الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٨٢ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولهذا قال : ( ونقول ذوقوا عذاب الحريق .
ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ) أي : يقال لهم ذلك تقريعا وتحقيرا وتصغيرا .
وأما قوله: " ذلك بما قدمت أيديكم "، أي: قولنا لهم يوم القيامة،" ذوقوا عذاب الحريق "، بما أسلفت أيديكم واكتسبتها أيام حياتكم في الدنيا، (10) وبأن الله عَدْل لا يجورُ فيعاقب عبدًا له بغير استحقاق منه العقوبةَ، ولكنه يجازي كل نفس بما كسبت، ويوفّي كل عامل جزاء ما عمل، فجازى الذين قال لهم [ذلك] يوم القيامة (11) = من اليهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، وقتلوا الأنبياء بغير حق = بما جازاهم به من عذاب الحريق، بما اكتسبوا من الآثام، واجترحوا من السيئات، وكذبوا على الله بعد الإعذار إليهم بالإنذار.
فلم يكن تعالى ذكره بما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الحريق ظالمًا، ولا واضعًا عقوبته في غير أهلها.
وكذلك هو جل ثناؤه، غيرُ ظلام أحدًا من خلقه، ولكنه العادل بينهم، والمتفضل على جميعهم بما أحبّ من فَوَاضله ونِعمه.
---------------------- الهوامش: (10) انظر تفسير"بما قدمت أيديهم" فيما سلف 2: 367 ، 368.
(11) الزيادة بين القوسين لا بد منها لاستقامة الكلام ، ويعني بقوله: "الذي قال لهم ذلك" ، أي قال لهم: "ذوقوا عذاب الحريق".
وسياق العبارة: "فجازى الذين قال لهم ذلك يوم القيامة.
.
.
بما جازاهم به من عذاب الحريق".
قوله تعالى : ذلك بما قدمت أيديكم أي ذلك العذاب بما سلف من الذنوب .
وخص الأيدي بالذكر ليدل على تولي الفعل ومباشرته ; إذ قد يضاف الفعل إلى الإنسان بمعنى أنه أمر به ; كقوله : يذبح أبناءهم وأصل " أيديكم " أيديكم فحذفت الضمة لثقلها ، والله أعلم .
وأن عذابهم ليس ظلما من الله لهم، فإنه { ليس بظلام للعبيد } فإنه منزه عن ذلك، وإنما ذلك بما قدمت أيديهم من المخازي والقبائح، التي أوجبت استحقاقهم العذاب، وحرمانهم الثواب.
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود، تكلموا بذلك، وذكروا منهم "فنحاص بن عازوراء" من رؤساء علماء اليهود في المدينة، وأنه لما سمع قول الله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } { وأقرضوا الله قرضا حسنا } قال: -على وجه التكبر والتجرهم- هذه المقالة قبحه الله، فذكرها الله عنهم، وأخبر أنه ليس ببدع من شنائعهم، بل قد سبق لهم من الشنائع ما هو نظير ذلك، وهو: { قتلهم الأنبياء بغير حق } هذا القيد يراد به، أنهم تجرأوا على قتلهم مع علمهم بشناعته، لا جهلا وضلالا، بل تمردا وعنادا.
( ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ) فيعذب بغير ذنب .
«ذلك» العذاب «بما قدَّمت أيديكم» عبَّر بها عن الإنسان لأن أكثر الأفعال تزاول بها «وأن الله ليس بظلام» أي بذي ظلم «للعبيد» فيعذبهم بغير ذنب.
ذلك العذاب الشديد بسبب ما قدَّمتموه في حياتكم الدنيا من المعاصي القولية والفعلية والاعتقادية، وأن الله ليس بظلام للعببد.
{ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } .أى : ذلك العذاب الشديد الذى حاق بكم - أيها اليهو- بسبب ما قدمته أيديكم من عمل سىء ، وما نطقت به أفواهكم من قول منكر ، فقد اقتضت حكمته وعدالته ألا يعذب إلا من يستحق العذاب ، وأنه - سبحانه - لا يظلم عباده مثقال ذرة .
واسم الإشارة { ذلك } يعود إلى العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس المشاهد .
والمراد بالأيدى الأنفس ، والتعبير بالأيدى عن الأنفس من قبيل التعبير بالجزء عن الكل .وخصت الأيدى بالذكر ، للدلالة على التمكن من الفعل وإراته ، ولأن أكثر الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدى ، ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به والاتصال بذاته .قال الآلوسى ما ملخصه :وقوله { وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } عطف على قوله { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } فهو داخل تحت حكم باء السببية ، وسببيته للعذاب من حيث إن نفى الظلم يستلزم العدل المقتضى إثابة المحسن ومعاقبة المسىء ..
.وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب فى صورة المبالغة فى الظلم .
.
.
وقيل إن صيغة " ظلام " للنسب كعطار أى : لا ينسب غليه الظلم أصلا " .
اعلم أن في كيفية النظم وجهين: الأول: أنه تعالى لما أمر المكلفين في هذه الآيات ببذل النفس وبذل المال في سبيل الله وبالغ في تقرير ذلك، شرع بعد ذلك في حكاية شبهات القوم في الطعن في نبوته.
فالشبهة الأولى: أنه تعالى لما أمر بانفاق الأموال في سبيله قالت الكفار: انه تعالى لو طلب الانفاق في تحصيل مطلوبه لكان فقيرا عاجزا، لأن الذي يطلب المال من غيره يكون فقيرا، ولما كان الفقر على الله تعالى محالا، كان كونه طالبا للمال من عبيده محالا، وذلك يدل على أن محمدا كاذب في إسناد هذا الطلب إلى الله تعالى.
الوجه الثاني: في طريق النظم أن أمة موسى عليه السلام كانوا إذا أرادوا التقرب بأموالهم إلى الله تعالى، فكانت تجيء نار من السماء فتحرقها، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما طلب منهم بذل الأموال في سبيل الله قالوا له لو كنت نبياً لما طلبت الأموال لهذا الغرض، فانه تعالى ليس بفقير حتى يحتاج في اصلاح دينه إلى أموالنا، بل لو كنت نبياً لكنت تطلب أموالنا لأجل أن تجيئها نار من السماء فتحرقها، فلما لم تفعل ذلك عرفنا أنك لست بنبي، فهذا هو وجه النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه يبعد من العاقل أن يقول ان الله فقير ونحن أغنياء، بل الإنسان إنما يذكر ذلك إما على سبيل الاستهزاء أو على سبيل الالزام، وأكثر الروايات أن هذا القول إنما صدر عن اليهود، روي أنه صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الاسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسنا، فقال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حتى سألنا القرض، فلطمه أبو بكر في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله، فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر رضي الله عنه.
وقال آخرون: لما أنزل الله تعالى: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ قالت اليهود: نرى إله محمد يستقرض منا، فنحن إذن أغنياء وهو فقير، وهو ينهانا عن الربا ثم يعطينا الربا، وأرادوا قوله: ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ .
واعلم أنه ليس في الآية تعيين هذا القائل، إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: إن يد الله مغلولة: يعنون أنه بخيل بالعطاء وذلك الجهل مناسب للجهل المذكور في هذه الآية.
وثانيها: ما روي في الخبر أنهم تكلموا بذلك على ما رويناه في قصة أبي بكر.
وثالثها: أن القول بالتشبيه غالب على اليهود، ومن قال بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه تعالى قادرا على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني وليس بفقير.
والوجه الرابع: أن موسى عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم أن يوافقوه في مجاهدة الأعداء قالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.
فموسى عليه السلام لما طلب منهم الجهاد بالنفس قالوا: لما كان الاله قادرا فأي حاجة به الى جهادنا، وكذا هاهنا أن محمدا عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم الجهاد ببذل المال قالوا: لما كان الإله غنيا فأي حاجة به الى أموالنا.
فكان إسنادهم هذه الشبهة الى اليهود لائقا من هذا الوجه، وإن كان لا يمتنع أن يكون غيرهم من الجهال قد قال ذلك.
والأظهر أنهم قالوه على سبيل الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، يعني لو صدق محمد في أن الاله يطلب المال من عبيده لكان فقيرا، ولما كان ذلك محالا ثبت أنه كاذب في هذا الإخبار، أو ذكروه على سبيل الاستهزاء والسخرية، فأما أن يقول العاقل مثل هذا الكلام عن اعتقاد فهو بعيد.
المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أنه تعالى سميع للأقوال، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ ﴾ .
المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على أن قائل هذا القول كانوا جماعة، لأنه تعالى قال: ﴿ الذين قَالُواْ ﴾ وظاهر هذا القول يفيد الجميع.
وأما ما روي أن قائل هذا القول هو فنحاص اليهودي، فهذا يدل على أن غيره لم يقل ذلك، فلما شهد الكتاب أن القائلين كانوا جماعة وجب القطع بذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة ﴿ سيكتب ﴾ بالياء وضمها على ما لم يسم فاعله ﴿ الله وَقَتْلِهِمُ الأنبياء ﴾ برفع اللام على معنى سيكتب قتلهم، والباقون بالنون وفتح اللام إضافة اليه تعالى.
قال صاحب الكشاف: وقرأ الحسن والأعرج ﴿ سيكتب ﴾ بالياء وتسمية الفاعل.
المسألة الثانية: هذا وعيد على ذلك القول وهو يحتمل وجوها: أحدها: أن يكون المراد من كتبه عليهم إثبات ذلك عليهم وأن لا يلغى ولا يطرح، وذلك لأن الناس إذا أرادوا إثبات الشيء على وجه لا يزول ولا ينسى ولا يتغير كتبوه، والله تعالى جعل الكتبة مجازا عن إثبات حكم ذلك عليهم.
الثاني: سنكتب ما قالوا في الكتب التي تكتب فيها أعمالهم ليقرؤا ذلك في جرائد أعمالهم يوم القيامة، والثالث: عندي فيه احتمال آخر، وهو أن المراد: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق الى يوم القيامة شدة تعنت هؤلاء وجهلهم وجهدهم في الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما قدروا عليه.
ثم قال: ﴿ وَقَتْلِهِمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقّ ﴾ أي ونكتب قتلهم الأنبياء بغير حق، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الفائدة في ضم أنهم قتلوا الأنبياء إلى أنهم وصفوا الله تعالى بالفقر، هي بيان أن جهل هؤلاء ليس مخصوصاً بهذا الوقت، بل هم منذ كانوا، مصرون على الجهالات والحماقات.
المسألة الثانية: في إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء وجهان: أحدهما: سنكتب ما قال هؤلاء ونكتب ما فعله أسلافهم فنجازي الفريقين بما هو أهله، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ﴾ أي قتلها أسلافكم ﴿ وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ ﴾ ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾ والفاعل لهذه الأشياء هو أسلافهم، والمعنى أنه سيحفظ على الفريقين معاً أقوالهم وأفعالهم.
والوجه الثاني: سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم، ونكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
وعن الشعبي أن رجلا ذكر عنده عثمان رضي الله عنه وحسن قتله، فقال الشعبي: صرت شريكا في دمه، ثم قرأ الشعبي ﴿ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ﴾ فنسب لهؤلاء قتلهم وكان بينهما قريب من سبعمائة سنة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة ﴿ سيكتب ﴾ على لفظ ما لم يسم فاعله ﴿ وَقَتْلِهِمُ الأنبياء ﴾ برفع اللام ﴿ وَيِقُولُ ذُوقُواْ ﴾ بالياء المنقطة من تحت، والباقون ﴿ سَنَكْتُبُ وَنَقُولُ ﴾ بالنون.
المسألة الثانية: المراد أنه تعالى ينتقم من هذا القائل بأن يقول له ذق عذاب الحريق، كما أذقت المسلمين الغصص، والحريق هو المحرق كالأليم بمعنى المؤلم.
المسألة الثالثة: يحتمل أن يقال له هذا القول عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب ويحتمل أن يكون هذا كناية عن حصول الوعيد، وإن لم يكن هناك قول: المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إنهم أوردوا سؤالا وهو أن من يطلب المال من غيره كان فقيرا محتاجا، فلو طلب الله المال من عبيده لكان فقيرا وذلك محال، فوجب أن يقال: إنه لم يطلب المال من عبيده، وذلك يقدح في كون محمد عليه الصلاة والسلام صادقا في ادعاء النبوة فهو هو شبهة القوم فأين الجواب عنها؟
وكيف يحسن ذكر الوعيد على ذكرها قبل ذكر الجواب عنها؟
فنقول: إذا فرعنا على قول أصحابنا من أهل السنة والجماعة قلنا: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر الله تعالى عبيده ببذل الأموال مع كونه تعالى أغنى الاغنياء.
وإن فرعنا على قول المعتزلة في أنه تعالى يراعي المصالح لم يبعد أن يكون في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة إلى العباد: منها: أن إنفاق المال يوجب زوال حب المال عن القلب، وذلك من أعظم المنافع، فانه اذا مات فلو بقي في قلبه حب المال مع أنه ترك المال لكان ذلك سببا لتألم روحه بتلك المفارقة، ومنها: أن يتوسل بذلك الانفاق الى الثواب المخلد المؤبد، ومنها: أن بسبب الانفاق يصير القلب فارغا عن حب ما سوى الله، وبقدر ما يزول عن القلب حب غير الله فانه يقوى في حب الله، وذلك رأس السعادات، وكل هذه الوجوه قد ذكرها الله في القرآن وبينها مراراً وأطوارا، كما قال: ﴿ والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا ﴾ وقال: ﴿ والآخرة خَيْرٌ وأبقى ﴾ وقال: ﴿ ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ ﴾ وقال: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ فلما تقدم ذكر هذه الوجوه على الاستقصاء كان إيراد هذه الشبهة بعد تقدم هذه البينات محض التعنت، فلهذا اقتصر الله تعالى عند ذكرها على مجرد الوعيد.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد ذكر سببه فقال: ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ أي هذا العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم الله وأقدمتم على قتل الأنبياء، فيكون هذا العقاب عدلا لا جورا.
المسألة الثانية: قال الجبائي: الآية تدل على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلما بتقدير أن لا يقع منهم تلك الذنوب، وفيه بطلان قول المجبرة: ان الله يعذب الأطفال بغير جرم، ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلا، وإلا لكان الظلم حاصلا.
والجواب: ان ما ذكرتم معارض بمسألة الداعي ومسألة العلم على ما شرحناه مراراً وأطوارا.
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ يفيد نفي كونه ظلاما، ونفي الصفة يوهم بقاء الأصل، فهذا يقتضي ثبوت أصل الظلم.
أجاب القاضي عنه بأن العذاب الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلما لكان عظيما، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا، وهذا يؤكد ما ذكرنا أن إيصال العقاب اليهم يكون ظلما لو لم يكونوا مذنبين.
المسألة الرابعة: اعلم أن ذكر الأيدي على سبيل المجاز، لأن الفاعل هو الإنسان لا اليد، إلا أن اليد لما كانت آلة الفعل حسن إسناد الفعل اليها على سبيل المجاز، ثم في هذه الآية ذكر اليد بلفظ الجمع فقال: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ وفي آية أخرى ذكر بلفظ التثنية فقال: ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ والكل حسن متعارف في اللغة.
<div class="verse-tafsir"
قال ذلك اليهود حين سمعوا قول الله تعالى: ﴿ مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا ﴾ ، فلا يخلو إمّا أن يقولوه عن اعتقاد لذلك، أو عن استهزاء بالقرآن، وأيهما كان فالكلمة عظيمة لا تصدر إلا عن متمردين في كفرهم.
ومعنى سماع الله له: أنه لم يخف عليه، وأنه أعدّ له كفاءه من العقاب ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ ﴾ في صحائف الحفظة.
أو سنحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فإن قلت: كيف قال: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ الله ﴾ ثم قال ﴿ سَنَكْتُبُ ﴾ وهلا قيل: ولقد كتبنا؟
قلت: ذكر وجود السماع أوّلاً مؤكداً بالقسم ثم قال: سنكتب على جهة الوعيد بمعنى لن يفوتنا أبداً إثباته وتدوينه كما لن يفوتنا قتلهم الأنبياء.
وجعل قتلهم الأنبياء قرينة له إيذاناً بأنهما في العظم أخوان، وبأن هذا ليس بأوّل ما ركبوه من العظائم.
وأنهم أصلاء في الكفر ولهم فيه سوابق، وأن من قتل الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول.
وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً، فقال فنحاص اليهودي: إنّ الله فقير حين سألنا القرض فلطمه أبو بكر في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله، فنزلت.
ونحوه قولهم: ﴿ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾ [المائدة: 64] ﴿ وَنَقُولُ ﴾ لهم ﴿ ذُوقُواْ ﴾ وننتقم منهم أن نقول لهم يوم القيامة: ذوقوا ﴿ عَذَابَ الحريق ﴾ كما أذقتم المسلمين الغصص.
يقال للمنتقم منه: أحس، وذق.
وقال أبو سفيان لحمزة رضي الله عنه: ذق عقق وقرأ حمزة: ﴿ سيكتب ﴾ ، بالياء على البناء للمفعول، ﴿ ويقول ﴾ بالياء.
وقرأ الحسن والأعرج: ﴿ سيكتب ﴾ بالياء وتسمية الفاعل.
وقرأ ابن مسعود: ﴿ ويقال ذوقوا ﴾ ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدّم من عقابهم وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بهنّ، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب فإن قلت: فلم عطف قوله ﴿ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ ﴿ على ما قدّمت أيديكم ﴾ ، وكيف جعل كونه غير ظلام للعبيد شريكاً لاجتراحهم السيئات في استحقاق التعذيب؟
قلت: معنى كونه غير ظلام للعبيد أنه عادل عليهم ومن العدل أن يعاقب المسيء منهم ويثيب المحسن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ قالَتْهُ اليَهُودُ لَمّا سَمِعُوا ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وَرُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَتَبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وأنْ يُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَقالَ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ حَتّى سَألَ القَرْضَ، فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى وجْهِهِ وقالَ: لَوْلا ما بَيْنَنا مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ وجَحَدَ ما قالَهُ فَنَزَلَتْ.» والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ وأنَّهُ أعَدَّ لَهُمُ العِقابَ عَلَيْهِ.
﴿ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ أيْ سَنَكْتُبُهُ في صَحائِفِ الكَتَبَةِ، أوْ سَنَحْفَظُهُ في عِلْمِنا لا نُهْمِلُهُ لِأنَّهُ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ إذْ هو كُفْرٌ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتِهْزاءٌ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ، ولِذَلِكَ نَظَّمَهُ مَعَ قَتْلِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ أوَّلَ جَرِيمَةٍ ارْتَكَبُوها وأنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنهُ أمْثالُ هَذا القَوْلِ.
وَقَرَأ حَمْزَةُ سَيُكْتَبُ بِالياءِ وضَمِّها وفَتْحِ التّاءِ وقَتْلُهم بِالرَّفْعِ ويَقُولُ بِالياءِ.
﴿ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ أيْ ونَنْتَقِمُ مِنهم بِأنْ نَقُولَ لَهم ذُوقُوا العَذابَ المُحْرِقَ، وفِيهِ مُبالَغاتٌ في الوَعِيدِ.
والذَّوْقُ إدْراكُ الطُّعُومِ، وعَلى الِاتِّساعِ يُسْتَعْمَلُ لِإدْراكِ سائِرِ المَحْسُوساتِ والحالاتِ، وذِكْرُهُ هاهُنا لِأنَّ العَذابَ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِمُ النّاشِئِ عَنِ البُخْلِ والتَّهالُكِ عَلى المالِ، وغالِبُ حاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ لِتَحْصِيلِ المَطاعِمِ ومُعْظَمُ بُخْلِهِ بِهِ لِلْخَوْفِ مِن فِقْدانِهِ ولِذَلِكَ كَثُرَ ذِكْرُ الأكْلِ مَعَ المالِ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى العَذابِ.
﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ وقَوْلِهِمْ هَذا وسائِرِ مَعاصِيهِمْ.
عَبَّرَ بِالأيْدِي عَنِ الأنْفُسِ لِأنَّ أكْثَرَ أعْمالِها بِهِنَّ.
﴿ وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَدَّمَتْ وسَبَبِيَّتُهُ لِلْعَذابِ مِن حَيْثُ إنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ يَسْتَلْزِمُ العَدْلَ المُقْتَضِيَ إثابَةَ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةَ المُسِيءِ.
<div class="verse-tafsir"
{ذلك} إشارة إلى ما تقدم من عقابهم {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي ذلك العذاب بما قدمتم من الكفر والمعاصي والإضافة إلى اليد لأن أكثر
الأعمال يكون بالأيدي فجعل كل عمل كالواقع بالأيدى على سبيل التغلب ولانه يقال للآمر بالشئ فاعله فذكر الأيدي للتحقيق يعني أنه فعل نفسه لا غيره بأمره {وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ} وبأن الله لا يظلم عباده فلا يعاقبهم بغير جرم
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى العَذابِ المُحَقَّقِ المُنْزَلِ مَنزِلَةِ المَحْسُوسِ المُشاهَدِ، ولِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ شَأْنِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ أتى بِاسْمِ الإشارَةِ مَقْرُونًا بِاللّامِ والكافِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِ أعْمالِكُمُ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها؛ كَقَتْلِ الأنْبِياءِ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي تَكادُ السَّمَواتُ يَتَفَطَّرُنَّ مِنهُ، والمُرادُ مِنَ الأيْدِي الأنْفُسُ، والتَّعْبِيرُ بِها عَنْها مِن قَبِيلِ التَّعْبِيرِ عَنِ الكُلِّ بِالجُزْءِ الَّذِي مَدارُ جُلِّ العَمَلِ عَلَيْهِ، يَجُوزُ أنْ لا يُتَجَوَّزَ في الأيْدِي بَلْ يُجْعَلُ تَقْدِيمُها الَّذِي هو عَمَلُها عِبارَةً عَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي أكْثَرُها أوِ الكَثِيرُ مِنها يُزاوَلُ بِاليَدِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ، ﴿ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَدَّمَتْ فَهو داخِلٌ تَحْتِ حُكْمِ باءِ السَّبَبِيَّةِ، وسَبَبِيَّتُهُ لِلْعَذابِ مِن حَيْثُ أنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ يَسْتَلْزِمُ العَدْلَ المُقْتَضِي إثابَةَ المُحْسِنِ، ومُعاقَبَةَ المُسِيءِ، -وإلَيْهِ ذَهَبَ الفُحُولُ مِنَ المُفَسِّرِينَ- وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: وفَسادُهُ ظاهِرٌ فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحَقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًا ولا عَقْلًا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ.
وخُلاصَتُهُ المُعارَضَةُ بِطَرِيقِ القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ تَرْكُ التَّعْذِيبِ ظُلْمًا لَكانَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ، لَكِنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ لَيْسَ بِظُلْمٍ، فَنَفْيُ الظُّلْمِ لا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَنشَأ هَذا الِاعْتِراضِ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ السَّبَبِ والعِلَّةِ المُوجِبَةِ، والفَرْقُ مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرٌ، فَإنَّ السَّبَبَ وسِيلَةٌ مَحْضَةٌ لا يُوجِبُ حُصُولَ المُسَبِّبِ كَما أنَّ القَلَمَ -سَبَبُ الكِتابَةِ- غَيْرُ مُوجِبٍ إيّاها، والعَدْلُ اللّازِمُ مِن نَفْيِ الظُّلْمِ سَبَبٌ لِعَذابِ المُسْتَحِقِّ وإنْ لَمْ يُوجِبْهُ.
فالِاسْتِدْلالُ بِعَدَمِ الإيجابِ عَلى عَدَمِ السَّبَبِيَّةِ فاسِدٌ جِدًّا، وأمّا قَوْلُهم في العَدْلِ المُقْتَضِي إلَخْ فَهو بَيانٌ لِمُقْتَضاهُ إذا خَلى وطَبْعَهُ، وتَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ وسِيلَةً، ولا يَلْزَمُ مِنهُ إيجابُ الإثابَةِ والمُعاقَبَةِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» وخُلاصَةُ هَذا أنَّ المُلازِمَةَ بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي في القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ مَمْنُوعَةٌ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ تَرْكُ التَّعْذِيبِ ظُلْمًا، ويَكُونَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا بِأنْ يَكُونَ السَّبَبُ سَبَبًا غَيْرَ مُوجِبٍ ولا مَحْذُورٍ حِينَئِذٍ.
لا يُقالُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَبْنى ذَلِكَ الِاعْتِراضِ عَلى المَفْهُومِ المُعْتَبَرِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ لا عَلى كَوْنِ السَّبَبِ مُوجِبًا لِأنّا نَقُولُ: إنْ أُرِيدَ بِالمَفْهُومِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنَّ اللَّهَ ﴾ إلَخْ فَنَقُولُ: حاصِلُهُ أنَّ العَدْلَ سَبَبٌ لِعَذابِ المُسْتَحِقِّينَ، والمَفْهُومُ مِنهُ أنَّ العَدْلَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِعَذابِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّينَ، وهو مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لا نِزاعَ فِيهِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّ المَفْهُومَ مِن قَوْلِنا سَبَبُ تَعْذِيبِهِمْ كَوْنُهُ تَعالى غَيْرُ ظالِمٍ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُعَذِّبْهم لَكانَ ظالِمًا، فَنَقُولُ: هو مَعَ بُعْدِهِ عَنْ سِياقِ كَلامِ المُعْتَرِضِ مِن قُبَيْلِ الِاسْتِدْلالِ بِانْتِفاءِ السَّبَبِ عَلى انْتِفاءِ المُسَبِّبِ، فَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالسَّبَبِ السَّبَبُ المُوجِبُ كَما قُلْنا ويُرَدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدْناهُ، ولا يَكُونُ مِن بابِ المَفْهُومِ في شَيْءٍ، وإنْ أُرِيدَ غَيْرُ هَذا وذاكَ فَلْيُبَيَّنْ حَتّى نَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن دَفَعَ الِاعْتِراضَ بِأنَّ حاصِلَ مَعْنى الآيَةِ وقْعُ العَذابِ عَلَيْكم ولَمْ يُتْرَكْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، وهو بِمَنطُوقِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ، ولا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ، بَلْ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ، وهو لُطْفُهُ تَعالى فَلا يُرَدُّ الِاعْتِراضُ، وأنْتَ تَعْلَمُ بِأنَّ هَذا ذُهُولٌ عَنْ مَقْصُودِ المُعْتَرِضِ أيْضًا، فَإنَّ دَلالَةَ الكَلامِ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ، وعَدَمَها خارِجٌ عَنْ مَطْمَحِ نَظَرِهِ عَلى ما عَرَفْتَ مِن تَقْرِيرِ كَلامِهِ، عَلى أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ بِالسَّبَبِ السَّبَبَ المُوجِبَ عَلى ما هو مَبْنى كَلامِ ذَلِكَ المَوْلى، فَدَلالَتُهُ عَلَيْهِ ظاهِرَةٌ؛ فَإنَّ وُجُودَ السَّبَبِ المُوجِبِ كَما يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُودِ المُسَبِّبِ يَكُونُ عَدَمُهُ سَبَبًا لِعَدَمِهِ -كَما في طُلُوعِ الشَّمْسِ ووُجُودِ النَّهارِ، فالعَدْلُ أعْنِي نَفْيَ الظُّلْمِ إذا كانَ سَبَبًا لِتَعْذِيبِ المُسْتَحِقِّ يَكُونُ عَدَمُهُ أعْنِي الظُّلْمَ سَبَبًا لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَدَّمْتُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ ذُنُوبِهِمْ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِانْتِفاءِ ظُلْمِهِ تَعالى إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ.
وتَعَقَّبَهُ أيْضًا مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، بَلْ وُقُوعُهُ لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يَحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ كانَ المُدَّعِي أنَّ جَمِيعَ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ في كَلامِ القِيلِ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّ يُعَذِّبَهم، والمَعْنى أنَّ ذِكْرَ هَذا القَيْدِ رَفْعُ احْتِمالِ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لِاحْتِمالِ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ؛ فَإنَّهُ أمْرٌ حَسَنٌ شَرْعًا وعَقْلًا، وقَوْلُهُ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ ذُنُوبِهِمْ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ إلَخْ، أرادَ بِهِ أنَّ تَعَيُّنَهُ لِلسَّبَبِيَّةِ إنَّما يَحْصُلُ بِهَذا القَيْدِ إذْ بِإمْكانِ تَعْذِيبِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ إرادَةَ العَذابِ بِلا ذَنْبٍ، فَيَكُونُ حاصِلُ مَعْنى الآيَةِ إنَّ عَذابَكم هَذا إنَّما نَشَأ مِن ذُنُوبِكم لا مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَإذا عَلِمْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّ تَزْيِيفَ المَوْلى كَلامَ صاحِبِ القِيلِ بِأنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى إلَخْ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مُرادِهِ؛ فَإنَّ كَلامَهُ لَيْسَ في مُنافاةِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ ذاتِهِما، بَلْ في مُنافاةِ احْتِمالِ التَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبٍ لِتَعَيُّنِ سَبَبِيَّةِ الذُّنُوبِ لَهُ، وكَذا قَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ كانَ المُدَّعِي إلَخْ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاحْتِياجِ إلى ذَلِكَ القَيْدِ في كُلٍّ مِنَ الصُّورَتَيْنِ إنَّما هو لِتَقْرِيعِ المُخاطَبِينَ وتَبْكِيتِهِمْ في الِاعْتِرافِ بِتَقْصِيراتِهِمْ بِأنَّهُ لا سَبَبَ لِلْعَذابِ إلّا مِن قِبَلِهِمْ.
فالقَوْلُ بِالِاحْتِياجِ في صُورَةِ وعَدَمُهُ في صُورَةٍ رَكِيكٌ جِدًّا، ثُمَّ إنَّهُ لا تَدافُعَ بَيْنَ هَذا القِيلِ، وبَيْنَ ما نُقِلَ أوَّلًا عَنْ فُحُولِ المُفَسِّرِينَ حَيْثُ جُعِلَ المَعْطُوفُ هُناكَ سَبَبًا وهَهُنا قَيْدًا لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالسَّبَبِ الوَسِيلَةُ المَحْضَةُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، فَهو وسِيلَةٌ سَواءٌ اعْتُبِرَ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا، أوْ قَيْدًا لِلسَّبَبِ، نَعَمْ بَيْنَهُما عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَدافُعٌ يَتَراءى مِن وجْهٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ أيْضًا غَيْرُ وارِدٍ كَما سَنُحَقِّقُهُ بِحَوْلِهِ تَعالى.
والحاصِلُ أنَّ العَطْفَ هُنا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وهو الظّاهِرُ -وإلَيْهِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ- ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ -وإلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ - (أنْ) وما بَعْدَها في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تِذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مِن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تُقَرِّرُ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظالِمًا بالِغًا لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ، كَما يُعَبِّرُ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ عَلى الأعْمالِ بِإضاعَتِها مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها إضاعَتُها، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في صُورَةِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ، ومِن هُنا يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ: إنَّ نَفْيَ نَفْسِ الظُّلْمِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ كَثْرَتِهِ، ونَفْيَ الكَثْرَةِ لا يَنْفِي أصْلَهُ، بَلْ رُبَّما يُشْعَرُ بِوُجُودِهِ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا بِأنَّهُ نَفْيٌ لِأصِلِ الظُّلْمِ وكَثْرَتِهِ بِاعْتِبارِ آحادِ مَن ظُلِمَ، فالمُبالَغَةُ في ( ظَلّامٍ ) بِاعْتِبارِ الكِمِّيَّةِ لا الكَيْفِيَّةِ، وبِأنَّهُ إذا انْتَفى الظُّلْمُ الكَثِيرُ انْتَفى القَلِيلُ؛ لِأنَّ مَن يَظْلِمْ يَظْلِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالظُّلْمِ، فَإذا تُرِكَ كَثِيرُهُ مَعَ زِيادَتِهِ نَفَعَهُ في حَقِّ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّفْعُ والضُّرُّ كانَ لِقَلِيلِهِ مَعَ قِلَّةِ نَفْعِهِ أكْثَرُ تَرْكًا، وبِأنَّ ( ظَلّامٍ ) لِلنَّسَبِ كَعَطّارٍ، أيْ: لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الظُّلْمُ أصْلًا، وبِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ لَهُ تَعالى في أكْمَلِ المَراتِبِ، فَلَوْ كانَ تَعالى ظالِمًا سُبْحانَهُ لَكانَ ظَلّامًا، فَنَفْيُ اللّازِمِ لِنَفْيِ المَلْزُومِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ صِفاتِهِ تَعالى في أقْصى مَراتِبِ الكَمالِ كَوْنَ المَفْرُوضِ ثُبُوتَهُ كَذَلِكَ، بَلِ الأصْلُ في صِفاتِ النَّقْصِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِها أنْ تَكُونَ ناقِصَةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا فُرِضَ ثُبُوتُ صِفَةٍ لَهُ تَعالى تُفْرَضُ بِما يَلْزَمُها مِنَ الكَمالِ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذا في صِفاتِ الكَمالِ دُونَ صِفاتِ النَّقْصِ إنَّما يُوجِبُ عَدَمَ ثُبُوتِها لا ثُبُوتُها ناقِصَةً، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يعني يقال لهم: ذلك العذاب بما قدمت أَيْدِيكُمْ من الكفر والتكذيب، أي بما قدمتم.
وذكر الأيدي على معنى الكتابة وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي لا يعذب أحداً بغير ذنب.
<div class="verse-tafsir"
قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهِرِ» : واعلم أنَّ المعانِيَ في عالم الآخرة تستتبعُ الصُّور، ولا تَتْبَعُها، فيتمثَّل كلُّ شيء بصورة تُوَازِي معناه، فيُحْشَرُ المتكبِّرون في صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمْ مَنْ أَقْبَل وأَدْبَر، والمتواضِعُون أعزَّاء.
انتهى، وهو كلام صحيحٌ يشهد له صحيحُ الآثارِ ويؤيِّده النظَرُ والإعتبار، اللَّهم، وفِّقنا لما تحبُّه وترضاه.
قال ابنُ العَرَبِيِّ «١» في «أحكامه» : قال عُلَماؤنا: البُخْل: مَنْعُ الواجبِ، والشُّحُّ: منع المستحَبِّ، والصحيحُ المختارُ أنَّ هذه الآيةَ في الزكاة الواجبَة لأنَّ هذا وعيدٌ لمانعيها، والوعيدُ إذا اقترن بالفعْلِ المأمورِ به، أو المنهيِّ عنه، اقتضى الوجوبَ أو التحريمَ.
انتهى.
وتعميمها في جميع أنْواع الواجب أحسن.
وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خطابٌ على ما يفهمه البشر، دَالٌّ على فناء الجميعِ، وأنه لا يبقى مَالِكٌ إلّا الله سبحانه.
وقوله سبحانه: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ...
الآية: نزلَتْ بسبب فِنْحَاصٍ اليَهُودِيِّ وأشباهه كَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وغيره، لمَّا نزلَتْ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الحديد: ١١] ، قالوا: يستقرضُنا ربُّنا، إنما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وهذا مِنْ تحريف اليهودِ للتأويل علَى نحو ما صَنَعُوا في تَوْرَاتِهِمْ.
وقوله تعالى: قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا: دالٌّ على أنَّهم جماعةٌ.
وقوله تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا ...
الآية: وعيدٌ لهم، أي: سنُحْصِي عليهم قولَهُمْ، ويتصلُ ذلك بفعل آبائهم مِنْ قَتْل الأنبياءِ بغَيْر حَقٍّ.
وقوله سبحانه: أَنَّ اللَّهَ أي: وبأنَّ الله ليس بظلّام للعبيد.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى العَذابِ، والَّذِي قَدَّمَتْ أيْدِيهِمُ: الكَفْرُ والخَطايا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النارُ ﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "سَيُكْتَبُ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ: و"قَتْلُهُمْ" بِرَفْعِ اللامِ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و"يَقُولُ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ الباقُونَ بِنُونِ الجَمْعِ، فَإمّا أنَّها نُونُ العَظَمَةِ، وإمّا هي لِلْمَلائِكَةِ، و"ما" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَفْعُولَةٌ بِها، و"قَتْلَهُمْ" بِنَصْبِ اللامِ عَطْفًا عَلى "ما"، "وَنَقُولُ" بِالنُونِ عَلى نَحْوِ "سَنَكْتُبُ" والمَعْنى في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، قالَ الكِسائِيُّ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَيُقالُ ذُوقُوا".
وقالَ أبُو مُعاذٍ النَحْوِيُّ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ" "وَيُقالُ لَهم ذُوقُوا".
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عنهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ: "سَتُكْتَبُ" بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ "ما قالُوا" بِمَعْنى: سَتُكْتَبُ مَقالَتُهم.
وهَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَيُحْصِي عَلَيْهِمْ قَوْلَهم.
والكُتُبُ فِيما حَكى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ هو في صُحُفٍ تُقَيِّدُهُ المَلائِكَةُ فِيها، تِلْكَ الصُحُفُ المَكْتُوبَةُ هي الَّتِي تُوزَنُ، وفِيها يَخْلُقُ اللهُ الثِقَلَ والخِفَّةَ بِحَسَبِ العَمَلِ المَكْتُوبِ فِيها.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الإحْصاءِ وعَدَمِ الإهْمالِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِما تَفْهَمُ العَرَبُ مِنهُ غايَةَ الضَبْطِ والتَقْيِيدِ.
فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ أقْوالَ هَؤُلاءِ تُكْتَبُ وأعْمالُهُمْ، ويَتَّصِلُ ذَلِكَ بِأفْعالِ آبائِهِمْ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَحْوِهِ، ثُمَّ يُقالُ لِجَمِيعِهِمْ: "ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ" وخَلَطَتِ الآيَةُ الآباءَ مَعَ الأبْناءِ في الضَمائِرِ، إذِ الآباءُ هُمُ الَّذِينَ طَرَّقُوا لِأبْنائِهِمُ الكُفْرَ وإذِ الأبْناءُ راضُونَ بِأفْعالِ الآباءِ مُتَّبِعُونَ لَهم.
والذَوْقُ مَعَ العَذابِ مُسْتَعارٌ، عِبارَةٌ عَنِ المُباشَرَةِ، إذِ الذَوْقُ مِن أبْلَغِ أنْواعِها وحاسَّتُهُ مُمَيَّزَةٌ جِدًّا، والحَرِيقُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وقِيلَ: الحَرِيقُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ داخِلٌ فِيما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُعاصِرِي النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ، ونَسَبَ هَذا التَقْدِيمَ إلى اليَدِ إذْ هي الكاسِبَةُ لِلْأعْمالِ في غالِبِ أمْرِ الإنْسانِ، فَأُضِيفَ كُلُّ كَسْبٍ إلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ هَذا بِعَدْلٍ مِنهُ فِيهِمْ ووَضْعِ الشَيْءِ مَوْضِعِهِ، والتَقْدِيرُ: وبِـ أنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ وجَمَعَ "عَبْدًا" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَبِيدٍ، لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وتَنْجِيَةٍ مِن ظُلْمٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا ﴾ صِفَةٌ راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ﴾ قالَ الزَجّاجُ: "الَّذِينَ" صِفَةٌ لِلْعَبِيدِ، وهَذا مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى والرَصْفِ، وهَذِهِ المَقالَةُ قالَتْها أحْبارُ يَهُودَ مُدافَعَةً لِأمْرِ النَبِيِّ ، أيْ أنَّكَ لا تَأْتِي بِنارٍ فَنَحْنُ قَدْ عُهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لَكَ.
و"عَهِدَ" مَعْناهُ: أمَرَ، والعَهْدُ: أخَصُّ مِنَ الأمْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ في كُلِّ ما يَتَطاوَلُ أمْرُهُ ويَبْقى في غابِرِ الزَمانِ، وتَعَدّى "أمِنَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِاللامِ والباءِ في ضِمْنِ ذَلِكَ.
و"قُرْبانٌ" مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الشَيْءُ الَّذِي يُقَرَّبُ كالرَهْنِ، وكانَ أمْرُ القُرْبانِ حُكْمًا قَدِيمًا في الأنْبِياءِ، ألا تَرى أنَّ ابْنَيْ آدَمَ قَرَّبا قُرْبانًا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا أرادُوا مَعْرِفَةَ قَبُولِ اللهِ تَعالى لِصَدَقَةِ إنْسانٍ أو عَمَلِهِ أو صِدْقِ قَوْلِهِ، قَرَّبَ قُرْبانًا شاةً أو بَقَرَةً ذَبِيحَةً أو بَعْضَ ذَلِكَ، وجَعَلَهُ في مَكانٍ لِلْهَواءِ وانْتَظَرَ بِهِ ساعَةً، فَتَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَماءِ فَتَحْرِقُ ذَلِكَ الشَيْءَ، فَهَذِهِ عَلامَةُ القَبُولِ، وإذا لَمْ تَنْزِلِ النارُ فَلَيْسَ ذَلِكَ العَمَلُ بِمَقْبُولٍ، ثُمَّ كانَ هَذا الحُكْمُ في أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وكانَتْ هَذِهِ النارُ أيْضًا تَنْزِلُ لِأمْوالِ الغَنائِمِ فَتَحْرِقُها، حَتّى أُحِلَّتِ الغَنائِمُ لِمُحَمَّدٍ حَسَبَ الحَدِيثِ.
ورُوِيَ عن عِيسى بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "بِقُرُبانٍ" بِضَمِّ الراءِ، وذَلِكَ عَلى الإتْباعِ لِضَمَّةِ القافِ ولَيْسَتْ بِلُغَةٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فُعُلانٌ بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: السُلُطانُ بِضَمِّ اللامِ، وقالَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى الإتْباعِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف جملة ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ لمناسبة ذكر البخل لأنّهم قالوه في معرض دفع الترغيب في الصدقات، والذين قالوا ذلك هم اليهود، كما هو صريح آخر الآية في قوله: ﴿ وقتلهم الأنبياء بغير حق ﴾ ، وقائل ذلك: قيل هو حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ اليهودي، حَبر اليهود، لمّا سمع قوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يقرض اللَّه قرضاً حسناً ﴾ [البقرة: 245] فقال حُيَيّ: إنّما يستقرض الفقيرُ الغنيَّ، وقيل: قاله فِنحَاص بن عَازورَاء لأبي بكر الصديق بسبب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر إلى يهود قَيْنُقاع يدعوهم، فأتى بيت المِدْرَاس فوجد جماعة منهم قد اجتمعوا على فنحاص حَبْرِهم، فدعاه أبو بكر، فقال فنحاص: ما بنا إلى الله من حاجة، وإنّه إلينا لفقير ولو كان غنيّاً لما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، فغضب أبو بكر ولطم فنحاص وهمّ بقتله، فنزلت الآية.
وشاع قولهما في اليهود.
وقوله: ﴿ لقد سمع الله ﴾ تهديد، وهو يؤذن بأنّ هذا القول جراءة عظيمة، وإن كان القصد منها التعريض ببطلان كلام القرآن، لأنهم أتوا بهاته العبارة بدون محاشاة، ولأنّ الاستخفاف بالرسول وقرآنه إثم عظيم وكفر على كفر، ولذلك قال تعالى: ﴿ لقد سمع ﴾ المستعمل في لازم معناه، وهو التهديد على كلام فاحش، إذ قد علم أهل الأديان أنّ الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فليس المقصود إعلامهم بأنّ الله علم ذلك بل لازمه وهو مقتضى قوله: ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ .
والمراد بالكتابة إمّا كتابته في صحائف آثامهم إذ لا يخطر ببال أحد أن يكتب في صحائف الحسنات، وهذا بعيد، لأنّ وجود علامة الاستقبال يؤذّن بأنّ الكتابة أمر يحصل فيما بعد.
فالظاهر أنّه أريد من الكتابة عدم الصفح عنه ولا العفو بل سيثبت لهم ويجازون عنه فتكون الكتابة كناية عن المحاسبة.
فعلى الأول يكون وعيداً وعلى الثاني يكون تهديداً.
وقرأ الجمهور ﴿ سنكتب ما قالوا وقتلَهم ﴾ بنون العظمة من (سنكتب) وبنصب اللام من (قتلهم) على أنّه مفعول (نكتب) و(نقول) بنون.
وقرأه حمزة: سيُكْتب بياء الغائب مضمومة وفتح المثناة الفوقية مبنيّاً للنائب لأنّ فاعل الكتابة معلوم وهو الله تعالى، وبرفع اللام من (قتلُهم) على أنه نائب الفاعل.
(ويقول) بياء الغائب، والضمير عائد الى اسم الجلالة في قوله: ﴿ إن الله ﴾ .
وعطف قوله: ﴿ وقتلهم الأنبياء بغير حق ﴾ زيادة في مذمّتهم بذكر مساوي أسلافهم، لأنّ الذين قتلوا الأنبياء هم غير الذين قالوا: ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ بل هم من أسلافهم، فذكر هنا ليدلّ على أنّ هذه شنشنة قديمة فيهم، وهي الاجتراء على الله ورسله، واتّحاد الضمائر مع اختلاف المعاد طريقة عربية في المحامد والمذامّ التي تناط بالقبائل.
قال الحجّاج في خطبته بعد يوم دَيْر الجَماجم يخاطب أهل العراق: ألستم أصحابي بالأهواز حين أضمَرْتُم الشرّ واستبطنتم الكفر إلى أن قال: ثمّ يوم الزاوية وما يوم الزاوية..
إلخ، مع أنّ فيهم من مات ومن طرأ بعد.
وقوله: ﴿ وتقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ عُطف أثرُ الكتب عَلى الكتب أي سيجازون عن ذلك بدون صفح، ﴿ ونقول ذوقوا ﴾ وهْو أمر الله بأن يَدخلوا النار.
والذوق حقيقته إدراك الطُّعوم، واستعمل هنا مجازاً مرسلاً في الإحساس بالعذاب فعلاقته الإطلاق، ونكتته أنّ الذوق في العرف يستتبع تكرّر ذلك الإحساس لأنّ الذوق يتبعه الأكل، وبهذا الاعتبار يصحّ أن يكون «ذوقوا» استعارة.
وقد شاع في كلام العرب إطلاق الذوق على الإحساس بالخير أو بالشرّ، وورد في القرآن كثيراً.
والإشارة في قوله: ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ للعذاب المشاهد يومئذ، وفيه تهويل للعذاب.
والباء للسببية على أنّ هذا العذاب لعظم هَوله ممّا يُتساءل عن سببه.
وعطف قوله: ﴿ وأن الله ليس بظلام للعبيد ﴾ على مجرور الباء، ليكون لهذا العذاب سببان: ما قدّمتْه أيديهم، وعَدْل الله تعالى، فما قدّمت أيديهم أوجب حصول العذاب، وعدْل الله أوجب كون هذا العذاب في مقداره المشاهد من الشدّة حتّى لا يظنّوا أن في شدّته إفراطاً عليهم في التعذيب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا ﴾ وفي هَذا الأذى ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ كانَ يَهْجُو النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ ويُحَرِّضُ عَلَيْهِمُ المُشْرِكِينَ حَتّى قَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.
والثّانِي: أنَّ فَنُحاصَ اليَهُودِيَّ سَيِّدَ بَنِي قَيْنُقاعَ لَمّا سُئِلَ الإمْدادَ قالَ: احْتاجَ رَبُّكم إلى أنْ نُمِدَّهُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ الأذى ما كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الشِّرْكِ كَقَوْلِ اليَهُودِ: عُزَيْزٌ ابْنُ اللَّهِ، وكَقَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر بيت المدراس فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم فقال أبو بكر: ويلك يا فنحاص.
!
اتق الله وأسلم، فوالله أنك لتعلم أن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنياً عنا ما أعطانا الربا.
فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدوّ الله.
فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر «ما حملك على ما صنعت؟» قال: يا رسول الله قال قولاً عظيماً: يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء.
فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه.
فجحد فنحاص فقال: ما قلت ذلك.
فأنزل الله فيما قال فنحاص تصديقاً لأبي بكر ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير....
﴾ الآية ونزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً....
﴾ [ آل عمران: 186] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص اليهودي يستمده، وكتب إليه وقال لأبي بكر: لا تفتت عليّ بشيء حتى ترجع إليَّ.
فلما قرأ فنحاص الكتاب قال: قد احتاج ربكم.
قال أبو بكر، فهممت أن أمده بالسيف، ثم ذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تفتت عليّ بشيء.
فنزلت ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ [ آل عمران: 186] وما بين ذلك في يهود بني قينقاع.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ﴾ قالها فنحاص اليهودي من نبي مرثد لقيه أبو بكر فكلمه فقال له: يا فنحاص اتق الله، وآمن وصدق، وأقرض الله قرضاً حسناً.
فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا فقير وتستقرضنا أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني، إن كان ما تقول حقاً فإن الله إذن لفقير.
فأنزل الله هذا فقال أبو بكر: فلولا هدنة كانت بين بني مرثد وبين النبي صلى الله عليه وسلم لقتلته.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: صك أبو بكر رجلاً منهم ﴿ الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ لم يستقرضنا وهو غني.
وهم يهود.
وأخرج ابن جرير عن شبل في الآية قال: بلغني أنه فنحاص اليهودي وهو الذي قال: ﴿ إن الله ثالث ثلاثة ﴾ [ المائدة: 73] و ﴿ يد الله مغلولة ﴾ [ المائدة: 64] .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ [ البقرة: 245] فقالوا: يا محمد أفقير ربنا يسأل عباده القرض؟
فأنزل الله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ لقد سمع الله....
﴾ الآية.
قال: ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ [ البقرة: 245] قال: يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر أنه سئل عن قوله: ﴿ وقتلهم الأنبياء بغير حق ﴾ وهم لم يدركوا ذلك قال: بموالاتهم من قتل أنبياء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ قال: بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأن الله ليس بظلام للعبيد ﴾ قال: ما أنا بمعذب من لم يجترم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
أي: ذلك (١) ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ابتداءٌ.
وخَبَرُهُ: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اَللهَ ﴾ .
أي: وبأن الله ﴿ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ وموضع (أنَّ) (٢) (٣) (١) (ذلك): ساقطة من (ج).
(٢) في (ج): (أجر) بدلًا من: (أن).
(٣) لأنها معطوفة على (ما) المجرورة بالياء، من قوله: ﴿ مِّمَّا عَمِلَتْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَّقَدْ سَمِعَ الله ﴾ الآية: لما نزلت: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً ﴾ [البقرة: 245] قال بعض اليهود وهو فنحاص، أو حيي بن أخطب أو غيرهما: إنما يستقرض الفقير من الغني، فالله فقير ونحن أغنياء، فنزلت هذه الآية، وكان ذلك القول اعتراضاً على القرآن أوجبه قلة فهمهم، أو تحريفهم للمعاني، فإن كانوا قالوه باعتقاده فهو كفر يضاف إلى كفرهم، وإن قالوه بغير اعتقاد: فهو استخفاف، وعناد ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ ﴾ أي تكتبه الملائكة في الصحف ﴿ وَقَتْلَهُمُ الأنبياء ﴾ أي قتل آبائهم للأنبياء، وأسند إليهم لأنهم راضون به، ومتبعون لمن فعله من آبائهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا يحزنك ﴾ من الأفعال حيث كان إلا قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ نافع ومثله ﴿ ليحزنني ﴾ و ﴿ ليحزن الذين آمنوا ﴾ وقرأ يزيد على ضده.
الباقون: بفتح الياء وضم الراء.
ولا خلاف في مثل ﴿ يحزنون ﴾ و ﴿ لا تحزن ﴾ مما هو لازم ﴿ ولا يحسبن ﴾ وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في ﴿ تحسبنهم ﴾ أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ فإنها بالتاء وفتح الباء.
الباقون: الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب.
/ ﴿ يميز ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير.
الباقون: خفيف بفتح الياء وكسر الميم.
﴿ يعملون خبير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ لقد سمع ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام.
﴿ سيكتب ﴾ بضم الياء وفتح التاء ﴿ وقتلهم ﴾ برفع اللام و ﴿ ويقول ﴾ على الغيبة: حمزة الباقون: بالنون فيهما على التكلم.
ونصب اللام في ﴿ وقتلهم ﴾ ﴿ وبالزبر ﴾ ابن عامر ﴿ وبالكتاب ﴾ الحلواني عن هشام.
الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما ﴿ زحزع عن ﴾ مدغماً: شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ﴿ ليبيننه ﴾ ﴿ ولا يكتمونه ﴾ بالياء فيهما لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد.
الباقون: بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم.
الوقوف: ﴿ في الكفر ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ في الآخرة ﴾ ج لعطف المختلفين مع اتحاج مقصود الكلام ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج لما ذكر ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ 5 ﴿ لأنفسهم ﴾ ط ﴿ إثما ﴾ ج لما ذكر أياَ ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ من الطيب ﴾ ط ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ شراً لهم ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق.
﴿ بغير حق ﴾ ج لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالياء لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: ﴿ سيكتب ﴾ مع اتساق المعنى.
﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد ملطقاً لا العبيد الموصوفة.
نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح ﴿ تأكله النار ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لابتداء شرط في أمر معظم.
﴿ فقد فاز ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ ولا تكتمونه ﴾ ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ يشترون ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ج لما ذكر.
﴿ أليم ﴾ ه {والأ ﴿ ض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: نزلت في كفار قريش وإنه جعل رسوله آمناً من شرهم وأتاح العاقبة له وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها، وقيل في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمداً لطالب ملك فتارة يكون الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولاً ما غلبه أحد.
وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فاغتم النبي لذلك فبيّن الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك.
ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في الكفر إنما تناسب من كفر بعد الإيمان / المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة إنما تليق بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود وذلك هو ما قدر النبي من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم بالإيمان فبيّن الله أنه لا يلحق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية.
فإن قيل: الحزن على كفر الكافر وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟
فالجواب أنه نهي عن الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ﴾ أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك ﴿ إنهم لن يضروا الله ﴾ أي دينه ﴿ شيئاً ﴾ من الضرر.
﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ﴾ فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ أنه كما لاحظ لهم من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها.
وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصاً لم يبق معه صارف ألبتة.
ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة ﴿ إن الذين اشتروا ﴾ الآية.
والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا.
ومن كان عقله هذا القدر - وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة في الآخرة - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير.
ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة له على إيصال الضرر إلى الغير.
ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بالياء فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعل، و"أن" مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه.
ومن قرأ بتاء الخطاب فـ ﴿ الذين كفروا ﴾ مفعول أول و"أن" مع ما في حيزه بدل منه.
وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي.
ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض.
مع امتناع السكوت على متاعك؟
والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن "ما" مصدرية.
ويجوز أن يقدر مضافمحذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.
قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان أي طال.
وأملى له أي طوّل له وأمهله.
قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار.
ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة.
و ﴿ إثماً ﴾ نصب على التمييز.
وفي / وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى.
قالت الأشاعرة ههنا: إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة.
والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه فاعل الخير والشر.
وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثماً، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله.
وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين.
أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقاً.
وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة.
ومثله ﴿ وجعلو لله أنداداً ليضلوا ﴾ وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال.
ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك.
ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان فاعلاً للازدياد ومريداً له.
قالوا: في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم.
ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر "إن" الأولى وفتح الثانية.
وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها.
ثم إنه أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد.
لله در النائبات فإنها *** صدأ اللئام وصيقل الأحرار فقال: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ اللام لتأكيد النفي والخطاب في ﴿ أنتم ﴾ للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق.
خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض.
وماز وميَّز لغتان.
مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً، وميّزته تمييزاً.
وفي الحديث " "من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة " ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع / المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون والأهون.
وبم يحصل هذا الميز؟
قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل.
وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله.
وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي ﴾ أي يصطفي ويختار ﴿ من رسله من يشاء ﴾ وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله بعلمه لا يليق بكل منكم، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده.
الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق.
الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته.
﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله .
ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلاناً مؤمن وفلاناً منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء.
أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال: ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴾ قال السدي: قال رسول الله : " "عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر " فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ .
وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت.
وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطو علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق.
/ ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على بذل المال في سبيل الله فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب قدر مضافاً أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد.
ومن جعل الموصول فاعلاً فالمفعول الأول محذوف للدلالة.
التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيراً وهو صيغة الفصل.
قال الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عدّ بخيلاً لم يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال.
وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدوّ وتعين دفعهم بالمال.
وروى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ونبوّته.
وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا يكون عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم.
وعلى هذا التفسير فمعنى ﴿ سيطوّقون ﴾ أن الله يجعل في رقابهم طوقاً من النار كقوله : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق.
وعلى التفسير الأول فإما أن يكون محمولاً على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ويقول: أنا مالك.
عن ابن مسعود عن النبي : " ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل طوقاً في عنقه شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه " ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ الآية.
وعن ابن عمر قال: قال : " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوّقه يقول: أن كنزك " وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقاً أي سيلزمون إثمه في الآخرة إلزام الطوق.
وفي أمثالهم "يقلدها طوق الحمامة" إذا جاء بهنة يسب بها ويذم.
وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة.
ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطوّقونه فدية ﴾ قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكناً؟
﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره.
فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟
ونظيره قوله: ﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾ وقال كثير من المفسرين: المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث.
قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركاً له فيه.
ومثله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه أو غالباً عليه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، أي يجازيهم على منعهم الحقوق.
ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب.
ثم شرع في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد .
وذلك أنه لما أمر بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقاً في أن الله يطلب منا المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق.
وأيضاً لو كان نبياً لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي.
فهذا بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر ﴿ يد الله مغلولة ﴾ عنوا أنه بخيل.
وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه قادراً على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما روي عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل "أن رسول الله كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً.
فقال فنحاص عن عازوراء ـ وهو من علمائهم - أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك.
فذهب فنحاص إلى رسول الله وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك.
فقال رسول الله صلى الله لأبي بكر: ما الذي حملك على ما صنعت؟
فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال هكذا.
فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر" .
وأيضاً إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: إذهب أنت وربك فقاتلا.
فلا يبعد أن محمداً لما طلب منهم الأموال قالوا له: لو كان الإله غنياً فأي حاجة إلى أموالنا.
ثم إن القائل لو كان فنحاصاً وحده فإنما / يستقيم قوله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا ﴾ لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه.
ثم إنه لم يجبهم عن شبهتهم.
أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر عبيدة ببذل الأموال مع كونه أغنى الإغنياء.
وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة ﴾ ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ﴾ ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته.
فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب، وإنما يستأهل صنوفاً من العتاب وضروباً من العذاب فلهذا قال على جهة الوعيد ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى.
وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة.
ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا.
﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ وهو من أسماء جهنم.
"فعيل" بمعنى "مفعول" كالأليم بمعنى المؤلم.
أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة.
والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص.
وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب.
ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول ﴿ ذلك ﴾ العذاب أو الوعيد ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ من السب والقتل.
وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات.
وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفرداً.
قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج.
قال الجبائي: قوله: ﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب.
وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلاً وإلا لكان الظلم حاصلاً.
والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتباً على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى / أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلماً، فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلماً.
قيل: إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً.
وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلماً عظيماً لو لم يكونوا مذنبين، أقو ل: إنه نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى ههنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال: إن خُيِّلَ إليكم أن في الوجود شراً بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير.
ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة.
ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت.
قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله.
وأصله مصدر كالكفران والرجحان.
ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه قوله لكعب بن عجرة: " "يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان" أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.
وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء.
قال: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً.
فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت.
وقيل: إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، فأي فائدة في تخصيصها؟
ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي / النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية المعينة، وحينئذٍ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن فيها جاز في هذه.
وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية كانت.
وحينئذٍ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثاً فلهذا نسبهم الله إلى الجحود والعناد فقال: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ أي بمدلوله ومؤدّاه ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ إنما الإيمان يجب عند الإتيان بالقربان.
وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم الإلزام.
وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط.
فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعاً، فكان الإقرار بالنبوة واجباً.
ثم سلى رسوله بقوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم ﴿ فقد كذب رسل من قبلك ﴾ وأي رسل والمصيبة إذا عمت طابت ﴿ جاؤا بالبينات ﴾ وهي الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات.
والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب.
وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو الواضح المستنير.
يعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن.
وعطف الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور.
ثم أكد التسلية بقوله: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله.
والمراد لكل نفس ذائقة الموت كل ذات.
فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله منها ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ وكذا كل الجمادات لأن لها ذوات.
ولقوله: ﴿ فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله ﴾ ولأنه لا موت لأهل الجنة ولأهل النار.
فالمراد المكلفون الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوّز الموت عليهم.
روي عن ابن عباس: لما نزل قوله : ﴿ كل من عليها فان ﴾ \[الرحمن: /26\] قالت الملائكة: مات أهل الأرض.
فلما نزل ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قالت الملائكة: متنا.
وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول الذوق.
قالت الحكماء: الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة الغريزية.
وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة.
قالوا: والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم كما قال : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" .
﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره ﴿ فقد فاز ﴾ لم يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: الخلاص من العذاب والوصل إلى الثواب.
فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به.
قال : " "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد.
ثم شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى.
والغرور بالضم مصدر، الغار المدلس هو الشيطان.
عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها.
وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور.
وعن سعيد بن جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة.
فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ.
﴿ لتبلون في أموالكم ﴾ اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم.
والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد, والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على ما ابتلاكم الله به ﴿ وتتقوا ﴾ المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتقوى ﴿ من عزم الأمور ﴾ من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من / عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به.
قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية القتال.
وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف.
والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال.
والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه.
عن كعب بن مالك "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي أن يستصلحهم كلهم.
فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية" .
روي "أن رسول الله ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله.
فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة.
فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا.
فسلم رسول الله ثم وقف.
فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن.
فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا.
ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.
فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك.
فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون.
فلم يزل النبي يخفضهم حتى سكنوا.
ثم ركب النبي دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي؟
قال: كذا وكذا.
فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله " ، وأنزل الله هذه الآية.
ثم إنه عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضاً من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون من نعته وصفته فلهذا قال: ﴿ وإذا أخذ الله ﴾ بإضمار "اذكر" والضمير في ﴿ لتبيننه ﴾ قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي.
وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه.
وقيل له الله لتفعلن ﴿ ولا يكتمونه ﴾ قيل: الواو للحال أي غير كاتمين.
ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكداً بالنون.
والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد ﴿ فنبذوه / وراء ظهورهم ﴾ جعلوه كالشيء المطروح المتروك.
وعن علي : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا.
وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب.
وطوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه.
ومعنى قوله: ﴿ واشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان حظ يسير من الدنيا ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئاً من أمر الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارّهم واستجذاب لمبارّهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيره أن ينسب إلى غيره.
ثم ذكر نوعاً آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله بذلك فقال: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباب فالخطاب للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين ﴿ الذين يفرحون ﴾ والثاني ﴿ بمفازة ﴾ .
وقوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد.
ومن ضم الباء في الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، والثاني للتأكيد.
ومعنى ﴿ بما أتوا ﴾ بما فعلوا.
وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل.
قال : ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ .
ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز.
وقال الفراء: أي ببعد منه لأن الفوز التباعد عن المكروه.
في الصحيحين "أن مروان قال لرافع أبوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون.
فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي يهوداً فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآيتين" .
وقال الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا كلمتكم على ذلك.
فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل الصوم والصلاة، نحن أولياء الله.
فذلك قول الله ﴿ يفرحون بما أتوا ﴾ بما فعلوا ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ / فأنزل الله هذه الآية" .
يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.
وعن أبي سعيد الخدري "أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآية" .
وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة / الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة.
ونحن إذا أنصفنا من انفسنا وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية.
ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ ولغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب؟
التأويل: ﴿ هو خيراً لهم بل هو شر لهم ﴾ كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس.
﴿ سيطوّقون ﴾ شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل "حب الدنيا رأس كل خطيئة" ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون.
والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال.
فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء.
﴿ بقربان تأكله النار ﴾ قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشياطنية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم،فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله، قل يا وارد الحق ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي ﴾ أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ﴿ وبالذي قلتم ﴾ أي بجعل الدنيا قرباناً ﴿ فلم قتلتموهم ﴾ غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات.
﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت.
فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله.
﴿ لتبلون ﴾ بالجهاد الأكبر ﴿ ولتسمعن ﴾ من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء ﴿ أذى كثيراً ﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿ وإن تصبروا ﴾ على جهاد النفس ﴿ وتتقوا ﴾ بالله عما سواه ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي من أمور أولي العزم ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: [ ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ ﴾ أوتوا العلم بالكتاب أن ما يؤتون من المال، وينالون من النيل بكتمان بعث محمد وصفته وتحريفهما - أن ذلك] خير لهم.
﴿ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ﴾ في الدنيا والآخرة، ولو لم يكتموا كان خيراً لهم في الدنيا ذكراً وشرفاً، وفي الآخرة ثواباً وجزاء.
وقيل: نزلت في مانعي الزكاة؛ بخلاً منهم وشحاً؛ فذلك وعيد لهم.
والأوّل أشبه، والله أعلم.
وإن كان في الزكاة - قيل: الجحود بها؛ كقوله - -: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : فإن كان على التأويل الأول من كتمان نعته وصفته؛ فهو - والله أعلم - يطوق ذلك في عنقه يوم القيامة؛ ليعرفه كل أحد؛ كقوله - عز وجل: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ .
وإن كان على التأويل الثاني - قيل: إن الزكاة التي منعها تصير حية ذكراً شجاعاً أقرع ذو ذنبتين، يعني: نابين؛ فيطوق بها في عنقه، فتنهشه بنابيها؛ فيتقيها بذراعيه، حتى يقضي بين الناس، فلا يزال معه حتى يساق إلى النار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : في الآية دلالة أن أهل السماوات يموتون، ليس على ما يقوله القرامطة: إنهم لا يموتون؛ لأنه أخبر أن له ميراث السماوات والأرض، والوارث هو الذي يخلف المورِّث؛ دلّ أنه مما ذكرنا، وإن كانوا هم وجميع ما في أيديهم لله - عز وجل - ملكاً له وعبيداً؛ ألا ترى أنه روي في الخبر: "لاَ يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلاَ المُسْلِمُ الكَافِرَ، إِلاَّ المَوْلَى مِنْ عَبْدِهِ" سمى ما يكون للمولى من عبده ميراثاً، وإن كان العبد وما في يده ملكاً للمولى: فعلى ذلك الأوّل: سمى الله - عز وجل - ذلك ميراثاً له، وإن كان عبيده وما في أيديهم ملكاً له، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: [وقوله - ] -: ﴿ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : وكانت له لا بحق الميراث؛ لوجهين: أحدهما: على الإخبار عن ذهاب أهلها، وبقائه - عز وجل - دائماً؛ إذ ذلك وصف المواريث أن تكون لمن له البقاء بعد فناء من تقدم، والله - عز وجل - هو الباقي بعد فناء الكل، مما يجوز القول بما هو له في الحقيقة من قبله بالميراث؛ من حيث مَلَّكَ غيره الانتفاع بذلك؛ وعلى ذلك المروي عن رسول الله أنه قال: "لاَ يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلاَ المُسْلِمُ الكَافِرَ، إِلاَّ المَوْلَى مِنْ عَبْدِهِ" ، وليس ذلك في الحقيقة ميراثاً، إذ كان له في حال حياته؛ ولكن كان ولاية الانتفاع به فزال؛ وعلى مثل هذا وراثة المسلمين الجنة، لا على انتقال من غيرهم إليهم، ولكن على بقائهم فيها، وحصول أمرها لهم، أو على وراثة ما لو كان من لم يؤمن آمن، وما ادعوا أنها لهم بقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، فاصرت ميراثاً لغيرهم ما ادعوا أنها لهم، والله أعلم.
والثاني: أن يعلم كل بالموت حقيقتها أنها له فأضيفت إليه بالميراث عنهم؛ كما قال - -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ ، ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، والمرجع ونحو ذلك من غير غيبة عنه، ولكن ما يعلم كل إذ ذاك ذلك؛ وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ، وهو في الحقيقة كل يوم له، ولا قوة إلا بالله.
وفي الذكر والإخبار أنها له ميراث - تحريض على الإنفاق والتزود؛ إذ هي في الحقيقة لغير أهلها؛ وإنما لهم ما ينفقون ويتزودون دون ما يمسكون، وفيه منع الإمساك؛ وذلك كقوله - -: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الحديد: 10].
﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ : وعيد منه - عزَّ وجلَّ - إياهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ﴾ : قيل: لما نزلت: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...
﴾ الآية [البقرة: 245]، قالت اليهود: ربكم يستقرض منكم ونحن أغنياء.
وليس في الآية بيان أن ذلك القول إنما قاله اليهود أو غيرهم من الكفرة، ولكن فيه أنهم قالوا ذلك؛ فلا ندري من قال ذلك، ولا يجوز أن يشار إلى أحد بعينه إلا ببيان، ثم يحتمل ذلك القول منهم وجوهاً: يحتمل أن يكون قال ذلك أوائلهم؛ على ما قال في قتل الأنبياء - عليهم السلام - وهؤلاء لم يَقْتُلُوا؛ ولكن إنما قتلهم أوائلهم، أضيف ذلك إليهم؛ رضاء منهم بصنيعهم؛ فعلى ذلك القول الذي قالوا يحتمل ما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون هؤلاء قالوا ذلك بحضرة أصحاب رسول الله وبمشهدهم، أو قالوا ذلك في سر.
فإن قال ذلك أوائلهم؛ فإنه يحتمل وجهين: يحتمل أن يكون الله - - أعلم ذلك رسولَهُ ؛ تصبيراً منه إياه وتسكيناً؛ ليصبر على أذى الكفار؛ حيث قالوا في الله ما قالوا فكيف فيه؟!
[والله أعلم ويحتمل أن يكون ذلك ليكون [ذلك] آية من أيات رسالته.
وإن كانوا قالوا ذلك بحضرة أصحابه ؛ ففيه - أيضاً - وجهان: أحدهما: ما ذكرنا من التسكين والتصبير على أذاهم.
والثاني: ليعلموا أن جميع ما يقولون محفوظ عليهم؛ ليس بغائب عنه، ولا غافل عنه؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 42]، لكنه يؤخر ذلك إلى وقت.
وإن كانوا قالوا ذلك سرّاً؛ ففيه - أيضاً - وجهان: أحدهما: ما ذكرنا أن يكون آية من آيات النبوة؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، على علم منهم أنه لم يكن فيما بينهم من يُنْهِي الخبرَ إليه.
والثاني: خرج على التعزية له والتصبير على أذاهم.
ثم معنى قوله - - ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ ، و ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ - يحتمل وجهين: أحدهما: لئلا يمنوا على الفقراء بما يتصدقون عليهم؛ إذ يعلمون أنه ليس بفقير ولا محتاج ليستقرض لفقره ولحاجته، وكل من أقرض آخر لا لحاجة له في ذلك القرض ولا فقر؛ ولكن ليكون ماله عنده محفوظاً في الشاهد - فإنه لا يَمُنّ المُقْرِضُ عليه؛ بل تكون المنة للذي عنده القرض على المُقْرِض؛ حيث يحفظ ماله في السفاتج؛ فعلى ذلك المال الذي يقرضون ويتصدقون على الفقراء، يكون محفوظاً عند الله ليوم حاجتهم إليه؛ فلا منة تكون على الفقير، والله أعلم.
والثاني: إنباء عن جوده وكرمه؛ لأن العبد وما في ديه له، فلو أراد أن يأخذ جميع ما في يده لكان له ذلك، ثم يطلب منه ببدل يضاعف على ذلك.
والثالث: أن المولى في الشاهد إذا طلب [من عبده] القرض؛ يكون في ذلك شرف للعبد وعظم؛ فعلى ذلك الله - - إذا طلب من عبده القرض، على علم منه في أنه غني بذاته، لا يجب أن يبخل عليه، وفي ذلك شرفه وعظمه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ ﴾ ، قال أهل التفسير: قالت اليهود، وذلك تنبيه بصنيعهم وشدة سفههم؛ حتى زعموا أن يد الله مغلولة، لكن ليس في الآية بيان القائلين، ولا في النسبة إلى أحد تقع سوى خوف الكذب؛ لو لم يكن ذلك منه، لكنهم قالوه، والأغلب على مثله أن يكونوا قالوه سرّاً، يكون في إظهاره آية الرسالة، أو كانت الأوائل يقولون فيكون في ذلك ذلك؛ إذ لا يحتمل أن يُصْبَرَ لمثله: يقال بحضرة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - إلا أن يكون في وقت أمروا بالكف؛ فيكون في ذلك بيان قدر طاعتهم لله، مع عظيم ما سمعوا من القول، وجملة ذلك أن في ذكر ذلك دعاء إلى الصبر على أذاهم وسوء قولهم؛ إذ هم مع تقلبهم في نعم الله - - وعلمهم بأنهم لم ينالوا خيراً إلا بالله - - أجترءوا عليه بمثل هذا القول، وبلغ عُتُوُّهُم هذا، والله - جل ثناؤه - مع قدرته وسلطانه يَحْلُمُ عنهم ليومٍ وعدهم فيه الجزاء؛ فمن ليس منه إليهم نعمة ولا تقدم عليهم منه كثير منة - أحق بالصبر لأذاهم، وإعراض عن مكافأتهم؛ وعلى ذلك قوله - -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [الجاثية: 14]، وقال [الله لرسوله] : ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل: ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ ﴾ : قيل: سنجزيهم جزاء ما قالوا، وقيل: سنحفظ ما قالوا، وسنثبت، وسألزم، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ : قد ذكرنا هذا فيما تقدم أنه يحتمل: إذ قتل أوائِلُهم؛ فأضيف إليهم لرضائهم بفعلهم؛ كقوله - - ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ ؛ لرضاه بقتله.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ ، والأنبياء - عليهم السلام - لا يرتكبون ما يجب به قتلُهم؛ كقوله - -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [الأحزاب: 57]، أطلق القول فيه من غير ذكر اكتساب شيء يستوجب به ذلك، وشرط في المؤمنين اكتساب ما يستوجبون به؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ...
﴾ الآية [الأحزاب: 58]، فكيف ذكر ههنا - القتل بغير حق، وهم لا يكتسبون [ما] يستوجبون به القتل؟!
قيل: يحتمل قوله: بغير حق، أي: بغير حاجة؛ لأنهم كانوا يقتلون بلا منفعة تكون لهم في قتلهم؛ على ما قيل: إنهم كانوا يقتلون كذا كذا نبيّاً، ثم يهيج لهم سوق؛ فإذا كان كذلك يحتمل قوله: ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ ، أي: بغير حاجة؛ كقول لوط - -: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ فقالوا: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ ، أي: من حاجة، والله أعلم.
ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ ﴾ ، أي: قصدوا قصد قتل رسول الله ؛ فكأنْ قد قتلوه، أو قتلوا أصحابه - م - فأضيف إليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴾ : أي: المُحْرِق، وقد ذكرنا هذا.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ : ذكر الأيدي؛ لما بالأيدي يقدم، وإن لم يكن هذا مقدماً باليد في الحقيقة؛ وكذلك ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ لما باليد يكتسب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ذلك العذاب بسبب ما قدمت أيديكم -أيها اليهود- من المعاصي والمخازي، وبأن الله ليس يظلم أحدًا من عبيده.
<div class="verse-tafsir" id="91.1monk"
هذا كلام جديد مستقل لا يتعلق بواقعة أحد لا على سبيل القصد ولا على سبيل الاستطراد، فقد جاء في سياق القصة آيات في شؤون الكافرين في أنفسهم وما يليق بهم من الخزي والعقوبة ونحو ذلك تذكر للمناسبة، ثم يعود الكلام إلى ما يتعلق بالواقعة، وقد انتهى ذلك بالآيات التي قبل هذه الآيات وأما هذه وما بعدها إلى آخر السورة فهي ضروب من الإرشاد وذلك لا يمنع أن يكون بينها وبين ما قبلها تناسب، بل التناسب فيها ظاهر.
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بما آتاهم الله من فضله المال، وأن البخل به هو البخل بالصدقة المفروضة فيه، وعدم التصريح بذلك من ضروب إيجاز القرآن، فكثيرًا ما يترك التصريح بالقول لأنه مفهوم من السياق والقرائن دالة عليه واللبس مأمون، فلا يخطر ببال أحد أن الوعيد هو على البخل بجميع ما يملك الإنسان من فضل ربه عليه فإن الله أباح لنا الطيبات والزينة في نص كتابه، والعقل يجزم أيضًا بأن الله لا يكلف الناس بذل كل ما يكسبون وأن يبقوا جائعين عراة بائسين.
وذهب آخرون إلى أن ذلك هو العلم وأن الكلام في اليهود الذين أوتوا صفات النبي فكتموها، والأولى أن تبقى على عمومها فإن المال من فضل الله وكذلك العلم والجاه، والناس مطالبون بشكر ذلك والبخل على الناس به كفر لا شكر.
والحكمة في ترك النص على أن البخل المذموم هنا هو البخل بما يجب بذله مما يتفضل الله به على المكلف هي أن في العموم من التأثير في النفس ما ليس للتخصيص، وهذه السورة متأخرة في النزول وكانت أكثر الأحكام إذا أُنزلت مقررة فإذا طرق سمع المؤمن هذا القول تذكر فضل الله عليه وأن عليه فيه حقًا للناس، وأن هذا الخطاب يذكر به سواء منه ما هو معلوم معين وما ليس بمعلوم ولا معين بل هو موكول إلى اجتهاده الذي يتبع عاطفة الإيمان.
وإنما نفى أولًا كونه خيرًا ثم أثبت كونه شرًا مع أن الثاني هو الظاهر الذي لا يماري فيه لأن المانع للحق إنما يمنعه لأنه يحسب أن في منعه خيرًا له لما في بقاء المال في اليد مثلًا من الانتفاع به بالتمتع باللذات، ودفع الغوائل والآفات، وتوهم التمكن من قضاء الحاجات، فإن قيل إن التحديد كان أوضح وأنفى للإبهام قلنا إن القرآن كتاب هداية ووعظ يخاطب الأرواح ليجذبها إلى الخير وبالعبارة التي هي أحسن تأثيرًا لا ككتب الفقه وغيره من كتب الفنون التي تتحرى فيها التعريفات الجامعة المانعة.
وكتاب هذا شأنه لا يجري على السنن التي لا تليق إلا بضعفاء العقول الذين فسدت فطرتهم بالتعاليم الفاسدة، وإن مثل هذه العبارة المطلقة التي تخطر في البال بذل كل ما في اليد، وتكاد توجبه لولا الدلائل الأخرى، تحدث في النفس أريحية للبذل تدفعها إلى بذل الواجب وزيادة عليه.
﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ : إن الآية لم تبينه ولا أشارت إلى كيفيته، فإن ورد في صحيح الأحاديث ما يبينه اتبع الوارد بقدره لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ووجب الإيمان به عند من صح عنده على أنه من خبر الغيب الذي أمرنا بالإيمان به لمحض الاتباع، وذهب بعض المفسرين إلى أن معناه أنهم يحملون تبعة أموالهم، يقال طوقني الأمر أي الزمني إيه فحاصل المعنى على هذا أن العقاب على البخل لزام لا مرد له.
﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ : العبارة تبين أن كل ما يعطاه الإنسان من مال وجاه وقوة وعلم فإنه عرض زائل وصاحبه يفنى ويزول، ولا معنى لاستبقاء الفاني ما هو فان مثله بل عليه أن يضع كل شيء في موضعه الذي يصلح له، ويبذله في وجوهه اللائقة به، أي فهو بذلك يكون خليفة لله في إتمام حكمته في أرضه، ومحسنًا للتصرف فيما استخلف فيه.
﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا ﴾ ، قال مفسرنا كغيره أي نأمر بكتابته وغفلوا عن قوله: ﴿ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ فإنه كان من سلفهم فما معنى التعبير عن كتابته بصيغة الاستقبال؟
لابد من تفسيره بوجه يصح في الأمرين، ولكن ضعف المسلمين في لغة القرآن هو الذي أوقعهم في هذا الضعف في الفهم، والضعف في الدين وتبع ذلك الضعف في كل شيء.
ولا يقال إن الفعل إذا أسند إلى الله تعالى يتجرد من الزمان فإن الكلام في اختلاف التعبير، والمعنى الصحيح لهذه الكلمة "سنعاقبهم على ذلك حتمًا" فإن الكتابة هنا عبارة عن حفظه عليهم، ويراد به لازمه وهو العقوبة عليه، والتوعد بحفظ الذنب وكتابته وإرادة العقوبة عليه شائع مستعمل حتى اليوم فلا يحتاج إلى دقة نظر، ولفظ الكتابة أكد من لفظ الحفظ لما فيه من معنى الاستتباب وأمن النسيان، وإنما ضم قتل الانبياء - وهو أفظع جرائم هذا الشعب - إلى الجريمة التي سيق الوعيد لأجلها لبيان أن مثل هذا الكفر والتهور ليس بدعًا من أمرهم فإنه سبق لهم أن قتلوا الهداة المرشدين بعد ما جاءوهم بالبينات فهم يجرون في هذا على عرق وليس هو بأول كبائرهم، وللإيذان بأن الجريمتين سيان في العظم واستحقاق العقاب.
وأما إضافة القتل إلى الحاضرين فقد تقدمت حكمته في سورة البقرة، ويشير إليه قول المفسرين: إنهم يعدون قتلة لرضاهم بما فعله سلفهم، وهذا تحويم حول المعنى الذي اوضحناه هناك وهو أن الأمم متكافلة في الأمور العامة، إذ يجب على الأمة الإنكار على فاعل المنكر من أفرادها وتغييره، أو النهي عنه لئلا يفشو فيها فيصير خلقًا من أخلاقها، أو عادة من عاداتها فتستحق عقوبته في الدنيا كالضعف والفقر وفقد الاستقلال، كما تستحق عقوبته في الآخرة بما دنس نفوسها، ولذلك لعن الله تعالى الذين كفروا من بني إسرائيل بما عصوا وكانوا يعتدون وبيّن سبب ذلك بقوله: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ .
ذلك بأن من أقر فاعل المنكر فلم ينهه ولم يسخط عليه تكون نفسه مشاكلة لنفسه تأنس بما تأنس به، ثم لا يلبث أن يفعل المنكر ولو بعد حين ما لم يكن عاجزًا عن ذلك بسبب من الأسباب الحسية كضعف الجسم أو قلة المال، أي أن مثل هذا لا يترك المنكر لأنه رزيلة تدنس نفس فاعلها، فيكون بعيدًا عن الخير غير مستحق لرضوان الله .
وثم وجه آخر يجعل إسناد المنكر إلى مقره والراضي به إسنادًا قريبًا من الحقيقة وهو أن عدم النهي عن المنكر هو السبب في انتشاره وشيوعه لأن الميالين إلى المنكر لو علموا أن الناس يمقتونهم ويؤاخذونهم عليه لما فعلوه إلا ما يكون من الخلس الخفية، ولذلك كان الساكت على المنكر شريك الفاعل في الإثم.
كل هذا ظاهر فيمن يفعل المنكر في زمنه ولا ينكره، وأما من يقع المنكر من قومهم قبل زمنهم، كاليهود الذين نزلت هذه الآية وأمثالها فيهم كقوله: ﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ﴾ فهم يتفقون مع من سبقهم في علة الجريمة ومبعثها من النفس وهو عدم المبالاة بالدين، وقد كان هذا الخلف متفقين مع من سبقهم في الأخلاق والسجايا، وينتسبون إليهم انتساب حسب وتشرف أي فهم جديرون بأن يكونوا على شاكلتهم.
إن الله تعالى نبهنا بهذا الضرب من التعبير إلى أن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم بعين البصيرة ويطبقه على الشريعة فيستحسن منه ما استحسنت ويستقبح ما استهجنت، ويسجل على المسيء من سلفه إساءته وينفر منها، فإنه يعد عند الله تعالى مثله وشريكًا له في إثمه ومستحقًا لمثل عقوبته، فعليكم باتخذ الوسائل لإزالة المنكرات الفاشية ولا بد في ذلك من بذل الجهد، وإعمال الروية والفكر، وما علينا الآن في مثل هذه البلاد إلا الحيلة في بذل النصح والإرشاد، بأي ضرب من ضروبه، وكل أسلوب من أساليبه.
﴿ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ وقرأ حمزة "ويقول" الذوق عبارة عن الشعور بالألم أو ضده فمعنى ذوقوا تألموا، أما كيفية القول فلا نبحث فيها وإنما نعلم أن الله تعالى يوصل هذا المعنى إليهم.
﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ : يعني أن هذه العقوبة عدل منه سبحانه، وأشار بصيغة المبالغة (ظلام) إلى أن مثل هذه التسوية لا تصدر إلا ممن كان كثير الظلم مبالغًا فيه.
﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ﴾ أي أولئك هو الذين قالوا في الاعتذار عن عدم الإيمان بمحمد : إن الله عهد إلينا في كتابه التوراة أن لا نؤمن لرسول يدعى أنه مرسل من الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار.
قال المفسرون إنهم أرادوا شيئًا كان شائعًا عندهم وهو أن يذبح القربان من النعم أو غيرها، فيوضع في مكان معين فتأتي نار بيضاء من السماء لها دوي فتأخذه أو تحرقه.
وروي ابن جرير عن ابن عباس أن الرجل منهم كان يتصدق بالصدقة فإذا تقبل منه نزلت عليه نار من السماء فأكلته، أي أكلت ما تصدق به.
ويجوز، وهو الأظهر، أن يكون معنى ﴿ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ﴾ أن يفرض علينا تقريب قربان يحرق بالنار فقد كان من أحكام الشريعة عندهم أن يحرقوا بعض القربان وقد أمر الله تعالى نبيه أن يرد عليهم فقال: ﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في زعمكم أنكم لا تؤمنون بي لأني لم آمر بإحراق القرابين، أي إنكم لم ترضوا بعصيان أولئك الرسل فقط بل قسوتم عليهم وقتلتموهم، ولا ريب أن هذا لم يقع منكم إلا لأنكم شعب غليظ الرقبة وأنكم قساة غلف القلوب لا تفقهون الحق ولا تذعنون له، وهذا مبني على ما قلناه من اعتبار الأمة باتفاق أخلاقها وصفاتها وعاداتها العامة كالشخص الواحد، وكان هذا المعنى معروفًا عند العرب فإنهم يلصقون جريمة الشخص بقبيلته ويؤاخذونها به ولو بعد موته، ويدلنا هذا على أن الجنايات والجرائم مرتبطة في حكم الله تعالى بمناشئها ومنابعها، فمن لم يرتكب الجريمة لأن آلاتها وأسبابها غير حاضرة لديه لا يكون بريئًا من الجريمة إذا كان منشأُها والباعث عليها مستقرًا في نفسه، وهذا المنشأ هو التهاون بأمر الشريعة وعدم المبالاة بأمر الحق والتحري فيه.
<div class="verse-tafsir"