الآية ٣٤ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٣٤ من سورة آل عمران

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله : هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحزيق بن يوثم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رخيعم بن سليمان بن داود ، عليهما السلام .

فعيسى ، عليه السلام ، من ذرية إبراهيم ، كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام ، إن شاء الله وبه الثقة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) قال أبو جعفر: يعني بذلك: إن الله اصطفى آلَ إبراهيم وآل عمران " ذريةً بعضها من بعض ".

* * * ف " الذرية " منصوبة على القطع من "آل إبراهيم وآل عمران "، لأن " الذرية "، نكرة، و "آل عمران " معرفة.

(21) ولو قيل نصبت على تكرير " الاصطفاء "، لكان صوابًا.

لأن المعنى: اصطفى ذريةً بعضُها من بعض.

(22) * * * وإنما جعل " بعضهم من بعض " في الموالاة في الدين، والمؤازرة على الإسلام والحق، كما قال جل ثناؤه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [سورة التوبة: 71]، وقال في موضع آخر: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [ سورة التوبة: 67]، يعني: أنّ دينهم واحدٌ وطريقتهم واحدة، فكذلك قوله: &; 6-328 &; " ذرية بعضها من بعض "، إنما معناه: ذرية دينُ بعضها دينُ بعض، وكلمتهم واحدةٌ، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته، كما:- 6855 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ذرية بعضها من بعض "، يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له.

* * * وقوله: " والله سميعٌ عليمٌ"، يعني بذلك: والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تضمره في نفسها، إذ نذَرت له ما في بطنها مُحرَّرًا.

-------------------- الهوامش : (21) انظر ما سلف في معنى"القطع" ، وهو الحال ، قريبًا ص: 270 ، تعليق: 3.

(22) انظر معاني القرآن للفراء 1: 207.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم تقدم في البقرة معنى الذرية واشتقاقها .

وهي نصب على الحال ; قاله الأخفش .

أي في حال كون بعضهم من بعض ، أي ذرية بعضها من ولد بعض .

الكوفيون : على القطع .

الزجاج : بدل ، أي اصطفى ذرية بعضها من بعض ، ومعنى بعضها من بعض ، يعني في التناصر في الدين ; كما قال : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يعني في الضلالة ; قاله الحسن وقتادة .

وقيل : في الاجتباء والاصطفاء والنبوة .

وقيل : المراد به التناسل ، وهذا أضعفها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ذرية بعضها من بعض } أي: حصل التناسب والتشابه بينهم في الخلق والأخلاق الجميلة، كما قال تعالى لما ذكر جملة من الأنبياء الداخلين في ضمن هذه البيوت الكبار { ومن آبائهم وإخوانهم وذرياتهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم } { والله سميع عليم } يعلم من يستحق الاصطفاء فيصطفيه ومن لا يستحق ذلك فيخذله ويرديه، ودل هذا على أن هؤلاء اختارهم لما علم من أحوالهم الموجبة لذلك فضلا منه وكرما، ومن الفائدة والحكمة في قصه علينا أخبار هؤلاء الأصفياء أن نحبهم ونقتدي بهم، ونسأل الله أن يوفقنا لما وفقهم، وأن لا نزال نزري أنفسنا بتأخرنا عنهم وعدم اتصافنا بأوصافهم ومزاياهم الجميلة، وهذا أيضا من لطفه بهم، وإظهاره الثناء عليهم في الأولين والآخرين، والتنويه بشرفهم، فلله ما أعظم جوده وكرمه وأكثر فوائد معاملته، لو لم يكن لهم من الشرف إلا أن أذكارهم مخلدة ومناقبهم مؤبدة لكفى بذلك فضلا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( على العالمين ذرية ) اشتقاقها من ذرأ بمعنى خلق ، وقيل : من الذر لأنه استخراجهم من صلب آدم كالذر ، ويسمى الأولاد والآباء ذرية ، فالأبناء ذرية لأنه ذرأهم ، والآباء ذرية لأنه ذرأ الأبناء منهم ، قال الله تعالى : " وآية لهم أنا حملنا ذريتهم " ( 41 - يس ) أي آباءهم ( ذرية ) نصب على معنى واصطفى ذرية ( بعضها من بعض ) أي بعضها من ولد بعض ، [ وقيل بعضها من بعض في التناصر ] وقيل : بعضها على دين بعض ( والله سميع عليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذرِّية بعضها من» ولد «بعض» منهم «والله سميع عليم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء الأنبياء والرسل سلسلة طُهْر متواصلة في الإخلاص لله وتوحيده والعمل بوحيه.

والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، وسيجازيهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بتسلسل هذه الصوة الكريمة بعضها من بعض فقال { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } وأصل الذرية - كما يقول القرطبي - فعلية من الذر ، لأن الله - تعالى - أخرج الخلق من صلب آدم كالذر حين أشهدهم على أنفسهم - وقيل هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم درءًا خلقهم ، ومنه الذرية وهى نسل الثقلين " .والمعنى : أن أولئك المصطفين الأخيار بعضهم من نسل بعض ، فهم متصلو النسب ، فنوح من ذرية آدم ، وآل إبراهيم من ذرية نوح ، وآل عمران من ذرية آل إبراهيم ، فهم جميعا سلسلة متصلة الحلقات فى النسب ، والخصال الحميدة .وقوله { ذُرِّيَّةً } منصوب على الحال من آل إبراهيم وآل عمران .

ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أى هو - سبحانه - سميع لأقوال عباده فى شأن هؤلاء المصطفين الأخيار وفى شأن غيرهم عليم بأحوال خلقه علما تاما بحيث لا تخفى عليه خافية تصدر عنهم .والجملة الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها ، ومؤكد له .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن علو درجات الرسل وشرف مناصبهم فقال: ﴿ إِنَّ الله اصطفى آدَمَ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المخلوقات على قسمين: المكلف وغير المكلف واتفقوا على أن المكلف أفضل من غير المكلف، واتفقوا على أن أصناف المكلف أربعة: الملائكة، والإنس والجن، والشياطين، أما الملائكة، فقد روي في الأخبار أن الله تعالى خلقهم من الريح ومنهم من احتج بوجوه عقلية على صحة ذلك فالأول: أنهم لهذا السبب قدروا على الطيران على أسرع الوجوه والثاني: لهذا السبب قدروا على حمل العرش، لأن الريح تقوم بحمل الأشياء الثالث: لهذا السبب سموا روحانيين، وجاء في رواية أخرى أنهم خلقوا من النور، ولهذا صفت وأخلصت لله تعالى والأولى أن يجمع بين القولين فنقول: أبدانهم من الريح وأرواحهم من النور فهؤلاء هم سكان عالم السموات، أما الشياطين فهم كفرة أما إبليس فكفره ظاهر لقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين  ﴾ وأما سائر الشياطين فهم أيضاً كفرة بدليل قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ  ﴾ ومن خواص الشياطين أنهم بأسرها أعداء للبشر قال تعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ  ﴾ وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن  ﴾ ومن خواص الشياطين كونهم مخلوقين من النار قال الله تعالى حكاية عن إبليس ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ وقال: ﴿ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم  ﴾ فأما الجن فمنهم كافر ومنهم مؤمن، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً  ﴾ أما الإنس فلا شك أن لهم والداً هو والدهم الأول، وإلا لذهب إلى ما لا نهاية والقرآن دلّ على أن ذلك الأول هو آدم صلى الله عليه وسلم على ما قال تعالى في هذه السورة ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ وقال: ﴿ يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: اتفق العلماء على أن البشر أفضل من الجن والشياطين، واختلفوا في أن البشر أفضل أم الملائكة، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله تعالى: ﴿ اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ  ﴾ والقائلون بأن البشر أفضل تمسكوا بهذه الآية، وذلك لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة وعلو الدرجة، فلما بيّن تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل العالمين وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة لكونهم من العالمين.

فإن قيل: إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين أدى إلى التناقض لأن الجمع الكثير إذا وصفوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر وذلك محال، ولو حملناه على كونه أفضل عالمي زمانه أو عالمي جنسه لم يلزم التناقض، فوجب حمله على هذا المعنى دفعاً للتناقض وأيضاً قال تعالى في صفة بني إسرائيل: ﴿ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين  ﴾ ولا يلزم كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم بل قلنا المراد به عالمو زمان كل واحد منهم، والجواب ظاهر في قوله: اصطفى آدم على العالمين، يتناول كل من يصح إطلاق لفظ العالم عليه فيندرج فيه الملك، غاية ما في هذا الباب أنه ترك العمل بعمومه في بعض الصور لدليل قام عليه، فلا يجوز أن نتركه في سائر الصور من غير دليل.

المسألة الثانية: ﴿ اصطفى ﴾ في اللغة اختار، فمعنى: اصطفاهم، أي جعلهم صفوة خلقه، تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، ويقال على ثلاثة أوجه: صفوة، وصفوة وصفوة، ونظير هذه الآية قوله لموسى ﴿ إِنْى اصطفيتك عَلَى الناس برسالاتي  ﴾ وقال في إبراهيم ﴿ وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الاخيار  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول.

في الآية قولان الأول: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعاً إلى دينهم وشرعهم وملتهم، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني: أن يكون المعنى: إن الله اصطفاهم، أي صفاهم من الصفات الذميمة، وزينهم بالخصال الحميدة، وهذا القول أولى لوجهين: أحدهما: أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار والثاني: أنه موافق لقوله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته  ﴾ وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لابد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية، والقوى الروحانية، أما القوى الجسمانية، فهي إما مدركة، وإما محركة.

أما المدركة: فهي إما الحواس الظاهرة، وإما الحواس الباطنة، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة أحدها: القوة الباصرة، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: «زويت لي الأرض فأريت مشارقها مغاربها» والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري» ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض  ﴾ ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوَّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل قال الحليمي رحمه الله: وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام، فلا يبعد أن يكون بصر النبي صلى الله عليه وسلم أقوى من بصرها.

وثانيها: القوة السامعة، وكان صلى الله عليه وسلم أقوى الناس في هذه القوة، ويدل عليه وجهان: أحدهما: قوله صلى الله عليه وسلم: أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى فسمع أطيط السماء والثاني: أنه سمع دوياً وذكر أنه هوي صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن، قال الحليمي: ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا، فإنهم زعموا أن فيثاغورث راض نفسه حتى سمع خفيف الفلك، ونظير هذه القوة لسليمان عليه السلام في قصة النمل ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يأَيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ فالله تعالى أسمع سليمان كلام النمل وأوقفه على معناه وهذا داخل أيضاً في باب تقوية الفهم، وكان ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم حين تكلم مع الذئب ومع البعير ثالثها: تقوية قوة الشم، كما في حق يعقوب عليه السلام، فإن يوسف عليه السلام لما أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه، فلما فصلت العير قال يعقوب ﴿ إِنّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُف  ﴾ فأحس بها من مسيرة أيام.

ورابعها: تقوية قوة الذوق، كما في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال: إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم.

وخامسها: تقوية القوة اللامسة كما في حق الخليل حيث جعل الله تعالى النار برداً وسلاماً عليه، فكيف يستبعد هذا ويشاهد مثله في السمندل والنعامة، وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ، قال تعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى  ﴾ ومنها قوة الذكاء قال علي عليه السلام: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم واستنبطت من كل باب ألف باب فإذا كان حال الولي هكذا، فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما القوى المحركة: فمثل عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعراج، وعروج عيسى حياً إلى السماء، ورفع إدريس وإلياس على ما وردت به الأخبار، وقال الله تعالى: ﴿ قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ  ﴾ .

وأما القوى الروحانية العقلية: فلابد وأن تكون في غاية الكمال، ونهاية الصفاء.

واعلم أن تمام الكلام في هذا الباب أن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، ومن لوازم تلك النفس الكمال في الذكاء، والفطنة، والحرية، والاستعلاء، والترفع عن الجسمانيات والشهوات، فإذا كانت الروح في غاية الصفاء والشرف، وكان البدن في غاية النقاء والطهارة كانت هذه القوى المحركة المدركة في غاية الكمال لأنها جارية مجرى أنوار فائضة من جوهر الروح واصلة إلى البدن، ومتى كان الفاعل والقابل في غاية الكمال كانت الآثار في غاية القوة والشرف والصفاء.

إذا عرفت هذا فقوله: ﴿ إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحًا ﴾ معناه: إن الله تعالى اصطفى آدم إما من سكان العالم السفلي على قول من يقول: الملك أفضل من البشر، أو من سكان العالم العلوي على قول من يقول: البشر أشرف المخلوقات، ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم عليه السلام، هم شيث وأولاده، إلى إدريس، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم حصل من إبراهيم شعبتان: إسماعيل وإسحاق، فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين: يعقوب وعيصو، فوضع النبوّة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيصو، واستمر ذلك إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر محمد صلى الله عليه وسلم نقل نور النبوّة ونور الملك إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وبقيا أعني الدين والملك لأتباعه إلى قيام القيامة، ومن تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة.

المسألة الثالثة: من الناس من قال.

المراد بآل إبراهيم المؤمنون، كما في قوله: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا  ﴾ والصحيح أن المراد بهم الأولاد، وهم المراد بقوله تعالى: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين  ﴾ وأما آل عمران فقد اختلفوا فيه، فمنهم من قال المراد عمران ولد موسى وهارون، وهو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فيكون المراد من آل عمران موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء، ومنهم من قال: بل المراد: عمران بن ماثان والد مريم، وكان هو من نسل سليمان بن داود بن إيشا، وكانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، قالوا وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة، واحتج من قال بهذا القول على صحته بأمور أحدها: أن المذكور عقيب قوله: ﴿ وآل عمران على العالمين ﴾ هو عمران بن ماثان جد عيسى عليه السلام من قبل الأم، فكان صرف الكلام إليه أولى.

وثانيها: أن المقصود من الكلام أن النصارى كانوا يحتجون على إلهية عيسى بالخوارق التي ظهرت على يديه، فالله تعالى يقول: إنما ظهرت على يده إكراماً من الله تعالى إياه بها، وذلك لأنه تعالى اصطفاه على العالمين وخصه بالكرامات العظيمة، فكان حمل هذا الكلام على عمران بن ماثان أولى في هذا المقام من حمله على عمران والد موسى وهارون.

وثالثها: أن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى: ﴿ وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين  ﴾ واعلم أن هذه الوجوه ليست دلائل قوية، بل هي أمور ظنية، وأصل الاحتمال قائم.

أما قوله تعالى: ﴿ ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في نصب قوله: ﴿ ذُرّيَّةِ ﴾ وجهان الأول: أنه بدل من آل إبراهيم والثاني: أن يكون نصباً على الحال، أي اصطفاهم في حال كون بعضهم من بعض.

المسألة الثانية: في تأويل الآية وجوه: الأول: ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإخلاص والطاعة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ  ﴾ وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق والثاني: ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه السلام، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم.

أما قوله تعالى: ﴿ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ فقال القفال: المعنى والله سميع لأقوال العباد، عليم بضمائرهم وأفعالهم، وإنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً، ونظيره قوله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشعين  ﴾ وفيه وجه آخر: وهو أن اليهود كانوا يقولون: نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران، فنحن أبناء الله وأحباؤه، والنصارى كانوا يقولون: المسيح ابن الله، وكان بعضهم عالماً بأن هذا الكلام باطل، إلا أنه لتطييب قلوب العوام بقي مصراً عليه، فالله تعالى كأنه يقول: والله سميع لهذه الأقوال الباطلة منكم، عليم بأغراضكم الفاسدة من هذه الأقوال فيجازيكم عليها، فكان أول الآية بياناً لشرف الأنبياء والرسل، وآخرها تهديداً لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم.

واعلم أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قصصاً كثيرة: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ آل إبراهيم ا ﴾ إسماعيل وإسحاق وأولادهما.

﴿ وَءَالَ عِمْرَانَ ﴾ موسى وهرون ابنا عمران ابن يصهر.

وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.

و ﴿ ذُرّيَّةَ ﴾ بدل من آل إبراهيم وآل عمران ﴿ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ يعني أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق.

وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن إيشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق.

وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: (بعضها من بعض) في الدين، كقوله تعالى: ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 67] ﴿ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين.

أو (سميع عليم) لقول امرأة عمران ونيتها.

و ﴿ إِذْ ﴾ منصوب به.

وقيل: بإضمار اذكر.

وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أم مريم البتول.

جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران ﴾ على أثر قوله: ﴿ وَءَالَ عِمْران ﴾ مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر.

فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبي مريم التي هي أخت موسى وهرون؟

قلت: كفى بكفالة زكريا دليلاً على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة.

روي أنها كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم.

وروي: أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل.

وعن الشعبي ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ : مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ الضمير ل (ما في بطني)، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة.

فإن قلت: كيف جاز انتصاب ﴿ أنثى ﴾ حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟

قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنثى لتأنيث الحال؛ لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في (ما كانت أمّك) لتأنيث الخبر.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين ﴾ [النساء: 176] وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إني وضعت الحبلة أو النسمة أنثى.

فإن قلت: فلم قالت: إني وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟

قلت: قالته تحسراً على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.

فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة.

ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال الله تعالى: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ تعظيماً لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه.

ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً.

فلذلك تحسرت.

وفي قراءة ابن عباس ﴿ والله أعلم بما وَضَعْتِ ﴾ على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم الله من عظم شأنه وعلوّ قدره.

وقرئ: ﴿ وضعت ﴾ .

بمعنى: ولعلّ لله تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالانثى ﴾ ؟

قلت: هو بيان لما في قوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ ؟

قلت: هو عطف على إني وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 76] فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟

قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقريب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها.

ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه.

وما يروى من الحديث: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» فالله أعلم بصحته.

فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: ﴿ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ [الحجر: 40 41] واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي: لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ** يَكُونُ بُكَاءُ الطَفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا ﴾ فرضي بها في النذر مكان الذكر ﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.

وروي: أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها.

والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص.

ويجوز أن يكون معنى ﴿ فَتَقَبَّلَهَا ﴾ فاستقبلها، كقولك: تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه قال القطامي: وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا استقبلت مِنْهُ ** وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا ومنه المثل (خذ الأمر بقوابله).

أي فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها.

وقرئ: ﴿ وَكَفِلَها زكريا ﴾ ، بوزن وعملها ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ بتشديد الفاء ونصب زكرياء، والفعل لله تعالى بمعنى: وضمها إليه وجعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها.

ويؤيدها قراءة أبيّ: وأكفلها، من قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ [ص: 23] وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أي فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلاً لها.

قيل: بنى لها زكريا محراباً في المسجد، أي غرفة يصعد إليها بسلم.

وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.

وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.

وروي: أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب.

﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟

﴿ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ فلا تستبعد.

قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال: هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال لها صلى الله عليه وسلم: أنيَّ لك هذا؟

فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها» ﴿ إنَّ الله يَرْزُقُ ﴾ من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ بغير تقدير لكثرته، أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ بِالرِّسالَةِ والخَصائِصِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ، ولِذَلِكَ قَوُوا عَلى ما لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ غَيْرُهم.

لِما أوْجَبَ طاعَةَ الرَّسُولِ وبَيَّنَ أنَّها الجالِبَةُ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَقِبَ ذَلِكَ بِبَيانِ مَناقِبِهِمْ تَحْرِيضًا عَلَيْها، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المَلائِكَةِ، وآلُ إبْراهِيمَ، إسْماعِيلُ وإسْحاقُ وأوْلادُهُما.

وقَدْ دَخَلَ فِيهِمُ الرَّسُولُ  ، وآلُ عِمْرانَ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِيَ بْنِ يَعْقُوبَ، أوْ عِيسى وأُمُّهُ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ بْنِ العازارِ بْنِ أبِي يُوذَ بْنِ يُوزَنَ بْنِ زُرْبابِلَ بْنِ سالِيانَ بْنِ يُوحَنّا بْنِ أُوشِيا بْنِ أمُونَ بْنِ مُنْشَكَنَ بْنِ حازِقا بْنِ أخازَ بْنِ يُوثامَ بْنِ عُوزَيا بْنِ يُورامَ بْنِ ساقِطَ بْنِ أيْشا بْنِ راجِعِيمَ بْنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ بْنِ أيْشِي بْنِ عُوبَدَ بْنِ سَلَمُونَ بْنِ ياعِزَ بْنِ نَحْشُوَنَ بْنِ عَمَيادَ بْنِ رامَ بْنِ حَصْرُومَ بْنِ فارِصَ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ بَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفُ وثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ.

﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ حالٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الآلَيْنِ أوْ مِنهُما ومِن نُوحٍ أيْ إنَّهم ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.

وقِيلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِّينِ.

والذَّرِّيَّةُ الوَلَدُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعُ فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ أوْ فُعُولَةٌ مِنَ الذَّرْءِ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُها ياءً ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ.

﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ بِأقْوالِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ فَيَصْطَفِي مَن كانَ مُسْتَقِيمَ القَوْلِ والعَمَلِ، أوْ سَمِيعٌ بِقَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ عَلِيمٌ بِنِيَّتِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذُرِّيَّةَ} بدل من آل إبراهيم وآل عمران {بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} مبتدأ وخبره في موضع النصب صفة لذرية يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض موسى وهرون من عمران وعمران من يصهر ويصهر من قاهث وقاهث من لاوي ولاوي من يعقوب ويعقوب من إسحق وكذلك عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثار وهو يتصل بيهودا بن يعقوب بن إسحق وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل بعضها من بعض في الدين {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يعلم من يصلح للإصطفاء أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الآلِينَ أوِ الحالِيَّةِ مِنهُما، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن (نُوحٍ) وما بَعْدَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (آدَمَ) و(ما) عَطْفٌ عَلَيْهِ ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ آدَمَ لَيْسَ بِذُرِّيَّةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ مِن أنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ والأبْناءِ لِأنَّهُ مِنَ الذَّرْءِ بِمَعْنى الخَلْقِ، والأبُ ذُرِئَ مِنهُ الوَلَدُ، والوَلَدُ ذُرِئَ مِنَ الأبِ إلّا أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ النَّسْلُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّهم ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ البَعْضُ مِنَ البَعْضِ في النَّسَبِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِكَوْنِهِمْ ذُرِّيَّةً، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ﴿ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ، و(مِن) عَلى الأوَّلِ: اِبْتِدائِيَّةٌ والِاسْتِمالَةُ تَقْرِيبِيَّةٌ وعَلى الثّانِي: اِتِّصالِيَّةٌ والِاسْتِمالَةُ بُرْهانِيَّةٌ، وقِيلَ: هي اِتِّصالِيَّةٌ فِيهِما ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِأقْوالِ العِبادِ ﴿ عَلِيمٌ  ﴾ بِأفْعالِهِمْ وما تُكِنُّهُ صُدُورُهم فَيَصْطَفِي مَن يَشاءُ مِنهُمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أي بعضهم على إثر بعض.

ويقال: بعضهم على دين بعض.

وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم عليم بهم وبدينهم.

ويقال: قوله وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، انصرف إلى ما بعده، أي سميع بقول امرأة عمران إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ وهي حنة أم مريم امرأة عمران بن ماثان، وذلك أنها لما حبلت، قالت: لئن نجَّانِي الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرَّراً، والمحرر من لا يعمل للدنيا، ولا يتزوج، ويتفرغ لعمل الآخرة، ويلزم المحراب، فيعبد الله تعالى فيه، وهذا قول مقاتل.

وقال الكلبي: محرراً، أي خادماً لبيت المقدس، ولم يكن محرراً إلا الغلمان.

فقال لها زوجها: إن كان الذي في بطنك أنثى، والأنثى عورة، فكيف تصنعين؟

فاهتمت بذلك وقالت: يا رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ وأنت تعلم مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السميع لدعائي العليم بنيتي، وما في بطني فَلَمَّا وَضَعَتْها أي ولدت فإذا هي أنثى قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى يعني ولدتها جارية وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، والله أعلم بما وَضَعْتُ، بجزم العين، وضم التاء، يعني أن المرأة قالت: والله أعلم بما وَضَعْتُ، والباقون بنصب العين وسكون التاء، فيكون هذا قول الله إنه يعلم بما وضعت تلك المرأة.

ثم قال تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى في الخدمة.

قال بعضهم: هذا قول الله لمحمد  ، وليس الذكر كالأنثى يا محمد.

وقال بعضهم: هي كلمة المرأة، أنها قالت: وليس الذكر كالانثى في الخدمة.

وقال مقاتل: فيها تقديم، فكأنه يقول: قالت رب إنى وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، والله أعلم بما وضعت، ثم قالت: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ يعني خادم الرب بلغتهم وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ يعني أعصمها وأمنعها بك وَذُرِّيَّتَها إن كان لها ذرية مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ يعني الملعون.

ويقال: المطرود من رحمة الله.

ويقال: الرجيم بمعنى المرجوم كما قال: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك: 5] .

حدّثنا أبو الليث، قال: حدثنا الخليل بن أحمد القاضي.

قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله  أنه قال: «ما من مَوُلُودٍ يُولَدُ إلاَّ والشَّيْطَانُ يَنْخَسُهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخَاً مِنْ الشَّيْطَانِ، إلاَّ مَرْيَمَ وَاْبْنَها عِيسَى عَلَيْهِما السَّلامُ» ، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وقال الزجاج: معنى قوله إِذْ يعني إن الله اختار آل عمران، إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ: واصطفاهم، إذ قالت الملائكة.

وقال أبو عبيدة: معناه قالت امرأة عمران، وقالت الملائكة و «إذ زيادة.

وقال الأخفش: معناه واذكر إذ قالت امرأة عمران، واذكر إذ قالت الملائكة، وقال أهل اللغة: المحرر والعتيق في اللغة بمعنى واحد، ثم إن حنة لفتها في خرق، ثم وضعتها في بيت المقدس عند المحراب، فاجتمعت القراء، أي الزهاد فقال زكريا: أنا أحق بها، لأن خالتها عندي.

فقال القُرّاء: إن هذه محررة، فلو تركت لخالتها، فكانت أمها أحق بها، ولكن نتساهم، فخرجوا إلى عين سلوان، فأَلْقَوْا أقلامهم في النهر.

قال بعضهم: كانت أقلامهم من الشَّبَّة، فغابت أقلامهم في الماء، وبقي قلم زكريا على وجه الماء.

وقال بعضهم كانت أقلامهم من قَصَب، فبقيت أقلامهم على وجه الماء، وغاب قلم زكريا في الماء.

وقال بعضهم: أَلْقَوْا أَقلامهم في النهر، فسال الماء بأقلامهم إلا قلم زكريا، فإنه جرى من الجانب الأعلى، فعلموا أن الحق له، فضمّها إلى نفسه فذلك قوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي تقبل منها نَذْرها وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وقال مجاهد غذاها غذاء حسناً، ورباها تربية حسنة وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتشديد، أي كفلها الله إلى زكريا.

وقرأ الباقون بالتخفيف، أي ضمها زكريا إلى نفسه، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية حفص زكريا بغير إعراب، وجزم الألف.

وقرأ الباقون بالإعراب والمد، وهما لغتان معروفتان عند العرب، فمن قرأ كفلها بالتشديد، قرأ زكريا بنصب الألف، لأنه يصير مفعولاً، ومن قرأ كفلها بالتخفيف قرأ زكريا برفع الألف على معنى الفاعل.

وذكر في الخبر أن زكريا بنى لها محراباً في غرفة، وجعل باب الغرفة في وسط الحائط، لا يصعد إليها إلا بسلم، واستأجر ظئراً، فكان يغلق عليها الباب، وكان لا يدخل عليها أحد إلا زكريا حتى كبرت، فإذا حاضت أخرجها إلى منزله، فتكون عند خالتها، وكانت خالتها امرأة زكريا.

وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: كانت أختها امرأة زكريا، وكانت إذا طهرت من حيضها، واغتسلت ردها إلى المحراب.

وقال بعضهم: كانت لا تحيض، وكانت مطهرة من الحيض، وكان زكريا إذا دخل عليها في أيام الشتاء، رأى عندها فاكهة الصيف، وإذا دخل عليها في أيام الصيف، وجد عندها فاكهة الشتاء، وكانت الحكمة في ذلك أن لا يدخل في قلب زكريا شيء من الريبة، إذا رأى الفاكهة في غير أوانها، وعلم أنه لم يدخل عليها أحد من الآدميين، فذلك قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ويقال: المحراب في اللغة أشرف المجالس، وهو المكان العالي، وقد قيل: إن مساجدهم كانت تسمى المحاريب ف قالَ لها زكريا يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا يعني: من أين لك هذا؟

فإنه لا يدخل عليك أحد غيري فَقالَتْ مريم هُوَ أي هذا الرزق مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي من فضل الله إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ في غير حينه.

ويقال: من حيث لا يحتسب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : والمحبَّةُ: إِرادةٌ يقترنُ بها إِقبالٌ من النَّفْس ومَيْلٌ بالمعتَقِدِ، وقد تكونُ الإِرادة المجرَّدة فيما يكره المريدُ، واللَّه تعالى يريدُ وقوع الكُفْر، ولا يحبُّه، ومحبَّة العَبْد للَّه تعالى يلزمُ عَنْها، ولا بدَّ أنْ يطيعه، ومحبَّةُ اللَّه تعالى أمارتُها للمتأمِّلِ أنْ يُرَى العَبْدُ مَهْدِيًّا مسدِّداً ذا قبولٍ في الأرض، فَلُطْفُ اللَّهِ تعالى بالعَبْدِ ورحمته إِيَّاه هي ثمرةُ محبَّته، وبهذا النظَر يفسَّر لفظُ المَحَبَّةِ حيثُ وقعَتْ من كتاب اللَّه عَزَّ وجَلَّ.

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً ...

الآية: لما مضى صدْرٌ مِنْ مُحَاجَّةِ نصارى نَجْرَانَ، والردُّ عليهم وبيانُ فسادِ ما هُمْ عليه، جاءَتْ هذه الآياتُ مُعْلِمَةً بصورةِ الأمر الذي قد ضَلُّوا فيه، ومُنْبِئَةً عن حقيقته، كيف كانَتْ، فبدأ تعالى بذكْرِ فضْل آدم ومَنْ ذُكِرَ بعده، ثم خَصَّ امرأة عِمْرَانَ بالذكْرِ لأنَّ القصْدَ وصْفُ قصَّة القَوْم إِلى أنْ يبيِّن أمر عيسى (عليه السلام) ، وكيف كان، وانصرف «نُوحٌ» ، مع عُجْمَتِهِ وتعريفِهِ لخفَّة الاِسم كَهُودٍ وَلُوطٍ، قال الفَخْرُ «٢» هنا: اعلم أنَّ المخلوقاتِ على قسمَيْنِ: مكلَّفٍ، وغيْرِ مكلَّفٍ، واتفقوا على أنَّ المكلَّف أفْضَلُ من غير المكلَّفِ، واتفقوا على أنَّ أصنافَ المكلَّفين أربعةٌ:

الملائكةُ، والإِنْسُ، والْجِنُّ، والشَّيَاطِين.

ت: تأمَّلْه جَعَلَ الشياطين قسيماً للجِنِّ.

اهـ.

والآلُ في اللغة: الأَهْلُ، والقَرَابَة، ويقال للأَتْبَاعِ، وأهل الطَّاعة: آل، والآلُ في الآيةِ: يحتملُ الوجهَيْنِ، فَإِنْ أُريدَ بالآلِ: القَرَابَةُ، فالتقديرُ أنَّ اللَّهَ اصطفى هؤلاءِ على عَالِمِي زمانِهِمْ، أو على العَالَمِينَ جميعاً بأن يقدّر نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من آل إِبراهيم، وإِن أُرِيدَ بالآلِ: الأَتْبَاعُ، فيستقيم دخول أمّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم في الآلِ لأنها على ملَّةِ إِبراهيم.

وقوله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، أي: متشابهينَ في الدِّين، والحالِ، وعِمْرَانُ/ هو رجلٌ من بني إِسرائيل، وامرأة عِمْرَانَ اسمها حَنَّةُ، ومعنى: نَذَرْتُ:

جعلْتُ لكَ ما في بطْنِي محرَّراً، أي: حَبِيساً على خدْمةِ بَيْتِكَ، محرَّراً من كلِّ خدمةً وشُغْلٍ من أشغال الدنيا، والبَيْتُ الذي نَذَرَتْهُ له هو بَيْتُ المَقْدِسِ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي، أي: ارض عنّي

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُها عَلى البَدَلِ، والمَعْنى: اصْطَفى ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: بَعْضُها، لِأنَّ لَفْظَ الذَّرِّيَّةِ مُؤَنَّثٌ، ولَوْ قالَ: بَعْضُهم، ذَهَبَ إلى مَعْنى الذُّرِّيَّةِ.

وفي مَعْنى هَذِهِ البَعْضِيَّةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ في التَّناصُرِ والدِّينِ، لا في التَّناسُلِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ في التَّسَلْسُلِ، لِأنَّ جَمِيعَهم ذُرِّيَّةُ آَدَمَ، ثُمَّ ذُرِّيَّةُ نُوحٍ، ثُمَّ ذُرِّيَّةُ إبْراهِيمَ، ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ.

قالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ أنَّ الأبْناءَ ذُرِّيَّةٌ لِلْآَباءِ، والآَباءُ ذُرِّيَّةٌ لِلْأبْناءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ  ﴾ ، فَجَعَلَ الآَباءَ ذُرِّيَّةً لِلْأبْناءِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ، لِأنَّ الذُّرِّيَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِن: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، فَسُمِّيَ الوَلَدُ لِلْوالِدِ ذُرِّيَّةً، لِأنَّهُ ذَرِئَ مِنهُ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْأبِ: ذُرِّيَّةٌ لِلِابْنِ، لِأنَّ ابْنَهُ ذُرِئَ مِنهُ، فالفِعْلُ يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الوَجْهَيْنِ، ومِثْلُهُ: ﴿ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ  ﴾ فَأضافَ الحُبَّ إلى اللَّهِ، والمَعْنى: كَحَبِّ المُؤْمِنِ لِلَّهِ، ومِثْلُهُ ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ﴾ \[ الدَّهْرِ: ٨ \]، فَأضافَ الحُبَّ لِلطَّعامِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ لَمّا مَضى صَدْرٌ مِن مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ والرَدِّ عَلَيْهِمْ وبَيانِ فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْلِمَةً بِصُورَةِ الأمْرِ الَّذِي قَدْ ضَلُّوا فِيهِ، ومُنْبِئَةً عن حَقِيقَتِهِ كَيْفَ كانَتْ، فَبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ فَضْلِهِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ إلى آلِ عِمْرانَ مِنها، ثُمَّ خَصَّ امْرَأةَ عِمْرانَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ القَصْدَ وصْفُ قِصَّةِ القَوْمِ إلى أنْ يَبِينَ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وكَيْفَ كانَ.

و"اصْطَفى" مَعْناهُ: اخْتارَ صَفْوَ الناسِ، فَكانَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وبَقِيَ الكُفّارُ كَدَرًا.

و"آدَمَ" هو أبُونا عَلَيْهِ السَلامُ، اصْطَفاهُ اللهُ تَعالى بِالإيجادِ والرِسالَةِ إلى بَنِيهِ والنُبُوَّةِ والتَكْلِيمِ، حَسْبَما ورَدَ في الحَدِيثِ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالرِسالَةِ إلى المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ  ﴾ وهَذا ضَعِيفٌ؛ ونُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ هو أبُونا الأصْغَرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الكُفّارِ، وانْصَرَفَ نُوحٌ مَعَ عُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ لِخِفَّةِ الِاسْمِ، كَهُودٍ ولُوطٍ.

"وَآلَ إبْراهِيمَ" يَعْنِي بِإبْراهِيمَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآلُ في اللُغَةِ: الأهْلُ والقَرابَةُ، ويُقالُ لِلْأتْباعِ وأهْلِ الطاعَةِ: آلٌ، فَمِنهُ آلُ فِرْعَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو أراكَةُ الثَقَفِيُّ في رِثاءِ النَبِيِّ  وهو يُعَزِّي نَفْسَهُ في أخِيهِ عَمْرٍو: فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ ∗∗∗ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ أرادَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ.

والآلُ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، فَإذا قُلْنا أرادَ بِالآلِ القَرابَةَ والبَيْتِيَّةَ، فالتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ اصْطَفى هَؤُلاءِ عَلى عالِمِي زَمانِهِمْ، أو عَلى العالَمِينَ عامًّا بِأنْ يُقَدِّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن آلِ إبْراهِيمَ؛ وإنْ قُلْنا: أرادَ بِالآلِ الأتْباعَ فَيَسْتَقِيمُ دُخُولُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في الآلِ لِأنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ.

وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ إلى أنَّ ذِكْرَ آدَمَ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى المُؤْمِنِينَ بِهِ مِن بَنِيهِ، وكَذَلِكَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّ الآلَ الأتْباعُ، فَعَمَّتِ الآيَةُ جَمِيعَ مُؤْمِنِي العالَمِ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ اللهَ اصْطَفى المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، ولِأنَّ الكَلامَ في قِصَّةِ بَعْضِهِمْ.

﴿ وَآلَ عِمْرانَ ﴾ أيْضًا يَحْتَمِلُ مِنَ التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ في آلَ إبْراهِيمَ.

وعِمْرانُ هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ فِيما حَكى الطَبَرِيُّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: هو عِمْرانُ بْنُ ماثالَ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى أهْلَ بَيْتَيْنِ صالِحَيْنِ ورَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ، فَفَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، فَكانَ مُحَمَّدٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفى اللهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالدِينِ والنُبُوَّةِ والطاعَةِ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذُرِّيَّةً" نُصِبَ عَلى البَدَلِ، وقِيلَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ مُتَشابِهُونَ في الدِينِ والحالِ، وهَذا أظْهَرُ مِنَ البَدَلِ.

والذُرِّيَّةُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ تَقَعُ لِما تَناسَلَ مِنَ الأولادِ سِفْلًا، واشْتِقاقُ اللَفْظَةِ في اللُغَةِ يُعْطِي أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ الناسِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ ذُرِّيَّةٌ لِغَيْرِهِ، فالناسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهَكَذا اسْتُعْمِلَتِ الذُرِّيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ  ﴾ أيْ ذُرِّيَّةَ هَذا الجِنْسِ، ولا يَسُوغُ أنْ يَقُولَ في والِدٍ: هَذا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ وإذِ اللَفْظَةُ مِن "ذَرَّ" إذا بَثَّ، فَهَكَذا يَجِيءُ مَعْناها، وكَذَلِكَ إنْ جَعَلْناها مِن "ذَرا"، وكَذَلِكَ إنْ جُعِلَتْ مِن "ذَرَأ" أو مِنَ الذَرِّ الَّذِي هو صِغارُ النَمْلِ..

قالَ أبُو الفَتْحِ: الذُرِّيَّةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ طَوَّلَ أبُو الفَتْحِ القَوْلَ في وزْنِها عَلى كُلِّ اشْتِقاقٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأحْرُفِ تَطْوِيلًا لا يَقْتَضِي هَذا الإيجازُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَها أبُو عَلِيٍّ في الأعْرافِ في تَرْجَمَةِ: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  ﴾ قالَ الزَجّاجُ: أصْلُها فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَرِّ، لِأنَّ اللهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ نِسْبَةٌ إلى الذَرِّ غُيِّرَ أوَّلُها، كَما قالُوا في النِسْبَةِ إلى الحَرَمِ: حِرْمِيٌّ - بِكَسْرِ الحاءِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَغْيِيرِ النَسَبِ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ أصْلُ "ذُرِّيَّةً" ذُرُّورَةٌ، وزْنُها فُعْلُولَةٌ، فَلَمّا كَثُرَتِ الراءاتُ أبْدَلُوا مِنَ الأخِيرَةِ ياءً فَصارَتْ ذُرُّويَةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فَجاءَتْ ذُرِّيَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اشْتِقاقٌ مِن ذَرَّ يَذُرُّ، أو مِن ذَرى، وإذا كانَتْ مِن ذَرَأ فَوَزْنُها فَعِيلَةٌ كَمَرِيقَةٍ، أصْلُها ذَرِيئَةٌ، فَأُلْزِمَتِ البَدَلَ والتَخْفِيفَ،كَما فَعَلُوا في البَرِيَّةِ في قَوْلِ مَن رَآها مِن بَرَأ اللهُ الخَلْقَ، وفي كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ، في قَوْلِ مَن رَآهُ مِن "دَرَأ" لِأنَّهُ يَدْفَعُ الظُلْمَةَ بِضَوْئِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "ذُرِّيَّةً" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والضَحّاكُ: "ذِرِّيَّةً" - بِكَسْرِ الذالِ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ أيْ في الإيمانِ والطاعَةِ وإنْعامِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِالنُبُوَّةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في العامِلِ في قَوْلِهِ: "إذْ قالَتِ"، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: "إذْ" زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وقالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ إذْ" وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ مَعْنى الِاصْطِفاءِ، التَقْدِيرُ: "واصْطَفى آلَ عِمْرانَ إذْ".

وعَلى هَذا القَوْلِ يَخْرُجُ عِمْرانُ مِنَ الاصْطِفاءِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ العامِلَ في "إذْ" قَوْلُهُ "سَمِيعٌ".

وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها حِنَةُ بِنْتُ قاذُوذَ فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وهي أُمُّ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾ أيْ: جَعَلْتُ نَذْرًا أنْ يَكُونَ هَذا الوَلَدُ الَّذِي في بَطْنِي حَبِيسًا عَلى خِدْمَةِ بَيْتِكَ مُحَرَّرًا مِن كُلِّ خِدْمَةٍ وشُغْلٍ مِن أشْغالِ الدُنْيا، أيْ: عَتِيقًا مِن ذَلِكَ، فَهو مِن لَفْظِ الحُرِّيَّةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ.

قالَ مَكِّيٌّ: فَمَن نَصَبَهُ عَلى النَعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلامًا مُحَرَّرًا، وفي هَذا نَظَرٌ، والبَيْتُ الَّذِي نَذَرَتْهُ لَهُ، هو بَيْتُ المَقْدِسِ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ سَبَبُ نَذْرِ حِنَةَ، أنَّها كانَتْ قَدْ أُمْسِكَ عنها الوَلَدُ حَتّى أسَنَّتْ، فَبَيْنَما هي في ظِلِّ شَجَرَةٍ، إذْ رَأتْ طائِرًا يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّ في بَطْنِها جَنِينًا؛ جَعَلَتْهُ نَذِيرَةً لِلَّهِ أنْ يَخْدُمَ الكَنِيسَةَ، لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ الدُنْيا.

وقالَ مُجاهِدٌ: "مُحَرَّرًا" مَعْناهُ: خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وقالَ مِثْلَهُ الشَعْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وكانَ هَذا المَعْنى مِنَ التَحْرِيرِ لِلْكَنائِسِ عُرْفًا في الذُكُورِ خاصَّةً، وكانَ فَرْضًا عَلى الأبْناءِ التِزامُ ذَلِكَ فَقالَتْ: "ما في بَطْنِي" ولَمْ تَنُصَّ عَلى ذُكُورَتِهِ لِمَكانِ الإشْكالِ، ولَكِنَّها جَزَمَتِ الدَعْوَةَ رَجاءً مِنها أنْ يَكُونَ ذَكَرًا.

وتَقَبُّلُ الشَيْءِ وقَبُولُهُ: أخْذُهُ حَيْثُ يُتَصَوَّرُ الأخْذُ والرِضى بِهِ في كُلِّ حالٍ، فَمَعْنى قَوْلِها "فَتَقَبَّلْ مِنِّي": أيِ ارْضَ عَنِّي في ذَلِكَ، واجْعَلْهُ فِعْلًا مَقْبُولًا مُجازىً بِهِ، و"السَمِيعُ" إشارَةٌ إلى دُعائِها، "العَلِيمُ" إشارَةٌ إلى نِيَّتِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من تمهيدات سبب السورة إلى واسطة بين التمهيد والمقصد، كطريقة التخلّص، فهذا تخلّص لمحاجّة وفد نَجْرَانَ وقد ذكرناه في أول السورة، فابتُدئ هنا بذكر آدم ونوح وهما أبَوا البشر أو أحدُهما وذكر إبراهيم وهو أبو المقصودين بالتفضيل وبالخطاب.

فأما آدم فهو أبو البشر باتفاق الأمم كلها إلاّ شذوذاً من أصحاب النزعات الإلحادية الذين ظهروا في أوروبا واخترعوا نظرية تسلسل أنواع الحيوان بعضها من بعض وهي نظرية فائلة.

وآدم اسم أبي البشر عند جميع أهل الأديان، وهو علَم عليه وضعه لنفسه بإلهام من الله تعالى كما وضع مبدأ اللغة، ولا شك أنّ من أول ما يحتاج إليه هو وزوجه أن يعبِّر أحدهما للآخر، وظاهر القرآن أنّ الله أسماه بهذا الاسم من قبل خروجه من جنة عدن ولا يجوز أن يكون اسمه مشتقاً من الأدمة، وهي اللون المخصوص لأنّ تسمية ذلك اللون بالأدمة خاص بكلام العرب فلعلّ العرب وضعوا اسم ذلك اللون أخذاً من وصف لَون آدم أبي البشر.

وقد جاء في سفر التكوين من كتاب العهد عند اليهود ما يقتضى: أنّ آدم وُجد على الأرض في وقت يوافق سنة 3942 اثنتين وأربعين وتسعمائة وثلاثة آلاف قبل ميلاد عيسى وأنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة فتكون وفاته في سنة 3012 اثنتي عشرة وثلاثة آلاف قبل ميلاد عيسى هذا ما تقبّله المؤرّخون المتبعون لضبط السنين.

والمظنون عند المحققين الناظرين في شواهد حَضارة البشرية أنّ هذا الضبط لا يُعتمد، وأن وجود آدم متقادم في أزمنة مترامية البعد هي أكثر بكثير مما حدّده سفر التكوين.

وأمّا نوح فتقول التوراة: إنه ابن لاَمك وسمّي عند العرب لَمَك بن متوشالخ بن أخنوخَ (وهو إدريس عند العرب) ابن يارد بتحتية في أوله بن مَهلئيل بميم مفتوحة فهاء ساكنة فلام مفتوحة بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم.

وعلى تقديرها وتقدير سني أعمارهم يكون قد ولد سنة ست وثمانين وثمانمائة وألفين قبل ميلاد عيسى وتوفي سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف قبل ميلاد عيسى والقول فيه كما تقدم في ضبط تاريخ وجود ءادم.

وفي زمن نوح وقع الطوفان على جميع الأرض ونجاه الله وأولادَه وأزواجهم في الفُلْك فيكون أباً ثانياً للبشر.

ومن الناس من يدّعى أنّ الطوفان لم يعم الأرض وعلى هذا الرأي ذهب مؤرّخو الصين وزعموا أنّ الطوفان لم يشمل قطرهم فلا يكون نوح عندهم أباً ثانياً للبشر.

وعلى رأي الجمهور فالبشر كلهم يرجعون إلى أبناء نوح الثلاثة سام، حام، ويافث، وهو أول رسول بعثه الله إلى الناس حسب الحديث الصحيح، وعُمِّر نوح تسعماية وخمسين سنة على ما في التوراة فهو ظاهر قوله تعالى: ﴿ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ﴾ [العنكبوت: 14] وفي التوراة: أنّ الطوفان حدث وعمر نوح ستمائة سنة وأنّ نوحاً صار بعد الطوفان فلاّحاً وغرس الكرم واتّخذ الخمر.

وذكر الألوسي صفته بدون سند فقال: كان نوح دقيق الوجه في رأسه طول عظيمَ العينين غليظ العضدين كثير لحم الفخذين ضخم السرّة طويل القامة جسيماً طويل اللحية، قيل: إنّ مدفنه بالعراق في نواحي الكوفة، وقيل في ذيل جبل لبنان، وقيل بمدينة الكرك، وسيأتي ذكر الطوفان: في سورة الأعراف، وفي سورة العنكبوت، وذكر شريعته في سورة الشورى، وفي سورة نوح.

والآل: الرهط، وآل إبراهيم: أبناؤه وحفيده وأسباطه، والمقصود تفضيل فريق منهم.

وشمل آل إبراهيم الأنبياءَ من عقبه كموسى، ومَن قبله ومن بعده، وكمحمد عليه الصلاة والسلام، وإسماعيل، وحنظلةَ بن صفوان، وخالد بن سنان.

وأما آل عمران: فهم مريم، وعيسى، فمريم بنت عمران بن ماتان كذا سماه المفسرون، وكان من أحبار اليهود، وصالحيهم، وأصله بالعبرانية عمرام بميم في آخره فهو أبو مريم، قال المفسّرون: هو من نسل سليمان بن داود، وهو خطأ، والحق أنه من نسل هارون أخي موسى، كما سيأتي قريباً.

وفي كتب النصارى: أنّ اسمه يوهاقيم، فلعله كان له اسمان ومثله كثير.

وليس المراد هنا عِمران والد موسى وهارون؛ إذ المقصود هنا التمهيد لذكر مريم وابنِها عيسى بدليل قوله: ﴿ إذ قالت امرأت عمران ﴾ .

وتقدم الكلام على احتمال معنى الآل عند قوله تعالى: ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ في سورة البقرة (49) ولكنّ الآل هنا متعين للحمل على رهط الرجل وقرابته.

ومعنى اصطفاء هؤلاء على العالمين اصطفاء المجموع على غيرهم، أو اصطفاء كلّ فاضل منهم على أهل زمانه.

وقوله: ذرية بعضها من بعض } حال من آل إبراهيم وآللِ عمران.

والذرية تقدم تفسيرها عند قوله تعالى: ﴿ قال من ذريتي ﴾ في سورة البقرة (124) وقد أجمل البعض هنا: لأنّ المقصود بيان شدّة الاتصال بين هذه الذرية، فمن للاتصال لا للتبعيض أي بين هذه الذرية اتّصال القرابة، فكل بعض فيها هو متّصل بالبعض الآخر، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فليس من اللَّه في شيء ﴾ [آل عمران: 28].

والغرض من ذكر هؤلاء تذكير اليهود والنصارى بشدّة انتساب أنبيائهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فما كان ينبغي أن يجعلوا موجب القرابة مُوجبَ عداوة وتفريق.

ومن هنا ظهر موقع قوله: ﴿ والله سميع عليم ﴾ أي سميع بأقوال بعضكم في بعضضِ هذه الذرية: كقول اليهود في عيسى وأمه، وتكذيبهم وتكذيب اليهود والنصارى لمحمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ في آلِ عِمْرانَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ.

والثّانِي: أنَّهُ المَسِيحُ، لِأنَّ مَرْيَمَ بِنْتُ عِمْرانَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفِيما اصْطَفاهم بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِ دِينِهِمْ لَهم، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّهُ اصْطَفاهم بِتَفْضِيلِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي مَيَّزَهم بِها عَلى أهْلِ زَمانِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِهِمْ لِلنُّبُوَّةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم صارُوا ذُرِّيَّةً بِالتَّناصُرِ لا بِالنَّسَبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ  ﴾ يَعْنِي في الِاجْتِماعِ عَلى الضَّلالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهم في التَّناسُلِ والنَّسَبِ، إذْ جَمِيعُهم مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وآل إبراهيم وآل عمران ﴾ قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ذكر الله أهل بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين، فكان محمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم.

وأخرج ابن جرير وأبي أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: فضلهم الله على العالمين بالنبوّة على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ذرية بعضها من بعض ﴾ قال: في النية، والعمل، والإخلاص، والتوحيد.

وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، أن علياً قال للحسن قم فاخطب الناس قال: إني أهابك أن أخطب وأنا أراك.

فتغيب عنه حيث يسمع كلامه ولا يراه، فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه وتكلم.

ثم نزل فقال علي رضي الله عنه ﴿ ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ﴾ .

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله اصطفى ﴾ يعني اختار من الناس لرسالته ﴿ آدم ونوحاً وآل إبراهيم ﴾ يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط ﴿ وآل عمران على العالمين ﴾ يعني اختارهم للنبوّة والرسالة على عالمي ذلك الزمان.

فهم ذرية بعضها من بعض، فكل هؤلاء من ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ بن ماثان واسمها حنة بنت فاقوذ.

وهي أم مريم ﴿ رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً ﴾ وذلك أن أم مريم حنة كانت جلست عن الولد والمحيض، فبينما هي ذات يوم في ظل شجرة إذ نظرت إلى طير يزق فرخاً له، فتحركت نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحاضت من ساعتها، فلما طهرت أتاها زوجها، فلما أيقنت بالود قالت: لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرراً.

وبنو ماثان من ملوك بني إسرائيل من نسل داود.

والمحرر لا يعمل للدنيا، ولا يتزوّج، ويتفرغ لعمل الآخرة.

يعبد الله تعالى، ويكون في خدمة الكنيسة، ولم يكن محرراً في ذلك الزمان إلا الغلمان.

فقالت لزوجها: ليس جنس من جنس الأنبياء إلا وفيهم محرر غيرنا، وإني جعلت ما في بطني نذيرة تقول: نذرت أن أجعله لله فهو المحرر.

فقال زوجها: أرأيت أن كان الذي في بطنك أنثى والأنثى عورة- فكيف تصنعين؟

فاغتمت لذلك فقالت عند ذلك ﴿ رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك السميع العليم ﴾ يعني تقبل مني ما نذرت لك.

﴿ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ والأنثى عورة، ثم قالت ﴿ وإني سميتها مريم ﴾ وكذلك كان اسمها عند الله ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ يعني الملعون، فاستجاب الله لها، فلم يقربها الشيطان ولا ذريتها عيسى.

قال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بأصبعه لما يستهل، إلا ما كان من مريم وابنها لم يصل إبليس إليهما» قال ابن عباس: لما وضعتها خشيت حنة أم مريم أن لا تقبل الأنثى محررة، فلفتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القراء، فتساهم القراء عليها لأنها كانت بنت إمامهم، وكان إمام القراء من ولد هرون.

أيهم يأخذها فقال زكريا وهو رأس الأحبار أنا آخذها وأنا أحقهم بها لأن خالتها عندي يعني أم يحيى فقال القراء: وإن كان القوم من هو أفقر إليها منك؟

ولو تركت لأحق الناس بها تركت لأبيها ولكنها محررة، غير أنا نتساهم عليها فمن خرج سهمه فهو أحق بها، فقرعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ يعني أيهم يقبضها فقرعهم زكريا.

وكانت قرعة أقلامهم أنهم جمعوها في موضع ثم غطوها فقالوا لبعض خدم بيت المقدس من الغلمان الذين لم يبلغوا الحلم: أدخل يدك فأخرج قلماً منها، فأدخل يده فأخرج قلم زكريا فقالوا: لا نرضى ولكن نلقي الأقلام في الماء فمن خرج قلمه في جرية الماء ثم ارتفع فهو يكلفها.

فألقوا أقلامهم في نهر الأردن، فارتفع قلم زكريا في جرية الماء فقالوا: نقترع الثالثة فمن جرى قلمه مع الماء فهو يكلفها.

فألقوا أقلامهم، فجرى قلم زكريا مع الماء، وارتفعت أقلامهم في جرية الماء وقبضها عند ذلك زكريا.

فذلك قوله: ﴿ وكفلها زكريا ﴾ يعني قبضها ثم قال: ﴿ فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ يعني رباها تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها حتى ترعرعت، وبنى لها زكريا محراباً في بيت المقدس، وجعل له بابه في وسط الحائط لا يصعد إليها إلا بسلم.

وكان استأجر لها ظِئْراً، فلما تم لها حولان فطمت وتحركت، فكان يغلق عليها الباب والمفتاح معه لا يأمن عليه أحداً، لا يأتيها بما يصلحها أحد غيره حتى بلغت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن عكرمة قال: اسم أم مريم حنة.

وأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: حنة ولدت مريم أم عيسى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ نذرت لك ما في بطني محرراً ﴾ قال: كانت نذرت أي تجعله في الكنيسة يتعبد بها، وكانت ترجو أن يكون ذكراً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: نذرت أي تجعله محرراً للعبادة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ محرراً ﴾ قال: خادماً للبيعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد في قوله: ﴿ محرراً ﴾ قال: خالصاً لا يخالطه شيء من أمر الدنيا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كانت امرأة عمران حررت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحررون الذكور، وكان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها، وكانت المرأة لا تستطيع أن تصنع بها ذلك لما يصيبها من الأذى، فعند ذلك قالت ﴿ وليس الذكر كالأنثى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ محرراً ﴾ قال: جعلته لله والكنيسة فلا يحال بينه وبين العبادة.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كانت المرأة في زمان بني إسرائيل إذا ولدت غلاماً أرضعته حتى إذا أطاق الخدمة دفعته إلى الذين يدرسون الكتب، فقالت: هذا محرر لكم يخدمكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: إن امرأة عمران كانت عجوزاً عاقراً تسمى، حنة، وكانت لا تلد، فجعلت تغبط النساء لأولادهن فقالت: اللهم إن عليَّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدامه ﴿ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى...

وليس الذكر كالأنثى ﴾ يعني في المحيض ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال، ثم خرجت أم مريم تحملها في خرقتها إلى بني الكاهن ابن هارون أخي موسى قال: وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فإني حررتها وهي ابنتي ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي فقالوا: هذه ابنة إمامنا وكان عمران يؤمهم في الصلاة فقال زكريا: ادفعوها إليَّ فإن خالتها تحتي فقالوا: لا تطيب أنفسنا بذلك.

فذلك حين اقترعوا عليها بالأقلام التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ برفع التاء.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه كان يقرؤها برفع التاء.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن سفيان بن حسين ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ قال: على وجه الشكاية إلى الرب تبارك وتعالى.

وأخرج عبد بن حميد عن الأسود أنه كان يقرؤها ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ بنصب العين.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يقرؤها ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ بنصب العين.

أما قوله تعالى: ﴿ وإني أعيذها ﴾ الآية.

أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وأبي المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» ثم قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود من ولد آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل الصبي، إلا ما كان من مريم بنت عمران وولدها، فإن أمها قالت حين وضعتها ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ فضرب بينهما حجاب، فطعن في الحجاب» وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ومريم.

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: ما ولد مولود إلا قد استهل غير المسيح ابن مريم لم يسلط عليه الشيطان ولم ينهزه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن وهب بن منبه قال: لما ولد عيسى عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها فقال: هذا حدث مكانكم.

فطار حتى جاب خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يقدر على شيء، ثم طار أيضاً فوجد عيسى عليه السلام قد ولد عند مدود حمار، وإذا الملائكة قد حفَّت حوله، فرجع إليهم فقال إليهم فقال: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا.

فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ قال: «ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل بني آدم طعن الشيطان في جنبه إلا عيسى ابن مريم وأمه، جعل بينهما وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء.

وذكر لنا أنهما كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبه سائر بني آدم.

وذكر لنا أن عيسى عليه السلام كان يمشي على البحر كما يمشي على البر، مما أعطاه الله من اليقين والإِخلاص» .

وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل آدمي طعن الشيطان في جنبه غير عيسى وأمه كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبها بنو آدم قال: وقال عيسى عليه السلام فيما يثني على ربه: وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن له علينا سبيل» .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: لولا أنها قالت ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ إذن لم تكن لها ذرية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾ قال أبو إسحاق (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله: ﴿ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾ فيه قولان: أحدهما: بعضها من ولد بعض؛ لأنَّ الجميع (٦) (٧) الثاني: (بعضها [من بعض)] (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) فقوله: ﴿ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾ ، أي: هم على غير صفة الكافرين؛ لأنهم إخوان متوالون (١٣) ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ ؛ أي: بعضهم يُلابس (١٤) (١٥) (١٦) فَقلتُ ما أنا مِمَّن لا يُواصِلُنِي ...

ولا ثَوائِيَ (١٧) (١٨) أي: لا [أُلابس مَنْ لا] (١٩) والعرب تقول: (هو مِنْ بني فلان)؛ إذا كان يواليهم ويُلابسهم، وإن لم يكن من نسلهم.

وهذا القول يُحكى معناه عن أبي رَوْق (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس (٢١) (٢٢) ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ﴾ ، الآيات إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، ويريد: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لقولكم الذي تقولون: إنكم من ولد إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ومن آل عمران.

وإنَّما فضَّلت أولئك، ورفعتهم واصطفيتهم؛ بطاعتهم، ولو عصوني، لأنزلتهم منازل العاصين.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما في قلوبكم من تكذيب محمد، وعصيانه، بعد إقراركم بالتوراة، وتصديقكم بما فيها من صفته.

وذكر أهل المعاني في هذا قولين آخرين: أحدهما: أنَّ المعنى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لما تقوله (الذرية) المصطفاة ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما تضمره (٢٣) (٢٤) القول الثاني: أنَّ هذه الآية تتصل بما بعدها، تقديرها: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لما تقوله امرأة عمران، ﴿ عَلِيُمٌ ﴾ بما تضمره، إذْ قالتْ: ﴿ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ  ﴾ ، الآية، وفيه إشارة إلى أنه لا يضيع لها شيء من جزاء عملها (٢٥) (١) في "معاني القرآن" له 1/ 399.

(٢) والمُبدَل منه، فيه ثلاثة أقوال: قيل: مُبدَل من (آدم).

ولم يرتض هذا العكبري، قائلا: (لأنه ليس بذرية).

وقيل: مبدل من (نوح).

وإليه ذهب العكبري.

وقيل: مبدل من (آل إبراهيم وآل عمران).

وبه قال الزمخشري.

انظر: "الكشاف" 1/ 424، "التبيان" للعكبري: 1/ 184.

(٣) في (ب): (وجاز)، وفي "معاني القرآن" (وجائزًا).

(٤) في (ج): (ينصب)، وهكذا هي في "معاني القرآن".

(٥) وجوز الهمداني رفعها، على تقدير: تلك ذرية.

انظر: "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 563.

(٦) في (ب): (الأول).

(٧) أورد هذا القول الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 386، وعزاه لبعض المتأخرين دون أن يُعيِّنْ، وأورده ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 375 وقال: (ذكره بعض أهل التفسير).

(٨) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.

(٩) في (ب): (التباصر).

(١٠) وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة.

انظر المصادر السابقة (١١) في (ب): (توافي).

(١٢) (ألا تراه): ساقط من (ج).

(١٣) في (ب): (لما يتوالون)، بدلًا من إخوان متوالون.

(١٤) أي: يخالط، وقد سبق بيانها.

(١٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، والمثبت من بقية النسخ.

(١٦) هو: أبو جندل، عبيد بن حُصين بن معاوية النُّمَيْري، تقدم 2/ 318.

انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 502، "الشعر والشعراء" ص 265، "شرح شواهد المغني" 1/ 336.

(١٧) في (ب): (رأي).

(أ)، (ج) ثواي.

والمثبت من: الديوان، ومصادر البيت.

(١٨) الييت في: "ديوانه" 197.

وقد ورد منسوبًا له في "الحجة" للفارسي 1/ 173، إلا أنه لم يجزم بنسبته إليه، بل قال: (أظنه الراعي).

و"أساس البلاغة" 1/ 388، و"المقاصد النحوية" للعيني 2/ 336.

وورد في "المقاصد النحوية" (يوافقني) بدلًا من: (يواصلني)، وورد في "أساس البلاغة" (وما) بدلًا من: (ولا).

وورد في الديوان، وبقية المصادر: (أرتحل) بدلًا من: (أحتمل).

(١٩) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (أنا ممن لا)، والمثبت من: (ج)، (د)، لأنها أقرب لما ذكره المؤلف من قبل.

(٢٠) الذي في "تفسير الثعلبي" 3/ 38 أ: (وقال أبو روق: بعضها على دين بعض).

وأبو رَوْق، هو: عَطِيّة بن الحارث الهَمْداني الكوفي تقدم.

(٢١) لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية عنه من طريق عطاء، والذي عثرت عليه هو ما سبق من رواية أبي صالح عنه في هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ﴾ ، آية: 31، وقد سبق الكلام على هذه الرواية.

(٢٢) في (ب): (وأما).

(٢٣) والذُرِّيَّة: تأتي مذكرًا ومؤنثًا ومفردًا وجمعًا، ولذا جاء هنا تذكير الضمائر.

انظر تفسير قوله تعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا ﴾ من آية: 38.

من هذه السورة.

(٢٤) لم أهتد إلى قائل هذا القول ولكن ورد مثل هذا القول في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 636 عن ابن إسحاق، حيث قال: (أي: سميع لما يقولون، ..

عليم بما يخفون).

(٢٥) وهذا قول الطبري في "تفسيره" 3/ 235.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الله اصطفى ﴾ الآية: لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران أخذ يبين لهم ما اختلفوا فيه، وأشكل عليهم من أمر عيسى عليه السلام، وكيفية ولادته وبدأ بذكر آدم ونوح عليهما السلام تكميلاً للأمر لأنهما أبوان لجميع الأنبياء، ثم ذكر إبراهيم تدريجاً إلى ذكر عمران والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: إنّ عمران هنا هو والد موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، والأظهر أن المراد هنا والد مريم، لذكر قصتها بعد ذلك ﴿ وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ ﴾ يحتمل أن يريد بآل: القرابة، أو الأتباع، وعلى الوجهين؛ يدخل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في آل إبراهيم ﴿ ذُرِّيَّةً ﴾ بدل مما تقدم أو حال ووزنه فعليه منسوب إلى الذر أي النمل.

لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، ﴿ إِذْ قَالَتِ ﴾ العامل فيه محذوف تقديره: اذكروا، وقيل: عليم، وقال الزجّاج: العامل فيه معنى الاصطفاء ﴿ امرأت عِمْرَانَ ﴾ اسمها حنة بالنون، وهي أم مريم، وعمران هذا هو والد مريم ﴿ نَذَرْتُ ﴾ أي: جعلت نذراً عليّ أن يكون هذا الولد في بطني حبساً على خدمة بيتك، وهو بيت المقدس ﴿ مُحَرَّراً ﴾ أي عتيقاً من كل شغل إلاّ خدمة المسجد ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ الآية.

كانوا لا يحررون الإناث للقيام بخدمة المساجد، فقالت: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى ﴾ تحسراً وتلهفاً على ما فاتها من النذر الذي نذرت ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ قرئ وضعت بإسكان التاء وهو من كلام الله تعظيماً لوضعها وقرئ بضم التاء وإسكان العين وهو على هذا من كلامهما ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الله، فالمعنى ليس الذكر كالأنثى في خدمة المساجد؛ لأن الذكور كانوا يخدمونها دون الأناث ﴿ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ إنما قالت لربها سميتها مريم؛ لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقرب إلى الله، ويؤخذ من هذا تسمية المولود يوم ولادته، وامتنع مريم من الصرف للتعريف والتأنيث، وفيه أيضاً العجمة ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ ورد في الحديث: «ما من مولود إلاّ نخسة الشيطان يوم ولد فيستهل صارخاً إلاّ مريم وابنها» ، لقوله: ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ : الآية ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا ﴾ أي رضيها للمسجد مكان الذكر ﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مصدراً على غير المصدر، والآخر: أن يكون اسماً لما يقبل به كالسعوط اسم لما يسعط به ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾ عبارة عن حسن النشأة ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ أي ضمها إلى إنفاقه وحضانته، والكافل هو الحاضن، وكان زكريا زوج خالتها، وقرئ كفلها بتشديد الفاء، ونصب زكريا: أي جعله الله كافلها ﴿ المحراب ﴾ في اللغة: أشرف المجالس، وبذلك سمي موضع العبادة ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ويقال: إنها لم ترضع ثدياً قط، وكان الله يرزقها ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ إشارة إلى مكان أي: كيف ومن أين؟

﴿ إِنَّ الله يَرْزُقُ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام مريم أو من كلام الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الحي من الميت والميت من الحي ﴾ بالتشديد على "فيعل" حيث كان: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون بالتخفيف على "فيل".

﴿ منهم تقية ﴾ بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها: أبو زيد عن المفضل وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ تقاة ﴾ بضم التاء.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة.

الوقوف: ﴿ ممن تشاء ﴾ ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما ﴿ ونذل من تشاء ﴾ ط ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ في الليل ﴾ ز للفصل بين الجملتين المتضادتين ﴿ من الحي ﴾ ز لعطف المتفقتين ﴿ حساب ﴾ ه، ﴿ المؤمنين ﴾ ج ﴿ تقاة ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ محضرا ﴾ ج والأجوز أن يوقف على ﴿ سوء ﴾ تقديره وما عملت من سوء كذلك.

﴿ بعيداً ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ ذنوبكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والرسول ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ العالمين ﴾ (لا) لأن ﴿ ذرّية ﴾ بدل.

﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ (لا) لاحتمال أن "إذ" متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب "إذ" بإضمار "اذكر".

/التفسير: إنه  لما ذكر من طريقة المعاندين ما ذكر، علم نبيه  طريقة مباينة لطريقتهم من كيفية التمجيد والتعظيم فقال: ﴿ قل اللهم ﴾ ومعناه عند سيبويه يا الله والميم المشددة عوض عن الياء.

وإنما أخرت تبركاً باسم الله  وهذا من خصائص اسم الله.

كما اختص بدخول تاء القسم، وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزته في يا الله.

وعند الكوفيين أصله يا الله أمنا بخير أي أقصدنا، فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء.

وخففت الهمزة من أمّ.

وزيف بأن التقدير لو كان كذلك لزم أن يذكر الدعاء بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا.

ولجاز أن يتكلم به على أصله من غير تخفيف الهمزة وبإثبات حرف النداء وأجيب بأنه إنما لم يوسط العاطف لئلا يصير السؤال سؤالين ضرورة مغايرة المعطوف للمعطوف عليه بخلاف ما لو جعل الثاني تفسيراً للأول فيكون آكد.

وبأن الأصل كثيراً ما يصير متروكاً مثل: ما أكرمه فإنه لا يقال: شيء ما أكرمه في التعجب.

﴿ ومالك الملك ﴾ نداء مستأنف عند سيبويه.

فإن النداء باللهم لا يوصف كما لا توصف أخواته من الأسماء المختصة بالنداء نحو: يا هناه ويا نومان ويا ملكعان وفل.

وأجاز المبرد نصبه على النعت كما جاز في "يا ألله".

عن ابن عباس وأنس بن مالك "أن رسول الله  حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟

هم أعز وأمنع من ذلك" فنزلت الآية.

وعن عمرو بن عون "أن رسول الله  لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله  ، يخبره  ، فأخذ المعول من سلمان فضربها  ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كالمصباح في جوف بيت مظلم، وكبر  وكبر المسلمون وقال  : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال  : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب  الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا.

فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا" فنزلت.

وقال الحسن: إن الله  أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما.

وأمره بذلك دليل على أن يستجيب له  هذا الدعاء وهكذا منازل الأنبياء إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم.

﴿ مالك الملك ﴾ أي تملك جنس الملاك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وفيه أن قدرة الخلق في كل ما يقدرون عليه ليست إلا بأقدار / الله  .

ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله: ﴿ تؤتى الملك من تشاء ﴾ أي النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك.

فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل.

وهذا الملك قيل: ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق.

والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من أرادوا من المتمردين.

ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشراً ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً  ﴾ ومن المجوّزين من كان يقول إن محمداً  فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم؟

﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ وكانت اليهود تقول: النبوة في أسلافنا فنحن أحق بها.

وقد روينا في تفسير قوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون  ﴾ أن اليهود تكبروا على النبي  بكثرة عددهم وعددهم فرد الله  على جميع هؤلاء الطوائف بأنه  مالك الملك يؤتي الملك - وهو النبوة - من يشاء، وينزع الملك - النبوة - ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء كقوله: ﴿ الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط.

ومثله ﴿ أو لتعودنّ في ملتنا  ﴾ مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود إليها.

وقيل: المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال بأنواعه وعلى الجاه، وهو أن يكون مهيباً عند الناس وجيهاً غالباً مظفراً مطاعاً.

ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء الله  .

فكم من عاقل قليل المال، ورب جاهل غافل رخي البال، وقد رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولاً، فعلمنا أن الكل بإيتاء الله  سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور، لأن حصول الملك للجائر إن لم يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له.

فلم يبق إلا أن يكون من مسبب الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور.

لو كان بالحيل الغنى لوجدتني *** بتخوم أقطار السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حرم الغنى *** ضدان مفترقان أيّ تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك.

والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك.

في بعض الكتب "أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة.

وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم" وهذا كقوله  "كما تكونوا يولى عليكم" والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص ﴿ وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴾ كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق، وكل ذلك بتيسير الله  وتقديره ﴿ بيدك الخير ﴾ أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء.

وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر والنفع والضرّ، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، أو لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم تفصيلها فكلها خير، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر فاكتفى بالأول عن الثاني.

وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا بالتضمن في قوله: ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ ولأن الخير يصدر عن الحكم بالذات والشر بالعرض فاقتصر على الخير.

﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ وذلك بأن يجعل الليل قصيراً ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس.

ففي كل منهما قوام العالم ونظامه.

أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوأه.

فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه ﴿ وتخرج الحي من الميت ﴾ المؤمن من الكافر ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ أي كافراً فهديناه، أو الطيب من الخبيث، أو الحيوان من النطفة، أو الطير من البيضة وبالعكس.

والنطفة تسمى ميتاً ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاًَ فأحياكم  ﴾ أو يخرج السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة وبالعكس.

فإخراج النبات من الأرض يسمى إحياء ﴿ يحيي الأرض بعد موتها  ﴾ ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ تقدم مثله في البقرة.

وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم / ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم.

ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر الله أردفه بشريطة الشفقة على خلق الله، أو نقول: لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة والذلة والخير كله.

بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين ﴾ بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين.

قال الزجاج: ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ.

والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر.

وقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين.

عن ابن عباس قال: "كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلا كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم.

فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود.

فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم" فنزلت هذه الآية.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك: "نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود.

فلما خرج النبي  يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو" فنزلت.

وقال الكلبي: نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله  فأنزل الله  هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.

وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم  ﴾ ﴿ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء  ﴾ ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله  ﴾ وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال: ﴿ من يفعل ذلك فليس من الله ﴾ أي من ولايته أو من دينه ﴿ في شيء ﴾ يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال: تود عدوّي ثم تزعم أنني *** صديقك ليس النوك عنك بعازب قال بعض الحكماء: هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدوّ مشفقاً على العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ قال الجوهري: يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث.

فالتقاة اسم وضع موضع المصدر.

قال الواحدي: ويجوز أن يجعل "تقاة" ههنا مثل "دعاة" و "رماة" فيكون حالاً مؤكدة، وعلى هذين الوجهين يكون تتقوا مضمناً معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي بـ"من".

ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل: ضرب الأمير لمضروبه، فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه.

رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى  : كن وسطاً وامش جانباً أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله.

وللتقية عند العلماء أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب.

ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما "روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله  فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

قال: نعم.

قال: أتشهد أني رسول الله؟

قال: نعم.

- وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

فقال: نعم نعم نعم.

فقال: أتشهد أني رسول الله؟

فقال: إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله.

فبلغ ذلك رسول الله  : فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه" .

ونظير هذه الآية ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة.

وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز ألبتة.

ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافر محاماة على النفس.

ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله  : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه" و "من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على / التيمم إذا بيع الماء بالغبن.

قال مجاهد: كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين.

وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة.

وهذا أرجح عند الأئمة.

﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ قيل: أي عقاب نفسه.

وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب.

وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره.

وقيل: الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل.

ثم حذر عن جعل الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية فقال: ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ أي قلوبكم وضمائركم لأن القلب في الصدر فجاز إقامة الظرف مقام المظروف ﴿ أو تبدوه يعلمه الله ﴾ يتعلق به علمه الأزلي.

ثم استأنف بياناً أشفى وتحذيراً أوفى فقال: ﴿ ويعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ ثم قال إتماماً للتحذير ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ ثم خلط الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب فقال: ﴿ يوم تجد ﴾ وفي عامله وجوه قال ابن الأنباري: وإلى الله المصير يوم تجد.

وقيل: والله على كل شيء قدير يوم تجد، وخص ذلك اليوم بالذكر وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله  تعظيماً لشأنه مثل ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ وقيل: انتصابه بمضمر أي اذكر.

والأظهر أن العامل فيه ﴿ تود ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ لليوم أي تود كل نفس يوم تجد ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء محضراً أيضاً لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً.

والأمد الغاية التي ينتهي إليها مكاناً كانت أو زماناً.

والمقصود تمني بعده كقوله: ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين  ﴾ ومعنى كون العمل محضراً هو أن يكون ما كتب فيه العمل من الصحائف حاضراً، أو يكون جزاؤه حاضراً إذ العمل عرض لا يبقى.

ثم إن لم يكن يوم متعلقاً بـ ﴿ تود ﴾ احتمل أن يكون ﴿ تود ﴾ صفة ﴿ سوء ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ يعود إليه، واحتمل أن يكون حالاً، واحتمل أن يكون ﴿ ما عملت ﴾ مبتدأ من الصلة والموصول و ﴿ تود ﴾ خبره وهو الأكثر، واحتمل أن يكون "ما" شرطية و ﴿ تود ﴾ جزاء له وهو قليل كقوله: وإن أتاه خليل يوم مسغبة *** يقول لا غائب ما لي ولا حرم وقراءة عبد الله ﴿ ودت ﴾ يحتملها على السواء إلا أن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ تأكيد للوعيد ﴿ والله رؤوف بالعباد ﴾ قال الحسن: ومن رأفته أن حذرهم نفسه وعرّفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه.

ويجوز أن يراد أنه / رؤوف بهم حيث أمهلهم للتوبة والتلافي، أو هو وعد كما أن التحذير وعيد، أو المراد بالعباد عباده المخلصون كقوله: ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ كما هو منتقم من الفساق ومحذرهم نفسه فهو رؤوف بالعباد المطيعين والمحسنين.

ثم إنه  دعا القوم إلى الإيمان به ورسوله من طريق آخر سوى طريق التهديد والتحذير فقال: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله  أنهم يحبون الله فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله هذه الآية.

وروى الضحاك عن ابن عباس قال: "وقف النبي  على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ولقد كانا على الإسلام.

فقالت قريش: يا محمد إنا نعبد هذه حباً لله ليقربونا إلى الله زلفى" .

فأنزل الله ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت حين زعمت اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه.

وقيل: نزلت في نصارى نجران زعموا أنهم يعظمون المسيح ويعبدونه حباً لله وتعظيماً له.

والحاصل أن كل من يدعي محبة الله  من فرق العقلاء فلا بد أن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، فإذا قامت الدلائل العقلية والمعجزات الحسية على نبوة محمد  وجبت متابعته.

فليس في متابعته إلا أنه يدعوهم إلى طاعة الله وتعظيمه وترك تعظيم غيره.

فمن أحب الله كان راغباً فيه لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض بالكلية عن غيره، وقد مر في تفسير قوله: ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله  ﴾ تحقيق المحبة وأنها من الله  عبارة عن إعطاء الثواب.

وقال: ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ ليدل مع إيفاء الثواب على إزالة العقاب وهذه غاية ما يطلبه كل عاقل.

﴿ والله غفور ﴾ في الدنيا يستر على عبده أنواع المعاصي ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة يثيبه على مثقال الذرة من الطاعة والحسنة.

يروى أنه لما نزل ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ قال عبد الله بن أبيّ إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزلت ﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ وذلك أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ثم إن المنافق ألقى شبهة في البين أمره الله  أن يقول: إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا لما يقوله النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ومبلغ تكاليفه ﴿ فإن تولوا ﴾ أعرضوا أو تعرضوا على أن يكون التاء الأولى محذوفة ويدخل في جملة ما يقوله الرسول لهم، فإنه لا يحصل للكافرين محبة الله لأنها عبارة عن الثناء لهم وإيصال الثواب إليهم، والكافر يستحق الذم واللعن وهذا ضد المحبة.

ثم إنه  لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن / علو درجات الرسل وسموّ طبقاتهم فقال: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ الآية أي جعلهم صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة كقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وقيل: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار.

وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية.

أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة.

أما المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة فقوله  " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " وقوله: " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم  ﴿ وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات والأرض  ﴾ ذكروا في تفسيره أن الله تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد، فإنه يروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام.

ويقال: إن النسر وغيره من عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ.

وقال  : " أطت السماء وحق لها أن تئط " فسمع أطيط السماء.

ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك.

وقد سمع سليمان كلام النمل وفهمه.

ومثله ما يروى أن النبي  تكلم مع الذئب ومع البعير، وقد وجد يعقوب  ريح يوسف من مسيرة أيام.

وقال  " إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم" وهو دليل كمال قوة الذوق.

وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قيل: وهو دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر، إذ لا إدراك ههنا فكيف يستدل به على قوة الإدراك؟

بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه  لا يبعد أن يجعل المنافي ملائماً للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى يصير ملائماً.

وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال  : ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ ومنها قوة الذكاء قال علي رضي / الله عنه: علمني رسول الله  ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب.

وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي؟

وأما القوة المحركة فكعروج النبي  وعروج عيسى  إلى السماء، وكرفع إدريس وإلياس على ما ورد في الأخبار.

وأما القوة الروحانية العقلية فنقول: إن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، أو كالمخالفة صفاء ونورية وانجذاباً إلى عالم الأرواح، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من المبادىء العالية أتم من سائر النفوس وأكمل، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على العالمين من جميع سكان الأرضين عند من يقول الملك أفضل من البشر، أو من سكان السموات أيضاً عند من يرى البشر أفضل المخلوقات.

ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصفطاء آدم صفي الله وخليفته.

ثم إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم: شيث وأولاده إلى إدريس، ثم إلى نوح ثم إلى إبرهيم ثم انشعب من إبراهيم  شعبتان: إسماعيل وإسحق.

فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد  ، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص.

فوضع النبوة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيص، واستمر ذلك إلى زمان محمد  .

فلما ظهر محمد  نقل نور النبوة ونور الملك إليه  وبقي الدين والملك في أمته  إلى يوم القيامة، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب بقوله: ﴿ ومن ذريتي  ﴾ بعد قوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وأما آل عمران فقيل: أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون.

وقيل: المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه ﴿ إذ قالت امرأة عمران  ﴾ ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل الأم، ولأن الكلام سيق للنصارى الذين يحتجون على إلهية عيسى  بالخوارق التي ظهرت على يده.

فالله  يقول: إن ذلك باصطفاء الله إياه لا لكونه شريكاً للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله  : ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ .

﴿ ذرية ﴾ بدل ممن سوى آدم ﴿ بعضها من بعض ﴾ قيل: أي في التوحيد والإخلاص والطاعة كقوله: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض  ﴾ وذلك لاشتراكهم في النفاق.

وقيل: معناه أن غير آدم كانوا متوالدين من آدم.

وقيل: يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحق.

وكذلك عيسى من مريم، ومريم بنت عمران بن ماثان.

ثم قال في الكشاف: ماثان بن سليمان بن داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق وفيه نظر، لأن بين ماثان وسليمان قوماً آخرين، وكذلك بين ايشا ويهوذا.

﴿ والله / سميع ﴾ لأقوال العباد ﴿ عليم ﴾ بضمائرهم وأفعالهم فيصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً.

ويحتمل أن يكون الكلام مع اليهود والنصارى الذين كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تغريراً للعوام مع علمهم ببطلان هذا الكلام، فيكون أول الكلام تشريفاً للمرسلين وآخره تهديداً للمبطلين كأنه قيل: والله سميع لأقوالهم الباطلة، عليم بأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بحسب ذلك.

ويحتمل أن يتعلق بما بعده كما في الوقوف.

التأويل: مالك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعداً للبقاء كالملائكة والإنسان، توجد بعضها قابلاً للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان.

﴿ وتعز من تشاء ﴾ بعزة الوجود النوري، ﴿ وتذل من تشاء ﴾ بذل القبض القهري، بيدك الخير.

﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير.

تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية.

لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس.

فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات.

﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ أي من صفات قهره ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس ﴿ ويعلم ما في السموات ﴾ قلوبكم ﴿ وما في الأرض ﴾ نفوسكم ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت ﴾ أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول.

واعلم أن للاتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الاتباع ثلاث درجات.

أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله  ، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله.

وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وهذا حب / يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب: وما أنا بالباغي على الحب رشوة *** ضعيف هوى يرجى عليه ثواب والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاماً وإجلالاً له، ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة: أحبك حبين حب الهوى *** وحب لأنك أهل لذاكا ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال: سأعبد الله لا أرجو مثوبته *** لكن تعبد إعظام وإجلال والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلهية في مكان من "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، غذينا بالمحبة يوم قالت *** له الدنيا أتينا طائعينا وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو.

وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر.

وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله  من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله.

قرأ القارى بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فقال: بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه.

والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه.

والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف" فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله: "فخلقت الخلق لأعرف" لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ بالأعمال الصالحة ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بالرحمة ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف / المتابعة.

وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم: ﴿ فاتبعوني ﴾ بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته.

وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ ببذل الوجود ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بجذبكم إلى نفسه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال: "فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً" فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً.

﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم.

﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ وذلك أن الله  خلق العالمين سبعة أنواع: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله  "وإن الله خلق آدم على صورته" ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي ﴿ بعضها من بعض ﴾ بالوراثة الدينية " "العلماء ورثة الأنبياء" فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة ﴿ والله سميع ﴾ لدعائهم ﴿ عليم ﴾ بأحوالهم وخصالهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ ﴾ : اختلف فيه؛ قيل: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً ﴾ ومن ذكر لرسالته ولنبوته.

وقيل: اختارهم لدينه، وهو الإسلام.

وقيل: اختارهم في النية والعمل الصالح والإخلاص لله.

قال الشيخ - رحمه الله -: الاصطفاء: أن يجعلهم أصفياء من غير تكدر بالدنيا، وغيرهم اختيارهم لأمرين: لأمر الآخرة، ولأمر المعاش؛ ألا ترى إلى قوله: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ؛ نَمُوتُ مَوْتَ العَبْدِ لِسَيِّدِه" وقال الشيخ [رحمه الله] أيضاً في قوله: إن الله اصطفى من ذكر: فهو - والله أعلم - ذكر الله أولياءه وأهل صفوته، ثم أعداءه وأهل الشقاء؛ ترغيباً فيما استوجبوا الصفوة؛ وتحذيراً عما به صاروا أهل الشقاء؛ إذ هما أمران يتولّدان عن اختيار البشر، ويقومان بأسبابهما أهل المحن، لا بنفس الخلقة والجوهر؛ فصار الذكر للمعنى الذي ذكرت؛ وعلى [ذلك وجه ذكر] عواقب الفريقين في الدنيا، وما إليه يصير أمرهم في المعاد؛ وعلى هذا ما ضرب الله من الأمثال بأنواع الجواهر الطيبة والخبيثة في العقول والطبائع ترغيباً وترهيباً؛ وعلى هذا جميع أمور الدنيا، أنها كلها عبر ومواعظ، وإن كان فيها شهوات ولذات، وآلام وأوجاع؛ ليعلم أنها خلقت لا لها لكن لأمر عظيم، كان ذلك هو المقصود من مدبر العلم [أن] بالعواقب يذم أهل الاختبار ويحمدون؛ فجعل الله عواقب الحكماء وأهل الإحسان حميدة لذيذة؛ ترغيباً فيها، وعواقب السفهاء وأهل الإساءة دميمة وجيفة؛ تزهيداً فيها؛ فخرج جميع فعل الله على الحكمة والإحسان، وإن كانت مختلفة في اللذة والكراهة؛ لأنه كذلك طريق الحكمة في الجزاء، وفي ابتداء المحنة، إلا أن المحنة تكون مختلفة، والجزاء نوع لما هو كذلك في الحكمة والإحسان؛ إذ كذلك سبق من أهله الاختيار والجزاء على ما اختاره من له وعليه حكمه وإحسان؛ أعني: بالإحسان فيما يجوز الامتحان بلا جزاء بحق الشكر لما أولى وأبلى، والحكمة فيما كان لازماً ذلك في التدبير، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ : قيل: بعضها من بعض في النسب من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم، عليهم السلام.

وقيل: بعضهم من ذرية بعض.

وقيل: بعضهم من جوهر بعض؛ فلا تتكبروا؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ  ﴾ منع الحرّ عن التعظيم على العبد.

واختلف في الذرية: قال بعضهم: "الذرية": الأولاد والآباء؛ كقوله: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ  ﴾ ، وكانوا الأولاد والآباء، والذريّة مأخوذة، وهو الخلقة.

وقيل: "الذرية": الأولاد خاصّة، يقال: ذرية فلان، إنما يراد، أولاده خاصّة؛ دليله قوله: ﴿ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .

واختلف في الآل؛ قيل: آل الرجل: المتصلون به.

وقيل: آل الرجل: أتباعه.

وقيل: أقرباؤه.

وروى [أن النبي]  قال: "كُلُّ تَقِيٍّ فَهُوَ مِنْ آلِي".

وقيل: إن عمران من ولد سليمان بن داود.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ .

لما أخبر - عز وجل - أنه اصطفى آل عمران واختارهم على سائر العالمين، وكان أقل ما في صفوته واختياره أن جعلت امرأة عمران ما في بطنها محرّراً.

"والمحرّر": هو العتيق عن المعاش بالعبادة.

وقيل: "المحرّر" هو الذي يعبد الله -  - خالصاً مطيعاً، لا يشغله شيء عن عبادته، فارغاً لذلك، وهو قول ابن عباس -  .

وقيل: "المحرر" هو الذي يكون لله صافياً؟

وقيل: "المحرر" هو مَنْ خَدَمَ المسجد.

وقوله: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ .

جعلت ما في بطنها لله خالصاً، لم تطلب منه الاستئناس به، ولا ما يطمع الناس من أولادهم، وذلك من الصفوة التي ذكر - عز وجل - وهكذا الواجب على كل أحد أنه إذا طلب ولداً أن يطلب للوجه الذي طلبت امرأة عمران وزكريّا، حيث، قال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ، وما سأل إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا...

﴾ الآية [الفرقان: 74] هكذا الواجب أن يطلب الولد لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

أي: تقبل مني قرباني، ومنا جعلت لك خالصاً، إنك أنت السميع لنذري، العليم بقصدي في التحرير.

وقيل: ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ : المجيب لدعائي، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بنيتي.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ .

ومعنى قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ - مع علمها أن الله عالم بما في بطنها وبما وضعتها - وجهان: أحدهما: اعتذاراً لما لم يكن يُحَرَّر في ذلك الزمان إلى الذكور من الأولاد؛ فاعتذرت: إني ما وضعت لا يصلح للوجه الذي جعلت.

والثاني: أن الإنسان إذا رأى شيئاً عجيبا قد ينطق بذلك، وإن كان يعلم أن غيره علم ما علم هو، وأنه رأى مثل ما رأى هو.

أو يحتمل أن طلبت ردّها إلى منافعها إذا وضعت الأنثى؛ لما رأت الأنثى لا تصلح لذلك.

ويحتمل قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ : التعريض لإجابة الله -  - لها فيما قصدت من طاعته بالنذور إن لم تكن صلحت لما قصدت، وقد أجيبت في ذلك بقوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ نحو ما يتقبل لو كان ذكراً في الاختيار والإكرام، وجعلها خير نساء العالمين.

وقوله: ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ .

اختلف فيه: إن ذلك قولها، قالت: ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ على إثر قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ ؛ لما تحتاج الأنثى إلى فضل حفظ وتعاهد، والقيام بأسبابها ما لا يحتاج الذكر.

وقيل: إن ذلك قول قاله - عز وجل - لما قالت: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ ، جواباً لها، ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ فيما قصدت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ .

فيه دليل [على] أن تسمية الأولاد إلى الأمهات في الإناث دون الآباء، ثم التجأت إلى الله  ، حيث أعاذتها به - وذرّيتَها - من الشيطان الرجيم.

وفيه دلالة أن الذكور يكونون من ذرّية الإناث؛ لأنه لم يكن منها إلا عيسى،  .

وقوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ : أن أعاذها وذرّيتها من الشيطان الرجيم على ما سألت.

ويحتمل أن جعلها تصلح للتحرير ولما جعلت، وإن كانت أنثى.

وقوله: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾ .

يحتمل - أيضاً - نباتاً حسناً؛ أن لم يجعل للشيطان إليها سبيلاً.

ويحتمل أن ربّاها تربية حسنة؛ أن لم يجعل رزقها وكفايتها بيد أحد من الخلق؛ بل هو الذي يتولى ذلك لما يبعث إليها من ألوان الرزق، كقوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ .

فيه لغتان: إحداهما: بالتخفيف، والأخرى: بالتشديد؛ فمن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه ضمّها زكريّا إلى نفسه، ومن قرأ بالتشديد؛ فمعناه: أن الله - عز وجل - ضمّها إلى زكريا.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ .

قيل: وجد عندنا فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - قال زكريا: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: قيل: استخبار عن موضعه، أو كيف لك هذا، على الاستيصاف؛ إنكاراً عليها واتهاماً؛ لما لا يدخل عليها غيره، ولا يقوم بكفايتها سواه، فوقع في قلبه أن أحداً من البشر يأتيها بذلك.

وقيل: إنه قال ذلك؛ تعجباً منه لذلك لما رأى من الفاكهة والطعام في غير حينه غير متغير؛ فقال: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ ؛ تعجباً منه لذلك.

ثم قالت: ﴿ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

أي: يرزق من حيث لا يحستب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هؤلاء المذكورون من الأنبياء وذرياتهم المُتّبِعون لطريقتهم هم ذرية بعضها متسلسل من بعض في توحيد الله وعمل الصالحات، يتوارثون من بعضهم المكارم والفضائل، والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم؛ ولهذا يختار من يشاء منهم، ويصطفي منهم من يشاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.6W0VY"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ  ﴾ : يقال إن لفظ الذرية قد يطلق على الوالدين والأولاد خلافًا لعرف الفقهاء، وهو قليل، والمشهور ما جرى عليه الفقهاء وهو أن الذرية الأولاد فقط فقوله ﴿ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ  ﴾ ظاهر على الأول.

ويخص على الثاني بآل إبراهيم وآل عمران.

ويصح أن يكون بمعنى إنهم أشباه وأمثال في الخيرية والفضيلة التي هي أصل اصطفائهم على حد قوله تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ وهو استعمال معروف.

ورد ذكر عمران في الآيات مرتين، فبعضهم يقول إنهما واحد وهو أبو مريم ويستدل على ذلك بورودهما في سياق واحد، وأكثرهم يقول إن الأول أبو موسى والثاني أبو مريم وبينهما نحو ألف وثمانمائة سنة تقريبًا، وتفصيل ذلك معروف عند اليهود.

والمسيحيون لا يعترفون بأن أبا مريم يدعى عمران، ولا ضير في ذلك، فإنه لا يلزم أن تكون كل حقيقة معروفة عندهم وليس لهم سند لنسب المسيح يحتج به فهو كسلسلة الطريق عند المتصوفة يزعمون أنها متصلة بعلي أو بالصديق وليس لهم في ذلك سند متصل يحتج بمثله.

﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ  ﴾ : في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما واللفظ هنا لمسلم: "كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها".

وإذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة.

إن القرآن نزل سائغًا يسهل على كل أحد فهمه من غير حاجة إلى عناء ولا ذهاب في الدفاع عن شيء خلاف الظاهر فعلينا أن لا نخرج عنه سنّته ولا نضيف إليه حكايات إسرائيلية أو غير إسرائيلية لجعل هذه القصة من خوارق العادات، والبحث عن ذلك الرزق ما هو ومن أين جاء فضول لا يحتاج إليه لفهم المعنى ولا لمزيد العبرة، ولو علم الله أن في بيانه خيرًا لبينه.

أما ما سيقت القصة لأجله، وهو الذي يجب أن نبحث فيه، ونستخرج العبر من قوادمه وخوافيه، فهو تقرير نبوة النبي  ودحض شبه أهل الكتاب الذين احتكروا فضل الله وجعلوا خاصًا بشعب إسرائيل وشبهة المشركين الذين كانوا ينكرون نبوته لأنه بشر.

وبيان ذلك أن المقصد الأول من مقاصد الوحي هو تقرير عقيدة الألوهية وأهم مسائلها مسألة الوحدانية وتقرير عقيدة البعث والجزاء وعقيدة الوحي والأنبياء وقد افتتحت السورة بذكر التوحيد وإنزال الكتاب ثم كانت الآيات من أولها إلى هذه القصة أو قبيل هذه القصة في الألوهية والجزاء بعد البعث بالتفصيل وإزالة الشبهات والأوهام في ذلك، ثم بيّن أن الإيمان بالله وادعاء حبه ورجاء النجاة في الآخرة والفوز بالسعادة فيها إنما تكون باتباع رسوله وقفى على ذلك بهذه القصة التي تزيل شبه المشركين وأهل الكتاب في رسالته وتردها على وجودهم.

رد عليهم بما يعرفونه من أن أبو البشر، وأن الله اصطفاه بجعله أفضل من كل أنواع الحيوان، وتمكينه هو وذريته من تسخيرها، وهذا متفق عليه بين المشركين وأهل الكتاب، ومن اصطفاء نوح وجعله أبا البشر الثاني وجعل ذريته هم الباقين، ومن اصطفاء إبراهيم وآله على البشر فإن العرب وأهل الكتاب كانوا يعرفون ذلك، فالأولون يفخرون بأنهم ولد إسماعيل وعلى ملة إبراهيم كما يفخر الآخرون باصطفاء آل عمران من بني إسرائيل حفيد إبراهيم.

فالله  يرشد هؤلاء وأولئك وجميع البشر إلى أنه هو الذي اصطفى هؤلاء بغير مزية سبقت منهم ذلك وتوجبه عليه، فإذا كان الأمر له في اصطفاء من يشاء من عباده وبذلك اصطفى هؤلاء على عالمي زمانهم فما المانع له من اصطفاء محمد  بعد ذلك على العالمين كما اصطفى أولئك؟

لا مانع يمنع ذلك عند من يعقل.

فإن قيل: إنه لم يعهد أن بعث نبيًا من غير بني إسرائيل بعد وجودهم، قلنا: ولم اصطفى بني إسرائيل عند وجودهم؟

أليس ذلك بمحض مشيئته؟

بلى، وبمحض مشيئته اصطفى محمدًا  .

فهذه المثل مسوقة لبيان أنه تعالى يصطفي من خلقه من يشاء، أما الدليل على كونه شاء اصطفاءه فاصطفاه بالفعل فهو أنه اصطفاه بالفعل إذ جعله هاديًا للناس مخرجًا لهم من ظلمات الشرك والجهل والفساد إلى نور الحق الجامع للتوحيد والعلم والصلاح، ولم يكن أثر غيره من آل إبراهيم وآل عمران في الهداية بأظهر من أثره.

بل أثره أظهر، ونوره أسطع، صلى الله عليه وعلى كل عبد مصطفى.

وهذا بيان لوجه اتصال القصة بما قبلها من أول السورة.

ومن هذه المثل قصة مريم فإن أمها إذا كانت قد ولدتها وهي عاقر على خلاف المعهود كما نقل، أو يقال إذا كان قبول الأنثى محررة لخدمة بيت الله على خلاف المعهود عندهم وقد تقبله الله فلماذا لا يجوز أن يرسل الله محمدًا من غير بني إسرائيل على خلاف المعهود عندهم؟

ومثل هذا يقال في قصة زكريا  الآتية ومن ذلك كله يعلم أن أعماله لا تأتي دائمًا على ما يعهد الناس ويألفون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل