الآية ٢٤ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٢٤ من سورة آل عمران

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ) أي : إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام ، عن كل ألف سنة في الدنيا يوما .

وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة .

ثم قال : ( وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ) [ أي غرهم في دينهم ] أي : ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات ، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه ، ولم ينزل الله به سلطانا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) يعني جل ثناؤه بقوله: " بأنهم قالوا "، بأنّ هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق فيما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أبوا الإجابة إلى حكم التوراة وما فيها من الحق: من أجل قولهم: (12) " لن تمسنا النارُ إلا أيامًا معدودات " = وهي أربعون يومًا، وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل (13) = ثم يخرجنا منها ربنا، اغترارًا منهم =" بما كانوا يفترون "، يعني: بما كانوا يختلقون من الأكاذيب والأباطيل، في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحِبّاؤه، وأن الله قد وعد أباهم يعقوبَ أن لا يُدْخل أحَدًا من ولده النار إلا تَحِلَّةَ القسم.

(14) فأكذبهم الله على ذلك كله من أقوالهم، وأخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل النار هم فيها خالدون، دون المؤمنين بالله ورُسله وما جاءوا به من عنده.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 6786 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده: " ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات "، قالوا: لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا = قال الله عز وجل: " وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون "، أي قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ .

6787 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات "، الآية، قال: قالوا: لن نعذب في النار إلا أربعين يومًا، قال: يعني اليهود = قال: وقال قتادة مثله = وقال: هي الأيام التي نَصَبوا فيها العجل.

يقول الله عز وجل: " وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون "، حين قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ .

6788 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال: قال ابن جريج، قال مجاهد قوله: " وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون "، قال: غرّهم قولهم: " لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات ".

---------------------- الهوامش : (12) قوله: "من أجل قولهم" تفسير لمعنى الباء في قوله: "ذلك بأنهم قالوا" ، وانظر تفسير ذلك وبيانه فيما سلف 2: 139 في تفسير قوله تعالى: "ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله".

(13) انظر تفسير قولهم: "لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة" فيما سلف 2: 274-278.

(14) التحلة (بفتح التاء وكسر الحاء ، وتشديد اللام المفتوحة): هو ما تكفر به يمينك.

ويقال: "لم يفعل هذا الأمر إلا تحلة القسم": أي لم يفعله إلا بمقدار ما يحلل به قسمه ويخرج منه ، غير مبالغ في ذلك الفعل.

والمعنى: أن النار لا تمسهم إلا مسة يسيرة مثل تحلة قسم الحالف.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون إشارة إلى التولي والإعراض ، واغترار منهم في قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه إلى غير ذلك من أقوالهم وقد مضى الكلام في معنى قولهم : لن تمسنا النار في البقرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

والسبب الذي غر أهل الكتاب بتجرئهم على معاصي الله هو قولهم { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } افتروا هذا القول فظنوه حقيقة فعملوا على ذلك ولم ينزجروا عن المحارم، لأن أنفسهم منتهم وغرتهم أن مآلهم إلى الجنة، وكذبوا في ذلك، فإن هذا مجرد كذب وافتراء، وإنما مآلهم شر مآل، وعاقبتهم عاقبة وخيمة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ) والغرور هو الإطماع فيما لا يحصل منه شيء ( ما كانوا يفترون ) والافتراء اختلاق الكذب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» التولي والإعراض «بأنهم قالوا» أي بسبب قولهم «لن تمسنا النار إلا أياما معدودات» أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول عنهم «وغرَّهم في دينهم» متعلق بقوله «ما كانوا يفترون» من قولهم ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك الانصراف عن الحق سببه اعتقاد فاسد لدى أهل الكتاب؛ بأنهم لن يعذَّبوا إلا أيامًا قليلة، وهذا الاعتقاد أدى إلى جرأتهم على الله واستهانتهم بدينه، واستمرارهم على دينهم الباطل الذي خَدَعوا به أنفسهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الأسباب التي صرفتهم عن الحق فقال : { ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } .واسم الإشارة { ذلك } يعود إلى المذكور من توليهم وإعراضهم عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وعن سماعهم للحق الذى جاء به .والمس : اتصال أحد الشيئين بالآخر على وجه الإحساس والإصابة ، والمراد من النار : نار الآخرة .والمراد من المعدودات : المحصورات القليلات يقال شىء معدود : أى قليل وشىء غير معدود أى كثير .فهم يزعمون أن النار لن تمسهم إلا مدة يسيرة قد تكون سبعة أيام ، وقد تكون أربعين يوما ، وبعدها يخرجون إلى الجنة .عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما في النار ، وإنما هي سبعة آيام .

وفي رواية عنه أنه قال في قوله - تعالى - { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } ذلك أعداء الله اليهود ، قالوا : لن يدخلنا الله النار إلى تحلة القسم ، الأيام التي أصبنا فيها العجل أربعين يوما ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم .أى ذلك التولى والإعراض عن الحق الذى صدر عن كثير من أحبار اليهود وعوامهم سببه أنهم سهلوا على أنفسهم أمر العقاب ، وتوهموا أنهم لن يعذبواعذابا طويلا ، بل النار ستمسهم أياما قليلة ثم بعد ذلك يخرجون منها ، لأنهم أبناء الله واحباؤه ، ولأن آباءهم سيشفعون لهم في زعمهم .ثم قال - تعالى - { وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } .وقوله { وَغَرَّهُمْ } من الغرور وهو كل ما يغر الإنسان ويخدعه من مال أو جاه أو شهوة أو غير ذلك من الأشياء التي تغر الإنسان وتخدعه وتجعله غافلا عن اتباع الحق .والمعنى : أنهم سهلوا على أنفسهم الخطوب ، ولم يبالوا بالمعاصي والذنوب ، وأنهم طمعوا في غير مطمع ، وأصاب موضع المغرة والغفلة منهم في دينهم كا كانوا يفترونه من أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات .

والغرور أكبر شىء يبعد الإنسان عن حسن الاستعداد لما يجب عليه نحو دينه ودنياه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما نبّه على عناد القوم بقوله: ﴿ فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ  ﴾ بيّن في هذه الآية غاية عنادهم، وهو أنهم يدعون إلى الكتاب الذي يزعمون أنهم يؤمنون به، وهو التوراة ثم إنهم يتمردون، ويتولون، وذلك يدل على غاية عنادهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ظاهر قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب ﴾ يتناول كلهم، ولا شك أن هذا مذكور في معرض الذم، إلا أنه قد دلّ دليل آخر، على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك لأنه تعالى يقول: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ  ﴾ .

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ المراد به غير القرآن لأنه أضاف الكتاب إلى الكفار، وهم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك وجب حمله على الكتاب الذي كانوا مقرين بأنه حق، ومن عند الله.

المسألة الثالثة: ذكروا في سبب النزول وجوهاً أحدها: روي عن ابن عباس أن رجلاً وامرأة من اليهود زنيا، وكانا ذوي شرف، وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فرجعوا في أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم فحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرجم فأنكروا ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: «بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم فمن أعلمكم؟» قالوا: عبد الله بن صوريا الفدكي فأتوا به وأحضروا التوراة، فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها، فقال ابن سلام: قد جاوز موضعها يا رسول الله فرفع كفه عنها فوجدوا آية الرجم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرجما، فغضبت اليهود لعنهم الله لذلك غضباً شديداً، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

والرواية الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم دخل مدرسة اليهود، وكان فيها جماعة منهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: على أي دين أنت؟

فقال: على ملة إبراهيم، فقالوا: إن إبراهيم كان يهودياً فقال صلى الله عليه وسلم: «هلموا إلى التوراة»، فأبوا ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية.

والرواية الثالثة: أن علامات بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة، والدلائل الدالة على صحة نبوّته موجودة فيها، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوراة، وإلى تلك الآيات الدالة على نبوّته فأبوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى أنهم إذا أبوا أن يجيبوا إلى التحاكم إلى كتابهم، فلا تعجب من مخالفتهم كتابك فلذلك قال الله تعالى: ﴿ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين  ﴾ وهذه الآية على هذه الرواية دلّت على أنه وجد في التوراة دلائل صحة نبوّته، إذ لو علموا أنه ليس في التوراة ما يدل على صحة نبوّته لسارعوا إلى بيان ما فيها ولكنهم أسروا ذلك.

والرواية الرابعة: أن هذا الحكم عام في اليهود والنصارى، وذلك لأن دلائل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل، وكانوا يدعون إلى حكم التوراة والإنجيل وكانوا يأبون.

أما قوله: ﴿ نَصِيباً مّنَ الكتاب ﴾ فالمراد منه نصيباً من علم الكتاب، لأنا لو أجريناه على ظاهره فهم أنهم قد أوتوا كل الكتاب والمراد بذلك العلماء منهم وهم الذين يدعون إلى الكتاب، لأن من لا علم له بذلك لا يدعي إليه.

أما قوله تعالى: ﴿ يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله ﴾ ففيه قولان: القول الأول: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما والحسن أنه القرآن.

فإن قيل: كيف دعوا إلى حكم كتاب لا يؤمنون به؟.

قلنا: إنهم إنما دعوا إليه بعد قيام الحجج الدالة على أنه كتاب من عند الله.

والقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين: إنه التوراة واحتج القائلون به بوجوه: الأول: أن الروايات المذكورة في سبب النزول دالة على أن القوم كانوا يدعون إلى التوراة فكانوا يأبون والثاني: أنه تعالى عجب رسوله صلى الله عليه وسلم من تمردهم وإعراضهم، والتعجب إنما يحصل إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون في صحته، ويقرون بحقيته الثالث: أن هذا هو المناسب لما قبل الآية، وذلك لأنه تعالى لما بيّن أنه ليس عليه إلا البلاغ، وصبره على ما قالوه في تكذيبه مع ظهور الحجة بيّن أنهم إنما استعملوا طريق المكابرة في نفس كتابهم الذي أقروا بصحته فستروا ما فيه من الدلائل الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أنهم في غاية التعصب والبعد عن قبول الحق.

وأما قوله: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ فالمعنى: ليحكم الكتاب بينهم، وإضافة الحكم إلى الكتاب مجاز مشهور، وقرئ ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ على البناء للمفعول، قال صاحب الكشاف: وقوله: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ يقتضي أن يكون الاختلاف واقعاً فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بيّن الله أنهم عند الدعاء يتولى فريق منهم وهم الرؤساء الذين يزعمون أنهم هم العلماء.

ثم قال: ﴿ وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: المتولون هم الرؤساء والعلماء والمعرضون الباقون منهم، كأنه قيل: ثم يتولى العلماء والأتباع معرضون عن القبول من النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تولي علمائهم.

والثاني: أن المتولي والمعرض هو ذلك الفريق، والمعنى أنه متولي عن استماع الحجة في ذلك المقام ومعرض عن استماع سائر الحجج في سائر المسائل والمطالب، كأنه قيل: لا تظن أنه تولى عن هذه المسألة بل هو معرض عن الكل.

وأما قوله تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات ﴾ فالكلام في تفسيره قد تقدم في سورة البقرة، ووجه النظم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى ﴿ ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ قال في هذه الآية: ذلك التولي والإعراض إنما حصل بسبب أنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، قال الجبائي: وفيها دلالة على بطلان قول من يقول: إن أهل النار يخرجون من النار، قال: لأنه لو صحّ ذلك في هذه الأمة لصح في سائر الأمم، ولو ثبت ذلك في سائر الأمم لما كان المخبر بذلك كاذباً، ولما استحق الذم، فلما ذكر الله تعالى ذلك في معرض الذم علمنا أن القول بخروج أهل النار قول باطل.

وأقول: كان من حقه أن لا يذكر مثل هذا الكلام، وذلك لأن مذهبه أن العفو حسن جائز من الله تعالى، وإذا كان كذلك لم يلزم من حصول العفو في هذه الأمة حصوله في سائر الأمم.

سلمنا أنه يلزم ذلك، لكن لم قلتم: إن القوم إنما استحقوا الذم على مجرد الإخبار بأن الفاسق يخرج من النار بل هاهنا وجوه أُخر الأول: لعلمهم استوجبوا الذم على أنهم قطعوا بأن مدة عذاب الفاسق قصيرة قليلة، فإنه روي أنهم كانوا يقولون: مدة عذابنا سبعة أيام، ومنهم من قال: بل أربعون ليلة على قدر مدة عبادة العجل والثاني: أنهم كانوا يتساهلون في أصول الدين ويقولون بتقدير وقوع الخطأ منا فإن عذابنا قليل وهذا خطأ، لأن عندنا المخطئ في التوحيد والنبوّة والمعاد عذابه دائم، لأنه كافر، والكافر عذابه دائم والثالث: أنهم لما قالوا: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات ﴾ فقد استحقروا تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم واعتقدوا أنه لا تأثير له في تغليظ العقاب فكان ذلك تصريحاً بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وذلك كفر والكافر المصر على كفره لا شك أن عذابه مخلد، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ثبت أن احتجاج الجبائي بهذه الآية ضعيف وتمام الكلام على سبيل الاستقصاء مذكور في سورة البقرة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ فاعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ فقيل: هو قولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ وقيل: هو قولهم: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات ﴾ وقيل: غرهم قولهم: نحن على الحق وأنت على الباطل.

أما قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ فالمعنى أنه تعالى لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بيّن أنه سيجيء يوم يزول فيه ذلك الجهل، ويكشف فيه ذلك الغرور فقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ وفي الكلام حذف، والتقدير: فكيف صورتهم وحالهم ويحذف الحال كثيراً مع كيف لدلالته عليها تقول: كنت أكرمه وهو لم يزرني، فكيف لو زارني أي كيف حاله إذا زارني، واعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل: لو زارني وكل نوع من أنواع العذاب في هذه الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ ﴾ ولم يقل في يوم، لأن المراد: لجزاء يوم أو لحساب يوم فحذف المضاف ودلّت اللام عليه، قال الفرّاء: اللام لفعل مضمر إذا قلت: جمعوا ليوم الخميس، كان المعنى جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس وإذا قلت: جمعوا في يوم الخميس لم تضمر فعلاً وأيضاً فمن المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة وإظهار الفرق بين المثاب والمعاقب، وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أي لا شك فيه.

ثم قال: ﴿ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ فإن حملت ما كسبت على عمل العبد جعل في الكلام حذف، والتقدير: ووفيت كل نفس جزاء ما كسبت من ثواب أو عقاب، وإن حملت ما كسبت على الثواب والعقاب استغنيت عن هذا الإضمار.

ثم قال: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ فلا ينقص من ثواب الطاعات، ولا يزاد على عقاب السيئات.

واعلم أن قوله: ﴿ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ يستدل به القائلون بالوعيد، ويستدل به أصحابنا القائلون بأن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة لا يخلد في النار، أما الأولون قالوا: لأن صاحب الكبيرة لا شك أنه مستحق العقاب بتلك الكبيرة، والآية دلّت على أن كل نفس توفى عملها وما كسبت، وذلك يقتضي وصول العقاب إلى صاحب الكبيرة.

وجوابنا: أن هذا من العمومات، وقد تكلمنا في تمسك المعتزلة بالعمومات.

وأما أصحابنا فإنهم يقولون: إن المؤمن استحق ثواب الإيمان فلابد وأن يوفي عليه ذلك الثواب لقوله: ﴿ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ فإما أن يثاب في الجنة ثم ينقل إلى دار العقاب وذلك باطل بالإجماع، وإما أن يقال: يعاقب بالنار ثم ينقل إلى دار الثواب أبداً مخلداً وهو المطلوب.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن ثواب إيمانهم يحبط بعقاب معصيتهم؟.

قلنا: هذا باطل لأنا بينا أن القول بالمحابطة محال في سورة البقرة، وأيضاً فإنا نعلم بالضرورة أن ثواب توحيد سبعين سنة أزيد من عقاب شرب جرعة من الخمر، والمنازع فيه مكابر، فبتقدير القول بصحة المحابطة يمتنع سقوط كل ثواب الإيمان بعقاب شرب جرعة من الخمر، وكان يحيى بن معاذ رحمة الله عليه يقول: ثواب إيمان لحظة، يسقط كفر سبعين سنة، فثواب إيمان سبعين سنة كيف يعقل أن يحبط بعقاب ذنب لحظة، ولا شك أنه كلام ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب ﴾ يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيباً وافراً من التوراة.

و (من) إما للتبعيض وإما للبيان، أو حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوارة وهي نصيب عظيم ﴿ يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله ﴾ وهو التوراة ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مدراسهم فدعاهم فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: «على أي دين أنت؟

قال: على ملة إبراهيم.

قالا: إنّ إبراهيم كان يهودياً.

قال لهما: إنّ بيننا وبينكم التوارة، فهلموا إليها.

فأبيا» .

وقيل نزلت في الرجم، وقد اختلفوا فيه.

وعن الحسن وقتادة: كتاب الله القرآن؛ لأنهم قد علموا أنه كتاب الله لم يشكوا فيه ﴿ ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ ﴾ استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله واجب ﴿ وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم.

وقرئ ﴿ لِيُحْكَمَ ﴾ على البناء للمفعول.

والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم: وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم، ثم يتولى فريق منهم وهم الذين لم يسلموا.

وذلك أنّ قوله: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ يقتضي أن يكون اختلافاً واقعاً فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك ﴾ التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل كما طمعت المجبرة والحشوية ﴿ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ من أنّ آباءهم هم الأنبياء يشفعون لهم كما غرت أولئك شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كبائرهم ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم ﴾ فكيف يصنعون فكيف تكون حالهم، وهو استعظام لما أعدّ لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون.

وروي أنّ أوّل راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم الله على رؤوس الاشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ يرجع إلى كل نفس على المعنى، لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس، تريد ثلاثة أناسي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَلِّي والإعْراضِ.

﴿ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ ﴾ بِسَبَبِ تَسْهِيلِهِمْ أمْرَ العِقابِ عَلى أنْفُسِهِمْ لِهَذا الِاعْتِقادِ الزّائِغِ والطَّمَعِ الفارِغِ.

﴿ وَغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِن أنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا قَلائِلَ، أوْ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ، أوْ أنَّهُ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُعَذِّبَ أوْلادَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ.

﴿ فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ اسْتِعْظامٌ لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ وتَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ.

رُوِيَ: «أنَّ أوَّلَ رايَةٍ تُرْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن راياتِ الكُفّارِ رايَةُ اليَهُودِ فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ.» ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ جَزاءَ ما كَسَبَتْ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِبادَةَ لا تُحْبَطُ وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَخْلُدُ في النّارِ، لِأنَّ تَوْفِيَةَ إيمانِهِ وعَمَلِهِ لا تَكُونُ في النّارِ ولا قَبْلَ دُخُولِها، فَإذَنْ هي بَعْدَ الخَلاصِ مِنها ﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ الضَّمِيرُ لِكُلِّ نَفْسٍ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى كُلِّ إنْسانٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات} أي ذلك التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل وهي أربعون يوما أو سبعة أيام وذلك مبتدأ وبأنهم خبره {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي غرهم افتراؤهم على الله وهو قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا بذنوبنا إلا مدة

آل عمران (٢٥ _ ٢٧)

يسيره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ وهو مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ ﴾ أيْ حاصِلٌ لَهم بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي رَسَخَ اِعْتِقادُهم لَهُ وهَوَّنُوا بِهِ الخُطُوبَ ولَمْ يُبالُوا مَعَهُ بِارْتِكابِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، والمُرادُ بِالأيّامِ المَعْدُوداتِ أيّامُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وجاءَ هُنا ﴿ مَعْدُوداتٍ ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ دُونَ ما في البَقَرَةِ [80] فَإنَّهُ ﴿ مَعْدُودَةً ﴾ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ تَفَنُّنًا في التَّعْبِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ لِغَيْرِ العاقِلِ يَجُوزُ أنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ تارَةً ومُعامَلَةَ جَمْعِ الإناثِ أُخْرى، فَيُقالُ: هَذِهِ جِبالٌ راسِيَةٌ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: راسِياتٌ، وجِمالٌ ماشِيَةٌ وإنْ شِئْتَ: ماشِياتٌ، وخُصَّ الجَمْعُ هُنا لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القِلَّةِ كَمَوْصُوفِهِ وذَلِكَ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّعْجِيبِ والتَّشْنِيعِ.

﴿ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ﴾ أيْ أطْمَعَهم في غَيْرِ مَطْمَعٍ وخَدَعَهم ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ  ﴾ أيِ اِفْتِراؤُهم وكَذِبُهم أوِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ ﴾ الخ، قالَهُ مُجاهِدٌ أوْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مِمّا يَشْمَلُ ذَلِكَ ونَحْوَهُ مِن قَوْلِهِمْ: «إنَّ آباءَنا الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَنا وإنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ أنْ لا يُعَذِّبَ أبْناءَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِ (يَفْتَرُونَ) واعْتَرَضَهُ الخَطِيبُ بِأنَّ ما بَعْدَ المَوْصُولِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ؛ وأُجِيبَ بِالتَّوَسُّعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعني أعطوا حظا من علم التوراة قال مقاتل: نزلت في كعب بن الأشرف، وجماعة منهم حين قالوا نحن أَهْدَى سبيلاً، وما بعث الله رسولاً بعد موسى-  - فقال لهم النبيّ  : «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَقْولُ لَكُمْ حَقٌّ فأَخْرِجُوا التَّورَاةَ» ، فأَبَوا.

فأنزل الله تعالى هذه الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ وقال الكلبي: نزلت في يهوديين من أهل خيبر زنيا، وكان الحكم في كتابهم الرجم، فاختصموا إلى رسول الله  ، فقضى عليهما بالرجم فقالوا: ليس هذا بحكم الله فدعا بالتوراة، ودعا بابن صوريا، وكان يسكن فَدَك، وكان أعور، فحلَّفه بالله، فأقرّ بالقصة، فأنزل الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ الآية.

ثم قال: ذلِكَ أي ذلك الجزاء.

قال مقاتل فيها تقديم وتأخير، ومعناه فبشرهم بعذاب أليم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ ويقال: إنما جزاؤهم خلاف الكتاب، لأنهم قالوا لن تمسنا النار إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ يعني أربعين يوماً على عدد أيام عبادة العجل ويقال على عدد أيام الدنيا.

ويقال: إن مذهبهم كان مذهب جَهْم، لأنهم لا يرون الخلود في النار وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ عَفْوُ الله عنهم بتأخير العذاب مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي يكذبون على الله، وهو قولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 181] ، فذلك قولهم الذي غرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

موسى، وبعد مُضِيِّ ثلاثة قرون «١» ، وقيل: الآيةُ توبيخٌ لنصارى نَجْرَانَ، وسُرْعَةُ الحسَاب:

يحتمل أنْ يراد بها: مَجِيءُ القيامةِ والحِسَابِ إذ كل آت قريبٌ، ويحتمل أنْ يراد بسُرْعَةِ الحِسَابِ: أنَّ اللَّه تعالى بإِحاطته بكلِّ شَيْءٍ عِلْماً لا يحتاجُ إلى عَدٍّ ولا فكْرة قاله مجاهد «٢» .

وقوله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ...

الآية: الضميرُ في حَاجُّوكَ لليهودِ، ولنصارى نَجْرَانَ، والمعنى: إنْ جادَلُوك وتعنَّتوا بالأقاويلِ المزوَّرة والمغالطاتِ، فأسند إلى ما كُلِّفْتَ من الإِيمانِ، والتبليغِ، وعلى اللَّه نَصْرُكَ.

وقوله: وَجْهِيَ: يحتمل أنْ يراد به المَقْصِدُ، أي: جعلتُ مقصدي للَّه، ويحتمل أنْ يراد به الذاتُ، أي: أَسْلَمْتُ شخْصي وَذاتِي للَّه، وأسلَمْتُ في هذا الموضعِ بمعنى:

دَفَعْتُ، وأمضَيْتُ، وليستْ بمعنى دَخَلْتُ في السِّلْم/ لأنَّ تلك لا تتعدى، ومَنِ اتبعني:

في موضع رفعٍ عطْفاً على الضميرِ في «أَسْلَمْتُ» ، والَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ، في هذا الموضعِ: يجمعُ اليهودَ والنصارى باتفاق، والأميُّونَ: الذين لا يكتبون، وهم العَرَبُ في هذه الآية، وقوله: أَأَسْلَمْتُمْ: تقرير في ضمنه الأمر، وقال الزّجّاج: أَأَسْلَمْتُمْ:

تهدّد، وهو حسن، والْبَلاغُ: مَصْدَرُ بَلَغَ بتخفيف عَيْنِ الفعل.

وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وعدٌ للمؤمنين، ووعيد للكافرين.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ...

الآية: هذه الآية نزلت في اليهود

والنصارى، وتعمُّ كلَّ من كان بهذه الحال، وفيها توبيخ للمعاصرين لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، روى أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ «١» ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ قَتَلُوا ثَلاَثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا، فاجتمع مِنْ عُبَّادِهِمْ وأَحْبَارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ لِيُغَيِّرُوا المُنْكَرَ، وَيُنْكِرُوا، فَقُتِلُوا جَمِيعاً، كُلُّ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وذَلِكَ معنى قَوْلِهِ تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ «٢» ، وحَبِطَتْ: معناه: بَطَلَتْ.

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ ...

الآية: قال ابن عبَّاس: نزَلَتْ هذه الآية بسبب أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخَلَ بيْتَ المِدْرَاسِ على جماعةٍ من يَهُود، فدعاهمْ إِلى اللَّه تعالى، فقال له نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: على أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، فقالَ رسولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: أنا على ملّة إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالا: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، فَقَالَ لَهُمُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَكُمْ، فَأَبَيَا عَلَيْهِ، وَنَزَلَتِ الآيةُ «٣» .

قال ع «٤» : فالكتابُ في قوله: مِنَ الْكِتابِ: اسمُ جنس، والكتابُ في قوله: إِلى كِتابِ اللَّهِ هو التوراةُ، وقال قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ: هو القرآن «٥» ، ورجَّح الطبريُّ الأولَ «٦» .

وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: الإشارة فيه إٍلى التولِّي والإِعراض، أي: إِنما تولَّوْا، وأعرضوا لاغترارهم بأقوالهم، وافترائهم، ثم قال تعالى خطابا لنبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا ﴾ يَعْنِي: الَّذِي حَمَلَهم عَلى التَّوَلِّي والإعْراضِ أنَّهم قالُوا: ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ ﴾ وقَدْ ذَكَرْناها في "البَقَرَةِ" و(يَفْتَرُونَ) يَخْتَلِقُونَ.

وفي الَّذِي اخْتَلَقُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: قَوْلُهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  دَخَلَ بَيْتَ المَدارِسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ فَدَعاهم إلى اللهِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ" فَقالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ لَهُما النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "فَهَلُمُّوا إلى التَوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" فَأبَيا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّها نَزَلَتْ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ  .

فَقالَ لَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "هَلُمُّوا إلى التَوْراةِ فَفِيها صِفَتِي" فَأبَوْا.» فالكِتابُ في قَوْلِهِ: "مِنَ الكِتابِ" هو اسْمُ الجِنْسِ، والكِتابُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى كِتابِ اللهِ ﴾ هو التَوْراةُ.

وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: الكِتابُ في قَوْلِهِ ﴿ إلى كِتابِ اللهِ ﴾ هو القُرْآنُ، كانَ رَسُولُ اللهِ  يَدْعُوهم إلَيْهِ فَكانُوا يُعْرِضُونَ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، وَقالَ مَكِّيٌّ: الكِتابُ الأوَّلُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ، والثانِي؛ التَوْراةُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيَحْكُمَ" بِفَتْحِ الياءِ أيْ لِيَحْكُمَ الكِتابُ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "لِيُحْكَمَ" بِضَمِّ الياءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ.

وخَصَّ اللهُ تَعالى بِالتَوَلِّي فَرِيقًا دُونَ الكُلِّ، لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَتَوَلَّ كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ بِأنَّهُمْ" الإشارَةُ فِيهِ إلى التَوَلِّي والإعْراضِ، أيْ إنَّما تَوَلَّوْا وأعْرَضُوا لِاغْتِرارِهِمْ بِهَذِهِ الأقْوالِ والِافْتِراءِ الَّذِي لَهم في قَوْلِهِمْ: "نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا المَعْنى.

وكانَ مِن قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّهم لَنْ تَمَسَّهُمُ النارُ إلّا أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ الأيّامِ الَّتِي عَبَدُوا فِيها العِجْلَ، قالَهُ الرَبِيعُ وقَتادَةُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهم قالُوا: إنَّ اللهَ وعَدَ أباهم يَعْقُوبَ ألّا يُدْخِلَ أحَدًا مِن ولَدِهِ النارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أوَّلُ مَن يَدْخُلُ النارَ؟

فَقالُوا نَحْنُ، فَتْرَةً يَسِيرَةً ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها، فَقالَ: كَذَبْتُمْ"...» الحَدِيثُ بِطُولِهِ و"يَفْتَرُونَ" مَعْناهُ: يُشَقِّقُونَ ويَخْتَلِقُونَ مِنَ الأحادِيثِ في مَدْحِ دِينِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وادِّعاءِ الفَضائِلِ لَها.

ثُمَّ قالَ تَعالى خِطابًا لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَعْجِيبِ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ المُغْتَرِّينَ بِالأباطِيلِ إذا حُشِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ، واضْمَحَلَّتْ تِلْكَ الزَخارِفُ الَّتِي ادَّعَوْها في الدُنْيا وجُوزُوا بِما اكْتَسَبُوهُ مِن كُفْرِهِمْ وأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ؟

قالَ النَقّاشُ: واليَوْمُ: الوَقْتُ.

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ  ﴾ و ﴿ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ و ﴿ أرْبَعَةِ أيّامٍ  ﴾ إنَّما هي عِبارَةٌ عن أوقاتٍ، فَإنَّما الأيّامُ واللَيالِي عِنْدَنا.

والصَحِيحُ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ يَوْمٌ لِأنَّ قَبْلَهُ لَيْلَةً وفِيهِ شَمْسٌ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَوْمٍ" طالِبَةٌ لِمَحْذُوفٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: تَقْدِيرُهُ: لِما يَحْدُثُ في يَوْمٍ..

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي: للتعجيب من حالة اليهود في شدّة ضلالهم.

فالاستفهام في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ للتقرير والتعجيب، وقد جاء الاستعمال في مثله أن يكون الاستفهام داخلاً على نفي الفعل والمراد حصولُ الإقرار بالفعل ليكون التقرير على نفيه محرّضاً للمخاطب على الاعتراف به بناء على أنّه لا يرضى أن يكون ممّن يجهله، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه ﴾ في سورة [البقرة: 258].

والرؤية بصرية بدليل تعديتها بحرف إلى: الذي يتعدى به فعل النظر، وجوز صاحب الكشاف } في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذي أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ﴾ في سورة [النساء: 44]: أن تكون الرؤية قلبية، وتكون (إلى) داخلة على المفعول الأول لتأكيد اتّصال العِلم بالمعلوم وانتهائه المجازي إليه، فتكون مثل قوله: ﴿ ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم ﴾ [البقرة: 258].

وعُرف المتحدّث عنهم بطريق الموصولية دون لقبهم، أعني اليهودَ: لأنّ في الصلة ما يزيد التعجيب من حالهم؛ لأنّ كونهم على علم من الكتاب قليللٍ أو كثير من شأنه أن يصدّهم عمّا أخبر به عنهم.

على ما في هذه الصلة أيضاً من توهين علمهم المزعوم.

والكتاب: التوراة فالتعريف للعهد، وهو الظاهر، وقيل: هو للجنس.

والمراد بالذين أوتوه هم اليهود، وقيل: أريد النصارى، أي أهل نجران.

والنصيب: القسط والحظّ وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ أولئك لهم نصيب ممّا كسبوا ﴾ في سورة [البقرة: 202].

﴿ وتنكير نصيباً ﴾ للنوعية، وليس للتعظيم؛ لأنّ المقام مقام تهاون بهم، ويحتمل أن يكون التنوين للتقليل.

و ﴿ من ﴾ للتبعيض، كما هو الظاهر من لفظ النصيب، فالمراد بالكتاب جنس الكتب، والنصيب هو كتابُهم، والمراد: أوتوا بعض كتابهم، تعريضاً بأنّهم لا يعلمون من كتابهم إلاّ حظّاً يسيراً، ويجوز كون مِن للبيان.

والمعنى: أوتوا حظّاً من حظوظ الكمال، هو الكتاب الذي أوتوه.

وجملة ﴿ يدعون إلى كتاب الله ﴾ في موضوع الحال لأنّها محل التعجيب، وذلك باعتبار ضميمة ما عطف عليها، وهو، قوله: ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ لأنّ ذلك هو العجيب لا أصل دعوتهم إلى كتاب الله، وإذا جعلت (تَر) قلبية فجملة يدعون في موضع المفعول الثاني وقد علمتَ بُعده.

و ﴿ كتاب الله ﴾ : القرآن كما في قوله: ﴿ نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب اللَّه وراء ظهورهم ﴾ [البقرة: 101].

فهو غير الكتاب المراد في قوله: ﴿ من الكتاب ﴾ كما ينبئ به تغيير الأسلوب.

والمعنى: يُدعون إلى اتّباع القرآن والنظرِ في معانيه ليحكم بينهم فيأبون.

ويجوز أن يكون كتاب الله عين المراد من الكتاب، وإنّما غير اللفظ تفنّناً وتنويهاً بالمدعوّ إليه، أي يُدعون إلى كتابهم ليتأملوا منه، فيعلموا تبشيره برسول يأتي من بعد، وتلميحَه إلى صفاته.

روي، في سبب نزول هذه الآية: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مِدْراس اليهود فدعاهم إلى الإسلام، فقال له نُعيم بن عمرو، والحارث بن زَيد: على أيّ دين أنت قال: على ملة إبراهيم قالا: فإنّ إبراهيم كان يهودياً.

فقال لهما: إنّ بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها، فأبيا، وقوله: ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ (ثم) عاطفة جملة ﴿ يتولّى فريق منهم ﴾ على جملة ﴿ يدعون ﴾ فالمعطوفة هنا في حكم المفرد فدلت (ثم) على أنّ تولّيهم مستمر في أزمان كثيرة تبعد عن زمان الدعوة، أي أنّهم لا يرعوون فهم يتولَّون ثم يتولّون؛ لأنّ المرء قد يُعرض غضباً، أو لِعِظَم المفاجأة بالأمر غيرِ المترقَّب، ثم يثوب إليه رشده، ويراجع نفسه، فيرجع، وقد علم أنّ تولّيهم إثر الدعوة دون تراخخٍ حاصل بفحوى الخطاب.

فدخول ﴿ ثم ﴾ للدلالة على التراخي الرتبي؛ لأنّهم قد يتولّون إثر الدعوة، ولكن أريد التعجيب من حالهم كيف يتولّون بعد أن أوتُوا الكتاب ونقلوه، فإذا دُعوا إلى كتابهم تولّوا.

والإتيان بالمضارع في قوله: ﴿ يتولون ﴾ للدلالة على التجدّد كقول جعفر ابن عُلبة الحارثي: ولا يكشف الغَمَّاء إلاّ ابن حرة *** يَرَى غَمَراتتِ الموتتِ ثُم يَزُورها والتولّي مجاز عن النفور والإباء، وأصله الإعراض والانصراف عن المكان.

وجملة ﴿ وهم معرضون ﴾ حال مؤكّدة لجملة ﴿ يتولّى فريق ﴾ إذ التولّي هو الإعراض، ولما كانت حالاً لم تكن فيها دلالة على الدوام والثبات فكانت دالة على تجدّد الإعراض، منهم المفاد أيضاً من المضارع في قوله: ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ .

وقوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار ﴾ الإشارة إلى تولّيهم وإعراضهم، والباء للسببية: أي إنّهم فعلوا ما فعلوا بسبب زعمهم أنّهم في أمان من العذاب إلاّ أياماً قليلة، فانعدَم اكتراثهم باتّباع الحق؛ لأنّ اعتقادهم النجاة من عذاب الله على كل حاللٍ جَرّأهم على ارتكاب مثل هذا الإعراض.

وهذا الاعتقاد مع بطلانه مؤذن أيضاً بسفالة همّتهم الدينية، فكانوا لا ينافسون في تزكية الأنفس.

وعبر عن الاعتقاد بالقول دلالة على أنّ هذا الاعتقاد لا دليل عليه وأنّه قول مفتري مدلّس، وهذه العقيدة عقيدة اليهود، كما تقدم في البقرة.

وقوله: ﴿ وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ أي ما تقوّلوه على الدِّين وأدخلوه فيه، فلذلك أتي بفي الدالة على الظرفية المجازية.

ومن جملة ما كانوا يفترونه قولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ [البقرة: 80]، وكانوا أيضاً يزعمون أنّ الله وعد يعقوب ألاّ يعذّب أبناءه.

وقد أخبر الله تعالى عن مفاسد هذا الغرور والافتراء بإيقاعها في الضلال الدائم، لأنّ المخالفة إذا لم تكن عن غرور فالإقلاع عنها مرجوٌ، أما المغرور فلا يترقّب منه إقلاع.

وقد ابتلي المسلمون بغرور كثير في تفاريع دينهم وافتراءات من الموضوعات عادت على مقاصد الدين وقواعد الشريعة بالإبطال، وتفصيل ذلك في غير هذا المجال.

وقوله: ﴿ فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ تفريع عن قوله: ﴿ وغرهم في دينهم ﴾ أي إذا كان ذلك غروراً فكيف حالهم أو جزاؤهم إذا جمعناهم ووفيناهم جزاءهم والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب والتفظيع مجازاً.

«وكيف» هنا خبر لمحذوف دل على نوعه السياق، و ﴿ إذا ﴾ ظرف منتصب بالذي عمِلَ في مظروفه: وهو ما في كيف من معنى الاستفهام التفظيعي كقولك: كيف أنت إذا لقيت العدوّ، وسيجيء زيادة بيان لمثل هذا التركيب عند قوله تعالى: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ في سورة [النساء: 41].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي حَظًّا لِأنَّهم عَلِمُوا بَعْضَ ما فِيهِ.

﴿ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ ﴾ في الكِتابِ الَّذِي دَعَوْا إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ، دُعِيَ إلَيْها اليَهُودُ فَأبَوْا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: القُرْآنُ، لِأنَّ ما فِيهِ مُوافِقٌ لِما في التَّوْراةِ مِن أُصُولِ الدِّينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُبُوَّةُ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أمْرُ إبْراهِيمَ وأنَّ دِينَهُ الإسْلامُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ حَدٌّ مِنَ الحُدُودِ.

﴿ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الفَرِيقُ المُتَوَلِّي هم زُعَماءُ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ: النُّعْمانُ بْنُ أوْفى، وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرِو بْنِ صُورِيا تَوَلَّوْا عَنْهُ في حَدِّ الزِّنى لَمّا أخْبَرَهم أنَّهُ الرَّجْمُ، ورَجَمَ اليَهُودِيَّيْنِ الزّانِيَيْنِ.

فَإنْ قِيلَ: التَّوَلِّي عَنِ الشَّيْءِ هو الإعْراضُ عَنْهُ، قِيلَ: مَعْناهُ يَتَوَلّى عَنِ الدّاعِي ويُعْرِضُ عَمّا دُعِيَ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ ﴾ هَذا مِن قَوْلِ اليَهُودِ، واخْتَلَفُوا فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الأيّامُ الَّتِي عَبَدُوا فِيها العِجْلَ وهي أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ.

والثّانِي: أنَّها سَبْعَةُ أيّامٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: أنَّها مُتَقَطِّعَةٌ لِانْقِضاءِ العَذابِ فِيها، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ وَغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: هو قَوْلُهُمْ: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له النعمان بن عمرو، والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟

قال: على ملة إبراهيم ودينه قالا: فإن إبراهيم كان يهودياً فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلُّما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم، فأبيا عليه، فأنزل الله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا...

﴾ الآية.

قال: هم اليهود دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم، وإلى نبيه وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة ثم تولوا عنه وهم معرضون.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال: كان أهل الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق وفي الحدود، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإِسلام فيتولون عن ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ نصيباً ﴾ قال: حظاً ﴿ من الكتاب ﴾ قال: التوراة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ﴾ قال: يعنون الأيام التي خلق الله فيها آدم عليه السلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ قال: غرهم قولهم ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وَوُفِّيَتْ ﴾ يعني تُوَفَّى كلُّ نفس برٍ وفاجرٍ ﴿ ما كسبت ﴾ ما عملت من خير أو شر ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ يعني من أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ .

(١) ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، فقال بعضهم (٢) ﴿ ذَلِكَ ﴾ راجعة إلى قوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ  ﴾ ؛ يعني: ذلك الحُبُوطُ؛ بكذبهم على الله؛ وهو قولهم: ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات ﴾ .

و (٣) (٤) (٥) ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُم ﴾ أي: ذلك الاجتراء عليك، وعلى الإعراض عن حكمك يا محمد بسبب اغترارهم، ومقالتهم؛ حيث قالوا: ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات ﴾ ، وظنوا (٦) (٧) (٨) وهذا معنى قول الزجَّاج (٩) ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا ﴾ (١٠) ﴿ ذَلِكَ ﴾ رفعٌ.

المعنى: شَأنُهُم ذلك، وأَمْرُهُم ذلك (١١) ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا ﴾ في سورة البقرة.

وقوله تعالى: ﴿ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ﴾ الغُرور: الإطماع (١٢) (١٣) ﴿ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ .

يعني قولهم: لن تَمَسَّنا النار.

(١) (بأنهم): ساقطة من (د).

(٢) لم أهتد إلى هذا القائل.

ولم أقف فيما رجعت إليه من مصادر على من قال برجوع ﴿ ذَلِكَ ﴾ إلى (الحبوط).

(٣) الواو زيادة من: (ج)، (د).

(٤) لم أعثر على مصدر قوله.

(٥) (قوله): ساقطة من (ج).

(٦) في (ب): (وطَّنوا)، وفي (د): (وطمنوا).

(٧) أي: أنهم ظنوا أنهم لا يعذبون إلا قليلًا، ولمدة قصيرة، كما زعموا.

(٨) وقد ذهب أكثر المفسرين إلى هذا الرأي، وهو أن ﴿ ذَلِكَ ﴾ تعود على التَّوَلِّي والإعراض المذكور في الآية قبلها.

انظر: "المحرر الوجيز" 1/ 355، "الكشاف" 1/ 421، "تفسير الفخر الرازي" 7/ 236، "تفسير ابن كثير" 1/ 381، "تفسير أبي السعود" 2/ 21، "الفتوحات الإلهية" 1/ 255، "فتح القدير" 1/ 496، "روح المعاني" 3/ 111.

(٩) في "معاني القرآن" 1/ 391، نقله عنه بالمعنى.

(١٠) (قالوا): ساقطة من (ج).

(١١) أي: أنها مرفوعة على أنها خبرُ مبتدأ محذوف؛ المعنى: شأنهم وأمرهم ذلك.

ولكنِ هذا القول، ضعَّفه العكبري في "التبيان" 1/ 250؛ لأنه سيجعل قوله: ﴿ بِأَنَّهُمْ قَالُوا ﴾ في موضع نصب على الحال، مما في (ذا) من معنى الإشارة؛ أي: ذلك الأمر مستحقًا بقولهم ..

، وقال السمين الحلبي، في "الدر المصون" 3/ 95:== (بل هذا لا يجوز البتة).

والقول الثاني: إن ﴿ ذَلِكَ ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿ بِأَنَّهُمْ ﴾ انظر المراجع السابقة، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" للمنتجب الهمداني: 1/ 557.

(١٢) في (د): (الأطواع).

(١٣) انظر: "تاج العروس" 7/ 299 (غرر).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ ﴾ الآية: نزلت في اليهود والنصارى توبيخاً لهم، ووعيداً على قبح أفعالهم، وأفعال أسلافهم ﴿ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ [آل عمران: 19] هم اليهود، والكتاب هنا التوراة، أو جنس ﴿ يَدْعُونَ إِلَى النار والله ﴾ [البقرة: 221] قال ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جماعة من اليهود فيهم النعمان بن عمرو والحارث بن زيد، فقالوا له: على أي دين أنت؟

فقال لهم: على دين إبراهيم، فقالوا: إنّ إبراهيم كان يهودياً، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلمّوا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم، فأبوا عليه فنزلت الآية، فكتاب الله على هذا التوراة، وقيل: هو القرآن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه فيعرضون عنه ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ ﴾ الإشارة إلى إعراضهم عن كتاب الله والباء سببية: والمعنى أن كفرهم بسبب اعتراضهم وأكاذيبهم، والأيام المعدودات قد ذكرت في البقرة ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ ﴾ أي: كيف يكون حالهم يوم القيامة، والمعنى: تهويل واستعظام لما أعدّ لهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سيغلبون ويحشرون ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون بالياء ﴿ مثليهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ﴿ بجنتيهم  ﴾ ﴿ رأى العين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون بهمزة ساكنة ﴿ أونبئكم ﴾ بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون.

﴿ آونبئكم ﴾ بالمد والواو المضمومة: يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب.

الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة.

﴿ ورضوان ﴾ بضم الراء حيث كان: الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في ﴿ من اتبع رضوانه  ﴾ في المائدة ﴿ أن الدين ﴾ بفتح "إن" علي.

الباقون بالكسر.

﴿ وجهي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.

﴿ ومن اتبعني ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ ويقاتلون الذين ﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير.

الباقون ﴿ ويقتلون ﴾ .

﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: أبو جعفر.

الباقون بالعكس.

/ الوقوف: ﴿ جهنم ﴾ ط، ﴿ المهاد ﴾ ه، ﴿ التقتا ﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما.

﴿ العين ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ه، ﴿ والحرث ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين.

﴿ المآب ﴾ ج ﴿ من ذلكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام.

﴿ من الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ج للاية على جعل "الذين" خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على "أعني الذين" ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين.

﴿ النار ﴾ ج لأن "الصابرين" يصلح بدلاً من "الذين" والوقف أجود نصباً على المدح.

﴿ بالأسحار ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف،ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً.

﴿ بالقسط ﴾ ط، ﴿ الحكيم ﴾ ط إلا لمن قرأ "إن" بالفتح على البدل من "أنه" ﴿ الإسلام ﴾ ه، ﴿ بينهم ﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله.

﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿ أأسلمتم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ اهتدوا ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.

﴿ البلاغ ﴾ ط، ﴿ بالعباد ﴾ ه، ﴿ بغير حق ﴾ ز لمن قرأ ﴿ ويقاتلون ﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿ يقتلون ﴾ ﴿ أليم ﴾ ه، ﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود.

﴿ من ناصرين ﴾ ه، ﴿ معرضون ﴾ ه، ﴿ معدودات ﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال.

﴿ يفترون ﴾ ه، ﴿ يظلمون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: "لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت يهود المدينة: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا ترد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه.

ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى.

فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله  شكوا فقالوا: لا والله ما هو به.

وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا.

وكان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد.

وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة.

ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية" .

وقال محمد بن إسحق بن يسار في رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس: "لما أصاب رسول الله  قريشاً ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.

فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة.

أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس" فأنزل الله ﴿ قل للذين كفروا ﴾ يعني اليهود ﴿ ستغلبون ﴾ / تهزمون ﴿ وتحشرون إلى جهنم ﴾ في الآخرة.

ومعنى جهنم قد مر في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ولبئس المهاد  ﴾ وقيل: هم مشركو مكة ﴿ ستغلبون ﴾ يعني يوم بدر من قرأ بتاء الخطاب فمعناه الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر بأي لفظ أراد  ، ومن قرأ بالياء فالأمر متوجه إلى حكاية هذا اللفظ أي قل لهم قولي لك: ﴿ سيغلبون ﴾ .

وفي الآية حجاج للقائل بتكليف ما لا يطاق، فإنه  أخبر عنهم بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب الخبر كذباً.

وفيها دليل على صحة البعث والحشر بإخبار الصادق وفي قوله ﴿ ستغلبون ﴾ وقد وقع كما أخبر إخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدق النبي  .

نظيره في حق عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم  ﴾ ثم إنه  ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ يوم بدر ﴿ فئة ﴾ إحداهما جماعة ﴿ تقاتل في سبيل الله ﴾ وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ﴿ وفئة ﴾ أخرى ﴿ كافرة ﴾ هم كفار قريش.

وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه: أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها: قلة العَدَدِ والعُدَدِ، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان.

ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا.

ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله  ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني.

كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات.

وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة.

وثانيها أنه  كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله  ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين  ﴾ يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان.

وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز.

وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة.

ورابعها قوله ﴿ يرونهم مثليهم ﴾ وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في "يرون" إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ﴿ مثليهم ﴾ إلى كل منهما فهذه أربعة: الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.

الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم.

ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في "يرون" إلى /الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه  جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله ﴿ قد كان لكم آية ﴾ فوجب أن يكون الراؤون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة.

والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال ﴿ ويقللكم في أعينهم  ﴾ لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا.

على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية.

الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون.

فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله  : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا.

الاحتمال الرابع أن يكون الراؤون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك.

وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة.

وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي.

أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل: لعل الله  أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً.

وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون ﴿ مثليهم ﴾ نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله: ﴿ رأى العين ﴾ لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات.

وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات.

وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض.

أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله  في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل.

﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد.

﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكره من / الآية ﴿ لعبرة ﴾ نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم ﴿ لأولي الأبصار ﴾ ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين.

ثم ذكر ما هو كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه ﴿ زين للناس ﴾ اللذات الجسمانية والآخرة.

وهي عالم الروحانيات - خير وأبقى، وأنها معدة لمن واظب على العبودية واتصف بالخصال الحميدة.

وأما ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد  إلا أنه يمنعه من اتباعه حب المال والجاه.

وروينا أيضاً أنه  لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالعدة والعدد، فبيّن الله  في هذه الآية أن تلك الأشياء متاع الدنيا وزينتها، والآخرة خير.

والمزين هو الله  .

أما عند الأشاعرة فلأنه خالق أفعال العباد كلها، ولو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان؟

وأما عند جمهور المعتزلة فلحكمة الابتلاء ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً  ﴾ ولأنها وسائل إلى منافع الآخرة وهو أن يتصدق بها أو يتقوى بها على طاعة الله أو يشتغل بشكرها.

كان الصاحب بن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب.

ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان أشق له وأكثر ثواباً.

وعن الجبائي واختاره القاضي، أن كل ما كان واجباً أو مندوباً أو مباحاً فالتزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان.

وحكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله على ذلك.

واحتجاجه في الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات، وإن تزيينها وظيفة الشيطان.

وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده.

وقال في معرض الذم ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ والذام للشيء لا يكون مزيناً له.

وقال ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزيناً لها؟.

ثم إنه  جعل الأعيان المشتهاة شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها وذلك للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور "قدرة" وللمرجو "رجاء".

وفيه فائدة أخرى هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية.

فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها.

قال المتكلمون: في الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون مغايراً للمضاف إليه.

فالشهوة من فعل الله  ، والمحبة من أفعال العباد، وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات.

واعلم أن الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة، ومنه قوله  حكاية عن سليمان /  ﴿ إني أحببت حب الخير  ﴾ ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير.

فقوله: ﴿ حب الشهوات ﴾ قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة.

ولفظ ﴿ الناس ﴾ عام فظاهره يقتضي أن هذا المعنى عام لجميع الناس ولا شك أنه موجود في الأغلب وفي أكثر الأوقات فلا يبعد التعميم، فطالما أعطى للأغلب حكم الكل.

على أن من همته بجوامعها مقصورة على طلب اللذات الروحانية في غاية الندرة، وبقاء ذلك النادر في جميع الأحيان على ذلك الخاطر أعز وأمنع.

ثم شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة  ﴾ وقال  : " إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" " الثانية الأولاد ولا سيما البنين ولهذا خصوا بالذكر، ومحبة النساء والأولاد كأنها حالة غريزية ولولاها لم يتصور بقاء النسل للحيوانات.

الثالثة والرابعة القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ومنه القنطرة.

والمال الكثير قنطار لأن الإنسان يتوثق بها في دفع النوائب.

أبو عبيد: إنه وزن لا يحد.

روى أبو هريرة عن النبي  : " "القنطار اثنا عشر ألف أوقية " وروى أنس عنه هو ألف دينار.

وروى أبي بن كعب عنه هو ألف ومائتا أوقية.

وقال ابن عباس: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية.

وبه قال الحسن.

وزعم الكلبي أن القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة.

وعن سعيد بن جبير أنه مائة ألف دينار.

والمقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم "ألف مؤلفة وبدرة مبدّرة وإبل مؤبلة".

قال الكلبي: القناطير ثلاثة والمقنطرة المضاعفة فكان المجموع ستة.

وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء.

وكل الصيد يوجد في الفرا *** ولولا التقى لقلت جلت قدرته وصفة المالكية هي القدرة، وأنها صفة كمال والكمال محبوب لذاته.

والخامسة الخيل المسوّمة قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لاختيالها وهو جولانها في مشيتها.

ويسمى الخيال خيالاً لجولان هذه القوة في استحضار الصور.

والمسومة قيل المرعية.

أسمت الدابة وسوّمتها إذا أرسلتها في مرجها للرعي.

ولا شك أنها إذا رعت ازدادت حسناً وبهاء.

وقيل: هي المعلمة من السومة / العلامة.

ثم اختلفوا في تلك العلامة فعن أبي مسلم: الغرة والتحجيل، وقال الأصم: هي البلق.

وقال قتادة: الشية - وقيل: الكي.

وقال مجاهد وعكرمة: المسومة المطهمة أي الحسان.

قال الأصمعي: رجل مطهم وفرس مطهم وفرس مطهم أي تام، كل شيء على حدته فهو بارع الجمال.

السادسة الأنعام وهو جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم.

ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.

السابعة الحرث وهو الزراعة ذلك الذي ذكر متاع الحياة الدنيا لأن وجوه الانتفاعات الدنيوية للإنسان إما أن تكون من بني نوعه أو من غيره.

والأول أصل وهو المرأة وفرع وهو الولد، وإنما فرض الكلام في الذكور لشرفهم.

والثاني إما أن تكون من المعدنيات وأكثرها فائدة وأعمها عائدة الجوهران الثمينان فخصا بالذكر، وإما أن تكون من الحيوانات للركوب والكر والفر وهو الخيل، أو للحمل واللحم وهو الأنعام، وإما أن تكون من النباتات وهو الحاصل من الزراعة وإنما لم يتعرض للدور والقصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب، والقرآن يخاطب أولاً معهم.

﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ أي المرجع.

وإنما لم يذكر المآب القبيح وهو النار لأنها غير مقصودة بالذات لأنه  خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولهذا قال: " "سبقت رحمتي غضبي" " ثم بيّن أن ذلك المرجع كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا.

والمقصود أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأفسح من بطن الأم فكذلك الآخرة أفسح وأوسع من الدنيا، أو لأنه لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ قل أؤنبئكم بخير ﴾ أي بشيء هو خير ﴿ من ذلكم ﴾ الذي عددنا.

ثم استأنف بيانه وتقريره فقال: ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات ﴾ كما تقول: هل أدلكم على حبر خير من فلان؟

عندي رجل من صفته كيت وكيت.

وبيان الخيرية ظاهر من وصف الجنات والأزواج مع قيد الخلود، فإن النعمة وإن عظمت، فتوهم الانقطاع والزوال ينغص صفوها وينقص لذتها، وبعد زوال هذا الوهم لن يتكامل طيبها إلا بالنساء فبهن يحصل الأنس.

ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة فقال: ﴿ مطهرة ﴾ أي من الأقذار والمنفرات.

وبعد ذكر تمام النعمة ذكر ماهو فوق التمام فقال: ﴿ ورضوان من الله ﴾ ويندرج فيه جميع المطالب والمقاصد لأن العبد إذا رضي عنه المولى لم يتصور منصب أجل منه وأعلى، وكأن المولى وما يملكه للعبد، كما أن العبد وما يملكه للمولى ﴿ ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم  ﴾ ويحتمل أن يكون اللام في قوله: ﴿ للذين اتقوا ﴾ متعلقاً بخير.

واختص المتقين لأنهم /هم المنتفعون به ويرتفع ﴿ جنات ﴾ على الخبر أي هو جنات ويعضده قراءة بعضهم ﴿ جنات ﴾ بالجر على البدل من ﴿ خير ﴾ وذلك أن اللام في هذه القراءة يتعين أن يكون متعلقاً بخير.

وقوله: ﴿ عند ربهم ﴾ يحتمل أن يتعلق بما يتعلق بما تعلق به قوله: ﴿ للذين ﴾ أي ثبت لهم عند ربهم.

ويحتمل أن يكون صفة لخير، ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ اتقوا ﴾ فيكون إشارة إلى أن هذا الثواب لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله  فلا يدخل فيه إلا من كان مؤمناً في علم الله ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختار لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا، أو بصير بهم يثيب ويعاقب بحسب الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا ربهم وبأحوالهم فلذلك أعدّ لهم الجنات ﴿ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة.

وقد حكى الله  ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فقيل: دل ذلك على أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن العمل الصالح لو كان داخلاً فيه كما زعموا كان إدخاله في النار قبيحاً عندهم فيكون ممتنع الوقوع من الله  ، وضده واجب الوقوع، وسؤال الواجب وقوعه عبث فلا يصلح للمدح.

ويمكن أن يجاب عنه بأن العبد قد يدعو بما يعلم أنه حاصل له إظهار الذل و العبودية وإبداء للاستكانة والخشوع.

وأيضاً صورة العمل الصالح لا تفيد ما لم تقع في حيز القبول.

فعلى المتقي أن لا يتكل عليها ويبتهل إلى الله في مواجب الغفران.

ثم عدد من أوصاف عباده خمسة ووسط العاطف بينها دلالة على كمالهم في كل واحد منها، أو إشارة إلى أن كل واحد منها يكفي في استحقاق المدح والثواب فقال: ﴿ الصابرين ﴾ أي في أداء الطاعات وعلى ترك المحظورات وعند المحن والشدائد.

وقف رجل على الشبلي فقال: أيّ صبر أشد على الصابرين؟

فقال: الصبر في الله  .

فقال: لا.

فقال: الصبر لله.

فقال: لا.

فقال: الصبر مع الله.

قال: لا.

قال: فأي شيء؟

قال: الصبر عن الله.

فصرخ الشبلي صرخة كاد يتلف روحه.

﴿ والصادقين ﴾ أي في الأقوال وفي الأفعال بأن لا ينصرف عنها قبل تمامها، وفي النيات بأن يمضي العزم على الخيرات.

﴿ والقانتين ﴾ والمقيمين على الطاعات والمواظبين عليها ﴿ والمنفقين ﴾ ما تيسر على من تيسر بشروطه ومصارفه وجوباً وندباً ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ أي فيها.

والسحر قبل طلوع الفجر.

وخص هذا الوقت لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا ليلهم وذلك نهارهم.

وللاستغفار بالأسحار مزيد آثار وأنوار لأن السحر وقت النوم والغفلة، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة عرض الذلة على حضرة العزة لا يبعد أن يفيض عليه سجال المغفرة وأن يطلع صبح العالم الصغير عند طلوع صبح العالم الكبير فيستنير قلب المؤمن بأنوار المعارف وآثار اللطائف.

أما بيان ترتيب الأوصاف، / فالصبر يشمل أداء جميل التكاليف.

ثم الإنسان قد يلتزم من نفسه ما هو غير واجب عليه، فالصادق من يخرج عن عهدة ذلك ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه  ﴾ ثم المواظبة على سلوك سبيل الخيرات أمر محمود فأشير إلى ذلك بقوله: ﴿ والقانتين ﴾ ثم إن ههنا أمرين يعينان على الطاعة: الخدمة بالمال والابتهال والتضرع إلى حصرة القدس والجلال وذلك قوله: ﴿ والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ﴾ فقوله: ﴿ والمنفقين ﴾ معناه الشفقة على خلق الله وباقي الأوصاف حاصله التعظيم لأمر الله.

قال الكلبي: "لما ظهر رسول الله  بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي  الذي يخرج في آخر الزمان!

فلما دخلا على النبي  عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت محمد؟

قال: نعم.

قالا: وأنت أحمد؟

قال: نعم.

قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك.

فقال لهما رسول الله  : سلاني.

قالا: أخبرنا من أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله  " .

ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله: ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ ثم بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية.

واعلم أن الشهادة من الله  ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك.

أما الأول فتقريره من وجهين: أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله  وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم.

أما من الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، التمسك بالدلائل السمعية في هذه المسألة جائز لأن العلم بنبوّة محمد  لا يتوقف على العلم بها.

وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحداينة الله  بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضاً أن الله واحد لا شريك له.

وثاني الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان.

فالله  أظهر ذلك وبيّن بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه.

أيضاً الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق.

فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان.

فأما مفهوم الإظهار والبيان فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي  : إن وحدانية الله  أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فأثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.

وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله  على / توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله  : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.

فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله.

فكيف يكون المدعي شاهداً؟

فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ذلك ولهذا قال: ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ وفي انتصاب ﴿ قائماً بالقسط ﴾ وجوه: الأول أنه حال مؤكدة والتقدير: شهد الله قائماً بالقسط، أو لا إله إلا هو قائماً بالقسط.

وهذا أوجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضياً للعدالة مثل: هذا أبوك عطوفاً.

أو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً.

ويحتمل أن يكون حالاً من "أولي العلم" أي حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة.

الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو.

وقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف.

الثالث أن يكون نصباً على المدح وإن كان نكرة كقوله: ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثاً مراضيع مثل السعالى ومعنى كونه قائماً بالقسط قائماً بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي يجريه على سن الاستقامة، أو مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآحال، ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم.

واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا.

ومركوز في العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية التسوية ورعاية الأصلح عموماً أو خصوصاً.

فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادىء والغايات، فانظر في كيفية خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب.

ثم انظر في كيفية خلقه العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها حكمة وعدالة.

وانظر إلى تفاوت الخلائق / في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله  لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله.

فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه  واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء.

فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد.

ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله  ، ولا خالق إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو.

وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك: الدليل دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله.

وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه هو المسك ما كررته يتضوّع *** ثم أكد كونه منفرداً بالألوهية وقائماً بالعدل بقوله: ﴿ الغزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم.

ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى.

والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة.

سميت ديناً لأنها سبب الجزاء.والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص العبادة من قولهم: "سلم له الشيء" أي خلص له.

والإسلام في عرف الشرع يطلق تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله  : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا  ﴾ ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد ههنا.

وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد.

أما التوحيد فأن يعلم أن الله  لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو به، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه / عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبداً منقاداً معترفاً بأنه  قائم بالقسط.

ومن قرأ بفتح "أن" فتقديره عند البصريين ذلك بدل من الأول، بدل الكل فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** وقيل: تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام.

وقيل: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام.

لأن كونه  واحداً يوجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الواحدانية.

وقرىء الأول بالكسر والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض.

ثم ذكر أنه أوضح الدلائل وأزل الشبهات، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم فقال: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم اليهود واختلافهم أن موسى عليه موسى  لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلاً من الأحبار وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم التوراة بغياً بينهم وتحاسداً على طلب الدنيا.

وقيل: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى  بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله.

وقيل: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

وأنكروا نبوة محمد  وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن أهل كتاب.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم.

لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو بعيد قاله في التفسير الكبير.

﴿ ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ﴾ لا يصعب عليه عدة أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة، أو المراد أنه سيصل إلى الله سريعاً فيحاسبه أي يجازيه على كفره.

ثم بين للرسول  ما يقوله في محاجتهم فقال: ﴿ فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ قال الفراء: أي أخلصت عملي لله.

فعلى هذا "الوجه" في معنى العمل.

وقيل: أي أسلمت وجه عملي لله.

فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال.

فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله والانقياد لإلهيته وحكمه.

وقيل: الوجه مقحم، والتقدير: أسلمت نفسي لله، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف على عبادته معرض عن كل ما سواه، وقوله: ﴿ ومن اتبعن ﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿ أسلمت ﴾ وحسن للفصل.

أو مفعول معه والواو بمعنى "مع".

ثم في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه  كان قد أظهر المعجزات / كالقرآن ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وقد مر في هذه السورة إبطال إلهية عيسى وإثبات نبوة محمد  .

ثم بيّن نفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ وذكر أن اختلاف هؤلاء اليهود والنصارى إنما هو لأجل البغي والحسد فلم يبق إلا أن يقول: أما أنا ومن اتبعن فمنقادون للحق مستسلمون له مقبلون على عبودية الله  .

وهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.

وثانيهما أن قوله: ﴿ أسلمت ﴾ محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه  قال هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا متمسك بهذا القدر المتفق عليه وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك.

فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان.

فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ونظير هذه الآية ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً  ﴾ وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم  ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ كأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ والأميين ﴾ وهم مشركو العرب الذين لا كتاب لهم ﴿ أأسلمتم ﴾ ومعناه الأمر وفائدته التعيير بالعناد وقلة الإنصاف كقولك لمن لخصت له المسئلة ولم تأل جهداً في سلوك طريقة الكشف والبيان له: هل فهمتها؟

فإنه يكون توبيخاً له بالبلادة وكلال الذهن ومثله في آية تحريم الخمر ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء.

﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ إلى ما يهدي الله إليه أو إلى الفوز والنجاة في الآخرة ﴿ وإن تولوا ﴾ أعرضوا عن الإسلام لي والاتباع لك ﴿ فإنما عليك البلاغ ﴾ .

ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الرشاد ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ يوفق للصلاح من شاء ويترك على الضلالة من أراد.

ثم وصف المتولي بصفات ثلاث وأردفه بوعيده فقال: ﴿ إن الذين يكفرون بآيات الله ﴾ أي ببعضها المعهود لأن اليهود كانوا مقرين ببعض الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وشيء من المعاد أو بكلها كما هو ظاهر الجمع المضاف، وتوجيهه أن المكذب ببعض آيات الله كالكافر بجميعها ﴿ ويقتلون النبيين ﴾ أي المعهودين لأنهم ما قتلوا كلهم ولا أكثرهم ﴿ بغير حق ﴾ من غير ما شبهة عندهم ﴿ ويقتلون ﴾ أو يقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.

عن الحسن أن في الآية دلالة على أن الآمر / بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزل الأنبياء فلهذا ذكرهم عقيبهم.

"وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله  فقال: أيّ الجهاد أفضل؟

فقال  : أفضل الجهاد كلمة حق عند سطان جائر" .

فإن قيل: إذا كان قوله: ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ في حكم المستقبل لا أقل من الحال لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول الله، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح الكلام؟

قلنا: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله  والمؤمنين جميعاً، إلا أنه  عصمهم منهم فصح إطلاق القاتل عليهم كما يقال: السم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل.

أو نقول: وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك.

عن أبي عبيدة بن الجراح "قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟

قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية.

ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة.

فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار" ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ إنما دخلت الفاء لتضمن اسم "إن" معنى الشرط، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف "ليت" و"لعل".

واعلم أنه  قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم، واستعارة البشارة ههنا للتهكم.

الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية، وأما في الآخرة فكما قال عز من قائل ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً  ﴾ الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ عن ابن عباس قال: "دخل رسول الله  بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟

فقال: على ملة إبراهيم.

فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً.

فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا" فنزلت.

وقال الكلبي: نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله  فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه  وسوف تجيء القصة في سورة المائدة مفصلة.

وقيل: دعاهم النبي  أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت.

ومعنى قوله: ﴿ أوتوا نصيباً ﴾ أي حظاً وافراً من علم الكتاب يريد أحبار اليهود.

و"من" إما للتبعيض وإما للبيان.

والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها.

/ وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم.

ثم بين سبب التعجيب بقوله: ﴿ يدعون إلى كتاب الله ﴾ وهو التوراة كما مر في أسباب النزول، ولأنه  عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم، وإنما يتوجه التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته.

وعن ابن عباس أنه القرآن وليس ببعيد لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله  ، فحذف الثاني للعلم به.

أو يراد الحكم في الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله  رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، قال في الكشاف: والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم ومعنى "ثم" استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي ﴿ وهم معرضون ﴾ قوم لا يزال الإعراض ديدنهم وهجيراهم.

والضمير في "هم" إما أن يرجع إلى الفريق أي هم جامعون بين التولي والإعراض لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر المقامات.

وإما أن يرجع إلى الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم.

وإما أن يرجع إلى كل أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ذلك التولي والإعراض، أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعها فقالوا: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات  ﴾ هي أيام عبادة العجل فاستوجبوا الذم من وجوه: أحدها استقصار مدة العذاب ومن أين لهم العلم بذلك؟

وثانيها أن عبادة العجل كفر والكفر يستحق به الكافر عذاباً دائماً.

وثالثها أن استثناء الأيام المعدودات فقط فيه دليل على أنهم استحقروا تكذيب محمد  والقرآن وذلك كفر صريح.

﴿ وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ من قولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أو من قولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً  ﴾ أو من قولهم "نحن أولى بالنبوة من قريش" أو من زعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم.

﴿ فكيف ﴾ يصنعون؟

أو فكيف حالهم؟

وفي هذا الحذف فخامة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من العذاب ﴿ إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ قال الفراء: إذا قلت جمعوا اليوم الخميس معناه جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس.

أما إذا قلت: جمعوا في يوم الخميس فلا تضمر فعلاً.

وأيضاً من المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة والفرق بين المثاب والمعاقب.

﴿ ووفيت كل نفس ما كسبت ﴾ من ثواب أو عقاب أو جزاء / ما عملت ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس تريد ثلاثة أناسي.

روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الإشهاد ثم يأمر بهم إلى النار.

التأويل: ﴿ ستغلبون ﴾ إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا ﴾ \[المؤمنون: 106\] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا.

فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه.

﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ إن لله  فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله: ﴿ زين للناس ﴾ .

واعلم أنالله خلق الخلق على طبقات ثلاث: العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والغالب فهيم المحبة والشوق.

ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات.

فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  ﴾ وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى.

ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ ورضوان من الله ﴾ والإيمان ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات.

والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك.

ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله: ﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ وإنما طلبوا قرب المولى ﴿ للذين أحسنوا الحسنى  ﴾ ﴿ شهد الله ﴾ بكلامه / الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿ أنه لا إله إلا هو ﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات.

شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.

فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم.

ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها  ﴾ .

لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي فحقيقة معنى الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم.

ثم فائدة التكرار بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ﴿ لا إله إلا هو العزيز ﴾ الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية ﴿ الحكيم ﴾ الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة.

﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة.

﴿ ويقتلون النبيين ﴾ الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً / من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله؟

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ إنما يتكلم به لأحد معنيين: إما للتعجب من الأمر العظيم؛ يقول الرجل لآخر: ألم تر فلاناً يقول كذا، أو يعمل كذا؟!

يقول ذلك له؛ لعظيم ما وقع عنده.

وإمّا للتنبيه.

فأيّهما كان ففيه تحذير للمؤمنين؛ ليحذر المؤمنون عن مثل صنيعهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ  ﴾ من قبل الآية؛ حذر المؤمنين أن يكونوا مثل أولئك الذين أوتوا الكتاب، ولا يخالفوا كتابهم كما خالفوا هم.

وقوله: ﴿ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل أن يكون أراد بالكتاب: التوراة؛ على ما قيل: إن النبي  قال لهم: "أَسْلِمُوا تَهْتَدُوا، وَلاَ تَتَكَبَّرُوا فقالوا: نحن أهدى وأحق بالهدى منك.

وما أرسل الله رسولاً بعد موسى [  ] فقال لهم النبي  : بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ التَّورَاةُ وَالإِنْجِيلُ؛ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهِمَا" يعني: وإني رسول الله، فأبوا ذلك خوفاً وإشفاقاً على ظهور كذبهم.

وقيل: أراد بالكتاب: القرآن، دعوا إليه؛ لأنه مصدِّق لما معهم من الكتاب، فأبوا ذلك.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ﴾ .

الأيام التي عبد آباؤهم العجل، فظنوا أنهم إنما يعذبون بقدر ما عبد آباؤهم العجل، وأنهم لا يخلدون في النار؛ لأنهم زعموا أنهم أبناء الله وأحبّاؤه.

ويحتمل أن يكون آباؤهم قالوا لهم: إنكم لا تعذبون في النار إلا قدر عبادتنا العجل؛ فأخبر - عز وجل - أن قد غرهم في دينهم ما كانوا يفترون، ثم خوفهم فقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك الانصراف عن الحق والإعراض عنه لأنهم كانوا يدَّعون أن النار لن تمسهم يوم القيامة إلا أيامًا قليلة، ثم يدخلون الجنة، فغَرَّهم هذا الظن الذي اختلقوه من الأكاذيب والأباطيل فتجرؤوا على الله ودينه.

<div class="verse-tafsir" id="91.BMKND"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إنه مبين لقوله تعالى ﴿ أُوْتُوا الكِتَابَ  ﴾ وهو بمعنى ﴿ لَا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَ  ﴾ فالنصيب عبارة عن تمسكهم بالألفاظ بتعظيمها وتعظيم ما تكتب فيه مع عدم العناية بالمعاني بفقهها والعمل بها.

ولك أن تقول إن ما يحفظونه من الكتاب هو جزء من الكتب التي أوحاها الله إليهم.

وقد فقدوا سائرها وهم مع ذلك لا يقيمونها بحسن الفهم لها والتزام العمل بها.

ولا غرابة في فقد بعض الكتاب فالكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى  التي يسمونها التوراة لا دليل على أنه هو الذي كتبها، ولا هي محفوظة عنه، بل قام الدليل عند الباحثين من الأوربيين على أنها كتبت بعده بمئات من السنين.

وكذلك يقال في سائر الكتب المنسوبة إلى الأنبياء في المجموع الذي يسمونه (الكتاب المقدس).

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ فللتراخي فيه وجهان: (أولهما) استبعاد توليهم، لأنه خلاف الأصل الذي يكون عليه المؤمن (ثانيهما) أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب يتولى ذلك الفريق بعد تردد وترو في القبول وعدمه وكان من مقتضى الإيمان أن لا يتردد المؤمن في إجابة الدعوة إلى حكم كتابه الذي هو أصل دينه.

على أنهم لم يكتفوا بالتردد حتى تولوا بالفعل، ولم يكن التولي عرضًا حدث لهم بعد أن كانوا مقبلين على الكتاب خاضعين لحكمه في كل حال وآن بل هو وصف لهم لازم، بل اللازم لهم ما هو شر منه وهو الإعراض عن كتاب الله في عامة أحوالهم.

فجملة ﴿ وَهُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ ليست مؤكدة للتولي، كما قيل، بل هو مؤسسة لوصف الإعراض الذي هو أبلغ منه وإنما قال ﴿ فَرِيقٌ مِنْهُمْ  ﴾ لأن هذا الوصف ليس عامًا لكل فرد منهم بل كان منهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ومنهم الذين آمنوا بالنبي  .

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ  ﴾ : إنه لم يثبت في عدد هذه الأيام شيء، وليس في كتب اليهود التي في أيديهم وعد بالآخرة ولا وعيد، فكل ما وعدت به على العمل بالكتاب هو الخير والخصب والسلطة في الأرض وما أوعدت به هو سلب هذه النعم وتسليط الأمم عليهم، ولكن الإسلام بين لنا أن كل نبي أمر بالإيمان باليوم الآخر ووعد وأوعد، فهذا هو الحق سواء أوجد في كتبهم أم لم يوجد.

والجملة عبارة عن استسهال العقوبة والاستخفاف بها اتكالًا على اتصال نسبهم بالأنبياء واعتمادًا على مجرد الانتساب إلى الدين وكانوا يعتقدون أن ذلك كاف في نجاتهم، ومن استخف بوعيد الدين زاعمًا أنه خفيف في نفسه أو أنه غير واقع بمن يستحقه حتمًا تزول حرمة الأوامر والنواهي من نفسه فيقدم على ارتكاب المحارم بلا مبالاة ويتهاون في الطاعات المحتمة وهكذا شأن الأمم عندما تفسق عن دينها وتنتهك حرماته، ظهر في اليهود ثم في النصارى ثم في المسلمين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله