الآية ١٧ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٧ من سورة آل عمران

ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( الصابرين ) أي : في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات ( والصادقين ) فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة ( والقانتين ) والقنوت : الطاعة والخضوع ( والمنفقين ) أي : من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات ، وصلة الأرحام والقربات ، وسد الخلات ، ومواساة ذوي الحاجات ( والمستغفرين بالأسحار ) دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار .

وقد قيل : إن يعقوب ، عليه السلام ، لما قال لبنيه : ( سوف أستغفر لكم ربي ) [ يوسف : 98 ] أنه أخرهم إلى وقت السحر .

وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن ، من غير وجه ، عن جماعة من الصحابة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : هل من سائل فأعطيه ؟

هل من داع فأستجيب له ؟

هل من مستغفر فأغفر له ؟

" الحديث ، وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءا على حدة فرواه من طرق متعددة .

وفي الصحيحين ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أوله وأوسطه وآخره ، فانتهى وتره إلى السحر .

وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ، ثم يقول : يا نافع ، هل جاء السحر ؟

فإذا قال : نعم ، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن حريث بن أبي مطر ، عن إبراهيم بن حاطب ، عن أبيه قال : سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول : رب أمرتني فأطعتك ، وهذا سحر ، فاغفر لي .

فنظرت فإذا ابن مسعود ، رضي الله عنه .

وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ قال أبو جعفر: يعني بقوله: " الصابرين "، الذين صبروا في البأساء والضراء وحين البأس.

ويعني بـ" الصادقين "، الذين صدقوا الله في قولهم بتحقيقهم الإقرارَ به وبرسوله وما جاء به من عنده، بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه.

ويعني بـ" القانتين "، المطيعين له.

* * * وقد أتينا على الإبانة عن كل هذه الحروف ومعانيها بالشواهد على صحة ما قلنا فيها، وبالأخبار عمن قال فيها قولا فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(3) * * * وقد كان قتادة يقول في ذلك بما:- 6752 - حدثنا به بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة &; 6-265 &; قوله: " الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين "،" الصادقين ": قوم صدَقت أفواههم واستقامت قُلوبهم وألسنتهم، وصَدقوا في السرّ والعلانية =" والصابرين "، قوم صبروا على طاعة الله، وصَبروا عن محارمه =" والقانتون "، هم المطيعون لله.

* * * وأما " المنفقون "، فهم المؤتون زكوات أموالهم، وواضعوها على ما أمرهم الله بإتيانها، والمنفقون أموالهم في الوجوه التي أذن الله لهم جل ثناؤه بإنفاقها فيها.

(4) * * * وأما " الصابرين " و " الصادقين "، وسائر هذه الحروف، فمخفوض ردًا على قوله: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا ، والخفض في هذه الحروف يدل على أن قوله: الَّذِينَ يَقُولُونَ خفض، ردًّا على قوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ .

(5) * * * القول في تأويل قوله : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في القوم الذين هذه الصفة صفتهم.

فقال بعضهم: هم المصلون بالأسحار.

ذكر من قال ذلك: 6753 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " والمستغفرين بالأسحار "، هم أهل الصلاة.

6754 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة: " والمستغفرين بالأسحار "، قال: يصلون بالأسحار.

* * * &; 6-266 &; وقال آخرون: هم المستغفرون.

ذكر من قال ذلك: 6755 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: ربّ أمرتني فأطعتك، وهذا سحرٌ، فاغفر لي.

فنظرت فإذا ابنُ مسعود.

(6) 6756 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن قول الله عز وجل: " والمستغفرين بالأسحار "، قال: حدثني سليمان بن موسى قال، حدثنا نافع: أن ابن عمر كان يحيي الليل صلاةً ثم يقول: يا نافع، أسحَرْنا؟

فيقول: لا.

فيعاود الصلاة، فإذا قلت: نعم!

قعد يستغفر ويدعو حتى يُصْبح.

6757 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن بعض البصريين، عن أنس بن مالك قال: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة.

6758 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثنا أبو يعقوب الضبي قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من صلَّى من الليل ثم استغفر في آخر الليل سبعين مرة، كتب من المستغفرين بالأسحار.

* * * وقال آخرون: هم الذين يشهدون الصّبح في جماعة.

&; 6-267 &; ذكر من قال ذلك: 6759 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسماعيل بن مسلمة أخو القعنبي قال، (7) حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن قال، قلت لزيد بن أسلم: مَنْ" المستغفرين بالأسحار "، قال: هم الذين يشهدون الصّبح.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل قوله: " والمستغفرين بالأسحار "، قول من قال: هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها.

* * * =" بالأسحار " وهى جمع " سَحَر ".

* * * وأظهر معاني ذلك أن تكون مسألتهم إياه بالدعاء.

وقد يحتمل أن يكون معناه: تعرّضهم لمغفرته بالعمل والصلاة، غيرَ أنّ أظهر معانيه ما ذكرنا من الدعاء.

--------------------------- الهوامش : (3) انظر تفسير"الصابرين" فيما سلف 2: 11 / ثم 3: 214 ، 349 = وتفسير"الصادقين" فيما سلف 3: 356 = وتفسير"القانتين" فيما سلف 2: 538 ، 539 / ثم 5: 228-237.

(4) انظر تفسير"الإنفاق" فيما سلف: 5: 555 ، 580.

(5) انظر معاني القرآن للفراء 1: 199.

(6) الأثر: 6755-"حريث بن أبي مطر عمرو الفزاري ، أبو عمر الحناط" روى عن الشعبي والحكم بن عتيبة ، وروى عنه شريك ، وابن نمير ، ووكيع ، قال ابن معين: "لا شيء" ، وقال أبو حاتم"ضعيف الحديث".

وقال البخاري: "فيه نظر ، ليس بالقوي عندهم".

وعلق له البخاري في الأضاحي ، مترجم في التهذيب.

وأما "إبراهيم بن حاطب" فلم أجد له ولا لأبيه"حاطب" ترجمة ، وأخشى أن يكون في اسمه تحريف أو سقط ، وأن يكون"حاطب" هذا ، هو"حاطب بن أبي بلتعة" صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأثر بنصه هذا في تفسير ابن كثير 2: 113 ، ولم يقل فيه شيئًا.

(7) أخوه هو: "عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي القعنبي" ، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الصابرين يعني عن المعاصي والشهوات ، وقيل : على الطاعات .

والصادقين أي في الأفعال والأقوال والقانتين الطائعين .

والمنفقين يعني في سبيل الله .

وقد تقدم في البقرة هذه المعاني على الكمال .

ففسر تعالى في هذه الآية أحوال المتقين الموعودين بالجنات .واختلف في معنى قوله تعالى : والمستغفرين بالأسحار فقال أنس بن مالك : هم السائلون المغفرة .

قتادة : المصلون .قلت : ولا تناقض ، فإنهم يصلون ويستغفرون .

وخص السحر بالذكر لأنه مظان القبول ووقت إجابة الدعاء .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تفسير قوله تعالى مخبرا عن يعقوب عليه السلام لبنيه : سوف أستغفر لكم ربي : إنه أخر ذلك إلى السحر خرجه الترمذي وسيأتي .

وسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل ( أي الليل أسمع ) ؟

فقال : ( لا أدري غير أن العرش يهتز عند السحر ) .

يقال سحر وسحر ، بفتح الحاء وسكونها ، وقال الزجاج : السحر من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني ، وقال ابن زيد : السحر هو سدس الليل الآخر .[ ص: 37 ] قلت : أصح من هذا ما روى الأئمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ينزل الله - عز وجل - إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول : أنا الملك ، أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ، من ذا الذي يسألني فأعطيه ، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له .

فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر في رواية " حتى ينفجر الصبح " لفظ مسلم .

وقد اختلف في تأويله ; وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النسائي مفسرا عن أبي هريرة وأبي سعيد - رضي الله عنهما - قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله - عز وجل - يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له !

هل من مستغفر يغفر له !

هل من سائل يعطى !

.

صححه أبو محمد عبد الحق ، وهو يرفع الإشكال ويوضح كل احتمال ، وأن الأول من باب حذف المضاف ، أي ينزل ملك ربنا فيقول .

وقد روي " ينزل " بضم الياء ، وهو يبين ما ذكرنا ، وبالله توفيقنا .

وقد أتينا على ذكره في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى " .مسألة : الاستغفار مندوب إليه ، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية وغيرها فقال : وبالأسحار هم يستغفرون .

وقال أنس بن مالك : أمرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة .

وقال سفيان الثوري : بلغني أنه إذا كان أول الليل نادى مناد ليقم القانتون فيقومون كذلك يصلون إلى السحر ، فإذا كان عند السحر نادى مناد : أين المستغفرون فيستغفر أولئك ، ويقوم آخرون فيصلون فيلحقون بهم .

فإذا طلع الفجر نادى مناد : ألا ليقم الغافلون فيقومون من فرشهم كالموتى نشروا من قبورهم .

وروي عن أنس سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الله يقول إني لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في وإلى المتهجدين والمستغفرين بالأسحار صرفت عنهم العذاب بهم .

قال مكحول : إذا كان في أمة خمسة عشر رجلا يستغفرون الله كل يوم خمسا وعشرين مرة لم يؤاخذ الله تلك الأمة بعذاب العامة .

وذكره أبو نعيم في كتاب الحلية له .

وقال نافع : كان ابن عمر يحيي الليل ثم يقول : يا نافع أسحرنا ؟

فأقول : لا .

فيعاود الصلاة ثم يسأل ، فإذا قلت نعم قعد يستغفر .

وروى [ ص: 38 ] إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال : سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد يقول : يا رب ، أمرتني فأطعتك ، وهذا سحر فاغفر لي .

فنظرت فإذا هو ابن مسعود .قلت : فهذا كله يدل على أنه استغفار باللسان مع حضور القلب .

لا ما قال ابن زيد أن المراد بالمستغفرين الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة ، والله أعلم .

وقال لقمان لابنه : ( يا بني لا يكن الديك أكيس منك ، ينادي بالأسحار وأنت نائم ) .

والمختار من لفظ الاستغفار ما رواه البخاري عن شداد بن أوس ، وليس له في الجامع غيره ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : سيد الاستغفار أن تقول : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي ، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .

قال : ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات من ليله قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة .

وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث ابن لهيعة عن أبي صخر عن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري عن علي بن أبي طالب ، - رضي الله عنه - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ثم قال : ألا أعلمك كلمات تقولهن لو كانت ذنوبك كمدب النمل ، أو كمدب الذر لغفرها الله لك على أنه مغفور لك : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ الصابرين } أنفسهم على ما يحبه الله من طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، { والصادقين } في إيمانهم وأقوالهم وأحوالهم { والمنفقين } مما رزقهم الله بأنواع النفقات على المحاويج من الأقارب وغيرهم { والمستغفرين بالأسحار } لما بين صفاتهم الحميدة ذكر احتقارهم لأنفسهم وأنهم لا يرون لأنفسهم، حالا ولا مقاما، بل يرون أنفسهم مذنبين مقصرين فيستغفرون ربهم، ويتوقعون أوقات الإجابة وهي السحر، قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون ربهم.

فتضمنت هذه الآيات حالة الناس في الدنيا وأنها متاع ينقضي، ثم وصف الجنة وما فيها من النعيم وفاضل بينهما، وفضل الآخرة على الدنيا تنبيها على أنه يجب إيثارها والعمل لها، ووصف أهل الجنة وهم المتقون، ثم فصل خصال التقوى، فبهذه الخصال يزن العبد نفسه، هل هو من أهل الجنة أم لا؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الصابرين والصادقين ) إن شئت نصبتها على المدح ، وإن شئت خفضتها على النعت ، يعني الصابرين في أداء الأمر وعن ارتكاب النهي ، وعلى البأساء والضراء وحين البأس ، والصادقين في إيمانهم ، قال قتادة : هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية ( والقانتين ) المطيعين المصلين ( والمنفقين ) أموالهم في طاعة الله ( والمستغفرين بالأسحار ) قال مجاهد وقتادة والكلبي : يعني المصلين بالأسحار وعن زيد بن أسلم أنه قال : هم الذين يصلون الصبح في الجماعة ، وقيل بالسحر لقربه من الصبح وقال الحسن : مدوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا ، وقال نافع كان ابن عمر رضي الله عنه يحيي الليل ثم يقول : يا نافع أسحرنا؟

فأقول : لا فيعاود الصلاة فإذا قلت : نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو محمد بن الحسن بن أحمد المخلدي ، حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج ، أنا قتيبة [ بن سعيد ] أنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول : أنا الملك أنا الملك ، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟

من ذا الذي يسألني فأعطيه؟

من ذا الذي يستغفرني فأغفر له " .

وحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه : يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك يصوت من الأسحار وأنت نائم على فراشك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الصابرين» على الطاعة وعن المعصية نعت «والصادقين» في الإيمان «والقانتين» المطيعين لله «والمنفقين» المتصدقين «والمستغفرين» الله بأن يقولوا اللهم اغفر لنا «بالأسحار» أواخر الليل خُصت بالذكر لأنها وقت الغفلة ولذة النوم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هم الذين اتصفوا بالصبر على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى ما يصيبهم من أقدار الله المؤلمة، وبالصدق في الأقوال والأفعال وبالطاعة التامة، وبالإنفاق سرا وعلانية، وبالاستغفار في آخر الليل؛ لأنه مَظِنَّة القبول وإجابة الدعاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ويجوز أن يكون في موضع نصب على المدح .

صم وصفهم - سبحانه - بخمس صفات كريمة من شأنها أن تحمل العقلاء على التأسى بهم فقال : { الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار } .وفي كل صفة من صفاتهم دليل على قوة إيمانهم ، وإذعانهم للحق حق الإذعان .

فهم صابرون ، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس من أكبر البراهين على سلامة اليقين ، وقد حث القرآن أتباعه على التحلى بهذه الصفة في أكثر من سبعين موضعا .

