الآية ١٨٨ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٨٨ من سورة آل عمران

لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍۢ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 153 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨٨ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا [ فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ] ) الآية ، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا ، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة " وفي الصحيح : " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، أخبرني ابن أبي مليكة أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره : أن مروان قال : اذهب يا رافع - لبوابه - إلى ابن عباس ، رضي الله عنه ، فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل - معذبا ، لنعذبن أجمعون ؟

فقال ابن عباس : وما لكم وهذه ؟

إنما نزلت هذه في أهل الكتاب ، ثم تلا ابن عباس : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ) وتلا ابن عباس : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) الآية .

وقال ابن عباس : سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء ، فكتموه وأخبروه بغيره ، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه .

وهكذا رواه البخاري في التفسير ، ومسلم ، والترمذي والنسائي في تفسيريهما ، وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه ، والحاكم في مستدركه ، كلهم من حديث عبد الملك بن جريج ، بنحوه ورواه البخاري أيضا من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن علقمة بن وقاص : أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس ، فذكره .

وقال البخاري : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أنبأنا محمد بن جعفر ، حدثني زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فنزلت : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) الآية .

وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم ، بنحوه وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث الليث بن سعد ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم قال : كان أبو سعيد ورافع بن خديج وزيد بن ثابت عند مروان فقال : يا أبا سعيد ، رأيت قول الله تعالى : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) ونحن نفرح بما أتينا ونحب أن نحمد بما لم نفعل ؟

فقال أبو سعيد : إن هذا ليس من ذاك ، إنما ذاك أن ناسا من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا ، فإن كان فيه نكبة فرحوا بتخلفهم ، وإن كان لهم نصر من الله وفتح حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح .

فقال مروان : أين هذا من هذا ؟

فقال أبو سعيد : وهذا يعلم هذا ، فقال مروان : أكذلك يا زيد ؟

قال : نعم ، صدق أبو سعيد .

ثم قال أبو سعيد : وهذا يعلم ذاك - يعني رافع بن خديج - ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة .

فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد الخدري : ألا تحمدني على شهادة لك ؟

فقال أبو سعيد : شهدت الحق .

فقال زيد : أو لا تحمدني على ما شهدت الحق ؟

ثم رواه من حديث مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن رافع بن خديج : أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم ، وهو أمير المدينة ، فقال مروان : يا رافع ، في أي شيء نزلت هذه ؟

فذكره كما تقدم عن أبي سعيد ، رضي الله عنهم ، وكان مروان يبعث بعد ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم ، فقال له ما ذكرناه ، ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء ، لأن الآية عامة في جميع ما ذكر ، والله أعلم .

وقد روى ابن مردويه أيضا من حديث محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة ، عن الزهري ، عن محمد بن ثابت الأنصاري ، أن ثابت بن قيس الأنصاري قال : يا رسول الله ، والله لقد خشيت أن أكون هلكت .

قال : " لم ؟

" قال : نهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل ، وأجدني أحب الحمد .

ونهى الله عن الخيلاء ، وأجدني أحب الجمال ، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك ، وأنا امرؤ جهوري الصوت .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا ترضى أن تعيش حميدا ، وتقتل شهيدا ، وتدخل الجنة ؟

" قال : بلى يا رسول الله .

فعاش حميدا ، وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب .

وقوله : ( فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) يقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد ، وبالياء على الإخبار عنهم ، أي : لا تحسبون أنهم ناجون من العذاب ، بل لا بد لهم منه ، ولهذا قال : ( ولهم عذاب أليم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: عني بذلك قومٌ من أهل النفاق كانوا يقعدون خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا العدو، فإذا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

* ذكر من قال ذلك: 8335 - حدثنا محمد بن سهل بن عسكر وابن عبد الرحيم البرقي قالا حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير قال، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو، تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله.

وإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم من السفر اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

فأنـزل الله تعالى فيهم: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا " الآية.

(11) 8336 - حدثني يونس قال، أخبرنا بن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، قال: هؤلاء المنافقون، يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: لو قد خرجت لخرجنا معك!

فإذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم تخلَّفوا وكذبوا، ويفرحون بذلك، ويرون أنها حيلة احتالوا بها.

* * * وقال آخرون: عني بذلك قوم من أحبار اليهود، كانوا يفرحون بإضلالهم الناس، ونسبة الناس إياهم إلى العلم.

* ذكر من قال ذلك: 8337 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس أو سعيد بن جبير: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلى قوله: " ولهم عذاب أليم "، يعني فنحاصا وأشيع وأشباههما من الأحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا للناس من الضلالة=" ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، أن يقول لهم الناس علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا خير، (12) ويحبون أن يقول لهم الناس: قد فعلوا.

(13) 8338 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: أنه حدثه عن ابن عباس بنحو ذلك= إلا أنه قال: وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى.

(14) * * * وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من اليهود، فرحوا باجتماع كلمتهم على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، ويحبون أن يحمدوا بأن يقال لهم: أهل صلاة وصيام.

* ذكر من قال ذلك: 8339 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا "، فإنهم فرحوا باجتماعهم على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: " قد جمع الله كلمتنا، ولم يخالف أحد منا أحدًا [أن محمدًا ليس بنبي].

(15) " وقالوا: " نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أهل الصلاة والصيام "، وكذبوا، بل هم أهل كفر وشرك وافتراء على الله، قال الله: " يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ".

8340 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، قال: كانت اليهود أمر بعضهم بعضًا، (16) فكتب بعضهم إلى بعض: " أنّ محمدًا ليس بنبي، فأجمعوا كلمتكم، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم "، ففعلوا وفرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم .

8341 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي &; 7-468 &; قال: كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم، ففرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

8342 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وفرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه، وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون: " نحن أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الزكاة، ونحن على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم "، فأنـزل الله فيهم: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا "، من كتمان محمد صلى الله عليه وسلم=" ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، أحبوا أن تحمدهم العرب، بما يزكون به أنفسهم، وليسوا كذلك.

8343 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي الجحاف، عن مسلم البطين قال: سأل الحجاج جلساءه عن هذه الآية: " لا تحسبن الذي يفرحون بما أتوا "، قال سعيد بن جبير: بكتمانهم محمدًا=" ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، قال: هو قولهم: " نحن على دين إبراهيم عليه السلام ".

(17) 8344 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، هم أهل الكتاب، أنـزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وفرحوا بذلك، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

فرحوا بأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنـزل الله، وهم يزعمون أنهم يعبدون الله، ويصومون ويصلون، ويطيعون الله.

فقال الله جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا "، كفرًا بالله وكفرًا بمحمد صلى الله عليه وسلم (18) =" ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، من الصلاة والصوم، فقال الله جل وعز لمحمد صلى الله عليه وسلم: " فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ".

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا "، من تبديلهم كتاب الله، ويحبون أن يحمَدهم الناس على ذلك.

* ذكر من قال ذلك: 8345 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا "، قال: يهودُ، فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه، ولا تملك يهود ذلك.

(19) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: أنهم فرحوا بما أعطى الله تعالى آل إبراهيم عليه السلام.

* ذكر من قال ذلك: 8346 - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي المعلى، عن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية: " ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، قال: اليهود، يفرحون بما آتى الله إبراهيم عليه السلام.

* * * 8347 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة عن أبي المعلى العطّار، عن سعيد بن جبير قال: هم اليهود، فرحوا بما أعطى الله تعالى إبراهيم عليه السلام.

وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من اليهود، سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه، ففرحوا بكتمانهم ذلك إياه.

ذكر من قال ذلك: 8348 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني ابن أبي مليكة: أن علقمة بن أبي وقاص أخبره: أن مروان قال لرافع: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: " لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا، ليعذبنا الله أجمعين "!

فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه!

إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود، فسألهم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استجابوا لله بما أخبروه عنه مما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه.

ثم قال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ، الآية.

8349 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عبدالله بن أبي مليكة: أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره: أن مروان بن الحكم قال لبوابه: يا رافع، اذهب إلى ابن عباس فقل له: " لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا، لنعذبن جميعًا "!

فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟

إنما أنـزلت في أهل الكتاب!

ثم تلا ابن عباس: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ إلى قوله: " أن يحمدوا بما لم يفعلوا ".

قال ابن عباس: سألهم النبيّ صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما قد سألهم عنه، فاستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه.

(20) * * * وقال آخرون: بل عني بذلك قومٌ من يهود، أظهروا النفاق للنبي صلى الله عليه وسلم محبة منهم للحمد، والله عالم منهم خلاف ذلك.

* ذكر من قال ذلك: 8350 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أنّ أعداء الله اليهود، يهود خيبر، أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم، فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به، وأنهم متابعوه، وهم متمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمَدهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بما لم يفعلوا، فأنـزل الله تعالى: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، الآية.

8351 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: إن أهل خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: " إنا على رأيكم وسنتكم، (21) وإنا لكم رِدْء ".

(22) فأكذبهم الله فقال: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا " الآيتين.

8352 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: جاء رجل إلى عبدالله فقال: إن كعبًا يقرأ عليك السلام ويقول: إن هذه الآية لم تنـزل فيكم: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، قال: أخبروه أنها نـزلت وهو يهودي.

(23) * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا " الآية، قول من قال: " عني بذلك أهل الكتاب الذين أخبر &; 7-472 &; الله جل وعز أنه أخذ ميثاقهم، ليبين للناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكتمونه "، لأن قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا " الآية، في سياق الخبر عنهم، وهو شبيه بقصتهم مع اتفاق أهل التأويل على أنهم المعنيون بذلك.

فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: لا تحسبن، يا محمد، الذين يفرحون بما أتوا من كتمانهم الناسَ أمرك، وأنك لي رسول مرسل بالحق، وهم يجدونك مكتوبًا عندهم في كتبهم، وقد أخذت عليهم الميثاق بالإقرار بنبوتك، وبيان أمرك للناس، وأن لا يكتموهم ذلك، وهم مع نقضهم ميثاقي الذي أخذت عليهم بذلك، يفرحون بمعصيتهم إياي في ذلك، ومخالفتهم أمري، ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبادة وصلاة وصوم، واتباع لوحيه وتنـزيله الذي أنـزله على أنبيائه، وهم من ذلك أبرياء أخلياء، لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا مما يحبون أن يحمدهم الناس عليه=" فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ".

* * * وقوله: " فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب "، فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله الذي أعده لأعدائه في الدنيا، (24) من الخسف والمسخ والرجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه، (25) كما:- 8353 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب "، قال: بمنجاة من العذاب.

* * * قال أبو جعفر: " ولهم عذاب أليم "، يقول: ولهم عذابٌ في الآخرة أيضًا مؤلم، مع الذي لهم في الدنيا معجل.

(26) ---------------------- الهوامش : (11) الحديث: 8335 - رواه البخاري من طريق شيخه سعيد بن أبي مريم ، كرواية الطبري (الفتح: 8: 175).

وقال ابن كثير 2: 317: "رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه".

(12) سيرة ابن هشام"هدى ولا حق".

وفي المطبوعة: "لم يحملوهم على هدى" غير ما في المخطوطة ، ولكنها الصواب ، ويدل على ذلك الأثر التالي ، فإنه ذكر وجه الخلاف بين الروايتين.

(13) الأثر: 8337 ، 8338 - سيرة ابن هشام 2: 208 ، وهو تتمة الأثر السالف رقم: 8318 ، والإسناد متصل إلى ابن عباس ، كما مضى مرارًا.

(14) في المطبوعة: "ابن كريب" ، وهو خطأ ، قد مضى على صحته في مئات من المواضع.

(15) هذه الجملة بين القوسين ، كان مكانها في المطبوعة: "أنه نبي" ، وفي المخطوطة"أن بنبي" ، والذي في المطبوعة مخالف لما تمالأ عليه اليهود ، والذي في المخطوطة بين الفساد والخرم ، واستظهرت ما بين القوسين من الأثر الذي رواه السيوطي في الدر المنثور 2: 109 ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك ، والذي سيأتي في الأثر التالي ، ونصه: "إن اليهود كتب بعضهم إلى بعض أن محمدًا ليس بنبي ، فأجمعوا كلمتكم ، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم".

فمن هذا استظهرت صواب العبارة التي أثبتها.

(16) في المطبوعة والمخطوطة: "قال: قالت اليهود أمر بعضهم بعضًا" ، وهو كلام غير مستقيم ، صحفت"كانت" إلى"قالت" فأثبتها على الصواب إن شاء الله.

(17) الأثر: 8343 - انظر الأثر السالف رقم: 8322.

(18) في المطبوعة: "كفروا بالله ، وكفروا بمحمد" ، والصواب من المخطوطة.

(19) قوله: "ولا تملك يهود ذلك" كأنه يعني: ولا تملك يهود النجاة من عذاب الله ، كما أنذرهم في الآية.

(20) الأثران: 8348 ، 8349 - أخرجهما البخاري في كتاب التفسير ، الأول من طريق: "إبراهيم بن موسى عن هشام ، أن ابن جريج أخبرهم..." والآخر من طريق: "ابن مقاتل ، أخبرنا الحجاج ، عن ابن جريج" ، وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير.

وقد استوفى الحافظ ابن حجر في الفتح 8: 175 ، 176 ، في هذين الأثرين ، ذكر رافع ، الذي لم يروا له ذكرًا في كتب الرواة ، وفي اختلافهم على ابن جريج في شيخ شيخه مرة"علقمة بن أبي وقاص" ، وأخرى"حميد بن عبد الرحمن بن عوف".

وانظر أسباب النزول الواحدي: 101 ، 102.

(21) في المطبوعة: "على رأيكم وهيئتكم" ، والذي في المخطوطة"على رأيكم وسكم" غير منقوطة ، وأرجح أن صواب قراءتها ما أثبت.

وأكثر من روى هذا الخبر حذف منه هذه الكلمة.

و"السنة": الطريقة والنهج.

(22) "الردء": العون والناصر ، ينصره ويشد ظهره.

(23) الأثر: 8352 - انظر الأثر السالف رقم: 8325 ، "وكعب" هو"كعب الأحبار".

(24) انظر تفسير"فاز" فيما سلف قريبا ص: 452.

(25) انظر معاني القرآن للفراء 1: 250.

(26) أخشى أن يكون صواب العبارة: "ولهم عذاب مؤلم في الآخرة أيضا مؤجل ، مع الذي لهم في الدنيا معجل".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليمأي بما فعلوا من القعود في التخلف عن الغزو وجاءوا به من العذر .

ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ; فنزلت لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا الآية .

وفي الصحيحين أيضا أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم [ ص: 287 ] يفعل معذبا لنعذبن أجمعون .

فقال ابن عباس : ما لكم ولهذه الآية !

إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب .

ثم تلا ابن عباس وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه و لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا .

وقال ابن عباس : سألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء فكتموه إياه ، وأخبروه بغيره ; فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ، وما سألهم عنه .

وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق ، وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم ، واشتروا به ثمنا قليلا أي بما أعطاهم الملوك من الدنيا ; فقال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم .

فأخبر أن لهم عذابا أليما بما أفسدوا من الدين على عباد الله .

وقال الضحاك : إن اليهود كانوا يقولون للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبينا في آخر الزمان يختم به النبوة ; فلما بعثه الله سألهم الملوك أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم ؟

فقال اليهود طمعا في أموال الملوك : هو غير ذلك ، فأعطاهم الملوك الخزائن ; فقال الله تعالى : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا الملوك من الكذب حتى يأخذوا عرض الدنيا .

والحديث الأول خلاف مقتضى الحديث الثاني .

ويحتمل أن يكون نزولها على السببين لاجتماعهما في زمن واحد ، فكانت جوابا للفريقين ، والله أعلم .

وقوله : واستحمدوا بذلك إليه ، أي طلبوا أن يحمدوا .

وقول مروان : لئن كان كل امرئ منا إلخ دليل على أن للعموم صيغا مخصوصة ، وأن " الذين " منها .

وهذا مقطوع به من تفهم ذلك من القرآن والسنة .

وقوله تعالى : ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا إذا كانت الآية في أهل الكتاب لا في المنافقين المتخلفين ; لأنهم كانوا يقولون : نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه ، وكانوا يقولون : نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب ; يريدون أن يحمدوا بذلك .

و ( الذين ) فاعل بيحسبن بالياء .

وهي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو ; أي لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب .

وقيل : المفعول الأول محذوف ، وهو أنفسهم .

والثاني بمفازة .

وقرأ الكوفيون تحسبن بالتاء على الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ; أي لا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب .

وقوله فلا تحسبنهم بالتاء وفتح الباء ، [ ص: 288 ] إعادة تأكيد ، ومفعوله الأول الهاء والميم ، والمفعول الثاني محذوف ; أي كذلك ، والفاء عاطفة أو زائدة على بدل الفعل الثاني من الأول .

وقرأ الضحاك وعيسى بن عمر بالتاء وضم الباء " فلا تحسبنهم " أراد محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه .

وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين ; أي فلا يحسبن أنفسهم ; " بمفازة " المفعول الثاني .

ويكون " فلا يحسبنهم " تأكيدا .

وقيل : " الذين " فاعل " بيحسبن " ومفعولاها محذوفان لدلالة " يحسبنهم " عليه ; كما قال الشاعر :بأي كتاب أم بأية آية ترى حبهم عارا علي وتحسباستغنى بذكر مفعول الواحد عن ذكر مفعول ، الثاني ، و " بمفازة " الثاني ، وهو بدل من الفعل الأول فأغنى لإبداله منه عن ذكر مفعوليه ، والفاء زائدة .

وقيل : قد تجيء هذه الأفعال ملغاة لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر :وما خلت أبقى بيننا من مودة عراض المذاكي المسنفات القلائصالمذاكي : الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان ; الواحد مذك ، مثل المخلف من الإبل ; وفي المثل جري المذكيات غلاب ، والمسنفات اسم مفعول ; يقال : سنفت البعير أسنفه سنفا إذا كففته بزمامه وأنت راكبه ، وأسنف البعير لغة في سنفه ، وأسنف البعير بنفسه إذا رفع رأسه ; يتعدى ولا يتعدى .

وكانت العرب تركب الإبل وتجنب الخيل ; تقول : الحرب لا تبقي مودة .

وقال كعب بن أبي سلمى :أرجو وآمل أن تدنو مودتها وما إخال لدينا منك تنويلوقرأ جمهور القراء السبعة وغيرهم أتوا بقصر الألف ، أي بما جاءوا به من الكذب والكتمان .

وقرأ مروان بن الحكم والأعمش وإبراهيم النخعي " آتوا " بالمد ، بمعنى أعطوا : وقرأ سعيد بن جبير " أوتوا " على ما لم يسم فاعله ; أي أعطوا .

والمفازة المنجاة ، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا ; أي ليسوا بفائزين .

وسمي موضع المخاوف مفازة على جهة التفاؤل ; قاله الأصمعي .

وقيل : لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك ; تقول العرب : فوز الرجل إذا مات .

قال ثعلب : حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ ، قال لي أبو المكارم : إنما سميت مفازة ; لأن من قطعها فاز .

وقال الأصمعي : سمي اللديغ سليما تفاؤلا .

قال ابن الأعرابي : [ ص: 289 ] لأنه مستسلم لما أصابه .

وقيل : لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب ; لأن الفوز التباعد عن المكروه ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال تعالى: { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } أي: من القبائح والباطل القولي والفعلي.

{ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أي: بالخير الذي لم يفعلوه، والحق الذي لم يقولوه، فجمعوا بين فعل الشر وقوله، والفرح بذلك ومحبة أن يحمدوا على فعل الخير الذي ما فعلوه.

{ فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب } أي: بمحل نجوة منه وسلامة، بل قد استحقوه، وسيصيرون إليه، ولهذا قال: { ولهم عذاب أليم } ويدخل في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم، ولم ينقادوا للرسول، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم، وكذلك كل من ابتدع بدعة قولية أو فعلية، وفرح بها، ودعا إليها، وزعم أنه محق وغيره مبطل، كما هو الواقع من أهل البدع.

ودلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير واتباع الحق، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة، أنه غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة، التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين له الأعمال والأقوال، وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه، كما قال إبراهيم عليه السلام: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } وقال: { سلام على نوح في العالمين، إنا كذلك نجزي المحسنين } وقد قال عباد الرحمن: { واجعلنا للمتقين إماما } وهي من نعم الباري على عبده، ومننه التي تحتاج إلى الشكر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ) الآية قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( لا تحسبن ) بالتاء ، أي : لا تحسبن يا محمد الفارحين وقرأ الآخرون بالياء " لا يحسبن " الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب ( فلا يحسبنهم ) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين ، أي فلا يحسبن أنفسهم ، وقرأ الآخرون بالتاء وفتح الباء أي : فلا تحسبنهم يا محمد وأعاد قوله ( فلا تحسبنهم ) تأكيدا وفي حرف عبد الله بن مسعود ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بمفازة من العذاب ) من غير تكرار .

واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا سعيد بن أبي مريم ، أنا محمد بن جعفر ، حدثني زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فنزلت ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ) الآية .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا إبراهيم بن موسى ، أنا هشام ، أن ابن جريج أخبرهم : أخبرني ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقل له : لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس : ما لكم ولهذه إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه فأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ، ثم قرأ ابن عباس رضي الله عنهما ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) كذلك حتى قوله : ( يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) .

قال عكرمة : نزلت في فنحاص وأشيع وغيرهما من الأحبار يفرحون بإضلالهم الناس وبنسبة الناس إياهم إلى العلم وليسوا بأهل العلم .

وقال مجاهد : هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه .

وقال سعيد بن جبير : هم اليهود فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم وهم برآء من ذلك .

وقال قتادة ومقاتل : أتت يهود خيبر نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نحن نعرفك ونصدقك وإنا على رأيكم ونحن لكم ردء ، وليس ذلك في قلوبهم فلما خرجوا قال لهم المسلمون : ما صنعتم؟

قالوا : عرفناه وصدقناه فقال لهم المسلمون : أحسنتم هكذا فافعلوا فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال : ( يفرحون بما أتوا ) قال الفراء بما فعلوا كما قال الله تعالى : " لقد جئت شيئا فريا " ( مريم - 27 ) أي : فعلت ، ( ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة ) بمنجاة ، ( من العذاب ولهم عذاب أليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا تحسبن» بالتاء والياء «الذين يفرحون بما أتوا» فعلوا من إضلال الناس «ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا» من التمسك بالحق وهم على ضلال «فلا تحسبنهم» في الوجهين تأكيد «بمفازة» بمكان ينجون فيه «من العذاب» في الآخرة بل هم في مكان يعذَّبون فيه وهو جهنم «ولهم عذاب أليم» مؤلم فيها، ومفعولا يحسب الاولى دل عليهما مفعولا الثانية على قراءة التحتانية وعلى الفوقانية حذف الثاني فقط.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تظنن الذين يفرحون بما أَتَوا من أفعال قبيحة كاليهود والمنافقين وغيرهم، ويحبون أن يثني عليهم الناس بما لم يفعلوا، فلا تظننهم ناجين من عذاب الله في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب موجع.

وفي الآية وعيد شديد لكل آت لفعل السوء معجب به، ولكل مفتخر بما لم يعمل، ليُثنيَ عليه الناس ويحمدوه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب المتعددة ، وهى أنهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، ويفرحون بما أتوا ، وبين سوء عاقبتهم بسبب تلك الأخلاق القبيحة فقال : { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ العذاب وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .والخطاب فى قوله { لاَ تَحْسَبَنَّ } موجه إلى النبى صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له الخطاب .والنهى موجه إلى حسبان أن يكون فى هؤلاء الأشرار خير .أى أن الله تعالى ، ينهى نبيه صلى الله عليه وسلم ، نهيا مؤكدا عن أن يظن خيرا فى هؤلاء الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا .و " المفازة " مصدر ميمى بمعنى الفوز .

وقيل هى اسم مكان أى محل فوز ونجاة .والمعنى : لا تظن يا محمد أن هؤلاء الأشرار { الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ } أى يفرحون بما فعلوا من بيعهم الدين بالدنيا واستبدالهم الذى هو أدنى بالذى هو خير ، والذين { يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } أي يحبون أن يمدحهم الناس على ما لم يفعلوه من الوفاء بالعهود ، ومن إظهار الحق وعدم كتمانه ، فإنهم فعلوا الشرور والآثام .

ثم لم يحاولوا أن يستروا ما اقترفوه من آثام ، بل يطلبون من الناس أن يمدحوهم على ما ارتكبوه من منكرات ، فهم ممن قال الله فيهم { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً } لا تحسبن هؤلاء الأشرار { بِمَفَازَةٍ مِّنَ العذاب } أى بمنجاة منه ، بل لهم عذاب مؤلم أشد الإيلام بسبب ما اجترحوه من سيئات .وقوله { الذين يَفْرَحُونَ } هو المفعول الأول لتحسب ، والمفعول الثانى محذوف والتقدير : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا موفقين .

أو مهتدين ، أو صالحين .وحذف هذا المفعول الثانى لدلالة ما بعده عليه وهو قوله { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ } ولتذهب النفس كل مذهب فيما يتناسب مع الوصف الذى وصفهم به - سبحانه - ، وهو أنهم يفعلون القبيح ويحبون أن يحمدهم الناس عليه .وقوله { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ العذاب } بيان لسوء عاقبتهم بسبب أفعالهم السيئة وهو تأكيد لقوله { لاَ تَحْسَبَنَّ } .قال الزجاج : جرت عادة العرب أنهم إذا طالت القصة أو الكلام أعادوا لفظ حسب وما أشبهه ، للإعلام بأن الذى جرى متصل بالكلام الأول والأول متصل به .

فتقول .

لا تظن زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا فلا تظنه صادقا .

فيفيد " لا تظنن " توكيدا وتوضيحا .والتعبير عن النجاة من العذاب الأليم ، ولكنهم لن ينجوا منه أبدا ، ولذا أكد - سبحانه - عدم نجاتهم بقوله { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .فذكر - سبحانه - عذابهم الأليم بالسلب والإيجاب ، فنفى أولا أنهم بمنجاة منه ، وأخبر ثانيا أنهم واقعون فيه .هذا ، وقد ذكر كثير من العلماء أن هذه الآية الكريمة نزلت فى شان أحبار اليهود فقد روى الشيخان والترمذى والنسائي ، وغيرهم عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف أن مروان قال لبوابه رافع : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له لئن كان كل امرىء منا فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذ بن جميعا .فقال ابن عباس : مالكم وهذه ، وإنما نزلت هذه فى أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس : { وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب } إلى قوله { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقال ابن عباس : " سألهم النبى صلى الله عليه وسلم عن شىء فكتموه إياه وأخبروه بغيره ، ثم خرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه " .وذكر بعض العلماء أن هذه الآية نزلت فى شأن المنافقين ، فقد روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو وتخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو ، اعتذروا إليه وحلفوا وأحبو أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزت ، { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ } .قال العلماء : ولا منافاة بين الروايتين ، لأن الآية عامة فى جميع ما ذكر .

وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حدثتنا عن جملة من رذائل أهل الكتاب ، فقد حكت قولهم { إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ } وحكت قولهم { أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار } ووصفتهم بكتمان الحق ونبذه وراء ظهورهم ، كما وصفتهم بأنهم يفرحون بما أتوا وييحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، وردت على أكاذيبهم بما يدحضها وأنذرتهم بسوء مصيرهم ، وساقت للمؤمنين من ألوان التسلية ما يخفف عنهم مصابهم ، ويجعلهم يسيرون فى هذه الحياة بعزم ثابت ، وهمة عالية ، ونفس مطمئنة .ثم ختم - سبحانه - سورة آل عمران بالحديث عن مظاهر قدرته ، وأدلة وحدانيته ، وبشر أصحاب العقول السليمة - الذين يعتبرون ويتعظون ويتفكرون ويكثرون من ذكره - برضوانه وجنته ، وأمر عباده بألا يغتروا بما عليه الكافرون من سلطان وجاه فإنه - سبحانه - قد جعل العاقبة للمتقين ، كما أمرهم بالصبر والمصابرة والمرابطة ومداومة خشيته فقال - تعالى - : { وَللَّهِ مُلْكُ السماوات .

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا من جملة ما دخل تحت قوله: ﴿ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً  ﴾ فبين تعالى ان من جملة أنواع هذا الأذى أنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع الخبث والتلبيس على ضعفة المسلمين، ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل البر والتقوى والصدق والديانة، ولا شك أن الإنسان يتأذى بمشاهدة مثل هذه الأحوال، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالمصابرة عليها، وبين ما لهم من الوعيد الشديد وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتاء المنقطة من فوق، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء المنقطة من تحت، وكذا في قوله: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ أما القراءة الأولى ففيها وجهان: أحدهما: أن يقرأ كلاهما بفتح الباء.

والثاني: أن يقرأ كلاهما بضم الباء، فمن قرأ بالتاء وفتح الباء فيهما جعل التقدير: لا تحسبن يا محمد، أو أيها السامع، ومن ضم الباء فيهما جعل الخطاب للمؤمنين: وجعل أحد المفعولين الذين يفرحون، والثاني: بمفازة وقوله: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ ﴾ تأكيد للأول وحسنت اعادته لطول الكلام، كقولك: لا تظن زيدا إذا جاءك وكلمك في كذا وكذا فلا تظنه صادقا، وأما القراءة الثانية وهي بالياء المنقطة من تحت في قوله: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ ﴾ ففيها أيضا وجهان: الأول: بفتح الباء وبضمها فيهما جعل الفعل للرسول صلى الله عليه وسلم والباقي كما علمت.

والوجه الثاني: بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو، ووجهه أنه جعل الفعل للذين يفرحون ولم يذكر واحدا من مفعوليه، ثم أعاد قوله: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ﴾ بضم الباء وقوله: ﴿ هُمْ ﴾ رفع باسناد الفعل اليه، والمفعول الأول محذوف والتقدير: ولا تحسبن هؤلاء الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف هؤلاء القوم بأنهم يفرحون بفعلهم ويحبون أيضا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، والمفسرون ذكروا فيه وجوها: الأول: أن هؤلاء اليهود يحرفون نصوص التوراة ويفسرونها بتفسيرات باطلة ويروجونها على الاغمار من الناس، ويفرحون بهذا الصنع ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل الدين والديانة والعفاف والصدق والبعد عن الكذب، وهو قول ابن عباس، وأنت إذا أنصفت عرفت أن أحوال أكثر الخلق كذلك، فإنهم يأتون بجميع وجوه الحيل في تحصيل الدنيا ويفرحون بوجدان مطلوبهم، ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل العفاف والصدق والدين والثاني: روي أنه عليه الصلاة والسلام سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروا بخلافه، وأروه أنهم قد صدقوه وفرحوا بذلك التلبيس، وطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يثني عليهم بذلك، فأطلع الله رسوله على هذا السر.

والمعنى أن هؤلاء اليهود فرحوا بما فعلوا من التلبيس وتوقعوا منك أن تثني عليهم بالصدق والوفاء.

والثالث: يفرحون بما فعلوا من كتمان النصوص الدالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من إتباع دين إبراهيم، حيث ادعوا أن إبراهيم عليه السلام كان على اليهودية وأنهم على دينه.

الرابع: أنه نزل في المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الايمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث أنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا، ثم كانوا يتوقعون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحمدهم على الإيمان الذي ما كان موجودا في قلوبهم.

الخامس: قال أبو سعيد الخدري نزلت في رجال من المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو، ويفرحون بقعودهم عنه فإذا قدم اعتذروا إليه فيقبل عذرهم، ثم طمعوا أن يثني عليهم كما كان يثني عن المسلمين المجاهدين.

السادس: المراد منه كتمانهم ما في التوراة من أخذ الميثاق عليهم بالاعتراف بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبالإقرار بنبوته ودينه، ثم إنهم فرحوا بكتمانهم لذلك وإعراضهم عن نصوص الله تعالى، ثم زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.

واعلم أن الأولى أن يحمل على الكل، لأن جميع هذه الأمور مشتركة في قدر واحد، وهو أن الإنسان يأتي بالفعل الذي لا ينبغي ويفرح به، ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والاقبال على طاعة الله.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ بِمَا أَتَوْاْ ﴾ بحثان: الأول: قال الفراء: قوله: ﴿ بِمَا أَتَوْاْ ﴾ يريد فعلوه كقوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً  ﴾ أي فعلت.

قال صاحب الكشاف: أتى وجاء، يستعملان بمعنى فعل، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً  ﴾ ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ ويدل عليه قراءة أبي ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا فَعَلُواْ ﴾ .

البحث الثاني: قرئ آتوا بمعنى أعطوا، وعن علي رضي الله عنه ﴿ بِمَا أُوتُواْ ﴾ .

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب ﴾ أي بمنجاة منه، من قولهم: فاز فلان إذا نجا، وقال الفراء: أي ببعد من العذاب، لأن الفوز معناه التباعد من المكروه، وذكر ذلك في قوله: ﴿ فَقَدْ فَازَ ﴾ ثم حقق ذلك بقوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ولا شبهة أن الآية، واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاهم.

ثم قال: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ أي لهم عذاب أليم ممن له ملك السموات والأرض، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ﴾ خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأحد المفعولين ﴿ الذين يَفْرَحُونَ ﴾ والثاني ﴿ بِمَفَازَةٍ ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ تأكيد تقديره: لا تحسبنهم، فلا تحسبنهم فائزين.

وقرئ: ﴿ لا تحسبن ﴾ .

﴿ فلا تحسبنهم ﴾ ، بضم الباء على خطاب المؤمنين ﴿ ولا يحسبن ﴾ .

فلا ﴿ يحسبنهم ﴾ ، بالياء وفتح الباء فيهما، على أنّ الفعل للرسول.

وقرأ أبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأوّل وضمها في الثاني، على أن الفعل للذين يفرحون، والمفعول الأوّل محذوف على: لا يحسبنهم الذين يفرحون بمفازة، بمعنى: لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، وفلا يحسبنهم، تأكيد.

ومعنى ﴿ بِمَا أُوتُواْ ﴾ بما فعلوا.

وأتى وجاء، يستعملان بمعنى فعل قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ [مريم: 61] ، ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ [مريم: 27] .

ويدل عليه قراءة أبيّ: ﴿ يفرحون بما فعلوا ﴾ .

وقرئ: ﴿ آتوا ﴾ ، بمعنى أعطوا.

وعن علي رضي الله عنه: ﴿ بما أوتوا ﴾ .

ومعنى ﴿ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب ﴾ بمنجاة منه.

روي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه، وأروه أنهم قد صدقوه، واستحمدوا إليه، وفرحوا بما فعلوا فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم» أي لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب.

ومعنى ﴿ فرحين ﴾ بما أوتوه من علم التوراة.

وقيل: يفرحون بما فعلوا من كتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم حيث ادعوا أن إبراهيم كان على اليهودية وأنهم على دينه.

وقيل: هم قوم تخلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قفل اعتذروا إليه بأنهم رأوا المصلحة في التخلف، واستحمدوا إليه بترك الخروج.

وقيل: هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين ومنافقتهم وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم، ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة لإبطانهم الكفر.

ويجوز أن يكون شاملاً لكل من يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب.

ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة والزهد وبما ليس فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ  ، ومَن ضَمَّ الباءَ جَعَلَ الخِطابَ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ والثّانِي بِمَفازَةٍ، وقَوْلُهُ فَلا تَحْسَبَنَّهم تَأْكِيدٌ والمَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّدْلِيسِ وكِتْمانِ الحَقِّ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِنَ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ وإظْهارِ الحَقِّ والإخْبارِ بِالصِّدْقِ، بِمَفازَةٍ بِمَنجاةٍ مِنَ العَذابِ أيْ فائِزِينَ بِالنَّجاةِ مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ وفَتْحِ الباءِ في الأوَّلِ وضَمِّها في الثّانِي عَلى أنَّ الَّذِينَ فاعِلٌ ومَفْعُولا يَحْسَبَنَّ مَحْذُوفانِ يَدُلُّ عَلَيْهِما مَفْعُولا مُؤَكِّدِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا فَلا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهم بِمَفازَةٍ، أوِ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ وقَوْلُهُ فَلا تَحْسَبَنَّهم تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وفاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ الأوَّلِ.

﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ بِكُفْرِهِمْ وتَدْلِيسِهِمْ.

رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « (سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في التَّوْراةِ فَأخْبَرُوهُ بِخِلافِ ما كانَ فِيها وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ صَدَقُوهُ وفَرِحُوا بِما فَعَلُوا فَنَزَلَتْ.» وَقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ ثُمَّ اعْتَذَرُوا بِأنَّهم رَأوُا المَصْلَحَةَ في التَّخَلُّفِ واسْتَحْمَدُوا بِهِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ فَإنَّهم يَفْرَحُونَ بِمُنافَقَتِهِمْ ويَسْتَحْمِدُونَ إلى المُسْلِمِينَ بِالإيمانِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلُوهُ عَلى الحَقِيقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

والخطاب في {لاَ تَحْسَبَنَّ} لرسول الله وأحد المفعولين {الذين يَفْرَحُونَ} والثاني بمفازة وقوله فلا تحسبنهم تأكيده تقديره لا تحسبنهم فلا تحسبنهم فائزين {بِمَا أَتَوْاْ} بما فعلوا وهي قراءة أبى وجاء وأنى يستعملان بمعنى فعل إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً لقد جئت شيئا فريا وقرأ النخعي بما آتوا أي أعطوا {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب} بمنجاة منه {وَلَهُمْ عَذَابٌ أليم} مؤلم

روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا من تدليسهم فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب وقيل هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة وفيه وعيد لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس بما ليس فيه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا تَحْسَبَنَّ ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ أيْ لا تَظُنَّنَّ.

﴿ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ﴾ أيْ بِما فَعَلُوا، وبِهِ قَرَأ أُبَيٌّ، وقُرِئَ: (بِما آتَوْا) و(بِما أُوتُوا) ورُوِيَ الثّانِي عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

﴿ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا ﴾ أيْ أنْ يَحْمَدُهُمُ النّاسُ، وقِيلَ: المُسْلِمُونَ، وقِيلَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ بِما لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ: هم أهْلُ الكِتابِ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الكِتابُ فَحَكَمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ وحَرَّفُوا الكَلامَ عَنْ مَواضِعِهِ وفَرِحُوا بِذَلِكَ وأحَبُّوا ﴿ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْهُ ”«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَهم عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَخَرَجُوا وقَدْ أرَوْهُ أنْ قَدْ أخْبَرُوهُ بِما سَألَهم عَنْهُ، واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِ ما سَألَهم عَنْهُ“».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم (يَفْرَحُونَ) بِكِتْمانِهِمْ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّتِي نَطَقَ بِها كُتّابُهم ﴿ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا ﴾ بِأنَّهم مُتَّبِعُونَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المَذْكُورِينَ سابِقًا الَّذِينَ أخَذَ مِيثاقَكم، وقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، وسِيقَتِ الجُمْلَةُ لِبَيانِ ما يَسْتَتْبِعُ أعْمالَهُمُ المَحْكِيَّةَ مِنَ العَذابِ إثْرَ بَيانِ قَباحَتِها، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيَةِ أيْضًا ما لا يَخْفى، وقَدْ أُدْمِجَ فِيها بَيانُ بَعْضٍ آخَرَ مِن شَنائِعِهِمْ وفَضائِحِهِمْ وهو إصْرارُهم عَلى القَبِيحِ وفَرَحُهم بِذَلِكَ ومَحَبَّتُهم لِأنْ يُوصَفُوا بِما لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وأخْرَجَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مَخْرَجَ المَعْلُومِ إيذانًا بِشُهْرَةِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ عِبارَةٌ عَنْ أُناسٍ مُنافِقِينَ وهم طائِفَةٌ مَعْهُودُونَ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإذا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وحَلَفُوا وأحَبُّوا ﴿ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: المُرادُ بِهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ كافَّةً، وقَدْ كانَ أكْثَرُهم مِنَ اليَهُودِ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ الأنْسَبُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِشُهْرَةِ أنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن إظْهارِ الإيمانِ وقُلُوبُهم مُطْمَئِنَّةٌ بِالكُفْرِ، ويَسْتَحْمِدُونَ إلى المُسْلِمِينَ بِالإيمانِ وهم عَنْ فِعْلِهِ بِألْفِ مَنزِلٍ، وكانُوا يُظْهِرُونَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ وهم في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ العَداوَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ وإنْ سُلِّمَ كَوْنُهُ أنْسَبَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيما نَعْلَمُ مِنَ الآثارِ الصَّحِيحَةِ ما يُؤَيِّدُهُ، ومِن هُنا يُعْلَمُ بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّ الأوْلى إجْراءُ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ شامِلًا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنَ الحَسَناتِ فَيَفْرَحُ بِهِ فَرَحَ إعْجابٍ، ويَوَدُّ أنْ يَمْدَحَهُ النّاسُ بِما هو عارٍ مِنهُ مِنَ الفَضائِلِ مُنْتَظِمًا لِلْمَعْهُودِينَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا عَلى أنَّهُ قَدِ اعْتُرِضَ بِأنَّ انْتِظامَ المَعْهُودِينَ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أوَّلِيًّا غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلّا إذا عُمِّمَ ما في ﴿ بِما أتَوْا ﴾ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الحَسَناتِ الحَقِيقِيَّةَ وغَيْرَها، أمّا إذا خُصَّ بِالحَسَناتِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ هَذا القَوْلِ فَلا يُسَلَّمُ الِانْتِظامُ لِأنَّ أُولَئِكَ الفَرِحِينَ لَمْ يَأْتُوا بِحَسَنَةٍ في نَفْسِ الأمْرِ لِيَفْرَحُوا بِها فَرَحَ إعْجابٍ كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الأمْرَ في هَذا سَهْلٌ، نَعَمْ يَزِيدُهُ بُعْدًا ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ مَرْوانَ قالَ لِبَوّابِهِ: اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنّا فَرِحَ بِما أُوتِيَ وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما لَكم ولِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ تَلا: ﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الأوْلى إجْراءَ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ لَأجْراهُ حَبْرُ الأُمَّةِ وتَرْجُمانُ القُرْآنِ، وأزالَ الإشْكالَ بِتَقْيِيدِ الفَرَحِ بِفَرَحِ الإعْجابِ كَما فَعَلَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَلامِ الحَبْرِ عَلى هَذا عَدَمُ حُرْمَةِ الفَرَحِ فَرَحَ إعْجابٍ، وحُبُّ الحَمْدِ بِما لَمْ يَفْعَلْ بِالمَرَّةِ، بَلْ قُصارى ما يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ كَوْنِ ذَلِكَ مَفادَ الآيَةِ - كَما قِيلَ - وهو لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ كَوْنِهِ مَفادَ شَيْءٍ أصْلًا لِيَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا بِعَدَمِ الحُرْمَةِ، كَيْفَ وكَثِيرٌ مِنَ النُّصُوصِ ناطِقٌ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ حَتّى عَدَّهُ البَعْضُ مِنَ الكَبائِرِ ؟!

فَلْيُفْهَمْ، وأيًّا ما كانَ فالمَوْصُولُ مَفْعُولٌ أوَّلُ - لِتَحْسَبَنَّ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ، والعَرِبُ - كَما قالَ الزَّجّاجُ - إذا أطالَتِ القِصَّةَ تُعِيدُ حَسِبْتَ وما أشْبَهَها إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي جَرى مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ وتَوْكِيدٌ لَهُ فَتَقُولُ: لا تَظُنَّنَّ زَيْدًا إذا جاءَكَ وكَلَّمَكَ بِكَذا وكَذا فَلا تَظُنَّهُ صادِقًا فَيُفِيدُ لا تَظُنَّنَّ تَوْكِيدًا وتَوْضِيحًا، والفاءُ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: فَإذا هَلَكْتُ (فَعِنْدَ) ذَلِكَ فاجْزَعِي والمَفْعُولُ الثّانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِنَجاةٍ مِنهُ عَلى أنَّ المَفازَةَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الفَوْزِ، والتّاءُ لَيْسَتْ لِلْوَحْدَةِ لِبِناءِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، و(مِنَ العَذابِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَفازَةُ اسْمَ مَكانٍ أيِّ مَحَلَّ فَوْزٍ ونَجاةٍ، وأنْ يُسْتَعارَ مِنَ المَفازَةِ لِلْقَفْرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنَ العَذابِ صِفَةً لَهُ؛ لِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يَعْمَلُ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ خاصًّا أيْ مُنْجِيَةٍ ﴿ مِنَ العَذابِ ﴾ وتَقْدِيرُهُ عامًّا - أيْ بِمَفازَةٍ كائِنَةٍ مِنَ العَذابِ - غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ المَفازَةَ لَيْسَتْ مِنَ العَذابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ تَقْدِيرَهُ خاصًّا مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ في الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّ الخِطابَ شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، وبِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الباءِ فِيهِما عَلى أنَّ الفِعْلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ ومَفْعُولاهُ في القِراءَتَيْنِ كَما ذُكِرَ مِن قَبْلُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ وفَتْحِ الباءِ في الفِعْلِ الأوَّلِ، وبِالياءَ وضَمِّ الباءِ في الفِعْلِ الثّانِي عَلى أنَّ فاعِلَ (لا يَحْسَبُنَّ الَّذِينَ) بَعْدَهُ ومَفْعُولاهُ مَحْذُوفانِ يَدُلُّ عَلَيْهِما مَفْعُولا مُؤَكِّدِهِ، وفاعِلَ مُؤَكِّدِهِ ضَمِيرُ المَوْصُولِ ومَفْعُولاهُ ضَمِيرُهم، و(بِمَفازَةٍ) أيْ (لا يَحْسَبُنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا) فَلا (يَحْسَبُنَّ) أنْفُسَهم بِمَفازَةٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ - لِلا يَحْسَبَنَّ - مَحْذُوفًا، والمَفْعُولُ الثّانِي مَذْكُورًا أيْ أعْنِي (بِمَفازَةٍ) أنَّ (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) أنْفُسَهم فائِزِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: (فَلا يَحْسَبَنَّهُمْ) مُؤَكِّدٌ والفاءُ زائِدَةٌ كَما مَرَّ، وأنْ يَكُونَ كِلا مَفْعُولَيْ (لا يَحْسَبَنَّ) مَذْكُورًا، الأوَّلُ ضَمِيرَهُمُ المُتَّصِلُ بِالفِعْلِ الثّانِي، والثّانِي ﴿ بِمَفازَةٍ ﴾ وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَعْلِ التَّأْكِيدِ هو الفِعْلُ والفاعِلُ فَقَطْ عَلى ما هو الأنْسَبُ، إذْ لَيْسَ المَذْكُورُ سابِقًا سِواهُما، ورُدَّ بِأنَّ فِيهِ اتِّصالَ ضَمِيرِ المَفْعُولِ بِغَيْرِ عامِلِهِ أوْ فاعِلِهِ المُتَّصِلِ بِعامِلِهِ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ، وإنْ كانَ فِيهِ تَحاشٍ عَنِ الحَذْفِ في هَذا البابِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ بِجَوازٍ ذَلِكَ، وقَدْ أفْرَدْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ بِالتَّدْوِينِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ الأوَّلُ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ كُلِّ حاسِبٍ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ المَوْصُولَ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ مَفْعُولِ الفِعْلِ الثّانِي عَلَيْهِ، والفِعْلُ الثّانِي مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المَوْصُولِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ عَدَمِ حُسْبانِهِمْ عَلى عَدَمِ حُسْبانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ عَدَمِ حُسْبانِ كُلِّ حاسِبٍ، ومَفْعُولاهُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ و ﴿ بِمَفازَةٍ ﴾ .

وتَصْدِيرُ الوَعِيدِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الحُسْبانِ المَذْكُورِ - عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ وقَطْعِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَنْجُونَ بِما صَنَعُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ كَما نَجَوْا بِهِ مِنَ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وعَلَيْهِ كانَ مَبْنى فَرَحِهِمْ، وأمّا نَهْيُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّم َفَلِلتَّعْرِيضِ بِحُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ لا لِاحْتِمالِ وُقُوعِ الحُسْبانِ مِن جِهَتِهِ  .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَعْلِيلَ التَّصْدِيرِ بِما ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ عَلى ما مَرَّ غَيْرُ ظاهِرٍ إلّا أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ.

﴿ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ (188) بَيانٌ لِثُبُوتِ فَرْدٍ مِنَ العَذابِ لا غايَةً لَهُ في المُدَّةِ والشَّدَّةِ إثْرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ نَجاتِهِمْ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، ويُلَوِّحُ بِذَلِكَ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، والتَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ، والوَصْفُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً إلى العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، ويُحْمَلُ نَفْيُ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى نَفْيِ العَذابِ العاجِلِ، وهو كَوْنُهم مَذْمُومِينَ مَرْدُودِينَ فِيما بَيْنَ النّاسِ؛ لِأنَّ لِباسَ الزُّورِ لا يَبْقى ويَنْكَشِفُ حالُ صاحِبِهِ ويَفْتَضِحُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: أخذ عليهم الميثاق حين أخذ ذرية آدم من ظهورهم.

ويقال: أخذ عليهم الميثاق بالوحي في كتب الأنبياء لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ يعني: نعت محمد  وصفته وَلا تَكْتُمُونَهُ عنهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ليبيننه للناس ولا يكتمونه، كلاهما بالياء.

وقرأ الباقون بالتاء، فمن قرأ بالياء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، ومن قرأ بالتاء فمعناه أخذ عليهم الميثاق، وقال لهم: لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

ثم أخبر عن سوء معاملتهم ونقضهم الميثاق فقال تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي طرحوه خلف ظهورهم، يعني أنهم تركوا الميثاق ولم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أي بكتمان نعت محمد  وصفته ثَمَناً قَلِيلًا أي عَرضاً يسيراً من متاع الدنيا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ يعني: بئس ما يختارون لأنفسهم الدنيا على الآخرة لاَ تَحْسَبَنَّ يقول: لا تظنن يا محمد الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا يقول: يعجبون بما أوتوا، يعني بما غيرّوا من نعته وصفته، وهذا قول الكلبي.

وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك: إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبياً في آخر الزمان يختم به النبوة، فلما بعثه الله سألهم الملوك: أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟

فقالت اليهود طمعاً في أموال الملوك: هو غير هذا.

فأعطاهم الملوك مالاً فقال الله تعالى: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما أعطاهم الملوك وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا لأنهم كانوا يقولون: نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه.

ويقال: كانوا يقولون نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب، ويريدون أن يحمدوا بذلك.

قال الله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ يقول فلا تظنهم بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ معناه لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي دائم لا يخرجون منه أبدا.

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات.

ويقال: جميع من فى السموات والارض عبيده وفي ملكه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النبات وغيره.

ويقال: هذا معطوف على أول الكلام أنهم لا ينجون من عذابه، يأخذهم متى شاء لأنه على كل شىء قدير إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله  أن يأتيهم بآية لصحة دعواه، لأنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فنزل إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خلقين عظيمين.

ويقال: فيما خلق في السموات من الشمس والقمر والنجوم، وما خلق في الأرض من الجبال والبحار والأشجار وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يقول: وذهاب الليل ومجيء النهار، ويقال اختلاف لونيهما لَآياتٍ أي لعبرات لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لذوي العقول الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً أي يصلون لله قياماً إن استطاعوا على القيام، وقعوداً إن لم يستطيعوا القيام وَعَلى جُنُوبِهِمْ إن لم يستطيعوا القعود لزمانة.

ويقال: معناه الذين يذكرون الله في الأحوال كلها في حال القيام والقعود والاضطجاع، كما قال في آية أخرى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب: 41] ثم قال: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يعتبرون في خلقهما.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن زرارة الحلبي، عن أبي حباب، عن عطاء بن أبي رباح قال: دخلت مع ابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، فسلمنا عليها فقالت: من هؤلاء؟

فقلت: عبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير.

فقالت: مرحباً بك يا عبيد بن عمير، ما لك لا تزورنا؟

فقال عبيد: زر غبّاً تَزْدَدْ حُبّاً فقال ابن عمر: دعونا من هذا، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله  ، فبكت بكاء شديداً ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي، فقال: «يَا عَائِشَةُ أَتَأْذَنِينَ لِي أنْ أَعْبُدَ رَبِّي» فقلت: والله إني لأحب قربك، والله إني لأحب هواك.

فقام إلى قربة ماء فتوضأ، ثم قام فبكى وهو قائم حتى روت الدموع حجره، ثم اتكأ على شقه الأيمن، ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، فبكى حتى روت الدموع الأرض.

ثم أتاه بلال بعد ما أذن للفجر، فلما رآه يبكي قال: أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تأخر؟

فقال: «يَا بِلالُ أفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً، وَمَا لِي لا أبْكِي وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

- إِلَى قَوْلُهُ- فَقِنا عَذابَ النَّارِ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» .

وروي عن رسول الله  أنه قال: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي الخالق» .

وقال  : «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» .

ثم قال تعالى عز وجل: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي يتفكرون ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلاً عبثاً بغير شيء، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عذاب النار.

وقال الزجاج: معنى سُبْحانَكَ أي تنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما باطلاً فَقِنا عَذابَ النَّارِ أي صدَّقْنا رسلك، وسلَّمنا أن لك جنة وناراً فَقِنا عَذابَ النَّارِ.

رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وفضحته وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني: ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم، ويقولون أيضاً: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ يعني محمداً يدعو إلى التصديق أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي صدقوا بتوحيد ربكم، فآمنا أي صدقنا بتوحيد ربنا.

وقال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس لقي رسول الله  ، ولكن المنادي هو كتاب الله يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن آمنوا بربكم فآمنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وقال الكلبي: الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك.

وقال الضحاك: ذنوبنا يعني ما عملوا في حال الجاهلية، وكفر عنا سيئاتنا، يعني: ما عملوا في حال الإسلام.

ويقال: الذنوب والسيئات بمعنى واحد.

ويقال: الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي مع المطيعين، ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين.

ويقولون أيضا: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك.

ويقال: هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى: 5] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم- عليهم السلام- للمؤمنين.

ثم قال تعالى: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني لا تعذبنا، ويقال: لا تخذلنا إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ يعني ما وعدت من الخير والثواب للمؤمنين فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فأخبر الله عن فعلهم، وذكر ما أجابهم به وأنجز لهم موعده، وبيّن لهم ثوابه وهو قوله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ.

روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له، لأنه قال تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ يعني ثواب عمل عامل في طاعتي مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى يعني رجلاً أو امرأة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله، قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة يقال له سلمة بن الأكوع، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إني أسمع الله ذكر الهجرة، فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النَّسَاءِ فأنزل الله تعالى: أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى.

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قال الكلبي: أي بعضكم أولياء بعض في الدين.

وقال الضحاك: يعني يشبه بعضكم بعضاً في الطاعة.

ويقال: بعضكم على إثر بعض، ويقال بعضكم على دين بعض.

فَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى المدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: إن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي عُذّبوا في طاعتي وَقاتَلُوا مع رسول الله  المشركين وَقُتِلُوا أي قتلهم المشركون.

قرأ حمزة والكسائي: وقتلوا وقاتلوا على معنى التقديم والتأخير كقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [آل عمران: 55] وقرأ الباقون: وقاتلوا وقتلوا، إلا ابن كثير وابن عامر قرءا وقتّلوا بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة، فذكر الله فعلهم، ثم ذكر ثوابهم فقال: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي لأمحون عنهم ذنوبهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله.

وقال الزجاج: إنما صار نصباً لأنه مصدر مؤكد، معناه: لأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، ولأثيبنهم ثواباً.

وروي عن الفراء أنه قال: إنما صار نصباً على التفسير.

وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ أي حسن الجزاء وهو الجنة.

ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)

وقوله سبحانه: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ...

الآية: ذهبتْ جماعة إلى أن الآية في المنافقين، وقالت جماعة كبيرة: إنما نزلَتْ في أهْل الكتاب أحبارِ/ اليهودِ، قال سعيدُ بن جُبَيْر «١» : الآية في اليهود، فَرِحُوا بما أعطَى اللَّه آل إبراهيم من النبوَّة والكتابِ، فهم يقولونَ: نحن على طريقهم، ويحبُّون أن يُحْمَدُوا بذلك، وهم ليسوا على طريقهم «٢» ، وقراءةُ سعيدِ «٣» بنِ جُبَيْر: «بما أُوتُوا» بمعنى «أُعْطُوا» (بضم الهمزة والطاء) وعلى قراءته يَستقيمُ المعنَى الذي قال، والمفازةُ مَفْعَلَةٌ من فَازَ يَفُوزُ، إذا نَجَا، وباقي الآية بيِّن.

ثم دلَّ سبحانه على مواضِع النظرِ والعبرةِ، فقالَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أي: تَعَاقُب الليل والنَّهار إذ جعلهما سبحانه خِلْفِةً، ويدخل تحت اختلافهما قِصَرُ أحدِهِمَا وطولُ الآخَرِ، وبالعكْسِ، واختلافُهُما بالنُّور والظَّلام، والآياتُ: العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّتِهِ، وعظيمِ قُدْرته سُبْحانه.

قال الفَخْر «٤» : واعلم أنَّ المقصود من هذا الكتَابِ الكريمِ جَذْبُ القلوبِ والأرْوَاحِ عن الإشتغالِ بالخَلْقِ والإستغراقِ في معرفة الحقِّ، فلمَّا طال الكلامُ في تَقْرير الأحكامِ، والجوابِ عن شُبُهَاتِ المُبْطِلِين، عاد إلى إثارة القُلُوب بِذِكْرِ ما يدلُّ على التوحيدِ والكِبْرِيَاءِ والجَلاَل، وذِكْرِ الأدعية، فختم بهذه الآياتِ بنَحْو ما في «سورة البقرة» .

انتهى.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً: الّذين: في موضع خفض صفة لِأُولِي الْأَلْبابِ، وهذا وصف ظاهره استعمالُ التحميدِ والتَّهْليلِ والتَّكْبير ونَحْوه مِنْ ذكر اللَّه، وأنْ يحضر القلب اللسان وذلك من أعْظَمِ وجوه العبادَاتِ، والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ، وابنُ آدم متنقِّلٌ في هذه الثلاثِ الهيئاتِ، لا يَخْلُو في غالب أمْرِه مِنْها فكأنها تحصرُ زمنه، وكذلك جَرَّتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) إلى حصر الزَّمَن في قَوْلها:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ» .

قلت: خرَّجه أبو داود «١» ، فدخَلَ في ذلك كونه على الخَلاَءِ وغيره.

وذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّ قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إنما هو عبارةٌ عن الصَّلاة، أي: لا يضيِّعونها، ففي حال العُذْر يصلُّونها قعوداً، وعلى جُنُوبهم، ثم عَطَف على هذه العبادةِ التي هِيَ ذكُرْ اللَّه باللسان، أو الصَّلاة فرضها وندبها بعبادة أخرى عظيمةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرة اللَّه تعالى ومخلوقاتِهِ، والعِبَرُ التي بَثَّ.

[المتقارب]

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ...

تَدُلُّ على أَنَّهُ وَاحِدُ «٢»

قال الغَزَّالِيُّ: ونهايةُ ثمرة الدِّين في الدُّنيا تَحْصيلُ معرفة اللَّه، وتحصيلُ الأُنُس بذكْرِ اللَّهِ تعالى، والأنسُ يَحْصُلُ بدوامِ الذِّكْر، والمعرفَةُ تحصُلُ بدوامِ الفِكْرِ.

انتهى من «الإحياء» .

ومَرَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على قومٍ يتفكَّرون في اللَّه، فَقَالَ: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ فَإنَّكُمْ لاَ تَقْدُرُونَ قَدْرَهُ» «٣» .

قال ع «٤» : وهذا هو قَصْدُ الآية في قوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.

وقال بعض العلماء: المتفكِّر في ذاتِ اللَّهِ كَالنَّاظر في عَيْنِ الشمْسِ لأنه سبحانه لَيْسَ كمثله شيء، وإنما التفكُّر وانبساط الذِّهْن في المخلوقاتِ، وفي أحوالِ الآخِرَةِ، قال رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ» «١» وقال ابن عبَّاس، وأبو الدَّرْدَاء: فكْرَةُ ساعَةٍ خيُرٌ من قيامِ لَيْلَةٍ «٢» ، وقال سَرِيٌّ السَّقطِيُّ «٣» : فكرةُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادة سَنَةٍ، ما هو إلاَّ أنْ تحلَّ أطناب خَيْمَتِكَ، فَتَجْعَلها في الآخِرَةِ «٤» ، وقال الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن: الفكْرةُ مِرآةُ المُؤْمنِ/، ينظر فيها إلى حسنَاتهِ وسيِّئاته «٥» ، وأخذ أبو سليمان الدَّارانِيُّ «٦» قَدَح الماء ليتوضَّأ لصلاة الليلِ، وعنده ضيْفٌ، فرآه لما أدخَلَ أصبعه في أُذُنِ القَدَح، أقام كذلك مفكِّراً حتى طلع الفَجْر، فقال له: ما هذا يَا أبا سليمان؟

فَقَالَ: إني لما طَرَحْتُ أصبعي في أُذُنِ القَدَحِ، تذكَّرت قول اللَّه سُبْحَانه: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [غافر: ٧١] ،

فتفكَّرت في حالِي، وكيف أتلَقَّى الغُلَّ، إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يوم القيامة، فما زلْتُ في ذلك حتى أُصْبِحَ.

قال ع «١» : وهذه نهايةُ الخَوْف، وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة على هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه ومَعَانِي سُنَّة رسُوله لِمَنْ يفهم ويرجى نَفْعُه أفضَلُ من هذا، لكنْ يَحْسُنُ ألاَّ تخلُوَ البلاد مِنْ مثل هذا.

قال ع «٢» : وحدثني أبي (رحمه اللَّه) ، عَنْ بعضِ علماءِ المَشْرق، قال: كنتُ بائتًا في مسجد الإقدامُ ب «مَصْرَ» فصلَّيْتُ العَتَمَةَ، فرأَيْتُ رجلاً قد اضطجع في كساءٍ له، حتى أصبح، وصلَّينا نَحْنُ تلك اللَّيْلَة، وسَهِرْنَا، فلَمَّا أُقِيمَتْ صلاةُ الصُّبْح، قام ذلك الرجُلُ، فاستقبل القبْلَةَ، وصلى مع النَّاس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلَمَّا فرغَتِ الصلاةُ، خرَجَ، فتبعْتُهُ لأعظَهُ، فلَمَّا دنوْتُ منه، سَمِعْتُهُ، وهو ينشد: [المنسوح]

مُنْسَجِنُ الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِر ...

مُنْتَبِهُ القَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ

مُنْبَسِطٌ فِي الغُيُوبِ مُنْقَبُض ...

كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفاً ناكِرْ

يَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَر ...

فَهْوَ مَدَى اللَّيْلِ نَائِمٌ سَاهِرْ

قال: فعلمتُ أنه مِمَّن يعبدُ اللَّهَ بالفِكْرة، فانصرفت «٣» عنه.

قال الفَخْر «٤» : ودلَّتِ الآية على أنَّ أعلى مراتب الصِّدِّيقين التفكُّر.

انتهى.

وفي «العتبية» : قال مالكٌ: قيلَ لأمِّ الدَّرْداء: ما كان أَكْثَر شأن أبي الدَّرْداء؟

قَالَتْ:

كان أَكْثَرُ شَأْنِهِ التفكُّرَ.

قال مالكٌ: وهو مِنَ الأعمال، وهو اليَقِينُ قال اللَّه عزَّ وجلَّ:

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قال ابنُ رُشْدٍ: والتفكُّر مِنَ الأعمال كما قاله مالك (رحمه اللَّه) ، وهو مِنْ أشرف الأعمال لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ أَلاَ ترى أنه لا يُثَابُ أحدٌ على عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه (عَزَّ وجَلَّ) في فعلها.

انتهى من «البيان والتحصيل» .

قال ابنُ بَطَّال «١» : إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف.

انتهى.

قال ابنُ عطاءِ اللَّهِ: الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبار، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب، فإذا ذَهَبَتْ، فلا إضاءة له.

قُلْتُ: قال بعض المحقِّقين: وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر، عَلِم، وإذا عَلِمَ، عَمِلَ.

قال ابنُ عَبَّاد «٢» : قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ (رحمه اللَّه) : التفكُّر نعتُ كلِّ طالب، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ، ثم فِكْرُ الزاهدين: في فناءِ الدنيا، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْداً، وفِكْرُ العابدين: في جَميلِ الثوابِ، فيزدادُونَ نَشَاطاً ورغبةً فيه، وفِكْرُ العارفين: في الآلاء والنعماء فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه.

انتهى.

وقوله تعالى: رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذا باطِلًا، أي: يقولُونَ: يا ربَّنا على النداء، ما خلَقْتَ هذا باطلاً، يريد: لغير غايةٍ منصوبةٍ، بل خلقْتَهُ، وخلَقْتَ البشر لينظروا فيه فيوحِّدوك، ويعبدوك فَمَنْ فعل ذلك نَعَّمْتَهُ، ومَنْ ضَلَّ عن ذلك عَذَّبته، وقولهم:

سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك عمَّا/ يقول المُبْطِلُون، وقولهم: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، أي: فلا تفعلْ ذلك بِنَا، والخِزْيُ: الفضيحةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَة لقَدْرِ المرء.

قال أنَسُ بنُ مالكٍ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، وابنُ جُرَيْج، وغيرهم: هذه إشارة إلى من يَخْلُدُ في النَّار، وأمَّا مَنْ يخرج منها بالشفاعةِ والأَمان، فليس بمُخْزًى، أي: وما أصابه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا) وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: لا تَحْسَبَنَّ بِالتّاءِ.

وفي سَبَبِ نُزُولِها ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ  ، سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ، وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ أخْبَرُوهُ بِهِ، واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِهِمْ إيّاهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» .

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، فَرِحُوا بِما يُصِيبُونَ مِنَ الدُّنْيا، وأحَبُّوا أنْ يَقُولَ النّاسُ: إنَّهم عُلَماءُ، وهَذا القَوْلُ، والَّذِي قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وكَتَمُوا ذِكْرَ مُحَمَّدٍ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ كَتَبَتْ إلى يَهُودِ العِراقِ واليَمَنِ، ومَن بَلَغَهم كُتّابُهم مِنَ اليَهُودِ في الأرْضِ كُلِّها: أنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فاثْبُتُوا عَلى دِينِكم، فاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِهِ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، وقالُوا: نَحْنُ أهْلُ الصَّوْمِ والصَّلاةِ، وأوْلِياءُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

والخامِسُ: «أنَّ يَهُودَ خَيْبَرٍ أتَوُا النَّبِيَّ  وأصْحابَهُ، فَقالُوا: نَحْنُ عَلى رَأْيِكم، ونَحْنُ لَكم رَدْءٌ، وهم مُسْتَمْسِكُونَ بِضَلالَتِهِمْ، فَأرادُوا أنَّ يَحْمَدَهم نَبِيٌّ لِلَّهِ بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّ ناسًا مِنَ اليَهُودِ جَهَّزُوا جَيْشًا إلى النَّبِيِّ  ، واتَّفَقُوا عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.

والسّابِعُ «أنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ الكِتابِ دَخَلُوا عَلى النَّبِيِّ  ، ثُمَّ خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ فَذَكَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم قَدْ أُخْبِرُوا بِأشْياءَ قَدْ عَرَفُوها، فَحَمِدُوهم، وأبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّامِنُ: أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الغَزْوِ مَعَ النَّبِيِّ  ، فَإذا قَدِمَ، اعْتَذَرُوا إلَيْهِ، وحَلَفُوا، وأحَبُّوا أنَّ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وما قَبْلَهُ مِنَ الأقْوالِ يَدُلُّ عَلى أنَّها في اليَهُودِ.

وَفِي الَّذِي أتَوْا ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كِتْمانُهم ما عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ.

والثّانِي: تَبْدِيلُهُمُ التَّوْراةَ.

والثّالِثُ: إيثارُهُمُ الفانِي مِنَ الدُّنْيا عَلى الثَّوابِ.

والرّابِعُ: إضْلالُهُمُ النّاسَ.

والخامِسُ: اجْتِماعُهم عَلى تَكْذِيبِ النَّبِيِّ.

والسّادِسُ: نِفاقُهم بِإظْهارِ ما في قُلُوبِهِمْ ضِدَّهُ.

والسّابِعُ: اتِّفاقُهم عَلى مُحارَبَةِ النَّبِيِّ  ، وهَذِهِ أقْوالُ مَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ.

والثّامِنُ: تَخَلُّفُهم في الغَزَواتِ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا عَلى إجابَةِ النَّبِيِّ  ، عَنْ شَيْءٍ سَألَهم عَنْهُ وما أجابُوهُ.

والثّانِي: أحَبُّوا أنْ يَقُولَ النّاسُ: هم عُلَماءٌ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ.

والثّالِثُ: أحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِنَ الصَّلاةِ، والصِّيامِ، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا عَلى قَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولَيْسُوا عَلَيْهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا عَلى قَوْلِهِمْ: إنّا راضُونَ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وهَذِهِ أقْوالُ مَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ.

والسّادِسُ: أنَّهم كانُوا يَحْلِفُونَ لِلْمُسْلِمِينَ، إذا نَصَرُوا: إنّا قَدْ سُرِرْنا بِنَصْرِكم، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: (فَلا يَحْسَبَنَّهُمْ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "فَلا يَحْسَبُنَّهُمْ"، بِالياءِ وضَمِّ الباءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتّاءِ، وفَتْحِ الباءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما كُرِّرَتْ "تَحْسَبَنَّهُمْ" لِطُولِ القِصَّةِ، والعَرَبُ تُعِيدُ إذا طالَتِ القِصَّةُ "حَسِبْتَ" وما أشْبَهَها، إعْلامًا أنَّ الَّذِي يُجْرى مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ، وتَوْكِيدًا لَهُ، فَتَقُولُ: لا تَظُنَّنَّ زَيْدًا إذا جاءَ وكَلَّمَكَ بِكَذا وكَذا، فَلا تَظُنَّنَّهُ صادِقًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِمَفازَةٍ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: بِمَنجاةٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ «بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ ﴾ فَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا خَرَجَ النَبِيُّ  لِلْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عنهُ، فَإذا جاءَ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وقالُوا: كانَتْ لَنا أشْغالٌ ونَحْوَ هَذا، فَيُظْهِرُ رَسُولُ اللهِ  القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، فَفَضَحَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكانُوا يَفْرَحُونَ بِما يَأْتُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ مِنَ التَخَلُّفِ والِاعْتِذارِ، ويُحِبُّونَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، لَكِنَّ العُذْرَ حَبَسَهم.» وقالَتْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ أحْبارِ اليَهُودِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما هو الَّذِي أتَوْهُ وكَيْفَ أحَبُّوا المَحْمَدَةَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أتَوْا إضْلالَ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ، وفَرِحُوا بِذَلِكَ لِدَوامِ رِياسَتِهِمُ الدُنْيَوِيَّةِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم عُلَماءٌ بِكِتابِ اللهِ ومُتَقَدِّمِ رِسالاتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ والسُدِّيُّ: أتَوْا أنَّهم تَعاقَدُوا وتَكاتَبُوا مِن كُلِّ قُطْرٍ بِالِارْتِباطِ إلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ  والدَفْعِ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم أهْلُ صَلاةٍ وصِيامٍ وَعِبادَةٍ، وقالُوا هم ذَلِكَ عن أنْفُسِهِمْ.

وقالَ مُجاهِدٌ: فَرِحُوا بِإعْجابِ أتْباعِهِمْ بِتَبْدِيلِهِمْ تَأْوِيلَ التَوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، وهم في الحَقِيقَةِ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا بَلِ الحَقُّ أبْلَجٌ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الآيَةُ في اليَهُودِ، فَرِحُوا بِما أعْطى اللهُ آلَ إبْراهِيمَ مِنَ النُبُوءَةِ والكِتابِ، فَهم يَقُولُونَ: نَحْنُ عَلى طَرِيقِهِمْ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِذَلِكَ وهم لَيْسُوا عَلى طَرِيقَتِهِمْ.

وقِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أُوتُوا" بِمَعْنى أُعْطُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ والتاءِ، وعَلى قِراءَتِهِ يَسْتَقِيمُ المَعْنى الَّذِي قالَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ الحَقَّ وقالُوا لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَفَرِحُوا بِما فَعَلُوا وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما أجابُوا، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ قَدْ قُنِعَ بِهِ واعْتُقِدَتْ صِحَّتُهُ.

وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الآيَةَ في يَهُودِ خَيْبَرَ، نافَقُوا عَلى النَبِيِّ  والمُؤْمِنِينَ مَرَّةً، وقالُوا: نَحْنُ مَعَكم وعَلى رَأْيِكم ورِدْءٌ لَكُمْ، وهم يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ذَلِكَ، فَأحَبُّوا الحَمْدَ عَلى ما أظْهَرُوا، وفَرِحُوا بِذَلِكَ.

وقالَ الزَجّاجُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، دَخَلُوا عَلى النَبِيِّ  وكَلَّمُوهُ في أشْياءَ ثُمَّ خَرَجُوا، فَقالُوا لِمَن لَقُوا مِنَ المُسْلِمِينَ: إنَّ النَبِيَّ أخْبَرَهم بِأشْياءَ قَدْ عَرَفُوها فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ وطَمِعُوا بِإسْلامِهِمْ، وكانُوا قَدْ أبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ وتَمادَوْا عَلى كُفْرِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أتَوْا" بِمَعْنى فَعَلُوا، كَما تَقُولُ أتَيْتُ أمْرَ كَذا، وقَرَأ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "آتَوْا" بِالمَدِّ، بِمَعْنى: أعْطَوْا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ.

قالَ أبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وهِيَ قِراءَةٌ تَسْتَقِيمُ عَلى بَعْضِ المَعانِي الَّتِي تَقَدَّمَتْ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "أُوتُوا" بِمَعْنى أُعْطُوا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعَ مَعْناها.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ" "فَلا يَحْسِبُنَّهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ فِيهِما وبِكَسْرِ السِينِ وبِرَفْعِ الباءِ في "يَحْسِبُنَّهُمْ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الَّذِينَ" رُفِعَ بِأنَّهُ فاعِلُ "يَحْسَبُ"، ولَمْ تَقَعْ "يَحْسَبَنَّ" عَلى شَيْءٍ، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الأفْعالُ لَغْوًا لا في حُكْمِ الجُمَلِ المُفِيدَةِ نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: وما خِلْتُ أبْقى بَيْنَنا مِن مَوَدَّةٍ عِراضُ المَذاكِي المُسْنِفاتُ القَلائِصا وقالَ الخَلِيلُ: العَرَبُ تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ يَقُولُ ذاكَ إلّا زِيدَ، وما ظَنَنْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدَ، فَتَتَّجِهُ القِراءَةُ بِكَوْنِ قَوْلِهِ: "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وقَدْ عُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْهِ وهُما: الضَمِيرُ وقَوْلُهُ: "بِمَفازَةٍ" فاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عن تَعْدِيَةِ الأوَّلِ إلَيْهِما كَما اسْتُغْنِيَ في قَوْلِ الشاعِرِ: بِأيِّ كِتابٍ أو بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسَبُ؟

فاسْتُغْنِيَ بِتَعْدِيَةِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ عن تَعْدِيَةِ الآخَرِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" زائِدَةٌ، ولِذَلِكَ حَسُنَ البَدَلُ، إذْ لا يَتَمَكَّنُ أنْ تَكُونَ فاءَ عَطْفٍ ولا فاءَ جَزاءٍ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ زائِدَةً لا يَقْبُحُ وُجُودُها بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، وقَوْلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: "فَلا يَحْسَبَنَّهُمْ" فِيهِ تَعَدِّي فِعْلِ الفاعِلِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ، نَحْوُ: ظَنَنْتُنِي أخاهُ، ورَأيْتُنِي اللَيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، ووَجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ وما كانَ في مَعْناها لَمّا كانَتْ تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أشْبَهَتْ إنَّ وأخَواتِها، فَكَما تَقُولُ: إنِّي ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ تَقُولُ: ظَنَنْتُنِي ذاهِبًا، ولَوْ قُلْتَ: أظُنُّ نَفْسِي أفْعَلُ كَذا لَمْ يَحْسُنْ كَما يَحْسُنُ: أظُنُّنِي فاعِلًا.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ وفَتْحِ الباءِ، وكَسَرَ نافِعٌ السِينَ وفَتَحَها ابْنُ عامِرٍ "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وفَتْحِ الباءِ، والمَفْعُولانِ اللَذانِ يَقْتَضِيهِما قَوْلُهُ: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ" مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ، والكَلامُ في ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، إلّا أنَّهُ لا يَجُوزُ في هَذا البَدَلُ الَّذِي ذُكِرَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ولِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ واخْتِلافِ فِعْلَيْهِما.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "لا تَحْسِبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ السِينِ، "فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ الباءِ، "فالَّذِينَ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ "تَحْسِبَنَّ"، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما يَجِيءُ بَعْدُ عَلَيْهِ، كَما قِيلَ آنِفًا في المَفْعُولَيْنِ.

وحَسُنَ تَكْرارُ الفِعْلِ في قَوْلِهِ: "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" لِطُولِ الكَلامِ، وهي عادَةُ العَرَبِ وذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِذِهْنِ المُخاطَبِ.

وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ "فَلا تَحْسَبُنَّهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وفَتْحِ السِينِ وضَمِّ الباءِ.

والمَفازَةُ: مَفْعَلَةٌ مِن فازَ يَفُوزُ إذا نَجا فَهي بِمَعْنى مَنجاةٍ، وسُمِّيَ مَوْضِعُ المُخافِ مَفازَةً عَلى جِهَةِ التَفاؤُلِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ وقِيلَ: لِأنَّها مَوْضِعُ تَفْوِيزٍ ومَظِنَّةُ هَلاكٍ، تَقُولُ العَرَبُ: فَوَّزَ الرَجُلُ إذا ماتَ، قالَ ثَعْلَبٌ: حَكَيْتُ لِابْنِ الأعْرابِيِّ قَوْلَ الأصْمَعِيِّ فَقالَ: أخْطَأ، قالَ لِي أبُو المَكارِمِ: إنَّما سُمِّيَتْ مَفازَةً لِأنَّ مَن قَطَعَها فازَ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: سُمِّيَ اللَدِيغُ سَلِيمًا تَفاؤُلًا، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: بَلْ لِأنَّهُ مُسْتَسْلِمٌ لِما أصابَهُ.

وبَعْدَ أنْ نَهى أنْ يُحْسَبُوا ناجِينَ أخْبَرَ أنَّ لَهم عَذابًا، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ القَوْلَ بِذِكْرِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ومُلْكِهِ فَقالَ: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ...

الآيَةَ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿ إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، قالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ وغَيْرُهُ: ظاهِرُهُ العُمُومُ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ عَلى المُحالاتِ، و"شَيْءٍ" هو المَوْجُودُ في مُقْتَضى كَلامِ العَرَبِ.

ثُمَّ دَلَّ تَعالى عَلى مَواضِعِ النَظَرِ والعِبْرَةِ، حَيْثُ يَقَعُ الِاسْتِدْلالُ عَلى الصانِعِ بِوُجُودِ السَماواتِ والأرْضِينَ، والمَخْلُوقاتُ دالٌّ عَلى العِلْمِ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ مُوجِدُ عالَمٍ مُرِيدٍ غَيْرَ حَيٍّ، فَثَبَتَ بِالنَظَرِ في هَذِهِ الآيَةِ عِظَمُ الصِفاتِ.

﴿ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ ﴾ : هو تَعاقُبُهُما، إذْ جَعَلَهُما اللهُ خِلْفَةً، ويَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظَةِ الِاخْتِلافِ: كَوْنُهُما يَقْصُرُ هَذا ويَطُولُ الآخَرُ وبِالعَكْسِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ اخْتِلافُهُما بِالنُورِ والظَلامِ.

الآياتُ: العَلاماتُ.

و"الألْبابِ" في هَذِهِ الآيَةِ: هي ألْبابُ التَكْلِيفِ لا ألْبابُ التَجْرِبَةِ، لِأنَّ كُلَّ مَن لَهُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ يُدْرِكُها فَإنَّهُ يَعْلَمُ ضَرُورَةً ما قُلْناهُ مِن صِفاتِ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تكملة لأحوال أهل الكتاب المتحدّث عنهم ببيان حالة خُلقهم بعد أن بيّن اختلال أمانتهم في تبليغ الدين، وهذا ضرب آخر جاء به فريق آخر من أهل الكتاب فلذلك عبّر عنهم بالمَوصول للتوصّل إلى ذكر صلته العجيبة من حال من يفعل الشرّ والخسّة ثم لا يقف عند حدّ الانكسار لما فعل أو تطَلُّب الستر على شنعته، بل يرتقي فيترقّب ثناء الناس على سوء صنعه، ويتطلّب المحمدة عليه.

وقيل: نزلت في المنافقين، والخطاب لكلّ من يصلح له الخطاب، والموصول هنا بمعنى المعرّف بلام العهد لأنّ أريد به قوم معيَّنون من اليهود أو المنافقين، فمعنى ﴿ يفرحون بما أتوا ﴾ أنّهم يفرحون بما فعلوا ممّا تقدّم ذكره، وهو نبذ الكتاب والاشتراء به ثمناً قليلاً وإنّما فرحهم بما نالوا بفعلهم من نفع في الدنيا.

ومعنى: ﴿ يُحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ أنّهم يحبّون الثناء عليهم بأنّهم حفظة الشريعة وحُرّاسها والعالمون بتأويلها، وذلك خلاف الواقع.

هذا ظاهر معنى الآية.

وهو قول مجاهد.

وعن ابن عباس أنّهم أتوا إضلال أتباعهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأحبّوا الحمد بأنّهم علماء بكتب الدين.

وفي «البخاري»، عن أبي سعيد الخدْري: أنّها نزلت في المنافقين، كانوا يتخلّفون عن الغزو ويعتذرون بالمعاذير، فيقبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم ويحبّون أن يحمدوا بأنّ لهم نية المجاهدين، وليس الموصول بمعنى لام الاستغراق.

وفي «البخاري»: أنّ مروان بن الحكم قال لِبَوّابِه: «اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئِنْ كان كلّ امرئ فرح بما أتَى وأحَبّ أن يُحمد بما لم يفعل معذّباً لنعذّبَنّ أجْمعون» قال ابن عباس: «وما لكم ولهذه إنّما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودَ، فسألهم عن شيء فأخبروه بغيره فأرَوْه أنّهم قد استحمدوا إليه بما أخبروه وفرِحوا بما أتوا من كتمانهم» ثم قرأ ابن عباس: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب ﴾ [آل عمران: 187] حتّى قوله: ﴿ لا تَحْسِبَنّ الذين يفرحون بما أتوا ﴾ [آل عمران: 188] الآية.

والمفازة: مكان الفوزَ.

وهو المكان الذي مَن يحلّه يفوز بالسلامة من العدوّ سمّيت البيداء الواسعة مَفَازة لأنّ المنقطع فيها يفوز بنفسه من أعدائه وطلبة الوتر عنده وكانوا يتطلّبون الإقامة فيها.

قال النابغة: أوْ أضَعُ البيتَ في صَمَّاء مُظلمةٍ *** تُقَيّدُ العَيْر لا يسري بها الساري تُدافع الناس عنّا حين نركبها *** من المظالم تُدْعَى أمّ صَبَّار ولمّا كانت المفازة مجملة بالنسبة للفوز الحاصل فيها بيّن ذلك بقوله: ﴿ من العذاب ﴾ .

وحرف (مِن) معناه البدلية، مثل قوله تعالى: ﴿ لا يسمن ولا يغني من جوع ﴾ [الغاشية: 7]، أو بمعنى (عن) بتضمين مفازة معنى منجاة.

وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمور، وأبو جعفر: لا يحسبنّ الذين يفرحون بالياء التحتية على الغيبة، وقرأه الباقون بتاء الخطاب.

وأمّا سين (تحسبن) فقرأها بالكسر نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب.

وقرأها بالفتح الباقون.

وقد جاء تركيب الآية على نظم بديع إذ حُذف المفعول الثاني لفعل الحسبان الأوّل لدلالة ما يدلّ عليه وهو مفعول ﴿ فلا تحسبنّهم ﴾ ، والتقدير: لا يحسبنّ الذين يفرحون إلخ أنْفسَهم.

وأعيد فعل الحسبان في قوله: ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ [آل عمران: 188] مسنداً إلى المخاطب على طريقة الاعتراض بالفاء وأتي بعده بالمفعول الثاني: وهو ﴿ بمفازة من العذاب ﴾ [آل عمران: 188] فتنازعه كلا الفعلين.

وعلى قراءة الجمهور: ﴿ لا تَحسبنّ الذين يفرحون ﴾ [آل عمران: 188] بتاء الخطاب يكون خطاباً لغير معيّن ليعمّ كلّ مخاطب، ويكون قوله: ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ اعتراضاً بالفاء أيضاً والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم مع ما في حذف المفعول الثاني لفعل الحسبان الأول، وهو محلّ الفائدة، من تشويق السامع إلى سماع المنهي عن حسبانه.

وقرأ الجمهور فلا تحسبنّهم: بفتح الباء الموحدة على أنّ الفعل لخطاب الواحد؛ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بضم الباء الموحدة على أنّه لخطاب الجمع، وحيث إنّهما قرءا أوّله بياء الغيبة فضمّ الباء يجعل فاعل (يحسبنّ) ومفعوله متّحدين أي لا يحسبون أنفسهم، واتّحاد الفاعل والمفعول للفعل الواحد من خصائص أفعال الظنّ كما هنا وألحقت بها أفعال قليلة، وهي: (وَجد) و(عَدِم) و(فَقَدَ).

وأمّا سين «تحسبنّهم» فالقراءات مماثلة لما في سين ﴿ يحسبنّ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ المِيثاقُ: اليَمِينُ.

وَفي الَّذِينَ أُتُوا الكِتابَ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.

والثّالِثُ: أنَّهم كُلُّ مَن أُوتِيَ عِلْمَ شَيْءٍ مِن كِتابٍ فَقَدْ أخَذَ أنْبِياؤُهم مِيثاقَهم.

﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيُبَيِّنَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: لِيُبَيِّنَ الكِتابَ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ فَرِحُوا بِالِاجْتِماعِ عَلى تَكْذِيبِ النَّبِيِّ  وإخْفاءِ أمْرِهِ، وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَيْسَ فِيهِمْ مِن أنَّهم أهْلُ نُسُكٍ وعِلْمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ النِّفاقِ فَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ عَنِ القِتالِ وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن مروان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لَنُعَذَّبَنَّ أجمعين.

فقال ابن عباس ما لكم ولهذه الآية؟!

إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس......

﴾ [ آل عمران: 187] الآية وتلا ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ﴾ الآية فقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه.

وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري.

أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

فنزلت ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم أن رافع بن خديج وزيد بن ثابت كانا عند مروان وهو أمير بالمدينة فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ﴾ ؟

قال رافع: أنزلت في ناس من المنافقين، كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا وقالوا: ما حبسنا عنكم إلا الشغل، فلوددنا أنا كنا معكم، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فكأن مروان أنكر ذلك، فجزع رافع من ذلك فقال لزيد بن ثابت: أنشدك بالله هل تعلم ما أقول؟

قال: نعم.

فلما خرجا من عند مروان قال له زيد: ألا تحمدني شهدت لك قال: أحمدك أن تشهد بالحق قال: نعم.

قد حمد الله على الحق أهله.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء المنافقون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم لو قد خرجت لخرجنا معك، فإذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم تخلفوا وكذبوا، ويفرحون بذلك، ويرون أنها حيلة احتالوا بها.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: يعني فنحاص، وأشيع، وأشباههما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ أن يقول لهم الناس علماء وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا خير، ويحبون أن يقول لهم الناس قد فعلوا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: هم أهل الكتاب، أنزل الله عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وفرحوا بذلك، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

فرحوا أنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل الله إليه، وهم يزعمون أنهم يعبدون الله، ويصومون، ويصلون، ويطيعون الله، فقال الله لمحمد ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ﴾ كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكفروا بالله، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة والصوم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك في الآية قال: إن اليهود كتب بعضهم إلى بعض أن محمداً ليس بنبي، فأجمعوا كلمتكم، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم، ففعلوا ففرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: كتموا اسم محمد ففرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه، وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون: نحن أهل الصيام، وأهل الصلاة، وأهل الزكاة، ونحن على دين إبراهيم.

فأنزل الله فيهم ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ﴾ من كتمان محمد ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ أحبوا أن تحمدهم العرب بما يزكون به أنفسهم وليسوا كذلك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ﴾ قال: بكتمانهم محمداً ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ قال: هو قولهم نحن على دين إبراهيم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: يهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب، وحمدهم إياهم عليه.

ولا تملك يهود وذلك ولن تفعله.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال: هم اليهود يفرحون بما آتى الله إبراهيم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن يهود خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به، وأنهم متابعوه وهم متمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمدهم النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يفعلوا.

فأنزل الله: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون...

﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من وجه آخر عن قتادة في الآية قال: إن أهل خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: إنا على رأيكم، وإنا لكم ردء.

فأكذبهم الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: إن اليهود من أهل خيبر قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد قبلنا الدين ورضينا به، فأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

وأخرج مالك وابن سعد والبيهقي في الدلائل عن محمد بن ثابت «أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال: لمَ...؟

قال: نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحب الحمد.

ونهانا عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال.

ونهانا أن نرفع صوتنا فوق صوتك، وأنا رجل جهير الصوت.

فقال: يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة.

فعاش حميداً، وقتل شهيداً، يوم مسيلمة الكذاب» .

وأخرج الطبراني عن محمد بن ثابت قال: حدثني ثابت بن قيس بن شماس قال: «قلت: يا رسول الله لقد خشيت فذكره» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان في بني إسرائيل رجال عباد فقهاء، فأدخلتهم الملوك فرخصوا لهم وأعطوهم، فخرجوا وهم فرحون بما أخذت الملوك من قولهم وما أعطوا.

فأنزل الله: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم في قوله: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ﴾ قال: ناس من اليهود جهزوا جيشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأحنف بن قيس.

أن رجلاً قال له: ألا تميل فنحملك على ظهر قال: لعلك من العراضين قال: وما العراضون؟

قال: الذين ﴿ يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ إذ عرض لك الحق فاقصد له واله عما سواه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر ﴿ فلا يحسبنهم ﴾ يعني أنفسهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرأ ﴿ فلا يحسبنهم ﴾ على الجماع بكسر السين ورفع الباء.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ بمفازة ﴾ قال بمنجاة، وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ ﴾ الآية.

قال أبو سعيد الخُدْرِي (١) (٢) وقال عكرمة (٣) وقال بعضُهم: نزلت في الذين ذَمَّهم الله -تعالى-: بِكِتْمان الحَقِّ، كتموه وفَرِحوا بذلك، وأحَبُّوا أنْ يُحْمدوا بالتمسك بالحق، وقالوا: نحن أصحاب التوراة، وأولوا العِلْمِ القديم، وكلُّ ما (٤) (٥) واختلف القرّاء في هذه الآية: فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو -كلاهما-: بالياء وضمِّ الباء، مِنْ ﴿ يَحْسِبُنَّهم ﴾ (٦) ووجه (٧) (٨) (٩) ﴿ فَلا يَحْسِبُنَّهُم ﴾ (١٠) بِأيِّ كتابٍ أم بِأيِّة سُنَّةٍ ...

تَرىَ حُبَّهُمْ عارًا عليَّ وتَحْسَبُ (١١) بتعدية أحد الفعلين إلى مفعوليه، عن تعدية الآخر إليهما.

فإن قيل: لا (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) قيل: إن الفاء زائدة (١٦) (١٧) وإذا كان كذلك، لَمْ يَجُزْ تقديرُ العطف؛ لأن الكلام لم يستقل بعدُ، فيستقيم فيه تقديرُ العَطْفِ.

ولا يجوز (١٨) ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ (١٩) (٢٠) وإذا هَلَكْتُ (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وحِينَ تَركتُ العائداتِ يَعدْنَهُ ...

يَقُلْن فلا تَبْعَدْ وقلتُ لَه ابْعَدِ (٢٥) وذكرنا وجْهَ زيادة الفاء في الكلام، فيما تقدم.

وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ قد (٢٦) يدل على ذلك: قُبْحُ دخولِ النَفْسِ عليها.

ولو قلت: (حَسِبتُ نفسي تفعل كذا).

لم يَحْسُنْ، كما يَحْسنُ: (حَسِبْتُنِي)، و (أَحْسِبُنِي) (٢٧) وحُذِفَتْ واوُ الضميرِ في ﴿ يَحْسِبُنَّهم ﴾ (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ .

في موضع المفعول الثاني.

وقرأ حمزة، وعاصم والكسائي -كلاهما- (٣٠) ﴿ تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ (٣١) ووجه هذه القراءة: أنه حذف (٣٢) ﴿ تَحْسَبَنَّ ﴾ الأول؛ لأن ما يجيء بَعدُ من قوله: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ ، يدل عليه.

ويجوز أن تجعل (٣٣) ﴿ تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ بدلًا من ﴿ تَحْسَبَنَّ ﴾ ، كما جاز أن تجعل (يَحسِبُنَّهم (٣٤) (٣٥) (٣٦) قال أبو إسحاق (٣٧) (٣٨) والعربُ تُعيد إذا طالت القصّة (حَسبت) وما أشبهها؛ إعلامًا أن الذي جرى متصل بالأوَّل، وتوكيد (٣٩) وهذا -الذي ذكره أبو إسحاق- سائغٌ في القراءتين: قراءةِ أبي عمرو، وقراءةِ حمزة.

وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: الأوَّل بالياء، والثاني بالتاء وفتح الباء (٤٠) ووجه هذه القراءة: أن المفعولَيْن (٤١) ﴿ لَا يَحْسَبَنَّ الذين يفرحون ﴾ محذوفان (٤٢) (٤٣) ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ متَّصلًا بمفعولَيْن ظاهِرَيْنِ، جُعِلا مفعولَي قولِهِ (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا أَتَوْا ﴾ قال الفرّاء (٤٧) (٤٨) ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا  ﴾ أي: فَعَلْتِ.

وكقوله: ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ بِمَفَازَةٍ ﴾ أي (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) وذكرنا ذلك في قوله: ( ﴿ فَقَدْ فَازَ  ﴾ .

(١) أخرج قوله -في هذا المعنى-: البخاري في "الصحيِح" (4567) كتاب: تفسير القرآن.

سورة آل عمران.

باب: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ﴾ .

ومسلم في "الصحيح" 4/ 205 رقم (2777) كتاب: صفات المنافقين.

والطبري في "تفسيره" 4/ 205، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 839، والمؤلف في "أسباب النزول" 140.

وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 168 ب، والسيوطي في: "الدر المنثور" 2/ 191 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر، والبيهقي في "الشعب".

(٢) (فيقبل عذرهم): ساقطة من (ج).

(٣) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 205 - 206، وقد ورد فيه: (عن مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير)، وذكره بمعناه، وأخرجه من طريق آخر، وفيه: (عن مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أنه حدثه عن ابن عباس بنحو ذلك ..).

وأخرجه -منسوبًا إليه-: ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 838 (٤) في (ج): (كلما) بدلًا من: (كل ما).

(٥) أخرج قوله -بهذا المعنى-: البخاري في "صحيحه" (4568) كتاب التفسير.

تفسير سورة آل عمران.

باب: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ﴾ .

ومسلم في "صحيحه" رقم (2778) كتاب صفات المنافقين.

والترمذي في "سننه" رقم (3014) كتاب تفسير القرآن.

باب: من سورة آل عمران.

وقال: (حسن صحيح غريب).

والحاكم في "المستدرك" 2/ 299 وصححه، ووافقه الذهبي.

والنسائي في "تفسيره" 1/ 352، والطبراني في "المعجم الكبير" 10/ 364 رقم (10730)، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 141، والطبري في "تفسيره" 4/ 206، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 838، والبغوى في "تفسيره" 2/ 150، والمؤلف في "أسباب النزول" 141.

وأورده السيوطى فى "الدر المنثور" 2/ 191 وزاد نسبه اخراجه إلى عبد بن حميد == وابن المنذر، والبيهقي في "الشعب".

وقد ورد حول سبب النزول أقوال أخرى.

انظرها في: "تفسير الطبري" 4/ 205 - 208، و"تفسير البغوي" 2/ 150، و"أسباب النزول" للمؤلف 140 - 142، و"الدر المنثور" 2/ 191 - 193.

قال ابن حجر عن الأثر الوارد عن أبي سعيد وابن عباس والآخرين: (ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معًا، وبهذا أجاب القرطبيًّ وغيره).

وقال -عن هذين الأثرين، وعن بقية الآثار الواردة في سبب نزولها-: (ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك، أو نزلت في أشياء خاصة، وعمومها يتناول كل من أتى بحسنة ففرح بها فرح إعجاب، أحب أن يحمده الناس، ويثنوا عليه بما ليس فيه.

والله أعلم).

"فتح الباري" 8/ 233، وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 306 - 307، و"تفسير ابن كثير" 1/ 473.

(٦) أي: قرآ: ﴿ وَلَا يَحْسِبَنَّ ﴾ ، و ﴿ فلا يَحْسِبُنَّهم ﴾ بكسر السين فيهما.

انظر: "السبعة" 219، و"الحجة " للفارسي 3/ 100 - 101، و"حجة القراءات" 186 - 187.

وضبطت الكلمتان بفتح السين في: "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 125.

(٧) من قوله: (ووجه ..) إلى (..

فيستقيم فيه تقدير العطف): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي 3/ 104 - 105.

(٨) في (ج): (الذين).

(٩) (تعالى): ليست في: (ج).

(١٠) (أ)، (ب): (تحسِبنَهم) -بالتاء وكسر السين-.

ولم ترد قراءة بهذه الصورة.

وفي (ب): (تَحسَبَنَهم).

وفي (ج): مهملة من النقط والشكل.

ولكنَّ المؤلف -هنا- يتحدث عن توجيه قراءة ابن كثير وأبي عمرو، فالصواب ما أثبَتُه، والله أعلم.

(١١) البيت للكُمَيت.

وقد ورد منسوبًا له في: "شرح هاشميات الكميت" 49، و"المحتسب" 1/ 183، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 692، و"المقاصد النحوية" 2/ 413، 3/ 112، و"منهج السالك" 2/ 35، و"التصريح"، للأزهري 1/ 259، و"خزانة الأدب" 4/ 314، 9/ 137.

وورد غير منسوب في: "إعراب القرآن"، المنسوب للزجاج 2/ 432، و"أوضح المسالك" ص 77، و"شرح ابن عقيل" 2/ 55.

والشاهد فيه: أنه لم يذكر مفعوليْ (تحسبُ)، اكتفاءً بدلالة الفعل السابق عليهما، وهو: (ترى).

(١٢) في (ج)، و"الحجة": (كيف) بدلًا من (لأن).

(١٣) (يحسبن) في (أ)، (ج): الياء غير منقوطة، والكلمة غير مشكولة.

وفي (ب): (تحسبن)، والمثبت من: "الحجة" للفارسى، لأن المؤلف -هنا- يتحدث عن توجيه قراءة ابن كثير وأبي عمرو.

(١٤) في (أ)، (ب): (تَحْسِبُنَّهم).

ولم ترد قراءة بهذه الصورة وفي (ج): مهملة من النقط والشكل.

والمثبت من "الحجة" للفارسي.

(١٥) (الفاء): ساقطة من (ج).

(١٦) انظر: "معاني القرآن"، للأخفش: 1/ 222.

(١٧) في (ج): (بذلك).

(١٨) من قوله: (ولا يجوز ..) إلى نهاية بيت الشعر (..

فاجزعي): نقله -بتصرف واختصار- عن: "الحجة"، للفارسي 3/ 108 - 109.

(١٩) سورة النحل: 53 وبقيتها: ﴿ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .

(٢٠) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"الحجة".

(٢١) في (ب): (جزعت).

(٢٢) عجز بيت للنَّمِر بن تَوْلَب.

وصدره: لا تَجْزعي إنْ مُنْفِسا أهلكته وهو في "شعره" 72.

وورد منسوبا له في: "كتاب سيبويه" 1/ 134، و"الكامل"، للمبرد 3/ 300، و"شرح الأبيات المشكلة" 90، 361، و"سمط اللآلئ" 468، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 48، 3/ 129، و"اللسان" 8/ 4503 (نفس)، 2/ 1248 (خلل)، و"المقاصد النحوية" 2/ 535، و"شرح شواهد المغني" 1/ 472، 2/ 829، و"خزانة الأدب" 1/ 314، 321، 3/ 32، 9/ 41، 43، 44، 11/ 36.

وورد غير منسوب في: "المقتضب" 2/ 76، و"الحجة" للفارسي 1/ 44، 3/ 109، و"شرح المفصل" 2/ 38، و"شرح ابن عقيل" 2/ 133، و"الأزهية" 248، و"منهج السالك" 2/ 75، و"الأشباه والنظائر" للسيوطي 2/ 181.

ويروى: (لا تجزعي إنْ منفسٌ ..).

انظر توجيه هذه الراوية في "خزانة الأدب" 1/ 314.

البيت ضمن أبيات يخاطب فيها الشاعرُ زوجَه التي لامته على إسرافه وتبذيره في == إكرامه لأضيافه.

الجَزَع: نقيض الصبر.

و (المُنْفِسُ): المال النفيس الذي له قدر.

ومعنى (أهلكتُه): أفنَيتُه، وأذهبتُه.

انظر: "اللسان" 1/ 616 (جزع)، 8/ 4503 (نفس).

والشاهد في البيت: زيادة الفاء.

قال الفارسي: (ألا ترى أن إحدى الفاءين لا تكون إلا زائدة؛ لأن (إذا) إنما يقتضي جوابًا واحدًا).

وانظر حول زيادة إحدى الفاءين -هنا-: "الخزانة" 1/ 315.

(٢٣) في (ج): (أنشده).

(٢٤) انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 268 - 269 (٢٥) البيت لحاتم الطائي.

وهو في "ديوانه" 30.

وقد ورد منسوبًا له، في: "سر صناعة الإعراب" 1/ 269، و"الأزهية" 247.

وورد في المصادر السابقة: (حتى تركت ..).

وفي الديوان: (وحتى ..

* ينادين لا تبعد).

يتحدث عن شخص طعنه الشاعرُ طعنةً، تركه بين الحياة والموت.

و (العائدات): اللاتي يَزُرْن المريض.

انظر: "القاموس" 303 (عود).

و (لا تَبْعَد): لا تهلك؛ من: (البُعْد)، وهو: الهلاك والموت؛ يقال: (بَعِدَ، بَعَدًا)، و (بَعُدَ): هلك.

ومن العرب من يقول: (بَعُدَ) -في المكان-، و (بَعِد) -في الهلاك-.

وقيل: (بَعِد)، و (بَعُد) فيكون مضارعها: (يَبْعَدُ) -بفتح العين-، وهكذا ضَبطتُها في البيت.

انظر: "المزهر" 1/ 208 - 209.

والشاهد فيه: زيادة الفاء في (فلا ..).

(٢٦) من قوله: (قد ..) على (..

لا يحسبن زيدًا ذاهبًا): نقله -بتصرف واختصار- عن: "الحجة" للفارسي 3/ 105 - 106.

(٢٧) يجوز في مضارع (حَسِبَ) كسر السين وفتحها.

انظر: "المزهر" 1/ 209.

(٢٨) في (أ): (تَحْسُبُنهم) بالتاء وضم السين.

وهي خطأ واضح.

وفي (ب): (تحسبنهم)، وفي (ج): مهملة من النقط والشكل.

والمثبت هو ما استصوبته؛ لاتساقه مع ما سبق.

(٢٩) أي: سكون الواو، وأول النون المشددة.

(٣٠) هكذا جاءت في: (أ)، (ب)، (ج): (كلاهما) -على الرفع للمثنى-، والأصل فيها أن تكون: (كلهم)، وتعود على القراء الثلاثة.

أو (كليهما) -بالنصب بالياء-، وتعود على القراءتين القرآنيتين ﴿ تَحْسَبَنَّ ﴾ ، و ﴿ تَحسَبَنَّهُم ﴾ ، وقد ترجع (كلاهما) على عاصم والكسائي.

(٣١) أي: ﴿ تَحسَبَنَّهُم ﴾ -بالتاء وفتح الباء والسين-.

إلا أن الكسائي كَسَر السين.

انظر: "السبعة" 220، و"الحجة" للفارسي 3/ 101، و"حجة القراءات" 186، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 183.

(٣٢) من قوله: (حذف ..) إلى (..

لاتفاق الفعلين): نقله -بتصرف- عن: "الحجة" للفارسي 3/ 108.

(٣٣) في (ب): (يجعل).

(٣٤) (أ)، (ب): (تحسبنهم)، وفي (ج): غير معجمة.

والمثبت من "الحجة" للفارسي.

(٣٥) (أ)، (ب): (تحسبن)، وفي (ج): غير معجمة.

والمثبت من "الحجة".

(٣٦) (أ)، (ب): (ولاتفاق)، ولا وجه للواو -هنا-.

والمثبت من (ج)، و"الحجة"، للفارسي.

(٣٧) في "معاني القرآن" له 1/ 498.

نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.

(٣٨) في (أ)، (ب)، (ج): (لا).

والمثبت وفق رسم المصحف الشريف.

وكذا جاءت في "معاني القرآن".

(٣٩) في (ج): (وتأكيد)، وفي المعاني؛ وتوكيدًا.

(٤٠) أي: ﴿ يَحْسَبَنَّ ﴾ و ﴿ تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ ، وكسرَ نافعٌ السينَ وفتحها ابنُ عامر.

انظر: "السبعة" 219 - 220، و"علل القراءات" 1/ 131، و"الحجة" للفارسي 3/ 101 (٤١) من قوله: (المفعولين ..) إلى (..

من بعد عليهما): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي 3/ 107.

(٤٢) في (ج): (محذوفًا).

(٤٣) في (ج): (عليها).

(٤٤) في (ج): (لقوله).

(٤٥) (أ)، (ب): ﴿ تَحْسَبَنَّ ﴾ -بالتاء-.

وفي (ج): غير معجمة.

والمُثبَت يتناسب مع السياق؛ لأن المؤلف يوجِّهُ قراءةَ نافع وابن عامر وهي بالياء.

(٤٦) في (أ)، (ب): ﴿ تَحْسَبَنَّ ﴾ -بالتاء-.

وفي (ج): غير معجمة والمثبت يتناسب مع السياق.

(٤٧) في "معاني القرآن" له 1/ 250.

نقله عنه بتصرف.

(٤٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

وفي "معاني القرآن": بما فعلوا.

(٤٩) من قوله: (أي ..) إلى (..

نجا): نقله -بنصه- عن "تفسير غريب القرآن"، لابن قتيبة 1/ 109.

(٥٠) في "تفسير الغريب" أي.

(٥١) في "معاني القرآن" له 1/ 250.

(٥٢) في (أ): (يبعد)، وفي (ب)، (ج): رسمت كالتي في (أ)، إلا أنَّ النقط غير == واضحة.

والمثبت هو ما استظهرت صوابه.

وهي أقرب إلى رسمها في "معاني القرآن" (ببعيد)، وكذا وردت في: "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 125 (ببعد من النار).

(٥٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 495.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَمَن زُحْزِحَ ﴾ أي نحي وأبعد ﴿ لَتُبْلَوُنَّ ﴾ الآية: خطاب للمسلمين، والبلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفي الأموال بالمصائب والإنفاق ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ ﴾ الآية: سببها قول اليهود: إن الله فقير، وسبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ قال ابن عباس: هي لليهود؛ أخذ عليهم العهد في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فكتموه، وهي عامة في كل من علمه الله علماً ﴿ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ ﴾ الآية: قال ابن عباس نزلت في أهل الكتاب سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا إليه بذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه، وقال سعيد الخدري: نزلت في المنافقين: كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ بالتاء وفتح الباء: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وبالياء وضم الباء: أسند الفعل للذين يفرحون: أي لا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب، ومن قرأ: تحسين بالتاء: فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والذين يفرحون مفعول به، وبمفازة المفعول الثاني، وكرر فلا تحسبنهم: للتأكيد، ومن قرأ لا يحسبن بالياء من أسفل، فإنه حذف المفعولين، لدلالة مفعولي لا تحسبنهم عليهما.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا يحزنك ﴾ من الأفعال حيث كان إلا قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ نافع ومثله ﴿ ليحزنني  ﴾ و ﴿ ليحزن الذين آمنوا  ﴾ وقرأ يزيد على ضده.

الباقون: بفتح الياء وضم الراء.

ولا خلاف في مثل ﴿ يحزنون  ﴾ و ﴿ لا تحزن  ﴾ مما هو لازم ﴿ ولا يحسبن ﴾ وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في ﴿ تحسبنهم ﴾ أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ فإنها بالتاء وفتح الباء.

الباقون: الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب.

/ ﴿ يميز ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير.

الباقون: خفيف بفتح الياء وكسر الميم.

﴿ يعملون خبير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ لقد سمع ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ سيكتب ﴾ بضم الياء وفتح التاء ﴿ وقتلهم ﴾ برفع اللام و ﴿ ويقول ﴾ على الغيبة: حمزة الباقون: بالنون فيهما على التكلم.

ونصب اللام في ﴿ وقتلهم ﴾ ﴿ وبالزبر ﴾ ابن عامر ﴿ وبالكتاب ﴾ الحلواني عن هشام.

الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما ﴿ زحزع عن ﴾ مدغماً: شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ﴿ ليبيننه ﴾ ﴿ ولا يكتمونه ﴾ بالياء فيهما لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد.

الباقون: بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم.

الوقوف: ﴿ في الكفر ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ في الآخرة ﴾ ج لعطف المختلفين مع اتحاج مقصود الكلام ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج لما ذكر ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ 5 ﴿ لأنفسهم ﴾ ط ﴿ إثما ﴾ ج لما ذكر أياَ ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ من الطيب ﴾ ط ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ شراً لهم ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق.

﴿ بغير حق ﴾ ج لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالياء لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: ﴿ سيكتب ﴾ مع اتساق المعنى.

﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد ملطقاً لا العبيد الموصوفة.

نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح ﴿ تأكله النار ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لابتداء شرط في أمر معظم.

﴿ فقد فاز ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ ولا تكتمونه ﴾ ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ يشترون ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ج لما ذكر.

﴿ أليم ﴾ ه {والأ ﴿ ض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: نزلت في كفار قريش وإنه  جعل رسوله آمناً من شرهم وأتاح العاقبة له وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها، وقيل في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمداً لطالب ملك فتارة يكون الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولاً ما غلبه أحد.

وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فاغتم النبي  لذلك فبيّن الله  أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك.

ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في الكفر إنما تناسب من كفر بعد الإيمان / المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة إنما تليق بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود وذلك هو ما قدر النبي  من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم بالإيمان فبيّن الله  أنه لا يلحق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية.

فإن قيل: الحزن على كفر الكافر وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟

فالجواب أنه نهي عن الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  ﴾ أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك ﴿ إنهم لن يضروا الله ﴾ أي دينه ﴿ شيئاً ﴾ من الضرر.

﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ﴾ فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ أنه كما لاحظ لهم من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها.

وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصاً لم يبق معه صارف ألبتة.

ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة ﴿ إن الذين اشتروا ﴾ الآية.

والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا.

ومن كان عقله هذا القدر - وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة في الآخرة - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير.

ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة له على إيصال الضرر إلى الغير.

ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بالياء فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعل، و"أن" مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه.

ومن قرأ بتاء الخطاب فـ ﴿ الذين كفروا ﴾ مفعول أول و"أن" مع ما في حيزه بدل منه.

وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي.

ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض.

مع امتناع السكوت على متاعك؟

والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن "ما" مصدرية.

ويجوز أن يقدر مضافمحذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.

قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان أي طال.

وأملى له أي طوّل له وأمهله.

قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار.

ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة.

و ﴿ إثماً ﴾ نصب على التمييز.

وفي / وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى.

قالت الأشاعرة ههنا: إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة.

والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه  فاعل الخير والشر.

وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثماً، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله.

وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله  محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين.

أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقاً.

وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة.

ومثله ﴿ وجعلو لله أنداداً ليضلوا  ﴾ وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال.

ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك.

ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه  بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان  فاعلاً للازدياد ومريداً له.

قالوا: في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم.

ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر "إن" الأولى وفتح الثانية.

وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها.

ثم إنه  أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد.

لله در النائبات فإنها *** صدأ اللئام وصيقل الأحرار فقال: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ اللام لتأكيد النفي والخطاب في ﴿ أنتم ﴾ للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق.

خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض.

وماز وميَّز لغتان.

مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً، وميّزته تمييزاً.

وفي الحديث " "من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة " ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع / المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون والأهون.

وبم يحصل هذا الميز؟

قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي  إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل.

وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله.

وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي ﴾ أي يصطفي ويختار ﴿ من رسله من يشاء ﴾ وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله  بعلمه لا يليق بكل منكم، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده.

الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله  إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق.

الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله  .

ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلاناً مؤمن وفلاناً منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء.

أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال: ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴾ قال السدي: قال رسول الله  : " "عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر " فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ .

وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت.

وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطو علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق.

/ ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على بذل المال في سبيل الله فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب قدر مضافاً أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد.

ومن جعل الموصول فاعلاً فالمفعول الأول محذوف للدلالة.

التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيراً وهو صيغة الفصل.

قال الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عدّ بخيلاً لم يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال.

وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدوّ وتعين دفعهم بالمال.

وروى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد  ونبوّته.

وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا يكون عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم.

وعلى هذا التفسير فمعنى ﴿ سيطوّقون ﴾ أن الله  يجعل في رقابهم طوقاً من النار كقوله  : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق.

وعلى التفسير الأول فإما أن يكون محمولاً على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ويقول: أنا مالك.

عن ابن مسعود عن النبي  : " ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل طوقاً في عنقه شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه " ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ الآية.

وعن ابن عمر قال: قال  : " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوّقه يقول: أن كنزك " وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقاً أي سيلزمون إثمه في الآخرة إلزام الطوق.

وفي أمثالهم "يقلدها طوق الحمامة" إذا جاء بهنة يسب بها ويذم.

وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة.

ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطوّقونه فدية  ﴾ قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكناً؟

﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره.

فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟

ونظيره قوله: ﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه  ﴾ وقال كثير من المفسرين: المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث.

قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركاً له فيه.

ومثله ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه أو غالباً عليه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، أي يجازيهم على منعهم الحقوق.

ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب.

ثم شرع في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد  .

وذلك أنه لما أمر بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقاً في أن الله  يطلب منا المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق.

وأيضاً لو كان نبياً لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي.

فهذا بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ عنوا أنه بخيل.

وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه  قادراً على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما روي عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل "أن رسول الله  كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً.

فقال فنحاص عن عازوراء ـ وهو من علمائهم - أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك.

فذهب فنحاص إلى رسول الله  وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك.

فقال رسول الله صلى الله لأبي بكر: ما الذي حملك على ما صنعت؟

فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال هكذا.

فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر" .

وأيضاً إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: إذهب أنت وربك فقاتلا.

فلا يبعد أن محمداً  لما طلب منهم الأموال قالوا له: لو كان الإله غنياً فأي حاجة إلى أموالنا.

ثم إن القائل لو كان فنحاصاً وحده فإنما / يستقيم قوله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا ﴾ لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه.

ثم إنه  لم يجبهم عن شبهتهم.

أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر عبيدة ببذل الأموال مع كونه أغنى الإغنياء.

وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم  ﴾ ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته.

فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب، وإنما يستأهل صنوفاً من العتاب وضروباً من العذاب فلهذا قال على جهة الوعيد ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى.

وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة.

ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا.

﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ وهو من أسماء جهنم.

"فعيل" بمعنى "مفعول" كالأليم بمعنى المؤلم.

أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة.

والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص.

وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب.

ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول ﴿ ذلك ﴾ العذاب أو الوعيد ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ من السب والقتل.

وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات.

وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفرداً.

قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج.

قال الجبائي: قوله: ﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب.

وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلاً وإلا لكان الظلم حاصلاً.

والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتباً على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى / أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلماً، فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلماً.

قيل: إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً.

وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلماً عظيماً لو لم يكونوا مذنبين، أقو ل: إنه  نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: ﴿ وما ظلمناهم  ﴾ ﴿ وهم لا يظلمون  ﴾ وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى ههنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال: إن خُيِّلَ إليكم أن في الوجود شراً بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير.

ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة.

ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله  فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت.

قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله.

وأصله مصدر كالكفران والرجحان.

ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه قوله  لكعب بن عجرة: " "يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان" أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.

وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء.

قال: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً.

فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت.

وقيل: إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، فأي فائدة في تخصيصها؟

ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي / النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية المعينة، وحينئذٍ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن فيها جاز في هذه.

وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية كانت.

وحينئذٍ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثاً فلهذا نسبهم الله  إلى الجحود والعناد فقال: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ أي بمدلوله ومؤدّاه ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ إنما الإيمان يجب عند الإتيان بالقربان.

وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم الإلزام.

وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط.

فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعاً، فكان الإقرار بالنبوة واجباً.

ثم سلى رسوله بقوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم ﴿ فقد كذب رسل من قبلك ﴾ وأي رسل والمصيبة إذا عمت طابت ﴿ جاؤا بالبينات ﴾ وهي الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات.

والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب.

وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو الواضح المستنير.

يعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن.

وعطف الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال  ﴾ وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور.

ثم أكد التسلية بقوله: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله.

والمراد لكل نفس ذائقة الموت كل ذات.

فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله  منها ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك  ﴾ وكذا كل الجمادات لأن لها ذوات.

ولقوله: ﴿ فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله  ﴾ ولأنه لا موت لأهل الجنة ولأهل النار.

فالمراد المكلفون الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوّز الموت عليهم.

روي عن ابن عباس: لما نزل قوله  : ﴿ كل من عليها فان ﴾ \[الرحمن: /26\] قالت الملائكة: مات أهل الأرض.

فلما نزل ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قالت الملائكة: متنا.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول الذوق.

قالت الحكماء: الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة الغريزية.

وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة.

قالوا: والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم كما قال  : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" .

﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره ﴿ فقد فاز ﴾ لم يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: الخلاص من العذاب والوصل إلى الثواب.

فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به.

قال  : " "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد.

ثم شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى.

والغرور بالضم مصدر، الغار المدلس هو الشيطان.

عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها.

وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور.

وعن سعيد بن جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة.

فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ.

﴿ لتبلون في أموالكم ﴾ اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم.

والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد, والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على ما ابتلاكم الله به ﴿ وتتقوا ﴾ المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتقوى ﴿ من عزم الأمور ﴾ من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من / عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به.

قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية القتال.

وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف.

والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال.

والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه.

عن كعب بن مالك "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي  ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي  قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي  أن يستصلحهم كلهم.

فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية" .

روي "أن رسول الله  ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله.

فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة.

فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا.

فسلم رسول الله  ثم وقف.

فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن.

فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا.

ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك.

فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون.

فلم يزل النبي  يخفضهم حتى سكنوا.

ثم ركب النبي  دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي؟

قال: كذا وكذا.

فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله  " ، وأنزل الله هذه الآية.

ثم إنه  عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضاً من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون من نعته وصفته فلهذا قال: ﴿ وإذا أخذ الله ﴾ بإضمار "اذكر" والضمير في ﴿ لتبيننه ﴾ قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي.

وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه.

وقيل له الله لتفعلن ﴿ ولا يكتمونه ﴾ قيل: الواو للحال أي غير كاتمين.

ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكداً بالنون.

والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد ﴿ فنبذوه / وراء ظهورهم ﴾ جعلوه كالشيء المطروح المتروك.

وعن علي  : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا.

وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب.

وطوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه.

ومعنى قوله: ﴿ واشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان حظ يسير من الدنيا ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئاً من أمر الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارّهم واستجذاب لمبارّهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيره أن ينسب إلى غيره.

ثم ذكر نوعاً آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله بذلك فقال: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباب فالخطاب للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين ﴿ الذين يفرحون ﴾ والثاني ﴿ بمفازة ﴾ .

وقوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد.

ومن ضم الباء في الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، والثاني للتأكيد.

ومعنى ﴿ بما أتوا ﴾ بما فعلوا.

وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل.

قال  : ﴿ إنه كان وعده مأتياً  ﴾ ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً  ﴾ .

ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز.

وقال الفراء: أي ببعد منه لأن الفوز التباعد عن المكروه.

في الصحيحين "أن مروان قال لرافع أبوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون.

فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي  يهوداً فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآيتين" .

وقال الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا كلمتكم على ذلك.

فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل الصوم والصلاة، نحن أولياء الله.

فذلك قول الله ﴿ يفرحون بما أتوا ﴾ بما فعلوا ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ / فأنزل الله هذه الآية" .

يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.

وعن أبي سعيد الخدري "أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله  إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآية" .

وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة / الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة.

ونحن إذا أنصفنا من انفسنا وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ ولغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب؟

التأويل: ﴿ هو خيراً لهم بل هو شر لهم ﴾ كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس.

﴿ سيطوّقون ﴾ شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل "حب الدنيا رأس كل خطيئة" ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون.

والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال.

فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء.

﴿ بقربان تأكله النار ﴾ قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشياطنية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم،فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله، قل يا وارد الحق ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي ﴾ أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ﴿ وبالذي قلتم ﴾ أي بجعل الدنيا قرباناً ﴿ فلم قتلتموهم ﴾ غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات.

﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت.

فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله.

﴿ لتبلون ﴾ بالجهاد الأكبر ﴿ ولتسمعن ﴾ من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء ﴿ أذى كثيراً ﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿ وإن تصبروا ﴾ على جهاد النفس ﴿ وتتقوا ﴾ بالله عما سواه ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي من أمور أولي العزم ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل  ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ : يحتمل الابتلاء في الأموال والأنفس: أن يُبْلَوْا بالنقصان فيها؛ كقوله - عزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ...

﴾ الآية [البقرة: 155].

ويحتمل: أن يُبْلَوْا بما جعل فيها من العبادات، [من نحو: الزكاة في الأموال والصدقات والحقوق التي جعل فيها، وفي الأنفس: من العبادات]: من الصلاة والجهاد والحج، وغيرها من العبادات، و الله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : يعني: الذين لهم علم بالكتاب ومن غيرهم.

﴿ أَذًى كَثِيراً ﴾ [أي: تسمعون أنتم من هؤلاء أذى كثيراً، على ما سمع إخوانكم الذين كانوا من قبلكم من أقوامهم أذى كثيراً]؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ ﴾ : على أذاهم.

﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ : مكافأتهم، على ما صبر أولئك واتقوا مكافأتهم.

﴿ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ : قيل: من خير الأمور؛ هذا يحتمل.

وقيل: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ من قولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ ﴾ ، يعني: العرب، ﴿ أَذًى كَثِيراً ﴾ ، يعني: نصب الحروب فيما بينهم، والقتال، والسب وغير ذلك، ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ ﴾ : على ذلك والطاعة له، ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ : معاصي الربِّ، ﴿ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ :، يعني: من حزم الأمور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : أي: الذين أوتوا العلم بالكتاب، وأَخَذَ الميثاق؛ ليبينوا، أي: يُبَيِّنُوا للناس ما في الكتاب من الأمر والنهي، وما يحل وما يحرم، وغير ذلك من الأحكام، ولا يكتموا ذلك.

ويحتمل: أن أخذ عليهم الميثاق: أنْ بَيَّنُوا للناس بَعْثَ محمد  وصِفَتَهُ، ولا تكتموه بالتحريف وبترك البيان.

وقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ أي: لم يعملوا بما فيه، ولا بينوا للناس؛ فهو كالمنبوذ وراء ظهروهم.

﴿ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً...

﴾ الآية: قد ذكرنا معناه في غير موضع.

وعن علي -  - قال: "ما أخذ الله ميثاقاً على أهل الجهل بطلب العلم، حتى أخذ ميثاقاً من أهل العلم ببيان العلم؛ لأن العلم كان قبل الجهل".

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ ﴾ : قيل: بما غيَّروا من نعت محمد  وصفته في كتابهم وكتموه، وتبديلهم الكتاب، وإعجاب الناس ذلك وحمدهم على ذلك.

وقيل: إن اليهود دخلوا على رسول الله  ، فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك - وليس ذلك في قلوبهم - فلما خرجوا من عند [رسول الله]  قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟

فيقولون: عرفناه وصدقناه؛ فيقول المسلمون: أحسنتم، بارك الله فيكم: يحمدهم المسلمون على ما أظهروا من الإيمان، وهم يحبون أن يحمدوا على ذلك؛ فذلك تأويل قوله: ﴿ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ﴾ .

وقيل: إنهم قالوا: نحن أهل الكتاب الأول والعلم، وأهل الصلاة والزكاة.

ولم يكونوا كذلك، وأحبُّوا أن يحمدوا على ذلك، والله أعلم بالقصَِّة.

وفي قوله - عز وجل أيضاً -: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ...

﴾ الآية - دلّ ما ذم الله عباده، وأوعدهم عليه أليم عقابه فيما أحبُّوا الحمد على ما لم يفعلوا - على  الربِّ عن قول المعتزلة في قولهم: ليس لله في الإيمان تدبير سوى الأمر، ولا صُنْعٌ، وقد أحبَّ أن يحمد عليه بقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، بقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ  ﴾ ، وقولهِ -  -: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ  ﴾ في غير موضع من القرآن، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا تظنن - يا أيها النبي - أن الذين يفرحون بما فعلوا من القبائح، ويحبون أن يمدحهم الناس بما لم يفعلوه من الخير، لا تظننهم بمَنْجاة من العذاب وسلامة، بل محلهم جهنم، ولهم فيها عذاب موجع.

<div class="verse-tafsir" id="91.b5JNm"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وجه الاتصال بين هذه الآية - ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ  ﴾ - وما قبلها هو أن ما ذكر في الآية السابقة من البلاء الذي يصاب به المؤمنون إنما يصابون به لأخذهم بالحق ودعوتهم إليه ومحافظتهم في الشدائد عليه، فناسب بعد ذكر ذلك البلاء الذي أخبر الله به المؤمنين ووطن عليه نفوسهم ليثبتوا ويصبروا أن يذكر لهم مثل الذي خلوا من قبلهم إذ أخذ عليهم الميثاق ببيان الحق فكان من أمرهم ما استحقوا به الوعيد المذكور في الآية.

فهو يذكر المؤمنين بذلك كأنه يقول لهم إنكم إذا كتمتم ما أنزل عليكم يكون وعيدكم كوعيدهم.

قال تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  ﴾ ولا نقول في التوراة لأن القرآن لم يقل بذلك ولا بعدمه فليس لنا أن نقيد برأينا ما أطلقه ونزيد عليه بغير علم.

﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ  ﴾ وتبيينه هو أن يوضحوا معانيه كما هي ولا يؤولوه ولا يحرفوه عن مواضعه التي وضع لتقريرها ومقاصده التي أنزل لأجلها حتى لا يقع في فهمه لبس ولا اضطراب، وههنا أمران العلم بالكتاب على غير وجهه وهو نتيجة عدم البيان، وعدم العلم به بالمرة وهو نتيجة الكتمان، وقد يقال إن الظاهر المتبادر في الترتيب هو أن ينهي عن الكتمان أولًا ثم يأمر بالبيان لأن البيان إنما يكون مع إظهار الكتاب فلماذا عكس؟

والجواب عن هذا أن القرآن قدم أهم الأمرين لأن المخالفة في الأول وهو الكتمان تقتضى الجهل البسيط وهو الجهل بالدين، وفي الثاني تقتضي الجهل المركب وهو اعتقاد ما ليس بدين دينًا، والجهل البسيط أهون لأن صاحبه يوشك أن يظفر بالكتاب يومًا فيهتدي به ويعرف الدين، وأما الجهل المركب وهو فهمه على غير وجهه فيعسر زواله بالمرة فيكون صاحبه ضالًا مع وجود أعلام الهداية أمامه.

والعبرة في ذلك ظاهرة عندنا وفي أنفسنا فإن كتابنا وهو القرآن العزيز لم يوجد كتاب في الدنيا حفظ كما حفظ، ونقل كما نقل، ونشر كما نشر، فإن الجماهير من المسلمين قد حفظوه عن ظهر قلب من القرن الأول إلى هذا اليوم وهم يتلونه في كل مكان حتى إنك تسمعه في الشوارع والأسواق ومجتمعات الأفراح والأحزان وفي كل حال من الأحوال، ولكنهم تركوا تبيينه للناس فلم يغن عنهم عدم الكتمان شيئًا، فإنهم فقدوا هدايته حتى أنهم يعترفون بأن المسلمين أنفسهم منحرفون عنه وأن القابض على دينه كالقابض على الجمر، ويعترفون بأن الغش قد عم وطم، ويعترفون بارتفاع الأمانة، وشيوع الخيانة إلخ إلخ، وكل هذا من نتائج ترك التبيين.

ولهذه التعمية وهذا الاضطراب في فهم الكتاب أسباب أهمها ما كان من الخلاف بين العلماء من قبل، لا سيما في القرن الثالث، فقد انقسمت الأمة إلى شيع وذهبت في الخلاف مذاهب في الأصول والفروع وصار كل فريق ينصر مذهبه ويحتج له بالكتاب يأخذ ما وافقه منه ويؤول ما خالفه، واتبعهم الناس على ذلك، ورضي كل فريق من المسلمين بكتب طائفة من أولئك المختلفين حتى جاءت أزمنة ترك فيها الجميع التحاكم إلى القرآن وتأييد ما يذهبون إليه به وتأويل ما عداه.

حتى صرنا نتمنى لو دامت تلك الخلافات فإنها أهون من هجر القرآن بتاتًا، فإن الناس قد وقعوا في اضطراب من أمر دينهم حتى صاروا يحسبون ما ليس بدين دينًا، وحتى أن العلماء يرون المنكرات فلا ينكرونها بل كثيرًا ما يقعون فيها أو يتأولون لفاعليها، ولو بينوا للناس كتاب الله لقبلوه.

﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ ، نبذوا الميثاق لم يفوا به إذا تركوا العمل بالكتاب والثمن القليل الذي اشتروه به لم يبينه القرآن لأنه ظاهر في نفسه ومعروف من سيرتهم، وهو عبارة عن التمتع بالشهوات الدنية، واللذائذ الفانية فكان أحدهم يجد في العمل بالكتاب والتزام الشريعة مشقة فيتركه حبًا في الراحة، وإيثارًا للذة، وأما التأويل والتحريف فقد كان لهم فيه أغراض كثيرة (ومنها): الخوف من الحكام والرجاء فيهم، فيحرف رجال الدين النصوص عن مواضعها المقصودة ويصرفونها إلى معان أخرى ليوافقوا ما يريد الحاكم فيأمنوا شره وينالوا بره، (ومنها): إرضاء العامة أو الأغنياء خاصة بموافقة أهوائهم لاستفادة الجاه والمال، (ومنها): -وهو الأصل الأصيل في التحريف- الجدل والمراء بين رجال الدين أنفسهم لا سيما الرؤساء وطلاب الرياسة منهم، فإن الواحد من هؤلاء إذا قال قولًا أو أفتى فأخطاء فأبان خطأه آخر ينبري لتصحيح قوله وتوجيه فتياه وتخطئة خصمه وتأخذه العزة بالإثم فيرى الموت أهون عليه من الاعتراف بخطئه والرجوع إلى قول أخيه في العلم والدين، (ومنها): الجهل، فإن المتصدي للتعليم أو الفتيا قد يجهل مسائل فيتعرض لبيانها وبغير علم، وإذا أبيح لمثل هذا أن يعلم للأسباب التي نعهدها من الرؤوساء الذين يجيزون جهلة الطلاب بالتدريس ويعطونهم الشهادة بالعلم محاباة لهم فإنه يربي تلاميذه أجهل منه فيكونون كلهم محرفين مخرفين ويفسد بهم الدين، (ومنها): انقطاع سلسلة أهل الفهم والتبيين، وخبط الناس بعدهم فيما يؤثر عنهم من بيان تأويل، وحمله على غير المراد منه حتى بعدوا عن الأصل بعدًا شاسعًا.

وانظر في حال المسلمين -الذين اتبعوا سنن من قبلهم- واعتبر بحال أهل الأزهر منهم ترى بعينيك كما رأينا، وتسمع بأذنيك كما سمعنا، وتفهم سر ما قصه الله من أنباء أهل الكتاب علينا.

﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ ، كان الكلام في أهل الكتاب لتحذير المسلمين من مثل فعلهم في سياق الحض على الاستمساك بعروة الحق وحفظه والدعوة إليه إذ أخذ على أولئك الميثاق فقصروا فيه وتركوا العمل بالكتاب وتبيينه للناس واشتروا به ثمنًا قليلًا فاستحقوا العقاب من الله تعالى، بعد هذا بيّن في هذه الآية حالًا آخر من أحوال أولئك الغابرين ليحذر المؤمنين منه لأنهم عرضة له وهو أنهم كانوا يفرحون بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب، ويرون لأنفسهم شرفًا فيه وفضلًا بأنهم أئمة يقتدى بهم وهذا فرح بالباطل وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفاظ الكتاب ومفسروه وعلماؤه ومبينوه والمقيمون له، وهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك وإنما فعلوا نقيضه إذ حولوه عن الهداية إلى ما يوافق أهواء الحكام وأهواء سائر الناس يطلبون بذلك حمدهم.

بيّن الله هذه الحال في أسلوب عجيب بين فيه حكمًا آخر وهو أن هؤلاء الفرحين المحبين للمحمدة الباطلة قد اشتبه أمرهم على الناس فهم يحسبون أنهم أولياء الله وأنصار دينه وعلماء كتابه، وأنهم أبعد الناس عن عذابه وأقربهم من رضوانه، فبيّن الله كذب هذا الحسبان ونهى عنه وسجل عليهم العذاب.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ  ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ  ﴾ كما هو معهود في الكلام العربي من إعادة الفعل إذا طال الفصل بينه وبين معموله.

قال الزجاج إن العرب إذا أطالت القصة تعيد حسبت وما أشبهها إعلامًا بأن الذي جرى متصل بالأول فتقول؛ لا تظنن زيدًا إذا جاءك وكلمك بكذا فلا تظنه صادقًا فيفيد، لا تظنن توكيدًا وتوضيحًا -والفاء زائدة كما في قوله: فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي ولقد أورد ذلك صاحب الكشاف، وعندي أنه مردود غير صحيح ولولا "الفاء" لصح ولكن الفاء تمنع منه، ولقد علمت مذهبنا في عدم زيادة حرف ما في القرآن بلا فائدة، ووجه العبارة في رأينا هو أن المفعول الثاني في قوله: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ  ﴾ محذوف، حُذِف إيجازًا لتذهب النفس في تقديره كل مذهب، والقرآن ما أنزل لتحديد المسائل والأخبار والقصص تحديدًا في فهمه كل قارئ وإنما الغرض الأهم منه إصلاح النفوس والتأثير الصالح فيها بترغيبها في الحق والخير وتنفيرها من ضدهما.

فإذا قال ههنا لا تحسبن الذين يفرحون بكذا ويحبون كذا تتوجه نفس القارئ أو السامع إلى طلب المفعول الثاني، وتذهب فيه مذاهب شتى كلها من النوع الذي يليق، معبريَن بهذا عن حالهم، كأن تقدر لا تحسبنهم مطيعين لربهم أو عاملين بهدايته، وعندما يرد عليها بعد ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ  ﴾ يتعين عندها بهذا التفريع الذي ذكر فيه المفعول الثاني ما حذف من الأول لا بشخصه وعينه بل بنوعه، لأننا لو قلنا إن ما حذف من الأول هو عين ما أثبت في الثاني لم يكن للتفريع فائدة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ عطف هذه الآية على ما قبلها لاتصالها بالآيات التي قبلها فالواو فيها عاطفة للجملة المستقلة على مثلها كأنه يقول لا تحزنوا أيها المؤمنين ولا تضعفوا واصبروا واتقوا ولا تخورن عزائمكم، بينوا الحق ولا تكتموا منه شيئًا، ولا تشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، ولا تفرحوا بما عملتم، ولا تحبوا أن تحمدوا بما لم تفعلوا، فإن الله تعالى يكفيكم ما أهمكم، ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها، فإن ملك السموات والأرض كله له يعطي منه ما يشاء وهو على كل شيء قدير، لا يعز عليه نصركم على اللذين يؤذونكم بأيديهم وألسنتهم من أهل الكتاب والمشركين، وإليه ترجع الأمور لأنه هو الذي يدبرها بحكمته وسننه في خلقه.

وفي هذا التذييل حجة على كون الخير في اتباع ما أرشد إليه تعالى، وتسلية للنبي  وللمؤمنين ووعد لهم بالنصر، وفيه تعريض بذم أولئك المخالفين الذين سبق وصفهم في الآيات التي قبل هذه الآية وهو أنهم لا يؤمنون بالله تعالى إيمانًا صحيحًا يظهر أثره في أخلاقهم وأعمالهم وإلا لما تركوا العمل بكتابه وآثروا عليه ما يستفيدونه من حطام الدنيا، فإن هذا لا يكون إلا من عدم الثقة بوعده تعالى والخوف من وعيده واليقين بقدرته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله