوِ الوَصْفِ لِلَّذِينِ نافَقُوا، أوْ جُرَّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في بِأفْواهِهِمْ أوْ قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ: عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في القَوْمِ حاتِمًا ∗∗∗ عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ ﴿ لإخْوانِهِمْ ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، يُرِيدُ مَن قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مِن أقارِبِهِمْ أوْ مِن جِنْسِهِمْ.

﴿ وَقَعَدُوا ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ بِقَدْ أيْ قالُوا قاعِدِينَ عَنِ القِتالِ.

﴿ لَوْ أطاعُونا ﴾ في القُعُودِ بِالمَدِينَةِ.

﴿ ما قُتِلُوا ﴾ كَما لَمْ نُقْتَلْ.

قَرَأ هِشامٌ ما قُتِّلُوا بِتَشْدِيدِ التّاءِ.

﴿ قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنَّكم تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ القَتْلِ عَمَّنْ كُتِبَ عَلَيْهِ فادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ وأسْبابَهُ، فَإنَّهُ أحْرى بِكُمْ، والمَعْنى أنَّ القُعُودَ غَيْرُ مُغْنٍ عَنِ المَوْتِ، فَإنَّ أسْبابَ المَوْتِ كَثِيرَةٌ كَما أنَّ القِتالَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْهَلاكِ والقُعُودُ سَبَبًا لِلنَّجاةِ قَدْ يَكُونُ الأمْرُ بِالعَكْسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين قَالُواْ} أي ابن أبيّ وأصحابه وهو في موضع رفع على هم الذين قالوا أو على الإبدال من واو يكتمون أو نصب باضمارأعنى أو على البدل من الذين نافقوا أو جر على البدل من الضمير فى أفواهم أو قلوبهم {لإخوانهم} لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتلوين يوم أحد {وَقَعَدُواْ} أي قالوا وقد قعدوا عن القتال {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} لو أطاعنا إخواننا

آل عمران (١٦٨ _ ١٧٢)

فيما أمرناهم به من الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود ووافقوا نافيه لما قتلوا كما لم نقتل {قل فادرؤوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين} بأن الحذر ينفع من القدر فخذوا حذركم من الموت أو معناه قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتال فخذوا إلى دفع الموت سبيلاً وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ قالُوا ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن واوِ يَكْتُمُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُ الَّذِينَ قالُوا، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُمُ الَّذِينَ، وقِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قُلْ فادْرَءُوا بِحَذْفِ العائِدِ أيْ قُلْ لَهم إلَخْ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّذِينَ نافَقُوا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ أفْواهِهِمْ أوْ قُلُوبِهِمْ، وجاءَ إبْدالُ المُظْهَرِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في القَوْمِ حاتِمًا عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ بِجَرِّ حاتِمٍ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ جُودِهِ لِأنَّ القَوافِيَ مَجْرُورَةٌ، والمَعْنى يَقُولُونَ بِأفْواهِ الَّذِينَ قالُوا، أوْ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِ الَّذِينَ قالُوا، والكَلامُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن بابِ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ: يا خَيْرَ مَن يَرْكَبُ المَطِيَّ ولا ∗∗∗ يَشْرَبُ كَأْسًا مِن كَفِّ مَن بَخِلا والقائِلُ كَما قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ في يَوْمِ أُحُدٍ ﴿ لإخْوانِهِمْ ﴾ أيْ لِأجْلِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقُتِلُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ، والمُرادُ لِذَوِي قَرابَتِهِمْ أوْ لِمَن هو مِن جِنْسِهِمْ ﴿ وقَعَدُوا ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) وقَدْ مُرادُهُ أيْ قالُوا وقَدْ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ بِالِانْخِذالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ فَيَكُونَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ قالُوا ومَعْمُولِها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أطاعُونا ﴾ أيْ في تَرْكِ القِتالِ ﴿ ما قُتِلُوا ﴾ كَما لَمْ نُقْتَلْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم أمَرُوهم بِالِانْخِذالِ حِينَ انْخَذَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ألْفِ رَجُلٍ وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فَلَّما خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثَلَثِمِائَةٍ، فَتَبِعَهم أبُو جابِرٍ السَّلَمِيُّ يَدْعُوهم، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ ﴾ قالُوا لَهُ: ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا»، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى نَعْيَ قَوْلِهِمْ لَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( الَّذِينَ قالُوا ) إلَخْ، وبَعْضُهم حَمَلَ القُعُودَ عَلى ما اسْتَصْوَبَهُ ابْنُ أُبَيٍّ عِنْدَ المُشاوَرَةِ مِنَ المُقامَةِ بِالمَدِينَةِ ابْتِداءً، وجَعَلَ الإطاعَةَ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ رَأْيِهِ والعَمَلِ بِهِ - ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ - بَلْ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: يَرُدُّهُ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً فَإنَّها لِتَعْيِينِ ما فِيهِ العِصْيانُ والمُخالَفَةُ مَعَ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ لَيْسَ مِنَ القاعِدِينَ فِيها بِذَلِكَ المَعْنى عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عَدَمِ الطّاعَةِ بِإخْوانِهِمْ يُنادِي بِاخْتِصاصِ الأمْرِ أيْضًا بِهِمْ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ المُشاوَرَةِ.

﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِكَذِبِهِمْ ﴿ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ ﴾ أيْ فادْفَعُوا عَنْها ذَلِكَ وهو جَوابٌ لِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ (168) عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ شَرْطُ حَذْفِ جَوابِهِ لِدَلالَةِ ﴿ فادْرَءُوا ﴾ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَ تَقَدُّمَ الجَوابِ لَمْ يَحْتَجْ لِما ذُكِرَ، ومُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم مِن أنَّ سَبَبَ نَجاتِهِمُ القُعُودُ عَنِ القِتالِ، والمُرادُ أنَّ ما ادَّعَيْتُمُوهُ سَبَبَ النَّجاةِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، ولَوْ فُرِضَ اسْتِقامَتُهُ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ أسْبابَ النَّجاةِ كَثِيرَةٌ غايَتُهُ أنَّ القُعُودَ والنَّجاةَ وُجِدا مَعًا وهو لا يَدُلُّ عَلى السَّبَبِيَّةِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ المَهْرُوبَ عَنْهُ بِالذّاتِ هو المَوْتُ الَّذِي القَتْلُ أحَدُ أسْبابِهِ، فَإنْ صَحَّ ما ذَكَرْتُمْ فادْفَعُوا سائِرَ أسْبابِهِ، فَإنَّ أسْبابَ المَوْتِ في إمْكانِ المُدافِعَةِ بِالحِيَلِ وامْتِناعِها سَواءٌ، وأنْفُسَكم أعَزُّ عَلَيْكم، وأمْرَها أهَمُّ لَدَيْكم، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ ما صُرِّحَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَوْ أطاعُوكم وقَعَدُوا لَقُتِلُوا قاعِدِينَ كَما قُتِلُوا مُقاتِلِينَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿ فادْرَءُوا ﴾ إلَخِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ أيْ إنْ كُنْتُمْ رِجالًا دَفّاعِينَ لِأسْبابِ المَوْتِ ﴿ فادْرَءُوا ﴾ جَمِيعَ أسْبابِهِ حَتّى لا تَمُوتُوا كَما دَرَأْتُمْ بِزَعْمِكم هَذا السَّبَبَ الخاصَّ، وفي الكَشّافِ: رُوِيَ أنَّهُ ماتَ يَوْمَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِنهم سَبْعُونَ مُنافِقًا بِعَدَدِ مَن قُتِلَ بِأُحُدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنعم الله عليهم إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني: من أصلهم ونسبهم من العرب، يعرفون نسبه.

ويقال: من أنفسهم، يعني من جنسهم من بني آدم، ولم يجعله من الملائكة.

وإنما خاطب بذلك المؤمنين خاصة لأن المؤمنين هم الذين صدقوه فكأنه منهم.

وقرئ في الشاذ: من أَنفسكم بنصب الفاء، أي من أشرفهم.

وقد كانت له فضيلة في ثلاثة أشياء: أحدها: أنه كان من نسب شريف لأنهم اتفقوا أن العرب أفضل، ثم من العرب قريش، ثم من قريش بنو هاشم، فجعله من بني هاشم.

والثاني: إنه كان أميناً فيهم قبل الوحي.

والثالث: أنه كان أمياً لكي لا يرتاب فيه الافتعال.

ثم قال: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي يعرض عليهم القرآن وَيُزَكِّيهِمْ يعني يأخذ منهم الزكاة ليطهر أموالهم، ويقال: ويزكيهم يعني يطهرهم من الذنوب والشرك.

ويقال: ويزكيهم أي يأمرهم بكلمة الإخلاص، وهي قول لا إله إلا الله، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني القرآن، والحكمة أي الفقه وبيان الحلال والحرام وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: وقد كانوا مِن قَبْلُ مجيء محمد  لفي خطأ بَيِّن.

ثم رجع إلى قصة أُحد وذكر التعزية للمؤمنين بما أصابهم من الجراحات، فقال: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يعني يوم أحد قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها يوم بدر، لأن المسلمين يوم بدر قتلوا سبعين نفساً من صناديد قريش وأسروا سبعين، وقتل من المسلمين يوم أُحد سبعين ولم يؤسر منهم أحد، فذلك قوله تعالى: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها وقوله: أَوَلَمَّا فالألف للاستفهام والواو للعطف وما صلة، فكأنه قال: ولئن متم أو قتلتم أو أصابتكم مصيبة يوم أحد، قد أصبتم مثليها يوم بدر قُلْتُمْ أَنَّى هذا يعني قلتم: فمن أين لنا هذا؟

وكيف أصابنا هذا ونحن مسلمون؟

قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي من عند قومكم بمعصية الرماة، بتركهم ما أمرهم به رسول الله  .

وقال الضحاك: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، يعني بذنوبكم التي سلفت منكم قبل القتال، يعني إن في ذلك تطهيراً لما سلف من ذنوبكم وهو قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] .

إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النصرة والهزيمة وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فبإذن الله، أي جمع المسلمين وجمع المشركين فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي فبإرادة الله أصابكم وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا يعني أصابتكم المصيبة لكي يظهر المؤمن من المنافق.

ثم بيّن أمر المنافقين وصنيعهم وقلة حسبتهم في أمر الجهاد، فقال: وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا يعني: إن لم تقاتلوا لوجه الله، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وحريمكم.

قال الكلبي: ويقال ادفعوا يعني: كثروا.

وقال القتبي: ادفعوا، أي كثروا لأنكم إذا كثرتم ثم دفعتم القوم بكثرتكم قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يعني: أن ميلهم إلى الكفر أقرب من ميلهم إلى الإيمان.

وقوله: لَاتَّبَعْناكُمْ أي لجئنا معكم.

قال الضحاك: وذلك أن النبيّ  لما خرج يوم أحد، أبصر كتيبة خثناء وفيها كبكبة من الناس، فقال: «مَنْ هَؤُلاءِ» ؟

فقيل: يا نبيّ الله، هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي.

فقال: «إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِالكُفَّارِ» فرجع عبد الله مع حلفائه من اليهود.

فقال له عمر: أقم مع المؤمنين.

فقال: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ.

ويقال: إن عونهم للكفار أكثر من عونهم للمؤمنين يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ذكر الأفواه على معنى التأكيد، لأن الرجل يقول بالمجاز بالإشارة، وهذا كما قال: يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة: 79] ويَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: 11] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ من النفاق والكفر.

ونزل فيهم أيضاً: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ من المنافقين وَقَعَدُوا عن الجهاد لَوْ أَطاعُونا في القعود عن الجهاد مَا قُتِلُوا في الغزو قُلْ لهم يا محمد فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ في حال حضور الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في مقالتكم.

قال الفقيه: سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول: لما نزلت هذه الآية: فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ مات يومئذ سبعون نفساً من المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

آتاهم اللَّه مِنْ فضله، ومُسْتَبْشِرُون للمؤمنين أنَّهم لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ ثم أكَّد سبحانه استبشارهم بقوله: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ، ثم بيَّن سبحانه بقوله: وَفَضْلٍ، أنَّ إدخالَهُ إياهم الجَنَّةَ هو بفَضْل مِنْه، لا بعملِ أَحَدٍ، وأمَّا النعمة في الجَنَّة، والدَّرجاتُ، فقد أخبر أنَّها على قَدْر الأعمال.

قُلْتُ: وخرَّج أبو عبد اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ «١» صَاحِبُ ابن المبارَكِ في «رقائقه» ، بسنده، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي «أنَّ الشُّهداءَ فِي قِبابٍ مِنْ حَرِيرٍ فِي رِياضٍ خُضْرٍ، عِنْدَهُمْ حُوتٌ وَثَوْرٌ، يَظَلُّ الحُوتُ يُسَبِّحُ فِى أَنْهَارِ الجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ رائِحَةٍ فِي أَنْهَارِ الجَنَّةِ، فَإذَا أمسى وَكَزَهُ الثَّوْرُ بقَرْنِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ لَحْمَهُ، يَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ، وَيَبِيتُ الثَّوْرُ فِي أَفْنَاءِ الجَنَّةِ، فَإذَا أَصْبَحَ، غَدَا عَلَيْهِ الحُوتُ، فَوَكَزَهُ بِذَنَبِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ، فَيَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ يَعُودُونَ، وَيَنْظُرُونَ إلى مَنَازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ...

» الحديثَ.

انتهى.

مختصرًا، وقد ذكره صاحب «التذكرة» مطوَّلاً.

وقرأ الكِسَائِيُّ: «وَإنَّ اللَّهَ» بكسر «٢» الهمزة على استئناف الإخبار، وقرأ باقي السبعة بالفتْحِ على أنَّ ذلك داخلٌ فيما يُسْتبشر به، وقوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا يحتملُ أنْ يكون صفَةً للمؤمنين على قراءة مَنْ كَسَر الألف من «إنَّ» ، والأظهر أنَّ الذين ابتداءٌ، وخبره في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ ...

الآية، والمستجيبُونَ للَّه والرسولِ: هم الذين خرَجُوا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى حمراء الأسد في طلب قريش.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ...

الآية:

«الذين» : صفةٌ للمحسنين، وهذا القولُ هو الذي قاله الركْبُ من عبد القيس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ.

وفي إخْوانِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم إخْوانُهم في النِّفاقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

.

والثّانِي: إخْوانُهم في النَّسَبِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: قالُوا لِإخْوانِهِمُ المُنافِقِينَ: لَوْ أطاعَنا الَّذِينَ قَتَلُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ما قُتِلُوا، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: قالُوا عَنْ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ اسْتَشْهَدُوا بِأُحُدٍ: لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَعَدُوا ﴾ يَعْنِي القائِلِينَ قَعَدُوا عَنِ الجِهادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فادْرَءُوا ﴾ أيْ: فادْفَعُوا ﴿ عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنَّ الحَذَرَ لا يَنْفَعُ مَعَ القَدَرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عن أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ ﴿ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ" المُتَقَدِّمِ، وإخْوانُهُمْ: المَقْتُولُونَ مِنَ الخَزْرَجِ، وهي أُخُوَّةُ نَسَبٍ ومُجاوَرَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِإخْوانِهِمْ" مَعْناهُ: لِأجْلِ إخْوانِهِمْ، وفي شَأْنِ إخْوانِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "لِإخْوانِهِمْ" لِلْأحْياءِ مِنَ المُنافِقِينَ، ويَكُونَ الضَمِيرُ فِي: "أطاعُونا" هو لِلْمَقْتُولِينَ.

وقَوْلُهُ: "وَقَعَدُوا" جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ وهي حالٌ مُعْتَرِضَةٌ أثْناءَ الكَلامِ.

وقَوْلُهُ: "لَوْ أطاعُونا" يُرِيدُ في ألّا يَخْرُجُوا إلى قُرَيْشٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "ما قُتِّلُوا"، بِشَدِّ التاءِ، وهَذا هو القَوْلُ بِالأجَلَيْنِ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: "قُلْ فادرءوا"...

الآيَةِ، والدَرْءُ: الدَفْعُ ومِنهُ قَوْلُ دَغْفَلٍ النَسّابَةِ: صادَفَ دَرْءُ السَيْلِ دَرْءًا يَدْفَعُهْ والعِبْءُ لا تَعْرِفُهُ أو تَرْفَعُهْ ولُزُومُ هَذِهِ الحُجَّةِ هو أنَّكم أيُّها القائِلُونَ: إنَّ التَوَقِّيَ واسْتِعْمالَ النَظَرِ يَدْفَعُ المَوْتَ، فَتَوَقَّوْا وانْظُرُوا في الَّذِي يَغْشاكم مِنهُ حَتْفَ أُنُوفِكُمْ، فادْفَعُوهُ إنْ كانَ قَوْلُكم صِدْقًا، أيْ: إنَّما هي آجالٌ مَضْرُوبَةٌ عِنْدَ اللهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ، "وَلا تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "وَلا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو وكَأنَّ الفاعِلَ مُقَدَّرٌ: ولا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ أو حاسِبٌ.

وأرى هَذِهِ القِراءَةَ بِضَمِّ الباءِ فالمَعْنى: ولا يَحْسَبُ الناسُ، ويَحْسَبُنَّ، مَعْناهُ: يَظُنُّ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "الَّذِينَ قُتِّلُوا"، بِشَدِّ التاءِ، وابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: "الَّذِينَ قاتَلُوا" بِألِفٍ بَيْنِ القافِ والتاءِ.

٥٠ وَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الشُهَداءِ أنَّهم في الجَنَّةِ يُرْزَقُونَ، هَذا مَوْضِعُ الفائِدَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّهم ماتُوا وأنَّ أجْسادَهم في التُرابِ وأرْواحَهم حَيَّةٌ كَأرْواحِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ وفُضِّلُوا بِالرِزْقِ في الجَنَّةِ مِن وقْتِ القَتْلِ، حَتّى كَأنَّ حَياةَ الدُنْيا دائِمَةٌ لَهم.

قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ما زالَ ابْنُ آدَمَ يَتَحَمَّدُ حَتّى صارَ حَيًّا لا يَمُوتُ بِالشَهادَةِ في سَبِيلِ اللهِ.

فَقَوْلُهُ: "بَلْ أحْياءٌ" مُقَدِّمَةٌ لِقَوْلِهِ: "يُرْزَقُونَ" إذْ لا يُرْزَقُ إلّا حَيٌّ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن ذَمَّ رَجُلًا: بَلْ هو رَجُلٌ فاضِلٌ، فَتَجِيءُ بِاسْمِ الجِنْسِ الَّذِي تُرَكِّبُ عَلَيْهِ الوَصْفَ بِالفَضْلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلْ أحْياءٌ" بِالرَفْعِ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هم أحْياءٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بَلْ أحْياءً" بِالنَصْبِ؛ قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ النَصْبُ عَلى مَعْنى بَلْ أحْسَبُهم أحْياءً، قالَ أبُو عَلِيٍّ في الأغْفالِ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّ الأمْرَ يَقِينٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِ بِمَحْسَبَةٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يُضْمَرَ لَهُ إلّا فِعْلُ المَحْسَبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَوَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ أنْ تُضْمِرَ فِعْلًا غَيْرَ المَحْسَبَةِ: أعْتَقِدُهم أو أجْعَلُهُمْ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ إذْ لا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى ما يُضْمَرُ.

وقَوْلُهُ "عِنْدَ رَبِّهِمْ" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَ كَرامَةِ رَبِّهِمْ، لِأنَّ "عِنْدَ" تَقْتَضِي غايَةَ القُرْبِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُصَغَّرْ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، ووَرَدَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أرْواحُ الشُهَداءِ عَلى نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ يُقالُ لَهُ بارِقٌ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا".» ورُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: « "أرْواحُ الشُهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ طَبَقاتٌ وأحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ، يَجْمَعُها أنَّهم يُرْزَقُونَ.

وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَيْرٌ تَعْلُقُ في ثِمارِ الجَنَّةِ" ويُرْوى "يَعْلَقُ"» بِفَتْحِ اللامِ وبِالياءِ.

والحَدِيثُ مَعْناهُ في الشُهَداءِ خاصَّةً، لِأنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ غَيْرِ الشُهَداءِ إنَّما تَرى مَقاعِدَها مِنَ الجَنَّةِ دُونَ أنْ تَدْخُلَها، وأيْضًا فَإنَّها لا تُرْزَقُ.

وتَعْلُقُ مَعْناهُ: تُصِيبُ العُلْقَةَ مِنَ الطَعامِ، وفَتْحُ اللامِ هو مِنَ التَعَلُّقِ، وقَدْ رَواهُ الفَرّاءُ في إصابَةِ العُلْقَةِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَطَّلِعُ إلى الشُهَداءِ فَيَقُولُ: يا عِبادِي ما تَشْتَهُونَ فَأزِيدُكُمْ؟

فَيَقُولُونَ يا رَبَّنا لا فَوْقَ ما أعْطَيْتَنا، هَذِهِ الجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنها حَيْثُ نَشاءُ، لَكِنّا نُرِيدُ أنْ تَرُدَّنا إلى الدُنْيا فَنُقاتِلَ في سَبِيلِكَ فَنُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى، فَيَقُولُ تَعالى: قَدْ سَبَقَ أنَّكم لا تُرَدُّونَ".» ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: "ألا أُبَشِّرُكَ يا جابِرُ؟

قالَ جابِرُ: قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: إنَّ أباكَ حَيْثُ أُصِيبَ بِأُحُدٍ، أحْياهُ اللهُ، ثُمَّ قالَ: ما تُحِبُّ يا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو أنْ أفْعَلَ بِكَ؟

قالَ: يا رَبُّ أُحِبُّ أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُنْيا فَأُقاتِلَ فِيكَ فَأُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى"» وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ  قالُوا: لَيْتَنا نَعْلَمُ ما فَعَلَ إخْوانُنا الَّذِينَ أُصِيبُوا بِأُحُدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ في حَدِيثٍ: « "إنَّ الشُهَداءَ قالُوا: يا رَبَّنا، ألا رَسُولٌ يُخْبِرُ نَبِيَّنا عَنّا بِما أعْطَيْتَنا؟

فَقالَ اللهُ تَعالى: أنا رَسُولُكُمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآياتِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَثُرَتْ هَذِهِ الأحادِيثُ في هَذا المَعْنى واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ، وجَمِيعُ ذَلِكَ جائِزٌ عَلى ما اقْتَضَبْتُهُ مِن هَذِهِ المَعانِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَرِحِينَ" نُصِبَ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو مِنَ الفَرَحِ بِمَعْنى السُرُورِ.

والفَضْلُ في هَذِهِ الآيَةِ: التَنْعِيمُ المَذْكُورُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة ﴾ [آل عمران: 165] وهو كلام وارد على معنى التسليم أي: هَبُوا أنّ هذه مصيبة، ولم يكن عنها عوض، فهي بقدر الله، فالواجب التسليم، ثم رَجَع إلى ذكر بعض ما في ذلك من الحكمة.

وقوله: ﴿ وما أصابكم ﴾ أرادَ به عين المراد بقوله: ﴿ أصابكم مصيبة ﴾ وهي مصيبة الهزيمة.

وإنّما أعيد ما أصابكم لِيعيّن اليوم بأنّه يومَ التقى الجمعان.

وما موصولة مضمّنة معنى الشرط كأنّه قيل: وأمّا ما أصابكم، لأنّ قوله: ﴿ وما أصابكم ﴾ معناه بيانُ سببه وحكمته، فلذلك قرن الخبر بالفاء.

و ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ هو يوم أُحُد.

وإنَّما لم يقل وهي بإذن الله لأنَّ المقصود إعلان ذكر المصيبة وأنّها بإذن الله إذ المقام مقام إظهار الحقيقة، وأمّا التعبير بلفظ ﴿ ما أصابكم ﴾ دون أن يعاد لفظ المصيبة فتفنّن، أو قُصد الإطناب.

والإذن هنا مستعمل في غير معناه إذ لا معنى لتوجّه الإذن إلى المصيبة فهو مجاز في تخلية الله تعالى بين أسباب المصيبة وبين المصابين، وعدم تدارك ذلك باللطف.

ووجه الشبه أنّ الإذن تخلية بين المأذون ومطلوبِه ومراده، ذلك أنّ الله تعالى رتّب الأسباب والمسبّبات في هذا العالم على نظام، فإذا جاءت المسبّبات من قِبَل أسبابها فلا عجب، والمسلمون أقلّ من المشركين عدداً وعُدداً فانتصار المسلمين يومَ بدر كرامة لهم، وانهزامهم يوم أُحُد عادة وليس بإهانة.

فهذا المراد بالإذن.

وقَوله: ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ عطف على ﴿ فإذن الله ﴾ عذفَ العلّة على السبب.

والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرّر في الخارج كقول إياس بن قبيصة الطائي: وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطر بيننا *** لأَعْلَمَ مَنْ جَبَانُها مِن شجاعها أراد لتظهر شجاعتي وجبن الآخرين.

وقد تقدّم نظيره قريباً.

و ﴿ الذين نافقوا ﴾ هم عبد الله بنُ أبيّ ومن انخزل معه يوم أحُد، وهم الذين قيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا.

قاله لهم عبد الله بن عُمَر بن حَرَام الأنصاري، والدُ جابر بن عبد الله، فإنّه لمّا رأى انخزالهم قال لهم: اتّقوا الله ولا تتركوا نبيئكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفَعوا.

والمراد بالدفع حِراسة الجيش وهو الرباط أي: ادفعوا عنّا من يريدنا من العدوّ فلمّا قال عبد الله بن عمر بن حرام ذلك أجابه عبد الله بن أبي وأصحابه بقولهم: لَوْ نَعْلَمُ قتالاً لاتَّبعناكم، أي لم نعلم أنّه قتال، قيل: أرادوا أنّ هذا ليس بقتال بل إلقاء باليد إلى التَّهْلُكَة، وقيل: أرادوا أنّ قريشاً لا ينوون القتال، وهذا لا يصحّ إلاّ لو كان قولُهم هذا حاصلاً قبل انخزالهم، وعلى هذين فالعِلم بمعنى التحقّق المسمّى بالتصديق عند المناطقة، وقيل: أرادوا لو نحسن القتال لاتّبعناكم، فالعِلم بمعنى المعرفة، وقولهم حينئذ تهكّم وتعذُّر.

ومعنى ﴿ هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان ﴾ أنّ ما يُشاهد من حالهم يومئذ أقرب دلالة على أنهم يُبطنون الكفر مِن دلالة أقوالهم: إنَّا مسلمون، واعتذارِهم بقولهم: لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم.

أي إنّ عذرهم ظاهر الكذب، وإرادة تفشيل المسلمين، والقرب مجاز في ظهور الكفر عليهم.

ويتعلّق كلّ من المجرورين في قوله: ﴿ منهم للإيمان ﴾ بقوله: ﴿ أقرب ﴾ لأنّ ﴿ أقرب ﴾ تفضيل يقتضي فاضلاً ومفضولاً، فلا يقع لبْس في تعلّق مجرورين به لأنّ السامع يَردّ كل مجرور إلى بعض معنى التفضيل.

وقوله: ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ استئناف لبيان مغزى هذا الاقتراب، لأنّهم يبدون من حالهم أنّهم مؤمنون، فكيف جُعلوا إلى الكفر أقربَ، فقيل: إنّ الذي يُبدونه ليس موافقاً لما في قلوبهم، وفي هذا الاستئناف ما يمنع أن يكون المراد من الكفر في قوله: ﴿ هم للكفر ﴾ أهلَ الكفر.

وقوله: ﴿ الذين قالوا لإخوانهم ﴾ بدل من ﴿ الذين نافقوا ﴾ ، أو صفة له، إذا كان مضمون صلته أشهر عند السامعين، إذ لعلّهم عُرفوا من قبل بقولهم فيما تقدّم ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ فذُكِر هنا وصفاً لهم ليتميّزُوا كمال تمييز.

واللام في (لإخوانهم) للتعليل وليست للتعدية، قالوا: كما هي في قوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ﴾ [آل عمران: 156].

والمراد بالإخوان هنا عين المراد هناك، وهم الخزرج الذين قتلوا يوم أُحُد، وهم من جلّة المؤمنين.

وجملة ﴿ وقعدوا ﴾ حال معترَضة، ومعنى لو أطاعونا أي امتثلوا إشارتنا في عدم الخروج إلى أُحُد، وفعلوا كما فعلنا، وقرأ الجمهور: ما قُتِلوا بتخفيف التاء من القتل.

وقرأه هشام عن ابن عامر بتشديد التاء من التقتيل للمبالغة في القتل، وهو يفيد معنى تفظيعهم ما أصاب إخوانهم من القتل طعناً في طاعتهم النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿ قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ أي ادرأوه عند حلوله، فإنّ من لم يمت بالسيف مات بغيره أي: إن كنتم صادقين في أنّ سبب موت إخوانكم هو عصين أمركم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها ﴾ يَعْنِي بِالمُصِيبَةِ الَّتِي أصابَتْهم يَوْمَ أُحُدٍ، وبِالَّتِي أصابُوها يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ ﴾ في الَّذِي هو مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: خِلافُهم في الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ لِلْقِتالِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ  أمَرَهم أنْ يَتَحَصَّنُوا بِها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: اخْتِيارُهُمُ الفِداءَ مِنَ السَّبْعِينَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى القَتْلِ، وقَدْ قِيلَ لَهُمْ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قُتِلَ مِنكم مِثْلُهم، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ.

والثّالِثُ: خِلافُ الرُّماةِ يَوْمَ أُحُدٍ لِأمْرِ النَّبِيِّ  في مُلازَمَةِ مَوْضِعِهِمْ.

﴿ وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيَرى المُؤْمِنِينَ.

والثّانِي: لِيُمَيَّزُوا مِنَ المُنافِقِينَ.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهَ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ.

﴿ وَقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي جاهِدُوا.

﴿ أوِ ادْفَعُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَكْثِيرَ السَّوادِ وإنْ لَمْ يُقاتِلُوا وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ رابِطُوا عَلى الخَيْلِ إنْ لَمْ تُقاتِلُوا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَوْفٍ الأنْصارِيِّ.

﴿ قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ ﴾ قِيلَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حِزامٍ قالَ لَهُمُ: [اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيَّكم فَقالَ لَهُ ابْنُ أُبَيٍّ]: عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا؟

ارْجِعُوا بِنا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم.

﴿ هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ ﴾ لِأنَّهم بِإظْهارِ الإيمانِ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ الكُفّارِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِإظْهارِ الإيمانِ أقْرَبَ إلى الإيمانِ، ثُمَّ صارُوا بِما فَعَلُوهُ أقْرَبَ إلى الكُفْرِ مِنَ الإيمانِ.

﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ يَعْنِي ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ ولَيْسَ في قُلُوبِهِمْ مِنهُ شَيْءٌ.

وَإنَّما قالَ: ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ﴾ وإنْ كانَ القَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِهِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: التَّأْكِيدُ.

والثّانِي: أنَّهُ رُبَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى السّاكِتِ مَجازًا إذْ كانَ بِهِ راضِيًا.

﴿ الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا ﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ حِينَ انْخَذَلُوا وقَعَدُوا، وكانُوا نَحْوَ ثَلاثِمِائَةٍ وتَخَلَّفَ عَنْهم مَن قُتِلَ مِنهم (فَقالُوا: لَوْ أطاعُونا وقَعَدُوا مَعَنا ما قُتِلُوا).

﴿ قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ ﴾ أيِ ادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَقُولُ وقَدْ دَرَأْتُ لَها وضِينِي أهَذا دِينُهُ أبَدًا ودِينِي ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في خَبَرِكم أنَّهم لَوْ أطاعُوا ما قُتِلُوا.

والثّانِي: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ في تَثْبِيطِكم عَنِ الجِهادِ فِرارًا مِنَ القَتْلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة...

﴾ الآية.

يقول: إنكم قد أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين واسروا سبعين، وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين.

فذلك قوله: ﴿ أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ﴾ ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله، وهؤلاء مشركون ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ما قال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: لما رأوا من قتل منهم يوم أحد قالوا: من أين هذا ما كان للكفار أن يقتلوا منا؟

فلما رأى الله ما قالوا من ذلك قال الله: هم بالأسرى الذين أخذتم يوم بدر، فردهم الله بذلك، وعجل لهم عقوبة ذلك في الدنيا ليسلموا منها في الآخرة.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن علي قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فذكر ذلك لهم فقالوا: يا رسول الله عشائرنا واخواننا نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا بعدتهم، فليس في ذلك ما نكره.

فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً عدة أسارى أهل بدر» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن وابن جريج ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لا تتبعوهم يوم أحد فاتبعوهم.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ قلتم أنى هذا ﴾ ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله، وهؤلاء مشركون.

فقال: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ عقوبة بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لا تتبعوهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ﴾ قال: أصيبوا يوم أحد قتل منهم سبعون يومئذ، وأصابوا مثليها يوم بدر قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين ﴿ قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ﴾ «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون: إنا في جنة حصينة يعني بذلك المدينة فدعوا القوم يدخلوا علينا نقاتلهم فقال له أناس من الأنصار: إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمنع من الغزو في الجاهلية فبالإسلام أحق أن يمتنع منه، فأبرز بنا إلى القوم.

فانطلق فلبس لأمته فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره، اذهب يا حمزة فقل له امرنا لأمرك تبع.

فأتى حمزة فقال له.

فقال: إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز، وإنه ستكون فيكم مصيبة.

قالوا: يا نبي الله خاصة أو عامة؟

قال: سترونها» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحاق في قوله: ﴿ وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا ﴾ فقال: ليميز بين المؤمنين والمنافقين ﴿ وقيل لهم تعالوا قاتلوا ﴾ يعني عبد الله بن أبي وأصحابه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو ادفعوا ﴾ قال: كثروا بأنفسكم وإن لم تقاتلوا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعيد يقول: لو بعت داري فلحقت بثغر من ثغور المسلمين، فكنت بين المسلمين وبين عدوّهم.

فقلت: كيف وقد ذهب بصرك؟

قال: ألم تسمع إلى قوله الله ﴿ تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ﴾ أسوّد مع الناس ففعل.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ أو ادفعوا ﴾ قال: كونوا سواداً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عون الأنصاري في قوله: ﴿ أو ادفعوا ﴾ قال: رابطوا.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن شهاب وغيره قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشرط بين أحد والمدينة انخذل عنهم عبد الله بن أُبَيَّ بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا، فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضرهم عدوهم.

قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتال» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ قال: لو نعلم انا واجدون معكم مكان قتال لاتبعناكم.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قالوا ﴿ لو نعلم قتالاً لأتَّبعناكم ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن أبي.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالاً ولئن أطعتنا لترجعن معنا.

فذكر الله.

فهو قولهم: ولئن أطعتنا لترجعن ﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا...

﴾ الاية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ الذين قالوا لإخوانهم...

﴾ الآية.

قال: ذكر لنا أنها نزلت في عدوّ الله عبد الله بن أبي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع ﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ﴾ قال: نزلت في عدوّ الله عبد الله بن أبي.

وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبد الله في قوله: ﴿ الذين قالوا لإخوانهم ﴾ قال: هو عبد الله بن أبي.

وأخرج عن السدي في الآية قال: هم عبد الله بن أبي وأصحابه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج في الآية قال: هو عبد الله بن أبي الذين قعدوا وقالوا لإخوانهم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحاق ﴿ قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت ﴾ أي أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله حرصاً على البقاء في الدنيا وفراراً من الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: إن الله أنزل على نبيه في القدرية ﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: هم الكفار يقولون لاخوانهم لو كانوا عندنا ما قتلوا، يحسبون أن حضورهم للقتال هو يقدمهم إلى الأجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ .

في محل ﴿ الَّذِينَ ﴾ ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحدها: النصب على البدل من ﴿ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ (١) و (٢) ﴿ يَكْتُمُونَ ﴾ (٣) الثالث: الرفع على خبر الابتداء، بتقدير: (هم الذين) (٤) والمراد بـ ﴿ الَّذِينَ قَالُوا ﴾ : عبد الله بن أُبَيّ، وأصحابه (٥) وقوله: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ ، أكثر المفَسِّرينَ (٦)  ، بعد الخروج، ما قُتِلوا.

وعلى هذا؛ المراد بـ (الأخُوَّةِ) -ههُنا-: أخُوَّةُ النَّسَبِ، لا أخوَّةُ الدِّين (٧) أو نقول: يجوز هذا في إطلاق اللفظ، من حيث إنهم كانوا يظهرون المَوَدّةَ والمؤاخَاةَ للمؤمنين.

فالمراد (٨) ﴿ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ (٩) (١٠) (١١) ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ ، (١٢) (١٣) (١٤) وعلى هذا التفسير: لا إشكال؛ فإن أصحابَ عبد الله بن أُبَي قالوا لقرنائهم مَنَ المنافقين: لو أطاعنا (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَقَعَدُوا ﴾ يعني: المنافقين، قعدوا عن الجهاد.

والواو للحال (١٦) ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا ﴾ ؛ يعنون: شهداء أُحُد.

﴿ مَا قتلُوا ﴾ .

فَرَدَّ الله عليهم، وقال: قل لهم يا محمد: ﴿ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ﴾ إنْ صَدَقْتُم أنَّ الحَذَرَ ينفع مِنَ القَدَرِ.

وفي هذا دليل على أن المقتول يُقْتَلُ بِأَجَلِهِ، وأنَّ (١٧) ومعنى (الدَرْء) -في اللغة-: الدَفْعُ.

ومنه قوله: ﴿ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ  ﴾ أي: يدفع (١٨)  : "ادرَءُوا الحُدُودَ بالشُّبُهاتِ" (١٩) (١) وهناك وجهان آخران للنصب، هما: النصب على الذمِّ؛ إي: أذم الذين قالوا ..

؛ أو بإضمار (أعني)، أو النصب على الصفة ﴿ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ .

(٢) الواو زيادة من (ج).

(٣) في (ج): (بلتون).

(٤) وهناك وجه ثالث، للرفع، وهو: أنه مبتدأ.

والخبر: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا ﴾ .

على تقدير: قل لهم فادرءوا.= ويجوز -كذلك- الجرُّ في موضع ﴿ الَّذِينَ ﴾ ، إما على أنه بدل من الضمير في ﴿ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ ، أو من الضمير في ﴿ قُلُوبِهِمْ ﴾ .

انظر هذه الوجوه في: "إعراب القرآن" للنحاس 377، و"مشكل إعراب القرآن"، لمكي 1/ 178، و"البيان" للأنباري 1/ 230 - 231، و"التبيان" للعكبري ص 219، و"الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 658، و"الدر المصون" 3/ 479.

(٥) هذا قول: جابر بن عبد الله، وابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والربيع، ومقاتل، والماوردي.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 312، و"تفسير الطبري" 4/ 169 - 170، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 811، و"زاد المسير" 1/ 498، و"الدر المنثور" 2/ 167.

(٦) منهم: مقاتل، وابن إسحاق، والطبري، والثعلبي.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 312، و"سيرة ابن هشام" 3/ 72، و"تفسير الطبري" 4/ 169، و"تفسير الثعلبي" 3/ 144 ب.

(٧) قال مقاتل: (كقوله سبحانه: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا  ﴾ ، ليس بأخِيهم في الدين ولا في الولاية، ولكن آخوهم في النسب والقرابة).

"تفسيره" 1/ 313.

(٨) في (ج): (والمراد).

(٩) (قالوا): ساقطة من (ج).

(١٠) في (أ)، (ب)، (ج): (ولا).

والمثبت من رسم المصحف.

(١١) لم أقف على مصدر قوله.

(١٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(١٣) (من): ساقطة من (ج).

(١٤) ممن قال بهذا: ابن عباس، كما في "زاد المسير" 1/ 498، وإليه ذهب أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 314.

(١٥) في (ج): (أطاعونا).

(١٦) قال السمين الحلبي: (و (قد) مرادة؛ أي: (وقد قعدوا).

ومجيء الماضي حالًا بالواو و (قد)، أو بأحدهما، أو بدونهما، ثابت من لسان العرب)، ثم ذكر وجهًا آخر لإعراب جملة ﴿ وَقَعَدُوا ﴾ وهي أنها معطوفة على ﴿ قَالُوا ﴾ ، فتكون جملة اعتراضية بين ﴿ قَالُوا ﴾ ومعمولها ﴿ أَطَاعُونَا ﴾ .

"الدر المصون" 3/ 480.

(١٧) في (ج): (فإن).

(١٨) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 108، و"تفسير الطبري" 4/ 169.

(١٩) الحديث من الأحاديث المشهورة، وقد أورده السيوطي في "جمع الجوامع" 1/ 284 رقم (874) (875)، وفي "الجامع الصغير" انظر: "فيض القدير" 1/ 293 (314) ونسب إخراجه إلى ابن عدي في جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة، من رواية ابن لهيعة عن ابن عباس، ونسب إخراجه كذلك إلى أبي سعد، عبد الكريم السمعاني، في "ذيل تاريخ بغداد"، بسنده عن عمر بن عبد العزيز، عن النبي  ، مُرسلاً، ونسبه -كذلك- لأبي مسلم الكجِّي في سننه، عن عمر بن عبد العزيز مرسلًا.

وأورده الزركشي في: "المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر" 36 رقم (76)، وابن حجر في "التلخيص الحبير" 4/ 56 رقم (1755)، والسخاوي في "المقاصد الحسنة" 50 رقم (46) ونسبوا إخراجه للحارثيِّ، في "مسند أبي حنيفة" له، بسنده عن مِقْسم، عن ابن عباس، مرفوعًا.

ونقل المُناوي -في "فيض القدير"- قولَ الحافظ ابن حجر، عن رواية ابن عدي: (إن كان بين ابن عدي وابن لهيعة مقبولٌ، فهو حسن).

وقال الزركشي عن رواية أبي مسلم الكجي: إنها معضلة.

ونقل السخاوي عن شيخه ابن حجر، أن في سنده من لا يعرف.

وضعفه الألباني في: ضعيف "الجامع الصغير" 1/ 117 رقم (258).

وقد ورد الأثر موقوفًا على ابن مسعود من رواية سفيان الثوري، عن عصام، عن أبي وائل عنه، وكذا رواه مسدد في مسنده موقوفًا عليه، بلفظ: (ادرءوا الحدود بالشبهة).

وقال عنه ابن حجر: (وهو موقوف حسن الإسناد).

انظر: "فيض القدير": 1/ 294.

== وورد بلفظ: (ادرءوا الحدودَ عن المسلمين ما استطعتم ..) أخرجه -من رواية يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عائشة-: الترمذيُّ في "السنن" رقم (1424) كتاب الحدود.

باب: (ما جاء في درء الحدود)، وصحح الترمذيُّ وقفَهُ على عائشة، من رواية وكيع عن يزيد بن زياد، وقال: (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي  ، أنهم قالوا مثل ذلك، ويزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في الحديث).

وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 4/ 384.

وحكم عليه بالصحة.

وتعقبه الذهبيُّ بأن فيه يزيد بن زياد، شامي متروك.

وأخرجه الدارقطني في "السنن" 3/ 84، والبيهقي في "السنن" 8/ 238، والخطيب في "تاريخ بغداد" 5/ 331، والديلمي في "مسند الفردوس" 82 رقم (256).

وورد عن علي، بلفظ: (ادرءوا الحدود ..)، أخرجه الدارقطني في: "السنن": 3/ 84، والبيهقي في "السنن" 8/ 238 وفيه المختار بن نافع منكر الحديث.

وورد عن أبي هريرة، بلفظ: (ادرءوا الحدود ما استطعتم ..) أخرجه: أبو يعلى في: مسنده.

انظر: "نصب الراقي" للزيلعي 3/ 309، و"الدراية" لابن حجر 2/ 95.

قال الغماري: (وفيه إبراهيم بن الفضل، ضعيف).

"الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج" للغماري 256.

وانظر في الكلام على هذا الحديث بألفاظه المختلفة -إضافة إلى ما ورد من مصادر-: "كشف الخفاء"، للعجلوني 1/ 73 رقم 166.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين قَالُواْ ﴾ بدل من الذين نافقوا، أو لإخوانهم في النسب، لأنهم كانوا من الأوس والخزرج ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا ﴾ أي ادفعوا المعنى ردّ عليهم ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾ إعلام بأن حال الأحياء من التمتع بأرزاق الجنة؛ بخلاف سائر الأموات من المؤمنين، فإنهم يتمتعون بالأرزاق حتى يدخلوا الجنة يوم القيامة ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم ﴾ المعنى: أنهم يفرحون بإخوانهم الذين بقوا في الدنيا من بعدهم؛ لأنهم يرجون أن يستشهدوا مثلهم؛ فينالوا مثل ما نالوا من الشهادة ﴿ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ في موضع المفعول أو بدل من الذين ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ كرر ليذكر ما تعلق به من النعمة والفضل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يغل ﴾ بفتح الياء وضم الغين: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس.

الباقون: بالضم والفتح على البناء للمفعول.

﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: الحلواني عن هشام.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد: ابن عامر.

الباقون: بالتخفيف.

﴿ وإن الله ﴾ بالكسر على الابتداء: عليّ.

الباقون: بالفتح.

﴿ وخافوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل.

الباقون بالحذف.

الوقوف: ﴿ إن يغل ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ يوم القيامة ﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿ لايظلمون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ والحكمة ﴾ ج لمكان العطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مثليها ﴾ (لا) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿ قلتم ﴾ ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ ه لا ﴿ نافقوا ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم.

﴿ أو ادفعوا ﴾ ط ﴿ لاتبعناكم ﴾ ط ﴿ للإيمان ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف.

﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ج لاحتمال كون "الذين" بدلاً عن ضمير ﴿ يكتمون ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف.

﴿ ما قتلوا ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أمواتاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ص ﴿ يرزقون ﴾ ه لا لأن ﴿ فرحين ﴾ حالهم.

﴿ من فضله ﴾ (لا) للعطف.

﴿ من خلفهم ﴾ (لا) لتعلق "أن".

﴿ يحزنون ﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون.

﴿ وفضل ﴾ (لا) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية.

﴿ المؤمنين ﴾ ه ج لأن "الذين" يصلح صفة اللمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة.

﴿ القرح ﴾ ط لمن لم يقف على ﴿ المؤمنين ﴾ .

﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف.

﴿ إيماناً ﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب.

﴿ الوكيل ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ لا للعطف ﴿ رضوان الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ أولياءه ﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿ مؤمنين ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم من أحكام الجهاد.

وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية.

يقال: أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه.

والغل الحقد الكامن في الصدر.

والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في / أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار.

وقال  : " "من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" وقال أيضاً: " هدايا الولاة غلول" " وقال الجوهري: غل يغل غلولاً أي خان.

وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة: الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي  من الكبائر.

عن ثوبان عن رسول الله  : " "من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله  ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: " لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سموات، أفلا يكون أميناً في الأرض؟

هيهات.

وقيل: اللام منقولة والتقدير: وما كان نبي ليغل كقوله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد  ﴾ أي ما كان الله ليتخذ ولداً.

ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته.

وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها: أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش.

ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.

ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح.

وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من / الإغلال.

قال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة.

قال القتيبي: لو كان هذا هو المراد لقيل "يغلل" كما يقال: "يفسق ويكفر" والأولى أن يقال: هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال: أبخلته أي وجدته كذلك.

ومن هنا قال في الكشاف: معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.

وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول: كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل؟

وقال خصيف: قلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغل.

فقال: بل يغل ويقتل.

ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله  أخذها.

وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال: إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ﴿ ما كان لنا أن نشرك  ﴾ ﴿ ما كان ليأخذ أخاه  ﴾ ﴿ ما كان لنفس أن تموت  ﴾ ﴿ ما كان الله ليضل قوماً  ﴾ ﴿ وما كان الله ليطلعكم  ﴾ وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال: ليس في الكلام "ما كان لك أن تضرب" بضم التاء.

والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس.

ويوافق هذه القراءة ما روي "أنه  لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت" .

وعلى هذا يغل بمعنى يخان.

وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي "أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟

فقال  : لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم؟

فنزلت" .

وعن ابن عباس "أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي  من الغنائم بشيء زائد فنزلت" .

وقال الكلبي ومقاتل: "نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر.

فقال لهم  : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟

فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال  : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" .

وروي "أنه  بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع" فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.

وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر.

وقيل: نزلت في أداء الوحي.

كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل: / ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم  ﴾ ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.

وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.

قلت: ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده.

قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادات فضيحته.

ومثله قوله  : " لكل غادر لواء يوم القيامة " وقال أبو مسلم: هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته.

والمراد أنه  يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية.

وقيل: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة.

﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل: ثم يوفى ما كسب.

ثم فصل ما أجمل فقال: ﴿ أفمن اتبع ﴾ والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره "أمن اتقى فاتبع" قال الكلبي والضحاك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ رجع منه بشدّة إرادة انتقام لأجل الغلول؟

وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله بامتثال امر النبي  حين دعاهم إلى دفع المشركين يوم أحد، كمن باء بسخط من الله وهم الذين لم يمتثلوا؟

وقيل: الأولون المهاجرون والآخرون المنافقون.

وقيل: أفمن اتبع رضوان الله بالإيمان والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته؟

وهذا القول أقرب لتكون الآية مجراة على العموم وإن كان سبب النزول خاصاً.

وقوله: ﴿ ومأواه جهنم ﴾ من تمام صلة من "باء".

وقوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ اعتراض.

قال القفال: لا يجوز في الحكمة أن يُسوى بين المسيء والمحسن وإلا كان إغراء بالمعاصي وإباحة لهما وإهمالاً للطاعات وتنفيراً عنها.

﴿ هم درجات ﴾ قيل: أي لهم / درجات.

وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها.

وقالت الحكماء: النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام، ومن هنا قال  : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات.

وقيل: المراد ذوو درجات.

ثم الضمير إلى أي شيء يعود؟

قيل: إلى من اتبع رضوان الله لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب.

ولأنه قد ذكر وصف من باء بسخط من الله وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفاً لمن اتبع الرضوان ويؤيده قوله: ﴿ عند الله ﴾ وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا" ولا يراد به عندية المكان لتنزهه  عن ذلك إلا أنه يفيد في الجملة تشريفاً وأنه يليق بأهل الثواب.

وقال الحسن: يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب.

عن رسول الله  : "إن منها ضحضاحاً وغمراً " وقال: " إن أهون أهل النار عذاباً رجل يحذى له نعلان من نار يغلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي " والأوجه أن يكون عائداً إلى الكل، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذا دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق.

وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله: ﴿ ولكل درجات مما عملوا  ﴾ ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيجازيهم بمقدارها.

قوله عز من قائل: ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين ﴾ في النظم وجوه منها: أن هذا الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة؟

ومنها كأنه  قال: لا أكتفي في وصفه بأن أنزهه عن الخيانة ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم.

ومنها أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول، فالطعن فيه طعن فيكم.

ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان، فيكون المقصود العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد.

ومعنى المنّ ههنا الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه.

والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة، وإما أن يعود إلى بعثة هذا الرسول.

فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان والجهالة، والنبي يورد عليهم / وجوه دلائل الكمال ويزيح عللهم في كل حال.

وأيضاً إنهم وإن شهدت فطرتهم بوجوب خدمة مولاهم لكن لا يعرفون كيفية تلك الخدمة إلى أن يشرحها النبي  لهم.

وأيضاً أنهم جبلوا على الكسل والملل فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات فيزول فتورهم ويتجدد نشاطهم.

وبالجملة فعقول البشر يمنزلة أنوار البصر، وعقل النبي بمنزلة نور الشمس.

فكما لا يتم الانتفاع بنور البصر إلا عند سطوع نور الشمس، فكذلك لا يحصل الاهتداء بمجرد العقل ما لم ينضم إليه إرشاد النبي  .

ومن الثاني أن هذا الرسول بعث ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنسهم عربياً مثلهم، أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده.

فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه.

وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحداً سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه، وإذا كانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به.

وفيه أيضاً شرف لهم وفخر كما قال: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ وذلك أن الافتخار بإبراهيم  كان مشتركاً فيه بين اليهود والنصارى والعرب.

ثم اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل، وما كان للعرب ما يقابل ذلك.

فلما بعث الله محمداً وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم.

وقيل: ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل.

ويروى عن النبي  وعن فاطمة أنهما قرآ ﴿ من أنفسهم ﴾ بفتح الفاء أي أشرفهم، وعلى هذا يكون المؤمنون عاماً.

ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد  .

وأما سائر أوصافه من قوله: ﴿ يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ فقد مر تفسيرها في البقرة عند قوله: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وإعراب قوله: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ كما سلف في قوله: ﴿ وإن كانت لكبيرة  ﴾ ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم.

فبعثة هذا الرسول عقب الجهل والذهاب عن الدين تكون أعم نفعاً وأتم وقعاً.

ثم لما أجاب عن نسبة النبي  إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله: ﴿ أنى هذا ﴾ وأجاب عنها بقوله: ﴿ قل هو من عند انفسكم ﴾ والواو في قوله ﴿ أو لما أصابتكم ﴾ لعطف هذه الجملة الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو العطف لأن له صدر الكلام و ﴿ لما ﴾ ظرف ﴿ قلتم ﴾ ومقول القول ﴿ أنى هذا ﴾ و ﴿ وأصابتكم ﴾ في محل / الجر بإضافة ﴿ لما ﴾ إليه.

والتقدير: أقلتم حين أصابتكم؟

ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ من أين أصابنا هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم؟

والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر.

وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقيل: أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى.

فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً في الأولى يوم أحد، ثم لما عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله: ﴿ قد أصبتم مثليها ﴾ جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد؟

لكنه صرح بجواب آخر فقال: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ وفي تقريره وجهان: الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم.

وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مقارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة.

الثاني ما روي عن علي  أنه قال: جاء جبريل  إلى النبي  يوم بدر فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم.

فذكر رسول الله  ذلك لقومه فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم.

فقتل يوم أحد سبعون رجلاً بعدد أسارى بدر.

فمعنى ﴿ هو من عند أنفسكم ﴾ هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل.

وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختياراً في الفعل والترك، وأنه من عند نفسه.

وعارضهم الأشاعرة بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون الله قادراً عليه.

فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ قال ابن عباس: أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن الرضا بالقضاء لازم.

وقيل: بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده، فاستعير الإذن للتخلية، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع ﴿ ليعلم المؤمنين ﴾ أي ليتميزوا عن أهل النفاق.

وإنما لم يقل "وليعلم المنافقين" ليناسب المؤمنين لفظاً لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت وأحدثوها، ولأنه عطف على الصلة.

﴿ وقيل لهم ﴾ قال الأصم: هذا القائل رسول الله  ، كان يدعوهم إلى / القتال.

وقيل: هو أبو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، لما انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس تبعهم وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم ﴿ تعالوا قاتلوا في سبيل الله ﴾ إن كان في قلبكم حب هذا الدين ﴿ أو ادفعوا ﴾ عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم يكن بكم هم الآخرة وطلب مرضاة الله أي كونوا من رجال الدين أو من رجال الدنيا.

وقال السدي وابن جريج: ادفعوا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والرعب.

ثم إنه كأن سائلاً سأل فما أجاب المنافقون عند دعاء المؤمنين إياهم إلى القتال؟

فقيل: ﴿ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ كأنهم جحدوا أن يكون بين الفريقين قتالألبتة.

أو المراد لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لوافقناكم عليه, ولكنكم تلقون بأيديكم إلى التهلكة، وذلك أن رأي عبد الله كان في الإقامة وما كان يستصوب الخروج من المدينة، وكلا المعنيين منهم في الجواب فاسد.

أما الأول فلأن ظهور أمارات الحرب كافٍ في وجوب القتال والدفع عن النفس والمال.

والظن في أمور الدنيا قائم مقام العلم، ولا أمارة أقوى من قرب الأعداء من المدينة عند جبل أحد.

وأما الثاني فلأنه  لما وعدهم بالنصر والغلبة إن صبروا واتقوا لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء النفس إلى التهليكة.

ولركاكة جوابهم قال: ﴿ هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان ﴾ لأنهم تباعدوا بهذا الجواب المنبىء عن الدغل والنفاق عن الإيمان المظنون بهم قبل اليوم.

والمراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية لجانب المشركين وعلى الأول قال أكثر العلماء: إنه تنصيص من الله  على أنهم كفار لأن القرب من الكفر حصول الكفر.

قال الحسن: إذا قال الله أقرب فهو اليقين بأنهم مشركون كقوله: ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ فهذه الزيادة لا شك فيها.

وقال الواحدي: فيه دليل على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه  لم يظهر القول بتكفيرهم ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ أي لا يتجاوز الإيمان حناجرهم ومخارج الحروف منهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ما نطقوا به من التوحيد ﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ من بغض الإسلام والمسلمين وسائر مجاري أحوالهم فيما بينهم.

وذلك أن المؤمنين قد علموا بعض ذلك بالقرائن والأمارات، وهو  عالم بتفاصيل ذلك ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض  ﴾ .

﴿ الذين قالوا ﴾ منصوب على الذم أو على البدل من ﴿ الذين نافقوا ﴾ أو مرفوع على الذم أي هم الذين، أو على البدل من ضمير ﴿ يكتمون ﴾ وقيل: يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في ﴿ أفواههم ﴾ أو ﴿ قلوبهم ﴾ ﴿ لإخوانهم ﴾ لأجل إخوانهم المقتولين يوم أحد / إخوة في النسب أو في سكنى الدار أو في الجنسية في النفاق.

والقائلون - عند جمهور المفسرين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه.

واعترض الأصم بأنه قد خرج يوم أحد فكيف وصف بالقعود في قوله: ﴿ وقعدوا ﴾ أي والحال أنهم قد قعدوا عن القتال.

والجواب أن القعود عن القتال وهو الجبن عنه وتركه لا ينافي الخروج.

﴿ لو أطاعونا ﴾ في أمرنا إياهم بالقعود ﴿ ما قتلوا ﴾ كأنهم قعدوا وما اكتفوا بذلك بل أرادوا تثبيط غيرهم وذلك لما في الطباع من محبة الحياة وكراهة الموت.

"ومن يسمع يخل" فلعل بعض ضعفة المسلمين إذا سمع ذلك رغب في القعود ونفر طبعه عن الجهاد فأجابهم الله  بقوله: ﴿ قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قيودكم لا بغيره من أسباب النجاة, وفيه استهزاء بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادفعوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.

وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.

جميع ذلك بناء على أن القتل أمر مكروه يجب على العاقل أن يتحرز منه لو أمكنه، لكنا لا نسلم ذلك وهو المراد بقوله: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ﴾ والخطاب للرسول أو لكل أحد.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للرسول.

أو المراد لا يحسبن حاسب أو لا يحسبنهم أمواتاً.

وضمير المفعول للذين قتلوا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً.

فحذف المفعول الأوّل لدلالة الكلام عليه، فكأنه مذكرو كما حذف المبتدأ في قوله: ﴿ بل أحياء ﴾ أي هم أحياء للدلالة.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله  " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهارالجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه الآية " وعن جابر بن عبد الله قال: "نظر إليّ رسول الله  فقال: ما لي أراك مهتماً؟

قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك ديناً وعيالاً.

فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحاً.

فقال: يا عبدي سلني أعطك.

فقال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.

فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.

فقال: يا رب فأبلغ من روائي " فنزلت.

وقال جماعة من أهل التفسير: نزلت / الآية في شهداء بئر معونة.

وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فنزلت الآية تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم أنهم أحياء متنعمون.

واختلف العلماء في معنى هذه الحياة.

فعن طائفة أنها على سبيل المجاز.

وقال الأصم والبلخي: أريد بها الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبة.

وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال: ما مات من خلف مثلك.

ومن هذه الطائفة من قال: مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض ألبتة.

روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع.

قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دماً.

ومن هؤلاء من قال: المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض تعذيب منكري المعاد، وزيف بأنه عدول عن الظاهر، وبأن عذاب القبر ثابت.

فالثواب أولى.

وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتاً والذي يزيل هذا الحسبان هو اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في قوم القيامة، فإن ذلك مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه.

وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في أجواف طير.

وبقوله: ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ والاستبشار بمن يكون في الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة.

وذهب كثير من المحققين إلى أنهم أحياء في الحال لكن بحياة روحانية، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة.

وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوّة والكلال، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل.

ولأن الإنسان يكون عالماً بنفسه حالماً يكون غافلاً عن جميع أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم.

ثم ذلك الشيء المغاير لهذا البدن المحسوس سواء كان جسماً مخصوصاً سارياً أو جوهراً مجرداً لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حياً أو أماته الله فيعيده حياً, وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه وتزول الشبهات.

ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة لأحوال البدن، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر، كما أن البدن يضعف وقت النوم وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح، وإذا أعرضت النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سروراً وابتهاجاً وفرحاً وارتياحاً، وانطبعت فيها الجلايا القدسية، وانكشفت لها المعارف الإلهية، وأكثر أرباب / الشرع على أنهم أحياء في الحال بحياة جسمانية.

ثم منهم من قال: إنه  يصعد أجسادهم إلى السموات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها، ومنهم من قال: بل يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها.

ومن الناس من طعن في هذه القول وقال: إن تجويز كون البدن الميت الملقى في التراب حياً متنعماً عاقلاً عارفاً نوع من السفسطة.

والحق في هذه المسألة عندي خلاف ما يقوله أهل التناسخ من أن النفس بعد موت بدنها تقبل على بدن آخر وتعرض عن الأوّل بالكلية، وخلاف ما يقوله الفلاسفة من أن النفس تنقطع علاقتها عن البدن مطلقاً وإنما تلتذ أو تتألم هي بما اكتسبت من المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة أو بالعقائد الباطلة والملكات الذميمة.

والذي أقوله: إن النفس تبقى لها علاقة مع بدنها لا بالتحريك واكتساب الأعمال، ولكن بالتلذذ والتألم والتعقل ونحوها.

وليس ببدع أن يتغير التعلق بحسب تغير الأطوار كما كان يتغير في مدّة العمر بحسب الأسنان والأمزجة.

والتحقيق فيه أن النفس في هذا العالم جعلت متصرفة في البدن لأجل اكتساب الأعمال والملكات، وأنه يفتقر إلى تحريك الأعضاء وأعمال الجوارح والآلات، وبعد الموت تجعل متصرفة فيه من جهة الجزاء والحساب، فكيف ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر؟

فلعله يكفي بعد الموت أن يكون له علاقة التلذذ والتألم والإدراك فقط إلى أن تقوم القيامة الكبرى.

وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهداً في القبر من غير تحرك ولا إحساس ونطق، ويؤيده ما روي "أنه  وقف على قليب بدر وقال: يافلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟

فإني وجدت ما وعدني الله حقاً.

فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟

فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئاً" .

وفي حديث عذاب القبر " إنه ليسمع قرع نعالهم " ولعل السر في أنه اكتفى بهذا القدر من التصرف أنه إن كان أكثر من ذلك كما سيكون في القيامة الكبرى نافى تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء وهو السر في آخر حديث عذاب القبر " فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" وأما الشهداء فلا يبعد أن يجازيهم الله  بمزيد التلذذ بنعيم الآخرة كما قتلوا تعجيلاً للثواب.

وكما عجلوا الانقطاع عن طيبات الدنيا ومشتهياتها فإن جزاء كل طائفة ينبغي أن يناسب عملهم.

فافهم / هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة والله أعلم.

ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله: ﴿ فالذين عند ربك  ﴾ أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم، أو المراد في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا".

يرزقون كما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها التنعم برزق الله كما ورد في الحديث.

﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها.

وقال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم.

فقوله: ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ فرحين ﴾ إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم.

بلسان الحكماء ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية و ﴿ فرحين ﴾ رمز إلى ابتهاجها بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال، و ﴿ يستبشرون بالذين ﴾ بإخوانهم من المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم.

والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة.

ومعنى ﴿ من خلفهم ﴾ أنهم بقوا بعدهم.

وقيل لم يحلقوا بهم أي لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم ﴿ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ بدل الاشتمال من "الذين".

وذلك أن الله يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون امنين يوم القيامة، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم, وإنما بشرهم الله بذلك لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال إخوانهم وهو شبه تألم، فأكرمهم الله  بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم أمن إخوانهم من عذاب الله فحصل لهم سروران: من قبل حالهم في أنفسهم وذلك قوله: ﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكد فقال: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله ﴾ وهي الثواب.

وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو سرورهم بسعادة أنفسهم.

﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ﴿ لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ وهذا سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين.

ثم إنه  مدح المؤمنين بغزوتين متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى.

أما الأولى فما روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبقَ منهم إلاّ القليل.

فلم تركناهم؟

فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس.

فخرج في سبعين من الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فألقى الله الرعب في قلوب / المشركين وانهزموا.

فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا ﴾ بإتيان جميع المأمورات ﴿ واتقوا ﴾ بالانتهاء عن المحظورات ﴿ وأحسنوا ﴾ في طاعة الرسول واتقوا مخالفته وإن بلغ الأمر بهم إلى الجراحات.

روي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة.

ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.

و "من" في قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم ﴾ للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم.

وقال أبو بكر الأصم: نزلت في يوم أحد لما رجع النبي  بالناس بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنهم بعد أن مثلوا بحمزة، فصلى عليهم النبي  ودفنهم بدمائهم.

وذكروا "أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال  للزبير: ردّها لئلا تجزع من مثلة أخيها.

فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله  .

فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيراً واستغفرت له.

وجاءت امرأة أخرى قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها، فلما رأت الرسول  وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر" .

وأما الثانية فروى ابن عباس "أن أبا سفيان لما عزم أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى القابل فنقتتل بها إن شئت.

فقال  لعمر: قل بيننا وبينك ذاك إن شاء الله.

فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل مرّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع.

ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فألحق بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل.

فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم.

فقال  : والذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم وحدي.

فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى وهي ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام.

فلم يلق رسول الله  وأصحابه أحداً من المشركين.

وكانت معهم تجارت ونفقات فوافوا السوق وباعوا ما معهم واشتروا بها أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.

ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق وأنزل الله في المؤمنين ﴿ الذي قال لهم الناس ﴾ " يعني نعيم بن مسعود كما ذكرناه.

وإنما عبر / عن الإنسان الواحد بالناس لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل وما له إلا فرس واحد.

ولأن الواحد إذا قال قولاً وله أتباع يقولون مثل قوله ويرضون به، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل كقوله  : ﴿ وإذا قتلتم نفساً  ﴾ وحين قال نعيم ذلك القول لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامّونه ويصلون جناح كلامه، وقال ابن عباس ومحمد بن إسحق: "مر ركب من عبد القيس بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليخوفوهم وضمن لهم عليه جعلاً - حمل بعير من زبيب -" .

وقال السدي: هم منافقو المدينة كانوا يثبطون المسلمين عند الخروج ويقولون: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه.

والمفعول محذوف أي جمعوا لكم الجموع.

والعرب تسمي الجيش جمعاً.

﴿ فاخشوهم فزادهم ﴾ قول نعيم أو قول المثبطين ﴿ إيماناً ﴾ لأنهم لم يسمعوا قولهم وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام فكان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى بحسب زيادتها ونقصانها.

وأما من قال: الإيمان عبارة عن نفس التصديق فتأويله أن الزيادة وقعت في ثمرات الإيمان، ولكنها جعلت في الإيمان مجازاً.

وقد مر تحقيق الكلام لنا في هذا المعنى في أوائل الكتاب.

وكما أنهم أضمروا ذلك بحسب الاعتقاد وافقوا الخليل  حين ألقي في النار فأظهروه باللسان وقالوا: حسبنا الله.

وقد مر إعراب مثله في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم  ﴾ ﴿ ونعم الوكيل ﴾ الكافي أو الكافل أو الموكول إليه هو.

ثم عملوا بما اعتقدوه وقالوا فخرجوا ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله ﴾ وهي العافية ﴿ وفضل ﴾ وهو الربح بالتجارة، أو النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ لم يصبهم قتل ولا جراح وصفهم بأنه حصل لهم الملائم ولم يحصل لهم المنافي وهذه غاية المطلب ونهاية الأماني، وإن ذلك ثمرة الإخلاص والتوكل على الله  وتعالى .

ثم روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟

فقال  : ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ ليعلموا أن لهم ثواب المجاهدين حيث قضوا ما عليهم.

ثم قال: ﴿ والله ذو فضل عظيم ﴾ تنبيهاً على أن السبب الكلي في ثواب المطيعين هو فضل ربهم ورحمته عليهم ولم ينج أحداً عمله إلا أن يتغمده الله برحمته، فعلى المؤمن أن لا يثق إلا بالله ولا يخاف أحداً إلا إياه وذلك قوله: ﴿ إنما ذلكم ﴾ المثبط هو ﴿ الشيطان ﴾ لعتوّه وتمرده وإعوائه، ثم بين شيطنته بقوله: ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ أو الشيطان صفة اسم الإشارة، وهذه الجملة خبر والمعفول الأوّل محذوف أي يخوّفكم أولياءه ﴿ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ فإن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس الذين هم أولياء المثبطين.

والأولياء هم أبو سفيان وأصحابه.

وقيل: الشيطان هو إبليس.

وقيل: المضاف محذوف والتقدير إنما / ذلكم قول الشيطان.

وقيل: يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله  .

وعلى هذا فالضمير في ﴿ فلا تخافوهم ﴾ للناس في قوله: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ وقيل: التقدير يخوّفكم بأوليائه كقوله: ﴿ ويخوّفونك بالذين من دونه  ﴾ فحذف حرف الجر قاله الفراء والزجاج وأبو علي، وزيفه ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر.

الله حسبي.

التأويل: قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها.

فالآن نقول: إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين و الصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة.

وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين  ﴾ وكما ورد في حديث الشهداء " "من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة" والذي جاء فيه " "إن أرواحهم في أجواف طير خضر" فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً.

فمن الممكن أن يخلق الله  من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله  .

وأما كون الطيرخضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿ تعرف في وجوههم نضرة النعيم  ﴾ وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤل إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه  ﴾ وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله  ورسوله أعلم بمرادهما.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ ﴾ : يوم أحد؛ حيث قتل منكم سبعون.

﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا ﴾ يوم بدر: قتلتم سبعين وأسرتم سبعين.

وقيل: إن ذلك كله يوم أحد كانت الدائرة والهزيمة على المشتركين في البداية، ثم هُزِم المؤمنون، يقول: إن أصابكم في آخره ما أصاب، فقد أصابهم - أيضاً - مثلاها؛ بذكر هذا لهم - والله أعلم - على التسلي بما أصيبوا؛ لتسلى ذلك عنهم، أو يذكرهم نعمَهُ عليهم بما أصيب المشركون مثلي ذلك؛ ليشكروا له عليها، وليعلموا أنهم لم يُخَصُّوا هم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ : كأنه يعاتبهم - والله أعلم - بقولهم: ﴿ أَنَّىٰ هَـٰذَا ﴾ ؛ فقال ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ : يعاتبهم بتركهم الاشتغال بالتوبة عما ارتكبوا من عصيان ربهم، والخلاف لنبيهم  ؛ إذ مثل ذلك الكلام لا يكون إلا ممن كان متبرئاً عن ارتكاب المنهي والخلافِ لأمره، فأما من كان من ارتكاب المناهي والخلاف لربه؛ فلا يسع ذلك أو كان ما أصابهم إنما أصاب محنة منه، ولله أن يمتحن عباده بأنواع المحن على يدي من شاء؛ إذ كلهم عبيده، فعاتبهم لما لم يعرفوا محنه، و ﴿ قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ﴾ ، ونحن مسلمون [نقاتل] في سبيل الله، وهم مشركون؟!

فقال: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يقول: بمعصيتكم الرسولَ  ، وبترككم ما أمركم به من حفظ المركز وغيره؛ كقوله: ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ  ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله -  -: ﴿ قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ﴾ : يخرج إن كان من أهل النفاق مخرج الاستهزاء، أي: لو كان ما يقول محمد  من النصر له والرسالة حقّاً؛ فمن اين بُلي بهذا؟!

وذلك كقولهم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا  ﴾ ، وقولهم يوم الخندق: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً  ﴾ ، وغير ذلك مما عليه معتمدهم في إظهار الإسلام، والله أعلم.

وإن كان ذلك من أهل الإيمان فهو سؤال تعريف الوجه الذي بلوا به، وهم أنصار دين الله، وقد وعد لأنصار دينه النصر، وإن الذي ينصره الله لا يغلبه شيء، وكان قد وُعِدوا إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، أو يما كانوا رأوا الدَّبْرَةَ عليهم والهزيمة من الأعداء، فيقولون: بم انقلب علينا الأمر؛ فبين أنه بما قد عصوا ومالوا عن الله، وإن كان ذلك عن بعضهم لا عن كلهم: فجائز ذلك بحق المحنة؛ إذ قد يجوز الابتداء به مع ما يكون ذلك عن المعاصي أزجر، وللاجتماع على الطاعة أدعى؛ إذ المحنة بمثله تدعو كلاً إلى اتقاء الخلاف، ومنع إخوانه - أيضاً - عن ذلك؛ فيكون به التآلف وصلاح ذات البين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : من النصر والهزيمة، ولكن ما أصابكم إنما أصاب بمعصيتكم ربكم، وخلافكم رسوله  ، أو أصابكم؛ محنة منه إياكم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ : جمع المؤمنين، وجمع المشركين.

﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: فبمشيئة الله وإرادته، وقيل: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ : فبتخلية الله إياكم لما لعلهم رأوا النصر والغلبة بالكثرة، أو بالقوة والعدة؛ فخلاهم الله بينهم وبين عدوهم؛ ليعلموا أن أمثالهم مع قتلهم وضعفهم لا ينتصرون من أمثال أولئك مع كثرة عددهم، وقوّة أبدانهم، وعدتهم في سلاحهم، ولكن بالله ينتصرون منهم، ويتغلبون عليهم.

وقيل: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ : بعلم الله، أي: يعلم الله ما يصيبكم من خير أو شرّ، ليس عن سهو وغفلة منه يصيبكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ ﴾ : كما ذكرنا فيما تقدم؛ ليعلم ما قد علم أنهم يؤمنون، ويصبرون على البلايا والقتال مؤمنين صابرين محتسبين؛ وكذلك ليعلم ما قد علم أنهم ينافقون، ويصيرون منافقين، غير صابرين، ولا محتسبين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ : قوله: ﴿ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ : يحتمل: ﴿ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ ، أي: كثّروا السواد؛ لأن المشركين إذا رأوا سواد المؤمنين [كثيراً] يُرْهبهم ذلك ويخوفهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ  ﴾ .

ويحتمل: أو ادفعوا العدو عن أنفسكم؛ لما لعلهم يقصدون أنفس المؤمنين المقاتلين، أو ادفعوا عن أموالكم وذراريكم ويقصدون ذلك، أو ادفعوا عن دينكم إذا قصدوا دينكم، وقد يقصدون ذلك، أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ - واحداً، أي: قاتلوا في سبيل الله وادفعوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ ﴾ يعني: المنافقين، قيل: قال المنافقون الذين تخلفوا في المدينة لرسول الله  ، وقيل: قال ذلك غيرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ : يعني: المنافقين، أخبر أنهم إلى الكفر أقرب من الإيمان للكفر وإلى الكفر من الكفر، كل ذلك لغة، وفي حرف حفصة: هم "إلى الكفر أقرب"، وتأويله - والله أعلم -: أن المنافقين كانوا لا يعرفون الله - عز وجل - ولا كانوا يعبدونه؛ فإنما هم عباد النعمة، يمليون إلى حيث مالت النعمة: إن كانت مع المؤمنين؛ فيظهرون من أنفسهم الوفاق لهم، وإن كانت مع المشركين فمعهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141]، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...

﴾ الآية [الحج: 11]، وأما الكفار: فإنهم كانوا يعرفون الله، لكنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان لوجهين: أحدهما: لما اتخذوها أرباباً.

والثاني: يطلبون بذلك تقربهم إلى الله زلفي؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، لكنهم إذا أصابتهم الشدة، ولم يروا فيما عبدوا الفرج عن ذلك - فزعوا إلى الله عز وجل، كقوله -  -: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ ، فإذا ذهب ذلك عنهم عادوا إلى دينهم الأول، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ الآية [الزمر: 8]، وأمّا المؤمنون: فهم في جميع أحوالهم: في حال الرخاء والشدة، والضراء والسراء - مخلصون لله صابرون على مصائبهم وشدائدهم قائلون: ﴿ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ : يحتمل هذا وجوهاً: قيل: إنما كانوا كذا؛ لأنهم كانوا يقولون للمؤمنين: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ  ﴾ وإن كان للكافرين نصيب قالوا: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ : ذكروا كونهم مع المؤمنين، وذكروا في الكافرين استحواذهم عليهم، ومنعهم من المؤمنين؛ فذلك آية الأقرب منهم.

ويحتمل: أقرب منهم للإيمان؛ لأن ما أظهروا من الإيمان كذب، والكفر نفسه كذب؛ فما أظهروا من الإيمان فهو كذب إلى الكذب الذي هم عليه أقرب، وهو الكفر.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ ، قال: "هم يومئذ يسرون الكفر، ويظهرون الإيمان، وسرّ العبد أولى من علانيته، وفعله أولى من قوله".

﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ : وهو قولهم، وقيل: هم منهم أقرب؛ لأنهم كانوا في الحقيقة كفاراً على دينهم.

وفي قوله -  -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ - يحتمل الذم، وقيل: كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا  ﴾ ؛ فيكون الوصف بالقرب على الوقوع والوجوب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ ، أي: هي لهم - وبالله التوفيق - وذلك لأنهم كانوا أهل نفاق، والكفر لم يكن يفارق قلوبهم، وما كان من إيمانهم كان يظاهر اللسان، [ثم] قد يفارقها في أكثر أوقاتهم، والله أعلم.

وقد يكون على القرب من حيث كانوا شاكّين في الأمر، والشاك في أمر الكفر والإيمان تارك للإيمان؛ إذ حقيقته تصديقٌ عن معرفة، ولم يكن لهم معرفة، والكفر قد يكون بالتكذيب؛ كأن له بما يكذب علم بالكذب أولاً؛ فلذلك كان الكفر أقرب إليهم، ويحتمل: أقرب إليهم: أولى بهم، وهم به أحق أن يعرفوا؛ بما جعل الله لهم من إعلام ذلك في لحن القول، ثم في أفعال الخير، ثمّ في أحوال الجهاد، ومما يظهر منهم من آثار الكفر في الأقوال والأفعال مما جاء به القرآن، والله أعلم.

فإن قيل في قوله: ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ -: كيف عم هؤلاء بالعقوبة، وإنما كان العصيان والخلاف في الأمر من بعضهم لا من الكل، قيل: لما خرج لهم ذلك مخرج الامتحان والابتلاء، لا مخرج الجزاء لفعلهم، ولله أن يمتحن عباده ابتداء بأنواع المحن من غير أن يسبق منهم خلاف في الأمر أو عصيان، وكل عقوبة خرجت مخرج جزاء عصيان أو خلاف في أمر - لم يؤاخذ غيرُ مرتكبها؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  ﴾ ، وما خرج مخرج الامتحان جاز أن يعمهم؛ لما ذكرنا أن له ابتداء امتحان، أو إن كان ما كان منهم بمعونة غيرهم؛ فعمهم لذلك بذلك، كقُطّاع الطريق وكسُرّاق أن تعمهم العقوبة جميعاً: مَنْ أخذ ومن لم يأخذ، ومن تولى ومن لم يتولَّ؛ فكذلك هذا، أو كانوا جميعاً كنفس واحدة؛ فعمهم بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ قيل: لأخوانهم في الدين، ومعارفهم من المنافقين: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا ﴾ ولم يخرجوا إلى الجهاد ﴿ مَا قُتِلُوا ﴾ .

وقيل: لأخوانهم في النسب والقرابة، وليسوا بإخوانهم في الدين والولاية؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً  ﴾ ليس بأخيهم في الدين [ولا] في الولاية؛ ولكن كان أخاهم في النسب والقرابة.

﴿ لَوْ أَطَاعُونَا ﴾ وقعدوا عن الخروج في الجهاد ﴿ مَا قُتِلُوا ﴾ في الغزو.

ثم قال - عز وجل - لنبيّه  أن قل لهم: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ﴾ أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ بأنهم لو قعدوا في بيوتهم ما قتلوا؛ فمعناه - والله أعلم -: أن من قتل في سبيل الله فمكتوب ذلك عليه، ومن مات في بيته فمكتوب ذلك عليه، فإذا لم تقدروا دفع ما كتب عليكم من الموت؛ كيف زعمتم أنهم لو قعدوا ما قتلوا، وهو مكتوب عليهم كالموت؟!.

وهذه الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن من قتل مات قبل أجله، أو قبل أن يستوفي أجله؛ فهم واليهود فيما أنكر الله عليهم قولهم لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا - سواءٌ بقوله: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هم الذين تخلَّفوا عن القتال، وقالوا لقراباتهم الذين أصيبوا يوم أُحد: لو أنهم أطاعونا ولم يخرجوا للقتال لَمَّا قتلوا، قل - أيها النبي - ردًّا عليهم: فادفعوا عن أنفسكم الموت إذا نزل بكم إن كنتم صادقين فيما ادعيتموه من أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، وأن سبب نجاتكم من الموت هو القعود عن الجهاد في سبيل الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.bwOqG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام إنكار لتعجبهم وبيان لمنة الله تعالى عليهم حتى في واقعة أُحد، فإن خذلانهم فيها لم يبلغ مبلغ ظفرهم في بدر بل كان نصرهم هناك ضعفي انتصار المشركين هنا، كأنه يقول لماذا نسيتم فضل الله عليكم في بدر فلم تذكروه!.

وأخذتم تعجبون مما أصابكم في أُحد وتسألون عن سببه ومصدره؟!

وقال المفسرون إن سبب تعجبهم مما أصابهم هو اعتقادهم أنهم لا بد أن ينتصروا وهم مسلمون يقاتلون في سبيل الله وفيهم رسوله -وتقدم كشف هذه الشبهة في تفسير الآيات السابقة- وقد ذكر هنا تعجبهم ليبني عليه هذا الجواب وما فيه من الحكم لأولي الألباب وهو: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ فإنكم أخطأتم الرأي بخروجكم من المدينة إلى أُحد وكان الرأي ما رآه النبي  من البقاء فيها حتى إذا ما دخلها المشركون عليهم قاتلوهم على أفواه الأزقة والشوارع، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من سطوح المنازل، وروي هذا عن الربيع، ثم إنكم فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم الرسول طمعًا في الغنيمة ففارق الرماة منكم موقعهم الذي أقامهم فيه لحماية ظهوركم بنضح عدوكم بالنبل إذا أراد أن يكر عليكم من ورائكم.

هذا المتبادر المشهور والمعقول والمعنى الموافق لقاعدة كون العقوبات آثارًا لازمة للأعمال، وروي عن عكرمة، ويروي عن الحسن أن ما حصل يوم أُحد من المصيبة كان عقابًا على أخذ الفداء عن أسرى بدر الذي عاتب الله عليه نبيه بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ  ﴾ إلخ، وقووه بما رواه ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي عن علي كرم الله وجهه قال: جاء جبريل إلى النبي  ، فقال يا محمد إن الله تعالى قد كره ما فعل قومك في أخذهم الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وإما أن يأخذوا منهم الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فدعا رسول الله  الناس فذكر لهم ذلك فقالوا يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا نأخذ فداءهم، نتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم فليس ذلك ما نكره، فقتل منهم يوم أُحد سبعون رجلًا عدة أسارى أهل بدر.

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ بناء على كون وجه تعجبهم هو وجود الرسول  فيهم، أي أن الرسول  لا ينفع أمة قد خالفت السنن والطبائع فلا تغتروا بوجودكم معه، مع المخالفة لله وله، فهو لا يحميكم، مما تقتضيه سنن الله فيكم.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن قوله تعالى ﴿ أَوَلَمَّا  ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن همزة الاستفهام قدمت على الواو لأن لها الصدارة والواو عاطفة للجملة الاستفهامية.

وثانيهما: أن الواو عاطفة لما بعدها على محذوف قبلها هو الجملة الاستفهامية والتقدير: أأخطأتم الرأي في الخروج إلى أحد، وفعلتم ما فعلتم من الفشل والعصيان، ولم تبالوا بذلك وتفكروا في عاقبته، ولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا تعجبًا منه واستغرابًا؟

وقدر بعضهم غير ذلك.

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي لا عجزًا في القدرة، ولا قهرًا للإرادة، وهذا صريح في أن قدرته لا يمنعها وجود الرسول فيهم.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ  وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ  ﴾ ليس قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ  ﴾ للاحتراس، بل لرفع شأن هذا اليوم الذي حصل فيه التمييز بين الفريقين وقال إنهم أقرب إلى الكفر ولم يقل إنهم كفار مع علمه بحالهم تأديبًا لهم ومنعًا للتهجم على التكفير بالعلامات والقرائن.

إنه تعالى كان يعلم أنهم يبطنون الكفر وأن امتناعهم عن الجهاد عمل من أعمال الكفر ولكنه لم يصرح به في الآية بل صرح بما يومئ إليه تأديبًا لهم عسى أن يتوب منهم من لم يتمكن الكفر في قلبه ومنعًا للناس من الهجوم على التكفير.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن قوله تعالى ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا  ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على ﴿ نَافَقُوا  ﴾ وهو الظاهر المتبادر.

والثاني: أنه استئناف، وقوله قبله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا  ﴾ قد تم به الكلام السابق، قالوا الواو في قوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ  ﴾ هي التي يسمونها واو الاستئناف على هذا القول، وقد خلط بعضهم في الكلام عن هذه الواو لعدم فهم المراد منها وليس هو بمعنى الاستئناف المشهور وإنما تأتي؛ لوصل كلام بكلام آخر مباين للأول تمام المباينة من جهة ذاته، ومرتبط به من جهة السياق والغرض، ففي مثل هذه الحال إذا فصل الثاني من الأول يكون في الفصل البحت وحشة على السمع وإيهام للذهن، أن الغرض الذي سيق له الكلام قد انتهى فيجئ المتكلم بالواو وليستمر الأنس بالكلام في الغرض الواحد ويظل الذهن منتظرًا لغاية الفائدة والغرض منه، فكأن المتكلم عند نقطة بالجملة المستأنفة بالواو للانتقال من جزء من كلامه قد تم إلى جزء آخر يراد به مثل ما يراد مما قبله يقول: هذا جزء من الكلام يثبت غرضي ويبين مرادي وثم جزء آخر منه وهو كذا.

ومنها أن اللام في قوله: ﴿ لِلْكُفْرِ  ﴾ و ﴿ لِلْإِيمَانِ  ﴾ متعلقة "بأقرب" على أنها بمعنى "إلى"، فإن المستعمل في صلة القرب حرفًا "إلى" و "من" يقال قرب منه وقرب إليه، وقال بعضهم إنه يتعدى باللام أيضًا.

﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا  ﴾ هذا وصف آخر من أوصاف المنافقين جاء في سياق التقريع المتقدم، وقدم القول فيه على القعود عن القتال لأنه أقبح منه، فإن القعود ربما كان لعذر أو التمس الناس له عذرًا واللوم فيه على فاعله وحده لأن إثمه لا يتعداه إلى غيره، وأما هذا لقول الخبيث فإنه أدل على فساد السريرة وضعف العقل والدين، وضرره يتعدى لما فيه من تثبيط همم المجاهدين.

﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ أي أن هذا القول في حكمه الجازم يتضمن أن علمهم قد أحاط بأسباب الموت في هذه الواقعة، وإذا أجاز هذا فيها جاز في غيرها وحينئذ يمكنهم درء الموت أي دفعه عن أنفسهم ولذلك طالبهم به وجعله حجة عليهم.

وقد يقال إن فرقًا بين التوقي من القتل بالبعد عن أسبابه، وبين دفع الموت بالمرة، فالموت حتم عند انتهاء الأجل المحدود وإن طال، والقتل ليس كذلك فكيف احتج عليهم بطلب درء الموت عن أنفسهم؟

وهذا اعتراض يجيء من وقوف النظر، فكل يعلم، ولا سيما من حارب، أنه ما كل من حارب يقتل فقد عرف بالتجربة أن كثيرين يصابون بالرصاص في أثناء القتال، ولا يموتون وأن كثيرين يخرجون من المعمعة سالمين ولا يلبثون بعدها أن يموتوا حتف أنوفهم كما يموت كثير من القاعدين عن القتال فما كل مقاتل يموت، ولا كل قاعد يسلم، وإذا لم يكن أحد الأمرين حتمًا سقط قولهم وظهر بطلانه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر