الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٤٤ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 137 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى لرسوله [ عليه أفضل الصلوات والسلام ] بعدما أطلعه على جلية الأمر : ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) أي : نقصه عليك ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) أي : ما كنت عندهم يا محمد فتخبرهم عنهم معاينة عما جرى ، بل أطلعك الله على ذلك كأنك كنت حاضرا وشاهدا لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها ، وذلك لرغبتهم في الأجر .
قال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن القاسم بن أبي بزة ، أنه أخبره عن عكرمة - وأبي بكر ، عن عكرمة - قال : ثم خرجت بها - يعني أم مريم بمريم - تحملها في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى ، عليهما السلام - قال : وهم يومئذ يلون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة - فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة فإني حررتها وهي ابنتي ، ولا تدخل الكنيسة حائض ، وأنا لا أردها إلى بيتي ؟
فقالوا هذه ابنة إمامنا - وكان عمران يؤمهم في الصلاة - وصاحب قرباننا ، فقال زكريا : ادفعوها إلي : فإن خالتها تحتي .
فقالوا : لا تطيب أنفسنا ، هي ابنة إمامنا فذلك حين اقترعوا بأقلامهم عليها التي يكتبون بها التوراة ، فقرعهم زكريا ، فكفلها وقد ذكر عكرمة أيضا ، والسدي ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وغير واحد - دخل حديث بعضهم في بعض - أنهم دخلوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم [ فيه ] فأيهم ثبت في جرية الماء فهو كافلها ، فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا ثبت .
ويقال : إنه ذهب صعدا يشق جرية الماء ، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم ، وعالمهم وإمامهم ونبيهم صلوات الله وسلامه عليه سائر النبيين والمرسلين .
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله ذلك: الأخبارَ التي أخبرَ بها عبادَه عن امرأة عمران وابنتها مريم، وزكريا وابنه يحيى، وسائر ما قصَّ في الآيات من قوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا ، ثم جمعَ جميعَ ذلك تعالى ذكره بقوله: " ذلك "، فقال: هذه الأنباء من " أنباء الغيب "، أي: من أخبار الغيب.
ويعني ب " الغيب "، أنها من خفيّ أخبار القوم التي لم تطَّلع أنت، يا محمد، عليها ولا قومك، ولم يعلمها إلا قليلٌ من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم.
ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه، حجةً على نبوته، وتحقيقًا لصدقه، وقطعًا منه به عذرَ منكري رسالته من كفار أهل الكتابين، الذين يعلمون أنّ محمدًا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها، ولم يدرك معرفتها مع خُمولها عند أهلها، إلا بإعلام الله ذلك إياه.
إذ كان معلومًا عندهم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم أميٌّ لا يكتب فيقرأ الكتب، فيصل إلى علم ذلك من &; 6-405 &; قِبَل الكتب، ولا صاحبَ أهل الكتُب فيأخذ علمه من قِبَلهم.
* * * وأما " الغيْب " فمصدر من قول القائل: " غاب فلان عن كذا فهو يَغيب عنه غيْبًا وَغيبةً".
(92) * * * وأما قوله: " نُوحيه إليك "، فإن تأويله: نُنَـزِّله إليك.
* * * وأصل " الإيحاء "، إلقاء الموحِي إلى الموحَى إليه.
وذلك قد يكون بكتاب وإشارة وإيماء، وبإلهام، وبرسالة، كما قال جل ثناؤه: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [سورة النحل: 68]، بمعنى: ألقى ذلك إليها فألهمها، وكما قال: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ [سورة المائدة: 111]، بمعنى: ألقيت إليهم علمَ ذلك إلهامًا، وكما قال الراجز: (93) * أَوْحَى لَهَا القَرَارَ فاسْتَقَرَّتِ * (94) بمعنى ألقى إليها ذلك أمرًا، وكما قال جل ثناؤه: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [سورة مريم: 11]، بمعنى: فألقى ذلك إليهم إيماء.
(95) والأصل &; 6-406 &; فيه ما وصفتُ، من إلقاء ذلك إليهم.
وقد يكون إلقاؤه ذلك إليهم إيماءً، ويكون بكتاب.
ومن ذلك قوله: (96) وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ [سورة الأنعام: 121]، يلقون إليهم ذلك وسوسةً، وقوله: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [سورة الأنعام: 19]، (97) ألقى إلي بمجيء جبريل عليه السلام به إليّ من عند الله عز وجل.
وأما " الوحْي"، فهو الواقع من الموحِي إلى الموحَى إليه، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب " وحيًا "، لأنه واقع فيما كُتِب ثابتٌ فيه، كما قال كعب بن زهير: أَتَـى العُجْـمَ والآفَـاقَ مِنْـهُ قَصَـائِدٌ بَقِيـنَ بَقَـاءَ الوَحْيِ فِي الحَجَرِ الأصَمّ (98) يعني به: الكتابَ الثابت في الحجر.
وقد يقال في الكتاب خاصةً، إذا كتبه الكاتب: " وحَى " بغير ألف، ومنه قول رؤبة: كَأَنَّـــهُ بَعْــدَ رِيَــاحِ تَدْهَمُــهْ وَمُرْثَعِنَّـــاتِ الدُّجُـــونِ تَثِمُــهْ إنْجِيلُ أَحْبَارٍ وَحَى مُنَمْنِمُهْ (99) * * * &; 6-407 &; القول في تأويل قوله : وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وما كنت لديهم "، وما كنت، يا محمد، عندهم فتعلم ما نعلِّمكه من أخبارهم التي لم تشهدها، ولكنك إنما تعلم ذلك فتدركُ معرفته، بتعريفناكَهُ.
* * * ومعنى قوله: " لديهم "، عندهم.
* * * ومعنى قوله: " إذ يلقون "، حينَ يلقون أقلامهم.
* * * وأما " أقلامهم "، فسهامهم التي استهم بها المتسهمون من بني إسرائيل على كفالة مريم، على ما قد بينا قبل في قوله: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا .
(100) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: 7052 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام بن عمرو، عن سعيد، عن قتادة في قوله: " وما كنت لديهم "، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.
7053 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، &; 6-408 &; عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يلقون أقلامهم "، زكريا وأصحابه، استهموا بأقلامهم على مريم حين دخلتْ عليهم.
7054 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7055 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون "، كانت مريم ابنة إمامهم وسيّدهم، فتشاحّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها، فقَرَعهم زكريا، وكان زوجَ أختها،" فكفَّلها زكريا "، يقول: ضمها إليه.
(101) 7056 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " يلقون أقلامهم "، قال: تساهموا على مريم أيُّهم يكفلها، فقرَعهم زكريا.
7057 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم "، وإنّ مريم لما وضعت في المسجد، اقترع عليها أهلُ المصلَّى وهم يكتبون الوَحْى، فاقترعوا بأقلامهم أيُّهم يكفُلها، فقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: " وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لدَيهم إذْ يختصمون ".
7058 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ، قال، أخبرنا عبيد &; 6-409 &; قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم "، اقترعوا بأقلامهم أيُّهم يكفل مريم، فقرَعهم زكريا.
7059 - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم "، قال: حيث اقترعوا على مريم، وكان غَيبًا عن محمد صلى الله عليه وسلم حين أخبرَه الله.
* * * وإنما قيل: " أيهم يكفل مريم "، لأن إلقاء المستهمين أقلامَهم على مريم، إنما كان لينظروا أيهم أولى بكفالتها وأحقّ.
ففي قوله عز وجل: " إذ يلقون أقلامهم "، دلالة على محذوف من الكلام، وهو: " لينظروا أيهم يكفل، وليتبيَّنوا ذلك ويعلموه ".
* * * فإن ظن ظانّ أنّ الواجب في" أيهم " النصبُ، إذ كان ذلك معناه، فقد ظن خطأ.
وذلك أن " النظر " و " التبين " و " العلم " مع " أيّ" يقتضي استفهامًا واستخبارًا، وحظ " أىّ" في الاستخبار، الابتداءُ وبطولُ عمل المسألة والاستخبار عنه.
وذلك أن معنى قول القائل: " لأنظُرَنّ أيهم قام "، لأستخبرنَ الناس: أيهم قام، وكذلك قولهم: " لأعلمن ".
* * * وقد دللنا فيما مضى قبل أن معنى " يكفل "، يضمُّ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(102) * * * &; 6-410 &; القول في تأويل قوله : وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما كنتَ، يا محمد، عند قوم مريم، إذ يختصمون فيها أيُّهم أحقّ بها وأولى.
وذلك من الله عز وجل، وإن كان خطابًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فتوبيخٌ منه عز وجل للمكذبين به من أهل الكتابين.
يقول: كيف يشكّ أهل الكفر بك منهم وأنت تنبئهم هذه الأنباءَ ولم تشهدْها، ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمورَ، ولست ممن قرأ الكتب فعَلِم نبأهم، ولا جالَس أهلها فسمع خبَرَهم؟
كما:- 7060 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " وما كنت لديهم إذ يختصمون "، أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها.
يخبره بخفيّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة عليهم لما يأتيهم به مما أخفوا منه.
(103) ----------------------- الهوامش : (92) انظر تفسير"الغيب" فيما سلف 1: 236 ، 237.
(93) هو العجاج.
(94) ديوانه 5 ، واللسان"وَحَى" ، وسيأتي في التفسير 4: 142 (بولاق) ، وغيرها.
ورواية ديوانه ، وإحدى روايتي اللسان"وحى" ثلاثيًا ، وقال: "أراد أوحى" ، إلا أن من لغة هذا الراجز إسقاط الهمزة مع الحرف" ، وانظر ما سيأتي في تفسير سورة مريم (16: 41 بولاق).
والبيت من رجز للعجاج يذكر فيه ربه ويثني عليه بآلائه ، أوله: الحَـــمْدُ لِلِــه الَّــذِي اسْــتَقَّلتِ بِإِذْنِـــه السَّـــماءُ, وَاطْمــأَنَّتِ بِإذْنِـــهِ الأَرْضُ ومــــا تَعَتَّــتِ وَحَــى لَهَــا القــرارَ فَاسْـتَقَرَّتِ وَشـــدَّهَا بِالرَّاسِـــيَاتِ الثَّبــتِ رَبُّ البِـــلادِ والعِبَـــادِ القُنَّــتِ (95) في المخطوطة والمطبوعة: "فألقى ذلك إليهم أيضًا" ، وهو خطأ بين ، والصواب ما أثبته ، وانظر ما سلف قريبًا في بيان قوله تعالى: "رمزًا" ، ص: 388 ، وما بعدها.
(96) في المخطوطة: "وذلك قوله" ، والصواب ما في المطبوعة.
(97) قوله: "لأنذركم به ومن بلغ" ، ليس في المخطوطة.
(98) ديوانه: 64 ، من قصيدة مضى منها بيت فيما سلف 1: 106 ، وهي قصيدة جيدة ، يرد فيها ما قاله فيه مزرد ، أخو الشماخ ، حين ذكر كعب الحطيئة في شعره وقدمه وقدم نفسه ، فغضب مزرد وهجاه ، فقال يفخر بأبيه ثم بنفسه ، بعد البيت السالف في الجزء الأول في التفسير: فَـإِنْ تَسْـأَلِ الأَقْـوَامَ عَنِّـي, فَــإِنَّنِي أَنَـا ابْنُ أبِي سُلْمَى عَلَى رَغْمِ مَنْ رَغِمْ أنَـا ابـنُ الَّـذِي قَدْ عَاشَ تِسْعِينَ حِجَّةً فَلَـمْ يَخْـزَ يَوْمًـا فـي مَعَـدٍّ وَلَمْ يُلَمْ وَأَكْرَمَـهُ الأكْفَـاءُ فِــي كُـلِّ مَعْشَـرٍ كِـرَامٍ, فَـإِنْ كَـذَّبْتَني, فَاسْـأَلِ الأُمَمْ أَتَـــى العُجْــمَ.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
(99) ديوانه: 149 ، من رجز طويل بارع غريب المعاني والوجوه ، يذكر فيه مآثر أبي العباس السفاح ، وهو غريب الكلام ، ولكنه حسن المعاني إذا فتشته ، فأقرأه وتأمله.
وهذه الأبيات في مطلع الرجز ، والضمير عائد فيها على ربع دارس طال قدمه ، وعفته الرياح.
وقوله: "تدهمه" تغشاه كما يغشى المغير جيشًا فيبيده.
وارثعن المطر (بتشديد النون): كثر وثبت ودام.
فهو مرثعن.
ووثم المطر الأرض يثمها وثمًا: ضربها فأثر فيها ، كما يثم الفرس الأرض بحوافره: أي يدقها ، إلا أن هذا أخفى وأكثر إلحاحًا.
ونمنم الكتاب: رقشه وزخرفه وأدق حظه: وقارب بين حروفه الدقاق ، وتلك هي النمنمة.
(100) انظر ما سلف ص: 345-352.
(101) قوله: "وكان زوج أختها" ، يعني زوج أخت أم مريم ، لا زوج أخت مريم ، وكأن الخبر لما اختصر ، سقط منه ذكر أم مريم ، وبقي باقي الخبر على حاله ، وقد بينت ذلك فيما سلف ص: 349 ، تعليق: 4.
(102) انظر ما سلف في هذا الجزء: 348.
(103) الأثر: 7060- سيرة ابن هشام 2: 229 ، وهو من بقية الآثار التي كان آخرها رقم: 6911.
قوله تعالى : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون[ ص: 81 ] فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ذلك من أنباء الغيب أي الذي ذكرنا من حديث زكريا ويحيى ومريم عليهم السلام من أخبار الغيب .
نوحيه إليك فيه دلالة على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب ; وأخبر عن ذلك وصدقه أهل الكتاب بذلك ; فذلك قوله تعالى : نوحيه إليك فرد الكناية إلى " ذلك " فلذلك ذكر .
والإيحاء هنا الإرسال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والوحي يكون إلهاما وإيماء وغير ذلك .
وأصله في اللغة إعلام في خفاء ; ولذلك صار الإلهام يسمى وحيا ; ومنه وإذ أوحيت إلى الحواريين وقوله : وأوحى ربك إلى النحل وقيل : معنى أوحيت إلى الحواريين أمرتهم ; يقال : وحى وأوحى ، ورمى وأرمى ، بمعناه .
قال العجاج :أوحى لها القرار فاستقرت أي أمر الأرض بالقرار.وفي الحديث : ( الوحي الوحي ) وهو السرعة ; والفعل منه توحيت توحيا .
قال ابن فارس : الوحي الإشارة والكتابة والرسالة ، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى يعلمه وحي كيف كان .
والوحي : السريع .
والوحي : الصوت ; ويقال : استوحيناهم أي استصرخناهم .
قال :أوحيت ميمونا لها والأرزاقالثانية : قوله تعالى : وما كنت لديهم أي وما كنت يا محمد لديهم ، أي بحضرتهم وعندهم .
إذ يلقون أقلامهم جمع قلم ; من قلمه إذا قطعه .
قيل : قداحهم وسهامهم .
وقيل : أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة ، وهو أجود ; لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال ذلكم فسق .
إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها .
أيهم يكفل مريم أي يحضنها ، فقال زكريا : أنا أحق بها ، خالتها عندي .
وكانت عنده أشيع بنت فاقود أخت حنة بنت فاقود أم مريم .
وقال بنو إسرائيل : نحن أحق بها ، [ ص: 82 ] بنت عالمنا .
فاقترعوا عليها وجاء كل واحد بقلمه ، واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو حاضنها .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فجرت الأقلام وعال قلم زكريا .
وكانت آية له ; لأنه نبي تجري الآيات على يديه .
وقيل غير هذا .
و أيهم يكفل مريم ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل المضمر الذي دل عليه الكلام ; التقدير : ينظرون أيهم يكفل مريم .
ولا يعمل الفعل في لفظ ( أي ) لأنها استفهام .الثالثة : استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القرعة ، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة ، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظنة عمن يتولى قسمتهم ، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة .
ورد العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه ، وردوا الأحاديث الواردة فيها ، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها .
وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها وقال : القرعة في القياس لا تستقيم ، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة .
قالأبو عبيد : وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء : يونس وزكريا ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - قال ابن المنذر .
واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء ، فلا معنى لقول من ردها .
وقد ترجم البخاري في آخر كتاب الشهادات ( باب القرعة في المشكلات وقول الله عز وجل إذ يلقون أقلامهم ) وساق حديث النعمان بن بشير : مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها مثل قوم استهموا على سفينة .
.
.
الحديث .
وسيأتي في " الأنفال " إن شاء الله تعالى ، وفي سورة " الزخرف " أيضا بحول الله سبحانه ، وحديث أم العلاء ، وأن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه في السكنى حين اقترعت الأنصار سكنى المهاجرين الحديث ، وحديث عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 83 ] إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها ; وذكر الحديث .وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك ; فقال مرة : يقرع للحديث .
وقال مرة : يسافر بأوفقهن له في السفر .
وحديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه استهموا .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .
وكيفية القرعة مذكورة في كتب الفقه والخلاف .
واحتج أبو حنيفة بأن قال : إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز .
قال ابن العربي : " وهذا ضعيف ، لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاح ; فأما ما يخرجه التراضي فيه فباب آخر ، ولا يصح لأحد أن يقول : إن القرعة تجري مع موضع التراضي ، فإنها لا تكون أبدا مع التراضي ، وإنما تكون فيما يتشاح الناس فيه ويضن به .
وصفة القرعة عند الشافعي ومن قال بها : أن تقطع رقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلا ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه ثم يدخل يده ويخرج ، فإذا أخرج اسم رجل أعطي الجزء الذي أقرع عليه .الرابعة : ودلت الآية أيضا على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدة ، وقد قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابنة حمزة - واسمها أمة الله - لجعفر وكانت عنده خالتها ، وقال : إنما الخالة بمنزلة الأم وقد تقدمت في البقرة هذه المسألة .
وخرج أبو داود عن علي قال : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة فقال جعفر : أنا آخذها أنا آخذها أنا أحق بها ابنة عمي وخالتها عندي ، وإنما الخالة أم .
فقال علي : أنا أحق بها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي أحق بها .
وقال زيد : أنا أحق بها ، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها ; فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديثا قال : وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم .
وذكر ابن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصي حمزة ، فتكون الخالة على هذا [ ص: 84 ] أحق من الوصي ويكون ابن العم إذا كان زوجا غير قاطع بالخالة في الحضانة وإن لم يكن محرما لها .
، ولما أخبر الله نبيه بما أخبر به عن مريم، وكيف تنقلت بها الأحوال التي قيضها الله لها، وكان هذا من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا بالوحي.
قال { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم } أي: عندهم { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } لما ذهبت بها أمها إلى من لهم الأمر على بيت المقدس، فتشاحوا وتخاصموا أيهم يكفل مريم، واقترعوا عليها بأن ألقوا أقلامهم في النهر، فأيهم لم يجرِ قلمه مع الماء فله كفالتها، فوقع ذلك لزكريا نبيهم وأفضلهم، فلما أَخْبَرتَهُم يا محمد بهذه الأخبار التي لا علم لك ولا لقومك بها دل على أنك صادق وأنك رسول الله حقا، فوجب عليهم الانقياد لك وامتثال أوامرك، كما قال تعالى: { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر } الآيات.
قوله تعالى : ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم ( ذلك ) الذي ذكرت من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى ( من أنباء الغيب ) أي من أخبار الغيب ( نوحيه إليك ) رد الكناية إلى ذلك فلذلك ذكره ( وما كنت ) يا محمد ( لديهم إذ يلقون أقلامهم ) سهامهم في الماء للاقتراع ( أيهم يكفل مريم ) يحضنها ويربيها ( وما كنت لديهم إذ يختصمون ) في كفالتها .
«ذلك» المذكور من أمر زكريا ومريم «من أنباء الغيب» أخبار ما غاب عنك «نوحيه إليك» يا محمد «وما كنت لديهم إذ يُلْقُون أقلامهم» في الماء يقترعون ليطهر لهم «أيهم يكْفُلُ» يربي «مريم وما كنت لديهم إذ يختصون» في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته من جهة الوحي.
ذلك الذي قصصناه عليك -أيها الرسول- من أخبار الغيب التي أوحاها الله إليك، إذ لم تكن معهم حين اختلفوا في كفالة مريم أيُّهم أحق بها وأولى، ووقع بينهم الخصام، فأجْرَوْا القرعة لإلقاء أقلامهم، ففاز زكريا عليه السلام بكفالتها.
ثم بين - سبحانه - أن ما جاء به القرآن في شأن مريم - بل وفي كل شأن من الشئون - هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل ، وهو من أنباء الغيب التى لا يعلمها أحد سواه فقال - تعالى - : { ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيكَ } .واسم الإشارة { ذلك } يعود إلى ما تقدم الحديث عنه من قصة امرأة عمران وقصة زكريا وغير ذلك من الأخبار البديعة .والأنباء : جمع نبأ ، وهو الخبر العظيم الشأن .والغيب : مصدر غاب ، وهو الأمر المغيب المستور الذى لا يعلم إلا من قبل الله - تعالى - .ونوحيه : من الإيحاء وهو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفى ، ويكون بمعنى إرسال الملك إلى الأنبياء وبمعنى الإلهامأى : ذلك القصص الحكيم الذى قصصناه عليك يا محمد ، فيما يتعلق بما قالته امرأة عمران وما قاله زكريا ، وما قالته الملائكة لمريم وفيما يتعلق بغير ذلك من شئون ذلك القصص الحكيم هو من أنباء الغيب التي لا يعلمها أحد سوى الله - عز وجل - وقد أخبرناك بها لتكون دليلا على صدقك فيما تبلغه عن ربك ولتكون عبرة وذكرى لقوم يعقلون .وقوله { ذلك } مبتدأ وخبره قوله - تعالى - { مِنْ أَنَبَآءِ الغيب } والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب .
وقوله { نُوحِيهِ إِلَيكَ } جملة مستقلة مبينة للأولى .
والضمير في { نُوحِيهِ } يعود إلى الغيب أى الأمر والشأن أنا نوحى إليك الغيب ونعلمك به ، ونظهرك على قصص من تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار .ولذ قال - تعالى - { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والأقلام جمع قلم وهى التى كانوا يكتبون بها التوراة ، وقيل المراد بها السهام .أى وما كنت - يا محمد - لديهم أى عندهم معاينا لفعلهم وما جرى من أمرهم فى شأن مريم ، { إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ } التى جعلوا عليها علامات يعرف بها من يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون فيما بينهم بسببها تنافسا في كفالتها .وقد سبق أن ذكرنا ما قاله صاحب الكشاف من أن مريم بعد أن ولدتها أمها خرجت بها إلى بيت المقدس فوضعتها عند الأحبار وقالت لهم : دونكم هذه النذيرة!!
فقالوا : هذه ابنة إمامنا عمران - وكان في حايته يؤمهم في الصلاة ، فقال لهم زكريا : أدفعوها إلى فأنا أحق بها منكم فإن خالتها عندى - فقالوا لا حتى نقترع عليها فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم ، فتولى كفالتها زكريا - عليه السلام - .
فالمضمير فى قوله { لَدَيْهِمْ } يعود على المتنازعين في كفالة مريم لأن السياق قد دل عليهم .والمقصود من هذه الجملة الكريمة { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون } الخ تحقيق كون الإخبار بما ذكر إنما هو عن وحى من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن معاصرا لهؤلاء الذين تحدث القرآن عنهم .
ولم يقرأ أخبارهم في كتاب من الكتب ، ومع ذلك فقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وغيرهم بالحق الذى لا يستطيعون تكذيبه إلى على سبيل الحسد والجحود ، فثبت أن القرآن من عند الله - تعالى -
وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم، والمعنى أن الذي مضى ذكره من حديث حنة وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم، إنما هو من إخبار الغيب فلا يمكنك أن تعلمه إلا بالوحي.
فإن قيل: لم نفيت هذه المشاهدة، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة، وترك نفي استماع هذه الأشياء من حفاظها وهو موهوم؟.
قلنا: كان معلوماً عندهم علماً يقينياً أنه ليس من أهل السماع والقراءة، وكانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة، وهي وإن كانت في غاية الاستبعاد إلا أنها نفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع ولا قراءة، ونظيره ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى ﴾ ، ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور ﴾ ﴿ وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم ﴾ ﴿ وَمَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا ﴾ .
المسألة الثانية: الأنباء: الإخبار عما غاب عنك، وأما الإيحاء فقد ورد الكتاب به على معان مختلفة، يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرهما، وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله تعالى: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ وقال في الشياطين ﴿ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ فلما كان الله سبحانه ألقى هذه الأشياء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام بحيث يخفى ذلك على غيره سماه وحياً.
أما قوله تعالى: ﴿ إِذْ يُلْقُون أقلامهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تلك الأقلام وجوهاً الأول: المراد بالأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة وسائر كتب الله تعالى، وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه، فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك فسلموا الأمر له وهذا قول الأكثرين والثاني: أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري جرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم، هذا قول الربيع والثالث: قال أبو مسلم: معنى يلقون أقلامهم مما كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم فمن خرج له السهم سلم له الأمر، وقد قال الله تعالى: ﴿ فساهم فَكَانَ مِنَ المدحضين ﴾ وهو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم الجزور، وإنما سميت هذه السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى، وكل ما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قلمته، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلماً.
قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق، إلا أن العرف أوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به، فوجب حمل لفظ القلم عليه.
المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون أقلامهم في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وإما ليس فيه دلالة على كيفية ذلك الإلقاء، إلا أنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له، ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا عليه السلام، فلا جرم صار هو أولى بكفالتها والله أعلم.
المسألة الثالثة: اختلفوا في السبب الذي لأجله رغبوا في كفالتها حتى أدتهم تلك الرغبة إلى المنازعة، فقال بعضهم: إن عمران أباها كان رئيساً لهم ومقدماً عليهم، فلأجل حق أبيها رغبوا في كفالتها، وقال بعضهم: إن أمها حررتها لعبادة الله تعالى ولخدمة بيت الله تعالى، ولأجل ذلك حرصوا على التكفل بها، وقال آخرون: بل لأن في الكتب الإلهية كان بيان أمرها وأمر عيسى عليه السلام حاصلاً فتقربوا لهذا السبب حتى اختصموا.
المسألة الرابعة: اختلفوا في أن أولئك المختصمين من كانوا؟
فمنهم من قال: كانوا هم خدمة البيت، ومنهم من قال: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي، ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في الطريق.
أما قوله: ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ ففيه حذف والتقدير: يلقون أقلامهم لينظروا أيهم يكفل مريم وإنما حسن لكونه معلوماً.
أما قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ فالمعنى وما كنت هناك إذ يتقارعون على التكفل بها وإذ يختصمون بسببها فيحتمل أن يكون المراد بهذا الاختصام ما كان قبل الإقراع، ويحتمل أن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الإقراع، وبالجملة فالمقصود من الآية شدة رغبتهم في التكفل بشأنها، والقيام بإصلاح مهماتها، وما ذاك إلا لدعاء أمها حيث قالت ﴿ فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم ﴾ وقالت ﴿ إِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام، يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي.
فإن قلت: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة؟
وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟
قلت: كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة.
ونحوه ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى ﴾ [القصص: 44] ، ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور ﴾ [القصص: 46] ، ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ ﴾ [يوسف: 102] ﴿ أقلامهم ﴾ أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين.
وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اختاروها للقرعة تبركا بها ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ في شأنها تنافساً في التكفل بها.
فإن قلت: ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ ﴾ بم يتعلق؟
قلت: بمحذوف دلّ عليه يلقون أقلامهم، كأنه قيل: يلقونها ينظرون أيهم يكفل، أو ليعلموا، أو يقولون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ ﴾ أيْ ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَصِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْها إلّا بِالوَحْيِ.
﴿ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ ﴾ أقْداحَهم لِلِاقْتِراعِ.
وقِيلَ اقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ تَبَرُّكًا، والمُرادُ تَقْرِيرُ كَوْنِهِ وحْيًا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ، فَإنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الوَقائِعِ المُشاهَدَةُ والسَّماعُ، وعَدَمُ السَّماعِ مَعْلُومٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ عِنْدَهم فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ الِاتِّهامُ بِاحْتِمالِ العَيانِ ولا يَظُنُّ بِهِ عاقِلٌ.
﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ "يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ" أيْ يُلْقُونَها لِيَعْلَمُوا، أوْ يَقُولُوا أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ.
﴿ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ تَنافُسًا في كَفالَتِها.
<div class="verse-tafsir"
{ذلك} إشارة إلى ما سبق من قصة حنة وزكريا ويحيى ومريم {مِنْ أَنبَاءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ} يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم} أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين أو هي الأقلام التي كانوا يكتبون التوراة بها اختاروها للقرعة تبركاً بها {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} متعلق بمحذوف دل عليه يلقون كأنه قيل يلقونها ينظرون أيهم يَكفل مريم أو ليعلموا أو يقولون {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} في شأنها تنافساً في التكفل بها
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن تِلْكَ الأخْبارِ البَدِيعَةِ الشَّأْنِ المُرْتَقِيَةِ مِنَ الغَرابَةِ إلى أعْلى مَكانٍ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ أيْ مِن أخْبارِ ما غابَ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِالوَحْيِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ المَقامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُوحِيهِ إلَيْكَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى، والإيحاءُ إلْقاءُ المَعْنى إلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ خَفِيٍّ، ويَكُونُ بِمَعْنى إرْسالِ المَلَكِ إلى الأنْبِياءِ، وبِمَعْنى الإلْهامِ، والضَّمِيرُ في نُوحِيهِ عائِدٌ إلى ذَلِكَ في المَشْهُورِ، واسْتُحْسِنَ عُودُهُ إلى الغَيْبِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَشْمَلُ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَصَصِ وما لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنها بِخِلافِ ما إذا عادَ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ بِما مَضى، وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ قَبْلَها، و ﴿ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ (نُوحِيهِ) أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ أيْ: نُوحِيهِ حالَ كَوْنِهِ بَعْضَ أنْباءِ الغَيْبِ، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ المُبْتَدَأِ رَأْيُ البَعْضِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ فَيَكُونُ (ذَلِكَ) خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنهُ، وهو وجْهٌ مَرْذُولٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ كَلامُ المَلِكِ الجَلِيلِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ عِنْدَ قَوْمٍ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ.
﴿ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ أيْ عِنْدِ المُتَنازِعِينَ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ تَحْقِيقُ كَوْنِ الأخْبارَ بِما ذُكِرَ عَنْ وحْيٍ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ رَسُولَنا أخْبَرَكم بِما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالعَقْلِ مَعَ اِعْتِرافِكم بِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ ولَمْ يَقْرَأْهُ في كِتابٍ، وتُنْكِرُونَ أنَّهُ وحْيٌ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ هَذا ما يَحْتاجُ إلى النَّفْيِ سِوى المُشاهَدَةِ الَّتِي هي أظْهَرُ الأُمُورِ اِنْتِفاءً لِاسْتِحالَتِها المَعْلُومَةِ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ، ونَبَّهَ عَلى ثُبُوتِ قِصَّةِ مَرْيَمَ مَعَ أنَّ ما عُلِمَ بِالوَحْيِ قِصَّةُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا لِما أنَّ تِلْكَ هي المَقْصُودَةُ بِالأخْبارِ أوَّلًا، وإنَّما جاءَتِ القِصَّةُ الأُخْرى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ولِانْدِراجِ بَعْضِ قِصَّةِ زَكَرِيّا في ذِكْرِ مَن تَكَفَّلَ فَما خَلَتِ الجُمْلَةُ عَنْ تَنْبِيهٍ عَلى قِصَّتِهِ في الجُمْلَةِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْجِيبُ اللَّهِ سُبْحانُهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شِدَّةِ حِرْصِ القَوْمِ عَلى كَفالَةِ مَرْيَمَ والقِيامِ بِأمْرِها، وسِيقَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِاصْطِفائِها عَلَيْها السَّلامُ، ويُبْعِدُ هَذا الفَصْلَ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ، ومَعَ هَذا هو أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ مِنها التَّعْجِيبُ مِن تَدافُعِهِمْ لِكَفالَتِها لِشَدَّةِ الحالِ ومَزِيدِ الحاجَةِ الَّتِي لَحِقَتْهم حَتّى وفَّقَ لَها خَيْرَ الكُفَلاءِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ يَكادُ يَكُونُ هَذا غَيْرَ صَحِيحٍ دِرايَةً ورِوايَةً، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يُشْكِلُ نَفْيُ المُشاهَدَةِ مَعَ ظُهُورِ اِنْتِفائِها عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ.
﴿ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ ﴾ أيْ يَرْمُونَها ويَطْرَحُونَها لِلِاقْتِراعِ، والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ وهي الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ واخْتارُوها تَبَرُّكًا بِها، وقِيلَ: هي السِّهامُ مِنَ النُّشّابِ وهي القِداحُ، وحَكى الكازَرُونِيُّ أنَّها كانَتْ مِن نُحاسٍ وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَلْمِ بِمَعْنى القَطْعِ، ومِنهُ قُلامَةُ الظُّفْرِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الرَّمْيِ وفي عِدَّةِ الأقْلامِ خِلافٌ، وعَنِ الباقِرِ أنَّها كانَتْ سِتَّةً، والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِلِاسْتِقْرارِ العامِلِ في ﴿ لَدَيْهِمْ ﴾ وجَعْلُهُ ظَرْفًا لِ (كانَ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الأوَّلِ، وجَعْلُهُ اِبْتِداءَ اِسْتِفْهامٍ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى، ولَمّا لَمْ يَصْلُحْ ﴿ يُلْقُونَ ﴾ لِلتَّعَلُّقِ بِالِاسْتِفْهامِ لَزِمَ أنْ يُقَدَّرَ ما يَرْتَبِطُ بِهِ النِّظامُ، فَذَكَرَ الجُلُّ لَهُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُقَدَّرَ: يَنْظُرُونَ أيُّهم يَكْفُلُ وحَيْثُ كانَ النَّظَرُ مِمّا يُؤَدِّي إلى الإدْراكِ جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِاسْمِ الِاسْتِفْهامِ كالأفْعالِ القَلْبِيَّةِ كَما صَرَّحَ بِهِ اِبْنُ الحاجِبِ وابْنُ مالِكٍ في «اَلتَّسْهِيلِ»، وثانِيها: أنْ يُقَدَّرَ: لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُ، وعَلى الأوَّلِ الجُمْلَةُ حالٌ مِمّا قَبْلَها، وعَلى الثّانِي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الإلْقاءَ سَبَبٌ لِنَفْسِ العِلْمِ لَكِنَّهُ سَبَبٌ بَعِيدٌ، والقَرِيبُ هو النَّظَرُ إلى ما اِرْتَفَعَ مِنَ الأقْلامِ، وثالِثُها: أنْ يُقَدَّرَ يَقُولُونَ أوْ لِيَقُولُوا أيُّهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ يُعْتَدُّ بِها في تَقْدِيرِ يَقُولُونَ ولا يَنْساقُ المَعْنى إلَيْهِ بَلْ هو مُجَرَّدُ إصْلاحٍ لَفْظِيٍّ لِمَوْقِعِ ﴿ أيُّهُمْ ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ مُفِيدٌ، ويَنْساقُ المَعْنى إلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ القَوْلُ لِلْبَيانِ والتَّعْيِينِ، واعْتُرِضَ أيْضًا تَقْدِيرُ القَوْلِ مَقْرُونًا بِلامِ التَّعْلِيلِ بِأنَّ هَذا التَّعْلِيلَ هُنا مِمّا لا مَعْنى لَهُ، وأُجِيبَ بِتَأْوِيلِهِ كَما أُوِّلَ في سابِقِهِ، وقِيلَ: يُؤَوَّلُ بِالحُكْمِ، أيْ: لِيَقُولُوا ولِيَحْكُمُوا أيُّهُمِ الخ، والسَّكّاكِيُّ يُقَدِّرُ هَهُنا يَنْظُرُونَ لِيَعْلَمُوا، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ المَعْنى واللَّفْظِ، وإلّا فَتَقْدِيرُ النَّظَرِ أوِ العِلْمِ يُغْنِي عَنِ الآخَرِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ لَمْ يُقَدِّرْ شَيْئًا أصْلًا وجَعَلَ ﴿ أيُّهُمْ ﴾ بَدَلًا عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ، أيْ يُلْقِي كُلَّ مَن يَقْصِدُ الكَفالَةَ وتَتَأتّى مِنهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ التَّكَلُّفِ بِمَكانٍ.
﴿ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ في شَأْنِها تَنافُسًا عَلى كَفالَتِها وكانَ هَذا الِاخْتِصامُ بَعْدَ الِاقْتِراعِ في رَأْيٍ، وقَبْلَهُ في آخَرَ، وتَكْرِيرُ ”ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ“ مَعَ تَحَقُّقِ المَقْصُودِ بِعَطْفِ ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ عَلى ﴿ إذْ يُلْقُونَ ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن عَدَمِ الحُضُورِ عِنْدَ الإلْقاءِ، وعَدَمِ الحُضُورِ عِنْدَ الِاخْتِصامِ مُسْتَقِلٌّ بِالشَّهادَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ لا سِيَّما عَلى الرَّأْيِ الثّانِي في وقْتِ الِاخْتِصامِ لِأنَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.
واخْتُلِفَ في وقْتِ هَذا الِاقْتِراعِ والتَّشاحِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما، وهو المَشْهُورُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ كانَ حِينَ وِلادَتِها وحَمْلِ أُمِّها لَها إلى الكَنِيسَةِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن قَبْلُ، وثانِيهُما: أنَّهُ كانَ وقْتَ كِبَرِها وعَجْزِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ تَرْبِيَتِها، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، وأوْهَنُ مِنهُ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الِاقْتِراعَ وقَعَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةٌ في الصِّغَرِ وأُخْرى في الكِبَرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ القُرْعَةَ لَها دَخْلٌ في تَمْيِيزِ الحُقُوقِ، ورُوِيَ عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما تَقارَعَ قَوْمٌ فَفَوَّضُوا أمْرَهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا خَرَجَ سَهْمُ المُحِقِّ، وقالَ أيُّ قَضِيَّةٍ أعْدَلَ مِنَ القَضِيَّةِ إذا فُوِّضَ الأمْرُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ ﴾ وقالَ الباقِرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أوَّلُ مَن سُوهِمَ عَلَيْهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ثُمَّ تَلا ﴿ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يعني الذي ذكر في هذه الآية من قصة زكريا ومريم من أخبار الغيب، مما غاب عنك خبره، ولم تكن حاضراً، وفي الآية دليل نبوة محمد ، حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم، ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر عن ذلك، وصدقه أهل الكتاب بذلك، فذلك قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ يعني لم تكن عندهم، وإنما تخبر عن الوحي.
فقال: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ يعني يطرحون أقلامهم في النهر بالقرعة وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ في أمر مريم إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ يعني جبريل- - وحده إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ قرأ نافع وعاصم وابن عامر يُبَشِّرُكِ بالتشديد في جميع القرآن.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتشديد في جميع القرآن إلا في حم، عسق ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ [الشورى: 23] بالتخفيف، وقرأ حمزة بالتخفيف إلا في قوله فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] ووافقه الكسائي في بعضها، فمن قرأ بالتشديد، فهو من المباشرة، ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يفرحك، وكانت قصة البشارة أن مريم لما طهرت من الحيض، ودخلت المغتسل كما قال في سورة مَرْيَمَ، إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [مريم: 16] ، يعني أرادت أن تغتسل في جنب المشرفة، فلما دخلت المغتسل، رأت بشراً كهيئة الإنسان كما قال فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [مريم: 17] ، فخافت مريم، ثم قَالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [مريم: 18] ، لأن التقي يخاف الرحمن.
فقال لها جبريل: قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [مريم: 19] ، وذكرها هنا بلفظ آخر.
ومعناه واحد قال: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: 45] ، أي بولد بغير أب يصير مخلوقاً بكلمة من الله، وهو قوله كن فكان اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ويقال إنما سمي المسيح، لأنه يسيح في الأرض.
ويقال: المسيح بمعنى الماسح، كان يمسح وجه الأعمى فيبصر.
وقال الكلبي: المسيح الملك.
ثم قال وَجِيهاً أي ذا جاه فِي الدُّنْيا وَله منزلة فِى الْآخِرَةِ وقال مقاتل: فيها تقديم يعني وجيهاً في الدنيا وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في الآخرة عند ربه.
وقال الكلبي: وَجِيهاً فِي الدُّنْيا يعني في أهل الدنيا بالمنزلة، وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في جنة عدن وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي في حال صغره، وهو طفل في حجر أمه طفلاً وكهلاً، يعني إذا اجتمع عقله وكبر، فإن قيل: ما معنى قوله كهلاً؟
والكلام من الكهل لا يكون عجباً.
قيل له: المراد منه كلام الحكمة والعبرة.
ويقال: كهلاً بعد نزوله من السماء، وهو قول الكلبي وَمِنَ الصَّالِحِينَ مع آبائه في الجنة قالَتْ مريم رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ يعني من أين يكون لي ولد وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وهو كناية عن الجماع ف قالَ جبريل كَذلِكِ يعني هكذا كما قلت إنه لم يمسسك بشر ولكن اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً يعني إذا أراد أن يخلق خلقا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فنفخ جبريل في جيبها، يعني في نفسها قال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها، فعلقت بذلك.
وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل، لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة، وبعضه من الإنس، ولكن سبب ذلك إن الله تعالى لما خلق آدم- - وأخذ الميثاق من ذريته، فجعل بعضهم في أصلاب الآباء، وبعضهم في أرحام الأمهات، فإذا اجتمع الماءان صار ولداً، وإن الله تعالى جعل المَاءَيْن جميعاً في مريم، بعضه في رحمها، وبعضه في صلبها، فنفخ فيها جبريل لتهيج شهوتها، لأن المرأة ما لم تهج شهوتها، لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخة جبريل، وقع الماء الذي كان في صلبها في رحمها، فاختلط الماءان فعلقت بذلك، فذلك قوله: إِذا قَضى أَمْراً، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً سبحانه، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بغير أب، ثم قال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ قرأ نافع وعاصم وَيُعَلِّمُهُ بالياء يعني أن الله يعلمه، وقرأ الباقون بالنون، ومعناه أن الله يقول ونعلمه الْكِتابَ يعني كتب الأنبياء.
وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل: يعني الخط والكتابة، فعلّمه الله بالوحي والإلهام وَالْحِكْمَةَ يعني الفقه وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني يحفظ التوراة عن ظهر قلبه.
وقال بعضهم: وهو عالم بالتوراة.
وقال بعضهم: ألهمه الله بعد ما كبر حتى تعلم في مدة يسيرة.
ثم قال: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ نصب رسولاً لمعنيين: أحدهما يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، والثاني ويكلم الناس ورسولاً.
أي في حال رسالته إلى بني إسرائيل دليله أنه قال: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وذكر الزجاج- فالمعنى والله أعلم- ويكلمهم رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.
ثم أخبر عن أداء رسالته بعد ما أوحى إليه في حال الكبر، حيث قال لقومه: أنى قد جئتكم بآية من ربكم، يعني علامة لنبوتي، ثم بيّن العلامة فقال: أَنِّي أَخْلُقُ أي أقدر لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ ويقال: إن الناس سألوه عنه على وجه التعنت فقالوا له: اخلق لنا خفَّاشاً، واجعل فيه روحاً إن كنت صادقاً في مقالتك، فأخذ طيناً، وجعل منه خفاشاً، ونفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء والأرض، فكأن تسوية الطين، والنفخ من عيسى- - والخلق من الله- عز وجل- كما أن النفخ من جبريل- - والخلق من الله- عَزَّ وَجَلَّ- ويقال: إنما طلبوا منه خلق خفاش، لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه لحم ودم، يطير بغير ريش، ويلد كما يلد الحيوان، ولا يبيض كما تبيض سائر الطيور، ويكون له ضرع يخرج منه لبن، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة، فلما أن رأوا ذلك منه ضحكوا.
وقالوا: هذا سِحْر.
ثم قال تعالى: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ الأكمه الذي ولد أعمى فقالوا: إن لنا أطباء يفعلون مثل هذا، فذهبوا إلى جالينوس، وأخبروه بذلك فقال جالينوس: إذا ولد أعمى، لا يبصر بالعلاج، والأبرص إذا كان بحال إذا غرزت الإبرة فيه لا يخرج الدم منه لا يبرأ بالعلاج، فرجعوا إلى عيسى- - وجاءوا بالأكمه والأبرص، فمسح يده عليهما، فأبصر الأعمى، وبرأ الأبرص، فآمن به بعضهم، وجَحَد بعضهم.
وقالوا: هذا سِحْر.
ثم قال تعالى: وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ فأَخْبَروا بذلك جالينوس.
فقال: الميت لا يعيش، ولا يحيى بالعلاج، فإن كان هو يحيي الموتى، فهو نبي، وليس بطبيب، فطلبوا منه أن يحيي الموتى، فأحيا أربعة نفر، أحدهم عازر، وكان صديقاً له، فبلغه أنه مات، فذهب مع أصحابه، وقد دفن، وأتى عليه أيام، فدعا الله، فقام بإذن الله تعالى وَوَدَكُه يقطر، فعاش وَوُلد له.
والثاني ابن العجوز، مَرّ به وهو يحمل على سرير، فدعا الله، فقام بإذن الله تعالى، ولبس ثيابه، وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله.
والثالث ابنة من بنات العاشر ماتت، وأتى عليها ليلة، فدعا الله تعالى، فعاشت بعد ذلك، وولد لها.
والرابع سام بن نوح، لأن القوم قالوا له: إنك تحيي من كان موته قريباً، فلعلهم لم يموتوا، وأصابتهم سكتة، فأحيي لنا سام بن نوح.
فقال: دلوني على قبره، فخرج وخرج القوم معه حتى انتهوا إلى قبره، فدعا الله تعالى، فأحياه وخرج من قبره قد شابت رأسه.
فقال له عيسى: كيف شابت رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟
فقال: يا روح الله إنك لما دعوتني، سمعت صوتاً يقول أَجِبْ روحَ الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن ذلك الهول شابت رأسي، فسأله عن النَّزْع.
فقال له: يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، ثم قال للقوم: صدقوه فإنه نبي الله، فآمن به بعضهم، وكذب به بعضهم.
وقالوا: هذا ساحر، فأرنا آية نعلم أنك صادق، فأخبرنا بما نأكل في بيوتنا، وما نَدَّخر للغد، فأخبرهم.
فقال: يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا، وادّخرت كذا وكذا، فذلك قوله عز وجل: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر.
ويقال إن الله بعث كل نبي إلى قومه، وأظهر لهم نوع ما كانوا يعرفونه، فكان في زمن موسى- - الغالب عليهم السحر، فبيَّن لهم من جنس ذلك، ليعرفوا أن ذلك ليس بِسِحْر، وأنه من الله تعالى، وكان الغالب في زمن عيسى- - علم الطب، فجاءهم عيسى بما عجز الأطباء عنه، فعرف الأطباء أن ذلك ليس من الطب، وكان في زمن نبينا- - الفصاحة والشعر، فجاءهم بقرآن عجز الفصحاء والشعراء عن إتيان مثله.
ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ يعني فيما صنع عيسى- - علامة لنبوته إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين أنه نبي، قرأ نافع: فيكون طائراً، وكذلك في سورة المائدة.
وقرأ الباقون بغير ألف، ومعناهما واحد.
ويقال: الطائر واحد، والطير جماعة.
ثم قال: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومعناه جئتكم مصدقاً، يعني الكتاب الذي أنزل عليّ، وهو الإنجيل مُصَدِّقاً، أي موافقاً لما بين يدي من التوراة وَلِأُحِلَّ لَكُمْ يعني أرخص لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ مثل الشحوم، ولحوم الإبل، ولحم كل ذي ظفر، وأما الميت، ولحم الخنزير، فهو حرام أبداً.
قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني أني لم أحل لكم شيئاً بغير برهان، فحقيق عليكم اتباعي، لأني أتيتكم ببرهان، وأتيتكم بتحليل الطيبات فَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم ونهاكم وَأَطِيعُونِ فيما آمركم وأنهاكم، وأنصح لكم إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ هذا تكذيب لقول النصارى حيث قالوا: إن الله هو المسيح.
وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فاعترف عيسى أنه عبد الله، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أي خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم، فاعبدوه، أي وحدوه ولا تشركوا به شيئا هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يعني هذا التوحيد الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم، لا عوج فيه، وهو طريق الجنة.
<div class="verse-tafsir"
فقال قوم: كان ذلك في شرِعِهِمْ، والقول عنْدي في ذلك: أنَّ مريم أُمِرَتْ بفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعَالِمِ الصلاة، وهما طُولُ القيامِ، والسُّجُودُ، وخُصَّا بالذكْرِ لشرفهما، وهذانِ يَخْتَصَّان بصلاتها مفْرَدةً وإِلاَّ فمن يصلِّي وراء إِمامٍ، فليس يقال له: أَطِلْ قِيَامَكَ، ثم أمرتْ بعدُ بالصَّلاة في الجماعةِ، فقيل لها: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ، وقُصِدَ هنا مَعْلَمٌ آخر من مَعَالِمِ الصلاةِ لئلاَّ يتكرَّر اللفظ، ولم يرد في الآية الركوع والسجود الذي هو منتظمٌ في ركْعَةٍ واحدةٍ، واللَّه أعلم.
وقال ص: قوله: وَارْكَعِي، الواو: لا ترتّب، فلا يسأل، لِمَ قُدِّم السجود، إِلا من جهة علْمِ البيانِ، وجوابه أنه قدّم لأنه أقربُ ما يكونُ العَبْدُ فيه مِنْ ربِّه، فكان أشْرَفَ، وقيل: كان مقدّما في شرعهم.
اهـ.
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)
وقوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ...
الآية: هذه المخاطبة لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والإِشارة بذلك إِلى ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصصِ، والأنباء: الأخبار، والغَيْبُ: ما غَاب عن مدارك الإِنسان، ونُوحِيهِ: معناه: نُلْقِيهِ في نَفْسِك في خفاءٍ، وَحَدُّ الوَحْيِِ: إِلقاء المعنى في النَّفْس في خفاءٍ، فمنه بالمَلَكِ، ومنه بالإِلهام، ومنه بالإِشارة، ومنه بالكِتَابِ.
وفي هذه الآية بيان لنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم إِذ جاءهم بغُيُوب/ لا يعلمها إِلا مَنْ شاهدها، وهو لَمْ يَكُنْ لديهم، أوْ مَنْ قرأها في كتبهم، وهو صلّى الله عليه وسلّم أُمِّيٌّ من قومٍ أُمِّيِّينَ، أوْ:
من أعلمه الله بها، وهو ذاك صلّى الله عليه وسلّم، ولَدَيْهِمْ: معناه: عندهم ومَعَهُمْ.
وقوله: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ...
الآية: جمهورُ العلماء على أنه استهام لأخذِها والمنافَسَةِ فيها، فروي أنهم أَلْقَوْا أقلامَهُمُ الَّتي كانوا يَكْتُبُونَ بها التوراةَ في النَّهْرِ، فروي أنَّ قَلَمَ زكريَّا صاعد الجرية، ومضَتْ أقلام الآخَرِينَ، وقيل غير هذا، قُلْتُ: ولفظ ابْنِ العربيّ في «الأحكام» قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ وَعَلاَ قَلَمُ زَكَرِيَّا» «١» اهـ، وإِذا ثبت الحديث،
فلا نظر لأحد معه.
ويَخْتَصِمُونَ: معناه: يتراجَعُونَ القَوْلَ الجهيرَ في أمْرها.
وفي هذه الآية استعمال القُرْعَةِ، والقُرعَةُ سُنَّة، «وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إذا سافر، أقرع بين نسائه» «١» وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» «٢» .
واختلف أيضاً، هل الملائكةُ هنا عبارةٌ عن جِبْرِيلَ وحْده أوْ عن جماعةٍ من الملائكة؟
ووَجِيهاً: نصبٌ على الحال، وهو من الوَجْهِ، أيْ: له وجْهٌ ومنزلةٌ عند اللَّه، وقال البخاريُّ: وجيهاً: شَريفاً اهـ.
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: معناه: مِنَ اللَّه تعالى، وكلامه في المَهْدِ: آيةٌ دالَّة على براءة أُمِّه، وأَخبر تعالى عنه أنَّه أيضًا يكلِّم الناس كَهْلاً، وفائدةُ ذلك أنَّه إِخبار لها بحَيَاتِهِ إلى سِنِّ الكهولة، قال جمهورُ النَّاس: الكَهْلُ الذي بَلَغَ سِنَّ الكهولةِ، وقال مجاهد: الكَهْلُ:
الحليمُ قال ع «٣» : وهذا تفسيرٌ للكُهُولة بعَرضٍ مصاحِبٍ لها في الأغلب، واختلف النَّاسُ في حَدِّ الكهولة، فقيل: الكَهْلُ ابن أَرْبَعِينَ، وقيل: ابنُ خَمْسَةٍ وثلاثينَ، وقيل: ابن ثلاثةٍ وثلاثين، وقيل: ابن اثنين وثلاثينَ، هذا حدُّ أَوَّلِهَا، وأمَّا آخرها، فاثنان وخمسونَ، ثم يدْخُلُ سنُّ الشيخوخة.
وقولُ مَرْيَمَ: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ: استفهام عن جهة حَمْلها، واستغراب للحَمْلِ على بَكَارتها، و «يَمْسَسْ» : معناه: يَطَأ ويُجَامِع.
ص: والبَشَر يُطْلَقُ على الواحِدِ والجمع.
اهـ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ، ويَحْيى، وعِيسى، ومَرْيَمَ.
والأنْباءُ: الأخْبارُ.
والغَيْبُ: ما غابَ عَنْكَ.
والوَحْيُ: كُلُّ شَيْءٍ دَلَّلْتَ بِهِ مِن كَلامٍ، أوْ كِتابٍ، أوْ إشارَةٍ، أوْ رِسالَةٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والوَحْيُ في القُرْآَنِ عَلى أوْجُهٍ تَراها في كِتابِنا المَوْسُومِ بِـ"الوُجُوهِ والنَّظائِرِ" مُونِقَةَ.
وفي الأقْلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الَّتِي يُكْتَبُ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّها العِصِيُّ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها القِداحُ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: هي قِداحٌ جَعَلُوا عَلَيْها عَلاماتٍ يُعَرِّفُونَها عَلى جِهَةِ القُرْعَةِ.
وإنَّما قِيلَ لِلسَّهْمِ: القَلَمُ، لِأنَّهُ يُقَلَّمُ، أيْ: يُبْرى.
وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَقَدْ قَلَّمْتَهُ، ومِنهُ القَلَمُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، لِأنَّهُ قُلِّمَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ومِنهُ: قَلَّمْتُ أظْفارِي.
قالَ: ومَعْنى: ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ لِيَنْظُرُوا أيُّهم تَجِبُ لَهُ كَفالَةُ مَرْيَمَ، وهو الضَّمانُ لِلْقِيامِ بِأمْرِها.
ومَعْنى: ﴿ لَدَيْهِمْ ﴾ عِنْدَهم وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَفالَتِهِمْ لَها آَنِفًا.
وفي المُرادِ بِالكَلِمَةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ لَهُ: "كُنْ" فَكانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها بِشارَةُ المَلائِكَةِ مَرْيَمَ بِعِيسى، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ.
والثّالِثُ: أنَّ الكَلِمَةَ اسْمٌ لِعِيسى، وسُمِّيَ كَلِمَةً، لِأنَّهُ كانَ عَنِ الكَلِمَةِ.
وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِالكَلِمَةِ مِنَ اللهِ تَعالى.
وفي تَسْمِيَتِهِ بِالمَسِيحِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِقَدَمِهِ أُخْمُصٌ، والأُخْمُصُ: ما يَتَجافى عَنِ الأرْضِ مِن باطِنِ القَدَمِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذا عاهَةٍ إلّا بَرَأ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَسَحَ بِالبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى المَسِيحِ: الصَّدِيقُ قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وذَكَرُهُ اليَزِيدِيُّ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ومَعْنى هَذا أنَّ اللَّهَ مَسَحَهُ، فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ.
والخامِسُ: أنَّهُ كانَ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ: يَقْطَعُها، ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ.
وبَيانُهُ: أنَّهُ كانَ كَثِيرَ السِّياحَةِ.
والسّادِسُ: أنَّهُ خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ القاسِمِ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَسِيحُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى مَعْنَيَيْنِ.
أحَدُهُما: المَسِيحُ الدَّجّالُ، والأصْلُ فِيهِ: المَمْسُوحُ، لِأنَّهُ مَمْسُوحُ أحَدِ العَيْنَيْنِ.
والمَسِيحُ عِيسى، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ "مُشِيحا" بِالشِّينِ، فَلَمّا عَرَّبَتْهُ العَرَبُ، أُبْدِلَتْ مِن شِينِهِ سِينًا، كَما قالُوا: مُوسى، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مُوَشى.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما بَدَأ بِلَقَبِهِ، فَقالَ: المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، لِأنَّ المَسِيحَ أشْهَرُ مِن عِيسى، لِأنَّهُ قَلَّ أنْ يَقَعَ عَلى سَمِيٍّ يُشْتَبَهُ بِهِ، وعِيسى قَدْ يَقَعُ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَدَّمَهُ لِشُهْرَتِهِ، ألا تَرى أنَّ ألْقابَ الخُلَفاءِ أشْهَرُ مِن أسْمائِهِمْ.
فَأمّا قَوْلُهُ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، فَإنَّ ما نَسَبَهُ إلى أُمِّهِ، لِيَنْفِيَ ما قالَ عَنْهُ المُلْحِدُونَ مِنَ النَّصارى، إذْ أضافُوهُ إلى اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِيهًا ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَّوْجِيهُ في كَلامِ العَرَبِ: المُحَبَّبُ المَقْبُولُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوَجِيهُ: ذُو الجاهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو ذُو المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ ذَوِي القَدْرِ والمَعْرِفَةِ، يُقالُ: قَدْ وجَّهَ الرَّجُلُ يُوَجِّهُ وجاهَةً، ولِفُلانٍ جاهٌ عِنْدَ النّاسِ، أيْ: مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رِضاعِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ التَّمْهِيدِ، وهو التَّوَطِئَةُ.
وفي تَكْلِيمِهِ لِلنّاسِ في تِلْكَ الحالِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِتُبَرِّئَهُ أمَّهُ مِمّا قَذَفَتْ بِهِ.
والثّانِي: لِتَحْقِيقِ مُعْجِزاتِهِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكَلَّمَ ساعَةً في مَهْدِهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغَ النُّطْقِ.
﴿ وَكَهْلا ﴾ قالَ: ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، فَمَكَثَ في رِسالَتِهِ ثَلاثِينَ شَهْرًا، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ.
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: جاءَهُ الوَحْيُ عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ في نُبُوَّتِهِ ثَلاثَ سِنِينَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ زادَ عَلى الثَّلاثِينَ، ومَن أرْبى عَلَيْها، فَقَدْ دَخَلَ في الكُهُولَةِ.
والكَهْلُ عِنْدَ العَرَبِ: الَّذِي قَدْ جاوَزَ الثَّلاثِينَ، وإنَّما سُمِّيَ الكَهْلُ كَهْلًا، لِاجْتِماعِ قُوَّتِهِ، وكَمالِ شَبابِهِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: قَدِ اكْتَهَلَ النَّباتُ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَهْلُ: الرَّجُلُ حِينَ وخَطَهُ الشَّيْبُ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ عَلِمَ أنَّ الكَهْلَ يَتَكَلَّمُ، فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ البِشارَةِ بِطُولِ عُمْرِهِ، أيْ: أنَّهُ يَبْلُغُ الكُهُولَةَ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: (وَكَهْلًا) قالَ: ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ.
والثّانِي: أنَّهُ أخْبَرَهم أنَّ الزَّمانَ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وأنَّ الأيّامَ تَنْقُلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ هَذا التَّغَيُّرُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالكَهْلِ: الحَلِيمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمُ وجِيهًا في الدُنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القِصَصِ.
والأنْباءُ الأخْبارُ، و"الغَيْبِ" ما غابَ عن مَدارِكِ الإنْسانِ.
و"نُوحِيهِ" مَعْناهُ: نُلْقِيهِ في نَفْسِكَ في خَفاءٍ.
وحَدُّ الوَحْيِ إلْقاءُ المَعْنى في النَفْسِ في خَفاءٍ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَمِنهُ بِالمَلَكِ، ومِنهُ بِالإلْهامِ، ومِنهُ بِالإشارَةِ، ومِنهُ بِالكِتابِ، كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدٌ ∗∗∗ بَقِينَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ تَقُولُ العَرَبُ: أوحى، وتَقُولُ وحى.
وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ جاءَهم بِغُيُوبٍ لا يَعْلَمُها إلّا مَن شاهَدَها وهو لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ، أو مَن قَرَأها في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أُمِّيٌّ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، أو مَن أعْلَمَهُ اللهُ بِها وهو ذاكَ ، و"لَدَيْهِمْ" مَعْناهُ: عِنْدَهم ومَعَهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الأقْلامِ والكِفْلِ.
وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ اسْتِهامٌ لِأخْذِها والمُنافَسَةِ فِيها.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّما كانَ اسْتِهامُهم حِينَ نالَتْهُمُ المَجاعَةُ دَفْعًا مِنهم لِتُحْمَلَ مَئُونَتُها.
"يَخْتَصِمُونَ" مَعْناهُ: يَتَراجَعُونَ القَوْلَ الجَهِيرَ في أمْرِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعْمالُ القُرْعَةِ والقُرْعَةُ سُنَّةٌ، «وَكانَ النَبِيُّ إذا سافَرَ أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ،» وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَوْ يَعْلَمُونَ ما في الصَفِّ الأوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ"» وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى تَجْوِيزِ القُرْعَةِ إلّا مَن شَذَّ فَظَنَّ أنَّها قِمارٌ، وهَذا كُلُّهُ فِيما يَصْلُحُ التَراضِي بِكَوْنِهِ دُونَ قُرْعَةٍ، فَكَأنَّ القُرْعَةَ مُحَسِّنَةٌ لِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ.
وأمّا حَيْثُ لا يَجُوزُ التَراضِي كَعِتْقِ العَبِيدِ في ثُلُثِ المَيِّتِ فَجَوَّزَها الجُمْهُورُ ومَنَعَها أبُو حَنِيفَةَ.
وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ أقْرَعَ بَيْنَ سِتَّةِ أعْبُدٍ، فَأعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ ، وهَكَذا يَطَّرِدُ وصْفُ الآيَةِ وتَتَوالى الإعْلاماتُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ.
وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ فِيها: "يَخْتَصِمُونَ"، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ ، وهَذا كُلُّهُ يَرُدُّهُ المَعْنى، لِأنَّ الِاخْتِصامَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قَوْلِ المَلائِكَةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "إذْ قالَ المَلائِكَةُ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ؛ هَلِ المَلائِكَةُ هُنا عِبارَةٌ عن جِبْرِيلَ وحْدَهُ أو عن جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ؟
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ كُلِّهِ في قَوْلِهِ آنِفًا: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ فَتَأمَّلْهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في قَوْلِهِ: "يُبَشِّرُكِ".
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، لِمَ عَبَّرَ عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِـ "كَلِمَةٍ" فَقالَ قَتادَةُ: جَعَلَهُ اللهُ "كَلِمَةً" إذْ هو مَوْجُودٌ بِكَلِمَةٍ وهي قَوْلُهُ تَعالى لِمُراداتِهِ: "كُنْ" وهَذا كَما تَقُولُ في شَيْءٍ حادِثٍ: هَذا قَدَرُ اللهِ، أيْ هو عِنْدَ قَدَرِ اللهِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: هَذا أمْرُ اللهِ.
وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ فَقالَ: وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الكَلِمَةُ اسْمٌ لِعِيسى سَمّاهُ اللهُ بِها كَما سَمّى سائِرَ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَمُقْتَضى هَذِهِ التَرْجَمَةِ أنَّ الكَلِمَةَ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ لِعِيسى، ثُمَّ أدْخَلَ الطَبَرِيُّ تَحْتَ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الكَلِمَةُ هي عِيسى، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مُحْتَمِلٌ أنْ يُفَسَّرَ بِما قالَ قَتادَةُ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سَنَذْكُرُهُ الآنَ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا ادَّعى الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.
وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: سَمّاهُ اللهُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تَوْراةِ مُوسى وغَيْرِها مِن كُتُبِ اللهِ وأنَّهُ سَيَكُونُ، فَهَذِهِ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ فِيهِ مِنَ اللهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنْتِ يا مَرْيَمُ مُبَشَّرَةٌ بِأنَّكِ المَخْصُوصَةُ بِوِلادَةِ الإنْسانِ الَّذِي قَدْ تَكَلَّمَ اللهُ بِأمْرِهِ، وأخْبَرَ بِهِ في ماضِي كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى أنْبِيائِهِ.
و"اسْمُهُ" في هَذا المَوْضِعِ، مَعْناهُ: تَسْمِيَتُهُ، وجاءَ الضَمِيرُ مُذَكَّرًا مِن أجْلِ المَعْنى، إذِ الكَلِمَةُ عِبارَةٌ عن ولَدٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِ لَفْظَةِ "المَسِيحُ"، فَقالَ قَوْمٌ: هو مِن ساحَ يَسِيحُ في الأرْضِ إذا ذَهَبَ ومَشى أقْطارَها، فَوَزْنُهُ "مُفْعِلٌ".
وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هو مِن "مَسَحَ" فَوَزْنُهُ "فَعِيلٌ".
واخْتَلَفُوا- بَعْدُ- في صُورَةِ اشْتِقاقِهِ مِن" مَسَحَ"؛ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن مِساحَةِ الأرْضِ لِأنَّهُ مَشاها فَكَأنَّهُ مَسَحَها، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ما مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى ذِي عِلَّةٍ إلّا بَرِئَ، فَهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "فاعِلٌ".
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُسِحَ بِدُهْنِ القُدْسِ، فَهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِ مَن قالَ: مَسَحَهُ اللهُ، فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُنُوبِ.
قالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: المَسِيحُ الصِدِّيقُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المَسِيحُ: المَلِكُ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلَكَ إحْياءَ المَوْتى وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "عِيسى" يَحْتَمِلُ مِنَ الإعْرابِ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: البَدَلَ مِنَ "المَسِيحُ"، وعَطْفَ البَيانِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَنَعَ بَعْضُ النُحاةِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وقالَ: كانَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أسْماؤُهُ عَلى المَعْنى أو أسْماؤُها عَلى اللَفْظِ لِلْكَلِمَةِ، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "عِيسى" خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، ويَدْعُو إلى هَذا كَوْنُ قَوْلِهِ: "ابْنُ مَرْيَمَ" صِفَةً لِعِيسى إذْ قَدْ أجْمَعَ الناسُ عَلى كَتْبِهِ دُونَ ألِفٍ، وأمّا عَلى البَدَلِ أو عَطْفِ البَيانِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ مَرْيَمَ صِفَةً لِعِيسى لِأنَّ الِاسْمَ هُنا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَخْصُ، هَذِهِ النَزْعَةُ لِأبِي عَلِيٍّ، وفي صَدْرِ الكَلامِ نَظَرٌ.
و"وَجِيهًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهو مِنَ الوَجْهِ، أيْ: لَهُ وجْهٌ ومَنزِلَةٌ عِنْدَ اللهِ والمَعْنى في الوَجِيهِ أنَّهُ حَيْثُما أقْبَلَ بِوَجْهِهِ، عُظِّمَ ورُوعِيَ أمْرُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ: فُلانٌ لَهُ وجْهٌ في الناسِ ولَهُ جاهٌ، وهَذا عَلى قَلْبٍ في اللَفْظَةِ يَقُولُونَ: جاهَنِي يَجُوهُنِي بِكَذا أيْ واجَهَنِي بِهِ، وجاهُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في الدُنْيا نُبُوَّتُهُ وذِكْرُهُ، ورَفْعُهُ في الآخِرَةِ مَكانَتُهُ ونَعِيمُهُ وشَفاعَتُهُ.
و"مِنَ المُقَرَّبِينَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ إذْ قالت امرأةُ فرعون ﴾ .
انتقال من ذِكر أمّ مريم إلى ذكر مريم.
ومريم عَلَم عبراني، وهو في العبرانية بكسر الميم، وهو اسم قديم سميت به أخت موسى عليه السلام، وليس في كتب النصارى ذكر لاسم أبي مريم أمِّ عيسى ولا لمولدها ولكنها تبتدئ فجأة بأنّ عذراء في بلد الناصرة مخطوبة ليوسف النجار، قد حملت من غير زوج.
والعرب يطلقون اسم مريم على المرأة المترجّلة التي تكثر مجالسة الرجال كما قال رؤبة: قلت لزِير لَمْ تصله مريمهْ.
(والزير بكسر الزاي الذي يكثر زيارة النساء) وقال في «الكشاف»: مريم في لغتهم أي لغة العبرانيين بمعنى العابدة.
وتكرّر فعل ﴿ اصطفاك ﴾ لأنّ الاصطفاء الأول اصطفاء ذاتي، وهو جعلها منزّهة زكية، والثاني بمعنى التفضيل على الغير.
فلذلك لم يُعَدّ الأول إلى متعلّق.
وعدُيّ الثاني.
ونساء العالمين نساء زمانها، أو نساء سائر الأزمنة.
وتكليم الملائكة والاصطفاء يدلان على نبوءتها والنبوءة تكون للنساء دون الرسالة.
وإعادةُ النداء في قول الملائكة: ﴿ يا مريم اقنتي ﴾ لقصد الإعجاب بحالها، لأنّ النداء الأول كفى في تحصيل المقصود من إقبالها لسماع كلام الملائكة، فكان النداء الثاني مستعملاً في مجرّد التنبيه الذي ينتقل منه إلى لازمِه وهو التنويه بهذه الحالة والإعجاب بها، ونظيره قول امرئ القيس: تقول وقد مال الغَبيط بنامعَا *** عقرتَ بعيري يا امرأ القيس فانْزِل (فهو مستعمل في التنبيه المنتقل منه إلى التوبيخ).
والقنوت ملازمة العبادة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وقوموا للَّه قانتين ﴾ في سورة [البقرة: 238].
وقدم السجود، لأنّ أدخل في الشكر والمقَام هنا مقام شكر.
وقوله: مع الراكعين} إذن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها من بين نساء إسرائيل إظهاراً لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء، ولذلك جيء في الراكعين بعلامة جمع التذكير.
وهذا الخطاب مقدمة للخطاب الذي بعده وهو ﴿ يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ [آل عمران: 45] لقصد تأنيسها بالخبر الموالي لأنه لما كان حاصله يَجلب لها حَزناً وسوء قالة بين الناس، مهّد له بما يجلب إليها مَسرّة، ويوقنها بأنّها بمحل عناية الله، فلا جرم أن تعلم بأنّ الله جاعل لها مخرجاً وأنّه لا يخزيها.
وقوله: ﴿ وما كنت لديهم ﴾ إيماء إلى خلوّ كتبهم عن بعض ذلك، وإلاّ لقال: وما كنت تتلو كُتبهم مثل: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب» أي إنّك تخبرهم عن أحوالهم كأنّك كنت لديهم.
وقوله: ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ وهي الأقلام التي يكتبون بها التوراة كانوا يقترعون بها في المشكلات: بأن يكتبوا عليها أسماء المقترعين أو أسماء الأشياء المقترع عليها، والناس يصيرون إلى القرعة عند انعدام ما يرجّح الحق، فكان أهل الجاهلية يستقسمون بالأزلام وجعل اليهود الاقتراع بالأقلام التي يكتبون بها التوراة في المِدراس رجاء أن تكون بركتها مرشدة إلى ما هو الخيْر.
وليس هذا من شعار الإسلام وليس لإعمال القرعة في الإسلام إلاّ مواضع تمييز الحقوق المتساوية من كل الجهات وتفصيله في الفقه.
وأشارت الآية إلى أنّهم تنازعوا في كفالة مريم حين ولدتها أمها حنّة، إذ كانت يتيمة كما تقدم فحصل من هذا الامتنان إعلام بأنّ كفالة زكرياء مريم كانت بعد الاستقسام وفيه تنبيه على تنافسهم في كفالتها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اصْطَفاها عَلى عالِمِي زَمانِها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُ اصْطَفاها لِوِلادَةِ المَسِيحِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
( وطَهَّرَكِ ) فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: طَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: طَهَّرَكِ مِن أدْناسِ الحَيْضِ والنِّفاسِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
﴿ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلِاصْطِفاءِ الأوَّلِ بِالتَّكْرارِ.
والثّانِي: أنَّ الِاصْطِفاءَ الأوَّلَ لِلْعِبادَةِ، والِاصْطِفاءَ الثّانِيَ لِوِلادَةِ المَسِيحِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي أخْلِصِي لِرَبِّكِ، وهو قَوْلُ سَعِيدٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ أدِيمِي الطّاعَةَ لِرَبِّكِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
﴿ وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ ﴾ وفي تَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلى الرُّكُوعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مُقَدَّمًا في شَرِيعَتِهِمْ وإنْ كانَ مُؤَخَّرًا عِنْدَنا.
والثّانِي: أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فاسْتَوى حُكْمُ التَّقْدِيمِ في اللَّفْظِ وتَأْخِيرُهُ، وأصْلُ السُّجُودِ الِانْخِفاضُ الشَّدِيدُ والخُضُوعُ، كَما قالَ الشّاعِرُ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ إلّا أنَّ السُّجُودَ أكْثَرُ انْخِفاضًا.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وافْعَلِي كَفِعْلِهِمْ.
والثّانِي: يَعْنِي مَعَ الرّاكِعِينَ في صَلاةِ الجَماعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ يَعْنِي ما كانَ مِنَ البُشْرى بِالمَسِيحِ.
﴿ نُوحِيهِ إلَيْكَ ﴾ وأصْلُ الوَحْيِ إلْقاءُ المَعْنى إلى صاحِبِهِ، والوَحْيُ إلى الرُّسُلِ الإلْقاءُ بِالإنْزالِ، وإلى النَّحْلِ بِالإلْهامِ، ومِن بَعْضٍ إلى بَعْضٍ بِالإشارَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قالَ العَجّاجُ: ...
...
...
∗∗∗ ∗∗∗ أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ ﴿ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم تَشاجَرُوا عَلَيْها وتَنازَعُوا فِيها طَلَبًا لِكَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها لِأنَّ خالَتَها عِنْدِي، وقالَ القَوْمُ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِأنَّها بِنْتُ إمامِنا وعالِمِنا، فاقْتَرَعُوا عَلَيْها بِإلْقاءِ أقْلامِهِمْ وهي القِداحُ مُسْتَقْبِلَةً لِجِرْيَةِ الماءِ، فاسْتَقْبَلَتْ عَصا زَكَرِيّا لِجِرْيَةِ الماءِ مُصْعِدَةً، وانْحَدَرَتْ أقْلامُهم فَقَرَعَهم زَكَرِيّا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَفَّلَها ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ، والرَّبِيعِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم تَدافَعُوا كَفالَتَها لِأنَّ زَكَرِيّا قَدْ كانَ كَفَلَ بِها مِن غَيْرِ اقْتِراعٍ، ثُمَّ لَحِقَهم أزْمَةُ ضَعْفٍ بِها عَنْ حَمْلِ مَؤُونَتِها، فَقالَ لِلْقَوْمِ: لِيَأْخُذْها أحَدُكم فَتَدافَعُوا كَفالَتَها وتَمانَعُوا مِنها، فَأقْرَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَفْسِهِ فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لَهُ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ﴾ قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش.
أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» .
قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط.
أخرجه الشيخان بدون الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه عن علي «سمعت رسول الله يقول: خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل نساء العالمين خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية امرأة فرعون» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى على نساء العالمين أربعاً: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن حبان والحاكم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وآسية ارمأة فرعون» وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن.
مرسلاً.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير عن أبي موسى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء: إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن فاطمة رضي الله عنها قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول» .
وأخرج ابن جرير عن عمار بن سعد قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين» .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية امرأة فرعون» .
وأخرج ابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أربع نسوة سيدات عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضلهن عالماً فاطمة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاطمة سيدة نساء العالمين بعد مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة ابنة خويلد» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش.
أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده، ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت بعيراً ما فضلت عليها أحداً» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ قال: جعلك طيبة ايماناً.
وأخرج ابن حاتم عن السدي ﴿ وطهرك ﴾ قال: من الحيض ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ قال: على نساء ذلك الزمان الذي هم فيه.
وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: كانت مريم حبيساً في الكنيسة ومعها في الكنيسة غلام اسمه يوسف، وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيراً حبيساً فكانا في الكنيسة جميعاً، وكانت مريم إذا نفذ ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيملآن ثم يرجعان والملائكة في ذلك مقبلة على مريم ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ﴾ فإذا سمع ذلك زكريا قال: إن لابنة عمران لشأنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ يا مريم اقنتي لربك ﴾ قال: اطيلي الركود يعني القيام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: لما قيل لها ﴿ اقنتي لربك ﴾ قامت حتى ورمت قدماها.
وأخرج ابن جرير عن الأوزاعي قال: كانت مريم تقوم حتى يسيل القيح من قدميها.
وأخرج ابن عساكر عن ابن سعيد قال: كانت مريم تصلي حتى ترم قدماها.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ اقنتي لربك ﴾ قال: اخلصي.
وأخرج عن قتادة قال: ﴿ اقنتي لربك ﴾ قال: أطيعي ربك.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ واركعي واسجدي في الساجدين ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وما كنت لديهم ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ﴾ قال: إن مريم عليها السلام لما وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها فقال الله لمحمد: ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ﴾ قال: ألقوا أقلامهم في الماء فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا فكفلها زكريا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال: ألقوا أقلامهم يقال: عصيهم تلقاء جرية الماء، فاستقبلت عصا زكريا عليه السلام جرية الماء فقرعهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: ﴿ أقلامهم ﴾ قال: التي يكتبون بها التوراة.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ أقلامهم ﴾ يعني قداحهم.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما وهب الله لزكريا يحيى، وبلغ ثلاث سنين بشر الله مريم بعيسى.
فبينما هي في المحراب إذ قالت الملائكة- وهو جبريل وحده- ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ من الفاحشة ﴿ واصطفاك ﴾ يعني اختارك ﴿ على نساء العالمين ﴾ عالم امتها ﴿ يا مريم اقنتي لربك ﴾ يعني صلي لربك يقول: اركدي لربك في الصلاة بطول القيام، فكانت تقوم حتى ورمت قدماها ﴿ واسجدي واركعي مع الراكعين ﴾ يعني مع المصلين مع قراء بيت المقدس.
يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ﴾ يعني بالخبر ﴿ الغيب ﴾ في قصة زكريا ويحيى ومريم ﴿ وما كنت لديهم ﴾ يعني عندهم ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ في كفالة مريم ثم قال يا محمد يخبر بقصة عيسى ﴿ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا ﴾ يعني مكيناً عند الله في الدنيا من المقربين في الآخرة ﴿ ويكلم الناس في المهد ﴾ يعني في الخرق ﴿ وكهلاً ﴾ ويكلمهم كهلاً إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني من المرسلين.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن وهب قال: لما استقر حمل مريم وبشرها جبريل.
وثقت بكرامة الله واطمأنت، فطابت نفساً واشتد ازرها، وكان معها في المحررين ابن خال لها يقال له يوسف، وكان يخدمها من وراء الحجاب، ويكلمها ويناولها الشيء من وراء الحجاب وكان أول من اطلع على حملها هو، واهتم لذلك واحزنه، وخاف منه البلية التي لا قبل بها، ولم يشعر من اين اتيت مريم، وشغله عن النظر في أمر نفسه وعمله لأنه كان رجلاً متعبداً حكيماً، وكان من قبل أن تضرب مريم الحجاب على نفسها تكون معه، ونشأ معها.
وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما ثم انطلقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيملآن قلتيهما ثم يرجعان إلى الكنيسة والملائكة مقبلة على مريم بالبشارة ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ فكان يعجب يوسف ما يسمع.
فلما استبان ليوسف حمل مريم وقع في نفسه من أمرها حتى كاد أن يفتتن، فلما أراد أن يتهمها في نفسه ذكر ما طهرها الله واصطفاها، وما وعد الله أمها أنه يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم، وما سمع من قول الملائكة ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ فذكر الفضائل التي فضلها الله تعالى بها وقال: إن زكريا قد أحرزها في المحراب قلا يدخل عليها أحد وليس للشيطان عليها سبيل فمن أين هذا؟
فلما رأى من تغير لونها، وظهور بطنها، عظم ذلك عليه، فعرض لها فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟
قالت: نعم.
قال: وكيف ذلك؟!
قالت: إن الله خلق البذر الأول من غير نبات، وأنبت الزرع الأول من غير بذر، ولعلك تقول: لولا أنه استعان عليه بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أنه يخلقه ولا ينبته.
قال يوسف: أعوذ بالله أن أقول ذلك.
قد صدقت وقلت بالنور والحكمة، وكما قدر أن يخلق الزرع الأول وينتبه من غير بذر، يقدر على أن يجعل زرعاً من غير بذر، فاخبريني هل ينبت الشجر من غير ماء ولا مطر؟
قالت: ألم تعلم أن للبذور والزرع والماء والمطر والشجر خالقاً واحداً!
فلعلك تقول لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر.
قال: أعوذ بالله أن أقول ذلك!
قد صدقت.
فاخبريني هل يكون ولد أو رجل من غير ذكر؟
قالت: نعم.
قال: وكيف ذلك؟
قالت: ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء امرأته من غير حبل ولا أنثى ولا ذكر قال: بلى.
فاخبريني خبرك؟
قالت: بشرني الله ﴿ بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ فعلم يوسف أن ذلك أمر من الله لسبب خير أراده بمريم، فسكت عنها.
فلم تزل على ذلك حتى ضربها الطلق، فنوديت أن أخرجي من المحراب فخرجت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك ﴾ قال: شافهتها الملائكة بذلك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يبشرك بكلمة منه ﴾ قال: عيسى هو الكلمة من الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا عيسى ومحمد عليهما السلام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: المسيح الصديق.
وأخرج ابن جرير عن سعيد قال: إنما سمي المسيح لأنه مسح بالبركة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن عبد الرحمن الثقفي.
أن عيسى كان سائحاً ولذلك سمي المسيح.
كان يمسي بأرض ويصبح بأخرى، وانه لم يتزّوج حتى رفع.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ومن المقربين ﴾ يقول: ومن المقربين عند الله يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ ﴾ .
أشار إلى ما قصَّ من حديث زكريا، ومريم، ويحيى.
وقوله تعالى: ﴿ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾ \[أي\] (١) (٢) (٣) ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ ﴾ (٤) ومن الإلهام: قوله: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ ، ومن الإشارة: قوله: ﴿ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا ﴾ ، أي: أشار إليهم، وقوله: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ﴾ ، أي: يُلْقون إليهم بالوَسْوَسَة (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ ﴾ .
الأقلام: جمع (القَلَم)، و (القَلَم) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) قال ابن عباس في رواية عطاء (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقال الزجَّاج (١٨) وقوله تعالى: ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ .
مختصر (١٩) (٢٠) (١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(٢) (إليك): ساقطة من (د).
(٣) انظر: "مقاييس اللغة": 6/ 93 (وحى)، "اللسان" 8/ 4787 (وحى).
(٤) في (ج) ورد بدلًا من هذه الآية، قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ .
(٥) جعل ابن قتيبة والثعلبي، وابن الجوزي (الإعلام بالوسوسة من الشيطان) وجهًا مستقلًّا من وجوه الوحي، وأوردوا هذه الآية دليلًا عليه، ويشهد لقولهم: أن الوحي لغة هو: إعلام في خفاء، كما أن إيحاء الجن والشياطين يكون عن طريق الوسوسة، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾ .
أما مقاتل، وهارون بن موسى، وابن العماد فجعلوا هذه الآية شاهدا على أنَّ الوحي هنا يعني: الأمر.
انظر: "تأويل مشكل القرآن" 489 - 490، "الوجوه والنظائر" لهارون بن موسى: 166.
"الزاهر" 2/ 353، "تهذيب اللغة" 4/ 3852 (وحى)، "الأشباه والنظائر" للثعلبي: 267، "ونزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي: 622، "والوجوه والنظائر في القرآن" د.
القرعاوي: 649 - 651.
(٦) (والقلم): ساقطة من (ب).
(٧) في (ب): (الظفر).
(٨) ويقال كذلك: قَلَّمْتُ الظُفُر.
انظر: "القاموس" 1151 (قلم).
(٩) القِدْح بالكسر: السهم قبل أن يُراش ويُنصل، والجمع: قِدَاح، وأقْدَاح، وأقْدُح، وأقاديح، وهي جمع الجمع.
انظر: "تاج العروس" 4/ 164 (قدح).
(١٠) انظر (قلم) في "تهذيب اللغة" 3/ 3037، "مقاييس اللغة" 5/ 15.
(١١) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.
(١٢) في (أ)، (ب): (فتغالوا حتى نسيتهم)، والمثبت من: (ج)، (د).
(١٣) في (ج): (وتغرق).
(١٤) في (ب): (فارتد).
وفي (ج): (فأدبر).
وفي (د) مكانها بياض.
(١٥) في (ب): (واتحدرت).
(١٦) في (ب): (الباقين).
(١٧) وقد وردت رواية قريبة من هذه الرواية عن ابن عباس، من طريق أبي مالك، وأبي صالح عنه، أخرجها البيهقي، وفيها: أنَّ هؤلاء المستهمين كانوا ممن يكتبون التوراة، ولم يرد فيها أنهم كانوا جماعة من الأنبياء.
وورد فيها أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون فيها في نهر الأردن، فجَرَت أقلامهم، وقام قلم زكريا كأنه مرتزُّ في طين.
انظر: "سنن البيهقي": 10/ 286 - 287.
كما ورد عن ابن عباس من طريق عطية العوفي، أنه: (اقترع عليها أهل المُصلَّى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيُّهم يكفلها).
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 268، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 649.
(١٨) في "معاني القرآن" 1/ 410، نقله بنصه.
(١٩) في (د): (مختص).
(٢٠) نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 411.
وانظر: "تفسير الطبري" 3/ 269، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 400.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اقنتي ﴾ القنوت هنا بمعنى الطاعة والعبادة، وقيل: طول القيام في الصلاة وهو قول الأكثرين ﴿ واسجدي واركعي ﴾ أمرت بالصلاة فذكر القنوت والسجود لكونها من هيئة الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: اركعي مع الراكعين بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين، أو في الجماعة؛ فلا يقتضي الكلام على هذا تقديم السجود على الركوع، لأنه لم يرد الركوع والسجود المنضمين في ركعة واحدة، وقيل أراد ذلك، وقدم السجود لأن الواو لا ترتب، ويحتمل أن تكون الصلاة في ملتهم بتقديم السجود على الركوع ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من القصص وهو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ ﴾ احتجاجاً على نبوته صلى الله عليه وسلم؛ لكونه أخبر بهذه الأخبار وهو لم يحضر معهم ﴿ يُلْقُون أقلامهم ﴾ أي أزلامهم، وهي قداحهم، وقيل: الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة؛ اقترعوا بها على كفالة مريم، حرصاً عليها وتنافساً في كفالتها، وتدل الآية على جواز القرعة، وقد ثبتت أيضاً من السنة ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ مبتدأ وخبر في موضع نصب بفعل تقديره: ينظرون أيهم ﴿ يَخْتَصِمُونَ ﴾ يختلفون فيمن يكفلها منهم ﴿ إِذْ قَالَتِ الملائكة ﴾ إذ بدل من إذ قالت، أو من إذ يختصمون، والعمل فيه مضمر ﴿ اسمه ﴾ أعاد الضمير المذكر على الكلمة، لأن المسمى بها ذُكر ﴿ المسيح ﴾ قيل: هو مشتق من ساح في الأرض، فوزنه مفعل، وقال الأكثرون: من مسح لأنه مسح بالبركة فوزنه فعيل وإنما قال: عيسى بن مريم والخطاب لمريم لينسبه إليها، إعلاماً بأنه يولد من غير والد ﴿ وَجِيهاً ﴾ نصب على الحال، ووجاهته في الدنيا النبوة والتقديم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلوّ الدرجة في الجنة ﴿ فِي المهد ﴾ في موضع الحال، ﴿ وَكَهْلاً ﴾ عطف عليه، والمعنى أنه يكلم الناس صغيراً؛ أيةً تدل على براءة أمّه مما قذفها به اليهود، وتدل على نبوته، ويكلمهم أيضاً كبيراً؛ ففيه إعلام بعيشه إلى أن يبلغ سن الكهولة، وأوله: ثلاث وثلاثون سنة وقيل: أربعون ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ﴾ عطف على يبشرك أو ويكلم ﴿ الكتاب ﴾ هنا جنس، وقيل الخط باليد، والحكمة هنا العلوم الدينية، أو الإصابة في القول والفعل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويعلمه ﴾ بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب.
الباقون بالنون.
﴿ أني أخلق ﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع ﴿ أني أخلق ﴾ بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد ﴿ كهيئة ﴾ بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف.
وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها.
الباقون بالياء والهمزة.
﴿ الطائر ﴾ يزيد.
الباقون ﴿ الطير ﴾ ﴿ فتكون ﴾ بتاء التأنيث.
المفضل.
الباقون: بياء الغيبة ﴿ طائر ﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة.
الباقون ﴿ طيراً ﴾ ﴿ أنصاري إلى ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة ﴿ فيوفيهم ﴾ بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء.
الباقون بالنون.
الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الراكعين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ يكفل مريم ﴾ ص لعطف / المتفقتين.
﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً.
فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿ الصالحين ﴾ لأن ﴿ وجيهاً ﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين.
﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ (ط) ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ والإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ ورسولاً ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ ومن الصالحين ﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف.
﴿ من ربكم ﴾ ج لمن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ بالكسر ﴿ بإذن الله ﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات.
﴿ في بيوتكم ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج للعطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنصار الله ﴾ ج لأن ﴿ آمناً ﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ ومكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار.
﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود.
﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ آدم ﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف.
﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه.
التفسير: القصة الثالثة قصة مريم.
والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ لمكان العطف.
والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ .
واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله : ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ﴾ فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة.
ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى ﴿ وأوحينا إلى أم موسى ﴾ .
ثم إنه مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها.
وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي وأهل بيته ﴿ ويطهركم تطهيراً ﴾ .
وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة.
وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود.
قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه قال: " كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة " ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم.
فقوله: ﴿ اقنتي ﴾ أمر بالعبادة على العموم ﴿ واسجدي ﴾ أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله ﴿ وأدبار السجود ﴾ وفي الخبر " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله " "أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد " ثم قال: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة.
وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود.
وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿ اقنتي ﴾ الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: ﴿ واسجدي واركعي ﴾ استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم.
وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.
روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما.
اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب ﴿ نوحيه إليك ﴾ قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها.
وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ وقال: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً ﴾ فلما كان الله ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً ﴿ وما كنت لديهم ﴾ نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ ﴿ وما كنت بجانب الطور ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه.
وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له.
ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها.
وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر.
وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم.
وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم.
فمن خرج له السهم سلم له الأمر.
قال : ﴿ فساهم فكان من المدحضين ﴾ وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور.
وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى.
قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه.
﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ يتنازعون على التكفل.
قيل: هم خزنة البيت.
وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي.
ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير.
ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع.
وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً.
القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته ﴿ إذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل كما مر.
ومتعلق "إذ" هو متعلق ﴿ وإذ قالت ﴾ لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إذ يختصمون ﴾ .
قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها.
فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول.
ويجوز أن يتعلق بـ ﴿ يختصمون ﴾ ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل.
واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم.
ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته.
ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث.
كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض.
وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات.
فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد.
قوله: ﴿ بكلمة منه ﴾ لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله.
وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال.
وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.
وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت ﴾ وكذلك عيسى معرب "إيشوع".
أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون.
عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ.
وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.
وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب.
وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.
وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين.
وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم.
قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون.
وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان.
وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.
وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة.
قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها.
وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس.
/ وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته.
وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه.
وذلك من جملة ما اصطفيت به.
وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر.
وإنما قيل: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة.
﴿ وجيهاً ﴾ ذا الجاه والشرف والقدر.
وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه ﴿ في الدنيا ﴾ بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ﴿ والآخرة ﴾ بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة.
ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة.
وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.
وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.
والمهد قيل: حجر أمه.
وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي.
وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ﴿ وكهلاً ﴾ عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة.
والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي.
روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء.
ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة.
وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال.
فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟
فالجواب من وجوه.
قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال.
وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة.
وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة.
ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر.
وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر.
فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً.
والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع.
ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء.
وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت.
فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة.
فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك.
ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ كما ختم بذلك أوصاف يحيى.
وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى.
﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله: ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء عطف على ﴿ يبشرك ﴾ أو على ﴿ وجيهاً ﴾ أو على ﴿ يخلق ﴾ لأن قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ.
وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ﴿ إنا نبشرك ﴾ ونحن نخلقه.
ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط.
وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.
وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة.
ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه.
وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق.
ثم قال: ﴿ ورسولاً ﴾ عطفاً على ﴿ وجيهاً ﴾ وما بعده.
﴿ إلى بني إسرائيل ﴾ أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف.
وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم ﴿ أني قد جئتكم ﴾ يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم.
وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم.
وأما قوله: ﴿ ومصدقاً لما بين يديّ ﴾ فمعطوف على قوله: ﴿ بآية ﴾ أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم ﴿ لأحل لكم ﴾ وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي.
أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدقما بين يديّ.
وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.
والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: ﴿ أني أخلق ﴾ فيمن قرأ بفتح ﴿ أني ﴾ ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق.
ومن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ فللاستئناف أو للبيان كقوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ ثم فسر المثل بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح.
والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته.
﴿ فأنفخ فيه ﴾ أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فيكون طيراً ﴾ وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.
يروى أنه خلق أنواعاً من الطير.
وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ ﴿ طائراً ﴾ وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض.
قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله.
وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ.
وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟
أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى فيه على سبيل إظهار المعجزات؟
وهذا هو الحق لقوله ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى.
وقيل: هو الممسوح العين.
ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.
وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل.
وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل.
وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن.
وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه.
وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه.
وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه.
والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما.
والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز.
يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ﴿ وأحيي الموتى ﴾ أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له.
قال الكلبي: كان عيسى يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب.
روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم.
كان يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء.
فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت.
فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت.
فقال : فمن في هذا البيت؟
فقالوا: خنازير.
فقال عيسى : كذلك يكونون فإذا هم خنازير.
وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة.
وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك.
والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم.
واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً.
ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: ﴿ ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ﴾ وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته.
ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين.
ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة.
وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس.
ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان.
والثاني أن الله كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم.
كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له.
﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه.
وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل.
ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ إني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب.
﴿ فاتقوا الله ﴾ لما جئتكم به من الآيات ﴿ وأطيعون ﴾ فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله.
ثم ختم كلامه بقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم.
القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: ﴿ فلما أحس ﴾ أي علم ﴿ عيسى منهم الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه.
قال السدي: لما بعثه الله رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته.
وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.
فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك.
فقال : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر.
فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه.
فقال عيسى : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني.
فلما فعل دعا الله فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً.
فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟
فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى مشهوراً وقصد اليهود قتله وأظهروا الطعن فيه.
/ وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ قيل: إنه لما دعا بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟
فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى.
وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟
فأجابه إلى ذلك بعضهم.
ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت.
والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه .
وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين ﴾ ومعنى ﴿ إلى الله ﴾ قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟
وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله.
فالجار على القولين من صلة ﴿ أنصاري ﴾ مضمناً معنى الإضافة.
وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟
أو حال التجائي إليه؟
وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟
وفي الحديث أنه كان يقول إذا ضحى: "اللهم منك وإليك" أي تقرباً إليك.
فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف.
وقيل: "إلى" بمعنى اللام.
وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله.
وهذا قول الحسن.
﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ أعوان دينه ورسوله.
وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن.
والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.
عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم.
وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.
وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم.
وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب.
وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا.
وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان.
فطبخ عيسى حباً واحداً وجعل الجميع فيه.
وقال: كوني بإذن الله كما أريد.
فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر.
فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد.
فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون.
وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟
فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.
قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين.
وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى على قصعة.
فكانت القصعة لا تنقص.
فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟
قالوا: نعم.
فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟
قال: عيسى ابن مريم.
قال: فإني أترك ملكي فأتبعك.
فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.
قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته.
﴿ آمنا بالله ﴾ يجري مجرى السبب لقولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله فيه.
أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.
ثم تضرعوا إلى الله بقولهم: ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين.
فقال ابن عباس: أي مع محمد وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴾ وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ ﴿ ومكروا ﴾ يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ﴿ ومكر الله ﴾ المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة.
قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم.
وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق.
فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً.
أما مكرهم بعيسى فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة.
فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب.
وأخرى قالت: كان ابن الله.
وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله.
وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى .
وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد.
فسمع بذلك ملك الروم.
وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم.
ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم.
وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك.
ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله على تكذيب المسيح والهم بقتله.
وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ أو بأنه عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج.
وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير.
﴿ إذ قال الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر ﴿ يا عيسى إني متوفيك ﴾ أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك.
وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ.
وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق.
ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي.
وقال محمد بن إسحق.
توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه.
وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب.
أخذه من قوله ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ﴾ .
وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده.
وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته.
وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته.
وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير.
فإن الواو لا تقتضي الترتيب.
والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا.
ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه يتوفاه بعد ذلك.
أما قوله ﴿ ورافعك إليّ ﴾ فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله.
والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية.
ولئن سلم أنه يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى.
ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق.
فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء.
وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة.
ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى.
على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد بعده فصدقوه في قوله: ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ﴾ أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى.
واعلم أن نص القرآن دل على أنه حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات.
الثاني أن جبريل كان معه حيث سار.
ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض.
فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟
وأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟
الثالث أنه كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟
وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟
الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء.
الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً.
فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر.
والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه قادر على خلق مثل زيد.
وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم.
وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف.
والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة.
وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم.
إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط.
وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر.
على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية.
قال: ﴿ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين.
وتفسيره قوله: ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها ﴿ والآخرة ﴾ بدخول النار خالدين فيها ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه.
وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين.
﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ خبره ﴿ نتلوه عليك ﴾ والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض.
جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته.
﴿ من الآيات ﴾ خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي.
ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و ﴿ نتلوه ﴾ صلته و ﴿ من الآيات ﴾ الخبر.
ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ﴿ نتلوه ﴾ .
والذكر الحكيم القرآن.
وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه.
وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه أنزل هذه القصص مما كتب هناك.
قال المفسرون: "إن وفد نجران قالوا لرسول الله : مالك تشتم صاحبنا؟
قال : وما أقول؟
قالوا: تقول إنه عبد.
قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟
فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ " أي حاله الغريبة كحاله.
ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب.
لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه.
ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي قدّره جسداً من طين.
قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث.
وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل".
والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" ﴿ ثم قال له ﴾ أي لذلك المقدّر ﴿ كن فيكون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: فأصر بها بلا دهش فخرت *** أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة.
وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي صيره بشراً سوياً.
ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن".
وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص.
والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود.
قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج.
وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء ﴿ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ﴾ ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء.
ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 13\] ثم جعله طيناً لازباً ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ ثم سنه وغير رائحته ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون ﴾ .
عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى ؟
قالوا: / لأنه لا أب له.
قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.
قالوا: كان يحيي الموتى.
قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.
فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص.
قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.
﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ من ربك ﴾ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان.
﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ الشاكين.
قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً.
وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.
التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس ﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد على الكائنات كقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" .
وقال : " "آدم فمن دونه تحت لوائي " ، واصطفاء على الجنس كقوله: ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس ﴾ ولمريم ﴿ إن الله اصطفاك ﴾ لاصطفائك إياه ﴿ وطهرك ﴾ عن الالتفات لغيره ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء.
﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله .
والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.
وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره.
قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال " "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع.
وسمي المسيح لأنه حين مسح الله ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " "إن الله أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح.
﴿ وكهلاً ﴾ أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.
﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات.
ولما كان روح عيسى وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ﴾ وهم القلب وصفاته ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله ﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت ﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ ومكروا ﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ ومكر الله ﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿ والله خير الماكرين ﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ ورافعك إليّ ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.
ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح.
﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿ والآخرة ﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله .
ثم قال له كن فيكون.
هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./ <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ ﴾ : قال أهل التفسير: هو جبريل - - لكن ذلك لا يعلم إلا بالخبر، فإن صحّ الخبر - فهو كذلك، وإلا لم يقل من كان مِنَ الملائكة قال ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ ﴾ : أن صفاها لعبادة نفسه، وخصّها له، ما لم يكن ذلك لأحد من النساء؛ فيكون ذاك صفوتها.
وقيل: اصطفاها بولادة عيسى - - إذ أخرج منها نبيّاً مباركاً تقيّاً، على خلاف ولادة البشر.
وقوله: ﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾ : قيل: من الآثام والفواحش.
وقيل: وطهرك من مسّ الذكور، وما قذفت به.
﴿ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا من صفوتها؛ إذ جعلها لعبادة نفسه خالصاً، أو ما قد ولدت من ولد من غير أب، على خلاف سائر البشر.
وعن ابن عباس - - قال: "خَطَّ رَسُولُ الله أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ؟
قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ: خَدِيجَةُ، وَفَاطِمَةُ، وَمَرْيَمُ، وآسيَةُ امْرَأةُ فِرْعَونَ" .
وكذلك روى أنس - - عن النبي قال: "خَيْرُ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ " وقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ ﴾ : يحتمل وجهين: الأمر بالقنوت: القيام، ثم الأمر بالسجود، أي: الصّلاة، ثم الأمر بالركوع مع الراكعين؛ وهو الصلاة بجماعة؛ ففيه الأمر بالصلاة بالجماعة، هل ما هو علينا؛ لأنه قال: ﴿ وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ ؛ وعلى ذلك روي في الخبر: "أنه سئل عن أفضل الصّلاة؟
فقال: طُولُ القُنُوتُ" ويحتمل أنه الأمر بالركوع، ثم بالسجود؛ فيدل أن السجود - وإن كان مقدماً ذكره على الركوع - فإنه ليس في تقديم ذكر شيء على شيء، ولا تأخير شيء عن شيء في الذكر دلالة وجوب الحكم كذلك.
وقيل: القنوت: هو الخضوع والطاعة؛ كقوله: ﴿ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ ﴾ أي: خاضعين مطيعين.
فإن قيل: كيف أُمِرَتْ بالركوع مع الراكعين؟!
قيل: كانوا - والله أعلم - ذوي قرابة منها ورحم؛ ألا ترى أنهم كيف اختصموا في ضمّها وإمساكها، حتى أراد كل واحد منهم ضمها إلى نفسه، وأنه الأحق بذلك؟!
دلَّ أن بينهم وبينها رحماً وقرابة.
وقيل في قوله: ﴿ ٱقْنُتِي ﴾ : أي: أطيلي الركوع في الصَّلاة والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: يحتمل: ﴿ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ : أي: ممن يركع ويخضع له بالعبادة، لا على الاجتماع - والله أعلم - كيف كان الأمر في ذلك؟.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ ﴾ : أي: من أخبار الغيب لم تشهده أنت يا محمّد ولم تحضر، بل نحن أخبرناك وذكرناك عن ذلك.
ثم في ذلك وجوه الدلالة: أحدها: أراد أن يخبره عن صفوة هؤلاء وصنيعهم؛ ليكون على علم من ذلك.
والثاني: دلالة إثبات رسالته؛ لأنَّه أخبر على ما كان من غير أن اختلف إلى أحد، أو أعلمه أحد من البشر على علم منهم ذلك؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله عزّ وجل.
والثالث: أن يتأمل وجه الصفوة لهم؛ أنهم بما نالوه؛ فيجتهدوا في ذلك، والله أعلم.
وفي ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى أن ظهر ذلك بإلقاء الأقلام.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ الآية.
قيل: إنهم ألقوا أقلامهم على جرية الماء، فذهبت الأقلام كلها مع الجرية؛ إلا قلم زكريا؛ فإنه وقف على وجه الماء.
وقيل: طرحوا أقلامهم في الماء، وكان من شرطهم أن من صعد قلمه عالياً مع الجرية، فهو أحق بها، ومن سفل قلمه مع الجرية فهو المقروع، فصعد قلم زكريا، وتسفلت أقلامهم؛ فعند ذلك ضمّها زكريا إلى نفسه.
ثم من الناس من احتج بجواز القرعة والعمل بها - بهذه الآية؛ حيث ضمّها زكريا - مريم - إلى نفسه، لما خرجت القرعة له؛ لكن القرعة في الأنبياء لتبيين الأحق من غيره؛ لوجهين: لحق الوحي.
والثاني: لظهور إعلام في نفس القرعة؛ ما يعلم أنه كان بالله ذلك لا بنفسه؛ كارتفاع القلم على الماء، ومثل ذلك لا يكون للقلم، والمحق من المبطل، وفيما بين سائر الخلق؛ لدفعهم التهم؛ فهي لا تدفع أبداً.
ويحتمل استعمال القرعة فيها لتطييب الأنفس بذلك، أو علموا ذلك بالوحي، فليس اليوم وحي؛ لذلك بطل الاستدلال لجواز العمل بالقرعة اليوم، والله أعلم.
أو كان ذلك آية، والآية لا يقاس عليها غيرها؛ نحو: قبول قول قتيل بني إسرائيل - آية، ليس به معتبر في جواز قول قتيل آخر قبل الموت.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ ﴾ : يحتمل: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : أن قال: "كن" - فكان من غير أب ولا سبب، وسائر البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب: من النطفة، ثم من العقلة، ثم من مضغة مخلقة على ما وصف - عز وجل - في كتابه، وكان أمر عيسى - - على خلاف ذلك.
ويحتمل: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : ما ذكر أنه كلم الناس في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [مريم: 30].
وذلك مما خص به عيسى، وهو بكلمة من الله قال ذلك.
فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ ؛ والكهل: مما يكلم الناس؟
قيل: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ ﴾ الآية [النور: 24]، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق أبداً، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا يدوم، ولا يكون إلا مرّة.
والثاني: أمن من الله لمريم، وبشارة لها عن وفاته إلى وقت كهولته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ ﴾ .
قال ابن عباس - -: "المسيح: المبارك"، أي: مسح بالبركة.
وقيل: سمي مسيحاً؛ لأنه كان يسمح عين الأعمى والأعور فيبصر.
وقيل: المسيح: العظيم؛ لكنّه - والله أعلم - بلسانهم؛ فيسأل: ما المسيح بلسانهم.
وقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : بالمنزلة، ومكيناً في الآخرة، ﴿ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ﴾ في الدرجة والرفعة، ومن كان وجيهاً في الدينا والآخرة مقرب فيهما.
وقوله: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ : عرفت مريم أن الولد يكون بمسّ البشر، وعلمت - أيضاً - أنها لا تتزوج، ولا يمسّها بشر أبداً؛ لأنها قالت: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ فإن لم يكن مسها أحد قبل ذلك، فلعله يمسّها في حادث الوقت؛ فيكون لها منه الولد، فلما لم يقل لها يمسسك؛ ولكن قال: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ دل ذلك أنها علمت أنها لا تتزوج أبداً؛ لأنها كانت محررة لله، مخلصة له في العبادة، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ ﴾ .
أي: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة؛ لأنها بشرت أن يهب لها ولداً، فقالت: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة، ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ ؟
ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ تأويله: ما ذكر في سورة مريم حيث قالت: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ الآية [مريم: 20] الآية، ثم قال: ﴿ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ أي: خلق الخلق عليَّ هين: بأبٍ، وبغير أب، وبمسِّ بشر، وبغير مسّ، [وبسبب، وبغير سبب؛ على ما خلق آدم بغير أب ولا أم؛ فعلى ذلك يخلق بتوالد بعض من بعض، وبغير توالد بعض من بعض]؛ كخلق الليل والنهار، يخلق بلا توالد أحدهما من الآخر؛ فكذلك يخلق لك ولداً من غير أب ولا مسّ بشر، وبالله الحول والقوة.
وقوله: ﴿ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ : أي: إذا قضى أمراً بتكوين أحد، أو بتكوين - فإنما يقول له: كن، لا يثقل عليه، ولا يصعب خلق الخلق وتكوينهم؛ كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ أي: خلق الخلق كلهم ابتداء، وبعثهم بعد الموت - كخلق نفس واحدة؛ أن يقول: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ؛ وإنما يثقل ذلك على الخلق ويصعب؛ لموانع تمنعهم وأشغال تشغلهم، فأمّا الله - وتعالى - عن أن يشغله شغل، أو يمنعه مانع، أو يحجب عليه حجاب.
وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ : ذكر - والله أعلم - هذا الحرف؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف أو جزء منه يعبر فيفهم معناه، لا أن كان منه - عز وجل - كاف أو نون، أو حرف، أو هجاء، أو صفة يفهم ويعرف حقيقته، أو يوصف هو بمعنى من معاني [كلام] الخلق أو صفاتهم، أو يكون لتكوينه وقت أو مدة أو حال، أو يكون تكوين بعد تكوين، على ما يكون من الخلق، إنما هو أوجز حرف يفهم معناه، بالعبارة إخبار منه - عز جل - الخلق عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته.
<div class="verse-tafsir"
ذلك المذكور من خبر زكريا ومريم - عليهما السلام - من أخبار الغيب نوحيه إليك -أيها الرسول- وما كنت عند أولئك العلماء والصالحين حين اختصموا فيمن هو أحق بتربية مريم، حتى لجؤوا للقرعة فألقوا أقلامهم، ففاز قلم زكريا .
<div class="verse-tafsir" id="91.Jj2P8"
أعقب هذه القصة بهذه الآية الناطقة بأنها من أنباء الغيب، وأخر خبر إلقاء الأقلام لكفالة مريم، وذكره في سياق نفي حضور النبي مجلس القوم وشهود ما جرى منهم.
ولا بد لهذه العناية من نكتة وقد قالوا في بيانها إن كونه لم يقرأ أخبار القوم ولم يروها سماعًا عن أحد معلوم عند منكري نبوته فلم يبق له طريق للعلم بها إلا مشاهدتها فنفاها تهكمًا بهم وبذلك تعين أنه لم يبق له طريق إلا وحي الله تعالى إليه بها.
وهذا الجواب منقوض، وإن اتفق عليه من نعرف من المفسرين، وذلك أن القرآن نطق بأنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا ﴾ فالصواب أن النكتة في النص على نفي حضور النبي القوم إذ يلقون أقلامهم، بعد النص على كون القصة من أنباء الغيب، هي أن هذه المسألة لم تكن معلومة عند أهل الكتاب فيكون للمنكرين شبهة على أنه أخذها عنهم.
<div class="verse-tafsir"