وهم صادقون ، والصدق من أكمل الصفات الإنسانية وأشرفها ، وقد أمر الله عباده أن يتحلوا به في كثير من آيات كتابه ، ومن ذلك قوله - تعالى - { ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين } وهم قانتون ، والقانت هو المداوم على طاعة الله - تعالى - غير متململ منها ولا متبرم بها ، ولا خارج على حدودها .

فالقنوت يصور الإذعان المطلق لرب العالمين .وهم منفقون أموالهم في طاعة الله - تعالى - ، وبالطريقة التى شرعها وأمر بها .

وهم مستغفرون بالأسحار .

أى يسألون الله - تعالى - أن يغفر لهم خطاياهم فى كل وقت ، ولا سيما في الأسحار .والأسحار جمع سحر وهو الوقت الذى يكون قبل الفجر .

روى مسلم في صحيحه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ينزل ربنا - عز وجل - إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضى ثلث الليل الأول فيقول : أنا الملك من ذا الذى يدعونى فأستجيب له ، من ذا الذى يسألنى فأعطيه ، من ذا الذى يستغفرني فأغفر له ، فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر " .وخص وقت الأسحار بالذكر لأن النفس تكون فيه أصفى ، والقلب فيه أجمع ، ولأنه وقت يستلذ فيه الكثيرون النوم فإذا أعرض المؤمن عن تلك اللذة وأقبل على ذكر الله كانت الطاعة أكمل وأقرب إلى القبول .وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد كشفت عن المشتهيات التي يميل إليها الناس في دنياهم بمقتضى فطرتهم ، وأرشدتهم إلى ما هو أسمى وأعلى وأبقى من ذلك وبشرتهم برضوان الله وجناته ، متى استقاموا على طريقه ، واستجابوا لتعاليمه ، { والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وبعد أن بين - سبحانه - ما أعده للمتقين ، وذكر صفاتهم عقب ذلك ببيان أساس التقوى وهو عقيدة التوحيد ، وببيان أن الإسلام هو الدين الذى ارتضاه الله - تعالى - للناس ، وأن من يعارض فى ذلك معارضته داحضة وسيعاقبه الله بما يستحقه .

استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول : { شَهِدَ الله .

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ الصابرين ﴾ قيل نصب على المدح بتقدير: أعني الصابرين، وقيل: الصابرين في موضع جر على البدل من الذين.

المسألة الثانية: إعلم أنه تعالى ذكر هاهنا صفات خمسة: الصفة الأولى: كونهم صابرين، والمراد كونهم صابرين في أداء الواجبات والمندوبات، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن الله تعالى، كما قال: ﴿ الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون  ﴾ قال سفيان بن عيينة في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ  ﴾ إن هذه الآية تدل على أنهم إنما استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر، ويروى أنه وقف رجل على الشبلي، فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟

فقال الصبر في الله تعالى، فقال لا، فقال: الصبر لله تعالى فقال لا فقال: الصبر مع الله تعالى، قال: لا.

قال: فايش؟

قال: الصبر عن الله تعالى، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف.

وقد كثر مدح الله تعالى للصابرين، فقال: ﴿ والصابرين فِي البأساء والضراء وَحِينَ البأس  ﴾ .

الصفة الثانية: كونهم صادقين، إعلم أن لفظ الصدق قد يجري على القول والفعل والنيّة، فالصدق في القول مشهور، وهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل الإتيان به وترك الانصراف عنه قبل تمامه، يقال: صدق فلان في القتال وصدق في الحملة، ويقال في ضده: كذب في القتال، وكذب في الحملة، والصدق في النيّة إمضاء العزم والإقامة عليه حتى يبلغ الفعل.

الصفة الثالثة: كونهم قانتين، وقد فسرناه في قوله تعالى: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين  ﴾ وبالجملة فهو عبارة عن الدوام على العبادة والمواظبة عليها.

الصفة الرابعة: كونهم منفقين ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه وأهله وأقاربه وصلة رحمه وفي الزكاة والجهاد وسائر وجوه البر.

الصفة الخامسة: كونهم مستغفرين بالأسحار، والسحر الوقت الذي قبل طلوع الفجر، وتسحر إذا أكل في ذلك الوقت، واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلّى قبل ذلك فقوله: ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان وفي كمال العبودية من وجوه: الأول: أن في وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل، وبسبب طلوع نور الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء، فهناك وقت الجود العام والفيض التام، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب والثاني: أن وقت السحر أطيب أوقات النوم، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة، وأقبل على العبودية، كانت الطاعة أكمل والثالث: نقل عن ابن عباس ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ يريد المصلين صلاة الصبح.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ والصابرين والصادقين ﴾ أكمل من قوله: الذين يصبرون ويصدقون، لأن قوله: ﴿ الصابرين ﴾ يدل على أن هذا المعنى عادتهم وخلقهم، وأنهم لا ينفكون عنها.

المسألة الرابعة: اعلم أن لله تعالى على عباده أنواعاً من التكليف، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها، ثم إن العبد قد يلتزم من عند نفسه أنواعاً أُخر من الطاعات، وإما بسبب الشروع فيه، وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل ألبتة، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولاً ثم قال: ﴿ الصادقين ﴾ ثانياً، ثم إنه تعالى ندب إلى المواظبة على هذين النوعين من الطاعة، فقال: ﴿ والقانتين ﴾ فهذه الألفاظ الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات، ثم بعد ذلك ذكر الطاعات المعينة، وكان أعظم الطاعات قدراً أمران: أحدهما: الخدمة بالمال، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام: «والشفقة على خلق الله» فذكر هنا بقوله: ﴿ والمنافقين ﴾ .

والثانية: الخدمة بالنفس وإليه الإشارة بقوله التعظيم لأمر الله فذكره هنا بقوله: ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ .

فإن قيل: فلم قدم هاهنا ذكر المنفقين على ذكر المستغفرين، وأخر في قوله التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

قلنا: لأن هذه الآية في شرح عروج العبد من الأدنى إلى الأشرف، فلا جرم وقع الختم بذكر المستغفرين بالأسحار، وقوله التعظيم لأمر الله في شرح نزول العبد من الأشرف إلى الأدنى، فلا جرم كان الترتيب بالعكس.

المسألة الخامسة: هذه الخمسة إشارة إلى تعديد الصفات لموصوف واحد، فكان الواجب حذف واو العطف عنها كما في قوله: ﴿ هُوَ الله الخالق البارئ المصور  ﴾ إلا أنه ذكر هاهنا واو العطف وأظن- والعلم عند الله- أن كل من كان معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح العظيم واستوجب هذا الثواب الجزيل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ ﴾ المزين هو الله سبحانه وتعالى للابتلاء، كقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الارض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ ﴾ [الكهف: 7] ويدل عليه قراءة مجاهد: ﴿ زَيَّنَ للناس ﴾ ، على تسمية الفاعل.

وعن الحسن: الشيطان.

والله زينها لهم، لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها ﴿ حُبُّ الشهوات ﴾ جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها.

والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، وقال: ﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات ﴾ ثم جاء التفسير، ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها، وأدلّ على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله.

والقنطار: المال الكثير.

قيل: ملء مسك ثور.

وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار.

ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا.

و ﴿ المقنطرة ﴾ مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة.

و ﴿ المسومة ﴾ المعلمة، من السومة وهي العلامة.

أو المطهمة أو المرعية من أسام الدابة وسوّمها ﴿ والانعام ﴾ الأزواج الثمانية ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ مَّتَاعُ الحياة ﴾ .

﴿ لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات ﴾ كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم؟

عندي رجل صفته كيت وكيت.

ويجوز أن يتعلق اللام بخير.

واختص المتقين، لأنهم هم المنتفعون به.

وترتفع ﴿ جنات ﴾ على: هو جنات.

وتنصره قراءة من قرأ ﴿ جنات ﴾ بالجرّ على البدل من خير ﴿ والله بَصِيرٌ بالعباد ﴾ يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعدّ لهم الجنات.

﴿ الذين يَقُولُونَ ﴾ نصب على المدح، أو رفع.

ويجوز الجرّ صفة للمتقين أو للعباد.

والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها.

وقد مرّ الكلام في ذلك.

وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10] وعن الحسن: كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ ﴾ حَصْرٌ لِمَقاماتِ السّالِكِ عَلى أحْسَنِ تَرْتِيبٍ، فَإنَّ مُعامَلَتَهُ مَعَ اللَّهِ تَعالى إمّا تَوَسُّلٌ وإمّا طَلَبٌ، والتَّوَسُّلُ إمّا بِالنَّفْسِ وهو مَنعُها عَنِ الرَّذائِلِ وحَبْسُها عَلى الفَضائِلِ والصَّبْرُ يَشْمَلُهُما، وإمّا بِالبَدَنِ، وهو إمّا قَوْلِيٌّ وهو الصِّدْقُ وإمّا فِعْلِيٌّ وهو القُنُوتُ الَّذِي هو مُلازَمَةُ الطّاعَةِ، وإمّا بِالمالِ وهو الإنْفاقُ في سُبُلِ الخَيْرِ، وأمّا الطَّلَبُ فَبِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّ المَغْفِرَةَ أعْظَمُ المَطالِبِ بَلِ الجامِعُ لَها وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدٍ مِنها وكَمالِهِمْ فِيها أوْ لِتَغايُرِ المَوْصُوفِينَ بِها، وتَخْصِيصُ الأسْحارِ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيها أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، لِأنَّ العِبادَةَ حِينَئِذٍ أشَقُّ والنَّفْسُ أصْفى والرُّوعُ أجْمَعُ لِلْمُجْتَهِدِينَ.

قِيلَ إنَّهم كانُوا يَصِلُونَ إلى السِّحْرِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ ويَدْعُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الصابرين} على الطاعات والمصائب وهونصب على المدح {والصادقين} قولاً بإخبار الحق وفعلاً بإحكام العمل ونية بإمضاء العزم {والقانتين} الداعين أو المطيعين {والمنفقين} المتصدقين {والمستغفرين بالأسحار} المصلين أو طالبين المغفرة وخص الأسحار لأنه

وقت إجابة الدعاء ولأنه وقت الخلوة قال لقمان لابنه يا بني لا يكن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها وللإشعار بأن كل صفة مستقلة بالمدح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الصّابِرِينَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا صِفَةً لِلَّذِينِ إنْ جَعَلْتَهُ في مَوْضِعِ جَرٍّ أوْ نَصْبٍ وإذا جَعَلْتَهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ كانَ هَذا مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والصَّبْرُ عَنْ مَحارِمِهِ قالَهُ قَتادَةُ، وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ يُشْعِرُ بِالعُمُومِ فَيَشْمَلُ الصَّبْرَ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ، ﴿ والصّادِقِينَ ﴾ في نِيّاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ سِرًّا وعَلانِيَةً وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا ﴿ والقانِتِينَ ﴾ أيِ المُطِيعِينَ قالَهُ اِبْنُ جُبَيْرٍ، أوِ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوِ القائِمَيْنِ بِالواجِباتِ قالَهُ القاضِي، ﴿ والمُنْفِقِينَ ﴾ مِن أمْوالِهِمْ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قالَهُ اِبْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، ﴿ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ  ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وغَيْرُهُما: أيِ المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ صَلاةَ الصُّبْحِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلاةً ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحَرَنا؟

فَيَقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَّلاةَ فَإذا قالَ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى ويَدْعُو حَتّى يُصْبِحَ، وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «”أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ  أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالأسْحارِ سَبْعِينَ اِسْتِغْفارَةً“،» ورَوى الرِّضا عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ مَنِ اِسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعالى في وقْتِ السَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ» والباءُ في بِالأسْحارِ بِمَعْنى فِي، وهي جَمْعُ سَحَرٍ بِفَتْحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِها سُمِّيَتْ أواخِرَ اللَّيالِي بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الخَفاءِ كالسَّحَرِ لِلشَّيْءِ الخَفِيِّ، وقالَ بَعْضُهُمِ: السَّحَرُ مِن ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ.

وتَخْصِيصُ الأسْحارِ بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيها أقْرَبُ إلى الإجابَةِ إذِ العِبادَةُ حِينَئِذٍ أشَقُّ والنَّفْسُ أصْفى والرُّوعُ أجْمَعُ، وفي «اَلصَّحِيحِ»: «”أنَّهُ تَعالى وتَنَزَّهَ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبُ لَهُ، مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيهِ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرُ لَهُ، فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ“،» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وأحْمَدُ عَنْ سَعِيدٍ الجَرِيرِيِّ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ أيُّ اللَّيْلِ أفْضَلُ قالَ: يا داوُدُ ما أدْرِي سِوى أنَّ العَرْشَ يَهْتَزُّ في السَّحَرِ».

وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ إمّا لِأنَّ المَوْصُوفَ بِها مُتَعَدِّدٌ وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى اِسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها وكَمالِهِمْ فِيها، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: لا نَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ في الصِّفَةِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ رَدَّهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ عُلَماءَ البَيانِ عَلِمُوهُ وهم هم.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ قَدْ كانَ لَكُمْ ﴾ يا مَعْشَرَ السّالِكِينَ إلى مَقْصِدِ الكُلِّ (آيَةٌ) دالَّةٌ عَلى كَمالِكم وبُلُوغِكم إلى ذُرْوَةِ التَّوْحِيدِ ﴿ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتا ﴾ لِلْحَرْبِ (فِئَةٌ) مِنهُما وهي فِئَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي جُنْدُ اللَّهِ تَعالى ﴿ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿ وأُخْرى ﴾ مِنهُما وهي جُنُودُ النَّفْسِ وأعْوانُ الشَّيْطانِ ﴿ كافِرَةٌ ﴾ ساتِرَةٌ لِلْحَقِّ مَحْجُوبَةٌ عَنْ حَظائِرِ الصِّدْقِ، تَرى الفِئَةُ الأخِيرَةُ الفِئَةَ الأُولى لِحَوَلِ عَيْنِ بَصِيرَتِها ﴿ مِثْلَيْهِمْ ﴾ عِنْدَ الِالتِقاءِ في مَعْرَكَةِ البَدَنِ رُؤْيَةً مَكْشُوفَةً ظاهِرَةً لا خَفاءَ فِيها مِثْلَ رُؤْيَةِ العَيْنِ، وذَلِكَ لِتَأْيِيدِ الفِئَةِ المُؤْمِنَةِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والإشْراقاتِ الجَبَرُوتِيَّةِ، وخِذْلانِ الفِئَةِ الكافِرَةِ بِما اِسْتَوْلى عَلَيْها مِن تَراكُمِ ظُلُماتِ الطَّبِيعَةِ وذُلِّ البُعْدِ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿ واللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ ﴾ تَأْيِيدَهُ لِقَبُولِ اِسْتِعْدادِهِ لِذَلِكَ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ التَّأْيِيدِ ﴿ لَعِبْرَةً ﴾ أيِ اِعْتِبارًا أوْ أمْرًا يُعْتَبَرُ بِهِ في الوُصُولِ إلى حَيْثُ المَأْمُولُ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ الفاتِحِينَ أعْيُنَ بَصائِرِهِمْ لِمُشاهَدَةِ الأنْوارِ الأزَلِيَّةِ في آفاقِ المَظاهِرِ الإلَهِيَّةِ.

﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ﴾ بِسَبَبِ ما فِيهِمْ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ والغِشاوَةِ الطَّبِيعِيَّةِ والغَواشِي البَدَنِيَّةِ ﴿ مِنَ النِّساءِ ﴾ وهي النُّفُوسُ ﴿ والبَنِينَ ﴾ وهي الخَيالاتُ المُتَوَلِّدَةُ مِنها النّاشِئَةُ عَنْها ﴿ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ﴾ وهي العُلُومُ المُتَداوَلَةُ وغَيْرُ المُتَداوَلَةِ، أوِ الأُصُولُ والفُرُوعُ ﴿ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ ﴾ وهي مَراكِبُ الهَوى وأفْراسُ اللَّهْوِ ﴿ والأنْعامِ ﴾ وهي رَواحِلُ جَمْعِ الحُطامِ وأسْبابُ جَلْبِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ والحَرْثِ ﴾ وهو زَرْعُ الحِرْصِ وطُولُ الأمَلِ ﴿ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ الزّائِلُ عَمّا قَلِيلٍ بِالرُّجُوعِ إلى المَبْدَأِ الأصْلِيِّ والمَوْطِنِ القَدِيمِ.

ولَكَ أنْ تُبْقِيَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ عَلى ظَواهِرِها فَإنَّ النُّفُوسَ المُنْغَمِسَةَ في أوْحالِ الطَّبِيعَةِ لَها مَيْلٌ كُلِّيٌّ إلى ذَلِكَ أيْضًا ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ ﴾ المَذْكُورِ ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ النَّظَرَ إلى الأغْيارِ ﴿ جَنّاتٌ ﴾ جَنَّةُ يَقِينٍ وجَنَّةُ مُكاشَفَةٍ وجَنَّةُ مُشاهَدَةٍ وجَنَّةُ رِضًا وجَنَّةٌ لا أقُولُها وهي الَّتِي فِيها ما لا عَيْنَ رَأتْ ولا أُذُنَ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولَيْسَ في تِلْكَ الجَنَّةِ عِنْدَ العارِفِينَ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها ﴾ أنْهارُ التَّجَلِّياتِ المُتْرَعَةِ بِماءِ الغُيُوبِ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ بِبَقائِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ ﴿ وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ وهي الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ عَنْ أدْناسِ الطَّبِيعَةِ المَقْصُورَةِ في خِيامِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ ﴿ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ في تَقَلُّبِ أرْواحِهِمْ في عالَمِ المَلَكُوتِ، مُحْتَرِقاتٍ مِن سَطَواتِ أنْوارِ الجَبَرُوتِ حُبًّا لِجِوارِهِ وشَوْقًا إلى لِقائِهِ يُجازِيها بِقَدْرِ هُمُومِها في طَلَبِ وجْهِهِ الأزَلِيِّ وجَمالِهِ الأبَدِيِّ ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا ﴾ بِأنْوارِ أفْعالِكَ وصِفاتِكَ ﴿ فاغْفِرْ لَنا ﴾ ذُنُوبَ وُجُوداتِنا بِذاتِكَ ﴿ وقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ نارِ الحِرْمانِ ووُجُودِ البَقِيَّةِ ﴿ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى مَضَضِ المُجاهَدَةِ والرِّياضَةِ ﴿ والصّادِقِينَ ﴾ في المَحَبَّةِ والإرادَةِ ﴿ والقانِتِينَ ﴾ في السُّلُوكِ إلَيْهِ ﴿ والمُنْفِقِينَ ﴾ ما عَداهُ فِيهِ ﴿ والمُسْتَغْفِرِينَ ﴾ مِن ذُنُوبِ تَلَوُّناتِهِمْ وتَعَيُّناتِهِمْ في أسْحارِ التَّجَلِّياتِ، ويُقالُ: (اَلصّابِرِينَ) الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الطَّلَبِ ولَمْ يَحْتَشِمُوا مِنَ التَّعَبِ وهَجَرُوا كُلَّ راحَةٍ وطَرَبٍ فَصَبَرُوا عَلى البَلْوى ورَفَضُوا الشَّكْوى حَتّى وصَلُوا إلى المَوْلى ولَمْ يَقْطَعْهم شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا والعُقْبى، (والصّادِقِينَ) الَّذِينَ صَدَقُوا في الطَّلَبِ فَوَرَدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَشَهِدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَوَجَدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَفُقِدُوا، فَحالُهم قَصْدٌ ثُمَّ وُرُودٌ ثُمَّ شُهُودٌ ثُمَّ وُجُودٌ ثُمَّ خُمُودٌ، (والقانِتِينَ) الَّذِينَ لازَمُوا البابَ وداوَمُوا عَلى تَجَرُّعِ الِاكْتِئابِ وتَرْكِ المَحابِّ إلى أنْ تَحَقَّقُوا بِالِاقْتِرابِ، (والمُنْفِقِينَ) الَّذِينَ جادُوا بِنُفُوسِهِمْ مِن حَيْثُ الأعْمالُ ثُمَّ جادُوا بِمَيْسُورِهِمْ مِنَ الأمْوالِ ثُمَّ جادُوا بِقُلُوبِهِمْ لِصِدْقِ الأحْوالِ ثُمَّ جادُوا بِكُلِّ حَظٍّ لَهم في العاجِلِ والآجِلِ اِسْتِهْلاكًا في أنْوارِ الوِصالِ (والمُسْتَغْفِرِينَ) هُمُ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ إذا رَجَعُوا إلى الصَّحْوِ وقْتَ نُزُولِ الرَّبِّ إلى السَّماءِ الدُّنْيا وإشْراقِ أنْوارِ جَمالِهِ عَلى آفاقِ النَّفْسِ ونِدائِهِ «هَلْ مِن سائِلٍ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِن كَذا هَلْ مِن كَذا» ثُمَّ لَمّا مَدَحَ سُبْحانَهُ أحْبابَهُ أرْبابَ الدِّينِ وذَمَّ أعْداءَهُ الكافِرِينَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ الدِّينِ الحَقِّ والعُرْوَةِ الوُثْقى عَلى أتَمِّ وجْهٍ وآكِدِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ حُسِّن وحُبِّب إليهم، وقد يكون التزيين من الله تعالى.

كما قال في آية أخرى زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل: 4] كما قال في آية أخرى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [النمل: 24] فأما التزيين من الله تعالى، فهو على وجهين: يكون على جهة الامتحان للمؤمنين مع العصمة، وقد يكون للكفار على جهة العقوبة مع الخذلان، وأما التزيين من الشيطان، فهو على جهة الوسوسة.

فقال: زين للناس حب الشهوات مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ بدأ بالنساء، لأن فتنة النساء أشد من فتنة جميع الأشياء.

كما روي عن النبي  أنه قال: «ما تَرَكْتُ لأُمَّتِي فِتْنَةً أَشَدَّ مِنْ فِتْنَةِ النِّسَاءِ» ، ولأن النساء فتنتهن ظاهرة من وقت آدم-  - إلى يومنا هذا.

ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة: إحداهما أنها تؤدي إلى قطيعة الرحم، لأن المرأة تأمر زوجها بقطيعة الرحم عن الأمهات والأخوات.

والثانية يبتلي بجمع المال من الحلال والحرام، وأما البنون، فإن الفتنة فيهم واحدة، وهي ما ابتلي به من جمع المال لأجلهم.

فذكر البنين وأراد به الذكور والإناث.

وقال بعض الحكماء: أولادنا فتنة إن عاشوا فتنونا، وإن ماتوا أحزنونا.

ثم قال تعالى وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ روي عن الفراء أنه قال: القناطير جمع قنطار، والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسع قناطير.

وروي عن أبي عبيدة أنه قال: المقنطرة مُفَعَّلة من الورق.

كما يقال: ألف مؤلفة، وبذر مبذرة.

ويقال: المقنطرة هي المكيلة، ثم اختلفوا في مقدار القنطار، فروي عن مجاهد أنه قال: القنطار سبعون ألف دينار.

وقال أبو هريرة: القنطار اثني عشر ألف أوقية.

وقال معاذ بن جبل: ألف ومائتا أوقية.

وقال بعضهم: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ من ذهب.

حكاه الكلبي، وقال: هو لغة رومية.

وروي عن الحسن البصري أنه سئل عن القنطار ما هو؟

فقال: هو مثل دية أحدكم.

ثم قال تعالى: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ يعني الراعية كما قال في آية أخرى فِيهِ تُسِيمُونَ أي ترعون.

وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل.

وقال يحيى بن كثير: هي السمينة المصورة.

وقال أبو عبيدة المُعْلَمة.

وَالْأَنْعامِ يعني الإبل والبقر والغنم وَالْحَرْثِ يعني الزرع، ذكر أربعة أصناف كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس، أما الذهب والفضة، فيتمول به التجار، وأما الخيل المُسَوَّمة، فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام، فيتمول بها أهل البوادي وأما الحرث فيتمول به أهل الرساتيق، فيكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول به، وأما النساء والبنين فهي فتنة للجميع.

ثم زهد في ذلك كله، ورغب في الآخرة فقال تعالى: ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي منفعة الحياة الدنيا تذهب، ولا تبقى وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أي المرجع في الآخرة الجنة، لا تزول.

ولا تفنى.

ثم بَيّن أن الذي وعد المؤمنين في الآخرة، خير مما زين للكفار فقال تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ أي من الذي زين للناس في الدنيا لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والفواحش والكبائر.

ويقال للذين اتقوا الزينة، فلا تشغلهم عن طاعة الله عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني البساتين تجري من تحت شجرها، ومساكنها الأنهار، فهو خير من الزينة الدنيوية وما فيها.

وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله  أنه قال: «لَشِبْرٌ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .

قال: خالِدِينَ فِيها يعني مقيمين فيها أبداً وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ معناه في الخلق والخلق، فأما الخلق فإنهن لا يحضن ولا يتمخطن، ولا يأتين الخلاء، وأما الخُلُق، فإنهن لا يَغِرْن ولا يحسدن، ولا ينظرن إلى غير أزواجهن وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أي مع هذه النعم لهم رضوان من الله، وهو من أعظم النعم كما قال في آية أخرى وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72] قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَرُضْوَان بضم الراء، والباقون بالكسر، وهما لغتان، وتفسيرهما واحد وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي عالم بأعمالهم وثوابهم.

ثم وصفهم فقال تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا أي صَدَّقْنَا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي: خطايانا التي كانت في الشرك وفي الإسلام وَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عنا عذاب النار الصَّابِرِينَ يعني الجنة التي ذكر للذين اتقوا الشرك، وللصابرين الذين يصبرون على طاعة الله، ويصبرون على المعاصي، ويصبرون على ما أصابهم من الشدة والمصيبة.

وَالصَّادِقِينَ يعني الصادقين في إيمانهم، وفي قلوبهم، وفي وعدهم بينهم وبين الناس، وبينهم وبين الله تعالى.

ثم قال: وَالْقانِتِينَ يعني المطيعين لله تعالى وَالْمُنْفِقِينَ الذي يتصدقون من أموالهم فِي سَبِيلِ الله وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ يعني يصلون لله عند الأسحار.

ويقال: يصلون لله بالليل، ويستغفرون عند السحر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)

وقوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ...

الآيةُ: هذه الآيةُ ابتداءُ وعظٍ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ، والشهواتُ ذميمةٌ، واتباعها مُرْدٍ، وطاعتها مهلكة، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ» «١» ، فَحَسْبُكَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِهَا، فمَنْ واقعها، خلص إِلى النَّار، قلْتُ: وقد جاءت إحاديثٌ/ كثيرةٌ في التزْهِيدِ في الدنيا، ذكَرْنا من صحيحها وحَسَنِهَا في هذا المُخْتَصَرِ جملةً صالحةً لا توجد في غيره من التَّفَاسير، فعلَيْكَ بتحصيله، فتَطَّلعَ فيه على جواهرَ نفيسةٍ، لا توجَدُ مجموعةً في غيره كما هي بحَمْدِ اللَّه حاصلةٌ فيه، وكيف لا يكونُ هذا المختصر فائقاً في الحُسْن، وأحاديثه بحَمْد اللَّه مختارةٌ، أكثرها من أصولِ الإسلامِ الستَّةِ: البخاريِّ، ومسلمٍ، وأبي داود، والتِّرمذيِّ، والنَّسائِيِّ، وابنِ مَاجَة، فهذه أصول الإِسلام، ثم مِنْ غيرها كصحيح ابن حِبَّانَ، وصحيح الحاكمِ، أعني: «المُسْتَدْرَكَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وأَبِي عَوَانَةَ، وابْنِ خُزَيْمَةَ، والدَّارِمِيِّ، وَالمُوَطَّإِ، وغيرِها من المسانيدِ المشهورةِ بيْن أئمَّة الحديثِ حَسْبما هو معلومٌ في علْمِ الحديث، وقصْدِي من هذا نُصْحُ من اطلع على هذا الكتاب أنْ يعلم قَدْرَ ما أنعم اللَّه به علَيْه، فإِن التحدُّث بالنعم شُكْر، ولنرجَعْ إلى ما قصدناه من نقل الأحاديث:

روى الترمذيُّ عن عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قالت: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنْ أَرَدتِّ اللُّحُوقَ بِي، فَلْيَكْفِيكِ مِنَ الدُّنْيَا، كَزَادِ الرَّاكِبَ، وإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلاَ تَسْتَخْلِفِي ثَوْباً حتى تَرْقَعِيهِ» «١» حديث غَرِيبٌ، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» ، خرَّجه أبو داود «٢» وقد نقله البغويُّ في «مصابيحه» ، والبَذَاذَةُ: هي رث الهيئة.

اهـ والْقَناطِيرِ: جمع قِنْطَارٍ، وهو العُقْدة الكثيرةُ من المال واختلف النّاس في تحرير

حَدِّه، وأصحُّ الأقوالِ فيه: ما رواه أُبَيُّ بن كعب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «القِنْطَارُ أَلْفٌ ومِائَتَا أُوقِيَّةٍ» «١» ، لكنَّ القنْطارَ على هذا يختلفُ باختلاف البلادِ في قَدْر الأَوقِيَّةِ.

وقوله: الْمُقَنْطَرَةِ، قال الطبريُّ «٢» : معناه: المُضَعَّفة، وقال الربيعُ: المالُ الكثيرُ بعْضُه على بعض «٣» .

ص: الْمُقَنْطَرَةِ: مُفَعْلَلَة، أو مُفَنْعَلَة مِن القنطار، ومعناه: المجتمعة.

م: أبو البقاء: ومِنَ الذَّهَبِ: في موضعِ الحالِ من الْمُقَنْطَرَةِ اهـ.

وقوله: الْمُسَوَّمَةِ: قال مجاهدٌ: معناه المُطَهَّمة الحِسَان «٤» ، وقال ابن عبَّاس وغيره: معناه: الراعيَةُ «٥» ، وقيل: المُعَدَّة، وَالْأَنْعامِ: الأصنافُ الأربعةُ: الإِبلُ، والبَقَرُ، والضَّأْنُ، والمَعْز.

ص: والأنعامُ: واحدُها نَعَمٌ، والنَّعَمُ: الإِبل فقَطْ، وإِذا جُمِعَ، انطلق على الإِبلِ والبقرِ والغنمِ.

اهـ.

وَالْحَرْثِ: هنا اسمٌ لكلِّ ما يُحْرَثُ من حَبٍّ وغيره، والمَتَاعُ: ما يستمتعُ به، وينتفع مدّة ما منحصرة، والْمَآبِ: المَرْجِعُ، فمعنى الآية: تقليلُ أمر الدُّنيا وتحقيرُها، والترغيبُ في حُسْن المَرْجِع إِلى اللَّه تعالى.

وقوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ...

الآية: في هذه الآية تَسْلِيَةٌ عن الدنيا، وتقويةٌ لنفوسِ تاركيها ذَكَر تعالى حالَ الدُّنْيا، وكَيْف استقر تزيينُ شهواتها، ثم جاء بالإِنباءِ بخَيْرٍ من ذلك هَازًّا للنفُوس، وجامعاً لها لتَسْمَعَ هذا النبأَ المستغْرَبَ النافع لمن عقل، وأنبّىء: معناه: أخبر.

وقوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ، الرِّضْوَانُ: مصدر مِنْ «رَضِيَ» ، وفي الحديث الصحيحِ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ، إذا استقروا فِيهَا، وَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: أَتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكُمْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟

قَالُوا: يَا رَبَّنَا، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟

فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَداً» «١» ، هذا سياقُ الحديثِ، وقد يجيءُ مختلِفَ الألفاظِ، والمعنى قريبٌ بعضُه من بعض، قال الفَخْر «٢» : وذلك أن معرفة أهْلِ الجَنَّة، مع هذا النعيم المقيم بأنَّه تعالى راضٍ عنهم، مُثْنٍ عليهم- أزيدُ عليهم في إِيجابِ السُّرور.

اهـ.

وباقي الآية بيِّن، وقد تقدَّم في سورة البقرة بيانُهُ.

وقوله تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ...

الآية: «الَّذِينَ» : بدلٌ من «الَّذِينَ اتقوا» ، وفسر سبحانه في هذه الآية أحوال المتقين الموعودِينَ بالجَنَّات، والصَّبْرُ في هذه الآية: معناه: على الطَّاعاتِ، وعن المعاصي والشهواتِ، والصِّدْقُ:

معناه: في الأقوالِ والأفعالِ، والقُنُوتُ: الطاعةُ والدعاءُ أيضاً، وبكلِّ ذلك يتصف المتَّقِي، والإِنْفَاقُ: معناه: في سبِيلِ اللَّه ومَظَانِّ الأجر، والاِستغفارُ: طلبُ المَغْفرة من اللَّه سبحانه، وخصَّ تعالى السَّحَر لما فيه من الفَضْل حسْبَما وَرَدَ فيه مِنْ صحيحِ الأحاديثِ كحديث النُّزُول: «هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأَسْتجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، فَأَغْفِرَ لَهُ» »

، إِلى غير ذلك ممَّا ورد في فَضْله.

قلت: تنبيهٌ: قال القرطبيُّ في «تذكرته» ، وقد جاء حديثُ النزولِ مفسَّراً مبيَّناً في ما خرَّجه النسائِيُّ عن أبي هُرَيْرة، وأبي سَعِيدٍ، قَالاَ: قَالَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يُمْهِلُ حتى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّل، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِياً يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يعطى» ، صحّحه أبو محمّد عبد الحقّ «٤» .

اهـ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الصّابِرِينَ ﴾ أيْ: عَلى طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ مَحارِمِهِ ﴿ والصّادِقِينَ ﴾ في عَقائِدِهِمْ وأقْوالِهِمْ ﴿ والقانِتِينَ ﴾ بِمَعْنى المُطِيعِينَ لِلَّهِ ﴿ والمُنْفِقِينَ ﴾ في طاعَتِهِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ يَعْنِي: بِالنَّفَقَةِ الصَّدَقَةِ.

وفي مَعْنى اسْتِغْفارِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْتِغْفارُ المَعْرُوفُ بِاللِّسانِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ.

قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

فَعَلى هَذا إنَّما سُمِّيَتِ الصَّلاةُ اسْتِغْفارًا، لِأنَّهم طَلَبُوا بِها المَغْفِرَةَ.

فَأمّا السِّحْرُ، فَقالَ إبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: السِّحْرُ: الوَقْتُ الَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وهو أوَّلُ إدْبارِ اللَّيْلِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، فَوَصَفَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الطّاعاتِ، ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ يَسْتَغْفِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ الصابِرِينَ والصادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ ﴾ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ اتَّقَوْا"، فَسَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ أحْوالَ المُتَّقِينَ المَوْعُودِينَ بِالجَنّاتِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ رَفْعًا عَلى القَطْعِ وَإضْمارِ الِابْتِداءِ، ويَحْتاجُ إلى القَطْعِ وإضْمارِ فِعْلٍ في قَوْلِهِ "الصابِرِينَ"، والخَفْضُ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى البَدَلِ أوجَهُ.

ويَجُوزُ في "الَّذِينَ"، وما بَعْدَهُ النَصْبُ عَلى المَدْحِ.

والصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: عَلى الطاعاتِ وعَنِ المَعاصِي والشَهَواتِ.

والصِدْقُ مَعْناهُ: في الأقْوالِ والأفْعالِ.

والقُنُوتُ: الطاعَةُ والدُعاءُ أيْضًا وبِكُلِّ ذَلِكَ يَتَّصِفُ المُتَّقِي.

والإنْفاقُ مَعْناهُ: في سَبِيلِ اللهِ ومَظانِّ الأجْرِ كالصِلَةِ لِلرَّحِمِ وغَيْرِها، ولا يَخْتَصُّ هَذا الإنْفاقُ بِالزَكاةِ المَفْرُوضَةِ.

والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ تَعالى، وخَصَّ تَعالى السَحَرَ لِما فَسَّرَ النَبِيُّ  في قَوْلِهِ: « "يَنْزِلُ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟

مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ؟

فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ.» ورُوِيَ في تَفْسِيرِ قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: "سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي" أنَّهُ أخَّرَ الأمْرَ إلى السَحَرِ، ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ حاطِبٍ عن أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا في السَحَرِ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ يَقُولُ: رَبِّ أمَرْتَنِي فَأطَعْتُكَ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي، فَنَظَرْتُ فَإذا ابْنُ مَسْعُودٍ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أُمِرْنا أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالسَحَرِ سَبْعِينَ اسْتِغْفارَةً.

وقالَ نافِعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَيْلَ صَلاةً ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحِرْنا؟

فَأقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَلاةَ ثُمَّ يَسْألُ، فَإذا قُلْتُ نَعَمْ قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ.

فَلَفْظُ الآيَةِ إنَّما يُعْطِي طَلَبَ المَغْفِرَةِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ مَن ذَكَرْناهُ مِنَ الصَحابَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ، المُصَلُّونَ بِالسَحَرِ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُرادُ بِها الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الصُبْحِ في جَماعَةٍ، وهَذا كُلُّهُ يَقْتَرِنُ بِهِ الِاسْتِغْفارُ.

والسَحَرُ - بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِها-: آخِرُ اللَيْلِ.

قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وهَذا صَحِيحٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفَجْرِ هو مِنَ اليَوْمِ لا مِنَ اللَيْلَةِ.

وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: السَحَرُ مِن ثُلُثِ اللَيْلِ الآخِرِ إلى الفَجْرِ.

والحَدِيثُ في التَنَزُّلِ وهَذِهِ الآيَةُ في الِاسْتِغْفارِ يُؤَيِّدانِ هَذا.

وقَدْ يَجِيءُ في أشْعارِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي أنَّ حُكْمَ السَحَرِ يَسْتَمِرُّ فِيما بَعْدَ الفَجْرِ، نَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطائِرُ المُسْتَحِرْ يُقالُ: أسْحَرَ واسْتَحَرَ إذا دَخَلَ في السَحَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: نَسِيمُ السَحَرِ، يَقَعُ لِما بَعْدَ الفَجْرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: يَجِدُ النِساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ فَقَدْ قَضى أنَّ السَحَرَ يَتَبَلَّجُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ، ولَكِنَّ حَقِيقَةَ السَحَرِ في هَذِهِ الأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ المَحْمُودِ، ومِن سَحُورِ الصائِمِ، ومِن يَمِينٍ لَوْ وقَعَتْ - إنَّما هي مِن ثُلُثِ اللَيْلِ الباقِي إلى الفَجْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني، فإنّه نشأ عن قوله: ﴿ زين للناس ﴾ [آل عمران: 14] المقتضي أنّ الكلام مسوق مساق الغضّ من هذه الشهوات.

وافتتح الاستئناف بكلمة ﴿ قل ﴾ للاهتمام بالمقول، والمخاطب بقل النبي صلى الله عليه وسلم والاستفهام للعرض تشويقاً من نفوس المخاطبين إلى تلقّي ما سيقصّ عليهم كقوله تعالى: ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ﴾ [الصف: 10] الآية.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمر، وأبو جعفر، ورُويس عن يعقوبَ: ﴿ أُونّبئكم ﴾ بتسهيل الهمزة الثانية واوَا.

وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، ورَوح عن يعقوب، وخلفٌ: بتخفيف الهمزتين.

وجملة ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات ﴾ مستأنفة وهي المنبَّأ به.

ويجوز أن يكون ﴿ للذين اتقوا ﴾ متعلقاً بقوله: «خيرٍ» و«جنّات» مبتدأ محذوف الخبر: أي لهم، أو خبراً لمبتدأ محذوف.

وقد ألغي ما يقابل شهوات الدنيا في ذكر نعيم الآخرة؛ لأنّ لذة البنين ولذة المال هنالك مفقودة، للاستغناء عنها، وكذلك لذة الخيل والأنعام؛ إذ لا دوابّ في الجنة، فبقي ما يقابل النساء والحرث، وهو الجنّات وَالأزواج، لأنّ بهما تمام النعيم والتأنّس، وزيد عليهما رضوان الله الذي حرُمه من جعل حظّه لذّات الدنيا وأعرض عن الآخرة.

ومعنى المطهّرة المنزّهة ممّا يعتري نساء البشر ممّا تشمئزّ مِنه النفوس، فالطهارة هنا حسية لا معنوية.

وعطف ﴿ رضوانٌ من الله ﴾ على ما أعدّ للذين اتّقوا عند الله: لأنّ رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي؛ لأنّ رضوان الله تقريب رُوحاني قال تعالى: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72] وقرأ الجمهور: ﴿ رِضوان ﴾ بكسر الراء وقرأه أبو بكر عن عاصم: بضم الراء وهما لغتان.

وأظهر اسم الجلالة في قوله: ﴿ ورضوان من الله ﴾ ، دون أن يقول ورضوان منه أي من ربّهم: لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان.

وجملة ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ اعتراض لبيان الوعد أي أنّه عليم بالذين اتّقوا ومراتببِ تقواهم، فهو يجازيهم، ولتضمّن بصير معنى عليم عدي بالباء.

وإظهار اسم الجلالة في قوله: ﴿ واللَّه بصير بالعباد ﴾ لقصد استقلال الجملة لتكون كالمَثَل.

وقوله: ﴿ الذين يقولون ﴾ عطف بيان ﴿ للذين اتقوا ﴾ وصفهم بالتقوى وبالتوجّه إلى الله تعالى بطلب المغفرة.

ومعنى القول هنا الكلامُ المطابق للواقع في الخبرِ، والجاري على فرط الرغبة في الدعاء، في قولهم: ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ إلخ، وإنّما يجري كذلك إذا سعى الداعي في وسائل الإجابة وترقّبها بأسبابها التي ترشد إليها التقوى، فلا يُجازَى هذا الجزاءَ من قال ذلك بفمه ولم يعمل لهُ.

وقوله: ﴿ الصابرين والصادقين ﴾ الآية صفات للذين اتّقوا، أو صفات للذين يقولون، والظاهر الأوّل.

وذكر هنا أصول فضائل صفات المتديّنين: وهي الصبر الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي.

والصدق الذي هو ملاك الاستقامة وبثّ الثقة بين أفراد الأمة.

والقنوت، وهو ملازمة العبادات في أوقاتها وإتقانها وهو عبادة نفسية جسدية.

والإنفاق وهو أصل إقامة أوَد الأمة بكفاية حاج المحتاجين، وهو قربة مالية والمال شقيق النفس.

وزاد الاستغفار بالأسحار وهو الدعاء والصلاة المشتملة عليه في أواخر الليل، والسحر سُدس الليل الأخيرْ؛ لأنّ العبادة فيه أشدّ إخلاصاً، لما في ذلك الوقت من هدوء النفوس، ولدلالته على اهتمام صاحبه بأمر آخرته، فاختار له هؤلاء الصادقُون آخرَ الليل لأنّه وقت صفاء السرائر، والتجرّد عن الشواغل.

وعطف في قوله: ﴿ الصابرين ﴾ ، وما بعده: سواء كان قوله: ﴿ الصابرين ﴾ صفة ثانية، بعد قوله: ﴿ الذين يقولون ﴾ ، أممِ كان ابتداء الصفات بعد البيان طريقة ثانية من طريقتي تعداد الصفات في الذكر في كلامهم، فيكون، بالعطف وبدونه، مثل تعدّد الأخبار والأحوال؛ إذ ليست حروف العطف بمقصورة على تشريك الذوات.

وفي «الكشاف»؛ أنّ في عطف الصفات نكْتة زائدة على ذكرها بدون العطف وهي الإشارة إلى كمال الموصوف في كلّ صفة منها، وأحال تفصيله على ما تقدم له في قوله تعالى: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ [البقرة: 4] مع أنّه لم يبيّن هنالك شيئاً من هذا، وسكت الكاتبون عن بيان ذلك هنا وهناك، وكلامه يقتضي أنّ الأصل عنده في تعدّد الصفات والأخبار ترك العطف فلذلك يكون عطفها مؤذناً بمعنى خصوصي، يقصده البليغ، ولعل وجهه أنّ شأن حرف العطف أن يُستغنَى به عن تكرير العامل فيناسب المعمولات، وليس كذلك الصفات، فإذا عُطفت فقد نُزلت كل صفة منزلة ذات مستقلة، وما ذلك إلاّ لقوة الموصوف في تلك الصفة، حتى كأنّ الواحد صار عدداً، كقولهم واحدٌ كألْف، ولا أحسب لهذا الكلام تسليماً.

وقد تقدم عطف الصفات عند قوله تعالى: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ في سورة البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الصّابِرِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الصّابِرِينَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ المَعاصِي.

والثّانِي: يَعْنِي في المَصائِبِ.

والثّالِثُ: الصّائِمِينَ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: الصّابِرِينَ عَمّا زُيِّنَ لِلنّاسِ مِن حُبِّ الشَّهَواتِ.

﴿ والصّادِقِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في قَوْلِهِمْ.

والثّانِي في القَوْلِ والفِعْلِ والنِّيَّةِ، والصِّدْقُ في القَوْلِ: الإخْبارُ بِالحَقِّ، والصِّدْقُ في الفِعْلِ: إتْمامُ العَمَلِ، والصِّدْقُ في النِّيَّةِ: إمْضاءُ العَزْمِ.

﴿ والقانِتِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي المُطِيعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: مَعْناهُ القائِمُونَ عَلى العِبادَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ والمُنْفِقِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: في الجِهادِ.

والثّانِي: في جَمِيعِ البِرِّ.

﴿ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها يَعْنِي المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُسْتَغْفِرُونَ قَوْلًا بِالأسْحارِ يَسْألُونَ اللَّهَ تَعالى المَغْفِرَةَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم يَشْهَدُونَ الصُّبْحَ في جَماعَةٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسَّحَرُ مِنَ اللَّيْلِ هو قُبَيْلَ الفَجْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ الصابرين...

﴾ الآية.

قال: ﴿ الصابرون ﴾ قوم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه ﴿ والصادقون ﴾ قوم صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السر والعلانية ﴿ والقانتون ﴾ هم المطيعون ﴿ والمستغفرون بالأسحار ﴾ هم أهل الصلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: ﴿ الصابرين ﴾ على ما أمر الله ﴿ والصادقين ﴾ في إيمانهم ﴿ والقانتين ﴾ يعني المطيعين ﴿ والمنفقين ﴾ يعني من أموالهم في حق الله ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ يعني المصلين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ قال: هم الذين يشهدون صلاة الصبح.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه كان يحيي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا فيقول: لا.

فيعاود الصلاة فإذا قال: نعم.

قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أنس بن مالك قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة» .

وأخرج ابن جرير عن جعفر بن محمد قال: من صلى من الليل ثم استغفر في آخر الليل سبعين مرة كتب من المستغفرين.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي سعيد الخدري قال: بلغنا أن داود عليه السلام سأل جبريل عليه السلام فقال: يا جبريل أي الليل أفضل؟

قال: يا داود ما أدري إلا أن العرش يهتز في السحر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

[و] (١) ﴿ الصَّابِرِينَ ﴾ قال ابن عباس (٢) (٣) ﴿ وَالصَّادِقِيَن ﴾ : قال قتادة (٤) ومعنى الصدق: الإخبار بالشيء على ما هو به (٥) ﴿ وَالْقَانِتِينَ ﴾ (٦) (٧) ﴿ وَالْمُنْفِقِينَ ﴾ قال ابن عباس (٨) (٩) ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ .

السَّحَر: الوقت الذي قبيل (١٠) (١١) (١٢) قال زهير (١٣) بَكَرْنَ بُكورًا، واسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ (١٤) والمُسْتَحِرُ من الطَّيْرِ: ما يَصيحُ (١٥) (١٦) قال امرؤ القيس: إذا طَرَّبَ الطائرُ المُسْتَحِرْ (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) ونذكر كلام النحويين في ترك إجراء (سحر) عند قوله: ﴿ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ  ﴾ إن شاء الله.

قال ابن عباس (٢١) ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ : يريد: المصلين صلاة الصبح (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال مجاهد (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال الزجَّاج (٢٨) (٢٩) (١) ما بين المعقوفين زيادة من: (د).

(٢) لم أقف على مصدر قوله.

(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج)، (د).

(٤) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 207 - 208، و"ابن أبي حاتم" 2/ 614، "الثعلبي" 3/ 20 أ، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 20، ونسب إخراجه لعبد بن حميد.

(٥) انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 478 (صدق)، و"التوقيف على مهمات التعاريف" 450.

(٦) في (د): (والقانتين).

(٧) وبه قال: ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والشعبي، وجابر بن زيد، وعطاء، وابن جبير، والضحاك، والحسن البصري، وعطية، وطاوس، وغيرهم.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 507 - 508، 2/ 568 - 571.

ومن معاني (القنوت): السكوت، وبه فُسر قوله تعالى ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ  ﴾ .

ومنها: طول القيام، وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ ﴾ الزمر: 9؛ أي: مصلٍّ، فسمى الصلاة قنوتًا؛ لأنها تكون بالقيام.

وقيل للدعاء: (قُنُوت)؛ لأنه يُفْعَل أثناء القيام في الصلاة.

ومن معانيه: الإقرار بالعبودية؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ  ﴾ .

ولكن ابن قتيبة أرجع كل هذه الوجوه إلى معنى: (الطاعة)، وقال معللًا: الأن جميع هذه الخلال: من الصلاة، والقيام فيها، والدعاء، وغير ذلك يكون عنها).

وإليه ذهب الطبري، وجعل الطاعة هي أصل القنوت، وكل المعاني راجعة إليها.

انظر: "تأويل مشكل القرآن" 451 - 452، "تفسير الطبري" 5/ 571 - 572، "تحصيل نظائر القرآن" للحكيم الترمذي: 50، "مفردات ألفاظ القرآن" 684 - 685 (قنت)، "نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي: 483.

(٨) لم أقف على مصدر قوله.

(٩) ما بين المعقوفين زيادة من: (د).

(١٠) في (د): (قبل).

وهكذا وردت هذه العبارة في "معاني القرآن" للزجَّاج: 1/ 385.

(١١) في (د): (إذا).

(١٢) انظر: (سحر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1641، "اللسان" 4/ 1952 - 1953.

(١٣) هو: زهير بن أبي سلمى (ربيعة) بن رباح.

شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.

(١٤) تمامه: فَهُنَّ ووادي الرَّسِّ كاليد للفَمِ وهو، في "ديوانه" ص 10، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري: 250، "تهذيب اللغة" 2/ 1640 (سحر)، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: ص 76، "شرح القصائد العشر" للتبريزي: 109.

(١٥) في (أ): (يُصبح).

والمثبت من بقية النسخ، وهو ما استصوبته لموافقته للمعنى المساق.

(١٦) (فيه): ساقطة من: (ج).

وانظر هذا المعنى في "جمهرة اللغة" 511.

(١٧) عجز بيت، وصدره: يُعَلُّ به بَرْدُ أنيابها وهو في (ديوانه) ص 69، "جمهرة اللغة" 511، "اللسان" 5/ 2649 (طرب)، 4/ 1953 (سحر)، 6/ 3670 (قطر) "خزانة الأدب" 9/ 231.

وورد في "الجمهرة" (..

إذا غَرَّد ..) وفي "اللسان" 5/ 2649 (كما طرَّبَ ..)، وفي: 6/ 3670 (يُعَلُّ بها ..)، ويروى: (إذا صوت الطائر ..).

وقوله: (يُعَلُّ)؛ من: (عَلَّه، يَعِلُّه، ويَعُلُّه، عَلَّا، وعلَلا)، وهو: السقيا بالخمر، مرةً بعد مرة.

انظر: "ديوانه" ص 69.

(١٨) في (أ): (داسحر)، (ب): (ذاسحر)، والمثبت من: (ج)، (د)، وهو الصواب.

(١٩) في (د): (رحل).

(٢٠) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1640.

وفي "جمهرة اللغة" 511 (وأسْحرَ القومُ إسْحارًا: إذا خرجوا في وقت السَّحر).

(٢١) لم أقف على مصدر قوله.

(٢٢) ويريد هنا المصلين صلاة الصبح في جماعة.

(٢٣) الأثر عنه في "مصنف ابن أبي شيبة" 7/ 193 (35176)، "تفسير الطبري" 3/ 209، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 615 - 616، "تفسير الثعلبي" 3/ 20 ب، "النكت والعيون" للماوردي: 1/ 378، "تفسير البغوي" 2/ 16.

وهو: أبو عبد الله، أو أبو أسامة، زيد بن أسلم العَدوي المدني، مولى عمر  ، ثقة عالم كثير الحديث، كانت له حلقة علم في مسجد النبي  ، وله تفسير يرويه ابنه عبد الرحمن، توفي سنة 136 هـ).

انظر: "الطبقات الكبرى" (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة.

تحقيق د.

زياد منصور) 314، "تقريب التهذيب" ص 222 (2117)، "طبقات المفسرين" للداودي: 1/ 182.

(٢٤) الأثر عنه في "تفسير الثعلبي" 3/ 20 ب.

ولكن يرد على هذ القول: أن صلاة الصبح يبدأ وقتها بعد انتهاء وقت السَّحر، فكيف تدخل في المعنى؟!

اللهم إلا أن يُراد أن التصاق وقت صلاة الصبح بوقت السحر وقربه المباشر له أدخل صلاة الصبح فيه استتباعًا، والعرب تقول: (لقيته بأعلى سَحرَين)، و (أعلى السَّحرَين)، لأنه أول تنفس الصبح.

انظر: "اللسان" 4/ 1953.

ولكن هذا التخريج أرى فيه تكلفًا، والله أعلم.

ولذا استغربَ الكرمانيُّ إيرادَ الواحدي لهذا القول، فقال: والعجيب: قول الواحدي: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ : المصلين صلاة الصبح، فإن == الإجماع على أن الصائم يتناول الطعام في السحر، فكيف تصح صلاة الصبح فيه؟).

"غرائب التفسير" 1/ 247.

ويقصد الكرماني: أن وقت السَّحر متميز ومختلف عن وقت صلاة الصبح، الذي يَحرُمُ فيه الأكلُ على الصائم، وتصح فيه صلاة الصبح، فجواز أكل الطعام للصائم في السحر، فيِه دلالة على عدم دخول وقت الصبح، فكيف تصح فيه صلاة الصبح؟!

فافترق وقت الصبح عن السحر، لغة، واصطلاحًا؛ بما ميَّز الشرعُ كلَّ وقت بحكم.

هذا والله أعلم.

(٢٥) الأثر عنه في "تفسير الثعلبي" 3/ 20 ب، "زاد المسير" 1/ 361.

(٢٦) الأثر عنه في "تفسير الطبري" 3/ 208، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 615، "تفسير الثعلبي" 3/ 20 ب، "النكت والعيون" 1/ 378، "تفسير البغوي" 2/ 16.

(٢٧) قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 51 بعد أن ذكر بعض الوجوه في تفسير معنى الاستغفار هنا، ومنها ما سبق معنا: (وهذا كله يقترن به الاستغفار).

(٢٨) في "معاني القرآن" له: 1/ 385 نقله عنه بتصرف واختصار.

(٢٩) في (ج): عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم ﴾ تفضيل للآخرة على الدنيا ليرغب فيها.

وتمام الكلام في قوله: ﴿ مِّن ذلكم ﴾ ثم ابتدأ قوله: ﴿ لِلَّذِينَ اتقوا ﴾ تفسيراً لذلك، فجنات على هذا مبتدأ وخبره للذين اتقوا، وقيل: إن قوله للذين اتقوا متعلق بما قبله.

وتمام الكلام في قوله: عند ربهم، فجنات على هذا خبر مبتدأ مضمر ﴿ ورضوان مِّنَ الله ﴾ زيادة إلى نعيم الجنة، وهو أعظم من النعيم حسبما ورد في الحديث ﴿ الذين يَقُولُونَ ﴾ نعتٌ للذين اتقوا، ورفع بالابتداء، أو نصب بإضمار فعل ﴿ الصادقين ﴾ في الأقوال والأفعال ﴿ والقانتين ﴾ العابدين والمطيعين ﴿ والمستغفرين ﴾ الاستغفار هو طلب المغفرة قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف نستغفر؟

فقال: قولوا اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ﴿ بالأسحار ﴾ جمع سحر وهو آخر الليل يقال: إنه الثلث الأخير، وهو الذي ورد أن الله يقول حينئذٍ: «من يستغفرني فأغفر له» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سيغلبون ويحشرون ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون بالياء ﴿ مثليهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ﴿ بجنتيهم  ﴾ ﴿ رأى العين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون بهمزة ساكنة ﴿ أونبئكم ﴾ بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون.

﴿ آونبئكم ﴾ بالمد والواو المضمومة: يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب.

الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة.

﴿ ورضوان ﴾ بضم الراء حيث كان: الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في ﴿ من اتبع رضوانه  ﴾ في المائدة ﴿ أن الدين ﴾ بفتح "إن" علي.

الباقون بالكسر.

﴿ وجهي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.

﴿ ومن اتبعني ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ ويقاتلون الذين ﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير.

الباقون ﴿ ويقتلون ﴾ .

﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: أبو جعفر.

الباقون بالعكس.

/ الوقوف: ﴿ جهنم ﴾ ط، ﴿ المهاد ﴾ ه، ﴿ التقتا ﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما.

﴿ العين ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ه، ﴿ والحرث ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين.

﴿ المآب ﴾ ج ﴿ من ذلكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام.

﴿ من الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ج للاية على جعل "الذين" خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على "أعني الذين" ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين.

﴿ النار ﴾ ج لأن "الصابرين" يصلح بدلاً من "الذين" والوقف أجود نصباً على المدح.

﴿ بالأسحار ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف،ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً.

﴿ بالقسط ﴾ ط، ﴿ الحكيم ﴾ ط إلا لمن قرأ "إن" بالفتح على البدل من "أنه" ﴿ الإسلام ﴾ ه، ﴿ بينهم ﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله.

﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿ أأسلمتم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ اهتدوا ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.

﴿ البلاغ ﴾ ط، ﴿ بالعباد ﴾ ه، ﴿ بغير حق ﴾ ز لمن قرأ ﴿ ويقاتلون ﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿ يقتلون ﴾ ﴿ أليم ﴾ ه، ﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود.

﴿ من ناصرين ﴾ ه، ﴿ معرضون ﴾ ه، ﴿ معدودات ﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال.

﴿ يفترون ﴾ ه، ﴿ يظلمون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: "لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت يهود المدينة: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا ترد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه.

ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى.

فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله  شكوا فقالوا: لا والله ما هو به.

وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا.

وكان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد.

وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة.

ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية" .

وقال محمد بن إسحق بن يسار في رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس: "لما أصاب رسول الله  قريشاً ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.

فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة.

أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس" فأنزل الله ﴿ قل للذين كفروا ﴾ يعني اليهود ﴿ ستغلبون ﴾ / تهزمون ﴿ وتحشرون إلى جهنم ﴾ في الآخرة.

ومعنى جهنم قد مر في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ولبئس المهاد  ﴾ وقيل: هم مشركو مكة ﴿ ستغلبون ﴾ يعني يوم بدر من قرأ بتاء الخطاب فمعناه الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر بأي لفظ أراد  ، ومن قرأ بالياء فالأمر متوجه إلى حكاية هذا اللفظ أي قل لهم قولي لك: ﴿ سيغلبون ﴾ .

وفي الآية حجاج للقائل بتكليف ما لا يطاق، فإنه  أخبر عنهم بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب الخبر كذباً.

وفيها دليل على صحة البعث والحشر بإخبار الصادق وفي قوله ﴿ ستغلبون ﴾ وقد وقع كما أخبر إخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدق النبي  .

نظيره في حق عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم  ﴾ ثم إنه  ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ يوم بدر ﴿ فئة ﴾ إحداهما جماعة ﴿ تقاتل في سبيل الله ﴾ وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ﴿ وفئة ﴾ أخرى ﴿ كافرة ﴾ هم كفار قريش.

وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه: أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها: قلة العَدَدِ والعُدَدِ، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان.

ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا.

ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله  ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني.

كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات.

وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة.

وثانيها أنه  كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله  ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين  ﴾ يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان.

وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز.

وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة.

ورابعها قوله ﴿ يرونهم مثليهم ﴾ وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في "يرون" إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ﴿ مثليهم ﴾ إلى كل منهما فهذه أربعة: الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.

الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم.

ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في "يرون" إلى /الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه  جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله ﴿ قد كان لكم آية ﴾ فوجب أن يكون الراؤون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة.

والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال ﴿ ويقللكم في أعينهم  ﴾ لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا.

على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية.

الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون.

فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله  : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا.

الاحتمال الرابع أن يكون الراؤون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك.

وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة.

وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي.

أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل: لعل الله  أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً.

وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون ﴿ مثليهم ﴾ نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله: ﴿ رأى العين ﴾ لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات.

وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات.

وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض.

أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله  في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل.

﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد.

﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكره من / الآية ﴿ لعبرة ﴾ نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم ﴿ لأولي الأبصار ﴾ ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين.

ثم ذكر ما هو كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه ﴿ زين للناس ﴾ اللذات الجسمانية والآخرة.

وهي عالم الروحانيات - خير وأبقى، وأنها معدة لمن واظب على العبودية واتصف بالخصال الحميدة.

وأما ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد  إلا أنه يمنعه من اتباعه حب المال والجاه.

وروينا أيضاً أنه  لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالعدة والعدد، فبيّن الله  في هذه الآية أن تلك الأشياء متاع الدنيا وزينتها، والآخرة خير.

والمزين هو الله  .

أما عند الأشاعرة فلأنه خالق أفعال العباد كلها، ولو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان؟

وأما عند جمهور المعتزلة فلحكمة الابتلاء ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً  ﴾ ولأنها وسائل إلى منافع الآخرة وهو أن يتصدق بها أو يتقوى بها على طاعة الله أو يشتغل بشكرها.

كان الصاحب بن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب.

ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان أشق له وأكثر ثواباً.

وعن الجبائي واختاره القاضي، أن كل ما كان واجباً أو مندوباً أو مباحاً فالتزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان.

وحكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله على ذلك.

واحتجاجه في الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات، وإن تزيينها وظيفة الشيطان.

وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده.

وقال في معرض الذم ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ والذام للشيء لا يكون مزيناً له.

وقال ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزيناً لها؟.

ثم إنه  جعل الأعيان المشتهاة شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها وذلك للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور "قدرة" وللمرجو "رجاء".

وفيه فائدة أخرى هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية.

فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها.

قال المتكلمون: في الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون مغايراً للمضاف إليه.

فالشهوة من فعل الله  ، والمحبة من أفعال العباد، وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات.

واعلم أن الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة، ومنه قوله  حكاية عن سليمان /  ﴿ إني أحببت حب الخير  ﴾ ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير.

فقوله: ﴿ حب الشهوات ﴾ قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة.

ولفظ ﴿ الناس ﴾ عام فظاهره يقتضي أن هذا المعنى عام لجميع الناس ولا شك أنه موجود في الأغلب وفي أكثر الأوقات فلا يبعد التعميم، فطالما أعطى للأغلب حكم الكل.

على أن من همته بجوامعها مقصورة على طلب اللذات الروحانية في غاية الندرة، وبقاء ذلك النادر في جميع الأحيان على ذلك الخاطر أعز وأمنع.

ثم شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة  ﴾ وقال  : " إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" " الثانية الأولاد ولا سيما البنين ولهذا خصوا بالذكر، ومحبة النساء والأولاد كأنها حالة غريزية ولولاها لم يتصور بقاء النسل للحيوانات.

الثالثة والرابعة القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ومنه القنطرة.

والمال الكثير قنطار لأن الإنسان يتوثق بها في دفع النوائب.

أبو عبيد: إنه وزن لا يحد.

روى أبو هريرة عن النبي  : " "القنطار اثنا عشر ألف أوقية " وروى أنس عنه هو ألف دينار.

وروى أبي بن كعب عنه هو ألف ومائتا أوقية.

وقال ابن عباس: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية.

وبه قال الحسن.

وزعم الكلبي أن القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة.

وعن سعيد بن جبير أنه مائة ألف دينار.

والمقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم "ألف مؤلفة وبدرة مبدّرة وإبل مؤبلة".

قال الكلبي: القناطير ثلاثة والمقنطرة المضاعفة فكان المجموع ستة.

وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء.

وكل الصيد يوجد في الفرا *** ولولا التقى لقلت جلت قدرته وصفة المالكية هي القدرة، وأنها صفة كمال والكمال محبوب لذاته.

والخامسة الخيل المسوّمة قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لاختيالها وهو جولانها في مشيتها.

ويسمى الخيال خيالاً لجولان هذه القوة في استحضار الصور.

والمسومة قيل المرعية.

أسمت الدابة وسوّمتها إذا أرسلتها في مرجها للرعي.

ولا شك أنها إذا رعت ازدادت حسناً وبهاء.

وقيل: هي المعلمة من السومة / العلامة.

ثم اختلفوا في تلك العلامة فعن أبي مسلم: الغرة والتحجيل، وقال الأصم: هي البلق.

وقال قتادة: الشية - وقيل: الكي.

وقال مجاهد وعكرمة: المسومة المطهمة أي الحسان.

قال الأصمعي: رجل مطهم وفرس مطهم وفرس مطهم أي تام، كل شيء على حدته فهو بارع الجمال.

السادسة الأنعام وهو جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم.

ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.

السابعة الحرث وهو الزراعة ذلك الذي ذكر متاع الحياة الدنيا لأن وجوه الانتفاعات الدنيوية للإنسان إما أن تكون من بني نوعه أو من غيره.

والأول أصل وهو المرأة وفرع وهو الولد، وإنما فرض الكلام في الذكور لشرفهم.

والثاني إما أن تكون من المعدنيات وأكثرها فائدة وأعمها عائدة الجوهران الثمينان فخصا بالذكر، وإما أن تكون من الحيوانات للركوب والكر والفر وهو الخيل، أو للحمل واللحم وهو الأنعام، وإما أن تكون من النباتات وهو الحاصل من الزراعة وإنما لم يتعرض للدور والقصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب، والقرآن يخاطب أولاً معهم.

﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ أي المرجع.

وإنما لم يذكر المآب القبيح وهو النار لأنها غير مقصودة بالذات لأنه  خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولهذا قال: " "سبقت رحمتي غضبي" " ثم بيّن أن ذلك المرجع كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا.

والمقصود أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأفسح من بطن الأم فكذلك الآخرة أفسح وأوسع من الدنيا، أو لأنه لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ قل أؤنبئكم بخير ﴾ أي بشيء هو خير ﴿ من ذلكم ﴾ الذي عددنا.

ثم استأنف بيانه وتقريره فقال: ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات ﴾ كما تقول: هل أدلكم على حبر خير من فلان؟

عندي رجل من صفته كيت وكيت.

وبيان الخيرية ظاهر من وصف الجنات والأزواج مع قيد الخلود، فإن النعمة وإن عظمت، فتوهم الانقطاع والزوال ينغص صفوها وينقص لذتها، وبعد زوال هذا الوهم لن يتكامل طيبها إلا بالنساء فبهن يحصل الأنس.

ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة فقال: ﴿ مطهرة ﴾ أي من الأقذار والمنفرات.

وبعد ذكر تمام النعمة ذكر ماهو فوق التمام فقال: ﴿ ورضوان من الله ﴾ ويندرج فيه جميع المطالب والمقاصد لأن العبد إذا رضي عنه المولى لم يتصور منصب أجل منه وأعلى، وكأن المولى وما يملكه للعبد، كما أن العبد وما يملكه للمولى ﴿ ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم  ﴾ ويحتمل أن يكون اللام في قوله: ﴿ للذين اتقوا ﴾ متعلقاً بخير.

واختص المتقين لأنهم /هم المنتفعون به ويرتفع ﴿ جنات ﴾ على الخبر أي هو جنات ويعضده قراءة بعضهم ﴿ جنات ﴾ بالجر على البدل من ﴿ خير ﴾ وذلك أن اللام في هذه القراءة يتعين أن يكون متعلقاً بخير.

وقوله: ﴿ عند ربهم ﴾ يحتمل أن يتعلق بما يتعلق بما تعلق به قوله: ﴿ للذين ﴾ أي ثبت لهم عند ربهم.

ويحتمل أن يكون صفة لخير، ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ اتقوا ﴾ فيكون إشارة إلى أن هذا الثواب لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله  فلا يدخل فيه إلا من كان مؤمناً في علم الله ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختار لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا، أو بصير بهم يثيب ويعاقب بحسب الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا ربهم وبأحوالهم فلذلك أعدّ لهم الجنات ﴿ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة.

وقد حكى الله  ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فقيل: دل ذلك على أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن العمل الصالح لو كان داخلاً فيه كما زعموا كان إدخاله في النار قبيحاً عندهم فيكون ممتنع الوقوع من الله  ، وضده واجب الوقوع، وسؤال الواجب وقوعه عبث فلا يصلح للمدح.

ويمكن أن يجاب عنه بأن العبد قد يدعو بما يعلم أنه حاصل له إظهار الذل و العبودية وإبداء للاستكانة والخشوع.

وأيضاً صورة العمل الصالح لا تفيد ما لم تقع في حيز القبول.

فعلى المتقي أن لا يتكل عليها ويبتهل إلى الله في مواجب الغفران.

ثم عدد من أوصاف عباده خمسة ووسط العاطف بينها دلالة على كمالهم في كل واحد منها، أو إشارة إلى أن كل واحد منها يكفي في استحقاق المدح والثواب فقال: ﴿ الصابرين ﴾ أي في أداء الطاعات وعلى ترك المحظورات وعند المحن والشدائد.

وقف رجل على الشبلي فقال: أيّ صبر أشد على الصابرين؟

فقال: الصبر في الله  .

فقال: لا.

فقال: الصبر لله.

فقال: لا.

فقال: الصبر مع الله.

قال: لا.

قال: فأي شيء؟

قال: الصبر عن الله.

فصرخ الشبلي صرخة كاد يتلف روحه.

﴿ والصادقين ﴾ أي في الأقوال وفي الأفعال بأن لا ينصرف عنها قبل تمامها، وفي النيات بأن يمضي العزم على الخيرات.

﴿ والقانتين ﴾ والمقيمين على الطاعات والمواظبين عليها ﴿ والمنفقين ﴾ ما تيسر على من تيسر بشروطه ومصارفه وجوباً وندباً ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ أي فيها.

والسحر قبل طلوع الفجر.

وخص هذا الوقت لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا ليلهم وذلك نهارهم.

وللاستغفار بالأسحار مزيد آثار وأنوار لأن السحر وقت النوم والغفلة، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة عرض الذلة على حضرة العزة لا يبعد أن يفيض عليه سجال المغفرة وأن يطلع صبح العالم الصغير عند طلوع صبح العالم الكبير فيستنير قلب المؤمن بأنوار المعارف وآثار اللطائف.

أما بيان ترتيب الأوصاف، / فالصبر يشمل أداء جميل التكاليف.

ثم الإنسان قد يلتزم من نفسه ما هو غير واجب عليه، فالصادق من يخرج عن عهدة ذلك ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه  ﴾ ثم المواظبة على سلوك سبيل الخيرات أمر محمود فأشير إلى ذلك بقوله: ﴿ والقانتين ﴾ ثم إن ههنا أمرين يعينان على الطاعة: الخدمة بالمال والابتهال والتضرع إلى حصرة القدس والجلال وذلك قوله: ﴿ والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ﴾ فقوله: ﴿ والمنفقين ﴾ معناه الشفقة على خلق الله وباقي الأوصاف حاصله التعظيم لأمر الله.

قال الكلبي: "لما ظهر رسول الله  بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي  الذي يخرج في آخر الزمان!

فلما دخلا على النبي  عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت محمد؟

قال: نعم.

قالا: وأنت أحمد؟

قال: نعم.

قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك.

فقال لهما رسول الله  : سلاني.

قالا: أخبرنا من أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله  " .

ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله: ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ ثم بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية.

واعلم أن الشهادة من الله  ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك.

أما الأول فتقريره من وجهين: أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله  وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم.

أما من الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، التمسك بالدلائل السمعية في هذه المسألة جائز لأن العلم بنبوّة محمد  لا يتوقف على العلم بها.

وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحداينة الله  بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضاً أن الله واحد لا شريك له.

وثاني الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان.

فالله  أظهر ذلك وبيّن بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه.

أيضاً الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق.

فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان.

فأما مفهوم الإظهار والبيان فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي  : إن وحدانية الله  أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فأثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.

وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله  على / توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله  : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.

فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله.

فكيف يكون المدعي شاهداً؟

فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ذلك ولهذا قال: ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ وفي انتصاب ﴿ قائماً بالقسط ﴾ وجوه: الأول أنه حال مؤكدة والتقدير: شهد الله قائماً بالقسط، أو لا إله إلا هو قائماً بالقسط.

وهذا أوجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضياً للعدالة مثل: هذا أبوك عطوفاً.

أو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً.

ويحتمل أن يكون حالاً من "أولي العلم" أي حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة.

الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو.

وقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف.

الثالث أن يكون نصباً على المدح وإن كان نكرة كقوله: ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثاً مراضيع مثل السعالى ومعنى كونه قائماً بالقسط قائماً بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي يجريه على سن الاستقامة، أو مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآحال، ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم.

واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا.

ومركوز في العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية التسوية ورعاية الأصلح عموماً أو خصوصاً.

فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادىء والغايات، فانظر في كيفية خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب.

ثم انظر في كيفية خلقه العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها حكمة وعدالة.

وانظر إلى تفاوت الخلائق / في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله  لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله.

فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه  واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء.

فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد.

ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله  ، ولا خالق إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو.

وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك: الدليل دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله.

وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه هو المسك ما كررته يتضوّع *** ثم أكد كونه منفرداً بالألوهية وقائماً بالعدل بقوله: ﴿ الغزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم.

ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى.

والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة.

سميت ديناً لأنها سبب الجزاء.والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص العبادة من قولهم: "سلم له الشيء" أي خلص له.

والإسلام في عرف الشرع يطلق تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله  : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا  ﴾ ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد ههنا.

وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد.

أما التوحيد فأن يعلم أن الله  لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو به، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه / عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبداً منقاداً معترفاً بأنه  قائم بالقسط.

ومن قرأ بفتح "أن" فتقديره عند البصريين ذلك بدل من الأول، بدل الكل فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** وقيل: تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام.

وقيل: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام.

لأن كونه  واحداً يوجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الواحدانية.

وقرىء الأول بالكسر والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض.

ثم ذكر أنه أوضح الدلائل وأزل الشبهات، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم فقال: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم اليهود واختلافهم أن موسى عليه موسى  لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلاً من الأحبار وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم التوراة بغياً بينهم وتحاسداً على طلب الدنيا.

وقيل: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى  بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله.

وقيل: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

وأنكروا نبوة محمد  وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن أهل كتاب.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم.

لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو بعيد قاله في التفسير الكبير.

﴿ ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ﴾ لا يصعب عليه عدة أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة، أو المراد أنه سيصل إلى الله سريعاً فيحاسبه أي يجازيه على كفره.

ثم بين للرسول  ما يقوله في محاجتهم فقال: ﴿ فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ قال الفراء: أي أخلصت عملي لله.

فعلى هذا "الوجه" في معنى العمل.

وقيل: أي أسلمت وجه عملي لله.

فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال.

فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله والانقياد لإلهيته وحكمه.

وقيل: الوجه مقحم، والتقدير: أسلمت نفسي لله، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف على عبادته معرض عن كل ما سواه، وقوله: ﴿ ومن اتبعن ﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿ أسلمت ﴾ وحسن للفصل.

أو مفعول معه والواو بمعنى "مع".

ثم في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه  كان قد أظهر المعجزات / كالقرآن ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وقد مر في هذه السورة إبطال إلهية عيسى وإثبات نبوة محمد  .

ثم بيّن نفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ وذكر أن اختلاف هؤلاء اليهود والنصارى إنما هو لأجل البغي والحسد فلم يبق إلا أن يقول: أما أنا ومن اتبعن فمنقادون للحق مستسلمون له مقبلون على عبودية الله  .

وهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.

وثانيهما أن قوله: ﴿ أسلمت ﴾ محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه  قال هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا متمسك بهذا القدر المتفق عليه وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك.

فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان.

فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ونظير هذه الآية ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً  ﴾ وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم  ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ كأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ والأميين ﴾ وهم مشركو العرب الذين لا كتاب لهم ﴿ أأسلمتم ﴾ ومعناه الأمر وفائدته التعيير بالعناد وقلة الإنصاف كقولك لمن لخصت له المسئلة ولم تأل جهداً في سلوك طريقة الكشف والبيان له: هل فهمتها؟

فإنه يكون توبيخاً له بالبلادة وكلال الذهن ومثله في آية تحريم الخمر ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء.

﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ إلى ما يهدي الله إليه أو إلى الفوز والنجاة في الآخرة ﴿ وإن تولوا ﴾ أعرضوا عن الإسلام لي والاتباع لك ﴿ فإنما عليك البلاغ ﴾ .

ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الرشاد ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ يوفق للصلاح من شاء ويترك على الضلالة من أراد.

ثم وصف المتولي بصفات ثلاث وأردفه بوعيده فقال: ﴿ إن الذين يكفرون بآيات الله ﴾ أي ببعضها المعهود لأن اليهود كانوا مقرين ببعض الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وشيء من المعاد أو بكلها كما هو ظاهر الجمع المضاف، وتوجيهه أن المكذب ببعض آيات الله كالكافر بجميعها ﴿ ويقتلون النبيين ﴾ أي المعهودين لأنهم ما قتلوا كلهم ولا أكثرهم ﴿ بغير حق ﴾ من غير ما شبهة عندهم ﴿ ويقتلون ﴾ أو يقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.

عن الحسن أن في الآية دلالة على أن الآمر / بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزل الأنبياء فلهذا ذكرهم عقيبهم.

"وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله  فقال: أيّ الجهاد أفضل؟

فقال  : أفضل الجهاد كلمة حق عند سطان جائر" .

فإن قيل: إذا كان قوله: ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ في حكم المستقبل لا أقل من الحال لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول الله، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح الكلام؟

قلنا: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله  والمؤمنين جميعاً، إلا أنه  عصمهم منهم فصح إطلاق القاتل عليهم كما يقال: السم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل.

أو نقول: وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك.

عن أبي عبيدة بن الجراح "قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟

قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية.

ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة.

فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار" ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ إنما دخلت الفاء لتضمن اسم "إن" معنى الشرط، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف "ليت" و"لعل".

واعلم أنه  قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم، واستعارة البشارة ههنا للتهكم.

الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية، وأما في الآخرة فكما قال عز من قائل ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً  ﴾ الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ عن ابن عباس قال: "دخل رسول الله  بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟

فقال: على ملة إبراهيم.

فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً.

فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا" فنزلت.

وقال الكلبي: نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله  فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه  وسوف تجيء القصة في سورة المائدة مفصلة.

وقيل: دعاهم النبي  أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت.

ومعنى قوله: ﴿ أوتوا نصيباً ﴾ أي حظاً وافراً من علم الكتاب يريد أحبار اليهود.

و"من" إما للتبعيض وإما للبيان.

والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها.

/ وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم.

ثم بين سبب التعجيب بقوله: ﴿ يدعون إلى كتاب الله ﴾ وهو التوراة كما مر في أسباب النزول، ولأنه  عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم، وإنما يتوجه التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته.

وعن ابن عباس أنه القرآن وليس ببعيد لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله  ، فحذف الثاني للعلم به.

أو يراد الحكم في الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله  رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، قال في الكشاف: والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم ومعنى "ثم" استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي ﴿ وهم معرضون ﴾ قوم لا يزال الإعراض ديدنهم وهجيراهم.

والضمير في "هم" إما أن يرجع إلى الفريق أي هم جامعون بين التولي والإعراض لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر المقامات.

وإما أن يرجع إلى الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم.

وإما أن يرجع إلى كل أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ذلك التولي والإعراض، أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعها فقالوا: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات  ﴾ هي أيام عبادة العجل فاستوجبوا الذم من وجوه: أحدها استقصار مدة العذاب ومن أين لهم العلم بذلك؟

وثانيها أن عبادة العجل كفر والكفر يستحق به الكافر عذاباً دائماً.

وثالثها أن استثناء الأيام المعدودات فقط فيه دليل على أنهم استحقروا تكذيب محمد  والقرآن وذلك كفر صريح.

﴿ وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ من قولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أو من قولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً  ﴾ أو من قولهم "نحن أولى بالنبوة من قريش" أو من زعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم.

﴿ فكيف ﴾ يصنعون؟

أو فكيف حالهم؟

وفي هذا الحذف فخامة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من العذاب ﴿ إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ قال الفراء: إذا قلت جمعوا اليوم الخميس معناه جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس.

أما إذا قلت: جمعوا في يوم الخميس فلا تضمر فعلاً.

وأيضاً من المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة والفرق بين المثاب والمعاقب.

﴿ ووفيت كل نفس ما كسبت ﴾ من ثواب أو عقاب أو جزاء / ما عملت ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس تريد ثلاثة أناسي.

روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الإشهاد ثم يأمر بهم إلى النار.

التأويل: ﴿ ستغلبون ﴾ إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا ﴾ \[المؤمنون: 106\] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا.

فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه.

﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ إن لله  فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله: ﴿ زين للناس ﴾ .

واعلم أنالله خلق الخلق على طبقات ثلاث: العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والغالب فهيم المحبة والشوق.

ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات.

فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  ﴾ وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى.

ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ ورضوان من الله ﴾ والإيمان ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات.

والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك.

ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله: ﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ وإنما طلبوا قرب المولى ﴿ للذين أحسنوا الحسنى  ﴾ ﴿ شهد الله ﴾ بكلامه / الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿ أنه لا إله إلا هو ﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات.

شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.

فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم.

ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها  ﴾ .

لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي فحقيقة معنى الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم.

ثم فائدة التكرار بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ﴿ لا إله إلا هو العزيز ﴾ الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية ﴿ الحكيم ﴾ الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة.

﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة.

﴿ ويقتلون النبيين ﴾ الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً / من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله؟

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ ﴾ .

أي: الشيهات.

﴿ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ ﴾ .

وما ذكر ...

إلى آخره.

قال الحسن: واللهِ ما زيّنها إلا الشيطان؛ إذ لا أحد أذم لها ولأهلها من الله  ، وإليه يذهب المعتزلة، لكن الأصل في هذا وفي أمثاله: أن الله - عز وجل - زيَّن هذه الأشياء، والتزيين من الله [-  ] وتعالى - يقع لوجهين، وكذلك الكراهة - أيضاً - تقع لوجهين: تزين في الطباع، والطبع يرغب فيما يتلذذ ويُشْتَهي، وإن لم يكن في نفسه حَسَناً.

وتزين في العقل، فلا يتزين في العقل إلا فيما ثبت حسنه بنفسه، أو الأمر او حمد العاقبة ونحو ذلك، ثم جعل العقل مانعاً له، ردّاً عما يرغب إليه الطبع ويميل؛ لأن الطبع أبداً يميل [ويرغب] إلى ماهو ألذّ وأشهي وأخف عليه، وينفر عما يضره ويؤلمه.

والعقل لا ينفر إلا عما هو القبيح في نفسه، ويرغب فيما هو الحسن في نفسه؛ وعلى ذلك يخرج قوله  : "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَالنَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" : ليس على كراهة العقل، ولا على شهوة العقل؛ ولكن على كراهة الطبع وشهوته؛ وكذلك قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ  ﴾ : ليس على كراهة الاختيار، ولكن كراهة الطبع؛ لأن كراهة العقل كراهة الاختيار، وكذلك رغبة العقول رغبة الاختيار، وفيها تجري الكلفة - أعني: على اختيار العقل، لا اختيار الطبع - بما يميل ويرغب في الألذّ، وينفر عن الضارِّ؛ دليله قوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ أخبر أنهم لا يؤمنون ما وجدوا في قضائه حرجاً؛ فدلت الآية أن الخطاب والكلفة إنما يكون على اختيار العقل وكراهيته، لا على اختيار الطبع؛ لذلك قلنا: إنه يجوز التزيين في الطبع من الله  ، وكذلك الكراهة في الطبع تكره من الله  .

فأمّا قولهم: إن الشيطان هو الذي زينها: فإن عنوا أنه يزينها لهم، أي: يرغبهم ويدعوهم إليها، ويريهم زينتها - فنعم.

وإن عنوا أنّه يزينها بحيث نَفَّسَهَا لهم - فلا؛ لأن الله -  - وصف الشيطان بالضعف، ونفي عنه هذه القدرة بقوله: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً  ﴾ ، فلو جعلنا له التزيين لهم على ما قالوا، لم يكن كيده على ما وصفه - عزّ وجلّ - بالضعف؛ ولكن كان قويّاً، ولكنه يدعوهم إليها، ويرغبهم فيها، ويريهم المزين لهم، ثم دعاؤه إيَّاهم، وحجَّته في ذلك، وقوته من حيث ما لا يطلع عليه بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  ﴾ ، فالعدو الَّذي يَرَى هو من يعاديه، ولا يُرَى هو - كان يجب أن يكون أحذر منه، وأخوف ممن يرى.

ووجه آخر: أن الشهوات التي أضافت التزيين إليها لا خلاف بينهم في أنها مخلوقة لله [تعالى]، فما بقي للشيطان إلا الدعاء إليها، والترغيب فيها.

وفيه وجه آخر: أنه لو لم يجعل هذا مزيناً من الله  ، زال موضع استدلال الشاهد على الغائب، وبالدنيا على الآخرة.

وقد جعل ما في الدنيا نوعين: مستحسناً ومستقبحاً.

وجعل ذلك عياراً لما أوعد ووعد، فلما لم يكونا منه - لا يصح موضع التعيير، لأنه - جلّ وعلا - بلطفه سخَّر كلّ مرغوب في الدّنيا، ومدعو إليه من جوهره - في الآخرة، وحسنه؛ ليرغب الناسَ هذا إلى ما في الجنة بحسنه ولطفه زينته، ويدعوهم إلى ترك ما في الدّنيا من الفاني إلى نعيم دائم أبداً، فلو جعل هذا من تزيين الشيطان - لعنه الله - ومصنوعه لهم، لذهب عظيم موضع الاستدلال الذي ذكرنا؛ فدلّ أنه مزين منه عز وجل،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

ثمّ امتحنهم [الله] - عز وجل - بترك ما زين لهم في الطباع؛ بما ركب لهم من العقول الوافرة؛ ليختاروا ما حسن في العقول وتزين، وعلى ذلك جرت الكلفة والخطاب، لا بما مالت إليه الطباع، ونفرت عنه العقول، وبالله التوفيق.

ثم في الآية دلالة وجوب الحق في كل ما ذكر في الآية من المال، وكذلك الخيل، وأمّا في النساء والبنين: فلما مُتِّعوا بهم - أوجب عليهم النفقة كذلك.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ ﴾ : أوجب في النساء عليهم النفقة، وكذلك البنين، وأوجب في الذهب والفضّة حقا، ثم ذكر الخيل المسوّمة: إن كان المراد منه جعلها سائمة؛ لذلك قال أبو حنيفة [  ]: إِنَّ فِي الخَيْلِ صََدَقَةً، ثم اختلف في المسوّمة؛ قال بعضهم: هي المسيبّة الراعية.

وقال آخرون: هي المعلمة، وعن ابن عباس -  -: "المُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَة".

وقال غيرهم: المُطَهَّمَة، وهي المُحَسَّنة.

ثم أخبر أن ما ذكر في الآية ﴿ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، وأمرهم بترك ذلك، وأخبر أن لهم عنده: ﴿ حُسْنُ ٱلْمَآبِ ﴾ ، إن هم تركوا مما امتُحِنُوا [به]، ثم قال: إن من اتقى في الدنيا [له خير] من ذلك بقوله: ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ إلى آخره.

ثم اختلف في ﴿ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ ﴾ ؛ منهم من قال: ألف ومائتا أوقية.

ومنهم من قال: اثنا عشر ألفاً.

ومنهم من يقول: سبعون ألف دينار.

ومنهم من يقول: هو بلسان الروميّة: ملء مَسْكِ ثور ذهباً أو فضة.

ومنهم من يقول: كل مائةٍ قنطارٌ من كل شيء، وهو اسم المال العظيم الكثير لا يُدرَى ما مقداره، وليس لنا إلى معرفة قدره حاجة ولا فائدة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الرغبة فيما كثر من المال؛ إذ ليس قدر أحق بأن يحمل عليه الرغبة من الآخر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ .

قيل: مطهرة: من الآفات كلها، من الأخلاق السيئة، والأقذار والعيوب كلها، وقد ذكرنا فيما تقدم في صدر السورة؛ قال: وكل أهل الجنة مطهر من جميع المعايب؛ لأن العيوب في الأشياء علم الفناء، وهم خلقوا للبقاء، إلا أن الذِّكْر جَرَى للنساء؛ لما ظهر في الدنيا [فيهن] من فضل المعايب والأذى.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا...

﴾ الآية.

قد رضي [منهم] بهذا القول، وفيه تزكية لهم، ولو كان الإيمان: جميعَ الطاعات - لم يرض منهم [التزكية بها، وقد أخبر الله نبيه  أن للذين اتقوا عند ربهم في الجنة خيراً من هذا الذي زيّن] للناس في الدنيا من النساء، وما ذكر إلى آخره.

وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا ﴾ : يحتمل: اتقوا الشرك.

ويحتمل: للذين اتقوا الفواحش والمعاصي كلها.

وقوله: ﴿ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .

قيل: الصَّابرين على طاعة الله.

وقيل: [الصابرين] على أداء الفرائض.

وقيل: الصّابرين على المرازئ والمصائب والشدائد.

والصبر: هو حبس النفس عن جميع ما تهوى وتشتهي.

وقوله: ﴿ وَٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

قيل: في إيمانهم.

وقيل: الصَّادقين بما وَعَدوا.

وقيل: الصادقين في جميع ما يقولون ويخبرون.

﴿ وَٱلْمُنْفِقِينَ ﴾ .

يحتمل الإنفاق: ما لزم من أموالهم من الزكاة والصدقات.

ويحتمل المنفقين المؤدين حقوق بعضهم بعضاً من حق القرابة والصلة.

﴿ وَٱلْقَانِتِينَ ﴾ .

قيل: القانت: الخاضع.

وقيل: القانت: المطيع.

وقيل: الخاشع، وكله يرجع إلى واحد، وأصله: القيام، وكل من قام لآخر كان مطيعاً وخاشعاً وخاضعاً ومقراً.

وقيل: القانت: المقرّ كقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ  ﴾ ، أي: مقرون.

وقال قتادة: ﴿ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ : الذين صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه.

﴿ وَٱلصَّادِقِينَ ﴾ : الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السّر والعلانية ﴿ وَٱلْقَانِتِينَ ﴾ : المطيعين.

﴿ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ ﴾ ، ﴿ وَٱلْمُنْفِقِينَ ﴾ : يعني: نفقة أموالهم في السبيل الله.

﴿ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ ﴾ : قيل: المصلين بالأسحار.

وقيل: المصلين في أوّل الليل، والمستغفرين في آخره.

وأصل الاستغفار: طلب المغفرة مما ارْتُكِب من المآثم، على ندامة القلب، والعزيمة على ترك العود إلى مثله أبداً، ليس كقول الناس: نسغفر الله، غير ندامة القلب، وأصل الاستغفار في الحقيقة: طلب المغفرة بأسبابها، ليس أن يقول بلسانه: اغفر لي؛ كقول نوح [  ]: لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ  ﴾ أمرهم بالتوحيد، ثم أخبر - عز وجل - أن الجنة هي للصابرين والصادقين إلى آخر ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهم الصابرون على فعل الطاعات وترك السيئات، وعلى ما يصيبهم من البلاء، وهم الصادقون في أقوالهم وأعمالهم، وهم المطيعون لله طاعة تامة، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، وهم المستغفرون آخر الليل؛ لأن الدعاء فيه أقرب للإجابة، ويخلو فيه القلب من الشواغل.

<div class="verse-tafsir" id="91.lE9mA"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم تفسير التقوى والجنات والأزواج المطهرة في سورة البقرة.....

وأكبر من هذه الذات كلها رضوان الله تعالى، وهذا يدلنا على أن أهل الجنة طبقات ومراتب كما نراهم في الدنيا، فمن الناس من لا يفهم معنى رضوان الله تعالى ولا يكون باعثًا له على ترك الشر ولا على فعل الخير، وإنما يفهمون معنى اللذات الحسية التي جربوها فكانت أحسن الأشياء موقعًا من نفوسهم، فهم فيها يرغبون ولأجلها يعملون، ولكن جميع المتقين يعرفون في الآخرة هذه اللذة التي لم يكونوا يعقلون لها معنى في الدنيا.

﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ  ﴾ ختم الآية بهذه الجملة للإشعار بأنه ليس كل من ادعى التقوى في نفسه أو بلسانه يكون متقيًا، وإنما المتقي عند الله هو من يعلم الله منه التقوى، وفي هذا تنبيه للناس وإيقاظ لمحاسبة نفوسهم على التقوى لئلا يغشهم العجب بأنفسهم فيحسبوها متقية وما هي بمتقية.

﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا  ﴾ وصف أهل التقوى بشأن من شؤونهم وهو أنهم لتأثر قلوبهم بالتقوى التي هي ثمرة الإيمان تفيض ألسنتهم بالاعتراف بهذا الإيمان في مقام الابتهال والدعاء.

﴿ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ  ﴾ : وصف الله المتقين بهذه الصفات التي استحقوا بها تلك الدرجات.

ومجموع الآيات الواردة في الصبر تدلنا على أن الصبر هو حبس النفس عند كل مكروه يشق على النفس احتماله، وأكمل أنواعه الصبر على ملازمة الشريعة في المنشط والمكره، فعندما تهب زوابع الشهوات فتزلزل الاعتقاد بقبح المعاصي وسوء عاقبتها يكون الصبر هو الذي يثبت الإيمان ويقف بالنفس عند الحدود المشروعة لذلك قرن الأمر بالتواصي بالحق بالأمر بالتواصي بالصبر في سورة العصر، والحق هو المقصود الأول من الدين وهو لا يقوم إلا بالصبر.

وكما يحفظ النفس عند حدود الشرع يحفظ شرف الإنسان في الدنيا عند المكاره ويحفظ حقوق الناس أن تغتالها أيدي المطامع.

والصدق يكون في القول والعمل والوصف، يقال فلان صادق في عمله، صادق في جهاده وصادق في حبه كما يقال صادق في قوله.

وفسروا القانتين بالمطيعين وبالمداومين على الطاعة والعبادة.

والمنفقون معروفون..

إلخ.

ومن مباحث اللفظ النكتة في نسق هذه الأوصاف بالعطف مع أن الأوصاف المعدودة تسرد غير معطوفة، وعن الزمخشري أن العطف يفيد كمال الموصوفين بهذه الأوصاف، وقال غيره من المفسرين إننا لا نعهد من معاني الواو الكمال في معطوفاتها، ومن عنده ذوق في اللسان يجد في نفسه فرقًا بين لمعطوف وغيره، ومن الأمثلة على ذلك قوله الشاعر: ولوكان رمحًا واحدًا لاتقيته ولكنه رمح وثان وثالث وإن بيان الفرق ربما لا تفي به العبارة إلا مع الاستعانة بالسليقة، ويمكن تقريب ذلك بأن يقال إن الأوصاف المسرودة بغير عطف كالوصف الواحد وأما عطفها فيفيد أن كل واحد منها وصف مستقل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله